I'rab Al Quran li Al Darwish — هود 11:55 – هود 11:97
المحتويات
- هود 11:55
- هود 11:56
- هود 11:57
- هود 11:58
- هود 11:59
- هود 11:60
- هود 11:61
- هود 11:62
- هود 11:63
- هود 11:64
- هود 11:65
- هود 11:66
- هود 11:67
- هود 11:68
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:71
- هود 11:72
- هود 11:73
- هود 11:74
- هود 11:75
- هود 11:76
- هود 11:77
- هود 11:78
- هود 11:79
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:84
- هود 11:85
- هود 11:86
- هود 11:87
- هود 11:88
- هود 11:89
- هود 11:90
- هود 11:91
- هود 11:92
- هود 11:93
- هود 11:94
- هود 11:95
- هود 11:96
- هود 11:97
هود 11:55
اللغة:
(فَطَرَنِي) : فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها وافتطر الأمر ابتدعه «وكل مولود يولد على الفطرة» أي على الجبلة وقد فطر هذه البئر وفطر الله الشجر بالورق فانفطر به وتفطّر، وتفطّرت الأرض بالنبات، وتفطرت اليد والثوب: تشققت وفطر ناب البعير: طلع وفطرت المرأة العجين، وهذا كلام يفطر الصوم أي يفسده.
(مِدْراراً) : المدرار: الكثير الدرور كالمغزار ولم يؤنثه وإن كان من مؤنث لثلاثة أسباب أحدها أن المراد بالسماء السحاب أو المطر فذكر على المعنى والثاني أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور والثالث أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب وفي القاموس: درت السماء بالمطر درا ودرورا فهي مدرار.
(الناصية) : منبت الشعر من مقدّم الرأس ويسمى الشعر النابت أيضا ناصية باسم محله ونصوت الرجل أخذت بناصيته فلامها واو ويقال له ناصاة فقلبت ياؤها ألفا فالأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر وإن لم يكن ثمة أخذ بناصيته ولذا كانوا إذا منّوا على أسير جزوا ناصيته.
الإعراب:
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) عطف على قصة نوح والمعطوف محذوف أي وأرسلنا إلى عاد فيكون من عطف الجمل لا من عطف المفردات لطول الفصل وعاد اسم قبيلة وصرفها لأنه أراد الحي ولو أراد القبيلة لم تصرف وأخاهم مفعول لأرسلنا المحذوفة وأراد إخوتهم في النسب وهودا بدل أو عطف بيان وسيرد في باب الفوائد الفرق الدقيق بين البدل وعطف البيان. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) اعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وغيره صفة لإله على المحل ويجوز الجر صفة على اللفظ وقد قرىء بها.
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر ومفترون خبر أنتم (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) لا نافية وأسألكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وعليه حال وأجرا مفعول به ثان.
(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) إن نافية وأجري مبتدأ وإلا أداة حصر وعلى الذي خبر وجملة فطرني صلة والهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وقد تقدم بحث هذا التركيب وتعقلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل. (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) استغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به، ثم توبوا اليه عطف على استغفروا، ويرسل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والسماء مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بمدرارا ومدرارا حال من السماء وقد تقدم ذكر السبب في عدم تأنيثها. (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) ويزدكم عطف على يرسل والكاف مفعول به أول وقوة مفعول به ثان وإلى قوتكم صفة والى بمعنى مع ولا تتولوا لا ناهية وتتولوا مجزوم بلا ومجرمين حال من الواو. (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) يا حرف نداء وهود منادى مفرد علم مبني على الضم وما نافية وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وببينة جار ومجرور متعلقان بجئتنا فتكون الباء للتعدية ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال أي مستقرا أو متلبسا ببينة.
(وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) الواو عاطفة وما حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وتاركي مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وعن قولك حال من الضمير في تاركي كأنه قال وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ويجوز أن تكون عن للتعليل والمعنى وما نحن بتاركي آلهتنا لقولك فيتعلق بنفس تاركي. (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وما حجازية نحن اسمها ولك متعلقان بمؤمنين والباء حرف جر زائد ومؤمنين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما.
(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) إن نافية ونقول فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وإلا أداة حصر وجملة اعتراك معمول لنقول أي منصوبة بمصدر محذوف، وذلك المصدر منصوب بنقول أي: إلا قولنا اعتراك، والكاف مفعول به وبعض آلهتنا فاعل وبسوء جار ومجرور متعلقان باعتراك والمعنى ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وسيأتي مزيد بحث عن هذه الفائدة في باب الفوائد.
(قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) إن واسمها وقد كسرت همزتها بعد القول وجملة أشهد خبرها واشهدوا فعل أمر وأن المفتوحة الهمزة وما في حيزها معمول لاشهدوا أو لأشهد الله، على أن المسألة من باب التنازع وسيأتي بحث التنازع في باب الفوائد، وان واسمها وخبرها ومما متعلقان ببريء وجملة تشركون صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي من اشراككم. (مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) من دونه حال، فكيدوني الفاء الفصيحة وكيدوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به وجميعا حال ثم حرف عطف ولا ناهية وتنظرون فعل مضارع مجزوم بلا والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به. (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) اني: ان واسمها وجملة توكلت خبرها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلت وربي بدل أو صفة وربكم عطف على ربي.
(ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) ما نافية ومن حرف جر زائد ودابة مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لسبقها بالنفي وإلا أداة حصر وهو مبتدأ وآخذ خبر وبناصيتها جار ومجرور متعلقان بآخذ. (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) إن واسمها وعلى صراط خبرها ومستقيم صفة.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية وتولوا فعل مضارع حذفت فيه إحدى التاءين والأصل تتولوا وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وأبلغتم فعل وفاعل ومفعول به وما مفعول به ثان وجملة أرسلت صلة وبه متعلقان بأرسلت وإليكم حال. (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) كلام مستأنف ولذلك رفعه ولم ينسقه على الجواب على أنه قرىء بالجزم أيضا على الموضع وهو صحيح لا غبار عليه وربي فاعل وقوما مفعول به وغيركم صفة لقوما ولا تضرونه عطف على يستخلف وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر. (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) إن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بحفيظ وحفيظ خبر إن. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) لما ظرفية حينية متعلقة بنجينا أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا هودا فعل وفاعل ومفعول به والذين عطف على هود وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا وبرحمة متعلقان بنجينا ومنا صفة لرحمة.
(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) ونجيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن عذاب جار ومجرور متعلقان بنجيناهم وغليظ صفة لعذاب.
(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة سيقت لتلخيص القبائح التي ارتكبها قوم عاد وتلك مبتدأ وعاد بدل أو عطف بيان وجملة جحدوا خبر تلك ولك أن تجعل تلك عاد مبتدأ وخبرا ثم تستأنف، وبآيات متعلقان بجحدوا وربهم مضاف وعصوا رسله فعل وفاعل ومفعول به. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واتبعوا عطف على جحدوا وأمر مفعول به وكل مضاف إليه وجبار مضاف لكل وعنيد صفة لجبار. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) واتبعوا عطف على ما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه الدنيا متعلقان بأتبعوا والدنيا بدل من اسم الاشارة ولعنة مفعول به ثان ويوم القيامة ظرف متعلق بفعل محذوف تقديره اتبعوا، وأجاز الفارسي أن يكون يوم القيامة عطفا على محل هذه لأن قوله في هذه جار ومجرور متعلقان بأتبعوا فهو عامل في محل النصب ولا مانع من عطف الزمان على الدنيا لأنها ظرف مكان فاشتركا في الظرفية. (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ) ألا أداة تنبيه وان واسمها وكفروا فعل وفاعل وربهم منصوب بنزع الخافض ولك أن تنصبه على المفعولية بتضمين كفروا معنى جحدوا. (أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ) ألا أداة تنبيه تأكيد للأولى وبعدا تقدم اعرابها وتقدم معنى اللام وتعليقها مفصلا في موضع قريب فجدد به عهدا، وقوم بدل أو عطف وهود مضاف إليه.
البلاغة:
في قوله تعالى: «قال إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون» فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا، ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر كقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه اشهد عليّ اني لا أحبك تهكما به واستهانة بحاله، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن صيغة الخبر لا تحتمل سوى الاخبار بوقوع الاشهاد منه فلما كان اشهاده لله واقعا ومحققا عبر عنه بصيغة الخبر لأنه إشهاد صحيح وثابت وعبر في جانبهم بصيغة الأمر التي تتضمن الاستهانة بدينهم وهو مراده في هذا المقام ومن جهة ثالثة إنما عدل إلى صيغة الأمر عن صيغة الخبر للتمييز بين خطابه لله تعالى وخطابه لهم بأن يعبر عن خطاب الله تعالى بصيغة الخبر التي هي أجل وأشرف وأوقر للمخاطب من صيغة الأمر.
الفوائد:
1- الفرق بين عطف البيان والبدل:
أوجه الشبه بينهما:
أوجه الشبه بين عطف البيان والبدل أربعة وهي:
1- ان فيه بيانا كما في البدل للثاني.
2- انه يكون بالأسماء الجوامد كالبدل.
3- انه يكون لفظه لفظ الاول على جهة التأكيد.
4- كلاهما تابع.
أوجه المفارقة بينهما:
أما أوجه المفارقة بينهما فهي:
1- ان البدل يكون هو المقصود بالحكم دون المبدل منه وأما عطف البيان فليس هو المقصود بل ان المقصود بالحكم هو المتبوع وإنما جيء بعطف البيان توضيحا له وكشفا عن المراد منه.
2- كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدل الكل من الكل إذا لم يمكن الاستغناء عنه أو عن متبوعه فيجب حينئذ أن يكون عطف بيان فمثال عدم جواز الاستغناء عن التابع قولك: فاطمة جاء حسين أخوها، لأنك لو حذفت «أخوها» من الكلام لفسد التركيب.
3- ان عطف البيان يجري على ما قلبه في تعريفه وليس كذلك البدل لأنه يجوز أن تبدل النكرة من المعرفة والمعرفة من النكرة ولا يجوز ذلك في عطف البيان.
4- ان البدل يكون بالمظهر والمضمر وكذلك المبدل منه ولا يجوز ذلك في عطف البيان وان البدل قد يكون غير الاول كقولك: سلب زيد ثوبه، وعطف البيان لا يكون غير الاول.
2- الفائدة الثانية:
«إن نقول إلا اعتراك» إن حرف نفي لحقت نقول فنفت جميع القول إلا قولا واحدا وهو قولهم اعتراك بعض آلهتنا بسوء والتقدير ما نقول قولا إلا هذه المقالة والفعل يدل على المصدر وعلى الظرف وعلى الحال ويجوز أن يذكر الفعل ثم يستثنى من مدلوله ما دلّ عليه من المصادر والظروف والأحوال فنقول اعتراك مستثنى من المصدر الذي دل عليه، نقول كقوله تعالى «فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى» فنصب موتتنا على الاستثناء لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دل عليه قوله بميتين ومما جاء من ذلك في الظروف قوله «ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار» فساعة استثناء مما دل عليه لم يلبثوا من لأوقات، ومما جاء من ذلك في الحال قوله «ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله» التقدير ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل أي بعهد من الله.
3- الفائدة الثالثة: التنازع:
هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما ويتأخر عنهما معمول وهو مطلوب لكل منهما كقوله تعالى «آتوني أفرغ عليه قطرا» ولك أن تعمل في الاسم المذكور أي العاملين شئت، فإن أعملت الثاني فلقربه وإن أعملت الأول فلسبقه فإن أعملت الاول في الظاهر أعملت الثاني في ضميره مرفوعا كان أم غيره نحو: قام وقعدوا أخواك واجتهد فأكرمتهما أخواك ووقف فسلمت عليهما أخواك وأكرمت فسرا أخويك وأكرمت فشكر لي خالدا، ومن النحاة من أجاز حذفه إن كان غير ضمير رفع كقوله:
بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه وإن أعملت الثاني في الظاهر أعملت الأول في ضميره إن كان مرفوعا نحو قاما وقعد أخواك واجتهدا فأكرمت أخويك ووقفا فسلمت على أخويك ومنه قول الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل وإن كان ضميره غير مرفوع حذفته نحو أكرمت فسر أخواك وأكرمت فشكر لي خالد وأكرمت وأكرمني سعيد ومررت ومر بي علي.
وهناك أحكام أخرى للتنازع يرجع إليها في كتب النحو المطولة.
هود 11:56
اللغة:
(فَطَرَنِي) : فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها وافتطر الأمر ابتدعه «وكل مولود يولد على الفطرة» أي على الجبلة وقد فطر هذه البئر وفطر الله الشجر بالورق فانفطر به وتفطّر، وتفطّرت الأرض بالنبات، وتفطرت اليد والثوب: تشققت وفطر ناب البعير: طلع وفطرت المرأة العجين، وهذا كلام يفطر الصوم أي يفسده.
(مِدْراراً) : المدرار: الكثير الدرور كالمغزار ولم يؤنثه وإن كان من مؤنث لثلاثة أسباب أحدها أن المراد بالسماء السحاب أو المطر فذكر على المعنى والثاني أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور والثالث أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب وفي القاموس: درت السماء بالمطر درا ودرورا فهي مدرار.
(الناصية) : منبت الشعر من مقدّم الرأس ويسمى الشعر النابت أيضا ناصية باسم محله ونصوت الرجل أخذت بناصيته فلامها واو ويقال له ناصاة فقلبت ياؤها ألفا فالأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر وإن لم يكن ثمة أخذ بناصيته ولذا كانوا إذا منّوا على أسير جزوا ناصيته.
الإعراب:
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) عطف على قصة نوح والمعطوف محذوف أي وأرسلنا إلى عاد فيكون من عطف الجمل لا من عطف المفردات لطول الفصل وعاد اسم قبيلة وصرفها لأنه أراد الحي ولو أراد القبيلة لم تصرف وأخاهم مفعول لأرسلنا المحذوفة وأراد إخوتهم في النسب وهودا بدل أو عطف بيان وسيرد في باب الفوائد الفرق الدقيق بين البدل وعطف البيان. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) اعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وغيره صفة لإله على المحل ويجوز الجر صفة على اللفظ وقد قرىء بها.
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر ومفترون خبر أنتم (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) لا نافية وأسألكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وعليه حال وأجرا مفعول به ثان.
(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) إن نافية وأجري مبتدأ وإلا أداة حصر وعلى الذي خبر وجملة فطرني صلة والهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وقد تقدم بحث هذا التركيب وتعقلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل. (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) استغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به، ثم توبوا اليه عطف على استغفروا، ويرسل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والسماء مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بمدرارا ومدرارا حال من السماء وقد تقدم ذكر السبب في عدم تأنيثها. (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) ويزدكم عطف على يرسل والكاف مفعول به أول وقوة مفعول به ثان وإلى قوتكم صفة والى بمعنى مع ولا تتولوا لا ناهية وتتولوا مجزوم بلا ومجرمين حال من الواو. (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) يا حرف نداء وهود منادى مفرد علم مبني على الضم وما نافية وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وببينة جار ومجرور متعلقان بجئتنا فتكون الباء للتعدية ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال أي مستقرا أو متلبسا ببينة.
(وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) الواو عاطفة وما حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وتاركي مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وعن قولك حال من الضمير في تاركي كأنه قال وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ويجوز أن تكون عن للتعليل والمعنى وما نحن بتاركي آلهتنا لقولك فيتعلق بنفس تاركي. (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وما حجازية نحن اسمها ولك متعلقان بمؤمنين والباء حرف جر زائد ومؤمنين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما.
(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) إن نافية ونقول فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وإلا أداة حصر وجملة اعتراك معمول لنقول أي منصوبة بمصدر محذوف، وذلك المصدر منصوب بنقول أي: إلا قولنا اعتراك، والكاف مفعول به وبعض آلهتنا فاعل وبسوء جار ومجرور متعلقان باعتراك والمعنى ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وسيأتي مزيد بحث عن هذه الفائدة في باب الفوائد.
(قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) إن واسمها وقد كسرت همزتها بعد القول وجملة أشهد خبرها واشهدوا فعل أمر وأن المفتوحة الهمزة وما في حيزها معمول لاشهدوا أو لأشهد الله، على أن المسألة من باب التنازع وسيأتي بحث التنازع في باب الفوائد، وان واسمها وخبرها ومما متعلقان ببريء وجملة تشركون صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي من اشراككم. (مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) من دونه حال، فكيدوني الفاء الفصيحة وكيدوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به وجميعا حال ثم حرف عطف ولا ناهية وتنظرون فعل مضارع مجزوم بلا والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به. (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) اني: ان واسمها وجملة توكلت خبرها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلت وربي بدل أو صفة وربكم عطف على ربي.
(ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) ما نافية ومن حرف جر زائد ودابة مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لسبقها بالنفي وإلا أداة حصر وهو مبتدأ وآخذ خبر وبناصيتها جار ومجرور متعلقان بآخذ. (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) إن واسمها وعلى صراط خبرها ومستقيم صفة.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية وتولوا فعل مضارع حذفت فيه إحدى التاءين والأصل تتولوا وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وأبلغتم فعل وفاعل ومفعول به وما مفعول به ثان وجملة أرسلت صلة وبه متعلقان بأرسلت وإليكم حال. (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) كلام مستأنف ولذلك رفعه ولم ينسقه على الجواب على أنه قرىء بالجزم أيضا على الموضع وهو صحيح لا غبار عليه وربي فاعل وقوما مفعول به وغيركم صفة لقوما ولا تضرونه عطف على يستخلف وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر. (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) إن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بحفيظ وحفيظ خبر إن. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) لما ظرفية حينية متعلقة بنجينا أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا هودا فعل وفاعل ومفعول به والذين عطف على هود وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا وبرحمة متعلقان بنجينا ومنا صفة لرحمة.
(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) ونجيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن عذاب جار ومجرور متعلقان بنجيناهم وغليظ صفة لعذاب.
(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة سيقت لتلخيص القبائح التي ارتكبها قوم عاد وتلك مبتدأ وعاد بدل أو عطف بيان وجملة جحدوا خبر تلك ولك أن تجعل تلك عاد مبتدأ وخبرا ثم تستأنف، وبآيات متعلقان بجحدوا وربهم مضاف وعصوا رسله فعل وفاعل ومفعول به. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واتبعوا عطف على جحدوا وأمر مفعول به وكل مضاف إليه وجبار مضاف لكل وعنيد صفة لجبار. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) واتبعوا عطف على ما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه الدنيا متعلقان بأتبعوا والدنيا بدل من اسم الاشارة ولعنة مفعول به ثان ويوم القيامة ظرف متعلق بفعل محذوف تقديره اتبعوا، وأجاز الفارسي أن يكون يوم القيامة عطفا على محل هذه لأن قوله في هذه جار ومجرور متعلقان بأتبعوا فهو عامل في محل النصب ولا مانع من عطف الزمان على الدنيا لأنها ظرف مكان فاشتركا في الظرفية. (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ) ألا أداة تنبيه وان واسمها وكفروا فعل وفاعل وربهم منصوب بنزع الخافض ولك أن تنصبه على المفعولية بتضمين كفروا معنى جحدوا. (أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ) ألا أداة تنبيه تأكيد للأولى وبعدا تقدم اعرابها وتقدم معنى اللام وتعليقها مفصلا في موضع قريب فجدد به عهدا، وقوم بدل أو عطف وهود مضاف إليه.
البلاغة:
في قوله تعالى: «قال إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون» فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا، ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر كقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه اشهد عليّ اني لا أحبك تهكما به واستهانة بحاله، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن صيغة الخبر لا تحتمل سوى الاخبار بوقوع الاشهاد منه فلما كان اشهاده لله واقعا ومحققا عبر عنه بصيغة الخبر لأنه إشهاد صحيح وثابت وعبر في جانبهم بصيغة الأمر التي تتضمن الاستهانة بدينهم وهو مراده في هذا المقام ومن جهة ثالثة إنما عدل إلى صيغة الأمر عن صيغة الخبر للتمييز بين خطابه لله تعالى وخطابه لهم بأن يعبر عن خطاب الله تعالى بصيغة الخبر التي هي أجل وأشرف وأوقر للمخاطب من صيغة الأمر.
الفوائد:
1- الفرق بين عطف البيان والبدل:
أوجه الشبه بينهما:
أوجه الشبه بين عطف البيان والبدل أربعة وهي:
1- ان فيه بيانا كما في البدل للثاني.
2- انه يكون بالأسماء الجوامد كالبدل.
3- انه يكون لفظه لفظ الاول على جهة التأكيد.
4- كلاهما تابع.
أوجه المفارقة بينهما:
أما أوجه المفارقة بينهما فهي:
1- ان البدل يكون هو المقصود بالحكم دون المبدل منه وأما عطف البيان فليس هو المقصود بل ان المقصود بالحكم هو المتبوع وإنما جيء بعطف البيان توضيحا له وكشفا عن المراد منه.
2- كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدل الكل من الكل إذا لم يمكن الاستغناء عنه أو عن متبوعه فيجب حينئذ أن يكون عطف بيان فمثال عدم جواز الاستغناء عن التابع قولك: فاطمة جاء حسين أخوها، لأنك لو حذفت «أخوها» من الكلام لفسد التركيب.
3- ان عطف البيان يجري على ما قلبه في تعريفه وليس كذلك البدل لأنه يجوز أن تبدل النكرة من المعرفة والمعرفة من النكرة ولا يجوز ذلك في عطف البيان.
4- ان البدل يكون بالمظهر والمضمر وكذلك المبدل منه ولا يجوز ذلك في عطف البيان وان البدل قد يكون غير الاول كقولك: سلب زيد ثوبه، وعطف البيان لا يكون غير الاول.
2- الفائدة الثانية:
«إن نقول إلا اعتراك» إن حرف نفي لحقت نقول فنفت جميع القول إلا قولا واحدا وهو قولهم اعتراك بعض آلهتنا بسوء والتقدير ما نقول قولا إلا هذه المقالة والفعل يدل على المصدر وعلى الظرف وعلى الحال ويجوز أن يذكر الفعل ثم يستثنى من مدلوله ما دلّ عليه من المصادر والظروف والأحوال فنقول اعتراك مستثنى من المصدر الذي دل عليه، نقول كقوله تعالى «فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى» فنصب موتتنا على الاستثناء لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دل عليه قوله بميتين ومما جاء من ذلك في الظروف قوله «ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار» فساعة استثناء مما دل عليه لم يلبثوا من لأوقات، ومما جاء من ذلك في الحال قوله «ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله» التقدير ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل أي بعهد من الله.
3- الفائدة الثالثة: التنازع:
هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما ويتأخر عنهما معمول وهو مطلوب لكل منهما كقوله تعالى «آتوني أفرغ عليه قطرا» ولك أن تعمل في الاسم المذكور أي العاملين شئت، فإن أعملت الثاني فلقربه وإن أعملت الأول فلسبقه فإن أعملت الاول في الظاهر أعملت الثاني في ضميره مرفوعا كان أم غيره نحو: قام وقعدوا أخواك واجتهد فأكرمتهما أخواك ووقف فسلمت عليهما أخواك وأكرمت فسرا أخويك وأكرمت فشكر لي خالدا، ومن النحاة من أجاز حذفه إن كان غير ضمير رفع كقوله:
بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه وإن أعملت الثاني في الظاهر أعملت الأول في ضميره إن كان مرفوعا نحو قاما وقعد أخواك واجتهدا فأكرمت أخويك ووقفا فسلمت على أخويك ومنه قول الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل وإن كان ضميره غير مرفوع حذفته نحو أكرمت فسر أخواك وأكرمت فشكر لي خالد وأكرمت وأكرمني سعيد ومررت ومر بي علي.
وهناك أحكام أخرى للتنازع يرجع إليها في كتب النحو المطولة.
هود 11:57
اللغة:
(فَطَرَنِي) : فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها وافتطر الأمر ابتدعه «وكل مولود يولد على الفطرة» أي على الجبلة وقد فطر هذه البئر وفطر الله الشجر بالورق فانفطر به وتفطّر، وتفطّرت الأرض بالنبات، وتفطرت اليد والثوب: تشققت وفطر ناب البعير: طلع وفطرت المرأة العجين، وهذا كلام يفطر الصوم أي يفسده.
(مِدْراراً) : المدرار: الكثير الدرور كالمغزار ولم يؤنثه وإن كان من مؤنث لثلاثة أسباب أحدها أن المراد بالسماء السحاب أو المطر فذكر على المعنى والثاني أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور والثالث أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب وفي القاموس: درت السماء بالمطر درا ودرورا فهي مدرار.
(الناصية) : منبت الشعر من مقدّم الرأس ويسمى الشعر النابت أيضا ناصية باسم محله ونصوت الرجل أخذت بناصيته فلامها واو ويقال له ناصاة فقلبت ياؤها ألفا فالأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر وإن لم يكن ثمة أخذ بناصيته ولذا كانوا إذا منّوا على أسير جزوا ناصيته.
الإعراب:
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) عطف على قصة نوح والمعطوف محذوف أي وأرسلنا إلى عاد فيكون من عطف الجمل لا من عطف المفردات لطول الفصل وعاد اسم قبيلة وصرفها لأنه أراد الحي ولو أراد القبيلة لم تصرف وأخاهم مفعول لأرسلنا المحذوفة وأراد إخوتهم في النسب وهودا بدل أو عطف بيان وسيرد في باب الفوائد الفرق الدقيق بين البدل وعطف البيان. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) اعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وغيره صفة لإله على المحل ويجوز الجر صفة على اللفظ وقد قرىء بها.
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر ومفترون خبر أنتم (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) لا نافية وأسألكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وعليه حال وأجرا مفعول به ثان.
(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) إن نافية وأجري مبتدأ وإلا أداة حصر وعلى الذي خبر وجملة فطرني صلة والهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وقد تقدم بحث هذا التركيب وتعقلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل. (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) استغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به، ثم توبوا اليه عطف على استغفروا، ويرسل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والسماء مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بمدرارا ومدرارا حال من السماء وقد تقدم ذكر السبب في عدم تأنيثها. (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) ويزدكم عطف على يرسل والكاف مفعول به أول وقوة مفعول به ثان وإلى قوتكم صفة والى بمعنى مع ولا تتولوا لا ناهية وتتولوا مجزوم بلا ومجرمين حال من الواو. (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) يا حرف نداء وهود منادى مفرد علم مبني على الضم وما نافية وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وببينة جار ومجرور متعلقان بجئتنا فتكون الباء للتعدية ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال أي مستقرا أو متلبسا ببينة.
(وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) الواو عاطفة وما حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وتاركي مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وعن قولك حال من الضمير في تاركي كأنه قال وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ويجوز أن تكون عن للتعليل والمعنى وما نحن بتاركي آلهتنا لقولك فيتعلق بنفس تاركي. (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وما حجازية نحن اسمها ولك متعلقان بمؤمنين والباء حرف جر زائد ومؤمنين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما.
(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) إن نافية ونقول فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وإلا أداة حصر وجملة اعتراك معمول لنقول أي منصوبة بمصدر محذوف، وذلك المصدر منصوب بنقول أي: إلا قولنا اعتراك، والكاف مفعول به وبعض آلهتنا فاعل وبسوء جار ومجرور متعلقان باعتراك والمعنى ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وسيأتي مزيد بحث عن هذه الفائدة في باب الفوائد.
(قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) إن واسمها وقد كسرت همزتها بعد القول وجملة أشهد خبرها واشهدوا فعل أمر وأن المفتوحة الهمزة وما في حيزها معمول لاشهدوا أو لأشهد الله، على أن المسألة من باب التنازع وسيأتي بحث التنازع في باب الفوائد، وان واسمها وخبرها ومما متعلقان ببريء وجملة تشركون صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي من اشراككم. (مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) من دونه حال، فكيدوني الفاء الفصيحة وكيدوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به وجميعا حال ثم حرف عطف ولا ناهية وتنظرون فعل مضارع مجزوم بلا والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به. (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) اني: ان واسمها وجملة توكلت خبرها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلت وربي بدل أو صفة وربكم عطف على ربي.
(ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) ما نافية ومن حرف جر زائد ودابة مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لسبقها بالنفي وإلا أداة حصر وهو مبتدأ وآخذ خبر وبناصيتها جار ومجرور متعلقان بآخذ. (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) إن واسمها وعلى صراط خبرها ومستقيم صفة.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية وتولوا فعل مضارع حذفت فيه إحدى التاءين والأصل تتولوا وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وأبلغتم فعل وفاعل ومفعول به وما مفعول به ثان وجملة أرسلت صلة وبه متعلقان بأرسلت وإليكم حال. (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) كلام مستأنف ولذلك رفعه ولم ينسقه على الجواب على أنه قرىء بالجزم أيضا على الموضع وهو صحيح لا غبار عليه وربي فاعل وقوما مفعول به وغيركم صفة لقوما ولا تضرونه عطف على يستخلف وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر. (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) إن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بحفيظ وحفيظ خبر إن. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) لما ظرفية حينية متعلقة بنجينا أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا هودا فعل وفاعل ومفعول به والذين عطف على هود وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا وبرحمة متعلقان بنجينا ومنا صفة لرحمة.
(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) ونجيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن عذاب جار ومجرور متعلقان بنجيناهم وغليظ صفة لعذاب.
(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة سيقت لتلخيص القبائح التي ارتكبها قوم عاد وتلك مبتدأ وعاد بدل أو عطف بيان وجملة جحدوا خبر تلك ولك أن تجعل تلك عاد مبتدأ وخبرا ثم تستأنف، وبآيات متعلقان بجحدوا وربهم مضاف وعصوا رسله فعل وفاعل ومفعول به. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واتبعوا عطف على جحدوا وأمر مفعول به وكل مضاف إليه وجبار مضاف لكل وعنيد صفة لجبار. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) واتبعوا عطف على ما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه الدنيا متعلقان بأتبعوا والدنيا بدل من اسم الاشارة ولعنة مفعول به ثان ويوم القيامة ظرف متعلق بفعل محذوف تقديره اتبعوا، وأجاز الفارسي أن يكون يوم القيامة عطفا على محل هذه لأن قوله في هذه جار ومجرور متعلقان بأتبعوا فهو عامل في محل النصب ولا مانع من عطف الزمان على الدنيا لأنها ظرف مكان فاشتركا في الظرفية. (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ) ألا أداة تنبيه وان واسمها وكفروا فعل وفاعل وربهم منصوب بنزع الخافض ولك أن تنصبه على المفعولية بتضمين كفروا معنى جحدوا. (أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ) ألا أداة تنبيه تأكيد للأولى وبعدا تقدم اعرابها وتقدم معنى اللام وتعليقها مفصلا في موضع قريب فجدد به عهدا، وقوم بدل أو عطف وهود مضاف إليه.
البلاغة:
في قوله تعالى: «قال إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون» فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا، ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر كقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه اشهد عليّ اني لا أحبك تهكما به واستهانة بحاله، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن صيغة الخبر لا تحتمل سوى الاخبار بوقوع الاشهاد منه فلما كان اشهاده لله واقعا ومحققا عبر عنه بصيغة الخبر لأنه إشهاد صحيح وثابت وعبر في جانبهم بصيغة الأمر التي تتضمن الاستهانة بدينهم وهو مراده في هذا المقام ومن جهة ثالثة إنما عدل إلى صيغة الأمر عن صيغة الخبر للتمييز بين خطابه لله تعالى وخطابه لهم بأن يعبر عن خطاب الله تعالى بصيغة الخبر التي هي أجل وأشرف وأوقر للمخاطب من صيغة الأمر.
الفوائد:
1- الفرق بين عطف البيان والبدل:
أوجه الشبه بينهما:
أوجه الشبه بين عطف البيان والبدل أربعة وهي:
1- ان فيه بيانا كما في البدل للثاني.
2- انه يكون بالأسماء الجوامد كالبدل.
3- انه يكون لفظه لفظ الاول على جهة التأكيد.
4- كلاهما تابع.
أوجه المفارقة بينهما:
أما أوجه المفارقة بينهما فهي:
1- ان البدل يكون هو المقصود بالحكم دون المبدل منه وأما عطف البيان فليس هو المقصود بل ان المقصود بالحكم هو المتبوع وإنما جيء بعطف البيان توضيحا له وكشفا عن المراد منه.
2- كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدل الكل من الكل إذا لم يمكن الاستغناء عنه أو عن متبوعه فيجب حينئذ أن يكون عطف بيان فمثال عدم جواز الاستغناء عن التابع قولك: فاطمة جاء حسين أخوها، لأنك لو حذفت «أخوها» من الكلام لفسد التركيب.
3- ان عطف البيان يجري على ما قلبه في تعريفه وليس كذلك البدل لأنه يجوز أن تبدل النكرة من المعرفة والمعرفة من النكرة ولا يجوز ذلك في عطف البيان.
4- ان البدل يكون بالمظهر والمضمر وكذلك المبدل منه ولا يجوز ذلك في عطف البيان وان البدل قد يكون غير الاول كقولك: سلب زيد ثوبه، وعطف البيان لا يكون غير الاول.
2- الفائدة الثانية:
«إن نقول إلا اعتراك» إن حرف نفي لحقت نقول فنفت جميع القول إلا قولا واحدا وهو قولهم اعتراك بعض آلهتنا بسوء والتقدير ما نقول قولا إلا هذه المقالة والفعل يدل على المصدر وعلى الظرف وعلى الحال ويجوز أن يذكر الفعل ثم يستثنى من مدلوله ما دلّ عليه من المصادر والظروف والأحوال فنقول اعتراك مستثنى من المصدر الذي دل عليه، نقول كقوله تعالى «فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى» فنصب موتتنا على الاستثناء لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دل عليه قوله بميتين ومما جاء من ذلك في الظروف قوله «ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار» فساعة استثناء مما دل عليه لم يلبثوا من لأوقات، ومما جاء من ذلك في الحال قوله «ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله» التقدير ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل أي بعهد من الله.
3- الفائدة الثالثة: التنازع:
هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما ويتأخر عنهما معمول وهو مطلوب لكل منهما كقوله تعالى «آتوني أفرغ عليه قطرا» ولك أن تعمل في الاسم المذكور أي العاملين شئت، فإن أعملت الثاني فلقربه وإن أعملت الأول فلسبقه فإن أعملت الاول في الظاهر أعملت الثاني في ضميره مرفوعا كان أم غيره نحو: قام وقعدوا أخواك واجتهد فأكرمتهما أخواك ووقف فسلمت عليهما أخواك وأكرمت فسرا أخويك وأكرمت فشكر لي خالدا، ومن النحاة من أجاز حذفه إن كان غير ضمير رفع كقوله:
بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه وإن أعملت الثاني في الظاهر أعملت الأول في ضميره إن كان مرفوعا نحو قاما وقعد أخواك واجتهدا فأكرمت أخويك ووقفا فسلمت على أخويك ومنه قول الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل وإن كان ضميره غير مرفوع حذفته نحو أكرمت فسر أخواك وأكرمت فشكر لي خالد وأكرمت وأكرمني سعيد ومررت ومر بي علي.
وهناك أحكام أخرى للتنازع يرجع إليها في كتب النحو المطولة.
هود 11:58
اللغة:
(فَطَرَنِي) : فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها وافتطر الأمر ابتدعه «وكل مولود يولد على الفطرة» أي على الجبلة وقد فطر هذه البئر وفطر الله الشجر بالورق فانفطر به وتفطّر، وتفطّرت الأرض بالنبات، وتفطرت اليد والثوب: تشققت وفطر ناب البعير: طلع وفطرت المرأة العجين، وهذا كلام يفطر الصوم أي يفسده.
(مِدْراراً) : المدرار: الكثير الدرور كالمغزار ولم يؤنثه وإن كان من مؤنث لثلاثة أسباب أحدها أن المراد بالسماء السحاب أو المطر فذكر على المعنى والثاني أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور والثالث أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب وفي القاموس: درت السماء بالمطر درا ودرورا فهي مدرار.
(الناصية) : منبت الشعر من مقدّم الرأس ويسمى الشعر النابت أيضا ناصية باسم محله ونصوت الرجل أخذت بناصيته فلامها واو ويقال له ناصاة فقلبت ياؤها ألفا فالأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر وإن لم يكن ثمة أخذ بناصيته ولذا كانوا إذا منّوا على أسير جزوا ناصيته.
الإعراب:
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) عطف على قصة نوح والمعطوف محذوف أي وأرسلنا إلى عاد فيكون من عطف الجمل لا من عطف المفردات لطول الفصل وعاد اسم قبيلة وصرفها لأنه أراد الحي ولو أراد القبيلة لم تصرف وأخاهم مفعول لأرسلنا المحذوفة وأراد إخوتهم في النسب وهودا بدل أو عطف بيان وسيرد في باب الفوائد الفرق الدقيق بين البدل وعطف البيان. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) اعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وغيره صفة لإله على المحل ويجوز الجر صفة على اللفظ وقد قرىء بها.
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر ومفترون خبر أنتم (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) لا نافية وأسألكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وعليه حال وأجرا مفعول به ثان.
(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) إن نافية وأجري مبتدأ وإلا أداة حصر وعلى الذي خبر وجملة فطرني صلة والهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وقد تقدم بحث هذا التركيب وتعقلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل. (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) استغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به، ثم توبوا اليه عطف على استغفروا، ويرسل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والسماء مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بمدرارا ومدرارا حال من السماء وقد تقدم ذكر السبب في عدم تأنيثها. (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) ويزدكم عطف على يرسل والكاف مفعول به أول وقوة مفعول به ثان وإلى قوتكم صفة والى بمعنى مع ولا تتولوا لا ناهية وتتولوا مجزوم بلا ومجرمين حال من الواو. (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) يا حرف نداء وهود منادى مفرد علم مبني على الضم وما نافية وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وببينة جار ومجرور متعلقان بجئتنا فتكون الباء للتعدية ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال أي مستقرا أو متلبسا ببينة.
(وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) الواو عاطفة وما حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وتاركي مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وعن قولك حال من الضمير في تاركي كأنه قال وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ويجوز أن تكون عن للتعليل والمعنى وما نحن بتاركي آلهتنا لقولك فيتعلق بنفس تاركي. (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وما حجازية نحن اسمها ولك متعلقان بمؤمنين والباء حرف جر زائد ومؤمنين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما.
(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) إن نافية ونقول فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وإلا أداة حصر وجملة اعتراك معمول لنقول أي منصوبة بمصدر محذوف، وذلك المصدر منصوب بنقول أي: إلا قولنا اعتراك، والكاف مفعول به وبعض آلهتنا فاعل وبسوء جار ومجرور متعلقان باعتراك والمعنى ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وسيأتي مزيد بحث عن هذه الفائدة في باب الفوائد.
(قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) إن واسمها وقد كسرت همزتها بعد القول وجملة أشهد خبرها واشهدوا فعل أمر وأن المفتوحة الهمزة وما في حيزها معمول لاشهدوا أو لأشهد الله، على أن المسألة من باب التنازع وسيأتي بحث التنازع في باب الفوائد، وان واسمها وخبرها ومما متعلقان ببريء وجملة تشركون صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي من اشراككم. (مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) من دونه حال، فكيدوني الفاء الفصيحة وكيدوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به وجميعا حال ثم حرف عطف ولا ناهية وتنظرون فعل مضارع مجزوم بلا والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به. (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) اني: ان واسمها وجملة توكلت خبرها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلت وربي بدل أو صفة وربكم عطف على ربي.
(ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) ما نافية ومن حرف جر زائد ودابة مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لسبقها بالنفي وإلا أداة حصر وهو مبتدأ وآخذ خبر وبناصيتها جار ومجرور متعلقان بآخذ. (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) إن واسمها وعلى صراط خبرها ومستقيم صفة.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية وتولوا فعل مضارع حذفت فيه إحدى التاءين والأصل تتولوا وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وأبلغتم فعل وفاعل ومفعول به وما مفعول به ثان وجملة أرسلت صلة وبه متعلقان بأرسلت وإليكم حال. (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) كلام مستأنف ولذلك رفعه ولم ينسقه على الجواب على أنه قرىء بالجزم أيضا على الموضع وهو صحيح لا غبار عليه وربي فاعل وقوما مفعول به وغيركم صفة لقوما ولا تضرونه عطف على يستخلف وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر. (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) إن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بحفيظ وحفيظ خبر إن. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) لما ظرفية حينية متعلقة بنجينا أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا هودا فعل وفاعل ومفعول به والذين عطف على هود وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا وبرحمة متعلقان بنجينا ومنا صفة لرحمة.
(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) ونجيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن عذاب جار ومجرور متعلقان بنجيناهم وغليظ صفة لعذاب.
(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة سيقت لتلخيص القبائح التي ارتكبها قوم عاد وتلك مبتدأ وعاد بدل أو عطف بيان وجملة جحدوا خبر تلك ولك أن تجعل تلك عاد مبتدأ وخبرا ثم تستأنف، وبآيات متعلقان بجحدوا وربهم مضاف وعصوا رسله فعل وفاعل ومفعول به. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واتبعوا عطف على جحدوا وأمر مفعول به وكل مضاف إليه وجبار مضاف لكل وعنيد صفة لجبار. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) واتبعوا عطف على ما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه الدنيا متعلقان بأتبعوا والدنيا بدل من اسم الاشارة ولعنة مفعول به ثان ويوم القيامة ظرف متعلق بفعل محذوف تقديره اتبعوا، وأجاز الفارسي أن يكون يوم القيامة عطفا على محل هذه لأن قوله في هذه جار ومجرور متعلقان بأتبعوا فهو عامل في محل النصب ولا مانع من عطف الزمان على الدنيا لأنها ظرف مكان فاشتركا في الظرفية. (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ) ألا أداة تنبيه وان واسمها وكفروا فعل وفاعل وربهم منصوب بنزع الخافض ولك أن تنصبه على المفعولية بتضمين كفروا معنى جحدوا. (أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ) ألا أداة تنبيه تأكيد للأولى وبعدا تقدم اعرابها وتقدم معنى اللام وتعليقها مفصلا في موضع قريب فجدد به عهدا، وقوم بدل أو عطف وهود مضاف إليه.
البلاغة:
في قوله تعالى: «قال إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون» فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا، ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر كقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه اشهد عليّ اني لا أحبك تهكما به واستهانة بحاله، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن صيغة الخبر لا تحتمل سوى الاخبار بوقوع الاشهاد منه فلما كان اشهاده لله واقعا ومحققا عبر عنه بصيغة الخبر لأنه إشهاد صحيح وثابت وعبر في جانبهم بصيغة الأمر التي تتضمن الاستهانة بدينهم وهو مراده في هذا المقام ومن جهة ثالثة إنما عدل إلى صيغة الأمر عن صيغة الخبر للتمييز بين خطابه لله تعالى وخطابه لهم بأن يعبر عن خطاب الله تعالى بصيغة الخبر التي هي أجل وأشرف وأوقر للمخاطب من صيغة الأمر.
الفوائد:
1- الفرق بين عطف البيان والبدل:
أوجه الشبه بينهما:
أوجه الشبه بين عطف البيان والبدل أربعة وهي:
1- ان فيه بيانا كما في البدل للثاني.
2- انه يكون بالأسماء الجوامد كالبدل.
3- انه يكون لفظه لفظ الاول على جهة التأكيد.
4- كلاهما تابع.
أوجه المفارقة بينهما:
أما أوجه المفارقة بينهما فهي:
1- ان البدل يكون هو المقصود بالحكم دون المبدل منه وأما عطف البيان فليس هو المقصود بل ان المقصود بالحكم هو المتبوع وإنما جيء بعطف البيان توضيحا له وكشفا عن المراد منه.
2- كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدل الكل من الكل إذا لم يمكن الاستغناء عنه أو عن متبوعه فيجب حينئذ أن يكون عطف بيان فمثال عدم جواز الاستغناء عن التابع قولك: فاطمة جاء حسين أخوها، لأنك لو حذفت «أخوها» من الكلام لفسد التركيب.
3- ان عطف البيان يجري على ما قلبه في تعريفه وليس كذلك البدل لأنه يجوز أن تبدل النكرة من المعرفة والمعرفة من النكرة ولا يجوز ذلك في عطف البيان.
4- ان البدل يكون بالمظهر والمضمر وكذلك المبدل منه ولا يجوز ذلك في عطف البيان وان البدل قد يكون غير الاول كقولك: سلب زيد ثوبه، وعطف البيان لا يكون غير الاول.
2- الفائدة الثانية:
«إن نقول إلا اعتراك» إن حرف نفي لحقت نقول فنفت جميع القول إلا قولا واحدا وهو قولهم اعتراك بعض آلهتنا بسوء والتقدير ما نقول قولا إلا هذه المقالة والفعل يدل على المصدر وعلى الظرف وعلى الحال ويجوز أن يذكر الفعل ثم يستثنى من مدلوله ما دلّ عليه من المصادر والظروف والأحوال فنقول اعتراك مستثنى من المصدر الذي دل عليه، نقول كقوله تعالى «فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى» فنصب موتتنا على الاستثناء لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دل عليه قوله بميتين ومما جاء من ذلك في الظروف قوله «ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار» فساعة استثناء مما دل عليه لم يلبثوا من لأوقات، ومما جاء من ذلك في الحال قوله «ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله» التقدير ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل أي بعهد من الله.
3- الفائدة الثالثة: التنازع:
هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما ويتأخر عنهما معمول وهو مطلوب لكل منهما كقوله تعالى «آتوني أفرغ عليه قطرا» ولك أن تعمل في الاسم المذكور أي العاملين شئت، فإن أعملت الثاني فلقربه وإن أعملت الأول فلسبقه فإن أعملت الاول في الظاهر أعملت الثاني في ضميره مرفوعا كان أم غيره نحو: قام وقعدوا أخواك واجتهد فأكرمتهما أخواك ووقف فسلمت عليهما أخواك وأكرمت فسرا أخويك وأكرمت فشكر لي خالدا، ومن النحاة من أجاز حذفه إن كان غير ضمير رفع كقوله:
بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه وإن أعملت الثاني في الظاهر أعملت الأول في ضميره إن كان مرفوعا نحو قاما وقعد أخواك واجتهدا فأكرمت أخويك ووقفا فسلمت على أخويك ومنه قول الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل وإن كان ضميره غير مرفوع حذفته نحو أكرمت فسر أخواك وأكرمت فشكر لي خالد وأكرمت وأكرمني سعيد ومررت ومر بي علي.
وهناك أحكام أخرى للتنازع يرجع إليها في كتب النحو المطولة.
هود 11:59
اللغة:
(فَطَرَنِي) : فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها وافتطر الأمر ابتدعه «وكل مولود يولد على الفطرة» أي على الجبلة وقد فطر هذه البئر وفطر الله الشجر بالورق فانفطر به وتفطّر، وتفطّرت الأرض بالنبات، وتفطرت اليد والثوب: تشققت وفطر ناب البعير: طلع وفطرت المرأة العجين، وهذا كلام يفطر الصوم أي يفسده.
(مِدْراراً) : المدرار: الكثير الدرور كالمغزار ولم يؤنثه وإن كان من مؤنث لثلاثة أسباب أحدها أن المراد بالسماء السحاب أو المطر فذكر على المعنى والثاني أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور والثالث أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب وفي القاموس: درت السماء بالمطر درا ودرورا فهي مدرار.
(الناصية) : منبت الشعر من مقدّم الرأس ويسمى الشعر النابت أيضا ناصية باسم محله ونصوت الرجل أخذت بناصيته فلامها واو ويقال له ناصاة فقلبت ياؤها ألفا فالأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر وإن لم يكن ثمة أخذ بناصيته ولذا كانوا إذا منّوا على أسير جزوا ناصيته.
الإعراب:
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) عطف على قصة نوح والمعطوف محذوف أي وأرسلنا إلى عاد فيكون من عطف الجمل لا من عطف المفردات لطول الفصل وعاد اسم قبيلة وصرفها لأنه أراد الحي ولو أراد القبيلة لم تصرف وأخاهم مفعول لأرسلنا المحذوفة وأراد إخوتهم في النسب وهودا بدل أو عطف بيان وسيرد في باب الفوائد الفرق الدقيق بين البدل وعطف البيان. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) اعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وغيره صفة لإله على المحل ويجوز الجر صفة على اللفظ وقد قرىء بها.
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر ومفترون خبر أنتم (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) لا نافية وأسألكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وعليه حال وأجرا مفعول به ثان.
(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) إن نافية وأجري مبتدأ وإلا أداة حصر وعلى الذي خبر وجملة فطرني صلة والهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وقد تقدم بحث هذا التركيب وتعقلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل. (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) استغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به، ثم توبوا اليه عطف على استغفروا، ويرسل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والسماء مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بمدرارا ومدرارا حال من السماء وقد تقدم ذكر السبب في عدم تأنيثها. (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) ويزدكم عطف على يرسل والكاف مفعول به أول وقوة مفعول به ثان وإلى قوتكم صفة والى بمعنى مع ولا تتولوا لا ناهية وتتولوا مجزوم بلا ومجرمين حال من الواو. (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) يا حرف نداء وهود منادى مفرد علم مبني على الضم وما نافية وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وببينة جار ومجرور متعلقان بجئتنا فتكون الباء للتعدية ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال أي مستقرا أو متلبسا ببينة.
(وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) الواو عاطفة وما حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وتاركي مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وعن قولك حال من الضمير في تاركي كأنه قال وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ويجوز أن تكون عن للتعليل والمعنى وما نحن بتاركي آلهتنا لقولك فيتعلق بنفس تاركي. (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وما حجازية نحن اسمها ولك متعلقان بمؤمنين والباء حرف جر زائد ومؤمنين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما.
(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) إن نافية ونقول فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وإلا أداة حصر وجملة اعتراك معمول لنقول أي منصوبة بمصدر محذوف، وذلك المصدر منصوب بنقول أي: إلا قولنا اعتراك، والكاف مفعول به وبعض آلهتنا فاعل وبسوء جار ومجرور متعلقان باعتراك والمعنى ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وسيأتي مزيد بحث عن هذه الفائدة في باب الفوائد.
(قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) إن واسمها وقد كسرت همزتها بعد القول وجملة أشهد خبرها واشهدوا فعل أمر وأن المفتوحة الهمزة وما في حيزها معمول لاشهدوا أو لأشهد الله، على أن المسألة من باب التنازع وسيأتي بحث التنازع في باب الفوائد، وان واسمها وخبرها ومما متعلقان ببريء وجملة تشركون صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي من اشراككم. (مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) من دونه حال، فكيدوني الفاء الفصيحة وكيدوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به وجميعا حال ثم حرف عطف ولا ناهية وتنظرون فعل مضارع مجزوم بلا والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به. (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) اني: ان واسمها وجملة توكلت خبرها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلت وربي بدل أو صفة وربكم عطف على ربي.
(ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) ما نافية ومن حرف جر زائد ودابة مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لسبقها بالنفي وإلا أداة حصر وهو مبتدأ وآخذ خبر وبناصيتها جار ومجرور متعلقان بآخذ. (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) إن واسمها وعلى صراط خبرها ومستقيم صفة.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية وتولوا فعل مضارع حذفت فيه إحدى التاءين والأصل تتولوا وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وأبلغتم فعل وفاعل ومفعول به وما مفعول به ثان وجملة أرسلت صلة وبه متعلقان بأرسلت وإليكم حال. (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) كلام مستأنف ولذلك رفعه ولم ينسقه على الجواب على أنه قرىء بالجزم أيضا على الموضع وهو صحيح لا غبار عليه وربي فاعل وقوما مفعول به وغيركم صفة لقوما ولا تضرونه عطف على يستخلف وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر. (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) إن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بحفيظ وحفيظ خبر إن. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) لما ظرفية حينية متعلقة بنجينا أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا هودا فعل وفاعل ومفعول به والذين عطف على هود وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا وبرحمة متعلقان بنجينا ومنا صفة لرحمة.
(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) ونجيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن عذاب جار ومجرور متعلقان بنجيناهم وغليظ صفة لعذاب.
(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة سيقت لتلخيص القبائح التي ارتكبها قوم عاد وتلك مبتدأ وعاد بدل أو عطف بيان وجملة جحدوا خبر تلك ولك أن تجعل تلك عاد مبتدأ وخبرا ثم تستأنف، وبآيات متعلقان بجحدوا وربهم مضاف وعصوا رسله فعل وفاعل ومفعول به. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واتبعوا عطف على جحدوا وأمر مفعول به وكل مضاف إليه وجبار مضاف لكل وعنيد صفة لجبار. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) واتبعوا عطف على ما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه الدنيا متعلقان بأتبعوا والدنيا بدل من اسم الاشارة ولعنة مفعول به ثان ويوم القيامة ظرف متعلق بفعل محذوف تقديره اتبعوا، وأجاز الفارسي أن يكون يوم القيامة عطفا على محل هذه لأن قوله في هذه جار ومجرور متعلقان بأتبعوا فهو عامل في محل النصب ولا مانع من عطف الزمان على الدنيا لأنها ظرف مكان فاشتركا في الظرفية. (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ) ألا أداة تنبيه وان واسمها وكفروا فعل وفاعل وربهم منصوب بنزع الخافض ولك أن تنصبه على المفعولية بتضمين كفروا معنى جحدوا. (أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ) ألا أداة تنبيه تأكيد للأولى وبعدا تقدم اعرابها وتقدم معنى اللام وتعليقها مفصلا في موضع قريب فجدد به عهدا، وقوم بدل أو عطف وهود مضاف إليه.
البلاغة:
في قوله تعالى: «قال إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون» فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا، ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر كقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه اشهد عليّ اني لا أحبك تهكما به واستهانة بحاله، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن صيغة الخبر لا تحتمل سوى الاخبار بوقوع الاشهاد منه فلما كان اشهاده لله واقعا ومحققا عبر عنه بصيغة الخبر لأنه إشهاد صحيح وثابت وعبر في جانبهم بصيغة الأمر التي تتضمن الاستهانة بدينهم وهو مراده في هذا المقام ومن جهة ثالثة إنما عدل إلى صيغة الأمر عن صيغة الخبر للتمييز بين خطابه لله تعالى وخطابه لهم بأن يعبر عن خطاب الله تعالى بصيغة الخبر التي هي أجل وأشرف وأوقر للمخاطب من صيغة الأمر.
الفوائد:
1- الفرق بين عطف البيان والبدل:
أوجه الشبه بينهما:
أوجه الشبه بين عطف البيان والبدل أربعة وهي:
1- ان فيه بيانا كما في البدل للثاني.
2- انه يكون بالأسماء الجوامد كالبدل.
3- انه يكون لفظه لفظ الاول على جهة التأكيد.
4- كلاهما تابع.
أوجه المفارقة بينهما:
أما أوجه المفارقة بينهما فهي:
1- ان البدل يكون هو المقصود بالحكم دون المبدل منه وأما عطف البيان فليس هو المقصود بل ان المقصود بالحكم هو المتبوع وإنما جيء بعطف البيان توضيحا له وكشفا عن المراد منه.
2- كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدل الكل من الكل إذا لم يمكن الاستغناء عنه أو عن متبوعه فيجب حينئذ أن يكون عطف بيان فمثال عدم جواز الاستغناء عن التابع قولك: فاطمة جاء حسين أخوها، لأنك لو حذفت «أخوها» من الكلام لفسد التركيب.
3- ان عطف البيان يجري على ما قلبه في تعريفه وليس كذلك البدل لأنه يجوز أن تبدل النكرة من المعرفة والمعرفة من النكرة ولا يجوز ذلك في عطف البيان.
4- ان البدل يكون بالمظهر والمضمر وكذلك المبدل منه ولا يجوز ذلك في عطف البيان وان البدل قد يكون غير الاول كقولك: سلب زيد ثوبه، وعطف البيان لا يكون غير الاول.
2- الفائدة الثانية:
«إن نقول إلا اعتراك» إن حرف نفي لحقت نقول فنفت جميع القول إلا قولا واحدا وهو قولهم اعتراك بعض آلهتنا بسوء والتقدير ما نقول قولا إلا هذه المقالة والفعل يدل على المصدر وعلى الظرف وعلى الحال ويجوز أن يذكر الفعل ثم يستثنى من مدلوله ما دلّ عليه من المصادر والظروف والأحوال فنقول اعتراك مستثنى من المصدر الذي دل عليه، نقول كقوله تعالى «فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى» فنصب موتتنا على الاستثناء لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دل عليه قوله بميتين ومما جاء من ذلك في الظروف قوله «ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار» فساعة استثناء مما دل عليه لم يلبثوا من لأوقات، ومما جاء من ذلك في الحال قوله «ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله» التقدير ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل أي بعهد من الله.
3- الفائدة الثالثة: التنازع:
هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما ويتأخر عنهما معمول وهو مطلوب لكل منهما كقوله تعالى «آتوني أفرغ عليه قطرا» ولك أن تعمل في الاسم المذكور أي العاملين شئت، فإن أعملت الثاني فلقربه وإن أعملت الأول فلسبقه فإن أعملت الاول في الظاهر أعملت الثاني في ضميره مرفوعا كان أم غيره نحو: قام وقعدوا أخواك واجتهد فأكرمتهما أخواك ووقف فسلمت عليهما أخواك وأكرمت فسرا أخويك وأكرمت فشكر لي خالدا، ومن النحاة من أجاز حذفه إن كان غير ضمير رفع كقوله:
بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه وإن أعملت الثاني في الظاهر أعملت الأول في ضميره إن كان مرفوعا نحو قاما وقعد أخواك واجتهدا فأكرمت أخويك ووقفا فسلمت على أخويك ومنه قول الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل وإن كان ضميره غير مرفوع حذفته نحو أكرمت فسر أخواك وأكرمت فشكر لي خالد وأكرمت وأكرمني سعيد ومررت ومر بي علي.
وهناك أحكام أخرى للتنازع يرجع إليها في كتب النحو المطولة.
هود 11:60
اللغة:
(فَطَرَنِي) : فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها وافتطر الأمر ابتدعه «وكل مولود يولد على الفطرة» أي على الجبلة وقد فطر هذه البئر وفطر الله الشجر بالورق فانفطر به وتفطّر، وتفطّرت الأرض بالنبات، وتفطرت اليد والثوب: تشققت وفطر ناب البعير: طلع وفطرت المرأة العجين، وهذا كلام يفطر الصوم أي يفسده.
(مِدْراراً) : المدرار: الكثير الدرور كالمغزار ولم يؤنثه وإن كان من مؤنث لثلاثة أسباب أحدها أن المراد بالسماء السحاب أو المطر فذكر على المعنى والثاني أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور والثالث أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب وفي القاموس: درت السماء بالمطر درا ودرورا فهي مدرار.
(الناصية) : منبت الشعر من مقدّم الرأس ويسمى الشعر النابت أيضا ناصية باسم محله ونصوت الرجل أخذت بناصيته فلامها واو ويقال له ناصاة فقلبت ياؤها ألفا فالأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر وإن لم يكن ثمة أخذ بناصيته ولذا كانوا إذا منّوا على أسير جزوا ناصيته.
الإعراب:
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) عطف على قصة نوح والمعطوف محذوف أي وأرسلنا إلى عاد فيكون من عطف الجمل لا من عطف المفردات لطول الفصل وعاد اسم قبيلة وصرفها لأنه أراد الحي ولو أراد القبيلة لم تصرف وأخاهم مفعول لأرسلنا المحذوفة وأراد إخوتهم في النسب وهودا بدل أو عطف بيان وسيرد في باب الفوائد الفرق الدقيق بين البدل وعطف البيان. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) اعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وغيره صفة لإله على المحل ويجوز الجر صفة على اللفظ وقد قرىء بها.
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر ومفترون خبر أنتم (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) لا نافية وأسألكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وعليه حال وأجرا مفعول به ثان.
(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) إن نافية وأجري مبتدأ وإلا أداة حصر وعلى الذي خبر وجملة فطرني صلة والهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وقد تقدم بحث هذا التركيب وتعقلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل. (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) استغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به، ثم توبوا اليه عطف على استغفروا، ويرسل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والسماء مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بمدرارا ومدرارا حال من السماء وقد تقدم ذكر السبب في عدم تأنيثها. (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) ويزدكم عطف على يرسل والكاف مفعول به أول وقوة مفعول به ثان وإلى قوتكم صفة والى بمعنى مع ولا تتولوا لا ناهية وتتولوا مجزوم بلا ومجرمين حال من الواو. (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) يا حرف نداء وهود منادى مفرد علم مبني على الضم وما نافية وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وببينة جار ومجرور متعلقان بجئتنا فتكون الباء للتعدية ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال أي مستقرا أو متلبسا ببينة.
(وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) الواو عاطفة وما حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وتاركي مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وعن قولك حال من الضمير في تاركي كأنه قال وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ويجوز أن تكون عن للتعليل والمعنى وما نحن بتاركي آلهتنا لقولك فيتعلق بنفس تاركي. (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وما حجازية نحن اسمها ولك متعلقان بمؤمنين والباء حرف جر زائد ومؤمنين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما.
(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) إن نافية ونقول فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وإلا أداة حصر وجملة اعتراك معمول لنقول أي منصوبة بمصدر محذوف، وذلك المصدر منصوب بنقول أي: إلا قولنا اعتراك، والكاف مفعول به وبعض آلهتنا فاعل وبسوء جار ومجرور متعلقان باعتراك والمعنى ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وسيأتي مزيد بحث عن هذه الفائدة في باب الفوائد.
(قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) إن واسمها وقد كسرت همزتها بعد القول وجملة أشهد خبرها واشهدوا فعل أمر وأن المفتوحة الهمزة وما في حيزها معمول لاشهدوا أو لأشهد الله، على أن المسألة من باب التنازع وسيأتي بحث التنازع في باب الفوائد، وان واسمها وخبرها ومما متعلقان ببريء وجملة تشركون صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي من اشراككم. (مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) من دونه حال، فكيدوني الفاء الفصيحة وكيدوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به وجميعا حال ثم حرف عطف ولا ناهية وتنظرون فعل مضارع مجزوم بلا والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به. (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) اني: ان واسمها وجملة توكلت خبرها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلت وربي بدل أو صفة وربكم عطف على ربي.
(ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) ما نافية ومن حرف جر زائد ودابة مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لسبقها بالنفي وإلا أداة حصر وهو مبتدأ وآخذ خبر وبناصيتها جار ومجرور متعلقان بآخذ. (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) إن واسمها وعلى صراط خبرها ومستقيم صفة.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية وتولوا فعل مضارع حذفت فيه إحدى التاءين والأصل تتولوا وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وأبلغتم فعل وفاعل ومفعول به وما مفعول به ثان وجملة أرسلت صلة وبه متعلقان بأرسلت وإليكم حال. (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) كلام مستأنف ولذلك رفعه ولم ينسقه على الجواب على أنه قرىء بالجزم أيضا على الموضع وهو صحيح لا غبار عليه وربي فاعل وقوما مفعول به وغيركم صفة لقوما ولا تضرونه عطف على يستخلف وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر. (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) إن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بحفيظ وحفيظ خبر إن. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) لما ظرفية حينية متعلقة بنجينا أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا هودا فعل وفاعل ومفعول به والذين عطف على هود وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا وبرحمة متعلقان بنجينا ومنا صفة لرحمة.
(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) ونجيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن عذاب جار ومجرور متعلقان بنجيناهم وغليظ صفة لعذاب.
(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة سيقت لتلخيص القبائح التي ارتكبها قوم عاد وتلك مبتدأ وعاد بدل أو عطف بيان وجملة جحدوا خبر تلك ولك أن تجعل تلك عاد مبتدأ وخبرا ثم تستأنف، وبآيات متعلقان بجحدوا وربهم مضاف وعصوا رسله فعل وفاعل ومفعول به. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واتبعوا عطف على جحدوا وأمر مفعول به وكل مضاف إليه وجبار مضاف لكل وعنيد صفة لجبار. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) واتبعوا عطف على ما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه الدنيا متعلقان بأتبعوا والدنيا بدل من اسم الاشارة ولعنة مفعول به ثان ويوم القيامة ظرف متعلق بفعل محذوف تقديره اتبعوا، وأجاز الفارسي أن يكون يوم القيامة عطفا على محل هذه لأن قوله في هذه جار ومجرور متعلقان بأتبعوا فهو عامل في محل النصب ولا مانع من عطف الزمان على الدنيا لأنها ظرف مكان فاشتركا في الظرفية. (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ) ألا أداة تنبيه وان واسمها وكفروا فعل وفاعل وربهم منصوب بنزع الخافض ولك أن تنصبه على المفعولية بتضمين كفروا معنى جحدوا. (أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ) ألا أداة تنبيه تأكيد للأولى وبعدا تقدم اعرابها وتقدم معنى اللام وتعليقها مفصلا في موضع قريب فجدد به عهدا، وقوم بدل أو عطف وهود مضاف إليه.
البلاغة:
في قوله تعالى: «قال إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون» فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا، ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر كقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه اشهد عليّ اني لا أحبك تهكما به واستهانة بحاله، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن صيغة الخبر لا تحتمل سوى الاخبار بوقوع الاشهاد منه فلما كان اشهاده لله واقعا ومحققا عبر عنه بصيغة الخبر لأنه إشهاد صحيح وثابت وعبر في جانبهم بصيغة الأمر التي تتضمن الاستهانة بدينهم وهو مراده في هذا المقام ومن جهة ثالثة إنما عدل إلى صيغة الأمر عن صيغة الخبر للتمييز بين خطابه لله تعالى وخطابه لهم بأن يعبر عن خطاب الله تعالى بصيغة الخبر التي هي أجل وأشرف وأوقر للمخاطب من صيغة الأمر.
الفوائد:
1- الفرق بين عطف البيان والبدل:
أوجه الشبه بينهما:
أوجه الشبه بين عطف البيان والبدل أربعة وهي:
1- ان فيه بيانا كما في البدل للثاني.
2- انه يكون بالأسماء الجوامد كالبدل.
3- انه يكون لفظه لفظ الاول على جهة التأكيد.
4- كلاهما تابع.
أوجه المفارقة بينهما:
أما أوجه المفارقة بينهما فهي:
1- ان البدل يكون هو المقصود بالحكم دون المبدل منه وأما عطف البيان فليس هو المقصود بل ان المقصود بالحكم هو المتبوع وإنما جيء بعطف البيان توضيحا له وكشفا عن المراد منه.
2- كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدل الكل من الكل إذا لم يمكن الاستغناء عنه أو عن متبوعه فيجب حينئذ أن يكون عطف بيان فمثال عدم جواز الاستغناء عن التابع قولك: فاطمة جاء حسين أخوها، لأنك لو حذفت «أخوها» من الكلام لفسد التركيب.
3- ان عطف البيان يجري على ما قلبه في تعريفه وليس كذلك البدل لأنه يجوز أن تبدل النكرة من المعرفة والمعرفة من النكرة ولا يجوز ذلك في عطف البيان.
4- ان البدل يكون بالمظهر والمضمر وكذلك المبدل منه ولا يجوز ذلك في عطف البيان وان البدل قد يكون غير الاول كقولك: سلب زيد ثوبه، وعطف البيان لا يكون غير الاول.
2- الفائدة الثانية:
«إن نقول إلا اعتراك» إن حرف نفي لحقت نقول فنفت جميع القول إلا قولا واحدا وهو قولهم اعتراك بعض آلهتنا بسوء والتقدير ما نقول قولا إلا هذه المقالة والفعل يدل على المصدر وعلى الظرف وعلى الحال ويجوز أن يذكر الفعل ثم يستثنى من مدلوله ما دلّ عليه من المصادر والظروف والأحوال فنقول اعتراك مستثنى من المصدر الذي دل عليه، نقول كقوله تعالى «فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى» فنصب موتتنا على الاستثناء لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دل عليه قوله بميتين ومما جاء من ذلك في الظروف قوله «ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار» فساعة استثناء مما دل عليه لم يلبثوا من لأوقات، ومما جاء من ذلك في الحال قوله «ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله» التقدير ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل أي بعهد من الله.
3- الفائدة الثالثة: التنازع:
هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما ويتأخر عنهما معمول وهو مطلوب لكل منهما كقوله تعالى «آتوني أفرغ عليه قطرا» ولك أن تعمل في الاسم المذكور أي العاملين شئت، فإن أعملت الثاني فلقربه وإن أعملت الأول فلسبقه فإن أعملت الاول في الظاهر أعملت الثاني في ضميره مرفوعا كان أم غيره نحو: قام وقعدوا أخواك واجتهد فأكرمتهما أخواك ووقف فسلمت عليهما أخواك وأكرمت فسرا أخويك وأكرمت فشكر لي خالدا، ومن النحاة من أجاز حذفه إن كان غير ضمير رفع كقوله:
بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه وإن أعملت الثاني في الظاهر أعملت الأول في ضميره إن كان مرفوعا نحو قاما وقعد أخواك واجتهدا فأكرمت أخويك ووقفا فسلمت على أخويك ومنه قول الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل وإن كان ضميره غير مرفوع حذفته نحو أكرمت فسر أخواك وأكرمت فشكر لي خالد وأكرمت وأكرمني سعيد ومررت ومر بي علي.
وهناك أحكام أخرى للتنازع يرجع إليها في كتب النحو المطولة.
هود 11:61
اللغة:
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث إلى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه إلى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود إلى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة وقد قسم الفقهاء العمارة إلى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم.
(فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم
أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط.
(جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة.
(لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.
الإعراب:
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود.
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف إلى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة إلى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
1- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
2- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
3- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو: لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
هود 11:62
اللغة:
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث إلى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه إلى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود إلى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة وقد قسم الفقهاء العمارة إلى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم.
(فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم
أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط.
(جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة.
(لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.
الإعراب:
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود.
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف إلى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة إلى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
1- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
2- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
3- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو: لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
هود 11:63
اللغة:
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث إلى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه إلى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود إلى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة وقد قسم الفقهاء العمارة إلى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم.
(فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم
أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط.
(جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة.
(لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.
الإعراب:
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود.
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف إلى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة إلى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
1- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
2- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
3- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو: لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
هود 11:64
اللغة:
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث إلى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه إلى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود إلى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة وقد قسم الفقهاء العمارة إلى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم.
(فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم
أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط.
(جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة.
(لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.
الإعراب:
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود.
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف إلى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة إلى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
1- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
2- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
3- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو: لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
هود 11:65
اللغة:
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث إلى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه إلى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود إلى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة وقد قسم الفقهاء العمارة إلى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم.
(فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم
أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط.
(جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة.
(لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.
الإعراب:
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود.
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف إلى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة إلى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
1- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
2- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
3- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو: لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
هود 11:66
اللغة:
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث إلى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه إلى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود إلى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة وقد قسم الفقهاء العمارة إلى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم.
(فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم
أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط.
(جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة.
(لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.
الإعراب:
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود.
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف إلى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة إلى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
1- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
2- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
3- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو: لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
هود 11:67
اللغة:
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث إلى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه إلى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود إلى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة وقد قسم الفقهاء العمارة إلى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم.
(فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم
أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط.
(جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة.
(لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.
الإعراب:
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود.
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف إلى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة إلى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
1- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
2- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
3- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو: لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
هود 11:68
اللغة:
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث إلى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه إلى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود إلى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة وقد قسم الفقهاء العمارة إلى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم.
(فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم
أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط.
(جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة.
(لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.
الإعراب:
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود.
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف إلى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة إلى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
1- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
2- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
3- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو: لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
هود 11:69
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة إلى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم إلى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
1- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
2- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
3- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
4- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
5- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
6- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
7- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
8- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
9- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
10- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر 11- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
12- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
13- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
14- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
هود 11:70
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة إلى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم إلى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
1- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
2- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
3- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
4- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
5- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
6- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
7- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
8- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
9- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
10- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر 11- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
12- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
13- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
14- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
هود 11:71
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة إلى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم إلى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
1- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
2- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
3- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
4- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
5- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
6- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
7- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
8- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
9- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
10- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر 11- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
12- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
13- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
14- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
هود 11:72
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة إلى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم إلى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
1- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
2- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
3- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
4- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
5- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
6- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
7- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
8- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
9- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
10- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر 11- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
12- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
13- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
14- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
هود 11:73
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة إلى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم إلى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
1- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
2- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
3- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
4- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
5- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
6- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
7- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
8- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
9- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
10- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر 11- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
12- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
13- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
14- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
هود 11:74
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة إلى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم إلى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
1- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
2- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
3- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
4- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
5- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
6- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
7- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
8- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
9- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
10- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر 11- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
12- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
13- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
14- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
هود 11:75
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة إلى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم إلى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
1- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
2- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
3- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
4- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
5- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
6- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
7- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
8- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
9- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
10- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر 11- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
12- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
13- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
14- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
هود 11:76
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة إلى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم إلى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
1- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
2- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
3- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
4- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
5- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
6- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
7- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
8- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
9- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
10- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر 11- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
12- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
13- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
14- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
هود 11:77
اللغة:
(سِيءَ بِهِمْ) أصله سوىء بهم من السوء فأسكنت الواو وقلبت كسرتها إلى السين ويقال: سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل وسررته فسرّ.
(ذَرْعاً) : من أقوالهم ضاق فلان ذرعا: والذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه عن ذلك وضعف ومدّ عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة فمعنى قوله تعالى «وضاق بهم ذرعا» أي لم يجد من ذلك المكروه مخلصا، وقال بعض علماء اللغة: معناه وضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد، وقال آخرون: ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه.
وفي القاموس والتاج ما ملخصه: «الذّرع مصدر، بسط اليد، وضقت بالأمر ذرعا: أي لم أقدر عليه وهو واسع الذرع أي مقتدر وهو خالي الذرع أي قلبه خال من الهموم والغموم» .
(يُهْرَعُونَ) : أي يسوق بعضهم بعضا وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع. وفي القاموس: والهرع محرك وكغراب والاهراع مشي في اضطراب وسرعة وأقبل يهرع بالضم واهرع بالبناء للمجهول فهو مهرع مرعد من غضب أو خوف وقد هرع كفرح ورجل هرع سريع البكاء.
(عَصِيبٌ) : العصيب الشديد في الشر خاصة وأصله من الشد يقال عصبت الشيء شددته وعصبت فخذ الناقة لثدر وناقة عصوب ويوم عصيب وعصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر:
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال الراجز:
يوم عصيب ويعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
(رُكْنٍ) الركن: معتمد البناء بعد الأساس وركنا الجبل جانباه قال الراجز:
يأوي إلى ركن من الأركان ... في عدد طلس ومجد بان
(فَأَسْرِ) : من أسرى بمعنى سرى أي سار ليلا قال النابغة: أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
ويروى سرت، وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
(سِجِّيلٍ) : قال الزمخشري: «قيل هي كلمة معربة من سنككل بدليل قوله حجارة من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل وسجل لفلان» وقال أبو عبيدة: «هو الحجارة الشديدة» وأنشد لابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
وسجين وسجيل بمعنى واحد والعرب تعاقب بين النون واللام فقلبت النون هاهنا لاما» واكتفى صاحب القاموس بقوله: «السجيل الطين اليابس» .
(مَنْضُودٍ) : متراكب والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض والمراد وصف الحجارة بالكثرة.
(مُسَوَّمَةً) : معلمة للعذاب، والتسويم العلامة.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا لوطا فعل وفاعل ومفعول به وجملة سيء بهم لا محل لها ونائب الفاعل يعود إلى لوط وبهم جار ومجرور متعلقان به وذرعا تمييز محول عن الفاعل. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وقال عطف على ضاق وهذا مبتدأ ويوم خبر وعصيب صفة والجملة مقول القول. (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الواو عاطفة وجاءه قومه فعل ومفعول به وفاعل وجملة يهرعون في محل نصب على الحال واليه متعلقان بيهرعون. (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو حالية ومن قبل من حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى والجار والمجرور متعلقان بيعملون وكان واسمها وجملة يعملون السيئات خبر كانوا. (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هؤلاء مبتدأ وبناتي خبر وكذلك قوله هن أطهر لكم، وجوزوا في بناتي أن يكون بدلا أو عطف بيان، وهن ضمير فصل لا محل له وأطهر خبر هؤلاء، ولكم متعلقان بأطهر لأنه اسم تفضيل ولا يرد اعتراض خلاصته ان اسم التفضيل يعني المشاركة ليصح التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا والجواب أن هذا جار مجرى:
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها على الإطلاق. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) الفاء الفصيحة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ولا تخزوني عطف على اتقوا الله ولا ناهية وتخزوني مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والنون للوقاية والواو فاعل والياء مفعول به وفي ضيفي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضيف في الأصل مصدر ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ولذلك يقع على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وقد يثنى فيقال ضيفان وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان. (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) الاستفهام للانكار والتوبيخ وليس فعل ماض ناقص ومنكم خبر ليس للمقدم ورجل اسمها المؤخر ورشيد صفة. (قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ)
علمت معلقة عن العمل بما النافية ولنا خبر مقدم وفي بناتك حال لأنه كان في الأصل صفة لحق وتقدمت ومن حرف جر زائد وحق مبتدأ مؤخر محلا. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تعلم خبرها، وما:
يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي تعرف الذي نريد أو تعلم إرادتنا (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت واستقر وأما سيبويه فيرى انه مبتدأ لا خبر له وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد. وأن حرف مشبه بالفعل ولي خبرها المقدم وبكم حال من قوة إذ هو في الأصل صفة للنكرة وقوة اسم ان وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت وأو حرف عطف وآوي معطوف على المعنى وتقدير الكلام أو أني آوي، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ثبت المحذوفة إذا أعربت أن وما في حيزها فاعلا لفعل محذوف، ويجوز أن تعطف على قوة لأنه منصوب في الأصل بتقدير «ان» فلما حذفت «أن» رفع الفعل كقوله تعالى «ومن آياته يريكم» واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. والى ركن متعلق بآوي وشديد صفة.
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إن واسمها ورسل ربك خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويصلوا مضارع منصوب بأن وإليك متعلقان بيصلوا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء عاطفة وبأهلك حال أي مصاحبا لهم وبقطع حال من أهلك أي مصاحبين لقطع، ولك أن تجعل الباء للتعدية فتعلقها بأسر والقطع هنا نصف الليل لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وقد تقدم الكلام على القطع في سورة يونس، ومن الليل صفة لقطع. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ)
الواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت فعل مضارع مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد وأحد فاعل وإلا أداة استثناء وامرأتك مستثنى من قوله فأسر بأهلك وفي قراءة بالرفع بدل من أحد وسيأتي تفصيل مسهب لهذا الاستثناء والمعنى لا تسر بها وخلّفها مع قومها وقيل هي مستثنى من أحد وان واسمها والهاء ضمير الشأن والحديث ومصيبها خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة أصابهم صلة والجملة خبر ان لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح بجزأيها. (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) إن واسمها والصبح خبرها والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها والباء حرف جر زائد وقريب مجرور لفظا خبر ليس محلا (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل وجملة جعلنا جواب لما ونا فاعل وعاليها مفعول جعل الاول وسافلها مفعول جعلنا الثاني. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) وأمطرنا عطف على جعلنا وعليها متعلقان بأمطرنا وحجارة مفعول به ومن سجيل صفة لحجارة ومنضود صفة لسجيل ومسومة صفة ثانية لحجارة وعند ربك الظرف متعلق بمسومة. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ما حجازية وهي اسمها واختلف في هذا الضمير فقيل يعود على العقوبة المفهومة السياق وقيل يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور وقيل يعود على القرى المهلكة وكل ما ذكروه جائز وسائغ. ومن الظالمين متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور لفظا خبر ما محلا ولم يؤنث بعيدا إما لأنه في الأصل نعت لمكان محذوف تقديره وما هي بمكان بعيد بل قريب وإما لأن العقوبة والعقاب شيء واحد وإما لتأويل الحجارة بعذاب.
الفوائد:
1- عود إلى «لو» :
تقدم بحث لو في البقرة وغيرها ونزيد هنا بحث الاسم الواقع بعد لو الشرطية والمعروف أنها تختص بالفعل شرطية كانت أم مصدرية ويجوز أن يليها الاسم فيعرب فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده وعلى ذلك يتخرج قول عمر بن الخطاب لأبي عبيدة وقد كان في طريقة إلى الشام وبلغه في أثناء الطريق قبل الوصول إليها انه وقع بها وباء فاستشار في التوجه اليه أو الرجوع إلى المدينة فاختلفوا عليه ثم أجمع أمره على الرجوع بعد أن أشار به جماعة من الصحابة فقال له أبو عبيدة ابن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر بن الخطاب: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدره. فغيرك فاعل لفعل محذوف يفسره قالها والتقدير لو قالها غيرك وجواب لو محذوف أي لعذرناه.
وقال الغطمش الضبي:
أقول وقد فاضت لعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فغير فاعل بفعل محذوف يفسره أصابكم والتقدير لو أصابكم غير الحمام- وهو بكسر الحاء الموت- عتبت، ومن ملاحظات التبريزي على هذا البيت الثاني قوله: الناس ينشدون أخلاي بياء مفتوحة وكأنهم حملوه على قصر المحدود وأجود من ذلك في حكم العربية أن ينشد أخلاء بهمزة مكسورة ويراد يا أخلائي فحذفت ياء الاضافة وتركت الهمزة كما تقول يا غلام، ومن ذلك أيضا قولهم في المثل «لو ذات سوار لطمتني» أخذا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب فذات سوار فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير والتقدير لو لطمتني ذات سوار وذات السوار الحرة لأن الإماء عند العرب لا تلبس السوار وجواب لو محذوف والتقدير لهان الأمر علي، أو يكون منصوبا بفعل محذوف أو خبرا لكان محذوفة فمثال الاول: لو زيدا رأيته أكرمته والثاني:
نحو التمس ولو خاتما من حديد وقد تقدم ذلك.
ويجوز أن يلي «لو» كثيرا أن المشددة وصلتها نحو «ولو أنهم صبروا» والآية التي نحن بصددها وهي «لو أن لي قوة» واختلف في اعراب أن وما في حيزها بعد أن اتفق الجميع على أنه مرفوع الموضع فقال سيبويه وجمهور البصريين مبتدأ لا خبر له أو خبره محذوف والتقدير ولو صبرهم ثابت وذهب الكوفيون والزمخشري والمبرد والزجاج من البصريين إلى انه فاعل بثبت مقدرا كما تقدم أي ولو ثبت صبرهم وسيأتي المزيد من أحكام «لو» في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
2- أقوال النحاة في «إلا امرأتك» :
والفائدة الثانية هي أقوال النحاة في استثناء امرأتك قالوا:
«ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» بالرفع في قراءة أبي عمرو وابن كثير فامرأتك بدل من أحد بدل بعض من كل والنصب عربي جيد وقد قرىء به في السبع لكنه خلاف المنتخب الراجح والذي قرىء به أكثر ومن هنا جعل الزمخشري النصب على الاستثناء من أهلك ليكون من تام موجب، والرفع على البدلية من أحد، واعترض بأنه يستلزم التناقض بين القراءتين فإن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع وغير مسري بها على قراءة النصب وأجاب أنصار الزمخشري بأن إخراجها من جملة النهي لا يدل على أنها مسري بها بل على أنها معهم وقد روي انها تبعتهم، وقد فنّد ابن هشام اعراب الزمخشري وقال إنه خلاف الظاهر وأسهب في الحديث عن هذا الاستثناء في الجهة الثانية من الباب الخامس.
أقول: والأظهر من هذا كله أن الاستثناء من جملة الأمر أي فأسر بأهلك والاستثناء منقطع على القراءتين ووجه الرفع انه على الابتداء وخبره الجملة بعده وعندئذ تكون قراءة النصب جيدة غير مرجوحة وتتفادى بذلك وقوع غير المرجوح في القرآن، وقد تقدم في ابن نوح «انه ليس من أهلك» لأن المراد بالأهل المؤمنون وعلى هذا تكون امرأته من غير أهله.
البلاغة:
في قوله تعالى: «أليس الصبح بقريب» إرسال المثل أو التمثيل وهو فن يمكن تعريفه بأن يكون ما يخرجه المتكلم ساريا مسير الأمثال السائرة وقد تقدمت الاشارة إليه وسيرد المزيد منه وقد عني علماؤنا الأقدمون باستقصاء جميع أمثال الكتاب العزيز من السور على ترتيبها، أما في الشعر العربي فقد أوردنا فيما تقدم أمثالا ضمنها شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي أبياته فجاءت آية في الإبداع كما أوردنا قصيدة لابن زيدون، ويحكى انه كان بعض مشايخ الأنبار في زمن الرشيد يؤذن ويصلي في مسجد وكان إذا حضر أوان الورد دفع مفتاح المسجد إلى أهل المحلة ثم انغمس في لجة لهوه فلم يظهر وفي الدنيا وردة وكان إذا جلس إلى شرابه يغني بصوت عال ويقول:
يا صاحبي اسقياني ... من قهوة خندريس
خذا من الورد حظا ... بالقصف غير حبيس
على وجينات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... زمان حث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... «لا عطر بعد عروس»
هود 11:78
اللغة:
(سِيءَ بِهِمْ) أصله سوىء بهم من السوء فأسكنت الواو وقلبت كسرتها إلى السين ويقال: سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل وسررته فسرّ.
(ذَرْعاً) : من أقوالهم ضاق فلان ذرعا: والذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه عن ذلك وضعف ومدّ عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة فمعنى قوله تعالى «وضاق بهم ذرعا» أي لم يجد من ذلك المكروه مخلصا، وقال بعض علماء اللغة: معناه وضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد، وقال آخرون: ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه.
وفي القاموس والتاج ما ملخصه: «الذّرع مصدر، بسط اليد، وضقت بالأمر ذرعا: أي لم أقدر عليه وهو واسع الذرع أي مقتدر وهو خالي الذرع أي قلبه خال من الهموم والغموم» .
(يُهْرَعُونَ) : أي يسوق بعضهم بعضا وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع. وفي القاموس: والهرع محرك وكغراب والاهراع مشي في اضطراب وسرعة وأقبل يهرع بالضم واهرع بالبناء للمجهول فهو مهرع مرعد من غضب أو خوف وقد هرع كفرح ورجل هرع سريع البكاء.
(عَصِيبٌ) : العصيب الشديد في الشر خاصة وأصله من الشد يقال عصبت الشيء شددته وعصبت فخذ الناقة لثدر وناقة عصوب ويوم عصيب وعصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر:
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال الراجز:
يوم عصيب ويعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
(رُكْنٍ) الركن: معتمد البناء بعد الأساس وركنا الجبل جانباه قال الراجز:
يأوي إلى ركن من الأركان ... في عدد طلس ومجد بان
(فَأَسْرِ) : من أسرى بمعنى سرى أي سار ليلا قال النابغة: أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
ويروى سرت، وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
(سِجِّيلٍ) : قال الزمخشري: «قيل هي كلمة معربة من سنككل بدليل قوله حجارة من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل وسجل لفلان» وقال أبو عبيدة: «هو الحجارة الشديدة» وأنشد لابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
وسجين وسجيل بمعنى واحد والعرب تعاقب بين النون واللام فقلبت النون هاهنا لاما» واكتفى صاحب القاموس بقوله: «السجيل الطين اليابس» .
(مَنْضُودٍ) : متراكب والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض والمراد وصف الحجارة بالكثرة.
(مُسَوَّمَةً) : معلمة للعذاب، والتسويم العلامة.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا لوطا فعل وفاعل ومفعول به وجملة سيء بهم لا محل لها ونائب الفاعل يعود إلى لوط وبهم جار ومجرور متعلقان به وذرعا تمييز محول عن الفاعل. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وقال عطف على ضاق وهذا مبتدأ ويوم خبر وعصيب صفة والجملة مقول القول. (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الواو عاطفة وجاءه قومه فعل ومفعول به وفاعل وجملة يهرعون في محل نصب على الحال واليه متعلقان بيهرعون. (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو حالية ومن قبل من حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى والجار والمجرور متعلقان بيعملون وكان واسمها وجملة يعملون السيئات خبر كانوا. (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هؤلاء مبتدأ وبناتي خبر وكذلك قوله هن أطهر لكم، وجوزوا في بناتي أن يكون بدلا أو عطف بيان، وهن ضمير فصل لا محل له وأطهر خبر هؤلاء، ولكم متعلقان بأطهر لأنه اسم تفضيل ولا يرد اعتراض خلاصته ان اسم التفضيل يعني المشاركة ليصح التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا والجواب أن هذا جار مجرى:
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها على الإطلاق. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) الفاء الفصيحة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ولا تخزوني عطف على اتقوا الله ولا ناهية وتخزوني مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والنون للوقاية والواو فاعل والياء مفعول به وفي ضيفي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضيف في الأصل مصدر ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ولذلك يقع على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وقد يثنى فيقال ضيفان وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان. (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) الاستفهام للانكار والتوبيخ وليس فعل ماض ناقص ومنكم خبر ليس للمقدم ورجل اسمها المؤخر ورشيد صفة. (قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ)
علمت معلقة عن العمل بما النافية ولنا خبر مقدم وفي بناتك حال لأنه كان في الأصل صفة لحق وتقدمت ومن حرف جر زائد وحق مبتدأ مؤخر محلا. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تعلم خبرها، وما:
يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي تعرف الذي نريد أو تعلم إرادتنا (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت واستقر وأما سيبويه فيرى انه مبتدأ لا خبر له وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد. وأن حرف مشبه بالفعل ولي خبرها المقدم وبكم حال من قوة إذ هو في الأصل صفة للنكرة وقوة اسم ان وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت وأو حرف عطف وآوي معطوف على المعنى وتقدير الكلام أو أني آوي، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ثبت المحذوفة إذا أعربت أن وما في حيزها فاعلا لفعل محذوف، ويجوز أن تعطف على قوة لأنه منصوب في الأصل بتقدير «ان» فلما حذفت «أن» رفع الفعل كقوله تعالى «ومن آياته يريكم» واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. والى ركن متعلق بآوي وشديد صفة.
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إن واسمها ورسل ربك خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويصلوا مضارع منصوب بأن وإليك متعلقان بيصلوا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء عاطفة وبأهلك حال أي مصاحبا لهم وبقطع حال من أهلك أي مصاحبين لقطع، ولك أن تجعل الباء للتعدية فتعلقها بأسر والقطع هنا نصف الليل لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وقد تقدم الكلام على القطع في سورة يونس، ومن الليل صفة لقطع. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ)
الواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت فعل مضارع مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد وأحد فاعل وإلا أداة استثناء وامرأتك مستثنى من قوله فأسر بأهلك وفي قراءة بالرفع بدل من أحد وسيأتي تفصيل مسهب لهذا الاستثناء والمعنى لا تسر بها وخلّفها مع قومها وقيل هي مستثنى من أحد وان واسمها والهاء ضمير الشأن والحديث ومصيبها خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة أصابهم صلة والجملة خبر ان لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح بجزأيها. (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) إن واسمها والصبح خبرها والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها والباء حرف جر زائد وقريب مجرور لفظا خبر ليس محلا (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل وجملة جعلنا جواب لما ونا فاعل وعاليها مفعول جعل الاول وسافلها مفعول جعلنا الثاني. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) وأمطرنا عطف على جعلنا وعليها متعلقان بأمطرنا وحجارة مفعول به ومن سجيل صفة لحجارة ومنضود صفة لسجيل ومسومة صفة ثانية لحجارة وعند ربك الظرف متعلق بمسومة. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ما حجازية وهي اسمها واختلف في هذا الضمير فقيل يعود على العقوبة المفهومة السياق وقيل يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور وقيل يعود على القرى المهلكة وكل ما ذكروه جائز وسائغ. ومن الظالمين متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور لفظا خبر ما محلا ولم يؤنث بعيدا إما لأنه في الأصل نعت لمكان محذوف تقديره وما هي بمكان بعيد بل قريب وإما لأن العقوبة والعقاب شيء واحد وإما لتأويل الحجارة بعذاب.
الفوائد:
1- عود إلى «لو» :
تقدم بحث لو في البقرة وغيرها ونزيد هنا بحث الاسم الواقع بعد لو الشرطية والمعروف أنها تختص بالفعل شرطية كانت أم مصدرية ويجوز أن يليها الاسم فيعرب فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده وعلى ذلك يتخرج قول عمر بن الخطاب لأبي عبيدة وقد كان في طريقة إلى الشام وبلغه في أثناء الطريق قبل الوصول إليها انه وقع بها وباء فاستشار في التوجه اليه أو الرجوع إلى المدينة فاختلفوا عليه ثم أجمع أمره على الرجوع بعد أن أشار به جماعة من الصحابة فقال له أبو عبيدة ابن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر بن الخطاب: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدره. فغيرك فاعل لفعل محذوف يفسره قالها والتقدير لو قالها غيرك وجواب لو محذوف أي لعذرناه.
وقال الغطمش الضبي:
أقول وقد فاضت لعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فغير فاعل بفعل محذوف يفسره أصابكم والتقدير لو أصابكم غير الحمام- وهو بكسر الحاء الموت- عتبت، ومن ملاحظات التبريزي على هذا البيت الثاني قوله: الناس ينشدون أخلاي بياء مفتوحة وكأنهم حملوه على قصر المحدود وأجود من ذلك في حكم العربية أن ينشد أخلاء بهمزة مكسورة ويراد يا أخلائي فحذفت ياء الاضافة وتركت الهمزة كما تقول يا غلام، ومن ذلك أيضا قولهم في المثل «لو ذات سوار لطمتني» أخذا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب فذات سوار فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير والتقدير لو لطمتني ذات سوار وذات السوار الحرة لأن الإماء عند العرب لا تلبس السوار وجواب لو محذوف والتقدير لهان الأمر علي، أو يكون منصوبا بفعل محذوف أو خبرا لكان محذوفة فمثال الاول: لو زيدا رأيته أكرمته والثاني:
نحو التمس ولو خاتما من حديد وقد تقدم ذلك.
ويجوز أن يلي «لو» كثيرا أن المشددة وصلتها نحو «ولو أنهم صبروا» والآية التي نحن بصددها وهي «لو أن لي قوة» واختلف في اعراب أن وما في حيزها بعد أن اتفق الجميع على أنه مرفوع الموضع فقال سيبويه وجمهور البصريين مبتدأ لا خبر له أو خبره محذوف والتقدير ولو صبرهم ثابت وذهب الكوفيون والزمخشري والمبرد والزجاج من البصريين إلى انه فاعل بثبت مقدرا كما تقدم أي ولو ثبت صبرهم وسيأتي المزيد من أحكام «لو» في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
2- أقوال النحاة في «إلا امرأتك» :
والفائدة الثانية هي أقوال النحاة في استثناء امرأتك قالوا:
«ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» بالرفع في قراءة أبي عمرو وابن كثير فامرأتك بدل من أحد بدل بعض من كل والنصب عربي جيد وقد قرىء به في السبع لكنه خلاف المنتخب الراجح والذي قرىء به أكثر ومن هنا جعل الزمخشري النصب على الاستثناء من أهلك ليكون من تام موجب، والرفع على البدلية من أحد، واعترض بأنه يستلزم التناقض بين القراءتين فإن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع وغير مسري بها على قراءة النصب وأجاب أنصار الزمخشري بأن إخراجها من جملة النهي لا يدل على أنها مسري بها بل على أنها معهم وقد روي انها تبعتهم، وقد فنّد ابن هشام اعراب الزمخشري وقال إنه خلاف الظاهر وأسهب في الحديث عن هذا الاستثناء في الجهة الثانية من الباب الخامس.
أقول: والأظهر من هذا كله أن الاستثناء من جملة الأمر أي فأسر بأهلك والاستثناء منقطع على القراءتين ووجه الرفع انه على الابتداء وخبره الجملة بعده وعندئذ تكون قراءة النصب جيدة غير مرجوحة وتتفادى بذلك وقوع غير المرجوح في القرآن، وقد تقدم في ابن نوح «انه ليس من أهلك» لأن المراد بالأهل المؤمنون وعلى هذا تكون امرأته من غير أهله.
البلاغة:
في قوله تعالى: «أليس الصبح بقريب» إرسال المثل أو التمثيل وهو فن يمكن تعريفه بأن يكون ما يخرجه المتكلم ساريا مسير الأمثال السائرة وقد تقدمت الاشارة إليه وسيرد المزيد منه وقد عني علماؤنا الأقدمون باستقصاء جميع أمثال الكتاب العزيز من السور على ترتيبها، أما في الشعر العربي فقد أوردنا فيما تقدم أمثالا ضمنها شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي أبياته فجاءت آية في الإبداع كما أوردنا قصيدة لابن زيدون، ويحكى انه كان بعض مشايخ الأنبار في زمن الرشيد يؤذن ويصلي في مسجد وكان إذا حضر أوان الورد دفع مفتاح المسجد إلى أهل المحلة ثم انغمس في لجة لهوه فلم يظهر وفي الدنيا وردة وكان إذا جلس إلى شرابه يغني بصوت عال ويقول:
يا صاحبي اسقياني ... من قهوة خندريس
خذا من الورد حظا ... بالقصف غير حبيس
على وجينات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... زمان حث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... «لا عطر بعد عروس»
هود 11:79
اللغة:
(سِيءَ بِهِمْ) أصله سوىء بهم من السوء فأسكنت الواو وقلبت كسرتها إلى السين ويقال: سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل وسررته فسرّ.
(ذَرْعاً) : من أقوالهم ضاق فلان ذرعا: والذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه عن ذلك وضعف ومدّ عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة فمعنى قوله تعالى «وضاق بهم ذرعا» أي لم يجد من ذلك المكروه مخلصا، وقال بعض علماء اللغة: معناه وضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد، وقال آخرون: ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه.
وفي القاموس والتاج ما ملخصه: «الذّرع مصدر، بسط اليد، وضقت بالأمر ذرعا: أي لم أقدر عليه وهو واسع الذرع أي مقتدر وهو خالي الذرع أي قلبه خال من الهموم والغموم» .
(يُهْرَعُونَ) : أي يسوق بعضهم بعضا وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع. وفي القاموس: والهرع محرك وكغراب والاهراع مشي في اضطراب وسرعة وأقبل يهرع بالضم واهرع بالبناء للمجهول فهو مهرع مرعد من غضب أو خوف وقد هرع كفرح ورجل هرع سريع البكاء.
(عَصِيبٌ) : العصيب الشديد في الشر خاصة وأصله من الشد يقال عصبت الشيء شددته وعصبت فخذ الناقة لثدر وناقة عصوب ويوم عصيب وعصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر:
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال الراجز:
يوم عصيب ويعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
(رُكْنٍ) الركن: معتمد البناء بعد الأساس وركنا الجبل جانباه قال الراجز:
يأوي إلى ركن من الأركان ... في عدد طلس ومجد بان
(فَأَسْرِ) : من أسرى بمعنى سرى أي سار ليلا قال النابغة: أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
ويروى سرت، وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
(سِجِّيلٍ) : قال الزمخشري: «قيل هي كلمة معربة من سنككل بدليل قوله حجارة من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل وسجل لفلان» وقال أبو عبيدة: «هو الحجارة الشديدة» وأنشد لابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
وسجين وسجيل بمعنى واحد والعرب تعاقب بين النون واللام فقلبت النون هاهنا لاما» واكتفى صاحب القاموس بقوله: «السجيل الطين اليابس» .
(مَنْضُودٍ) : متراكب والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض والمراد وصف الحجارة بالكثرة.
(مُسَوَّمَةً) : معلمة للعذاب، والتسويم العلامة.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا لوطا فعل وفاعل ومفعول به وجملة سيء بهم لا محل لها ونائب الفاعل يعود إلى لوط وبهم جار ومجرور متعلقان به وذرعا تمييز محول عن الفاعل. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وقال عطف على ضاق وهذا مبتدأ ويوم خبر وعصيب صفة والجملة مقول القول. (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الواو عاطفة وجاءه قومه فعل ومفعول به وفاعل وجملة يهرعون في محل نصب على الحال واليه متعلقان بيهرعون. (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو حالية ومن قبل من حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى والجار والمجرور متعلقان بيعملون وكان واسمها وجملة يعملون السيئات خبر كانوا. (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هؤلاء مبتدأ وبناتي خبر وكذلك قوله هن أطهر لكم، وجوزوا في بناتي أن يكون بدلا أو عطف بيان، وهن ضمير فصل لا محل له وأطهر خبر هؤلاء، ولكم متعلقان بأطهر لأنه اسم تفضيل ولا يرد اعتراض خلاصته ان اسم التفضيل يعني المشاركة ليصح التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا والجواب أن هذا جار مجرى:
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها على الإطلاق. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) الفاء الفصيحة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ولا تخزوني عطف على اتقوا الله ولا ناهية وتخزوني مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والنون للوقاية والواو فاعل والياء مفعول به وفي ضيفي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضيف في الأصل مصدر ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ولذلك يقع على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وقد يثنى فيقال ضيفان وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان. (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) الاستفهام للانكار والتوبيخ وليس فعل ماض ناقص ومنكم خبر ليس للمقدم ورجل اسمها المؤخر ورشيد صفة. (قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ)
علمت معلقة عن العمل بما النافية ولنا خبر مقدم وفي بناتك حال لأنه كان في الأصل صفة لحق وتقدمت ومن حرف جر زائد وحق مبتدأ مؤخر محلا. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تعلم خبرها، وما:
يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي تعرف الذي نريد أو تعلم إرادتنا (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت واستقر وأما سيبويه فيرى انه مبتدأ لا خبر له وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد. وأن حرف مشبه بالفعل ولي خبرها المقدم وبكم حال من قوة إذ هو في الأصل صفة للنكرة وقوة اسم ان وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت وأو حرف عطف وآوي معطوف على المعنى وتقدير الكلام أو أني آوي، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ثبت المحذوفة إذا أعربت أن وما في حيزها فاعلا لفعل محذوف، ويجوز أن تعطف على قوة لأنه منصوب في الأصل بتقدير «ان» فلما حذفت «أن» رفع الفعل كقوله تعالى «ومن آياته يريكم» واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. والى ركن متعلق بآوي وشديد صفة.
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إن واسمها ورسل ربك خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويصلوا مضارع منصوب بأن وإليك متعلقان بيصلوا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء عاطفة وبأهلك حال أي مصاحبا لهم وبقطع حال من أهلك أي مصاحبين لقطع، ولك أن تجعل الباء للتعدية فتعلقها بأسر والقطع هنا نصف الليل لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وقد تقدم الكلام على القطع في سورة يونس، ومن الليل صفة لقطع. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ)
الواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت فعل مضارع مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد وأحد فاعل وإلا أداة استثناء وامرأتك مستثنى من قوله فأسر بأهلك وفي قراءة بالرفع بدل من أحد وسيأتي تفصيل مسهب لهذا الاستثناء والمعنى لا تسر بها وخلّفها مع قومها وقيل هي مستثنى من أحد وان واسمها والهاء ضمير الشأن والحديث ومصيبها خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة أصابهم صلة والجملة خبر ان لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح بجزأيها. (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) إن واسمها والصبح خبرها والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها والباء حرف جر زائد وقريب مجرور لفظا خبر ليس محلا (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل وجملة جعلنا جواب لما ونا فاعل وعاليها مفعول جعل الاول وسافلها مفعول جعلنا الثاني. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) وأمطرنا عطف على جعلنا وعليها متعلقان بأمطرنا وحجارة مفعول به ومن سجيل صفة لحجارة ومنضود صفة لسجيل ومسومة صفة ثانية لحجارة وعند ربك الظرف متعلق بمسومة. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ما حجازية وهي اسمها واختلف في هذا الضمير فقيل يعود على العقوبة المفهومة السياق وقيل يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور وقيل يعود على القرى المهلكة وكل ما ذكروه جائز وسائغ. ومن الظالمين متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور لفظا خبر ما محلا ولم يؤنث بعيدا إما لأنه في الأصل نعت لمكان محذوف تقديره وما هي بمكان بعيد بل قريب وإما لأن العقوبة والعقاب شيء واحد وإما لتأويل الحجارة بعذاب.
الفوائد:
1- عود إلى «لو» :
تقدم بحث لو في البقرة وغيرها ونزيد هنا بحث الاسم الواقع بعد لو الشرطية والمعروف أنها تختص بالفعل شرطية كانت أم مصدرية ويجوز أن يليها الاسم فيعرب فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده وعلى ذلك يتخرج قول عمر بن الخطاب لأبي عبيدة وقد كان في طريقة إلى الشام وبلغه في أثناء الطريق قبل الوصول إليها انه وقع بها وباء فاستشار في التوجه اليه أو الرجوع إلى المدينة فاختلفوا عليه ثم أجمع أمره على الرجوع بعد أن أشار به جماعة من الصحابة فقال له أبو عبيدة ابن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر بن الخطاب: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدره. فغيرك فاعل لفعل محذوف يفسره قالها والتقدير لو قالها غيرك وجواب لو محذوف أي لعذرناه.
وقال الغطمش الضبي:
أقول وقد فاضت لعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فغير فاعل بفعل محذوف يفسره أصابكم والتقدير لو أصابكم غير الحمام- وهو بكسر الحاء الموت- عتبت، ومن ملاحظات التبريزي على هذا البيت الثاني قوله: الناس ينشدون أخلاي بياء مفتوحة وكأنهم حملوه على قصر المحدود وأجود من ذلك في حكم العربية أن ينشد أخلاء بهمزة مكسورة ويراد يا أخلائي فحذفت ياء الاضافة وتركت الهمزة كما تقول يا غلام، ومن ذلك أيضا قولهم في المثل «لو ذات سوار لطمتني» أخذا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب فذات سوار فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير والتقدير لو لطمتني ذات سوار وذات السوار الحرة لأن الإماء عند العرب لا تلبس السوار وجواب لو محذوف والتقدير لهان الأمر علي، أو يكون منصوبا بفعل محذوف أو خبرا لكان محذوفة فمثال الاول: لو زيدا رأيته أكرمته والثاني:
نحو التمس ولو خاتما من حديد وقد تقدم ذلك.
ويجوز أن يلي «لو» كثيرا أن المشددة وصلتها نحو «ولو أنهم صبروا» والآية التي نحن بصددها وهي «لو أن لي قوة» واختلف في اعراب أن وما في حيزها بعد أن اتفق الجميع على أنه مرفوع الموضع فقال سيبويه وجمهور البصريين مبتدأ لا خبر له أو خبره محذوف والتقدير ولو صبرهم ثابت وذهب الكوفيون والزمخشري والمبرد والزجاج من البصريين إلى انه فاعل بثبت مقدرا كما تقدم أي ولو ثبت صبرهم وسيأتي المزيد من أحكام «لو» في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
2- أقوال النحاة في «إلا امرأتك» :
والفائدة الثانية هي أقوال النحاة في استثناء امرأتك قالوا:
«ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» بالرفع في قراءة أبي عمرو وابن كثير فامرأتك بدل من أحد بدل بعض من كل والنصب عربي جيد وقد قرىء به في السبع لكنه خلاف المنتخب الراجح والذي قرىء به أكثر ومن هنا جعل الزمخشري النصب على الاستثناء من أهلك ليكون من تام موجب، والرفع على البدلية من أحد، واعترض بأنه يستلزم التناقض بين القراءتين فإن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع وغير مسري بها على قراءة النصب وأجاب أنصار الزمخشري بأن إخراجها من جملة النهي لا يدل على أنها مسري بها بل على أنها معهم وقد روي انها تبعتهم، وقد فنّد ابن هشام اعراب الزمخشري وقال إنه خلاف الظاهر وأسهب في الحديث عن هذا الاستثناء في الجهة الثانية من الباب الخامس.
أقول: والأظهر من هذا كله أن الاستثناء من جملة الأمر أي فأسر بأهلك والاستثناء منقطع على القراءتين ووجه الرفع انه على الابتداء وخبره الجملة بعده وعندئذ تكون قراءة النصب جيدة غير مرجوحة وتتفادى بذلك وقوع غير المرجوح في القرآن، وقد تقدم في ابن نوح «انه ليس من أهلك» لأن المراد بالأهل المؤمنون وعلى هذا تكون امرأته من غير أهله.
البلاغة:
في قوله تعالى: «أليس الصبح بقريب» إرسال المثل أو التمثيل وهو فن يمكن تعريفه بأن يكون ما يخرجه المتكلم ساريا مسير الأمثال السائرة وقد تقدمت الاشارة إليه وسيرد المزيد منه وقد عني علماؤنا الأقدمون باستقصاء جميع أمثال الكتاب العزيز من السور على ترتيبها، أما في الشعر العربي فقد أوردنا فيما تقدم أمثالا ضمنها شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي أبياته فجاءت آية في الإبداع كما أوردنا قصيدة لابن زيدون، ويحكى انه كان بعض مشايخ الأنبار في زمن الرشيد يؤذن ويصلي في مسجد وكان إذا حضر أوان الورد دفع مفتاح المسجد إلى أهل المحلة ثم انغمس في لجة لهوه فلم يظهر وفي الدنيا وردة وكان إذا جلس إلى شرابه يغني بصوت عال ويقول:
يا صاحبي اسقياني ... من قهوة خندريس
خذا من الورد حظا ... بالقصف غير حبيس
على وجينات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... زمان حث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... «لا عطر بعد عروس»
هود 11:80
اللغة:
(سِيءَ بِهِمْ) أصله سوىء بهم من السوء فأسكنت الواو وقلبت كسرتها إلى السين ويقال: سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل وسررته فسرّ.
(ذَرْعاً) : من أقوالهم ضاق فلان ذرعا: والذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه عن ذلك وضعف ومدّ عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة فمعنى قوله تعالى «وضاق بهم ذرعا» أي لم يجد من ذلك المكروه مخلصا، وقال بعض علماء اللغة: معناه وضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد، وقال آخرون: ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه.
وفي القاموس والتاج ما ملخصه: «الذّرع مصدر، بسط اليد، وضقت بالأمر ذرعا: أي لم أقدر عليه وهو واسع الذرع أي مقتدر وهو خالي الذرع أي قلبه خال من الهموم والغموم» .
(يُهْرَعُونَ) : أي يسوق بعضهم بعضا وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع. وفي القاموس: والهرع محرك وكغراب والاهراع مشي في اضطراب وسرعة وأقبل يهرع بالضم واهرع بالبناء للمجهول فهو مهرع مرعد من غضب أو خوف وقد هرع كفرح ورجل هرع سريع البكاء.
(عَصِيبٌ) : العصيب الشديد في الشر خاصة وأصله من الشد يقال عصبت الشيء شددته وعصبت فخذ الناقة لثدر وناقة عصوب ويوم عصيب وعصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر:
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال الراجز:
يوم عصيب ويعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
(رُكْنٍ) الركن: معتمد البناء بعد الأساس وركنا الجبل جانباه قال الراجز:
يأوي إلى ركن من الأركان ... في عدد طلس ومجد بان
(فَأَسْرِ) : من أسرى بمعنى سرى أي سار ليلا قال النابغة: أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
ويروى سرت، وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
(سِجِّيلٍ) : قال الزمخشري: «قيل هي كلمة معربة من سنككل بدليل قوله حجارة من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل وسجل لفلان» وقال أبو عبيدة: «هو الحجارة الشديدة» وأنشد لابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
وسجين وسجيل بمعنى واحد والعرب تعاقب بين النون واللام فقلبت النون هاهنا لاما» واكتفى صاحب القاموس بقوله: «السجيل الطين اليابس» .
(مَنْضُودٍ) : متراكب والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض والمراد وصف الحجارة بالكثرة.
(مُسَوَّمَةً) : معلمة للعذاب، والتسويم العلامة.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا لوطا فعل وفاعل ومفعول به وجملة سيء بهم لا محل لها ونائب الفاعل يعود إلى لوط وبهم جار ومجرور متعلقان به وذرعا تمييز محول عن الفاعل. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وقال عطف على ضاق وهذا مبتدأ ويوم خبر وعصيب صفة والجملة مقول القول. (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الواو عاطفة وجاءه قومه فعل ومفعول به وفاعل وجملة يهرعون في محل نصب على الحال واليه متعلقان بيهرعون. (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو حالية ومن قبل من حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى والجار والمجرور متعلقان بيعملون وكان واسمها وجملة يعملون السيئات خبر كانوا. (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هؤلاء مبتدأ وبناتي خبر وكذلك قوله هن أطهر لكم، وجوزوا في بناتي أن يكون بدلا أو عطف بيان، وهن ضمير فصل لا محل له وأطهر خبر هؤلاء، ولكم متعلقان بأطهر لأنه اسم تفضيل ولا يرد اعتراض خلاصته ان اسم التفضيل يعني المشاركة ليصح التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا والجواب أن هذا جار مجرى:
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها على الإطلاق. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) الفاء الفصيحة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ولا تخزوني عطف على اتقوا الله ولا ناهية وتخزوني مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والنون للوقاية والواو فاعل والياء مفعول به وفي ضيفي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضيف في الأصل مصدر ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ولذلك يقع على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وقد يثنى فيقال ضيفان وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان. (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) الاستفهام للانكار والتوبيخ وليس فعل ماض ناقص ومنكم خبر ليس للمقدم ورجل اسمها المؤخر ورشيد صفة. (قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ)
علمت معلقة عن العمل بما النافية ولنا خبر مقدم وفي بناتك حال لأنه كان في الأصل صفة لحق وتقدمت ومن حرف جر زائد وحق مبتدأ مؤخر محلا. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تعلم خبرها، وما:
يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي تعرف الذي نريد أو تعلم إرادتنا (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت واستقر وأما سيبويه فيرى انه مبتدأ لا خبر له وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد. وأن حرف مشبه بالفعل ولي خبرها المقدم وبكم حال من قوة إذ هو في الأصل صفة للنكرة وقوة اسم ان وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت وأو حرف عطف وآوي معطوف على المعنى وتقدير الكلام أو أني آوي، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ثبت المحذوفة إذا أعربت أن وما في حيزها فاعلا لفعل محذوف، ويجوز أن تعطف على قوة لأنه منصوب في الأصل بتقدير «ان» فلما حذفت «أن» رفع الفعل كقوله تعالى «ومن آياته يريكم» واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. والى ركن متعلق بآوي وشديد صفة.
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إن واسمها ورسل ربك خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويصلوا مضارع منصوب بأن وإليك متعلقان بيصلوا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء عاطفة وبأهلك حال أي مصاحبا لهم وبقطع حال من أهلك أي مصاحبين لقطع، ولك أن تجعل الباء للتعدية فتعلقها بأسر والقطع هنا نصف الليل لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وقد تقدم الكلام على القطع في سورة يونس، ومن الليل صفة لقطع. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ)
الواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت فعل مضارع مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد وأحد فاعل وإلا أداة استثناء وامرأتك مستثنى من قوله فأسر بأهلك وفي قراءة بالرفع بدل من أحد وسيأتي تفصيل مسهب لهذا الاستثناء والمعنى لا تسر بها وخلّفها مع قومها وقيل هي مستثنى من أحد وان واسمها والهاء ضمير الشأن والحديث ومصيبها خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة أصابهم صلة والجملة خبر ان لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح بجزأيها. (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) إن واسمها والصبح خبرها والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها والباء حرف جر زائد وقريب مجرور لفظا خبر ليس محلا (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل وجملة جعلنا جواب لما ونا فاعل وعاليها مفعول جعل الاول وسافلها مفعول جعلنا الثاني. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) وأمطرنا عطف على جعلنا وعليها متعلقان بأمطرنا وحجارة مفعول به ومن سجيل صفة لحجارة ومنضود صفة لسجيل ومسومة صفة ثانية لحجارة وعند ربك الظرف متعلق بمسومة. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ما حجازية وهي اسمها واختلف في هذا الضمير فقيل يعود على العقوبة المفهومة السياق وقيل يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور وقيل يعود على القرى المهلكة وكل ما ذكروه جائز وسائغ. ومن الظالمين متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور لفظا خبر ما محلا ولم يؤنث بعيدا إما لأنه في الأصل نعت لمكان محذوف تقديره وما هي بمكان بعيد بل قريب وإما لأن العقوبة والعقاب شيء واحد وإما لتأويل الحجارة بعذاب.
الفوائد:
1- عود إلى «لو» :
تقدم بحث لو في البقرة وغيرها ونزيد هنا بحث الاسم الواقع بعد لو الشرطية والمعروف أنها تختص بالفعل شرطية كانت أم مصدرية ويجوز أن يليها الاسم فيعرب فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده وعلى ذلك يتخرج قول عمر بن الخطاب لأبي عبيدة وقد كان في طريقة إلى الشام وبلغه في أثناء الطريق قبل الوصول إليها انه وقع بها وباء فاستشار في التوجه اليه أو الرجوع إلى المدينة فاختلفوا عليه ثم أجمع أمره على الرجوع بعد أن أشار به جماعة من الصحابة فقال له أبو عبيدة ابن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر بن الخطاب: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدره. فغيرك فاعل لفعل محذوف يفسره قالها والتقدير لو قالها غيرك وجواب لو محذوف أي لعذرناه.
وقال الغطمش الضبي:
أقول وقد فاضت لعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فغير فاعل بفعل محذوف يفسره أصابكم والتقدير لو أصابكم غير الحمام- وهو بكسر الحاء الموت- عتبت، ومن ملاحظات التبريزي على هذا البيت الثاني قوله: الناس ينشدون أخلاي بياء مفتوحة وكأنهم حملوه على قصر المحدود وأجود من ذلك في حكم العربية أن ينشد أخلاء بهمزة مكسورة ويراد يا أخلائي فحذفت ياء الاضافة وتركت الهمزة كما تقول يا غلام، ومن ذلك أيضا قولهم في المثل «لو ذات سوار لطمتني» أخذا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب فذات سوار فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير والتقدير لو لطمتني ذات سوار وذات السوار الحرة لأن الإماء عند العرب لا تلبس السوار وجواب لو محذوف والتقدير لهان الأمر علي، أو يكون منصوبا بفعل محذوف أو خبرا لكان محذوفة فمثال الاول: لو زيدا رأيته أكرمته والثاني:
نحو التمس ولو خاتما من حديد وقد تقدم ذلك.
ويجوز أن يلي «لو» كثيرا أن المشددة وصلتها نحو «ولو أنهم صبروا» والآية التي نحن بصددها وهي «لو أن لي قوة» واختلف في اعراب أن وما في حيزها بعد أن اتفق الجميع على أنه مرفوع الموضع فقال سيبويه وجمهور البصريين مبتدأ لا خبر له أو خبره محذوف والتقدير ولو صبرهم ثابت وذهب الكوفيون والزمخشري والمبرد والزجاج من البصريين إلى انه فاعل بثبت مقدرا كما تقدم أي ولو ثبت صبرهم وسيأتي المزيد من أحكام «لو» في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
2- أقوال النحاة في «إلا امرأتك» :
والفائدة الثانية هي أقوال النحاة في استثناء امرأتك قالوا:
«ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» بالرفع في قراءة أبي عمرو وابن كثير فامرأتك بدل من أحد بدل بعض من كل والنصب عربي جيد وقد قرىء به في السبع لكنه خلاف المنتخب الراجح والذي قرىء به أكثر ومن هنا جعل الزمخشري النصب على الاستثناء من أهلك ليكون من تام موجب، والرفع على البدلية من أحد، واعترض بأنه يستلزم التناقض بين القراءتين فإن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع وغير مسري بها على قراءة النصب وأجاب أنصار الزمخشري بأن إخراجها من جملة النهي لا يدل على أنها مسري بها بل على أنها معهم وقد روي انها تبعتهم، وقد فنّد ابن هشام اعراب الزمخشري وقال إنه خلاف الظاهر وأسهب في الحديث عن هذا الاستثناء في الجهة الثانية من الباب الخامس.
أقول: والأظهر من هذا كله أن الاستثناء من جملة الأمر أي فأسر بأهلك والاستثناء منقطع على القراءتين ووجه الرفع انه على الابتداء وخبره الجملة بعده وعندئذ تكون قراءة النصب جيدة غير مرجوحة وتتفادى بذلك وقوع غير المرجوح في القرآن، وقد تقدم في ابن نوح «انه ليس من أهلك» لأن المراد بالأهل المؤمنون وعلى هذا تكون امرأته من غير أهله.
البلاغة:
في قوله تعالى: «أليس الصبح بقريب» إرسال المثل أو التمثيل وهو فن يمكن تعريفه بأن يكون ما يخرجه المتكلم ساريا مسير الأمثال السائرة وقد تقدمت الاشارة إليه وسيرد المزيد منه وقد عني علماؤنا الأقدمون باستقصاء جميع أمثال الكتاب العزيز من السور على ترتيبها، أما في الشعر العربي فقد أوردنا فيما تقدم أمثالا ضمنها شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي أبياته فجاءت آية في الإبداع كما أوردنا قصيدة لابن زيدون، ويحكى انه كان بعض مشايخ الأنبار في زمن الرشيد يؤذن ويصلي في مسجد وكان إذا حضر أوان الورد دفع مفتاح المسجد إلى أهل المحلة ثم انغمس في لجة لهوه فلم يظهر وفي الدنيا وردة وكان إذا جلس إلى شرابه يغني بصوت عال ويقول:
يا صاحبي اسقياني ... من قهوة خندريس
خذا من الورد حظا ... بالقصف غير حبيس
على وجينات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... زمان حث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... «لا عطر بعد عروس»
هود 11:81
اللغة:
(سِيءَ بِهِمْ) أصله سوىء بهم من السوء فأسكنت الواو وقلبت كسرتها إلى السين ويقال: سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل وسررته فسرّ.
(ذَرْعاً) : من أقوالهم ضاق فلان ذرعا: والذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه عن ذلك وضعف ومدّ عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة فمعنى قوله تعالى «وضاق بهم ذرعا» أي لم يجد من ذلك المكروه مخلصا، وقال بعض علماء اللغة: معناه وضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد، وقال آخرون: ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه.
وفي القاموس والتاج ما ملخصه: «الذّرع مصدر، بسط اليد، وضقت بالأمر ذرعا: أي لم أقدر عليه وهو واسع الذرع أي مقتدر وهو خالي الذرع أي قلبه خال من الهموم والغموم» .
(يُهْرَعُونَ) : أي يسوق بعضهم بعضا وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع. وفي القاموس: والهرع محرك وكغراب والاهراع مشي في اضطراب وسرعة وأقبل يهرع بالضم واهرع بالبناء للمجهول فهو مهرع مرعد من غضب أو خوف وقد هرع كفرح ورجل هرع سريع البكاء.
(عَصِيبٌ) : العصيب الشديد في الشر خاصة وأصله من الشد يقال عصبت الشيء شددته وعصبت فخذ الناقة لثدر وناقة عصوب ويوم عصيب وعصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر:
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال الراجز:
يوم عصيب ويعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
(رُكْنٍ) الركن: معتمد البناء بعد الأساس وركنا الجبل جانباه قال الراجز:
يأوي إلى ركن من الأركان ... في عدد طلس ومجد بان
(فَأَسْرِ) : من أسرى بمعنى سرى أي سار ليلا قال النابغة: أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
ويروى سرت، وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
(سِجِّيلٍ) : قال الزمخشري: «قيل هي كلمة معربة من سنككل بدليل قوله حجارة من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل وسجل لفلان» وقال أبو عبيدة: «هو الحجارة الشديدة» وأنشد لابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
وسجين وسجيل بمعنى واحد والعرب تعاقب بين النون واللام فقلبت النون هاهنا لاما» واكتفى صاحب القاموس بقوله: «السجيل الطين اليابس» .
(مَنْضُودٍ) : متراكب والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض والمراد وصف الحجارة بالكثرة.
(مُسَوَّمَةً) : معلمة للعذاب، والتسويم العلامة.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا لوطا فعل وفاعل ومفعول به وجملة سيء بهم لا محل لها ونائب الفاعل يعود إلى لوط وبهم جار ومجرور متعلقان به وذرعا تمييز محول عن الفاعل. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وقال عطف على ضاق وهذا مبتدأ ويوم خبر وعصيب صفة والجملة مقول القول. (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الواو عاطفة وجاءه قومه فعل ومفعول به وفاعل وجملة يهرعون في محل نصب على الحال واليه متعلقان بيهرعون. (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو حالية ومن قبل من حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى والجار والمجرور متعلقان بيعملون وكان واسمها وجملة يعملون السيئات خبر كانوا. (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هؤلاء مبتدأ وبناتي خبر وكذلك قوله هن أطهر لكم، وجوزوا في بناتي أن يكون بدلا أو عطف بيان، وهن ضمير فصل لا محل له وأطهر خبر هؤلاء، ولكم متعلقان بأطهر لأنه اسم تفضيل ولا يرد اعتراض خلاصته ان اسم التفضيل يعني المشاركة ليصح التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا والجواب أن هذا جار مجرى:
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها على الإطلاق. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) الفاء الفصيحة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ولا تخزوني عطف على اتقوا الله ولا ناهية وتخزوني مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والنون للوقاية والواو فاعل والياء مفعول به وفي ضيفي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضيف في الأصل مصدر ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ولذلك يقع على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وقد يثنى فيقال ضيفان وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان. (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) الاستفهام للانكار والتوبيخ وليس فعل ماض ناقص ومنكم خبر ليس للمقدم ورجل اسمها المؤخر ورشيد صفة. (قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ)
علمت معلقة عن العمل بما النافية ولنا خبر مقدم وفي بناتك حال لأنه كان في الأصل صفة لحق وتقدمت ومن حرف جر زائد وحق مبتدأ مؤخر محلا. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تعلم خبرها، وما:
يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي تعرف الذي نريد أو تعلم إرادتنا (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت واستقر وأما سيبويه فيرى انه مبتدأ لا خبر له وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد. وأن حرف مشبه بالفعل ولي خبرها المقدم وبكم حال من قوة إذ هو في الأصل صفة للنكرة وقوة اسم ان وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت وأو حرف عطف وآوي معطوف على المعنى وتقدير الكلام أو أني آوي، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ثبت المحذوفة إذا أعربت أن وما في حيزها فاعلا لفعل محذوف، ويجوز أن تعطف على قوة لأنه منصوب في الأصل بتقدير «ان» فلما حذفت «أن» رفع الفعل كقوله تعالى «ومن آياته يريكم» واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. والى ركن متعلق بآوي وشديد صفة.
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إن واسمها ورسل ربك خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويصلوا مضارع منصوب بأن وإليك متعلقان بيصلوا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء عاطفة وبأهلك حال أي مصاحبا لهم وبقطع حال من أهلك أي مصاحبين لقطع، ولك أن تجعل الباء للتعدية فتعلقها بأسر والقطع هنا نصف الليل لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وقد تقدم الكلام على القطع في سورة يونس، ومن الليل صفة لقطع. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ)
الواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت فعل مضارع مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد وأحد فاعل وإلا أداة استثناء وامرأتك مستثنى من قوله فأسر بأهلك وفي قراءة بالرفع بدل من أحد وسيأتي تفصيل مسهب لهذا الاستثناء والمعنى لا تسر بها وخلّفها مع قومها وقيل هي مستثنى من أحد وان واسمها والهاء ضمير الشأن والحديث ومصيبها خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة أصابهم صلة والجملة خبر ان لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح بجزأيها. (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) إن واسمها والصبح خبرها والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها والباء حرف جر زائد وقريب مجرور لفظا خبر ليس محلا (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل وجملة جعلنا جواب لما ونا فاعل وعاليها مفعول جعل الاول وسافلها مفعول جعلنا الثاني. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) وأمطرنا عطف على جعلنا وعليها متعلقان بأمطرنا وحجارة مفعول به ومن سجيل صفة لحجارة ومنضود صفة لسجيل ومسومة صفة ثانية لحجارة وعند ربك الظرف متعلق بمسومة. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ما حجازية وهي اسمها واختلف في هذا الضمير فقيل يعود على العقوبة المفهومة السياق وقيل يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور وقيل يعود على القرى المهلكة وكل ما ذكروه جائز وسائغ. ومن الظالمين متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور لفظا خبر ما محلا ولم يؤنث بعيدا إما لأنه في الأصل نعت لمكان محذوف تقديره وما هي بمكان بعيد بل قريب وإما لأن العقوبة والعقاب شيء واحد وإما لتأويل الحجارة بعذاب.
الفوائد:
1- عود إلى «لو» :
تقدم بحث لو في البقرة وغيرها ونزيد هنا بحث الاسم الواقع بعد لو الشرطية والمعروف أنها تختص بالفعل شرطية كانت أم مصدرية ويجوز أن يليها الاسم فيعرب فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده وعلى ذلك يتخرج قول عمر بن الخطاب لأبي عبيدة وقد كان في طريقة إلى الشام وبلغه في أثناء الطريق قبل الوصول إليها انه وقع بها وباء فاستشار في التوجه اليه أو الرجوع إلى المدينة فاختلفوا عليه ثم أجمع أمره على الرجوع بعد أن أشار به جماعة من الصحابة فقال له أبو عبيدة ابن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر بن الخطاب: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدره. فغيرك فاعل لفعل محذوف يفسره قالها والتقدير لو قالها غيرك وجواب لو محذوف أي لعذرناه.
وقال الغطمش الضبي:
أقول وقد فاضت لعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فغير فاعل بفعل محذوف يفسره أصابكم والتقدير لو أصابكم غير الحمام- وهو بكسر الحاء الموت- عتبت، ومن ملاحظات التبريزي على هذا البيت الثاني قوله: الناس ينشدون أخلاي بياء مفتوحة وكأنهم حملوه على قصر المحدود وأجود من ذلك في حكم العربية أن ينشد أخلاء بهمزة مكسورة ويراد يا أخلائي فحذفت ياء الاضافة وتركت الهمزة كما تقول يا غلام، ومن ذلك أيضا قولهم في المثل «لو ذات سوار لطمتني» أخذا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب فذات سوار فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير والتقدير لو لطمتني ذات سوار وذات السوار الحرة لأن الإماء عند العرب لا تلبس السوار وجواب لو محذوف والتقدير لهان الأمر علي، أو يكون منصوبا بفعل محذوف أو خبرا لكان محذوفة فمثال الاول: لو زيدا رأيته أكرمته والثاني:
نحو التمس ولو خاتما من حديد وقد تقدم ذلك.
ويجوز أن يلي «لو» كثيرا أن المشددة وصلتها نحو «ولو أنهم صبروا» والآية التي نحن بصددها وهي «لو أن لي قوة» واختلف في اعراب أن وما في حيزها بعد أن اتفق الجميع على أنه مرفوع الموضع فقال سيبويه وجمهور البصريين مبتدأ لا خبر له أو خبره محذوف والتقدير ولو صبرهم ثابت وذهب الكوفيون والزمخشري والمبرد والزجاج من البصريين إلى انه فاعل بثبت مقدرا كما تقدم أي ولو ثبت صبرهم وسيأتي المزيد من أحكام «لو» في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
2- أقوال النحاة في «إلا امرأتك» :
والفائدة الثانية هي أقوال النحاة في استثناء امرأتك قالوا:
«ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» بالرفع في قراءة أبي عمرو وابن كثير فامرأتك بدل من أحد بدل بعض من كل والنصب عربي جيد وقد قرىء به في السبع لكنه خلاف المنتخب الراجح والذي قرىء به أكثر ومن هنا جعل الزمخشري النصب على الاستثناء من أهلك ليكون من تام موجب، والرفع على البدلية من أحد، واعترض بأنه يستلزم التناقض بين القراءتين فإن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع وغير مسري بها على قراءة النصب وأجاب أنصار الزمخشري بأن إخراجها من جملة النهي لا يدل على أنها مسري بها بل على أنها معهم وقد روي انها تبعتهم، وقد فنّد ابن هشام اعراب الزمخشري وقال إنه خلاف الظاهر وأسهب في الحديث عن هذا الاستثناء في الجهة الثانية من الباب الخامس.
أقول: والأظهر من هذا كله أن الاستثناء من جملة الأمر أي فأسر بأهلك والاستثناء منقطع على القراءتين ووجه الرفع انه على الابتداء وخبره الجملة بعده وعندئذ تكون قراءة النصب جيدة غير مرجوحة وتتفادى بذلك وقوع غير المرجوح في القرآن، وقد تقدم في ابن نوح «انه ليس من أهلك» لأن المراد بالأهل المؤمنون وعلى هذا تكون امرأته من غير أهله.
البلاغة:
في قوله تعالى: «أليس الصبح بقريب» إرسال المثل أو التمثيل وهو فن يمكن تعريفه بأن يكون ما يخرجه المتكلم ساريا مسير الأمثال السائرة وقد تقدمت الاشارة إليه وسيرد المزيد منه وقد عني علماؤنا الأقدمون باستقصاء جميع أمثال الكتاب العزيز من السور على ترتيبها، أما في الشعر العربي فقد أوردنا فيما تقدم أمثالا ضمنها شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي أبياته فجاءت آية في الإبداع كما أوردنا قصيدة لابن زيدون، ويحكى انه كان بعض مشايخ الأنبار في زمن الرشيد يؤذن ويصلي في مسجد وكان إذا حضر أوان الورد دفع مفتاح المسجد إلى أهل المحلة ثم انغمس في لجة لهوه فلم يظهر وفي الدنيا وردة وكان إذا جلس إلى شرابه يغني بصوت عال ويقول:
يا صاحبي اسقياني ... من قهوة خندريس
خذا من الورد حظا ... بالقصف غير حبيس
على وجينات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... زمان حث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... «لا عطر بعد عروس»
هود 11:82
اللغة:
(سِيءَ بِهِمْ) أصله سوىء بهم من السوء فأسكنت الواو وقلبت كسرتها إلى السين ويقال: سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل وسررته فسرّ.
(ذَرْعاً) : من أقوالهم ضاق فلان ذرعا: والذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه عن ذلك وضعف ومدّ عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة فمعنى قوله تعالى «وضاق بهم ذرعا» أي لم يجد من ذلك المكروه مخلصا، وقال بعض علماء اللغة: معناه وضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد، وقال آخرون: ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه.
وفي القاموس والتاج ما ملخصه: «الذّرع مصدر، بسط اليد، وضقت بالأمر ذرعا: أي لم أقدر عليه وهو واسع الذرع أي مقتدر وهو خالي الذرع أي قلبه خال من الهموم والغموم» .
(يُهْرَعُونَ) : أي يسوق بعضهم بعضا وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع. وفي القاموس: والهرع محرك وكغراب والاهراع مشي في اضطراب وسرعة وأقبل يهرع بالضم واهرع بالبناء للمجهول فهو مهرع مرعد من غضب أو خوف وقد هرع كفرح ورجل هرع سريع البكاء.
(عَصِيبٌ) : العصيب الشديد في الشر خاصة وأصله من الشد يقال عصبت الشيء شددته وعصبت فخذ الناقة لثدر وناقة عصوب ويوم عصيب وعصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر:
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال الراجز:
يوم عصيب ويعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
(رُكْنٍ) الركن: معتمد البناء بعد الأساس وركنا الجبل جانباه قال الراجز:
يأوي إلى ركن من الأركان ... في عدد طلس ومجد بان
(فَأَسْرِ) : من أسرى بمعنى سرى أي سار ليلا قال النابغة: أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
ويروى سرت، وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
(سِجِّيلٍ) : قال الزمخشري: «قيل هي كلمة معربة من سنككل بدليل قوله حجارة من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل وسجل لفلان» وقال أبو عبيدة: «هو الحجارة الشديدة» وأنشد لابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
وسجين وسجيل بمعنى واحد والعرب تعاقب بين النون واللام فقلبت النون هاهنا لاما» واكتفى صاحب القاموس بقوله: «السجيل الطين اليابس» .
(مَنْضُودٍ) : متراكب والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض والمراد وصف الحجارة بالكثرة.
(مُسَوَّمَةً) : معلمة للعذاب، والتسويم العلامة.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا لوطا فعل وفاعل ومفعول به وجملة سيء بهم لا محل لها ونائب الفاعل يعود إلى لوط وبهم جار ومجرور متعلقان به وذرعا تمييز محول عن الفاعل. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وقال عطف على ضاق وهذا مبتدأ ويوم خبر وعصيب صفة والجملة مقول القول. (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الواو عاطفة وجاءه قومه فعل ومفعول به وفاعل وجملة يهرعون في محل نصب على الحال واليه متعلقان بيهرعون. (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو حالية ومن قبل من حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى والجار والمجرور متعلقان بيعملون وكان واسمها وجملة يعملون السيئات خبر كانوا. (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هؤلاء مبتدأ وبناتي خبر وكذلك قوله هن أطهر لكم، وجوزوا في بناتي أن يكون بدلا أو عطف بيان، وهن ضمير فصل لا محل له وأطهر خبر هؤلاء، ولكم متعلقان بأطهر لأنه اسم تفضيل ولا يرد اعتراض خلاصته ان اسم التفضيل يعني المشاركة ليصح التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا والجواب أن هذا جار مجرى:
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها على الإطلاق. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) الفاء الفصيحة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ولا تخزوني عطف على اتقوا الله ولا ناهية وتخزوني مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والنون للوقاية والواو فاعل والياء مفعول به وفي ضيفي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضيف في الأصل مصدر ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ولذلك يقع على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وقد يثنى فيقال ضيفان وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان. (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) الاستفهام للانكار والتوبيخ وليس فعل ماض ناقص ومنكم خبر ليس للمقدم ورجل اسمها المؤخر ورشيد صفة. (قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ)
علمت معلقة عن العمل بما النافية ولنا خبر مقدم وفي بناتك حال لأنه كان في الأصل صفة لحق وتقدمت ومن حرف جر زائد وحق مبتدأ مؤخر محلا. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تعلم خبرها، وما:
يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي تعرف الذي نريد أو تعلم إرادتنا (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت واستقر وأما سيبويه فيرى انه مبتدأ لا خبر له وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد. وأن حرف مشبه بالفعل ولي خبرها المقدم وبكم حال من قوة إذ هو في الأصل صفة للنكرة وقوة اسم ان وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت وأو حرف عطف وآوي معطوف على المعنى وتقدير الكلام أو أني آوي، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ثبت المحذوفة إذا أعربت أن وما في حيزها فاعلا لفعل محذوف، ويجوز أن تعطف على قوة لأنه منصوب في الأصل بتقدير «ان» فلما حذفت «أن» رفع الفعل كقوله تعالى «ومن آياته يريكم» واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. والى ركن متعلق بآوي وشديد صفة.
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إن واسمها ورسل ربك خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويصلوا مضارع منصوب بأن وإليك متعلقان بيصلوا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء عاطفة وبأهلك حال أي مصاحبا لهم وبقطع حال من أهلك أي مصاحبين لقطع، ولك أن تجعل الباء للتعدية فتعلقها بأسر والقطع هنا نصف الليل لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وقد تقدم الكلام على القطع في سورة يونس، ومن الليل صفة لقطع. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ)
الواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت فعل مضارع مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد وأحد فاعل وإلا أداة استثناء وامرأتك مستثنى من قوله فأسر بأهلك وفي قراءة بالرفع بدل من أحد وسيأتي تفصيل مسهب لهذا الاستثناء والمعنى لا تسر بها وخلّفها مع قومها وقيل هي مستثنى من أحد وان واسمها والهاء ضمير الشأن والحديث ومصيبها خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة أصابهم صلة والجملة خبر ان لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح بجزأيها. (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) إن واسمها والصبح خبرها والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها والباء حرف جر زائد وقريب مجرور لفظا خبر ليس محلا (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل وجملة جعلنا جواب لما ونا فاعل وعاليها مفعول جعل الاول وسافلها مفعول جعلنا الثاني. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) وأمطرنا عطف على جعلنا وعليها متعلقان بأمطرنا وحجارة مفعول به ومن سجيل صفة لحجارة ومنضود صفة لسجيل ومسومة صفة ثانية لحجارة وعند ربك الظرف متعلق بمسومة. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ما حجازية وهي اسمها واختلف في هذا الضمير فقيل يعود على العقوبة المفهومة السياق وقيل يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور وقيل يعود على القرى المهلكة وكل ما ذكروه جائز وسائغ. ومن الظالمين متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور لفظا خبر ما محلا ولم يؤنث بعيدا إما لأنه في الأصل نعت لمكان محذوف تقديره وما هي بمكان بعيد بل قريب وإما لأن العقوبة والعقاب شيء واحد وإما لتأويل الحجارة بعذاب.
الفوائد:
1- عود إلى «لو» :
تقدم بحث لو في البقرة وغيرها ونزيد هنا بحث الاسم الواقع بعد لو الشرطية والمعروف أنها تختص بالفعل شرطية كانت أم مصدرية ويجوز أن يليها الاسم فيعرب فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده وعلى ذلك يتخرج قول عمر بن الخطاب لأبي عبيدة وقد كان في طريقة إلى الشام وبلغه في أثناء الطريق قبل الوصول إليها انه وقع بها وباء فاستشار في التوجه اليه أو الرجوع إلى المدينة فاختلفوا عليه ثم أجمع أمره على الرجوع بعد أن أشار به جماعة من الصحابة فقال له أبو عبيدة ابن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر بن الخطاب: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدره. فغيرك فاعل لفعل محذوف يفسره قالها والتقدير لو قالها غيرك وجواب لو محذوف أي لعذرناه.
وقال الغطمش الضبي:
أقول وقد فاضت لعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فغير فاعل بفعل محذوف يفسره أصابكم والتقدير لو أصابكم غير الحمام- وهو بكسر الحاء الموت- عتبت، ومن ملاحظات التبريزي على هذا البيت الثاني قوله: الناس ينشدون أخلاي بياء مفتوحة وكأنهم حملوه على قصر المحدود وأجود من ذلك في حكم العربية أن ينشد أخلاء بهمزة مكسورة ويراد يا أخلائي فحذفت ياء الاضافة وتركت الهمزة كما تقول يا غلام، ومن ذلك أيضا قولهم في المثل «لو ذات سوار لطمتني» أخذا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب فذات سوار فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير والتقدير لو لطمتني ذات سوار وذات السوار الحرة لأن الإماء عند العرب لا تلبس السوار وجواب لو محذوف والتقدير لهان الأمر علي، أو يكون منصوبا بفعل محذوف أو خبرا لكان محذوفة فمثال الاول: لو زيدا رأيته أكرمته والثاني:
نحو التمس ولو خاتما من حديد وقد تقدم ذلك.
ويجوز أن يلي «لو» كثيرا أن المشددة وصلتها نحو «ولو أنهم صبروا» والآية التي نحن بصددها وهي «لو أن لي قوة» واختلف في اعراب أن وما في حيزها بعد أن اتفق الجميع على أنه مرفوع الموضع فقال سيبويه وجمهور البصريين مبتدأ لا خبر له أو خبره محذوف والتقدير ولو صبرهم ثابت وذهب الكوفيون والزمخشري والمبرد والزجاج من البصريين إلى انه فاعل بثبت مقدرا كما تقدم أي ولو ثبت صبرهم وسيأتي المزيد من أحكام «لو» في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
2- أقوال النحاة في «إلا امرأتك» :
والفائدة الثانية هي أقوال النحاة في استثناء امرأتك قالوا:
«ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» بالرفع في قراءة أبي عمرو وابن كثير فامرأتك بدل من أحد بدل بعض من كل والنصب عربي جيد وقد قرىء به في السبع لكنه خلاف المنتخب الراجح والذي قرىء به أكثر ومن هنا جعل الزمخشري النصب على الاستثناء من أهلك ليكون من تام موجب، والرفع على البدلية من أحد، واعترض بأنه يستلزم التناقض بين القراءتين فإن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع وغير مسري بها على قراءة النصب وأجاب أنصار الزمخشري بأن إخراجها من جملة النهي لا يدل على أنها مسري بها بل على أنها معهم وقد روي انها تبعتهم، وقد فنّد ابن هشام اعراب الزمخشري وقال إنه خلاف الظاهر وأسهب في الحديث عن هذا الاستثناء في الجهة الثانية من الباب الخامس.
أقول: والأظهر من هذا كله أن الاستثناء من جملة الأمر أي فأسر بأهلك والاستثناء منقطع على القراءتين ووجه الرفع انه على الابتداء وخبره الجملة بعده وعندئذ تكون قراءة النصب جيدة غير مرجوحة وتتفادى بذلك وقوع غير المرجوح في القرآن، وقد تقدم في ابن نوح «انه ليس من أهلك» لأن المراد بالأهل المؤمنون وعلى هذا تكون امرأته من غير أهله.
البلاغة:
في قوله تعالى: «أليس الصبح بقريب» إرسال المثل أو التمثيل وهو فن يمكن تعريفه بأن يكون ما يخرجه المتكلم ساريا مسير الأمثال السائرة وقد تقدمت الاشارة إليه وسيرد المزيد منه وقد عني علماؤنا الأقدمون باستقصاء جميع أمثال الكتاب العزيز من السور على ترتيبها، أما في الشعر العربي فقد أوردنا فيما تقدم أمثالا ضمنها شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي أبياته فجاءت آية في الإبداع كما أوردنا قصيدة لابن زيدون، ويحكى انه كان بعض مشايخ الأنبار في زمن الرشيد يؤذن ويصلي في مسجد وكان إذا حضر أوان الورد دفع مفتاح المسجد إلى أهل المحلة ثم انغمس في لجة لهوه فلم يظهر وفي الدنيا وردة وكان إذا جلس إلى شرابه يغني بصوت عال ويقول:
يا صاحبي اسقياني ... من قهوة خندريس
خذا من الورد حظا ... بالقصف غير حبيس
على وجينات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... زمان حث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... «لا عطر بعد عروس»
هود 11:83
اللغة:
(سِيءَ بِهِمْ) أصله سوىء بهم من السوء فأسكنت الواو وقلبت كسرتها إلى السين ويقال: سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل وسررته فسرّ.
(ذَرْعاً) : من أقوالهم ضاق فلان ذرعا: والذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه عن ذلك وضعف ومدّ عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة فمعنى قوله تعالى «وضاق بهم ذرعا» أي لم يجد من ذلك المكروه مخلصا، وقال بعض علماء اللغة: معناه وضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد، وقال آخرون: ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه.
وفي القاموس والتاج ما ملخصه: «الذّرع مصدر، بسط اليد، وضقت بالأمر ذرعا: أي لم أقدر عليه وهو واسع الذرع أي مقتدر وهو خالي الذرع أي قلبه خال من الهموم والغموم» .
(يُهْرَعُونَ) : أي يسوق بعضهم بعضا وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع. وفي القاموس: والهرع محرك وكغراب والاهراع مشي في اضطراب وسرعة وأقبل يهرع بالضم واهرع بالبناء للمجهول فهو مهرع مرعد من غضب أو خوف وقد هرع كفرح ورجل هرع سريع البكاء.
(عَصِيبٌ) : العصيب الشديد في الشر خاصة وأصله من الشد يقال عصبت الشيء شددته وعصبت فخذ الناقة لثدر وناقة عصوب ويوم عصيب وعصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر:
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال الراجز:
يوم عصيب ويعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
(رُكْنٍ) الركن: معتمد البناء بعد الأساس وركنا الجبل جانباه قال الراجز:
يأوي إلى ركن من الأركان ... في عدد طلس ومجد بان
(فَأَسْرِ) : من أسرى بمعنى سرى أي سار ليلا قال النابغة: أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
ويروى سرت، وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
(سِجِّيلٍ) : قال الزمخشري: «قيل هي كلمة معربة من سنككل بدليل قوله حجارة من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل وسجل لفلان» وقال أبو عبيدة: «هو الحجارة الشديدة» وأنشد لابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
وسجين وسجيل بمعنى واحد والعرب تعاقب بين النون واللام فقلبت النون هاهنا لاما» واكتفى صاحب القاموس بقوله: «السجيل الطين اليابس» .
(مَنْضُودٍ) : متراكب والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض والمراد وصف الحجارة بالكثرة.
(مُسَوَّمَةً) : معلمة للعذاب، والتسويم العلامة.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا لوطا فعل وفاعل ومفعول به وجملة سيء بهم لا محل لها ونائب الفاعل يعود إلى لوط وبهم جار ومجرور متعلقان به وذرعا تمييز محول عن الفاعل. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وقال عطف على ضاق وهذا مبتدأ ويوم خبر وعصيب صفة والجملة مقول القول. (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الواو عاطفة وجاءه قومه فعل ومفعول به وفاعل وجملة يهرعون في محل نصب على الحال واليه متعلقان بيهرعون. (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو حالية ومن قبل من حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى والجار والمجرور متعلقان بيعملون وكان واسمها وجملة يعملون السيئات خبر كانوا. (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هؤلاء مبتدأ وبناتي خبر وكذلك قوله هن أطهر لكم، وجوزوا في بناتي أن يكون بدلا أو عطف بيان، وهن ضمير فصل لا محل له وأطهر خبر هؤلاء، ولكم متعلقان بأطهر لأنه اسم تفضيل ولا يرد اعتراض خلاصته ان اسم التفضيل يعني المشاركة ليصح التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا والجواب أن هذا جار مجرى:
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها على الإطلاق. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) الفاء الفصيحة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ولا تخزوني عطف على اتقوا الله ولا ناهية وتخزوني مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والنون للوقاية والواو فاعل والياء مفعول به وفي ضيفي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضيف في الأصل مصدر ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ولذلك يقع على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وقد يثنى فيقال ضيفان وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان. (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) الاستفهام للانكار والتوبيخ وليس فعل ماض ناقص ومنكم خبر ليس للمقدم ورجل اسمها المؤخر ورشيد صفة. (قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ)
علمت معلقة عن العمل بما النافية ولنا خبر مقدم وفي بناتك حال لأنه كان في الأصل صفة لحق وتقدمت ومن حرف جر زائد وحق مبتدأ مؤخر محلا. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تعلم خبرها، وما:
يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي تعرف الذي نريد أو تعلم إرادتنا (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت واستقر وأما سيبويه فيرى انه مبتدأ لا خبر له وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد. وأن حرف مشبه بالفعل ولي خبرها المقدم وبكم حال من قوة إذ هو في الأصل صفة للنكرة وقوة اسم ان وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت وأو حرف عطف وآوي معطوف على المعنى وتقدير الكلام أو أني آوي، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ثبت المحذوفة إذا أعربت أن وما في حيزها فاعلا لفعل محذوف، ويجوز أن تعطف على قوة لأنه منصوب في الأصل بتقدير «ان» فلما حذفت «أن» رفع الفعل كقوله تعالى «ومن آياته يريكم» واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. والى ركن متعلق بآوي وشديد صفة.
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إن واسمها ورسل ربك خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويصلوا مضارع منصوب بأن وإليك متعلقان بيصلوا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء عاطفة وبأهلك حال أي مصاحبا لهم وبقطع حال من أهلك أي مصاحبين لقطع، ولك أن تجعل الباء للتعدية فتعلقها بأسر والقطع هنا نصف الليل لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وقد تقدم الكلام على القطع في سورة يونس، ومن الليل صفة لقطع. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ)
الواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت فعل مضارع مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد وأحد فاعل وإلا أداة استثناء وامرأتك مستثنى من قوله فأسر بأهلك وفي قراءة بالرفع بدل من أحد وسيأتي تفصيل مسهب لهذا الاستثناء والمعنى لا تسر بها وخلّفها مع قومها وقيل هي مستثنى من أحد وان واسمها والهاء ضمير الشأن والحديث ومصيبها خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة أصابهم صلة والجملة خبر ان لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح بجزأيها. (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) إن واسمها والصبح خبرها والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها والباء حرف جر زائد وقريب مجرور لفظا خبر ليس محلا (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل وجملة جعلنا جواب لما ونا فاعل وعاليها مفعول جعل الاول وسافلها مفعول جعلنا الثاني. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) وأمطرنا عطف على جعلنا وعليها متعلقان بأمطرنا وحجارة مفعول به ومن سجيل صفة لحجارة ومنضود صفة لسجيل ومسومة صفة ثانية لحجارة وعند ربك الظرف متعلق بمسومة. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ما حجازية وهي اسمها واختلف في هذا الضمير فقيل يعود على العقوبة المفهومة السياق وقيل يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور وقيل يعود على القرى المهلكة وكل ما ذكروه جائز وسائغ. ومن الظالمين متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور لفظا خبر ما محلا ولم يؤنث بعيدا إما لأنه في الأصل نعت لمكان محذوف تقديره وما هي بمكان بعيد بل قريب وإما لأن العقوبة والعقاب شيء واحد وإما لتأويل الحجارة بعذاب.
الفوائد:
1- عود إلى «لو» :
تقدم بحث لو في البقرة وغيرها ونزيد هنا بحث الاسم الواقع بعد لو الشرطية والمعروف أنها تختص بالفعل شرطية كانت أم مصدرية ويجوز أن يليها الاسم فيعرب فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده وعلى ذلك يتخرج قول عمر بن الخطاب لأبي عبيدة وقد كان في طريقة إلى الشام وبلغه في أثناء الطريق قبل الوصول إليها انه وقع بها وباء فاستشار في التوجه اليه أو الرجوع إلى المدينة فاختلفوا عليه ثم أجمع أمره على الرجوع بعد أن أشار به جماعة من الصحابة فقال له أبو عبيدة ابن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر بن الخطاب: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدره. فغيرك فاعل لفعل محذوف يفسره قالها والتقدير لو قالها غيرك وجواب لو محذوف أي لعذرناه.
وقال الغطمش الضبي:
أقول وقد فاضت لعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فغير فاعل بفعل محذوف يفسره أصابكم والتقدير لو أصابكم غير الحمام- وهو بكسر الحاء الموت- عتبت، ومن ملاحظات التبريزي على هذا البيت الثاني قوله: الناس ينشدون أخلاي بياء مفتوحة وكأنهم حملوه على قصر المحدود وأجود من ذلك في حكم العربية أن ينشد أخلاء بهمزة مكسورة ويراد يا أخلائي فحذفت ياء الاضافة وتركت الهمزة كما تقول يا غلام، ومن ذلك أيضا قولهم في المثل «لو ذات سوار لطمتني» أخذا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب فذات سوار فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير والتقدير لو لطمتني ذات سوار وذات السوار الحرة لأن الإماء عند العرب لا تلبس السوار وجواب لو محذوف والتقدير لهان الأمر علي، أو يكون منصوبا بفعل محذوف أو خبرا لكان محذوفة فمثال الاول: لو زيدا رأيته أكرمته والثاني:
نحو التمس ولو خاتما من حديد وقد تقدم ذلك.
ويجوز أن يلي «لو» كثيرا أن المشددة وصلتها نحو «ولو أنهم صبروا» والآية التي نحن بصددها وهي «لو أن لي قوة» واختلف في اعراب أن وما في حيزها بعد أن اتفق الجميع على أنه مرفوع الموضع فقال سيبويه وجمهور البصريين مبتدأ لا خبر له أو خبره محذوف والتقدير ولو صبرهم ثابت وذهب الكوفيون والزمخشري والمبرد والزجاج من البصريين إلى انه فاعل بثبت مقدرا كما تقدم أي ولو ثبت صبرهم وسيأتي المزيد من أحكام «لو» في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
2- أقوال النحاة في «إلا امرأتك» :
والفائدة الثانية هي أقوال النحاة في استثناء امرأتك قالوا:
«ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» بالرفع في قراءة أبي عمرو وابن كثير فامرأتك بدل من أحد بدل بعض من كل والنصب عربي جيد وقد قرىء به في السبع لكنه خلاف المنتخب الراجح والذي قرىء به أكثر ومن هنا جعل الزمخشري النصب على الاستثناء من أهلك ليكون من تام موجب، والرفع على البدلية من أحد، واعترض بأنه يستلزم التناقض بين القراءتين فإن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع وغير مسري بها على قراءة النصب وأجاب أنصار الزمخشري بأن إخراجها من جملة النهي لا يدل على أنها مسري بها بل على أنها معهم وقد روي انها تبعتهم، وقد فنّد ابن هشام اعراب الزمخشري وقال إنه خلاف الظاهر وأسهب في الحديث عن هذا الاستثناء في الجهة الثانية من الباب الخامس.
أقول: والأظهر من هذا كله أن الاستثناء من جملة الأمر أي فأسر بأهلك والاستثناء منقطع على القراءتين ووجه الرفع انه على الابتداء وخبره الجملة بعده وعندئذ تكون قراءة النصب جيدة غير مرجوحة وتتفادى بذلك وقوع غير المرجوح في القرآن، وقد تقدم في ابن نوح «انه ليس من أهلك» لأن المراد بالأهل المؤمنون وعلى هذا تكون امرأته من غير أهله.
البلاغة:
في قوله تعالى: «أليس الصبح بقريب» إرسال المثل أو التمثيل وهو فن يمكن تعريفه بأن يكون ما يخرجه المتكلم ساريا مسير الأمثال السائرة وقد تقدمت الاشارة إليه وسيرد المزيد منه وقد عني علماؤنا الأقدمون باستقصاء جميع أمثال الكتاب العزيز من السور على ترتيبها، أما في الشعر العربي فقد أوردنا فيما تقدم أمثالا ضمنها شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي أبياته فجاءت آية في الإبداع كما أوردنا قصيدة لابن زيدون، ويحكى انه كان بعض مشايخ الأنبار في زمن الرشيد يؤذن ويصلي في مسجد وكان إذا حضر أوان الورد دفع مفتاح المسجد إلى أهل المحلة ثم انغمس في لجة لهوه فلم يظهر وفي الدنيا وردة وكان إذا جلس إلى شرابه يغني بصوت عال ويقول:
يا صاحبي اسقياني ... من قهوة خندريس
خذا من الورد حظا ... بالقصف غير حبيس
على وجينات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... زمان حث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... «لا عطر بعد عروس»
هود 11:84
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:85
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:86
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:87
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:88
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:89
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:90
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:91
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:92
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:93
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:94
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:95
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» إلى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به إلى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم إلى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
1- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى إلى الترغيب فيه.
2- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه إلى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
3- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف إلى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة إلى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة إلى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب إلى البحرين وصنعاني في النسب إلى صنعاء وقد قسموا ذلك إلى تسعة أقسام نوردها باختصار:
1- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة إلى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
2- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة إلى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة إلى فوق وتحت ورب.
3- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة إلى البادية وجلولاء.
4- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
5- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
6- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة إلى الري.
7- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة إلى طي وصنعاء وروحاء.
8- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة إلى الحيرة.
9- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة إلى أمية.
هود 11:96
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:97
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.