I'rab Al Quran li Al Darwish — هود 11:98 – يوسف 12:33
المحتويات
- هود 11:98
- هود 11:99
- هود 11:100
- هود 11:101
- هود 11:102
- هود 11:103
- هود 11:104
- هود 11:105
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:108
- هود 11:109
- هود 11:110
- هود 11:111
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:115
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:120
- هود 11:121
- هود 11:122
- هود 11:123
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
هود 11:98
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:99
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:100
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:101
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:102
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:103
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:104
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:105
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:106
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:107
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:108
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت إلى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس إلى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) إلى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة إلى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة إلى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف إلى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله عز وجل لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب إلى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
1- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
2- 3 وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
4- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» إلى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن إلى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل: وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب إلى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف إلى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج إلى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
هود 11:109
اللغة:
(مِرْيَةٍ) : المرية بكسر الميم وضمها الشك مع ظهور الدلائل للتهمة وهي مأخوذة من مرى ضرع الناقة ليدرّ بعد دروره وامترى في الشيء شك واستمرى اللبن ونحو استخرجه واستدره.
الإعراب:
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) الفاء استئنافية والجملة مسوقة للدلالة على ما أحدثته القصص السالفة في نفسه صلى الله عليه وسلم من أثر وان عكوف كفار قريش على عبادة أصنامهم ليست من دواعي المثبطات لعزيمته. ولا ناهية وتك فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون المقدرة على النون المحذوفة للتخفيف وقد سبق ذكر خصائص كان، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت وفي مرية خبرها ومما صفة وجملة يعبد صلة وهؤلاء فاعل ويجوز أن تكون ما مصدرية (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) ما نافية ويعبدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر والكاف نعت لمصدر محذوف وما يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية ومن قبل متعلقان بمحذوف حال. (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وموفوهم خبر ان والهاء مضاف اليه ونصيبهم مفعول به وغير منقوص حال مبينة للنصيب الموفى وقيل بل حال مؤكدة لأن التوفية تستلزم عدم نقصان الموفى كاملا كان أو ناقصا فقولك وفيته نصف حقه تستلزم عدم نقصان فما وجه انتصابه حالا عنه والأوجه أن يقال استعملت التوفية بمعنى الإعطاء ومن قال أعطيت فلانا حقه كان جديرا بأن يوكده بقوله غير منقوص.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وآتينا موسى الكتاب: فعل وفاعل ومفعول به، فاختلف: الفاء حرف عطف واختلف فعل ماض مبني للمجهول وفيه سد مسد نائب الفاعل ومعنى في الظرفية أي من شأنه وقيل هي سببية. (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت صفة ومن ربك جار ومجرور متعلقان بسبقت واللام جواب لو وقضي بينهم فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر والظرف متعلق به أي وقضي الأمر بينهم. (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) الواو حالية وان واسمها وفي شك خبرها ومنه صفة لشك ومريب صفة ثانية.
(وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) هذه الآية مشكلة جدا ويزداد الاشكال في قراءتنا وهي تشديد إن وتثقيل لما وقد اعترف المعربون القدامى بعجزهم فقال السمين ما نصه: «هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا وعسر على أكثرهم تلخيصها قراءة وتخريجا وقد سهل الله تعالى ذلك فذكرت أقاويلهم وما هو الراجح منها» ثم هام في متاهات سحيقة يضيع الطالب فيها وسنتجاوز جريا على عادتنا تلك الاوجه المتشعبة والمسالك المتباينة ونكتفي بقراءتنا وهي قراءة حفص وأبي جعفر وابن عامر وحمزة فنقول: إن واسمها ولمّا ذكروا فيها أوجها أربعة أسهلها وأبعدها عن التكلف ما اختاره الزجاج انها بمعنى إلا كقولهم سألتك لما فعلت بمعنى إلا وهو وجه سهل يزول به كل إشكال لولا أنه يتعارض مع ما قاله الفراء: هذا لا يجوز إلا في التمني كما قال الخليل أو بعد النفي كقوله تعالى «إن كل نفس لما عليها حافظ» ولكنه على ما فيه أسهل من الأوجه الثلاثة الباقية وهي أن تكون بمعنى لمن ما فحذفت الميمات الثلاث واختاره الفراء وأنشد:
وإني لمما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
والثاني أن تكون مخففة وشددت للتأكيد واختياره المازني ولكن هذا مردود لانه إنما يجوز تخفيف المشددة عند الضرورة فأما تشديد المخففة فلا يجوز بحال ورابع الأوجه انها مصدر لم من لمت الشيء إذا جمعته إلا أنها بنيت فلم تصرف فكأنه قال وإن كلا جميعا ليوفينهم وفي هذا ما فيه والله أعلم. وليوفينهم اللام جواب للقسم المقدر ويوفينهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول وربك فاعل والجملة خبر ان وأعمالهم مفعول به ثان (إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) إن واسمها وبما يعملون متعلقان بخبير وخبير خبر ان (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ) الفاء الفصيحة واستقم فعل أمر وكما نعت لمصدر محذوف أي فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير منحرف عنها، ومن: الواو عاطفة ومن موصول معطوف على الضمير في استقم وانما جاز العطف عليه من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه ومعك ظرف متعلق بمحذوف صلة للموصول ويجوز أن يكون مفعولا معه والواو للمعية. (وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا ناهية وتطغوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وان واسمها وبما تعملون خبرها وقد تقدم نظيره.
البلاغة:
الإيجاز في قوله تعالى «فاستقم» ذلك لأن الاستقامة هي الاستمرار في جهة واحدة وأن لا يعدل يمينا أو شمالا ومعروف أن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين فأقل انحراف يخرجه عن استقامته واذن فقد انتظم في كلمة الاستقامة جميع مكارم الأخلاق، ومحاسن الأحكام الأصلية والفرعية والكمالات التي ينشدها العارفون والمقربون، والتحلل من ذلك خطير واجتناب التحلل عسير ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه ابن عباس عند ما قال له أصحابه: لقد أسرع فيك الشيب: «شيبتني هود والواقعة وأخواتهما» .
الفوائد:
ما يقوله أبو حيان:
وقال أبو حيان: «وأما القراءة الثانية فتشديد إن وإعمالها في كل واضح وأما تشديد لما فقال المبرد: هذا لحن لا تقول العرب إن زيدا لما خارج، وهذه جسارة من المبرد على عادته وكيف تكون قراءة متواترة لحنا، وليس تركيب الآية كتركيب المثال الذي قال وهو إن زيدا لما خارج، هذا المثال لحن وأما في الآية فليس لحنا ولو سكت وقال كما قال الكسائي: ما أدري ما وجه هذه القراءة لكان قد وفق وأما غير هذين من النحويين فاختلفوا في تخريجها» .
ثم أورد أبو حيان سيلا من التخريجات وشجبها كلها ومنها الوجه الذي اخترناه وقال أخيرا:
«وهذه كلها تخريجات ضعيفة جدا ينزه عنها القرآن وكنت قد ظهر لي فيها وجه جار على قواعد العربية وهو ان «لما» هذه هي لما الجازمة حذف فعلها المجزوم لدلالة المعنى عليه كما حذفوه في قولهم:
قاربت المدينة ولما يريدون ولما أدخلها وكذلك هنا التقدير: وإن كلا لما ينقص من جزاء عمله، ويدل عليه قوله تعالى: ليوفينهم ربك أعمالهم لما أخبر بانتفاء نقص أجزاء أعمالهم أكده بالقسم فقال ليوفينهم ربك أعمالهم وكنت اعتقدت اني سبقت إلى هذا التخريج السائغ العاري من التكلف وذكرت ذلك لبعض من يقرأ علي فقال: قد ذكر ذلك أبو عمرو ابن الحاجب ولتركي النظر في كلام هذا الرجل لم أقف عليه ثم رأيت في كتاب التحرير نقل هذا التخريج عن ابن الحاجب قال: «لما» هذه هي الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما سافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح فيكون التقدير لما يتركوا لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين في قوله: فمنهم شقي وسعيد ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك أعمالهم قال: ما أعرف وجها أشبه من هذا وان كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن» .
هود 11:110
اللغة:
(مِرْيَةٍ) : المرية بكسر الميم وضمها الشك مع ظهور الدلائل للتهمة وهي مأخوذة من مرى ضرع الناقة ليدرّ بعد دروره وامترى في الشيء شك واستمرى اللبن ونحو استخرجه واستدره.
الإعراب:
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) الفاء استئنافية والجملة مسوقة للدلالة على ما أحدثته القصص السالفة في نفسه صلى الله عليه وسلم من أثر وان عكوف كفار قريش على عبادة أصنامهم ليست من دواعي المثبطات لعزيمته. ولا ناهية وتك فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون المقدرة على النون المحذوفة للتخفيف وقد سبق ذكر خصائص كان، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت وفي مرية خبرها ومما صفة وجملة يعبد صلة وهؤلاء فاعل ويجوز أن تكون ما مصدرية (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) ما نافية ويعبدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر والكاف نعت لمصدر محذوف وما يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية ومن قبل متعلقان بمحذوف حال. (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وموفوهم خبر ان والهاء مضاف اليه ونصيبهم مفعول به وغير منقوص حال مبينة للنصيب الموفى وقيل بل حال مؤكدة لأن التوفية تستلزم عدم نقصان الموفى كاملا كان أو ناقصا فقولك وفيته نصف حقه تستلزم عدم نقصان فما وجه انتصابه حالا عنه والأوجه أن يقال استعملت التوفية بمعنى الإعطاء ومن قال أعطيت فلانا حقه كان جديرا بأن يوكده بقوله غير منقوص.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وآتينا موسى الكتاب: فعل وفاعل ومفعول به، فاختلف: الفاء حرف عطف واختلف فعل ماض مبني للمجهول وفيه سد مسد نائب الفاعل ومعنى في الظرفية أي من شأنه وقيل هي سببية. (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت صفة ومن ربك جار ومجرور متعلقان بسبقت واللام جواب لو وقضي بينهم فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر والظرف متعلق به أي وقضي الأمر بينهم. (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) الواو حالية وان واسمها وفي شك خبرها ومنه صفة لشك ومريب صفة ثانية.
(وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) هذه الآية مشكلة جدا ويزداد الاشكال في قراءتنا وهي تشديد إن وتثقيل لما وقد اعترف المعربون القدامى بعجزهم فقال السمين ما نصه: «هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا وعسر على أكثرهم تلخيصها قراءة وتخريجا وقد سهل الله تعالى ذلك فذكرت أقاويلهم وما هو الراجح منها» ثم هام في متاهات سحيقة يضيع الطالب فيها وسنتجاوز جريا على عادتنا تلك الاوجه المتشعبة والمسالك المتباينة ونكتفي بقراءتنا وهي قراءة حفص وأبي جعفر وابن عامر وحمزة فنقول: إن واسمها ولمّا ذكروا فيها أوجها أربعة أسهلها وأبعدها عن التكلف ما اختاره الزجاج انها بمعنى إلا كقولهم سألتك لما فعلت بمعنى إلا وهو وجه سهل يزول به كل إشكال لولا أنه يتعارض مع ما قاله الفراء: هذا لا يجوز إلا في التمني كما قال الخليل أو بعد النفي كقوله تعالى «إن كل نفس لما عليها حافظ» ولكنه على ما فيه أسهل من الأوجه الثلاثة الباقية وهي أن تكون بمعنى لمن ما فحذفت الميمات الثلاث واختاره الفراء وأنشد:
وإني لمما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
والثاني أن تكون مخففة وشددت للتأكيد واختياره المازني ولكن هذا مردود لانه إنما يجوز تخفيف المشددة عند الضرورة فأما تشديد المخففة فلا يجوز بحال ورابع الأوجه انها مصدر لم من لمت الشيء إذا جمعته إلا أنها بنيت فلم تصرف فكأنه قال وإن كلا جميعا ليوفينهم وفي هذا ما فيه والله أعلم. وليوفينهم اللام جواب للقسم المقدر ويوفينهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول وربك فاعل والجملة خبر ان وأعمالهم مفعول به ثان (إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) إن واسمها وبما يعملون متعلقان بخبير وخبير خبر ان (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ) الفاء الفصيحة واستقم فعل أمر وكما نعت لمصدر محذوف أي فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير منحرف عنها، ومن: الواو عاطفة ومن موصول معطوف على الضمير في استقم وانما جاز العطف عليه من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه ومعك ظرف متعلق بمحذوف صلة للموصول ويجوز أن يكون مفعولا معه والواو للمعية. (وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا ناهية وتطغوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وان واسمها وبما تعملون خبرها وقد تقدم نظيره.
البلاغة:
الإيجاز في قوله تعالى «فاستقم» ذلك لأن الاستقامة هي الاستمرار في جهة واحدة وأن لا يعدل يمينا أو شمالا ومعروف أن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين فأقل انحراف يخرجه عن استقامته واذن فقد انتظم في كلمة الاستقامة جميع مكارم الأخلاق، ومحاسن الأحكام الأصلية والفرعية والكمالات التي ينشدها العارفون والمقربون، والتحلل من ذلك خطير واجتناب التحلل عسير ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه ابن عباس عند ما قال له أصحابه: لقد أسرع فيك الشيب: «شيبتني هود والواقعة وأخواتهما» .
الفوائد:
ما يقوله أبو حيان:
وقال أبو حيان: «وأما القراءة الثانية فتشديد إن وإعمالها في كل واضح وأما تشديد لما فقال المبرد: هذا لحن لا تقول العرب إن زيدا لما خارج، وهذه جسارة من المبرد على عادته وكيف تكون قراءة متواترة لحنا، وليس تركيب الآية كتركيب المثال الذي قال وهو إن زيدا لما خارج، هذا المثال لحن وأما في الآية فليس لحنا ولو سكت وقال كما قال الكسائي: ما أدري ما وجه هذه القراءة لكان قد وفق وأما غير هذين من النحويين فاختلفوا في تخريجها» .
ثم أورد أبو حيان سيلا من التخريجات وشجبها كلها ومنها الوجه الذي اخترناه وقال أخيرا:
«وهذه كلها تخريجات ضعيفة جدا ينزه عنها القرآن وكنت قد ظهر لي فيها وجه جار على قواعد العربية وهو ان «لما» هذه هي لما الجازمة حذف فعلها المجزوم لدلالة المعنى عليه كما حذفوه في قولهم:
قاربت المدينة ولما يريدون ولما أدخلها وكذلك هنا التقدير: وإن كلا لما ينقص من جزاء عمله، ويدل عليه قوله تعالى: ليوفينهم ربك أعمالهم لما أخبر بانتفاء نقص أجزاء أعمالهم أكده بالقسم فقال ليوفينهم ربك أعمالهم وكنت اعتقدت اني سبقت إلى هذا التخريج السائغ العاري من التكلف وذكرت ذلك لبعض من يقرأ علي فقال: قد ذكر ذلك أبو عمرو ابن الحاجب ولتركي النظر في كلام هذا الرجل لم أقف عليه ثم رأيت في كتاب التحرير نقل هذا التخريج عن ابن الحاجب قال: «لما» هذه هي الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما سافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح فيكون التقدير لما يتركوا لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين في قوله: فمنهم شقي وسعيد ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك أعمالهم قال: ما أعرف وجها أشبه من هذا وان كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن» .
هود 11:111
اللغة:
(مِرْيَةٍ) : المرية بكسر الميم وضمها الشك مع ظهور الدلائل للتهمة وهي مأخوذة من مرى ضرع الناقة ليدرّ بعد دروره وامترى في الشيء شك واستمرى اللبن ونحو استخرجه واستدره.
الإعراب:
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) الفاء استئنافية والجملة مسوقة للدلالة على ما أحدثته القصص السالفة في نفسه صلى الله عليه وسلم من أثر وان عكوف كفار قريش على عبادة أصنامهم ليست من دواعي المثبطات لعزيمته. ولا ناهية وتك فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون المقدرة على النون المحذوفة للتخفيف وقد سبق ذكر خصائص كان، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت وفي مرية خبرها ومما صفة وجملة يعبد صلة وهؤلاء فاعل ويجوز أن تكون ما مصدرية (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) ما نافية ويعبدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر والكاف نعت لمصدر محذوف وما يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية ومن قبل متعلقان بمحذوف حال. (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وموفوهم خبر ان والهاء مضاف اليه ونصيبهم مفعول به وغير منقوص حال مبينة للنصيب الموفى وقيل بل حال مؤكدة لأن التوفية تستلزم عدم نقصان الموفى كاملا كان أو ناقصا فقولك وفيته نصف حقه تستلزم عدم نقصان فما وجه انتصابه حالا عنه والأوجه أن يقال استعملت التوفية بمعنى الإعطاء ومن قال أعطيت فلانا حقه كان جديرا بأن يوكده بقوله غير منقوص.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وآتينا موسى الكتاب: فعل وفاعل ومفعول به، فاختلف: الفاء حرف عطف واختلف فعل ماض مبني للمجهول وفيه سد مسد نائب الفاعل ومعنى في الظرفية أي من شأنه وقيل هي سببية. (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت صفة ومن ربك جار ومجرور متعلقان بسبقت واللام جواب لو وقضي بينهم فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر والظرف متعلق به أي وقضي الأمر بينهم. (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) الواو حالية وان واسمها وفي شك خبرها ومنه صفة لشك ومريب صفة ثانية.
(وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) هذه الآية مشكلة جدا ويزداد الاشكال في قراءتنا وهي تشديد إن وتثقيل لما وقد اعترف المعربون القدامى بعجزهم فقال السمين ما نصه: «هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا وعسر على أكثرهم تلخيصها قراءة وتخريجا وقد سهل الله تعالى ذلك فذكرت أقاويلهم وما هو الراجح منها» ثم هام في متاهات سحيقة يضيع الطالب فيها وسنتجاوز جريا على عادتنا تلك الاوجه المتشعبة والمسالك المتباينة ونكتفي بقراءتنا وهي قراءة حفص وأبي جعفر وابن عامر وحمزة فنقول: إن واسمها ولمّا ذكروا فيها أوجها أربعة أسهلها وأبعدها عن التكلف ما اختاره الزجاج انها بمعنى إلا كقولهم سألتك لما فعلت بمعنى إلا وهو وجه سهل يزول به كل إشكال لولا أنه يتعارض مع ما قاله الفراء: هذا لا يجوز إلا في التمني كما قال الخليل أو بعد النفي كقوله تعالى «إن كل نفس لما عليها حافظ» ولكنه على ما فيه أسهل من الأوجه الثلاثة الباقية وهي أن تكون بمعنى لمن ما فحذفت الميمات الثلاث واختاره الفراء وأنشد:
وإني لمما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
والثاني أن تكون مخففة وشددت للتأكيد واختياره المازني ولكن هذا مردود لانه إنما يجوز تخفيف المشددة عند الضرورة فأما تشديد المخففة فلا يجوز بحال ورابع الأوجه انها مصدر لم من لمت الشيء إذا جمعته إلا أنها بنيت فلم تصرف فكأنه قال وإن كلا جميعا ليوفينهم وفي هذا ما فيه والله أعلم. وليوفينهم اللام جواب للقسم المقدر ويوفينهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول وربك فاعل والجملة خبر ان وأعمالهم مفعول به ثان (إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) إن واسمها وبما يعملون متعلقان بخبير وخبير خبر ان (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ) الفاء الفصيحة واستقم فعل أمر وكما نعت لمصدر محذوف أي فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير منحرف عنها، ومن: الواو عاطفة ومن موصول معطوف على الضمير في استقم وانما جاز العطف عليه من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه ومعك ظرف متعلق بمحذوف صلة للموصول ويجوز أن يكون مفعولا معه والواو للمعية. (وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا ناهية وتطغوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وان واسمها وبما تعملون خبرها وقد تقدم نظيره.
البلاغة:
الإيجاز في قوله تعالى «فاستقم» ذلك لأن الاستقامة هي الاستمرار في جهة واحدة وأن لا يعدل يمينا أو شمالا ومعروف أن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين فأقل انحراف يخرجه عن استقامته واذن فقد انتظم في كلمة الاستقامة جميع مكارم الأخلاق، ومحاسن الأحكام الأصلية والفرعية والكمالات التي ينشدها العارفون والمقربون، والتحلل من ذلك خطير واجتناب التحلل عسير ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه ابن عباس عند ما قال له أصحابه: لقد أسرع فيك الشيب: «شيبتني هود والواقعة وأخواتهما» .
الفوائد:
ما يقوله أبو حيان:
وقال أبو حيان: «وأما القراءة الثانية فتشديد إن وإعمالها في كل واضح وأما تشديد لما فقال المبرد: هذا لحن لا تقول العرب إن زيدا لما خارج، وهذه جسارة من المبرد على عادته وكيف تكون قراءة متواترة لحنا، وليس تركيب الآية كتركيب المثال الذي قال وهو إن زيدا لما خارج، هذا المثال لحن وأما في الآية فليس لحنا ولو سكت وقال كما قال الكسائي: ما أدري ما وجه هذه القراءة لكان قد وفق وأما غير هذين من النحويين فاختلفوا في تخريجها» .
ثم أورد أبو حيان سيلا من التخريجات وشجبها كلها ومنها الوجه الذي اخترناه وقال أخيرا:
«وهذه كلها تخريجات ضعيفة جدا ينزه عنها القرآن وكنت قد ظهر لي فيها وجه جار على قواعد العربية وهو ان «لما» هذه هي لما الجازمة حذف فعلها المجزوم لدلالة المعنى عليه كما حذفوه في قولهم:
قاربت المدينة ولما يريدون ولما أدخلها وكذلك هنا التقدير: وإن كلا لما ينقص من جزاء عمله، ويدل عليه قوله تعالى: ليوفينهم ربك أعمالهم لما أخبر بانتفاء نقص أجزاء أعمالهم أكده بالقسم فقال ليوفينهم ربك أعمالهم وكنت اعتقدت اني سبقت إلى هذا التخريج السائغ العاري من التكلف وذكرت ذلك لبعض من يقرأ علي فقال: قد ذكر ذلك أبو عمرو ابن الحاجب ولتركي النظر في كلام هذا الرجل لم أقف عليه ثم رأيت في كتاب التحرير نقل هذا التخريج عن ابن الحاجب قال: «لما» هذه هي الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما سافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح فيكون التقدير لما يتركوا لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين في قوله: فمنهم شقي وسعيد ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك أعمالهم قال: ما أعرف وجها أشبه من هذا وان كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن» .
هود 11:112
اللغة:
(مِرْيَةٍ) : المرية بكسر الميم وضمها الشك مع ظهور الدلائل للتهمة وهي مأخوذة من مرى ضرع الناقة ليدرّ بعد دروره وامترى في الشيء شك واستمرى اللبن ونحو استخرجه واستدره.
الإعراب:
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) الفاء استئنافية والجملة مسوقة للدلالة على ما أحدثته القصص السالفة في نفسه صلى الله عليه وسلم من أثر وان عكوف كفار قريش على عبادة أصنامهم ليست من دواعي المثبطات لعزيمته. ولا ناهية وتك فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون المقدرة على النون المحذوفة للتخفيف وقد سبق ذكر خصائص كان، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت وفي مرية خبرها ومما صفة وجملة يعبد صلة وهؤلاء فاعل ويجوز أن تكون ما مصدرية (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) ما نافية ويعبدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر والكاف نعت لمصدر محذوف وما يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية ومن قبل متعلقان بمحذوف حال. (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وموفوهم خبر ان والهاء مضاف اليه ونصيبهم مفعول به وغير منقوص حال مبينة للنصيب الموفى وقيل بل حال مؤكدة لأن التوفية تستلزم عدم نقصان الموفى كاملا كان أو ناقصا فقولك وفيته نصف حقه تستلزم عدم نقصان فما وجه انتصابه حالا عنه والأوجه أن يقال استعملت التوفية بمعنى الإعطاء ومن قال أعطيت فلانا حقه كان جديرا بأن يوكده بقوله غير منقوص.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وآتينا موسى الكتاب: فعل وفاعل ومفعول به، فاختلف: الفاء حرف عطف واختلف فعل ماض مبني للمجهول وفيه سد مسد نائب الفاعل ومعنى في الظرفية أي من شأنه وقيل هي سببية. (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت صفة ومن ربك جار ومجرور متعلقان بسبقت واللام جواب لو وقضي بينهم فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر والظرف متعلق به أي وقضي الأمر بينهم. (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) الواو حالية وان واسمها وفي شك خبرها ومنه صفة لشك ومريب صفة ثانية.
(وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) هذه الآية مشكلة جدا ويزداد الاشكال في قراءتنا وهي تشديد إن وتثقيل لما وقد اعترف المعربون القدامى بعجزهم فقال السمين ما نصه: «هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا وعسر على أكثرهم تلخيصها قراءة وتخريجا وقد سهل الله تعالى ذلك فذكرت أقاويلهم وما هو الراجح منها» ثم هام في متاهات سحيقة يضيع الطالب فيها وسنتجاوز جريا على عادتنا تلك الاوجه المتشعبة والمسالك المتباينة ونكتفي بقراءتنا وهي قراءة حفص وأبي جعفر وابن عامر وحمزة فنقول: إن واسمها ولمّا ذكروا فيها أوجها أربعة أسهلها وأبعدها عن التكلف ما اختاره الزجاج انها بمعنى إلا كقولهم سألتك لما فعلت بمعنى إلا وهو وجه سهل يزول به كل إشكال لولا أنه يتعارض مع ما قاله الفراء: هذا لا يجوز إلا في التمني كما قال الخليل أو بعد النفي كقوله تعالى «إن كل نفس لما عليها حافظ» ولكنه على ما فيه أسهل من الأوجه الثلاثة الباقية وهي أن تكون بمعنى لمن ما فحذفت الميمات الثلاث واختاره الفراء وأنشد:
وإني لمما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
والثاني أن تكون مخففة وشددت للتأكيد واختياره المازني ولكن هذا مردود لانه إنما يجوز تخفيف المشددة عند الضرورة فأما تشديد المخففة فلا يجوز بحال ورابع الأوجه انها مصدر لم من لمت الشيء إذا جمعته إلا أنها بنيت فلم تصرف فكأنه قال وإن كلا جميعا ليوفينهم وفي هذا ما فيه والله أعلم. وليوفينهم اللام جواب للقسم المقدر ويوفينهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول وربك فاعل والجملة خبر ان وأعمالهم مفعول به ثان (إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) إن واسمها وبما يعملون متعلقان بخبير وخبير خبر ان (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ) الفاء الفصيحة واستقم فعل أمر وكما نعت لمصدر محذوف أي فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير منحرف عنها، ومن: الواو عاطفة ومن موصول معطوف على الضمير في استقم وانما جاز العطف عليه من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه ومعك ظرف متعلق بمحذوف صلة للموصول ويجوز أن يكون مفعولا معه والواو للمعية. (وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا ناهية وتطغوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وان واسمها وبما تعملون خبرها وقد تقدم نظيره.
البلاغة:
الإيجاز في قوله تعالى «فاستقم» ذلك لأن الاستقامة هي الاستمرار في جهة واحدة وأن لا يعدل يمينا أو شمالا ومعروف أن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين فأقل انحراف يخرجه عن استقامته واذن فقد انتظم في كلمة الاستقامة جميع مكارم الأخلاق، ومحاسن الأحكام الأصلية والفرعية والكمالات التي ينشدها العارفون والمقربون، والتحلل من ذلك خطير واجتناب التحلل عسير ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه ابن عباس عند ما قال له أصحابه: لقد أسرع فيك الشيب: «شيبتني هود والواقعة وأخواتهما» .
الفوائد:
ما يقوله أبو حيان:
وقال أبو حيان: «وأما القراءة الثانية فتشديد إن وإعمالها في كل واضح وأما تشديد لما فقال المبرد: هذا لحن لا تقول العرب إن زيدا لما خارج، وهذه جسارة من المبرد على عادته وكيف تكون قراءة متواترة لحنا، وليس تركيب الآية كتركيب المثال الذي قال وهو إن زيدا لما خارج، هذا المثال لحن وأما في الآية فليس لحنا ولو سكت وقال كما قال الكسائي: ما أدري ما وجه هذه القراءة لكان قد وفق وأما غير هذين من النحويين فاختلفوا في تخريجها» .
ثم أورد أبو حيان سيلا من التخريجات وشجبها كلها ومنها الوجه الذي اخترناه وقال أخيرا:
«وهذه كلها تخريجات ضعيفة جدا ينزه عنها القرآن وكنت قد ظهر لي فيها وجه جار على قواعد العربية وهو ان «لما» هذه هي لما الجازمة حذف فعلها المجزوم لدلالة المعنى عليه كما حذفوه في قولهم:
قاربت المدينة ولما يريدون ولما أدخلها وكذلك هنا التقدير: وإن كلا لما ينقص من جزاء عمله، ويدل عليه قوله تعالى: ليوفينهم ربك أعمالهم لما أخبر بانتفاء نقص أجزاء أعمالهم أكده بالقسم فقال ليوفينهم ربك أعمالهم وكنت اعتقدت اني سبقت إلى هذا التخريج السائغ العاري من التكلف وذكرت ذلك لبعض من يقرأ علي فقال: قد ذكر ذلك أبو عمرو ابن الحاجب ولتركي النظر في كلام هذا الرجل لم أقف عليه ثم رأيت في كتاب التحرير نقل هذا التخريج عن ابن الحاجب قال: «لما» هذه هي الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما سافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح فيكون التقدير لما يتركوا لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين في قوله: فمنهم شقي وسعيد ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك أعمالهم قال: ما أعرف وجها أشبه من هذا وان كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن» .
هود 11:113
اللغة:
(تَرْكَنُوا) : الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والإنصات اليه وفي المصباح: «ركنت إلى زيد اعتمدت عليه وفيه لغات احداها من باب تعب وعليه قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» وركن ركونا من باب قعد قال الأزهري وليست بالفصيحة، والثالثة ركن يركن بفتحتين وليسب بالأصل بل من باب تداخل اللغتين لأن باب فعل يفعل يكون حلقي العين أو اللام» . وقال الراغب:
«والصحيح انه يقال ركن يركن بالفتح فيهما وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع» ويؤخذ من القاموس وشرحه وغيره من معاجم اللغة انه من باب دخل ومن باب تعب أما اللازم منه فبابه ركن بضم الكاف أي كان رزينا وقورا.
(زُلَفاً) بضم الزاي وفتح اللام: جمع زلفة من الليل أي طائفة وفي القاموس: الزلفى الطائفة من الليل والجمع زلف وزلفات كغرف وغرفات، قال العجاج:
تاج طواه الأين مما رجفا ... طيّ الليالي زلفا فزلفا
(أُتْرِفُوا) نعموا وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أبطرته وأطغته
الإعراب:
(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) الواو استئنافية ولا ناهية وتركنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والى الذين جار ومجرور متعلقان بتركنوا وجملة ظلموا صلة، فتمسكم: الفاء السببية وتمسكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء الواقعة بعد النهي والكاف مفعول به والنار فاعل. (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) الواو حالية أو استئنافية أيضا والجملة حالية أي تمسكم النار حال انتفاء ناصركم أو مستأنفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال لأنه كان في الأصل صفة لأولياء ومن حرف جر زائد وأولياء مجرور لفظا بالفتحة مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وثم حرف عطف ولا نافية وتنصرون فعل مضارع ولم ينصبه نسقا على تركنوا لأنه من عطف الجمل عطف جملة فعلية على جملة اسمية (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) الواو عاطفة وأقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والصلاة مفعول به وطرفي النهار نصب على الظرفية بأقم والمراد بطرفي النهار الغداة والعشي وزلفا منصوب على الظرفية أيضا بأقم ومن الليل صفة. (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) إن واسمها وجملة يذهبن خبرها والنون فاعل يذهبن والسيئات مفعول به وذلك مبتدأ وذكرى خبر وللذاكرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكرى (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) واصبر عطف على أقم والفاء تعليلية وان واسمها وجملة لا يضيع خبرها وأجر المحسنين مفعول به. (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) الفاء استئنافية ولولا تحضيضية ولعل اعراب كان تامة أولى إذا المعنى فهلا وجد أو حدث فيتعلق من القرون بها أو بمحذوف حال ومن قبلكم حال من القرون وأولو فاعلها وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وبقية مضاف اليه وجملة ينهون عن الفساد صفة لأولو بقية وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بالفساد وإذا جعلنا كان ناقصة فيكون من القرون متعلقان بمحذوف حال وتكون جملة ينهون خبرها وأولو بقية اسمها والمصدر المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة فيكون في المؤولة والظروف أولى ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفساد. (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) إلا أداة استثناء وقليلا مستثنى منقطع لئلا يفسد المعنى وننقل هنا عبارة الزمخشري وهي: «معناه ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تركوا النهي» ثم قال: «فإن قلت هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: ان جعلته متصلا على ما هو عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي عن الفساد لا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، يريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناء متصلا ومعنى صحيحا وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل» وممن صفة لقليلا وجملة أنجينا صلة ومنهم حال. (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام تقديره فلم ينهوا عن الفساد واتبع، والذين فاعل وجملة ظلموا صلة وما مفعول به وجملة أترفوا صلة وفيه متعلقان بأترفوا وكانوا مجرمين كان واسمها وخبرها والجملة عطف على أترفوا. (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) الواو استئنافية وما نافية وكان فعل ماض ناقص وربك اسمها وليهلك اللام للجحود وهي المسبوقة بكون منفي ويهلك منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف أي مريدا ليهلك وقد سبق تقرير ذلك والقرى مفعول به وبظلم حال من الفاعل وأهلها الواو حالية وأهلها مبتدأ ومصلحون خبر والجملة حالية من المفعول به أي القرى.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» إلى آخر الآية فنون عديدة من البلاغة التي تتقطع دونها الأعناق وسنبسطها بما يلي:
1- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
إذ لما كان الركون إلى الذين ظلموا دون فعل الظالمين وجب أن يكون العقاب عليه دون عقاب الظالمين ومسّ النار في الحقيقة دون الإحراق ولما كان الإحراق عقابا للظالم أوجب العدل أن يكون المسّ عقاب الراكن إلى الظالم فلهذا عدل عز وجل عن قوله مثلا ...
فندخلوا النار، لكون الدخول مظنة الإحراق وخصّ المسّ ليشير به إلى ما يقتضي الركون من العقاب ويميز بين ما يستحق الظالم وبين ما يستحق الراكن له من العقاب وإن كان مس النار قد يطلق ويراد به الإحراق لكن هذا الإطلاق مجاز والحقيقة ما ذكرناه لأن حقيقة المس أول ملاقاة الجسم حرارة النار وإذا احتمل اللفظ احتمالات صرف منها إلى ما تدل عليه القرائن والائتلاف في هذه الآية معنوي.
2- الادماج:
فقد أدمج الله سبحانه وصفه بالعدل فتعلق فن الفخر بفن الأدب إذ ظاهر الآية التأديب ومن أجله جاءت في هذا الباب الموعظة ووصف الحق عز وجل بالعدل.
3- البسط:
فلم يقل الظالمين وعدل عن ذلك إلى قوله «الذين ظلموا» لما يحتمل الاول من استمرار الظلم الذي لا يلائم المساس ولا تحصل به المبالغة التي تحصل من لفظ الثاني من وقوع الظلم على سبيل الندور ليلائم المعنى معنى الركون ومعنى المساس وتحصل المبالغة الحقة لأنه سبحانه إذا نهى عن الركون إلى من استمر منه الظلم بطريق أولى وإذا نهى عن الركون إلى الظالم كان النهي عن فعل الظلم أحرى.
ونثبت هنا بهذه المناسبة كتاب آية في البلاغة وهو يتناسب مع المقام: لما خالط الزهري السلاطين كتب اليه أخ في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال سبحانه: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه» واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا» فانك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فدا ودينك فقد دخله سقم، وهيء زادك فقد حضر السفر البعيد «وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء» والسلام.
هود 11:114
اللغة:
(تَرْكَنُوا) : الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والإنصات اليه وفي المصباح: «ركنت إلى زيد اعتمدت عليه وفيه لغات احداها من باب تعب وعليه قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» وركن ركونا من باب قعد قال الأزهري وليست بالفصيحة، والثالثة ركن يركن بفتحتين وليسب بالأصل بل من باب تداخل اللغتين لأن باب فعل يفعل يكون حلقي العين أو اللام» . وقال الراغب:
«والصحيح انه يقال ركن يركن بالفتح فيهما وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع» ويؤخذ من القاموس وشرحه وغيره من معاجم اللغة انه من باب دخل ومن باب تعب أما اللازم منه فبابه ركن بضم الكاف أي كان رزينا وقورا.
(زُلَفاً) بضم الزاي وفتح اللام: جمع زلفة من الليل أي طائفة وفي القاموس: الزلفى الطائفة من الليل والجمع زلف وزلفات كغرف وغرفات، قال العجاج:
تاج طواه الأين مما رجفا ... طيّ الليالي زلفا فزلفا
(أُتْرِفُوا) نعموا وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أبطرته وأطغته
الإعراب:
(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) الواو استئنافية ولا ناهية وتركنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والى الذين جار ومجرور متعلقان بتركنوا وجملة ظلموا صلة، فتمسكم: الفاء السببية وتمسكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء الواقعة بعد النهي والكاف مفعول به والنار فاعل. (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) الواو حالية أو استئنافية أيضا والجملة حالية أي تمسكم النار حال انتفاء ناصركم أو مستأنفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال لأنه كان في الأصل صفة لأولياء ومن حرف جر زائد وأولياء مجرور لفظا بالفتحة مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وثم حرف عطف ولا نافية وتنصرون فعل مضارع ولم ينصبه نسقا على تركنوا لأنه من عطف الجمل عطف جملة فعلية على جملة اسمية (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) الواو عاطفة وأقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والصلاة مفعول به وطرفي النهار نصب على الظرفية بأقم والمراد بطرفي النهار الغداة والعشي وزلفا منصوب على الظرفية أيضا بأقم ومن الليل صفة. (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) إن واسمها وجملة يذهبن خبرها والنون فاعل يذهبن والسيئات مفعول به وذلك مبتدأ وذكرى خبر وللذاكرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكرى (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) واصبر عطف على أقم والفاء تعليلية وان واسمها وجملة لا يضيع خبرها وأجر المحسنين مفعول به. (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) الفاء استئنافية ولولا تحضيضية ولعل اعراب كان تامة أولى إذا المعنى فهلا وجد أو حدث فيتعلق من القرون بها أو بمحذوف حال ومن قبلكم حال من القرون وأولو فاعلها وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وبقية مضاف اليه وجملة ينهون عن الفساد صفة لأولو بقية وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بالفساد وإذا جعلنا كان ناقصة فيكون من القرون متعلقان بمحذوف حال وتكون جملة ينهون خبرها وأولو بقية اسمها والمصدر المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة فيكون في المؤولة والظروف أولى ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفساد. (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) إلا أداة استثناء وقليلا مستثنى منقطع لئلا يفسد المعنى وننقل هنا عبارة الزمخشري وهي: «معناه ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تركوا النهي» ثم قال: «فإن قلت هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: ان جعلته متصلا على ما هو عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي عن الفساد لا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، يريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناء متصلا ومعنى صحيحا وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل» وممن صفة لقليلا وجملة أنجينا صلة ومنهم حال. (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام تقديره فلم ينهوا عن الفساد واتبع، والذين فاعل وجملة ظلموا صلة وما مفعول به وجملة أترفوا صلة وفيه متعلقان بأترفوا وكانوا مجرمين كان واسمها وخبرها والجملة عطف على أترفوا. (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) الواو استئنافية وما نافية وكان فعل ماض ناقص وربك اسمها وليهلك اللام للجحود وهي المسبوقة بكون منفي ويهلك منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف أي مريدا ليهلك وقد سبق تقرير ذلك والقرى مفعول به وبظلم حال من الفاعل وأهلها الواو حالية وأهلها مبتدأ ومصلحون خبر والجملة حالية من المفعول به أي القرى.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» إلى آخر الآية فنون عديدة من البلاغة التي تتقطع دونها الأعناق وسنبسطها بما يلي:
1- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
إذ لما كان الركون إلى الذين ظلموا دون فعل الظالمين وجب أن يكون العقاب عليه دون عقاب الظالمين ومسّ النار في الحقيقة دون الإحراق ولما كان الإحراق عقابا للظالم أوجب العدل أن يكون المسّ عقاب الراكن إلى الظالم فلهذا عدل عز وجل عن قوله مثلا ...
فندخلوا النار، لكون الدخول مظنة الإحراق وخصّ المسّ ليشير به إلى ما يقتضي الركون من العقاب ويميز بين ما يستحق الظالم وبين ما يستحق الراكن له من العقاب وإن كان مس النار قد يطلق ويراد به الإحراق لكن هذا الإطلاق مجاز والحقيقة ما ذكرناه لأن حقيقة المس أول ملاقاة الجسم حرارة النار وإذا احتمل اللفظ احتمالات صرف منها إلى ما تدل عليه القرائن والائتلاف في هذه الآية معنوي.
2- الادماج:
فقد أدمج الله سبحانه وصفه بالعدل فتعلق فن الفخر بفن الأدب إذ ظاهر الآية التأديب ومن أجله جاءت في هذا الباب الموعظة ووصف الحق عز وجل بالعدل.
3- البسط:
فلم يقل الظالمين وعدل عن ذلك إلى قوله «الذين ظلموا» لما يحتمل الاول من استمرار الظلم الذي لا يلائم المساس ولا تحصل به المبالغة التي تحصل من لفظ الثاني من وقوع الظلم على سبيل الندور ليلائم المعنى معنى الركون ومعنى المساس وتحصل المبالغة الحقة لأنه سبحانه إذا نهى عن الركون إلى من استمر منه الظلم بطريق أولى وإذا نهى عن الركون إلى الظالم كان النهي عن فعل الظلم أحرى.
ونثبت هنا بهذه المناسبة كتاب آية في البلاغة وهو يتناسب مع المقام: لما خالط الزهري السلاطين كتب اليه أخ في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال سبحانه: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه» واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا» فانك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فدا ودينك فقد دخله سقم، وهيء زادك فقد حضر السفر البعيد «وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء» والسلام.
هود 11:115
اللغة:
(تَرْكَنُوا) : الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والإنصات اليه وفي المصباح: «ركنت إلى زيد اعتمدت عليه وفيه لغات احداها من باب تعب وعليه قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» وركن ركونا من باب قعد قال الأزهري وليست بالفصيحة، والثالثة ركن يركن بفتحتين وليسب بالأصل بل من باب تداخل اللغتين لأن باب فعل يفعل يكون حلقي العين أو اللام» . وقال الراغب:
«والصحيح انه يقال ركن يركن بالفتح فيهما وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع» ويؤخذ من القاموس وشرحه وغيره من معاجم اللغة انه من باب دخل ومن باب تعب أما اللازم منه فبابه ركن بضم الكاف أي كان رزينا وقورا.
(زُلَفاً) بضم الزاي وفتح اللام: جمع زلفة من الليل أي طائفة وفي القاموس: الزلفى الطائفة من الليل والجمع زلف وزلفات كغرف وغرفات، قال العجاج:
تاج طواه الأين مما رجفا ... طيّ الليالي زلفا فزلفا
(أُتْرِفُوا) نعموا وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أبطرته وأطغته
الإعراب:
(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) الواو استئنافية ولا ناهية وتركنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والى الذين جار ومجرور متعلقان بتركنوا وجملة ظلموا صلة، فتمسكم: الفاء السببية وتمسكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء الواقعة بعد النهي والكاف مفعول به والنار فاعل. (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) الواو حالية أو استئنافية أيضا والجملة حالية أي تمسكم النار حال انتفاء ناصركم أو مستأنفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال لأنه كان في الأصل صفة لأولياء ومن حرف جر زائد وأولياء مجرور لفظا بالفتحة مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وثم حرف عطف ولا نافية وتنصرون فعل مضارع ولم ينصبه نسقا على تركنوا لأنه من عطف الجمل عطف جملة فعلية على جملة اسمية (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) الواو عاطفة وأقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والصلاة مفعول به وطرفي النهار نصب على الظرفية بأقم والمراد بطرفي النهار الغداة والعشي وزلفا منصوب على الظرفية أيضا بأقم ومن الليل صفة. (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) إن واسمها وجملة يذهبن خبرها والنون فاعل يذهبن والسيئات مفعول به وذلك مبتدأ وذكرى خبر وللذاكرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكرى (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) واصبر عطف على أقم والفاء تعليلية وان واسمها وجملة لا يضيع خبرها وأجر المحسنين مفعول به. (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) الفاء استئنافية ولولا تحضيضية ولعل اعراب كان تامة أولى إذا المعنى فهلا وجد أو حدث فيتعلق من القرون بها أو بمحذوف حال ومن قبلكم حال من القرون وأولو فاعلها وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وبقية مضاف اليه وجملة ينهون عن الفساد صفة لأولو بقية وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بالفساد وإذا جعلنا كان ناقصة فيكون من القرون متعلقان بمحذوف حال وتكون جملة ينهون خبرها وأولو بقية اسمها والمصدر المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة فيكون في المؤولة والظروف أولى ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفساد. (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) إلا أداة استثناء وقليلا مستثنى منقطع لئلا يفسد المعنى وننقل هنا عبارة الزمخشري وهي: «معناه ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تركوا النهي» ثم قال: «فإن قلت هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: ان جعلته متصلا على ما هو عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي عن الفساد لا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، يريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناء متصلا ومعنى صحيحا وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل» وممن صفة لقليلا وجملة أنجينا صلة ومنهم حال. (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام تقديره فلم ينهوا عن الفساد واتبع، والذين فاعل وجملة ظلموا صلة وما مفعول به وجملة أترفوا صلة وفيه متعلقان بأترفوا وكانوا مجرمين كان واسمها وخبرها والجملة عطف على أترفوا. (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) الواو استئنافية وما نافية وكان فعل ماض ناقص وربك اسمها وليهلك اللام للجحود وهي المسبوقة بكون منفي ويهلك منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف أي مريدا ليهلك وقد سبق تقرير ذلك والقرى مفعول به وبظلم حال من الفاعل وأهلها الواو حالية وأهلها مبتدأ ومصلحون خبر والجملة حالية من المفعول به أي القرى.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» إلى آخر الآية فنون عديدة من البلاغة التي تتقطع دونها الأعناق وسنبسطها بما يلي:
1- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
إذ لما كان الركون إلى الذين ظلموا دون فعل الظالمين وجب أن يكون العقاب عليه دون عقاب الظالمين ومسّ النار في الحقيقة دون الإحراق ولما كان الإحراق عقابا للظالم أوجب العدل أن يكون المسّ عقاب الراكن إلى الظالم فلهذا عدل عز وجل عن قوله مثلا ...
فندخلوا النار، لكون الدخول مظنة الإحراق وخصّ المسّ ليشير به إلى ما يقتضي الركون من العقاب ويميز بين ما يستحق الظالم وبين ما يستحق الراكن له من العقاب وإن كان مس النار قد يطلق ويراد به الإحراق لكن هذا الإطلاق مجاز والحقيقة ما ذكرناه لأن حقيقة المس أول ملاقاة الجسم حرارة النار وإذا احتمل اللفظ احتمالات صرف منها إلى ما تدل عليه القرائن والائتلاف في هذه الآية معنوي.
2- الادماج:
فقد أدمج الله سبحانه وصفه بالعدل فتعلق فن الفخر بفن الأدب إذ ظاهر الآية التأديب ومن أجله جاءت في هذا الباب الموعظة ووصف الحق عز وجل بالعدل.
3- البسط:
فلم يقل الظالمين وعدل عن ذلك إلى قوله «الذين ظلموا» لما يحتمل الاول من استمرار الظلم الذي لا يلائم المساس ولا تحصل به المبالغة التي تحصل من لفظ الثاني من وقوع الظلم على سبيل الندور ليلائم المعنى معنى الركون ومعنى المساس وتحصل المبالغة الحقة لأنه سبحانه إذا نهى عن الركون إلى من استمر منه الظلم بطريق أولى وإذا نهى عن الركون إلى الظالم كان النهي عن فعل الظلم أحرى.
ونثبت هنا بهذه المناسبة كتاب آية في البلاغة وهو يتناسب مع المقام: لما خالط الزهري السلاطين كتب اليه أخ في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال سبحانه: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه» واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا» فانك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فدا ودينك فقد دخله سقم، وهيء زادك فقد حضر السفر البعيد «وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء» والسلام.
هود 11:116
اللغة:
(تَرْكَنُوا) : الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والإنصات اليه وفي المصباح: «ركنت إلى زيد اعتمدت عليه وفيه لغات احداها من باب تعب وعليه قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» وركن ركونا من باب قعد قال الأزهري وليست بالفصيحة، والثالثة ركن يركن بفتحتين وليسب بالأصل بل من باب تداخل اللغتين لأن باب فعل يفعل يكون حلقي العين أو اللام» . وقال الراغب:
«والصحيح انه يقال ركن يركن بالفتح فيهما وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع» ويؤخذ من القاموس وشرحه وغيره من معاجم اللغة انه من باب دخل ومن باب تعب أما اللازم منه فبابه ركن بضم الكاف أي كان رزينا وقورا.
(زُلَفاً) بضم الزاي وفتح اللام: جمع زلفة من الليل أي طائفة وفي القاموس: الزلفى الطائفة من الليل والجمع زلف وزلفات كغرف وغرفات، قال العجاج:
تاج طواه الأين مما رجفا ... طيّ الليالي زلفا فزلفا
(أُتْرِفُوا) نعموا وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أبطرته وأطغته
الإعراب:
(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) الواو استئنافية ولا ناهية وتركنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والى الذين جار ومجرور متعلقان بتركنوا وجملة ظلموا صلة، فتمسكم: الفاء السببية وتمسكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء الواقعة بعد النهي والكاف مفعول به والنار فاعل. (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) الواو حالية أو استئنافية أيضا والجملة حالية أي تمسكم النار حال انتفاء ناصركم أو مستأنفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال لأنه كان في الأصل صفة لأولياء ومن حرف جر زائد وأولياء مجرور لفظا بالفتحة مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وثم حرف عطف ولا نافية وتنصرون فعل مضارع ولم ينصبه نسقا على تركنوا لأنه من عطف الجمل عطف جملة فعلية على جملة اسمية (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) الواو عاطفة وأقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والصلاة مفعول به وطرفي النهار نصب على الظرفية بأقم والمراد بطرفي النهار الغداة والعشي وزلفا منصوب على الظرفية أيضا بأقم ومن الليل صفة. (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) إن واسمها وجملة يذهبن خبرها والنون فاعل يذهبن والسيئات مفعول به وذلك مبتدأ وذكرى خبر وللذاكرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكرى (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) واصبر عطف على أقم والفاء تعليلية وان واسمها وجملة لا يضيع خبرها وأجر المحسنين مفعول به. (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) الفاء استئنافية ولولا تحضيضية ولعل اعراب كان تامة أولى إذا المعنى فهلا وجد أو حدث فيتعلق من القرون بها أو بمحذوف حال ومن قبلكم حال من القرون وأولو فاعلها وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وبقية مضاف اليه وجملة ينهون عن الفساد صفة لأولو بقية وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بالفساد وإذا جعلنا كان ناقصة فيكون من القرون متعلقان بمحذوف حال وتكون جملة ينهون خبرها وأولو بقية اسمها والمصدر المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة فيكون في المؤولة والظروف أولى ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفساد. (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) إلا أداة استثناء وقليلا مستثنى منقطع لئلا يفسد المعنى وننقل هنا عبارة الزمخشري وهي: «معناه ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تركوا النهي» ثم قال: «فإن قلت هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: ان جعلته متصلا على ما هو عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي عن الفساد لا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، يريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناء متصلا ومعنى صحيحا وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل» وممن صفة لقليلا وجملة أنجينا صلة ومنهم حال. (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام تقديره فلم ينهوا عن الفساد واتبع، والذين فاعل وجملة ظلموا صلة وما مفعول به وجملة أترفوا صلة وفيه متعلقان بأترفوا وكانوا مجرمين كان واسمها وخبرها والجملة عطف على أترفوا. (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) الواو استئنافية وما نافية وكان فعل ماض ناقص وربك اسمها وليهلك اللام للجحود وهي المسبوقة بكون منفي ويهلك منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف أي مريدا ليهلك وقد سبق تقرير ذلك والقرى مفعول به وبظلم حال من الفاعل وأهلها الواو حالية وأهلها مبتدأ ومصلحون خبر والجملة حالية من المفعول به أي القرى.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» إلى آخر الآية فنون عديدة من البلاغة التي تتقطع دونها الأعناق وسنبسطها بما يلي:
1- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
إذ لما كان الركون إلى الذين ظلموا دون فعل الظالمين وجب أن يكون العقاب عليه دون عقاب الظالمين ومسّ النار في الحقيقة دون الإحراق ولما كان الإحراق عقابا للظالم أوجب العدل أن يكون المسّ عقاب الراكن إلى الظالم فلهذا عدل عز وجل عن قوله مثلا ...
فندخلوا النار، لكون الدخول مظنة الإحراق وخصّ المسّ ليشير به إلى ما يقتضي الركون من العقاب ويميز بين ما يستحق الظالم وبين ما يستحق الراكن له من العقاب وإن كان مس النار قد يطلق ويراد به الإحراق لكن هذا الإطلاق مجاز والحقيقة ما ذكرناه لأن حقيقة المس أول ملاقاة الجسم حرارة النار وإذا احتمل اللفظ احتمالات صرف منها إلى ما تدل عليه القرائن والائتلاف في هذه الآية معنوي.
2- الادماج:
فقد أدمج الله سبحانه وصفه بالعدل فتعلق فن الفخر بفن الأدب إذ ظاهر الآية التأديب ومن أجله جاءت في هذا الباب الموعظة ووصف الحق عز وجل بالعدل.
3- البسط:
فلم يقل الظالمين وعدل عن ذلك إلى قوله «الذين ظلموا» لما يحتمل الاول من استمرار الظلم الذي لا يلائم المساس ولا تحصل به المبالغة التي تحصل من لفظ الثاني من وقوع الظلم على سبيل الندور ليلائم المعنى معنى الركون ومعنى المساس وتحصل المبالغة الحقة لأنه سبحانه إذا نهى عن الركون إلى من استمر منه الظلم بطريق أولى وإذا نهى عن الركون إلى الظالم كان النهي عن فعل الظلم أحرى.
ونثبت هنا بهذه المناسبة كتاب آية في البلاغة وهو يتناسب مع المقام: لما خالط الزهري السلاطين كتب اليه أخ في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال سبحانه: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه» واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا» فانك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فدا ودينك فقد دخله سقم، وهيء زادك فقد حضر السفر البعيد «وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء» والسلام.
هود 11:117
اللغة:
(تَرْكَنُوا) : الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والإنصات اليه وفي المصباح: «ركنت إلى زيد اعتمدت عليه وفيه لغات احداها من باب تعب وعليه قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» وركن ركونا من باب قعد قال الأزهري وليست بالفصيحة، والثالثة ركن يركن بفتحتين وليسب بالأصل بل من باب تداخل اللغتين لأن باب فعل يفعل يكون حلقي العين أو اللام» . وقال الراغب:
«والصحيح انه يقال ركن يركن بالفتح فيهما وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع» ويؤخذ من القاموس وشرحه وغيره من معاجم اللغة انه من باب دخل ومن باب تعب أما اللازم منه فبابه ركن بضم الكاف أي كان رزينا وقورا.
(زُلَفاً) بضم الزاي وفتح اللام: جمع زلفة من الليل أي طائفة وفي القاموس: الزلفى الطائفة من الليل والجمع زلف وزلفات كغرف وغرفات، قال العجاج:
تاج طواه الأين مما رجفا ... طيّ الليالي زلفا فزلفا
(أُتْرِفُوا) نعموا وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أبطرته وأطغته
الإعراب:
(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) الواو استئنافية ولا ناهية وتركنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والى الذين جار ومجرور متعلقان بتركنوا وجملة ظلموا صلة، فتمسكم: الفاء السببية وتمسكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء الواقعة بعد النهي والكاف مفعول به والنار فاعل. (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) الواو حالية أو استئنافية أيضا والجملة حالية أي تمسكم النار حال انتفاء ناصركم أو مستأنفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال لأنه كان في الأصل صفة لأولياء ومن حرف جر زائد وأولياء مجرور لفظا بالفتحة مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وثم حرف عطف ولا نافية وتنصرون فعل مضارع ولم ينصبه نسقا على تركنوا لأنه من عطف الجمل عطف جملة فعلية على جملة اسمية (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) الواو عاطفة وأقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والصلاة مفعول به وطرفي النهار نصب على الظرفية بأقم والمراد بطرفي النهار الغداة والعشي وزلفا منصوب على الظرفية أيضا بأقم ومن الليل صفة. (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) إن واسمها وجملة يذهبن خبرها والنون فاعل يذهبن والسيئات مفعول به وذلك مبتدأ وذكرى خبر وللذاكرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكرى (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) واصبر عطف على أقم والفاء تعليلية وان واسمها وجملة لا يضيع خبرها وأجر المحسنين مفعول به. (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) الفاء استئنافية ولولا تحضيضية ولعل اعراب كان تامة أولى إذا المعنى فهلا وجد أو حدث فيتعلق من القرون بها أو بمحذوف حال ومن قبلكم حال من القرون وأولو فاعلها وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وبقية مضاف اليه وجملة ينهون عن الفساد صفة لأولو بقية وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بالفساد وإذا جعلنا كان ناقصة فيكون من القرون متعلقان بمحذوف حال وتكون جملة ينهون خبرها وأولو بقية اسمها والمصدر المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة فيكون في المؤولة والظروف أولى ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفساد. (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) إلا أداة استثناء وقليلا مستثنى منقطع لئلا يفسد المعنى وننقل هنا عبارة الزمخشري وهي: «معناه ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تركوا النهي» ثم قال: «فإن قلت هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: ان جعلته متصلا على ما هو عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي عن الفساد لا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، يريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناء متصلا ومعنى صحيحا وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل» وممن صفة لقليلا وجملة أنجينا صلة ومنهم حال. (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام تقديره فلم ينهوا عن الفساد واتبع، والذين فاعل وجملة ظلموا صلة وما مفعول به وجملة أترفوا صلة وفيه متعلقان بأترفوا وكانوا مجرمين كان واسمها وخبرها والجملة عطف على أترفوا. (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) الواو استئنافية وما نافية وكان فعل ماض ناقص وربك اسمها وليهلك اللام للجحود وهي المسبوقة بكون منفي ويهلك منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف أي مريدا ليهلك وقد سبق تقرير ذلك والقرى مفعول به وبظلم حال من الفاعل وأهلها الواو حالية وأهلها مبتدأ ومصلحون خبر والجملة حالية من المفعول به أي القرى.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا» إلى آخر الآية فنون عديدة من البلاغة التي تتقطع دونها الأعناق وسنبسطها بما يلي:
1- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
إذ لما كان الركون إلى الذين ظلموا دون فعل الظالمين وجب أن يكون العقاب عليه دون عقاب الظالمين ومسّ النار في الحقيقة دون الإحراق ولما كان الإحراق عقابا للظالم أوجب العدل أن يكون المسّ عقاب الراكن إلى الظالم فلهذا عدل عز وجل عن قوله مثلا ...
فندخلوا النار، لكون الدخول مظنة الإحراق وخصّ المسّ ليشير به إلى ما يقتضي الركون من العقاب ويميز بين ما يستحق الظالم وبين ما يستحق الراكن له من العقاب وإن كان مس النار قد يطلق ويراد به الإحراق لكن هذا الإطلاق مجاز والحقيقة ما ذكرناه لأن حقيقة المس أول ملاقاة الجسم حرارة النار وإذا احتمل اللفظ احتمالات صرف منها إلى ما تدل عليه القرائن والائتلاف في هذه الآية معنوي.
2- الادماج:
فقد أدمج الله سبحانه وصفه بالعدل فتعلق فن الفخر بفن الأدب إذ ظاهر الآية التأديب ومن أجله جاءت في هذا الباب الموعظة ووصف الحق عز وجل بالعدل.
3- البسط:
فلم يقل الظالمين وعدل عن ذلك إلى قوله «الذين ظلموا» لما يحتمل الاول من استمرار الظلم الذي لا يلائم المساس ولا تحصل به المبالغة التي تحصل من لفظ الثاني من وقوع الظلم على سبيل الندور ليلائم المعنى معنى الركون ومعنى المساس وتحصل المبالغة الحقة لأنه سبحانه إذا نهى عن الركون إلى من استمر منه الظلم بطريق أولى وإذا نهى عن الركون إلى الظالم كان النهي عن فعل الظلم أحرى.
ونثبت هنا بهذه المناسبة كتاب آية في البلاغة وهو يتناسب مع المقام: لما خالط الزهري السلاطين كتب اليه أخ في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال سبحانه: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه» واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا» فانك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فدا ودينك فقد دخله سقم، وهيء زادك فقد حضر السفر البعيد «وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء» والسلام.
هود 11:118
الإعراب:
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية ولو شرطية امتناعية وشاء ربك فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجعل الناس أمة جعل ومفعوليها وواحدة صفة. (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) الواو عاطفة ولا يزالون فعل مضارع ناقص والواو اسمها ومختلفين خبرها وإلا من رحم ربك قال الزجاج استثناء منقطع على معنى لكن وتقديره لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف واكتفى أبو البقاء بقوله هو مستثنى من ضمير الفاعل في يزالون. (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) لذلك متعلق بخلقهم والاشارة إلى الاختلاف والرحمة وخلقهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وتمت كلمة ربك فعل وفاعل والمراد بكلمته قضاؤه الأزلي وحكمه المبرم. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لأملأن جهنم جواب قسم مقدر تقديره يمينا لأملأن وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح وجهنم مفعول به ومن الجنة جار ومجرور متعلقان بأملأن، والجنة هي الجن والتاء للمبالغة وأجمعين تأكيد. (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) يجوز أن تنصب كلا نصبا على المصدر وتقديره وكل القصص نقص عليك وجملة نقص عليك في موضع الصفة لقوله وكلا، ويجوز أن ينصب على المفعولية والمضاف اليه محذوف عوض منه التنوين تقديره كل نبأ نقص عليك ومن أنباء صفة لكلا وما اسم موصول في محل نصب بدل من كلا وقيل زائدة، وعلى الوجه الاول تعرب مفعولا وجملة نثبت به فؤادك صلة ومعنى تثبيت القلب زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه. (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) وجاءك فعل ومفعول به وفي هذه متعلقان بجاءك والاشارة إلى السورة أو الأنباء المقتصة فيها والحق فاعل جاءك وما بعده عطف عليه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) للذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة لا يؤمنون صلة واعملوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم ثابتين على مكانتكم وقد سبق القول في المكانة. (إِنَّا عامِلُونَ) ان واسمها وخبرها. (وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) انتظروا فعل أمر والواو فاعل وإنا منتظرون ان واسمها وخبرها والتهديد واضح. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) لله خبر مقدم وغيب السموات مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بيرجع والأمر نائب فاعله وكله تأكيد. (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) الفاء الفصيحة واعبده فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وتوكل عطف على اعبده وعليه متعلقان بتوكل وما حجازية وربك اسمها والباء حرف جر زائد وغافل مجرور لفظا منصوب محلا خبرها وعما متعلقان بغافل ويعملون صلة ما.
هود 11:119
الإعراب:
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية ولو شرطية امتناعية وشاء ربك فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجعل الناس أمة جعل ومفعوليها وواحدة صفة. (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) الواو عاطفة ولا يزالون فعل مضارع ناقص والواو اسمها ومختلفين خبرها وإلا من رحم ربك قال الزجاج استثناء منقطع على معنى لكن وتقديره لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف واكتفى أبو البقاء بقوله هو مستثنى من ضمير الفاعل في يزالون. (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) لذلك متعلق بخلقهم والاشارة إلى الاختلاف والرحمة وخلقهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وتمت كلمة ربك فعل وفاعل والمراد بكلمته قضاؤه الأزلي وحكمه المبرم. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لأملأن جهنم جواب قسم مقدر تقديره يمينا لأملأن وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح وجهنم مفعول به ومن الجنة جار ومجرور متعلقان بأملأن، والجنة هي الجن والتاء للمبالغة وأجمعين تأكيد. (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) يجوز أن تنصب كلا نصبا على المصدر وتقديره وكل القصص نقص عليك وجملة نقص عليك في موضع الصفة لقوله وكلا، ويجوز أن ينصب على المفعولية والمضاف اليه محذوف عوض منه التنوين تقديره كل نبأ نقص عليك ومن أنباء صفة لكلا وما اسم موصول في محل نصب بدل من كلا وقيل زائدة، وعلى الوجه الاول تعرب مفعولا وجملة نثبت به فؤادك صلة ومعنى تثبيت القلب زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه. (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) وجاءك فعل ومفعول به وفي هذه متعلقان بجاءك والاشارة إلى السورة أو الأنباء المقتصة فيها والحق فاعل جاءك وما بعده عطف عليه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) للذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة لا يؤمنون صلة واعملوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم ثابتين على مكانتكم وقد سبق القول في المكانة. (إِنَّا عامِلُونَ) ان واسمها وخبرها. (وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) انتظروا فعل أمر والواو فاعل وإنا منتظرون ان واسمها وخبرها والتهديد واضح. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) لله خبر مقدم وغيب السموات مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بيرجع والأمر نائب فاعله وكله تأكيد. (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) الفاء الفصيحة واعبده فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وتوكل عطف على اعبده وعليه متعلقان بتوكل وما حجازية وربك اسمها والباء حرف جر زائد وغافل مجرور لفظا منصوب محلا خبرها وعما متعلقان بغافل ويعملون صلة ما.
هود 11:120
الإعراب:
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية ولو شرطية امتناعية وشاء ربك فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجعل الناس أمة جعل ومفعوليها وواحدة صفة. (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) الواو عاطفة ولا يزالون فعل مضارع ناقص والواو اسمها ومختلفين خبرها وإلا من رحم ربك قال الزجاج استثناء منقطع على معنى لكن وتقديره لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف واكتفى أبو البقاء بقوله هو مستثنى من ضمير الفاعل في يزالون. (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) لذلك متعلق بخلقهم والاشارة إلى الاختلاف والرحمة وخلقهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وتمت كلمة ربك فعل وفاعل والمراد بكلمته قضاؤه الأزلي وحكمه المبرم. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لأملأن جهنم جواب قسم مقدر تقديره يمينا لأملأن وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح وجهنم مفعول به ومن الجنة جار ومجرور متعلقان بأملأن، والجنة هي الجن والتاء للمبالغة وأجمعين تأكيد. (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) يجوز أن تنصب كلا نصبا على المصدر وتقديره وكل القصص نقص عليك وجملة نقص عليك في موضع الصفة لقوله وكلا، ويجوز أن ينصب على المفعولية والمضاف اليه محذوف عوض منه التنوين تقديره كل نبأ نقص عليك ومن أنباء صفة لكلا وما اسم موصول في محل نصب بدل من كلا وقيل زائدة، وعلى الوجه الاول تعرب مفعولا وجملة نثبت به فؤادك صلة ومعنى تثبيت القلب زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه. (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) وجاءك فعل ومفعول به وفي هذه متعلقان بجاءك والاشارة إلى السورة أو الأنباء المقتصة فيها والحق فاعل جاءك وما بعده عطف عليه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) للذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة لا يؤمنون صلة واعملوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم ثابتين على مكانتكم وقد سبق القول في المكانة. (إِنَّا عامِلُونَ) ان واسمها وخبرها. (وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) انتظروا فعل أمر والواو فاعل وإنا منتظرون ان واسمها وخبرها والتهديد واضح. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) لله خبر مقدم وغيب السموات مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بيرجع والأمر نائب فاعله وكله تأكيد. (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) الفاء الفصيحة واعبده فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وتوكل عطف على اعبده وعليه متعلقان بتوكل وما حجازية وربك اسمها والباء حرف جر زائد وغافل مجرور لفظا منصوب محلا خبرها وعما متعلقان بغافل ويعملون صلة ما.
هود 11:121
الإعراب:
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية ولو شرطية امتناعية وشاء ربك فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجعل الناس أمة جعل ومفعوليها وواحدة صفة. (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) الواو عاطفة ولا يزالون فعل مضارع ناقص والواو اسمها ومختلفين خبرها وإلا من رحم ربك قال الزجاج استثناء منقطع على معنى لكن وتقديره لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف واكتفى أبو البقاء بقوله هو مستثنى من ضمير الفاعل في يزالون. (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) لذلك متعلق بخلقهم والاشارة إلى الاختلاف والرحمة وخلقهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وتمت كلمة ربك فعل وفاعل والمراد بكلمته قضاؤه الأزلي وحكمه المبرم. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لأملأن جهنم جواب قسم مقدر تقديره يمينا لأملأن وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح وجهنم مفعول به ومن الجنة جار ومجرور متعلقان بأملأن، والجنة هي الجن والتاء للمبالغة وأجمعين تأكيد. (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) يجوز أن تنصب كلا نصبا على المصدر وتقديره وكل القصص نقص عليك وجملة نقص عليك في موضع الصفة لقوله وكلا، ويجوز أن ينصب على المفعولية والمضاف اليه محذوف عوض منه التنوين تقديره كل نبأ نقص عليك ومن أنباء صفة لكلا وما اسم موصول في محل نصب بدل من كلا وقيل زائدة، وعلى الوجه الاول تعرب مفعولا وجملة نثبت به فؤادك صلة ومعنى تثبيت القلب زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه. (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) وجاءك فعل ومفعول به وفي هذه متعلقان بجاءك والاشارة إلى السورة أو الأنباء المقتصة فيها والحق فاعل جاءك وما بعده عطف عليه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) للذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة لا يؤمنون صلة واعملوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم ثابتين على مكانتكم وقد سبق القول في المكانة. (إِنَّا عامِلُونَ) ان واسمها وخبرها. (وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) انتظروا فعل أمر والواو فاعل وإنا منتظرون ان واسمها وخبرها والتهديد واضح. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) لله خبر مقدم وغيب السموات مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بيرجع والأمر نائب فاعله وكله تأكيد. (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) الفاء الفصيحة واعبده فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وتوكل عطف على اعبده وعليه متعلقان بتوكل وما حجازية وربك اسمها والباء حرف جر زائد وغافل مجرور لفظا منصوب محلا خبرها وعما متعلقان بغافل ويعملون صلة ما.
هود 11:122
الإعراب:
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية ولو شرطية امتناعية وشاء ربك فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجعل الناس أمة جعل ومفعوليها وواحدة صفة. (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) الواو عاطفة ولا يزالون فعل مضارع ناقص والواو اسمها ومختلفين خبرها وإلا من رحم ربك قال الزجاج استثناء منقطع على معنى لكن وتقديره لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف واكتفى أبو البقاء بقوله هو مستثنى من ضمير الفاعل في يزالون. (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) لذلك متعلق بخلقهم والاشارة إلى الاختلاف والرحمة وخلقهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وتمت كلمة ربك فعل وفاعل والمراد بكلمته قضاؤه الأزلي وحكمه المبرم. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لأملأن جهنم جواب قسم مقدر تقديره يمينا لأملأن وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح وجهنم مفعول به ومن الجنة جار ومجرور متعلقان بأملأن، والجنة هي الجن والتاء للمبالغة وأجمعين تأكيد. (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) يجوز أن تنصب كلا نصبا على المصدر وتقديره وكل القصص نقص عليك وجملة نقص عليك في موضع الصفة لقوله وكلا، ويجوز أن ينصب على المفعولية والمضاف اليه محذوف عوض منه التنوين تقديره كل نبأ نقص عليك ومن أنباء صفة لكلا وما اسم موصول في محل نصب بدل من كلا وقيل زائدة، وعلى الوجه الاول تعرب مفعولا وجملة نثبت به فؤادك صلة ومعنى تثبيت القلب زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه. (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) وجاءك فعل ومفعول به وفي هذه متعلقان بجاءك والاشارة إلى السورة أو الأنباء المقتصة فيها والحق فاعل جاءك وما بعده عطف عليه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) للذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة لا يؤمنون صلة واعملوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم ثابتين على مكانتكم وقد سبق القول في المكانة. (إِنَّا عامِلُونَ) ان واسمها وخبرها. (وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) انتظروا فعل أمر والواو فاعل وإنا منتظرون ان واسمها وخبرها والتهديد واضح. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) لله خبر مقدم وغيب السموات مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بيرجع والأمر نائب فاعله وكله تأكيد. (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) الفاء الفصيحة واعبده فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وتوكل عطف على اعبده وعليه متعلقان بتوكل وما حجازية وربك اسمها والباء حرف جر زائد وغافل مجرور لفظا منصوب محلا خبرها وعما متعلقان بغافل ويعملون صلة ما.
هود 11:123
الإعراب:
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية ولو شرطية امتناعية وشاء ربك فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجعل الناس أمة جعل ومفعوليها وواحدة صفة. (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) الواو عاطفة ولا يزالون فعل مضارع ناقص والواو اسمها ومختلفين خبرها وإلا من رحم ربك قال الزجاج استثناء منقطع على معنى لكن وتقديره لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف واكتفى أبو البقاء بقوله هو مستثنى من ضمير الفاعل في يزالون. (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) لذلك متعلق بخلقهم والاشارة إلى الاختلاف والرحمة وخلقهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وتمت كلمة ربك فعل وفاعل والمراد بكلمته قضاؤه الأزلي وحكمه المبرم. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لأملأن جهنم جواب قسم مقدر تقديره يمينا لأملأن وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح وجهنم مفعول به ومن الجنة جار ومجرور متعلقان بأملأن، والجنة هي الجن والتاء للمبالغة وأجمعين تأكيد. (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) يجوز أن تنصب كلا نصبا على المصدر وتقديره وكل القصص نقص عليك وجملة نقص عليك في موضع الصفة لقوله وكلا، ويجوز أن ينصب على المفعولية والمضاف اليه محذوف عوض منه التنوين تقديره كل نبأ نقص عليك ومن أنباء صفة لكلا وما اسم موصول في محل نصب بدل من كلا وقيل زائدة، وعلى الوجه الاول تعرب مفعولا وجملة نثبت به فؤادك صلة ومعنى تثبيت القلب زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه. (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) وجاءك فعل ومفعول به وفي هذه متعلقان بجاءك والاشارة إلى السورة أو الأنباء المقتصة فيها والحق فاعل جاءك وما بعده عطف عليه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) للذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة لا يؤمنون صلة واعملوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم ثابتين على مكانتكم وقد سبق القول في المكانة. (إِنَّا عامِلُونَ) ان واسمها وخبرها. (وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) انتظروا فعل أمر والواو فاعل وإنا منتظرون ان واسمها وخبرها والتهديد واضح. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) لله خبر مقدم وغيب السموات مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بيرجع والأمر نائب فاعله وكله تأكيد. (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) الفاء الفصيحة واعبده فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وتوكل عطف على اعبده وعليه متعلقان بتوكل وما حجازية وربك اسمها والباء حرف جر زائد وغافل مجرور لفظا منصوب محلا خبرها وعما متعلقان بغافل ويعملون صلة ما.
يوسف 12:1
اللغة:
(الْقَصَصِ) : على وجهين: أحدهما يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص تقول قصّ الحديث يقصّه قصصا وثانيهما يكون فعلا بمعنى مفعول كالنفض بمعنى المنفوض واشتقاقه من قصّ أثره إذا تبعه لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا.
الإعراب:
(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) الر: تقدم اعرابها والقول فيها وتلك مبتدأ وآيات خبر والكتاب مضاف اليه والمبين صفة للكتاب.
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ان واسمها وجملة أنزلناه خبرها وقرآنا حال من ضمير أنزلناه أي الهاء وقيل انتصب على البدلية من الضمير، وعربيا صفة ولعلكم تعقلون: لعل واسمها وجملة تعقلون خبرها. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر والفاعل مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص وأحسن مفعول به إذا كان القصص مصدرا بمعنى المفعول ومفعول مطلق إذا كان القصص مصدرا غير مراد به المفعول والقصص مضاف اليه والباء للسببية وما مصدرية وهي مع ما في حيزها مجرورة بالباء والجار والمجرور متعلقان بنقص أيضا أي بسبب ايحائنا وإليك متعلقان بأوحينا وهذا مفعول به والقرآن بدل من اسم الاشارة. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) الواو للحال وان مخففة من الثقيلة وكان واسمها ومن قبله حال واللام الفارقة ومن الغافلين خبر كنت. (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً)
يجوز لك أن تعلق إذ الظرفية بفعل مضمر أي اذكر ولك أن تجعله بدل اشتمال من أحسن القصص ويجوز أن يتعلق بنقص ولكن في هذا إخراجا لاذ عن المضي، وجملة قال يوسف مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال ويا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم التي حذفت وعوضت عنها التاء المكسورة أو المفتوحة وسيرد المزيد عنها في باب الفوائد وكسرت همزة إن بعد القول والياء اسم ان وجملة رأيت خبرها وأحد عشر جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به لرأيت وكوكبا تمييز ورأيت من الرؤيا أي المنام وهي تنصب مفعولين. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) الواو حرف عطف والشمس والقمر معطوفان على أحد عشر كوكبا ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وليست تأكيدا لرأيتهم الأولى ولي متعلقان بساجدين وساجدين مفعول به ثان لرأيتهم وأعربها أبو البقاء حالا وقال ان الرؤية عينية وسيأتي تحقيق هذا في باب البلاغة. (قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) يا بني تقدم أعربها في هود ولا ناهية وتقصص فعل مضارع مجزوم بلا ورؤياك مفعول به وعلى إخوتك جار ومجرور متعلقان بتقصص. (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الفاء سببية ويكيدوا منصوب بأن مضمرة لأنه وقع جوابا للنهي والواو فاعل ولك متعلقان بيكيدوا وكيدا يحتمل أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا ويحتمل أن يكون مفعولا به أي يصنعوا لك كيدا وإن الشيطان إن واسمها وللانسان حال وعدو خبر إن ومبين صفة.
(وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي كما اجتباك واختارك لهذه الرؤيا العظيمة يجتبيك لأمور عظام، والكاف مفعول يجتبيك وربك فاعل ويعلمك ليس عطفا على يجتبيك ولكنه كلام مستأنف كأنه قيل وهو يعلمك ويتم نعمته، ومن تأويل جار ومجرور متعلقان بيعلمك والأحاديث مضاف اليه. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) عطف على يعلمك ونعمته مفعول به وعليك جار ومجرور متعلقان بنعمته أو بيتم وعلى آل يعقوب عطف عليه. (كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) كما أنها نعت لمصدر محذوف أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وعلى أبويك متعلقان بأتمها ومن قبل حال وابراهيم بدل من أبويك أو عطف بيان واسحق عطف على ابراهيم وان واسمها وخبراها.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «رأيتهم» تكرار يظنّه الناظر أنه تأكيد لأول وهلة وليس هو بالتأكيد وانما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ويجوز أن تكون للتوكيد باعتبار أن طول الفصل بالمفاعيل استدعى ذلك فجيء برأيتهم تطرية وتنويعا للحديث.
2- في قوله تعالى «ساجدين» أجرى الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر مجرى العقلاء وهو الذي يسميه النحاة تغليبا وهذا الوصف صناعي، أما السر البياني فأمر كامن وراء هذا الوصف ذلك لأنه لما وصف الكواكب والشمس والقمر بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود أجرى عليها حكمهم كأنها عاقلة وهذا كثير شائع في كلامهم وسيأتي الكثير منه في القرآن.
3- براعة التخلص:
وهو فن مشهور ذائع في كلام البلغاء، وهو امتزاج ما يقدمه الكاتب أو للشاعر من البسط بأول ما استهل به كلامه كالبيت الاول من القصيدة والفقرة الاولى من المقالة على أن يختلس ذلك اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام كأنهما أفرغا في قالب واحد، أو يوطىء الكاتب فيه بفصل لفصل يريد أن يأتي به بعده وإما بنكتة تشير إلى معنى الفصل المستقبل كقوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص» فإنه سبحانه وطأ بهذا الفصل إلى ما يأتي بعده من سرد قصة يوسف عليه السلام فتخلص به إلى ذكر القصة تخلصا بارعا فإن النكتة التي أشارت إلى وصف هذه القصة بنهاية الحسن دون سائر قصص الأنبياء المذكورة في القرآن وهي قوله:
«أحسن القصص» فإن المخاطب إذا قرع سمعه هذا الوصف للقصة تنبه إلى تأملها فيجد كل قضية فيها ختمت بخير وكل ضيق انتهى إلى سعة، وكل شدة آلت إلى رخاء وذلك أمر عجيب يستحيل أن يأتي على القصة الحديثة «العقدة» تختم بالخير أو ما يسمّى في عرف القصة الحديثة بالحل:
1- رمي يوسف في الجب واستحكمت عقدته فنجا.
2- بيع بالثمن البخس الذي يشير في مدلوله إلى الضعة والمهانة واستحكمت العقدة ثانية فإذا الذي اشتراه يستصفيه وينزله منه بمنزلة الولد.
3- راودته التي هو في بيتها عن نفسه ووثبت الشهوة، وصرخت اللذة، وكاد العقل يقصف والرشد يغزب واستحكمت العقدة ثالثة فإذا هو يكبح جماح نفسه ويستعصم.
4- ودخل السجن، ورانت عليه ظلمته واقتمت معالمه واستحكمت العقدة رابعة فخرج منه ملكا.
5- وظفر بإخوته بعد أن عرف غدرهم به ومحاولتهم إهلاكه فلم يذهب مع هوى النفس التي تثأر وتنتقم وطأمن من غلوائه.
6- وسره الله بلقاء شقيقه بعد اليأس فأتنس به.
7- فارقه أبوه وحزن من أجله حتى عمي واستحكمت العقدة مرة أخرى ثم اجتمع به وسر بلقائه وارتد الوالد بصيرا.
8- جاء الله به من البدو وأحله بمصر على سرير الملك.
9- غضب هو وأبوه على بقية الأولاد ثم رضيا عنهم.
10- ثم وأخيرا سجد له أبواه واخوته تحقيقا لرؤياه فناسب الختام البدء وكانت براعة التخلص من أجمل ما عرف في الكتابة.
حسن التخلص في الشعر:
على أنه لا يفوتنا أن نورد بعض ما ورد من حسن التخلص في شعرنا العربي ومن المؤسف أن ينتهي غالبا بالمديح ونحن لا نقر هذا المديح ولا نعترف به إلا من حيث انه تقليد بحث أو تسجيل لما جرى على يد الممدوح من نفع عام، قال أبو تمام يمدح أبا دلف وهو بطل عربي اشتهر بجهاده:
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
يجاذب الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
ومن ألطف المخالص قول أبي العلاء المعري:
ولو أن المطيّ لها عقول ... وجدك لم تشد لها عقالا مواصلة لها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها ان
فصالا سألن فقلت مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا
الفوائد:
1- «رأى» من الرؤيا:
اختلف النحاة واللغويون في «رأى» الحلمية، والمحققون على أنها ملحقة برأى العلمية في التعدي لاثنين بجامع ادراك الحس في الباطن كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا» فأرى عملت في ضميرين متصلين لمسمى واحد وأحدهما فاعل والثاني مفعول أول وجملة أعصر حمرا المفعول الثاني وكقول عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام فرآهم في منامه:
أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء مفعول أول ورفقتي بضم الراي وكسرها مفعول ثان والرؤيا هنا حليمة بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا أي انطوى وانقطع، والى هذا أشار في الخلاصة:
ولرأى الرؤيا الم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم إلى أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين من قبل انتمى وذهب بعضهم إلى أن الحلمية لا تنصب مفعولين وان ثاني المنصوبين حال ورد بوقوعه معرفة هنا كما هنا واعترض بأن الرفقة وهم المخالطون والمرافقون فهو بمعنى اسم الفاعل فالاضافة فيه غير محضة.
2- حديث اليهودي وكواكب يوسف:
ونرى من المفيد التنبيه إلى ما يرويه المفسرون من أحاديث عن كواكب يوسف فقد أخرج الحاكم في مستدركه أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني بأسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام فقال: إن أخبرتك بأسمائها أتسلم؟ قال: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: الذيال والوثاب والطارق والفيلق والصبح والقابس والضروح والخرثان والكتفان والعمودان وذو الفرع. قال:
صدقت يا محمد ولم يسلم» والوضع ظاهر على هذا الحديث وفي سنده جماعة متكلم فيهم. وقال ابن الجوزي هو موضوع.
يوسف 12:2
اللغة:
(الْقَصَصِ) : على وجهين: أحدهما يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص تقول قصّ الحديث يقصّه قصصا وثانيهما يكون فعلا بمعنى مفعول كالنفض بمعنى المنفوض واشتقاقه من قصّ أثره إذا تبعه لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا.
الإعراب:
(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) الر: تقدم اعرابها والقول فيها وتلك مبتدأ وآيات خبر والكتاب مضاف اليه والمبين صفة للكتاب.
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ان واسمها وجملة أنزلناه خبرها وقرآنا حال من ضمير أنزلناه أي الهاء وقيل انتصب على البدلية من الضمير، وعربيا صفة ولعلكم تعقلون: لعل واسمها وجملة تعقلون خبرها. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر والفاعل مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص وأحسن مفعول به إذا كان القصص مصدرا بمعنى المفعول ومفعول مطلق إذا كان القصص مصدرا غير مراد به المفعول والقصص مضاف اليه والباء للسببية وما مصدرية وهي مع ما في حيزها مجرورة بالباء والجار والمجرور متعلقان بنقص أيضا أي بسبب ايحائنا وإليك متعلقان بأوحينا وهذا مفعول به والقرآن بدل من اسم الاشارة. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) الواو للحال وان مخففة من الثقيلة وكان واسمها ومن قبله حال واللام الفارقة ومن الغافلين خبر كنت. (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً)
يجوز لك أن تعلق إذ الظرفية بفعل مضمر أي اذكر ولك أن تجعله بدل اشتمال من أحسن القصص ويجوز أن يتعلق بنقص ولكن في هذا إخراجا لاذ عن المضي، وجملة قال يوسف مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال ويا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم التي حذفت وعوضت عنها التاء المكسورة أو المفتوحة وسيرد المزيد عنها في باب الفوائد وكسرت همزة إن بعد القول والياء اسم ان وجملة رأيت خبرها وأحد عشر جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به لرأيت وكوكبا تمييز ورأيت من الرؤيا أي المنام وهي تنصب مفعولين. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) الواو حرف عطف والشمس والقمر معطوفان على أحد عشر كوكبا ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وليست تأكيدا لرأيتهم الأولى ولي متعلقان بساجدين وساجدين مفعول به ثان لرأيتهم وأعربها أبو البقاء حالا وقال ان الرؤية عينية وسيأتي تحقيق هذا في باب البلاغة. (قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) يا بني تقدم أعربها في هود ولا ناهية وتقصص فعل مضارع مجزوم بلا ورؤياك مفعول به وعلى إخوتك جار ومجرور متعلقان بتقصص. (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الفاء سببية ويكيدوا منصوب بأن مضمرة لأنه وقع جوابا للنهي والواو فاعل ولك متعلقان بيكيدوا وكيدا يحتمل أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا ويحتمل أن يكون مفعولا به أي يصنعوا لك كيدا وإن الشيطان إن واسمها وللانسان حال وعدو خبر إن ومبين صفة.
(وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي كما اجتباك واختارك لهذه الرؤيا العظيمة يجتبيك لأمور عظام، والكاف مفعول يجتبيك وربك فاعل ويعلمك ليس عطفا على يجتبيك ولكنه كلام مستأنف كأنه قيل وهو يعلمك ويتم نعمته، ومن تأويل جار ومجرور متعلقان بيعلمك والأحاديث مضاف اليه. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) عطف على يعلمك ونعمته مفعول به وعليك جار ومجرور متعلقان بنعمته أو بيتم وعلى آل يعقوب عطف عليه. (كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) كما أنها نعت لمصدر محذوف أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وعلى أبويك متعلقان بأتمها ومن قبل حال وابراهيم بدل من أبويك أو عطف بيان واسحق عطف على ابراهيم وان واسمها وخبراها.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «رأيتهم» تكرار يظنّه الناظر أنه تأكيد لأول وهلة وليس هو بالتأكيد وانما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ويجوز أن تكون للتوكيد باعتبار أن طول الفصل بالمفاعيل استدعى ذلك فجيء برأيتهم تطرية وتنويعا للحديث.
2- في قوله تعالى «ساجدين» أجرى الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر مجرى العقلاء وهو الذي يسميه النحاة تغليبا وهذا الوصف صناعي، أما السر البياني فأمر كامن وراء هذا الوصف ذلك لأنه لما وصف الكواكب والشمس والقمر بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود أجرى عليها حكمهم كأنها عاقلة وهذا كثير شائع في كلامهم وسيأتي الكثير منه في القرآن.
3- براعة التخلص:
وهو فن مشهور ذائع في كلام البلغاء، وهو امتزاج ما يقدمه الكاتب أو للشاعر من البسط بأول ما استهل به كلامه كالبيت الاول من القصيدة والفقرة الاولى من المقالة على أن يختلس ذلك اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام كأنهما أفرغا في قالب واحد، أو يوطىء الكاتب فيه بفصل لفصل يريد أن يأتي به بعده وإما بنكتة تشير إلى معنى الفصل المستقبل كقوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص» فإنه سبحانه وطأ بهذا الفصل إلى ما يأتي بعده من سرد قصة يوسف عليه السلام فتخلص به إلى ذكر القصة تخلصا بارعا فإن النكتة التي أشارت إلى وصف هذه القصة بنهاية الحسن دون سائر قصص الأنبياء المذكورة في القرآن وهي قوله:
«أحسن القصص» فإن المخاطب إذا قرع سمعه هذا الوصف للقصة تنبه إلى تأملها فيجد كل قضية فيها ختمت بخير وكل ضيق انتهى إلى سعة، وكل شدة آلت إلى رخاء وذلك أمر عجيب يستحيل أن يأتي على القصة الحديثة «العقدة» تختم بالخير أو ما يسمّى في عرف القصة الحديثة بالحل:
1- رمي يوسف في الجب واستحكمت عقدته فنجا.
2- بيع بالثمن البخس الذي يشير في مدلوله إلى الضعة والمهانة واستحكمت العقدة ثانية فإذا الذي اشتراه يستصفيه وينزله منه بمنزلة الولد.
3- راودته التي هو في بيتها عن نفسه ووثبت الشهوة، وصرخت اللذة، وكاد العقل يقصف والرشد يغزب واستحكمت العقدة ثالثة فإذا هو يكبح جماح نفسه ويستعصم.
4- ودخل السجن، ورانت عليه ظلمته واقتمت معالمه واستحكمت العقدة رابعة فخرج منه ملكا.
5- وظفر بإخوته بعد أن عرف غدرهم به ومحاولتهم إهلاكه فلم يذهب مع هوى النفس التي تثأر وتنتقم وطأمن من غلوائه.
6- وسره الله بلقاء شقيقه بعد اليأس فأتنس به.
7- فارقه أبوه وحزن من أجله حتى عمي واستحكمت العقدة مرة أخرى ثم اجتمع به وسر بلقائه وارتد الوالد بصيرا.
8- جاء الله به من البدو وأحله بمصر على سرير الملك.
9- غضب هو وأبوه على بقية الأولاد ثم رضيا عنهم.
10- ثم وأخيرا سجد له أبواه واخوته تحقيقا لرؤياه فناسب الختام البدء وكانت براعة التخلص من أجمل ما عرف في الكتابة.
حسن التخلص في الشعر:
على أنه لا يفوتنا أن نورد بعض ما ورد من حسن التخلص في شعرنا العربي ومن المؤسف أن ينتهي غالبا بالمديح ونحن لا نقر هذا المديح ولا نعترف به إلا من حيث انه تقليد بحث أو تسجيل لما جرى على يد الممدوح من نفع عام، قال أبو تمام يمدح أبا دلف وهو بطل عربي اشتهر بجهاده:
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
يجاذب الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
ومن ألطف المخالص قول أبي العلاء المعري:
ولو أن المطيّ لها عقول ... وجدك لم تشد لها عقالا مواصلة لها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها ان
فصالا سألن فقلت مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا
الفوائد:
1- «رأى» من الرؤيا:
اختلف النحاة واللغويون في «رأى» الحلمية، والمحققون على أنها ملحقة برأى العلمية في التعدي لاثنين بجامع ادراك الحس في الباطن كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا» فأرى عملت في ضميرين متصلين لمسمى واحد وأحدهما فاعل والثاني مفعول أول وجملة أعصر حمرا المفعول الثاني وكقول عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام فرآهم في منامه:
أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء مفعول أول ورفقتي بضم الراي وكسرها مفعول ثان والرؤيا هنا حليمة بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا أي انطوى وانقطع، والى هذا أشار في الخلاصة:
ولرأى الرؤيا الم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم إلى أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين من قبل انتمى وذهب بعضهم إلى أن الحلمية لا تنصب مفعولين وان ثاني المنصوبين حال ورد بوقوعه معرفة هنا كما هنا واعترض بأن الرفقة وهم المخالطون والمرافقون فهو بمعنى اسم الفاعل فالاضافة فيه غير محضة.
2- حديث اليهودي وكواكب يوسف:
ونرى من المفيد التنبيه إلى ما يرويه المفسرون من أحاديث عن كواكب يوسف فقد أخرج الحاكم في مستدركه أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني بأسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام فقال: إن أخبرتك بأسمائها أتسلم؟ قال: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: الذيال والوثاب والطارق والفيلق والصبح والقابس والضروح والخرثان والكتفان والعمودان وذو الفرع. قال:
صدقت يا محمد ولم يسلم» والوضع ظاهر على هذا الحديث وفي سنده جماعة متكلم فيهم. وقال ابن الجوزي هو موضوع.
يوسف 12:3
اللغة:
(الْقَصَصِ) : على وجهين: أحدهما يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص تقول قصّ الحديث يقصّه قصصا وثانيهما يكون فعلا بمعنى مفعول كالنفض بمعنى المنفوض واشتقاقه من قصّ أثره إذا تبعه لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا.
الإعراب:
(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) الر: تقدم اعرابها والقول فيها وتلك مبتدأ وآيات خبر والكتاب مضاف اليه والمبين صفة للكتاب.
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ان واسمها وجملة أنزلناه خبرها وقرآنا حال من ضمير أنزلناه أي الهاء وقيل انتصب على البدلية من الضمير، وعربيا صفة ولعلكم تعقلون: لعل واسمها وجملة تعقلون خبرها. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر والفاعل مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص وأحسن مفعول به إذا كان القصص مصدرا بمعنى المفعول ومفعول مطلق إذا كان القصص مصدرا غير مراد به المفعول والقصص مضاف اليه والباء للسببية وما مصدرية وهي مع ما في حيزها مجرورة بالباء والجار والمجرور متعلقان بنقص أيضا أي بسبب ايحائنا وإليك متعلقان بأوحينا وهذا مفعول به والقرآن بدل من اسم الاشارة. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) الواو للحال وان مخففة من الثقيلة وكان واسمها ومن قبله حال واللام الفارقة ومن الغافلين خبر كنت. (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً)
يجوز لك أن تعلق إذ الظرفية بفعل مضمر أي اذكر ولك أن تجعله بدل اشتمال من أحسن القصص ويجوز أن يتعلق بنقص ولكن في هذا إخراجا لاذ عن المضي، وجملة قال يوسف مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال ويا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم التي حذفت وعوضت عنها التاء المكسورة أو المفتوحة وسيرد المزيد عنها في باب الفوائد وكسرت همزة إن بعد القول والياء اسم ان وجملة رأيت خبرها وأحد عشر جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به لرأيت وكوكبا تمييز ورأيت من الرؤيا أي المنام وهي تنصب مفعولين. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) الواو حرف عطف والشمس والقمر معطوفان على أحد عشر كوكبا ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وليست تأكيدا لرأيتهم الأولى ولي متعلقان بساجدين وساجدين مفعول به ثان لرأيتهم وأعربها أبو البقاء حالا وقال ان الرؤية عينية وسيأتي تحقيق هذا في باب البلاغة. (قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) يا بني تقدم أعربها في هود ولا ناهية وتقصص فعل مضارع مجزوم بلا ورؤياك مفعول به وعلى إخوتك جار ومجرور متعلقان بتقصص. (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الفاء سببية ويكيدوا منصوب بأن مضمرة لأنه وقع جوابا للنهي والواو فاعل ولك متعلقان بيكيدوا وكيدا يحتمل أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا ويحتمل أن يكون مفعولا به أي يصنعوا لك كيدا وإن الشيطان إن واسمها وللانسان حال وعدو خبر إن ومبين صفة.
(وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي كما اجتباك واختارك لهذه الرؤيا العظيمة يجتبيك لأمور عظام، والكاف مفعول يجتبيك وربك فاعل ويعلمك ليس عطفا على يجتبيك ولكنه كلام مستأنف كأنه قيل وهو يعلمك ويتم نعمته، ومن تأويل جار ومجرور متعلقان بيعلمك والأحاديث مضاف اليه. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) عطف على يعلمك ونعمته مفعول به وعليك جار ومجرور متعلقان بنعمته أو بيتم وعلى آل يعقوب عطف عليه. (كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) كما أنها نعت لمصدر محذوف أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وعلى أبويك متعلقان بأتمها ومن قبل حال وابراهيم بدل من أبويك أو عطف بيان واسحق عطف على ابراهيم وان واسمها وخبراها.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «رأيتهم» تكرار يظنّه الناظر أنه تأكيد لأول وهلة وليس هو بالتأكيد وانما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ويجوز أن تكون للتوكيد باعتبار أن طول الفصل بالمفاعيل استدعى ذلك فجيء برأيتهم تطرية وتنويعا للحديث.
2- في قوله تعالى «ساجدين» أجرى الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر مجرى العقلاء وهو الذي يسميه النحاة تغليبا وهذا الوصف صناعي، أما السر البياني فأمر كامن وراء هذا الوصف ذلك لأنه لما وصف الكواكب والشمس والقمر بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود أجرى عليها حكمهم كأنها عاقلة وهذا كثير شائع في كلامهم وسيأتي الكثير منه في القرآن.
3- براعة التخلص:
وهو فن مشهور ذائع في كلام البلغاء، وهو امتزاج ما يقدمه الكاتب أو للشاعر من البسط بأول ما استهل به كلامه كالبيت الاول من القصيدة والفقرة الاولى من المقالة على أن يختلس ذلك اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام كأنهما أفرغا في قالب واحد، أو يوطىء الكاتب فيه بفصل لفصل يريد أن يأتي به بعده وإما بنكتة تشير إلى معنى الفصل المستقبل كقوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص» فإنه سبحانه وطأ بهذا الفصل إلى ما يأتي بعده من سرد قصة يوسف عليه السلام فتخلص به إلى ذكر القصة تخلصا بارعا فإن النكتة التي أشارت إلى وصف هذه القصة بنهاية الحسن دون سائر قصص الأنبياء المذكورة في القرآن وهي قوله:
«أحسن القصص» فإن المخاطب إذا قرع سمعه هذا الوصف للقصة تنبه إلى تأملها فيجد كل قضية فيها ختمت بخير وكل ضيق انتهى إلى سعة، وكل شدة آلت إلى رخاء وذلك أمر عجيب يستحيل أن يأتي على القصة الحديثة «العقدة» تختم بالخير أو ما يسمّى في عرف القصة الحديثة بالحل:
1- رمي يوسف في الجب واستحكمت عقدته فنجا.
2- بيع بالثمن البخس الذي يشير في مدلوله إلى الضعة والمهانة واستحكمت العقدة ثانية فإذا الذي اشتراه يستصفيه وينزله منه بمنزلة الولد.
3- راودته التي هو في بيتها عن نفسه ووثبت الشهوة، وصرخت اللذة، وكاد العقل يقصف والرشد يغزب واستحكمت العقدة ثالثة فإذا هو يكبح جماح نفسه ويستعصم.
4- ودخل السجن، ورانت عليه ظلمته واقتمت معالمه واستحكمت العقدة رابعة فخرج منه ملكا.
5- وظفر بإخوته بعد أن عرف غدرهم به ومحاولتهم إهلاكه فلم يذهب مع هوى النفس التي تثأر وتنتقم وطأمن من غلوائه.
6- وسره الله بلقاء شقيقه بعد اليأس فأتنس به.
7- فارقه أبوه وحزن من أجله حتى عمي واستحكمت العقدة مرة أخرى ثم اجتمع به وسر بلقائه وارتد الوالد بصيرا.
8- جاء الله به من البدو وأحله بمصر على سرير الملك.
9- غضب هو وأبوه على بقية الأولاد ثم رضيا عنهم.
10- ثم وأخيرا سجد له أبواه واخوته تحقيقا لرؤياه فناسب الختام البدء وكانت براعة التخلص من أجمل ما عرف في الكتابة.
حسن التخلص في الشعر:
على أنه لا يفوتنا أن نورد بعض ما ورد من حسن التخلص في شعرنا العربي ومن المؤسف أن ينتهي غالبا بالمديح ونحن لا نقر هذا المديح ولا نعترف به إلا من حيث انه تقليد بحث أو تسجيل لما جرى على يد الممدوح من نفع عام، قال أبو تمام يمدح أبا دلف وهو بطل عربي اشتهر بجهاده:
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
يجاذب الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
ومن ألطف المخالص قول أبي العلاء المعري:
ولو أن المطيّ لها عقول ... وجدك لم تشد لها عقالا مواصلة لها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها ان
فصالا سألن فقلت مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا
الفوائد:
1- «رأى» من الرؤيا:
اختلف النحاة واللغويون في «رأى» الحلمية، والمحققون على أنها ملحقة برأى العلمية في التعدي لاثنين بجامع ادراك الحس في الباطن كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا» فأرى عملت في ضميرين متصلين لمسمى واحد وأحدهما فاعل والثاني مفعول أول وجملة أعصر حمرا المفعول الثاني وكقول عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام فرآهم في منامه:
أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء مفعول أول ورفقتي بضم الراي وكسرها مفعول ثان والرؤيا هنا حليمة بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا أي انطوى وانقطع، والى هذا أشار في الخلاصة:
ولرأى الرؤيا الم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم إلى أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين من قبل انتمى وذهب بعضهم إلى أن الحلمية لا تنصب مفعولين وان ثاني المنصوبين حال ورد بوقوعه معرفة هنا كما هنا واعترض بأن الرفقة وهم المخالطون والمرافقون فهو بمعنى اسم الفاعل فالاضافة فيه غير محضة.
2- حديث اليهودي وكواكب يوسف:
ونرى من المفيد التنبيه إلى ما يرويه المفسرون من أحاديث عن كواكب يوسف فقد أخرج الحاكم في مستدركه أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني بأسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام فقال: إن أخبرتك بأسمائها أتسلم؟ قال: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: الذيال والوثاب والطارق والفيلق والصبح والقابس والضروح والخرثان والكتفان والعمودان وذو الفرع. قال:
صدقت يا محمد ولم يسلم» والوضع ظاهر على هذا الحديث وفي سنده جماعة متكلم فيهم. وقال ابن الجوزي هو موضوع.
يوسف 12:4
اللغة:
(الْقَصَصِ) : على وجهين: أحدهما يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص تقول قصّ الحديث يقصّه قصصا وثانيهما يكون فعلا بمعنى مفعول كالنفض بمعنى المنفوض واشتقاقه من قصّ أثره إذا تبعه لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا.
الإعراب:
(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) الر: تقدم اعرابها والقول فيها وتلك مبتدأ وآيات خبر والكتاب مضاف اليه والمبين صفة للكتاب.
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ان واسمها وجملة أنزلناه خبرها وقرآنا حال من ضمير أنزلناه أي الهاء وقيل انتصب على البدلية من الضمير، وعربيا صفة ولعلكم تعقلون: لعل واسمها وجملة تعقلون خبرها. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر والفاعل مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص وأحسن مفعول به إذا كان القصص مصدرا بمعنى المفعول ومفعول مطلق إذا كان القصص مصدرا غير مراد به المفعول والقصص مضاف اليه والباء للسببية وما مصدرية وهي مع ما في حيزها مجرورة بالباء والجار والمجرور متعلقان بنقص أيضا أي بسبب ايحائنا وإليك متعلقان بأوحينا وهذا مفعول به والقرآن بدل من اسم الاشارة. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) الواو للحال وان مخففة من الثقيلة وكان واسمها ومن قبله حال واللام الفارقة ومن الغافلين خبر كنت. (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً)
يجوز لك أن تعلق إذ الظرفية بفعل مضمر أي اذكر ولك أن تجعله بدل اشتمال من أحسن القصص ويجوز أن يتعلق بنقص ولكن في هذا إخراجا لاذ عن المضي، وجملة قال يوسف مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال ويا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم التي حذفت وعوضت عنها التاء المكسورة أو المفتوحة وسيرد المزيد عنها في باب الفوائد وكسرت همزة إن بعد القول والياء اسم ان وجملة رأيت خبرها وأحد عشر جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به لرأيت وكوكبا تمييز ورأيت من الرؤيا أي المنام وهي تنصب مفعولين. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) الواو حرف عطف والشمس والقمر معطوفان على أحد عشر كوكبا ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وليست تأكيدا لرأيتهم الأولى ولي متعلقان بساجدين وساجدين مفعول به ثان لرأيتهم وأعربها أبو البقاء حالا وقال ان الرؤية عينية وسيأتي تحقيق هذا في باب البلاغة. (قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) يا بني تقدم أعربها في هود ولا ناهية وتقصص فعل مضارع مجزوم بلا ورؤياك مفعول به وعلى إخوتك جار ومجرور متعلقان بتقصص. (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الفاء سببية ويكيدوا منصوب بأن مضمرة لأنه وقع جوابا للنهي والواو فاعل ولك متعلقان بيكيدوا وكيدا يحتمل أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا ويحتمل أن يكون مفعولا به أي يصنعوا لك كيدا وإن الشيطان إن واسمها وللانسان حال وعدو خبر إن ومبين صفة.
(وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي كما اجتباك واختارك لهذه الرؤيا العظيمة يجتبيك لأمور عظام، والكاف مفعول يجتبيك وربك فاعل ويعلمك ليس عطفا على يجتبيك ولكنه كلام مستأنف كأنه قيل وهو يعلمك ويتم نعمته، ومن تأويل جار ومجرور متعلقان بيعلمك والأحاديث مضاف اليه. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) عطف على يعلمك ونعمته مفعول به وعليك جار ومجرور متعلقان بنعمته أو بيتم وعلى آل يعقوب عطف عليه. (كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) كما أنها نعت لمصدر محذوف أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وعلى أبويك متعلقان بأتمها ومن قبل حال وابراهيم بدل من أبويك أو عطف بيان واسحق عطف على ابراهيم وان واسمها وخبراها.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «رأيتهم» تكرار يظنّه الناظر أنه تأكيد لأول وهلة وليس هو بالتأكيد وانما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ويجوز أن تكون للتوكيد باعتبار أن طول الفصل بالمفاعيل استدعى ذلك فجيء برأيتهم تطرية وتنويعا للحديث.
2- في قوله تعالى «ساجدين» أجرى الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر مجرى العقلاء وهو الذي يسميه النحاة تغليبا وهذا الوصف صناعي، أما السر البياني فأمر كامن وراء هذا الوصف ذلك لأنه لما وصف الكواكب والشمس والقمر بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود أجرى عليها حكمهم كأنها عاقلة وهذا كثير شائع في كلامهم وسيأتي الكثير منه في القرآن.
3- براعة التخلص:
وهو فن مشهور ذائع في كلام البلغاء، وهو امتزاج ما يقدمه الكاتب أو للشاعر من البسط بأول ما استهل به كلامه كالبيت الاول من القصيدة والفقرة الاولى من المقالة على أن يختلس ذلك اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام كأنهما أفرغا في قالب واحد، أو يوطىء الكاتب فيه بفصل لفصل يريد أن يأتي به بعده وإما بنكتة تشير إلى معنى الفصل المستقبل كقوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص» فإنه سبحانه وطأ بهذا الفصل إلى ما يأتي بعده من سرد قصة يوسف عليه السلام فتخلص به إلى ذكر القصة تخلصا بارعا فإن النكتة التي أشارت إلى وصف هذه القصة بنهاية الحسن دون سائر قصص الأنبياء المذكورة في القرآن وهي قوله:
«أحسن القصص» فإن المخاطب إذا قرع سمعه هذا الوصف للقصة تنبه إلى تأملها فيجد كل قضية فيها ختمت بخير وكل ضيق انتهى إلى سعة، وكل شدة آلت إلى رخاء وذلك أمر عجيب يستحيل أن يأتي على القصة الحديثة «العقدة» تختم بالخير أو ما يسمّى في عرف القصة الحديثة بالحل:
1- رمي يوسف في الجب واستحكمت عقدته فنجا.
2- بيع بالثمن البخس الذي يشير في مدلوله إلى الضعة والمهانة واستحكمت العقدة ثانية فإذا الذي اشتراه يستصفيه وينزله منه بمنزلة الولد.
3- راودته التي هو في بيتها عن نفسه ووثبت الشهوة، وصرخت اللذة، وكاد العقل يقصف والرشد يغزب واستحكمت العقدة ثالثة فإذا هو يكبح جماح نفسه ويستعصم.
4- ودخل السجن، ورانت عليه ظلمته واقتمت معالمه واستحكمت العقدة رابعة فخرج منه ملكا.
5- وظفر بإخوته بعد أن عرف غدرهم به ومحاولتهم إهلاكه فلم يذهب مع هوى النفس التي تثأر وتنتقم وطأمن من غلوائه.
6- وسره الله بلقاء شقيقه بعد اليأس فأتنس به.
7- فارقه أبوه وحزن من أجله حتى عمي واستحكمت العقدة مرة أخرى ثم اجتمع به وسر بلقائه وارتد الوالد بصيرا.
8- جاء الله به من البدو وأحله بمصر على سرير الملك.
9- غضب هو وأبوه على بقية الأولاد ثم رضيا عنهم.
10- ثم وأخيرا سجد له أبواه واخوته تحقيقا لرؤياه فناسب الختام البدء وكانت براعة التخلص من أجمل ما عرف في الكتابة.
حسن التخلص في الشعر:
على أنه لا يفوتنا أن نورد بعض ما ورد من حسن التخلص في شعرنا العربي ومن المؤسف أن ينتهي غالبا بالمديح ونحن لا نقر هذا المديح ولا نعترف به إلا من حيث انه تقليد بحث أو تسجيل لما جرى على يد الممدوح من نفع عام، قال أبو تمام يمدح أبا دلف وهو بطل عربي اشتهر بجهاده:
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
يجاذب الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
ومن ألطف المخالص قول أبي العلاء المعري:
ولو أن المطيّ لها عقول ... وجدك لم تشد لها عقالا مواصلة لها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها ان
فصالا سألن فقلت مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا
الفوائد:
1- «رأى» من الرؤيا:
اختلف النحاة واللغويون في «رأى» الحلمية، والمحققون على أنها ملحقة برأى العلمية في التعدي لاثنين بجامع ادراك الحس في الباطن كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا» فأرى عملت في ضميرين متصلين لمسمى واحد وأحدهما فاعل والثاني مفعول أول وجملة أعصر حمرا المفعول الثاني وكقول عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام فرآهم في منامه:
أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء مفعول أول ورفقتي بضم الراي وكسرها مفعول ثان والرؤيا هنا حليمة بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا أي انطوى وانقطع، والى هذا أشار في الخلاصة:
ولرأى الرؤيا الم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم إلى أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين من قبل انتمى وذهب بعضهم إلى أن الحلمية لا تنصب مفعولين وان ثاني المنصوبين حال ورد بوقوعه معرفة هنا كما هنا واعترض بأن الرفقة وهم المخالطون والمرافقون فهو بمعنى اسم الفاعل فالاضافة فيه غير محضة.
2- حديث اليهودي وكواكب يوسف:
ونرى من المفيد التنبيه إلى ما يرويه المفسرون من أحاديث عن كواكب يوسف فقد أخرج الحاكم في مستدركه أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني بأسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام فقال: إن أخبرتك بأسمائها أتسلم؟ قال: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: الذيال والوثاب والطارق والفيلق والصبح والقابس والضروح والخرثان والكتفان والعمودان وذو الفرع. قال:
صدقت يا محمد ولم يسلم» والوضع ظاهر على هذا الحديث وفي سنده جماعة متكلم فيهم. وقال ابن الجوزي هو موضوع.
يوسف 12:5
اللغة:
(الْقَصَصِ) : على وجهين: أحدهما يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص تقول قصّ الحديث يقصّه قصصا وثانيهما يكون فعلا بمعنى مفعول كالنفض بمعنى المنفوض واشتقاقه من قصّ أثره إذا تبعه لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا.
الإعراب:
(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) الر: تقدم اعرابها والقول فيها وتلك مبتدأ وآيات خبر والكتاب مضاف اليه والمبين صفة للكتاب.
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ان واسمها وجملة أنزلناه خبرها وقرآنا حال من ضمير أنزلناه أي الهاء وقيل انتصب على البدلية من الضمير، وعربيا صفة ولعلكم تعقلون: لعل واسمها وجملة تعقلون خبرها. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر والفاعل مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص وأحسن مفعول به إذا كان القصص مصدرا بمعنى المفعول ومفعول مطلق إذا كان القصص مصدرا غير مراد به المفعول والقصص مضاف اليه والباء للسببية وما مصدرية وهي مع ما في حيزها مجرورة بالباء والجار والمجرور متعلقان بنقص أيضا أي بسبب ايحائنا وإليك متعلقان بأوحينا وهذا مفعول به والقرآن بدل من اسم الاشارة. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) الواو للحال وان مخففة من الثقيلة وكان واسمها ومن قبله حال واللام الفارقة ومن الغافلين خبر كنت. (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً)
يجوز لك أن تعلق إذ الظرفية بفعل مضمر أي اذكر ولك أن تجعله بدل اشتمال من أحسن القصص ويجوز أن يتعلق بنقص ولكن في هذا إخراجا لاذ عن المضي، وجملة قال يوسف مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال ويا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم التي حذفت وعوضت عنها التاء المكسورة أو المفتوحة وسيرد المزيد عنها في باب الفوائد وكسرت همزة إن بعد القول والياء اسم ان وجملة رأيت خبرها وأحد عشر جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به لرأيت وكوكبا تمييز ورأيت من الرؤيا أي المنام وهي تنصب مفعولين. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) الواو حرف عطف والشمس والقمر معطوفان على أحد عشر كوكبا ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وليست تأكيدا لرأيتهم الأولى ولي متعلقان بساجدين وساجدين مفعول به ثان لرأيتهم وأعربها أبو البقاء حالا وقال ان الرؤية عينية وسيأتي تحقيق هذا في باب البلاغة. (قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) يا بني تقدم أعربها في هود ولا ناهية وتقصص فعل مضارع مجزوم بلا ورؤياك مفعول به وعلى إخوتك جار ومجرور متعلقان بتقصص. (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الفاء سببية ويكيدوا منصوب بأن مضمرة لأنه وقع جوابا للنهي والواو فاعل ولك متعلقان بيكيدوا وكيدا يحتمل أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا ويحتمل أن يكون مفعولا به أي يصنعوا لك كيدا وإن الشيطان إن واسمها وللانسان حال وعدو خبر إن ومبين صفة.
(وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي كما اجتباك واختارك لهذه الرؤيا العظيمة يجتبيك لأمور عظام، والكاف مفعول يجتبيك وربك فاعل ويعلمك ليس عطفا على يجتبيك ولكنه كلام مستأنف كأنه قيل وهو يعلمك ويتم نعمته، ومن تأويل جار ومجرور متعلقان بيعلمك والأحاديث مضاف اليه. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) عطف على يعلمك ونعمته مفعول به وعليك جار ومجرور متعلقان بنعمته أو بيتم وعلى آل يعقوب عطف عليه. (كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) كما أنها نعت لمصدر محذوف أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وعلى أبويك متعلقان بأتمها ومن قبل حال وابراهيم بدل من أبويك أو عطف بيان واسحق عطف على ابراهيم وان واسمها وخبراها.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «رأيتهم» تكرار يظنّه الناظر أنه تأكيد لأول وهلة وليس هو بالتأكيد وانما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ويجوز أن تكون للتوكيد باعتبار أن طول الفصل بالمفاعيل استدعى ذلك فجيء برأيتهم تطرية وتنويعا للحديث.
2- في قوله تعالى «ساجدين» أجرى الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر مجرى العقلاء وهو الذي يسميه النحاة تغليبا وهذا الوصف صناعي، أما السر البياني فأمر كامن وراء هذا الوصف ذلك لأنه لما وصف الكواكب والشمس والقمر بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود أجرى عليها حكمهم كأنها عاقلة وهذا كثير شائع في كلامهم وسيأتي الكثير منه في القرآن.
3- براعة التخلص:
وهو فن مشهور ذائع في كلام البلغاء، وهو امتزاج ما يقدمه الكاتب أو للشاعر من البسط بأول ما استهل به كلامه كالبيت الاول من القصيدة والفقرة الاولى من المقالة على أن يختلس ذلك اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام كأنهما أفرغا في قالب واحد، أو يوطىء الكاتب فيه بفصل لفصل يريد أن يأتي به بعده وإما بنكتة تشير إلى معنى الفصل المستقبل كقوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص» فإنه سبحانه وطأ بهذا الفصل إلى ما يأتي بعده من سرد قصة يوسف عليه السلام فتخلص به إلى ذكر القصة تخلصا بارعا فإن النكتة التي أشارت إلى وصف هذه القصة بنهاية الحسن دون سائر قصص الأنبياء المذكورة في القرآن وهي قوله:
«أحسن القصص» فإن المخاطب إذا قرع سمعه هذا الوصف للقصة تنبه إلى تأملها فيجد كل قضية فيها ختمت بخير وكل ضيق انتهى إلى سعة، وكل شدة آلت إلى رخاء وذلك أمر عجيب يستحيل أن يأتي على القصة الحديثة «العقدة» تختم بالخير أو ما يسمّى في عرف القصة الحديثة بالحل:
1- رمي يوسف في الجب واستحكمت عقدته فنجا.
2- بيع بالثمن البخس الذي يشير في مدلوله إلى الضعة والمهانة واستحكمت العقدة ثانية فإذا الذي اشتراه يستصفيه وينزله منه بمنزلة الولد.
3- راودته التي هو في بيتها عن نفسه ووثبت الشهوة، وصرخت اللذة، وكاد العقل يقصف والرشد يغزب واستحكمت العقدة ثالثة فإذا هو يكبح جماح نفسه ويستعصم.
4- ودخل السجن، ورانت عليه ظلمته واقتمت معالمه واستحكمت العقدة رابعة فخرج منه ملكا.
5- وظفر بإخوته بعد أن عرف غدرهم به ومحاولتهم إهلاكه فلم يذهب مع هوى النفس التي تثأر وتنتقم وطأمن من غلوائه.
6- وسره الله بلقاء شقيقه بعد اليأس فأتنس به.
7- فارقه أبوه وحزن من أجله حتى عمي واستحكمت العقدة مرة أخرى ثم اجتمع به وسر بلقائه وارتد الوالد بصيرا.
8- جاء الله به من البدو وأحله بمصر على سرير الملك.
9- غضب هو وأبوه على بقية الأولاد ثم رضيا عنهم.
10- ثم وأخيرا سجد له أبواه واخوته تحقيقا لرؤياه فناسب الختام البدء وكانت براعة التخلص من أجمل ما عرف في الكتابة.
حسن التخلص في الشعر:
على أنه لا يفوتنا أن نورد بعض ما ورد من حسن التخلص في شعرنا العربي ومن المؤسف أن ينتهي غالبا بالمديح ونحن لا نقر هذا المديح ولا نعترف به إلا من حيث انه تقليد بحث أو تسجيل لما جرى على يد الممدوح من نفع عام، قال أبو تمام يمدح أبا دلف وهو بطل عربي اشتهر بجهاده:
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
يجاذب الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
ومن ألطف المخالص قول أبي العلاء المعري:
ولو أن المطيّ لها عقول ... وجدك لم تشد لها عقالا مواصلة لها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها ان
فصالا سألن فقلت مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا
الفوائد:
1- «رأى» من الرؤيا:
اختلف النحاة واللغويون في «رأى» الحلمية، والمحققون على أنها ملحقة برأى العلمية في التعدي لاثنين بجامع ادراك الحس في الباطن كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا» فأرى عملت في ضميرين متصلين لمسمى واحد وأحدهما فاعل والثاني مفعول أول وجملة أعصر حمرا المفعول الثاني وكقول عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام فرآهم في منامه:
أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء مفعول أول ورفقتي بضم الراي وكسرها مفعول ثان والرؤيا هنا حليمة بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا أي انطوى وانقطع، والى هذا أشار في الخلاصة:
ولرأى الرؤيا الم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم إلى أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين من قبل انتمى وذهب بعضهم إلى أن الحلمية لا تنصب مفعولين وان ثاني المنصوبين حال ورد بوقوعه معرفة هنا كما هنا واعترض بأن الرفقة وهم المخالطون والمرافقون فهو بمعنى اسم الفاعل فالاضافة فيه غير محضة.
2- حديث اليهودي وكواكب يوسف:
ونرى من المفيد التنبيه إلى ما يرويه المفسرون من أحاديث عن كواكب يوسف فقد أخرج الحاكم في مستدركه أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني بأسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام فقال: إن أخبرتك بأسمائها أتسلم؟ قال: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: الذيال والوثاب والطارق والفيلق والصبح والقابس والضروح والخرثان والكتفان والعمودان وذو الفرع. قال:
صدقت يا محمد ولم يسلم» والوضع ظاهر على هذا الحديث وفي سنده جماعة متكلم فيهم. وقال ابن الجوزي هو موضوع.
يوسف 12:6
اللغة:
(الْقَصَصِ) : على وجهين: أحدهما يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص تقول قصّ الحديث يقصّه قصصا وثانيهما يكون فعلا بمعنى مفعول كالنفض بمعنى المنفوض واشتقاقه من قصّ أثره إذا تبعه لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا.
الإعراب:
(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) الر: تقدم اعرابها والقول فيها وتلك مبتدأ وآيات خبر والكتاب مضاف اليه والمبين صفة للكتاب.
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ان واسمها وجملة أنزلناه خبرها وقرآنا حال من ضمير أنزلناه أي الهاء وقيل انتصب على البدلية من الضمير، وعربيا صفة ولعلكم تعقلون: لعل واسمها وجملة تعقلون خبرها. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر والفاعل مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص وأحسن مفعول به إذا كان القصص مصدرا بمعنى المفعول ومفعول مطلق إذا كان القصص مصدرا غير مراد به المفعول والقصص مضاف اليه والباء للسببية وما مصدرية وهي مع ما في حيزها مجرورة بالباء والجار والمجرور متعلقان بنقص أيضا أي بسبب ايحائنا وإليك متعلقان بأوحينا وهذا مفعول به والقرآن بدل من اسم الاشارة. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) الواو للحال وان مخففة من الثقيلة وكان واسمها ومن قبله حال واللام الفارقة ومن الغافلين خبر كنت. (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً)
يجوز لك أن تعلق إذ الظرفية بفعل مضمر أي اذكر ولك أن تجعله بدل اشتمال من أحسن القصص ويجوز أن يتعلق بنقص ولكن في هذا إخراجا لاذ عن المضي، وجملة قال يوسف مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال ويا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم التي حذفت وعوضت عنها التاء المكسورة أو المفتوحة وسيرد المزيد عنها في باب الفوائد وكسرت همزة إن بعد القول والياء اسم ان وجملة رأيت خبرها وأحد عشر جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به لرأيت وكوكبا تمييز ورأيت من الرؤيا أي المنام وهي تنصب مفعولين. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) الواو حرف عطف والشمس والقمر معطوفان على أحد عشر كوكبا ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وليست تأكيدا لرأيتهم الأولى ولي متعلقان بساجدين وساجدين مفعول به ثان لرأيتهم وأعربها أبو البقاء حالا وقال ان الرؤية عينية وسيأتي تحقيق هذا في باب البلاغة. (قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) يا بني تقدم أعربها في هود ولا ناهية وتقصص فعل مضارع مجزوم بلا ورؤياك مفعول به وعلى إخوتك جار ومجرور متعلقان بتقصص. (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الفاء سببية ويكيدوا منصوب بأن مضمرة لأنه وقع جوابا للنهي والواو فاعل ولك متعلقان بيكيدوا وكيدا يحتمل أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا ويحتمل أن يكون مفعولا به أي يصنعوا لك كيدا وإن الشيطان إن واسمها وللانسان حال وعدو خبر إن ومبين صفة.
(وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي كما اجتباك واختارك لهذه الرؤيا العظيمة يجتبيك لأمور عظام، والكاف مفعول يجتبيك وربك فاعل ويعلمك ليس عطفا على يجتبيك ولكنه كلام مستأنف كأنه قيل وهو يعلمك ويتم نعمته، ومن تأويل جار ومجرور متعلقان بيعلمك والأحاديث مضاف اليه. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) عطف على يعلمك ونعمته مفعول به وعليك جار ومجرور متعلقان بنعمته أو بيتم وعلى آل يعقوب عطف عليه. (كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) كما أنها نعت لمصدر محذوف أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وعلى أبويك متعلقان بأتمها ومن قبل حال وابراهيم بدل من أبويك أو عطف بيان واسحق عطف على ابراهيم وان واسمها وخبراها.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «رأيتهم» تكرار يظنّه الناظر أنه تأكيد لأول وهلة وليس هو بالتأكيد وانما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ويجوز أن تكون للتوكيد باعتبار أن طول الفصل بالمفاعيل استدعى ذلك فجيء برأيتهم تطرية وتنويعا للحديث.
2- في قوله تعالى «ساجدين» أجرى الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر مجرى العقلاء وهو الذي يسميه النحاة تغليبا وهذا الوصف صناعي، أما السر البياني فأمر كامن وراء هذا الوصف ذلك لأنه لما وصف الكواكب والشمس والقمر بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود أجرى عليها حكمهم كأنها عاقلة وهذا كثير شائع في كلامهم وسيأتي الكثير منه في القرآن.
3- براعة التخلص:
وهو فن مشهور ذائع في كلام البلغاء، وهو امتزاج ما يقدمه الكاتب أو للشاعر من البسط بأول ما استهل به كلامه كالبيت الاول من القصيدة والفقرة الاولى من المقالة على أن يختلس ذلك اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام كأنهما أفرغا في قالب واحد، أو يوطىء الكاتب فيه بفصل لفصل يريد أن يأتي به بعده وإما بنكتة تشير إلى معنى الفصل المستقبل كقوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص» فإنه سبحانه وطأ بهذا الفصل إلى ما يأتي بعده من سرد قصة يوسف عليه السلام فتخلص به إلى ذكر القصة تخلصا بارعا فإن النكتة التي أشارت إلى وصف هذه القصة بنهاية الحسن دون سائر قصص الأنبياء المذكورة في القرآن وهي قوله:
«أحسن القصص» فإن المخاطب إذا قرع سمعه هذا الوصف للقصة تنبه إلى تأملها فيجد كل قضية فيها ختمت بخير وكل ضيق انتهى إلى سعة، وكل شدة آلت إلى رخاء وذلك أمر عجيب يستحيل أن يأتي على القصة الحديثة «العقدة» تختم بالخير أو ما يسمّى في عرف القصة الحديثة بالحل:
1- رمي يوسف في الجب واستحكمت عقدته فنجا.
2- بيع بالثمن البخس الذي يشير في مدلوله إلى الضعة والمهانة واستحكمت العقدة ثانية فإذا الذي اشتراه يستصفيه وينزله منه بمنزلة الولد.
3- راودته التي هو في بيتها عن نفسه ووثبت الشهوة، وصرخت اللذة، وكاد العقل يقصف والرشد يغزب واستحكمت العقدة ثالثة فإذا هو يكبح جماح نفسه ويستعصم.
4- ودخل السجن، ورانت عليه ظلمته واقتمت معالمه واستحكمت العقدة رابعة فخرج منه ملكا.
5- وظفر بإخوته بعد أن عرف غدرهم به ومحاولتهم إهلاكه فلم يذهب مع هوى النفس التي تثأر وتنتقم وطأمن من غلوائه.
6- وسره الله بلقاء شقيقه بعد اليأس فأتنس به.
7- فارقه أبوه وحزن من أجله حتى عمي واستحكمت العقدة مرة أخرى ثم اجتمع به وسر بلقائه وارتد الوالد بصيرا.
8- جاء الله به من البدو وأحله بمصر على سرير الملك.
9- غضب هو وأبوه على بقية الأولاد ثم رضيا عنهم.
10- ثم وأخيرا سجد له أبواه واخوته تحقيقا لرؤياه فناسب الختام البدء وكانت براعة التخلص من أجمل ما عرف في الكتابة.
حسن التخلص في الشعر:
على أنه لا يفوتنا أن نورد بعض ما ورد من حسن التخلص في شعرنا العربي ومن المؤسف أن ينتهي غالبا بالمديح ونحن لا نقر هذا المديح ولا نعترف به إلا من حيث انه تقليد بحث أو تسجيل لما جرى على يد الممدوح من نفع عام، قال أبو تمام يمدح أبا دلف وهو بطل عربي اشتهر بجهاده:
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
يجاذب الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
ومن ألطف المخالص قول أبي العلاء المعري:
ولو أن المطيّ لها عقول ... وجدك لم تشد لها عقالا مواصلة لها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها ان
فصالا سألن فقلت مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا
الفوائد:
1- «رأى» من الرؤيا:
اختلف النحاة واللغويون في «رأى» الحلمية، والمحققون على أنها ملحقة برأى العلمية في التعدي لاثنين بجامع ادراك الحس في الباطن كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا» فأرى عملت في ضميرين متصلين لمسمى واحد وأحدهما فاعل والثاني مفعول أول وجملة أعصر حمرا المفعول الثاني وكقول عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام فرآهم في منامه:
أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء مفعول أول ورفقتي بضم الراي وكسرها مفعول ثان والرؤيا هنا حليمة بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا أي انطوى وانقطع، والى هذا أشار في الخلاصة:
ولرأى الرؤيا الم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم إلى أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين من قبل انتمى وذهب بعضهم إلى أن الحلمية لا تنصب مفعولين وان ثاني المنصوبين حال ورد بوقوعه معرفة هنا كما هنا واعترض بأن الرفقة وهم المخالطون والمرافقون فهو بمعنى اسم الفاعل فالاضافة فيه غير محضة.
2- حديث اليهودي وكواكب يوسف:
ونرى من المفيد التنبيه إلى ما يرويه المفسرون من أحاديث عن كواكب يوسف فقد أخرج الحاكم في مستدركه أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني بأسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام فقال: إن أخبرتك بأسمائها أتسلم؟ قال: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: الذيال والوثاب والطارق والفيلق والصبح والقابس والضروح والخرثان والكتفان والعمودان وذو الفرع. قال:
صدقت يا محمد ولم يسلم» والوضع ظاهر على هذا الحديث وفي سنده جماعة متكلم فيهم. وقال ابن الجوزي هو موضوع.
يوسف 12:7
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما إلى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد إلى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
1- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات إلى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
2- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
يوسف 12:8
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما إلى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد إلى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
1- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات إلى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
2- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
يوسف 12:9
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما إلى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد إلى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
1- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات إلى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
2- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
يوسف 12:10
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما إلى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد إلى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
1- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات إلى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
2- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
يوسف 12:11
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما إلى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد إلى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
1- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات إلى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
2- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
يوسف 12:12
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما إلى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد إلى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
1- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات إلى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
2- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
يوسف 12:13
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما إلى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد إلى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
1- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات إلى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
2- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
يوسف 12:14
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما إلى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد إلى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
1- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات إلى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
2- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
يوسف 12:15
اللغة:
(أَجْمَعُوا) : يقال أجمعوا الأمر وأجمعوا عليه يتعدى بنفسه وبالباء أي عزموا عليه عزما مصمما.
(سَوَّلَتْ) : أصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه وقال الزمخشري سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء وفي القاموس: سولت له نفسه كذا: زينته له وسهلته له وهوّنته وقيل هو من السول بفتحتين أي استرخاء العصب ونحوه فكأن المسول بذله فيما حرص عليه.
(دَلْوَهُ) : في المختار الدلو التي يستقى بها ودلا الدلو نزعها وبابه عدا وأدلاها أرسلها في البئر وفي القاموس ودلوت الدلو ودليتها أرسلتها في البئر ودلّاها جذبها ليخرجها والدلو مؤنث وقد يذكر.
الإعراب:
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على محذوف يفهم من سياق القصة تقديره فأرسله معهم، ولما حينية أو رابطة وذهبوا فعل وفاعل وبه جار ومجرور متعلقان يذهبوا وأجمعوا عطف على ذهبوا، أو الواو للحال والجملة حالية بتقدير: قد، وان وما في حيزها مفعول أجمعوا أو منصوب بنزع الخافض وفي غيابة الجب متعلقان بيجعلوه وجواب لما محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوه من الأذى. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) اختلف في هذه الواو فقيل عاطفة وان الإيحاء إلى يوسف كان في الجب وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه ولم يكن ايحاء نبوة وقيل زائدة وانها جواب لو أي جملة أوحينا وهو قول جيد لو ساعدت اللغة على زيادة الواو واليه متعلقان بأوحينا، اللام موطئة للقسم وتنبئنهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول به وبأمرهم متعلقان بتنبئنهم وهذا صفة لأمرهم والواو للحال وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر والجملة حالية. (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وأباهم مفعول به وعشاء ظرف زمان متعلق بجاء وجملة يبكون حال من الواو أي وقت العشاء باكين. قيل: وانما جاءوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة. (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) جملة إنا ذهبنا مقول القول وان واسمها وجملة ذهبنا خبر إن وجملة نستبق حال والاستباق يكون بالعدو والترامي والتناضل (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وتركنا يوسف عطف على ذهبنا والظرف متعلق بتركنا فأكله عطف والهاء مفعول به والذئب فاعل. قال ثعلب «والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا هاجت من كل وجه» قال «والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه» .
(وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء حرف جر زائد ومؤمن مجرور لفظا خبر ما محلا ولنا متعلقان بمؤمن ولو الواو عاطفة ولو شرطية وهي في هذا الموضع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية ولا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وكنا كان واسمها وصادقين خبرها. (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وعلى قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم وهذا الظرف معمول لحال محذوفة من دم والتقدير وجاءوا بدم كذب حال كونه كائنا فوق قميصه وقد منع ذلك الزمخشري وسترى في باب الفوائد بحثا مفيدا ممتعا بهذا الصدد. وبدم متعلقان بجاءوا وكذب صفة وسيرد في باب البلاغة معنى وصف الدم بالكذب. (قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) بل حرف إضراب وسولت لكم أنفسكم فعل وفاعل وأمرا مفعول به فصبر جميل خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف وساغ الابتداء بالنكرة لوصفه. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) الواو عاطفة والله مبتدأ والمستعان خبر وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ) الواو استئنافية وجاءت سيارة فعل وفاعل فأرسلوا عطف على جاءت والواو فاعل وواردهم مفعول به وهو رجل يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء لأن الوارد هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم فأدلى عطف ودلوه مفعول به. (قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ) يا حرف نداء وبشرى منادى نكرة مقصودة نادى البشرى حيث كانت كأنه يقول لها تعالي فهذا وقتك وهذا مبتدأ وغلام خبر قيل عبر بالغلام للجمال الذي بهره لما رآه وانما سمي الغلام غلاما لاشتقاقه من الغلمة لأنه بريد الشهوة يقال اغتلم الشراب اشتدت سورته واغتلمت الأمواج اشتدت والغلامة أنثى الغلام وأبو نواس كان يتظرف ويقول عن الفتاة الجميلة غلامية. (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) وأسروه فعل وفاعل ومفعول أي أخفوه والضمير يعود للوارد وأصحابه وقيل لأخوة يوسف الذين عادوا وكانوا يظنون أن يوسف مات فقالوا هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم فاشتراه مالك بن ذعر الخزاعي.
وبضاعة نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) الواو عاطفة وشروه فعل وفاعل ومفعول أي باعوه وبثمن متعلقان بشروه وبخس صفة ودراهم بدل من ثمن ومعدودة صفة ووصفها بامكان عدها كناية عن قلتها لأن الكثيرة يتعذر عدها. (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) كان واسمها وفيه متعلقان بمحذوف حال وقال أبو حيان: «متعلقان بأعني مضمرة أو بمحذوف يدل عليه من الزاهدين أو بالزاهدين لأنه يتسامح في الجار والمجرور والظرف» ومن الزاهدين خبر كانوا. وقال ابن هشام: وقول آخر «وكانوا فيه من الزاهدين» إن في متعلقة بزاهدين المذكور وهذا ممتنع إذا قدرت ال موصولة وهو الظاهر لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول فيجب حينئذ تعلقها بأعني محذوفة أو بزاهدين محذوفا مدلو لا عليه بالمذكور أو بالكون المذكور الذي تعلق به من الزاهدين وأما إن قدرت أل للتعريف فواضح.
البلاغة:
وصف الدم بالكذب مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته والفاعل والمفعول يسميان بالمصدر كما يقال ماء سكب أي مسكوب والفاعل كقوله «إن أصبح ماؤكم غورا» أي غائرا كما سموا المصدر بهما قالوا للعقل المعقول وللجلد المجلود ومنه قوله تعالى «بأيكم المفتون» .
الفوائد:
هل تتقدم الحال على الجار والمجرور:
منع النحاة تقديم الحال على صاحبها إذا كان مجرورا كمررت بهند جالسة فجالسة حال من هند ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول مررت جالسة بهند وهذا تقريبا مذهب الجمهور وعللوا ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين فجعلوا عوضا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن كيسان وابن برهان وغيرهم فأجازوا التقديم مستدلين بقوله تعالى «وجاءوا على قميصه بدم كذب» قالوا في الرد على الزمخشري القائل: إنه ليس بحال لأن حال المجرور لا يتقدم قالوا: فيه ان المعنى لا يساعد على نصبه على الظرف بمعنى لأن العامل فيه إذ ذاك جاءوا وليس الفوق ظرفا بل يستحيل أن يكون ظرفا وبقوله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس» فكافة حال من المجرور وهو الناس وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام وبنحو قول الشاعر:
تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
فطرا بمعنى جميعا حال من الكاف والميم وقد تقدم على صاحبه المجرور بعن ورد الزمخشري والمانعون بقولهم ان هذا البيت ضرورة أو طرا حال من عنكم محذوفة مدلولا عليها بعنكم المذكورة وإن كافة في الآية حال من الكاف في أرسلناك وان التاء للمبالغة لا للتأنيث، هذا ولا يحتمل هذا الباب ما استفاض فيه هؤلاء العلماء من ردود ومناقشات فحسبنا ما تقدم.
يوسف 12:16
اللغة:
(أَجْمَعُوا) : يقال أجمعوا الأمر وأجمعوا عليه يتعدى بنفسه وبالباء أي عزموا عليه عزما مصمما.
(سَوَّلَتْ) : أصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه وقال الزمخشري سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء وفي القاموس: سولت له نفسه كذا: زينته له وسهلته له وهوّنته وقيل هو من السول بفتحتين أي استرخاء العصب ونحوه فكأن المسول بذله فيما حرص عليه.
(دَلْوَهُ) : في المختار الدلو التي يستقى بها ودلا الدلو نزعها وبابه عدا وأدلاها أرسلها في البئر وفي القاموس ودلوت الدلو ودليتها أرسلتها في البئر ودلّاها جذبها ليخرجها والدلو مؤنث وقد يذكر.
الإعراب:
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على محذوف يفهم من سياق القصة تقديره فأرسله معهم، ولما حينية أو رابطة وذهبوا فعل وفاعل وبه جار ومجرور متعلقان يذهبوا وأجمعوا عطف على ذهبوا، أو الواو للحال والجملة حالية بتقدير: قد، وان وما في حيزها مفعول أجمعوا أو منصوب بنزع الخافض وفي غيابة الجب متعلقان بيجعلوه وجواب لما محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوه من الأذى. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) اختلف في هذه الواو فقيل عاطفة وان الإيحاء إلى يوسف كان في الجب وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه ولم يكن ايحاء نبوة وقيل زائدة وانها جواب لو أي جملة أوحينا وهو قول جيد لو ساعدت اللغة على زيادة الواو واليه متعلقان بأوحينا، اللام موطئة للقسم وتنبئنهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول به وبأمرهم متعلقان بتنبئنهم وهذا صفة لأمرهم والواو للحال وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر والجملة حالية. (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وأباهم مفعول به وعشاء ظرف زمان متعلق بجاء وجملة يبكون حال من الواو أي وقت العشاء باكين. قيل: وانما جاءوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة. (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) جملة إنا ذهبنا مقول القول وان واسمها وجملة ذهبنا خبر إن وجملة نستبق حال والاستباق يكون بالعدو والترامي والتناضل (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وتركنا يوسف عطف على ذهبنا والظرف متعلق بتركنا فأكله عطف والهاء مفعول به والذئب فاعل. قال ثعلب «والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا هاجت من كل وجه» قال «والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه» .
(وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء حرف جر زائد ومؤمن مجرور لفظا خبر ما محلا ولنا متعلقان بمؤمن ولو الواو عاطفة ولو شرطية وهي في هذا الموضع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية ولا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وكنا كان واسمها وصادقين خبرها. (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وعلى قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم وهذا الظرف معمول لحال محذوفة من دم والتقدير وجاءوا بدم كذب حال كونه كائنا فوق قميصه وقد منع ذلك الزمخشري وسترى في باب الفوائد بحثا مفيدا ممتعا بهذا الصدد. وبدم متعلقان بجاءوا وكذب صفة وسيرد في باب البلاغة معنى وصف الدم بالكذب. (قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) بل حرف إضراب وسولت لكم أنفسكم فعل وفاعل وأمرا مفعول به فصبر جميل خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف وساغ الابتداء بالنكرة لوصفه. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) الواو عاطفة والله مبتدأ والمستعان خبر وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ) الواو استئنافية وجاءت سيارة فعل وفاعل فأرسلوا عطف على جاءت والواو فاعل وواردهم مفعول به وهو رجل يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء لأن الوارد هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم فأدلى عطف ودلوه مفعول به. (قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ) يا حرف نداء وبشرى منادى نكرة مقصودة نادى البشرى حيث كانت كأنه يقول لها تعالي فهذا وقتك وهذا مبتدأ وغلام خبر قيل عبر بالغلام للجمال الذي بهره لما رآه وانما سمي الغلام غلاما لاشتقاقه من الغلمة لأنه بريد الشهوة يقال اغتلم الشراب اشتدت سورته واغتلمت الأمواج اشتدت والغلامة أنثى الغلام وأبو نواس كان يتظرف ويقول عن الفتاة الجميلة غلامية. (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) وأسروه فعل وفاعل ومفعول أي أخفوه والضمير يعود للوارد وأصحابه وقيل لأخوة يوسف الذين عادوا وكانوا يظنون أن يوسف مات فقالوا هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم فاشتراه مالك بن ذعر الخزاعي.
وبضاعة نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) الواو عاطفة وشروه فعل وفاعل ومفعول أي باعوه وبثمن متعلقان بشروه وبخس صفة ودراهم بدل من ثمن ومعدودة صفة ووصفها بامكان عدها كناية عن قلتها لأن الكثيرة يتعذر عدها. (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) كان واسمها وفيه متعلقان بمحذوف حال وقال أبو حيان: «متعلقان بأعني مضمرة أو بمحذوف يدل عليه من الزاهدين أو بالزاهدين لأنه يتسامح في الجار والمجرور والظرف» ومن الزاهدين خبر كانوا. وقال ابن هشام: وقول آخر «وكانوا فيه من الزاهدين» إن في متعلقة بزاهدين المذكور وهذا ممتنع إذا قدرت ال موصولة وهو الظاهر لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول فيجب حينئذ تعلقها بأعني محذوفة أو بزاهدين محذوفا مدلو لا عليه بالمذكور أو بالكون المذكور الذي تعلق به من الزاهدين وأما إن قدرت أل للتعريف فواضح.
البلاغة:
وصف الدم بالكذب مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته والفاعل والمفعول يسميان بالمصدر كما يقال ماء سكب أي مسكوب والفاعل كقوله «إن أصبح ماؤكم غورا» أي غائرا كما سموا المصدر بهما قالوا للعقل المعقول وللجلد المجلود ومنه قوله تعالى «بأيكم المفتون» .
الفوائد:
هل تتقدم الحال على الجار والمجرور:
منع النحاة تقديم الحال على صاحبها إذا كان مجرورا كمررت بهند جالسة فجالسة حال من هند ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول مررت جالسة بهند وهذا تقريبا مذهب الجمهور وعللوا ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين فجعلوا عوضا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن كيسان وابن برهان وغيرهم فأجازوا التقديم مستدلين بقوله تعالى «وجاءوا على قميصه بدم كذب» قالوا في الرد على الزمخشري القائل: إنه ليس بحال لأن حال المجرور لا يتقدم قالوا: فيه ان المعنى لا يساعد على نصبه على الظرف بمعنى لأن العامل فيه إذ ذاك جاءوا وليس الفوق ظرفا بل يستحيل أن يكون ظرفا وبقوله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس» فكافة حال من المجرور وهو الناس وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام وبنحو قول الشاعر:
تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
فطرا بمعنى جميعا حال من الكاف والميم وقد تقدم على صاحبه المجرور بعن ورد الزمخشري والمانعون بقولهم ان هذا البيت ضرورة أو طرا حال من عنكم محذوفة مدلولا عليها بعنكم المذكورة وإن كافة في الآية حال من الكاف في أرسلناك وان التاء للمبالغة لا للتأنيث، هذا ولا يحتمل هذا الباب ما استفاض فيه هؤلاء العلماء من ردود ومناقشات فحسبنا ما تقدم.
يوسف 12:17
اللغة:
(أَجْمَعُوا) : يقال أجمعوا الأمر وأجمعوا عليه يتعدى بنفسه وبالباء أي عزموا عليه عزما مصمما.
(سَوَّلَتْ) : أصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه وقال الزمخشري سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء وفي القاموس: سولت له نفسه كذا: زينته له وسهلته له وهوّنته وقيل هو من السول بفتحتين أي استرخاء العصب ونحوه فكأن المسول بذله فيما حرص عليه.
(دَلْوَهُ) : في المختار الدلو التي يستقى بها ودلا الدلو نزعها وبابه عدا وأدلاها أرسلها في البئر وفي القاموس ودلوت الدلو ودليتها أرسلتها في البئر ودلّاها جذبها ليخرجها والدلو مؤنث وقد يذكر.
الإعراب:
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على محذوف يفهم من سياق القصة تقديره فأرسله معهم، ولما حينية أو رابطة وذهبوا فعل وفاعل وبه جار ومجرور متعلقان يذهبوا وأجمعوا عطف على ذهبوا، أو الواو للحال والجملة حالية بتقدير: قد، وان وما في حيزها مفعول أجمعوا أو منصوب بنزع الخافض وفي غيابة الجب متعلقان بيجعلوه وجواب لما محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوه من الأذى. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) اختلف في هذه الواو فقيل عاطفة وان الإيحاء إلى يوسف كان في الجب وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه ولم يكن ايحاء نبوة وقيل زائدة وانها جواب لو أي جملة أوحينا وهو قول جيد لو ساعدت اللغة على زيادة الواو واليه متعلقان بأوحينا، اللام موطئة للقسم وتنبئنهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول به وبأمرهم متعلقان بتنبئنهم وهذا صفة لأمرهم والواو للحال وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر والجملة حالية. (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وأباهم مفعول به وعشاء ظرف زمان متعلق بجاء وجملة يبكون حال من الواو أي وقت العشاء باكين. قيل: وانما جاءوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة. (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) جملة إنا ذهبنا مقول القول وان واسمها وجملة ذهبنا خبر إن وجملة نستبق حال والاستباق يكون بالعدو والترامي والتناضل (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وتركنا يوسف عطف على ذهبنا والظرف متعلق بتركنا فأكله عطف والهاء مفعول به والذئب فاعل. قال ثعلب «والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا هاجت من كل وجه» قال «والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه» .
(وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء حرف جر زائد ومؤمن مجرور لفظا خبر ما محلا ولنا متعلقان بمؤمن ولو الواو عاطفة ولو شرطية وهي في هذا الموضع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية ولا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وكنا كان واسمها وصادقين خبرها. (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وعلى قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم وهذا الظرف معمول لحال محذوفة من دم والتقدير وجاءوا بدم كذب حال كونه كائنا فوق قميصه وقد منع ذلك الزمخشري وسترى في باب الفوائد بحثا مفيدا ممتعا بهذا الصدد. وبدم متعلقان بجاءوا وكذب صفة وسيرد في باب البلاغة معنى وصف الدم بالكذب. (قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) بل حرف إضراب وسولت لكم أنفسكم فعل وفاعل وأمرا مفعول به فصبر جميل خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف وساغ الابتداء بالنكرة لوصفه. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) الواو عاطفة والله مبتدأ والمستعان خبر وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ) الواو استئنافية وجاءت سيارة فعل وفاعل فأرسلوا عطف على جاءت والواو فاعل وواردهم مفعول به وهو رجل يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء لأن الوارد هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم فأدلى عطف ودلوه مفعول به. (قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ) يا حرف نداء وبشرى منادى نكرة مقصودة نادى البشرى حيث كانت كأنه يقول لها تعالي فهذا وقتك وهذا مبتدأ وغلام خبر قيل عبر بالغلام للجمال الذي بهره لما رآه وانما سمي الغلام غلاما لاشتقاقه من الغلمة لأنه بريد الشهوة يقال اغتلم الشراب اشتدت سورته واغتلمت الأمواج اشتدت والغلامة أنثى الغلام وأبو نواس كان يتظرف ويقول عن الفتاة الجميلة غلامية. (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) وأسروه فعل وفاعل ومفعول أي أخفوه والضمير يعود للوارد وأصحابه وقيل لأخوة يوسف الذين عادوا وكانوا يظنون أن يوسف مات فقالوا هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم فاشتراه مالك بن ذعر الخزاعي.
وبضاعة نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) الواو عاطفة وشروه فعل وفاعل ومفعول أي باعوه وبثمن متعلقان بشروه وبخس صفة ودراهم بدل من ثمن ومعدودة صفة ووصفها بامكان عدها كناية عن قلتها لأن الكثيرة يتعذر عدها. (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) كان واسمها وفيه متعلقان بمحذوف حال وقال أبو حيان: «متعلقان بأعني مضمرة أو بمحذوف يدل عليه من الزاهدين أو بالزاهدين لأنه يتسامح في الجار والمجرور والظرف» ومن الزاهدين خبر كانوا. وقال ابن هشام: وقول آخر «وكانوا فيه من الزاهدين» إن في متعلقة بزاهدين المذكور وهذا ممتنع إذا قدرت ال موصولة وهو الظاهر لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول فيجب حينئذ تعلقها بأعني محذوفة أو بزاهدين محذوفا مدلو لا عليه بالمذكور أو بالكون المذكور الذي تعلق به من الزاهدين وأما إن قدرت أل للتعريف فواضح.
البلاغة:
وصف الدم بالكذب مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته والفاعل والمفعول يسميان بالمصدر كما يقال ماء سكب أي مسكوب والفاعل كقوله «إن أصبح ماؤكم غورا» أي غائرا كما سموا المصدر بهما قالوا للعقل المعقول وللجلد المجلود ومنه قوله تعالى «بأيكم المفتون» .
الفوائد:
هل تتقدم الحال على الجار والمجرور:
منع النحاة تقديم الحال على صاحبها إذا كان مجرورا كمررت بهند جالسة فجالسة حال من هند ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول مررت جالسة بهند وهذا تقريبا مذهب الجمهور وعللوا ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين فجعلوا عوضا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن كيسان وابن برهان وغيرهم فأجازوا التقديم مستدلين بقوله تعالى «وجاءوا على قميصه بدم كذب» قالوا في الرد على الزمخشري القائل: إنه ليس بحال لأن حال المجرور لا يتقدم قالوا: فيه ان المعنى لا يساعد على نصبه على الظرف بمعنى لأن العامل فيه إذ ذاك جاءوا وليس الفوق ظرفا بل يستحيل أن يكون ظرفا وبقوله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس» فكافة حال من المجرور وهو الناس وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام وبنحو قول الشاعر:
تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
فطرا بمعنى جميعا حال من الكاف والميم وقد تقدم على صاحبه المجرور بعن ورد الزمخشري والمانعون بقولهم ان هذا البيت ضرورة أو طرا حال من عنكم محذوفة مدلولا عليها بعنكم المذكورة وإن كافة في الآية حال من الكاف في أرسلناك وان التاء للمبالغة لا للتأنيث، هذا ولا يحتمل هذا الباب ما استفاض فيه هؤلاء العلماء من ردود ومناقشات فحسبنا ما تقدم.
يوسف 12:18
اللغة:
(أَجْمَعُوا) : يقال أجمعوا الأمر وأجمعوا عليه يتعدى بنفسه وبالباء أي عزموا عليه عزما مصمما.
(سَوَّلَتْ) : أصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه وقال الزمخشري سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء وفي القاموس: سولت له نفسه كذا: زينته له وسهلته له وهوّنته وقيل هو من السول بفتحتين أي استرخاء العصب ونحوه فكأن المسول بذله فيما حرص عليه.
(دَلْوَهُ) : في المختار الدلو التي يستقى بها ودلا الدلو نزعها وبابه عدا وأدلاها أرسلها في البئر وفي القاموس ودلوت الدلو ودليتها أرسلتها في البئر ودلّاها جذبها ليخرجها والدلو مؤنث وقد يذكر.
الإعراب:
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على محذوف يفهم من سياق القصة تقديره فأرسله معهم، ولما حينية أو رابطة وذهبوا فعل وفاعل وبه جار ومجرور متعلقان يذهبوا وأجمعوا عطف على ذهبوا، أو الواو للحال والجملة حالية بتقدير: قد، وان وما في حيزها مفعول أجمعوا أو منصوب بنزع الخافض وفي غيابة الجب متعلقان بيجعلوه وجواب لما محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوه من الأذى. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) اختلف في هذه الواو فقيل عاطفة وان الإيحاء إلى يوسف كان في الجب وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه ولم يكن ايحاء نبوة وقيل زائدة وانها جواب لو أي جملة أوحينا وهو قول جيد لو ساعدت اللغة على زيادة الواو واليه متعلقان بأوحينا، اللام موطئة للقسم وتنبئنهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول به وبأمرهم متعلقان بتنبئنهم وهذا صفة لأمرهم والواو للحال وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر والجملة حالية. (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وأباهم مفعول به وعشاء ظرف زمان متعلق بجاء وجملة يبكون حال من الواو أي وقت العشاء باكين. قيل: وانما جاءوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة. (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) جملة إنا ذهبنا مقول القول وان واسمها وجملة ذهبنا خبر إن وجملة نستبق حال والاستباق يكون بالعدو والترامي والتناضل (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وتركنا يوسف عطف على ذهبنا والظرف متعلق بتركنا فأكله عطف والهاء مفعول به والذئب فاعل. قال ثعلب «والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا هاجت من كل وجه» قال «والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه» .
(وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء حرف جر زائد ومؤمن مجرور لفظا خبر ما محلا ولنا متعلقان بمؤمن ولو الواو عاطفة ولو شرطية وهي في هذا الموضع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية ولا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وكنا كان واسمها وصادقين خبرها. (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وعلى قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم وهذا الظرف معمول لحال محذوفة من دم والتقدير وجاءوا بدم كذب حال كونه كائنا فوق قميصه وقد منع ذلك الزمخشري وسترى في باب الفوائد بحثا مفيدا ممتعا بهذا الصدد. وبدم متعلقان بجاءوا وكذب صفة وسيرد في باب البلاغة معنى وصف الدم بالكذب. (قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) بل حرف إضراب وسولت لكم أنفسكم فعل وفاعل وأمرا مفعول به فصبر جميل خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف وساغ الابتداء بالنكرة لوصفه. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) الواو عاطفة والله مبتدأ والمستعان خبر وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ) الواو استئنافية وجاءت سيارة فعل وفاعل فأرسلوا عطف على جاءت والواو فاعل وواردهم مفعول به وهو رجل يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء لأن الوارد هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم فأدلى عطف ودلوه مفعول به. (قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ) يا حرف نداء وبشرى منادى نكرة مقصودة نادى البشرى حيث كانت كأنه يقول لها تعالي فهذا وقتك وهذا مبتدأ وغلام خبر قيل عبر بالغلام للجمال الذي بهره لما رآه وانما سمي الغلام غلاما لاشتقاقه من الغلمة لأنه بريد الشهوة يقال اغتلم الشراب اشتدت سورته واغتلمت الأمواج اشتدت والغلامة أنثى الغلام وأبو نواس كان يتظرف ويقول عن الفتاة الجميلة غلامية. (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) وأسروه فعل وفاعل ومفعول أي أخفوه والضمير يعود للوارد وأصحابه وقيل لأخوة يوسف الذين عادوا وكانوا يظنون أن يوسف مات فقالوا هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم فاشتراه مالك بن ذعر الخزاعي.
وبضاعة نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) الواو عاطفة وشروه فعل وفاعل ومفعول أي باعوه وبثمن متعلقان بشروه وبخس صفة ودراهم بدل من ثمن ومعدودة صفة ووصفها بامكان عدها كناية عن قلتها لأن الكثيرة يتعذر عدها. (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) كان واسمها وفيه متعلقان بمحذوف حال وقال أبو حيان: «متعلقان بأعني مضمرة أو بمحذوف يدل عليه من الزاهدين أو بالزاهدين لأنه يتسامح في الجار والمجرور والظرف» ومن الزاهدين خبر كانوا. وقال ابن هشام: وقول آخر «وكانوا فيه من الزاهدين» إن في متعلقة بزاهدين المذكور وهذا ممتنع إذا قدرت ال موصولة وهو الظاهر لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول فيجب حينئذ تعلقها بأعني محذوفة أو بزاهدين محذوفا مدلو لا عليه بالمذكور أو بالكون المذكور الذي تعلق به من الزاهدين وأما إن قدرت أل للتعريف فواضح.
البلاغة:
وصف الدم بالكذب مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته والفاعل والمفعول يسميان بالمصدر كما يقال ماء سكب أي مسكوب والفاعل كقوله «إن أصبح ماؤكم غورا» أي غائرا كما سموا المصدر بهما قالوا للعقل المعقول وللجلد المجلود ومنه قوله تعالى «بأيكم المفتون» .
الفوائد:
هل تتقدم الحال على الجار والمجرور:
منع النحاة تقديم الحال على صاحبها إذا كان مجرورا كمررت بهند جالسة فجالسة حال من هند ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول مررت جالسة بهند وهذا تقريبا مذهب الجمهور وعللوا ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين فجعلوا عوضا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن كيسان وابن برهان وغيرهم فأجازوا التقديم مستدلين بقوله تعالى «وجاءوا على قميصه بدم كذب» قالوا في الرد على الزمخشري القائل: إنه ليس بحال لأن حال المجرور لا يتقدم قالوا: فيه ان المعنى لا يساعد على نصبه على الظرف بمعنى لأن العامل فيه إذ ذاك جاءوا وليس الفوق ظرفا بل يستحيل أن يكون ظرفا وبقوله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس» فكافة حال من المجرور وهو الناس وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام وبنحو قول الشاعر:
تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
فطرا بمعنى جميعا حال من الكاف والميم وقد تقدم على صاحبه المجرور بعن ورد الزمخشري والمانعون بقولهم ان هذا البيت ضرورة أو طرا حال من عنكم محذوفة مدلولا عليها بعنكم المذكورة وإن كافة في الآية حال من الكاف في أرسلناك وان التاء للمبالغة لا للتأنيث، هذا ولا يحتمل هذا الباب ما استفاض فيه هؤلاء العلماء من ردود ومناقشات فحسبنا ما تقدم.
يوسف 12:19
اللغة:
(أَجْمَعُوا) : يقال أجمعوا الأمر وأجمعوا عليه يتعدى بنفسه وبالباء أي عزموا عليه عزما مصمما.
(سَوَّلَتْ) : أصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه وقال الزمخشري سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء وفي القاموس: سولت له نفسه كذا: زينته له وسهلته له وهوّنته وقيل هو من السول بفتحتين أي استرخاء العصب ونحوه فكأن المسول بذله فيما حرص عليه.
(دَلْوَهُ) : في المختار الدلو التي يستقى بها ودلا الدلو نزعها وبابه عدا وأدلاها أرسلها في البئر وفي القاموس ودلوت الدلو ودليتها أرسلتها في البئر ودلّاها جذبها ليخرجها والدلو مؤنث وقد يذكر.
الإعراب:
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على محذوف يفهم من سياق القصة تقديره فأرسله معهم، ولما حينية أو رابطة وذهبوا فعل وفاعل وبه جار ومجرور متعلقان يذهبوا وأجمعوا عطف على ذهبوا، أو الواو للحال والجملة حالية بتقدير: قد، وان وما في حيزها مفعول أجمعوا أو منصوب بنزع الخافض وفي غيابة الجب متعلقان بيجعلوه وجواب لما محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوه من الأذى. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) اختلف في هذه الواو فقيل عاطفة وان الإيحاء إلى يوسف كان في الجب وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه ولم يكن ايحاء نبوة وقيل زائدة وانها جواب لو أي جملة أوحينا وهو قول جيد لو ساعدت اللغة على زيادة الواو واليه متعلقان بأوحينا، اللام موطئة للقسم وتنبئنهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول به وبأمرهم متعلقان بتنبئنهم وهذا صفة لأمرهم والواو للحال وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر والجملة حالية. (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وأباهم مفعول به وعشاء ظرف زمان متعلق بجاء وجملة يبكون حال من الواو أي وقت العشاء باكين. قيل: وانما جاءوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة. (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) جملة إنا ذهبنا مقول القول وان واسمها وجملة ذهبنا خبر إن وجملة نستبق حال والاستباق يكون بالعدو والترامي والتناضل (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وتركنا يوسف عطف على ذهبنا والظرف متعلق بتركنا فأكله عطف والهاء مفعول به والذئب فاعل. قال ثعلب «والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا هاجت من كل وجه» قال «والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه» .
(وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء حرف جر زائد ومؤمن مجرور لفظا خبر ما محلا ولنا متعلقان بمؤمن ولو الواو عاطفة ولو شرطية وهي في هذا الموضع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية ولا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وكنا كان واسمها وصادقين خبرها. (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وعلى قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم وهذا الظرف معمول لحال محذوفة من دم والتقدير وجاءوا بدم كذب حال كونه كائنا فوق قميصه وقد منع ذلك الزمخشري وسترى في باب الفوائد بحثا مفيدا ممتعا بهذا الصدد. وبدم متعلقان بجاءوا وكذب صفة وسيرد في باب البلاغة معنى وصف الدم بالكذب. (قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) بل حرف إضراب وسولت لكم أنفسكم فعل وفاعل وأمرا مفعول به فصبر جميل خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف وساغ الابتداء بالنكرة لوصفه. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) الواو عاطفة والله مبتدأ والمستعان خبر وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ) الواو استئنافية وجاءت سيارة فعل وفاعل فأرسلوا عطف على جاءت والواو فاعل وواردهم مفعول به وهو رجل يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء لأن الوارد هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم فأدلى عطف ودلوه مفعول به. (قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ) يا حرف نداء وبشرى منادى نكرة مقصودة نادى البشرى حيث كانت كأنه يقول لها تعالي فهذا وقتك وهذا مبتدأ وغلام خبر قيل عبر بالغلام للجمال الذي بهره لما رآه وانما سمي الغلام غلاما لاشتقاقه من الغلمة لأنه بريد الشهوة يقال اغتلم الشراب اشتدت سورته واغتلمت الأمواج اشتدت والغلامة أنثى الغلام وأبو نواس كان يتظرف ويقول عن الفتاة الجميلة غلامية. (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) وأسروه فعل وفاعل ومفعول أي أخفوه والضمير يعود للوارد وأصحابه وقيل لأخوة يوسف الذين عادوا وكانوا يظنون أن يوسف مات فقالوا هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم فاشتراه مالك بن ذعر الخزاعي.
وبضاعة نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) الواو عاطفة وشروه فعل وفاعل ومفعول أي باعوه وبثمن متعلقان بشروه وبخس صفة ودراهم بدل من ثمن ومعدودة صفة ووصفها بامكان عدها كناية عن قلتها لأن الكثيرة يتعذر عدها. (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) كان واسمها وفيه متعلقان بمحذوف حال وقال أبو حيان: «متعلقان بأعني مضمرة أو بمحذوف يدل عليه من الزاهدين أو بالزاهدين لأنه يتسامح في الجار والمجرور والظرف» ومن الزاهدين خبر كانوا. وقال ابن هشام: وقول آخر «وكانوا فيه من الزاهدين» إن في متعلقة بزاهدين المذكور وهذا ممتنع إذا قدرت ال موصولة وهو الظاهر لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول فيجب حينئذ تعلقها بأعني محذوفة أو بزاهدين محذوفا مدلو لا عليه بالمذكور أو بالكون المذكور الذي تعلق به من الزاهدين وأما إن قدرت أل للتعريف فواضح.
البلاغة:
وصف الدم بالكذب مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته والفاعل والمفعول يسميان بالمصدر كما يقال ماء سكب أي مسكوب والفاعل كقوله «إن أصبح ماؤكم غورا» أي غائرا كما سموا المصدر بهما قالوا للعقل المعقول وللجلد المجلود ومنه قوله تعالى «بأيكم المفتون» .
الفوائد:
هل تتقدم الحال على الجار والمجرور:
منع النحاة تقديم الحال على صاحبها إذا كان مجرورا كمررت بهند جالسة فجالسة حال من هند ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول مررت جالسة بهند وهذا تقريبا مذهب الجمهور وعللوا ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين فجعلوا عوضا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن كيسان وابن برهان وغيرهم فأجازوا التقديم مستدلين بقوله تعالى «وجاءوا على قميصه بدم كذب» قالوا في الرد على الزمخشري القائل: إنه ليس بحال لأن حال المجرور لا يتقدم قالوا: فيه ان المعنى لا يساعد على نصبه على الظرف بمعنى لأن العامل فيه إذ ذاك جاءوا وليس الفوق ظرفا بل يستحيل أن يكون ظرفا وبقوله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس» فكافة حال من المجرور وهو الناس وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام وبنحو قول الشاعر:
تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
فطرا بمعنى جميعا حال من الكاف والميم وقد تقدم على صاحبه المجرور بعن ورد الزمخشري والمانعون بقولهم ان هذا البيت ضرورة أو طرا حال من عنكم محذوفة مدلولا عليها بعنكم المذكورة وإن كافة في الآية حال من الكاف في أرسلناك وان التاء للمبالغة لا للتأنيث، هذا ولا يحتمل هذا الباب ما استفاض فيه هؤلاء العلماء من ردود ومناقشات فحسبنا ما تقدم.
يوسف 12:20
اللغة:
(أَجْمَعُوا) : يقال أجمعوا الأمر وأجمعوا عليه يتعدى بنفسه وبالباء أي عزموا عليه عزما مصمما.
(سَوَّلَتْ) : أصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه وقال الزمخشري سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء وفي القاموس: سولت له نفسه كذا: زينته له وسهلته له وهوّنته وقيل هو من السول بفتحتين أي استرخاء العصب ونحوه فكأن المسول بذله فيما حرص عليه.
(دَلْوَهُ) : في المختار الدلو التي يستقى بها ودلا الدلو نزعها وبابه عدا وأدلاها أرسلها في البئر وفي القاموس ودلوت الدلو ودليتها أرسلتها في البئر ودلّاها جذبها ليخرجها والدلو مؤنث وقد يذكر.
الإعراب:
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على محذوف يفهم من سياق القصة تقديره فأرسله معهم، ولما حينية أو رابطة وذهبوا فعل وفاعل وبه جار ومجرور متعلقان يذهبوا وأجمعوا عطف على ذهبوا، أو الواو للحال والجملة حالية بتقدير: قد، وان وما في حيزها مفعول أجمعوا أو منصوب بنزع الخافض وفي غيابة الجب متعلقان بيجعلوه وجواب لما محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوه من الأذى. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) اختلف في هذه الواو فقيل عاطفة وان الإيحاء إلى يوسف كان في الجب وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه ولم يكن ايحاء نبوة وقيل زائدة وانها جواب لو أي جملة أوحينا وهو قول جيد لو ساعدت اللغة على زيادة الواو واليه متعلقان بأوحينا، اللام موطئة للقسم وتنبئنهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول به وبأمرهم متعلقان بتنبئنهم وهذا صفة لأمرهم والواو للحال وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر والجملة حالية. (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وأباهم مفعول به وعشاء ظرف زمان متعلق بجاء وجملة يبكون حال من الواو أي وقت العشاء باكين. قيل: وانما جاءوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة. (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) جملة إنا ذهبنا مقول القول وان واسمها وجملة ذهبنا خبر إن وجملة نستبق حال والاستباق يكون بالعدو والترامي والتناضل (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وتركنا يوسف عطف على ذهبنا والظرف متعلق بتركنا فأكله عطف والهاء مفعول به والذئب فاعل. قال ثعلب «والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا هاجت من كل وجه» قال «والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه» .
(وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء حرف جر زائد ومؤمن مجرور لفظا خبر ما محلا ولنا متعلقان بمؤمن ولو الواو عاطفة ولو شرطية وهي في هذا الموضع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية ولا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وكنا كان واسمها وصادقين خبرها. (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وعلى قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم وهذا الظرف معمول لحال محذوفة من دم والتقدير وجاءوا بدم كذب حال كونه كائنا فوق قميصه وقد منع ذلك الزمخشري وسترى في باب الفوائد بحثا مفيدا ممتعا بهذا الصدد. وبدم متعلقان بجاءوا وكذب صفة وسيرد في باب البلاغة معنى وصف الدم بالكذب. (قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) بل حرف إضراب وسولت لكم أنفسكم فعل وفاعل وأمرا مفعول به فصبر جميل خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف وساغ الابتداء بالنكرة لوصفه. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) الواو عاطفة والله مبتدأ والمستعان خبر وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ) الواو استئنافية وجاءت سيارة فعل وفاعل فأرسلوا عطف على جاءت والواو فاعل وواردهم مفعول به وهو رجل يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء لأن الوارد هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم فأدلى عطف ودلوه مفعول به. (قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ) يا حرف نداء وبشرى منادى نكرة مقصودة نادى البشرى حيث كانت كأنه يقول لها تعالي فهذا وقتك وهذا مبتدأ وغلام خبر قيل عبر بالغلام للجمال الذي بهره لما رآه وانما سمي الغلام غلاما لاشتقاقه من الغلمة لأنه بريد الشهوة يقال اغتلم الشراب اشتدت سورته واغتلمت الأمواج اشتدت والغلامة أنثى الغلام وأبو نواس كان يتظرف ويقول عن الفتاة الجميلة غلامية. (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) وأسروه فعل وفاعل ومفعول أي أخفوه والضمير يعود للوارد وأصحابه وقيل لأخوة يوسف الذين عادوا وكانوا يظنون أن يوسف مات فقالوا هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم فاشتراه مالك بن ذعر الخزاعي.
وبضاعة نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) الواو عاطفة وشروه فعل وفاعل ومفعول أي باعوه وبثمن متعلقان بشروه وبخس صفة ودراهم بدل من ثمن ومعدودة صفة ووصفها بامكان عدها كناية عن قلتها لأن الكثيرة يتعذر عدها. (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) كان واسمها وفيه متعلقان بمحذوف حال وقال أبو حيان: «متعلقان بأعني مضمرة أو بمحذوف يدل عليه من الزاهدين أو بالزاهدين لأنه يتسامح في الجار والمجرور والظرف» ومن الزاهدين خبر كانوا. وقال ابن هشام: وقول آخر «وكانوا فيه من الزاهدين» إن في متعلقة بزاهدين المذكور وهذا ممتنع إذا قدرت ال موصولة وهو الظاهر لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول فيجب حينئذ تعلقها بأعني محذوفة أو بزاهدين محذوفا مدلو لا عليه بالمذكور أو بالكون المذكور الذي تعلق به من الزاهدين وأما إن قدرت أل للتعريف فواضح.
البلاغة:
وصف الدم بالكذب مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته والفاعل والمفعول يسميان بالمصدر كما يقال ماء سكب أي مسكوب والفاعل كقوله «إن أصبح ماؤكم غورا» أي غائرا كما سموا المصدر بهما قالوا للعقل المعقول وللجلد المجلود ومنه قوله تعالى «بأيكم المفتون» .
الفوائد:
هل تتقدم الحال على الجار والمجرور:
منع النحاة تقديم الحال على صاحبها إذا كان مجرورا كمررت بهند جالسة فجالسة حال من هند ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول مررت جالسة بهند وهذا تقريبا مذهب الجمهور وعللوا ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين فجعلوا عوضا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن كيسان وابن برهان وغيرهم فأجازوا التقديم مستدلين بقوله تعالى «وجاءوا على قميصه بدم كذب» قالوا في الرد على الزمخشري القائل: إنه ليس بحال لأن حال المجرور لا يتقدم قالوا: فيه ان المعنى لا يساعد على نصبه على الظرف بمعنى لأن العامل فيه إذ ذاك جاءوا وليس الفوق ظرفا بل يستحيل أن يكون ظرفا وبقوله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس» فكافة حال من المجرور وهو الناس وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام وبنحو قول الشاعر:
تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
فطرا بمعنى جميعا حال من الكاف والميم وقد تقدم على صاحبه المجرور بعن ورد الزمخشري والمانعون بقولهم ان هذا البيت ضرورة أو طرا حال من عنكم محذوفة مدلولا عليها بعنكم المذكورة وإن كافة في الآية حال من الكاف في أرسلناك وان التاء للمبالغة لا للتأنيث، هذا ولا يحتمل هذا الباب ما استفاض فيه هؤلاء العلماء من ردود ومناقشات فحسبنا ما تقدم.
يوسف 12:21
اللغة:
(مَثْواهُ) : مقامه يقال ثوى بالمكان وأثوى أقام وفلان أكرم مثواي وطال بي الثواء وهو أبو مثواي وهي أم مثواي لمن أنت نازل به قال:
أفي كل يوم أم مثوى تسوسني ... تنفّض أثوابي وتسألني ما اسسي
(أَشُدَّهُ) : في الأشد ثلاثة أقوال أحدها قول سيبويه: انه جمع مفرده شدة نحو نغمة وأنعم، والثاني قول الكسائي: ان مفرده شد بوزن قفل، والثالث انه جمع لا واحد له من لفظه وهو قول أبي عبيدة وهو من الشد وهو الربط على الشيء والعقد عليه. وقال الراغب: وفيه تنبيه على أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوّى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله، وقيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون وثلاث، وثلاث وأربعون وقيل أقصاه ثنتان وستون.
(راوَدَتْهُ) المراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحيل لمواقعته إياها ومنه الرائد لطالب الماء والكلأ وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المدين ومداواة الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم «كما تدين تدان» أي كما تجزي تجرى فإن فعل البادي وان لم يكن جزاء لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمها وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وارادة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل إذا قمتم إلى الصلاة، فإذا قرأت القرآن وهذه قاعدة مطردة مستمرة. ويجوز أن يراد بصيغة المفاعلة مجرد المبالغة، وقيل الصيغة على بابها بمعنى أنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك، ويجوز أن تكون من الرويد وهو الرفق والتجمل وتعديتها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعه عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن شيء لا يريد إخراجه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه.
(هَيْتَ لَكَ) : اسم للفعل وفيه ضمير المخاطب كصه ومه ومسماه أسرع يقال هيت إذا دعاه، قال الشاعر:
أبلغ أمير المؤمنين أخا ... العراق إذا أتيتا
أن العراق وأهله ... سلم عليك فهيت هيتا
يريد أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهو لازم لا يتعدى إلى مفعول كما أن مسماه كذلك وفيه ثلاث لغات هيت بالفتح وهيت بالضم وهيت بالكسر، و «لك» من قولك هيت لك تبيين للمخاطب جيء به بعد استغناء الكلام عنه كما كان كذلك في سقيا لك، ألا ترى أن سقيا غير محتاجة إلى لك لأن معناه سقاك الله سقيا وإنما جيء بلك تأكيدا وزيادة فهي في هيت لك كذلك. وقيل هيت اسم فعل ماض بمعنى تهيأت، وفي القاموس: وهيت لك مثلثة الآخر وقد يكسر أوله أي هلم، وقال العلامة الغنيمي: يحتمل أن يكون الضمير المستتر في تهيأت تقديره هي وقرىء تهيأت بسكون التاء وهذه حكاية لكلامها كما تقول: قال زيد والله ليفعلن، أي قال والله لأفعلن.
(مَعاذَ اللَّهِ) : هذا أحد مصادر عاذ يعوذ عوذا ومعاذا وعوذة وعياذة وعياذا ومعنى أعوذ بالله أعتصم وأمتنع لله من الشيطان الرجيم وينشد للراجز زيد بن عمرو بن نفيل أو لعبد المطلب:
أنفي لك اللهم عان راغم ... مهما تجشّمني فإني جاشم
عذت بما عاذ به ابراهم يريد به ابراهيم عليه السلام ومن العرب من يقول: ابراهام وكذلك قرأ ابن عامر وذلك أن ابراهيم اسم أعجمي فإذا عربته العرب فانها تخالف بين ألفاظه ومنهم من يقول إبراهم بغير ألف قال الشاعر:
نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد إبرهم
وعن الفراء قال: «العرب تقول نعوذ بالله من طئة الذليل أي أعوذ بالله من أن يطأني ذليل» وفي لسان العرب «وطأة الذليل من استعاذته بالله» .
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ) عطف على محذوف أي دخلوا مصر وعرضوه للبيع فاشتراه عزيز مصر الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير. وقال فعل ماض والذي فاعل وجملة اشتراه صلة ومن مصر حال ولامرأته جار ومجرور متعلقان بقال وجملة أكرمي مثواه مقول القول وهي فعل وفاعل ومفعول وقد تقدم شرحها (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) عسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر وان وما في حيزها خبرها وقد تقدم القول فيها وأو حرف عطف ونتخذه فعل مضارع معطوف على ينفعنا والهاء مفعول به أول وولدا مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) وكذلك نعت لمصدر أي مثل ذلك التمكين ومكنا فعل ماض وفاعل وليوسف متعلقان به فإن فعل مكن يتعدى بنفسه وباللام كما هنا وفي الأرض حال. (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) الواو عاطفة واللام للتعليل ونعلمه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والهاء مفعول به والجار والمجرور متعلقان بمحذوف أي ولنعلمه مكناه وقد سبق مثيله في «ولتكملوا العدة» ومن تأويل الأحاديث متعلقان بنعلمه وأعرابها الجلال على زيادة الواو فهي متعلقة بمكنا المذكورة. (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) والله مبتدأ وغالب خبر وعلى أمره جار ومجرور متعلقان بغالب والواو حالية ولكن واسمها وجملة لا يعلمون خبرها. (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) لما حينية أو رابطة وبلغ أشده فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وحكما مفعول به ثان وعلما عطف عليه وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي المحسنين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ) الواو عاطفة وراودته فعل ومفعول به مقدم والتي فاعل وهو مبتدأ وفي بيتها خبر والجملة الاسمية صلة وعن نفسه جار ومجرور متعلقان براودته. (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ) جمل معطوفة وتقدم اعراب هيت لك في باب اللغة واسم المرأة التي راودته زليخاء بفتح الزاي وكسر اللام. ولم يقل: وراودته زليخا أو امرأة العزيز إما لاستهجان التصريح بالاسم في حكم المراودة والاحتيال في طلب المواقعة وإما للإخفاء عن الآخرين لئلا يتهموها وإما لزيادة تقرير ثبوت المسند للمسند اليه فإن كونه في بيتها وتمكنها من مشاهدة جماله حينا فحينا مما يحقق مراودتها أو لزيادة تقرير المقصود لأن امتناعه منها مع كمال قدرتها عليه يدل على نزاهته وطهارة ذيله، وقيل اختار في الآية إذ يجوز الاشتراك في علمها وإرادة الجنس في امرأة العزيز بخلاف الموصول. (قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) معاذ الله نصب على المصدر أي أعوذ بالله معاذا وانه ربي ان واسمها وخبرها، والضمير يجوز أن يعود لطقفير الذي اشتراه ومعناه سيدي ومالكي يريد قطفير، وجملة أحسن مثواي حال ويجوز أن يعود الضمير إلى الشأن والحديث، وربي مبتدأ وجملة أحسن مثواي خبر والجملة خبر إن ويجوز أن تكون الهاء ضمير الله تعالى وقد استبعد بعضهم الأول وقالوا يبعد جدا أن يطلق نبي كريم على مخلوق انه ربه ولو بمعنى السيد لأنه ليس مملوكا في الحقيقة (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إن واسمها وجملة لا يفلح الظالمون خبرها والضمير يعود للشأن هنا.
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وهمت فعل ماض وهي فاعله وبه متعلقان بهمت، وهمّ فعل ماض وهو فاعله وبها متعلقان بهم ولولا حرف امتناع لوجود وأن وما في حيزها مبتدأ محذوف الخبر أي لولا رؤيته برهان ربه ماثل أمامه وجواب لولا محذوف أي لواقعها واختلف في البرهان الذي رآه، وللمفسرين فيه كلام طويل يرجع اليه في المطولات وحسبنا أن ننقل عبارة أبي حيان. قال: «والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله ولا تقول إن جواب لولا متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو العباس المبرد بل نقول إن جواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه كما يقول جمهور البصريين في قول العرب أنت ظالم إن فعلت فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها فكان يوجد الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، وهذا كلام جيد يؤيد ما ذهبنا إليه في الاعراب فتدبره.
هذا ولا خلاف في أن يوسف عليه السلام لم يأت بالفاحشة وإنما الخلاف في وقوع الهم منه فمن المفسرين من ذهب إلى أنه همّ وقصد الفاحشة وأتى ببعض مقدماتها ولقد أفرط صاحب الكشاف في التشنيع على هؤلاء فارجع اليه. ومنهم من نزهه عن الهمّ أيضا وهو الصحيح كما تقدم في عبارة أبي حيان وللامام الرازي في تفسيره الكبير نكتة لا بأس بإيرادها قال: «إن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف عليه السلام والمرأة وزوجها والنسوة والشهود ورب العالمين وإبليس وكلهم قالوا ببراءة يوسف عليه السلام عن الذنب فلم يبق لمسلم توقف في هذا الباب: أما يوسف فلقوله: هي راودتني عن نفسي وقوله رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه، وإما المرأة فلقولها ولقد راودته عن نفسه وأما زوجها فلقوله: انه من كيدكن ان كيدكن عظيم، وأما النسوة فلقولهن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين، وقولهن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء وأما الشهود فلقوله تعالى وشهد شاهد من أهلها إلى آخره وأما شهادة الله تعالى فقوله عز من قائل: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين» وأما إقرار إبليس بذلك فلقوله فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فأقر إبليس بأنه لا يمكن إغواء العباد المخلصين وقد قال تعالى انه من عبادنا المخلصين فقد أقر إبليس أنه لم يغوه وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله بطهارته وان كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا إقرار إبليس لطهارته.
(كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه واللام متعلقة بذلك المحذوف ويصح أن تكون في محل رفع والتقدير الأمر مثل ذلك والنصب أجود وقد تقدمت نظائر لذلك والسوء مفعول به والفحشاء عطف على السوء.
(إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ان واسمها ومن عبادنا خبر والمخلصين صفة لعبادنا.
البلاغة:
من مرجحات كون الاسم المسند إليه اسما موصولا تقرير الغرض المسوق له الكلام وذلك في قوله تعالى: «وراودته التي هي في بيتها عن نفسه» فإن الغرض المسوق له الكلام هو براءة يوسف عليه السلام فلو قيل راودته امرأة العزيز أو زليخا لم يفد ما أفاده الموصول باعتبار صلته فهو أدل على الغرض المسوق له وهو النزاهة لأنه إذا كان في بيتها وتمكن من نيل المراد منها أي مرادها لا مراده ومع ذلك عف عنها ولم يفعل كان ذلك غاية في النزاهة عن الفحشاء فكان في الموصول زيادة تقرير للغرض الذي هو النزاهة.
قول آخر:
وقيل: معناه زيادة تقرير المسند أي المراودة لما فيه من فرط الاختلاط والإلفة فلو قال زليخا أو امرأة العزيز لم يفد ما أفاده الموصول من ذكر السبب الذي هو قرينه في تقرير المراودة باعتبار كونه في بيتها.
قول آخر:
وقيل: هو تقرير للمسند اليه لإمكان وقوع الإبهام والاشتراك في امرأة العزيز أو زليخا ولو ذكر إحداهما ولا يتأتى ذلك في التي هو في بيتها لأنها واحدة معنية مشخصة.
يوسف 12:22
اللغة:
(مَثْواهُ) : مقامه يقال ثوى بالمكان وأثوى أقام وفلان أكرم مثواي وطال بي الثواء وهو أبو مثواي وهي أم مثواي لمن أنت نازل به قال:
أفي كل يوم أم مثوى تسوسني ... تنفّض أثوابي وتسألني ما اسسي
(أَشُدَّهُ) : في الأشد ثلاثة أقوال أحدها قول سيبويه: انه جمع مفرده شدة نحو نغمة وأنعم، والثاني قول الكسائي: ان مفرده شد بوزن قفل، والثالث انه جمع لا واحد له من لفظه وهو قول أبي عبيدة وهو من الشد وهو الربط على الشيء والعقد عليه. وقال الراغب: وفيه تنبيه على أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوّى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله، وقيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون وثلاث، وثلاث وأربعون وقيل أقصاه ثنتان وستون.
(راوَدَتْهُ) المراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحيل لمواقعته إياها ومنه الرائد لطالب الماء والكلأ وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المدين ومداواة الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم «كما تدين تدان» أي كما تجزي تجرى فإن فعل البادي وان لم يكن جزاء لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمها وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وارادة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل إذا قمتم إلى الصلاة، فإذا قرأت القرآن وهذه قاعدة مطردة مستمرة. ويجوز أن يراد بصيغة المفاعلة مجرد المبالغة، وقيل الصيغة على بابها بمعنى أنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك، ويجوز أن تكون من الرويد وهو الرفق والتجمل وتعديتها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعه عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن شيء لا يريد إخراجه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه.
(هَيْتَ لَكَ) : اسم للفعل وفيه ضمير المخاطب كصه ومه ومسماه أسرع يقال هيت إذا دعاه، قال الشاعر:
أبلغ أمير المؤمنين أخا ... العراق إذا أتيتا
أن العراق وأهله ... سلم عليك فهيت هيتا
يريد أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهو لازم لا يتعدى إلى مفعول كما أن مسماه كذلك وفيه ثلاث لغات هيت بالفتح وهيت بالضم وهيت بالكسر، و «لك» من قولك هيت لك تبيين للمخاطب جيء به بعد استغناء الكلام عنه كما كان كذلك في سقيا لك، ألا ترى أن سقيا غير محتاجة إلى لك لأن معناه سقاك الله سقيا وإنما جيء بلك تأكيدا وزيادة فهي في هيت لك كذلك. وقيل هيت اسم فعل ماض بمعنى تهيأت، وفي القاموس: وهيت لك مثلثة الآخر وقد يكسر أوله أي هلم، وقال العلامة الغنيمي: يحتمل أن يكون الضمير المستتر في تهيأت تقديره هي وقرىء تهيأت بسكون التاء وهذه حكاية لكلامها كما تقول: قال زيد والله ليفعلن، أي قال والله لأفعلن.
(مَعاذَ اللَّهِ) : هذا أحد مصادر عاذ يعوذ عوذا ومعاذا وعوذة وعياذة وعياذا ومعنى أعوذ بالله أعتصم وأمتنع لله من الشيطان الرجيم وينشد للراجز زيد بن عمرو بن نفيل أو لعبد المطلب:
أنفي لك اللهم عان راغم ... مهما تجشّمني فإني جاشم
عذت بما عاذ به ابراهم يريد به ابراهيم عليه السلام ومن العرب من يقول: ابراهام وكذلك قرأ ابن عامر وذلك أن ابراهيم اسم أعجمي فإذا عربته العرب فانها تخالف بين ألفاظه ومنهم من يقول إبراهم بغير ألف قال الشاعر:
نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد إبرهم
وعن الفراء قال: «العرب تقول نعوذ بالله من طئة الذليل أي أعوذ بالله من أن يطأني ذليل» وفي لسان العرب «وطأة الذليل من استعاذته بالله» .
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ) عطف على محذوف أي دخلوا مصر وعرضوه للبيع فاشتراه عزيز مصر الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير. وقال فعل ماض والذي فاعل وجملة اشتراه صلة ومن مصر حال ولامرأته جار ومجرور متعلقان بقال وجملة أكرمي مثواه مقول القول وهي فعل وفاعل ومفعول وقد تقدم شرحها (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) عسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر وان وما في حيزها خبرها وقد تقدم القول فيها وأو حرف عطف ونتخذه فعل مضارع معطوف على ينفعنا والهاء مفعول به أول وولدا مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) وكذلك نعت لمصدر أي مثل ذلك التمكين ومكنا فعل ماض وفاعل وليوسف متعلقان به فإن فعل مكن يتعدى بنفسه وباللام كما هنا وفي الأرض حال. (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) الواو عاطفة واللام للتعليل ونعلمه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والهاء مفعول به والجار والمجرور متعلقان بمحذوف أي ولنعلمه مكناه وقد سبق مثيله في «ولتكملوا العدة» ومن تأويل الأحاديث متعلقان بنعلمه وأعرابها الجلال على زيادة الواو فهي متعلقة بمكنا المذكورة. (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) والله مبتدأ وغالب خبر وعلى أمره جار ومجرور متعلقان بغالب والواو حالية ولكن واسمها وجملة لا يعلمون خبرها. (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) لما حينية أو رابطة وبلغ أشده فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وحكما مفعول به ثان وعلما عطف عليه وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي المحسنين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ) الواو عاطفة وراودته فعل ومفعول به مقدم والتي فاعل وهو مبتدأ وفي بيتها خبر والجملة الاسمية صلة وعن نفسه جار ومجرور متعلقان براودته. (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ) جمل معطوفة وتقدم اعراب هيت لك في باب اللغة واسم المرأة التي راودته زليخاء بفتح الزاي وكسر اللام. ولم يقل: وراودته زليخا أو امرأة العزيز إما لاستهجان التصريح بالاسم في حكم المراودة والاحتيال في طلب المواقعة وإما للإخفاء عن الآخرين لئلا يتهموها وإما لزيادة تقرير ثبوت المسند للمسند اليه فإن كونه في بيتها وتمكنها من مشاهدة جماله حينا فحينا مما يحقق مراودتها أو لزيادة تقرير المقصود لأن امتناعه منها مع كمال قدرتها عليه يدل على نزاهته وطهارة ذيله، وقيل اختار في الآية إذ يجوز الاشتراك في علمها وإرادة الجنس في امرأة العزيز بخلاف الموصول. (قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) معاذ الله نصب على المصدر أي أعوذ بالله معاذا وانه ربي ان واسمها وخبرها، والضمير يجوز أن يعود لطقفير الذي اشتراه ومعناه سيدي ومالكي يريد قطفير، وجملة أحسن مثواي حال ويجوز أن يعود الضمير إلى الشأن والحديث، وربي مبتدأ وجملة أحسن مثواي خبر والجملة خبر إن ويجوز أن تكون الهاء ضمير الله تعالى وقد استبعد بعضهم الأول وقالوا يبعد جدا أن يطلق نبي كريم على مخلوق انه ربه ولو بمعنى السيد لأنه ليس مملوكا في الحقيقة (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إن واسمها وجملة لا يفلح الظالمون خبرها والضمير يعود للشأن هنا.
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وهمت فعل ماض وهي فاعله وبه متعلقان بهمت، وهمّ فعل ماض وهو فاعله وبها متعلقان بهم ولولا حرف امتناع لوجود وأن وما في حيزها مبتدأ محذوف الخبر أي لولا رؤيته برهان ربه ماثل أمامه وجواب لولا محذوف أي لواقعها واختلف في البرهان الذي رآه، وللمفسرين فيه كلام طويل يرجع اليه في المطولات وحسبنا أن ننقل عبارة أبي حيان. قال: «والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله ولا تقول إن جواب لولا متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو العباس المبرد بل نقول إن جواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه كما يقول جمهور البصريين في قول العرب أنت ظالم إن فعلت فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها فكان يوجد الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، وهذا كلام جيد يؤيد ما ذهبنا إليه في الاعراب فتدبره.
هذا ولا خلاف في أن يوسف عليه السلام لم يأت بالفاحشة وإنما الخلاف في وقوع الهم منه فمن المفسرين من ذهب إلى أنه همّ وقصد الفاحشة وأتى ببعض مقدماتها ولقد أفرط صاحب الكشاف في التشنيع على هؤلاء فارجع اليه. ومنهم من نزهه عن الهمّ أيضا وهو الصحيح كما تقدم في عبارة أبي حيان وللامام الرازي في تفسيره الكبير نكتة لا بأس بإيرادها قال: «إن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف عليه السلام والمرأة وزوجها والنسوة والشهود ورب العالمين وإبليس وكلهم قالوا ببراءة يوسف عليه السلام عن الذنب فلم يبق لمسلم توقف في هذا الباب: أما يوسف فلقوله: هي راودتني عن نفسي وقوله رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه، وإما المرأة فلقولها ولقد راودته عن نفسه وأما زوجها فلقوله: انه من كيدكن ان كيدكن عظيم، وأما النسوة فلقولهن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين، وقولهن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء وأما الشهود فلقوله تعالى وشهد شاهد من أهلها إلى آخره وأما شهادة الله تعالى فقوله عز من قائل: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين» وأما إقرار إبليس بذلك فلقوله فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فأقر إبليس بأنه لا يمكن إغواء العباد المخلصين وقد قال تعالى انه من عبادنا المخلصين فقد أقر إبليس أنه لم يغوه وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله بطهارته وان كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا إقرار إبليس لطهارته.
(كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه واللام متعلقة بذلك المحذوف ويصح أن تكون في محل رفع والتقدير الأمر مثل ذلك والنصب أجود وقد تقدمت نظائر لذلك والسوء مفعول به والفحشاء عطف على السوء.
(إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ان واسمها ومن عبادنا خبر والمخلصين صفة لعبادنا.
البلاغة:
من مرجحات كون الاسم المسند إليه اسما موصولا تقرير الغرض المسوق له الكلام وذلك في قوله تعالى: «وراودته التي هي في بيتها عن نفسه» فإن الغرض المسوق له الكلام هو براءة يوسف عليه السلام فلو قيل راودته امرأة العزيز أو زليخا لم يفد ما أفاده الموصول باعتبار صلته فهو أدل على الغرض المسوق له وهو النزاهة لأنه إذا كان في بيتها وتمكن من نيل المراد منها أي مرادها لا مراده ومع ذلك عف عنها ولم يفعل كان ذلك غاية في النزاهة عن الفحشاء فكان في الموصول زيادة تقرير للغرض الذي هو النزاهة.
قول آخر:
وقيل: معناه زيادة تقرير المسند أي المراودة لما فيه من فرط الاختلاط والإلفة فلو قال زليخا أو امرأة العزيز لم يفد ما أفاده الموصول من ذكر السبب الذي هو قرينه في تقرير المراودة باعتبار كونه في بيتها.
قول آخر:
وقيل: هو تقرير للمسند اليه لإمكان وقوع الإبهام والاشتراك في امرأة العزيز أو زليخا ولو ذكر إحداهما ولا يتأتى ذلك في التي هو في بيتها لأنها واحدة معنية مشخصة.
يوسف 12:23
اللغة:
(مَثْواهُ) : مقامه يقال ثوى بالمكان وأثوى أقام وفلان أكرم مثواي وطال بي الثواء وهو أبو مثواي وهي أم مثواي لمن أنت نازل به قال:
أفي كل يوم أم مثوى تسوسني ... تنفّض أثوابي وتسألني ما اسسي
(أَشُدَّهُ) : في الأشد ثلاثة أقوال أحدها قول سيبويه: انه جمع مفرده شدة نحو نغمة وأنعم، والثاني قول الكسائي: ان مفرده شد بوزن قفل، والثالث انه جمع لا واحد له من لفظه وهو قول أبي عبيدة وهو من الشد وهو الربط على الشيء والعقد عليه. وقال الراغب: وفيه تنبيه على أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوّى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله، وقيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون وثلاث، وثلاث وأربعون وقيل أقصاه ثنتان وستون.
(راوَدَتْهُ) المراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحيل لمواقعته إياها ومنه الرائد لطالب الماء والكلأ وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المدين ومداواة الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم «كما تدين تدان» أي كما تجزي تجرى فإن فعل البادي وان لم يكن جزاء لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمها وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وارادة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل إذا قمتم إلى الصلاة، فإذا قرأت القرآن وهذه قاعدة مطردة مستمرة. ويجوز أن يراد بصيغة المفاعلة مجرد المبالغة، وقيل الصيغة على بابها بمعنى أنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك، ويجوز أن تكون من الرويد وهو الرفق والتجمل وتعديتها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعه عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن شيء لا يريد إخراجه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه.
(هَيْتَ لَكَ) : اسم للفعل وفيه ضمير المخاطب كصه ومه ومسماه أسرع يقال هيت إذا دعاه، قال الشاعر:
أبلغ أمير المؤمنين أخا ... العراق إذا أتيتا
أن العراق وأهله ... سلم عليك فهيت هيتا
يريد أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهو لازم لا يتعدى إلى مفعول كما أن مسماه كذلك وفيه ثلاث لغات هيت بالفتح وهيت بالضم وهيت بالكسر، و «لك» من قولك هيت لك تبيين للمخاطب جيء به بعد استغناء الكلام عنه كما كان كذلك في سقيا لك، ألا ترى أن سقيا غير محتاجة إلى لك لأن معناه سقاك الله سقيا وإنما جيء بلك تأكيدا وزيادة فهي في هيت لك كذلك. وقيل هيت اسم فعل ماض بمعنى تهيأت، وفي القاموس: وهيت لك مثلثة الآخر وقد يكسر أوله أي هلم، وقال العلامة الغنيمي: يحتمل أن يكون الضمير المستتر في تهيأت تقديره هي وقرىء تهيأت بسكون التاء وهذه حكاية لكلامها كما تقول: قال زيد والله ليفعلن، أي قال والله لأفعلن.
(مَعاذَ اللَّهِ) : هذا أحد مصادر عاذ يعوذ عوذا ومعاذا وعوذة وعياذة وعياذا ومعنى أعوذ بالله أعتصم وأمتنع لله من الشيطان الرجيم وينشد للراجز زيد بن عمرو بن نفيل أو لعبد المطلب:
أنفي لك اللهم عان راغم ... مهما تجشّمني فإني جاشم
عذت بما عاذ به ابراهم يريد به ابراهيم عليه السلام ومن العرب من يقول: ابراهام وكذلك قرأ ابن عامر وذلك أن ابراهيم اسم أعجمي فإذا عربته العرب فانها تخالف بين ألفاظه ومنهم من يقول إبراهم بغير ألف قال الشاعر:
نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد إبرهم
وعن الفراء قال: «العرب تقول نعوذ بالله من طئة الذليل أي أعوذ بالله من أن يطأني ذليل» وفي لسان العرب «وطأة الذليل من استعاذته بالله» .
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ) عطف على محذوف أي دخلوا مصر وعرضوه للبيع فاشتراه عزيز مصر الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير. وقال فعل ماض والذي فاعل وجملة اشتراه صلة ومن مصر حال ولامرأته جار ومجرور متعلقان بقال وجملة أكرمي مثواه مقول القول وهي فعل وفاعل ومفعول وقد تقدم شرحها (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) عسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر وان وما في حيزها خبرها وقد تقدم القول فيها وأو حرف عطف ونتخذه فعل مضارع معطوف على ينفعنا والهاء مفعول به أول وولدا مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) وكذلك نعت لمصدر أي مثل ذلك التمكين ومكنا فعل ماض وفاعل وليوسف متعلقان به فإن فعل مكن يتعدى بنفسه وباللام كما هنا وفي الأرض حال. (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) الواو عاطفة واللام للتعليل ونعلمه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والهاء مفعول به والجار والمجرور متعلقان بمحذوف أي ولنعلمه مكناه وقد سبق مثيله في «ولتكملوا العدة» ومن تأويل الأحاديث متعلقان بنعلمه وأعرابها الجلال على زيادة الواو فهي متعلقة بمكنا المذكورة. (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) والله مبتدأ وغالب خبر وعلى أمره جار ومجرور متعلقان بغالب والواو حالية ولكن واسمها وجملة لا يعلمون خبرها. (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) لما حينية أو رابطة وبلغ أشده فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وحكما مفعول به ثان وعلما عطف عليه وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي المحسنين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ) الواو عاطفة وراودته فعل ومفعول به مقدم والتي فاعل وهو مبتدأ وفي بيتها خبر والجملة الاسمية صلة وعن نفسه جار ومجرور متعلقان براودته. (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ) جمل معطوفة وتقدم اعراب هيت لك في باب اللغة واسم المرأة التي راودته زليخاء بفتح الزاي وكسر اللام. ولم يقل: وراودته زليخا أو امرأة العزيز إما لاستهجان التصريح بالاسم في حكم المراودة والاحتيال في طلب المواقعة وإما للإخفاء عن الآخرين لئلا يتهموها وإما لزيادة تقرير ثبوت المسند للمسند اليه فإن كونه في بيتها وتمكنها من مشاهدة جماله حينا فحينا مما يحقق مراودتها أو لزيادة تقرير المقصود لأن امتناعه منها مع كمال قدرتها عليه يدل على نزاهته وطهارة ذيله، وقيل اختار في الآية إذ يجوز الاشتراك في علمها وإرادة الجنس في امرأة العزيز بخلاف الموصول. (قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) معاذ الله نصب على المصدر أي أعوذ بالله معاذا وانه ربي ان واسمها وخبرها، والضمير يجوز أن يعود لطقفير الذي اشتراه ومعناه سيدي ومالكي يريد قطفير، وجملة أحسن مثواي حال ويجوز أن يعود الضمير إلى الشأن والحديث، وربي مبتدأ وجملة أحسن مثواي خبر والجملة خبر إن ويجوز أن تكون الهاء ضمير الله تعالى وقد استبعد بعضهم الأول وقالوا يبعد جدا أن يطلق نبي كريم على مخلوق انه ربه ولو بمعنى السيد لأنه ليس مملوكا في الحقيقة (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إن واسمها وجملة لا يفلح الظالمون خبرها والضمير يعود للشأن هنا.
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وهمت فعل ماض وهي فاعله وبه متعلقان بهمت، وهمّ فعل ماض وهو فاعله وبها متعلقان بهم ولولا حرف امتناع لوجود وأن وما في حيزها مبتدأ محذوف الخبر أي لولا رؤيته برهان ربه ماثل أمامه وجواب لولا محذوف أي لواقعها واختلف في البرهان الذي رآه، وللمفسرين فيه كلام طويل يرجع اليه في المطولات وحسبنا أن ننقل عبارة أبي حيان. قال: «والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله ولا تقول إن جواب لولا متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو العباس المبرد بل نقول إن جواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه كما يقول جمهور البصريين في قول العرب أنت ظالم إن فعلت فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها فكان يوجد الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، وهذا كلام جيد يؤيد ما ذهبنا إليه في الاعراب فتدبره.
هذا ولا خلاف في أن يوسف عليه السلام لم يأت بالفاحشة وإنما الخلاف في وقوع الهم منه فمن المفسرين من ذهب إلى أنه همّ وقصد الفاحشة وأتى ببعض مقدماتها ولقد أفرط صاحب الكشاف في التشنيع على هؤلاء فارجع اليه. ومنهم من نزهه عن الهمّ أيضا وهو الصحيح كما تقدم في عبارة أبي حيان وللامام الرازي في تفسيره الكبير نكتة لا بأس بإيرادها قال: «إن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف عليه السلام والمرأة وزوجها والنسوة والشهود ورب العالمين وإبليس وكلهم قالوا ببراءة يوسف عليه السلام عن الذنب فلم يبق لمسلم توقف في هذا الباب: أما يوسف فلقوله: هي راودتني عن نفسي وقوله رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه، وإما المرأة فلقولها ولقد راودته عن نفسه وأما زوجها فلقوله: انه من كيدكن ان كيدكن عظيم، وأما النسوة فلقولهن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين، وقولهن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء وأما الشهود فلقوله تعالى وشهد شاهد من أهلها إلى آخره وأما شهادة الله تعالى فقوله عز من قائل: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين» وأما إقرار إبليس بذلك فلقوله فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فأقر إبليس بأنه لا يمكن إغواء العباد المخلصين وقد قال تعالى انه من عبادنا المخلصين فقد أقر إبليس أنه لم يغوه وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله بطهارته وان كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا إقرار إبليس لطهارته.
(كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه واللام متعلقة بذلك المحذوف ويصح أن تكون في محل رفع والتقدير الأمر مثل ذلك والنصب أجود وقد تقدمت نظائر لذلك والسوء مفعول به والفحشاء عطف على السوء.
(إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ان واسمها ومن عبادنا خبر والمخلصين صفة لعبادنا.
البلاغة:
من مرجحات كون الاسم المسند إليه اسما موصولا تقرير الغرض المسوق له الكلام وذلك في قوله تعالى: «وراودته التي هي في بيتها عن نفسه» فإن الغرض المسوق له الكلام هو براءة يوسف عليه السلام فلو قيل راودته امرأة العزيز أو زليخا لم يفد ما أفاده الموصول باعتبار صلته فهو أدل على الغرض المسوق له وهو النزاهة لأنه إذا كان في بيتها وتمكن من نيل المراد منها أي مرادها لا مراده ومع ذلك عف عنها ولم يفعل كان ذلك غاية في النزاهة عن الفحشاء فكان في الموصول زيادة تقرير للغرض الذي هو النزاهة.
قول آخر:
وقيل: معناه زيادة تقرير المسند أي المراودة لما فيه من فرط الاختلاط والإلفة فلو قال زليخا أو امرأة العزيز لم يفد ما أفاده الموصول من ذكر السبب الذي هو قرينه في تقرير المراودة باعتبار كونه في بيتها.
قول آخر:
وقيل: هو تقرير للمسند اليه لإمكان وقوع الإبهام والاشتراك في امرأة العزيز أو زليخا ولو ذكر إحداهما ولا يتأتى ذلك في التي هو في بيتها لأنها واحدة معنية مشخصة.
يوسف 12:24
اللغة:
(مَثْواهُ) : مقامه يقال ثوى بالمكان وأثوى أقام وفلان أكرم مثواي وطال بي الثواء وهو أبو مثواي وهي أم مثواي لمن أنت نازل به قال:
أفي كل يوم أم مثوى تسوسني ... تنفّض أثوابي وتسألني ما اسسي
(أَشُدَّهُ) : في الأشد ثلاثة أقوال أحدها قول سيبويه: انه جمع مفرده شدة نحو نغمة وأنعم، والثاني قول الكسائي: ان مفرده شد بوزن قفل، والثالث انه جمع لا واحد له من لفظه وهو قول أبي عبيدة وهو من الشد وهو الربط على الشيء والعقد عليه. وقال الراغب: وفيه تنبيه على أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوّى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله، وقيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون وثلاث، وثلاث وأربعون وقيل أقصاه ثنتان وستون.
(راوَدَتْهُ) المراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحيل لمواقعته إياها ومنه الرائد لطالب الماء والكلأ وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المدين ومداواة الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم «كما تدين تدان» أي كما تجزي تجرى فإن فعل البادي وان لم يكن جزاء لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمها وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وارادة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل إذا قمتم إلى الصلاة، فإذا قرأت القرآن وهذه قاعدة مطردة مستمرة. ويجوز أن يراد بصيغة المفاعلة مجرد المبالغة، وقيل الصيغة على بابها بمعنى أنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك، ويجوز أن تكون من الرويد وهو الرفق والتجمل وتعديتها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعه عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن شيء لا يريد إخراجه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه.
(هَيْتَ لَكَ) : اسم للفعل وفيه ضمير المخاطب كصه ومه ومسماه أسرع يقال هيت إذا دعاه، قال الشاعر:
أبلغ أمير المؤمنين أخا ... العراق إذا أتيتا
أن العراق وأهله ... سلم عليك فهيت هيتا
يريد أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهو لازم لا يتعدى إلى مفعول كما أن مسماه كذلك وفيه ثلاث لغات هيت بالفتح وهيت بالضم وهيت بالكسر، و «لك» من قولك هيت لك تبيين للمخاطب جيء به بعد استغناء الكلام عنه كما كان كذلك في سقيا لك، ألا ترى أن سقيا غير محتاجة إلى لك لأن معناه سقاك الله سقيا وإنما جيء بلك تأكيدا وزيادة فهي في هيت لك كذلك. وقيل هيت اسم فعل ماض بمعنى تهيأت، وفي القاموس: وهيت لك مثلثة الآخر وقد يكسر أوله أي هلم، وقال العلامة الغنيمي: يحتمل أن يكون الضمير المستتر في تهيأت تقديره هي وقرىء تهيأت بسكون التاء وهذه حكاية لكلامها كما تقول: قال زيد والله ليفعلن، أي قال والله لأفعلن.
(مَعاذَ اللَّهِ) : هذا أحد مصادر عاذ يعوذ عوذا ومعاذا وعوذة وعياذة وعياذا ومعنى أعوذ بالله أعتصم وأمتنع لله من الشيطان الرجيم وينشد للراجز زيد بن عمرو بن نفيل أو لعبد المطلب:
أنفي لك اللهم عان راغم ... مهما تجشّمني فإني جاشم
عذت بما عاذ به ابراهم يريد به ابراهيم عليه السلام ومن العرب من يقول: ابراهام وكذلك قرأ ابن عامر وذلك أن ابراهيم اسم أعجمي فإذا عربته العرب فانها تخالف بين ألفاظه ومنهم من يقول إبراهم بغير ألف قال الشاعر:
نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد إبرهم
وعن الفراء قال: «العرب تقول نعوذ بالله من طئة الذليل أي أعوذ بالله من أن يطأني ذليل» وفي لسان العرب «وطأة الذليل من استعاذته بالله» .
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ) عطف على محذوف أي دخلوا مصر وعرضوه للبيع فاشتراه عزيز مصر الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير. وقال فعل ماض والذي فاعل وجملة اشتراه صلة ومن مصر حال ولامرأته جار ومجرور متعلقان بقال وجملة أكرمي مثواه مقول القول وهي فعل وفاعل ومفعول وقد تقدم شرحها (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) عسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر وان وما في حيزها خبرها وقد تقدم القول فيها وأو حرف عطف ونتخذه فعل مضارع معطوف على ينفعنا والهاء مفعول به أول وولدا مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) وكذلك نعت لمصدر أي مثل ذلك التمكين ومكنا فعل ماض وفاعل وليوسف متعلقان به فإن فعل مكن يتعدى بنفسه وباللام كما هنا وفي الأرض حال. (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) الواو عاطفة واللام للتعليل ونعلمه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والهاء مفعول به والجار والمجرور متعلقان بمحذوف أي ولنعلمه مكناه وقد سبق مثيله في «ولتكملوا العدة» ومن تأويل الأحاديث متعلقان بنعلمه وأعرابها الجلال على زيادة الواو فهي متعلقة بمكنا المذكورة. (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) والله مبتدأ وغالب خبر وعلى أمره جار ومجرور متعلقان بغالب والواو حالية ولكن واسمها وجملة لا يعلمون خبرها. (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) لما حينية أو رابطة وبلغ أشده فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وحكما مفعول به ثان وعلما عطف عليه وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي المحسنين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ) الواو عاطفة وراودته فعل ومفعول به مقدم والتي فاعل وهو مبتدأ وفي بيتها خبر والجملة الاسمية صلة وعن نفسه جار ومجرور متعلقان براودته. (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ) جمل معطوفة وتقدم اعراب هيت لك في باب اللغة واسم المرأة التي راودته زليخاء بفتح الزاي وكسر اللام. ولم يقل: وراودته زليخا أو امرأة العزيز إما لاستهجان التصريح بالاسم في حكم المراودة والاحتيال في طلب المواقعة وإما للإخفاء عن الآخرين لئلا يتهموها وإما لزيادة تقرير ثبوت المسند للمسند اليه فإن كونه في بيتها وتمكنها من مشاهدة جماله حينا فحينا مما يحقق مراودتها أو لزيادة تقرير المقصود لأن امتناعه منها مع كمال قدرتها عليه يدل على نزاهته وطهارة ذيله، وقيل اختار في الآية إذ يجوز الاشتراك في علمها وإرادة الجنس في امرأة العزيز بخلاف الموصول. (قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) معاذ الله نصب على المصدر أي أعوذ بالله معاذا وانه ربي ان واسمها وخبرها، والضمير يجوز أن يعود لطقفير الذي اشتراه ومعناه سيدي ومالكي يريد قطفير، وجملة أحسن مثواي حال ويجوز أن يعود الضمير إلى الشأن والحديث، وربي مبتدأ وجملة أحسن مثواي خبر والجملة خبر إن ويجوز أن تكون الهاء ضمير الله تعالى وقد استبعد بعضهم الأول وقالوا يبعد جدا أن يطلق نبي كريم على مخلوق انه ربه ولو بمعنى السيد لأنه ليس مملوكا في الحقيقة (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إن واسمها وجملة لا يفلح الظالمون خبرها والضمير يعود للشأن هنا.
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وهمت فعل ماض وهي فاعله وبه متعلقان بهمت، وهمّ فعل ماض وهو فاعله وبها متعلقان بهم ولولا حرف امتناع لوجود وأن وما في حيزها مبتدأ محذوف الخبر أي لولا رؤيته برهان ربه ماثل أمامه وجواب لولا محذوف أي لواقعها واختلف في البرهان الذي رآه، وللمفسرين فيه كلام طويل يرجع اليه في المطولات وحسبنا أن ننقل عبارة أبي حيان. قال: «والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله ولا تقول إن جواب لولا متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو العباس المبرد بل نقول إن جواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه كما يقول جمهور البصريين في قول العرب أنت ظالم إن فعلت فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها فكان يوجد الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، وهذا كلام جيد يؤيد ما ذهبنا إليه في الاعراب فتدبره.
هذا ولا خلاف في أن يوسف عليه السلام لم يأت بالفاحشة وإنما الخلاف في وقوع الهم منه فمن المفسرين من ذهب إلى أنه همّ وقصد الفاحشة وأتى ببعض مقدماتها ولقد أفرط صاحب الكشاف في التشنيع على هؤلاء فارجع اليه. ومنهم من نزهه عن الهمّ أيضا وهو الصحيح كما تقدم في عبارة أبي حيان وللامام الرازي في تفسيره الكبير نكتة لا بأس بإيرادها قال: «إن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف عليه السلام والمرأة وزوجها والنسوة والشهود ورب العالمين وإبليس وكلهم قالوا ببراءة يوسف عليه السلام عن الذنب فلم يبق لمسلم توقف في هذا الباب: أما يوسف فلقوله: هي راودتني عن نفسي وقوله رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه، وإما المرأة فلقولها ولقد راودته عن نفسه وأما زوجها فلقوله: انه من كيدكن ان كيدكن عظيم، وأما النسوة فلقولهن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين، وقولهن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء وأما الشهود فلقوله تعالى وشهد شاهد من أهلها إلى آخره وأما شهادة الله تعالى فقوله عز من قائل: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين» وأما إقرار إبليس بذلك فلقوله فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فأقر إبليس بأنه لا يمكن إغواء العباد المخلصين وقد قال تعالى انه من عبادنا المخلصين فقد أقر إبليس أنه لم يغوه وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله بطهارته وان كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا إقرار إبليس لطهارته.
(كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه واللام متعلقة بذلك المحذوف ويصح أن تكون في محل رفع والتقدير الأمر مثل ذلك والنصب أجود وقد تقدمت نظائر لذلك والسوء مفعول به والفحشاء عطف على السوء.
(إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ان واسمها ومن عبادنا خبر والمخلصين صفة لعبادنا.
البلاغة:
من مرجحات كون الاسم المسند إليه اسما موصولا تقرير الغرض المسوق له الكلام وذلك في قوله تعالى: «وراودته التي هي في بيتها عن نفسه» فإن الغرض المسوق له الكلام هو براءة يوسف عليه السلام فلو قيل راودته امرأة العزيز أو زليخا لم يفد ما أفاده الموصول باعتبار صلته فهو أدل على الغرض المسوق له وهو النزاهة لأنه إذا كان في بيتها وتمكن من نيل المراد منها أي مرادها لا مراده ومع ذلك عف عنها ولم يفعل كان ذلك غاية في النزاهة عن الفحشاء فكان في الموصول زيادة تقرير للغرض الذي هو النزاهة.
قول آخر:
وقيل: معناه زيادة تقرير المسند أي المراودة لما فيه من فرط الاختلاط والإلفة فلو قال زليخا أو امرأة العزيز لم يفد ما أفاده الموصول من ذكر السبب الذي هو قرينه في تقرير المراودة باعتبار كونه في بيتها.
قول آخر:
وقيل: هو تقرير للمسند اليه لإمكان وقوع الإبهام والاشتراك في امرأة العزيز أو زليخا ولو ذكر إحداهما ولا يتأتى ذلك في التي هو في بيتها لأنها واحدة معنية مشخصة.
يوسف 12:25
الإعراب:
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) الواو عاطفة والجملة متصلة بقوله تعالى ولقد همت به وهمّ بها وقوله كذلك لنصرف إلخ اعتراض جيء به بين المتعاطفين تقريرا لنزاهته وبراءته والمعنى ولقد همّت به وأبى هو واستبقا إلى الباب الخارجي الذي هو المخلص ولذلك وحده بعد الجمع وحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المجرور نحو وإذا كالوهم، واستبقا فعل ماض والألف فاعل والباب منصوب بنزع الخافض، وقدّت قميصه: قدّ فعل ماض وفاعله هي وقميصه مفعول به ومن دبر حال ويحتمل أن يكون «قدت» معطوفا على واستبقا، ويحتمل أن يكون حالا أي وقد قدت جذبته من خلفه بأعلى القميص من طوقه فانخرق إلى أسفله، والقد القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولا. قال النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
والقطّ يستعمل فيما كان عرضا. (وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ) وألفيا عطف على ما تقدم والألف فاعل وسيدها أي بعلها كانت تقول المرأة لبعلها يا سيدي لملكة التصرف فيها، وهي مفعول به ولدي ظرف في محل نصب مفعول به ثان. (قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ما اسم استفهام مبتدأ ويحتمل أن تكون ما نافية أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، وجزاء خبر ومن مضاف إليه وجملة أراد صلة وبأهلك جار ومجرور متعلقان بأراد وسوءا مفعول به وإلا أداة حصر وان وما في حيزها بدل من جزاء أي إلا السجن ويجوز أن تكون ما نافية وجزاء مبتدأ وأن يسجن خبره وأو حرف عطف وعذاب عطف على المصدر المؤول وأليم صفة ومن يجوز فيها أن تكون موصولا أو نكرة موصوفة. (قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) قال فعل ماض وفاعله هو أي يوسف مدافعه عن نفسه معلنا براءته وهي مبتدأ وجملة راودتني خبر وعن نفسي متعلقان براودتني. (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) الواو عاطفة وشهد شاهد فعل وفاعل ومن أهلها صفة شاهد وهو ابن عمها وكان بصحبة زوجها.
(إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) الشرط مقول قول محذوف أي فقال، وإن شرطية وكان قميصه كان واسمها وجملة قدّ أي شق بالبناء للمجهول خبر ومن قبل متعلقان بقدّ، فصدقت الفاء رابطة وصدقت فعل ماض والجملة جواب الشرط أي فقد ظهر صدقها، وهو الواو حالية وهو مبتدأ ومن الكاذبين خبر ولا بد من تقدير قد ليصح دخول الفاء الرابطة وإلا فلو لم تقدر لم يصح دخول الفاء لأنه فعل ماض متصرف. (وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) عطف على الجملة الاولى وهي مماثلة لها في اعرابها.
(فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة ورأى قميصه فعل وفاعل مستتر ومفعول وجملة قدّ من دبر حالية، قال جواب لما وان واسمها وخبرها. (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) ان واسمها وخبرها. (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يوسف منادى محذوف منه حرف النداء وأعرض فعل أمر وفاعله أنت وعن هذا متعلقان بأعرض واستغفري فعل أمر والياء فاعله ولذنبك متعلقان باستغفري. (إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) ان واسمها وجملة كنت خبرها ومن الخاطئين خبر كنت والجملة تعليل للاستغفار.
البلاغة:
لقائل أن يقول إن الضمير وهو «هي» ليس غير مضمر باتفاق وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة والجواب ما قاله السراج البلقيني في رسالته المسماة «نشر العبير، لطي الضمير» : الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حسا أو علما فالحس نحو قوله «هي راودتني عن نفسي» و «يا أبت استأجره» كذا ذكر الشيخ ابن مالك وتعقبه أبو حيان بأن قال ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فالضمير في قال عائد على يوسف والضمير في هي عائد على قوله «بأهلك سوءا» ولما كنت عن نفسها بقولها «بأهلك» ولم تقل بي كنى هو عنها بضمير الغيبة بقوله «هي راودتني» ولم يخاطبها بقوله أنت راودتني ولا أشار إليها بقوله هذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستحياء في الخطاب فأبرز الاسم في ضمير الغائب تأديبا مع الملك وحياء منه وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله أبو حيان وذلك أن الاثنين إذا وقعت منهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم لي على هذا كذا فيقول المدعى عليه هو يعلم أنه لا حق له علي فالضمير في هو انما لحضور مدلوله حسا وسيأتي مزيد من هذا البحث الممتع عند الكلام على قصة ابنه شعيب في سورة القصص.
الفوائد:
لدى:
ليست لدى من لفظ لدن وإن كانت من معناها لأن لدى معتلة اللام ولدن صحيح اللام وقالوا فيها لدن بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون كأنهم استثقلوا ضم الدال فسكنوا تخفيفا كما قالوا في عضد عضد ولما سكنت الدال والنون ساكنة كسروا النون لالتقاء الساكنين وقالوا لدن بضم الدال وسكون اللام وكسر النون وقد حذفوا النون من لدن تخفيفا فقالوا من لد الصلاة ولد الحائط وليس حذف النون لالتقاء الساكنين واعلم أن حكم لدن أن يخفض ما بعدها بالإضافة كسائر الظروف لأن نونها من أصل الكلمة بمنزلة الدال من عند كما قال تعالى «من لدن حكيم عليم» غير أن من العرب من ينصب بها غدوة خاصة قال:
لدن غدوة حتى ألاذ بخفها ... بقية منقوص من الظل قالص
وقال ذو الرمة:
لدن غدوة حتى إذا امتدت الضحى ... وحثّ القطين الشّحشحان المكلّف
يعني الحادي والقطين جمع قاطن، قال سيبويه في هذا الصدد:
وقد نصبوا غدوة تشبيها بالمميز في نحو عندي راقود خلا وجبة صوفا والمفعول في نحو هذا ضارب زيدا وقاتل بكرا وقال بعضهم تنصب غدوة بعد لدن على أنها خبر لكان المقدرة مع اسمها والتقدير لدن كان الوقت غدوة وجاز رفعها على أنها فاعل لفعل محذوف والتقدير لدن كانت عدوة أي وجدت فكان هنا تامة والغالب في لدن أن تجر بمن نحو «وعلمناه من لدنا علما» وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم لزمتها نون الوقاية نحو «لدني» وهي تضاف إلى المفرد كما رأيت والى الجملة نحو انتظرتك من لدن طلعت الشمس إلى أن غربت.
يوسف 12:26
الإعراب:
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) الواو عاطفة والجملة متصلة بقوله تعالى ولقد همت به وهمّ بها وقوله كذلك لنصرف إلخ اعتراض جيء به بين المتعاطفين تقريرا لنزاهته وبراءته والمعنى ولقد همّت به وأبى هو واستبقا إلى الباب الخارجي الذي هو المخلص ولذلك وحده بعد الجمع وحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المجرور نحو وإذا كالوهم، واستبقا فعل ماض والألف فاعل والباب منصوب بنزع الخافض، وقدّت قميصه: قدّ فعل ماض وفاعله هي وقميصه مفعول به ومن دبر حال ويحتمل أن يكون «قدت» معطوفا على واستبقا، ويحتمل أن يكون حالا أي وقد قدت جذبته من خلفه بأعلى القميص من طوقه فانخرق إلى أسفله، والقد القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولا. قال النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
والقطّ يستعمل فيما كان عرضا. (وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ) وألفيا عطف على ما تقدم والألف فاعل وسيدها أي بعلها كانت تقول المرأة لبعلها يا سيدي لملكة التصرف فيها، وهي مفعول به ولدي ظرف في محل نصب مفعول به ثان. (قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ما اسم استفهام مبتدأ ويحتمل أن تكون ما نافية أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، وجزاء خبر ومن مضاف إليه وجملة أراد صلة وبأهلك جار ومجرور متعلقان بأراد وسوءا مفعول به وإلا أداة حصر وان وما في حيزها بدل من جزاء أي إلا السجن ويجوز أن تكون ما نافية وجزاء مبتدأ وأن يسجن خبره وأو حرف عطف وعذاب عطف على المصدر المؤول وأليم صفة ومن يجوز فيها أن تكون موصولا أو نكرة موصوفة. (قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) قال فعل ماض وفاعله هو أي يوسف مدافعه عن نفسه معلنا براءته وهي مبتدأ وجملة راودتني خبر وعن نفسي متعلقان براودتني. (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) الواو عاطفة وشهد شاهد فعل وفاعل ومن أهلها صفة شاهد وهو ابن عمها وكان بصحبة زوجها.
(إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) الشرط مقول قول محذوف أي فقال، وإن شرطية وكان قميصه كان واسمها وجملة قدّ أي شق بالبناء للمجهول خبر ومن قبل متعلقان بقدّ، فصدقت الفاء رابطة وصدقت فعل ماض والجملة جواب الشرط أي فقد ظهر صدقها، وهو الواو حالية وهو مبتدأ ومن الكاذبين خبر ولا بد من تقدير قد ليصح دخول الفاء الرابطة وإلا فلو لم تقدر لم يصح دخول الفاء لأنه فعل ماض متصرف. (وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) عطف على الجملة الاولى وهي مماثلة لها في اعرابها.
(فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة ورأى قميصه فعل وفاعل مستتر ومفعول وجملة قدّ من دبر حالية، قال جواب لما وان واسمها وخبرها. (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) ان واسمها وخبرها. (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يوسف منادى محذوف منه حرف النداء وأعرض فعل أمر وفاعله أنت وعن هذا متعلقان بأعرض واستغفري فعل أمر والياء فاعله ولذنبك متعلقان باستغفري. (إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) ان واسمها وجملة كنت خبرها ومن الخاطئين خبر كنت والجملة تعليل للاستغفار.
البلاغة:
لقائل أن يقول إن الضمير وهو «هي» ليس غير مضمر باتفاق وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة والجواب ما قاله السراج البلقيني في رسالته المسماة «نشر العبير، لطي الضمير» : الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حسا أو علما فالحس نحو قوله «هي راودتني عن نفسي» و «يا أبت استأجره» كذا ذكر الشيخ ابن مالك وتعقبه أبو حيان بأن قال ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فالضمير في قال عائد على يوسف والضمير في هي عائد على قوله «بأهلك سوءا» ولما كنت عن نفسها بقولها «بأهلك» ولم تقل بي كنى هو عنها بضمير الغيبة بقوله «هي راودتني» ولم يخاطبها بقوله أنت راودتني ولا أشار إليها بقوله هذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستحياء في الخطاب فأبرز الاسم في ضمير الغائب تأديبا مع الملك وحياء منه وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله أبو حيان وذلك أن الاثنين إذا وقعت منهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم لي على هذا كذا فيقول المدعى عليه هو يعلم أنه لا حق له علي فالضمير في هو انما لحضور مدلوله حسا وسيأتي مزيد من هذا البحث الممتع عند الكلام على قصة ابنه شعيب في سورة القصص.
الفوائد:
لدى:
ليست لدى من لفظ لدن وإن كانت من معناها لأن لدى معتلة اللام ولدن صحيح اللام وقالوا فيها لدن بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون كأنهم استثقلوا ضم الدال فسكنوا تخفيفا كما قالوا في عضد عضد ولما سكنت الدال والنون ساكنة كسروا النون لالتقاء الساكنين وقالوا لدن بضم الدال وسكون اللام وكسر النون وقد حذفوا النون من لدن تخفيفا فقالوا من لد الصلاة ولد الحائط وليس حذف النون لالتقاء الساكنين واعلم أن حكم لدن أن يخفض ما بعدها بالإضافة كسائر الظروف لأن نونها من أصل الكلمة بمنزلة الدال من عند كما قال تعالى «من لدن حكيم عليم» غير أن من العرب من ينصب بها غدوة خاصة قال:
لدن غدوة حتى ألاذ بخفها ... بقية منقوص من الظل قالص
وقال ذو الرمة:
لدن غدوة حتى إذا امتدت الضحى ... وحثّ القطين الشّحشحان المكلّف
يعني الحادي والقطين جمع قاطن، قال سيبويه في هذا الصدد:
وقد نصبوا غدوة تشبيها بالمميز في نحو عندي راقود خلا وجبة صوفا والمفعول في نحو هذا ضارب زيدا وقاتل بكرا وقال بعضهم تنصب غدوة بعد لدن على أنها خبر لكان المقدرة مع اسمها والتقدير لدن كان الوقت غدوة وجاز رفعها على أنها فاعل لفعل محذوف والتقدير لدن كانت عدوة أي وجدت فكان هنا تامة والغالب في لدن أن تجر بمن نحو «وعلمناه من لدنا علما» وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم لزمتها نون الوقاية نحو «لدني» وهي تضاف إلى المفرد كما رأيت والى الجملة نحو انتظرتك من لدن طلعت الشمس إلى أن غربت.
يوسف 12:27
الإعراب:
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) الواو عاطفة والجملة متصلة بقوله تعالى ولقد همت به وهمّ بها وقوله كذلك لنصرف إلخ اعتراض جيء به بين المتعاطفين تقريرا لنزاهته وبراءته والمعنى ولقد همّت به وأبى هو واستبقا إلى الباب الخارجي الذي هو المخلص ولذلك وحده بعد الجمع وحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المجرور نحو وإذا كالوهم، واستبقا فعل ماض والألف فاعل والباب منصوب بنزع الخافض، وقدّت قميصه: قدّ فعل ماض وفاعله هي وقميصه مفعول به ومن دبر حال ويحتمل أن يكون «قدت» معطوفا على واستبقا، ويحتمل أن يكون حالا أي وقد قدت جذبته من خلفه بأعلى القميص من طوقه فانخرق إلى أسفله، والقد القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولا. قال النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
والقطّ يستعمل فيما كان عرضا. (وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ) وألفيا عطف على ما تقدم والألف فاعل وسيدها أي بعلها كانت تقول المرأة لبعلها يا سيدي لملكة التصرف فيها، وهي مفعول به ولدي ظرف في محل نصب مفعول به ثان. (قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ما اسم استفهام مبتدأ ويحتمل أن تكون ما نافية أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، وجزاء خبر ومن مضاف إليه وجملة أراد صلة وبأهلك جار ومجرور متعلقان بأراد وسوءا مفعول به وإلا أداة حصر وان وما في حيزها بدل من جزاء أي إلا السجن ويجوز أن تكون ما نافية وجزاء مبتدأ وأن يسجن خبره وأو حرف عطف وعذاب عطف على المصدر المؤول وأليم صفة ومن يجوز فيها أن تكون موصولا أو نكرة موصوفة. (قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) قال فعل ماض وفاعله هو أي يوسف مدافعه عن نفسه معلنا براءته وهي مبتدأ وجملة راودتني خبر وعن نفسي متعلقان براودتني. (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) الواو عاطفة وشهد شاهد فعل وفاعل ومن أهلها صفة شاهد وهو ابن عمها وكان بصحبة زوجها.
(إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) الشرط مقول قول محذوف أي فقال، وإن شرطية وكان قميصه كان واسمها وجملة قدّ أي شق بالبناء للمجهول خبر ومن قبل متعلقان بقدّ، فصدقت الفاء رابطة وصدقت فعل ماض والجملة جواب الشرط أي فقد ظهر صدقها، وهو الواو حالية وهو مبتدأ ومن الكاذبين خبر ولا بد من تقدير قد ليصح دخول الفاء الرابطة وإلا فلو لم تقدر لم يصح دخول الفاء لأنه فعل ماض متصرف. (وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) عطف على الجملة الاولى وهي مماثلة لها في اعرابها.
(فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة ورأى قميصه فعل وفاعل مستتر ومفعول وجملة قدّ من دبر حالية، قال جواب لما وان واسمها وخبرها. (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) ان واسمها وخبرها. (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يوسف منادى محذوف منه حرف النداء وأعرض فعل أمر وفاعله أنت وعن هذا متعلقان بأعرض واستغفري فعل أمر والياء فاعله ولذنبك متعلقان باستغفري. (إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) ان واسمها وجملة كنت خبرها ومن الخاطئين خبر كنت والجملة تعليل للاستغفار.
البلاغة:
لقائل أن يقول إن الضمير وهو «هي» ليس غير مضمر باتفاق وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة والجواب ما قاله السراج البلقيني في رسالته المسماة «نشر العبير، لطي الضمير» : الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حسا أو علما فالحس نحو قوله «هي راودتني عن نفسي» و «يا أبت استأجره» كذا ذكر الشيخ ابن مالك وتعقبه أبو حيان بأن قال ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فالضمير في قال عائد على يوسف والضمير في هي عائد على قوله «بأهلك سوءا» ولما كنت عن نفسها بقولها «بأهلك» ولم تقل بي كنى هو عنها بضمير الغيبة بقوله «هي راودتني» ولم يخاطبها بقوله أنت راودتني ولا أشار إليها بقوله هذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستحياء في الخطاب فأبرز الاسم في ضمير الغائب تأديبا مع الملك وحياء منه وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله أبو حيان وذلك أن الاثنين إذا وقعت منهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم لي على هذا كذا فيقول المدعى عليه هو يعلم أنه لا حق له علي فالضمير في هو انما لحضور مدلوله حسا وسيأتي مزيد من هذا البحث الممتع عند الكلام على قصة ابنه شعيب في سورة القصص.
الفوائد:
لدى:
ليست لدى من لفظ لدن وإن كانت من معناها لأن لدى معتلة اللام ولدن صحيح اللام وقالوا فيها لدن بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون كأنهم استثقلوا ضم الدال فسكنوا تخفيفا كما قالوا في عضد عضد ولما سكنت الدال والنون ساكنة كسروا النون لالتقاء الساكنين وقالوا لدن بضم الدال وسكون اللام وكسر النون وقد حذفوا النون من لدن تخفيفا فقالوا من لد الصلاة ولد الحائط وليس حذف النون لالتقاء الساكنين واعلم أن حكم لدن أن يخفض ما بعدها بالإضافة كسائر الظروف لأن نونها من أصل الكلمة بمنزلة الدال من عند كما قال تعالى «من لدن حكيم عليم» غير أن من العرب من ينصب بها غدوة خاصة قال:
لدن غدوة حتى ألاذ بخفها ... بقية منقوص من الظل قالص
وقال ذو الرمة:
لدن غدوة حتى إذا امتدت الضحى ... وحثّ القطين الشّحشحان المكلّف
يعني الحادي والقطين جمع قاطن، قال سيبويه في هذا الصدد:
وقد نصبوا غدوة تشبيها بالمميز في نحو عندي راقود خلا وجبة صوفا والمفعول في نحو هذا ضارب زيدا وقاتل بكرا وقال بعضهم تنصب غدوة بعد لدن على أنها خبر لكان المقدرة مع اسمها والتقدير لدن كان الوقت غدوة وجاز رفعها على أنها فاعل لفعل محذوف والتقدير لدن كانت عدوة أي وجدت فكان هنا تامة والغالب في لدن أن تجر بمن نحو «وعلمناه من لدنا علما» وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم لزمتها نون الوقاية نحو «لدني» وهي تضاف إلى المفرد كما رأيت والى الجملة نحو انتظرتك من لدن طلعت الشمس إلى أن غربت.
يوسف 12:28
الإعراب:
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) الواو عاطفة والجملة متصلة بقوله تعالى ولقد همت به وهمّ بها وقوله كذلك لنصرف إلخ اعتراض جيء به بين المتعاطفين تقريرا لنزاهته وبراءته والمعنى ولقد همّت به وأبى هو واستبقا إلى الباب الخارجي الذي هو المخلص ولذلك وحده بعد الجمع وحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المجرور نحو وإذا كالوهم، واستبقا فعل ماض والألف فاعل والباب منصوب بنزع الخافض، وقدّت قميصه: قدّ فعل ماض وفاعله هي وقميصه مفعول به ومن دبر حال ويحتمل أن يكون «قدت» معطوفا على واستبقا، ويحتمل أن يكون حالا أي وقد قدت جذبته من خلفه بأعلى القميص من طوقه فانخرق إلى أسفله، والقد القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولا. قال النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
والقطّ يستعمل فيما كان عرضا. (وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ) وألفيا عطف على ما تقدم والألف فاعل وسيدها أي بعلها كانت تقول المرأة لبعلها يا سيدي لملكة التصرف فيها، وهي مفعول به ولدي ظرف في محل نصب مفعول به ثان. (قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ما اسم استفهام مبتدأ ويحتمل أن تكون ما نافية أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، وجزاء خبر ومن مضاف إليه وجملة أراد صلة وبأهلك جار ومجرور متعلقان بأراد وسوءا مفعول به وإلا أداة حصر وان وما في حيزها بدل من جزاء أي إلا السجن ويجوز أن تكون ما نافية وجزاء مبتدأ وأن يسجن خبره وأو حرف عطف وعذاب عطف على المصدر المؤول وأليم صفة ومن يجوز فيها أن تكون موصولا أو نكرة موصوفة. (قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) قال فعل ماض وفاعله هو أي يوسف مدافعه عن نفسه معلنا براءته وهي مبتدأ وجملة راودتني خبر وعن نفسي متعلقان براودتني. (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) الواو عاطفة وشهد شاهد فعل وفاعل ومن أهلها صفة شاهد وهو ابن عمها وكان بصحبة زوجها.
(إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) الشرط مقول قول محذوف أي فقال، وإن شرطية وكان قميصه كان واسمها وجملة قدّ أي شق بالبناء للمجهول خبر ومن قبل متعلقان بقدّ، فصدقت الفاء رابطة وصدقت فعل ماض والجملة جواب الشرط أي فقد ظهر صدقها، وهو الواو حالية وهو مبتدأ ومن الكاذبين خبر ولا بد من تقدير قد ليصح دخول الفاء الرابطة وإلا فلو لم تقدر لم يصح دخول الفاء لأنه فعل ماض متصرف. (وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) عطف على الجملة الاولى وهي مماثلة لها في اعرابها.
(فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة ورأى قميصه فعل وفاعل مستتر ومفعول وجملة قدّ من دبر حالية، قال جواب لما وان واسمها وخبرها. (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) ان واسمها وخبرها. (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يوسف منادى محذوف منه حرف النداء وأعرض فعل أمر وفاعله أنت وعن هذا متعلقان بأعرض واستغفري فعل أمر والياء فاعله ولذنبك متعلقان باستغفري. (إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) ان واسمها وجملة كنت خبرها ومن الخاطئين خبر كنت والجملة تعليل للاستغفار.
البلاغة:
لقائل أن يقول إن الضمير وهو «هي» ليس غير مضمر باتفاق وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة والجواب ما قاله السراج البلقيني في رسالته المسماة «نشر العبير، لطي الضمير» : الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حسا أو علما فالحس نحو قوله «هي راودتني عن نفسي» و «يا أبت استأجره» كذا ذكر الشيخ ابن مالك وتعقبه أبو حيان بأن قال ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فالضمير في قال عائد على يوسف والضمير في هي عائد على قوله «بأهلك سوءا» ولما كنت عن نفسها بقولها «بأهلك» ولم تقل بي كنى هو عنها بضمير الغيبة بقوله «هي راودتني» ولم يخاطبها بقوله أنت راودتني ولا أشار إليها بقوله هذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستحياء في الخطاب فأبرز الاسم في ضمير الغائب تأديبا مع الملك وحياء منه وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله أبو حيان وذلك أن الاثنين إذا وقعت منهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم لي على هذا كذا فيقول المدعى عليه هو يعلم أنه لا حق له علي فالضمير في هو انما لحضور مدلوله حسا وسيأتي مزيد من هذا البحث الممتع عند الكلام على قصة ابنه شعيب في سورة القصص.
الفوائد:
لدى:
ليست لدى من لفظ لدن وإن كانت من معناها لأن لدى معتلة اللام ولدن صحيح اللام وقالوا فيها لدن بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون كأنهم استثقلوا ضم الدال فسكنوا تخفيفا كما قالوا في عضد عضد ولما سكنت الدال والنون ساكنة كسروا النون لالتقاء الساكنين وقالوا لدن بضم الدال وسكون اللام وكسر النون وقد حذفوا النون من لدن تخفيفا فقالوا من لد الصلاة ولد الحائط وليس حذف النون لالتقاء الساكنين واعلم أن حكم لدن أن يخفض ما بعدها بالإضافة كسائر الظروف لأن نونها من أصل الكلمة بمنزلة الدال من عند كما قال تعالى «من لدن حكيم عليم» غير أن من العرب من ينصب بها غدوة خاصة قال:
لدن غدوة حتى ألاذ بخفها ... بقية منقوص من الظل قالص
وقال ذو الرمة:
لدن غدوة حتى إذا امتدت الضحى ... وحثّ القطين الشّحشحان المكلّف
يعني الحادي والقطين جمع قاطن، قال سيبويه في هذا الصدد:
وقد نصبوا غدوة تشبيها بالمميز في نحو عندي راقود خلا وجبة صوفا والمفعول في نحو هذا ضارب زيدا وقاتل بكرا وقال بعضهم تنصب غدوة بعد لدن على أنها خبر لكان المقدرة مع اسمها والتقدير لدن كان الوقت غدوة وجاز رفعها على أنها فاعل لفعل محذوف والتقدير لدن كانت عدوة أي وجدت فكان هنا تامة والغالب في لدن أن تجر بمن نحو «وعلمناه من لدنا علما» وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم لزمتها نون الوقاية نحو «لدني» وهي تضاف إلى المفرد كما رأيت والى الجملة نحو انتظرتك من لدن طلعت الشمس إلى أن غربت.
يوسف 12:29
الإعراب:
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) الواو عاطفة والجملة متصلة بقوله تعالى ولقد همت به وهمّ بها وقوله كذلك لنصرف إلخ اعتراض جيء به بين المتعاطفين تقريرا لنزاهته وبراءته والمعنى ولقد همّت به وأبى هو واستبقا إلى الباب الخارجي الذي هو المخلص ولذلك وحده بعد الجمع وحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المجرور نحو وإذا كالوهم، واستبقا فعل ماض والألف فاعل والباب منصوب بنزع الخافض، وقدّت قميصه: قدّ فعل ماض وفاعله هي وقميصه مفعول به ومن دبر حال ويحتمل أن يكون «قدت» معطوفا على واستبقا، ويحتمل أن يكون حالا أي وقد قدت جذبته من خلفه بأعلى القميص من طوقه فانخرق إلى أسفله، والقد القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولا. قال النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
والقطّ يستعمل فيما كان عرضا. (وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ) وألفيا عطف على ما تقدم والألف فاعل وسيدها أي بعلها كانت تقول المرأة لبعلها يا سيدي لملكة التصرف فيها، وهي مفعول به ولدي ظرف في محل نصب مفعول به ثان. (قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ما اسم استفهام مبتدأ ويحتمل أن تكون ما نافية أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، وجزاء خبر ومن مضاف إليه وجملة أراد صلة وبأهلك جار ومجرور متعلقان بأراد وسوءا مفعول به وإلا أداة حصر وان وما في حيزها بدل من جزاء أي إلا السجن ويجوز أن تكون ما نافية وجزاء مبتدأ وأن يسجن خبره وأو حرف عطف وعذاب عطف على المصدر المؤول وأليم صفة ومن يجوز فيها أن تكون موصولا أو نكرة موصوفة. (قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) قال فعل ماض وفاعله هو أي يوسف مدافعه عن نفسه معلنا براءته وهي مبتدأ وجملة راودتني خبر وعن نفسي متعلقان براودتني. (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) الواو عاطفة وشهد شاهد فعل وفاعل ومن أهلها صفة شاهد وهو ابن عمها وكان بصحبة زوجها.
(إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) الشرط مقول قول محذوف أي فقال، وإن شرطية وكان قميصه كان واسمها وجملة قدّ أي شق بالبناء للمجهول خبر ومن قبل متعلقان بقدّ، فصدقت الفاء رابطة وصدقت فعل ماض والجملة جواب الشرط أي فقد ظهر صدقها، وهو الواو حالية وهو مبتدأ ومن الكاذبين خبر ولا بد من تقدير قد ليصح دخول الفاء الرابطة وإلا فلو لم تقدر لم يصح دخول الفاء لأنه فعل ماض متصرف. (وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) عطف على الجملة الاولى وهي مماثلة لها في اعرابها.
(فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة ورأى قميصه فعل وفاعل مستتر ومفعول وجملة قدّ من دبر حالية، قال جواب لما وان واسمها وخبرها. (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) ان واسمها وخبرها. (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يوسف منادى محذوف منه حرف النداء وأعرض فعل أمر وفاعله أنت وعن هذا متعلقان بأعرض واستغفري فعل أمر والياء فاعله ولذنبك متعلقان باستغفري. (إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) ان واسمها وجملة كنت خبرها ومن الخاطئين خبر كنت والجملة تعليل للاستغفار.
البلاغة:
لقائل أن يقول إن الضمير وهو «هي» ليس غير مضمر باتفاق وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة والجواب ما قاله السراج البلقيني في رسالته المسماة «نشر العبير، لطي الضمير» : الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حسا أو علما فالحس نحو قوله «هي راودتني عن نفسي» و «يا أبت استأجره» كذا ذكر الشيخ ابن مالك وتعقبه أبو حيان بأن قال ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فالضمير في قال عائد على يوسف والضمير في هي عائد على قوله «بأهلك سوءا» ولما كنت عن نفسها بقولها «بأهلك» ولم تقل بي كنى هو عنها بضمير الغيبة بقوله «هي راودتني» ولم يخاطبها بقوله أنت راودتني ولا أشار إليها بقوله هذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستحياء في الخطاب فأبرز الاسم في ضمير الغائب تأديبا مع الملك وحياء منه وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله أبو حيان وذلك أن الاثنين إذا وقعت منهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم لي على هذا كذا فيقول المدعى عليه هو يعلم أنه لا حق له علي فالضمير في هو انما لحضور مدلوله حسا وسيأتي مزيد من هذا البحث الممتع عند الكلام على قصة ابنه شعيب في سورة القصص.
الفوائد:
لدى:
ليست لدى من لفظ لدن وإن كانت من معناها لأن لدى معتلة اللام ولدن صحيح اللام وقالوا فيها لدن بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون كأنهم استثقلوا ضم الدال فسكنوا تخفيفا كما قالوا في عضد عضد ولما سكنت الدال والنون ساكنة كسروا النون لالتقاء الساكنين وقالوا لدن بضم الدال وسكون اللام وكسر النون وقد حذفوا النون من لدن تخفيفا فقالوا من لد الصلاة ولد الحائط وليس حذف النون لالتقاء الساكنين واعلم أن حكم لدن أن يخفض ما بعدها بالإضافة كسائر الظروف لأن نونها من أصل الكلمة بمنزلة الدال من عند كما قال تعالى «من لدن حكيم عليم» غير أن من العرب من ينصب بها غدوة خاصة قال:
لدن غدوة حتى ألاذ بخفها ... بقية منقوص من الظل قالص
وقال ذو الرمة:
لدن غدوة حتى إذا امتدت الضحى ... وحثّ القطين الشّحشحان المكلّف
يعني الحادي والقطين جمع قاطن، قال سيبويه في هذا الصدد:
وقد نصبوا غدوة تشبيها بالمميز في نحو عندي راقود خلا وجبة صوفا والمفعول في نحو هذا ضارب زيدا وقاتل بكرا وقال بعضهم تنصب غدوة بعد لدن على أنها خبر لكان المقدرة مع اسمها والتقدير لدن كان الوقت غدوة وجاز رفعها على أنها فاعل لفعل محذوف والتقدير لدن كانت عدوة أي وجدت فكان هنا تامة والغالب في لدن أن تجر بمن نحو «وعلمناه من لدنا علما» وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم لزمتها نون الوقاية نحو «لدني» وهي تضاف إلى المفرد كما رأيت والى الجملة نحو انتظرتك من لدن طلعت الشمس إلى أن غربت.
يوسف 12:30
اللغة:
(نِسْوَةٌ) : جماعة من النساء وكن خمسا والنسوة اسم جمع لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو امرأة وتأنيثها غير حقيقي بل باعتبار الجماعة ولذلك لم يلحق فعلها تاء التأنيث والمشهور كسر نونها ويجوز ضمها في لغة، وقد قرىء بها وفي القاموس وشرحه ما يفهم منه أن النسوة والنسوة والنساء والنسوان والنّسون والنسنين جموع للمرأة من غير لفظها وقال الزمخشري: «النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث» .
(شَغَفَها) : دخل حبها شغاف قلبه وفي المصباح: «شغف الهوى قلبه شغفا من باب نفع والاسم الشغف بفتحتين، بلغ شغافه بالفتح وهو غشاؤه وشغفه المال زين له فأحبه فهو مشغوف به» . والشغاف حجاب القلب وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب قال النابغة:
وقد حال هم دون ذلك والحج ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع
(أَعْتَدَتْ) : هيأت وأحضرت، واعتده له هيأه وهو عتيد: معد حاضر ومنه العتيدة التي فيها الطيب والأدهان.
(مُتَّكَأً) : ما يتكئن عليه من نمارق يستندن عليها على عادة المتكبرين في أكل الفواكه حيث يتكىء آكلها على الوسائد ويأكلها بالسكاكين وقيل سمي الطعام كالاترج والموز متكأ لحصول الاتكاء على الوسائد عند أكله فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة أو استعارة تصريحية.
(أَكْبَرْنَهُ) : أعظمنه وهبن حسنه الرائع وجماله الأخاذ الفاتن واستولى عليهن الدهش وقيل: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت وحقيقته دخلت في الكبر لأنها إذا حاضت تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وكأن أبا الطيب رمق هذا التفسير فقال متملحا متغزلا:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
في إحدى روايات البيت التي نقلها أبو الفتح بن جني ويقال إن المرأة إذا اشتدت شهوتها سال دم حيضها فمعنى البيت: استر جمالك عنهن وإلا حضن، على أن الرواية التي اختارها أبو البقاء «ذابت» .
(حاشَ لِلَّهِ) : أي حاشا وسيأتي الحديث عنها في باب الفوائد.
الإعراب:
(وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) الواو عاطفة لتتساوق مجريات القصة، وقال نسوة فعل وفاعل وفي المدينة صفة لنسوة. (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا) امرأة العزيز مبتدأ وجملة تراود خبر وفتاها مفعول به وعن نفسه جار ومجرور متعلقان بتراود وقد حرف تحقيق وشغفها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وحبا تمييز محول عن الفاعل وجملة قد شغفها حال من فاعل تراود أو من مفعوله ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لامرأة. (إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة نراها خبر إن وفي ضلال متعلقان بنراها ومبين صفة لضلال. (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وسمعت فعل وفاعل مستتر وبمكرهن متعلقان بسمعت وجملة أرسلت لا محل لها وإليهن متعلقان بأرسلت وأعتدت عطف على أرسلت ولهن متعلقان بأعتدت ومتكأ مفعول به وآتت عطف أيضا وكل واحدة مفعول آتت الأول ومنهن صفة لواحدة وسكينا مفعول آتت الثاني والسكين تذكر وتؤنث قاله الكسائي والفراء وقال الجوهري: والغالب عليها التذكير.
(وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ) الواو عاطفة وجملة اخرج مقول القول وعليهن متعلقان بمحذوف حال أي مطلا عليهن مستعليا بدلّك الفاتن وجمالك الآخذ. (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة حرفية ورأينه فعل وفاعل ومفعول به وقطعن فعل وفاعل وأيديهن مفعول به، ولا نرى رأي القائلين بأن أكبرنه بمعنى حضن والهاء للسكت إذ هو تظرف مصنوع لا يليق بالقرآن. (وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً) وقلن فعل وفاعل وحاش اسم للتنزيه في محل نصب مفعول مطلق ولله متعلقان بمحذوف حال وسيأتي مزيد بحث عن حاشا في باب الفوائد وما نافية حجازية وهذا اسمها وبشرا خبرها وعبارة أبي حيان: «وقال الزمخشري وقرىء ما هذا بشرى أي حاصل بشرى بمعنى هذا مشترى وتقول هذا لك بشرى أي بكرا وقال:
واعمال ما عمل ليس هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن انتهى. وانما قال القدمى لأن الكثير في لغة الحجاز انما هو جر الخبر بالباء فتقول ما زيد بقائم وعليه أكثر ما جاء في القرآن وأما نصب الخبر فمن لغة الحجاز القديمة حتى أن النحويين لم يجدوا شاهدا على نصب الخبر في أشعار الحجازيين غير قول الشاعر: وأنا النذير بحرة مسودة ... يصل الجيوش إليكم قوادها
أبناؤها متكنفون أباهم ... حنقوا الصدور وما هم أولادها
وقال الفراء وهو سامع لغة حافظ ثقة: لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء فلما غلب على أهل الحجاز النطق بالباء قال الزمخشري:
اللغة القدمى الحجازية فالقرآن جاء باللغتين القدمى وغيرها» .
(إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) إن نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وملك خبر وكريم صفة. (قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) فذلك الفاء الفصيحة أي إن شئتم معرفته فذلكن واسم الاشارة مبتدأ ولم تقل فهذا وهو حاضر وسياق الكلام يتطلب ذلك رفعا لمنزلته في الحسن والذي خبر لمبتدأ محذوف أي هو الذي ولم يجعل الذي خبر لاسم الاشارة لأن لام البعد التي اقترن بها اقتضت بعده عنه لما تقدم من تعظيم رتبته في الحسن والجمال، وفيه متعلقان بلمتنني أي في حبه أو مراودته وسيأتي تحقيق في المحذوف في باب البلاغة. (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وراودته فعل وفاعل ومفعول به وعن نفسه متعلقان براودته، فاستعصم الفاء عاطفة واستعصم فعل ماض زيدت فيه السين للمبالغة في الامتناع. (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويفعل مضارع مجزوم وهو فعل الشرط وما مفعول به وجملة آمره صلة أي الذي آمره به ويصح كونها مصدرية أي أمري والضمير في آمره عائد على الموصول أي ما آمر به فحذف الجار كما حذف في أمرتك الخير ومفعول آمر الأول محذوف وكان التقدير ما آمره به وإن جعلت ما مصدرية جاز فيعود الضمير على يوسف أي أمري إياه ومعناه موجب أمري، واللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف على القاعدة في اجتماعهما دل عليه جواب القسم المذكور والتقدير ليسجنن وليكونن، وفي يسجنن نون التوكيد الثقيلة وفي يكون نون التوكيد الخفيفة واسم يكون مستتر تقديره هو ومن الصاغرين خبرها. (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا وهو ما كان جوابا لمقدر فقد قالت النسوة له بعد أن أسمعن تقرير زليخاء ألا تطيع مولاتك؟ قال إلخ، ورب منادى محذوف منه حرف النداء والسجن مبتدأ وأحب خبر وإلي للتبيين وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعد ما يفيد حبا أو بغضا من فعل تعجب أو اسم تفضيل ومما متعلقان بأحب وجملة يدعونني صلة وهو فعل مضارع مبني على سكون الواو والنون الاولى نون النسوة والثانية نون الوقاية فالواو ليست ضميرا بل هي لام الكلمة وليس هو من الأفعال الخمسة التي ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها وأضاف العمل إليهن لأنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن وقيل لأنهن لما قلن له ألا تطيع مولاتك صح إضافة الدعاء إليهن جميعا، واليه متعلقان بيدعونني.
(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) الواو عاطفة وان شرطية ولا نافية وتصرف فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره أنت وعني متعلقان بتصرف وكيدهن مفعول به وأصب جواب الشرط والفاعل مستتر تقديره أنا وإليهن جار ومجرور متعلقان بأصب وأكن عطف على أصب واسم أكن مستتر تقديره أنا ومن الجاهلين خبر أكن.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم»
فنان متداخلان الأول ظاهر وهو التشبيه البليغ فقد شبهن يوسف بالملك من دون ذكر الأداة وهذا واضح كما قلنا يجري على غرار التشبيهات المألوفة المقصود منه إثبات الحسن لأنه تعالى ركب في الطبائع أن لا شيء أحسن من الملك وقد عاين ذلك قوم لوط في ضيف ابراهيم من الملائكة، كما ركب في الطباع أن لا شيء أقبح من الشيطان، وكذلك قوله تعالى في صفة جهنم «طلعها كأنه رؤوس الشيطان» فكذلك قد تقرر أن لا شيء أحسن من الملك، فلما أرادت النسوة وصف يوسف بالحسن شبهنه بالملك. ولكن الأسلوب القرآني شاء أن يتجاوز المألوف من تشبيهات العرب لكل ما راعهم حسنه من البشر بالجن فأدخل فيه فنا آخر لا يبدو للناظر للوهلة الأولى وهو فن عرفوه بأنه سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج كلامه مخرج المدح أو ليدل- كما هنا- على شدة الوله في الحب وقد يقصد به الذم أو التعجب أو التوبيخ أو التقرير ويسمى هذا الفن تجاهل العارف وهو على قسمين: موجب ومنفي.
أ- الموجب:
وهو ما يكون فيه الاستفهام عن شيئين أحدهما واقع والآخر غير واقع وللمتكلم أن ينطق بأحدهما ويسكت عن الآخر لدلالة الحال عليه ومن هذا الباب قوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» وهذا خارج مخرج التعجب وسيأتي بحثه عند الكلام على هذه الآية في سورة «القمر» وقوله تعالى «قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يبعد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» وهذا خارج مخرج التوبيخ وقد مر ذكره في سورة هود وقوله تعالى: «أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم» وهذا خارج مخرج التقرير وجميعه موجب كما رأيت.
ب- المنفي:
وأما الآية التي نحن بصددها فهي من القسم المنفي فقد تجاوز التشبيه، كما قلنا، تشبيه العرب كل من راعهم حسنه من البشر بالجن إلى تشبيه يوسف حين كان حسنه بادي الروعة متجاوزا في ائتلاقه ووسامته المألوف المعهود من روائع الحسن وله مع روعته البادية نور ورأوة، وطلاقة وتهلل، وعليه مسحة من سكينة تؤمن ناظره من تلك الرعوة وتثبت قلبه بما يسري إليه من سكينة وايماءة بالخير واستهواء لما فيه راحة النفس ولذتها فكان كذلك تشبيهه بالملك الكريم.
التشبيه المصون عن الابتذال:
وما دام الكلام انجر معنا إلى هذه النواحي التي تدق فيها الصنعة وتعزب أسرارها إلا عن الملهمين الذين تذوقوا أسرار القوم فلا ندحة لنا عن الاشارة إلى أن هذا الفن انما يلجأ اليه في التشبيه بنوع خاص للخروج من التقليد والارتفاع بالتشبيه إلى أبعد الآفاق وصيانته من الابتذال فلو لم تعرض الآية تشبيه يوسف بالملك بهذا الأسلوب المسبوق بالنفي الموجب للغرابة لم يكن للتشبيه ذلك الوقع الحسن ومن ذلك قول شاعر الخلود المتنبي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
فقد أراد تشبيه الوجه بالشمس ولكن هذا التشبيه شائع يكاد لشيوعه يسف إلى حضيض الابتذال فأراد صيانته بأن قدم له النفي متجاهلا فقال لا حاجة إلى الشمس مع ضيائك ونورك ولكنها لوقاحتها تطلع عليك.
تجاهل العارف في الشعر:
هذا ولتجاهل العارف وقع في النفوس كأخذة السحر ونشوة الخمر ولهذا قال السكاكي رحمة الله: «لا أحب تسميته بالتجاهل لوروده كثيرا في كلام الله تعالى» ثم أطلق عليه تسمية أخرى وهي «سوق المعلوم مساق غيره لنكتة» وقد طفحت أشعارنا به ولم تقتصر على المديح أو الغزل، كما قلنا، بل تجاوزتهما إلى أية مبالغة في أي موضوع من الموضوعات التي تعن للخواطر فاستمع إلى قول زهير ابن أبي سلمى تر العجب العجاب: قال يهجو حصن بن حذيفة الفزاري:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فانظر كيف خطر بباله أن ينفي الدراية بحال الآل، ثم قبل أن يكمل ذلك خطر بباله الجزم بأنه سوف يدري، ثم قبل أن يكمل ذلك قال إن حصول الدراية في المستقبل على سبيل التخيل والظن فحكى حال النفس عند ترددها في شأنه.
ويطربني قول أبي العباس النامي:
أحقا أن قاتلتي زرود ... وأن عهودها تلك العهود
وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد
وشكك فيّ عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد؟
وصيحة ابن الرومي صيحة الوهل حين يرى الوجنة الحمراء إلى جانب الصدع الأدعج:
يا وجنتيه اللتين من بهج ... فيّ صدغييه اللذين من دعج ما حمرة فيكما؟ أمن خجل ... أم صبغة الله أم دم المهج
وقد أطرفت ليلى بنت طريف الخارجية في رثاء أخيها:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
وأراد مهيار أن يشبه المحبوبة بالظبي وبالبدر وبغصن البان فتجاوز المألوف المعتاد وسما إلى سماء ما طاولتها سماء إذ قال:
سلا ظبية الوادي وما الظبي مثلها ... وإن كان مصقول الترائب أكحلا
أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى ... وعلمت غصن البان أن يتميّلا
ونختم هذا الباب المستطاب بقول البهاء زهير:
رعى الله ليلة وصل خلت ... وما خالط الصفو فيها الكدر
أتت بغتة ومضت سرعة ... وما قصرت بعد ذاك القصر
بغير احتيال ولا كلفة ... ولا موعد بيننا ينتظر
فقلت وقد كاد عقلي يطير ... سرورا بنيل المنى والوطر
أيا قلب تعرف من قد أتاك ... ويا عين تدرين من قد حضر
ويا قمر الأفق عد راجعا ... فقد حل في الدار عندي القمر
ويا ليلتي هكذا هكذا ... وبالله قف يا سحر فكانت كما أشتهي ليلة ... وطاب الحديث وطاب ا
لسهر خلونا وما بيننا ثالث ... فأصبح عند النسيم الخبر
ويقول الشريف الرضي وهو غاية الغايات:
بين الاظاعن حاجة خلفتها ... أودعتها يوم الفراق مودعي
وأظنها لا بل يقيني انها ... قلبي لأني لم أجد قلبي معي
2- الحذف:
وفي قوله «فذلكن الذي لمتنني فيه» والتقدير في حبه لأن الذوات لا يتعلق بها لوم ودليل تقدير في حبه قوله «قد شغفها حبا» في مراودته، ولعلها أولى بدليل قوله: «تراود فتاها عن نفسه» وإنما قلنا أولى لأنه فعلها بخلاف الحب فإنه أمر قهري لا يلام عليه إلا من حيث تعاطي أسبابه أما المراودة فهي حاصلة باكتسابها فهي قادرة على دفعها فيتأتى اللوم عليها بخلاف الحب فانه ليس فعلا لها ولا تقدر على دفعه لأن الحب المفرط قد يقهر صاحبه ولا يطيق أن يدفعه وحينئذ فلا يلام عليه وعلى كل حال فهو من أسبابه.
3- وفي قوله «متكأ» تصوير لنوع من الطعام الذي انما يقدم تفكها وتبسطا وتجميلا للمجلس وتوفيرا لأسباب المتعة فيه حتى إن الشأن فيه أن يكون الإقبال عليه في حالة من الراحة والاتكاء، والكلمة بعد هذا من الألفاظ الكثيرة التي أبدع القرآن صياغتها فتعلق بها العرب فيما بعد ولولا ذلك لما اهتدوا إليها ولخاتنهم اللغة في هذا الباب عن تصوير ما يريدون انظر حينما يصف القرآن دعوة امرأة العزيز للنسوة اللائي تحدثن منتقدات عن مراودتها ليوسف عن نفسه إلى جلسة لطيفة رائعة في بيتها لتطلعهن فيها على يوسف وجماله فيعذرنها فيما أقدمت عليه، لقد قدمت لهن في ذلك المجلس طعاما ولا شك ولقد أوضح القرآن هذا ولكنه لم يعبر عن ذلك بالطعام فهذه الكلمة إنما تصور شهوة الجوع وتنتقل بالفكر إلى «المطبخ» بكل ما فيه من ألوان الطعام وروائحه وأسبابه.
الفوائد:
1- (حاشا) تكون على ثلاثة أوجه:
1- فعلا متعديا متصرفا، تقول: حاشيته بمعنى استثنيته وان سبقتها ما تكون نافية.
2- تنزيهية نحو حاشا لله فتكون اسما مرادفا للتنزيه منصوبا على المفعولية المطلقة وقيل هي فعل وتثبت الألف وتحذف.
3- أن تكون للاستثناء فتكون حرفا بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى وهناك تفاصيل أخرى يرجع إليها في المطولات.
2- المخالفة في نوني التوكيد:
جمهور البصريين يرى أن نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة أصلان لتخالفهما في بعض أحكامهما كإبدال الخفيفة ألفا في نحو وليكونا وحذفها في نحو قوله:
ولا تهين الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه وكلاهما ممتنع في الثقيلة، هذا ما قاله سيبويه وعورض بأن الفرع قد يختص بما ليس للأصل أحيانا وقد قال سيبويه نفسه في أن المفتوحة انها فرع المكسورة ولها إذا خففت أحكام تخصها أما الكوفيون فيرون أن الخفيفة فرع الثقيلة.
وذكر الخليل بن أحمد: ان التوكيد بالثقيلة أشد من التوكيد بالخفيفة يدل له «ليسجنن وليكونن» فإن امرأة العزيز كانت أشدّ حرصا على سجنه من كينونته صاغرا.
3- لا يخلو اسم التفضيل المجرد من أل والاضافة غالبا من مشاركة المفضل عليه في المعنى لفظا أو تقديرا والمراد بقولنا تقديرا مشاركته بوجه ما كقولهم في البغيضين: هذا أحب إلي من هذا وفي الشرين هذا خير من هذا وفي التنزيل: «قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه» وتأويل ذلك هذا أقل بغضا وأقل شرا ومن غير الغالب العسل أحلى من الخل والصيف آخر من الشتاء.
يوسف 12:31
اللغة:
(نِسْوَةٌ) : جماعة من النساء وكن خمسا والنسوة اسم جمع لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو امرأة وتأنيثها غير حقيقي بل باعتبار الجماعة ولذلك لم يلحق فعلها تاء التأنيث والمشهور كسر نونها ويجوز ضمها في لغة، وقد قرىء بها وفي القاموس وشرحه ما يفهم منه أن النسوة والنسوة والنساء والنسوان والنّسون والنسنين جموع للمرأة من غير لفظها وقال الزمخشري: «النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث» .
(شَغَفَها) : دخل حبها شغاف قلبه وفي المصباح: «شغف الهوى قلبه شغفا من باب نفع والاسم الشغف بفتحتين، بلغ شغافه بالفتح وهو غشاؤه وشغفه المال زين له فأحبه فهو مشغوف به» . والشغاف حجاب القلب وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب قال النابغة:
وقد حال هم دون ذلك والحج ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع
(أَعْتَدَتْ) : هيأت وأحضرت، واعتده له هيأه وهو عتيد: معد حاضر ومنه العتيدة التي فيها الطيب والأدهان.
(مُتَّكَأً) : ما يتكئن عليه من نمارق يستندن عليها على عادة المتكبرين في أكل الفواكه حيث يتكىء آكلها على الوسائد ويأكلها بالسكاكين وقيل سمي الطعام كالاترج والموز متكأ لحصول الاتكاء على الوسائد عند أكله فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة أو استعارة تصريحية.
(أَكْبَرْنَهُ) : أعظمنه وهبن حسنه الرائع وجماله الأخاذ الفاتن واستولى عليهن الدهش وقيل: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت وحقيقته دخلت في الكبر لأنها إذا حاضت تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وكأن أبا الطيب رمق هذا التفسير فقال متملحا متغزلا:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
في إحدى روايات البيت التي نقلها أبو الفتح بن جني ويقال إن المرأة إذا اشتدت شهوتها سال دم حيضها فمعنى البيت: استر جمالك عنهن وإلا حضن، على أن الرواية التي اختارها أبو البقاء «ذابت» .
(حاشَ لِلَّهِ) : أي حاشا وسيأتي الحديث عنها في باب الفوائد.
الإعراب:
(وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) الواو عاطفة لتتساوق مجريات القصة، وقال نسوة فعل وفاعل وفي المدينة صفة لنسوة. (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا) امرأة العزيز مبتدأ وجملة تراود خبر وفتاها مفعول به وعن نفسه جار ومجرور متعلقان بتراود وقد حرف تحقيق وشغفها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وحبا تمييز محول عن الفاعل وجملة قد شغفها حال من فاعل تراود أو من مفعوله ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لامرأة. (إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة نراها خبر إن وفي ضلال متعلقان بنراها ومبين صفة لضلال. (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وسمعت فعل وفاعل مستتر وبمكرهن متعلقان بسمعت وجملة أرسلت لا محل لها وإليهن متعلقان بأرسلت وأعتدت عطف على أرسلت ولهن متعلقان بأعتدت ومتكأ مفعول به وآتت عطف أيضا وكل واحدة مفعول آتت الأول ومنهن صفة لواحدة وسكينا مفعول آتت الثاني والسكين تذكر وتؤنث قاله الكسائي والفراء وقال الجوهري: والغالب عليها التذكير.
(وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ) الواو عاطفة وجملة اخرج مقول القول وعليهن متعلقان بمحذوف حال أي مطلا عليهن مستعليا بدلّك الفاتن وجمالك الآخذ. (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة حرفية ورأينه فعل وفاعل ومفعول به وقطعن فعل وفاعل وأيديهن مفعول به، ولا نرى رأي القائلين بأن أكبرنه بمعنى حضن والهاء للسكت إذ هو تظرف مصنوع لا يليق بالقرآن. (وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً) وقلن فعل وفاعل وحاش اسم للتنزيه في محل نصب مفعول مطلق ولله متعلقان بمحذوف حال وسيأتي مزيد بحث عن حاشا في باب الفوائد وما نافية حجازية وهذا اسمها وبشرا خبرها وعبارة أبي حيان: «وقال الزمخشري وقرىء ما هذا بشرى أي حاصل بشرى بمعنى هذا مشترى وتقول هذا لك بشرى أي بكرا وقال:
واعمال ما عمل ليس هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن انتهى. وانما قال القدمى لأن الكثير في لغة الحجاز انما هو جر الخبر بالباء فتقول ما زيد بقائم وعليه أكثر ما جاء في القرآن وأما نصب الخبر فمن لغة الحجاز القديمة حتى أن النحويين لم يجدوا شاهدا على نصب الخبر في أشعار الحجازيين غير قول الشاعر: وأنا النذير بحرة مسودة ... يصل الجيوش إليكم قوادها
أبناؤها متكنفون أباهم ... حنقوا الصدور وما هم أولادها
وقال الفراء وهو سامع لغة حافظ ثقة: لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء فلما غلب على أهل الحجاز النطق بالباء قال الزمخشري:
اللغة القدمى الحجازية فالقرآن جاء باللغتين القدمى وغيرها» .
(إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) إن نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وملك خبر وكريم صفة. (قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) فذلك الفاء الفصيحة أي إن شئتم معرفته فذلكن واسم الاشارة مبتدأ ولم تقل فهذا وهو حاضر وسياق الكلام يتطلب ذلك رفعا لمنزلته في الحسن والذي خبر لمبتدأ محذوف أي هو الذي ولم يجعل الذي خبر لاسم الاشارة لأن لام البعد التي اقترن بها اقتضت بعده عنه لما تقدم من تعظيم رتبته في الحسن والجمال، وفيه متعلقان بلمتنني أي في حبه أو مراودته وسيأتي تحقيق في المحذوف في باب البلاغة. (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وراودته فعل وفاعل ومفعول به وعن نفسه متعلقان براودته، فاستعصم الفاء عاطفة واستعصم فعل ماض زيدت فيه السين للمبالغة في الامتناع. (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويفعل مضارع مجزوم وهو فعل الشرط وما مفعول به وجملة آمره صلة أي الذي آمره به ويصح كونها مصدرية أي أمري والضمير في آمره عائد على الموصول أي ما آمر به فحذف الجار كما حذف في أمرتك الخير ومفعول آمر الأول محذوف وكان التقدير ما آمره به وإن جعلت ما مصدرية جاز فيعود الضمير على يوسف أي أمري إياه ومعناه موجب أمري، واللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف على القاعدة في اجتماعهما دل عليه جواب القسم المذكور والتقدير ليسجنن وليكونن، وفي يسجنن نون التوكيد الثقيلة وفي يكون نون التوكيد الخفيفة واسم يكون مستتر تقديره هو ومن الصاغرين خبرها. (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا وهو ما كان جوابا لمقدر فقد قالت النسوة له بعد أن أسمعن تقرير زليخاء ألا تطيع مولاتك؟ قال إلخ، ورب منادى محذوف منه حرف النداء والسجن مبتدأ وأحب خبر وإلي للتبيين وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعد ما يفيد حبا أو بغضا من فعل تعجب أو اسم تفضيل ومما متعلقان بأحب وجملة يدعونني صلة وهو فعل مضارع مبني على سكون الواو والنون الاولى نون النسوة والثانية نون الوقاية فالواو ليست ضميرا بل هي لام الكلمة وليس هو من الأفعال الخمسة التي ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها وأضاف العمل إليهن لأنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن وقيل لأنهن لما قلن له ألا تطيع مولاتك صح إضافة الدعاء إليهن جميعا، واليه متعلقان بيدعونني.
(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) الواو عاطفة وان شرطية ولا نافية وتصرف فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره أنت وعني متعلقان بتصرف وكيدهن مفعول به وأصب جواب الشرط والفاعل مستتر تقديره أنا وإليهن جار ومجرور متعلقان بأصب وأكن عطف على أصب واسم أكن مستتر تقديره أنا ومن الجاهلين خبر أكن.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم»
فنان متداخلان الأول ظاهر وهو التشبيه البليغ فقد شبهن يوسف بالملك من دون ذكر الأداة وهذا واضح كما قلنا يجري على غرار التشبيهات المألوفة المقصود منه إثبات الحسن لأنه تعالى ركب في الطبائع أن لا شيء أحسن من الملك وقد عاين ذلك قوم لوط في ضيف ابراهيم من الملائكة، كما ركب في الطباع أن لا شيء أقبح من الشيطان، وكذلك قوله تعالى في صفة جهنم «طلعها كأنه رؤوس الشيطان» فكذلك قد تقرر أن لا شيء أحسن من الملك، فلما أرادت النسوة وصف يوسف بالحسن شبهنه بالملك. ولكن الأسلوب القرآني شاء أن يتجاوز المألوف من تشبيهات العرب لكل ما راعهم حسنه من البشر بالجن فأدخل فيه فنا آخر لا يبدو للناظر للوهلة الأولى وهو فن عرفوه بأنه سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج كلامه مخرج المدح أو ليدل- كما هنا- على شدة الوله في الحب وقد يقصد به الذم أو التعجب أو التوبيخ أو التقرير ويسمى هذا الفن تجاهل العارف وهو على قسمين: موجب ومنفي.
أ- الموجب:
وهو ما يكون فيه الاستفهام عن شيئين أحدهما واقع والآخر غير واقع وللمتكلم أن ينطق بأحدهما ويسكت عن الآخر لدلالة الحال عليه ومن هذا الباب قوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» وهذا خارج مخرج التعجب وسيأتي بحثه عند الكلام على هذه الآية في سورة «القمر» وقوله تعالى «قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يبعد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» وهذا خارج مخرج التوبيخ وقد مر ذكره في سورة هود وقوله تعالى: «أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم» وهذا خارج مخرج التقرير وجميعه موجب كما رأيت.
ب- المنفي:
وأما الآية التي نحن بصددها فهي من القسم المنفي فقد تجاوز التشبيه، كما قلنا، تشبيه العرب كل من راعهم حسنه من البشر بالجن إلى تشبيه يوسف حين كان حسنه بادي الروعة متجاوزا في ائتلاقه ووسامته المألوف المعهود من روائع الحسن وله مع روعته البادية نور ورأوة، وطلاقة وتهلل، وعليه مسحة من سكينة تؤمن ناظره من تلك الرعوة وتثبت قلبه بما يسري إليه من سكينة وايماءة بالخير واستهواء لما فيه راحة النفس ولذتها فكان كذلك تشبيهه بالملك الكريم.
التشبيه المصون عن الابتذال:
وما دام الكلام انجر معنا إلى هذه النواحي التي تدق فيها الصنعة وتعزب أسرارها إلا عن الملهمين الذين تذوقوا أسرار القوم فلا ندحة لنا عن الاشارة إلى أن هذا الفن انما يلجأ اليه في التشبيه بنوع خاص للخروج من التقليد والارتفاع بالتشبيه إلى أبعد الآفاق وصيانته من الابتذال فلو لم تعرض الآية تشبيه يوسف بالملك بهذا الأسلوب المسبوق بالنفي الموجب للغرابة لم يكن للتشبيه ذلك الوقع الحسن ومن ذلك قول شاعر الخلود المتنبي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
فقد أراد تشبيه الوجه بالشمس ولكن هذا التشبيه شائع يكاد لشيوعه يسف إلى حضيض الابتذال فأراد صيانته بأن قدم له النفي متجاهلا فقال لا حاجة إلى الشمس مع ضيائك ونورك ولكنها لوقاحتها تطلع عليك.
تجاهل العارف في الشعر:
هذا ولتجاهل العارف وقع في النفوس كأخذة السحر ونشوة الخمر ولهذا قال السكاكي رحمة الله: «لا أحب تسميته بالتجاهل لوروده كثيرا في كلام الله تعالى» ثم أطلق عليه تسمية أخرى وهي «سوق المعلوم مساق غيره لنكتة» وقد طفحت أشعارنا به ولم تقتصر على المديح أو الغزل، كما قلنا، بل تجاوزتهما إلى أية مبالغة في أي موضوع من الموضوعات التي تعن للخواطر فاستمع إلى قول زهير ابن أبي سلمى تر العجب العجاب: قال يهجو حصن بن حذيفة الفزاري:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فانظر كيف خطر بباله أن ينفي الدراية بحال الآل، ثم قبل أن يكمل ذلك خطر بباله الجزم بأنه سوف يدري، ثم قبل أن يكمل ذلك قال إن حصول الدراية في المستقبل على سبيل التخيل والظن فحكى حال النفس عند ترددها في شأنه.
ويطربني قول أبي العباس النامي:
أحقا أن قاتلتي زرود ... وأن عهودها تلك العهود
وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد
وشكك فيّ عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد؟
وصيحة ابن الرومي صيحة الوهل حين يرى الوجنة الحمراء إلى جانب الصدع الأدعج:
يا وجنتيه اللتين من بهج ... فيّ صدغييه اللذين من دعج ما حمرة فيكما؟ أمن خجل ... أم صبغة الله أم دم المهج
وقد أطرفت ليلى بنت طريف الخارجية في رثاء أخيها:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
وأراد مهيار أن يشبه المحبوبة بالظبي وبالبدر وبغصن البان فتجاوز المألوف المعتاد وسما إلى سماء ما طاولتها سماء إذ قال:
سلا ظبية الوادي وما الظبي مثلها ... وإن كان مصقول الترائب أكحلا
أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى ... وعلمت غصن البان أن يتميّلا
ونختم هذا الباب المستطاب بقول البهاء زهير:
رعى الله ليلة وصل خلت ... وما خالط الصفو فيها الكدر
أتت بغتة ومضت سرعة ... وما قصرت بعد ذاك القصر
بغير احتيال ولا كلفة ... ولا موعد بيننا ينتظر
فقلت وقد كاد عقلي يطير ... سرورا بنيل المنى والوطر
أيا قلب تعرف من قد أتاك ... ويا عين تدرين من قد حضر
ويا قمر الأفق عد راجعا ... فقد حل في الدار عندي القمر
ويا ليلتي هكذا هكذا ... وبالله قف يا سحر فكانت كما أشتهي ليلة ... وطاب الحديث وطاب ا
لسهر خلونا وما بيننا ثالث ... فأصبح عند النسيم الخبر
ويقول الشريف الرضي وهو غاية الغايات:
بين الاظاعن حاجة خلفتها ... أودعتها يوم الفراق مودعي
وأظنها لا بل يقيني انها ... قلبي لأني لم أجد قلبي معي
2- الحذف:
وفي قوله «فذلكن الذي لمتنني فيه» والتقدير في حبه لأن الذوات لا يتعلق بها لوم ودليل تقدير في حبه قوله «قد شغفها حبا» في مراودته، ولعلها أولى بدليل قوله: «تراود فتاها عن نفسه» وإنما قلنا أولى لأنه فعلها بخلاف الحب فإنه أمر قهري لا يلام عليه إلا من حيث تعاطي أسبابه أما المراودة فهي حاصلة باكتسابها فهي قادرة على دفعها فيتأتى اللوم عليها بخلاف الحب فانه ليس فعلا لها ولا تقدر على دفعه لأن الحب المفرط قد يقهر صاحبه ولا يطيق أن يدفعه وحينئذ فلا يلام عليه وعلى كل حال فهو من أسبابه.
3- وفي قوله «متكأ» تصوير لنوع من الطعام الذي انما يقدم تفكها وتبسطا وتجميلا للمجلس وتوفيرا لأسباب المتعة فيه حتى إن الشأن فيه أن يكون الإقبال عليه في حالة من الراحة والاتكاء، والكلمة بعد هذا من الألفاظ الكثيرة التي أبدع القرآن صياغتها فتعلق بها العرب فيما بعد ولولا ذلك لما اهتدوا إليها ولخاتنهم اللغة في هذا الباب عن تصوير ما يريدون انظر حينما يصف القرآن دعوة امرأة العزيز للنسوة اللائي تحدثن منتقدات عن مراودتها ليوسف عن نفسه إلى جلسة لطيفة رائعة في بيتها لتطلعهن فيها على يوسف وجماله فيعذرنها فيما أقدمت عليه، لقد قدمت لهن في ذلك المجلس طعاما ولا شك ولقد أوضح القرآن هذا ولكنه لم يعبر عن ذلك بالطعام فهذه الكلمة إنما تصور شهوة الجوع وتنتقل بالفكر إلى «المطبخ» بكل ما فيه من ألوان الطعام وروائحه وأسبابه.
الفوائد:
1- (حاشا) تكون على ثلاثة أوجه:
1- فعلا متعديا متصرفا، تقول: حاشيته بمعنى استثنيته وان سبقتها ما تكون نافية.
2- تنزيهية نحو حاشا لله فتكون اسما مرادفا للتنزيه منصوبا على المفعولية المطلقة وقيل هي فعل وتثبت الألف وتحذف.
3- أن تكون للاستثناء فتكون حرفا بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى وهناك تفاصيل أخرى يرجع إليها في المطولات.
2- المخالفة في نوني التوكيد:
جمهور البصريين يرى أن نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة أصلان لتخالفهما في بعض أحكامهما كإبدال الخفيفة ألفا في نحو وليكونا وحذفها في نحو قوله:
ولا تهين الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه وكلاهما ممتنع في الثقيلة، هذا ما قاله سيبويه وعورض بأن الفرع قد يختص بما ليس للأصل أحيانا وقد قال سيبويه نفسه في أن المفتوحة انها فرع المكسورة ولها إذا خففت أحكام تخصها أما الكوفيون فيرون أن الخفيفة فرع الثقيلة.
وذكر الخليل بن أحمد: ان التوكيد بالثقيلة أشد من التوكيد بالخفيفة يدل له «ليسجنن وليكونن» فإن امرأة العزيز كانت أشدّ حرصا على سجنه من كينونته صاغرا.
3- لا يخلو اسم التفضيل المجرد من أل والاضافة غالبا من مشاركة المفضل عليه في المعنى لفظا أو تقديرا والمراد بقولنا تقديرا مشاركته بوجه ما كقولهم في البغيضين: هذا أحب إلي من هذا وفي الشرين هذا خير من هذا وفي التنزيل: «قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه» وتأويل ذلك هذا أقل بغضا وأقل شرا ومن غير الغالب العسل أحلى من الخل والصيف آخر من الشتاء.
يوسف 12:32
اللغة:
(نِسْوَةٌ) : جماعة من النساء وكن خمسا والنسوة اسم جمع لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو امرأة وتأنيثها غير حقيقي بل باعتبار الجماعة ولذلك لم يلحق فعلها تاء التأنيث والمشهور كسر نونها ويجوز ضمها في لغة، وقد قرىء بها وفي القاموس وشرحه ما يفهم منه أن النسوة والنسوة والنساء والنسوان والنّسون والنسنين جموع للمرأة من غير لفظها وقال الزمخشري: «النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث» .
(شَغَفَها) : دخل حبها شغاف قلبه وفي المصباح: «شغف الهوى قلبه شغفا من باب نفع والاسم الشغف بفتحتين، بلغ شغافه بالفتح وهو غشاؤه وشغفه المال زين له فأحبه فهو مشغوف به» . والشغاف حجاب القلب وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب قال النابغة:
وقد حال هم دون ذلك والحج ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع
(أَعْتَدَتْ) : هيأت وأحضرت، واعتده له هيأه وهو عتيد: معد حاضر ومنه العتيدة التي فيها الطيب والأدهان.
(مُتَّكَأً) : ما يتكئن عليه من نمارق يستندن عليها على عادة المتكبرين في أكل الفواكه حيث يتكىء آكلها على الوسائد ويأكلها بالسكاكين وقيل سمي الطعام كالاترج والموز متكأ لحصول الاتكاء على الوسائد عند أكله فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة أو استعارة تصريحية.
(أَكْبَرْنَهُ) : أعظمنه وهبن حسنه الرائع وجماله الأخاذ الفاتن واستولى عليهن الدهش وقيل: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت وحقيقته دخلت في الكبر لأنها إذا حاضت تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وكأن أبا الطيب رمق هذا التفسير فقال متملحا متغزلا:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
في إحدى روايات البيت التي نقلها أبو الفتح بن جني ويقال إن المرأة إذا اشتدت شهوتها سال دم حيضها فمعنى البيت: استر جمالك عنهن وإلا حضن، على أن الرواية التي اختارها أبو البقاء «ذابت» .
(حاشَ لِلَّهِ) : أي حاشا وسيأتي الحديث عنها في باب الفوائد.
الإعراب:
(وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) الواو عاطفة لتتساوق مجريات القصة، وقال نسوة فعل وفاعل وفي المدينة صفة لنسوة. (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا) امرأة العزيز مبتدأ وجملة تراود خبر وفتاها مفعول به وعن نفسه جار ومجرور متعلقان بتراود وقد حرف تحقيق وشغفها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وحبا تمييز محول عن الفاعل وجملة قد شغفها حال من فاعل تراود أو من مفعوله ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لامرأة. (إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة نراها خبر إن وفي ضلال متعلقان بنراها ومبين صفة لضلال. (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وسمعت فعل وفاعل مستتر وبمكرهن متعلقان بسمعت وجملة أرسلت لا محل لها وإليهن متعلقان بأرسلت وأعتدت عطف على أرسلت ولهن متعلقان بأعتدت ومتكأ مفعول به وآتت عطف أيضا وكل واحدة مفعول آتت الأول ومنهن صفة لواحدة وسكينا مفعول آتت الثاني والسكين تذكر وتؤنث قاله الكسائي والفراء وقال الجوهري: والغالب عليها التذكير.
(وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ) الواو عاطفة وجملة اخرج مقول القول وعليهن متعلقان بمحذوف حال أي مطلا عليهن مستعليا بدلّك الفاتن وجمالك الآخذ. (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة حرفية ورأينه فعل وفاعل ومفعول به وقطعن فعل وفاعل وأيديهن مفعول به، ولا نرى رأي القائلين بأن أكبرنه بمعنى حضن والهاء للسكت إذ هو تظرف مصنوع لا يليق بالقرآن. (وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً) وقلن فعل وفاعل وحاش اسم للتنزيه في محل نصب مفعول مطلق ولله متعلقان بمحذوف حال وسيأتي مزيد بحث عن حاشا في باب الفوائد وما نافية حجازية وهذا اسمها وبشرا خبرها وعبارة أبي حيان: «وقال الزمخشري وقرىء ما هذا بشرى أي حاصل بشرى بمعنى هذا مشترى وتقول هذا لك بشرى أي بكرا وقال:
واعمال ما عمل ليس هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن انتهى. وانما قال القدمى لأن الكثير في لغة الحجاز انما هو جر الخبر بالباء فتقول ما زيد بقائم وعليه أكثر ما جاء في القرآن وأما نصب الخبر فمن لغة الحجاز القديمة حتى أن النحويين لم يجدوا شاهدا على نصب الخبر في أشعار الحجازيين غير قول الشاعر: وأنا النذير بحرة مسودة ... يصل الجيوش إليكم قوادها
أبناؤها متكنفون أباهم ... حنقوا الصدور وما هم أولادها
وقال الفراء وهو سامع لغة حافظ ثقة: لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء فلما غلب على أهل الحجاز النطق بالباء قال الزمخشري:
اللغة القدمى الحجازية فالقرآن جاء باللغتين القدمى وغيرها» .
(إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) إن نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وملك خبر وكريم صفة. (قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) فذلك الفاء الفصيحة أي إن شئتم معرفته فذلكن واسم الاشارة مبتدأ ولم تقل فهذا وهو حاضر وسياق الكلام يتطلب ذلك رفعا لمنزلته في الحسن والذي خبر لمبتدأ محذوف أي هو الذي ولم يجعل الذي خبر لاسم الاشارة لأن لام البعد التي اقترن بها اقتضت بعده عنه لما تقدم من تعظيم رتبته في الحسن والجمال، وفيه متعلقان بلمتنني أي في حبه أو مراودته وسيأتي تحقيق في المحذوف في باب البلاغة. (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وراودته فعل وفاعل ومفعول به وعن نفسه متعلقان براودته، فاستعصم الفاء عاطفة واستعصم فعل ماض زيدت فيه السين للمبالغة في الامتناع. (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويفعل مضارع مجزوم وهو فعل الشرط وما مفعول به وجملة آمره صلة أي الذي آمره به ويصح كونها مصدرية أي أمري والضمير في آمره عائد على الموصول أي ما آمر به فحذف الجار كما حذف في أمرتك الخير ومفعول آمر الأول محذوف وكان التقدير ما آمره به وإن جعلت ما مصدرية جاز فيعود الضمير على يوسف أي أمري إياه ومعناه موجب أمري، واللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف على القاعدة في اجتماعهما دل عليه جواب القسم المذكور والتقدير ليسجنن وليكونن، وفي يسجنن نون التوكيد الثقيلة وفي يكون نون التوكيد الخفيفة واسم يكون مستتر تقديره هو ومن الصاغرين خبرها. (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا وهو ما كان جوابا لمقدر فقد قالت النسوة له بعد أن أسمعن تقرير زليخاء ألا تطيع مولاتك؟ قال إلخ، ورب منادى محذوف منه حرف النداء والسجن مبتدأ وأحب خبر وإلي للتبيين وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعد ما يفيد حبا أو بغضا من فعل تعجب أو اسم تفضيل ومما متعلقان بأحب وجملة يدعونني صلة وهو فعل مضارع مبني على سكون الواو والنون الاولى نون النسوة والثانية نون الوقاية فالواو ليست ضميرا بل هي لام الكلمة وليس هو من الأفعال الخمسة التي ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها وأضاف العمل إليهن لأنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن وقيل لأنهن لما قلن له ألا تطيع مولاتك صح إضافة الدعاء إليهن جميعا، واليه متعلقان بيدعونني.
(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) الواو عاطفة وان شرطية ولا نافية وتصرف فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره أنت وعني متعلقان بتصرف وكيدهن مفعول به وأصب جواب الشرط والفاعل مستتر تقديره أنا وإليهن جار ومجرور متعلقان بأصب وأكن عطف على أصب واسم أكن مستتر تقديره أنا ومن الجاهلين خبر أكن.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم»
فنان متداخلان الأول ظاهر وهو التشبيه البليغ فقد شبهن يوسف بالملك من دون ذكر الأداة وهذا واضح كما قلنا يجري على غرار التشبيهات المألوفة المقصود منه إثبات الحسن لأنه تعالى ركب في الطبائع أن لا شيء أحسن من الملك وقد عاين ذلك قوم لوط في ضيف ابراهيم من الملائكة، كما ركب في الطباع أن لا شيء أقبح من الشيطان، وكذلك قوله تعالى في صفة جهنم «طلعها كأنه رؤوس الشيطان» فكذلك قد تقرر أن لا شيء أحسن من الملك، فلما أرادت النسوة وصف يوسف بالحسن شبهنه بالملك. ولكن الأسلوب القرآني شاء أن يتجاوز المألوف من تشبيهات العرب لكل ما راعهم حسنه من البشر بالجن فأدخل فيه فنا آخر لا يبدو للناظر للوهلة الأولى وهو فن عرفوه بأنه سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج كلامه مخرج المدح أو ليدل- كما هنا- على شدة الوله في الحب وقد يقصد به الذم أو التعجب أو التوبيخ أو التقرير ويسمى هذا الفن تجاهل العارف وهو على قسمين: موجب ومنفي.
أ- الموجب:
وهو ما يكون فيه الاستفهام عن شيئين أحدهما واقع والآخر غير واقع وللمتكلم أن ينطق بأحدهما ويسكت عن الآخر لدلالة الحال عليه ومن هذا الباب قوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» وهذا خارج مخرج التعجب وسيأتي بحثه عند الكلام على هذه الآية في سورة «القمر» وقوله تعالى «قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يبعد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» وهذا خارج مخرج التوبيخ وقد مر ذكره في سورة هود وقوله تعالى: «أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم» وهذا خارج مخرج التقرير وجميعه موجب كما رأيت.
ب- المنفي:
وأما الآية التي نحن بصددها فهي من القسم المنفي فقد تجاوز التشبيه، كما قلنا، تشبيه العرب كل من راعهم حسنه من البشر بالجن إلى تشبيه يوسف حين كان حسنه بادي الروعة متجاوزا في ائتلاقه ووسامته المألوف المعهود من روائع الحسن وله مع روعته البادية نور ورأوة، وطلاقة وتهلل، وعليه مسحة من سكينة تؤمن ناظره من تلك الرعوة وتثبت قلبه بما يسري إليه من سكينة وايماءة بالخير واستهواء لما فيه راحة النفس ولذتها فكان كذلك تشبيهه بالملك الكريم.
التشبيه المصون عن الابتذال:
وما دام الكلام انجر معنا إلى هذه النواحي التي تدق فيها الصنعة وتعزب أسرارها إلا عن الملهمين الذين تذوقوا أسرار القوم فلا ندحة لنا عن الاشارة إلى أن هذا الفن انما يلجأ اليه في التشبيه بنوع خاص للخروج من التقليد والارتفاع بالتشبيه إلى أبعد الآفاق وصيانته من الابتذال فلو لم تعرض الآية تشبيه يوسف بالملك بهذا الأسلوب المسبوق بالنفي الموجب للغرابة لم يكن للتشبيه ذلك الوقع الحسن ومن ذلك قول شاعر الخلود المتنبي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
فقد أراد تشبيه الوجه بالشمس ولكن هذا التشبيه شائع يكاد لشيوعه يسف إلى حضيض الابتذال فأراد صيانته بأن قدم له النفي متجاهلا فقال لا حاجة إلى الشمس مع ضيائك ونورك ولكنها لوقاحتها تطلع عليك.
تجاهل العارف في الشعر:
هذا ولتجاهل العارف وقع في النفوس كأخذة السحر ونشوة الخمر ولهذا قال السكاكي رحمة الله: «لا أحب تسميته بالتجاهل لوروده كثيرا في كلام الله تعالى» ثم أطلق عليه تسمية أخرى وهي «سوق المعلوم مساق غيره لنكتة» وقد طفحت أشعارنا به ولم تقتصر على المديح أو الغزل، كما قلنا، بل تجاوزتهما إلى أية مبالغة في أي موضوع من الموضوعات التي تعن للخواطر فاستمع إلى قول زهير ابن أبي سلمى تر العجب العجاب: قال يهجو حصن بن حذيفة الفزاري:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فانظر كيف خطر بباله أن ينفي الدراية بحال الآل، ثم قبل أن يكمل ذلك خطر بباله الجزم بأنه سوف يدري، ثم قبل أن يكمل ذلك قال إن حصول الدراية في المستقبل على سبيل التخيل والظن فحكى حال النفس عند ترددها في شأنه.
ويطربني قول أبي العباس النامي:
أحقا أن قاتلتي زرود ... وأن عهودها تلك العهود
وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد
وشكك فيّ عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد؟
وصيحة ابن الرومي صيحة الوهل حين يرى الوجنة الحمراء إلى جانب الصدع الأدعج:
يا وجنتيه اللتين من بهج ... فيّ صدغييه اللذين من دعج ما حمرة فيكما؟ أمن خجل ... أم صبغة الله أم دم المهج
وقد أطرفت ليلى بنت طريف الخارجية في رثاء أخيها:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
وأراد مهيار أن يشبه المحبوبة بالظبي وبالبدر وبغصن البان فتجاوز المألوف المعتاد وسما إلى سماء ما طاولتها سماء إذ قال:
سلا ظبية الوادي وما الظبي مثلها ... وإن كان مصقول الترائب أكحلا
أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى ... وعلمت غصن البان أن يتميّلا
ونختم هذا الباب المستطاب بقول البهاء زهير:
رعى الله ليلة وصل خلت ... وما خالط الصفو فيها الكدر
أتت بغتة ومضت سرعة ... وما قصرت بعد ذاك القصر
بغير احتيال ولا كلفة ... ولا موعد بيننا ينتظر
فقلت وقد كاد عقلي يطير ... سرورا بنيل المنى والوطر
أيا قلب تعرف من قد أتاك ... ويا عين تدرين من قد حضر
ويا قمر الأفق عد راجعا ... فقد حل في الدار عندي القمر
ويا ليلتي هكذا هكذا ... وبالله قف يا سحر فكانت كما أشتهي ليلة ... وطاب الحديث وطاب ا
لسهر خلونا وما بيننا ثالث ... فأصبح عند النسيم الخبر
ويقول الشريف الرضي وهو غاية الغايات:
بين الاظاعن حاجة خلفتها ... أودعتها يوم الفراق مودعي
وأظنها لا بل يقيني انها ... قلبي لأني لم أجد قلبي معي
2- الحذف:
وفي قوله «فذلكن الذي لمتنني فيه» والتقدير في حبه لأن الذوات لا يتعلق بها لوم ودليل تقدير في حبه قوله «قد شغفها حبا» في مراودته، ولعلها أولى بدليل قوله: «تراود فتاها عن نفسه» وإنما قلنا أولى لأنه فعلها بخلاف الحب فإنه أمر قهري لا يلام عليه إلا من حيث تعاطي أسبابه أما المراودة فهي حاصلة باكتسابها فهي قادرة على دفعها فيتأتى اللوم عليها بخلاف الحب فانه ليس فعلا لها ولا تقدر على دفعه لأن الحب المفرط قد يقهر صاحبه ولا يطيق أن يدفعه وحينئذ فلا يلام عليه وعلى كل حال فهو من أسبابه.
3- وفي قوله «متكأ» تصوير لنوع من الطعام الذي انما يقدم تفكها وتبسطا وتجميلا للمجلس وتوفيرا لأسباب المتعة فيه حتى إن الشأن فيه أن يكون الإقبال عليه في حالة من الراحة والاتكاء، والكلمة بعد هذا من الألفاظ الكثيرة التي أبدع القرآن صياغتها فتعلق بها العرب فيما بعد ولولا ذلك لما اهتدوا إليها ولخاتنهم اللغة في هذا الباب عن تصوير ما يريدون انظر حينما يصف القرآن دعوة امرأة العزيز للنسوة اللائي تحدثن منتقدات عن مراودتها ليوسف عن نفسه إلى جلسة لطيفة رائعة في بيتها لتطلعهن فيها على يوسف وجماله فيعذرنها فيما أقدمت عليه، لقد قدمت لهن في ذلك المجلس طعاما ولا شك ولقد أوضح القرآن هذا ولكنه لم يعبر عن ذلك بالطعام فهذه الكلمة إنما تصور شهوة الجوع وتنتقل بالفكر إلى «المطبخ» بكل ما فيه من ألوان الطعام وروائحه وأسبابه.
الفوائد:
1- (حاشا) تكون على ثلاثة أوجه:
1- فعلا متعديا متصرفا، تقول: حاشيته بمعنى استثنيته وان سبقتها ما تكون نافية.
2- تنزيهية نحو حاشا لله فتكون اسما مرادفا للتنزيه منصوبا على المفعولية المطلقة وقيل هي فعل وتثبت الألف وتحذف.
3- أن تكون للاستثناء فتكون حرفا بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى وهناك تفاصيل أخرى يرجع إليها في المطولات.
2- المخالفة في نوني التوكيد:
جمهور البصريين يرى أن نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة أصلان لتخالفهما في بعض أحكامهما كإبدال الخفيفة ألفا في نحو وليكونا وحذفها في نحو قوله:
ولا تهين الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه وكلاهما ممتنع في الثقيلة، هذا ما قاله سيبويه وعورض بأن الفرع قد يختص بما ليس للأصل أحيانا وقد قال سيبويه نفسه في أن المفتوحة انها فرع المكسورة ولها إذا خففت أحكام تخصها أما الكوفيون فيرون أن الخفيفة فرع الثقيلة.
وذكر الخليل بن أحمد: ان التوكيد بالثقيلة أشد من التوكيد بالخفيفة يدل له «ليسجنن وليكونن» فإن امرأة العزيز كانت أشدّ حرصا على سجنه من كينونته صاغرا.
3- لا يخلو اسم التفضيل المجرد من أل والاضافة غالبا من مشاركة المفضل عليه في المعنى لفظا أو تقديرا والمراد بقولنا تقديرا مشاركته بوجه ما كقولهم في البغيضين: هذا أحب إلي من هذا وفي الشرين هذا خير من هذا وفي التنزيل: «قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه» وتأويل ذلك هذا أقل بغضا وأقل شرا ومن غير الغالب العسل أحلى من الخل والصيف آخر من الشتاء.
يوسف 12:33
اللغة:
(نِسْوَةٌ) : جماعة من النساء وكن خمسا والنسوة اسم جمع لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو امرأة وتأنيثها غير حقيقي بل باعتبار الجماعة ولذلك لم يلحق فعلها تاء التأنيث والمشهور كسر نونها ويجوز ضمها في لغة، وقد قرىء بها وفي القاموس وشرحه ما يفهم منه أن النسوة والنسوة والنساء والنسوان والنّسون والنسنين جموع للمرأة من غير لفظها وقال الزمخشري: «النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث» .
(شَغَفَها) : دخل حبها شغاف قلبه وفي المصباح: «شغف الهوى قلبه شغفا من باب نفع والاسم الشغف بفتحتين، بلغ شغافه بالفتح وهو غشاؤه وشغفه المال زين له فأحبه فهو مشغوف به» . والشغاف حجاب القلب وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب قال النابغة:
وقد حال هم دون ذلك والحج ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع
(أَعْتَدَتْ) : هيأت وأحضرت، واعتده له هيأه وهو عتيد: معد حاضر ومنه العتيدة التي فيها الطيب والأدهان.
(مُتَّكَأً) : ما يتكئن عليه من نمارق يستندن عليها على عادة المتكبرين في أكل الفواكه حيث يتكىء آكلها على الوسائد ويأكلها بالسكاكين وقيل سمي الطعام كالاترج والموز متكأ لحصول الاتكاء على الوسائد عند أكله فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة أو استعارة تصريحية.
(أَكْبَرْنَهُ) : أعظمنه وهبن حسنه الرائع وجماله الأخاذ الفاتن واستولى عليهن الدهش وقيل: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت وحقيقته دخلت في الكبر لأنها إذا حاضت تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وكأن أبا الطيب رمق هذا التفسير فقال متملحا متغزلا:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
في إحدى روايات البيت التي نقلها أبو الفتح بن جني ويقال إن المرأة إذا اشتدت شهوتها سال دم حيضها فمعنى البيت: استر جمالك عنهن وإلا حضن، على أن الرواية التي اختارها أبو البقاء «ذابت» .
(حاشَ لِلَّهِ) : أي حاشا وسيأتي الحديث عنها في باب الفوائد.
الإعراب:
(وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) الواو عاطفة لتتساوق مجريات القصة، وقال نسوة فعل وفاعل وفي المدينة صفة لنسوة. (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا) امرأة العزيز مبتدأ وجملة تراود خبر وفتاها مفعول به وعن نفسه جار ومجرور متعلقان بتراود وقد حرف تحقيق وشغفها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وحبا تمييز محول عن الفاعل وجملة قد شغفها حال من فاعل تراود أو من مفعوله ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لامرأة. (إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة نراها خبر إن وفي ضلال متعلقان بنراها ومبين صفة لضلال. (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وسمعت فعل وفاعل مستتر وبمكرهن متعلقان بسمعت وجملة أرسلت لا محل لها وإليهن متعلقان بأرسلت وأعتدت عطف على أرسلت ولهن متعلقان بأعتدت ومتكأ مفعول به وآتت عطف أيضا وكل واحدة مفعول آتت الأول ومنهن صفة لواحدة وسكينا مفعول آتت الثاني والسكين تذكر وتؤنث قاله الكسائي والفراء وقال الجوهري: والغالب عليها التذكير.
(وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ) الواو عاطفة وجملة اخرج مقول القول وعليهن متعلقان بمحذوف حال أي مطلا عليهن مستعليا بدلّك الفاتن وجمالك الآخذ. (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة حرفية ورأينه فعل وفاعل ومفعول به وقطعن فعل وفاعل وأيديهن مفعول به، ولا نرى رأي القائلين بأن أكبرنه بمعنى حضن والهاء للسكت إذ هو تظرف مصنوع لا يليق بالقرآن. (وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً) وقلن فعل وفاعل وحاش اسم للتنزيه في محل نصب مفعول مطلق ولله متعلقان بمحذوف حال وسيأتي مزيد بحث عن حاشا في باب الفوائد وما نافية حجازية وهذا اسمها وبشرا خبرها وعبارة أبي حيان: «وقال الزمخشري وقرىء ما هذا بشرى أي حاصل بشرى بمعنى هذا مشترى وتقول هذا لك بشرى أي بكرا وقال:
واعمال ما عمل ليس هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن انتهى. وانما قال القدمى لأن الكثير في لغة الحجاز انما هو جر الخبر بالباء فتقول ما زيد بقائم وعليه أكثر ما جاء في القرآن وأما نصب الخبر فمن لغة الحجاز القديمة حتى أن النحويين لم يجدوا شاهدا على نصب الخبر في أشعار الحجازيين غير قول الشاعر: وأنا النذير بحرة مسودة ... يصل الجيوش إليكم قوادها
أبناؤها متكنفون أباهم ... حنقوا الصدور وما هم أولادها
وقال الفراء وهو سامع لغة حافظ ثقة: لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء فلما غلب على أهل الحجاز النطق بالباء قال الزمخشري:
اللغة القدمى الحجازية فالقرآن جاء باللغتين القدمى وغيرها» .
(إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) إن نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وملك خبر وكريم صفة. (قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) فذلك الفاء الفصيحة أي إن شئتم معرفته فذلكن واسم الاشارة مبتدأ ولم تقل فهذا وهو حاضر وسياق الكلام يتطلب ذلك رفعا لمنزلته في الحسن والذي خبر لمبتدأ محذوف أي هو الذي ولم يجعل الذي خبر لاسم الاشارة لأن لام البعد التي اقترن بها اقتضت بعده عنه لما تقدم من تعظيم رتبته في الحسن والجمال، وفيه متعلقان بلمتنني أي في حبه أو مراودته وسيأتي تحقيق في المحذوف في باب البلاغة. (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وراودته فعل وفاعل ومفعول به وعن نفسه متعلقان براودته، فاستعصم الفاء عاطفة واستعصم فعل ماض زيدت فيه السين للمبالغة في الامتناع. (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويفعل مضارع مجزوم وهو فعل الشرط وما مفعول به وجملة آمره صلة أي الذي آمره به ويصح كونها مصدرية أي أمري والضمير في آمره عائد على الموصول أي ما آمر به فحذف الجار كما حذف في أمرتك الخير ومفعول آمر الأول محذوف وكان التقدير ما آمره به وإن جعلت ما مصدرية جاز فيعود الضمير على يوسف أي أمري إياه ومعناه موجب أمري، واللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف على القاعدة في اجتماعهما دل عليه جواب القسم المذكور والتقدير ليسجنن وليكونن، وفي يسجنن نون التوكيد الثقيلة وفي يكون نون التوكيد الخفيفة واسم يكون مستتر تقديره هو ومن الصاغرين خبرها. (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا وهو ما كان جوابا لمقدر فقد قالت النسوة له بعد أن أسمعن تقرير زليخاء ألا تطيع مولاتك؟ قال إلخ، ورب منادى محذوف منه حرف النداء والسجن مبتدأ وأحب خبر وإلي للتبيين وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعد ما يفيد حبا أو بغضا من فعل تعجب أو اسم تفضيل ومما متعلقان بأحب وجملة يدعونني صلة وهو فعل مضارع مبني على سكون الواو والنون الاولى نون النسوة والثانية نون الوقاية فالواو ليست ضميرا بل هي لام الكلمة وليس هو من الأفعال الخمسة التي ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها وأضاف العمل إليهن لأنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن وقيل لأنهن لما قلن له ألا تطيع مولاتك صح إضافة الدعاء إليهن جميعا، واليه متعلقان بيدعونني.
(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) الواو عاطفة وان شرطية ولا نافية وتصرف فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره أنت وعني متعلقان بتصرف وكيدهن مفعول به وأصب جواب الشرط والفاعل مستتر تقديره أنا وإليهن جار ومجرور متعلقان بأصب وأكن عطف على أصب واسم أكن مستتر تقديره أنا ومن الجاهلين خبر أكن.
البلاغة:
1- في قوله تعالى «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم»
فنان متداخلان الأول ظاهر وهو التشبيه البليغ فقد شبهن يوسف بالملك من دون ذكر الأداة وهذا واضح كما قلنا يجري على غرار التشبيهات المألوفة المقصود منه إثبات الحسن لأنه تعالى ركب في الطبائع أن لا شيء أحسن من الملك وقد عاين ذلك قوم لوط في ضيف ابراهيم من الملائكة، كما ركب في الطباع أن لا شيء أقبح من الشيطان، وكذلك قوله تعالى في صفة جهنم «طلعها كأنه رؤوس الشيطان» فكذلك قد تقرر أن لا شيء أحسن من الملك، فلما أرادت النسوة وصف يوسف بالحسن شبهنه بالملك. ولكن الأسلوب القرآني شاء أن يتجاوز المألوف من تشبيهات العرب لكل ما راعهم حسنه من البشر بالجن فأدخل فيه فنا آخر لا يبدو للناظر للوهلة الأولى وهو فن عرفوه بأنه سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج كلامه مخرج المدح أو ليدل- كما هنا- على شدة الوله في الحب وقد يقصد به الذم أو التعجب أو التوبيخ أو التقرير ويسمى هذا الفن تجاهل العارف وهو على قسمين: موجب ومنفي.
أ- الموجب:
وهو ما يكون فيه الاستفهام عن شيئين أحدهما واقع والآخر غير واقع وللمتكلم أن ينطق بأحدهما ويسكت عن الآخر لدلالة الحال عليه ومن هذا الباب قوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» وهذا خارج مخرج التعجب وسيأتي بحثه عند الكلام على هذه الآية في سورة «القمر» وقوله تعالى «قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يبعد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» وهذا خارج مخرج التوبيخ وقد مر ذكره في سورة هود وقوله تعالى: «أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم» وهذا خارج مخرج التقرير وجميعه موجب كما رأيت.
ب- المنفي:
وأما الآية التي نحن بصددها فهي من القسم المنفي فقد تجاوز التشبيه، كما قلنا، تشبيه العرب كل من راعهم حسنه من البشر بالجن إلى تشبيه يوسف حين كان حسنه بادي الروعة متجاوزا في ائتلاقه ووسامته المألوف المعهود من روائع الحسن وله مع روعته البادية نور ورأوة، وطلاقة وتهلل، وعليه مسحة من سكينة تؤمن ناظره من تلك الرعوة وتثبت قلبه بما يسري إليه من سكينة وايماءة بالخير واستهواء لما فيه راحة النفس ولذتها فكان كذلك تشبيهه بالملك الكريم.
التشبيه المصون عن الابتذال:
وما دام الكلام انجر معنا إلى هذه النواحي التي تدق فيها الصنعة وتعزب أسرارها إلا عن الملهمين الذين تذوقوا أسرار القوم فلا ندحة لنا عن الاشارة إلى أن هذا الفن انما يلجأ اليه في التشبيه بنوع خاص للخروج من التقليد والارتفاع بالتشبيه إلى أبعد الآفاق وصيانته من الابتذال فلو لم تعرض الآية تشبيه يوسف بالملك بهذا الأسلوب المسبوق بالنفي الموجب للغرابة لم يكن للتشبيه ذلك الوقع الحسن ومن ذلك قول شاعر الخلود المتنبي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
فقد أراد تشبيه الوجه بالشمس ولكن هذا التشبيه شائع يكاد لشيوعه يسف إلى حضيض الابتذال فأراد صيانته بأن قدم له النفي متجاهلا فقال لا حاجة إلى الشمس مع ضيائك ونورك ولكنها لوقاحتها تطلع عليك.
تجاهل العارف في الشعر:
هذا ولتجاهل العارف وقع في النفوس كأخذة السحر ونشوة الخمر ولهذا قال السكاكي رحمة الله: «لا أحب تسميته بالتجاهل لوروده كثيرا في كلام الله تعالى» ثم أطلق عليه تسمية أخرى وهي «سوق المعلوم مساق غيره لنكتة» وقد طفحت أشعارنا به ولم تقتصر على المديح أو الغزل، كما قلنا، بل تجاوزتهما إلى أية مبالغة في أي موضوع من الموضوعات التي تعن للخواطر فاستمع إلى قول زهير ابن أبي سلمى تر العجب العجاب: قال يهجو حصن بن حذيفة الفزاري:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فانظر كيف خطر بباله أن ينفي الدراية بحال الآل، ثم قبل أن يكمل ذلك خطر بباله الجزم بأنه سوف يدري، ثم قبل أن يكمل ذلك قال إن حصول الدراية في المستقبل على سبيل التخيل والظن فحكى حال النفس عند ترددها في شأنه.
ويطربني قول أبي العباس النامي:
أحقا أن قاتلتي زرود ... وأن عهودها تلك العهود
وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد
وشكك فيّ عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد؟
وصيحة ابن الرومي صيحة الوهل حين يرى الوجنة الحمراء إلى جانب الصدع الأدعج:
يا وجنتيه اللتين من بهج ... فيّ صدغييه اللذين من دعج ما حمرة فيكما؟ أمن خجل ... أم صبغة الله أم دم المهج
وقد أطرفت ليلى بنت طريف الخارجية في رثاء أخيها:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
وأراد مهيار أن يشبه المحبوبة بالظبي وبالبدر وبغصن البان فتجاوز المألوف المعتاد وسما إلى سماء ما طاولتها سماء إذ قال:
سلا ظبية الوادي وما الظبي مثلها ... وإن كان مصقول الترائب أكحلا
أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى ... وعلمت غصن البان أن يتميّلا
ونختم هذا الباب المستطاب بقول البهاء زهير:
رعى الله ليلة وصل خلت ... وما خالط الصفو فيها الكدر
أتت بغتة ومضت سرعة ... وما قصرت بعد ذاك القصر
بغير احتيال ولا كلفة ... ولا موعد بيننا ينتظر
فقلت وقد كاد عقلي يطير ... سرورا بنيل المنى والوطر
أيا قلب تعرف من قد أتاك ... ويا عين تدرين من قد حضر
ويا قمر الأفق عد راجعا ... فقد حل في الدار عندي القمر
ويا ليلتي هكذا هكذا ... وبالله قف يا سحر فكانت كما أشتهي ليلة ... وطاب الحديث وطاب ا
لسهر خلونا وما بيننا ثالث ... فأصبح عند النسيم الخبر
ويقول الشريف الرضي وهو غاية الغايات:
بين الاظاعن حاجة خلفتها ... أودعتها يوم الفراق مودعي
وأظنها لا بل يقيني انها ... قلبي لأني لم أجد قلبي معي
2- الحذف:
وفي قوله «فذلكن الذي لمتنني فيه» والتقدير في حبه لأن الذوات لا يتعلق بها لوم ودليل تقدير في حبه قوله «قد شغفها حبا» في مراودته، ولعلها أولى بدليل قوله: «تراود فتاها عن نفسه» وإنما قلنا أولى لأنه فعلها بخلاف الحب فإنه أمر قهري لا يلام عليه إلا من حيث تعاطي أسبابه أما المراودة فهي حاصلة باكتسابها فهي قادرة على دفعها فيتأتى اللوم عليها بخلاف الحب فانه ليس فعلا لها ولا تقدر على دفعه لأن الحب المفرط قد يقهر صاحبه ولا يطيق أن يدفعه وحينئذ فلا يلام عليه وعلى كل حال فهو من أسبابه.
3- وفي قوله «متكأ» تصوير لنوع من الطعام الذي انما يقدم تفكها وتبسطا وتجميلا للمجلس وتوفيرا لأسباب المتعة فيه حتى إن الشأن فيه أن يكون الإقبال عليه في حالة من الراحة والاتكاء، والكلمة بعد هذا من الألفاظ الكثيرة التي أبدع القرآن صياغتها فتعلق بها العرب فيما بعد ولولا ذلك لما اهتدوا إليها ولخاتنهم اللغة في هذا الباب عن تصوير ما يريدون انظر حينما يصف القرآن دعوة امرأة العزيز للنسوة اللائي تحدثن منتقدات عن مراودتها ليوسف عن نفسه إلى جلسة لطيفة رائعة في بيتها لتطلعهن فيها على يوسف وجماله فيعذرنها فيما أقدمت عليه، لقد قدمت لهن في ذلك المجلس طعاما ولا شك ولقد أوضح القرآن هذا ولكنه لم يعبر عن ذلك بالطعام فهذه الكلمة إنما تصور شهوة الجوع وتنتقل بالفكر إلى «المطبخ» بكل ما فيه من ألوان الطعام وروائحه وأسبابه.
الفوائد:
1- (حاشا) تكون على ثلاثة أوجه:
1- فعلا متعديا متصرفا، تقول: حاشيته بمعنى استثنيته وان سبقتها ما تكون نافية.
2- تنزيهية نحو حاشا لله فتكون اسما مرادفا للتنزيه منصوبا على المفعولية المطلقة وقيل هي فعل وتثبت الألف وتحذف.
3- أن تكون للاستثناء فتكون حرفا بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى وهناك تفاصيل أخرى يرجع إليها في المطولات.
2- المخالفة في نوني التوكيد:
جمهور البصريين يرى أن نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة أصلان لتخالفهما في بعض أحكامهما كإبدال الخفيفة ألفا في نحو وليكونا وحذفها في نحو قوله:
ولا تهين الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه وكلاهما ممتنع في الثقيلة، هذا ما قاله سيبويه وعورض بأن الفرع قد يختص بما ليس للأصل أحيانا وقد قال سيبويه نفسه في أن المفتوحة انها فرع المكسورة ولها إذا خففت أحكام تخصها أما الكوفيون فيرون أن الخفيفة فرع الثقيلة.
وذكر الخليل بن أحمد: ان التوكيد بالثقيلة أشد من التوكيد بالخفيفة يدل له «ليسجنن وليكونن» فإن امرأة العزيز كانت أشدّ حرصا على سجنه من كينونته صاغرا.
3- لا يخلو اسم التفضيل المجرد من أل والاضافة غالبا من مشاركة المفضل عليه في المعنى لفظا أو تقديرا والمراد بقولنا تقديرا مشاركته بوجه ما كقولهم في البغيضين: هذا أحب إلي من هذا وفي الشرين هذا خير من هذا وفي التنزيل: «قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه» وتأويل ذلك هذا أقل بغضا وأقل شرا ومن غير الغالب العسل أحلى من الخل والصيف آخر من الشتاء.