Lafzullah

I'rab Al Quran li Al Darwish — الكهف 18:1 – الكهف 18:34

المؤلف / المصدر: I'rab Al Quran li Al Darwish

المحتويات
  1. الكهف 18:1
  2. الكهف 18:2
  3. الكهف 18:3
  4. الكهف 18:4
  5. الكهف 18:5
  6. الكهف 18:6
  7. الكهف 18:7
  8. الكهف 18:8
  9. الكهف 18:9
  10. الكهف 18:10
  11. الكهف 18:11
  12. الكهف 18:12
  13. الكهف 18:13
  14. الكهف 18:14
  15. الكهف 18:15
  16. الكهف 18:16
  17. الكهف 18:17
  18. الكهف 18:18
  19. الكهف 18:19
  20. الكهف 18:20
  21. الكهف 18:21
  22. الكهف 18:22
  23. الكهف 18:23
  24. الكهف 18:24
  25. الكهف 18:25
  26. الكهف 18:26
  27. الكهف 18:27
  28. الكهف 18:28
  29. الكهف 18:29
  30. الكهف 18:30
  31. الكهف 18:31
  32. الكهف 18:32
  33. الكهف 18:33
  34. الكهف 18:34

الكهف 18:1

اللغة: (عِوَجاً) : جاء في القاموس وغيره من معاجم اللغة: عوج بكسر الواو يعوج بفتحها عوجا العود ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه فهو أعوج والعوج بكسر ففتح الاسم من عوج والالتواء وعدم الاستقامة ولم تفرق هذه المعاجم بينهما وفي الأساس: «يقال في العود عوج وفي الرأي عوج» ففرق بينهما وهذا هو الحق بدليل الآية. فالعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان، وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «يعني أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة والمفتوح فيما يدرك به» وقال في الكشاف: والعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان. وسيأتي المزيد عنه في باب البلاغة. (قَيِّماً) : مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيما على الكتب السابقة مصدقا لها شاهدا بصحتها وفي القاموس والتاج واللسان: القيم على الأمر متوليه كقيم الوقف وغيره وقيم المرأة زوجها وأمر قيم مستقيم والديانة القيمة: المستقيمة وفي التنزيل «ذلك دين القيمة» أي دين الأمة القيمة ويتعدى بالباء وبعلى. (باخِعٌ نَفْسَكَ) : مهلكها وقاتلها يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا وسيأتي مزيد بيان لها في باب البلاغة. (صَعِيداً) : ترابا أو فتاتا يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب. (جُرُزاً) بضمتين والجرز الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة باطل الزينة يقال سنة جرز وسنون أجراز وجرز الجراد الأرض: أكل ما فيها والجروز المرأة الأكول قال الراجز: إن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة فقيزا وجرزه الزمان اجتاحه. قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وفي أمثال العرب: «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» وهو يضرب في العداوة وان المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) الحمد مبتدأ ولله متعلقان بمحذوف تقديره ثابت لله فهو الخبر والذي نعت وجملة أنزل صلة وعلى عبده متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به والواو يجوز أن تكون عاطفة فالجملة معطوفة على أنزل داخلة في حيز الصلة ويجوز أن تكون اعتراضية فالجملة معترضة بين الحال وهي قيما وصاحبها وهو الكتاب ويجوز أن تكون حالية فالجملة حال من الكتاب فتكون قيما حالا متداخلة كما سيأتي. (قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في اعراب قيما اضطرابا شديدا وقد وقع اختيارنا على أن تكون حالا من الكتاب وجملة ولم يجعل معترضة واختار أبو البقاء أن تكون حالا من الهاء في له والحال مؤكدة واختار الزمخشري أن تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره جعله قيما وننقل عبارته لأهميتها: «فإن قلت بم انتصب قيما؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» وقد فطن حفص إلى هذا الاضطراب في إعراب قيما فوقف على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا وإنما هو من صفة الكتاب. وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة ولم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها لا تخرج عن هذا النطاق. ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل وينذر ينصب مفعولين وحذف أولهما وتقديره الكافرين وبأسا مفعول به ثان وشديدا صفة ومن لدنه صفة ثانية أو متعلقان بقوله لينذر. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) ويبشر عطف على لينذر والفاعل مستتر تقديره هو والمؤمنين مفعول به وجملة يعملون الصالحات صلة وأن وما في حيزها قيل هو مصدر مؤول مفعول به ثان ليبشر على رأي من يرى أن يبشر تتعدى لمفعولين وقيل هو مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر ان المقدم وأجرا اسمها المؤخر وماكثين حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه وفيه متعلقان بماكثين وأبدا ظرف متعلق بماكثين أيضا. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وينذر عطف على لينذر الأولى والذين مفعول ينذر الأول وحذف الثاني وهو الغرض المنذر به لأنه سبق ذكره وهو البأس فيكون في الكلام احتباك وجملة قالوا صلة وجملة اتخذ مقول القول والله فاعل وولدا مفعول به. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم وانهم يقولون مالا يعرفون وما نافية ولهم خبر مقدم وبه متعلقان بعلم ومن حرف جر زائد وعلم مبتدأ مؤخر ولا الواو عاطفة ولا نافية ولآبائهم عطف على لهم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) كبرت فعل ماض لانشاء الذم والتاء علامة التأنيث والفاعل ضمير مستتر يعود على مقالتهم المختلقة وهي قولهم اتخذ الله ولدا أي كبرت مقالتهم وكلمة تمييز والكلام مبني على أسلوب التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة وجملة تخرج نعت لكلمة ومن أفواههم متعلقان بتخرج ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بنكرة وهي كلمة المنصوبة على التمييز فيكون الكلام للذم المحض ويكون المخصوص بالذم مخذوفا تقديره هي أي الكلمة وكلا الوجهين مستقيم سائغ، وإن نافية ويقولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وكذبا فيه وجهان أظهرهما أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا قولا كذبا، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن جملة وعليه يتمشى قول دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم اني لم أقل فندا إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الفاء استئنافية ولعل حرف ترج ونصب وهي من أخوات ان والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به وعلى آثارهم متعلقان بباخع وسيأتي مزيد بيان عنه في باب البلاغة وإن شرطية ولم يؤمنوا فعل الشرط وبهذا متعلقان بيؤمنوا والحديث بدل من اسم الاشارة وأسفا مفعول لأجله أو على انه مصدر في موقع الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي والتقدير فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ان واسمها والجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي وجملة جعلنا خبر إنا وما موصول مفعول به أول لجعلنا إن كانت بمعنى التصيير وعلى الأرض صلة ما وزينة مفعول به ثان لجعلنا وان كانت بمعنى خلقنا فتكون زينة حالا ومن العجيب أن يعربها بعضهم مفعولا لأجله مع أن الزينة ليست من المصادر القلبية مهما أسرفنا في التأويل، ولها صفة لزينة ولنبلوهم اللام للتعليل ونبلوهم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا وأيهم اسم استفهام مبتدأ والهاء مضاف إليه وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم وقد علق عن العمل بأي الاستفهامية ويجوز أن تكون أي موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلا من الهاء في نبلوهم، والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، وأحسن خبر لمبتدأ محذوف أي هو أحسن والجملة صلة للموصول وتكون الضمة في أي للبناء لأن شرطه موجود وهو أن تضاف ويحذف صدر صلتها أو تكون ضمتها ضمة إعراب على رأي بعض النحاة والضمير في نبلوهم يعود على سكان الأرض كما يفهم من سياق الكلام أو على ما ولكنه بعيد لأنه يحتاج إلى تأويل ما بأنها خاصة بالعقلاء. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجاعلون خبرها وما مفعول به ثان لجاعلون وعليها صلة وصعيدا مفعول به ثان لجاعلون وجرزا نعت لصعيدا ويجوز اعتبار الكلمتين بمعنى واحد نحو الرمان حلو حامض أي مز، فهما بمثابة المفعول الثاني ولعله أولى وسيأتي تحقيقه في موضعه من هذا الكتاب. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من فنون البلاغة نذكرها فيما يلي: 1- التكرير: 1- التكرير وقد تقدم ذكره في قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فإن نفي العوج معناه إثبات الاستقامة وإنما جنح إلى التكرير لفائدة منقطعة النظير وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته ومع ذلك فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى الذي يدق على النظرة السطحية الاولى. 2- المطابقة: فقد طابق سبحانه بين العوج والاستقامة فجاء الكلام حسنا لا مجال فيه لمنتقد كما حدث لأبي الطيب الذي أهمل المطابقة في قصيدة من أبدع قصائده وذلك انه أنشد في مجلس سيف الدولة قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فقيل له: إن المحال لا يطابق الاستقامة ولكن القافية ألجأتك إلى ذلك ولكن لو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال ولم يتوقف: «فإن البيض بعض دم الدجاج» فاستحسن هذا من بديهته. نقول: إنما يستحسن هذا في سرعة البديهة وإلا أين قوله: فإن المسك بعض دم الغزال من قوله: فإن المسك بعض دم الدجاج. ولما كنا نريد أن ننصف النقد نورد ما أخذه أحد خصوم المتنبي عليه من أنه كان لا يقيم للمطابقة وزنا وان ديدنه عدمها وذلك رغم إعجابنا الشديد بشاعر الخلود وتفضيلنا إياه على جميع شعراء العربية في القديم والحديث، قال الناقد القديم: وأما عدم المطابقة في شعر أبي الطيب المتنبي فكثير جدا من ذلك قوله: ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة ضدها السخنة والاقذاء ليست ضدها وقوله أيضا: ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضد الحقارة والنقص ضد الكمال فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، لكان أمنع. وكذلك قوله رغم سموه وابداعه: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو اساءة مجرم وليس المجرم ضد المحب ولا السرور ضد الإساءة وإنما المجرم ضد المحسن والمحب ضد المبغض والاساءة ضد الإحسان. وكذا قوله: وانه المشير عليك فيّ بضدّه ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا والحرّ ضد اللئيم. 3- نفي الشيء بايجابه: وذلك في قوله تعالى «وقالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم» وقد تقدم ذكر هذا الفن وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا فإن لقائل أن يقول: ان اتخاذ الله ولدا هو في حد ذاته محال فكيف ساغ قوله «مالهم به من علم» ؟ وهو يشبه الاعتراض في قوله تعالى «وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فإن ذلك كله وارد على سبيل التهكم وإلا فلا سلطان على الشرك حتى ينزل، والولد في حد ذاته محال لا يستقيم تعلق العلم ولكنه ورد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، ونظيره كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تثنى فلتاته» أي لا تذاع سقطاته وليس ثمة فلتات فتثنى وقول الشاعر يصف فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإن ظاهر هذا المعنى أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجمر وليس ذلك كذلك بل المعنى انه لم يكن ثمة ضب أصلا. 4- التشبيه التمثيلي البليغ المصون عن الابتذال: وذلك في قوله تعالى «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» فقد شبهه تعالى وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وأصروا على المكابرة والعناد واللجاج بالسفسطة الباطلة ثم ما تداخله من جراء ذلك من وجد وأسف على توليهم وإشفاق عليهم لسوء المغاب التي تؤول إليها أمورهم. شبه ذلك سبحانه برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم وأتى بهذه الصورة الفريدة صيانة لتشبيهه من الابتذال فإن التلهف على فراق الأحبة، واستشعار الوجد أمر شائع تناوله الشعراء في أشعارهم، وتحدثوا في قصائدهم عن لواعجهم، وهذا مقياس يقاس به البليغ يترفع في تشبيهه المألوف عن العادي من التشبيه بتزاويقه وتحاسينه ويفيض عليه من روائه وكان المتنبي، بنوع خاص، يتفطن لذلك ويصون تشبيهه الذي لا مندوحة له عنه من الابتذال وسنورد لك نماذج من شعره لتعلم إلى أي مدى بلغ هذا الشاعر الخالد. فقد صور أبو الطيب موقفا من مواقف الغزل اضطر فيه إلى تشبيه نفسه بالميت المتكلم ومحبوبته بالبدر المبتسم وكلا هذين التشبيهين وارد تناولته الشعراء فابتذل وذهبت جدته وإذن فليجعل من الحوار وسيلة إلى تصوير موقف رائع يحلو فيه التشبيه ويبدو معه جديدا كل الجدة قال: نرى عظما بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم ومن لبّه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم فهو بعد أن قرر أثر الصدّ وأن مسافته لا تقرب ولا تقطع لأن البين قد يقرب وقد تقطع مسافته اعترف بأنه غير قادر على كتمان رسيس هواه لأنه إذا كان عقلك مع غيرك فكيف يكون حالك؟ وإذا كان سرك في جفنك فكيف تقدر على كتمانه؟ يريد أن الدمع يظهره ثم صور الموقف فجعل حسناءه عابثة ازدهاها الدّل، واستخف بها النعيم، فهي عابثة لاهية تبتسم وهو يحرق الأرم، ويتكوى بنار الهجران على حد قولهم «ويل للشجي من الخلي» وهذا من أروع الشعر وأعذبه. ونعود إلى الآية فنقول ان الله تعالى أراد أن يسلي نبيه وأن يهدهد عنه ما ألم به من جوى وارتماض فعرض الموقف بصيغة الترجي وان كان المراد به النهي أي لا تبخع نفسك ولا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم وأتى بهذا التشبيه التمثيلي البديع والأسف المبالغة في الحزن. الفوائد: 1- نصب المفعول لأجله: اشترط النحاة لنصب المفعول لأجله خمسة أمور وهي: 1- كونه مصدرا. 2- كونه قلبيا من أفعال النفس الباطنة كالتعظيم والاحترام والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل ونحوها ويقابل أفعال الجوارح أي الحواس الظاهرة وما يتصل به كالقراءة والكتابة والقيام والقعود والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة وغيرها وذلك لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل والحامل على الشيء متقدم عليه وأفعال الجوارح ليست كذلك. 3- كونه علة لأنه الباعث على الفعل. 4- اتحاده مع الفعل المعلل به في الزمان فلا يجوز: تأهبت اليوم السفر غدا لأن زمن التأهب غير زمن السفر. 5- اتحاده مع الفعل المعلل به في الفاعل فلا يجوز: جئتك محبتك إياي لأن فاعل المجيء المتكلم وفاعل المحبة المخاطب. ومتى فقد شرطا من هذه الشروط وجب جره بحرف تعليل كاللام ومن والباء وفي، وفيما يلي أمثلة لكل شرط مفقود: 1- «والأرض وضعها للأنام» فالأنام علة للوضع ولكنه ليس مصدرا فلذلك جر باللام. 2- «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» فإملاق هو علة القتل ولكنه ليس مصدرا قلبيا فلذلك جر بمن. 3- قتلته صبرا، فصبرا مصدرا ولكنه ليس علة فامتنع نصبه مفعولا لأجله وامتنع جره باللام لأن اللام تفيد العلية. 4- قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وفت النوم فلذلك جر باللام، هذا والنوم ليس مصدرا قلبيا أيضا ففي الاستشهاد به على عدم اتحاد الزمن فقط تسامح. 5- قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر فالذكرى علة عن الهزة ففاعل العرو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم فلذلك جر باللام. ونعود إلى الآية فقوله «زينة لها» علة للجعل ولكنه ليس قلبيا لأنها من اعمال اليد، فلذلك استغربنا اعراب بعضهم لها مفعولا لأجله إلا بتقدير فعل الإرادة أي إرادة الزينة ولكن هذا التكلف لا يجوز وفيه مندوحة باعرابها مفعولا ثانيا لجعلنا كما تقدم أو حالا. ابدال المفرد من الجملة: قلنا في الاعراب ان أبا حيان اختار اعراب قيما بدلا من جملة لم يجعل لها عوجا لأنها في معنى المفرد. وأقول ان النحاة صرحوا بابدال الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الضمير إلى مفرد فهل يجوز العكس؟ ومعنى البيت إلى الله أشكو هاتين الحالين تعذر التقائهما فتعذر مصدر مضاف إلى فاعله وهو بدل من هاتين قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين والشام بلاد سميت بشام بن نوح فإنه بالشين المعجمة بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، كذا في القاموس.

الكهف 18:2

اللغة: (عِوَجاً) : جاء في القاموس وغيره من معاجم اللغة: عوج بكسر الواو يعوج بفتحها عوجا العود ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه فهو أعوج والعوج بكسر ففتح الاسم من عوج والالتواء وعدم الاستقامة ولم تفرق هذه المعاجم بينهما وفي الأساس: «يقال في العود عوج وفي الرأي عوج» ففرق بينهما وهذا هو الحق بدليل الآية. فالعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان، وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «يعني أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة والمفتوح فيما يدرك به» وقال في الكشاف: والعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان. وسيأتي المزيد عنه في باب البلاغة. (قَيِّماً) : مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيما على الكتب السابقة مصدقا لها شاهدا بصحتها وفي القاموس والتاج واللسان: القيم على الأمر متوليه كقيم الوقف وغيره وقيم المرأة زوجها وأمر قيم مستقيم والديانة القيمة: المستقيمة وفي التنزيل «ذلك دين القيمة» أي دين الأمة القيمة ويتعدى بالباء وبعلى. (باخِعٌ نَفْسَكَ) : مهلكها وقاتلها يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا وسيأتي مزيد بيان لها في باب البلاغة. (صَعِيداً) : ترابا أو فتاتا يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب. (جُرُزاً) بضمتين والجرز الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة باطل الزينة يقال سنة جرز وسنون أجراز وجرز الجراد الأرض: أكل ما فيها والجروز المرأة الأكول قال الراجز: إن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة فقيزا وجرزه الزمان اجتاحه. قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وفي أمثال العرب: «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» وهو يضرب في العداوة وان المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) الحمد مبتدأ ولله متعلقان بمحذوف تقديره ثابت لله فهو الخبر والذي نعت وجملة أنزل صلة وعلى عبده متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به والواو يجوز أن تكون عاطفة فالجملة معطوفة على أنزل داخلة في حيز الصلة ويجوز أن تكون اعتراضية فالجملة معترضة بين الحال وهي قيما وصاحبها وهو الكتاب ويجوز أن تكون حالية فالجملة حال من الكتاب فتكون قيما حالا متداخلة كما سيأتي. (قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في اعراب قيما اضطرابا شديدا وقد وقع اختيارنا على أن تكون حالا من الكتاب وجملة ولم يجعل معترضة واختار أبو البقاء أن تكون حالا من الهاء في له والحال مؤكدة واختار الزمخشري أن تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره جعله قيما وننقل عبارته لأهميتها: «فإن قلت بم انتصب قيما؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» وقد فطن حفص إلى هذا الاضطراب في إعراب قيما فوقف على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا وإنما هو من صفة الكتاب. وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة ولم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها لا تخرج عن هذا النطاق. ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل وينذر ينصب مفعولين وحذف أولهما وتقديره الكافرين وبأسا مفعول به ثان وشديدا صفة ومن لدنه صفة ثانية أو متعلقان بقوله لينذر. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) ويبشر عطف على لينذر والفاعل مستتر تقديره هو والمؤمنين مفعول به وجملة يعملون الصالحات صلة وأن وما في حيزها قيل هو مصدر مؤول مفعول به ثان ليبشر على رأي من يرى أن يبشر تتعدى لمفعولين وقيل هو مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر ان المقدم وأجرا اسمها المؤخر وماكثين حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه وفيه متعلقان بماكثين وأبدا ظرف متعلق بماكثين أيضا. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وينذر عطف على لينذر الأولى والذين مفعول ينذر الأول وحذف الثاني وهو الغرض المنذر به لأنه سبق ذكره وهو البأس فيكون في الكلام احتباك وجملة قالوا صلة وجملة اتخذ مقول القول والله فاعل وولدا مفعول به. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم وانهم يقولون مالا يعرفون وما نافية ولهم خبر مقدم وبه متعلقان بعلم ومن حرف جر زائد وعلم مبتدأ مؤخر ولا الواو عاطفة ولا نافية ولآبائهم عطف على لهم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) كبرت فعل ماض لانشاء الذم والتاء علامة التأنيث والفاعل ضمير مستتر يعود على مقالتهم المختلقة وهي قولهم اتخذ الله ولدا أي كبرت مقالتهم وكلمة تمييز والكلام مبني على أسلوب التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة وجملة تخرج نعت لكلمة ومن أفواههم متعلقان بتخرج ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بنكرة وهي كلمة المنصوبة على التمييز فيكون الكلام للذم المحض ويكون المخصوص بالذم مخذوفا تقديره هي أي الكلمة وكلا الوجهين مستقيم سائغ، وإن نافية ويقولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وكذبا فيه وجهان أظهرهما أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا قولا كذبا، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن جملة وعليه يتمشى قول دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم اني لم أقل فندا إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الفاء استئنافية ولعل حرف ترج ونصب وهي من أخوات ان والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به وعلى آثارهم متعلقان بباخع وسيأتي مزيد بيان عنه في باب البلاغة وإن شرطية ولم يؤمنوا فعل الشرط وبهذا متعلقان بيؤمنوا والحديث بدل من اسم الاشارة وأسفا مفعول لأجله أو على انه مصدر في موقع الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي والتقدير فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ان واسمها والجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي وجملة جعلنا خبر إنا وما موصول مفعول به أول لجعلنا إن كانت بمعنى التصيير وعلى الأرض صلة ما وزينة مفعول به ثان لجعلنا وان كانت بمعنى خلقنا فتكون زينة حالا ومن العجيب أن يعربها بعضهم مفعولا لأجله مع أن الزينة ليست من المصادر القلبية مهما أسرفنا في التأويل، ولها صفة لزينة ولنبلوهم اللام للتعليل ونبلوهم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا وأيهم اسم استفهام مبتدأ والهاء مضاف إليه وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم وقد علق عن العمل بأي الاستفهامية ويجوز أن تكون أي موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلا من الهاء في نبلوهم، والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، وأحسن خبر لمبتدأ محذوف أي هو أحسن والجملة صلة للموصول وتكون الضمة في أي للبناء لأن شرطه موجود وهو أن تضاف ويحذف صدر صلتها أو تكون ضمتها ضمة إعراب على رأي بعض النحاة والضمير في نبلوهم يعود على سكان الأرض كما يفهم من سياق الكلام أو على ما ولكنه بعيد لأنه يحتاج إلى تأويل ما بأنها خاصة بالعقلاء. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجاعلون خبرها وما مفعول به ثان لجاعلون وعليها صلة وصعيدا مفعول به ثان لجاعلون وجرزا نعت لصعيدا ويجوز اعتبار الكلمتين بمعنى واحد نحو الرمان حلو حامض أي مز، فهما بمثابة المفعول الثاني ولعله أولى وسيأتي تحقيقه في موضعه من هذا الكتاب. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من فنون البلاغة نذكرها فيما يلي: 1- التكرير: 1- التكرير وقد تقدم ذكره في قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فإن نفي العوج معناه إثبات الاستقامة وإنما جنح إلى التكرير لفائدة منقطعة النظير وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته ومع ذلك فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى الذي يدق على النظرة السطحية الاولى. 2- المطابقة: فقد طابق سبحانه بين العوج والاستقامة فجاء الكلام حسنا لا مجال فيه لمنتقد كما حدث لأبي الطيب الذي أهمل المطابقة في قصيدة من أبدع قصائده وذلك انه أنشد في مجلس سيف الدولة قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فقيل له: إن المحال لا يطابق الاستقامة ولكن القافية ألجأتك إلى ذلك ولكن لو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال ولم يتوقف: «فإن البيض بعض دم الدجاج» فاستحسن هذا من بديهته. نقول: إنما يستحسن هذا في سرعة البديهة وإلا أين قوله: فإن المسك بعض دم الغزال من قوله: فإن المسك بعض دم الدجاج. ولما كنا نريد أن ننصف النقد نورد ما أخذه أحد خصوم المتنبي عليه من أنه كان لا يقيم للمطابقة وزنا وان ديدنه عدمها وذلك رغم إعجابنا الشديد بشاعر الخلود وتفضيلنا إياه على جميع شعراء العربية في القديم والحديث، قال الناقد القديم: وأما عدم المطابقة في شعر أبي الطيب المتنبي فكثير جدا من ذلك قوله: ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة ضدها السخنة والاقذاء ليست ضدها وقوله أيضا: ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضد الحقارة والنقص ضد الكمال فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، لكان أمنع. وكذلك قوله رغم سموه وابداعه: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو اساءة مجرم وليس المجرم ضد المحب ولا السرور ضد الإساءة وإنما المجرم ضد المحسن والمحب ضد المبغض والاساءة ضد الإحسان. وكذا قوله: وانه المشير عليك فيّ بضدّه ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا والحرّ ضد اللئيم. 3- نفي الشيء بايجابه: وذلك في قوله تعالى «وقالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم» وقد تقدم ذكر هذا الفن وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا فإن لقائل أن يقول: ان اتخاذ الله ولدا هو في حد ذاته محال فكيف ساغ قوله «مالهم به من علم» ؟ وهو يشبه الاعتراض في قوله تعالى «وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فإن ذلك كله وارد على سبيل التهكم وإلا فلا سلطان على الشرك حتى ينزل، والولد في حد ذاته محال لا يستقيم تعلق العلم ولكنه ورد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، ونظيره كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تثنى فلتاته» أي لا تذاع سقطاته وليس ثمة فلتات فتثنى وقول الشاعر يصف فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإن ظاهر هذا المعنى أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجمر وليس ذلك كذلك بل المعنى انه لم يكن ثمة ضب أصلا. 4- التشبيه التمثيلي البليغ المصون عن الابتذال: وذلك في قوله تعالى «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» فقد شبهه تعالى وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وأصروا على المكابرة والعناد واللجاج بالسفسطة الباطلة ثم ما تداخله من جراء ذلك من وجد وأسف على توليهم وإشفاق عليهم لسوء المغاب التي تؤول إليها أمورهم. شبه ذلك سبحانه برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم وأتى بهذه الصورة الفريدة صيانة لتشبيهه من الابتذال فإن التلهف على فراق الأحبة، واستشعار الوجد أمر شائع تناوله الشعراء في أشعارهم، وتحدثوا في قصائدهم عن لواعجهم، وهذا مقياس يقاس به البليغ يترفع في تشبيهه المألوف عن العادي من التشبيه بتزاويقه وتحاسينه ويفيض عليه من روائه وكان المتنبي، بنوع خاص، يتفطن لذلك ويصون تشبيهه الذي لا مندوحة له عنه من الابتذال وسنورد لك نماذج من شعره لتعلم إلى أي مدى بلغ هذا الشاعر الخالد. فقد صور أبو الطيب موقفا من مواقف الغزل اضطر فيه إلى تشبيه نفسه بالميت المتكلم ومحبوبته بالبدر المبتسم وكلا هذين التشبيهين وارد تناولته الشعراء فابتذل وذهبت جدته وإذن فليجعل من الحوار وسيلة إلى تصوير موقف رائع يحلو فيه التشبيه ويبدو معه جديدا كل الجدة قال: نرى عظما بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم ومن لبّه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم فهو بعد أن قرر أثر الصدّ وأن مسافته لا تقرب ولا تقطع لأن البين قد يقرب وقد تقطع مسافته اعترف بأنه غير قادر على كتمان رسيس هواه لأنه إذا كان عقلك مع غيرك فكيف يكون حالك؟ وإذا كان سرك في جفنك فكيف تقدر على كتمانه؟ يريد أن الدمع يظهره ثم صور الموقف فجعل حسناءه عابثة ازدهاها الدّل، واستخف بها النعيم، فهي عابثة لاهية تبتسم وهو يحرق الأرم، ويتكوى بنار الهجران على حد قولهم «ويل للشجي من الخلي» وهذا من أروع الشعر وأعذبه. ونعود إلى الآية فنقول ان الله تعالى أراد أن يسلي نبيه وأن يهدهد عنه ما ألم به من جوى وارتماض فعرض الموقف بصيغة الترجي وان كان المراد به النهي أي لا تبخع نفسك ولا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم وأتى بهذا التشبيه التمثيلي البديع والأسف المبالغة في الحزن. الفوائد: 1- نصب المفعول لأجله: اشترط النحاة لنصب المفعول لأجله خمسة أمور وهي: 1- كونه مصدرا. 2- كونه قلبيا من أفعال النفس الباطنة كالتعظيم والاحترام والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل ونحوها ويقابل أفعال الجوارح أي الحواس الظاهرة وما يتصل به كالقراءة والكتابة والقيام والقعود والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة وغيرها وذلك لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل والحامل على الشيء متقدم عليه وأفعال الجوارح ليست كذلك. 3- كونه علة لأنه الباعث على الفعل. 4- اتحاده مع الفعل المعلل به في الزمان فلا يجوز: تأهبت اليوم السفر غدا لأن زمن التأهب غير زمن السفر. 5- اتحاده مع الفعل المعلل به في الفاعل فلا يجوز: جئتك محبتك إياي لأن فاعل المجيء المتكلم وفاعل المحبة المخاطب. ومتى فقد شرطا من هذه الشروط وجب جره بحرف تعليل كاللام ومن والباء وفي، وفيما يلي أمثلة لكل شرط مفقود: 1- «والأرض وضعها للأنام» فالأنام علة للوضع ولكنه ليس مصدرا فلذلك جر باللام. 2- «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» فإملاق هو علة القتل ولكنه ليس مصدرا قلبيا فلذلك جر بمن. 3- قتلته صبرا، فصبرا مصدرا ولكنه ليس علة فامتنع نصبه مفعولا لأجله وامتنع جره باللام لأن اللام تفيد العلية. 4- قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وفت النوم فلذلك جر باللام، هذا والنوم ليس مصدرا قلبيا أيضا ففي الاستشهاد به على عدم اتحاد الزمن فقط تسامح. 5- قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر فالذكرى علة عن الهزة ففاعل العرو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم فلذلك جر باللام. ونعود إلى الآية فقوله «زينة لها» علة للجعل ولكنه ليس قلبيا لأنها من اعمال اليد، فلذلك استغربنا اعراب بعضهم لها مفعولا لأجله إلا بتقدير فعل الإرادة أي إرادة الزينة ولكن هذا التكلف لا يجوز وفيه مندوحة باعرابها مفعولا ثانيا لجعلنا كما تقدم أو حالا. ابدال المفرد من الجملة: قلنا في الاعراب ان أبا حيان اختار اعراب قيما بدلا من جملة لم يجعل لها عوجا لأنها في معنى المفرد. وأقول ان النحاة صرحوا بابدال الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الضمير إلى مفرد فهل يجوز العكس؟ ومعنى البيت إلى الله أشكو هاتين الحالين تعذر التقائهما فتعذر مصدر مضاف إلى فاعله وهو بدل من هاتين قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين والشام بلاد سميت بشام بن نوح فإنه بالشين المعجمة بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، كذا في القاموس.

الكهف 18:3

اللغة: (عِوَجاً) : جاء في القاموس وغيره من معاجم اللغة: عوج بكسر الواو يعوج بفتحها عوجا العود ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه فهو أعوج والعوج بكسر ففتح الاسم من عوج والالتواء وعدم الاستقامة ولم تفرق هذه المعاجم بينهما وفي الأساس: «يقال في العود عوج وفي الرأي عوج» ففرق بينهما وهذا هو الحق بدليل الآية. فالعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان، وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «يعني أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة والمفتوح فيما يدرك به» وقال في الكشاف: والعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان. وسيأتي المزيد عنه في باب البلاغة. (قَيِّماً) : مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيما على الكتب السابقة مصدقا لها شاهدا بصحتها وفي القاموس والتاج واللسان: القيم على الأمر متوليه كقيم الوقف وغيره وقيم المرأة زوجها وأمر قيم مستقيم والديانة القيمة: المستقيمة وفي التنزيل «ذلك دين القيمة» أي دين الأمة القيمة ويتعدى بالباء وبعلى. (باخِعٌ نَفْسَكَ) : مهلكها وقاتلها يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا وسيأتي مزيد بيان لها في باب البلاغة. (صَعِيداً) : ترابا أو فتاتا يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب. (جُرُزاً) بضمتين والجرز الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة باطل الزينة يقال سنة جرز وسنون أجراز وجرز الجراد الأرض: أكل ما فيها والجروز المرأة الأكول قال الراجز: إن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة فقيزا وجرزه الزمان اجتاحه. قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وفي أمثال العرب: «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» وهو يضرب في العداوة وان المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) الحمد مبتدأ ولله متعلقان بمحذوف تقديره ثابت لله فهو الخبر والذي نعت وجملة أنزل صلة وعلى عبده متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به والواو يجوز أن تكون عاطفة فالجملة معطوفة على أنزل داخلة في حيز الصلة ويجوز أن تكون اعتراضية فالجملة معترضة بين الحال وهي قيما وصاحبها وهو الكتاب ويجوز أن تكون حالية فالجملة حال من الكتاب فتكون قيما حالا متداخلة كما سيأتي. (قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في اعراب قيما اضطرابا شديدا وقد وقع اختيارنا على أن تكون حالا من الكتاب وجملة ولم يجعل معترضة واختار أبو البقاء أن تكون حالا من الهاء في له والحال مؤكدة واختار الزمخشري أن تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره جعله قيما وننقل عبارته لأهميتها: «فإن قلت بم انتصب قيما؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» وقد فطن حفص إلى هذا الاضطراب في إعراب قيما فوقف على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا وإنما هو من صفة الكتاب. وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة ولم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها لا تخرج عن هذا النطاق. ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل وينذر ينصب مفعولين وحذف أولهما وتقديره الكافرين وبأسا مفعول به ثان وشديدا صفة ومن لدنه صفة ثانية أو متعلقان بقوله لينذر. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) ويبشر عطف على لينذر والفاعل مستتر تقديره هو والمؤمنين مفعول به وجملة يعملون الصالحات صلة وأن وما في حيزها قيل هو مصدر مؤول مفعول به ثان ليبشر على رأي من يرى أن يبشر تتعدى لمفعولين وقيل هو مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر ان المقدم وأجرا اسمها المؤخر وماكثين حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه وفيه متعلقان بماكثين وأبدا ظرف متعلق بماكثين أيضا. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وينذر عطف على لينذر الأولى والذين مفعول ينذر الأول وحذف الثاني وهو الغرض المنذر به لأنه سبق ذكره وهو البأس فيكون في الكلام احتباك وجملة قالوا صلة وجملة اتخذ مقول القول والله فاعل وولدا مفعول به. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم وانهم يقولون مالا يعرفون وما نافية ولهم خبر مقدم وبه متعلقان بعلم ومن حرف جر زائد وعلم مبتدأ مؤخر ولا الواو عاطفة ولا نافية ولآبائهم عطف على لهم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) كبرت فعل ماض لانشاء الذم والتاء علامة التأنيث والفاعل ضمير مستتر يعود على مقالتهم المختلقة وهي قولهم اتخذ الله ولدا أي كبرت مقالتهم وكلمة تمييز والكلام مبني على أسلوب التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة وجملة تخرج نعت لكلمة ومن أفواههم متعلقان بتخرج ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بنكرة وهي كلمة المنصوبة على التمييز فيكون الكلام للذم المحض ويكون المخصوص بالذم مخذوفا تقديره هي أي الكلمة وكلا الوجهين مستقيم سائغ، وإن نافية ويقولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وكذبا فيه وجهان أظهرهما أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا قولا كذبا، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن جملة وعليه يتمشى قول دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم اني لم أقل فندا إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الفاء استئنافية ولعل حرف ترج ونصب وهي من أخوات ان والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به وعلى آثارهم متعلقان بباخع وسيأتي مزيد بيان عنه في باب البلاغة وإن شرطية ولم يؤمنوا فعل الشرط وبهذا متعلقان بيؤمنوا والحديث بدل من اسم الاشارة وأسفا مفعول لأجله أو على انه مصدر في موقع الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي والتقدير فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ان واسمها والجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي وجملة جعلنا خبر إنا وما موصول مفعول به أول لجعلنا إن كانت بمعنى التصيير وعلى الأرض صلة ما وزينة مفعول به ثان لجعلنا وان كانت بمعنى خلقنا فتكون زينة حالا ومن العجيب أن يعربها بعضهم مفعولا لأجله مع أن الزينة ليست من المصادر القلبية مهما أسرفنا في التأويل، ولها صفة لزينة ولنبلوهم اللام للتعليل ونبلوهم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا وأيهم اسم استفهام مبتدأ والهاء مضاف إليه وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم وقد علق عن العمل بأي الاستفهامية ويجوز أن تكون أي موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلا من الهاء في نبلوهم، والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، وأحسن خبر لمبتدأ محذوف أي هو أحسن والجملة صلة للموصول وتكون الضمة في أي للبناء لأن شرطه موجود وهو أن تضاف ويحذف صدر صلتها أو تكون ضمتها ضمة إعراب على رأي بعض النحاة والضمير في نبلوهم يعود على سكان الأرض كما يفهم من سياق الكلام أو على ما ولكنه بعيد لأنه يحتاج إلى تأويل ما بأنها خاصة بالعقلاء. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجاعلون خبرها وما مفعول به ثان لجاعلون وعليها صلة وصعيدا مفعول به ثان لجاعلون وجرزا نعت لصعيدا ويجوز اعتبار الكلمتين بمعنى واحد نحو الرمان حلو حامض أي مز، فهما بمثابة المفعول الثاني ولعله أولى وسيأتي تحقيقه في موضعه من هذا الكتاب. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من فنون البلاغة نذكرها فيما يلي: 1- التكرير: 1- التكرير وقد تقدم ذكره في قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فإن نفي العوج معناه إثبات الاستقامة وإنما جنح إلى التكرير لفائدة منقطعة النظير وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته ومع ذلك فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى الذي يدق على النظرة السطحية الاولى. 2- المطابقة: فقد طابق سبحانه بين العوج والاستقامة فجاء الكلام حسنا لا مجال فيه لمنتقد كما حدث لأبي الطيب الذي أهمل المطابقة في قصيدة من أبدع قصائده وذلك انه أنشد في مجلس سيف الدولة قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فقيل له: إن المحال لا يطابق الاستقامة ولكن القافية ألجأتك إلى ذلك ولكن لو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال ولم يتوقف: «فإن البيض بعض دم الدجاج» فاستحسن هذا من بديهته. نقول: إنما يستحسن هذا في سرعة البديهة وإلا أين قوله: فإن المسك بعض دم الغزال من قوله: فإن المسك بعض دم الدجاج. ولما كنا نريد أن ننصف النقد نورد ما أخذه أحد خصوم المتنبي عليه من أنه كان لا يقيم للمطابقة وزنا وان ديدنه عدمها وذلك رغم إعجابنا الشديد بشاعر الخلود وتفضيلنا إياه على جميع شعراء العربية في القديم والحديث، قال الناقد القديم: وأما عدم المطابقة في شعر أبي الطيب المتنبي فكثير جدا من ذلك قوله: ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة ضدها السخنة والاقذاء ليست ضدها وقوله أيضا: ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضد الحقارة والنقص ضد الكمال فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، لكان أمنع. وكذلك قوله رغم سموه وابداعه: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو اساءة مجرم وليس المجرم ضد المحب ولا السرور ضد الإساءة وإنما المجرم ضد المحسن والمحب ضد المبغض والاساءة ضد الإحسان. وكذا قوله: وانه المشير عليك فيّ بضدّه ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا والحرّ ضد اللئيم. 3- نفي الشيء بايجابه: وذلك في قوله تعالى «وقالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم» وقد تقدم ذكر هذا الفن وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا فإن لقائل أن يقول: ان اتخاذ الله ولدا هو في حد ذاته محال فكيف ساغ قوله «مالهم به من علم» ؟ وهو يشبه الاعتراض في قوله تعالى «وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فإن ذلك كله وارد على سبيل التهكم وإلا فلا سلطان على الشرك حتى ينزل، والولد في حد ذاته محال لا يستقيم تعلق العلم ولكنه ورد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، ونظيره كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تثنى فلتاته» أي لا تذاع سقطاته وليس ثمة فلتات فتثنى وقول الشاعر يصف فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإن ظاهر هذا المعنى أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجمر وليس ذلك كذلك بل المعنى انه لم يكن ثمة ضب أصلا. 4- التشبيه التمثيلي البليغ المصون عن الابتذال: وذلك في قوله تعالى «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» فقد شبهه تعالى وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وأصروا على المكابرة والعناد واللجاج بالسفسطة الباطلة ثم ما تداخله من جراء ذلك من وجد وأسف على توليهم وإشفاق عليهم لسوء المغاب التي تؤول إليها أمورهم. شبه ذلك سبحانه برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم وأتى بهذه الصورة الفريدة صيانة لتشبيهه من الابتذال فإن التلهف على فراق الأحبة، واستشعار الوجد أمر شائع تناوله الشعراء في أشعارهم، وتحدثوا في قصائدهم عن لواعجهم، وهذا مقياس يقاس به البليغ يترفع في تشبيهه المألوف عن العادي من التشبيه بتزاويقه وتحاسينه ويفيض عليه من روائه وكان المتنبي، بنوع خاص، يتفطن لذلك ويصون تشبيهه الذي لا مندوحة له عنه من الابتذال وسنورد لك نماذج من شعره لتعلم إلى أي مدى بلغ هذا الشاعر الخالد. فقد صور أبو الطيب موقفا من مواقف الغزل اضطر فيه إلى تشبيه نفسه بالميت المتكلم ومحبوبته بالبدر المبتسم وكلا هذين التشبيهين وارد تناولته الشعراء فابتذل وذهبت جدته وإذن فليجعل من الحوار وسيلة إلى تصوير موقف رائع يحلو فيه التشبيه ويبدو معه جديدا كل الجدة قال: نرى عظما بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم ومن لبّه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم فهو بعد أن قرر أثر الصدّ وأن مسافته لا تقرب ولا تقطع لأن البين قد يقرب وقد تقطع مسافته اعترف بأنه غير قادر على كتمان رسيس هواه لأنه إذا كان عقلك مع غيرك فكيف يكون حالك؟ وإذا كان سرك في جفنك فكيف تقدر على كتمانه؟ يريد أن الدمع يظهره ثم صور الموقف فجعل حسناءه عابثة ازدهاها الدّل، واستخف بها النعيم، فهي عابثة لاهية تبتسم وهو يحرق الأرم، ويتكوى بنار الهجران على حد قولهم «ويل للشجي من الخلي» وهذا من أروع الشعر وأعذبه. ونعود إلى الآية فنقول ان الله تعالى أراد أن يسلي نبيه وأن يهدهد عنه ما ألم به من جوى وارتماض فعرض الموقف بصيغة الترجي وان كان المراد به النهي أي لا تبخع نفسك ولا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم وأتى بهذا التشبيه التمثيلي البديع والأسف المبالغة في الحزن. الفوائد: 1- نصب المفعول لأجله: اشترط النحاة لنصب المفعول لأجله خمسة أمور وهي: 1- كونه مصدرا. 2- كونه قلبيا من أفعال النفس الباطنة كالتعظيم والاحترام والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل ونحوها ويقابل أفعال الجوارح أي الحواس الظاهرة وما يتصل به كالقراءة والكتابة والقيام والقعود والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة وغيرها وذلك لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل والحامل على الشيء متقدم عليه وأفعال الجوارح ليست كذلك. 3- كونه علة لأنه الباعث على الفعل. 4- اتحاده مع الفعل المعلل به في الزمان فلا يجوز: تأهبت اليوم السفر غدا لأن زمن التأهب غير زمن السفر. 5- اتحاده مع الفعل المعلل به في الفاعل فلا يجوز: جئتك محبتك إياي لأن فاعل المجيء المتكلم وفاعل المحبة المخاطب. ومتى فقد شرطا من هذه الشروط وجب جره بحرف تعليل كاللام ومن والباء وفي، وفيما يلي أمثلة لكل شرط مفقود: 1- «والأرض وضعها للأنام» فالأنام علة للوضع ولكنه ليس مصدرا فلذلك جر باللام. 2- «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» فإملاق هو علة القتل ولكنه ليس مصدرا قلبيا فلذلك جر بمن. 3- قتلته صبرا، فصبرا مصدرا ولكنه ليس علة فامتنع نصبه مفعولا لأجله وامتنع جره باللام لأن اللام تفيد العلية. 4- قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وفت النوم فلذلك جر باللام، هذا والنوم ليس مصدرا قلبيا أيضا ففي الاستشهاد به على عدم اتحاد الزمن فقط تسامح. 5- قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر فالذكرى علة عن الهزة ففاعل العرو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم فلذلك جر باللام. ونعود إلى الآية فقوله «زينة لها» علة للجعل ولكنه ليس قلبيا لأنها من اعمال اليد، فلذلك استغربنا اعراب بعضهم لها مفعولا لأجله إلا بتقدير فعل الإرادة أي إرادة الزينة ولكن هذا التكلف لا يجوز وفيه مندوحة باعرابها مفعولا ثانيا لجعلنا كما تقدم أو حالا. ابدال المفرد من الجملة: قلنا في الاعراب ان أبا حيان اختار اعراب قيما بدلا من جملة لم يجعل لها عوجا لأنها في معنى المفرد. وأقول ان النحاة صرحوا بابدال الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الضمير إلى مفرد فهل يجوز العكس؟ ومعنى البيت إلى الله أشكو هاتين الحالين تعذر التقائهما فتعذر مصدر مضاف إلى فاعله وهو بدل من هاتين قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين والشام بلاد سميت بشام بن نوح فإنه بالشين المعجمة بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، كذا في القاموس.

الكهف 18:4

اللغة: (عِوَجاً) : جاء في القاموس وغيره من معاجم اللغة: عوج بكسر الواو يعوج بفتحها عوجا العود ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه فهو أعوج والعوج بكسر ففتح الاسم من عوج والالتواء وعدم الاستقامة ولم تفرق هذه المعاجم بينهما وفي الأساس: «يقال في العود عوج وفي الرأي عوج» ففرق بينهما وهذا هو الحق بدليل الآية. فالعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان، وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «يعني أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة والمفتوح فيما يدرك به» وقال في الكشاف: والعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان. وسيأتي المزيد عنه في باب البلاغة. (قَيِّماً) : مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيما على الكتب السابقة مصدقا لها شاهدا بصحتها وفي القاموس والتاج واللسان: القيم على الأمر متوليه كقيم الوقف وغيره وقيم المرأة زوجها وأمر قيم مستقيم والديانة القيمة: المستقيمة وفي التنزيل «ذلك دين القيمة» أي دين الأمة القيمة ويتعدى بالباء وبعلى. (باخِعٌ نَفْسَكَ) : مهلكها وقاتلها يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا وسيأتي مزيد بيان لها في باب البلاغة. (صَعِيداً) : ترابا أو فتاتا يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب. (جُرُزاً) بضمتين والجرز الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة باطل الزينة يقال سنة جرز وسنون أجراز وجرز الجراد الأرض: أكل ما فيها والجروز المرأة الأكول قال الراجز: إن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة فقيزا وجرزه الزمان اجتاحه. قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وفي أمثال العرب: «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» وهو يضرب في العداوة وان المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) الحمد مبتدأ ولله متعلقان بمحذوف تقديره ثابت لله فهو الخبر والذي نعت وجملة أنزل صلة وعلى عبده متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به والواو يجوز أن تكون عاطفة فالجملة معطوفة على أنزل داخلة في حيز الصلة ويجوز أن تكون اعتراضية فالجملة معترضة بين الحال وهي قيما وصاحبها وهو الكتاب ويجوز أن تكون حالية فالجملة حال من الكتاب فتكون قيما حالا متداخلة كما سيأتي. (قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في اعراب قيما اضطرابا شديدا وقد وقع اختيارنا على أن تكون حالا من الكتاب وجملة ولم يجعل معترضة واختار أبو البقاء أن تكون حالا من الهاء في له والحال مؤكدة واختار الزمخشري أن تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره جعله قيما وننقل عبارته لأهميتها: «فإن قلت بم انتصب قيما؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» وقد فطن حفص إلى هذا الاضطراب في إعراب قيما فوقف على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا وإنما هو من صفة الكتاب. وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة ولم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها لا تخرج عن هذا النطاق. ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل وينذر ينصب مفعولين وحذف أولهما وتقديره الكافرين وبأسا مفعول به ثان وشديدا صفة ومن لدنه صفة ثانية أو متعلقان بقوله لينذر. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) ويبشر عطف على لينذر والفاعل مستتر تقديره هو والمؤمنين مفعول به وجملة يعملون الصالحات صلة وأن وما في حيزها قيل هو مصدر مؤول مفعول به ثان ليبشر على رأي من يرى أن يبشر تتعدى لمفعولين وقيل هو مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر ان المقدم وأجرا اسمها المؤخر وماكثين حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه وفيه متعلقان بماكثين وأبدا ظرف متعلق بماكثين أيضا. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وينذر عطف على لينذر الأولى والذين مفعول ينذر الأول وحذف الثاني وهو الغرض المنذر به لأنه سبق ذكره وهو البأس فيكون في الكلام احتباك وجملة قالوا صلة وجملة اتخذ مقول القول والله فاعل وولدا مفعول به. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم وانهم يقولون مالا يعرفون وما نافية ولهم خبر مقدم وبه متعلقان بعلم ومن حرف جر زائد وعلم مبتدأ مؤخر ولا الواو عاطفة ولا نافية ولآبائهم عطف على لهم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) كبرت فعل ماض لانشاء الذم والتاء علامة التأنيث والفاعل ضمير مستتر يعود على مقالتهم المختلقة وهي قولهم اتخذ الله ولدا أي كبرت مقالتهم وكلمة تمييز والكلام مبني على أسلوب التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة وجملة تخرج نعت لكلمة ومن أفواههم متعلقان بتخرج ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بنكرة وهي كلمة المنصوبة على التمييز فيكون الكلام للذم المحض ويكون المخصوص بالذم مخذوفا تقديره هي أي الكلمة وكلا الوجهين مستقيم سائغ، وإن نافية ويقولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وكذبا فيه وجهان أظهرهما أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا قولا كذبا، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن جملة وعليه يتمشى قول دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم اني لم أقل فندا إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الفاء استئنافية ولعل حرف ترج ونصب وهي من أخوات ان والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به وعلى آثارهم متعلقان بباخع وسيأتي مزيد بيان عنه في باب البلاغة وإن شرطية ولم يؤمنوا فعل الشرط وبهذا متعلقان بيؤمنوا والحديث بدل من اسم الاشارة وأسفا مفعول لأجله أو على انه مصدر في موقع الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي والتقدير فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ان واسمها والجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي وجملة جعلنا خبر إنا وما موصول مفعول به أول لجعلنا إن كانت بمعنى التصيير وعلى الأرض صلة ما وزينة مفعول به ثان لجعلنا وان كانت بمعنى خلقنا فتكون زينة حالا ومن العجيب أن يعربها بعضهم مفعولا لأجله مع أن الزينة ليست من المصادر القلبية مهما أسرفنا في التأويل، ولها صفة لزينة ولنبلوهم اللام للتعليل ونبلوهم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا وأيهم اسم استفهام مبتدأ والهاء مضاف إليه وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم وقد علق عن العمل بأي الاستفهامية ويجوز أن تكون أي موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلا من الهاء في نبلوهم، والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، وأحسن خبر لمبتدأ محذوف أي هو أحسن والجملة صلة للموصول وتكون الضمة في أي للبناء لأن شرطه موجود وهو أن تضاف ويحذف صدر صلتها أو تكون ضمتها ضمة إعراب على رأي بعض النحاة والضمير في نبلوهم يعود على سكان الأرض كما يفهم من سياق الكلام أو على ما ولكنه بعيد لأنه يحتاج إلى تأويل ما بأنها خاصة بالعقلاء. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجاعلون خبرها وما مفعول به ثان لجاعلون وعليها صلة وصعيدا مفعول به ثان لجاعلون وجرزا نعت لصعيدا ويجوز اعتبار الكلمتين بمعنى واحد نحو الرمان حلو حامض أي مز، فهما بمثابة المفعول الثاني ولعله أولى وسيأتي تحقيقه في موضعه من هذا الكتاب. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من فنون البلاغة نذكرها فيما يلي: 1- التكرير: 1- التكرير وقد تقدم ذكره في قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فإن نفي العوج معناه إثبات الاستقامة وإنما جنح إلى التكرير لفائدة منقطعة النظير وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته ومع ذلك فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى الذي يدق على النظرة السطحية الاولى. 2- المطابقة: فقد طابق سبحانه بين العوج والاستقامة فجاء الكلام حسنا لا مجال فيه لمنتقد كما حدث لأبي الطيب الذي أهمل المطابقة في قصيدة من أبدع قصائده وذلك انه أنشد في مجلس سيف الدولة قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فقيل له: إن المحال لا يطابق الاستقامة ولكن القافية ألجأتك إلى ذلك ولكن لو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال ولم يتوقف: «فإن البيض بعض دم الدجاج» فاستحسن هذا من بديهته. نقول: إنما يستحسن هذا في سرعة البديهة وإلا أين قوله: فإن المسك بعض دم الغزال من قوله: فإن المسك بعض دم الدجاج. ولما كنا نريد أن ننصف النقد نورد ما أخذه أحد خصوم المتنبي عليه من أنه كان لا يقيم للمطابقة وزنا وان ديدنه عدمها وذلك رغم إعجابنا الشديد بشاعر الخلود وتفضيلنا إياه على جميع شعراء العربية في القديم والحديث، قال الناقد القديم: وأما عدم المطابقة في شعر أبي الطيب المتنبي فكثير جدا من ذلك قوله: ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة ضدها السخنة والاقذاء ليست ضدها وقوله أيضا: ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضد الحقارة والنقص ضد الكمال فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، لكان أمنع. وكذلك قوله رغم سموه وابداعه: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو اساءة مجرم وليس المجرم ضد المحب ولا السرور ضد الإساءة وإنما المجرم ضد المحسن والمحب ضد المبغض والاساءة ضد الإحسان. وكذا قوله: وانه المشير عليك فيّ بضدّه ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا والحرّ ضد اللئيم. 3- نفي الشيء بايجابه: وذلك في قوله تعالى «وقالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم» وقد تقدم ذكر هذا الفن وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا فإن لقائل أن يقول: ان اتخاذ الله ولدا هو في حد ذاته محال فكيف ساغ قوله «مالهم به من علم» ؟ وهو يشبه الاعتراض في قوله تعالى «وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فإن ذلك كله وارد على سبيل التهكم وإلا فلا سلطان على الشرك حتى ينزل، والولد في حد ذاته محال لا يستقيم تعلق العلم ولكنه ورد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، ونظيره كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تثنى فلتاته» أي لا تذاع سقطاته وليس ثمة فلتات فتثنى وقول الشاعر يصف فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإن ظاهر هذا المعنى أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجمر وليس ذلك كذلك بل المعنى انه لم يكن ثمة ضب أصلا. 4- التشبيه التمثيلي البليغ المصون عن الابتذال: وذلك في قوله تعالى «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» فقد شبهه تعالى وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وأصروا على المكابرة والعناد واللجاج بالسفسطة الباطلة ثم ما تداخله من جراء ذلك من وجد وأسف على توليهم وإشفاق عليهم لسوء المغاب التي تؤول إليها أمورهم. شبه ذلك سبحانه برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم وأتى بهذه الصورة الفريدة صيانة لتشبيهه من الابتذال فإن التلهف على فراق الأحبة، واستشعار الوجد أمر شائع تناوله الشعراء في أشعارهم، وتحدثوا في قصائدهم عن لواعجهم، وهذا مقياس يقاس به البليغ يترفع في تشبيهه المألوف عن العادي من التشبيه بتزاويقه وتحاسينه ويفيض عليه من روائه وكان المتنبي، بنوع خاص، يتفطن لذلك ويصون تشبيهه الذي لا مندوحة له عنه من الابتذال وسنورد لك نماذج من شعره لتعلم إلى أي مدى بلغ هذا الشاعر الخالد. فقد صور أبو الطيب موقفا من مواقف الغزل اضطر فيه إلى تشبيه نفسه بالميت المتكلم ومحبوبته بالبدر المبتسم وكلا هذين التشبيهين وارد تناولته الشعراء فابتذل وذهبت جدته وإذن فليجعل من الحوار وسيلة إلى تصوير موقف رائع يحلو فيه التشبيه ويبدو معه جديدا كل الجدة قال: نرى عظما بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم ومن لبّه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم فهو بعد أن قرر أثر الصدّ وأن مسافته لا تقرب ولا تقطع لأن البين قد يقرب وقد تقطع مسافته اعترف بأنه غير قادر على كتمان رسيس هواه لأنه إذا كان عقلك مع غيرك فكيف يكون حالك؟ وإذا كان سرك في جفنك فكيف تقدر على كتمانه؟ يريد أن الدمع يظهره ثم صور الموقف فجعل حسناءه عابثة ازدهاها الدّل، واستخف بها النعيم، فهي عابثة لاهية تبتسم وهو يحرق الأرم، ويتكوى بنار الهجران على حد قولهم «ويل للشجي من الخلي» وهذا من أروع الشعر وأعذبه. ونعود إلى الآية فنقول ان الله تعالى أراد أن يسلي نبيه وأن يهدهد عنه ما ألم به من جوى وارتماض فعرض الموقف بصيغة الترجي وان كان المراد به النهي أي لا تبخع نفسك ولا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم وأتى بهذا التشبيه التمثيلي البديع والأسف المبالغة في الحزن. الفوائد: 1- نصب المفعول لأجله: اشترط النحاة لنصب المفعول لأجله خمسة أمور وهي: 1- كونه مصدرا. 2- كونه قلبيا من أفعال النفس الباطنة كالتعظيم والاحترام والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل ونحوها ويقابل أفعال الجوارح أي الحواس الظاهرة وما يتصل به كالقراءة والكتابة والقيام والقعود والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة وغيرها وذلك لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل والحامل على الشيء متقدم عليه وأفعال الجوارح ليست كذلك. 3- كونه علة لأنه الباعث على الفعل. 4- اتحاده مع الفعل المعلل به في الزمان فلا يجوز: تأهبت اليوم السفر غدا لأن زمن التأهب غير زمن السفر. 5- اتحاده مع الفعل المعلل به في الفاعل فلا يجوز: جئتك محبتك إياي لأن فاعل المجيء المتكلم وفاعل المحبة المخاطب. ومتى فقد شرطا من هذه الشروط وجب جره بحرف تعليل كاللام ومن والباء وفي، وفيما يلي أمثلة لكل شرط مفقود: 1- «والأرض وضعها للأنام» فالأنام علة للوضع ولكنه ليس مصدرا فلذلك جر باللام. 2- «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» فإملاق هو علة القتل ولكنه ليس مصدرا قلبيا فلذلك جر بمن. 3- قتلته صبرا، فصبرا مصدرا ولكنه ليس علة فامتنع نصبه مفعولا لأجله وامتنع جره باللام لأن اللام تفيد العلية. 4- قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وفت النوم فلذلك جر باللام، هذا والنوم ليس مصدرا قلبيا أيضا ففي الاستشهاد به على عدم اتحاد الزمن فقط تسامح. 5- قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر فالذكرى علة عن الهزة ففاعل العرو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم فلذلك جر باللام. ونعود إلى الآية فقوله «زينة لها» علة للجعل ولكنه ليس قلبيا لأنها من اعمال اليد، فلذلك استغربنا اعراب بعضهم لها مفعولا لأجله إلا بتقدير فعل الإرادة أي إرادة الزينة ولكن هذا التكلف لا يجوز وفيه مندوحة باعرابها مفعولا ثانيا لجعلنا كما تقدم أو حالا. ابدال المفرد من الجملة: قلنا في الاعراب ان أبا حيان اختار اعراب قيما بدلا من جملة لم يجعل لها عوجا لأنها في معنى المفرد. وأقول ان النحاة صرحوا بابدال الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الضمير إلى مفرد فهل يجوز العكس؟ ومعنى البيت إلى الله أشكو هاتين الحالين تعذر التقائهما فتعذر مصدر مضاف إلى فاعله وهو بدل من هاتين قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين والشام بلاد سميت بشام بن نوح فإنه بالشين المعجمة بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، كذا في القاموس.

الكهف 18:5

اللغة: (عِوَجاً) : جاء في القاموس وغيره من معاجم اللغة: عوج بكسر الواو يعوج بفتحها عوجا العود ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه فهو أعوج والعوج بكسر ففتح الاسم من عوج والالتواء وعدم الاستقامة ولم تفرق هذه المعاجم بينهما وفي الأساس: «يقال في العود عوج وفي الرأي عوج» ففرق بينهما وهذا هو الحق بدليل الآية. فالعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان، وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «يعني أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة والمفتوح فيما يدرك به» وقال في الكشاف: والعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان. وسيأتي المزيد عنه في باب البلاغة. (قَيِّماً) : مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيما على الكتب السابقة مصدقا لها شاهدا بصحتها وفي القاموس والتاج واللسان: القيم على الأمر متوليه كقيم الوقف وغيره وقيم المرأة زوجها وأمر قيم مستقيم والديانة القيمة: المستقيمة وفي التنزيل «ذلك دين القيمة» أي دين الأمة القيمة ويتعدى بالباء وبعلى. (باخِعٌ نَفْسَكَ) : مهلكها وقاتلها يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا وسيأتي مزيد بيان لها في باب البلاغة. (صَعِيداً) : ترابا أو فتاتا يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب. (جُرُزاً) بضمتين والجرز الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة باطل الزينة يقال سنة جرز وسنون أجراز وجرز الجراد الأرض: أكل ما فيها والجروز المرأة الأكول قال الراجز: إن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة فقيزا وجرزه الزمان اجتاحه. قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وفي أمثال العرب: «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» وهو يضرب في العداوة وان المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) الحمد مبتدأ ولله متعلقان بمحذوف تقديره ثابت لله فهو الخبر والذي نعت وجملة أنزل صلة وعلى عبده متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به والواو يجوز أن تكون عاطفة فالجملة معطوفة على أنزل داخلة في حيز الصلة ويجوز أن تكون اعتراضية فالجملة معترضة بين الحال وهي قيما وصاحبها وهو الكتاب ويجوز أن تكون حالية فالجملة حال من الكتاب فتكون قيما حالا متداخلة كما سيأتي. (قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في اعراب قيما اضطرابا شديدا وقد وقع اختيارنا على أن تكون حالا من الكتاب وجملة ولم يجعل معترضة واختار أبو البقاء أن تكون حالا من الهاء في له والحال مؤكدة واختار الزمخشري أن تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره جعله قيما وننقل عبارته لأهميتها: «فإن قلت بم انتصب قيما؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» وقد فطن حفص إلى هذا الاضطراب في إعراب قيما فوقف على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا وإنما هو من صفة الكتاب. وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة ولم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها لا تخرج عن هذا النطاق. ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل وينذر ينصب مفعولين وحذف أولهما وتقديره الكافرين وبأسا مفعول به ثان وشديدا صفة ومن لدنه صفة ثانية أو متعلقان بقوله لينذر. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) ويبشر عطف على لينذر والفاعل مستتر تقديره هو والمؤمنين مفعول به وجملة يعملون الصالحات صلة وأن وما في حيزها قيل هو مصدر مؤول مفعول به ثان ليبشر على رأي من يرى أن يبشر تتعدى لمفعولين وقيل هو مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر ان المقدم وأجرا اسمها المؤخر وماكثين حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه وفيه متعلقان بماكثين وأبدا ظرف متعلق بماكثين أيضا. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وينذر عطف على لينذر الأولى والذين مفعول ينذر الأول وحذف الثاني وهو الغرض المنذر به لأنه سبق ذكره وهو البأس فيكون في الكلام احتباك وجملة قالوا صلة وجملة اتخذ مقول القول والله فاعل وولدا مفعول به. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم وانهم يقولون مالا يعرفون وما نافية ولهم خبر مقدم وبه متعلقان بعلم ومن حرف جر زائد وعلم مبتدأ مؤخر ولا الواو عاطفة ولا نافية ولآبائهم عطف على لهم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) كبرت فعل ماض لانشاء الذم والتاء علامة التأنيث والفاعل ضمير مستتر يعود على مقالتهم المختلقة وهي قولهم اتخذ الله ولدا أي كبرت مقالتهم وكلمة تمييز والكلام مبني على أسلوب التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة وجملة تخرج نعت لكلمة ومن أفواههم متعلقان بتخرج ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بنكرة وهي كلمة المنصوبة على التمييز فيكون الكلام للذم المحض ويكون المخصوص بالذم مخذوفا تقديره هي أي الكلمة وكلا الوجهين مستقيم سائغ، وإن نافية ويقولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وكذبا فيه وجهان أظهرهما أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا قولا كذبا، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن جملة وعليه يتمشى قول دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم اني لم أقل فندا إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الفاء استئنافية ولعل حرف ترج ونصب وهي من أخوات ان والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به وعلى آثارهم متعلقان بباخع وسيأتي مزيد بيان عنه في باب البلاغة وإن شرطية ولم يؤمنوا فعل الشرط وبهذا متعلقان بيؤمنوا والحديث بدل من اسم الاشارة وأسفا مفعول لأجله أو على انه مصدر في موقع الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي والتقدير فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ان واسمها والجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي وجملة جعلنا خبر إنا وما موصول مفعول به أول لجعلنا إن كانت بمعنى التصيير وعلى الأرض صلة ما وزينة مفعول به ثان لجعلنا وان كانت بمعنى خلقنا فتكون زينة حالا ومن العجيب أن يعربها بعضهم مفعولا لأجله مع أن الزينة ليست من المصادر القلبية مهما أسرفنا في التأويل، ولها صفة لزينة ولنبلوهم اللام للتعليل ونبلوهم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا وأيهم اسم استفهام مبتدأ والهاء مضاف إليه وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم وقد علق عن العمل بأي الاستفهامية ويجوز أن تكون أي موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلا من الهاء في نبلوهم، والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، وأحسن خبر لمبتدأ محذوف أي هو أحسن والجملة صلة للموصول وتكون الضمة في أي للبناء لأن شرطه موجود وهو أن تضاف ويحذف صدر صلتها أو تكون ضمتها ضمة إعراب على رأي بعض النحاة والضمير في نبلوهم يعود على سكان الأرض كما يفهم من سياق الكلام أو على ما ولكنه بعيد لأنه يحتاج إلى تأويل ما بأنها خاصة بالعقلاء. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجاعلون خبرها وما مفعول به ثان لجاعلون وعليها صلة وصعيدا مفعول به ثان لجاعلون وجرزا نعت لصعيدا ويجوز اعتبار الكلمتين بمعنى واحد نحو الرمان حلو حامض أي مز، فهما بمثابة المفعول الثاني ولعله أولى وسيأتي تحقيقه في موضعه من هذا الكتاب. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من فنون البلاغة نذكرها فيما يلي: 1- التكرير: 1- التكرير وقد تقدم ذكره في قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فإن نفي العوج معناه إثبات الاستقامة وإنما جنح إلى التكرير لفائدة منقطعة النظير وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته ومع ذلك فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى الذي يدق على النظرة السطحية الاولى. 2- المطابقة: فقد طابق سبحانه بين العوج والاستقامة فجاء الكلام حسنا لا مجال فيه لمنتقد كما حدث لأبي الطيب الذي أهمل المطابقة في قصيدة من أبدع قصائده وذلك انه أنشد في مجلس سيف الدولة قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فقيل له: إن المحال لا يطابق الاستقامة ولكن القافية ألجأتك إلى ذلك ولكن لو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال ولم يتوقف: «فإن البيض بعض دم الدجاج» فاستحسن هذا من بديهته. نقول: إنما يستحسن هذا في سرعة البديهة وإلا أين قوله: فإن المسك بعض دم الغزال من قوله: فإن المسك بعض دم الدجاج. ولما كنا نريد أن ننصف النقد نورد ما أخذه أحد خصوم المتنبي عليه من أنه كان لا يقيم للمطابقة وزنا وان ديدنه عدمها وذلك رغم إعجابنا الشديد بشاعر الخلود وتفضيلنا إياه على جميع شعراء العربية في القديم والحديث، قال الناقد القديم: وأما عدم المطابقة في شعر أبي الطيب المتنبي فكثير جدا من ذلك قوله: ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة ضدها السخنة والاقذاء ليست ضدها وقوله أيضا: ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضد الحقارة والنقص ضد الكمال فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، لكان أمنع. وكذلك قوله رغم سموه وابداعه: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو اساءة مجرم وليس المجرم ضد المحب ولا السرور ضد الإساءة وإنما المجرم ضد المحسن والمحب ضد المبغض والاساءة ضد الإحسان. وكذا قوله: وانه المشير عليك فيّ بضدّه ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا والحرّ ضد اللئيم. 3- نفي الشيء بايجابه: وذلك في قوله تعالى «وقالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم» وقد تقدم ذكر هذا الفن وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا فإن لقائل أن يقول: ان اتخاذ الله ولدا هو في حد ذاته محال فكيف ساغ قوله «مالهم به من علم» ؟ وهو يشبه الاعتراض في قوله تعالى «وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فإن ذلك كله وارد على سبيل التهكم وإلا فلا سلطان على الشرك حتى ينزل، والولد في حد ذاته محال لا يستقيم تعلق العلم ولكنه ورد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، ونظيره كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تثنى فلتاته» أي لا تذاع سقطاته وليس ثمة فلتات فتثنى وقول الشاعر يصف فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإن ظاهر هذا المعنى أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجمر وليس ذلك كذلك بل المعنى انه لم يكن ثمة ضب أصلا. 4- التشبيه التمثيلي البليغ المصون عن الابتذال: وذلك في قوله تعالى «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» فقد شبهه تعالى وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وأصروا على المكابرة والعناد واللجاج بالسفسطة الباطلة ثم ما تداخله من جراء ذلك من وجد وأسف على توليهم وإشفاق عليهم لسوء المغاب التي تؤول إليها أمورهم. شبه ذلك سبحانه برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم وأتى بهذه الصورة الفريدة صيانة لتشبيهه من الابتذال فإن التلهف على فراق الأحبة، واستشعار الوجد أمر شائع تناوله الشعراء في أشعارهم، وتحدثوا في قصائدهم عن لواعجهم، وهذا مقياس يقاس به البليغ يترفع في تشبيهه المألوف عن العادي من التشبيه بتزاويقه وتحاسينه ويفيض عليه من روائه وكان المتنبي، بنوع خاص، يتفطن لذلك ويصون تشبيهه الذي لا مندوحة له عنه من الابتذال وسنورد لك نماذج من شعره لتعلم إلى أي مدى بلغ هذا الشاعر الخالد. فقد صور أبو الطيب موقفا من مواقف الغزل اضطر فيه إلى تشبيه نفسه بالميت المتكلم ومحبوبته بالبدر المبتسم وكلا هذين التشبيهين وارد تناولته الشعراء فابتذل وذهبت جدته وإذن فليجعل من الحوار وسيلة إلى تصوير موقف رائع يحلو فيه التشبيه ويبدو معه جديدا كل الجدة قال: نرى عظما بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم ومن لبّه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم فهو بعد أن قرر أثر الصدّ وأن مسافته لا تقرب ولا تقطع لأن البين قد يقرب وقد تقطع مسافته اعترف بأنه غير قادر على كتمان رسيس هواه لأنه إذا كان عقلك مع غيرك فكيف يكون حالك؟ وإذا كان سرك في جفنك فكيف تقدر على كتمانه؟ يريد أن الدمع يظهره ثم صور الموقف فجعل حسناءه عابثة ازدهاها الدّل، واستخف بها النعيم، فهي عابثة لاهية تبتسم وهو يحرق الأرم، ويتكوى بنار الهجران على حد قولهم «ويل للشجي من الخلي» وهذا من أروع الشعر وأعذبه. ونعود إلى الآية فنقول ان الله تعالى أراد أن يسلي نبيه وأن يهدهد عنه ما ألم به من جوى وارتماض فعرض الموقف بصيغة الترجي وان كان المراد به النهي أي لا تبخع نفسك ولا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم وأتى بهذا التشبيه التمثيلي البديع والأسف المبالغة في الحزن. الفوائد: 1- نصب المفعول لأجله: اشترط النحاة لنصب المفعول لأجله خمسة أمور وهي: 1- كونه مصدرا. 2- كونه قلبيا من أفعال النفس الباطنة كالتعظيم والاحترام والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل ونحوها ويقابل أفعال الجوارح أي الحواس الظاهرة وما يتصل به كالقراءة والكتابة والقيام والقعود والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة وغيرها وذلك لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل والحامل على الشيء متقدم عليه وأفعال الجوارح ليست كذلك. 3- كونه علة لأنه الباعث على الفعل. 4- اتحاده مع الفعل المعلل به في الزمان فلا يجوز: تأهبت اليوم السفر غدا لأن زمن التأهب غير زمن السفر. 5- اتحاده مع الفعل المعلل به في الفاعل فلا يجوز: جئتك محبتك إياي لأن فاعل المجيء المتكلم وفاعل المحبة المخاطب. ومتى فقد شرطا من هذه الشروط وجب جره بحرف تعليل كاللام ومن والباء وفي، وفيما يلي أمثلة لكل شرط مفقود: 1- «والأرض وضعها للأنام» فالأنام علة للوضع ولكنه ليس مصدرا فلذلك جر باللام. 2- «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» فإملاق هو علة القتل ولكنه ليس مصدرا قلبيا فلذلك جر بمن. 3- قتلته صبرا، فصبرا مصدرا ولكنه ليس علة فامتنع نصبه مفعولا لأجله وامتنع جره باللام لأن اللام تفيد العلية. 4- قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وفت النوم فلذلك جر باللام، هذا والنوم ليس مصدرا قلبيا أيضا ففي الاستشهاد به على عدم اتحاد الزمن فقط تسامح. 5- قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر فالذكرى علة عن الهزة ففاعل العرو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم فلذلك جر باللام. ونعود إلى الآية فقوله «زينة لها» علة للجعل ولكنه ليس قلبيا لأنها من اعمال اليد، فلذلك استغربنا اعراب بعضهم لها مفعولا لأجله إلا بتقدير فعل الإرادة أي إرادة الزينة ولكن هذا التكلف لا يجوز وفيه مندوحة باعرابها مفعولا ثانيا لجعلنا كما تقدم أو حالا. ابدال المفرد من الجملة: قلنا في الاعراب ان أبا حيان اختار اعراب قيما بدلا من جملة لم يجعل لها عوجا لأنها في معنى المفرد. وأقول ان النحاة صرحوا بابدال الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الضمير إلى مفرد فهل يجوز العكس؟ ومعنى البيت إلى الله أشكو هاتين الحالين تعذر التقائهما فتعذر مصدر مضاف إلى فاعله وهو بدل من هاتين قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين والشام بلاد سميت بشام بن نوح فإنه بالشين المعجمة بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، كذا في القاموس.

الكهف 18:6

اللغة: (عِوَجاً) : جاء في القاموس وغيره من معاجم اللغة: عوج بكسر الواو يعوج بفتحها عوجا العود ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه فهو أعوج والعوج بكسر ففتح الاسم من عوج والالتواء وعدم الاستقامة ولم تفرق هذه المعاجم بينهما وفي الأساس: «يقال في العود عوج وفي الرأي عوج» ففرق بينهما وهذا هو الحق بدليل الآية. فالعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان، وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «يعني أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة والمفتوح فيما يدرك به» وقال في الكشاف: والعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان. وسيأتي المزيد عنه في باب البلاغة. (قَيِّماً) : مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيما على الكتب السابقة مصدقا لها شاهدا بصحتها وفي القاموس والتاج واللسان: القيم على الأمر متوليه كقيم الوقف وغيره وقيم المرأة زوجها وأمر قيم مستقيم والديانة القيمة: المستقيمة وفي التنزيل «ذلك دين القيمة» أي دين الأمة القيمة ويتعدى بالباء وبعلى. (باخِعٌ نَفْسَكَ) : مهلكها وقاتلها يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا وسيأتي مزيد بيان لها في باب البلاغة. (صَعِيداً) : ترابا أو فتاتا يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب. (جُرُزاً) بضمتين والجرز الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة باطل الزينة يقال سنة جرز وسنون أجراز وجرز الجراد الأرض: أكل ما فيها والجروز المرأة الأكول قال الراجز: إن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة فقيزا وجرزه الزمان اجتاحه. قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وفي أمثال العرب: «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» وهو يضرب في العداوة وان المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) الحمد مبتدأ ولله متعلقان بمحذوف تقديره ثابت لله فهو الخبر والذي نعت وجملة أنزل صلة وعلى عبده متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به والواو يجوز أن تكون عاطفة فالجملة معطوفة على أنزل داخلة في حيز الصلة ويجوز أن تكون اعتراضية فالجملة معترضة بين الحال وهي قيما وصاحبها وهو الكتاب ويجوز أن تكون حالية فالجملة حال من الكتاب فتكون قيما حالا متداخلة كما سيأتي. (قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في اعراب قيما اضطرابا شديدا وقد وقع اختيارنا على أن تكون حالا من الكتاب وجملة ولم يجعل معترضة واختار أبو البقاء أن تكون حالا من الهاء في له والحال مؤكدة واختار الزمخشري أن تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره جعله قيما وننقل عبارته لأهميتها: «فإن قلت بم انتصب قيما؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» وقد فطن حفص إلى هذا الاضطراب في إعراب قيما فوقف على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا وإنما هو من صفة الكتاب. وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة ولم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها لا تخرج عن هذا النطاق. ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل وينذر ينصب مفعولين وحذف أولهما وتقديره الكافرين وبأسا مفعول به ثان وشديدا صفة ومن لدنه صفة ثانية أو متعلقان بقوله لينذر. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) ويبشر عطف على لينذر والفاعل مستتر تقديره هو والمؤمنين مفعول به وجملة يعملون الصالحات صلة وأن وما في حيزها قيل هو مصدر مؤول مفعول به ثان ليبشر على رأي من يرى أن يبشر تتعدى لمفعولين وقيل هو مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر ان المقدم وأجرا اسمها المؤخر وماكثين حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه وفيه متعلقان بماكثين وأبدا ظرف متعلق بماكثين أيضا. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وينذر عطف على لينذر الأولى والذين مفعول ينذر الأول وحذف الثاني وهو الغرض المنذر به لأنه سبق ذكره وهو البأس فيكون في الكلام احتباك وجملة قالوا صلة وجملة اتخذ مقول القول والله فاعل وولدا مفعول به. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم وانهم يقولون مالا يعرفون وما نافية ولهم خبر مقدم وبه متعلقان بعلم ومن حرف جر زائد وعلم مبتدأ مؤخر ولا الواو عاطفة ولا نافية ولآبائهم عطف على لهم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) كبرت فعل ماض لانشاء الذم والتاء علامة التأنيث والفاعل ضمير مستتر يعود على مقالتهم المختلقة وهي قولهم اتخذ الله ولدا أي كبرت مقالتهم وكلمة تمييز والكلام مبني على أسلوب التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة وجملة تخرج نعت لكلمة ومن أفواههم متعلقان بتخرج ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بنكرة وهي كلمة المنصوبة على التمييز فيكون الكلام للذم المحض ويكون المخصوص بالذم مخذوفا تقديره هي أي الكلمة وكلا الوجهين مستقيم سائغ، وإن نافية ويقولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وكذبا فيه وجهان أظهرهما أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا قولا كذبا، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن جملة وعليه يتمشى قول دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم اني لم أقل فندا إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الفاء استئنافية ولعل حرف ترج ونصب وهي من أخوات ان والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به وعلى آثارهم متعلقان بباخع وسيأتي مزيد بيان عنه في باب البلاغة وإن شرطية ولم يؤمنوا فعل الشرط وبهذا متعلقان بيؤمنوا والحديث بدل من اسم الاشارة وأسفا مفعول لأجله أو على انه مصدر في موقع الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي والتقدير فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ان واسمها والجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي وجملة جعلنا خبر إنا وما موصول مفعول به أول لجعلنا إن كانت بمعنى التصيير وعلى الأرض صلة ما وزينة مفعول به ثان لجعلنا وان كانت بمعنى خلقنا فتكون زينة حالا ومن العجيب أن يعربها بعضهم مفعولا لأجله مع أن الزينة ليست من المصادر القلبية مهما أسرفنا في التأويل، ولها صفة لزينة ولنبلوهم اللام للتعليل ونبلوهم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا وأيهم اسم استفهام مبتدأ والهاء مضاف إليه وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم وقد علق عن العمل بأي الاستفهامية ويجوز أن تكون أي موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلا من الهاء في نبلوهم، والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، وأحسن خبر لمبتدأ محذوف أي هو أحسن والجملة صلة للموصول وتكون الضمة في أي للبناء لأن شرطه موجود وهو أن تضاف ويحذف صدر صلتها أو تكون ضمتها ضمة إعراب على رأي بعض النحاة والضمير في نبلوهم يعود على سكان الأرض كما يفهم من سياق الكلام أو على ما ولكنه بعيد لأنه يحتاج إلى تأويل ما بأنها خاصة بالعقلاء. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجاعلون خبرها وما مفعول به ثان لجاعلون وعليها صلة وصعيدا مفعول به ثان لجاعلون وجرزا نعت لصعيدا ويجوز اعتبار الكلمتين بمعنى واحد نحو الرمان حلو حامض أي مز، فهما بمثابة المفعول الثاني ولعله أولى وسيأتي تحقيقه في موضعه من هذا الكتاب. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من فنون البلاغة نذكرها فيما يلي: 1- التكرير: 1- التكرير وقد تقدم ذكره في قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فإن نفي العوج معناه إثبات الاستقامة وإنما جنح إلى التكرير لفائدة منقطعة النظير وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته ومع ذلك فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى الذي يدق على النظرة السطحية الاولى. 2- المطابقة: فقد طابق سبحانه بين العوج والاستقامة فجاء الكلام حسنا لا مجال فيه لمنتقد كما حدث لأبي الطيب الذي أهمل المطابقة في قصيدة من أبدع قصائده وذلك انه أنشد في مجلس سيف الدولة قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فقيل له: إن المحال لا يطابق الاستقامة ولكن القافية ألجأتك إلى ذلك ولكن لو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال ولم يتوقف: «فإن البيض بعض دم الدجاج» فاستحسن هذا من بديهته. نقول: إنما يستحسن هذا في سرعة البديهة وإلا أين قوله: فإن المسك بعض دم الغزال من قوله: فإن المسك بعض دم الدجاج. ولما كنا نريد أن ننصف النقد نورد ما أخذه أحد خصوم المتنبي عليه من أنه كان لا يقيم للمطابقة وزنا وان ديدنه عدمها وذلك رغم إعجابنا الشديد بشاعر الخلود وتفضيلنا إياه على جميع شعراء العربية في القديم والحديث، قال الناقد القديم: وأما عدم المطابقة في شعر أبي الطيب المتنبي فكثير جدا من ذلك قوله: ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة ضدها السخنة والاقذاء ليست ضدها وقوله أيضا: ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضد الحقارة والنقص ضد الكمال فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، لكان أمنع. وكذلك قوله رغم سموه وابداعه: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو اساءة مجرم وليس المجرم ضد المحب ولا السرور ضد الإساءة وإنما المجرم ضد المحسن والمحب ضد المبغض والاساءة ضد الإحسان. وكذا قوله: وانه المشير عليك فيّ بضدّه ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا والحرّ ضد اللئيم. 3- نفي الشيء بايجابه: وذلك في قوله تعالى «وقالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم» وقد تقدم ذكر هذا الفن وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا فإن لقائل أن يقول: ان اتخاذ الله ولدا هو في حد ذاته محال فكيف ساغ قوله «مالهم به من علم» ؟ وهو يشبه الاعتراض في قوله تعالى «وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فإن ذلك كله وارد على سبيل التهكم وإلا فلا سلطان على الشرك حتى ينزل، والولد في حد ذاته محال لا يستقيم تعلق العلم ولكنه ورد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، ونظيره كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تثنى فلتاته» أي لا تذاع سقطاته وليس ثمة فلتات فتثنى وقول الشاعر يصف فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإن ظاهر هذا المعنى أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجمر وليس ذلك كذلك بل المعنى انه لم يكن ثمة ضب أصلا. 4- التشبيه التمثيلي البليغ المصون عن الابتذال: وذلك في قوله تعالى «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» فقد شبهه تعالى وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وأصروا على المكابرة والعناد واللجاج بالسفسطة الباطلة ثم ما تداخله من جراء ذلك من وجد وأسف على توليهم وإشفاق عليهم لسوء المغاب التي تؤول إليها أمورهم. شبه ذلك سبحانه برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم وأتى بهذه الصورة الفريدة صيانة لتشبيهه من الابتذال فإن التلهف على فراق الأحبة، واستشعار الوجد أمر شائع تناوله الشعراء في أشعارهم، وتحدثوا في قصائدهم عن لواعجهم، وهذا مقياس يقاس به البليغ يترفع في تشبيهه المألوف عن العادي من التشبيه بتزاويقه وتحاسينه ويفيض عليه من روائه وكان المتنبي، بنوع خاص، يتفطن لذلك ويصون تشبيهه الذي لا مندوحة له عنه من الابتذال وسنورد لك نماذج من شعره لتعلم إلى أي مدى بلغ هذا الشاعر الخالد. فقد صور أبو الطيب موقفا من مواقف الغزل اضطر فيه إلى تشبيه نفسه بالميت المتكلم ومحبوبته بالبدر المبتسم وكلا هذين التشبيهين وارد تناولته الشعراء فابتذل وذهبت جدته وإذن فليجعل من الحوار وسيلة إلى تصوير موقف رائع يحلو فيه التشبيه ويبدو معه جديدا كل الجدة قال: نرى عظما بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم ومن لبّه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم فهو بعد أن قرر أثر الصدّ وأن مسافته لا تقرب ولا تقطع لأن البين قد يقرب وقد تقطع مسافته اعترف بأنه غير قادر على كتمان رسيس هواه لأنه إذا كان عقلك مع غيرك فكيف يكون حالك؟ وإذا كان سرك في جفنك فكيف تقدر على كتمانه؟ يريد أن الدمع يظهره ثم صور الموقف فجعل حسناءه عابثة ازدهاها الدّل، واستخف بها النعيم، فهي عابثة لاهية تبتسم وهو يحرق الأرم، ويتكوى بنار الهجران على حد قولهم «ويل للشجي من الخلي» وهذا من أروع الشعر وأعذبه. ونعود إلى الآية فنقول ان الله تعالى أراد أن يسلي نبيه وأن يهدهد عنه ما ألم به من جوى وارتماض فعرض الموقف بصيغة الترجي وان كان المراد به النهي أي لا تبخع نفسك ولا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم وأتى بهذا التشبيه التمثيلي البديع والأسف المبالغة في الحزن. الفوائد: 1- نصب المفعول لأجله: اشترط النحاة لنصب المفعول لأجله خمسة أمور وهي: 1- كونه مصدرا. 2- كونه قلبيا من أفعال النفس الباطنة كالتعظيم والاحترام والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل ونحوها ويقابل أفعال الجوارح أي الحواس الظاهرة وما يتصل به كالقراءة والكتابة والقيام والقعود والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة وغيرها وذلك لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل والحامل على الشيء متقدم عليه وأفعال الجوارح ليست كذلك. 3- كونه علة لأنه الباعث على الفعل. 4- اتحاده مع الفعل المعلل به في الزمان فلا يجوز: تأهبت اليوم السفر غدا لأن زمن التأهب غير زمن السفر. 5- اتحاده مع الفعل المعلل به في الفاعل فلا يجوز: جئتك محبتك إياي لأن فاعل المجيء المتكلم وفاعل المحبة المخاطب. ومتى فقد شرطا من هذه الشروط وجب جره بحرف تعليل كاللام ومن والباء وفي، وفيما يلي أمثلة لكل شرط مفقود: 1- «والأرض وضعها للأنام» فالأنام علة للوضع ولكنه ليس مصدرا فلذلك جر باللام. 2- «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» فإملاق هو علة القتل ولكنه ليس مصدرا قلبيا فلذلك جر بمن. 3- قتلته صبرا، فصبرا مصدرا ولكنه ليس علة فامتنع نصبه مفعولا لأجله وامتنع جره باللام لأن اللام تفيد العلية. 4- قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وفت النوم فلذلك جر باللام، هذا والنوم ليس مصدرا قلبيا أيضا ففي الاستشهاد به على عدم اتحاد الزمن فقط تسامح. 5- قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر فالذكرى علة عن الهزة ففاعل العرو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم فلذلك جر باللام. ونعود إلى الآية فقوله «زينة لها» علة للجعل ولكنه ليس قلبيا لأنها من اعمال اليد، فلذلك استغربنا اعراب بعضهم لها مفعولا لأجله إلا بتقدير فعل الإرادة أي إرادة الزينة ولكن هذا التكلف لا يجوز وفيه مندوحة باعرابها مفعولا ثانيا لجعلنا كما تقدم أو حالا. ابدال المفرد من الجملة: قلنا في الاعراب ان أبا حيان اختار اعراب قيما بدلا من جملة لم يجعل لها عوجا لأنها في معنى المفرد. وأقول ان النحاة صرحوا بابدال الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الضمير إلى مفرد فهل يجوز العكس؟ ومعنى البيت إلى الله أشكو هاتين الحالين تعذر التقائهما فتعذر مصدر مضاف إلى فاعله وهو بدل من هاتين قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين والشام بلاد سميت بشام بن نوح فإنه بالشين المعجمة بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، كذا في القاموس.

الكهف 18:7

اللغة: (عِوَجاً) : جاء في القاموس وغيره من معاجم اللغة: عوج بكسر الواو يعوج بفتحها عوجا العود ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه فهو أعوج والعوج بكسر ففتح الاسم من عوج والالتواء وعدم الاستقامة ولم تفرق هذه المعاجم بينهما وفي الأساس: «يقال في العود عوج وفي الرأي عوج» ففرق بينهما وهذا هو الحق بدليل الآية. فالعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان، وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «يعني أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة والمفتوح فيما يدرك به» وقال في الكشاف: والعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان. وسيأتي المزيد عنه في باب البلاغة. (قَيِّماً) : مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيما على الكتب السابقة مصدقا لها شاهدا بصحتها وفي القاموس والتاج واللسان: القيم على الأمر متوليه كقيم الوقف وغيره وقيم المرأة زوجها وأمر قيم مستقيم والديانة القيمة: المستقيمة وفي التنزيل «ذلك دين القيمة» أي دين الأمة القيمة ويتعدى بالباء وبعلى. (باخِعٌ نَفْسَكَ) : مهلكها وقاتلها يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا وسيأتي مزيد بيان لها في باب البلاغة. (صَعِيداً) : ترابا أو فتاتا يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب. (جُرُزاً) بضمتين والجرز الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة باطل الزينة يقال سنة جرز وسنون أجراز وجرز الجراد الأرض: أكل ما فيها والجروز المرأة الأكول قال الراجز: إن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة فقيزا وجرزه الزمان اجتاحه. قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وفي أمثال العرب: «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» وهو يضرب في العداوة وان المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) الحمد مبتدأ ولله متعلقان بمحذوف تقديره ثابت لله فهو الخبر والذي نعت وجملة أنزل صلة وعلى عبده متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به والواو يجوز أن تكون عاطفة فالجملة معطوفة على أنزل داخلة في حيز الصلة ويجوز أن تكون اعتراضية فالجملة معترضة بين الحال وهي قيما وصاحبها وهو الكتاب ويجوز أن تكون حالية فالجملة حال من الكتاب فتكون قيما حالا متداخلة كما سيأتي. (قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في اعراب قيما اضطرابا شديدا وقد وقع اختيارنا على أن تكون حالا من الكتاب وجملة ولم يجعل معترضة واختار أبو البقاء أن تكون حالا من الهاء في له والحال مؤكدة واختار الزمخشري أن تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره جعله قيما وننقل عبارته لأهميتها: «فإن قلت بم انتصب قيما؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» وقد فطن حفص إلى هذا الاضطراب في إعراب قيما فوقف على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا وإنما هو من صفة الكتاب. وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة ولم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها لا تخرج عن هذا النطاق. ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل وينذر ينصب مفعولين وحذف أولهما وتقديره الكافرين وبأسا مفعول به ثان وشديدا صفة ومن لدنه صفة ثانية أو متعلقان بقوله لينذر. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) ويبشر عطف على لينذر والفاعل مستتر تقديره هو والمؤمنين مفعول به وجملة يعملون الصالحات صلة وأن وما في حيزها قيل هو مصدر مؤول مفعول به ثان ليبشر على رأي من يرى أن يبشر تتعدى لمفعولين وقيل هو مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر ان المقدم وأجرا اسمها المؤخر وماكثين حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه وفيه متعلقان بماكثين وأبدا ظرف متعلق بماكثين أيضا. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وينذر عطف على لينذر الأولى والذين مفعول ينذر الأول وحذف الثاني وهو الغرض المنذر به لأنه سبق ذكره وهو البأس فيكون في الكلام احتباك وجملة قالوا صلة وجملة اتخذ مقول القول والله فاعل وولدا مفعول به. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم وانهم يقولون مالا يعرفون وما نافية ولهم خبر مقدم وبه متعلقان بعلم ومن حرف جر زائد وعلم مبتدأ مؤخر ولا الواو عاطفة ولا نافية ولآبائهم عطف على لهم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) كبرت فعل ماض لانشاء الذم والتاء علامة التأنيث والفاعل ضمير مستتر يعود على مقالتهم المختلقة وهي قولهم اتخذ الله ولدا أي كبرت مقالتهم وكلمة تمييز والكلام مبني على أسلوب التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة وجملة تخرج نعت لكلمة ومن أفواههم متعلقان بتخرج ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بنكرة وهي كلمة المنصوبة على التمييز فيكون الكلام للذم المحض ويكون المخصوص بالذم مخذوفا تقديره هي أي الكلمة وكلا الوجهين مستقيم سائغ، وإن نافية ويقولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وكذبا فيه وجهان أظهرهما أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا قولا كذبا، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن جملة وعليه يتمشى قول دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم اني لم أقل فندا إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الفاء استئنافية ولعل حرف ترج ونصب وهي من أخوات ان والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به وعلى آثارهم متعلقان بباخع وسيأتي مزيد بيان عنه في باب البلاغة وإن شرطية ولم يؤمنوا فعل الشرط وبهذا متعلقان بيؤمنوا والحديث بدل من اسم الاشارة وأسفا مفعول لأجله أو على انه مصدر في موقع الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي والتقدير فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ان واسمها والجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي وجملة جعلنا خبر إنا وما موصول مفعول به أول لجعلنا إن كانت بمعنى التصيير وعلى الأرض صلة ما وزينة مفعول به ثان لجعلنا وان كانت بمعنى خلقنا فتكون زينة حالا ومن العجيب أن يعربها بعضهم مفعولا لأجله مع أن الزينة ليست من المصادر القلبية مهما أسرفنا في التأويل، ولها صفة لزينة ولنبلوهم اللام للتعليل ونبلوهم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا وأيهم اسم استفهام مبتدأ والهاء مضاف إليه وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم وقد علق عن العمل بأي الاستفهامية ويجوز أن تكون أي موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلا من الهاء في نبلوهم، والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، وأحسن خبر لمبتدأ محذوف أي هو أحسن والجملة صلة للموصول وتكون الضمة في أي للبناء لأن شرطه موجود وهو أن تضاف ويحذف صدر صلتها أو تكون ضمتها ضمة إعراب على رأي بعض النحاة والضمير في نبلوهم يعود على سكان الأرض كما يفهم من سياق الكلام أو على ما ولكنه بعيد لأنه يحتاج إلى تأويل ما بأنها خاصة بالعقلاء. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجاعلون خبرها وما مفعول به ثان لجاعلون وعليها صلة وصعيدا مفعول به ثان لجاعلون وجرزا نعت لصعيدا ويجوز اعتبار الكلمتين بمعنى واحد نحو الرمان حلو حامض أي مز، فهما بمثابة المفعول الثاني ولعله أولى وسيأتي تحقيقه في موضعه من هذا الكتاب. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من فنون البلاغة نذكرها فيما يلي: 1- التكرير: 1- التكرير وقد تقدم ذكره في قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فإن نفي العوج معناه إثبات الاستقامة وإنما جنح إلى التكرير لفائدة منقطعة النظير وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته ومع ذلك فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى الذي يدق على النظرة السطحية الاولى. 2- المطابقة: فقد طابق سبحانه بين العوج والاستقامة فجاء الكلام حسنا لا مجال فيه لمنتقد كما حدث لأبي الطيب الذي أهمل المطابقة في قصيدة من أبدع قصائده وذلك انه أنشد في مجلس سيف الدولة قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فقيل له: إن المحال لا يطابق الاستقامة ولكن القافية ألجأتك إلى ذلك ولكن لو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال ولم يتوقف: «فإن البيض بعض دم الدجاج» فاستحسن هذا من بديهته. نقول: إنما يستحسن هذا في سرعة البديهة وإلا أين قوله: فإن المسك بعض دم الغزال من قوله: فإن المسك بعض دم الدجاج. ولما كنا نريد أن ننصف النقد نورد ما أخذه أحد خصوم المتنبي عليه من أنه كان لا يقيم للمطابقة وزنا وان ديدنه عدمها وذلك رغم إعجابنا الشديد بشاعر الخلود وتفضيلنا إياه على جميع شعراء العربية في القديم والحديث، قال الناقد القديم: وأما عدم المطابقة في شعر أبي الطيب المتنبي فكثير جدا من ذلك قوله: ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة ضدها السخنة والاقذاء ليست ضدها وقوله أيضا: ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضد الحقارة والنقص ضد الكمال فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، لكان أمنع. وكذلك قوله رغم سموه وابداعه: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو اساءة مجرم وليس المجرم ضد المحب ولا السرور ضد الإساءة وإنما المجرم ضد المحسن والمحب ضد المبغض والاساءة ضد الإحسان. وكذا قوله: وانه المشير عليك فيّ بضدّه ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا والحرّ ضد اللئيم. 3- نفي الشيء بايجابه: وذلك في قوله تعالى «وقالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم» وقد تقدم ذكر هذا الفن وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا فإن لقائل أن يقول: ان اتخاذ الله ولدا هو في حد ذاته محال فكيف ساغ قوله «مالهم به من علم» ؟ وهو يشبه الاعتراض في قوله تعالى «وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فإن ذلك كله وارد على سبيل التهكم وإلا فلا سلطان على الشرك حتى ينزل، والولد في حد ذاته محال لا يستقيم تعلق العلم ولكنه ورد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، ونظيره كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تثنى فلتاته» أي لا تذاع سقطاته وليس ثمة فلتات فتثنى وقول الشاعر يصف فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإن ظاهر هذا المعنى أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجمر وليس ذلك كذلك بل المعنى انه لم يكن ثمة ضب أصلا. 4- التشبيه التمثيلي البليغ المصون عن الابتذال: وذلك في قوله تعالى «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» فقد شبهه تعالى وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وأصروا على المكابرة والعناد واللجاج بالسفسطة الباطلة ثم ما تداخله من جراء ذلك من وجد وأسف على توليهم وإشفاق عليهم لسوء المغاب التي تؤول إليها أمورهم. شبه ذلك سبحانه برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم وأتى بهذه الصورة الفريدة صيانة لتشبيهه من الابتذال فإن التلهف على فراق الأحبة، واستشعار الوجد أمر شائع تناوله الشعراء في أشعارهم، وتحدثوا في قصائدهم عن لواعجهم، وهذا مقياس يقاس به البليغ يترفع في تشبيهه المألوف عن العادي من التشبيه بتزاويقه وتحاسينه ويفيض عليه من روائه وكان المتنبي، بنوع خاص، يتفطن لذلك ويصون تشبيهه الذي لا مندوحة له عنه من الابتذال وسنورد لك نماذج من شعره لتعلم إلى أي مدى بلغ هذا الشاعر الخالد. فقد صور أبو الطيب موقفا من مواقف الغزل اضطر فيه إلى تشبيه نفسه بالميت المتكلم ومحبوبته بالبدر المبتسم وكلا هذين التشبيهين وارد تناولته الشعراء فابتذل وذهبت جدته وإذن فليجعل من الحوار وسيلة إلى تصوير موقف رائع يحلو فيه التشبيه ويبدو معه جديدا كل الجدة قال: نرى عظما بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم ومن لبّه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم فهو بعد أن قرر أثر الصدّ وأن مسافته لا تقرب ولا تقطع لأن البين قد يقرب وقد تقطع مسافته اعترف بأنه غير قادر على كتمان رسيس هواه لأنه إذا كان عقلك مع غيرك فكيف يكون حالك؟ وإذا كان سرك في جفنك فكيف تقدر على كتمانه؟ يريد أن الدمع يظهره ثم صور الموقف فجعل حسناءه عابثة ازدهاها الدّل، واستخف بها النعيم، فهي عابثة لاهية تبتسم وهو يحرق الأرم، ويتكوى بنار الهجران على حد قولهم «ويل للشجي من الخلي» وهذا من أروع الشعر وأعذبه. ونعود إلى الآية فنقول ان الله تعالى أراد أن يسلي نبيه وأن يهدهد عنه ما ألم به من جوى وارتماض فعرض الموقف بصيغة الترجي وان كان المراد به النهي أي لا تبخع نفسك ولا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم وأتى بهذا التشبيه التمثيلي البديع والأسف المبالغة في الحزن. الفوائد: 1- نصب المفعول لأجله: اشترط النحاة لنصب المفعول لأجله خمسة أمور وهي: 1- كونه مصدرا. 2- كونه قلبيا من أفعال النفس الباطنة كالتعظيم والاحترام والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل ونحوها ويقابل أفعال الجوارح أي الحواس الظاهرة وما يتصل به كالقراءة والكتابة والقيام والقعود والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة وغيرها وذلك لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل والحامل على الشيء متقدم عليه وأفعال الجوارح ليست كذلك. 3- كونه علة لأنه الباعث على الفعل. 4- اتحاده مع الفعل المعلل به في الزمان فلا يجوز: تأهبت اليوم السفر غدا لأن زمن التأهب غير زمن السفر. 5- اتحاده مع الفعل المعلل به في الفاعل فلا يجوز: جئتك محبتك إياي لأن فاعل المجيء المتكلم وفاعل المحبة المخاطب. ومتى فقد شرطا من هذه الشروط وجب جره بحرف تعليل كاللام ومن والباء وفي، وفيما يلي أمثلة لكل شرط مفقود: 1- «والأرض وضعها للأنام» فالأنام علة للوضع ولكنه ليس مصدرا فلذلك جر باللام. 2- «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» فإملاق هو علة القتل ولكنه ليس مصدرا قلبيا فلذلك جر بمن. 3- قتلته صبرا، فصبرا مصدرا ولكنه ليس علة فامتنع نصبه مفعولا لأجله وامتنع جره باللام لأن اللام تفيد العلية. 4- قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وفت النوم فلذلك جر باللام، هذا والنوم ليس مصدرا قلبيا أيضا ففي الاستشهاد به على عدم اتحاد الزمن فقط تسامح. 5- قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر فالذكرى علة عن الهزة ففاعل العرو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم فلذلك جر باللام. ونعود إلى الآية فقوله «زينة لها» علة للجعل ولكنه ليس قلبيا لأنها من اعمال اليد، فلذلك استغربنا اعراب بعضهم لها مفعولا لأجله إلا بتقدير فعل الإرادة أي إرادة الزينة ولكن هذا التكلف لا يجوز وفيه مندوحة باعرابها مفعولا ثانيا لجعلنا كما تقدم أو حالا. ابدال المفرد من الجملة: قلنا في الاعراب ان أبا حيان اختار اعراب قيما بدلا من جملة لم يجعل لها عوجا لأنها في معنى المفرد. وأقول ان النحاة صرحوا بابدال الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الضمير إلى مفرد فهل يجوز العكس؟ ومعنى البيت إلى الله أشكو هاتين الحالين تعذر التقائهما فتعذر مصدر مضاف إلى فاعله وهو بدل من هاتين قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين والشام بلاد سميت بشام بن نوح فإنه بالشين المعجمة بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، كذا في القاموس.

الكهف 18:8

اللغة: (عِوَجاً) : جاء في القاموس وغيره من معاجم اللغة: عوج بكسر الواو يعوج بفتحها عوجا العود ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه فهو أعوج والعوج بكسر ففتح الاسم من عوج والالتواء وعدم الاستقامة ولم تفرق هذه المعاجم بينهما وفي الأساس: «يقال في العود عوج وفي الرأي عوج» ففرق بينهما وهذا هو الحق بدليل الآية. فالعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان، وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «يعني أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة والمفتوح فيما يدرك به» وقال في الكشاف: والعوج بكسر ففتح في المعاني كالعوج بفتحتين في الأعيان. وسيأتي المزيد عنه في باب البلاغة. (قَيِّماً) : مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيما على الكتب السابقة مصدقا لها شاهدا بصحتها وفي القاموس والتاج واللسان: القيم على الأمر متوليه كقيم الوقف وغيره وقيم المرأة زوجها وأمر قيم مستقيم والديانة القيمة: المستقيمة وفي التنزيل «ذلك دين القيمة» أي دين الأمة القيمة ويتعدى بالباء وبعلى. (باخِعٌ نَفْسَكَ) : مهلكها وقاتلها يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا وسيأتي مزيد بيان لها في باب البلاغة. (صَعِيداً) : ترابا أو فتاتا يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب. (جُرُزاً) بضمتين والجرز الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة باطل الزينة يقال سنة جرز وسنون أجراز وجرز الجراد الأرض: أكل ما فيها والجروز المرأة الأكول قال الراجز: إن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة فقيزا وجرزه الزمان اجتاحه. قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وفي أمثال العرب: «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» وهو يضرب في العداوة وان المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) الحمد مبتدأ ولله متعلقان بمحذوف تقديره ثابت لله فهو الخبر والذي نعت وجملة أنزل صلة وعلى عبده متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به والواو يجوز أن تكون عاطفة فالجملة معطوفة على أنزل داخلة في حيز الصلة ويجوز أن تكون اعتراضية فالجملة معترضة بين الحال وهي قيما وصاحبها وهو الكتاب ويجوز أن تكون حالية فالجملة حال من الكتاب فتكون قيما حالا متداخلة كما سيأتي. (قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في اعراب قيما اضطرابا شديدا وقد وقع اختيارنا على أن تكون حالا من الكتاب وجملة ولم يجعل معترضة واختار أبو البقاء أن تكون حالا من الهاء في له والحال مؤكدة واختار الزمخشري أن تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره جعله قيما وننقل عبارته لأهميتها: «فإن قلت بم انتصب قيما؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة» وقد فطن حفص إلى هذا الاضطراب في إعراب قيما فوقف على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا وإنما هو من صفة الكتاب. وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة ولم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها لا تخرج عن هذا النطاق. ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل وينذر ينصب مفعولين وحذف أولهما وتقديره الكافرين وبأسا مفعول به ثان وشديدا صفة ومن لدنه صفة ثانية أو متعلقان بقوله لينذر. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) ويبشر عطف على لينذر والفاعل مستتر تقديره هو والمؤمنين مفعول به وجملة يعملون الصالحات صلة وأن وما في حيزها قيل هو مصدر مؤول مفعول به ثان ليبشر على رأي من يرى أن يبشر تتعدى لمفعولين وقيل هو مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر ان المقدم وأجرا اسمها المؤخر وماكثين حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه وفيه متعلقان بماكثين وأبدا ظرف متعلق بماكثين أيضا. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وينذر عطف على لينذر الأولى والذين مفعول ينذر الأول وحذف الثاني وهو الغرض المنذر به لأنه سبق ذكره وهو البأس فيكون في الكلام احتباك وجملة قالوا صلة وجملة اتخذ مقول القول والله فاعل وولدا مفعول به. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم وانهم يقولون مالا يعرفون وما نافية ولهم خبر مقدم وبه متعلقان بعلم ومن حرف جر زائد وعلم مبتدأ مؤخر ولا الواو عاطفة ولا نافية ولآبائهم عطف على لهم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) كبرت فعل ماض لانشاء الذم والتاء علامة التأنيث والفاعل ضمير مستتر يعود على مقالتهم المختلقة وهي قولهم اتخذ الله ولدا أي كبرت مقالتهم وكلمة تمييز والكلام مبني على أسلوب التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة وجملة تخرج نعت لكلمة ومن أفواههم متعلقان بتخرج ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بنكرة وهي كلمة المنصوبة على التمييز فيكون الكلام للذم المحض ويكون المخصوص بالذم مخذوفا تقديره هي أي الكلمة وكلا الوجهين مستقيم سائغ، وإن نافية ويقولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وكذبا فيه وجهان أظهرهما أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا قولا كذبا، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن جملة وعليه يتمشى قول دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم اني لم أقل فندا إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الفاء استئنافية ولعل حرف ترج ونصب وهي من أخوات ان والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به وعلى آثارهم متعلقان بباخع وسيأتي مزيد بيان عنه في باب البلاغة وإن شرطية ولم يؤمنوا فعل الشرط وبهذا متعلقان بيؤمنوا والحديث بدل من اسم الاشارة وأسفا مفعول لأجله أو على انه مصدر في موقع الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي والتقدير فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ان واسمها والجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي وجملة جعلنا خبر إنا وما موصول مفعول به أول لجعلنا إن كانت بمعنى التصيير وعلى الأرض صلة ما وزينة مفعول به ثان لجعلنا وان كانت بمعنى خلقنا فتكون زينة حالا ومن العجيب أن يعربها بعضهم مفعولا لأجله مع أن الزينة ليست من المصادر القلبية مهما أسرفنا في التأويل، ولها صفة لزينة ولنبلوهم اللام للتعليل ونبلوهم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا وأيهم اسم استفهام مبتدأ والهاء مضاف إليه وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم وقد علق عن العمل بأي الاستفهامية ويجوز أن تكون أي موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلا من الهاء في نبلوهم، والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، وأحسن خبر لمبتدأ محذوف أي هو أحسن والجملة صلة للموصول وتكون الضمة في أي للبناء لأن شرطه موجود وهو أن تضاف ويحذف صدر صلتها أو تكون ضمتها ضمة إعراب على رأي بعض النحاة والضمير في نبلوهم يعود على سكان الأرض كما يفهم من سياق الكلام أو على ما ولكنه بعيد لأنه يحتاج إلى تأويل ما بأنها خاصة بالعقلاء. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجاعلون خبرها وما مفعول به ثان لجاعلون وعليها صلة وصعيدا مفعول به ثان لجاعلون وجرزا نعت لصعيدا ويجوز اعتبار الكلمتين بمعنى واحد نحو الرمان حلو حامض أي مز، فهما بمثابة المفعول الثاني ولعله أولى وسيأتي تحقيقه في موضعه من هذا الكتاب. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من فنون البلاغة نذكرها فيما يلي: 1- التكرير: 1- التكرير وقد تقدم ذكره في قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فإن نفي العوج معناه إثبات الاستقامة وإنما جنح إلى التكرير لفائدة منقطعة النظير وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته ومع ذلك فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى الذي يدق على النظرة السطحية الاولى. 2- المطابقة: فقد طابق سبحانه بين العوج والاستقامة فجاء الكلام حسنا لا مجال فيه لمنتقد كما حدث لأبي الطيب الذي أهمل المطابقة في قصيدة من أبدع قصائده وذلك انه أنشد في مجلس سيف الدولة قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فقيل له: إن المحال لا يطابق الاستقامة ولكن القافية ألجأتك إلى ذلك ولكن لو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال ولم يتوقف: «فإن البيض بعض دم الدجاج» فاستحسن هذا من بديهته. نقول: إنما يستحسن هذا في سرعة البديهة وإلا أين قوله: فإن المسك بعض دم الغزال من قوله: فإن المسك بعض دم الدجاج. ولما كنا نريد أن ننصف النقد نورد ما أخذه أحد خصوم المتنبي عليه من أنه كان لا يقيم للمطابقة وزنا وان ديدنه عدمها وذلك رغم إعجابنا الشديد بشاعر الخلود وتفضيلنا إياه على جميع شعراء العربية في القديم والحديث، قال الناقد القديم: وأما عدم المطابقة في شعر أبي الطيب المتنبي فكثير جدا من ذلك قوله: ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة ضدها السخنة والاقذاء ليست ضدها وقوله أيضا: ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضد الحقارة والنقص ضد الكمال فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، لكان أمنع. وكذلك قوله رغم سموه وابداعه: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو اساءة مجرم وليس المجرم ضد المحب ولا السرور ضد الإساءة وإنما المجرم ضد المحسن والمحب ضد المبغض والاساءة ضد الإحسان. وكذا قوله: وانه المشير عليك فيّ بضدّه ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا والحرّ ضد اللئيم. 3- نفي الشيء بايجابه: وذلك في قوله تعالى «وقالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم» وقد تقدم ذكر هذا الفن وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا فإن لقائل أن يقول: ان اتخاذ الله ولدا هو في حد ذاته محال فكيف ساغ قوله «مالهم به من علم» ؟ وهو يشبه الاعتراض في قوله تعالى «وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فإن ذلك كله وارد على سبيل التهكم وإلا فلا سلطان على الشرك حتى ينزل، والولد في حد ذاته محال لا يستقيم تعلق العلم ولكنه ورد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، ونظيره كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تثنى فلتاته» أي لا تذاع سقطاته وليس ثمة فلتات فتثنى وقول الشاعر يصف فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإن ظاهر هذا المعنى أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجمر وليس ذلك كذلك بل المعنى انه لم يكن ثمة ضب أصلا. 4- التشبيه التمثيلي البليغ المصون عن الابتذال: وذلك في قوله تعالى «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» فقد شبهه تعالى وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وأصروا على المكابرة والعناد واللجاج بالسفسطة الباطلة ثم ما تداخله من جراء ذلك من وجد وأسف على توليهم وإشفاق عليهم لسوء المغاب التي تؤول إليها أمورهم. شبه ذلك سبحانه برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم وأتى بهذه الصورة الفريدة صيانة لتشبيهه من الابتذال فإن التلهف على فراق الأحبة، واستشعار الوجد أمر شائع تناوله الشعراء في أشعارهم، وتحدثوا في قصائدهم عن لواعجهم، وهذا مقياس يقاس به البليغ يترفع في تشبيهه المألوف عن العادي من التشبيه بتزاويقه وتحاسينه ويفيض عليه من روائه وكان المتنبي، بنوع خاص، يتفطن لذلك ويصون تشبيهه الذي لا مندوحة له عنه من الابتذال وسنورد لك نماذج من شعره لتعلم إلى أي مدى بلغ هذا الشاعر الخالد. فقد صور أبو الطيب موقفا من مواقف الغزل اضطر فيه إلى تشبيه نفسه بالميت المتكلم ومحبوبته بالبدر المبتسم وكلا هذين التشبيهين وارد تناولته الشعراء فابتذل وذهبت جدته وإذن فليجعل من الحوار وسيلة إلى تصوير موقف رائع يحلو فيه التشبيه ويبدو معه جديدا كل الجدة قال: نرى عظما بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم ومن لبّه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم فهو بعد أن قرر أثر الصدّ وأن مسافته لا تقرب ولا تقطع لأن البين قد يقرب وقد تقطع مسافته اعترف بأنه غير قادر على كتمان رسيس هواه لأنه إذا كان عقلك مع غيرك فكيف يكون حالك؟ وإذا كان سرك في جفنك فكيف تقدر على كتمانه؟ يريد أن الدمع يظهره ثم صور الموقف فجعل حسناءه عابثة ازدهاها الدّل، واستخف بها النعيم، فهي عابثة لاهية تبتسم وهو يحرق الأرم، ويتكوى بنار الهجران على حد قولهم «ويل للشجي من الخلي» وهذا من أروع الشعر وأعذبه. ونعود إلى الآية فنقول ان الله تعالى أراد أن يسلي نبيه وأن يهدهد عنه ما ألم به من جوى وارتماض فعرض الموقف بصيغة الترجي وان كان المراد به النهي أي لا تبخع نفسك ولا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم وأتى بهذا التشبيه التمثيلي البديع والأسف المبالغة في الحزن. الفوائد: 1- نصب المفعول لأجله: اشترط النحاة لنصب المفعول لأجله خمسة أمور وهي: 1- كونه مصدرا. 2- كونه قلبيا من أفعال النفس الباطنة كالتعظيم والاحترام والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل ونحوها ويقابل أفعال الجوارح أي الحواس الظاهرة وما يتصل به كالقراءة والكتابة والقيام والقعود والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة وغيرها وذلك لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل والحامل على الشيء متقدم عليه وأفعال الجوارح ليست كذلك. 3- كونه علة لأنه الباعث على الفعل. 4- اتحاده مع الفعل المعلل به في الزمان فلا يجوز: تأهبت اليوم السفر غدا لأن زمن التأهب غير زمن السفر. 5- اتحاده مع الفعل المعلل به في الفاعل فلا يجوز: جئتك محبتك إياي لأن فاعل المجيء المتكلم وفاعل المحبة المخاطب. ومتى فقد شرطا من هذه الشروط وجب جره بحرف تعليل كاللام ومن والباء وفي، وفيما يلي أمثلة لكل شرط مفقود: 1- «والأرض وضعها للأنام» فالأنام علة للوضع ولكنه ليس مصدرا فلذلك جر باللام. 2- «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» فإملاق هو علة القتل ولكنه ليس مصدرا قلبيا فلذلك جر بمن. 3- قتلته صبرا، فصبرا مصدرا ولكنه ليس علة فامتنع نصبه مفعولا لأجله وامتنع جره باللام لأن اللام تفيد العلية. 4- قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وفت النوم فلذلك جر باللام، هذا والنوم ليس مصدرا قلبيا أيضا ففي الاستشهاد به على عدم اتحاد الزمن فقط تسامح. 5- قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر فالذكرى علة عن الهزة ففاعل العرو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم فلذلك جر باللام. ونعود إلى الآية فقوله «زينة لها» علة للجعل ولكنه ليس قلبيا لأنها من اعمال اليد، فلذلك استغربنا اعراب بعضهم لها مفعولا لأجله إلا بتقدير فعل الإرادة أي إرادة الزينة ولكن هذا التكلف لا يجوز وفيه مندوحة باعرابها مفعولا ثانيا لجعلنا كما تقدم أو حالا. ابدال المفرد من الجملة: قلنا في الاعراب ان أبا حيان اختار اعراب قيما بدلا من جملة لم يجعل لها عوجا لأنها في معنى المفرد. وأقول ان النحاة صرحوا بابدال الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الضمير إلى مفرد فهل يجوز العكس؟ ومعنى البيت إلى الله أشكو هاتين الحالين تعذر التقائهما فتعذر مصدر مضاف إلى فاعله وهو بدل من هاتين قال الدماميني ويحتمل أن يكون كيف يلتقيان جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين والشام بلاد سميت بشام بن نوح فإنه بالشين المعجمة بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، كذا في القاموس.

الكهف 18:9

اللغة: (الْكَهْفِ) الغار في الجبل قيل: مطلق الغار وقيل: هو ما اتسع في الجبل فإن لم يتسع فهو غار والجمع كهوف وفي القاموس: «الكهف هو كالبيت المنقور في الجبل فاذا صغر فهو الغار، الملجأ والجمع كهوف» وفي الأساس: «لجئوا إلى كهف والى كهوف وهي الغيران وتكهّف الجبل: صارت فيه كهوف ومن المجاز فلان كهف قومه: ملجؤهم وتقول: أولئك معاقلهم وكهوفهم» . (الرَّقِيمِ) في القاموس: الرقيم: الكتاب، المرقوم ورقم يرقم من باب نصر الكتاب بينه وأعجمه بوضع النقط والحركات وغير ذلك ورقم الثوب خططه والبعير: كواه، والخبز: نقشه ويقولون: فلان يرقم على الماء لمن يكون ذا حذق في الأمور» قيل هو لوح كتب فيه أسماء أهل الكهف وقصتهم ثم وضعوه على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل من حجارة. وعن ابن عباس ان الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف وقيل اسم للقرية التي خرجوا منها وقيل اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف وقيل هو اسم كلبهم، قال أمية بن أبي الصلت: وليس بها إلا الرقيم مجاورا ... وصيدهم والقوم في الكهف همد والوصيد فناء البيت وبابه وعتبته والبيت يحتملها والهمد جمع هامد أي راقد يقول: ليس في تلك الصحراء إلا الكلب حالة كونه مجاورا لفناء غارهم وإلا القوم حال كونهم رقودا في الكهف. وقال الزجاج: إن الفتية لما هربوا من أهلهم خوفا على دينهم ففقدوهم فخبروا الملك خبرهم فأمر بلوح من رصاص فكتبت فيه أسماءهم وألقاه في خزانته وقال: انه سيكون له شأن فذلك اللوح هو الرقيم. وقال في أماليه: اعلم أن في الرقيم خمسة أقوال أحدها هذا الذي روي عن ابن عباس رحمه الله أنه لوح كتب فيه أسماؤهم والآخر ان الرقيم هو الدواة يروى ذلك عن مجاهد وقال هو بلغة الروم وحكى ذلك ابن دريد قال ولا أدري ما صحته والثالث ان الرقيم القرية وهو يروى عن كعب والرابع أن الرقيم الوادي والخامس ما روي عن الضحاك وقتادة انهما قالا الرقيم الكتاب والى هذا يذهب أهل اللغة ويقولون: هو فعيل بمعنى مفعول يقال رقمت الكتاب أي كتبته فهو مرقوم ورقيم كما قال عز وجل «كتاب مرقوم» . الإعراب: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) أم منقطعة وقد تقدم ذكرها والغالب أن تفسر ببل والهمزة وتفسر ببل وحدها وبالهمزة وحدها أي أظننت أن قصة أهل الكهف عجب في بابها أو لا تظن أنها أعجب الآيات بل من الآيات ما هو أعجب منها. وحسبت فعل وفاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسبت وأن واسمها والرقيم عطف على الكهف وجملة كانوا خبر أن ومن آياتنا حال وعجبا خبر كانوا والاستفهام هنا للانكار والنفي وليس المراد نفي العجب عن قصة أهل الكهف فهي عجب كما ذكرنا ولكن القصد نفي كونها أعجب الآيات ثم شرع في سرد قصتهم فقال: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) الظرف الماضي يتعلق باذكر محذوفا وجملة أوى في محل جر باضافة الظرف إليها والفتية فاعل أوى والى الكهف متعلقان بأوى خائفين على أنفسهم من الكفار لأنهم كانوا مؤمنين وقصتهم مستفيضة في جميع المطولات وقد صنف الكاتب القصصي المعاصر توفيق الحكيم مسرحية أهل الكهف فارجع إليها لأنها من أمتع القصص. (فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) فقالوا عطف على أوى وربنا منادى وآتنا فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت ونا مفعول به ومن لدنك حال لأنه كان صفة لرحمة وتقدم عليها ورحمة مفعول به وهيء عطف على آتنا ولنا متعلقان بهيئ ومن أمرنا حال ورشدا مفعول به. (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) الفاء عاطفة وضربنا فعل وفاعل وعلى آذانهم متعلقان بضربنا ومفعول ضربنا محذوف تقديره حجابا مانعا لهم من السماع وفي الكهف حال وسنين ظرف لضربنا وعددا نعت لسنين أو مفعول مطلق لفعل محذوف فهو إما مصدر فيجوز فيه الوجهان واما فعل بمعنى مفعول فلا يجوز فيه إلا النعت. (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً) ثم حرف عطف للتراخي وبعثناهم فعل وفاعل ومفعول به ولنعلم يجوز أن تكون اللام للتعليل أو للعاقبة وعلى كل حال نعلم مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها وسيأتي في باب البلاغة معنى العلم بإحصائهم والله عالم بذلك وأيّ اسم استفهام مبتدأ ولهذا علق نعلم عن العمل والحزبين مضاف اليه وأحصى فعل ماض وفاعله يعود على أي الحزبين ولما لبثوا اللام حرف جر وما مصدرية ولبثوا فعل وفاعل وما وما بعدها مصدر مؤول مجرور باللام والجار والمجرور متعلقان بأحصى وأمدا مفعول به واختلف النحاة هل يجوز أن يكون أحصى اسم تفضيل أم لا، أما القائلون بالجواز فأعربوا أحصى خبر أي، وأمدا تمييز، أو مفعول لفعل محذوف أي أحصى أمدا وستأتي مناقشة هذه الآراء في باب الفوائد. البلاغة: في هذه الآيات أفانين من البلاغة تذهل العقول وتكشف النقاب عن بيان القرآن البديع وهذا هو التفصيل: 1- الاستعارة التصريحية: في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم» فقد استعار الحجاب المانع على آذانهم للزوم النوم وخص الآذان لأنه بالضرب عليها يحصل عليها، فالصور البيانية لا تتجسد إلا باعتمادها على أسس جمالية ونفسية قريبة من البحوث الحديثة وقد ذكر الجماليون الإحساسات التي يصح نعتها بالجمال على أتم وجه هي الإحساسات البصرية حتى لقد عرف ديكارت الجمال بقوله: «هو ما يروق في العين فالعين حاسة النور وحاجة الإنسان إلى النور راجع إلى حاجته إلى الحياة إذ تتعلق به بعض العناصر التي تمد الجسم بالحياة والنشاط والحركة والمتعة والسرور «وسيأتي ما اعتمده القرآن من الصور البصرية ولا يقف الأمر عند حاسة البصر بل حاسة السمع هي التي أوجدت أرفع الفنون: الشعر والموسيقى والبلاغة قال الرماني في كتابه «النكت في إعجاز القرآن» : «واحساس السمع في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا» وحقيقته منعناهم الاحساس بآذانهم من غير صمم» فكأن الاستعارة قصدت إلى هذا التصوير السمعي وإبراز فقدان حاسة السمع دون سائر الحواس ودون الدلالة على الصمم النهائي وستأتي تتمة هذه الصورة المهولة صورة الضرب على الآذان في قوله تعالى في سورة يس «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» . 2- التعليق: وذلك في قوله: «ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» ليس المراد أن يعلم الله شيئا هو داخل في نطاق علمه ولكنه أراد ما تعلق العلم به من ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيمانا واعتبارا وليكون ذلك من الألطاف الخفية على المؤمنين في زمانهم أو ليحدث تعلق علمنا نعلقا حاليا أي نعلم أن الأمر واقع في الحال بعد أن علمنا قبل أنه سيقع في مستقبل الزمان أما المراد بالحزبين اللذين اختلفا فقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم وقيل المراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف لأنهم اختلفوا فيما بينهم في المدة التي لبثوها نائمين وروي عن ابن عباس: أن المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، وأصحاب الكهف إلى غير ذلك من أقوال لا يتسع المجال لإيرادها. الفوائد: 1- رجحنا أن تكون «أحصى» في قوله تعالى «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فعلا ماضيا لأن بناء اسم التفضيل من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس اما نحو أعدى من الجرب وأفلس من ابن المذاق فشاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به كما أن اعراب أمدا لا يصح إلا بكون «أحصى» فعلا ماضيا وإذا جعلناه اسم تفضيل احتجنا إلى تقدير فعل لأن اسم التفضيل لا يعمل على أن بعض النحاة جعل بناء اسم التفضيل من المزيد في الهمزة قياسا فتقول في أكرم فعلا فلان أكرم من فلان على رأيهم وزعم هؤلاء النحاة أن سيبويه قال به وعلله بأن بناءه منه لا يغير نظم الكلمة وانما هو تعويض همزة بهمزة، هذا وقد اختار كون أحصى للتفضيل الزجاج والتبريزي واختار أبو علي الفارسي والزمخشري كونه فعلا ماضيا وعليه درجنا. 2- ما يقوله المبرد عن أي: قال المبرد في حديثه عن أيّ «ألا ترى أن معناها أذا أم ذا، وقال عز وجل «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» لأن معناها أهذا أم هذا وقال تعالى: «فلينظر أيها أزكى طعاما» على ما فسرت لك وتقول: أعلم أيهم ضرب زيدا، وأعلم أيهم ضرب زيد تنصب أيا بضرب لأن زيدا فاعل فانما هذا لما بعده وكذلك ما أضيف إلى اسم من هذه الأسماء المستفهم بها نحو قد علمت غلام أيهم في الدار وقد عرفت غلام من في في الدار وقد علمت غلام من ضربت فتنصبه بضربت فعلى هذا مجرى الباب» وخلاصة ما أراد المبرد أن يقوله في هذه اللمحة المفيدة أن أدوات الاستفهام إذا كانت أسماء امتنعت مما قبلها. وقال ابن هشام في المغني انه وهم أي كونه اسم تفضيل لأن شرط التمييز المنصوب بعد أفعل أن يكون كونه فاعلا في المعنى كزيد أكثر مالا بخلاف مال زيد أكثر مال ففي المثال الأول فاعل الكثرة في المعنى المال لا زيد وقال في الخلاصة: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا كأنت أعلى منزلا

الكهف 18:10

اللغة: (الْكَهْفِ) الغار في الجبل قيل: مطلق الغار وقيل: هو ما اتسع في الجبل فإن لم يتسع فهو غار والجمع كهوف وفي القاموس: «الكهف هو كالبيت المنقور في الجبل فاذا صغر فهو الغار، الملجأ والجمع كهوف» وفي الأساس: «لجئوا إلى كهف والى كهوف وهي الغيران وتكهّف الجبل: صارت فيه كهوف ومن المجاز فلان كهف قومه: ملجؤهم وتقول: أولئك معاقلهم وكهوفهم» . (الرَّقِيمِ) في القاموس: الرقيم: الكتاب، المرقوم ورقم يرقم من باب نصر الكتاب بينه وأعجمه بوضع النقط والحركات وغير ذلك ورقم الثوب خططه والبعير: كواه، والخبز: نقشه ويقولون: فلان يرقم على الماء لمن يكون ذا حذق في الأمور» قيل هو لوح كتب فيه أسماء أهل الكهف وقصتهم ثم وضعوه على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل من حجارة. وعن ابن عباس ان الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف وقيل اسم للقرية التي خرجوا منها وقيل اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف وقيل هو اسم كلبهم، قال أمية بن أبي الصلت: وليس بها إلا الرقيم مجاورا ... وصيدهم والقوم في الكهف همد والوصيد فناء البيت وبابه وعتبته والبيت يحتملها والهمد جمع هامد أي راقد يقول: ليس في تلك الصحراء إلا الكلب حالة كونه مجاورا لفناء غارهم وإلا القوم حال كونهم رقودا في الكهف. وقال الزجاج: إن الفتية لما هربوا من أهلهم خوفا على دينهم ففقدوهم فخبروا الملك خبرهم فأمر بلوح من رصاص فكتبت فيه أسماءهم وألقاه في خزانته وقال: انه سيكون له شأن فذلك اللوح هو الرقيم. وقال في أماليه: اعلم أن في الرقيم خمسة أقوال أحدها هذا الذي روي عن ابن عباس رحمه الله أنه لوح كتب فيه أسماؤهم والآخر ان الرقيم هو الدواة يروى ذلك عن مجاهد وقال هو بلغة الروم وحكى ذلك ابن دريد قال ولا أدري ما صحته والثالث ان الرقيم القرية وهو يروى عن كعب والرابع أن الرقيم الوادي والخامس ما روي عن الضحاك وقتادة انهما قالا الرقيم الكتاب والى هذا يذهب أهل اللغة ويقولون: هو فعيل بمعنى مفعول يقال رقمت الكتاب أي كتبته فهو مرقوم ورقيم كما قال عز وجل «كتاب مرقوم» . الإعراب: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) أم منقطعة وقد تقدم ذكرها والغالب أن تفسر ببل والهمزة وتفسر ببل وحدها وبالهمزة وحدها أي أظننت أن قصة أهل الكهف عجب في بابها أو لا تظن أنها أعجب الآيات بل من الآيات ما هو أعجب منها. وحسبت فعل وفاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسبت وأن واسمها والرقيم عطف على الكهف وجملة كانوا خبر أن ومن آياتنا حال وعجبا خبر كانوا والاستفهام هنا للانكار والنفي وليس المراد نفي العجب عن قصة أهل الكهف فهي عجب كما ذكرنا ولكن القصد نفي كونها أعجب الآيات ثم شرع في سرد قصتهم فقال: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) الظرف الماضي يتعلق باذكر محذوفا وجملة أوى في محل جر باضافة الظرف إليها والفتية فاعل أوى والى الكهف متعلقان بأوى خائفين على أنفسهم من الكفار لأنهم كانوا مؤمنين وقصتهم مستفيضة في جميع المطولات وقد صنف الكاتب القصصي المعاصر توفيق الحكيم مسرحية أهل الكهف فارجع إليها لأنها من أمتع القصص. (فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) فقالوا عطف على أوى وربنا منادى وآتنا فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت ونا مفعول به ومن لدنك حال لأنه كان صفة لرحمة وتقدم عليها ورحمة مفعول به وهيء عطف على آتنا ولنا متعلقان بهيئ ومن أمرنا حال ورشدا مفعول به. (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) الفاء عاطفة وضربنا فعل وفاعل وعلى آذانهم متعلقان بضربنا ومفعول ضربنا محذوف تقديره حجابا مانعا لهم من السماع وفي الكهف حال وسنين ظرف لضربنا وعددا نعت لسنين أو مفعول مطلق لفعل محذوف فهو إما مصدر فيجوز فيه الوجهان واما فعل بمعنى مفعول فلا يجوز فيه إلا النعت. (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً) ثم حرف عطف للتراخي وبعثناهم فعل وفاعل ومفعول به ولنعلم يجوز أن تكون اللام للتعليل أو للعاقبة وعلى كل حال نعلم مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها وسيأتي في باب البلاغة معنى العلم بإحصائهم والله عالم بذلك وأيّ اسم استفهام مبتدأ ولهذا علق نعلم عن العمل والحزبين مضاف اليه وأحصى فعل ماض وفاعله يعود على أي الحزبين ولما لبثوا اللام حرف جر وما مصدرية ولبثوا فعل وفاعل وما وما بعدها مصدر مؤول مجرور باللام والجار والمجرور متعلقان بأحصى وأمدا مفعول به واختلف النحاة هل يجوز أن يكون أحصى اسم تفضيل أم لا، أما القائلون بالجواز فأعربوا أحصى خبر أي، وأمدا تمييز، أو مفعول لفعل محذوف أي أحصى أمدا وستأتي مناقشة هذه الآراء في باب الفوائد. البلاغة: في هذه الآيات أفانين من البلاغة تذهل العقول وتكشف النقاب عن بيان القرآن البديع وهذا هو التفصيل: 1- الاستعارة التصريحية: في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم» فقد استعار الحجاب المانع على آذانهم للزوم النوم وخص الآذان لأنه بالضرب عليها يحصل عليها، فالصور البيانية لا تتجسد إلا باعتمادها على أسس جمالية ونفسية قريبة من البحوث الحديثة وقد ذكر الجماليون الإحساسات التي يصح نعتها بالجمال على أتم وجه هي الإحساسات البصرية حتى لقد عرف ديكارت الجمال بقوله: «هو ما يروق في العين فالعين حاسة النور وحاجة الإنسان إلى النور راجع إلى حاجته إلى الحياة إذ تتعلق به بعض العناصر التي تمد الجسم بالحياة والنشاط والحركة والمتعة والسرور «وسيأتي ما اعتمده القرآن من الصور البصرية ولا يقف الأمر عند حاسة البصر بل حاسة السمع هي التي أوجدت أرفع الفنون: الشعر والموسيقى والبلاغة قال الرماني في كتابه «النكت في إعجاز القرآن» : «واحساس السمع في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا» وحقيقته منعناهم الاحساس بآذانهم من غير صمم» فكأن الاستعارة قصدت إلى هذا التصوير السمعي وإبراز فقدان حاسة السمع دون سائر الحواس ودون الدلالة على الصمم النهائي وستأتي تتمة هذه الصورة المهولة صورة الضرب على الآذان في قوله تعالى في سورة يس «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» . 2- التعليق: وذلك في قوله: «ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» ليس المراد أن يعلم الله شيئا هو داخل في نطاق علمه ولكنه أراد ما تعلق العلم به من ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيمانا واعتبارا وليكون ذلك من الألطاف الخفية على المؤمنين في زمانهم أو ليحدث تعلق علمنا نعلقا حاليا أي نعلم أن الأمر واقع في الحال بعد أن علمنا قبل أنه سيقع في مستقبل الزمان أما المراد بالحزبين اللذين اختلفا فقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم وقيل المراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف لأنهم اختلفوا فيما بينهم في المدة التي لبثوها نائمين وروي عن ابن عباس: أن المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، وأصحاب الكهف إلى غير ذلك من أقوال لا يتسع المجال لإيرادها. الفوائد: 1- رجحنا أن تكون «أحصى» في قوله تعالى «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فعلا ماضيا لأن بناء اسم التفضيل من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس اما نحو أعدى من الجرب وأفلس من ابن المذاق فشاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به كما أن اعراب أمدا لا يصح إلا بكون «أحصى» فعلا ماضيا وإذا جعلناه اسم تفضيل احتجنا إلى تقدير فعل لأن اسم التفضيل لا يعمل على أن بعض النحاة جعل بناء اسم التفضيل من المزيد في الهمزة قياسا فتقول في أكرم فعلا فلان أكرم من فلان على رأيهم وزعم هؤلاء النحاة أن سيبويه قال به وعلله بأن بناءه منه لا يغير نظم الكلمة وانما هو تعويض همزة بهمزة، هذا وقد اختار كون أحصى للتفضيل الزجاج والتبريزي واختار أبو علي الفارسي والزمخشري كونه فعلا ماضيا وعليه درجنا. 2- ما يقوله المبرد عن أي: قال المبرد في حديثه عن أيّ «ألا ترى أن معناها أذا أم ذا، وقال عز وجل «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» لأن معناها أهذا أم هذا وقال تعالى: «فلينظر أيها أزكى طعاما» على ما فسرت لك وتقول: أعلم أيهم ضرب زيدا، وأعلم أيهم ضرب زيد تنصب أيا بضرب لأن زيدا فاعل فانما هذا لما بعده وكذلك ما أضيف إلى اسم من هذه الأسماء المستفهم بها نحو قد علمت غلام أيهم في الدار وقد عرفت غلام من في في الدار وقد علمت غلام من ضربت فتنصبه بضربت فعلى هذا مجرى الباب» وخلاصة ما أراد المبرد أن يقوله في هذه اللمحة المفيدة أن أدوات الاستفهام إذا كانت أسماء امتنعت مما قبلها. وقال ابن هشام في المغني انه وهم أي كونه اسم تفضيل لأن شرط التمييز المنصوب بعد أفعل أن يكون كونه فاعلا في المعنى كزيد أكثر مالا بخلاف مال زيد أكثر مال ففي المثال الأول فاعل الكثرة في المعنى المال لا زيد وقال في الخلاصة: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا كأنت أعلى منزلا

الكهف 18:11

اللغة: (الْكَهْفِ) الغار في الجبل قيل: مطلق الغار وقيل: هو ما اتسع في الجبل فإن لم يتسع فهو غار والجمع كهوف وفي القاموس: «الكهف هو كالبيت المنقور في الجبل فاذا صغر فهو الغار، الملجأ والجمع كهوف» وفي الأساس: «لجئوا إلى كهف والى كهوف وهي الغيران وتكهّف الجبل: صارت فيه كهوف ومن المجاز فلان كهف قومه: ملجؤهم وتقول: أولئك معاقلهم وكهوفهم» . (الرَّقِيمِ) في القاموس: الرقيم: الكتاب، المرقوم ورقم يرقم من باب نصر الكتاب بينه وأعجمه بوضع النقط والحركات وغير ذلك ورقم الثوب خططه والبعير: كواه، والخبز: نقشه ويقولون: فلان يرقم على الماء لمن يكون ذا حذق في الأمور» قيل هو لوح كتب فيه أسماء أهل الكهف وقصتهم ثم وضعوه على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل من حجارة. وعن ابن عباس ان الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف وقيل اسم للقرية التي خرجوا منها وقيل اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف وقيل هو اسم كلبهم، قال أمية بن أبي الصلت: وليس بها إلا الرقيم مجاورا ... وصيدهم والقوم في الكهف همد والوصيد فناء البيت وبابه وعتبته والبيت يحتملها والهمد جمع هامد أي راقد يقول: ليس في تلك الصحراء إلا الكلب حالة كونه مجاورا لفناء غارهم وإلا القوم حال كونهم رقودا في الكهف. وقال الزجاج: إن الفتية لما هربوا من أهلهم خوفا على دينهم ففقدوهم فخبروا الملك خبرهم فأمر بلوح من رصاص فكتبت فيه أسماءهم وألقاه في خزانته وقال: انه سيكون له شأن فذلك اللوح هو الرقيم. وقال في أماليه: اعلم أن في الرقيم خمسة أقوال أحدها هذا الذي روي عن ابن عباس رحمه الله أنه لوح كتب فيه أسماؤهم والآخر ان الرقيم هو الدواة يروى ذلك عن مجاهد وقال هو بلغة الروم وحكى ذلك ابن دريد قال ولا أدري ما صحته والثالث ان الرقيم القرية وهو يروى عن كعب والرابع أن الرقيم الوادي والخامس ما روي عن الضحاك وقتادة انهما قالا الرقيم الكتاب والى هذا يذهب أهل اللغة ويقولون: هو فعيل بمعنى مفعول يقال رقمت الكتاب أي كتبته فهو مرقوم ورقيم كما قال عز وجل «كتاب مرقوم» . الإعراب: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) أم منقطعة وقد تقدم ذكرها والغالب أن تفسر ببل والهمزة وتفسر ببل وحدها وبالهمزة وحدها أي أظننت أن قصة أهل الكهف عجب في بابها أو لا تظن أنها أعجب الآيات بل من الآيات ما هو أعجب منها. وحسبت فعل وفاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسبت وأن واسمها والرقيم عطف على الكهف وجملة كانوا خبر أن ومن آياتنا حال وعجبا خبر كانوا والاستفهام هنا للانكار والنفي وليس المراد نفي العجب عن قصة أهل الكهف فهي عجب كما ذكرنا ولكن القصد نفي كونها أعجب الآيات ثم شرع في سرد قصتهم فقال: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) الظرف الماضي يتعلق باذكر محذوفا وجملة أوى في محل جر باضافة الظرف إليها والفتية فاعل أوى والى الكهف متعلقان بأوى خائفين على أنفسهم من الكفار لأنهم كانوا مؤمنين وقصتهم مستفيضة في جميع المطولات وقد صنف الكاتب القصصي المعاصر توفيق الحكيم مسرحية أهل الكهف فارجع إليها لأنها من أمتع القصص. (فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) فقالوا عطف على أوى وربنا منادى وآتنا فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت ونا مفعول به ومن لدنك حال لأنه كان صفة لرحمة وتقدم عليها ورحمة مفعول به وهيء عطف على آتنا ولنا متعلقان بهيئ ومن أمرنا حال ورشدا مفعول به. (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) الفاء عاطفة وضربنا فعل وفاعل وعلى آذانهم متعلقان بضربنا ومفعول ضربنا محذوف تقديره حجابا مانعا لهم من السماع وفي الكهف حال وسنين ظرف لضربنا وعددا نعت لسنين أو مفعول مطلق لفعل محذوف فهو إما مصدر فيجوز فيه الوجهان واما فعل بمعنى مفعول فلا يجوز فيه إلا النعت. (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً) ثم حرف عطف للتراخي وبعثناهم فعل وفاعل ومفعول به ولنعلم يجوز أن تكون اللام للتعليل أو للعاقبة وعلى كل حال نعلم مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها وسيأتي في باب البلاغة معنى العلم بإحصائهم والله عالم بذلك وأيّ اسم استفهام مبتدأ ولهذا علق نعلم عن العمل والحزبين مضاف اليه وأحصى فعل ماض وفاعله يعود على أي الحزبين ولما لبثوا اللام حرف جر وما مصدرية ولبثوا فعل وفاعل وما وما بعدها مصدر مؤول مجرور باللام والجار والمجرور متعلقان بأحصى وأمدا مفعول به واختلف النحاة هل يجوز أن يكون أحصى اسم تفضيل أم لا، أما القائلون بالجواز فأعربوا أحصى خبر أي، وأمدا تمييز، أو مفعول لفعل محذوف أي أحصى أمدا وستأتي مناقشة هذه الآراء في باب الفوائد. البلاغة: في هذه الآيات أفانين من البلاغة تذهل العقول وتكشف النقاب عن بيان القرآن البديع وهذا هو التفصيل: 1- الاستعارة التصريحية: في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم» فقد استعار الحجاب المانع على آذانهم للزوم النوم وخص الآذان لأنه بالضرب عليها يحصل عليها، فالصور البيانية لا تتجسد إلا باعتمادها على أسس جمالية ونفسية قريبة من البحوث الحديثة وقد ذكر الجماليون الإحساسات التي يصح نعتها بالجمال على أتم وجه هي الإحساسات البصرية حتى لقد عرف ديكارت الجمال بقوله: «هو ما يروق في العين فالعين حاسة النور وحاجة الإنسان إلى النور راجع إلى حاجته إلى الحياة إذ تتعلق به بعض العناصر التي تمد الجسم بالحياة والنشاط والحركة والمتعة والسرور «وسيأتي ما اعتمده القرآن من الصور البصرية ولا يقف الأمر عند حاسة البصر بل حاسة السمع هي التي أوجدت أرفع الفنون: الشعر والموسيقى والبلاغة قال الرماني في كتابه «النكت في إعجاز القرآن» : «واحساس السمع في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا» وحقيقته منعناهم الاحساس بآذانهم من غير صمم» فكأن الاستعارة قصدت إلى هذا التصوير السمعي وإبراز فقدان حاسة السمع دون سائر الحواس ودون الدلالة على الصمم النهائي وستأتي تتمة هذه الصورة المهولة صورة الضرب على الآذان في قوله تعالى في سورة يس «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» . 2- التعليق: وذلك في قوله: «ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» ليس المراد أن يعلم الله شيئا هو داخل في نطاق علمه ولكنه أراد ما تعلق العلم به من ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيمانا واعتبارا وليكون ذلك من الألطاف الخفية على المؤمنين في زمانهم أو ليحدث تعلق علمنا نعلقا حاليا أي نعلم أن الأمر واقع في الحال بعد أن علمنا قبل أنه سيقع في مستقبل الزمان أما المراد بالحزبين اللذين اختلفا فقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم وقيل المراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف لأنهم اختلفوا فيما بينهم في المدة التي لبثوها نائمين وروي عن ابن عباس: أن المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، وأصحاب الكهف إلى غير ذلك من أقوال لا يتسع المجال لإيرادها. الفوائد: 1- رجحنا أن تكون «أحصى» في قوله تعالى «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فعلا ماضيا لأن بناء اسم التفضيل من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس اما نحو أعدى من الجرب وأفلس من ابن المذاق فشاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به كما أن اعراب أمدا لا يصح إلا بكون «أحصى» فعلا ماضيا وإذا جعلناه اسم تفضيل احتجنا إلى تقدير فعل لأن اسم التفضيل لا يعمل على أن بعض النحاة جعل بناء اسم التفضيل من المزيد في الهمزة قياسا فتقول في أكرم فعلا فلان أكرم من فلان على رأيهم وزعم هؤلاء النحاة أن سيبويه قال به وعلله بأن بناءه منه لا يغير نظم الكلمة وانما هو تعويض همزة بهمزة، هذا وقد اختار كون أحصى للتفضيل الزجاج والتبريزي واختار أبو علي الفارسي والزمخشري كونه فعلا ماضيا وعليه درجنا. 2- ما يقوله المبرد عن أي: قال المبرد في حديثه عن أيّ «ألا ترى أن معناها أذا أم ذا، وقال عز وجل «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» لأن معناها أهذا أم هذا وقال تعالى: «فلينظر أيها أزكى طعاما» على ما فسرت لك وتقول: أعلم أيهم ضرب زيدا، وأعلم أيهم ضرب زيد تنصب أيا بضرب لأن زيدا فاعل فانما هذا لما بعده وكذلك ما أضيف إلى اسم من هذه الأسماء المستفهم بها نحو قد علمت غلام أيهم في الدار وقد عرفت غلام من في في الدار وقد علمت غلام من ضربت فتنصبه بضربت فعلى هذا مجرى الباب» وخلاصة ما أراد المبرد أن يقوله في هذه اللمحة المفيدة أن أدوات الاستفهام إذا كانت أسماء امتنعت مما قبلها. وقال ابن هشام في المغني انه وهم أي كونه اسم تفضيل لأن شرط التمييز المنصوب بعد أفعل أن يكون كونه فاعلا في المعنى كزيد أكثر مالا بخلاف مال زيد أكثر مال ففي المثال الأول فاعل الكثرة في المعنى المال لا زيد وقال في الخلاصة: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا كأنت أعلى منزلا

الكهف 18:12

اللغة: (الْكَهْفِ) الغار في الجبل قيل: مطلق الغار وقيل: هو ما اتسع في الجبل فإن لم يتسع فهو غار والجمع كهوف وفي القاموس: «الكهف هو كالبيت المنقور في الجبل فاذا صغر فهو الغار، الملجأ والجمع كهوف» وفي الأساس: «لجئوا إلى كهف والى كهوف وهي الغيران وتكهّف الجبل: صارت فيه كهوف ومن المجاز فلان كهف قومه: ملجؤهم وتقول: أولئك معاقلهم وكهوفهم» . (الرَّقِيمِ) في القاموس: الرقيم: الكتاب، المرقوم ورقم يرقم من باب نصر الكتاب بينه وأعجمه بوضع النقط والحركات وغير ذلك ورقم الثوب خططه والبعير: كواه، والخبز: نقشه ويقولون: فلان يرقم على الماء لمن يكون ذا حذق في الأمور» قيل هو لوح كتب فيه أسماء أهل الكهف وقصتهم ثم وضعوه على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل من حجارة. وعن ابن عباس ان الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف وقيل اسم للقرية التي خرجوا منها وقيل اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف وقيل هو اسم كلبهم، قال أمية بن أبي الصلت: وليس بها إلا الرقيم مجاورا ... وصيدهم والقوم في الكهف همد والوصيد فناء البيت وبابه وعتبته والبيت يحتملها والهمد جمع هامد أي راقد يقول: ليس في تلك الصحراء إلا الكلب حالة كونه مجاورا لفناء غارهم وإلا القوم حال كونهم رقودا في الكهف. وقال الزجاج: إن الفتية لما هربوا من أهلهم خوفا على دينهم ففقدوهم فخبروا الملك خبرهم فأمر بلوح من رصاص فكتبت فيه أسماءهم وألقاه في خزانته وقال: انه سيكون له شأن فذلك اللوح هو الرقيم. وقال في أماليه: اعلم أن في الرقيم خمسة أقوال أحدها هذا الذي روي عن ابن عباس رحمه الله أنه لوح كتب فيه أسماؤهم والآخر ان الرقيم هو الدواة يروى ذلك عن مجاهد وقال هو بلغة الروم وحكى ذلك ابن دريد قال ولا أدري ما صحته والثالث ان الرقيم القرية وهو يروى عن كعب والرابع أن الرقيم الوادي والخامس ما روي عن الضحاك وقتادة انهما قالا الرقيم الكتاب والى هذا يذهب أهل اللغة ويقولون: هو فعيل بمعنى مفعول يقال رقمت الكتاب أي كتبته فهو مرقوم ورقيم كما قال عز وجل «كتاب مرقوم» . الإعراب: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) أم منقطعة وقد تقدم ذكرها والغالب أن تفسر ببل والهمزة وتفسر ببل وحدها وبالهمزة وحدها أي أظننت أن قصة أهل الكهف عجب في بابها أو لا تظن أنها أعجب الآيات بل من الآيات ما هو أعجب منها. وحسبت فعل وفاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسبت وأن واسمها والرقيم عطف على الكهف وجملة كانوا خبر أن ومن آياتنا حال وعجبا خبر كانوا والاستفهام هنا للانكار والنفي وليس المراد نفي العجب عن قصة أهل الكهف فهي عجب كما ذكرنا ولكن القصد نفي كونها أعجب الآيات ثم شرع في سرد قصتهم فقال: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) الظرف الماضي يتعلق باذكر محذوفا وجملة أوى في محل جر باضافة الظرف إليها والفتية فاعل أوى والى الكهف متعلقان بأوى خائفين على أنفسهم من الكفار لأنهم كانوا مؤمنين وقصتهم مستفيضة في جميع المطولات وقد صنف الكاتب القصصي المعاصر توفيق الحكيم مسرحية أهل الكهف فارجع إليها لأنها من أمتع القصص. (فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) فقالوا عطف على أوى وربنا منادى وآتنا فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت ونا مفعول به ومن لدنك حال لأنه كان صفة لرحمة وتقدم عليها ورحمة مفعول به وهيء عطف على آتنا ولنا متعلقان بهيئ ومن أمرنا حال ورشدا مفعول به. (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) الفاء عاطفة وضربنا فعل وفاعل وعلى آذانهم متعلقان بضربنا ومفعول ضربنا محذوف تقديره حجابا مانعا لهم من السماع وفي الكهف حال وسنين ظرف لضربنا وعددا نعت لسنين أو مفعول مطلق لفعل محذوف فهو إما مصدر فيجوز فيه الوجهان واما فعل بمعنى مفعول فلا يجوز فيه إلا النعت. (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً) ثم حرف عطف للتراخي وبعثناهم فعل وفاعل ومفعول به ولنعلم يجوز أن تكون اللام للتعليل أو للعاقبة وعلى كل حال نعلم مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها وسيأتي في باب البلاغة معنى العلم بإحصائهم والله عالم بذلك وأيّ اسم استفهام مبتدأ ولهذا علق نعلم عن العمل والحزبين مضاف اليه وأحصى فعل ماض وفاعله يعود على أي الحزبين ولما لبثوا اللام حرف جر وما مصدرية ولبثوا فعل وفاعل وما وما بعدها مصدر مؤول مجرور باللام والجار والمجرور متعلقان بأحصى وأمدا مفعول به واختلف النحاة هل يجوز أن يكون أحصى اسم تفضيل أم لا، أما القائلون بالجواز فأعربوا أحصى خبر أي، وأمدا تمييز، أو مفعول لفعل محذوف أي أحصى أمدا وستأتي مناقشة هذه الآراء في باب الفوائد. البلاغة: في هذه الآيات أفانين من البلاغة تذهل العقول وتكشف النقاب عن بيان القرآن البديع وهذا هو التفصيل: 1- الاستعارة التصريحية: في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم» فقد استعار الحجاب المانع على آذانهم للزوم النوم وخص الآذان لأنه بالضرب عليها يحصل عليها، فالصور البيانية لا تتجسد إلا باعتمادها على أسس جمالية ونفسية قريبة من البحوث الحديثة وقد ذكر الجماليون الإحساسات التي يصح نعتها بالجمال على أتم وجه هي الإحساسات البصرية حتى لقد عرف ديكارت الجمال بقوله: «هو ما يروق في العين فالعين حاسة النور وحاجة الإنسان إلى النور راجع إلى حاجته إلى الحياة إذ تتعلق به بعض العناصر التي تمد الجسم بالحياة والنشاط والحركة والمتعة والسرور «وسيأتي ما اعتمده القرآن من الصور البصرية ولا يقف الأمر عند حاسة البصر بل حاسة السمع هي التي أوجدت أرفع الفنون: الشعر والموسيقى والبلاغة قال الرماني في كتابه «النكت في إعجاز القرآن» : «واحساس السمع في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا» وحقيقته منعناهم الاحساس بآذانهم من غير صمم» فكأن الاستعارة قصدت إلى هذا التصوير السمعي وإبراز فقدان حاسة السمع دون سائر الحواس ودون الدلالة على الصمم النهائي وستأتي تتمة هذه الصورة المهولة صورة الضرب على الآذان في قوله تعالى في سورة يس «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» . 2- التعليق: وذلك في قوله: «ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» ليس المراد أن يعلم الله شيئا هو داخل في نطاق علمه ولكنه أراد ما تعلق العلم به من ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيمانا واعتبارا وليكون ذلك من الألطاف الخفية على المؤمنين في زمانهم أو ليحدث تعلق علمنا نعلقا حاليا أي نعلم أن الأمر واقع في الحال بعد أن علمنا قبل أنه سيقع في مستقبل الزمان أما المراد بالحزبين اللذين اختلفا فقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم وقيل المراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف لأنهم اختلفوا فيما بينهم في المدة التي لبثوها نائمين وروي عن ابن عباس: أن المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، وأصحاب الكهف إلى غير ذلك من أقوال لا يتسع المجال لإيرادها. الفوائد: 1- رجحنا أن تكون «أحصى» في قوله تعالى «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فعلا ماضيا لأن بناء اسم التفضيل من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس اما نحو أعدى من الجرب وأفلس من ابن المذاق فشاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به كما أن اعراب أمدا لا يصح إلا بكون «أحصى» فعلا ماضيا وإذا جعلناه اسم تفضيل احتجنا إلى تقدير فعل لأن اسم التفضيل لا يعمل على أن بعض النحاة جعل بناء اسم التفضيل من المزيد في الهمزة قياسا فتقول في أكرم فعلا فلان أكرم من فلان على رأيهم وزعم هؤلاء النحاة أن سيبويه قال به وعلله بأن بناءه منه لا يغير نظم الكلمة وانما هو تعويض همزة بهمزة، هذا وقد اختار كون أحصى للتفضيل الزجاج والتبريزي واختار أبو علي الفارسي والزمخشري كونه فعلا ماضيا وعليه درجنا. 2- ما يقوله المبرد عن أي: قال المبرد في حديثه عن أيّ «ألا ترى أن معناها أذا أم ذا، وقال عز وجل «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» لأن معناها أهذا أم هذا وقال تعالى: «فلينظر أيها أزكى طعاما» على ما فسرت لك وتقول: أعلم أيهم ضرب زيدا، وأعلم أيهم ضرب زيد تنصب أيا بضرب لأن زيدا فاعل فانما هذا لما بعده وكذلك ما أضيف إلى اسم من هذه الأسماء المستفهم بها نحو قد علمت غلام أيهم في الدار وقد عرفت غلام من في في الدار وقد علمت غلام من ضربت فتنصبه بضربت فعلى هذا مجرى الباب» وخلاصة ما أراد المبرد أن يقوله في هذه اللمحة المفيدة أن أدوات الاستفهام إذا كانت أسماء امتنعت مما قبلها. وقال ابن هشام في المغني انه وهم أي كونه اسم تفضيل لأن شرط التمييز المنصوب بعد أفعل أن يكون كونه فاعلا في المعنى كزيد أكثر مالا بخلاف مال زيد أكثر مال ففي المثال الأول فاعل الكثرة في المعنى المال لا زيد وقال في الخلاصة: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا كأنت أعلى منزلا

الكهف 18:13

الإعراب: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر وعليك متعلقان بنقص ونبأهم مفعول به وبالحق حال من فاعل نقص أو من مفعوله وهو النبأ فالباء للملابسة. (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) الجملة مستأنفة مسوقة لسرد قصتهم وان واسمها وخبرها وجملة آمنوا بربهم خبر وزدناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وهدى مفعول به ثان أو تمييز. (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وربطنا عطف على زدناهم وعلى قلوبهم متعلقان بربطنا وإذ ظرف ماض متعلق بربطنا وجملة قاموا مضاف إليها الظرف فقالوا عطف على قاموا وربنا مبتدأ ورب السموات والأرض خبره. (لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً) لن حرف نفي ونصب واستقبال وندعو منصوب بلن ومن دونه حال لأنه كان صفة لإلها وتقدم عليه ولقد اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وقلنا فعل وفاعل وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وشططا مفعول مطلق أي قولا ذا شطط فهو نعت للمصدر المحذوف بتقدير المضاف ويجوز أن يكون مفعولا به لأن الشطط فيه معنى الجملة وقال سيبويه ما نصه بالحرف «نصبه على الحال من ضمير مصدر قلنا» والشطط هو الافراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد فقول سيبويه له وجه كبير من الصحة، قالوا ذلك وهم قيام بين يدي الملك الجبار دقيانوس. (هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) هؤلاء مبتدأ وقومنا بدل من اسم الاشارة أو عطف بيان وجملة اتخذوا خبر ومن دونه حال وآلهة مفعول به ومعنى الخبر هنا الإنكار ويجوز أن تعرب هؤلاء مبتدأ وقومنا هو الخبر وجملة اتخذوا في موضع نصب على الحال. (لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) لولا حرف تحضيض ويأتون فعل مضارع وفاعل والجملة مستأنفة وعليهم أي على عبادتهم متعلقان بمحذوف حال وبسلطان متعلقان بيأتون وبيّن صفة فمن أظلم الفاء استئنافية ومن اسم استفهام معناه النفي والإنكار مبتدأ وأظلم خبره وممن متعلقان بأظلم وجملة افترى صلة وعلى الله متعلقان بافترى وكذبا مفعول به. البلاغة: في قوله تعالى «وربطنا على قلوبهم» استعارة تصريحية تبعية تشبه «فضربنا على آذانهم» لأن الربط هو الشد بالحبل والمراد قوينا قلوبهم بالصبر على هجر الأوطان والفرار بالدين إلى الكهوف والغيران وافتراش صعيدها وجسرناهم على قول الحق والجهر به أمام دقيانوس الجبار.

الكهف 18:14

الإعراب: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر وعليك متعلقان بنقص ونبأهم مفعول به وبالحق حال من فاعل نقص أو من مفعوله وهو النبأ فالباء للملابسة. (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) الجملة مستأنفة مسوقة لسرد قصتهم وان واسمها وخبرها وجملة آمنوا بربهم خبر وزدناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وهدى مفعول به ثان أو تمييز. (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وربطنا عطف على زدناهم وعلى قلوبهم متعلقان بربطنا وإذ ظرف ماض متعلق بربطنا وجملة قاموا مضاف إليها الظرف فقالوا عطف على قاموا وربنا مبتدأ ورب السموات والأرض خبره. (لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً) لن حرف نفي ونصب واستقبال وندعو منصوب بلن ومن دونه حال لأنه كان صفة لإلها وتقدم عليه ولقد اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وقلنا فعل وفاعل وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وشططا مفعول مطلق أي قولا ذا شطط فهو نعت للمصدر المحذوف بتقدير المضاف ويجوز أن يكون مفعولا به لأن الشطط فيه معنى الجملة وقال سيبويه ما نصه بالحرف «نصبه على الحال من ضمير مصدر قلنا» والشطط هو الافراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد فقول سيبويه له وجه كبير من الصحة، قالوا ذلك وهم قيام بين يدي الملك الجبار دقيانوس. (هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) هؤلاء مبتدأ وقومنا بدل من اسم الاشارة أو عطف بيان وجملة اتخذوا خبر ومن دونه حال وآلهة مفعول به ومعنى الخبر هنا الإنكار ويجوز أن تعرب هؤلاء مبتدأ وقومنا هو الخبر وجملة اتخذوا في موضع نصب على الحال. (لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) لولا حرف تحضيض ويأتون فعل مضارع وفاعل والجملة مستأنفة وعليهم أي على عبادتهم متعلقان بمحذوف حال وبسلطان متعلقان بيأتون وبيّن صفة فمن أظلم الفاء استئنافية ومن اسم استفهام معناه النفي والإنكار مبتدأ وأظلم خبره وممن متعلقان بأظلم وجملة افترى صلة وعلى الله متعلقان بافترى وكذبا مفعول به. البلاغة: في قوله تعالى «وربطنا على قلوبهم» استعارة تصريحية تبعية تشبه «فضربنا على آذانهم» لأن الربط هو الشد بالحبل والمراد قوينا قلوبهم بالصبر على هجر الأوطان والفرار بالدين إلى الكهوف والغيران وافتراش صعيدها وجسرناهم على قول الحق والجهر به أمام دقيانوس الجبار.

الكهف 18:15

الإعراب: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر وعليك متعلقان بنقص ونبأهم مفعول به وبالحق حال من فاعل نقص أو من مفعوله وهو النبأ فالباء للملابسة. (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) الجملة مستأنفة مسوقة لسرد قصتهم وان واسمها وخبرها وجملة آمنوا بربهم خبر وزدناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وهدى مفعول به ثان أو تمييز. (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وربطنا عطف على زدناهم وعلى قلوبهم متعلقان بربطنا وإذ ظرف ماض متعلق بربطنا وجملة قاموا مضاف إليها الظرف فقالوا عطف على قاموا وربنا مبتدأ ورب السموات والأرض خبره. (لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً) لن حرف نفي ونصب واستقبال وندعو منصوب بلن ومن دونه حال لأنه كان صفة لإلها وتقدم عليه ولقد اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وقلنا فعل وفاعل وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وشططا مفعول مطلق أي قولا ذا شطط فهو نعت للمصدر المحذوف بتقدير المضاف ويجوز أن يكون مفعولا به لأن الشطط فيه معنى الجملة وقال سيبويه ما نصه بالحرف «نصبه على الحال من ضمير مصدر قلنا» والشطط هو الافراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد فقول سيبويه له وجه كبير من الصحة، قالوا ذلك وهم قيام بين يدي الملك الجبار دقيانوس. (هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) هؤلاء مبتدأ وقومنا بدل من اسم الاشارة أو عطف بيان وجملة اتخذوا خبر ومن دونه حال وآلهة مفعول به ومعنى الخبر هنا الإنكار ويجوز أن تعرب هؤلاء مبتدأ وقومنا هو الخبر وجملة اتخذوا في موضع نصب على الحال. (لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) لولا حرف تحضيض ويأتون فعل مضارع وفاعل والجملة مستأنفة وعليهم أي على عبادتهم متعلقان بمحذوف حال وبسلطان متعلقان بيأتون وبيّن صفة فمن أظلم الفاء استئنافية ومن اسم استفهام معناه النفي والإنكار مبتدأ وأظلم خبره وممن متعلقان بأظلم وجملة افترى صلة وعلى الله متعلقان بافترى وكذبا مفعول به. البلاغة: في قوله تعالى «وربطنا على قلوبهم» استعارة تصريحية تبعية تشبه «فضربنا على آذانهم» لأن الربط هو الشد بالحبل والمراد قوينا قلوبهم بالصبر على هجر الأوطان والفرار بالدين إلى الكهوف والغيران وافتراش صعيدها وجسرناهم على قول الحق والجهر به أمام دقيانوس الجبار.

الكهف 18:16

اللغة: (مِرفَقاً) : بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس وقد قرىء بهما ما ترتفقون به من غداء وعشاء أي تنتفعون قال في أساس البلاغة: «وارتفقت به: انتفعت ومالي فيه مرفق ومرفق وما فيها مرفق من مرافق الدار نحو المتوضأ والمطبخ» وقيل بالكسر في الميم هو لليد وبالفتح للأمر وقد يستعمل كل منهما موضع الآخر حكاه الأزهري عن ثعلب وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به فأما الجارحة فبكسر الميم فقط وفي القاموس والتاج وغيرهما: «المرفق بكسر الميم وفتح الفاء والمرفق بفتح الميم وكسر الفاء الموصل بين الساعد والعضد وما ارتفقت به فهما لغتان» . (تزاور) : أي تمايل أصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها وقد قرىء بهما وقرىء تزورّ وتزوارّ وكلها من الزور وهو الميل ومنه زاره إذا مال اليه والزور الميل عن الصدق. (تَقْرِضُهُمْ) : تقطعهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم البتة مأخوذ من معنى القطيعة والصرم قال ذو الرمة: إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف ... شمالا وعن أيمانهن الفوارس وقبله: نظرت بجرعاء السبية نظرة ... ضحى وسواد العين في الماء شامس وجرعاء السبية اسم موضع وسواد العين إلخ جملة حالية أي الدمع كثير الحركة والاضطراب من شمس الفرس إذا جمح وساء خلقه والظعن جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج ويقرضن أي يقطعن وأجواز جمع جوز وهو المجاز والطريق أي يفصلنه عنهن والفوارس اسم موضع لا جمع فارس. وقال الفارسي: ومعنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا كالقرض ثم يسترد بعد حين وهي تزول بسرعة أيضا. (فَجْوَةٍ) : متسع من الفجاء وهو تباعد ما بين الفخذين يقال رجل أفجى وامرأة فجواء والجمع فجاء كقصعة وقصاع وفي القاموس: «الفجوة: الفرجة بين الشيئين وساحة الدار وما اتسع من الأرض والجمع فجوات وفجاء» . (الوصيد) تقدم شرحه ونضيف اليه ما قاله صاحب القاموس: الوصيد العتبة فناء الدار، الكهف وقال غيره والباب أيضا وأنشد: بأرض فضاء لا يسد وصيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر والبيت لزهير يقول: نزلت في أرض خالية من البناء ليس فيها بناء له وصيد أي باب يسد علي ويحجب عني الضيفان كأهل الحضر فنفي السد كناية عن نفي الوصيد من أصله فهو من باب نفي الشيء بإيجابه واحساني بها معروف لا ينكره أحد من الناس. الإعراب: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) خطاب من بعضهم لبعض حين صمموا على الفرار بدينهم فإذ منصوب بمضمر تقديره قال بعضهم لبعض وجملة اعتزلتموهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وهي فعل وفاعل ومفعول به وما يعبدون: الواو حرف عطف وما معطوف على الهاء أي اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم فما موصولية أو مصدرية فيقدر وعبادتهم وإلا أداة استثناء والله مستثنى متصل على تقدير كونهم مشركين ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان وقيل الواو اعتراضية وما نافية والجملة معترضة وهي إخبار من الله عن الفتية انهم لم يعبدوا غير الله ولا مانع من ذلك. قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت فافعل كذا وهو قول ضعيف لأنه يعني أن إذ تفيد الشرطية والمعروف انها لا تفيدها إلا مقترنة مع ما. (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) الفاء هي الفصيحة أي ان شئتم النجاة بدينكم فأووا وأووا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والى الكهف متعلقان به. (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً) ينشر فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب ولكم متعلقان بينشر وربكم فاعل ينشر ومن رحمته صفة لمفعول ينشر المحذوف أي ينشر لكم نجاحا من رحمته ويهيىء عطف على ينشر ولكم متعلقان بيهيىء ومن أمركم حال لأنه كان صفة لمرفقا ومرفقا مفعول به. (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ) في الكلام إيجاز بحذف عدة جمل وتقدير الكلام فأووا إلى الكهف كما قرروا بينهم وشعروا بالتعب فناموا واسترسلوا في النوم، وأجاب الله دعاءهم إذ قالوا: «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا» فالواو استئنافية وترى فعل مضارع وفاعله أنت والشمس مفعول به وإذا ظرف مستقبل متعلق بتزاور وهو الجواب وتزاور فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي والجملة لا محل لها وعن كهفهم متعلقان بتزاور وذات اليمين ظرف متعلق بتزاور (وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة لها في اعرابها. (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) الواو للحال وهم مبتدأ، وفي فجوة خبر ومنه صفة لفجوة وذلك مبتدأ ومن آيات الله خبر. (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً) من شرطية في محل نصب مفعول مقدم ويهد فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وهو مبتدأ والمهتدي خبره وحذفت الياء بخط المصحف ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا عطف على ما تقدم والجملة مماثلة لسابقتها. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) الواو استئنافية وتحسبهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وأيقاظا مفعول به ثان وهم الواو حالية وهم مبتدأ ورقود خبر والجملة في محل نصب حال. (وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ونقلبهم الواو عاطفة ونقلبهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وذات اليمين ظرف متعلق بنقلبهم وذات الشمال عطف على ذات اليمين وكلبهم الواو للحال وكلبهم مبتدأ وباسط خبر وذراعيه مفعول به وبالوصيد متعلقان بباسط. (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) لو شرطية واطلعت فعل وفاعل وعليهم متعلقان باطلعت ولوليت اللام واقعة في جواب لو ووليت فعل وفاعل ومنهم متعلقان بفرارا وفرارا مفعول مطلق مطلق من معنى الفعل قبله لأنه مرادفه ويجوز أن يعرب مصدر في موضع الحال أي فارا، ولملئت عطف على لوليت ومنهم متعلقان برعبا ورعبا تمييز ورجح أبو حيان أن يكون مفعولا ثانيا لملئت. البلاغة: في قوله تعالى «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود تشبيه وطباق أما الطباق فهو ظاهر بين أيقاظ ورقود وأما التشبيه فهو قسم من أقسام التشبيه جاءت فيه الأداة فعلا من أفعال الشك واليقين تقول حسبت زيدا في جرأته الأسد وعمرا في جوده الغمام فحاصل ذلك تشبيه زيد بالأسد وعمرو بالغمام وفي الآية حاصلة تشبيه أهل الكهف في حال نومهم بالايقاظ في بعض صفاتهم لأنه قيل انهم كانوا مفتحي العيون في حال نومهم. الفوائد: استدل الكسائي بقوله «وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد» على أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل ولو كان بمعنى الماضي ومنع البصريون ذلك وقالوا لا حجة للكسائي ومن تبعه في أن اسم الفاعل هنا بمعنى الماضي وعمل في ذراعيه النصب وانه على ارادة حكاية الحال الماضية أي انه يقدر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي واقعة في حال التكلم والمعنى يبسط ذراعيه فيصح وقوع المضارع موقعه بدليل أن الواو في وكلبهم واو الحال ولذا قال سبحانه ونقلبهم بالمضارع الدال على الحال ولم يقل وقلبناهم بالماضي.

الكهف 18:17

اللغة: (مِرفَقاً) : بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس وقد قرىء بهما ما ترتفقون به من غداء وعشاء أي تنتفعون قال في أساس البلاغة: «وارتفقت به: انتفعت ومالي فيه مرفق ومرفق وما فيها مرفق من مرافق الدار نحو المتوضأ والمطبخ» وقيل بالكسر في الميم هو لليد وبالفتح للأمر وقد يستعمل كل منهما موضع الآخر حكاه الأزهري عن ثعلب وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به فأما الجارحة فبكسر الميم فقط وفي القاموس والتاج وغيرهما: «المرفق بكسر الميم وفتح الفاء والمرفق بفتح الميم وكسر الفاء الموصل بين الساعد والعضد وما ارتفقت به فهما لغتان» . (تزاور) : أي تمايل أصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها وقد قرىء بهما وقرىء تزورّ وتزوارّ وكلها من الزور وهو الميل ومنه زاره إذا مال اليه والزور الميل عن الصدق. (تَقْرِضُهُمْ) : تقطعهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم البتة مأخوذ من معنى القطيعة والصرم قال ذو الرمة: إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف ... شمالا وعن أيمانهن الفوارس وقبله: نظرت بجرعاء السبية نظرة ... ضحى وسواد العين في الماء شامس وجرعاء السبية اسم موضع وسواد العين إلخ جملة حالية أي الدمع كثير الحركة والاضطراب من شمس الفرس إذا جمح وساء خلقه والظعن جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج ويقرضن أي يقطعن وأجواز جمع جوز وهو المجاز والطريق أي يفصلنه عنهن والفوارس اسم موضع لا جمع فارس. وقال الفارسي: ومعنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا كالقرض ثم يسترد بعد حين وهي تزول بسرعة أيضا. (فَجْوَةٍ) : متسع من الفجاء وهو تباعد ما بين الفخذين يقال رجل أفجى وامرأة فجواء والجمع فجاء كقصعة وقصاع وفي القاموس: «الفجوة: الفرجة بين الشيئين وساحة الدار وما اتسع من الأرض والجمع فجوات وفجاء» . (الوصيد) تقدم شرحه ونضيف اليه ما قاله صاحب القاموس: الوصيد العتبة فناء الدار، الكهف وقال غيره والباب أيضا وأنشد: بأرض فضاء لا يسد وصيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر والبيت لزهير يقول: نزلت في أرض خالية من البناء ليس فيها بناء له وصيد أي باب يسد علي ويحجب عني الضيفان كأهل الحضر فنفي السد كناية عن نفي الوصيد من أصله فهو من باب نفي الشيء بإيجابه واحساني بها معروف لا ينكره أحد من الناس. الإعراب: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) خطاب من بعضهم لبعض حين صمموا على الفرار بدينهم فإذ منصوب بمضمر تقديره قال بعضهم لبعض وجملة اعتزلتموهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وهي فعل وفاعل ومفعول به وما يعبدون: الواو حرف عطف وما معطوف على الهاء أي اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم فما موصولية أو مصدرية فيقدر وعبادتهم وإلا أداة استثناء والله مستثنى متصل على تقدير كونهم مشركين ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان وقيل الواو اعتراضية وما نافية والجملة معترضة وهي إخبار من الله عن الفتية انهم لم يعبدوا غير الله ولا مانع من ذلك. قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت فافعل كذا وهو قول ضعيف لأنه يعني أن إذ تفيد الشرطية والمعروف انها لا تفيدها إلا مقترنة مع ما. (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) الفاء هي الفصيحة أي ان شئتم النجاة بدينكم فأووا وأووا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والى الكهف متعلقان به. (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً) ينشر فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب ولكم متعلقان بينشر وربكم فاعل ينشر ومن رحمته صفة لمفعول ينشر المحذوف أي ينشر لكم نجاحا من رحمته ويهيىء عطف على ينشر ولكم متعلقان بيهيىء ومن أمركم حال لأنه كان صفة لمرفقا ومرفقا مفعول به. (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ) في الكلام إيجاز بحذف عدة جمل وتقدير الكلام فأووا إلى الكهف كما قرروا بينهم وشعروا بالتعب فناموا واسترسلوا في النوم، وأجاب الله دعاءهم إذ قالوا: «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا» فالواو استئنافية وترى فعل مضارع وفاعله أنت والشمس مفعول به وإذا ظرف مستقبل متعلق بتزاور وهو الجواب وتزاور فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي والجملة لا محل لها وعن كهفهم متعلقان بتزاور وذات اليمين ظرف متعلق بتزاور (وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة لها في اعرابها. (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) الواو للحال وهم مبتدأ، وفي فجوة خبر ومنه صفة لفجوة وذلك مبتدأ ومن آيات الله خبر. (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً) من شرطية في محل نصب مفعول مقدم ويهد فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وهو مبتدأ والمهتدي خبره وحذفت الياء بخط المصحف ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا عطف على ما تقدم والجملة مماثلة لسابقتها. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) الواو استئنافية وتحسبهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وأيقاظا مفعول به ثان وهم الواو حالية وهم مبتدأ ورقود خبر والجملة في محل نصب حال. (وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ونقلبهم الواو عاطفة ونقلبهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وذات اليمين ظرف متعلق بنقلبهم وذات الشمال عطف على ذات اليمين وكلبهم الواو للحال وكلبهم مبتدأ وباسط خبر وذراعيه مفعول به وبالوصيد متعلقان بباسط. (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) لو شرطية واطلعت فعل وفاعل وعليهم متعلقان باطلعت ولوليت اللام واقعة في جواب لو ووليت فعل وفاعل ومنهم متعلقان بفرارا وفرارا مفعول مطلق مطلق من معنى الفعل قبله لأنه مرادفه ويجوز أن يعرب مصدر في موضع الحال أي فارا، ولملئت عطف على لوليت ومنهم متعلقان برعبا ورعبا تمييز ورجح أبو حيان أن يكون مفعولا ثانيا لملئت. البلاغة: في قوله تعالى «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود تشبيه وطباق أما الطباق فهو ظاهر بين أيقاظ ورقود وأما التشبيه فهو قسم من أقسام التشبيه جاءت فيه الأداة فعلا من أفعال الشك واليقين تقول حسبت زيدا في جرأته الأسد وعمرا في جوده الغمام فحاصل ذلك تشبيه زيد بالأسد وعمرو بالغمام وفي الآية حاصلة تشبيه أهل الكهف في حال نومهم بالايقاظ في بعض صفاتهم لأنه قيل انهم كانوا مفتحي العيون في حال نومهم. الفوائد: استدل الكسائي بقوله «وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد» على أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل ولو كان بمعنى الماضي ومنع البصريون ذلك وقالوا لا حجة للكسائي ومن تبعه في أن اسم الفاعل هنا بمعنى الماضي وعمل في ذراعيه النصب وانه على ارادة حكاية الحال الماضية أي انه يقدر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي واقعة في حال التكلم والمعنى يبسط ذراعيه فيصح وقوع المضارع موقعه بدليل أن الواو في وكلبهم واو الحال ولذا قال سبحانه ونقلبهم بالمضارع الدال على الحال ولم يقل وقلبناهم بالماضي.

الكهف 18:18

اللغة: (مِرفَقاً) : بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس وقد قرىء بهما ما ترتفقون به من غداء وعشاء أي تنتفعون قال في أساس البلاغة: «وارتفقت به: انتفعت ومالي فيه مرفق ومرفق وما فيها مرفق من مرافق الدار نحو المتوضأ والمطبخ» وقيل بالكسر في الميم هو لليد وبالفتح للأمر وقد يستعمل كل منهما موضع الآخر حكاه الأزهري عن ثعلب وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به فأما الجارحة فبكسر الميم فقط وفي القاموس والتاج وغيرهما: «المرفق بكسر الميم وفتح الفاء والمرفق بفتح الميم وكسر الفاء الموصل بين الساعد والعضد وما ارتفقت به فهما لغتان» . (تزاور) : أي تمايل أصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها وقد قرىء بهما وقرىء تزورّ وتزوارّ وكلها من الزور وهو الميل ومنه زاره إذا مال اليه والزور الميل عن الصدق. (تَقْرِضُهُمْ) : تقطعهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم البتة مأخوذ من معنى القطيعة والصرم قال ذو الرمة: إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف ... شمالا وعن أيمانهن الفوارس وقبله: نظرت بجرعاء السبية نظرة ... ضحى وسواد العين في الماء شامس وجرعاء السبية اسم موضع وسواد العين إلخ جملة حالية أي الدمع كثير الحركة والاضطراب من شمس الفرس إذا جمح وساء خلقه والظعن جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج ويقرضن أي يقطعن وأجواز جمع جوز وهو المجاز والطريق أي يفصلنه عنهن والفوارس اسم موضع لا جمع فارس. وقال الفارسي: ومعنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا كالقرض ثم يسترد بعد حين وهي تزول بسرعة أيضا. (فَجْوَةٍ) : متسع من الفجاء وهو تباعد ما بين الفخذين يقال رجل أفجى وامرأة فجواء والجمع فجاء كقصعة وقصاع وفي القاموس: «الفجوة: الفرجة بين الشيئين وساحة الدار وما اتسع من الأرض والجمع فجوات وفجاء» . (الوصيد) تقدم شرحه ونضيف اليه ما قاله صاحب القاموس: الوصيد العتبة فناء الدار، الكهف وقال غيره والباب أيضا وأنشد: بأرض فضاء لا يسد وصيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر والبيت لزهير يقول: نزلت في أرض خالية من البناء ليس فيها بناء له وصيد أي باب يسد علي ويحجب عني الضيفان كأهل الحضر فنفي السد كناية عن نفي الوصيد من أصله فهو من باب نفي الشيء بإيجابه واحساني بها معروف لا ينكره أحد من الناس. الإعراب: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) خطاب من بعضهم لبعض حين صمموا على الفرار بدينهم فإذ منصوب بمضمر تقديره قال بعضهم لبعض وجملة اعتزلتموهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وهي فعل وفاعل ومفعول به وما يعبدون: الواو حرف عطف وما معطوف على الهاء أي اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم فما موصولية أو مصدرية فيقدر وعبادتهم وإلا أداة استثناء والله مستثنى متصل على تقدير كونهم مشركين ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان وقيل الواو اعتراضية وما نافية والجملة معترضة وهي إخبار من الله عن الفتية انهم لم يعبدوا غير الله ولا مانع من ذلك. قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت فافعل كذا وهو قول ضعيف لأنه يعني أن إذ تفيد الشرطية والمعروف انها لا تفيدها إلا مقترنة مع ما. (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) الفاء هي الفصيحة أي ان شئتم النجاة بدينكم فأووا وأووا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والى الكهف متعلقان به. (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً) ينشر فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب ولكم متعلقان بينشر وربكم فاعل ينشر ومن رحمته صفة لمفعول ينشر المحذوف أي ينشر لكم نجاحا من رحمته ويهيىء عطف على ينشر ولكم متعلقان بيهيىء ومن أمركم حال لأنه كان صفة لمرفقا ومرفقا مفعول به. (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ) في الكلام إيجاز بحذف عدة جمل وتقدير الكلام فأووا إلى الكهف كما قرروا بينهم وشعروا بالتعب فناموا واسترسلوا في النوم، وأجاب الله دعاءهم إذ قالوا: «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا» فالواو استئنافية وترى فعل مضارع وفاعله أنت والشمس مفعول به وإذا ظرف مستقبل متعلق بتزاور وهو الجواب وتزاور فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي والجملة لا محل لها وعن كهفهم متعلقان بتزاور وذات اليمين ظرف متعلق بتزاور (وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة لها في اعرابها. (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) الواو للحال وهم مبتدأ، وفي فجوة خبر ومنه صفة لفجوة وذلك مبتدأ ومن آيات الله خبر. (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً) من شرطية في محل نصب مفعول مقدم ويهد فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وهو مبتدأ والمهتدي خبره وحذفت الياء بخط المصحف ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا عطف على ما تقدم والجملة مماثلة لسابقتها. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) الواو استئنافية وتحسبهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وأيقاظا مفعول به ثان وهم الواو حالية وهم مبتدأ ورقود خبر والجملة في محل نصب حال. (وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ونقلبهم الواو عاطفة ونقلبهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وذات اليمين ظرف متعلق بنقلبهم وذات الشمال عطف على ذات اليمين وكلبهم الواو للحال وكلبهم مبتدأ وباسط خبر وذراعيه مفعول به وبالوصيد متعلقان بباسط. (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) لو شرطية واطلعت فعل وفاعل وعليهم متعلقان باطلعت ولوليت اللام واقعة في جواب لو ووليت فعل وفاعل ومنهم متعلقان بفرارا وفرارا مفعول مطلق مطلق من معنى الفعل قبله لأنه مرادفه ويجوز أن يعرب مصدر في موضع الحال أي فارا، ولملئت عطف على لوليت ومنهم متعلقان برعبا ورعبا تمييز ورجح أبو حيان أن يكون مفعولا ثانيا لملئت. البلاغة: في قوله تعالى «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود تشبيه وطباق أما الطباق فهو ظاهر بين أيقاظ ورقود وأما التشبيه فهو قسم من أقسام التشبيه جاءت فيه الأداة فعلا من أفعال الشك واليقين تقول حسبت زيدا في جرأته الأسد وعمرا في جوده الغمام فحاصل ذلك تشبيه زيد بالأسد وعمرو بالغمام وفي الآية حاصلة تشبيه أهل الكهف في حال نومهم بالايقاظ في بعض صفاتهم لأنه قيل انهم كانوا مفتحي العيون في حال نومهم. الفوائد: استدل الكسائي بقوله «وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد» على أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل ولو كان بمعنى الماضي ومنع البصريون ذلك وقالوا لا حجة للكسائي ومن تبعه في أن اسم الفاعل هنا بمعنى الماضي وعمل في ذراعيه النصب وانه على ارادة حكاية الحال الماضية أي انه يقدر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي واقعة في حال التكلم والمعنى يبسط ذراعيه فيصح وقوع المضارع موقعه بدليل أن الواو في وكلبهم واو الحال ولذا قال سبحانه ونقلبهم بالمضارع الدال على الحال ولم يقل وقلبناهم بالماضي.

الكهف 18:19

اللغة: (بِوَرِقِكُمْ) الورق بفتح الواو وكسر الراء الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة ومنه الحديث أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب» والكلاب بالضم اسم ماء كانت عنده الوقعة كما في الصحاح قال: أعطيتني ورقا لم تعطني ورقا ... قل لي بلا ورق ما ينفع الورق؟ (أَزْكى) : أطيب وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكوّا الزرع فما والأرض طابت والزكي ما كان ناميا طيبا صالحا. الإعراب: (وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ) الكاف نعت لمصدر محذوف أي كما أنمناهم هذه النومة الطويلة كذلك بعثناهم، وبعثناهم فعل وفاعل ومفعول به، ليتساءلوا اللام للتعليل ويتساءلوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والظرف متعلق بمحذوف حال. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قال قائل فعل وفاعل وكم اسم استفهام في محل نصب على الظرفية والمميز المنصوب محذوف تقديره كم يوما بدليل الجواب عليه ومنهم صفة لقائل، قالوا فعل وفاعل وجملة لبثنا مقول القول ويوما ظرف متعلق بلبثنا أو حرف عطف، بعض يوم عطف على يوما وأو هنا للشك منهم. (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) قالوا فعل وفاعل وربكم مبتدأ وأعلم خبره، بما جار ومجرور متعلقان بأعلم ولبثتم صلة ما وما أجمل تفويضهم أمر العلم بمدة اللبث إلى الله، وما ينطوي عليه هذا التفويض من حسن الأدب فقد استرابوا في أمرهم بعد أن راعوا إلى أنفسهم ونظروا إلى طول شعورهم وأظفارهم. (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً) الفاء عاطفة على محذوف أي فدعوا التساؤل وخذوا فيما هو أهم وأجدى لنا في موفقنا هذا فابعثوا، وأحدكم مفعول به وبورقكم متعلقان بابعثوا أو بمحذوف حال من أحدكم والباء للملابسة أي ملتبسا بها ومصاحبا لها وهذه نعت لورقكم وإلى المدينة متعلقان بابعثوا، فلينظر الفاء عاطفة واللام لام الأمر وينظر مضارع مجزوم بلام الأمر وأيها يجوز أن تكون استفهامية ويجوز أن تكون موصولة وقد تقدم ذلك في قوله «أيهم أحسن عملا» فجدد به عهدا وهي مبتدأ خبره أزكى وطعاما تمييز محول عن المضاف اليه أي أيّ أطعمة المدينة أزكى وأحلّ وأرخص وأطيب. (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) الفاء عاطفة واللام لام الأمر ويأت مجزوم بلام الأمر والفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به وبرزق متعلقان بيأتكم ومنه صفة لرزق وليتلطف عطف على فليأتكم ولا الواو عاطفة ولا ناهية ويشعرن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره هو وبكم متعلقان بيشعرن واحدا مفعول به. (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) إن واسمها وإن شرطية ويظهروا فعل الشرط والواو فاعل وعليكم متعلقان بيظهروا ويرجموكم جواب الشرط أو يعيدوكم عطف على يرجموكم وفي ملتهم متعلقان بيعيدوكم أي يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله أو المراد بالعود هنا الصيرورة على تقدير انهم لم يكونوا على ملتهم وإيثار كلمة «في» على كلمة «إلى» للدلالة على الاستقرار. (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) الواو عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتفلحوا فعل مضارع منصوب بلن والواو فاعل وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وأبدا ظرف متعلق بتفلحوا.

الكهف 18:20

اللغة: (بِوَرِقِكُمْ) الورق بفتح الواو وكسر الراء الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة ومنه الحديث أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب» والكلاب بالضم اسم ماء كانت عنده الوقعة كما في الصحاح قال: أعطيتني ورقا لم تعطني ورقا ... قل لي بلا ورق ما ينفع الورق؟ (أَزْكى) : أطيب وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكوّا الزرع فما والأرض طابت والزكي ما كان ناميا طيبا صالحا. الإعراب: (وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ) الكاف نعت لمصدر محذوف أي كما أنمناهم هذه النومة الطويلة كذلك بعثناهم، وبعثناهم فعل وفاعل ومفعول به، ليتساءلوا اللام للتعليل ويتساءلوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والظرف متعلق بمحذوف حال. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قال قائل فعل وفاعل وكم اسم استفهام في محل نصب على الظرفية والمميز المنصوب محذوف تقديره كم يوما بدليل الجواب عليه ومنهم صفة لقائل، قالوا فعل وفاعل وجملة لبثنا مقول القول ويوما ظرف متعلق بلبثنا أو حرف عطف، بعض يوم عطف على يوما وأو هنا للشك منهم. (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) قالوا فعل وفاعل وربكم مبتدأ وأعلم خبره، بما جار ومجرور متعلقان بأعلم ولبثتم صلة ما وما أجمل تفويضهم أمر العلم بمدة اللبث إلى الله، وما ينطوي عليه هذا التفويض من حسن الأدب فقد استرابوا في أمرهم بعد أن راعوا إلى أنفسهم ونظروا إلى طول شعورهم وأظفارهم. (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً) الفاء عاطفة على محذوف أي فدعوا التساؤل وخذوا فيما هو أهم وأجدى لنا في موفقنا هذا فابعثوا، وأحدكم مفعول به وبورقكم متعلقان بابعثوا أو بمحذوف حال من أحدكم والباء للملابسة أي ملتبسا بها ومصاحبا لها وهذه نعت لورقكم وإلى المدينة متعلقان بابعثوا، فلينظر الفاء عاطفة واللام لام الأمر وينظر مضارع مجزوم بلام الأمر وأيها يجوز أن تكون استفهامية ويجوز أن تكون موصولة وقد تقدم ذلك في قوله «أيهم أحسن عملا» فجدد به عهدا وهي مبتدأ خبره أزكى وطعاما تمييز محول عن المضاف اليه أي أيّ أطعمة المدينة أزكى وأحلّ وأرخص وأطيب. (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) الفاء عاطفة واللام لام الأمر ويأت مجزوم بلام الأمر والفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به وبرزق متعلقان بيأتكم ومنه صفة لرزق وليتلطف عطف على فليأتكم ولا الواو عاطفة ولا ناهية ويشعرن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره هو وبكم متعلقان بيشعرن واحدا مفعول به. (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) إن واسمها وإن شرطية ويظهروا فعل الشرط والواو فاعل وعليكم متعلقان بيظهروا ويرجموكم جواب الشرط أو يعيدوكم عطف على يرجموكم وفي ملتهم متعلقان بيعيدوكم أي يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله أو المراد بالعود هنا الصيرورة على تقدير انهم لم يكونوا على ملتهم وإيثار كلمة «في» على كلمة «إلى» للدلالة على الاستقرار. (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) الواو عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتفلحوا فعل مضارع منصوب بلن والواو فاعل وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وأبدا ظرف متعلق بتفلحوا.

الكهف 18:21

اللغة: (أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) : أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين وفي الأساس: «وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره على كذا أطلعه وأعثره على أصحابه: دله عليهم ويقال للمتورط «وقع في عاثور» وفلان يبغي صاحبه العواثين وأصله: حفرة تحفر للأسد وغيره يعثر بها فيطيح فيها» . (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميا بالخبر الخفي وإتيانا به وفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم وهي الحجارة الصغار ورجمته بالقول رمبته بالفحش قال تعالى: «رجما بالغيب» أي ظنا من غير دليل ولا برهان كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم أي المظنون وسيرد في باب البلاغة مزيد من البحث حول هذا التعبير. (تُمارِ) : تجادل وفي القاموس: «مارى مراء ومماراة: جادل ونازع ولاجّ وتماريا تجادلا وامترى في الشيء: شك والمرية بكسر الميم والمرية بضمها: الجدل يقال ما في ذلك مرية أي جدل وشك» . الإعراب: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) الكاف نعت لمصدر محذوف أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين، وأعثرنا فعل وفاعل والمفعول به محذوف كما قدرناه في باب اللغة وعليهم متعلقان بأعثرنا وليعلموا اللام للتعليل ويعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ليعلموا وأن واسمها وحق خبرها وأن الساعة عطف وان واسمها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن والمراد بوعد الله البعث لأن من قدر على إنامتهم هذه النومة الطويلة وبعثهم بعدها قادر على أن يحييهم بعد الموت. (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم قومهم حين يتنازعون ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح وجملة يتنازعون في محل جر باضافة الظرف إليها وبينهم ظرف مكان متعلق بيتنازعون وأمرهم نصب بنزع الخافض أي في أمرهم وقيل تنازعوا تنصب مفعولا إذا كانت بمعنى التجاذب فيكون في الكلام استعارة. (فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) الفاء عاطفة وقالوا فعل وفاعل وجملة ابنوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وعليهم متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به أي قالوا ذلك حين توفى الله أصحاب الكهف وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدث تمليخا حامل الورق حديثهم موتا حقيقيا ورجع من كان يساوره الشك في بعث الأجساد إلى اليقين أي ابنوا عليهم بنيانا ضنا بتربتهم ومحافظة عليها وجملة ابنوا عليهم بنيانا مقول قولهم. (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) الجملة إما تتمة لمقولهم قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه وقيل هو مقول كلام لله سبحانه ردا لقول المتنازعين فيهم أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع فإني أعلم بهم منكم والكلام مبتدأ وخبر وبهم متعلقان بأعلم. (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) قال الذين فعل وفاعل وجملة غلبوا صلة الموصول وعلى أمرهم متعلقان بغلبوا وهم المؤمنون وكانت الكلمة لهم آنذاك ولنتخذن اللام موطئة للقسم ونتخذن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستر تقديره نحن وعليهم حال ومسجدا مفعول به. (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) السين للاستقبال اشارة إلى أن النزاع في أمرهم حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي في المستقبل البعيد بالنسبة لقصتهم ويقولون فعل مضارع وفاعل والضمير يعود إلى الخائضين في قصتهم زمن النبي من أهل الكتاب والمؤمنين. قال أبو حيان: «وجاء بسين الاستقبال لأنه كأنه في الكلام طي وإدماج، والتقدير فإذا أجبتهم عن سؤالهم وقصصت عليهم قصة أهل الكهف فسلهم عن عددهم فإنهم إذا سألتهم سيقولون ولم يأت بالسين فيما بعده لأنه معطوف على المستقبل فدخل في الاستقبال أو لأنه أريد به معنى الاستقبال الذي هو صالح له. وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف أي هم ثلاثة أشخاص وانما قدرنا أشخاصا لأن رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير والمعنى أنه ربعهم أي جعلهم أربعة وصيرهم إلى هذا العدد فلو قدر ثلاثة رجال استحال أن يصير ثلاثة رجال أربعة لاختلاف الجنسين، ورابعهم مبتدأ وكلبهم خبر وجملة ثلاثة مقول القول وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضامه إليهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة في اعرابها ورجما منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي يرجمون رجما والمعنى يرمون رميا بالخبر الخفي المظنون أو على الحال بمعنى راجمين وبالغيب متعلقان برجما. (وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) الواو عاطفة ويقولون فعل وفاعل وسبعة خبر لمبتدأ محذوف والواو فيها أقوال تربو على الحصر وقد شغلت العلماء والأدباء فصنّفوا فيها المطولات وسنأتي على ذكرها وخلاصة ما قيل فيها في باب الفوائد وأولى ما يقره المنطق أن تكون هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالجملة الواقعة حالا بعد المعرفة نحو جاء زيد ومعه رجل آخر وذلك لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف بمعنى أن اتصافه بها أمر مستقر راسخ في الأذهان وهذا ما اختاره الزمخشري وابن هشام وانتظر التفاصيل وجملة ثامنهم كلبهم صفة لسبعة وقد ردّ أبو حيان هذا القول وعبارته: «وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا انه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالا على المغايرة وأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف في هذه الأسماء المفردة وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه: وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل هو على ان وليس باسم ولا فعل صفة لقوله لمعنى وان الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة واما قوله تعالى: «إلا ولها كتاب معلوم» فالجملة حالية» . (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ربي مبتدأ وأعلم خبره والجملة مقول القول وبعدتهم متعلقان بأعلم وجملة ما يعلمهم حالية وما نافية ويعلمهم فعل مضارع ومفعول به وإلا أداة حصر وقليل فاعل يعلمهم والتفضيل بالنسبة للكيفية لأن مراتب اليقين متفاوتة في القوة وليس التفضيل بالنسبة إلى الطائفتين الأولين الذين جنحا إلى الرجم بالغيب والحدس والتخمين دون الحقيقة والاطلاع على الواقع. (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا وحق لك أن تعرفه فلا تجادل، ولا ناهية وتمار مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وإلا أداة حصر ومراء مفعول مطلق وظاهرا صفة. (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) الواو عاطفة ولا ناهية وتستفت مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة أيضا والفاعل مستتر تقديره أنت وفيهم متعلقان بتستفت ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به لأن فيما أوحي إليك مندوحة لك عن السؤال. (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف ولا ناهية وتقولن فعل مضارع مبني للفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ولشيء متعلقان بتقولن أي لأجل شيء تقدم عليه وتهتم به وقيل اللام بمعنى في وقد تقدم ذكر ذلك وكسرت همزة إن لسبقها بالقول وان واسمها مقول القول وفاعل خبر إن وذلك مفعول لفاعل وغدا ظرف متعلق بفاعل وإلا أن يشاء الله استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالمشيئة والتعليق عليها فأن وما بعدها حال والتقدير لا تقولن أفعل غدا إلا قائلا إن شاء الله وقيل التقدير إلا بأن يشاء الله فالمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي إلا متلبسا بقول إن شاء الله وقيل إن الاستثناء منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على الاستثناء. وقد أجاد في إعراب هذه الآية أبو البقاء العكبري ونصه: «في المستثنى منه ثلاثة أوجه أحدها هو من النهي والمعنى لا تقولن افعل غدا إلا أن يؤذن لك في القول والثاني هو من فاعل تقولن أي لا تقولن اني فاعل غدا حتى تقرن به قول إن شاء الله والثالث انه منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على وجهين أحدهما على الاستثناء والتقدير لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن يشاء الله أي يأذن فحذف الوقت وهو مراد والثاني هو حال والتقدير لا تقولن افعل غدا إلا قائلا إن شاء الله فحذف القول وهو كثير وجعل قوله أن يشاء في معنى إن شاء وهو مما حمل على المعنى وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله أي متلبسا بقول إن شاء الله» والخلاصة ان الغرض من هذا النهي عن هذا القول هو عدم اقترانه بقول المشيئة وهذا نهي تأديب حين قالت اليهود لقريش سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، وسيأتي في باب الفوائد ذكر انقطاع الوحي. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) واذكر عطف على ما تقدم وربك مفعول به ولا بد من حذف مضاف أي مشيئة ربك وإذا ظرف متعلق باذكر أي إذا فرط منك نسيان وجملة نسيت في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله أي فاذكر وقل عطف على اذكر وعسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر تقديره هو وأن يهديني أن وما في حيزها هي الخبر وربي فاعل يهديني ولأقرب متعلق بيهديني ومن هذا متعلقان بأقرب ورشدا تمييز أو مفعول مطلق أي يهديني هداية فيكون ملاقيا لعامله بهذا المعنى والأول أقرب أي لشيء أقرب إرشادا للناس ودلالة على ذلك والاشارة في قوله هذا لما تقدم من نبأ أصحاب الكهف وقصتهم العجيبة التي اختتمت الآن. (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ولبثوا عطف على ما تقدم حسما للخلاف وإماطة للشبهة الناجمة عن الاختلاف في أمرهم ومدة لبثهم وفي كهفهم متعلقان بلبثوا وثلاث ظرف ومائة مضاف اليه وسنين عطف بيان لثلاثمائة أو بدل ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة مجرور وجره بالاضافة والتنوين مانع منها وسيأتي بحث العدد مفصلا في باب الفوائد وازدادوا فعل وفاعل وتسعا مفعول به أي تسع سنين. (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) الله مبتدأ وأعلم خبر والجملة مقول القول وبما متعلقان بأعلم وجملة لبثوا صلة الموصول أي بالزمن الذي لبثوه. (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) له خبر مقدم وغيب السموات والأرض مبتدأ مؤخر وأبصر صيغة تعجب وهو فعل ماض أتى على صيغة الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ وسيأتي البحث في صيغتي التعجب في باب البلاغة واسمع عطف على ابصر. (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ما نافية ولهم خبر مقدم ومن دونه حال ومن حرف جر زائد وولي مبتدأ مؤخر محلا ولا الواو عاطفة ولا نافية ويشرك فعل مضارع وفاعل مستتر وفي حكمه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول به. البلاغة: الكلام يطول جدا على هذه الآيات وما اشتملت عليه من فنون بلاغية وسنجنح إلى الاختصار ما أمكن فنقول: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «يتنازعون بينهم أمرهم» استعارة مكنية فقد شبه أمرهم بشيء كثر النزاع حوله ثم حذف ذلك الشيء واستعير النزاع القائم حوله. وفي قوله تعالى «رجما بالغيب» استعارة مكنية أيضا فقد شبه الغيب والخفاء بشيء يرمى بالحجارة واستعير الرجم له. 2- واو الثمانية والخلاف المشتجر حولها: وعدناك بأن نأتي بالأقوال حول الواو الداخلة على ثامنهم في قوله تعالى «ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم» وقد قدمنا في الاعراب ما اخترناه من هذه الأقوال فقال عدد من كبار الأدباء انها واو الثمانية قال ابن هشام: «واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وان ما بعده عدد مستأنف واستدلوا على ذلك بآيات احداها «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم» إلى قوله سبحانه «وثامنهم كلبهم» وقيل هي في ذلك لعطف جملة على جملة إذ التقدير هم سبعة ثم قيل الجميع كلامهم وقيل العطف من كلام الله تعالى والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم وان هذا تصديق لهذه المقالة كما ان رجما بالغيب تكذيب لتلك المقالة» وبعد كلام طويل قال: «وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وانما فيها ذكر الأبواب وهي جمع لا يدل على عدد خاص ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها» . وقال آخرون في الرد على من زعم وجود واو الثمانية: وهو أن في اللغة واوا تصحب الثمانية وتختص بها فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي إلى الثامن فتصحبه الواو وربما عدوا من ذلك «والناهون عن المنكر» وهو الثامن من قوله تعالى «التائبون» وهذا مردود أيضا بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون بالمعروف لما بينهما من التناسب والربط ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما كقوله: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكقوله: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وربما عد بعضهم من ذلك الواو في ثيبات وأبكارا لأنه وجدها مع الثامن وهذا غلط فاحش فإن هذه واو التقسيم ولو ذهبت تحذفها فتقول ثيبات أبكارا لم يستدل الكلام فقد وضح أن المراد في جميع هذه المواضع المعدودة ورادة لغير ما زعمه هؤلاء. قلت: لو سقطت الواو من أبكار لاختل المعنى لأنهن لا يكنّ ثيبات أبكارا في وقت معا فاضطر إلى الواو لتدل على المغايرة. هذا وقد كان القاضي الفاضل صاحب الطريقة المصنوعة في الإنشاء يعتقد زيادة الواو في هذه الآية ويتبجح باستخراجها ويقول هي واو الثمانية إلى أن ذكر ذلك بحضرة الشيخ أبو الجود المقري فبين له أنه وأهم وان الضرورة تدعو إلى دخولها وإلا فسد المعنى بخلاف واو الثمانية فانه يؤتى بها لا لحاجة فقال أرشدتنا يا أبا الجود. هذا وممن أيد وجود واو الثمانية الإمام فخر الدين الرازي وقال العلامة الكافيجي قولا طريفا منصفا في هذا الصدد نورده بنصّه: «هي في التحقيق واو العطف لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص وتضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها فسميت واو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد فان الثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه وهذا هو المقتضي للعطف وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة. وأقول: ان توجيه تمام السبعة هو أن العدد إما فرد وإما مركب من فردين وهو الزوج أو من زوج وفرد أو من زوجين والثلاثة الأول من الثلاثة فان في ضمنها الواحد والاثنين والآخر من الأربعة. ومجموع الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الأصول وما يأتي تكرار فالثمانية زوج وزوج قد مضى والتسعة زوج وفرد وهكذا. هذا وسيأتي المزيد من هذا البحث عند الكلام على «وفتحت أبوابها» وعلى «ثيبات وأبكارا» فقد طال البحث جدا. الفوائد: 1- أحكام العدد وتمييزه: مميز العدد على ضربين منصوب ومجرور فالمجرور على ضربين مفرد ومجموع فالمفرد مميز المائة والألف والمجموع مميز الثلاثة إلى العشرة والمنصوب مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولا يكون إلا مفردا ومما شذ عن ذلك قولهم ثلاثمائة إلى تسعمائة اجتزءوا بلفظ الواحد عن الجمع وقد رجع إلى القياس من قال: ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الاهاتم فجاء بتمييز الثلاث جمعا من لفظ المائة على ما يقتضيه القياس وإن كان شاذا في الاستعمال ويجوز في التمييز حينئذ وجهان أحدهما الاتباع على البدل نحو ثلاثة أثواب والنصب على التمييز نحو ثلاثة أثوابا وقوله تعالى ثلاثمائة سنين نصب على البدل أو عطف البيان لثلاثمائة. هذا رأي أبي اسحق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد وكل واحد سنون وهو جمع والجمع أقل ما يكون ثلاثة فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجاز الفراء أن يكون سنين تمييزا على حد قوله: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأعصم قال وذلك انه جاء في التمييز سودا وهو جمع لأن الصفة والموصوف شيء واحد والمذهب الأول لأن الثواني يجوز فيها مالا يجوز في الأوائل ألا ترى أنك تقول يا زيد الطويل ولو قلت يا الطويل لم يجز. هذا والبيت لعنترة من معلقته التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم وقبل البيت المستشهد به: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم وراعني أفزعني والحمولة: الإبل التي يحمل عليها ووسط ظرفه وإذا لم يكن ظرفا حركت السين فقلت وسط الدار واسع، وتسف: تأكل يقال: سففت الدواء أسفه، والحلوبة المحلوبة تستعمل في الواحد والجمع على لفظ واحد، والخوافي أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم الأسود، واثنتان مرفوع بالابتداء وأربعون معطوف عليه وقوله سودا نعت لحلوبة لأنها في معنى الجمع والمعنى من الحلائب والكاف في قوله كخافية في موضع نصب والمعنى سودا مثل خافية الغراب الأسحم ومما ذكرناه في تفسير الحلوبة وصلاحيتها للاطلاق على الواحد والجمع تعلم ما في قولهم ان الشاهد في هذا البيت جواز وصف المميز المفرد بالجمع وادعائهم ان حلوبة مفرد مميز للعدد وانه وصف بالجمع وهو سود الذي هو جمع سوداء وزعم الأعلم ان قوله سودا ليس بوصف وانما هو حال من قوله اثنتان وأربعون قال: «وهو حال من نكرة ويجوز رفعه على النعت ولا يكون نعتا لحلوبة لأنها مفردة إذا كانت تمييزا للعدد وسودا جمع ولا ينعت الواحد بالجمع» وليس بشيء لأنهم غفلوا عن السر وهو إطلاق حلوبة على الواحد والجمع. هذا ونلخص فيما يلي أحكام العدد عامة: ألفاظ العدد من ثلاثة إلى تسعة تكون على عكس المعدود في التذكير والتأنيث سواء كانت مفردة كقوله تعالى «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما» أو مركبة كخمسة عشر قلما وست عشرة ورقة أو معطوفا كثلاثة وعشرين يوما وأربع عشرين ساعة، وأما واحد واثنان منهما على وفق المعدود في الأحوال الثلاثة، وأما مائة وألف فلا يتغير لفظهما في التذكير والتأنيث، وكذلك ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلا عشرة فهي على عكس معدودها إذا كانت مفردة، وعلى وفقه إذا كانت مركبة. هذا ويصاغ من اسم العدد وصف على وزن فاعل مطابق لموصوفه، أما تعريف العدد، فالمضاف تدخل ال على المضاف إليه، والمركب تدخل ال على جزئه الأول، والمعطوف تدخل ال على الجزأين. واما اعراب الاعداد فعلى ثلاثة أشكال: 1- بالحركات من واحد إلى عشرة على أن تكون هذه مفردة غير مركبة ويستثنى منها العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث فانهما لفظان ملحقان بالمثنى. وكذلك العددان مائة وألف. 2- بالحروف وهو العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث والعقود. 3- بالبناء على الفتح وهي الأعداد المركبة أي من أحد عشر إلى تسعة عشر ومن الحادي عشر إلى التاسع عشر ما عدا الجزء الاول من اثني عشر لأنه يلحق بالمثنى كما تقدم. اسم الفاعل المشتق من العدد: يستعمل اسم الفاعل المشتق من العدد على معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به واحدا من جماعة. وثانيهما: أن يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين. فالأول نحو ثاني اثنين وثالث ثلاثة قال الله تعالى: «لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة» وقال عز وجل: «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين» فما كان من هذا الضرب فإضافة محضة لأن معناه أحد ثلاثة وبعض ثلاثة فكما أن إضافة هذا صحيحة فكذلك ما هو في معناه ولا يجوز فيه أن ينون وينصب في قول أكثر النحويين لأنه ليس مأخوذا من فعل عامل وأما الثاني وهو ما يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة فهذا غير الوجه الأول إنما معناه هو الذي جعل الاثنين ثلاثة بنفسه فمعناه الفعل كأنه قال الذي ثلثهم وربعهم وخمسهم وعلى هذا قوله تعالى: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم» ومثله: «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم.... رجما بالغيب» ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وعلى هذا الوجه يجوز أن ينون وينصب ما بعده فتقول: هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة لأنه مأخوذ ثلثهم وربعهم فهو بمنزلة هذا ضارب زيدا والأول أكثر قال سيبويه: قلما تريد العرب هذا يعني خامس أربعة فإن أضفته فهو بمنزلة ضارب زيد فتكون الاضافة غير محضة هذا إذا أريد به الحال أو الاستقبال فان أريد به الماضي لم يجز فيه إلا حذف التنوين والإضافة كما كان كذلك في قولك هذا ضارب زيد أمس. 2- التعجب وصيغة في العربية: التعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب ولا يطلق على الله انه متعجب إذ لا شيء يخفى عليه وما وقع مما ظاهره ذلك في القرآن فمحمول على انه مصروف إلى المخاطب نحو قوله تعالى فما أصبرهم على النار أي أن حالهم في ذلك اليوم ينبغي لك أيها المخاطب أن تتعجب وقيل التعجب هو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية فيه، وقوله تعالى هنا «أبصر به وأسمع» ذهب العلماء فيه ثلاثة مذاهب: 1- انه بلفظ الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ فإن قلت كيف تكون الهاء فاعلا وهي ضمير نصب أو جر قلت إنما هو اصطلاح وساغ ذلك لوجود الباء لفظا قبلها ولأن الباء إنما زيدت ليصير على صورة المفعول. 2- ان الفاعل ضمير المصدر. 3- ان الفاعل ضمير المخاطب واحتج القائلون بذلك على انه لا يعهد استعمال الأمر في الماضي وانما التزم إفراده وتذكيره فلم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه كلام جرى مجرى المثل وهذه إحدى صيغ التعجب القياسية. والثانية ما أفعله وهاتان الصيغتان هما المبوب لهما في كتب النحو وهما القياسيتان ومعنى ما كما قال سيبويه انها نكرة تامة بمعنى شيء وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب وما بعدها من الجملة الفعلية في موضع رفع خبرها وهذا هو المذهب الصحيح لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي وسبب الاختصاص بها خفي فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلو بافهام. وهنالك صيغ أخرى للتعجب واردة في الكتاب والحديث ولسان العرب فمن الكتاب «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم» ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة «سبحان الله ان المؤمن لا ينجس» ومن كلام العرب «لله دره فارسا» ولكن النحاة لم يبوبوا لهذه الصيغ لأنها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة. مسائل هامة: 1- لا يتعجب الا من معرفة أو نكرة مختصة فلا يقال ما أسعد رجلا لأنه لا فائدة من ذلك. 2- يجوز حذف المتعجب منه إذا كان ضميرا كقول علي بن أبي طالب كما قيل: جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما أي ما أعفها وأكرمها وإنما قلنا كما قيل لأن هذا البيت لم يثبت لعلي وفي القاموس في مادة «ودق» نقلا عن المازني وصوبه الزمخشري انه لم يصح انه تكلم بشيء من الشعر غير بيتين وهما قوله: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك لا برّوا ولا ظفروا وإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر وفي باب أفعل به إن كان معطوفا على آخر مذكور معه كما في الآية: «أبصر به وأسمع» وانما حذف مع كونه فاعلا لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة وشذ حذفه دون أن يعطف على مثله كقول عروة ابن الورد: فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله. هذا ولا يبنى هذان الفعلان إلا مما اجتمعت فيه ثمانية شروط: 1- أن يكون فعلا وشذ قولهم ما أذرع المرأة بنوه من قولهم امرأة ذراع والذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل وروى ابن القطاع في الأفعال ذرعت المرأة خفت يدها في العمل فهي ذراع وعلى هذا لا شذوذ في قولهم ما أذرع المرأة ومن ذلك قولهم ما أجدره بكذا وما أقمنه بكذا فالأول بنوه من قولهم هو قمين بكذا والثاني من قولهم هو جدير بكذا والمعنى فيهما ما أحقه بكذا ولا فعل لهما ولكن قال في القاموس «وقد جدر ككرم جدارة وإنه لمجدرة أن يفعل ومجدور أي مخلقة وجدره جعله جديرا» وطاح كلام النحاة من أساسه. 2- أن يكون الفعل ثلاثيا فلا يبنيان من رباعي مجرد ولا مزيد فيه ولا ثلاثي مزيد بحرف أو حرفين أو ثلاثة إلا وزن أفعل فقيل يجوز بناؤهما منه سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا نحو ما أظلم الليل وما أفقر هذا المكان وقيل هو شاذ يحفظ ما سمع منه كما تقدم ولا يقاس عليه وقالوا: ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وما أتقاه الله وشذا كذلك ما أخصره لأنه من اختصر. 3- أن يكون الفعل متصرفا لأن التصرف فيما لا يتصرف نقض لوضعه وشذ ما أعساه وأعسى به. 4- أن يكون معناه قابلا للتفاضل أو التفاوت فلا يبنيان من نحو فني ومات وغرق لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه. 5- أن يكون مبنيا للمعلوم فلا يبنيان من المبني للمجهول وبعضهم استثنى ما كان ملازما للبناء على المجهول نحو عنيت بحاجتك وزهي علينا فيجيز التعجب لعدم اللبس فتقول ما أعناه بحاجتك وما أزهاه علينا. 6- أن يكون تاما فلا يبنيان من نحو كان وكاد وصار لأنهن نواقص وحكى ابن السراج والزجاج: ما أكون زيدا قائما. 7- أن يكون مثبتا فلا يبنيان من منفي سواء كان ملازما للنفي نحو ما عاج بالدواء أي ما انتفع به ومضارعه يعيج ملازم للنفي أيضا كذا قال النحاة وطاح كلامهم بوروده غير منفي، روى أبو علي القالي في نوادره: أنشدنا ثعلب عن ابن الاعرابي: ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ... ولا مشربا أروى به فأعيج أي أنتفع به أم غير ملازم للنفي لئلا يلتبس المنفي بالمثبت. 8- أن لا يكون اسم فاعله على وزن أفعل فعلاء فلا يبنيان من نحو عرج فهو أعرج من العيوب وشهل فهو أشهل من المحاسن وخضر الزرع فهو أخضر من الألوان ولمي فهو ألمى من الحلي لأن الألوان والعيوب والمحاسن الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل وسائر الأعضاء في عدم التعجب منها. شرط تاسع: وهناك شرط تاسع أغفله الكثير من النحاة مع أنه مهم جدا وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو قال من القائلة فانهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه ونحو سكر وقعد وجلس فانهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم ما أشد سكره وأكثر قعوده وجلوسه وزادّ ابن عصفور قام وغضب ونام، وحكى سيبويه ما أنومه وقالوا أنوم من فهد. كيف يتم التوصل إلى التعجب مما فقد بعض الشروط: ويتوصل إلى التعجب من الزائد على الثلاثي ومما وصفه على أفعل فعلاء بما أشد ونحوه وبنصب مصدرهما بعده وبأشدد ونحوه وبجر مصدرهما بعده فتقول ما أشد انطلاقه أو حمرته وأشدد بانطلاقه وحمرته والمنفي والمبني للمجهول يكون مصدرهما مؤولا لا صريحا نحو ما أكثر أن لا يقوم وما أشد ما ضرب واشدد بهما وأما الناقص فيؤتى بمصدره إن كان له مصدر على نحو ما تقدم نحو ما أشد صيرورته جميلا وأما الجامدة وغير القابل للتفاوت فلا يتعجب منهما البتة. 3- القول في أحد، والفرق بين الأحد والواحد: أحد أكمل من الواحد ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر بخلاف قولك لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين. ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في النفي والإثبات نحو «قل هو الله أحد» أي واحد، وأول «فابعثوا أحدكم بورقكم» وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي تقول ما جاءني من أحد ومنه قوله تعالى: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» وواحد يستعمل فيهما مطلقا وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى «لستنّ كأحد من النساء» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة، وأحد يصلح للأفراد والجمع ولهذا وصف به في قوله «من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد فتلخص من ذلك سبعة فروق. 4- قصة انقطاع الوحي لفترة محدودة: ولا بد هنا من تفصيل قصة انقطاع الوحي فقد ذكر الرواة أن قريشا لجأت إلى وسيلة رهيبة لتكافح بها تأثير القرآن فأوفدت إلى يهود يثرب فدا يسألها عن الوسائل التي تستطيع أن تقاوم بها هذا الذي جاء به محمد فطلب منهم اليهود أن يسألوا النبي عن أمور فلما عادوا إلى مكة ذهبوا اليه وقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم النبي: - أخبركم عما سألتم غدا. وكان رسول الله ينتظر أن ينزل عليه وحي فيه جواب ما سألت عنه قريش ولكن الوحي أبطأ على النبي خمسة عشر يوما وطارت قريش فرحا بعجزه عن الجواب وقالت وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه وقد أحزن النبي انقطاع الوحي عنه حزنا شديدا وزاد في قلقه ما كان يتكلم به أهل مكة وفي ختام هذا اليوم نزل جبريل فابتدره بقوله: - لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا فرد عليه جبريل بالآية الكريمة: «وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا» ثم أخذ جبريل يلقن النبي سورة «الكهف» وفيها- كما سيأتي- رد على ما سألت قريش وتفصيل رائع لكثير من الأمور التي تشغل الأذهان إذ ذاك وقد أخذت عليهم إجابات سورة الكهف السبيل فلم يحيروا ردا ولا جوابا.

الكهف 18:22

اللغة: (أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) : أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين وفي الأساس: «وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره على كذا أطلعه وأعثره على أصحابه: دله عليهم ويقال للمتورط «وقع في عاثور» وفلان يبغي صاحبه العواثين وأصله: حفرة تحفر للأسد وغيره يعثر بها فيطيح فيها» . (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميا بالخبر الخفي وإتيانا به وفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم وهي الحجارة الصغار ورجمته بالقول رمبته بالفحش قال تعالى: «رجما بالغيب» أي ظنا من غير دليل ولا برهان كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم أي المظنون وسيرد في باب البلاغة مزيد من البحث حول هذا التعبير. (تُمارِ) : تجادل وفي القاموس: «مارى مراء ومماراة: جادل ونازع ولاجّ وتماريا تجادلا وامترى في الشيء: شك والمرية بكسر الميم والمرية بضمها: الجدل يقال ما في ذلك مرية أي جدل وشك» . الإعراب: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) الكاف نعت لمصدر محذوف أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين، وأعثرنا فعل وفاعل والمفعول به محذوف كما قدرناه في باب اللغة وعليهم متعلقان بأعثرنا وليعلموا اللام للتعليل ويعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ليعلموا وأن واسمها وحق خبرها وأن الساعة عطف وان واسمها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن والمراد بوعد الله البعث لأن من قدر على إنامتهم هذه النومة الطويلة وبعثهم بعدها قادر على أن يحييهم بعد الموت. (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم قومهم حين يتنازعون ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح وجملة يتنازعون في محل جر باضافة الظرف إليها وبينهم ظرف مكان متعلق بيتنازعون وأمرهم نصب بنزع الخافض أي في أمرهم وقيل تنازعوا تنصب مفعولا إذا كانت بمعنى التجاذب فيكون في الكلام استعارة. (فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) الفاء عاطفة وقالوا فعل وفاعل وجملة ابنوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وعليهم متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به أي قالوا ذلك حين توفى الله أصحاب الكهف وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدث تمليخا حامل الورق حديثهم موتا حقيقيا ورجع من كان يساوره الشك في بعث الأجساد إلى اليقين أي ابنوا عليهم بنيانا ضنا بتربتهم ومحافظة عليها وجملة ابنوا عليهم بنيانا مقول قولهم. (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) الجملة إما تتمة لمقولهم قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه وقيل هو مقول كلام لله سبحانه ردا لقول المتنازعين فيهم أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع فإني أعلم بهم منكم والكلام مبتدأ وخبر وبهم متعلقان بأعلم. (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) قال الذين فعل وفاعل وجملة غلبوا صلة الموصول وعلى أمرهم متعلقان بغلبوا وهم المؤمنون وكانت الكلمة لهم آنذاك ولنتخذن اللام موطئة للقسم ونتخذن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستر تقديره نحن وعليهم حال ومسجدا مفعول به. (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) السين للاستقبال اشارة إلى أن النزاع في أمرهم حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي في المستقبل البعيد بالنسبة لقصتهم ويقولون فعل مضارع وفاعل والضمير يعود إلى الخائضين في قصتهم زمن النبي من أهل الكتاب والمؤمنين. قال أبو حيان: «وجاء بسين الاستقبال لأنه كأنه في الكلام طي وإدماج، والتقدير فإذا أجبتهم عن سؤالهم وقصصت عليهم قصة أهل الكهف فسلهم عن عددهم فإنهم إذا سألتهم سيقولون ولم يأت بالسين فيما بعده لأنه معطوف على المستقبل فدخل في الاستقبال أو لأنه أريد به معنى الاستقبال الذي هو صالح له. وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف أي هم ثلاثة أشخاص وانما قدرنا أشخاصا لأن رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير والمعنى أنه ربعهم أي جعلهم أربعة وصيرهم إلى هذا العدد فلو قدر ثلاثة رجال استحال أن يصير ثلاثة رجال أربعة لاختلاف الجنسين، ورابعهم مبتدأ وكلبهم خبر وجملة ثلاثة مقول القول وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضامه إليهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة في اعرابها ورجما منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي يرجمون رجما والمعنى يرمون رميا بالخبر الخفي المظنون أو على الحال بمعنى راجمين وبالغيب متعلقان برجما. (وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) الواو عاطفة ويقولون فعل وفاعل وسبعة خبر لمبتدأ محذوف والواو فيها أقوال تربو على الحصر وقد شغلت العلماء والأدباء فصنّفوا فيها المطولات وسنأتي على ذكرها وخلاصة ما قيل فيها في باب الفوائد وأولى ما يقره المنطق أن تكون هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالجملة الواقعة حالا بعد المعرفة نحو جاء زيد ومعه رجل آخر وذلك لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف بمعنى أن اتصافه بها أمر مستقر راسخ في الأذهان وهذا ما اختاره الزمخشري وابن هشام وانتظر التفاصيل وجملة ثامنهم كلبهم صفة لسبعة وقد ردّ أبو حيان هذا القول وعبارته: «وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا انه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالا على المغايرة وأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف في هذه الأسماء المفردة وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه: وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل هو على ان وليس باسم ولا فعل صفة لقوله لمعنى وان الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة واما قوله تعالى: «إلا ولها كتاب معلوم» فالجملة حالية» . (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ربي مبتدأ وأعلم خبره والجملة مقول القول وبعدتهم متعلقان بأعلم وجملة ما يعلمهم حالية وما نافية ويعلمهم فعل مضارع ومفعول به وإلا أداة حصر وقليل فاعل يعلمهم والتفضيل بالنسبة للكيفية لأن مراتب اليقين متفاوتة في القوة وليس التفضيل بالنسبة إلى الطائفتين الأولين الذين جنحا إلى الرجم بالغيب والحدس والتخمين دون الحقيقة والاطلاع على الواقع. (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا وحق لك أن تعرفه فلا تجادل، ولا ناهية وتمار مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وإلا أداة حصر ومراء مفعول مطلق وظاهرا صفة. (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) الواو عاطفة ولا ناهية وتستفت مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة أيضا والفاعل مستتر تقديره أنت وفيهم متعلقان بتستفت ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به لأن فيما أوحي إليك مندوحة لك عن السؤال. (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف ولا ناهية وتقولن فعل مضارع مبني للفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ولشيء متعلقان بتقولن أي لأجل شيء تقدم عليه وتهتم به وقيل اللام بمعنى في وقد تقدم ذكر ذلك وكسرت همزة إن لسبقها بالقول وان واسمها مقول القول وفاعل خبر إن وذلك مفعول لفاعل وغدا ظرف متعلق بفاعل وإلا أن يشاء الله استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالمشيئة والتعليق عليها فأن وما بعدها حال والتقدير لا تقولن أفعل غدا إلا قائلا إن شاء الله وقيل التقدير إلا بأن يشاء الله فالمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي إلا متلبسا بقول إن شاء الله وقيل إن الاستثناء منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على الاستثناء. وقد أجاد في إعراب هذه الآية أبو البقاء العكبري ونصه: «في المستثنى منه ثلاثة أوجه أحدها هو من النهي والمعنى لا تقولن افعل غدا إلا أن يؤذن لك في القول والثاني هو من فاعل تقولن أي لا تقولن اني فاعل غدا حتى تقرن به قول إن شاء الله والثالث انه منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على وجهين أحدهما على الاستثناء والتقدير لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن يشاء الله أي يأذن فحذف الوقت وهو مراد والثاني هو حال والتقدير لا تقولن افعل غدا إلا قائلا إن شاء الله فحذف القول وهو كثير وجعل قوله أن يشاء في معنى إن شاء وهو مما حمل على المعنى وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله أي متلبسا بقول إن شاء الله» والخلاصة ان الغرض من هذا النهي عن هذا القول هو عدم اقترانه بقول المشيئة وهذا نهي تأديب حين قالت اليهود لقريش سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، وسيأتي في باب الفوائد ذكر انقطاع الوحي. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) واذكر عطف على ما تقدم وربك مفعول به ولا بد من حذف مضاف أي مشيئة ربك وإذا ظرف متعلق باذكر أي إذا فرط منك نسيان وجملة نسيت في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله أي فاذكر وقل عطف على اذكر وعسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر تقديره هو وأن يهديني أن وما في حيزها هي الخبر وربي فاعل يهديني ولأقرب متعلق بيهديني ومن هذا متعلقان بأقرب ورشدا تمييز أو مفعول مطلق أي يهديني هداية فيكون ملاقيا لعامله بهذا المعنى والأول أقرب أي لشيء أقرب إرشادا للناس ودلالة على ذلك والاشارة في قوله هذا لما تقدم من نبأ أصحاب الكهف وقصتهم العجيبة التي اختتمت الآن. (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ولبثوا عطف على ما تقدم حسما للخلاف وإماطة للشبهة الناجمة عن الاختلاف في أمرهم ومدة لبثهم وفي كهفهم متعلقان بلبثوا وثلاث ظرف ومائة مضاف اليه وسنين عطف بيان لثلاثمائة أو بدل ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة مجرور وجره بالاضافة والتنوين مانع منها وسيأتي بحث العدد مفصلا في باب الفوائد وازدادوا فعل وفاعل وتسعا مفعول به أي تسع سنين. (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) الله مبتدأ وأعلم خبر والجملة مقول القول وبما متعلقان بأعلم وجملة لبثوا صلة الموصول أي بالزمن الذي لبثوه. (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) له خبر مقدم وغيب السموات والأرض مبتدأ مؤخر وأبصر صيغة تعجب وهو فعل ماض أتى على صيغة الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ وسيأتي البحث في صيغتي التعجب في باب البلاغة واسمع عطف على ابصر. (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ما نافية ولهم خبر مقدم ومن دونه حال ومن حرف جر زائد وولي مبتدأ مؤخر محلا ولا الواو عاطفة ولا نافية ويشرك فعل مضارع وفاعل مستتر وفي حكمه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول به. البلاغة: الكلام يطول جدا على هذه الآيات وما اشتملت عليه من فنون بلاغية وسنجنح إلى الاختصار ما أمكن فنقول: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «يتنازعون بينهم أمرهم» استعارة مكنية فقد شبه أمرهم بشيء كثر النزاع حوله ثم حذف ذلك الشيء واستعير النزاع القائم حوله. وفي قوله تعالى «رجما بالغيب» استعارة مكنية أيضا فقد شبه الغيب والخفاء بشيء يرمى بالحجارة واستعير الرجم له. 2- واو الثمانية والخلاف المشتجر حولها: وعدناك بأن نأتي بالأقوال حول الواو الداخلة على ثامنهم في قوله تعالى «ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم» وقد قدمنا في الاعراب ما اخترناه من هذه الأقوال فقال عدد من كبار الأدباء انها واو الثمانية قال ابن هشام: «واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وان ما بعده عدد مستأنف واستدلوا على ذلك بآيات احداها «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم» إلى قوله سبحانه «وثامنهم كلبهم» وقيل هي في ذلك لعطف جملة على جملة إذ التقدير هم سبعة ثم قيل الجميع كلامهم وقيل العطف من كلام الله تعالى والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم وان هذا تصديق لهذه المقالة كما ان رجما بالغيب تكذيب لتلك المقالة» وبعد كلام طويل قال: «وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وانما فيها ذكر الأبواب وهي جمع لا يدل على عدد خاص ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها» . وقال آخرون في الرد على من زعم وجود واو الثمانية: وهو أن في اللغة واوا تصحب الثمانية وتختص بها فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي إلى الثامن فتصحبه الواو وربما عدوا من ذلك «والناهون عن المنكر» وهو الثامن من قوله تعالى «التائبون» وهذا مردود أيضا بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون بالمعروف لما بينهما من التناسب والربط ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما كقوله: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكقوله: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وربما عد بعضهم من ذلك الواو في ثيبات وأبكارا لأنه وجدها مع الثامن وهذا غلط فاحش فإن هذه واو التقسيم ولو ذهبت تحذفها فتقول ثيبات أبكارا لم يستدل الكلام فقد وضح أن المراد في جميع هذه المواضع المعدودة ورادة لغير ما زعمه هؤلاء. قلت: لو سقطت الواو من أبكار لاختل المعنى لأنهن لا يكنّ ثيبات أبكارا في وقت معا فاضطر إلى الواو لتدل على المغايرة. هذا وقد كان القاضي الفاضل صاحب الطريقة المصنوعة في الإنشاء يعتقد زيادة الواو في هذه الآية ويتبجح باستخراجها ويقول هي واو الثمانية إلى أن ذكر ذلك بحضرة الشيخ أبو الجود المقري فبين له أنه وأهم وان الضرورة تدعو إلى دخولها وإلا فسد المعنى بخلاف واو الثمانية فانه يؤتى بها لا لحاجة فقال أرشدتنا يا أبا الجود. هذا وممن أيد وجود واو الثمانية الإمام فخر الدين الرازي وقال العلامة الكافيجي قولا طريفا منصفا في هذا الصدد نورده بنصّه: «هي في التحقيق واو العطف لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص وتضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها فسميت واو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد فان الثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه وهذا هو المقتضي للعطف وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة. وأقول: ان توجيه تمام السبعة هو أن العدد إما فرد وإما مركب من فردين وهو الزوج أو من زوج وفرد أو من زوجين والثلاثة الأول من الثلاثة فان في ضمنها الواحد والاثنين والآخر من الأربعة. ومجموع الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الأصول وما يأتي تكرار فالثمانية زوج وزوج قد مضى والتسعة زوج وفرد وهكذا. هذا وسيأتي المزيد من هذا البحث عند الكلام على «وفتحت أبوابها» وعلى «ثيبات وأبكارا» فقد طال البحث جدا. الفوائد: 1- أحكام العدد وتمييزه: مميز العدد على ضربين منصوب ومجرور فالمجرور على ضربين مفرد ومجموع فالمفرد مميز المائة والألف والمجموع مميز الثلاثة إلى العشرة والمنصوب مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولا يكون إلا مفردا ومما شذ عن ذلك قولهم ثلاثمائة إلى تسعمائة اجتزءوا بلفظ الواحد عن الجمع وقد رجع إلى القياس من قال: ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الاهاتم فجاء بتمييز الثلاث جمعا من لفظ المائة على ما يقتضيه القياس وإن كان شاذا في الاستعمال ويجوز في التمييز حينئذ وجهان أحدهما الاتباع على البدل نحو ثلاثة أثواب والنصب على التمييز نحو ثلاثة أثوابا وقوله تعالى ثلاثمائة سنين نصب على البدل أو عطف البيان لثلاثمائة. هذا رأي أبي اسحق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد وكل واحد سنون وهو جمع والجمع أقل ما يكون ثلاثة فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجاز الفراء أن يكون سنين تمييزا على حد قوله: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأعصم قال وذلك انه جاء في التمييز سودا وهو جمع لأن الصفة والموصوف شيء واحد والمذهب الأول لأن الثواني يجوز فيها مالا يجوز في الأوائل ألا ترى أنك تقول يا زيد الطويل ولو قلت يا الطويل لم يجز. هذا والبيت لعنترة من معلقته التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم وقبل البيت المستشهد به: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم وراعني أفزعني والحمولة: الإبل التي يحمل عليها ووسط ظرفه وإذا لم يكن ظرفا حركت السين فقلت وسط الدار واسع، وتسف: تأكل يقال: سففت الدواء أسفه، والحلوبة المحلوبة تستعمل في الواحد والجمع على لفظ واحد، والخوافي أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم الأسود، واثنتان مرفوع بالابتداء وأربعون معطوف عليه وقوله سودا نعت لحلوبة لأنها في معنى الجمع والمعنى من الحلائب والكاف في قوله كخافية في موضع نصب والمعنى سودا مثل خافية الغراب الأسحم ومما ذكرناه في تفسير الحلوبة وصلاحيتها للاطلاق على الواحد والجمع تعلم ما في قولهم ان الشاهد في هذا البيت جواز وصف المميز المفرد بالجمع وادعائهم ان حلوبة مفرد مميز للعدد وانه وصف بالجمع وهو سود الذي هو جمع سوداء وزعم الأعلم ان قوله سودا ليس بوصف وانما هو حال من قوله اثنتان وأربعون قال: «وهو حال من نكرة ويجوز رفعه على النعت ولا يكون نعتا لحلوبة لأنها مفردة إذا كانت تمييزا للعدد وسودا جمع ولا ينعت الواحد بالجمع» وليس بشيء لأنهم غفلوا عن السر وهو إطلاق حلوبة على الواحد والجمع. هذا ونلخص فيما يلي أحكام العدد عامة: ألفاظ العدد من ثلاثة إلى تسعة تكون على عكس المعدود في التذكير والتأنيث سواء كانت مفردة كقوله تعالى «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما» أو مركبة كخمسة عشر قلما وست عشرة ورقة أو معطوفا كثلاثة وعشرين يوما وأربع عشرين ساعة، وأما واحد واثنان منهما على وفق المعدود في الأحوال الثلاثة، وأما مائة وألف فلا يتغير لفظهما في التذكير والتأنيث، وكذلك ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلا عشرة فهي على عكس معدودها إذا كانت مفردة، وعلى وفقه إذا كانت مركبة. هذا ويصاغ من اسم العدد وصف على وزن فاعل مطابق لموصوفه، أما تعريف العدد، فالمضاف تدخل ال على المضاف إليه، والمركب تدخل ال على جزئه الأول، والمعطوف تدخل ال على الجزأين. واما اعراب الاعداد فعلى ثلاثة أشكال: 1- بالحركات من واحد إلى عشرة على أن تكون هذه مفردة غير مركبة ويستثنى منها العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث فانهما لفظان ملحقان بالمثنى. وكذلك العددان مائة وألف. 2- بالحروف وهو العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث والعقود. 3- بالبناء على الفتح وهي الأعداد المركبة أي من أحد عشر إلى تسعة عشر ومن الحادي عشر إلى التاسع عشر ما عدا الجزء الاول من اثني عشر لأنه يلحق بالمثنى كما تقدم. اسم الفاعل المشتق من العدد: يستعمل اسم الفاعل المشتق من العدد على معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به واحدا من جماعة. وثانيهما: أن يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين. فالأول نحو ثاني اثنين وثالث ثلاثة قال الله تعالى: «لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة» وقال عز وجل: «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين» فما كان من هذا الضرب فإضافة محضة لأن معناه أحد ثلاثة وبعض ثلاثة فكما أن إضافة هذا صحيحة فكذلك ما هو في معناه ولا يجوز فيه أن ينون وينصب في قول أكثر النحويين لأنه ليس مأخوذا من فعل عامل وأما الثاني وهو ما يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة فهذا غير الوجه الأول إنما معناه هو الذي جعل الاثنين ثلاثة بنفسه فمعناه الفعل كأنه قال الذي ثلثهم وربعهم وخمسهم وعلى هذا قوله تعالى: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم» ومثله: «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم.... رجما بالغيب» ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وعلى هذا الوجه يجوز أن ينون وينصب ما بعده فتقول: هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة لأنه مأخوذ ثلثهم وربعهم فهو بمنزلة هذا ضارب زيدا والأول أكثر قال سيبويه: قلما تريد العرب هذا يعني خامس أربعة فإن أضفته فهو بمنزلة ضارب زيد فتكون الاضافة غير محضة هذا إذا أريد به الحال أو الاستقبال فان أريد به الماضي لم يجز فيه إلا حذف التنوين والإضافة كما كان كذلك في قولك هذا ضارب زيد أمس. 2- التعجب وصيغة في العربية: التعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب ولا يطلق على الله انه متعجب إذ لا شيء يخفى عليه وما وقع مما ظاهره ذلك في القرآن فمحمول على انه مصروف إلى المخاطب نحو قوله تعالى فما أصبرهم على النار أي أن حالهم في ذلك اليوم ينبغي لك أيها المخاطب أن تتعجب وقيل التعجب هو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية فيه، وقوله تعالى هنا «أبصر به وأسمع» ذهب العلماء فيه ثلاثة مذاهب: 1- انه بلفظ الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ فإن قلت كيف تكون الهاء فاعلا وهي ضمير نصب أو جر قلت إنما هو اصطلاح وساغ ذلك لوجود الباء لفظا قبلها ولأن الباء إنما زيدت ليصير على صورة المفعول. 2- ان الفاعل ضمير المصدر. 3- ان الفاعل ضمير المخاطب واحتج القائلون بذلك على انه لا يعهد استعمال الأمر في الماضي وانما التزم إفراده وتذكيره فلم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه كلام جرى مجرى المثل وهذه إحدى صيغ التعجب القياسية. والثانية ما أفعله وهاتان الصيغتان هما المبوب لهما في كتب النحو وهما القياسيتان ومعنى ما كما قال سيبويه انها نكرة تامة بمعنى شيء وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب وما بعدها من الجملة الفعلية في موضع رفع خبرها وهذا هو المذهب الصحيح لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي وسبب الاختصاص بها خفي فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلو بافهام. وهنالك صيغ أخرى للتعجب واردة في الكتاب والحديث ولسان العرب فمن الكتاب «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم» ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة «سبحان الله ان المؤمن لا ينجس» ومن كلام العرب «لله دره فارسا» ولكن النحاة لم يبوبوا لهذه الصيغ لأنها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة. مسائل هامة: 1- لا يتعجب الا من معرفة أو نكرة مختصة فلا يقال ما أسعد رجلا لأنه لا فائدة من ذلك. 2- يجوز حذف المتعجب منه إذا كان ضميرا كقول علي بن أبي طالب كما قيل: جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما أي ما أعفها وأكرمها وإنما قلنا كما قيل لأن هذا البيت لم يثبت لعلي وفي القاموس في مادة «ودق» نقلا عن المازني وصوبه الزمخشري انه لم يصح انه تكلم بشيء من الشعر غير بيتين وهما قوله: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك لا برّوا ولا ظفروا وإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر وفي باب أفعل به إن كان معطوفا على آخر مذكور معه كما في الآية: «أبصر به وأسمع» وانما حذف مع كونه فاعلا لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة وشذ حذفه دون أن يعطف على مثله كقول عروة ابن الورد: فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله. هذا ولا يبنى هذان الفعلان إلا مما اجتمعت فيه ثمانية شروط: 1- أن يكون فعلا وشذ قولهم ما أذرع المرأة بنوه من قولهم امرأة ذراع والذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل وروى ابن القطاع في الأفعال ذرعت المرأة خفت يدها في العمل فهي ذراع وعلى هذا لا شذوذ في قولهم ما أذرع المرأة ومن ذلك قولهم ما أجدره بكذا وما أقمنه بكذا فالأول بنوه من قولهم هو قمين بكذا والثاني من قولهم هو جدير بكذا والمعنى فيهما ما أحقه بكذا ولا فعل لهما ولكن قال في القاموس «وقد جدر ككرم جدارة وإنه لمجدرة أن يفعل ومجدور أي مخلقة وجدره جعله جديرا» وطاح كلام النحاة من أساسه. 2- أن يكون الفعل ثلاثيا فلا يبنيان من رباعي مجرد ولا مزيد فيه ولا ثلاثي مزيد بحرف أو حرفين أو ثلاثة إلا وزن أفعل فقيل يجوز بناؤهما منه سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا نحو ما أظلم الليل وما أفقر هذا المكان وقيل هو شاذ يحفظ ما سمع منه كما تقدم ولا يقاس عليه وقالوا: ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وما أتقاه الله وشذا كذلك ما أخصره لأنه من اختصر. 3- أن يكون الفعل متصرفا لأن التصرف فيما لا يتصرف نقض لوضعه وشذ ما أعساه وأعسى به. 4- أن يكون معناه قابلا للتفاضل أو التفاوت فلا يبنيان من نحو فني ومات وغرق لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه. 5- أن يكون مبنيا للمعلوم فلا يبنيان من المبني للمجهول وبعضهم استثنى ما كان ملازما للبناء على المجهول نحو عنيت بحاجتك وزهي علينا فيجيز التعجب لعدم اللبس فتقول ما أعناه بحاجتك وما أزهاه علينا. 6- أن يكون تاما فلا يبنيان من نحو كان وكاد وصار لأنهن نواقص وحكى ابن السراج والزجاج: ما أكون زيدا قائما. 7- أن يكون مثبتا فلا يبنيان من منفي سواء كان ملازما للنفي نحو ما عاج بالدواء أي ما انتفع به ومضارعه يعيج ملازم للنفي أيضا كذا قال النحاة وطاح كلامهم بوروده غير منفي، روى أبو علي القالي في نوادره: أنشدنا ثعلب عن ابن الاعرابي: ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ... ولا مشربا أروى به فأعيج أي أنتفع به أم غير ملازم للنفي لئلا يلتبس المنفي بالمثبت. 8- أن لا يكون اسم فاعله على وزن أفعل فعلاء فلا يبنيان من نحو عرج فهو أعرج من العيوب وشهل فهو أشهل من المحاسن وخضر الزرع فهو أخضر من الألوان ولمي فهو ألمى من الحلي لأن الألوان والعيوب والمحاسن الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل وسائر الأعضاء في عدم التعجب منها. شرط تاسع: وهناك شرط تاسع أغفله الكثير من النحاة مع أنه مهم جدا وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو قال من القائلة فانهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه ونحو سكر وقعد وجلس فانهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم ما أشد سكره وأكثر قعوده وجلوسه وزادّ ابن عصفور قام وغضب ونام، وحكى سيبويه ما أنومه وقالوا أنوم من فهد. كيف يتم التوصل إلى التعجب مما فقد بعض الشروط: ويتوصل إلى التعجب من الزائد على الثلاثي ومما وصفه على أفعل فعلاء بما أشد ونحوه وبنصب مصدرهما بعده وبأشدد ونحوه وبجر مصدرهما بعده فتقول ما أشد انطلاقه أو حمرته وأشدد بانطلاقه وحمرته والمنفي والمبني للمجهول يكون مصدرهما مؤولا لا صريحا نحو ما أكثر أن لا يقوم وما أشد ما ضرب واشدد بهما وأما الناقص فيؤتى بمصدره إن كان له مصدر على نحو ما تقدم نحو ما أشد صيرورته جميلا وأما الجامدة وغير القابل للتفاوت فلا يتعجب منهما البتة. 3- القول في أحد، والفرق بين الأحد والواحد: أحد أكمل من الواحد ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر بخلاف قولك لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين. ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في النفي والإثبات نحو «قل هو الله أحد» أي واحد، وأول «فابعثوا أحدكم بورقكم» وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي تقول ما جاءني من أحد ومنه قوله تعالى: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» وواحد يستعمل فيهما مطلقا وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى «لستنّ كأحد من النساء» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة، وأحد يصلح للأفراد والجمع ولهذا وصف به في قوله «من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد فتلخص من ذلك سبعة فروق. 4- قصة انقطاع الوحي لفترة محدودة: ولا بد هنا من تفصيل قصة انقطاع الوحي فقد ذكر الرواة أن قريشا لجأت إلى وسيلة رهيبة لتكافح بها تأثير القرآن فأوفدت إلى يهود يثرب فدا يسألها عن الوسائل التي تستطيع أن تقاوم بها هذا الذي جاء به محمد فطلب منهم اليهود أن يسألوا النبي عن أمور فلما عادوا إلى مكة ذهبوا اليه وقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم النبي: - أخبركم عما سألتم غدا. وكان رسول الله ينتظر أن ينزل عليه وحي فيه جواب ما سألت عنه قريش ولكن الوحي أبطأ على النبي خمسة عشر يوما وطارت قريش فرحا بعجزه عن الجواب وقالت وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه وقد أحزن النبي انقطاع الوحي عنه حزنا شديدا وزاد في قلقه ما كان يتكلم به أهل مكة وفي ختام هذا اليوم نزل جبريل فابتدره بقوله: - لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا فرد عليه جبريل بالآية الكريمة: «وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا» ثم أخذ جبريل يلقن النبي سورة «الكهف» وفيها- كما سيأتي- رد على ما سألت قريش وتفصيل رائع لكثير من الأمور التي تشغل الأذهان إذ ذاك وقد أخذت عليهم إجابات سورة الكهف السبيل فلم يحيروا ردا ولا جوابا.

الكهف 18:23

اللغة: (أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) : أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين وفي الأساس: «وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره على كذا أطلعه وأعثره على أصحابه: دله عليهم ويقال للمتورط «وقع في عاثور» وفلان يبغي صاحبه العواثين وأصله: حفرة تحفر للأسد وغيره يعثر بها فيطيح فيها» . (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميا بالخبر الخفي وإتيانا به وفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم وهي الحجارة الصغار ورجمته بالقول رمبته بالفحش قال تعالى: «رجما بالغيب» أي ظنا من غير دليل ولا برهان كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم أي المظنون وسيرد في باب البلاغة مزيد من البحث حول هذا التعبير. (تُمارِ) : تجادل وفي القاموس: «مارى مراء ومماراة: جادل ونازع ولاجّ وتماريا تجادلا وامترى في الشيء: شك والمرية بكسر الميم والمرية بضمها: الجدل يقال ما في ذلك مرية أي جدل وشك» . الإعراب: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) الكاف نعت لمصدر محذوف أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين، وأعثرنا فعل وفاعل والمفعول به محذوف كما قدرناه في باب اللغة وعليهم متعلقان بأعثرنا وليعلموا اللام للتعليل ويعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ليعلموا وأن واسمها وحق خبرها وأن الساعة عطف وان واسمها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن والمراد بوعد الله البعث لأن من قدر على إنامتهم هذه النومة الطويلة وبعثهم بعدها قادر على أن يحييهم بعد الموت. (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم قومهم حين يتنازعون ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح وجملة يتنازعون في محل جر باضافة الظرف إليها وبينهم ظرف مكان متعلق بيتنازعون وأمرهم نصب بنزع الخافض أي في أمرهم وقيل تنازعوا تنصب مفعولا إذا كانت بمعنى التجاذب فيكون في الكلام استعارة. (فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) الفاء عاطفة وقالوا فعل وفاعل وجملة ابنوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وعليهم متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به أي قالوا ذلك حين توفى الله أصحاب الكهف وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدث تمليخا حامل الورق حديثهم موتا حقيقيا ورجع من كان يساوره الشك في بعث الأجساد إلى اليقين أي ابنوا عليهم بنيانا ضنا بتربتهم ومحافظة عليها وجملة ابنوا عليهم بنيانا مقول قولهم. (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) الجملة إما تتمة لمقولهم قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه وقيل هو مقول كلام لله سبحانه ردا لقول المتنازعين فيهم أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع فإني أعلم بهم منكم والكلام مبتدأ وخبر وبهم متعلقان بأعلم. (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) قال الذين فعل وفاعل وجملة غلبوا صلة الموصول وعلى أمرهم متعلقان بغلبوا وهم المؤمنون وكانت الكلمة لهم آنذاك ولنتخذن اللام موطئة للقسم ونتخذن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستر تقديره نحن وعليهم حال ومسجدا مفعول به. (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) السين للاستقبال اشارة إلى أن النزاع في أمرهم حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي في المستقبل البعيد بالنسبة لقصتهم ويقولون فعل مضارع وفاعل والضمير يعود إلى الخائضين في قصتهم زمن النبي من أهل الكتاب والمؤمنين. قال أبو حيان: «وجاء بسين الاستقبال لأنه كأنه في الكلام طي وإدماج، والتقدير فإذا أجبتهم عن سؤالهم وقصصت عليهم قصة أهل الكهف فسلهم عن عددهم فإنهم إذا سألتهم سيقولون ولم يأت بالسين فيما بعده لأنه معطوف على المستقبل فدخل في الاستقبال أو لأنه أريد به معنى الاستقبال الذي هو صالح له. وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف أي هم ثلاثة أشخاص وانما قدرنا أشخاصا لأن رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير والمعنى أنه ربعهم أي جعلهم أربعة وصيرهم إلى هذا العدد فلو قدر ثلاثة رجال استحال أن يصير ثلاثة رجال أربعة لاختلاف الجنسين، ورابعهم مبتدأ وكلبهم خبر وجملة ثلاثة مقول القول وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضامه إليهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة في اعرابها ورجما منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي يرجمون رجما والمعنى يرمون رميا بالخبر الخفي المظنون أو على الحال بمعنى راجمين وبالغيب متعلقان برجما. (وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) الواو عاطفة ويقولون فعل وفاعل وسبعة خبر لمبتدأ محذوف والواو فيها أقوال تربو على الحصر وقد شغلت العلماء والأدباء فصنّفوا فيها المطولات وسنأتي على ذكرها وخلاصة ما قيل فيها في باب الفوائد وأولى ما يقره المنطق أن تكون هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالجملة الواقعة حالا بعد المعرفة نحو جاء زيد ومعه رجل آخر وذلك لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف بمعنى أن اتصافه بها أمر مستقر راسخ في الأذهان وهذا ما اختاره الزمخشري وابن هشام وانتظر التفاصيل وجملة ثامنهم كلبهم صفة لسبعة وقد ردّ أبو حيان هذا القول وعبارته: «وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا انه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالا على المغايرة وأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف في هذه الأسماء المفردة وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه: وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل هو على ان وليس باسم ولا فعل صفة لقوله لمعنى وان الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة واما قوله تعالى: «إلا ولها كتاب معلوم» فالجملة حالية» . (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ربي مبتدأ وأعلم خبره والجملة مقول القول وبعدتهم متعلقان بأعلم وجملة ما يعلمهم حالية وما نافية ويعلمهم فعل مضارع ومفعول به وإلا أداة حصر وقليل فاعل يعلمهم والتفضيل بالنسبة للكيفية لأن مراتب اليقين متفاوتة في القوة وليس التفضيل بالنسبة إلى الطائفتين الأولين الذين جنحا إلى الرجم بالغيب والحدس والتخمين دون الحقيقة والاطلاع على الواقع. (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا وحق لك أن تعرفه فلا تجادل، ولا ناهية وتمار مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وإلا أداة حصر ومراء مفعول مطلق وظاهرا صفة. (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) الواو عاطفة ولا ناهية وتستفت مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة أيضا والفاعل مستتر تقديره أنت وفيهم متعلقان بتستفت ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به لأن فيما أوحي إليك مندوحة لك عن السؤال. (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف ولا ناهية وتقولن فعل مضارع مبني للفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ولشيء متعلقان بتقولن أي لأجل شيء تقدم عليه وتهتم به وقيل اللام بمعنى في وقد تقدم ذكر ذلك وكسرت همزة إن لسبقها بالقول وان واسمها مقول القول وفاعل خبر إن وذلك مفعول لفاعل وغدا ظرف متعلق بفاعل وإلا أن يشاء الله استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالمشيئة والتعليق عليها فأن وما بعدها حال والتقدير لا تقولن أفعل غدا إلا قائلا إن شاء الله وقيل التقدير إلا بأن يشاء الله فالمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي إلا متلبسا بقول إن شاء الله وقيل إن الاستثناء منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على الاستثناء. وقد أجاد في إعراب هذه الآية أبو البقاء العكبري ونصه: «في المستثنى منه ثلاثة أوجه أحدها هو من النهي والمعنى لا تقولن افعل غدا إلا أن يؤذن لك في القول والثاني هو من فاعل تقولن أي لا تقولن اني فاعل غدا حتى تقرن به قول إن شاء الله والثالث انه منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على وجهين أحدهما على الاستثناء والتقدير لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن يشاء الله أي يأذن فحذف الوقت وهو مراد والثاني هو حال والتقدير لا تقولن افعل غدا إلا قائلا إن شاء الله فحذف القول وهو كثير وجعل قوله أن يشاء في معنى إن شاء وهو مما حمل على المعنى وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله أي متلبسا بقول إن شاء الله» والخلاصة ان الغرض من هذا النهي عن هذا القول هو عدم اقترانه بقول المشيئة وهذا نهي تأديب حين قالت اليهود لقريش سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، وسيأتي في باب الفوائد ذكر انقطاع الوحي. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) واذكر عطف على ما تقدم وربك مفعول به ولا بد من حذف مضاف أي مشيئة ربك وإذا ظرف متعلق باذكر أي إذا فرط منك نسيان وجملة نسيت في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله أي فاذكر وقل عطف على اذكر وعسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر تقديره هو وأن يهديني أن وما في حيزها هي الخبر وربي فاعل يهديني ولأقرب متعلق بيهديني ومن هذا متعلقان بأقرب ورشدا تمييز أو مفعول مطلق أي يهديني هداية فيكون ملاقيا لعامله بهذا المعنى والأول أقرب أي لشيء أقرب إرشادا للناس ودلالة على ذلك والاشارة في قوله هذا لما تقدم من نبأ أصحاب الكهف وقصتهم العجيبة التي اختتمت الآن. (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ولبثوا عطف على ما تقدم حسما للخلاف وإماطة للشبهة الناجمة عن الاختلاف في أمرهم ومدة لبثهم وفي كهفهم متعلقان بلبثوا وثلاث ظرف ومائة مضاف اليه وسنين عطف بيان لثلاثمائة أو بدل ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة مجرور وجره بالاضافة والتنوين مانع منها وسيأتي بحث العدد مفصلا في باب الفوائد وازدادوا فعل وفاعل وتسعا مفعول به أي تسع سنين. (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) الله مبتدأ وأعلم خبر والجملة مقول القول وبما متعلقان بأعلم وجملة لبثوا صلة الموصول أي بالزمن الذي لبثوه. (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) له خبر مقدم وغيب السموات والأرض مبتدأ مؤخر وأبصر صيغة تعجب وهو فعل ماض أتى على صيغة الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ وسيأتي البحث في صيغتي التعجب في باب البلاغة واسمع عطف على ابصر. (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ما نافية ولهم خبر مقدم ومن دونه حال ومن حرف جر زائد وولي مبتدأ مؤخر محلا ولا الواو عاطفة ولا نافية ويشرك فعل مضارع وفاعل مستتر وفي حكمه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول به. البلاغة: الكلام يطول جدا على هذه الآيات وما اشتملت عليه من فنون بلاغية وسنجنح إلى الاختصار ما أمكن فنقول: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «يتنازعون بينهم أمرهم» استعارة مكنية فقد شبه أمرهم بشيء كثر النزاع حوله ثم حذف ذلك الشيء واستعير النزاع القائم حوله. وفي قوله تعالى «رجما بالغيب» استعارة مكنية أيضا فقد شبه الغيب والخفاء بشيء يرمى بالحجارة واستعير الرجم له. 2- واو الثمانية والخلاف المشتجر حولها: وعدناك بأن نأتي بالأقوال حول الواو الداخلة على ثامنهم في قوله تعالى «ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم» وقد قدمنا في الاعراب ما اخترناه من هذه الأقوال فقال عدد من كبار الأدباء انها واو الثمانية قال ابن هشام: «واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وان ما بعده عدد مستأنف واستدلوا على ذلك بآيات احداها «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم» إلى قوله سبحانه «وثامنهم كلبهم» وقيل هي في ذلك لعطف جملة على جملة إذ التقدير هم سبعة ثم قيل الجميع كلامهم وقيل العطف من كلام الله تعالى والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم وان هذا تصديق لهذه المقالة كما ان رجما بالغيب تكذيب لتلك المقالة» وبعد كلام طويل قال: «وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وانما فيها ذكر الأبواب وهي جمع لا يدل على عدد خاص ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها» . وقال آخرون في الرد على من زعم وجود واو الثمانية: وهو أن في اللغة واوا تصحب الثمانية وتختص بها فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي إلى الثامن فتصحبه الواو وربما عدوا من ذلك «والناهون عن المنكر» وهو الثامن من قوله تعالى «التائبون» وهذا مردود أيضا بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون بالمعروف لما بينهما من التناسب والربط ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما كقوله: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكقوله: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وربما عد بعضهم من ذلك الواو في ثيبات وأبكارا لأنه وجدها مع الثامن وهذا غلط فاحش فإن هذه واو التقسيم ولو ذهبت تحذفها فتقول ثيبات أبكارا لم يستدل الكلام فقد وضح أن المراد في جميع هذه المواضع المعدودة ورادة لغير ما زعمه هؤلاء. قلت: لو سقطت الواو من أبكار لاختل المعنى لأنهن لا يكنّ ثيبات أبكارا في وقت معا فاضطر إلى الواو لتدل على المغايرة. هذا وقد كان القاضي الفاضل صاحب الطريقة المصنوعة في الإنشاء يعتقد زيادة الواو في هذه الآية ويتبجح باستخراجها ويقول هي واو الثمانية إلى أن ذكر ذلك بحضرة الشيخ أبو الجود المقري فبين له أنه وأهم وان الضرورة تدعو إلى دخولها وإلا فسد المعنى بخلاف واو الثمانية فانه يؤتى بها لا لحاجة فقال أرشدتنا يا أبا الجود. هذا وممن أيد وجود واو الثمانية الإمام فخر الدين الرازي وقال العلامة الكافيجي قولا طريفا منصفا في هذا الصدد نورده بنصّه: «هي في التحقيق واو العطف لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص وتضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها فسميت واو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد فان الثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه وهذا هو المقتضي للعطف وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة. وأقول: ان توجيه تمام السبعة هو أن العدد إما فرد وإما مركب من فردين وهو الزوج أو من زوج وفرد أو من زوجين والثلاثة الأول من الثلاثة فان في ضمنها الواحد والاثنين والآخر من الأربعة. ومجموع الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الأصول وما يأتي تكرار فالثمانية زوج وزوج قد مضى والتسعة زوج وفرد وهكذا. هذا وسيأتي المزيد من هذا البحث عند الكلام على «وفتحت أبوابها» وعلى «ثيبات وأبكارا» فقد طال البحث جدا. الفوائد: 1- أحكام العدد وتمييزه: مميز العدد على ضربين منصوب ومجرور فالمجرور على ضربين مفرد ومجموع فالمفرد مميز المائة والألف والمجموع مميز الثلاثة إلى العشرة والمنصوب مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولا يكون إلا مفردا ومما شذ عن ذلك قولهم ثلاثمائة إلى تسعمائة اجتزءوا بلفظ الواحد عن الجمع وقد رجع إلى القياس من قال: ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الاهاتم فجاء بتمييز الثلاث جمعا من لفظ المائة على ما يقتضيه القياس وإن كان شاذا في الاستعمال ويجوز في التمييز حينئذ وجهان أحدهما الاتباع على البدل نحو ثلاثة أثواب والنصب على التمييز نحو ثلاثة أثوابا وقوله تعالى ثلاثمائة سنين نصب على البدل أو عطف البيان لثلاثمائة. هذا رأي أبي اسحق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد وكل واحد سنون وهو جمع والجمع أقل ما يكون ثلاثة فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجاز الفراء أن يكون سنين تمييزا على حد قوله: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأعصم قال وذلك انه جاء في التمييز سودا وهو جمع لأن الصفة والموصوف شيء واحد والمذهب الأول لأن الثواني يجوز فيها مالا يجوز في الأوائل ألا ترى أنك تقول يا زيد الطويل ولو قلت يا الطويل لم يجز. هذا والبيت لعنترة من معلقته التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم وقبل البيت المستشهد به: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم وراعني أفزعني والحمولة: الإبل التي يحمل عليها ووسط ظرفه وإذا لم يكن ظرفا حركت السين فقلت وسط الدار واسع، وتسف: تأكل يقال: سففت الدواء أسفه، والحلوبة المحلوبة تستعمل في الواحد والجمع على لفظ واحد، والخوافي أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم الأسود، واثنتان مرفوع بالابتداء وأربعون معطوف عليه وقوله سودا نعت لحلوبة لأنها في معنى الجمع والمعنى من الحلائب والكاف في قوله كخافية في موضع نصب والمعنى سودا مثل خافية الغراب الأسحم ومما ذكرناه في تفسير الحلوبة وصلاحيتها للاطلاق على الواحد والجمع تعلم ما في قولهم ان الشاهد في هذا البيت جواز وصف المميز المفرد بالجمع وادعائهم ان حلوبة مفرد مميز للعدد وانه وصف بالجمع وهو سود الذي هو جمع سوداء وزعم الأعلم ان قوله سودا ليس بوصف وانما هو حال من قوله اثنتان وأربعون قال: «وهو حال من نكرة ويجوز رفعه على النعت ولا يكون نعتا لحلوبة لأنها مفردة إذا كانت تمييزا للعدد وسودا جمع ولا ينعت الواحد بالجمع» وليس بشيء لأنهم غفلوا عن السر وهو إطلاق حلوبة على الواحد والجمع. هذا ونلخص فيما يلي أحكام العدد عامة: ألفاظ العدد من ثلاثة إلى تسعة تكون على عكس المعدود في التذكير والتأنيث سواء كانت مفردة كقوله تعالى «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما» أو مركبة كخمسة عشر قلما وست عشرة ورقة أو معطوفا كثلاثة وعشرين يوما وأربع عشرين ساعة، وأما واحد واثنان منهما على وفق المعدود في الأحوال الثلاثة، وأما مائة وألف فلا يتغير لفظهما في التذكير والتأنيث، وكذلك ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلا عشرة فهي على عكس معدودها إذا كانت مفردة، وعلى وفقه إذا كانت مركبة. هذا ويصاغ من اسم العدد وصف على وزن فاعل مطابق لموصوفه، أما تعريف العدد، فالمضاف تدخل ال على المضاف إليه، والمركب تدخل ال على جزئه الأول، والمعطوف تدخل ال على الجزأين. واما اعراب الاعداد فعلى ثلاثة أشكال: 1- بالحركات من واحد إلى عشرة على أن تكون هذه مفردة غير مركبة ويستثنى منها العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث فانهما لفظان ملحقان بالمثنى. وكذلك العددان مائة وألف. 2- بالحروف وهو العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث والعقود. 3- بالبناء على الفتح وهي الأعداد المركبة أي من أحد عشر إلى تسعة عشر ومن الحادي عشر إلى التاسع عشر ما عدا الجزء الاول من اثني عشر لأنه يلحق بالمثنى كما تقدم. اسم الفاعل المشتق من العدد: يستعمل اسم الفاعل المشتق من العدد على معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به واحدا من جماعة. وثانيهما: أن يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين. فالأول نحو ثاني اثنين وثالث ثلاثة قال الله تعالى: «لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة» وقال عز وجل: «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين» فما كان من هذا الضرب فإضافة محضة لأن معناه أحد ثلاثة وبعض ثلاثة فكما أن إضافة هذا صحيحة فكذلك ما هو في معناه ولا يجوز فيه أن ينون وينصب في قول أكثر النحويين لأنه ليس مأخوذا من فعل عامل وأما الثاني وهو ما يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة فهذا غير الوجه الأول إنما معناه هو الذي جعل الاثنين ثلاثة بنفسه فمعناه الفعل كأنه قال الذي ثلثهم وربعهم وخمسهم وعلى هذا قوله تعالى: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم» ومثله: «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم.... رجما بالغيب» ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وعلى هذا الوجه يجوز أن ينون وينصب ما بعده فتقول: هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة لأنه مأخوذ ثلثهم وربعهم فهو بمنزلة هذا ضارب زيدا والأول أكثر قال سيبويه: قلما تريد العرب هذا يعني خامس أربعة فإن أضفته فهو بمنزلة ضارب زيد فتكون الاضافة غير محضة هذا إذا أريد به الحال أو الاستقبال فان أريد به الماضي لم يجز فيه إلا حذف التنوين والإضافة كما كان كذلك في قولك هذا ضارب زيد أمس. 2- التعجب وصيغة في العربية: التعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب ولا يطلق على الله انه متعجب إذ لا شيء يخفى عليه وما وقع مما ظاهره ذلك في القرآن فمحمول على انه مصروف إلى المخاطب نحو قوله تعالى فما أصبرهم على النار أي أن حالهم في ذلك اليوم ينبغي لك أيها المخاطب أن تتعجب وقيل التعجب هو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية فيه، وقوله تعالى هنا «أبصر به وأسمع» ذهب العلماء فيه ثلاثة مذاهب: 1- انه بلفظ الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ فإن قلت كيف تكون الهاء فاعلا وهي ضمير نصب أو جر قلت إنما هو اصطلاح وساغ ذلك لوجود الباء لفظا قبلها ولأن الباء إنما زيدت ليصير على صورة المفعول. 2- ان الفاعل ضمير المصدر. 3- ان الفاعل ضمير المخاطب واحتج القائلون بذلك على انه لا يعهد استعمال الأمر في الماضي وانما التزم إفراده وتذكيره فلم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه كلام جرى مجرى المثل وهذه إحدى صيغ التعجب القياسية. والثانية ما أفعله وهاتان الصيغتان هما المبوب لهما في كتب النحو وهما القياسيتان ومعنى ما كما قال سيبويه انها نكرة تامة بمعنى شيء وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب وما بعدها من الجملة الفعلية في موضع رفع خبرها وهذا هو المذهب الصحيح لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي وسبب الاختصاص بها خفي فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلو بافهام. وهنالك صيغ أخرى للتعجب واردة في الكتاب والحديث ولسان العرب فمن الكتاب «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم» ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة «سبحان الله ان المؤمن لا ينجس» ومن كلام العرب «لله دره فارسا» ولكن النحاة لم يبوبوا لهذه الصيغ لأنها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة. مسائل هامة: 1- لا يتعجب الا من معرفة أو نكرة مختصة فلا يقال ما أسعد رجلا لأنه لا فائدة من ذلك. 2- يجوز حذف المتعجب منه إذا كان ضميرا كقول علي بن أبي طالب كما قيل: جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما أي ما أعفها وأكرمها وإنما قلنا كما قيل لأن هذا البيت لم يثبت لعلي وفي القاموس في مادة «ودق» نقلا عن المازني وصوبه الزمخشري انه لم يصح انه تكلم بشيء من الشعر غير بيتين وهما قوله: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك لا برّوا ولا ظفروا وإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر وفي باب أفعل به إن كان معطوفا على آخر مذكور معه كما في الآية: «أبصر به وأسمع» وانما حذف مع كونه فاعلا لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة وشذ حذفه دون أن يعطف على مثله كقول عروة ابن الورد: فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله. هذا ولا يبنى هذان الفعلان إلا مما اجتمعت فيه ثمانية شروط: 1- أن يكون فعلا وشذ قولهم ما أذرع المرأة بنوه من قولهم امرأة ذراع والذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل وروى ابن القطاع في الأفعال ذرعت المرأة خفت يدها في العمل فهي ذراع وعلى هذا لا شذوذ في قولهم ما أذرع المرأة ومن ذلك قولهم ما أجدره بكذا وما أقمنه بكذا فالأول بنوه من قولهم هو قمين بكذا والثاني من قولهم هو جدير بكذا والمعنى فيهما ما أحقه بكذا ولا فعل لهما ولكن قال في القاموس «وقد جدر ككرم جدارة وإنه لمجدرة أن يفعل ومجدور أي مخلقة وجدره جعله جديرا» وطاح كلام النحاة من أساسه. 2- أن يكون الفعل ثلاثيا فلا يبنيان من رباعي مجرد ولا مزيد فيه ولا ثلاثي مزيد بحرف أو حرفين أو ثلاثة إلا وزن أفعل فقيل يجوز بناؤهما منه سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا نحو ما أظلم الليل وما أفقر هذا المكان وقيل هو شاذ يحفظ ما سمع منه كما تقدم ولا يقاس عليه وقالوا: ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وما أتقاه الله وشذا كذلك ما أخصره لأنه من اختصر. 3- أن يكون الفعل متصرفا لأن التصرف فيما لا يتصرف نقض لوضعه وشذ ما أعساه وأعسى به. 4- أن يكون معناه قابلا للتفاضل أو التفاوت فلا يبنيان من نحو فني ومات وغرق لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه. 5- أن يكون مبنيا للمعلوم فلا يبنيان من المبني للمجهول وبعضهم استثنى ما كان ملازما للبناء على المجهول نحو عنيت بحاجتك وزهي علينا فيجيز التعجب لعدم اللبس فتقول ما أعناه بحاجتك وما أزهاه علينا. 6- أن يكون تاما فلا يبنيان من نحو كان وكاد وصار لأنهن نواقص وحكى ابن السراج والزجاج: ما أكون زيدا قائما. 7- أن يكون مثبتا فلا يبنيان من منفي سواء كان ملازما للنفي نحو ما عاج بالدواء أي ما انتفع به ومضارعه يعيج ملازم للنفي أيضا كذا قال النحاة وطاح كلامهم بوروده غير منفي، روى أبو علي القالي في نوادره: أنشدنا ثعلب عن ابن الاعرابي: ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ... ولا مشربا أروى به فأعيج أي أنتفع به أم غير ملازم للنفي لئلا يلتبس المنفي بالمثبت. 8- أن لا يكون اسم فاعله على وزن أفعل فعلاء فلا يبنيان من نحو عرج فهو أعرج من العيوب وشهل فهو أشهل من المحاسن وخضر الزرع فهو أخضر من الألوان ولمي فهو ألمى من الحلي لأن الألوان والعيوب والمحاسن الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل وسائر الأعضاء في عدم التعجب منها. شرط تاسع: وهناك شرط تاسع أغفله الكثير من النحاة مع أنه مهم جدا وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو قال من القائلة فانهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه ونحو سكر وقعد وجلس فانهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم ما أشد سكره وأكثر قعوده وجلوسه وزادّ ابن عصفور قام وغضب ونام، وحكى سيبويه ما أنومه وقالوا أنوم من فهد. كيف يتم التوصل إلى التعجب مما فقد بعض الشروط: ويتوصل إلى التعجب من الزائد على الثلاثي ومما وصفه على أفعل فعلاء بما أشد ونحوه وبنصب مصدرهما بعده وبأشدد ونحوه وبجر مصدرهما بعده فتقول ما أشد انطلاقه أو حمرته وأشدد بانطلاقه وحمرته والمنفي والمبني للمجهول يكون مصدرهما مؤولا لا صريحا نحو ما أكثر أن لا يقوم وما أشد ما ضرب واشدد بهما وأما الناقص فيؤتى بمصدره إن كان له مصدر على نحو ما تقدم نحو ما أشد صيرورته جميلا وأما الجامدة وغير القابل للتفاوت فلا يتعجب منهما البتة. 3- القول في أحد، والفرق بين الأحد والواحد: أحد أكمل من الواحد ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر بخلاف قولك لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين. ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في النفي والإثبات نحو «قل هو الله أحد» أي واحد، وأول «فابعثوا أحدكم بورقكم» وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي تقول ما جاءني من أحد ومنه قوله تعالى: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» وواحد يستعمل فيهما مطلقا وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى «لستنّ كأحد من النساء» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة، وأحد يصلح للأفراد والجمع ولهذا وصف به في قوله «من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد فتلخص من ذلك سبعة فروق. 4- قصة انقطاع الوحي لفترة محدودة: ولا بد هنا من تفصيل قصة انقطاع الوحي فقد ذكر الرواة أن قريشا لجأت إلى وسيلة رهيبة لتكافح بها تأثير القرآن فأوفدت إلى يهود يثرب فدا يسألها عن الوسائل التي تستطيع أن تقاوم بها هذا الذي جاء به محمد فطلب منهم اليهود أن يسألوا النبي عن أمور فلما عادوا إلى مكة ذهبوا اليه وقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم النبي: - أخبركم عما سألتم غدا. وكان رسول الله ينتظر أن ينزل عليه وحي فيه جواب ما سألت عنه قريش ولكن الوحي أبطأ على النبي خمسة عشر يوما وطارت قريش فرحا بعجزه عن الجواب وقالت وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه وقد أحزن النبي انقطاع الوحي عنه حزنا شديدا وزاد في قلقه ما كان يتكلم به أهل مكة وفي ختام هذا اليوم نزل جبريل فابتدره بقوله: - لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا فرد عليه جبريل بالآية الكريمة: «وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا» ثم أخذ جبريل يلقن النبي سورة «الكهف» وفيها- كما سيأتي- رد على ما سألت قريش وتفصيل رائع لكثير من الأمور التي تشغل الأذهان إذ ذاك وقد أخذت عليهم إجابات سورة الكهف السبيل فلم يحيروا ردا ولا جوابا.

الكهف 18:24

اللغة: (أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) : أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين وفي الأساس: «وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره على كذا أطلعه وأعثره على أصحابه: دله عليهم ويقال للمتورط «وقع في عاثور» وفلان يبغي صاحبه العواثين وأصله: حفرة تحفر للأسد وغيره يعثر بها فيطيح فيها» . (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميا بالخبر الخفي وإتيانا به وفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم وهي الحجارة الصغار ورجمته بالقول رمبته بالفحش قال تعالى: «رجما بالغيب» أي ظنا من غير دليل ولا برهان كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم أي المظنون وسيرد في باب البلاغة مزيد من البحث حول هذا التعبير. (تُمارِ) : تجادل وفي القاموس: «مارى مراء ومماراة: جادل ونازع ولاجّ وتماريا تجادلا وامترى في الشيء: شك والمرية بكسر الميم والمرية بضمها: الجدل يقال ما في ذلك مرية أي جدل وشك» . الإعراب: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) الكاف نعت لمصدر محذوف أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين، وأعثرنا فعل وفاعل والمفعول به محذوف كما قدرناه في باب اللغة وعليهم متعلقان بأعثرنا وليعلموا اللام للتعليل ويعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ليعلموا وأن واسمها وحق خبرها وأن الساعة عطف وان واسمها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن والمراد بوعد الله البعث لأن من قدر على إنامتهم هذه النومة الطويلة وبعثهم بعدها قادر على أن يحييهم بعد الموت. (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم قومهم حين يتنازعون ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح وجملة يتنازعون في محل جر باضافة الظرف إليها وبينهم ظرف مكان متعلق بيتنازعون وأمرهم نصب بنزع الخافض أي في أمرهم وقيل تنازعوا تنصب مفعولا إذا كانت بمعنى التجاذب فيكون في الكلام استعارة. (فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) الفاء عاطفة وقالوا فعل وفاعل وجملة ابنوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وعليهم متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به أي قالوا ذلك حين توفى الله أصحاب الكهف وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدث تمليخا حامل الورق حديثهم موتا حقيقيا ورجع من كان يساوره الشك في بعث الأجساد إلى اليقين أي ابنوا عليهم بنيانا ضنا بتربتهم ومحافظة عليها وجملة ابنوا عليهم بنيانا مقول قولهم. (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) الجملة إما تتمة لمقولهم قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه وقيل هو مقول كلام لله سبحانه ردا لقول المتنازعين فيهم أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع فإني أعلم بهم منكم والكلام مبتدأ وخبر وبهم متعلقان بأعلم. (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) قال الذين فعل وفاعل وجملة غلبوا صلة الموصول وعلى أمرهم متعلقان بغلبوا وهم المؤمنون وكانت الكلمة لهم آنذاك ولنتخذن اللام موطئة للقسم ونتخذن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستر تقديره نحن وعليهم حال ومسجدا مفعول به. (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) السين للاستقبال اشارة إلى أن النزاع في أمرهم حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي في المستقبل البعيد بالنسبة لقصتهم ويقولون فعل مضارع وفاعل والضمير يعود إلى الخائضين في قصتهم زمن النبي من أهل الكتاب والمؤمنين. قال أبو حيان: «وجاء بسين الاستقبال لأنه كأنه في الكلام طي وإدماج، والتقدير فإذا أجبتهم عن سؤالهم وقصصت عليهم قصة أهل الكهف فسلهم عن عددهم فإنهم إذا سألتهم سيقولون ولم يأت بالسين فيما بعده لأنه معطوف على المستقبل فدخل في الاستقبال أو لأنه أريد به معنى الاستقبال الذي هو صالح له. وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف أي هم ثلاثة أشخاص وانما قدرنا أشخاصا لأن رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير والمعنى أنه ربعهم أي جعلهم أربعة وصيرهم إلى هذا العدد فلو قدر ثلاثة رجال استحال أن يصير ثلاثة رجال أربعة لاختلاف الجنسين، ورابعهم مبتدأ وكلبهم خبر وجملة ثلاثة مقول القول وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضامه إليهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة في اعرابها ورجما منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي يرجمون رجما والمعنى يرمون رميا بالخبر الخفي المظنون أو على الحال بمعنى راجمين وبالغيب متعلقان برجما. (وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) الواو عاطفة ويقولون فعل وفاعل وسبعة خبر لمبتدأ محذوف والواو فيها أقوال تربو على الحصر وقد شغلت العلماء والأدباء فصنّفوا فيها المطولات وسنأتي على ذكرها وخلاصة ما قيل فيها في باب الفوائد وأولى ما يقره المنطق أن تكون هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالجملة الواقعة حالا بعد المعرفة نحو جاء زيد ومعه رجل آخر وذلك لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف بمعنى أن اتصافه بها أمر مستقر راسخ في الأذهان وهذا ما اختاره الزمخشري وابن هشام وانتظر التفاصيل وجملة ثامنهم كلبهم صفة لسبعة وقد ردّ أبو حيان هذا القول وعبارته: «وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا انه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالا على المغايرة وأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف في هذه الأسماء المفردة وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه: وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل هو على ان وليس باسم ولا فعل صفة لقوله لمعنى وان الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة واما قوله تعالى: «إلا ولها كتاب معلوم» فالجملة حالية» . (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ربي مبتدأ وأعلم خبره والجملة مقول القول وبعدتهم متعلقان بأعلم وجملة ما يعلمهم حالية وما نافية ويعلمهم فعل مضارع ومفعول به وإلا أداة حصر وقليل فاعل يعلمهم والتفضيل بالنسبة للكيفية لأن مراتب اليقين متفاوتة في القوة وليس التفضيل بالنسبة إلى الطائفتين الأولين الذين جنحا إلى الرجم بالغيب والحدس والتخمين دون الحقيقة والاطلاع على الواقع. (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا وحق لك أن تعرفه فلا تجادل، ولا ناهية وتمار مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وإلا أداة حصر ومراء مفعول مطلق وظاهرا صفة. (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) الواو عاطفة ولا ناهية وتستفت مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة أيضا والفاعل مستتر تقديره أنت وفيهم متعلقان بتستفت ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به لأن فيما أوحي إليك مندوحة لك عن السؤال. (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف ولا ناهية وتقولن فعل مضارع مبني للفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ولشيء متعلقان بتقولن أي لأجل شيء تقدم عليه وتهتم به وقيل اللام بمعنى في وقد تقدم ذكر ذلك وكسرت همزة إن لسبقها بالقول وان واسمها مقول القول وفاعل خبر إن وذلك مفعول لفاعل وغدا ظرف متعلق بفاعل وإلا أن يشاء الله استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالمشيئة والتعليق عليها فأن وما بعدها حال والتقدير لا تقولن أفعل غدا إلا قائلا إن شاء الله وقيل التقدير إلا بأن يشاء الله فالمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي إلا متلبسا بقول إن شاء الله وقيل إن الاستثناء منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على الاستثناء. وقد أجاد في إعراب هذه الآية أبو البقاء العكبري ونصه: «في المستثنى منه ثلاثة أوجه أحدها هو من النهي والمعنى لا تقولن افعل غدا إلا أن يؤذن لك في القول والثاني هو من فاعل تقولن أي لا تقولن اني فاعل غدا حتى تقرن به قول إن شاء الله والثالث انه منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على وجهين أحدهما على الاستثناء والتقدير لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن يشاء الله أي يأذن فحذف الوقت وهو مراد والثاني هو حال والتقدير لا تقولن افعل غدا إلا قائلا إن شاء الله فحذف القول وهو كثير وجعل قوله أن يشاء في معنى إن شاء وهو مما حمل على المعنى وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله أي متلبسا بقول إن شاء الله» والخلاصة ان الغرض من هذا النهي عن هذا القول هو عدم اقترانه بقول المشيئة وهذا نهي تأديب حين قالت اليهود لقريش سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، وسيأتي في باب الفوائد ذكر انقطاع الوحي. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) واذكر عطف على ما تقدم وربك مفعول به ولا بد من حذف مضاف أي مشيئة ربك وإذا ظرف متعلق باذكر أي إذا فرط منك نسيان وجملة نسيت في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله أي فاذكر وقل عطف على اذكر وعسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر تقديره هو وأن يهديني أن وما في حيزها هي الخبر وربي فاعل يهديني ولأقرب متعلق بيهديني ومن هذا متعلقان بأقرب ورشدا تمييز أو مفعول مطلق أي يهديني هداية فيكون ملاقيا لعامله بهذا المعنى والأول أقرب أي لشيء أقرب إرشادا للناس ودلالة على ذلك والاشارة في قوله هذا لما تقدم من نبأ أصحاب الكهف وقصتهم العجيبة التي اختتمت الآن. (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ولبثوا عطف على ما تقدم حسما للخلاف وإماطة للشبهة الناجمة عن الاختلاف في أمرهم ومدة لبثهم وفي كهفهم متعلقان بلبثوا وثلاث ظرف ومائة مضاف اليه وسنين عطف بيان لثلاثمائة أو بدل ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة مجرور وجره بالاضافة والتنوين مانع منها وسيأتي بحث العدد مفصلا في باب الفوائد وازدادوا فعل وفاعل وتسعا مفعول به أي تسع سنين. (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) الله مبتدأ وأعلم خبر والجملة مقول القول وبما متعلقان بأعلم وجملة لبثوا صلة الموصول أي بالزمن الذي لبثوه. (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) له خبر مقدم وغيب السموات والأرض مبتدأ مؤخر وأبصر صيغة تعجب وهو فعل ماض أتى على صيغة الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ وسيأتي البحث في صيغتي التعجب في باب البلاغة واسمع عطف على ابصر. (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ما نافية ولهم خبر مقدم ومن دونه حال ومن حرف جر زائد وولي مبتدأ مؤخر محلا ولا الواو عاطفة ولا نافية ويشرك فعل مضارع وفاعل مستتر وفي حكمه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول به. البلاغة: الكلام يطول جدا على هذه الآيات وما اشتملت عليه من فنون بلاغية وسنجنح إلى الاختصار ما أمكن فنقول: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «يتنازعون بينهم أمرهم» استعارة مكنية فقد شبه أمرهم بشيء كثر النزاع حوله ثم حذف ذلك الشيء واستعير النزاع القائم حوله. وفي قوله تعالى «رجما بالغيب» استعارة مكنية أيضا فقد شبه الغيب والخفاء بشيء يرمى بالحجارة واستعير الرجم له. 2- واو الثمانية والخلاف المشتجر حولها: وعدناك بأن نأتي بالأقوال حول الواو الداخلة على ثامنهم في قوله تعالى «ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم» وقد قدمنا في الاعراب ما اخترناه من هذه الأقوال فقال عدد من كبار الأدباء انها واو الثمانية قال ابن هشام: «واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وان ما بعده عدد مستأنف واستدلوا على ذلك بآيات احداها «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم» إلى قوله سبحانه «وثامنهم كلبهم» وقيل هي في ذلك لعطف جملة على جملة إذ التقدير هم سبعة ثم قيل الجميع كلامهم وقيل العطف من كلام الله تعالى والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم وان هذا تصديق لهذه المقالة كما ان رجما بالغيب تكذيب لتلك المقالة» وبعد كلام طويل قال: «وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وانما فيها ذكر الأبواب وهي جمع لا يدل على عدد خاص ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها» . وقال آخرون في الرد على من زعم وجود واو الثمانية: وهو أن في اللغة واوا تصحب الثمانية وتختص بها فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي إلى الثامن فتصحبه الواو وربما عدوا من ذلك «والناهون عن المنكر» وهو الثامن من قوله تعالى «التائبون» وهذا مردود أيضا بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون بالمعروف لما بينهما من التناسب والربط ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما كقوله: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكقوله: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وربما عد بعضهم من ذلك الواو في ثيبات وأبكارا لأنه وجدها مع الثامن وهذا غلط فاحش فإن هذه واو التقسيم ولو ذهبت تحذفها فتقول ثيبات أبكارا لم يستدل الكلام فقد وضح أن المراد في جميع هذه المواضع المعدودة ورادة لغير ما زعمه هؤلاء. قلت: لو سقطت الواو من أبكار لاختل المعنى لأنهن لا يكنّ ثيبات أبكارا في وقت معا فاضطر إلى الواو لتدل على المغايرة. هذا وقد كان القاضي الفاضل صاحب الطريقة المصنوعة في الإنشاء يعتقد زيادة الواو في هذه الآية ويتبجح باستخراجها ويقول هي واو الثمانية إلى أن ذكر ذلك بحضرة الشيخ أبو الجود المقري فبين له أنه وأهم وان الضرورة تدعو إلى دخولها وإلا فسد المعنى بخلاف واو الثمانية فانه يؤتى بها لا لحاجة فقال أرشدتنا يا أبا الجود. هذا وممن أيد وجود واو الثمانية الإمام فخر الدين الرازي وقال العلامة الكافيجي قولا طريفا منصفا في هذا الصدد نورده بنصّه: «هي في التحقيق واو العطف لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص وتضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها فسميت واو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد فان الثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه وهذا هو المقتضي للعطف وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة. وأقول: ان توجيه تمام السبعة هو أن العدد إما فرد وإما مركب من فردين وهو الزوج أو من زوج وفرد أو من زوجين والثلاثة الأول من الثلاثة فان في ضمنها الواحد والاثنين والآخر من الأربعة. ومجموع الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الأصول وما يأتي تكرار فالثمانية زوج وزوج قد مضى والتسعة زوج وفرد وهكذا. هذا وسيأتي المزيد من هذا البحث عند الكلام على «وفتحت أبوابها» وعلى «ثيبات وأبكارا» فقد طال البحث جدا. الفوائد: 1- أحكام العدد وتمييزه: مميز العدد على ضربين منصوب ومجرور فالمجرور على ضربين مفرد ومجموع فالمفرد مميز المائة والألف والمجموع مميز الثلاثة إلى العشرة والمنصوب مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولا يكون إلا مفردا ومما شذ عن ذلك قولهم ثلاثمائة إلى تسعمائة اجتزءوا بلفظ الواحد عن الجمع وقد رجع إلى القياس من قال: ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الاهاتم فجاء بتمييز الثلاث جمعا من لفظ المائة على ما يقتضيه القياس وإن كان شاذا في الاستعمال ويجوز في التمييز حينئذ وجهان أحدهما الاتباع على البدل نحو ثلاثة أثواب والنصب على التمييز نحو ثلاثة أثوابا وقوله تعالى ثلاثمائة سنين نصب على البدل أو عطف البيان لثلاثمائة. هذا رأي أبي اسحق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد وكل واحد سنون وهو جمع والجمع أقل ما يكون ثلاثة فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجاز الفراء أن يكون سنين تمييزا على حد قوله: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأعصم قال وذلك انه جاء في التمييز سودا وهو جمع لأن الصفة والموصوف شيء واحد والمذهب الأول لأن الثواني يجوز فيها مالا يجوز في الأوائل ألا ترى أنك تقول يا زيد الطويل ولو قلت يا الطويل لم يجز. هذا والبيت لعنترة من معلقته التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم وقبل البيت المستشهد به: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم وراعني أفزعني والحمولة: الإبل التي يحمل عليها ووسط ظرفه وإذا لم يكن ظرفا حركت السين فقلت وسط الدار واسع، وتسف: تأكل يقال: سففت الدواء أسفه، والحلوبة المحلوبة تستعمل في الواحد والجمع على لفظ واحد، والخوافي أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم الأسود، واثنتان مرفوع بالابتداء وأربعون معطوف عليه وقوله سودا نعت لحلوبة لأنها في معنى الجمع والمعنى من الحلائب والكاف في قوله كخافية في موضع نصب والمعنى سودا مثل خافية الغراب الأسحم ومما ذكرناه في تفسير الحلوبة وصلاحيتها للاطلاق على الواحد والجمع تعلم ما في قولهم ان الشاهد في هذا البيت جواز وصف المميز المفرد بالجمع وادعائهم ان حلوبة مفرد مميز للعدد وانه وصف بالجمع وهو سود الذي هو جمع سوداء وزعم الأعلم ان قوله سودا ليس بوصف وانما هو حال من قوله اثنتان وأربعون قال: «وهو حال من نكرة ويجوز رفعه على النعت ولا يكون نعتا لحلوبة لأنها مفردة إذا كانت تمييزا للعدد وسودا جمع ولا ينعت الواحد بالجمع» وليس بشيء لأنهم غفلوا عن السر وهو إطلاق حلوبة على الواحد والجمع. هذا ونلخص فيما يلي أحكام العدد عامة: ألفاظ العدد من ثلاثة إلى تسعة تكون على عكس المعدود في التذكير والتأنيث سواء كانت مفردة كقوله تعالى «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما» أو مركبة كخمسة عشر قلما وست عشرة ورقة أو معطوفا كثلاثة وعشرين يوما وأربع عشرين ساعة، وأما واحد واثنان منهما على وفق المعدود في الأحوال الثلاثة، وأما مائة وألف فلا يتغير لفظهما في التذكير والتأنيث، وكذلك ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلا عشرة فهي على عكس معدودها إذا كانت مفردة، وعلى وفقه إذا كانت مركبة. هذا ويصاغ من اسم العدد وصف على وزن فاعل مطابق لموصوفه، أما تعريف العدد، فالمضاف تدخل ال على المضاف إليه، والمركب تدخل ال على جزئه الأول، والمعطوف تدخل ال على الجزأين. واما اعراب الاعداد فعلى ثلاثة أشكال: 1- بالحركات من واحد إلى عشرة على أن تكون هذه مفردة غير مركبة ويستثنى منها العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث فانهما لفظان ملحقان بالمثنى. وكذلك العددان مائة وألف. 2- بالحروف وهو العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث والعقود. 3- بالبناء على الفتح وهي الأعداد المركبة أي من أحد عشر إلى تسعة عشر ومن الحادي عشر إلى التاسع عشر ما عدا الجزء الاول من اثني عشر لأنه يلحق بالمثنى كما تقدم. اسم الفاعل المشتق من العدد: يستعمل اسم الفاعل المشتق من العدد على معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به واحدا من جماعة. وثانيهما: أن يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين. فالأول نحو ثاني اثنين وثالث ثلاثة قال الله تعالى: «لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة» وقال عز وجل: «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين» فما كان من هذا الضرب فإضافة محضة لأن معناه أحد ثلاثة وبعض ثلاثة فكما أن إضافة هذا صحيحة فكذلك ما هو في معناه ولا يجوز فيه أن ينون وينصب في قول أكثر النحويين لأنه ليس مأخوذا من فعل عامل وأما الثاني وهو ما يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة فهذا غير الوجه الأول إنما معناه هو الذي جعل الاثنين ثلاثة بنفسه فمعناه الفعل كأنه قال الذي ثلثهم وربعهم وخمسهم وعلى هذا قوله تعالى: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم» ومثله: «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم.... رجما بالغيب» ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وعلى هذا الوجه يجوز أن ينون وينصب ما بعده فتقول: هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة لأنه مأخوذ ثلثهم وربعهم فهو بمنزلة هذا ضارب زيدا والأول أكثر قال سيبويه: قلما تريد العرب هذا يعني خامس أربعة فإن أضفته فهو بمنزلة ضارب زيد فتكون الاضافة غير محضة هذا إذا أريد به الحال أو الاستقبال فان أريد به الماضي لم يجز فيه إلا حذف التنوين والإضافة كما كان كذلك في قولك هذا ضارب زيد أمس. 2- التعجب وصيغة في العربية: التعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب ولا يطلق على الله انه متعجب إذ لا شيء يخفى عليه وما وقع مما ظاهره ذلك في القرآن فمحمول على انه مصروف إلى المخاطب نحو قوله تعالى فما أصبرهم على النار أي أن حالهم في ذلك اليوم ينبغي لك أيها المخاطب أن تتعجب وقيل التعجب هو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية فيه، وقوله تعالى هنا «أبصر به وأسمع» ذهب العلماء فيه ثلاثة مذاهب: 1- انه بلفظ الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ فإن قلت كيف تكون الهاء فاعلا وهي ضمير نصب أو جر قلت إنما هو اصطلاح وساغ ذلك لوجود الباء لفظا قبلها ولأن الباء إنما زيدت ليصير على صورة المفعول. 2- ان الفاعل ضمير المصدر. 3- ان الفاعل ضمير المخاطب واحتج القائلون بذلك على انه لا يعهد استعمال الأمر في الماضي وانما التزم إفراده وتذكيره فلم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه كلام جرى مجرى المثل وهذه إحدى صيغ التعجب القياسية. والثانية ما أفعله وهاتان الصيغتان هما المبوب لهما في كتب النحو وهما القياسيتان ومعنى ما كما قال سيبويه انها نكرة تامة بمعنى شيء وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب وما بعدها من الجملة الفعلية في موضع رفع خبرها وهذا هو المذهب الصحيح لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي وسبب الاختصاص بها خفي فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلو بافهام. وهنالك صيغ أخرى للتعجب واردة في الكتاب والحديث ولسان العرب فمن الكتاب «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم» ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة «سبحان الله ان المؤمن لا ينجس» ومن كلام العرب «لله دره فارسا» ولكن النحاة لم يبوبوا لهذه الصيغ لأنها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة. مسائل هامة: 1- لا يتعجب الا من معرفة أو نكرة مختصة فلا يقال ما أسعد رجلا لأنه لا فائدة من ذلك. 2- يجوز حذف المتعجب منه إذا كان ضميرا كقول علي بن أبي طالب كما قيل: جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما أي ما أعفها وأكرمها وإنما قلنا كما قيل لأن هذا البيت لم يثبت لعلي وفي القاموس في مادة «ودق» نقلا عن المازني وصوبه الزمخشري انه لم يصح انه تكلم بشيء من الشعر غير بيتين وهما قوله: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك لا برّوا ولا ظفروا وإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر وفي باب أفعل به إن كان معطوفا على آخر مذكور معه كما في الآية: «أبصر به وأسمع» وانما حذف مع كونه فاعلا لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة وشذ حذفه دون أن يعطف على مثله كقول عروة ابن الورد: فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله. هذا ولا يبنى هذان الفعلان إلا مما اجتمعت فيه ثمانية شروط: 1- أن يكون فعلا وشذ قولهم ما أذرع المرأة بنوه من قولهم امرأة ذراع والذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل وروى ابن القطاع في الأفعال ذرعت المرأة خفت يدها في العمل فهي ذراع وعلى هذا لا شذوذ في قولهم ما أذرع المرأة ومن ذلك قولهم ما أجدره بكذا وما أقمنه بكذا فالأول بنوه من قولهم هو قمين بكذا والثاني من قولهم هو جدير بكذا والمعنى فيهما ما أحقه بكذا ولا فعل لهما ولكن قال في القاموس «وقد جدر ككرم جدارة وإنه لمجدرة أن يفعل ومجدور أي مخلقة وجدره جعله جديرا» وطاح كلام النحاة من أساسه. 2- أن يكون الفعل ثلاثيا فلا يبنيان من رباعي مجرد ولا مزيد فيه ولا ثلاثي مزيد بحرف أو حرفين أو ثلاثة إلا وزن أفعل فقيل يجوز بناؤهما منه سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا نحو ما أظلم الليل وما أفقر هذا المكان وقيل هو شاذ يحفظ ما سمع منه كما تقدم ولا يقاس عليه وقالوا: ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وما أتقاه الله وشذا كذلك ما أخصره لأنه من اختصر. 3- أن يكون الفعل متصرفا لأن التصرف فيما لا يتصرف نقض لوضعه وشذ ما أعساه وأعسى به. 4- أن يكون معناه قابلا للتفاضل أو التفاوت فلا يبنيان من نحو فني ومات وغرق لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه. 5- أن يكون مبنيا للمعلوم فلا يبنيان من المبني للمجهول وبعضهم استثنى ما كان ملازما للبناء على المجهول نحو عنيت بحاجتك وزهي علينا فيجيز التعجب لعدم اللبس فتقول ما أعناه بحاجتك وما أزهاه علينا. 6- أن يكون تاما فلا يبنيان من نحو كان وكاد وصار لأنهن نواقص وحكى ابن السراج والزجاج: ما أكون زيدا قائما. 7- أن يكون مثبتا فلا يبنيان من منفي سواء كان ملازما للنفي نحو ما عاج بالدواء أي ما انتفع به ومضارعه يعيج ملازم للنفي أيضا كذا قال النحاة وطاح كلامهم بوروده غير منفي، روى أبو علي القالي في نوادره: أنشدنا ثعلب عن ابن الاعرابي: ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ... ولا مشربا أروى به فأعيج أي أنتفع به أم غير ملازم للنفي لئلا يلتبس المنفي بالمثبت. 8- أن لا يكون اسم فاعله على وزن أفعل فعلاء فلا يبنيان من نحو عرج فهو أعرج من العيوب وشهل فهو أشهل من المحاسن وخضر الزرع فهو أخضر من الألوان ولمي فهو ألمى من الحلي لأن الألوان والعيوب والمحاسن الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل وسائر الأعضاء في عدم التعجب منها. شرط تاسع: وهناك شرط تاسع أغفله الكثير من النحاة مع أنه مهم جدا وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو قال من القائلة فانهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه ونحو سكر وقعد وجلس فانهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم ما أشد سكره وأكثر قعوده وجلوسه وزادّ ابن عصفور قام وغضب ونام، وحكى سيبويه ما أنومه وقالوا أنوم من فهد. كيف يتم التوصل إلى التعجب مما فقد بعض الشروط: ويتوصل إلى التعجب من الزائد على الثلاثي ومما وصفه على أفعل فعلاء بما أشد ونحوه وبنصب مصدرهما بعده وبأشدد ونحوه وبجر مصدرهما بعده فتقول ما أشد انطلاقه أو حمرته وأشدد بانطلاقه وحمرته والمنفي والمبني للمجهول يكون مصدرهما مؤولا لا صريحا نحو ما أكثر أن لا يقوم وما أشد ما ضرب واشدد بهما وأما الناقص فيؤتى بمصدره إن كان له مصدر على نحو ما تقدم نحو ما أشد صيرورته جميلا وأما الجامدة وغير القابل للتفاوت فلا يتعجب منهما البتة. 3- القول في أحد، والفرق بين الأحد والواحد: أحد أكمل من الواحد ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر بخلاف قولك لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين. ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في النفي والإثبات نحو «قل هو الله أحد» أي واحد، وأول «فابعثوا أحدكم بورقكم» وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي تقول ما جاءني من أحد ومنه قوله تعالى: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» وواحد يستعمل فيهما مطلقا وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى «لستنّ كأحد من النساء» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة، وأحد يصلح للأفراد والجمع ولهذا وصف به في قوله «من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد فتلخص من ذلك سبعة فروق. 4- قصة انقطاع الوحي لفترة محدودة: ولا بد هنا من تفصيل قصة انقطاع الوحي فقد ذكر الرواة أن قريشا لجأت إلى وسيلة رهيبة لتكافح بها تأثير القرآن فأوفدت إلى يهود يثرب فدا يسألها عن الوسائل التي تستطيع أن تقاوم بها هذا الذي جاء به محمد فطلب منهم اليهود أن يسألوا النبي عن أمور فلما عادوا إلى مكة ذهبوا اليه وقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم النبي: - أخبركم عما سألتم غدا. وكان رسول الله ينتظر أن ينزل عليه وحي فيه جواب ما سألت عنه قريش ولكن الوحي أبطأ على النبي خمسة عشر يوما وطارت قريش فرحا بعجزه عن الجواب وقالت وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه وقد أحزن النبي انقطاع الوحي عنه حزنا شديدا وزاد في قلقه ما كان يتكلم به أهل مكة وفي ختام هذا اليوم نزل جبريل فابتدره بقوله: - لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا فرد عليه جبريل بالآية الكريمة: «وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا» ثم أخذ جبريل يلقن النبي سورة «الكهف» وفيها- كما سيأتي- رد على ما سألت قريش وتفصيل رائع لكثير من الأمور التي تشغل الأذهان إذ ذاك وقد أخذت عليهم إجابات سورة الكهف السبيل فلم يحيروا ردا ولا جوابا.

الكهف 18:25

اللغة: (أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) : أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين وفي الأساس: «وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره على كذا أطلعه وأعثره على أصحابه: دله عليهم ويقال للمتورط «وقع في عاثور» وفلان يبغي صاحبه العواثين وأصله: حفرة تحفر للأسد وغيره يعثر بها فيطيح فيها» . (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميا بالخبر الخفي وإتيانا به وفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم وهي الحجارة الصغار ورجمته بالقول رمبته بالفحش قال تعالى: «رجما بالغيب» أي ظنا من غير دليل ولا برهان كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم أي المظنون وسيرد في باب البلاغة مزيد من البحث حول هذا التعبير. (تُمارِ) : تجادل وفي القاموس: «مارى مراء ومماراة: جادل ونازع ولاجّ وتماريا تجادلا وامترى في الشيء: شك والمرية بكسر الميم والمرية بضمها: الجدل يقال ما في ذلك مرية أي جدل وشك» . الإعراب: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) الكاف نعت لمصدر محذوف أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين، وأعثرنا فعل وفاعل والمفعول به محذوف كما قدرناه في باب اللغة وعليهم متعلقان بأعثرنا وليعلموا اللام للتعليل ويعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ليعلموا وأن واسمها وحق خبرها وأن الساعة عطف وان واسمها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن والمراد بوعد الله البعث لأن من قدر على إنامتهم هذه النومة الطويلة وبعثهم بعدها قادر على أن يحييهم بعد الموت. (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم قومهم حين يتنازعون ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح وجملة يتنازعون في محل جر باضافة الظرف إليها وبينهم ظرف مكان متعلق بيتنازعون وأمرهم نصب بنزع الخافض أي في أمرهم وقيل تنازعوا تنصب مفعولا إذا كانت بمعنى التجاذب فيكون في الكلام استعارة. (فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) الفاء عاطفة وقالوا فعل وفاعل وجملة ابنوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وعليهم متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به أي قالوا ذلك حين توفى الله أصحاب الكهف وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدث تمليخا حامل الورق حديثهم موتا حقيقيا ورجع من كان يساوره الشك في بعث الأجساد إلى اليقين أي ابنوا عليهم بنيانا ضنا بتربتهم ومحافظة عليها وجملة ابنوا عليهم بنيانا مقول قولهم. (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) الجملة إما تتمة لمقولهم قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه وقيل هو مقول كلام لله سبحانه ردا لقول المتنازعين فيهم أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع فإني أعلم بهم منكم والكلام مبتدأ وخبر وبهم متعلقان بأعلم. (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) قال الذين فعل وفاعل وجملة غلبوا صلة الموصول وعلى أمرهم متعلقان بغلبوا وهم المؤمنون وكانت الكلمة لهم آنذاك ولنتخذن اللام موطئة للقسم ونتخذن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستر تقديره نحن وعليهم حال ومسجدا مفعول به. (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) السين للاستقبال اشارة إلى أن النزاع في أمرهم حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي في المستقبل البعيد بالنسبة لقصتهم ويقولون فعل مضارع وفاعل والضمير يعود إلى الخائضين في قصتهم زمن النبي من أهل الكتاب والمؤمنين. قال أبو حيان: «وجاء بسين الاستقبال لأنه كأنه في الكلام طي وإدماج، والتقدير فإذا أجبتهم عن سؤالهم وقصصت عليهم قصة أهل الكهف فسلهم عن عددهم فإنهم إذا سألتهم سيقولون ولم يأت بالسين فيما بعده لأنه معطوف على المستقبل فدخل في الاستقبال أو لأنه أريد به معنى الاستقبال الذي هو صالح له. وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف أي هم ثلاثة أشخاص وانما قدرنا أشخاصا لأن رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير والمعنى أنه ربعهم أي جعلهم أربعة وصيرهم إلى هذا العدد فلو قدر ثلاثة رجال استحال أن يصير ثلاثة رجال أربعة لاختلاف الجنسين، ورابعهم مبتدأ وكلبهم خبر وجملة ثلاثة مقول القول وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضامه إليهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة في اعرابها ورجما منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي يرجمون رجما والمعنى يرمون رميا بالخبر الخفي المظنون أو على الحال بمعنى راجمين وبالغيب متعلقان برجما. (وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) الواو عاطفة ويقولون فعل وفاعل وسبعة خبر لمبتدأ محذوف والواو فيها أقوال تربو على الحصر وقد شغلت العلماء والأدباء فصنّفوا فيها المطولات وسنأتي على ذكرها وخلاصة ما قيل فيها في باب الفوائد وأولى ما يقره المنطق أن تكون هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالجملة الواقعة حالا بعد المعرفة نحو جاء زيد ومعه رجل آخر وذلك لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف بمعنى أن اتصافه بها أمر مستقر راسخ في الأذهان وهذا ما اختاره الزمخشري وابن هشام وانتظر التفاصيل وجملة ثامنهم كلبهم صفة لسبعة وقد ردّ أبو حيان هذا القول وعبارته: «وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا انه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالا على المغايرة وأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف في هذه الأسماء المفردة وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه: وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل هو على ان وليس باسم ولا فعل صفة لقوله لمعنى وان الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة واما قوله تعالى: «إلا ولها كتاب معلوم» فالجملة حالية» . (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ربي مبتدأ وأعلم خبره والجملة مقول القول وبعدتهم متعلقان بأعلم وجملة ما يعلمهم حالية وما نافية ويعلمهم فعل مضارع ومفعول به وإلا أداة حصر وقليل فاعل يعلمهم والتفضيل بالنسبة للكيفية لأن مراتب اليقين متفاوتة في القوة وليس التفضيل بالنسبة إلى الطائفتين الأولين الذين جنحا إلى الرجم بالغيب والحدس والتخمين دون الحقيقة والاطلاع على الواقع. (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا وحق لك أن تعرفه فلا تجادل، ولا ناهية وتمار مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وإلا أداة حصر ومراء مفعول مطلق وظاهرا صفة. (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) الواو عاطفة ولا ناهية وتستفت مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة أيضا والفاعل مستتر تقديره أنت وفيهم متعلقان بتستفت ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به لأن فيما أوحي إليك مندوحة لك عن السؤال. (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف ولا ناهية وتقولن فعل مضارع مبني للفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ولشيء متعلقان بتقولن أي لأجل شيء تقدم عليه وتهتم به وقيل اللام بمعنى في وقد تقدم ذكر ذلك وكسرت همزة إن لسبقها بالقول وان واسمها مقول القول وفاعل خبر إن وذلك مفعول لفاعل وغدا ظرف متعلق بفاعل وإلا أن يشاء الله استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالمشيئة والتعليق عليها فأن وما بعدها حال والتقدير لا تقولن أفعل غدا إلا قائلا إن شاء الله وقيل التقدير إلا بأن يشاء الله فالمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي إلا متلبسا بقول إن شاء الله وقيل إن الاستثناء منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على الاستثناء. وقد أجاد في إعراب هذه الآية أبو البقاء العكبري ونصه: «في المستثنى منه ثلاثة أوجه أحدها هو من النهي والمعنى لا تقولن افعل غدا إلا أن يؤذن لك في القول والثاني هو من فاعل تقولن أي لا تقولن اني فاعل غدا حتى تقرن به قول إن شاء الله والثالث انه منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على وجهين أحدهما على الاستثناء والتقدير لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن يشاء الله أي يأذن فحذف الوقت وهو مراد والثاني هو حال والتقدير لا تقولن افعل غدا إلا قائلا إن شاء الله فحذف القول وهو كثير وجعل قوله أن يشاء في معنى إن شاء وهو مما حمل على المعنى وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله أي متلبسا بقول إن شاء الله» والخلاصة ان الغرض من هذا النهي عن هذا القول هو عدم اقترانه بقول المشيئة وهذا نهي تأديب حين قالت اليهود لقريش سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، وسيأتي في باب الفوائد ذكر انقطاع الوحي. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) واذكر عطف على ما تقدم وربك مفعول به ولا بد من حذف مضاف أي مشيئة ربك وإذا ظرف متعلق باذكر أي إذا فرط منك نسيان وجملة نسيت في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله أي فاذكر وقل عطف على اذكر وعسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر تقديره هو وأن يهديني أن وما في حيزها هي الخبر وربي فاعل يهديني ولأقرب متعلق بيهديني ومن هذا متعلقان بأقرب ورشدا تمييز أو مفعول مطلق أي يهديني هداية فيكون ملاقيا لعامله بهذا المعنى والأول أقرب أي لشيء أقرب إرشادا للناس ودلالة على ذلك والاشارة في قوله هذا لما تقدم من نبأ أصحاب الكهف وقصتهم العجيبة التي اختتمت الآن. (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ولبثوا عطف على ما تقدم حسما للخلاف وإماطة للشبهة الناجمة عن الاختلاف في أمرهم ومدة لبثهم وفي كهفهم متعلقان بلبثوا وثلاث ظرف ومائة مضاف اليه وسنين عطف بيان لثلاثمائة أو بدل ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة مجرور وجره بالاضافة والتنوين مانع منها وسيأتي بحث العدد مفصلا في باب الفوائد وازدادوا فعل وفاعل وتسعا مفعول به أي تسع سنين. (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) الله مبتدأ وأعلم خبر والجملة مقول القول وبما متعلقان بأعلم وجملة لبثوا صلة الموصول أي بالزمن الذي لبثوه. (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) له خبر مقدم وغيب السموات والأرض مبتدأ مؤخر وأبصر صيغة تعجب وهو فعل ماض أتى على صيغة الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ وسيأتي البحث في صيغتي التعجب في باب البلاغة واسمع عطف على ابصر. (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ما نافية ولهم خبر مقدم ومن دونه حال ومن حرف جر زائد وولي مبتدأ مؤخر محلا ولا الواو عاطفة ولا نافية ويشرك فعل مضارع وفاعل مستتر وفي حكمه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول به. البلاغة: الكلام يطول جدا على هذه الآيات وما اشتملت عليه من فنون بلاغية وسنجنح إلى الاختصار ما أمكن فنقول: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «يتنازعون بينهم أمرهم» استعارة مكنية فقد شبه أمرهم بشيء كثر النزاع حوله ثم حذف ذلك الشيء واستعير النزاع القائم حوله. وفي قوله تعالى «رجما بالغيب» استعارة مكنية أيضا فقد شبه الغيب والخفاء بشيء يرمى بالحجارة واستعير الرجم له. 2- واو الثمانية والخلاف المشتجر حولها: وعدناك بأن نأتي بالأقوال حول الواو الداخلة على ثامنهم في قوله تعالى «ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم» وقد قدمنا في الاعراب ما اخترناه من هذه الأقوال فقال عدد من كبار الأدباء انها واو الثمانية قال ابن هشام: «واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وان ما بعده عدد مستأنف واستدلوا على ذلك بآيات احداها «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم» إلى قوله سبحانه «وثامنهم كلبهم» وقيل هي في ذلك لعطف جملة على جملة إذ التقدير هم سبعة ثم قيل الجميع كلامهم وقيل العطف من كلام الله تعالى والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم وان هذا تصديق لهذه المقالة كما ان رجما بالغيب تكذيب لتلك المقالة» وبعد كلام طويل قال: «وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وانما فيها ذكر الأبواب وهي جمع لا يدل على عدد خاص ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها» . وقال آخرون في الرد على من زعم وجود واو الثمانية: وهو أن في اللغة واوا تصحب الثمانية وتختص بها فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي إلى الثامن فتصحبه الواو وربما عدوا من ذلك «والناهون عن المنكر» وهو الثامن من قوله تعالى «التائبون» وهذا مردود أيضا بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون بالمعروف لما بينهما من التناسب والربط ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما كقوله: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكقوله: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وربما عد بعضهم من ذلك الواو في ثيبات وأبكارا لأنه وجدها مع الثامن وهذا غلط فاحش فإن هذه واو التقسيم ولو ذهبت تحذفها فتقول ثيبات أبكارا لم يستدل الكلام فقد وضح أن المراد في جميع هذه المواضع المعدودة ورادة لغير ما زعمه هؤلاء. قلت: لو سقطت الواو من أبكار لاختل المعنى لأنهن لا يكنّ ثيبات أبكارا في وقت معا فاضطر إلى الواو لتدل على المغايرة. هذا وقد كان القاضي الفاضل صاحب الطريقة المصنوعة في الإنشاء يعتقد زيادة الواو في هذه الآية ويتبجح باستخراجها ويقول هي واو الثمانية إلى أن ذكر ذلك بحضرة الشيخ أبو الجود المقري فبين له أنه وأهم وان الضرورة تدعو إلى دخولها وإلا فسد المعنى بخلاف واو الثمانية فانه يؤتى بها لا لحاجة فقال أرشدتنا يا أبا الجود. هذا وممن أيد وجود واو الثمانية الإمام فخر الدين الرازي وقال العلامة الكافيجي قولا طريفا منصفا في هذا الصدد نورده بنصّه: «هي في التحقيق واو العطف لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص وتضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها فسميت واو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد فان الثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه وهذا هو المقتضي للعطف وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة. وأقول: ان توجيه تمام السبعة هو أن العدد إما فرد وإما مركب من فردين وهو الزوج أو من زوج وفرد أو من زوجين والثلاثة الأول من الثلاثة فان في ضمنها الواحد والاثنين والآخر من الأربعة. ومجموع الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الأصول وما يأتي تكرار فالثمانية زوج وزوج قد مضى والتسعة زوج وفرد وهكذا. هذا وسيأتي المزيد من هذا البحث عند الكلام على «وفتحت أبوابها» وعلى «ثيبات وأبكارا» فقد طال البحث جدا. الفوائد: 1- أحكام العدد وتمييزه: مميز العدد على ضربين منصوب ومجرور فالمجرور على ضربين مفرد ومجموع فالمفرد مميز المائة والألف والمجموع مميز الثلاثة إلى العشرة والمنصوب مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولا يكون إلا مفردا ومما شذ عن ذلك قولهم ثلاثمائة إلى تسعمائة اجتزءوا بلفظ الواحد عن الجمع وقد رجع إلى القياس من قال: ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الاهاتم فجاء بتمييز الثلاث جمعا من لفظ المائة على ما يقتضيه القياس وإن كان شاذا في الاستعمال ويجوز في التمييز حينئذ وجهان أحدهما الاتباع على البدل نحو ثلاثة أثواب والنصب على التمييز نحو ثلاثة أثوابا وقوله تعالى ثلاثمائة سنين نصب على البدل أو عطف البيان لثلاثمائة. هذا رأي أبي اسحق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد وكل واحد سنون وهو جمع والجمع أقل ما يكون ثلاثة فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجاز الفراء أن يكون سنين تمييزا على حد قوله: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأعصم قال وذلك انه جاء في التمييز سودا وهو جمع لأن الصفة والموصوف شيء واحد والمذهب الأول لأن الثواني يجوز فيها مالا يجوز في الأوائل ألا ترى أنك تقول يا زيد الطويل ولو قلت يا الطويل لم يجز. هذا والبيت لعنترة من معلقته التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم وقبل البيت المستشهد به: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم وراعني أفزعني والحمولة: الإبل التي يحمل عليها ووسط ظرفه وإذا لم يكن ظرفا حركت السين فقلت وسط الدار واسع، وتسف: تأكل يقال: سففت الدواء أسفه، والحلوبة المحلوبة تستعمل في الواحد والجمع على لفظ واحد، والخوافي أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم الأسود، واثنتان مرفوع بالابتداء وأربعون معطوف عليه وقوله سودا نعت لحلوبة لأنها في معنى الجمع والمعنى من الحلائب والكاف في قوله كخافية في موضع نصب والمعنى سودا مثل خافية الغراب الأسحم ومما ذكرناه في تفسير الحلوبة وصلاحيتها للاطلاق على الواحد والجمع تعلم ما في قولهم ان الشاهد في هذا البيت جواز وصف المميز المفرد بالجمع وادعائهم ان حلوبة مفرد مميز للعدد وانه وصف بالجمع وهو سود الذي هو جمع سوداء وزعم الأعلم ان قوله سودا ليس بوصف وانما هو حال من قوله اثنتان وأربعون قال: «وهو حال من نكرة ويجوز رفعه على النعت ولا يكون نعتا لحلوبة لأنها مفردة إذا كانت تمييزا للعدد وسودا جمع ولا ينعت الواحد بالجمع» وليس بشيء لأنهم غفلوا عن السر وهو إطلاق حلوبة على الواحد والجمع. هذا ونلخص فيما يلي أحكام العدد عامة: ألفاظ العدد من ثلاثة إلى تسعة تكون على عكس المعدود في التذكير والتأنيث سواء كانت مفردة كقوله تعالى «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما» أو مركبة كخمسة عشر قلما وست عشرة ورقة أو معطوفا كثلاثة وعشرين يوما وأربع عشرين ساعة، وأما واحد واثنان منهما على وفق المعدود في الأحوال الثلاثة، وأما مائة وألف فلا يتغير لفظهما في التذكير والتأنيث، وكذلك ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلا عشرة فهي على عكس معدودها إذا كانت مفردة، وعلى وفقه إذا كانت مركبة. هذا ويصاغ من اسم العدد وصف على وزن فاعل مطابق لموصوفه، أما تعريف العدد، فالمضاف تدخل ال على المضاف إليه، والمركب تدخل ال على جزئه الأول، والمعطوف تدخل ال على الجزأين. واما اعراب الاعداد فعلى ثلاثة أشكال: 1- بالحركات من واحد إلى عشرة على أن تكون هذه مفردة غير مركبة ويستثنى منها العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث فانهما لفظان ملحقان بالمثنى. وكذلك العددان مائة وألف. 2- بالحروف وهو العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث والعقود. 3- بالبناء على الفتح وهي الأعداد المركبة أي من أحد عشر إلى تسعة عشر ومن الحادي عشر إلى التاسع عشر ما عدا الجزء الاول من اثني عشر لأنه يلحق بالمثنى كما تقدم. اسم الفاعل المشتق من العدد: يستعمل اسم الفاعل المشتق من العدد على معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به واحدا من جماعة. وثانيهما: أن يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين. فالأول نحو ثاني اثنين وثالث ثلاثة قال الله تعالى: «لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة» وقال عز وجل: «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين» فما كان من هذا الضرب فإضافة محضة لأن معناه أحد ثلاثة وبعض ثلاثة فكما أن إضافة هذا صحيحة فكذلك ما هو في معناه ولا يجوز فيه أن ينون وينصب في قول أكثر النحويين لأنه ليس مأخوذا من فعل عامل وأما الثاني وهو ما يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة فهذا غير الوجه الأول إنما معناه هو الذي جعل الاثنين ثلاثة بنفسه فمعناه الفعل كأنه قال الذي ثلثهم وربعهم وخمسهم وعلى هذا قوله تعالى: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم» ومثله: «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم.... رجما بالغيب» ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وعلى هذا الوجه يجوز أن ينون وينصب ما بعده فتقول: هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة لأنه مأخوذ ثلثهم وربعهم فهو بمنزلة هذا ضارب زيدا والأول أكثر قال سيبويه: قلما تريد العرب هذا يعني خامس أربعة فإن أضفته فهو بمنزلة ضارب زيد فتكون الاضافة غير محضة هذا إذا أريد به الحال أو الاستقبال فان أريد به الماضي لم يجز فيه إلا حذف التنوين والإضافة كما كان كذلك في قولك هذا ضارب زيد أمس. 2- التعجب وصيغة في العربية: التعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب ولا يطلق على الله انه متعجب إذ لا شيء يخفى عليه وما وقع مما ظاهره ذلك في القرآن فمحمول على انه مصروف إلى المخاطب نحو قوله تعالى فما أصبرهم على النار أي أن حالهم في ذلك اليوم ينبغي لك أيها المخاطب أن تتعجب وقيل التعجب هو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية فيه، وقوله تعالى هنا «أبصر به وأسمع» ذهب العلماء فيه ثلاثة مذاهب: 1- انه بلفظ الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ فإن قلت كيف تكون الهاء فاعلا وهي ضمير نصب أو جر قلت إنما هو اصطلاح وساغ ذلك لوجود الباء لفظا قبلها ولأن الباء إنما زيدت ليصير على صورة المفعول. 2- ان الفاعل ضمير المصدر. 3- ان الفاعل ضمير المخاطب واحتج القائلون بذلك على انه لا يعهد استعمال الأمر في الماضي وانما التزم إفراده وتذكيره فلم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه كلام جرى مجرى المثل وهذه إحدى صيغ التعجب القياسية. والثانية ما أفعله وهاتان الصيغتان هما المبوب لهما في كتب النحو وهما القياسيتان ومعنى ما كما قال سيبويه انها نكرة تامة بمعنى شيء وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب وما بعدها من الجملة الفعلية في موضع رفع خبرها وهذا هو المذهب الصحيح لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي وسبب الاختصاص بها خفي فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلو بافهام. وهنالك صيغ أخرى للتعجب واردة في الكتاب والحديث ولسان العرب فمن الكتاب «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم» ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة «سبحان الله ان المؤمن لا ينجس» ومن كلام العرب «لله دره فارسا» ولكن النحاة لم يبوبوا لهذه الصيغ لأنها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة. مسائل هامة: 1- لا يتعجب الا من معرفة أو نكرة مختصة فلا يقال ما أسعد رجلا لأنه لا فائدة من ذلك. 2- يجوز حذف المتعجب منه إذا كان ضميرا كقول علي بن أبي طالب كما قيل: جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما أي ما أعفها وأكرمها وإنما قلنا كما قيل لأن هذا البيت لم يثبت لعلي وفي القاموس في مادة «ودق» نقلا عن المازني وصوبه الزمخشري انه لم يصح انه تكلم بشيء من الشعر غير بيتين وهما قوله: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك لا برّوا ولا ظفروا وإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر وفي باب أفعل به إن كان معطوفا على آخر مذكور معه كما في الآية: «أبصر به وأسمع» وانما حذف مع كونه فاعلا لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة وشذ حذفه دون أن يعطف على مثله كقول عروة ابن الورد: فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله. هذا ولا يبنى هذان الفعلان إلا مما اجتمعت فيه ثمانية شروط: 1- أن يكون فعلا وشذ قولهم ما أذرع المرأة بنوه من قولهم امرأة ذراع والذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل وروى ابن القطاع في الأفعال ذرعت المرأة خفت يدها في العمل فهي ذراع وعلى هذا لا شذوذ في قولهم ما أذرع المرأة ومن ذلك قولهم ما أجدره بكذا وما أقمنه بكذا فالأول بنوه من قولهم هو قمين بكذا والثاني من قولهم هو جدير بكذا والمعنى فيهما ما أحقه بكذا ولا فعل لهما ولكن قال في القاموس «وقد جدر ككرم جدارة وإنه لمجدرة أن يفعل ومجدور أي مخلقة وجدره جعله جديرا» وطاح كلام النحاة من أساسه. 2- أن يكون الفعل ثلاثيا فلا يبنيان من رباعي مجرد ولا مزيد فيه ولا ثلاثي مزيد بحرف أو حرفين أو ثلاثة إلا وزن أفعل فقيل يجوز بناؤهما منه سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا نحو ما أظلم الليل وما أفقر هذا المكان وقيل هو شاذ يحفظ ما سمع منه كما تقدم ولا يقاس عليه وقالوا: ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وما أتقاه الله وشذا كذلك ما أخصره لأنه من اختصر. 3- أن يكون الفعل متصرفا لأن التصرف فيما لا يتصرف نقض لوضعه وشذ ما أعساه وأعسى به. 4- أن يكون معناه قابلا للتفاضل أو التفاوت فلا يبنيان من نحو فني ومات وغرق لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه. 5- أن يكون مبنيا للمعلوم فلا يبنيان من المبني للمجهول وبعضهم استثنى ما كان ملازما للبناء على المجهول نحو عنيت بحاجتك وزهي علينا فيجيز التعجب لعدم اللبس فتقول ما أعناه بحاجتك وما أزهاه علينا. 6- أن يكون تاما فلا يبنيان من نحو كان وكاد وصار لأنهن نواقص وحكى ابن السراج والزجاج: ما أكون زيدا قائما. 7- أن يكون مثبتا فلا يبنيان من منفي سواء كان ملازما للنفي نحو ما عاج بالدواء أي ما انتفع به ومضارعه يعيج ملازم للنفي أيضا كذا قال النحاة وطاح كلامهم بوروده غير منفي، روى أبو علي القالي في نوادره: أنشدنا ثعلب عن ابن الاعرابي: ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ... ولا مشربا أروى به فأعيج أي أنتفع به أم غير ملازم للنفي لئلا يلتبس المنفي بالمثبت. 8- أن لا يكون اسم فاعله على وزن أفعل فعلاء فلا يبنيان من نحو عرج فهو أعرج من العيوب وشهل فهو أشهل من المحاسن وخضر الزرع فهو أخضر من الألوان ولمي فهو ألمى من الحلي لأن الألوان والعيوب والمحاسن الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل وسائر الأعضاء في عدم التعجب منها. شرط تاسع: وهناك شرط تاسع أغفله الكثير من النحاة مع أنه مهم جدا وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو قال من القائلة فانهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه ونحو سكر وقعد وجلس فانهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم ما أشد سكره وأكثر قعوده وجلوسه وزادّ ابن عصفور قام وغضب ونام، وحكى سيبويه ما أنومه وقالوا أنوم من فهد. كيف يتم التوصل إلى التعجب مما فقد بعض الشروط: ويتوصل إلى التعجب من الزائد على الثلاثي ومما وصفه على أفعل فعلاء بما أشد ونحوه وبنصب مصدرهما بعده وبأشدد ونحوه وبجر مصدرهما بعده فتقول ما أشد انطلاقه أو حمرته وأشدد بانطلاقه وحمرته والمنفي والمبني للمجهول يكون مصدرهما مؤولا لا صريحا نحو ما أكثر أن لا يقوم وما أشد ما ضرب واشدد بهما وأما الناقص فيؤتى بمصدره إن كان له مصدر على نحو ما تقدم نحو ما أشد صيرورته جميلا وأما الجامدة وغير القابل للتفاوت فلا يتعجب منهما البتة. 3- القول في أحد، والفرق بين الأحد والواحد: أحد أكمل من الواحد ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر بخلاف قولك لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين. ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في النفي والإثبات نحو «قل هو الله أحد» أي واحد، وأول «فابعثوا أحدكم بورقكم» وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي تقول ما جاءني من أحد ومنه قوله تعالى: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» وواحد يستعمل فيهما مطلقا وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى «لستنّ كأحد من النساء» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة، وأحد يصلح للأفراد والجمع ولهذا وصف به في قوله «من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد فتلخص من ذلك سبعة فروق. 4- قصة انقطاع الوحي لفترة محدودة: ولا بد هنا من تفصيل قصة انقطاع الوحي فقد ذكر الرواة أن قريشا لجأت إلى وسيلة رهيبة لتكافح بها تأثير القرآن فأوفدت إلى يهود يثرب فدا يسألها عن الوسائل التي تستطيع أن تقاوم بها هذا الذي جاء به محمد فطلب منهم اليهود أن يسألوا النبي عن أمور فلما عادوا إلى مكة ذهبوا اليه وقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم النبي: - أخبركم عما سألتم غدا. وكان رسول الله ينتظر أن ينزل عليه وحي فيه جواب ما سألت عنه قريش ولكن الوحي أبطأ على النبي خمسة عشر يوما وطارت قريش فرحا بعجزه عن الجواب وقالت وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه وقد أحزن النبي انقطاع الوحي عنه حزنا شديدا وزاد في قلقه ما كان يتكلم به أهل مكة وفي ختام هذا اليوم نزل جبريل فابتدره بقوله: - لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا فرد عليه جبريل بالآية الكريمة: «وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا» ثم أخذ جبريل يلقن النبي سورة «الكهف» وفيها- كما سيأتي- رد على ما سألت قريش وتفصيل رائع لكثير من الأمور التي تشغل الأذهان إذ ذاك وقد أخذت عليهم إجابات سورة الكهف السبيل فلم يحيروا ردا ولا جوابا.

الكهف 18:26

اللغة: (أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) : أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين وفي الأساس: «وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره على كذا أطلعه وأعثره على أصحابه: دله عليهم ويقال للمتورط «وقع في عاثور» وفلان يبغي صاحبه العواثين وأصله: حفرة تحفر للأسد وغيره يعثر بها فيطيح فيها» . (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميا بالخبر الخفي وإتيانا به وفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم وهي الحجارة الصغار ورجمته بالقول رمبته بالفحش قال تعالى: «رجما بالغيب» أي ظنا من غير دليل ولا برهان كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم أي المظنون وسيرد في باب البلاغة مزيد من البحث حول هذا التعبير. (تُمارِ) : تجادل وفي القاموس: «مارى مراء ومماراة: جادل ونازع ولاجّ وتماريا تجادلا وامترى في الشيء: شك والمرية بكسر الميم والمرية بضمها: الجدل يقال ما في ذلك مرية أي جدل وشك» . الإعراب: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) الكاف نعت لمصدر محذوف أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين، وأعثرنا فعل وفاعل والمفعول به محذوف كما قدرناه في باب اللغة وعليهم متعلقان بأعثرنا وليعلموا اللام للتعليل ويعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ليعلموا وأن واسمها وحق خبرها وأن الساعة عطف وان واسمها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن والمراد بوعد الله البعث لأن من قدر على إنامتهم هذه النومة الطويلة وبعثهم بعدها قادر على أن يحييهم بعد الموت. (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم قومهم حين يتنازعون ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح وجملة يتنازعون في محل جر باضافة الظرف إليها وبينهم ظرف مكان متعلق بيتنازعون وأمرهم نصب بنزع الخافض أي في أمرهم وقيل تنازعوا تنصب مفعولا إذا كانت بمعنى التجاذب فيكون في الكلام استعارة. (فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) الفاء عاطفة وقالوا فعل وفاعل وجملة ابنوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وعليهم متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به أي قالوا ذلك حين توفى الله أصحاب الكهف وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدث تمليخا حامل الورق حديثهم موتا حقيقيا ورجع من كان يساوره الشك في بعث الأجساد إلى اليقين أي ابنوا عليهم بنيانا ضنا بتربتهم ومحافظة عليها وجملة ابنوا عليهم بنيانا مقول قولهم. (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) الجملة إما تتمة لمقولهم قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه وقيل هو مقول كلام لله سبحانه ردا لقول المتنازعين فيهم أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع فإني أعلم بهم منكم والكلام مبتدأ وخبر وبهم متعلقان بأعلم. (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) قال الذين فعل وفاعل وجملة غلبوا صلة الموصول وعلى أمرهم متعلقان بغلبوا وهم المؤمنون وكانت الكلمة لهم آنذاك ولنتخذن اللام موطئة للقسم ونتخذن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستر تقديره نحن وعليهم حال ومسجدا مفعول به. (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) السين للاستقبال اشارة إلى أن النزاع في أمرهم حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي في المستقبل البعيد بالنسبة لقصتهم ويقولون فعل مضارع وفاعل والضمير يعود إلى الخائضين في قصتهم زمن النبي من أهل الكتاب والمؤمنين. قال أبو حيان: «وجاء بسين الاستقبال لأنه كأنه في الكلام طي وإدماج، والتقدير فإذا أجبتهم عن سؤالهم وقصصت عليهم قصة أهل الكهف فسلهم عن عددهم فإنهم إذا سألتهم سيقولون ولم يأت بالسين فيما بعده لأنه معطوف على المستقبل فدخل في الاستقبال أو لأنه أريد به معنى الاستقبال الذي هو صالح له. وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف أي هم ثلاثة أشخاص وانما قدرنا أشخاصا لأن رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير والمعنى أنه ربعهم أي جعلهم أربعة وصيرهم إلى هذا العدد فلو قدر ثلاثة رجال استحال أن يصير ثلاثة رجال أربعة لاختلاف الجنسين، ورابعهم مبتدأ وكلبهم خبر وجملة ثلاثة مقول القول وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضامه إليهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة في اعرابها ورجما منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي يرجمون رجما والمعنى يرمون رميا بالخبر الخفي المظنون أو على الحال بمعنى راجمين وبالغيب متعلقان برجما. (وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) الواو عاطفة ويقولون فعل وفاعل وسبعة خبر لمبتدأ محذوف والواو فيها أقوال تربو على الحصر وقد شغلت العلماء والأدباء فصنّفوا فيها المطولات وسنأتي على ذكرها وخلاصة ما قيل فيها في باب الفوائد وأولى ما يقره المنطق أن تكون هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالجملة الواقعة حالا بعد المعرفة نحو جاء زيد ومعه رجل آخر وذلك لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف بمعنى أن اتصافه بها أمر مستقر راسخ في الأذهان وهذا ما اختاره الزمخشري وابن هشام وانتظر التفاصيل وجملة ثامنهم كلبهم صفة لسبعة وقد ردّ أبو حيان هذا القول وعبارته: «وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا انه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالا على المغايرة وأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف في هذه الأسماء المفردة وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه: وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل هو على ان وليس باسم ولا فعل صفة لقوله لمعنى وان الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة واما قوله تعالى: «إلا ولها كتاب معلوم» فالجملة حالية» . (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ربي مبتدأ وأعلم خبره والجملة مقول القول وبعدتهم متعلقان بأعلم وجملة ما يعلمهم حالية وما نافية ويعلمهم فعل مضارع ومفعول به وإلا أداة حصر وقليل فاعل يعلمهم والتفضيل بالنسبة للكيفية لأن مراتب اليقين متفاوتة في القوة وليس التفضيل بالنسبة إلى الطائفتين الأولين الذين جنحا إلى الرجم بالغيب والحدس والتخمين دون الحقيقة والاطلاع على الواقع. (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا وحق لك أن تعرفه فلا تجادل، ولا ناهية وتمار مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وإلا أداة حصر ومراء مفعول مطلق وظاهرا صفة. (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) الواو عاطفة ولا ناهية وتستفت مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة أيضا والفاعل مستتر تقديره أنت وفيهم متعلقان بتستفت ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به لأن فيما أوحي إليك مندوحة لك عن السؤال. (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف ولا ناهية وتقولن فعل مضارع مبني للفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ولشيء متعلقان بتقولن أي لأجل شيء تقدم عليه وتهتم به وقيل اللام بمعنى في وقد تقدم ذكر ذلك وكسرت همزة إن لسبقها بالقول وان واسمها مقول القول وفاعل خبر إن وذلك مفعول لفاعل وغدا ظرف متعلق بفاعل وإلا أن يشاء الله استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالمشيئة والتعليق عليها فأن وما بعدها حال والتقدير لا تقولن أفعل غدا إلا قائلا إن شاء الله وقيل التقدير إلا بأن يشاء الله فالمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي إلا متلبسا بقول إن شاء الله وقيل إن الاستثناء منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على الاستثناء. وقد أجاد في إعراب هذه الآية أبو البقاء العكبري ونصه: «في المستثنى منه ثلاثة أوجه أحدها هو من النهي والمعنى لا تقولن افعل غدا إلا أن يؤذن لك في القول والثاني هو من فاعل تقولن أي لا تقولن اني فاعل غدا حتى تقرن به قول إن شاء الله والثالث انه منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على وجهين أحدهما على الاستثناء والتقدير لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن يشاء الله أي يأذن فحذف الوقت وهو مراد والثاني هو حال والتقدير لا تقولن افعل غدا إلا قائلا إن شاء الله فحذف القول وهو كثير وجعل قوله أن يشاء في معنى إن شاء وهو مما حمل على المعنى وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله أي متلبسا بقول إن شاء الله» والخلاصة ان الغرض من هذا النهي عن هذا القول هو عدم اقترانه بقول المشيئة وهذا نهي تأديب حين قالت اليهود لقريش سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، وسيأتي في باب الفوائد ذكر انقطاع الوحي. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) واذكر عطف على ما تقدم وربك مفعول به ولا بد من حذف مضاف أي مشيئة ربك وإذا ظرف متعلق باذكر أي إذا فرط منك نسيان وجملة نسيت في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله أي فاذكر وقل عطف على اذكر وعسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر تقديره هو وأن يهديني أن وما في حيزها هي الخبر وربي فاعل يهديني ولأقرب متعلق بيهديني ومن هذا متعلقان بأقرب ورشدا تمييز أو مفعول مطلق أي يهديني هداية فيكون ملاقيا لعامله بهذا المعنى والأول أقرب أي لشيء أقرب إرشادا للناس ودلالة على ذلك والاشارة في قوله هذا لما تقدم من نبأ أصحاب الكهف وقصتهم العجيبة التي اختتمت الآن. (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ولبثوا عطف على ما تقدم حسما للخلاف وإماطة للشبهة الناجمة عن الاختلاف في أمرهم ومدة لبثهم وفي كهفهم متعلقان بلبثوا وثلاث ظرف ومائة مضاف اليه وسنين عطف بيان لثلاثمائة أو بدل ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة مجرور وجره بالاضافة والتنوين مانع منها وسيأتي بحث العدد مفصلا في باب الفوائد وازدادوا فعل وفاعل وتسعا مفعول به أي تسع سنين. (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) الله مبتدأ وأعلم خبر والجملة مقول القول وبما متعلقان بأعلم وجملة لبثوا صلة الموصول أي بالزمن الذي لبثوه. (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) له خبر مقدم وغيب السموات والأرض مبتدأ مؤخر وأبصر صيغة تعجب وهو فعل ماض أتى على صيغة الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ وسيأتي البحث في صيغتي التعجب في باب البلاغة واسمع عطف على ابصر. (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ما نافية ولهم خبر مقدم ومن دونه حال ومن حرف جر زائد وولي مبتدأ مؤخر محلا ولا الواو عاطفة ولا نافية ويشرك فعل مضارع وفاعل مستتر وفي حكمه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول به. البلاغة: الكلام يطول جدا على هذه الآيات وما اشتملت عليه من فنون بلاغية وسنجنح إلى الاختصار ما أمكن فنقول: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «يتنازعون بينهم أمرهم» استعارة مكنية فقد شبه أمرهم بشيء كثر النزاع حوله ثم حذف ذلك الشيء واستعير النزاع القائم حوله. وفي قوله تعالى «رجما بالغيب» استعارة مكنية أيضا فقد شبه الغيب والخفاء بشيء يرمى بالحجارة واستعير الرجم له. 2- واو الثمانية والخلاف المشتجر حولها: وعدناك بأن نأتي بالأقوال حول الواو الداخلة على ثامنهم في قوله تعالى «ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم» وقد قدمنا في الاعراب ما اخترناه من هذه الأقوال فقال عدد من كبار الأدباء انها واو الثمانية قال ابن هشام: «واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وان ما بعده عدد مستأنف واستدلوا على ذلك بآيات احداها «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم» إلى قوله سبحانه «وثامنهم كلبهم» وقيل هي في ذلك لعطف جملة على جملة إذ التقدير هم سبعة ثم قيل الجميع كلامهم وقيل العطف من كلام الله تعالى والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم وان هذا تصديق لهذه المقالة كما ان رجما بالغيب تكذيب لتلك المقالة» وبعد كلام طويل قال: «وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وانما فيها ذكر الأبواب وهي جمع لا يدل على عدد خاص ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها» . وقال آخرون في الرد على من زعم وجود واو الثمانية: وهو أن في اللغة واوا تصحب الثمانية وتختص بها فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي إلى الثامن فتصحبه الواو وربما عدوا من ذلك «والناهون عن المنكر» وهو الثامن من قوله تعالى «التائبون» وهذا مردود أيضا بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون بالمعروف لما بينهما من التناسب والربط ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما كقوله: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكقوله: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وربما عد بعضهم من ذلك الواو في ثيبات وأبكارا لأنه وجدها مع الثامن وهذا غلط فاحش فإن هذه واو التقسيم ولو ذهبت تحذفها فتقول ثيبات أبكارا لم يستدل الكلام فقد وضح أن المراد في جميع هذه المواضع المعدودة ورادة لغير ما زعمه هؤلاء. قلت: لو سقطت الواو من أبكار لاختل المعنى لأنهن لا يكنّ ثيبات أبكارا في وقت معا فاضطر إلى الواو لتدل على المغايرة. هذا وقد كان القاضي الفاضل صاحب الطريقة المصنوعة في الإنشاء يعتقد زيادة الواو في هذه الآية ويتبجح باستخراجها ويقول هي واو الثمانية إلى أن ذكر ذلك بحضرة الشيخ أبو الجود المقري فبين له أنه وأهم وان الضرورة تدعو إلى دخولها وإلا فسد المعنى بخلاف واو الثمانية فانه يؤتى بها لا لحاجة فقال أرشدتنا يا أبا الجود. هذا وممن أيد وجود واو الثمانية الإمام فخر الدين الرازي وقال العلامة الكافيجي قولا طريفا منصفا في هذا الصدد نورده بنصّه: «هي في التحقيق واو العطف لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص وتضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها فسميت واو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد فان الثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه وهذا هو المقتضي للعطف وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة. وأقول: ان توجيه تمام السبعة هو أن العدد إما فرد وإما مركب من فردين وهو الزوج أو من زوج وفرد أو من زوجين والثلاثة الأول من الثلاثة فان في ضمنها الواحد والاثنين والآخر من الأربعة. ومجموع الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الأصول وما يأتي تكرار فالثمانية زوج وزوج قد مضى والتسعة زوج وفرد وهكذا. هذا وسيأتي المزيد من هذا البحث عند الكلام على «وفتحت أبوابها» وعلى «ثيبات وأبكارا» فقد طال البحث جدا. الفوائد: 1- أحكام العدد وتمييزه: مميز العدد على ضربين منصوب ومجرور فالمجرور على ضربين مفرد ومجموع فالمفرد مميز المائة والألف والمجموع مميز الثلاثة إلى العشرة والمنصوب مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولا يكون إلا مفردا ومما شذ عن ذلك قولهم ثلاثمائة إلى تسعمائة اجتزءوا بلفظ الواحد عن الجمع وقد رجع إلى القياس من قال: ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الاهاتم فجاء بتمييز الثلاث جمعا من لفظ المائة على ما يقتضيه القياس وإن كان شاذا في الاستعمال ويجوز في التمييز حينئذ وجهان أحدهما الاتباع على البدل نحو ثلاثة أثواب والنصب على التمييز نحو ثلاثة أثوابا وقوله تعالى ثلاثمائة سنين نصب على البدل أو عطف البيان لثلاثمائة. هذا رأي أبي اسحق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد وكل واحد سنون وهو جمع والجمع أقل ما يكون ثلاثة فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجاز الفراء أن يكون سنين تمييزا على حد قوله: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأعصم قال وذلك انه جاء في التمييز سودا وهو جمع لأن الصفة والموصوف شيء واحد والمذهب الأول لأن الثواني يجوز فيها مالا يجوز في الأوائل ألا ترى أنك تقول يا زيد الطويل ولو قلت يا الطويل لم يجز. هذا والبيت لعنترة من معلقته التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم وقبل البيت المستشهد به: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم وراعني أفزعني والحمولة: الإبل التي يحمل عليها ووسط ظرفه وإذا لم يكن ظرفا حركت السين فقلت وسط الدار واسع، وتسف: تأكل يقال: سففت الدواء أسفه، والحلوبة المحلوبة تستعمل في الواحد والجمع على لفظ واحد، والخوافي أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم الأسود، واثنتان مرفوع بالابتداء وأربعون معطوف عليه وقوله سودا نعت لحلوبة لأنها في معنى الجمع والمعنى من الحلائب والكاف في قوله كخافية في موضع نصب والمعنى سودا مثل خافية الغراب الأسحم ومما ذكرناه في تفسير الحلوبة وصلاحيتها للاطلاق على الواحد والجمع تعلم ما في قولهم ان الشاهد في هذا البيت جواز وصف المميز المفرد بالجمع وادعائهم ان حلوبة مفرد مميز للعدد وانه وصف بالجمع وهو سود الذي هو جمع سوداء وزعم الأعلم ان قوله سودا ليس بوصف وانما هو حال من قوله اثنتان وأربعون قال: «وهو حال من نكرة ويجوز رفعه على النعت ولا يكون نعتا لحلوبة لأنها مفردة إذا كانت تمييزا للعدد وسودا جمع ولا ينعت الواحد بالجمع» وليس بشيء لأنهم غفلوا عن السر وهو إطلاق حلوبة على الواحد والجمع. هذا ونلخص فيما يلي أحكام العدد عامة: ألفاظ العدد من ثلاثة إلى تسعة تكون على عكس المعدود في التذكير والتأنيث سواء كانت مفردة كقوله تعالى «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما» أو مركبة كخمسة عشر قلما وست عشرة ورقة أو معطوفا كثلاثة وعشرين يوما وأربع عشرين ساعة، وأما واحد واثنان منهما على وفق المعدود في الأحوال الثلاثة، وأما مائة وألف فلا يتغير لفظهما في التذكير والتأنيث، وكذلك ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلا عشرة فهي على عكس معدودها إذا كانت مفردة، وعلى وفقه إذا كانت مركبة. هذا ويصاغ من اسم العدد وصف على وزن فاعل مطابق لموصوفه، أما تعريف العدد، فالمضاف تدخل ال على المضاف إليه، والمركب تدخل ال على جزئه الأول، والمعطوف تدخل ال على الجزأين. واما اعراب الاعداد فعلى ثلاثة أشكال: 1- بالحركات من واحد إلى عشرة على أن تكون هذه مفردة غير مركبة ويستثنى منها العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث فانهما لفظان ملحقان بالمثنى. وكذلك العددان مائة وألف. 2- بالحروف وهو العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث والعقود. 3- بالبناء على الفتح وهي الأعداد المركبة أي من أحد عشر إلى تسعة عشر ومن الحادي عشر إلى التاسع عشر ما عدا الجزء الاول من اثني عشر لأنه يلحق بالمثنى كما تقدم. اسم الفاعل المشتق من العدد: يستعمل اسم الفاعل المشتق من العدد على معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به واحدا من جماعة. وثانيهما: أن يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين. فالأول نحو ثاني اثنين وثالث ثلاثة قال الله تعالى: «لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة» وقال عز وجل: «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين» فما كان من هذا الضرب فإضافة محضة لأن معناه أحد ثلاثة وبعض ثلاثة فكما أن إضافة هذا صحيحة فكذلك ما هو في معناه ولا يجوز فيه أن ينون وينصب في قول أكثر النحويين لأنه ليس مأخوذا من فعل عامل وأما الثاني وهو ما يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة فهذا غير الوجه الأول إنما معناه هو الذي جعل الاثنين ثلاثة بنفسه فمعناه الفعل كأنه قال الذي ثلثهم وربعهم وخمسهم وعلى هذا قوله تعالى: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم» ومثله: «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم.... رجما بالغيب» ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وعلى هذا الوجه يجوز أن ينون وينصب ما بعده فتقول: هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة لأنه مأخوذ ثلثهم وربعهم فهو بمنزلة هذا ضارب زيدا والأول أكثر قال سيبويه: قلما تريد العرب هذا يعني خامس أربعة فإن أضفته فهو بمنزلة ضارب زيد فتكون الاضافة غير محضة هذا إذا أريد به الحال أو الاستقبال فان أريد به الماضي لم يجز فيه إلا حذف التنوين والإضافة كما كان كذلك في قولك هذا ضارب زيد أمس. 2- التعجب وصيغة في العربية: التعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب ولا يطلق على الله انه متعجب إذ لا شيء يخفى عليه وما وقع مما ظاهره ذلك في القرآن فمحمول على انه مصروف إلى المخاطب نحو قوله تعالى فما أصبرهم على النار أي أن حالهم في ذلك اليوم ينبغي لك أيها المخاطب أن تتعجب وقيل التعجب هو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية فيه، وقوله تعالى هنا «أبصر به وأسمع» ذهب العلماء فيه ثلاثة مذاهب: 1- انه بلفظ الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ فإن قلت كيف تكون الهاء فاعلا وهي ضمير نصب أو جر قلت إنما هو اصطلاح وساغ ذلك لوجود الباء لفظا قبلها ولأن الباء إنما زيدت ليصير على صورة المفعول. 2- ان الفاعل ضمير المصدر. 3- ان الفاعل ضمير المخاطب واحتج القائلون بذلك على انه لا يعهد استعمال الأمر في الماضي وانما التزم إفراده وتذكيره فلم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه كلام جرى مجرى المثل وهذه إحدى صيغ التعجب القياسية. والثانية ما أفعله وهاتان الصيغتان هما المبوب لهما في كتب النحو وهما القياسيتان ومعنى ما كما قال سيبويه انها نكرة تامة بمعنى شيء وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب وما بعدها من الجملة الفعلية في موضع رفع خبرها وهذا هو المذهب الصحيح لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي وسبب الاختصاص بها خفي فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلو بافهام. وهنالك صيغ أخرى للتعجب واردة في الكتاب والحديث ولسان العرب فمن الكتاب «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم» ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة «سبحان الله ان المؤمن لا ينجس» ومن كلام العرب «لله دره فارسا» ولكن النحاة لم يبوبوا لهذه الصيغ لأنها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة. مسائل هامة: 1- لا يتعجب الا من معرفة أو نكرة مختصة فلا يقال ما أسعد رجلا لأنه لا فائدة من ذلك. 2- يجوز حذف المتعجب منه إذا كان ضميرا كقول علي بن أبي طالب كما قيل: جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما أي ما أعفها وأكرمها وإنما قلنا كما قيل لأن هذا البيت لم يثبت لعلي وفي القاموس في مادة «ودق» نقلا عن المازني وصوبه الزمخشري انه لم يصح انه تكلم بشيء من الشعر غير بيتين وهما قوله: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك لا برّوا ولا ظفروا وإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر وفي باب أفعل به إن كان معطوفا على آخر مذكور معه كما في الآية: «أبصر به وأسمع» وانما حذف مع كونه فاعلا لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة وشذ حذفه دون أن يعطف على مثله كقول عروة ابن الورد: فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله. هذا ولا يبنى هذان الفعلان إلا مما اجتمعت فيه ثمانية شروط: 1- أن يكون فعلا وشذ قولهم ما أذرع المرأة بنوه من قولهم امرأة ذراع والذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل وروى ابن القطاع في الأفعال ذرعت المرأة خفت يدها في العمل فهي ذراع وعلى هذا لا شذوذ في قولهم ما أذرع المرأة ومن ذلك قولهم ما أجدره بكذا وما أقمنه بكذا فالأول بنوه من قولهم هو قمين بكذا والثاني من قولهم هو جدير بكذا والمعنى فيهما ما أحقه بكذا ولا فعل لهما ولكن قال في القاموس «وقد جدر ككرم جدارة وإنه لمجدرة أن يفعل ومجدور أي مخلقة وجدره جعله جديرا» وطاح كلام النحاة من أساسه. 2- أن يكون الفعل ثلاثيا فلا يبنيان من رباعي مجرد ولا مزيد فيه ولا ثلاثي مزيد بحرف أو حرفين أو ثلاثة إلا وزن أفعل فقيل يجوز بناؤهما منه سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا نحو ما أظلم الليل وما أفقر هذا المكان وقيل هو شاذ يحفظ ما سمع منه كما تقدم ولا يقاس عليه وقالوا: ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وما أتقاه الله وشذا كذلك ما أخصره لأنه من اختصر. 3- أن يكون الفعل متصرفا لأن التصرف فيما لا يتصرف نقض لوضعه وشذ ما أعساه وأعسى به. 4- أن يكون معناه قابلا للتفاضل أو التفاوت فلا يبنيان من نحو فني ومات وغرق لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه. 5- أن يكون مبنيا للمعلوم فلا يبنيان من المبني للمجهول وبعضهم استثنى ما كان ملازما للبناء على المجهول نحو عنيت بحاجتك وزهي علينا فيجيز التعجب لعدم اللبس فتقول ما أعناه بحاجتك وما أزهاه علينا. 6- أن يكون تاما فلا يبنيان من نحو كان وكاد وصار لأنهن نواقص وحكى ابن السراج والزجاج: ما أكون زيدا قائما. 7- أن يكون مثبتا فلا يبنيان من منفي سواء كان ملازما للنفي نحو ما عاج بالدواء أي ما انتفع به ومضارعه يعيج ملازم للنفي أيضا كذا قال النحاة وطاح كلامهم بوروده غير منفي، روى أبو علي القالي في نوادره: أنشدنا ثعلب عن ابن الاعرابي: ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ... ولا مشربا أروى به فأعيج أي أنتفع به أم غير ملازم للنفي لئلا يلتبس المنفي بالمثبت. 8- أن لا يكون اسم فاعله على وزن أفعل فعلاء فلا يبنيان من نحو عرج فهو أعرج من العيوب وشهل فهو أشهل من المحاسن وخضر الزرع فهو أخضر من الألوان ولمي فهو ألمى من الحلي لأن الألوان والعيوب والمحاسن الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل وسائر الأعضاء في عدم التعجب منها. شرط تاسع: وهناك شرط تاسع أغفله الكثير من النحاة مع أنه مهم جدا وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو قال من القائلة فانهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه ونحو سكر وقعد وجلس فانهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم ما أشد سكره وأكثر قعوده وجلوسه وزادّ ابن عصفور قام وغضب ونام، وحكى سيبويه ما أنومه وقالوا أنوم من فهد. كيف يتم التوصل إلى التعجب مما فقد بعض الشروط: ويتوصل إلى التعجب من الزائد على الثلاثي ومما وصفه على أفعل فعلاء بما أشد ونحوه وبنصب مصدرهما بعده وبأشدد ونحوه وبجر مصدرهما بعده فتقول ما أشد انطلاقه أو حمرته وأشدد بانطلاقه وحمرته والمنفي والمبني للمجهول يكون مصدرهما مؤولا لا صريحا نحو ما أكثر أن لا يقوم وما أشد ما ضرب واشدد بهما وأما الناقص فيؤتى بمصدره إن كان له مصدر على نحو ما تقدم نحو ما أشد صيرورته جميلا وأما الجامدة وغير القابل للتفاوت فلا يتعجب منهما البتة. 3- القول في أحد، والفرق بين الأحد والواحد: أحد أكمل من الواحد ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر بخلاف قولك لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين. ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في النفي والإثبات نحو «قل هو الله أحد» أي واحد، وأول «فابعثوا أحدكم بورقكم» وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي تقول ما جاءني من أحد ومنه قوله تعالى: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» وواحد يستعمل فيهما مطلقا وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى «لستنّ كأحد من النساء» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة، وأحد يصلح للأفراد والجمع ولهذا وصف به في قوله «من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد فتلخص من ذلك سبعة فروق. 4- قصة انقطاع الوحي لفترة محدودة: ولا بد هنا من تفصيل قصة انقطاع الوحي فقد ذكر الرواة أن قريشا لجأت إلى وسيلة رهيبة لتكافح بها تأثير القرآن فأوفدت إلى يهود يثرب فدا يسألها عن الوسائل التي تستطيع أن تقاوم بها هذا الذي جاء به محمد فطلب منهم اليهود أن يسألوا النبي عن أمور فلما عادوا إلى مكة ذهبوا اليه وقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم النبي: - أخبركم عما سألتم غدا. وكان رسول الله ينتظر أن ينزل عليه وحي فيه جواب ما سألت عنه قريش ولكن الوحي أبطأ على النبي خمسة عشر يوما وطارت قريش فرحا بعجزه عن الجواب وقالت وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه وقد أحزن النبي انقطاع الوحي عنه حزنا شديدا وزاد في قلقه ما كان يتكلم به أهل مكة وفي ختام هذا اليوم نزل جبريل فابتدره بقوله: - لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا فرد عليه جبريل بالآية الكريمة: «وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا» ثم أخذ جبريل يلقن النبي سورة «الكهف» وفيها- كما سيأتي- رد على ما سألت قريش وتفصيل رائع لكثير من الأمور التي تشغل الأذهان إذ ذاك وقد أخذت عليهم إجابات سورة الكهف السبيل فلم يحيروا ردا ولا جوابا.

الكهف 18:27

اللغة: (مُلْتَحَداً) : ملتجأ تجنح اليه لائذا إن هممت بالتبديل للقرآن وفي المصباح: «قال أبو عبيدة: ألحد إلحادا جادل ومارى ولحد جار وظلم وألحد في الحرم استحل حرمته وانتهكها والملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ» وفي القاموس: «التحد عن الدين بمعنى ألحد والتحد إلى كذا مال والتحد إلى فلان التجأ» . (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ) لا تنصرف يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاءني القوم عدا زيد فحق الكلام أن يقال بالنصب أي لا تعد عينيك وانما عدل إلى الرفع لأنه أراد صاحب العينين فهو من المجاز وسيأتي مزيد شرح له في باب البلاغة. (فُرُطاً) : بضمتين أي مجاوزا الحد وقد تقدم شرح هذه المادة مفصلا. الإعراب: (وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ) الواو عاطفة واتل فعل أمر مني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة أوحي صلة وإليك متعلقان بأوحي ومن كتاب ربك حال من ما. (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) لا نافية للجنس ومبدل اسمها مبني على الفتح ولكلماته خبر والجملة حالية ولن تجد عطف ومن دونه حال وملتحدا مفعول به. (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) واصبر عطف وهو فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت ونفسك مفعول به ومعنى الصبر هنا حبس النفس وتثبيتها وفي المختار: الصبر حبس النفس عن الجزع وبابه ضرب وصبره حبسه قال تعالى: «واصبر نفسك» وقال أبو ذؤيب يرثي ابنه: فصبرت عارفة لذلك جسرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع أي حبست نفسا عارفة لذلك البلاء وضمّن عارفة معنى صابرة فعداه باللام وجسرة أي قوية صلبة ويروى حرة تسكن إذا طلعت نفس الجبان من مستقرها وطارت شعاعا. ومع الذين ظرف مكان متعلق باصبر وجملة يدعون ربهم صلة وربهم مفعول به وبالغداة والعشي متعلقان بيدعون وجملة يريدون وجهه حال. (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) عطف على واصبر ولا ناهية وتعد مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وعيناك فاعل وعنهم متعلقان بتعد وجملة تريد زينة الحياة الدنيا حال والدنيا صفة وسيأتي القول مفصلا عنها في باب الفوائد. (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) الواو عاطفة على ما تقدم ولا ناهية وتطع مجزوم بها والفاعل مستتر ومن مفعول به وجملة أغفلنا صلة وقلبه مفعول به وعن ذكرنا متعلقان بأغفلنا واتبع هواه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به والواو عاطفة وكان واسمها وخبرها. البلاغة: المجاز العقلي: في قوله «ولا تعد عيناك» مجاز عقلي لأنه أسند فعل عدا أي تجاوز إلى العينين ومن حقه أن يسندهما إليه لأن عدا متعد بنفسه كما تقدم وانما جنح إلى المجاز لأنه أبلغ من الحقيقة فكأن عينيه ثابتتان في الرنو إليهم وكأنما أدركتا ما لا تدركان وأحستا بوجوب النظر إلى هؤلاء وصبر النفس ورياضتها على ملازمتهم. وقيل هو من باب التضمين فقد ضمن عدا معنى نبا وعلا من قولهم نبت عينه عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به والغرض من هذا التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى مفرد أي لا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم وهو جميل أيضا. الفوائد: القاعدة في اسم التفضيل انه إذا كان مقترنا بأل امتنع وصله بمن الجارة فلا يقال فلان الأفضل من فلان ووجبت مطابقته لما قبله إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا وقد شذ وصله بمن في قول الشاعر: ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر وإذا تجرد من أل والاضافة فلا بد من إفراده وتذكيره في جميع أحواله وأن تتصل به من المجارة ولو تقديرا نحو قوله تعالى «وللآخرة خير وأبقى» . وإذا أضيف إلى نكرة وجب إفراده وتذكيره وامتنع وصله بمن الجارة. وإذا أضيف إلى معرفة امتنع وصله بمن الجارة وجاز فيه وجهان: الإفراد والتذكير كالمضاف إلى نكرة ومطابقته لما قبله وقد ورد الاستعمالان في القرآن فمن الأول «ولتجدنهم أحرص الناس على حياة» ولم يقل أحرصي الناس ومن الثاني «وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها» . حكم الدنيا: هذا والقياس أن تأتي الدنيا بالألف واللام لأنها صفة في الأصل على وزن فعلى والمذكر الأدنى له فمن حقها المطابقة كما أتت في الآية التي نحن بصددها على أنهم استعملوها استعمال الأسماء فهم لا يكادون يذكرون معها الموصوف فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء قال العجاج: يوم ترى النفوس ما أعدت ... من نزل إذا الأمور غبت في سعي دنيا طالما قد مدت ... حتى انقضى قضاؤها فأدت وقال بشامة بن حزن النهشلي وقيل للمرقش الأكبر: وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا فقيل جلى مؤنث أجل على حد الأكبر والكبرى وبذلك يجري مجرى دنيا في سيرورة الاستعمال استعمال الأسماء وقيل هو مصدر كالرجعى والبشرى بمعنى الرجوع والبشارة فأما قول أبي نواس الحسن ابن هانىء يصف الخمر: كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب فقد عابه بعضهم لكونه استعملها نكرة وهذا الضرب من الصفات لا يستعمل إلا معرفة والاعتذار عنه انه استعملها استعمال الأسماء لكثرة ما يجيء منه بغير تقدم موصوف ويجوز أن يكون لم يرد فيه التفضيل بل معنى الفاعل كأنه قال كأن صغيرة وكبيرة من فواقعها على حد قوله تعالى «وهو أهون عليه» وقيل ان «من» المذكورة زائدة وكبرى مضافة إلى فواقعها لكن يرد على هذا أن زيادة من في الموجب لا تجوز. وقال ابن الأثير في المثل السائر: «ألا ترى أن أبا نواس كان معدودا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه فقال في صفة الخمر: كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب وهذا لا يخفى على أبي نواس فإنه من ظواهر علم العربية وليس من غوامضه في شيء لأنه أمر نقلي يحمله ناقله فيه على النقل من غير تصرف وقول أبي نواس «صغرى وكبرى» غير جائز فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها وانما يجوز حذفها من فعلي التي لا أفعل لها نحو حبلى إلا أن تكون فعلى أفعل مضافة وهاهنا قد عريت عن الاضافة وعن الألف واللام فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته» . ورد ابن أبي حديد في كتاب «الفلك الدائر» على هذا القول بأن قال: «لا ينكر أن كثيرا من أئمة العربية طعن في هذا البيت ولكن انتصر لأبي نواس كثير منهم فقالوا: وجدنا فعلى أفعل في غير موضع واردة بغير لام ولا إضافة ولا من مثل دنيا في قول الراجز: في سعي دنيا طالما قد مدت، وقول الآخر: وإن دعوت إلى جلى ومكرمة، وقول الآخر لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة، وقالوا: طوبى لك. وفي البيت وجه آخر وهو أن تكون من في قوله من فواقعها زائدة على مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الواجب فإنه يذهب إلى ذلك ويحتج بقوله تعالى: «فيها من برد» أي فيها برد وهذا يرجح أن يكون صغرى وكبرى في البيت مضافتين» . وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: هذا عجيب من مثل هذا الرجل الفاضل أما إيراده دنيا وأخواتها فكل وجوهها مذكورة في كتب النحاة بما يغني عن الإطالة بذكره بخلاف صغرى وكبرى، وأما قوله بزيادة من فكأنه يظن أن من إذا كانت زائدة كان الجر بالإضافة أو كانت الإضافة باقية وهذا لا وجه له وإنما الجر بحرف الجر لأن حروف الجر لا تعلق وأما زيادة حرف الجر بين المتضايفين فلم بقل به إلا في مثل لا أبا لك على شذوذ وليس هذا منه ولا يريد الأخفش بقوله ان من تزاد في الواجب ما أراد ابن أبي الحديد» ومثله قول العروضيين فاصلة صغرى وفاصلة كبرى أي صغيرة وكبيرة لا يريدون التفضيل وانما يريدون الاسم وقول أبي تمام يصف الربيع: دنيا معاش للورى حتى إذا ... حل الربيع فإنما هي منظر غلبت الاسمية عليها حتى لم يعد يلمح لأصل التفضيل فيها. وننتهز الفرصة لنورد أبياتا من القصيدة التي منها هذا البيت لأبي نواس لحسنها، ومطلعها: ساع بكأس إلى ناس على طرب ... كلاهما عجب في منظر عجب قامت تريني وستر الليل منسدل ... صبحا تولد بين الماء والعنب كأن صغرى وكبرى.... البيت وبعده كأن تركا صفوفا في جوانبها ... تواتر الرمي بالنشاب من كثب في كف ساقية ناهيك ساقية ... في حسن قدّ وفي ظرف وفي أدب

الكهف 18:28

اللغة: (مُلْتَحَداً) : ملتجأ تجنح اليه لائذا إن هممت بالتبديل للقرآن وفي المصباح: «قال أبو عبيدة: ألحد إلحادا جادل ومارى ولحد جار وظلم وألحد في الحرم استحل حرمته وانتهكها والملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ» وفي القاموس: «التحد عن الدين بمعنى ألحد والتحد إلى كذا مال والتحد إلى فلان التجأ» . (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ) لا تنصرف يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاءني القوم عدا زيد فحق الكلام أن يقال بالنصب أي لا تعد عينيك وانما عدل إلى الرفع لأنه أراد صاحب العينين فهو من المجاز وسيأتي مزيد شرح له في باب البلاغة. (فُرُطاً) : بضمتين أي مجاوزا الحد وقد تقدم شرح هذه المادة مفصلا. الإعراب: (وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ) الواو عاطفة واتل فعل أمر مني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة أوحي صلة وإليك متعلقان بأوحي ومن كتاب ربك حال من ما. (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) لا نافية للجنس ومبدل اسمها مبني على الفتح ولكلماته خبر والجملة حالية ولن تجد عطف ومن دونه حال وملتحدا مفعول به. (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) واصبر عطف وهو فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت ونفسك مفعول به ومعنى الصبر هنا حبس النفس وتثبيتها وفي المختار: الصبر حبس النفس عن الجزع وبابه ضرب وصبره حبسه قال تعالى: «واصبر نفسك» وقال أبو ذؤيب يرثي ابنه: فصبرت عارفة لذلك جسرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع أي حبست نفسا عارفة لذلك البلاء وضمّن عارفة معنى صابرة فعداه باللام وجسرة أي قوية صلبة ويروى حرة تسكن إذا طلعت نفس الجبان من مستقرها وطارت شعاعا. ومع الذين ظرف مكان متعلق باصبر وجملة يدعون ربهم صلة وربهم مفعول به وبالغداة والعشي متعلقان بيدعون وجملة يريدون وجهه حال. (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) عطف على واصبر ولا ناهية وتعد مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وعيناك فاعل وعنهم متعلقان بتعد وجملة تريد زينة الحياة الدنيا حال والدنيا صفة وسيأتي القول مفصلا عنها في باب الفوائد. (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) الواو عاطفة على ما تقدم ولا ناهية وتطع مجزوم بها والفاعل مستتر ومن مفعول به وجملة أغفلنا صلة وقلبه مفعول به وعن ذكرنا متعلقان بأغفلنا واتبع هواه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به والواو عاطفة وكان واسمها وخبرها. البلاغة: المجاز العقلي: في قوله «ولا تعد عيناك» مجاز عقلي لأنه أسند فعل عدا أي تجاوز إلى العينين ومن حقه أن يسندهما إليه لأن عدا متعد بنفسه كما تقدم وانما جنح إلى المجاز لأنه أبلغ من الحقيقة فكأن عينيه ثابتتان في الرنو إليهم وكأنما أدركتا ما لا تدركان وأحستا بوجوب النظر إلى هؤلاء وصبر النفس ورياضتها على ملازمتهم. وقيل هو من باب التضمين فقد ضمن عدا معنى نبا وعلا من قولهم نبت عينه عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به والغرض من هذا التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى مفرد أي لا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم وهو جميل أيضا. الفوائد: القاعدة في اسم التفضيل انه إذا كان مقترنا بأل امتنع وصله بمن الجارة فلا يقال فلان الأفضل من فلان ووجبت مطابقته لما قبله إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا وقد شذ وصله بمن في قول الشاعر: ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر وإذا تجرد من أل والاضافة فلا بد من إفراده وتذكيره في جميع أحواله وأن تتصل به من المجارة ولو تقديرا نحو قوله تعالى «وللآخرة خير وأبقى» . وإذا أضيف إلى نكرة وجب إفراده وتذكيره وامتنع وصله بمن الجارة. وإذا أضيف إلى معرفة امتنع وصله بمن الجارة وجاز فيه وجهان: الإفراد والتذكير كالمضاف إلى نكرة ومطابقته لما قبله وقد ورد الاستعمالان في القرآن فمن الأول «ولتجدنهم أحرص الناس على حياة» ولم يقل أحرصي الناس ومن الثاني «وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها» . حكم الدنيا: هذا والقياس أن تأتي الدنيا بالألف واللام لأنها صفة في الأصل على وزن فعلى والمذكر الأدنى له فمن حقها المطابقة كما أتت في الآية التي نحن بصددها على أنهم استعملوها استعمال الأسماء فهم لا يكادون يذكرون معها الموصوف فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء قال العجاج: يوم ترى النفوس ما أعدت ... من نزل إذا الأمور غبت في سعي دنيا طالما قد مدت ... حتى انقضى قضاؤها فأدت وقال بشامة بن حزن النهشلي وقيل للمرقش الأكبر: وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا فقيل جلى مؤنث أجل على حد الأكبر والكبرى وبذلك يجري مجرى دنيا في سيرورة الاستعمال استعمال الأسماء وقيل هو مصدر كالرجعى والبشرى بمعنى الرجوع والبشارة فأما قول أبي نواس الحسن ابن هانىء يصف الخمر: كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب فقد عابه بعضهم لكونه استعملها نكرة وهذا الضرب من الصفات لا يستعمل إلا معرفة والاعتذار عنه انه استعملها استعمال الأسماء لكثرة ما يجيء منه بغير تقدم موصوف ويجوز أن يكون لم يرد فيه التفضيل بل معنى الفاعل كأنه قال كأن صغيرة وكبيرة من فواقعها على حد قوله تعالى «وهو أهون عليه» وقيل ان «من» المذكورة زائدة وكبرى مضافة إلى فواقعها لكن يرد على هذا أن زيادة من في الموجب لا تجوز. وقال ابن الأثير في المثل السائر: «ألا ترى أن أبا نواس كان معدودا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه فقال في صفة الخمر: كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب وهذا لا يخفى على أبي نواس فإنه من ظواهر علم العربية وليس من غوامضه في شيء لأنه أمر نقلي يحمله ناقله فيه على النقل من غير تصرف وقول أبي نواس «صغرى وكبرى» غير جائز فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها وانما يجوز حذفها من فعلي التي لا أفعل لها نحو حبلى إلا أن تكون فعلى أفعل مضافة وهاهنا قد عريت عن الاضافة وعن الألف واللام فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته» . ورد ابن أبي حديد في كتاب «الفلك الدائر» على هذا القول بأن قال: «لا ينكر أن كثيرا من أئمة العربية طعن في هذا البيت ولكن انتصر لأبي نواس كثير منهم فقالوا: وجدنا فعلى أفعل في غير موضع واردة بغير لام ولا إضافة ولا من مثل دنيا في قول الراجز: في سعي دنيا طالما قد مدت، وقول الآخر: وإن دعوت إلى جلى ومكرمة، وقول الآخر لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة، وقالوا: طوبى لك. وفي البيت وجه آخر وهو أن تكون من في قوله من فواقعها زائدة على مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الواجب فإنه يذهب إلى ذلك ويحتج بقوله تعالى: «فيها من برد» أي فيها برد وهذا يرجح أن يكون صغرى وكبرى في البيت مضافتين» . وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: هذا عجيب من مثل هذا الرجل الفاضل أما إيراده دنيا وأخواتها فكل وجوهها مذكورة في كتب النحاة بما يغني عن الإطالة بذكره بخلاف صغرى وكبرى، وأما قوله بزيادة من فكأنه يظن أن من إذا كانت زائدة كان الجر بالإضافة أو كانت الإضافة باقية وهذا لا وجه له وإنما الجر بحرف الجر لأن حروف الجر لا تعلق وأما زيادة حرف الجر بين المتضايفين فلم بقل به إلا في مثل لا أبا لك على شذوذ وليس هذا منه ولا يريد الأخفش بقوله ان من تزاد في الواجب ما أراد ابن أبي الحديد» ومثله قول العروضيين فاصلة صغرى وفاصلة كبرى أي صغيرة وكبيرة لا يريدون التفضيل وانما يريدون الاسم وقول أبي تمام يصف الربيع: دنيا معاش للورى حتى إذا ... حل الربيع فإنما هي منظر غلبت الاسمية عليها حتى لم يعد يلمح لأصل التفضيل فيها. وننتهز الفرصة لنورد أبياتا من القصيدة التي منها هذا البيت لأبي نواس لحسنها، ومطلعها: ساع بكأس إلى ناس على طرب ... كلاهما عجب في منظر عجب قامت تريني وستر الليل منسدل ... صبحا تولد بين الماء والعنب كأن صغرى وكبرى.... البيت وبعده كأن تركا صفوفا في جوانبها ... تواتر الرمي بالنشاب من كثب في كف ساقية ناهيك ساقية ... في حسن قدّ وفي ظرف وفي أدب

الكهف 18:29

اللغة: (أَعْتَدْنا) : أعددنا وهيأنا وفي القاموس «عتّد وأعتد الشيء: هيأه وأعده وعتد الشيء يعتد من باب ظرف وجمل عتادا تهيأ، وتعتد في صنعته تأنّق فيها والعتاد: ما أعد لأمر ما، وكل ما هيء من سلاح وآلة حرب والجمع أعتد وعتد وأعتدة» . (سُرادِقُها) : السرادق بضم السين وكسر الدال: الفسطاط الذي يمد فوق صحن البيت والخيمة والغبار والدخان المرتفع المحيط بالشيء والجمع سرادقات وفي الكشاف: «شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وبيت مسردق ذو سرادق وقيل هو دخان يحيط بالكفار قبل دخول النار وقيل حائط من نار يطيف بهم» وقال الراغب: «السرادق: فارسي معرب وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا وفي المختار: السرادق مفرد والجمع سرادقات الذي يمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف أي قطن فهو سرادق ويقال بيت مسردق. قال الجوهري: والسرادق واحد السرادقات وهي التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف فهو سرادق ومنه قول رؤبة: يا حكم بن المنذر بن جارود ... سرادق المجد عليك ممدود وقال الشاعر: هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيت مسردق يقوله سلام بن جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان ابن المنذر تحت أرجل الفيلة. (المهل) : بضم الميم اسم يجمع معدنيات الجواهر كالفضة والحديد والصفر، ما كان منها ذائبا، القطران الرقيق، الزيت الرقيق، السم، القيح أو صديد الميت خاصة، ما يتحات عن الخبز من الرماد وقيل هو كعكر الزيت أي ما بقي في الإناء منه والخلاصة هو اسم جامع لكل المستقذرات التي تغثى منها النفس وتتألم وتنفر. (مُرْتَفَقاً) : تقدم ذكر هذه المادة في هذه السورة وهي هنا متكأ من المرفق وهذا لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقا الآتي وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء وقد يكون من وادي قوله: إني أرقت فبت الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح والارتفاق الاتكاء على المرفق مع نصب الساعد وهي هيئة المتحزن المتحسّر، والصاب نبت مرّ كالحنظل، والمذبوح المشقوق وهو كناية عن البكاء وانصباب الدموع والبيت لأبي ذؤيب الهذلي. (السندس) : ما رقّ من الديباج. (الاستبرق) : ما غلظ من الديباج والإستبرق يونانية والسندس فارسية وقيل هندية وقد تقدم ذكرهما في جدول أحصينا فيه الألفاظ الأعجمية. الإعراب: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) الحق خبر لمبتدأ محذوف ومن ربكم حال ويجوز أن يكون الحق مبتدأ ومن ربكم خبره، فمن شاء الفاء استئنافية ومن شرطية مبتدأ وشاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره هو والفاء رابطة للجواب لأن الجملة طلبية واللام لام الأمر ويؤمن مضارع مجزوم بلام الأمر ومن شاء فليكفر عطف على سابقتها. (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) إن واسمها وجملة أعتدنا خبرها وللظالمين متعلقان بأعتدنا ونارا مفعول به وأحاط بهم سرادقها الجملة صفة لنار، وأحاط فعل ماض وبهم متعلقان بأحاط وسرادقها فاعل أحاط.. (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) الواو عاطفة وإن شرطية ويستغيثوا فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل ويغاثوا جواب الشرط وبماء متعلقان بيغاثوا وكالمهل صفة لماء وجملة يشوي الوجود صفة ثانية أو حال والوجوه مفعول به. (بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً) بئس فعل ماض جامد من أفعال الذم، والشراب فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي هي وساءت عطف على بئس ومرتفا تمييز محول عن الفاعل أي مرتفقها ولا تلتفت لمن أعربها مصدرا. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) إن واسمها وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا، إنا لا نضيع يجوز أن تكون هذه الجملة خبر إن أو يجوز أن تجعلها معترضة وان واسمها وجملة لا نضيع خبرها وفاعل نضيع مستتر تقديره نحن وأجر مفعول به ومن موصول مضاف اليه وجملة أحسن صلة وعملا تمييز ويجوز أن يكون مفعولا به وفاعل أحسن ضمير هو الرابط إذا جعلت إنا لا نضيع خبر إن الذين أو الرابط هو تكرر الظاهر بمعناه. (أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) الجملة خبر ثان لإن الذين أو خبر إذا جعلت جملة إنا لا نضيع معترضة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وجنات عدن مبتدأ مؤخر والمبتدأ الثاني وخبره خبر أولئك وجملة تجري من تحتهم الأنهار حال من جنات أو صفة لها فصار لهم بذلك نوعان من الثواب من خمسة أنواع والثلاثة الباقية هي: (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) يحلون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفيها حال أي حال كونهم في الجنة أو متعلقان بيحلون ومن أساور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف أي حليا من ذهب، ومن ذهب صفة لأساور ويلبسون عطف على يحلون والواو فاعل وثيابا مفعول به وخضرا صفة ومن سندس صفة أو حال من ثيابا وإستبرق عطف على سندس ومتكئين حال من أولئك وفيها حال أيضا فهي متداخلة وعلى الأرائك متعلقان بمتكئين فتمت بذلك النعم السوابغ الخمس. (نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) تقدم اعراب نظيرتها فجدد به عهدا. البلاغة: في هذه الآيات فنون كثيرة من البلاغة تقدم ذكر معظمها فنكتفي بالاشارة إليها: 1- التهكم: في قوله تعالى «يغاثوا بماء كالمهل» فقد سمى أعلى أنواع العذاب إغاثة والإغاثة هي الإنقاذ من العذاب تهكما بهم وتشفيا منهم والتهكم فن طريف من فنونهم من تهكمت البئر إذا تهدمت أو من التهكم بمعنى الغضب الشديد أو الندم على أمر فائت فالبشارة فيه إنذار والوعد معه وعيد والإجلال للمخاطب المتهكم به تحقير وهذه الآية من أحسن شواهده إذ جعل الإغاثة ضد الإغاثة نفسها ففيه إلى جانب التهكم مشاكلة أيضا وقد افتتن الشعراء بهذا المعنى وأخذه بعضهم بلفظه فأجاد من جهة وأسف من جهة التركيب وذلك بقوله يهجو بخيلا: أبات الضيوف على سطحه ... فبات يريهم نجوم السماء وقد فتت الجوع أكبادهم ... وان يستغيثوا يغاثوا بماء وقد برع فيه من شعرائنا ابن الرومي وأوردنا نماذج من تهكمه ونورد الآن أبياتا له يتهكم فيها بصاحب لحية طويلة: ارع فيها الموسى فإنك منها ... يشهد الله في اثام كبير أيما كوسج يراها فيلقى ... ربه بعدها صحيح الضمير هو أحرى بأن يشك ويغرى ... باتهام الحكم في التقدير لحية أهملت فسالت وفاضت ... فإليها تشير كف المشير ما رأتها عين امرئ ما رآها ... قط إلا أهلّ بالتكبير روعة تستخفه لم يرعها ... من رأى وجه منكر ونكير فاتق الله ذا الجلال وغيّر ... منكرا فيك ممكن التغيير أو فقصّر منها فحسبك منها ... نصف شبر علامة التذكير ومغالطته بادية من دخيلة إحساسه بهيبة اللحية حتى البحتري لم تسلم لحيته من هجوه إذ يقول: البحتري ذنوب الوجه تعرفه ... وما رأينا ذنوب الوجه ذا أدب 2- التشبيه المؤكد: في قوله تعالى «إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها» فقد شبه النار المحيطة بهم بالسرادق المضروب على من يحتويهم وأضيف السرادق إلى النار فذلك هو التشبيه المؤكد وهو أن يضاف المشبه إلى المشبه به كقول بعضهم: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء فقد أضاف الأصيل وهو المشبه إلى الذهب وهو المشبه به كما أضاف الماء الذي هو المشبه إلى اللجين الذي هو المشبه به وقد رمقه شوقي فقال في وصف دمشق: دخلتها وحواشيها زمردة ... والشمس فوق لجين الماء عقيان والمراد بالتشبيه المؤكد قوله لجين الماء أما حواشيها زمردة والشمس عقيان فهو من التشبيه البليغ المضمر الأداة. 3- المشاكلة: وذلك في قوله «وساءت مرتفقا» فقد ذكر الارتفاق مشاكلة لقوله فيما بعد في وصف أهل الجنة «وحسنت مرتفقا» لأن ارتفاق اليد في النار لا يصح بل فيها العذاب والضرر وقد ذكرنا في باب اللغة انه يجوز أن يكون الارتفاق ناشئا عن الهم والعذاب كقول الهذلي المتقدم فلا مشاكلة ومن طريف المشاكلة قول بعضهم وقد دعاه إخوانه إلى صبوح وليس لديه ثياب يلبسها فكتب إليهم: إخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... وأتى رسولهم إليّ خصيصا قالوا التمس شيئا نجد لك طبخة ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا ومن المفيد أن نشير إلى تأنيث حسنت وساءت وذلك على المعنى أي ساءت النار مرتفقا وحسنت الجنة مرتفقا. 4- الاستتباع: وهو فن جميل يتقصى الشيء الذي تتصدى للكتابة عنها باستقصاء الأوصاف المحيطة به والملائمة له فلا يكاد المتكلم يذكر معنى من المعاني أو يتناول غرضا من الأغراض حتى يستتبع معنى آخر من جنسه يقتضي زيادة في وصفه فقد ذكر تعالى الجنة جزاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات فوصفها بأن الأنهار تجري خلالها من تحتهم ثم ذكر الأساور حلية لهم ونكرها لإبهام أمرها في الحسن وجمع بين السندس والإستبرق وهما ما رقّ وغلظ من ألبسة الحرير على عادة المترفين الذين يعدون ثيابا للصيف تصلح له وللشتاء لباسا أخرى تلائم حالات البرد الشديد وخص الاتكاء بالذكر لأنه هيئة المنعّمين المترفين المسترخين على المقاعد والسرر في الابهاء الممتعة والقصور المنيفة فسبحان قائل هذا الكلام. ومن الاستتباع في الشعر قول المتنبي: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد فقد استتبع مدحه بالشجاعة مدحه بأنه سبب لصلاح الدنيا حيث جعلها مهنأة بخلوده لأنه سبب عمرانها ومثله قوله أيضا: إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام فقد مدح سيف الدولة بالشجاعة أيضا واستتبع في باقي البيت مدحه بالكرم لعصيان الملام في الهبات والمعنى انك تردهم عما يطلبون من الهدنة ردك لوم اللائمين لك في العطاء أي كما انك لا تصغي إلى ملامة لائم في سخائك فكذلك لا تقبل الهدنة وهذا من أروع ما تبتكره الأذهان ومن الفائدة أن نورد أبياتا مختارة من هذه القصيدة التي قالها في مديح سيف الدولة وقد وردت عليه رسل الروم يطلبون الهدنة في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وأولها: أراع كذا؟ كل الملوك همام ... وسح له رسل الملوك غمام؟ يقول هل راع ملك جميع الملوك كما أرى من روعك إياهم وهل تقاطرت الرسل على ملك كما تقاطرت عليك جعل توالي الرسل عليه كسح الغمام وفي البيت براعة استهلال لأنه أشار فيه وهو مطلع القصيدة إلى موضوع الرسل، ثم قال: ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامها فيما يريد قيام إذا زار سيف الدولة الروم غازيا ... كفاها لمام لو كفاه لمام فتى يتبع الأزمان في الناس خطوه ... لكل زمان في يديه زمام تنام لديك الرسل أمنا وغبطة ... وأجفان رب الرسل ليس تنام حذارا لمعرورى الجياد فجاءة ... إلى الطعن قبلا ما لهن لجام تعطف فيه والأعنة شعرها ... وتضرب فيه والسياط كلام إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام وإن كنت لا تعطي الذمام طواعة ... فعوذ الأعادي بالكريم ذمام وإن نفوسا أممتك منيعة ... وإن دماء أملتك حرام وفيها يقول: وشر الحمامين الزؤامين عيشة ... يذل الذي يختارها ويضام فلو كان صلحا لم يكن بشفاعة ... ولكنه ذل لهم وغرام

الكهف 18:30

اللغة: (أَعْتَدْنا) : أعددنا وهيأنا وفي القاموس «عتّد وأعتد الشيء: هيأه وأعده وعتد الشيء يعتد من باب ظرف وجمل عتادا تهيأ، وتعتد في صنعته تأنّق فيها والعتاد: ما أعد لأمر ما، وكل ما هيء من سلاح وآلة حرب والجمع أعتد وعتد وأعتدة» . (سُرادِقُها) : السرادق بضم السين وكسر الدال: الفسطاط الذي يمد فوق صحن البيت والخيمة والغبار والدخان المرتفع المحيط بالشيء والجمع سرادقات وفي الكشاف: «شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وبيت مسردق ذو سرادق وقيل هو دخان يحيط بالكفار قبل دخول النار وقيل حائط من نار يطيف بهم» وقال الراغب: «السرادق: فارسي معرب وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا وفي المختار: السرادق مفرد والجمع سرادقات الذي يمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف أي قطن فهو سرادق ويقال بيت مسردق. قال الجوهري: والسرادق واحد السرادقات وهي التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف فهو سرادق ومنه قول رؤبة: يا حكم بن المنذر بن جارود ... سرادق المجد عليك ممدود وقال الشاعر: هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيت مسردق يقوله سلام بن جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان ابن المنذر تحت أرجل الفيلة. (المهل) : بضم الميم اسم يجمع معدنيات الجواهر كالفضة والحديد والصفر، ما كان منها ذائبا، القطران الرقيق، الزيت الرقيق، السم، القيح أو صديد الميت خاصة، ما يتحات عن الخبز من الرماد وقيل هو كعكر الزيت أي ما بقي في الإناء منه والخلاصة هو اسم جامع لكل المستقذرات التي تغثى منها النفس وتتألم وتنفر. (مُرْتَفَقاً) : تقدم ذكر هذه المادة في هذه السورة وهي هنا متكأ من المرفق وهذا لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقا الآتي وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء وقد يكون من وادي قوله: إني أرقت فبت الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح والارتفاق الاتكاء على المرفق مع نصب الساعد وهي هيئة المتحزن المتحسّر، والصاب نبت مرّ كالحنظل، والمذبوح المشقوق وهو كناية عن البكاء وانصباب الدموع والبيت لأبي ذؤيب الهذلي. (السندس) : ما رقّ من الديباج. (الاستبرق) : ما غلظ من الديباج والإستبرق يونانية والسندس فارسية وقيل هندية وقد تقدم ذكرهما في جدول أحصينا فيه الألفاظ الأعجمية. الإعراب: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) الحق خبر لمبتدأ محذوف ومن ربكم حال ويجوز أن يكون الحق مبتدأ ومن ربكم خبره، فمن شاء الفاء استئنافية ومن شرطية مبتدأ وشاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره هو والفاء رابطة للجواب لأن الجملة طلبية واللام لام الأمر ويؤمن مضارع مجزوم بلام الأمر ومن شاء فليكفر عطف على سابقتها. (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) إن واسمها وجملة أعتدنا خبرها وللظالمين متعلقان بأعتدنا ونارا مفعول به وأحاط بهم سرادقها الجملة صفة لنار، وأحاط فعل ماض وبهم متعلقان بأحاط وسرادقها فاعل أحاط.. (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) الواو عاطفة وإن شرطية ويستغيثوا فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل ويغاثوا جواب الشرط وبماء متعلقان بيغاثوا وكالمهل صفة لماء وجملة يشوي الوجود صفة ثانية أو حال والوجوه مفعول به. (بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً) بئس فعل ماض جامد من أفعال الذم، والشراب فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي هي وساءت عطف على بئس ومرتفا تمييز محول عن الفاعل أي مرتفقها ولا تلتفت لمن أعربها مصدرا. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) إن واسمها وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا، إنا لا نضيع يجوز أن تكون هذه الجملة خبر إن أو يجوز أن تجعلها معترضة وان واسمها وجملة لا نضيع خبرها وفاعل نضيع مستتر تقديره نحن وأجر مفعول به ومن موصول مضاف اليه وجملة أحسن صلة وعملا تمييز ويجوز أن يكون مفعولا به وفاعل أحسن ضمير هو الرابط إذا جعلت إنا لا نضيع خبر إن الذين أو الرابط هو تكرر الظاهر بمعناه. (أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) الجملة خبر ثان لإن الذين أو خبر إذا جعلت جملة إنا لا نضيع معترضة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وجنات عدن مبتدأ مؤخر والمبتدأ الثاني وخبره خبر أولئك وجملة تجري من تحتهم الأنهار حال من جنات أو صفة لها فصار لهم بذلك نوعان من الثواب من خمسة أنواع والثلاثة الباقية هي: (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) يحلون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفيها حال أي حال كونهم في الجنة أو متعلقان بيحلون ومن أساور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف أي حليا من ذهب، ومن ذهب صفة لأساور ويلبسون عطف على يحلون والواو فاعل وثيابا مفعول به وخضرا صفة ومن سندس صفة أو حال من ثيابا وإستبرق عطف على سندس ومتكئين حال من أولئك وفيها حال أيضا فهي متداخلة وعلى الأرائك متعلقان بمتكئين فتمت بذلك النعم السوابغ الخمس. (نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) تقدم اعراب نظيرتها فجدد به عهدا. البلاغة: في هذه الآيات فنون كثيرة من البلاغة تقدم ذكر معظمها فنكتفي بالاشارة إليها: 1- التهكم: في قوله تعالى «يغاثوا بماء كالمهل» فقد سمى أعلى أنواع العذاب إغاثة والإغاثة هي الإنقاذ من العذاب تهكما بهم وتشفيا منهم والتهكم فن طريف من فنونهم من تهكمت البئر إذا تهدمت أو من التهكم بمعنى الغضب الشديد أو الندم على أمر فائت فالبشارة فيه إنذار والوعد معه وعيد والإجلال للمخاطب المتهكم به تحقير وهذه الآية من أحسن شواهده إذ جعل الإغاثة ضد الإغاثة نفسها ففيه إلى جانب التهكم مشاكلة أيضا وقد افتتن الشعراء بهذا المعنى وأخذه بعضهم بلفظه فأجاد من جهة وأسف من جهة التركيب وذلك بقوله يهجو بخيلا: أبات الضيوف على سطحه ... فبات يريهم نجوم السماء وقد فتت الجوع أكبادهم ... وان يستغيثوا يغاثوا بماء وقد برع فيه من شعرائنا ابن الرومي وأوردنا نماذج من تهكمه ونورد الآن أبياتا له يتهكم فيها بصاحب لحية طويلة: ارع فيها الموسى فإنك منها ... يشهد الله في اثام كبير أيما كوسج يراها فيلقى ... ربه بعدها صحيح الضمير هو أحرى بأن يشك ويغرى ... باتهام الحكم في التقدير لحية أهملت فسالت وفاضت ... فإليها تشير كف المشير ما رأتها عين امرئ ما رآها ... قط إلا أهلّ بالتكبير روعة تستخفه لم يرعها ... من رأى وجه منكر ونكير فاتق الله ذا الجلال وغيّر ... منكرا فيك ممكن التغيير أو فقصّر منها فحسبك منها ... نصف شبر علامة التذكير ومغالطته بادية من دخيلة إحساسه بهيبة اللحية حتى البحتري لم تسلم لحيته من هجوه إذ يقول: البحتري ذنوب الوجه تعرفه ... وما رأينا ذنوب الوجه ذا أدب 2- التشبيه المؤكد: في قوله تعالى «إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها» فقد شبه النار المحيطة بهم بالسرادق المضروب على من يحتويهم وأضيف السرادق إلى النار فذلك هو التشبيه المؤكد وهو أن يضاف المشبه إلى المشبه به كقول بعضهم: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء فقد أضاف الأصيل وهو المشبه إلى الذهب وهو المشبه به كما أضاف الماء الذي هو المشبه إلى اللجين الذي هو المشبه به وقد رمقه شوقي فقال في وصف دمشق: دخلتها وحواشيها زمردة ... والشمس فوق لجين الماء عقيان والمراد بالتشبيه المؤكد قوله لجين الماء أما حواشيها زمردة والشمس عقيان فهو من التشبيه البليغ المضمر الأداة. 3- المشاكلة: وذلك في قوله «وساءت مرتفقا» فقد ذكر الارتفاق مشاكلة لقوله فيما بعد في وصف أهل الجنة «وحسنت مرتفقا» لأن ارتفاق اليد في النار لا يصح بل فيها العذاب والضرر وقد ذكرنا في باب اللغة انه يجوز أن يكون الارتفاق ناشئا عن الهم والعذاب كقول الهذلي المتقدم فلا مشاكلة ومن طريف المشاكلة قول بعضهم وقد دعاه إخوانه إلى صبوح وليس لديه ثياب يلبسها فكتب إليهم: إخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... وأتى رسولهم إليّ خصيصا قالوا التمس شيئا نجد لك طبخة ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا ومن المفيد أن نشير إلى تأنيث حسنت وساءت وذلك على المعنى أي ساءت النار مرتفقا وحسنت الجنة مرتفقا. 4- الاستتباع: وهو فن جميل يتقصى الشيء الذي تتصدى للكتابة عنها باستقصاء الأوصاف المحيطة به والملائمة له فلا يكاد المتكلم يذكر معنى من المعاني أو يتناول غرضا من الأغراض حتى يستتبع معنى آخر من جنسه يقتضي زيادة في وصفه فقد ذكر تعالى الجنة جزاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات فوصفها بأن الأنهار تجري خلالها من تحتهم ثم ذكر الأساور حلية لهم ونكرها لإبهام أمرها في الحسن وجمع بين السندس والإستبرق وهما ما رقّ وغلظ من ألبسة الحرير على عادة المترفين الذين يعدون ثيابا للصيف تصلح له وللشتاء لباسا أخرى تلائم حالات البرد الشديد وخص الاتكاء بالذكر لأنه هيئة المنعّمين المترفين المسترخين على المقاعد والسرر في الابهاء الممتعة والقصور المنيفة فسبحان قائل هذا الكلام. ومن الاستتباع في الشعر قول المتنبي: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد فقد استتبع مدحه بالشجاعة مدحه بأنه سبب لصلاح الدنيا حيث جعلها مهنأة بخلوده لأنه سبب عمرانها ومثله قوله أيضا: إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام فقد مدح سيف الدولة بالشجاعة أيضا واستتبع في باقي البيت مدحه بالكرم لعصيان الملام في الهبات والمعنى انك تردهم عما يطلبون من الهدنة ردك لوم اللائمين لك في العطاء أي كما انك لا تصغي إلى ملامة لائم في سخائك فكذلك لا تقبل الهدنة وهذا من أروع ما تبتكره الأذهان ومن الفائدة أن نورد أبياتا مختارة من هذه القصيدة التي قالها في مديح سيف الدولة وقد وردت عليه رسل الروم يطلبون الهدنة في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وأولها: أراع كذا؟ كل الملوك همام ... وسح له رسل الملوك غمام؟ يقول هل راع ملك جميع الملوك كما أرى من روعك إياهم وهل تقاطرت الرسل على ملك كما تقاطرت عليك جعل توالي الرسل عليه كسح الغمام وفي البيت براعة استهلال لأنه أشار فيه وهو مطلع القصيدة إلى موضوع الرسل، ثم قال: ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامها فيما يريد قيام إذا زار سيف الدولة الروم غازيا ... كفاها لمام لو كفاه لمام فتى يتبع الأزمان في الناس خطوه ... لكل زمان في يديه زمام تنام لديك الرسل أمنا وغبطة ... وأجفان رب الرسل ليس تنام حذارا لمعرورى الجياد فجاءة ... إلى الطعن قبلا ما لهن لجام تعطف فيه والأعنة شعرها ... وتضرب فيه والسياط كلام إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام وإن كنت لا تعطي الذمام طواعة ... فعوذ الأعادي بالكريم ذمام وإن نفوسا أممتك منيعة ... وإن دماء أملتك حرام وفيها يقول: وشر الحمامين الزؤامين عيشة ... يذل الذي يختارها ويضام فلو كان صلحا لم يكن بشفاعة ... ولكنه ذل لهم وغرام

الكهف 18:31

اللغة: (أَعْتَدْنا) : أعددنا وهيأنا وفي القاموس «عتّد وأعتد الشيء: هيأه وأعده وعتد الشيء يعتد من باب ظرف وجمل عتادا تهيأ، وتعتد في صنعته تأنّق فيها والعتاد: ما أعد لأمر ما، وكل ما هيء من سلاح وآلة حرب والجمع أعتد وعتد وأعتدة» . (سُرادِقُها) : السرادق بضم السين وكسر الدال: الفسطاط الذي يمد فوق صحن البيت والخيمة والغبار والدخان المرتفع المحيط بالشيء والجمع سرادقات وفي الكشاف: «شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وبيت مسردق ذو سرادق وقيل هو دخان يحيط بالكفار قبل دخول النار وقيل حائط من نار يطيف بهم» وقال الراغب: «السرادق: فارسي معرب وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا وفي المختار: السرادق مفرد والجمع سرادقات الذي يمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف أي قطن فهو سرادق ويقال بيت مسردق. قال الجوهري: والسرادق واحد السرادقات وهي التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف فهو سرادق ومنه قول رؤبة: يا حكم بن المنذر بن جارود ... سرادق المجد عليك ممدود وقال الشاعر: هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيت مسردق يقوله سلام بن جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان ابن المنذر تحت أرجل الفيلة. (المهل) : بضم الميم اسم يجمع معدنيات الجواهر كالفضة والحديد والصفر، ما كان منها ذائبا، القطران الرقيق، الزيت الرقيق، السم، القيح أو صديد الميت خاصة، ما يتحات عن الخبز من الرماد وقيل هو كعكر الزيت أي ما بقي في الإناء منه والخلاصة هو اسم جامع لكل المستقذرات التي تغثى منها النفس وتتألم وتنفر. (مُرْتَفَقاً) : تقدم ذكر هذه المادة في هذه السورة وهي هنا متكأ من المرفق وهذا لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقا الآتي وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء وقد يكون من وادي قوله: إني أرقت فبت الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح والارتفاق الاتكاء على المرفق مع نصب الساعد وهي هيئة المتحزن المتحسّر، والصاب نبت مرّ كالحنظل، والمذبوح المشقوق وهو كناية عن البكاء وانصباب الدموع والبيت لأبي ذؤيب الهذلي. (السندس) : ما رقّ من الديباج. (الاستبرق) : ما غلظ من الديباج والإستبرق يونانية والسندس فارسية وقيل هندية وقد تقدم ذكرهما في جدول أحصينا فيه الألفاظ الأعجمية. الإعراب: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) الحق خبر لمبتدأ محذوف ومن ربكم حال ويجوز أن يكون الحق مبتدأ ومن ربكم خبره، فمن شاء الفاء استئنافية ومن شرطية مبتدأ وشاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره هو والفاء رابطة للجواب لأن الجملة طلبية واللام لام الأمر ويؤمن مضارع مجزوم بلام الأمر ومن شاء فليكفر عطف على سابقتها. (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) إن واسمها وجملة أعتدنا خبرها وللظالمين متعلقان بأعتدنا ونارا مفعول به وأحاط بهم سرادقها الجملة صفة لنار، وأحاط فعل ماض وبهم متعلقان بأحاط وسرادقها فاعل أحاط.. (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) الواو عاطفة وإن شرطية ويستغيثوا فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل ويغاثوا جواب الشرط وبماء متعلقان بيغاثوا وكالمهل صفة لماء وجملة يشوي الوجود صفة ثانية أو حال والوجوه مفعول به. (بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً) بئس فعل ماض جامد من أفعال الذم، والشراب فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي هي وساءت عطف على بئس ومرتفا تمييز محول عن الفاعل أي مرتفقها ولا تلتفت لمن أعربها مصدرا. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) إن واسمها وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا، إنا لا نضيع يجوز أن تكون هذه الجملة خبر إن أو يجوز أن تجعلها معترضة وان واسمها وجملة لا نضيع خبرها وفاعل نضيع مستتر تقديره نحن وأجر مفعول به ومن موصول مضاف اليه وجملة أحسن صلة وعملا تمييز ويجوز أن يكون مفعولا به وفاعل أحسن ضمير هو الرابط إذا جعلت إنا لا نضيع خبر إن الذين أو الرابط هو تكرر الظاهر بمعناه. (أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) الجملة خبر ثان لإن الذين أو خبر إذا جعلت جملة إنا لا نضيع معترضة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وجنات عدن مبتدأ مؤخر والمبتدأ الثاني وخبره خبر أولئك وجملة تجري من تحتهم الأنهار حال من جنات أو صفة لها فصار لهم بذلك نوعان من الثواب من خمسة أنواع والثلاثة الباقية هي: (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) يحلون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفيها حال أي حال كونهم في الجنة أو متعلقان بيحلون ومن أساور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف أي حليا من ذهب، ومن ذهب صفة لأساور ويلبسون عطف على يحلون والواو فاعل وثيابا مفعول به وخضرا صفة ومن سندس صفة أو حال من ثيابا وإستبرق عطف على سندس ومتكئين حال من أولئك وفيها حال أيضا فهي متداخلة وعلى الأرائك متعلقان بمتكئين فتمت بذلك النعم السوابغ الخمس. (نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) تقدم اعراب نظيرتها فجدد به عهدا. البلاغة: في هذه الآيات فنون كثيرة من البلاغة تقدم ذكر معظمها فنكتفي بالاشارة إليها: 1- التهكم: في قوله تعالى «يغاثوا بماء كالمهل» فقد سمى أعلى أنواع العذاب إغاثة والإغاثة هي الإنقاذ من العذاب تهكما بهم وتشفيا منهم والتهكم فن طريف من فنونهم من تهكمت البئر إذا تهدمت أو من التهكم بمعنى الغضب الشديد أو الندم على أمر فائت فالبشارة فيه إنذار والوعد معه وعيد والإجلال للمخاطب المتهكم به تحقير وهذه الآية من أحسن شواهده إذ جعل الإغاثة ضد الإغاثة نفسها ففيه إلى جانب التهكم مشاكلة أيضا وقد افتتن الشعراء بهذا المعنى وأخذه بعضهم بلفظه فأجاد من جهة وأسف من جهة التركيب وذلك بقوله يهجو بخيلا: أبات الضيوف على سطحه ... فبات يريهم نجوم السماء وقد فتت الجوع أكبادهم ... وان يستغيثوا يغاثوا بماء وقد برع فيه من شعرائنا ابن الرومي وأوردنا نماذج من تهكمه ونورد الآن أبياتا له يتهكم فيها بصاحب لحية طويلة: ارع فيها الموسى فإنك منها ... يشهد الله في اثام كبير أيما كوسج يراها فيلقى ... ربه بعدها صحيح الضمير هو أحرى بأن يشك ويغرى ... باتهام الحكم في التقدير لحية أهملت فسالت وفاضت ... فإليها تشير كف المشير ما رأتها عين امرئ ما رآها ... قط إلا أهلّ بالتكبير روعة تستخفه لم يرعها ... من رأى وجه منكر ونكير فاتق الله ذا الجلال وغيّر ... منكرا فيك ممكن التغيير أو فقصّر منها فحسبك منها ... نصف شبر علامة التذكير ومغالطته بادية من دخيلة إحساسه بهيبة اللحية حتى البحتري لم تسلم لحيته من هجوه إذ يقول: البحتري ذنوب الوجه تعرفه ... وما رأينا ذنوب الوجه ذا أدب 2- التشبيه المؤكد: في قوله تعالى «إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها» فقد شبه النار المحيطة بهم بالسرادق المضروب على من يحتويهم وأضيف السرادق إلى النار فذلك هو التشبيه المؤكد وهو أن يضاف المشبه إلى المشبه به كقول بعضهم: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء فقد أضاف الأصيل وهو المشبه إلى الذهب وهو المشبه به كما أضاف الماء الذي هو المشبه إلى اللجين الذي هو المشبه به وقد رمقه شوقي فقال في وصف دمشق: دخلتها وحواشيها زمردة ... والشمس فوق لجين الماء عقيان والمراد بالتشبيه المؤكد قوله لجين الماء أما حواشيها زمردة والشمس عقيان فهو من التشبيه البليغ المضمر الأداة. 3- المشاكلة: وذلك في قوله «وساءت مرتفقا» فقد ذكر الارتفاق مشاكلة لقوله فيما بعد في وصف أهل الجنة «وحسنت مرتفقا» لأن ارتفاق اليد في النار لا يصح بل فيها العذاب والضرر وقد ذكرنا في باب اللغة انه يجوز أن يكون الارتفاق ناشئا عن الهم والعذاب كقول الهذلي المتقدم فلا مشاكلة ومن طريف المشاكلة قول بعضهم وقد دعاه إخوانه إلى صبوح وليس لديه ثياب يلبسها فكتب إليهم: إخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... وأتى رسولهم إليّ خصيصا قالوا التمس شيئا نجد لك طبخة ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا ومن المفيد أن نشير إلى تأنيث حسنت وساءت وذلك على المعنى أي ساءت النار مرتفقا وحسنت الجنة مرتفقا. 4- الاستتباع: وهو فن جميل يتقصى الشيء الذي تتصدى للكتابة عنها باستقصاء الأوصاف المحيطة به والملائمة له فلا يكاد المتكلم يذكر معنى من المعاني أو يتناول غرضا من الأغراض حتى يستتبع معنى آخر من جنسه يقتضي زيادة في وصفه فقد ذكر تعالى الجنة جزاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات فوصفها بأن الأنهار تجري خلالها من تحتهم ثم ذكر الأساور حلية لهم ونكرها لإبهام أمرها في الحسن وجمع بين السندس والإستبرق وهما ما رقّ وغلظ من ألبسة الحرير على عادة المترفين الذين يعدون ثيابا للصيف تصلح له وللشتاء لباسا أخرى تلائم حالات البرد الشديد وخص الاتكاء بالذكر لأنه هيئة المنعّمين المترفين المسترخين على المقاعد والسرر في الابهاء الممتعة والقصور المنيفة فسبحان قائل هذا الكلام. ومن الاستتباع في الشعر قول المتنبي: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد فقد استتبع مدحه بالشجاعة مدحه بأنه سبب لصلاح الدنيا حيث جعلها مهنأة بخلوده لأنه سبب عمرانها ومثله قوله أيضا: إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام فقد مدح سيف الدولة بالشجاعة أيضا واستتبع في باقي البيت مدحه بالكرم لعصيان الملام في الهبات والمعنى انك تردهم عما يطلبون من الهدنة ردك لوم اللائمين لك في العطاء أي كما انك لا تصغي إلى ملامة لائم في سخائك فكذلك لا تقبل الهدنة وهذا من أروع ما تبتكره الأذهان ومن الفائدة أن نورد أبياتا مختارة من هذه القصيدة التي قالها في مديح سيف الدولة وقد وردت عليه رسل الروم يطلبون الهدنة في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وأولها: أراع كذا؟ كل الملوك همام ... وسح له رسل الملوك غمام؟ يقول هل راع ملك جميع الملوك كما أرى من روعك إياهم وهل تقاطرت الرسل على ملك كما تقاطرت عليك جعل توالي الرسل عليه كسح الغمام وفي البيت براعة استهلال لأنه أشار فيه وهو مطلع القصيدة إلى موضوع الرسل، ثم قال: ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامها فيما يريد قيام إذا زار سيف الدولة الروم غازيا ... كفاها لمام لو كفاه لمام فتى يتبع الأزمان في الناس خطوه ... لكل زمان في يديه زمام تنام لديك الرسل أمنا وغبطة ... وأجفان رب الرسل ليس تنام حذارا لمعرورى الجياد فجاءة ... إلى الطعن قبلا ما لهن لجام تعطف فيه والأعنة شعرها ... وتضرب فيه والسياط كلام إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام وإن كنت لا تعطي الذمام طواعة ... فعوذ الأعادي بالكريم ذمام وإن نفوسا أممتك منيعة ... وإن دماء أملتك حرام وفيها يقول: وشر الحمامين الزؤامين عيشة ... يذل الذي يختارها ويضام فلو كان صلحا لم يكن بشفاعة ... ولكنه ذل لهم وغرام

الكهف 18:32

اللغة: (أَعْنابٍ) : جمع عنب والعنبة الحبة وفي القاموس وغيره: عنّب الكرم: صار ذا عنب والعنب ثمر الكرم وجمعه أعناب والحبة منه عنبة. (وَحَفَفْناهُما) : جعلنا النخل محيطا بكل منهما. يقال: حفه القوم إذا طافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولا ثانيا كقولك غشيه وغشيته به وفي الأساس: «حفّوا به واحتفّوا أطافوا وهم حافون به وحففته بالناس: جعلتهم حافّين به و «حفّت الجنة بالمكاره» «وحففناهما بنخل» ودخلت عليه وهو محفوف بخدمه، وهودج محفف بالديباج، قال امرؤ القيس: رفعن حوايا واقتعدن قعائدا ... وحفّفن من حوك العراق المنمّق وجلسوا حفافيه وحفافي سريره وهما جانباه وركبت في محفتها، وهو رجل محفوف بثوب، وما بقي في شعر رأسه إلا حفاف وهو طرّة حول رأسه وحفّت المرأة وجهها واحتفّته: أخذت شعره، وحفّ الفرس والريح والطائر والسهم حفيفا وهو صوت مروره والأغصان الشجرة حفيف» . (ثَمَرٌ) : أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثره بالتشديد وفي المصباح: الثمر بفتحتين والثمرة مثله فالأول مذكر ويجمع على ثمار مثل جبل وجبال ثم يجمع على ثمر ككتاب وكتب ثم يجمع على أثمار مثل عنق وأعناق والثاني مؤنث والجمع ثمرات مثل قصبة وقصبات والثمر هو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أو لا فيقال ثمر الأراك وثمر العوسج وثمر الدوم وهو المقل كما يقال ثمر النخل وثمر العنب، قال الأزهري: وأثمر الشجر أطلع ثمره أول ما يخرجه فهو مثمر ومن هنا قيل لما لا نفع فيه: ليس له ثمرة وفي الأساس: «وكان له ثمر» أي مال وانظر ثمر مالك ونماءه ومال ثمر: مبارك فيه وأثمر القوم وثمروا ثمورا: كثر مالهم وثمر ماله يثمر كثر وفلان مجدود ما يثمر له مال» والمراد في الآية انه كان إلى جانب الجنتين الموصوفتين الأموال الداثرة من الذهب والفضة وغيرهما وكان وافر اليسار من كل وجه. (حُسْباناً) : إما أن تكون مصدرا كالغفران والبطلان فإن لحسب مصادر عديدة تقول حسبه بفتح السين يحسبه بضمها حسبا وحسابا وحسبانا وحسبانا وحسبة وحسابة: عده، وتقول: حسبه بكسر السين يحسبه بكسرها وفتحها حسبانا ومحسبة ومحسبة: ظنه، وتقول حسب بضم السين يحسب بضمها أيضا حسبا وحسابة: كان ذا حسب وذا كرم فهو حسيب، فإلى أي الفروع ينتمي هذا المصدر؟ واضح مما تقدم أنه ينتمي إما إلى حسب يحسب بمعنى العد والمعنى عندئذ يرسل عليها مقدارا من العذاب قدره الله وحسبه وهو تخريبها والإطاحة بها وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداه واما إن تكون حسبانا جمع حسبانة بضم الحاء وهي السهم أو الصاعقة وقال الزجاج عذاب حسبان وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. (زَلَقاً) : صفة لصعيدا أي ملساء لا تثبت عليه القدم وفي القاموس: الزلق بفتحتين والزلق بفتح فسكون أرض ملساء ليس بها شيء وصيرورتها كذلك لاستئصال نباتها. (غَوْراً) : مصدر غار في الأرض أي ذهب فلا سبيل اليه فهو بمعنى الفاعل أي غائرا في الأرض لا يدرك وزاد أبو نصر غئورا وغارت عينه تغور غئورا وغارت الشمس تغور غئورا أيضا والغور الاسم يقال: سقطت في الغور يعني الشمس وغار الرجل يغور غورا إذا أتى الغور وزاد اللحياني: وأغار أيضا وأنشد بيت الأعشى: نبيّ يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا فهذا على ما قال اللحياني وكان الكسائي يقول: هو من الاغارة وهي السرعة وكان الأصمعي يقول: أغار ليس هو من الغور إنما هو بمعنى عدا وقال اللحياني: يقال للفرس إنه لمغوار أي شديد العدو والجمع مغاوير والتفسير الأول الوجه لأنه قال وأنجدا فانه أراد أن الغور وأتى نجدا والغور تهامة وغار فلان على أهله يغار غيره ورجل عيور من قوم غير وامرأة غيرى من نساء غيارى وقال الأصمعي: فلان شديد الغار على أهله أي شديد الغيرة وزاد اللحياني والغير، وقال أبو نصر: أغار فلان على بني فلان يغير إغارة وقال اللحياني يقال للرجل: إنه لمغوار أي شديد الإغارة والجمع مغاوير وقال أبو نصر: يقال غارهم يغيرهم إذا مارهم والغيار المصدر قال عبد مناف بن ربعي الهذلي: ماذا يضير ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا يريد انه لا يغني بكاؤهما على أبيهما من طلب ثأره شيئا. وقال أبو نصر: الغاران البطن والفرج يقال المرء يسعى لغاريه أي لبطنه وفرجه وقال أبو عبيدة: يقال لفم الإنسان وفرجه الغاران، وقال أبو نصر: الغار كالكهف في الجبل ويقال في أمثالهم «عسى الغوير أبؤسا» وأصله انه كان غار فيه ناس فانهار عليهم أو أتاهم فيه عدو فقتلوهم فيه فصار مثلا لكل ما يخاف منه الشر وقيل ان الغوير اسم ماء بناحية السماوة قالته الزباء لما رأت قصيرا الذي جاء يأخذ بثأر جذيمة الأبرش عن طريق الغوير والغوير تصغير غار وخلاصة معنى المثل عسى أن يكون جاء البأس من الغار وحسبنا ما تقدم فهذه المادة لا يدرك غورها. (خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) : العروش في المصباح: «العرش شبه بيت من جريد يجعل فوقه الثمام والجمع عروش» فهو في الأصل صنع ليوضع عليه الكرم فإذا سقط سقط ما عليه وقد تقدم تقريره. (الْوَلايَةُ) : بفتح الواو وبكسرها الملك والقهر والسلطة. الإعراب: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) تقدم في سورة البقرة أن ضرب مع المثل يجوز أن يتعدى لاثنين لأنه بمعنى الجعل فاضرب فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهم متعلقان باضرب ومثلا مفعول به ورجلين لك أن تجعلها بدلا من مثلا فيكون لهم بمثابة المفعول الثاني ومثلا هو المفعول الأول ولك أن تجعل رجلين هي المفعول الثاني وسيأتي حديث الرجلين. (جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً) جملة جعلنا صفة لرجلين ولأحدهما مفعول ثان لجعلنا وجنتين مفعول أول ومن أعناب صفة لجنتين وحففناهما عطف على جعلنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبنخل متعلقان بحففناهما وجعلنا بينهما زرعا عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيرتها. (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) كلتا مبتدأ وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف لأنه اسم مقصور وسيأتي حكم كلا وكلتا في باب الفوائد وجملة آتت أكلها خبر كلتا وقد روعي لفظها فأتى الخبر مفردا ولم تظلم عطف على آتت ومنه حال لأنه كان صفة لشيئا وشيئا إما مفعول به على أن تظلم بمعنى تنقص أو مفعول مطلق وقد تقدم تحقيق ذلك. ومن نوادر كلام العرب: قيل لأعرابي: أتأكل العنب؟ قال: ما ظلمني أن آكله أي ما منعني قال أبو عثمان سعيد بن هارون الاشنانداني: ومنه قول الله عز وجل: «ولم تظلم منه شيئا» أي لم تمنع. (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) فجرنا فعل وفاعل وخلالهما ظرف متعلق بفجرنا ونهرا مفعول به. (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وله خبر كان المقدم وثمر اسمها المؤخر فقال عطف على وكان ولصاحبه متعلقان بقال والواو للحال وهو مبتدأ وجملة يحاوره خبر والجملة حالية والمراد به أحدهما. (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً) الجملة مقول القول وسيأتي أنه قال ثلاث قولات منافية للحق في باب البلاغة وأنا مبتدأ وأكثر خبر ومنك متعلقان بأكثر ومالا تمييز وأعز نفرا عطف على أكثر مالا. (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) ودخل جنته فعل وفاعل ومفعول به على السعة وهو الواو للحال وهو مبتدأ وظالم خبر والجملة حالية ولنفسه متعلقان بظالم، وقال فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو وجملة ما أظن مقول القول وان وما بعدها سدت مسد مفعولي أظن وهذه فاعل تبيد وأبدا طرف زمان متعلق بتبيد. (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) وما أظن عطف على ما أظن الأولى والساعة مفعول به أول وقائمة مفعول به ثان وأراد وهو منكر للبعث: ما أحسب الساعة قائمة كما تزعم، كما أن شكه في بيدودة جنته وأمواله ناشىء عن طول اغتراره وهيمنة الحرص عليه، ولئن الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان شرطية ورددت فعل ماضي مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط والتاء نائب فاعل ولأجدن اللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم كما هي القاعدة على حد قول صاحب الخلاصة: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم وخيرا مفعول به لأجدن ومنها متعلقان بخيرا ومنقلبا تمييز أي مرجعا فهو مصدر ويجوز أن نعرب خيرا حال ومنقلبا مفعول أي منقلبا خيرا من منقلب هذه الدنيا. (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) قال فعل ماض وله متعلقان به وصاحبه فاعل والواو للحال وهو مبتدأ وجملة يحاوره خبر والهمزة للاستفهام التوبيخي والتقريعي وكفرت فعل وفاعل وبالذي متعلقان بكفرت وجملة خلقك صلة ومن تراب جار ومجرور متعلقان بخلقك وثم من نطفة عطف، وثم حرف عطف وسواك فعل ماض وفاعل مستتر والكاف مفعول به ورجلا حال وإنما ساغ مجيئه حالا وهو غير مشتق لأنه بعد سواك إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل وسيأتي بحث ذلك مفصلا في باب الفوائد ويجوز أن يعرب مفعولا ثانيا لسواك، وأعربه بعضهم تمييز. (لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) لكنا الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة المحذوفة على النون وأدغمت النون في النون والجيد حذف الألف في الوصل وإثباتها في الوقف لأن أنا كذلك والألف فيه زائدة لبيان الحركة وانا مبتدأ وهو أي ضمير الشأن مبتدأ ثان والله مبتدأ ثالث وربي الخبر والياء عائدة على المبتدأ الأول ولا يجوز أن تكون لكن المشددة لعاملة نصبا إذ لو كان كذلك لم يقع بعدها هو لأنه ضمير مرفوع ويجوز أن يكون اسم الله بدلا من هو ومثل هذا التركيب قول القائل: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلى ولكن أصله لكن أنا فنقلت حركة الهمزة إلى النون ثم حذفت ثم أدغمت النون في النون بعدها وحذفت الألف الأخيرة في الرسم كاللفظ ولو أجرى الوصل مجرى الوقف لثبتت وقدم المفعول وهو إياك للاهتمام ببراءتها من قلاه وتخصيصها بذلك دون غيرها من النساء وواضح ان قوله ترمينني بالطرف استعارة تصريحية لأنه شبه اطلاق البصر بإطلاق الحجر. والواو استئنافية ولا نافية وأشرك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا وبربي متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به. (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ولولا الواو عاطفة ولولا حرف تحضيض أي هلا وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بقلت وما شاء الله ما موصولة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هذا الذي شاءه الله من بدائع الجمال وتهاويل النعم وتعاجيب المنن والآلاء أو نعرب ما مبتدأ والخبر محذوف تقديره كان والجملة مقول القول وجملة شاء الله صلة والعائد محذوف كما قدرناه ويجوز أن تكون شرطية منصوبة الموضع بفعل الشرط والجواب محذوف أي كان والمعنى أي شيء شاءه الله كان والجملة كلها مقول القول ولا نافية للجنس وقوة اسمها المبني على الفتح وإلا أداة حصر وبالله خبر لا. (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً) إن شرطية وترني فعل الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت في رسم المصحف وأنا ضمير فصل وأقل مفعول به ثان لترني ويجوز أن تعرب أنا توكيدا للياء ومنك متعلقان بأقل ومالا تمييز وولدا عطف عليه. (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه اقترن بفعل الرجاء وهو جامد وقد تقدمت مواضع وجوب ربط الجواب بالفاء المجموعة في قول بعضهم: اسمية طلبية وبجامد ... وبما ولن وبقد وبالتنفيس وربي اسم عسى وان وما في حيزها في محل نصب خبرها وخيرا مفعول ثان ليؤتيني ومن جنتك متعلقان بخير. (وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) ويرسل عطف على يؤتيني والفاعل مستتر تقديره هو وعليها متعلقان بيرسل وحسبانا مفعول به فتصبح الفاء عاطفة على ما تقدم وتصبح فعل مضارع منصوب لأنه عطف على ما تقدم واسم تصبح مستتر تقديره هي وصعيدا خبر تصبح وزلقا نعت لصعيد من باب الوصف بالمصدر. (أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً) أو حرف عطف ويصبح معطوف على ما قبله وماؤها اسم يصبح وغورا خبرها والفاء عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويستطيع منصوب بلن والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت وله متعلقان بطلبا وطلبا مفعول به. (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) الواو عاطفة على محذوف يقدر بحسب مدلول الكلام أي فانقضت الصواعق على جنته وغارت الأمواه فيها وأحيط بثمره بالهلاك أيضا وأحيط فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وبثمره متعلقان بأحيط فأصبح عطف واسمها مستتر تقديره هو وجملة يقلب كفيه خبرها وعلى ما متعلقان بيقلب لأنه ضمن معنى يندم وسيأتي سر هذا التعبير في باب البلاغة ويجوز أن يتعلق الجار والمجرور بمحذوف على أنه حال من فاعل كفيه أي نادما. (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) الواو للحال وهي مبتدأ وخاوية خبر وعلى عروشها خبر ثان وقد تقدم إعرابه ويقول عطف على يقلب أو الواو للحال وجملة يقول حال من فاعل يقلب وجملة يا ليتني لم أشرك مقول القول ولم حرف نفي وقلب وجزم وبربي متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به وقوله يا ليتني تقدم بحثه مرارا وهو أن تكون يا للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف. (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً) الواو للعطف ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم وله خبرها المقدم وفئة اسمها المؤخر وجملة ينصرونه صفة لفئة وذكّرت الصفة وجمعت لأن الفئة تتضمن الجمع وهو يتضمن الذكور والإناث ومن دون الله حال والواو حرف عطف وما نافية وكان واسمها المستتر ومنتصرا خبرها. (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) هنالك اسم اشارة في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم والولاية مبتدأ مؤخر ولله متعلقان بما في معنى اسم الاشارة أو بمتعلقه والحق صفة لله ويجوز أن يتعلق اسم الاشارة بمعنى الاستقرار في لله والولاية مبتدأ ولله خبره أي مستقرة لله ويجوز أن يتعلق بالولاية نفسها لأنها مصدر بمعنى النصرة وهو مبتدأ وخير خبر وثوابا تمييز وخير عقبا عطف على خير ثوابا وعقبا بمعنى عاقبة. البلاغة: حفلت هذه الآية بأفانين متعددة من فنون البلاغة وهذا هو التفصيل: 1- التتميم والاحتراس والكناية: التتميم أو التمام وقد تقدم بحثه مستوفى في سورة البقرة عند قوله تعالى: «أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب» الآية وهو هنا في وصف الجنتين فإن قوله تعالى «واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين» يحتمل أن تكون الجنتان مجرد اجتماع شجر متكانف يستر بظل غصونه الأرض كما تقتضيه الدلالة اللغوية على معنى الجنة أو يكون النفع منها ضئيلا كشجر الأثل والخمط ونحوهما فيكون أسفه عليها أقل من أن تكون الجنتان من نخيل وأعناب ينتفع بما تثمرانه عليه ثم تمم ذلك أيضا بقوله «وجعلنا بينهما زرعا» لئلا يتوهم أن الانتفاع قاصر على النخيل والأعناب ولتكون كل من الجنتين جامعة للأقوات والفواكه متواصلة العمار على الشكل الحسن والترتيب الأنيق ثم تمم ذلك بقوله «وفجرنا خلالهما نهرا» للدلالة على ديمومة الانتفاع بهما فإن الماء هو سر الحياة وعامل النمو الاول في النباتات وإذن فقد استكمل هذا الرجل كل الملاذّ واستوفى ضروب النعم، ثم تمم ذلك بقوله «كلتا الجنتين آتت آكلها» لاستحضار الصورة التامة للانتفاع بالموارد واحترس بقوله «ولم تظلم منه شيئا» من أن يكون ... ... اب القرآن وبيانه، ج 5، ص: 605 ثمة نقص في الأكل الذي آتته وليكون كناية عن تمام الجنتين ونموهما دائما وأبدا وانهما ليستا على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها فتؤتيه ببعض السنين دون بعض أو تأتي بالثمر ناقصا عاما بعد عام فهي فيّاضة المورد في كل حين فقد استوفى وصف الجنتين هذه الفنون الثلاثة جميعا. 2- اللف والنشر المشوش: وذلك في قوله تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره» الآية وحاصل ما قاله هذا الكافر ثلاث مقالات شنيعة وهي: 1- أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، 2- عند ما دخل جنته متكبرا مزهوا ظالما لنفسه قال وقد رنحه الغرور «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» ، 3- والثالثة: بادئا بالآخرة لأنها الأهم قائلا «أكفرت بالذي خلقك» وثنى بالثانية ناصحا لأنها تأتي في المرتبة بعدها فقال: «ولولا إذا دخلت جنتك» إلخ وثلث بالأولى مقرعا فقال «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك» فهو لف ونشر مشوش وقد تقدم ذكره. 3- عودة إلى التتميم والكناية: ثم عاد إلى التتميم فصور الاطاحة بالجنتين وبالثمر معا فقال «وأحيط بثمره» ثم وصف حالته فقال «فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها» وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الأنامل والسقوط في اليد. ثمة نقص في الأكل الذي آتته وليكون كناية عن تمام الجنتين ونموهما دائما وأبدا وانهما ليستا على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها فتؤتيه ببعض السنين دون بعض أو تأتي بالثمر ناقصا عاما بعد عام فهي فيّاضة المورد في كل حين فقد استوفى وصف الجنتين هذه الفنون الثلاثة جميعا. 2- اللف والنشر المشوش: وذلك في قوله تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره» الآية وحاصل ما قاله هذا الكافر ثلاث مقالات شنيعة وهي: 1- أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، 2- عند ما دخل جنته متكبرا مزهوا ظالما لنفسه قال وقد رنحه الغرور «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» ، 3- والثالثة: بادئا بالآخرة لأنها الأهم قائلا «أكفرت بالذي خلقك» وثنى بالثانية ناصحا لأنها تأتي في المرتبة بعدها فقال: «ولولا إذا دخلت جنتك» إلخ وثلث بالأولى مقرعا فقال «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك» فهو لف ونشر مشوش وقد تقدم ذكره. 3- عودة إلى التتميم والكناية: ثم عاد إلى التتميم فصور الاطاحة بالجنتين وبالثمر معا فقال «وأحيط بثمره» ثم وصف حالته فقال «فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها» وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الأنامل والسقوط في اليد. قصة الرجلين الأخوين: وهو أن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل وقد رويت قصتهما على طرق شتى وخلاصتها أن رجلين أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراها فاشترى الكافر أرضا بألف فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم اني أشتري منك دارا في الجنة فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف فقال: اللهم إني اشتريت الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقيل غير ذلك وإنما أوردنا القصة على خلاف شرطنا في هذا الكتاب لطرافتها ولتكون نبراسا للمبدعين من الكتاب. 4- المبالغة: وفي قوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» فن يقال له المبالغة والإفراط في الصفة كما سماها ابن المعتز والتسمية الأولى لقدامة وهو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف عندها حتى يزيد في معنى كلامه ما يكون أبلغ في معنى قصده وقد جاءت المبالغة في الكتاب العزيز على ضروب نذكر ما ورد منها فيه: أولا- فمنها المبالغة في الصفة المعدولة وقد جاءت على ستة أمثلة: آ- فعلان كرحمن، عدل عن راحم للمبالغة ولا يوصف به إلا الله ولم تنعت العرب به أحدا في جاهلية ولا إسلام إلا مسيلمة الكذاب نعتوه به مضافا فقالوا رحمان اليمامة وأنشد شاعر من بني حنيفة يمدح به مسيلمة: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ب- فعّال معدول عن فاعل للمبالغة كقوله تعالى «وإني لغفار لمن تاب» . ج- وفعول عدل عن فاعل للمبالغة كغفور وشكور. د- فعيل عدل عن فاعل للمبالغة كعليم وحكيم. وهذه الصيغ الأربع وردت في القرآن وهناك صيغتان: مفعل كمطعن ومفعال كمطعام ومبطار. ثانيا- إخراج الكلام مخرج الاخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة والاخبار عنه مجاز وقد جاء منه في القرآن قوله تعالى «وجاء ربك والملك صفا صفا» فجعل مجيء جلائل آياته مجيئا له للمبالغة. ثالثا- إخراج الممكن من الشرط إلى الممتنع ليمتنع وقوع المشروط وقد تقدم ذكر هذا النوع في قوله تعالى «ولا يدخلون الجنة حتى بلج الجمل في سم الخياط» . رابعا- ما كان مجازا فصار بالقرينة حقيقة كقوله تعالى «يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار» فإن قتران هذه الجملة بيكاد يصرفها إلى الحقيقة فانقلبت من الامتناع إلى الحقيقة والإمكان. خامسا- وقسم أتى بصيغة اسم التفضيل وهو محض الحقيقة من غير قرينة كقوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» وهو الذي نحن في صدده. سادسا- ما بولغ بصفته على طريق التشبيه كقوله تعالى «إنها نرمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر» . المبالغة في الشعر: هذا ما ورد من المبالغة وضروبها في الكتاب العزيز. أما هي في الشعر ففنون تتشعب وأنواع اختلفت مقاييسها ومعاييرها كما اختلفت آراء الناس فيها فمنهم من يستجيدها ويراها الغاية القصوى في الجودة ومنهم نابغة بني ذبيان وهو القائل: «أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من رديئه» وقد أورد صاحب العمدة مثالا على ذلك ما جرى بين النابغة وحسان بن ثابت ومطالبته حسان بن ثابت بالمبالغة واتهامه بالتقصير في قوله: لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وهي مشهورة مستفيضة في كتب الأدب وأورد صاحب العمدة من أبيات المبالغة التي اختلفت الآراء فيها قول امرئ القيس: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر يعملّ به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحرّ فوصف فاها بهذه الصفة سحرا عند تغير الأفواه بعد النوم فكيف تظنها أول النوم؟ وفي أول الليل، وقال امرؤ القيس: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وبين المكانين بعد أيام. وقال أيضا يصف نارها: نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشبّ لقفّال يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رهبان وانما يرجع القفال من الغزو والغارات وجه الصباح فإذا رأوها من مسافة أيام وجه الصباح وقد خمد سناها وكل موقدها فكيف كانت أول الليل؟ وشبه النجوم بمصابيح الرهبان لأنها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع فربما نعسوا في ذلك الوقت. تعريف آخر للمبالغة: وذهب قوم إلى أن المبالغة افراط في وصف الشيء الممكن عادة القريب وقوعه وسنورد من بديع المبالغة ما يستهوي الألباب فمن ذلك ما رواه أحمد بن حمدون قال: كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاص من أموره فقال لي مرة: يا أبا عبد الله لما دخلت البارحة إلى منزلي استقبلتني جارية من جواريّ فلم أتمالك دون أن قبلتها فوجدت بين شفتيها هواء لو رقد فيه المخمور صحا فكان ذلك مما يستظرف ويستملح من الفتح بن خاقان وقد اقتبسه بعضهم فقال: سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفه ... فأنحلته حتى الصباح عناقا بطيب نسيم منه يستجلب الكرى ... ولو رقد المخمور فيه أفاقا وذهب أبو تمام في المبالغة مذهبا عجيبا فقال وأبدع متغزلا: تلقّاه طيفي في الكرى فتجنّبا ... وقبلت يوما ظله فتغضّبا وخبر أني قد مررت ببابه ... لأخلس منه نظرة فتحجّبا ولو مرت الريح الصبا عند أذنه ... بذكري لسب الريح أو لتعتّبا ولم تجرمني خطرة بضميره ... فتظهر إلا كنت فيه مسببا وما زاده عندي قبيح فعاله ... ولا الصدّ والإعراض إلا تحببا وله أيضا: قد قصرنا دونك الأبصار خوفا أن تذوبا كلما زدناك لحظا ... زدتنا حسنا وطيبا مرضت ألحاظ عينيك فأمرضت القلوبا الفوائد: 1- كلا وكلتا: كلا وكلتا لفظان يعربان إعراب المثنى إن أضيفا إلى الضمير فإن أضيفا إلى الاسم الظاهر أعربا إعراب الاسم المقصور أي بحركات مقدرة على الألف على كل حال وهما اسمان ملازمان للاضافة ولفظهما مفرد ومعناهما مثنى ولذلك يجوز الإخبار عنهما بما يحمل ضمير المفرد باعتبار لفظهما وضمير المثنى باعتبار معناهما وقد اجتمعا في قول الشاعر: كلاهما حين جدّ الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي إلا أن اعتبار اللفظ أكثر وبه جاء القرآن الكريم قال تعالى: «كلتا الجنتين آتت أكلها» قال ابن هشام في مغني اللبيب: «وقد سئلت قديما عن قول القائل: زيد وعمر كلاهما قائم أو كلاهما قائمان فكتبت إن قدر كلاهما توكيد قيل قائمان لأنه خبر عن زيد وعمرو وإن قدر مبتدأ فالوجهان، والمختار الافراد ويتعين مراعاة اللفظ في نحو: كلاهما محب لصاحبه لأن معناه كل واحد منهما وقوله: كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا ومن الأبيات التي أتى فيها ذكر «كلتا» قول حسان بن ثابت: إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت، قتلت، فهاتها لم تقتل كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل أخبر عن التي بالمفرد فوحد ثم قال كلتاهما فثنى، وما معنى كلتاهما حلب العصير ولم يذكر إلا خمرة واحدة وأخبر عن كلتاهما بأرخاهما والصحيح الإخبار عنهما بمفرد لأنهم لحنوا من قال: كلا الرجلين قاما وكلتا المرأتين حضرتا على اللغة الفصيحة ويدل على ذلك قوله تعالى «كلتا الجنتين آتت أكلها» وأيضا فالرواية صحت في المفصل انه بكسر الميم وفتح الصاد وانما يقال مفصل بفتح الميم وكسر الصاد. وأجاب الحريري وغيره عن هذه الاعتراضات بأن قال: أما قوله: ان التي ناولتني فرددتها قتلت فانه خاطب به الساقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة لأنه يقال: قتلت الخمرة إذا مزجتها فكأنه أراد أن يعلمه أنه فطن لما فعله ثم انه دعا عليه بقوله: قتلت وقوله أرخاهما للمفصل يعني به اللسان وسمي مفصلا لأنه يفصل به بين الحق والباطل. وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري: اجتمع قوم على شراب فغناهم المغني البيتين المتقدمين فقال بعضهم امرأتي طالق إن لم أسأل الليلة القاضي عبيد الله بن الحسن عن علة هذا الشعر لم قال إن التي فوحّد ثم قال كلتاهما فثنّى فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه ومضوا يتخطون القبائل حتى انتهوا إلى بني شقرة وعبيد الله يصلي فلما أتم صلاته شرحوا له وسألوه الجواب عن ذلك فقال لهم: إن التي عنى بها الخمر الممزوجة بالماء ثم قال من بعد: كلتاهما حلب العصير يريد الخمر المتحلبة من العنب، والماء المتحلب من السحاب المكنى عنه بالمعصرات في قوله تعالى: «وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا» . 2- الحال الثابتة: الأصل في الحال أن تكون منتقلة لأنها مأخوذة من التحول وهو التنقل وتقع ثابتة في مواضع يرجع إليها في المطولات ومنها أن يدل عاملها على تجدد ذات صاحبها وحدوثه أو تجدد صفة له: نحو «ثم سوّاك رجلا» إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل وقولهم خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فيديها بدل من الزرافة بدل بعض من كل وأطول حال ملازمة من يديها ومن رجليها متعلقان بأطول لأنه اسم تفضيل وعامل الحال خلق وهو يدل على تجدد المخلوق.

الكهف 18:33

اللغة: (أَعْنابٍ) : جمع عنب والعنبة الحبة وفي القاموس وغيره: عنّب الكرم: صار ذا عنب والعنب ثمر الكرم وجمعه أعناب والحبة منه عنبة. (وَحَفَفْناهُما) : جعلنا النخل محيطا بكل منهما. يقال: حفه القوم إذا طافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولا ثانيا كقولك غشيه وغشيته به وفي الأساس: «حفّوا به واحتفّوا أطافوا وهم حافون به وحففته بالناس: جعلتهم حافّين به و «حفّت الجنة بالمكاره» «وحففناهما بنخل» ودخلت عليه وهو محفوف بخدمه، وهودج محفف بالديباج، قال امرؤ القيس: رفعن حوايا واقتعدن قعائدا ... وحفّفن من حوك العراق المنمّق وجلسوا حفافيه وحفافي سريره وهما جانباه وركبت في محفتها، وهو رجل محفوف بثوب، وما بقي في شعر رأسه إلا حفاف وهو طرّة حول رأسه وحفّت المرأة وجهها واحتفّته: أخذت شعره، وحفّ الفرس والريح والطائر والسهم حفيفا وهو صوت مروره والأغصان الشجرة حفيف» . (ثَمَرٌ) : أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثره بالتشديد وفي المصباح: الثمر بفتحتين والثمرة مثله فالأول مذكر ويجمع على ثمار مثل جبل وجبال ثم يجمع على ثمر ككتاب وكتب ثم يجمع على أثمار مثل عنق وأعناق والثاني مؤنث والجمع ثمرات مثل قصبة وقصبات والثمر هو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أو لا فيقال ثمر الأراك وثمر العوسج وثمر الدوم وهو المقل كما يقال ثمر النخل وثمر العنب، قال الأزهري: وأثمر الشجر أطلع ثمره أول ما يخرجه فهو مثمر ومن هنا قيل لما لا نفع فيه: ليس له ثمرة وفي الأساس: «وكان له ثمر» أي مال وانظر ثمر مالك ونماءه ومال ثمر: مبارك فيه وأثمر القوم وثمروا ثمورا: كثر مالهم وثمر ماله يثمر كثر وفلان مجدود ما يثمر له مال» والمراد في الآية انه كان إلى جانب الجنتين الموصوفتين الأموال الداثرة من الذهب والفضة وغيرهما وكان وافر اليسار من كل وجه. (حُسْباناً) : إما أن تكون مصدرا كالغفران والبطلان فإن لحسب مصادر عديدة تقول حسبه بفتح السين يحسبه بضمها حسبا وحسابا وحسبانا وحسبانا وحسبة وحسابة: عده، وتقول: حسبه بكسر السين يحسبه بكسرها وفتحها حسبانا ومحسبة ومحسبة: ظنه، وتقول حسب بضم السين يحسب بضمها أيضا حسبا وحسابة: كان ذا حسب وذا كرم فهو حسيب، فإلى أي الفروع ينتمي هذا المصدر؟ واضح مما تقدم أنه ينتمي إما إلى حسب يحسب بمعنى العد والمعنى عندئذ يرسل عليها مقدارا من العذاب قدره الله وحسبه وهو تخريبها والإطاحة بها وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداه واما إن تكون حسبانا جمع حسبانة بضم الحاء وهي السهم أو الصاعقة وقال الزجاج عذاب حسبان وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. (زَلَقاً) : صفة لصعيدا أي ملساء لا تثبت عليه القدم وفي القاموس: الزلق بفتحتين والزلق بفتح فسكون أرض ملساء ليس بها شيء وصيرورتها كذلك لاستئصال نباتها. (غَوْراً) : مصدر غار في الأرض أي ذهب فلا سبيل اليه فهو بمعنى الفاعل أي غائرا في الأرض لا يدرك وزاد أبو نصر غئورا وغارت عينه تغور غئورا وغارت الشمس تغور غئورا أيضا والغور الاسم يقال: سقطت في الغور يعني الشمس وغار الرجل يغور غورا إذا أتى الغور وزاد اللحياني: وأغار أيضا وأنشد بيت الأعشى: نبيّ يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا فهذا على ما قال اللحياني وكان الكسائي يقول: هو من الاغارة وهي السرعة وكان الأصمعي يقول: أغار ليس هو من الغور إنما هو بمعنى عدا وقال اللحياني: يقال للفرس إنه لمغوار أي شديد العدو والجمع مغاوير والتفسير الأول الوجه لأنه قال وأنجدا فانه أراد أن الغور وأتى نجدا والغور تهامة وغار فلان على أهله يغار غيره ورجل عيور من قوم غير وامرأة غيرى من نساء غيارى وقال الأصمعي: فلان شديد الغار على أهله أي شديد الغيرة وزاد اللحياني والغير، وقال أبو نصر: أغار فلان على بني فلان يغير إغارة وقال اللحياني يقال للرجل: إنه لمغوار أي شديد الإغارة والجمع مغاوير وقال أبو نصر: يقال غارهم يغيرهم إذا مارهم والغيار المصدر قال عبد مناف بن ربعي الهذلي: ماذا يضير ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا يريد انه لا يغني بكاؤهما على أبيهما من طلب ثأره شيئا. وقال أبو نصر: الغاران البطن والفرج يقال المرء يسعى لغاريه أي لبطنه وفرجه وقال أبو عبيدة: يقال لفم الإنسان وفرجه الغاران، وقال أبو نصر: الغار كالكهف في الجبل ويقال في أمثالهم «عسى الغوير أبؤسا» وأصله انه كان غار فيه ناس فانهار عليهم أو أتاهم فيه عدو فقتلوهم فيه فصار مثلا لكل ما يخاف منه الشر وقيل ان الغوير اسم ماء بناحية السماوة قالته الزباء لما رأت قصيرا الذي جاء يأخذ بثأر جذيمة الأبرش عن طريق الغوير والغوير تصغير غار وخلاصة معنى المثل عسى أن يكون جاء البأس من الغار وحسبنا ما تقدم فهذه المادة لا يدرك غورها. (خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) : العروش في المصباح: «العرش شبه بيت من جريد يجعل فوقه الثمام والجمع عروش» فهو في الأصل صنع ليوضع عليه الكرم فإذا سقط سقط ما عليه وقد تقدم تقريره. (الْوَلايَةُ) : بفتح الواو وبكسرها الملك والقهر والسلطة. الإعراب: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) تقدم في سورة البقرة أن ضرب مع المثل يجوز أن يتعدى لاثنين لأنه بمعنى الجعل فاضرب فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهم متعلقان باضرب ومثلا مفعول به ورجلين لك أن تجعلها بدلا من مثلا فيكون لهم بمثابة المفعول الثاني ومثلا هو المفعول الأول ولك أن تجعل رجلين هي المفعول الثاني وسيأتي حديث الرجلين. (جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً) جملة جعلنا صفة لرجلين ولأحدهما مفعول ثان لجعلنا وجنتين مفعول أول ومن أعناب صفة لجنتين وحففناهما عطف على جعلنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبنخل متعلقان بحففناهما وجعلنا بينهما زرعا عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيرتها. (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) كلتا مبتدأ وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف لأنه اسم مقصور وسيأتي حكم كلا وكلتا في باب الفوائد وجملة آتت أكلها خبر كلتا وقد روعي لفظها فأتى الخبر مفردا ولم تظلم عطف على آتت ومنه حال لأنه كان صفة لشيئا وشيئا إما مفعول به على أن تظلم بمعنى تنقص أو مفعول مطلق وقد تقدم تحقيق ذلك. ومن نوادر كلام العرب: قيل لأعرابي: أتأكل العنب؟ قال: ما ظلمني أن آكله أي ما منعني قال أبو عثمان سعيد بن هارون الاشنانداني: ومنه قول الله عز وجل: «ولم تظلم منه شيئا» أي لم تمنع. (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) فجرنا فعل وفاعل وخلالهما ظرف متعلق بفجرنا ونهرا مفعول به. (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وله خبر كان المقدم وثمر اسمها المؤخر فقال عطف على وكان ولصاحبه متعلقان بقال والواو للحال وهو مبتدأ وجملة يحاوره خبر والجملة حالية والمراد به أحدهما. (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً) الجملة مقول القول وسيأتي أنه قال ثلاث قولات منافية للحق في باب البلاغة وأنا مبتدأ وأكثر خبر ومنك متعلقان بأكثر ومالا تمييز وأعز نفرا عطف على أكثر مالا. (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) ودخل جنته فعل وفاعل ومفعول به على السعة وهو الواو للحال وهو مبتدأ وظالم خبر والجملة حالية ولنفسه متعلقان بظالم، وقال فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو وجملة ما أظن مقول القول وان وما بعدها سدت مسد مفعولي أظن وهذه فاعل تبيد وأبدا طرف زمان متعلق بتبيد. (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) وما أظن عطف على ما أظن الأولى والساعة مفعول به أول وقائمة مفعول به ثان وأراد وهو منكر للبعث: ما أحسب الساعة قائمة كما تزعم، كما أن شكه في بيدودة جنته وأمواله ناشىء عن طول اغتراره وهيمنة الحرص عليه، ولئن الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان شرطية ورددت فعل ماضي مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط والتاء نائب فاعل ولأجدن اللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم كما هي القاعدة على حد قول صاحب الخلاصة: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم وخيرا مفعول به لأجدن ومنها متعلقان بخيرا ومنقلبا تمييز أي مرجعا فهو مصدر ويجوز أن نعرب خيرا حال ومنقلبا مفعول أي منقلبا خيرا من منقلب هذه الدنيا. (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) قال فعل ماض وله متعلقان به وصاحبه فاعل والواو للحال وهو مبتدأ وجملة يحاوره خبر والهمزة للاستفهام التوبيخي والتقريعي وكفرت فعل وفاعل وبالذي متعلقان بكفرت وجملة خلقك صلة ومن تراب جار ومجرور متعلقان بخلقك وثم من نطفة عطف، وثم حرف عطف وسواك فعل ماض وفاعل مستتر والكاف مفعول به ورجلا حال وإنما ساغ مجيئه حالا وهو غير مشتق لأنه بعد سواك إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل وسيأتي بحث ذلك مفصلا في باب الفوائد ويجوز أن يعرب مفعولا ثانيا لسواك، وأعربه بعضهم تمييز. (لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) لكنا الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة المحذوفة على النون وأدغمت النون في النون والجيد حذف الألف في الوصل وإثباتها في الوقف لأن أنا كذلك والألف فيه زائدة لبيان الحركة وانا مبتدأ وهو أي ضمير الشأن مبتدأ ثان والله مبتدأ ثالث وربي الخبر والياء عائدة على المبتدأ الأول ولا يجوز أن تكون لكن المشددة لعاملة نصبا إذ لو كان كذلك لم يقع بعدها هو لأنه ضمير مرفوع ويجوز أن يكون اسم الله بدلا من هو ومثل هذا التركيب قول القائل: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلى ولكن أصله لكن أنا فنقلت حركة الهمزة إلى النون ثم حذفت ثم أدغمت النون في النون بعدها وحذفت الألف الأخيرة في الرسم كاللفظ ولو أجرى الوصل مجرى الوقف لثبتت وقدم المفعول وهو إياك للاهتمام ببراءتها من قلاه وتخصيصها بذلك دون غيرها من النساء وواضح ان قوله ترمينني بالطرف استعارة تصريحية لأنه شبه اطلاق البصر بإطلاق الحجر. والواو استئنافية ولا نافية وأشرك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا وبربي متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به. (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ولولا الواو عاطفة ولولا حرف تحضيض أي هلا وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بقلت وما شاء الله ما موصولة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هذا الذي شاءه الله من بدائع الجمال وتهاويل النعم وتعاجيب المنن والآلاء أو نعرب ما مبتدأ والخبر محذوف تقديره كان والجملة مقول القول وجملة شاء الله صلة والعائد محذوف كما قدرناه ويجوز أن تكون شرطية منصوبة الموضع بفعل الشرط والجواب محذوف أي كان والمعنى أي شيء شاءه الله كان والجملة كلها مقول القول ولا نافية للجنس وقوة اسمها المبني على الفتح وإلا أداة حصر وبالله خبر لا. (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً) إن شرطية وترني فعل الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت في رسم المصحف وأنا ضمير فصل وأقل مفعول به ثان لترني ويجوز أن تعرب أنا توكيدا للياء ومنك متعلقان بأقل ومالا تمييز وولدا عطف عليه. (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه اقترن بفعل الرجاء وهو جامد وقد تقدمت مواضع وجوب ربط الجواب بالفاء المجموعة في قول بعضهم: اسمية طلبية وبجامد ... وبما ولن وبقد وبالتنفيس وربي اسم عسى وان وما في حيزها في محل نصب خبرها وخيرا مفعول ثان ليؤتيني ومن جنتك متعلقان بخير. (وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) ويرسل عطف على يؤتيني والفاعل مستتر تقديره هو وعليها متعلقان بيرسل وحسبانا مفعول به فتصبح الفاء عاطفة على ما تقدم وتصبح فعل مضارع منصوب لأنه عطف على ما تقدم واسم تصبح مستتر تقديره هي وصعيدا خبر تصبح وزلقا نعت لصعيد من باب الوصف بالمصدر. (أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً) أو حرف عطف ويصبح معطوف على ما قبله وماؤها اسم يصبح وغورا خبرها والفاء عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويستطيع منصوب بلن والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت وله متعلقان بطلبا وطلبا مفعول به. (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) الواو عاطفة على محذوف يقدر بحسب مدلول الكلام أي فانقضت الصواعق على جنته وغارت الأمواه فيها وأحيط بثمره بالهلاك أيضا وأحيط فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وبثمره متعلقان بأحيط فأصبح عطف واسمها مستتر تقديره هو وجملة يقلب كفيه خبرها وعلى ما متعلقان بيقلب لأنه ضمن معنى يندم وسيأتي سر هذا التعبير في باب البلاغة ويجوز أن يتعلق الجار والمجرور بمحذوف على أنه حال من فاعل كفيه أي نادما. (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) الواو للحال وهي مبتدأ وخاوية خبر وعلى عروشها خبر ثان وقد تقدم إعرابه ويقول عطف على يقلب أو الواو للحال وجملة يقول حال من فاعل يقلب وجملة يا ليتني لم أشرك مقول القول ولم حرف نفي وقلب وجزم وبربي متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به وقوله يا ليتني تقدم بحثه مرارا وهو أن تكون يا للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف. (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً) الواو للعطف ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم وله خبرها المقدم وفئة اسمها المؤخر وجملة ينصرونه صفة لفئة وذكّرت الصفة وجمعت لأن الفئة تتضمن الجمع وهو يتضمن الذكور والإناث ومن دون الله حال والواو حرف عطف وما نافية وكان واسمها المستتر ومنتصرا خبرها. (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) هنالك اسم اشارة في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم والولاية مبتدأ مؤخر ولله متعلقان بما في معنى اسم الاشارة أو بمتعلقه والحق صفة لله ويجوز أن يتعلق اسم الاشارة بمعنى الاستقرار في لله والولاية مبتدأ ولله خبره أي مستقرة لله ويجوز أن يتعلق بالولاية نفسها لأنها مصدر بمعنى النصرة وهو مبتدأ وخير خبر وثوابا تمييز وخير عقبا عطف على خير ثوابا وعقبا بمعنى عاقبة. البلاغة: حفلت هذه الآية بأفانين متعددة من فنون البلاغة وهذا هو التفصيل: 1- التتميم والاحتراس والكناية: التتميم أو التمام وقد تقدم بحثه مستوفى في سورة البقرة عند قوله تعالى: «أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب» الآية وهو هنا في وصف الجنتين فإن قوله تعالى «واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين» يحتمل أن تكون الجنتان مجرد اجتماع شجر متكانف يستر بظل غصونه الأرض كما تقتضيه الدلالة اللغوية على معنى الجنة أو يكون النفع منها ضئيلا كشجر الأثل والخمط ونحوهما فيكون أسفه عليها أقل من أن تكون الجنتان من نخيل وأعناب ينتفع بما تثمرانه عليه ثم تمم ذلك أيضا بقوله «وجعلنا بينهما زرعا» لئلا يتوهم أن الانتفاع قاصر على النخيل والأعناب ولتكون كل من الجنتين جامعة للأقوات والفواكه متواصلة العمار على الشكل الحسن والترتيب الأنيق ثم تمم ذلك بقوله «وفجرنا خلالهما نهرا» للدلالة على ديمومة الانتفاع بهما فإن الماء هو سر الحياة وعامل النمو الاول في النباتات وإذن فقد استكمل هذا الرجل كل الملاذّ واستوفى ضروب النعم، ثم تمم ذلك بقوله «كلتا الجنتين آتت آكلها» لاستحضار الصورة التامة للانتفاع بالموارد واحترس بقوله «ولم تظلم منه شيئا» من أن يكون ... ... اب القرآن وبيانه، ج 5، ص: 605 ثمة نقص في الأكل الذي آتته وليكون كناية عن تمام الجنتين ونموهما دائما وأبدا وانهما ليستا على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها فتؤتيه ببعض السنين دون بعض أو تأتي بالثمر ناقصا عاما بعد عام فهي فيّاضة المورد في كل حين فقد استوفى وصف الجنتين هذه الفنون الثلاثة جميعا. 2- اللف والنشر المشوش: وذلك في قوله تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره» الآية وحاصل ما قاله هذا الكافر ثلاث مقالات شنيعة وهي: 1- أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، 2- عند ما دخل جنته متكبرا مزهوا ظالما لنفسه قال وقد رنحه الغرور «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» ، 3- والثالثة: بادئا بالآخرة لأنها الأهم قائلا «أكفرت بالذي خلقك» وثنى بالثانية ناصحا لأنها تأتي في المرتبة بعدها فقال: «ولولا إذا دخلت جنتك» إلخ وثلث بالأولى مقرعا فقال «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك» فهو لف ونشر مشوش وقد تقدم ذكره. 3- عودة إلى التتميم والكناية: ثم عاد إلى التتميم فصور الاطاحة بالجنتين وبالثمر معا فقال «وأحيط بثمره» ثم وصف حالته فقال «فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها» وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الأنامل والسقوط في اليد. ثمة نقص في الأكل الذي آتته وليكون كناية عن تمام الجنتين ونموهما دائما وأبدا وانهما ليستا على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها فتؤتيه ببعض السنين دون بعض أو تأتي بالثمر ناقصا عاما بعد عام فهي فيّاضة المورد في كل حين فقد استوفى وصف الجنتين هذه الفنون الثلاثة جميعا. 2- اللف والنشر المشوش: وذلك في قوله تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره» الآية وحاصل ما قاله هذا الكافر ثلاث مقالات شنيعة وهي: 1- أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، 2- عند ما دخل جنته متكبرا مزهوا ظالما لنفسه قال وقد رنحه الغرور «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» ، 3- والثالثة: بادئا بالآخرة لأنها الأهم قائلا «أكفرت بالذي خلقك» وثنى بالثانية ناصحا لأنها تأتي في المرتبة بعدها فقال: «ولولا إذا دخلت جنتك» إلخ وثلث بالأولى مقرعا فقال «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك» فهو لف ونشر مشوش وقد تقدم ذكره. 3- عودة إلى التتميم والكناية: ثم عاد إلى التتميم فصور الاطاحة بالجنتين وبالثمر معا فقال «وأحيط بثمره» ثم وصف حالته فقال «فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها» وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الأنامل والسقوط في اليد. قصة الرجلين الأخوين: وهو أن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل وقد رويت قصتهما على طرق شتى وخلاصتها أن رجلين أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراها فاشترى الكافر أرضا بألف فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم اني أشتري منك دارا في الجنة فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف فقال: اللهم إني اشتريت الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقيل غير ذلك وإنما أوردنا القصة على خلاف شرطنا في هذا الكتاب لطرافتها ولتكون نبراسا للمبدعين من الكتاب. 4- المبالغة: وفي قوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» فن يقال له المبالغة والإفراط في الصفة كما سماها ابن المعتز والتسمية الأولى لقدامة وهو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف عندها حتى يزيد في معنى كلامه ما يكون أبلغ في معنى قصده وقد جاءت المبالغة في الكتاب العزيز على ضروب نذكر ما ورد منها فيه: أولا- فمنها المبالغة في الصفة المعدولة وقد جاءت على ستة أمثلة: آ- فعلان كرحمن، عدل عن راحم للمبالغة ولا يوصف به إلا الله ولم تنعت العرب به أحدا في جاهلية ولا إسلام إلا مسيلمة الكذاب نعتوه به مضافا فقالوا رحمان اليمامة وأنشد شاعر من بني حنيفة يمدح به مسيلمة: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ب- فعّال معدول عن فاعل للمبالغة كقوله تعالى «وإني لغفار لمن تاب» . ج- وفعول عدل عن فاعل للمبالغة كغفور وشكور. د- فعيل عدل عن فاعل للمبالغة كعليم وحكيم. وهذه الصيغ الأربع وردت في القرآن وهناك صيغتان: مفعل كمطعن ومفعال كمطعام ومبطار. ثانيا- إخراج الكلام مخرج الاخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة والاخبار عنه مجاز وقد جاء منه في القرآن قوله تعالى «وجاء ربك والملك صفا صفا» فجعل مجيء جلائل آياته مجيئا له للمبالغة. ثالثا- إخراج الممكن من الشرط إلى الممتنع ليمتنع وقوع المشروط وقد تقدم ذكر هذا النوع في قوله تعالى «ولا يدخلون الجنة حتى بلج الجمل في سم الخياط» . رابعا- ما كان مجازا فصار بالقرينة حقيقة كقوله تعالى «يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار» فإن قتران هذه الجملة بيكاد يصرفها إلى الحقيقة فانقلبت من الامتناع إلى الحقيقة والإمكان. خامسا- وقسم أتى بصيغة اسم التفضيل وهو محض الحقيقة من غير قرينة كقوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» وهو الذي نحن في صدده. سادسا- ما بولغ بصفته على طريق التشبيه كقوله تعالى «إنها نرمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر» . المبالغة في الشعر: هذا ما ورد من المبالغة وضروبها في الكتاب العزيز. أما هي في الشعر ففنون تتشعب وأنواع اختلفت مقاييسها ومعاييرها كما اختلفت آراء الناس فيها فمنهم من يستجيدها ويراها الغاية القصوى في الجودة ومنهم نابغة بني ذبيان وهو القائل: «أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من رديئه» وقد أورد صاحب العمدة مثالا على ذلك ما جرى بين النابغة وحسان بن ثابت ومطالبته حسان بن ثابت بالمبالغة واتهامه بالتقصير في قوله: لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وهي مشهورة مستفيضة في كتب الأدب وأورد صاحب العمدة من أبيات المبالغة التي اختلفت الآراء فيها قول امرئ القيس: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر يعملّ به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحرّ فوصف فاها بهذه الصفة سحرا عند تغير الأفواه بعد النوم فكيف تظنها أول النوم؟ وفي أول الليل، وقال امرؤ القيس: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وبين المكانين بعد أيام. وقال أيضا يصف نارها: نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشبّ لقفّال يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رهبان وانما يرجع القفال من الغزو والغارات وجه الصباح فإذا رأوها من مسافة أيام وجه الصباح وقد خمد سناها وكل موقدها فكيف كانت أول الليل؟ وشبه النجوم بمصابيح الرهبان لأنها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع فربما نعسوا في ذلك الوقت. تعريف آخر للمبالغة: وذهب قوم إلى أن المبالغة افراط في وصف الشيء الممكن عادة القريب وقوعه وسنورد من بديع المبالغة ما يستهوي الألباب فمن ذلك ما رواه أحمد بن حمدون قال: كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاص من أموره فقال لي مرة: يا أبا عبد الله لما دخلت البارحة إلى منزلي استقبلتني جارية من جواريّ فلم أتمالك دون أن قبلتها فوجدت بين شفتيها هواء لو رقد فيه المخمور صحا فكان ذلك مما يستظرف ويستملح من الفتح بن خاقان وقد اقتبسه بعضهم فقال: سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفه ... فأنحلته حتى الصباح عناقا بطيب نسيم منه يستجلب الكرى ... ولو رقد المخمور فيه أفاقا وذهب أبو تمام في المبالغة مذهبا عجيبا فقال وأبدع متغزلا: تلقّاه طيفي في الكرى فتجنّبا ... وقبلت يوما ظله فتغضّبا وخبر أني قد مررت ببابه ... لأخلس منه نظرة فتحجّبا ولو مرت الريح الصبا عند أذنه ... بذكري لسب الريح أو لتعتّبا ولم تجرمني خطرة بضميره ... فتظهر إلا كنت فيه مسببا وما زاده عندي قبيح فعاله ... ولا الصدّ والإعراض إلا تحببا وله أيضا: قد قصرنا دونك الأبصار خوفا أن تذوبا كلما زدناك لحظا ... زدتنا حسنا وطيبا مرضت ألحاظ عينيك فأمرضت القلوبا الفوائد: 1- كلا وكلتا: كلا وكلتا لفظان يعربان إعراب المثنى إن أضيفا إلى الضمير فإن أضيفا إلى الاسم الظاهر أعربا إعراب الاسم المقصور أي بحركات مقدرة على الألف على كل حال وهما اسمان ملازمان للاضافة ولفظهما مفرد ومعناهما مثنى ولذلك يجوز الإخبار عنهما بما يحمل ضمير المفرد باعتبار لفظهما وضمير المثنى باعتبار معناهما وقد اجتمعا في قول الشاعر: كلاهما حين جدّ الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي إلا أن اعتبار اللفظ أكثر وبه جاء القرآن الكريم قال تعالى: «كلتا الجنتين آتت أكلها» قال ابن هشام في مغني اللبيب: «وقد سئلت قديما عن قول القائل: زيد وعمر كلاهما قائم أو كلاهما قائمان فكتبت إن قدر كلاهما توكيد قيل قائمان لأنه خبر عن زيد وعمرو وإن قدر مبتدأ فالوجهان، والمختار الافراد ويتعين مراعاة اللفظ في نحو: كلاهما محب لصاحبه لأن معناه كل واحد منهما وقوله: كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا ومن الأبيات التي أتى فيها ذكر «كلتا» قول حسان بن ثابت: إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت، قتلت، فهاتها لم تقتل كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل أخبر عن التي بالمفرد فوحد ثم قال كلتاهما فثنى، وما معنى كلتاهما حلب العصير ولم يذكر إلا خمرة واحدة وأخبر عن كلتاهما بأرخاهما والصحيح الإخبار عنهما بمفرد لأنهم لحنوا من قال: كلا الرجلين قاما وكلتا المرأتين حضرتا على اللغة الفصيحة ويدل على ذلك قوله تعالى «كلتا الجنتين آتت أكلها» وأيضا فالرواية صحت في المفصل انه بكسر الميم وفتح الصاد وانما يقال مفصل بفتح الميم وكسر الصاد. وأجاب الحريري وغيره عن هذه الاعتراضات بأن قال: أما قوله: ان التي ناولتني فرددتها قتلت فانه خاطب به الساقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة لأنه يقال: قتلت الخمرة إذا مزجتها فكأنه أراد أن يعلمه أنه فطن لما فعله ثم انه دعا عليه بقوله: قتلت وقوله أرخاهما للمفصل يعني به اللسان وسمي مفصلا لأنه يفصل به بين الحق والباطل. وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري: اجتمع قوم على شراب فغناهم المغني البيتين المتقدمين فقال بعضهم امرأتي طالق إن لم أسأل الليلة القاضي عبيد الله بن الحسن عن علة هذا الشعر لم قال إن التي فوحّد ثم قال كلتاهما فثنّى فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه ومضوا يتخطون القبائل حتى انتهوا إلى بني شقرة وعبيد الله يصلي فلما أتم صلاته شرحوا له وسألوه الجواب عن ذلك فقال لهم: إن التي عنى بها الخمر الممزوجة بالماء ثم قال من بعد: كلتاهما حلب العصير يريد الخمر المتحلبة من العنب، والماء المتحلب من السحاب المكنى عنه بالمعصرات في قوله تعالى: «وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا» . 2- الحال الثابتة: الأصل في الحال أن تكون منتقلة لأنها مأخوذة من التحول وهو التنقل وتقع ثابتة في مواضع يرجع إليها في المطولات ومنها أن يدل عاملها على تجدد ذات صاحبها وحدوثه أو تجدد صفة له: نحو «ثم سوّاك رجلا» إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل وقولهم خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فيديها بدل من الزرافة بدل بعض من كل وأطول حال ملازمة من يديها ومن رجليها متعلقان بأطول لأنه اسم تفضيل وعامل الحال خلق وهو يدل على تجدد المخلوق.

الكهف 18:34

اللغة: (أَعْنابٍ) : جمع عنب والعنبة الحبة وفي القاموس وغيره: عنّب الكرم: صار ذا عنب والعنب ثمر الكرم وجمعه أعناب والحبة منه عنبة. (وَحَفَفْناهُما) : جعلنا النخل محيطا بكل منهما. يقال: حفه القوم إذا طافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولا ثانيا كقولك غشيه وغشيته به وفي الأساس: «حفّوا به واحتفّوا أطافوا وهم حافون به وحففته بالناس: جعلتهم حافّين به و «حفّت الجنة بالمكاره» «وحففناهما بنخل» ودخلت عليه وهو محفوف بخدمه، وهودج محفف بالديباج، قال امرؤ القيس: رفعن حوايا واقتعدن قعائدا ... وحفّفن من حوك العراق المنمّق وجلسوا حفافيه وحفافي سريره وهما جانباه وركبت في محفتها، وهو رجل محفوف بثوب، وما بقي في شعر رأسه إلا حفاف وهو طرّة حول رأسه وحفّت المرأة وجهها واحتفّته: أخذت شعره، وحفّ الفرس والريح والطائر والسهم حفيفا وهو صوت مروره والأغصان الشجرة حفيف» . (ثَمَرٌ) : أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثره بالتشديد وفي المصباح: الثمر بفتحتين والثمرة مثله فالأول مذكر ويجمع على ثمار مثل جبل وجبال ثم يجمع على ثمر ككتاب وكتب ثم يجمع على أثمار مثل عنق وأعناق والثاني مؤنث والجمع ثمرات مثل قصبة وقصبات والثمر هو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أو لا فيقال ثمر الأراك وثمر العوسج وثمر الدوم وهو المقل كما يقال ثمر النخل وثمر العنب، قال الأزهري: وأثمر الشجر أطلع ثمره أول ما يخرجه فهو مثمر ومن هنا قيل لما لا نفع فيه: ليس له ثمرة وفي الأساس: «وكان له ثمر» أي مال وانظر ثمر مالك ونماءه ومال ثمر: مبارك فيه وأثمر القوم وثمروا ثمورا: كثر مالهم وثمر ماله يثمر كثر وفلان مجدود ما يثمر له مال» والمراد في الآية انه كان إلى جانب الجنتين الموصوفتين الأموال الداثرة من الذهب والفضة وغيرهما وكان وافر اليسار من كل وجه. (حُسْباناً) : إما أن تكون مصدرا كالغفران والبطلان فإن لحسب مصادر عديدة تقول حسبه بفتح السين يحسبه بضمها حسبا وحسابا وحسبانا وحسبانا وحسبة وحسابة: عده، وتقول: حسبه بكسر السين يحسبه بكسرها وفتحها حسبانا ومحسبة ومحسبة: ظنه، وتقول حسب بضم السين يحسب بضمها أيضا حسبا وحسابة: كان ذا حسب وذا كرم فهو حسيب، فإلى أي الفروع ينتمي هذا المصدر؟ واضح مما تقدم أنه ينتمي إما إلى حسب يحسب بمعنى العد والمعنى عندئذ يرسل عليها مقدارا من العذاب قدره الله وحسبه وهو تخريبها والإطاحة بها وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداه واما إن تكون حسبانا جمع حسبانة بضم الحاء وهي السهم أو الصاعقة وقال الزجاج عذاب حسبان وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. (زَلَقاً) : صفة لصعيدا أي ملساء لا تثبت عليه القدم وفي القاموس: الزلق بفتحتين والزلق بفتح فسكون أرض ملساء ليس بها شيء وصيرورتها كذلك لاستئصال نباتها. (غَوْراً) : مصدر غار في الأرض أي ذهب فلا سبيل اليه فهو بمعنى الفاعل أي غائرا في الأرض لا يدرك وزاد أبو نصر غئورا وغارت عينه تغور غئورا وغارت الشمس تغور غئورا أيضا والغور الاسم يقال: سقطت في الغور يعني الشمس وغار الرجل يغور غورا إذا أتى الغور وزاد اللحياني: وأغار أيضا وأنشد بيت الأعشى: نبيّ يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا فهذا على ما قال اللحياني وكان الكسائي يقول: هو من الاغارة وهي السرعة وكان الأصمعي يقول: أغار ليس هو من الغور إنما هو بمعنى عدا وقال اللحياني: يقال للفرس إنه لمغوار أي شديد العدو والجمع مغاوير والتفسير الأول الوجه لأنه قال وأنجدا فانه أراد أن الغور وأتى نجدا والغور تهامة وغار فلان على أهله يغار غيره ورجل عيور من قوم غير وامرأة غيرى من نساء غيارى وقال الأصمعي: فلان شديد الغار على أهله أي شديد الغيرة وزاد اللحياني والغير، وقال أبو نصر: أغار فلان على بني فلان يغير إغارة وقال اللحياني يقال للرجل: إنه لمغوار أي شديد الإغارة والجمع مغاوير وقال أبو نصر: يقال غارهم يغيرهم إذا مارهم والغيار المصدر قال عبد مناف بن ربعي الهذلي: ماذا يضير ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا يريد انه لا يغني بكاؤهما على أبيهما من طلب ثأره شيئا. وقال أبو نصر: الغاران البطن والفرج يقال المرء يسعى لغاريه أي لبطنه وفرجه وقال أبو عبيدة: يقال لفم الإنسان وفرجه الغاران، وقال أبو نصر: الغار كالكهف في الجبل ويقال في أمثالهم «عسى الغوير أبؤسا» وأصله انه كان غار فيه ناس فانهار عليهم أو أتاهم فيه عدو فقتلوهم فيه فصار مثلا لكل ما يخاف منه الشر وقيل ان الغوير اسم ماء بناحية السماوة قالته الزباء لما رأت قصيرا الذي جاء يأخذ بثأر جذيمة الأبرش عن طريق الغوير والغوير تصغير غار وخلاصة معنى المثل عسى أن يكون جاء البأس من الغار وحسبنا ما تقدم فهذه المادة لا يدرك غورها. (خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) : العروش في المصباح: «العرش شبه بيت من جريد يجعل فوقه الثمام والجمع عروش» فهو في الأصل صنع ليوضع عليه الكرم فإذا سقط سقط ما عليه وقد تقدم تقريره. (الْوَلايَةُ) : بفتح الواو وبكسرها الملك والقهر والسلطة. الإعراب: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) تقدم في سورة البقرة أن ضرب مع المثل يجوز أن يتعدى لاثنين لأنه بمعنى الجعل فاضرب فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهم متعلقان باضرب ومثلا مفعول به ورجلين لك أن تجعلها بدلا من مثلا فيكون لهم بمثابة المفعول الثاني ومثلا هو المفعول الأول ولك أن تجعل رجلين هي المفعول الثاني وسيأتي حديث الرجلين. (جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً) جملة جعلنا صفة لرجلين ولأحدهما مفعول ثان لجعلنا وجنتين مفعول أول ومن أعناب صفة لجنتين وحففناهما عطف على جعلنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبنخل متعلقان بحففناهما وجعلنا بينهما زرعا عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيرتها. (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) كلتا مبتدأ وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف لأنه اسم مقصور وسيأتي حكم كلا وكلتا في باب الفوائد وجملة آتت أكلها خبر كلتا وقد روعي لفظها فأتى الخبر مفردا ولم تظلم عطف على آتت ومنه حال لأنه كان صفة لشيئا وشيئا إما مفعول به على أن تظلم بمعنى تنقص أو مفعول مطلق وقد تقدم تحقيق ذلك. ومن نوادر كلام العرب: قيل لأعرابي: أتأكل العنب؟ قال: ما ظلمني أن آكله أي ما منعني قال أبو عثمان سعيد بن هارون الاشنانداني: ومنه قول الله عز وجل: «ولم تظلم منه شيئا» أي لم تمنع. (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) فجرنا فعل وفاعل وخلالهما ظرف متعلق بفجرنا ونهرا مفعول به. (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وله خبر كان المقدم وثمر اسمها المؤخر فقال عطف على وكان ولصاحبه متعلقان بقال والواو للحال وهو مبتدأ وجملة يحاوره خبر والجملة حالية والمراد به أحدهما. (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً) الجملة مقول القول وسيأتي أنه قال ثلاث قولات منافية للحق في باب البلاغة وأنا مبتدأ وأكثر خبر ومنك متعلقان بأكثر ومالا تمييز وأعز نفرا عطف على أكثر مالا. (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) ودخل جنته فعل وفاعل ومفعول به على السعة وهو الواو للحال وهو مبتدأ وظالم خبر والجملة حالية ولنفسه متعلقان بظالم، وقال فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو وجملة ما أظن مقول القول وان وما بعدها سدت مسد مفعولي أظن وهذه فاعل تبيد وأبدا طرف زمان متعلق بتبيد. (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) وما أظن عطف على ما أظن الأولى والساعة مفعول به أول وقائمة مفعول به ثان وأراد وهو منكر للبعث: ما أحسب الساعة قائمة كما تزعم، كما أن شكه في بيدودة جنته وأمواله ناشىء عن طول اغتراره وهيمنة الحرص عليه، ولئن الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان شرطية ورددت فعل ماضي مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط والتاء نائب فاعل ولأجدن اللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم كما هي القاعدة على حد قول صاحب الخلاصة: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم وخيرا مفعول به لأجدن ومنها متعلقان بخيرا ومنقلبا تمييز أي مرجعا فهو مصدر ويجوز أن نعرب خيرا حال ومنقلبا مفعول أي منقلبا خيرا من منقلب هذه الدنيا. (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) قال فعل ماض وله متعلقان به وصاحبه فاعل والواو للحال وهو مبتدأ وجملة يحاوره خبر والهمزة للاستفهام التوبيخي والتقريعي وكفرت فعل وفاعل وبالذي متعلقان بكفرت وجملة خلقك صلة ومن تراب جار ومجرور متعلقان بخلقك وثم من نطفة عطف، وثم حرف عطف وسواك فعل ماض وفاعل مستتر والكاف مفعول به ورجلا حال وإنما ساغ مجيئه حالا وهو غير مشتق لأنه بعد سواك إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل وسيأتي بحث ذلك مفصلا في باب الفوائد ويجوز أن يعرب مفعولا ثانيا لسواك، وأعربه بعضهم تمييز. (لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) لكنا الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة المحذوفة على النون وأدغمت النون في النون والجيد حذف الألف في الوصل وإثباتها في الوقف لأن أنا كذلك والألف فيه زائدة لبيان الحركة وانا مبتدأ وهو أي ضمير الشأن مبتدأ ثان والله مبتدأ ثالث وربي الخبر والياء عائدة على المبتدأ الأول ولا يجوز أن تكون لكن المشددة لعاملة نصبا إذ لو كان كذلك لم يقع بعدها هو لأنه ضمير مرفوع ويجوز أن يكون اسم الله بدلا من هو ومثل هذا التركيب قول القائل: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلى ولكن أصله لكن أنا فنقلت حركة الهمزة إلى النون ثم حذفت ثم أدغمت النون في النون بعدها وحذفت الألف الأخيرة في الرسم كاللفظ ولو أجرى الوصل مجرى الوقف لثبتت وقدم المفعول وهو إياك للاهتمام ببراءتها من قلاه وتخصيصها بذلك دون غيرها من النساء وواضح ان قوله ترمينني بالطرف استعارة تصريحية لأنه شبه اطلاق البصر بإطلاق الحجر. والواو استئنافية ولا نافية وأشرك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا وبربي متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به. (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ولولا الواو عاطفة ولولا حرف تحضيض أي هلا وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بقلت وما شاء الله ما موصولة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هذا الذي شاءه الله من بدائع الجمال وتهاويل النعم وتعاجيب المنن والآلاء أو نعرب ما مبتدأ والخبر محذوف تقديره كان والجملة مقول القول وجملة شاء الله صلة والعائد محذوف كما قدرناه ويجوز أن تكون شرطية منصوبة الموضع بفعل الشرط والجواب محذوف أي كان والمعنى أي شيء شاءه الله كان والجملة كلها مقول القول ولا نافية للجنس وقوة اسمها المبني على الفتح وإلا أداة حصر وبالله خبر لا. (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً) إن شرطية وترني فعل الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت في رسم المصحف وأنا ضمير فصل وأقل مفعول به ثان لترني ويجوز أن تعرب أنا توكيدا للياء ومنك متعلقان بأقل ومالا تمييز وولدا عطف عليه. (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه اقترن بفعل الرجاء وهو جامد وقد تقدمت مواضع وجوب ربط الجواب بالفاء المجموعة في قول بعضهم: اسمية طلبية وبجامد ... وبما ولن وبقد وبالتنفيس وربي اسم عسى وان وما في حيزها في محل نصب خبرها وخيرا مفعول ثان ليؤتيني ومن جنتك متعلقان بخير. (وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) ويرسل عطف على يؤتيني والفاعل مستتر تقديره هو وعليها متعلقان بيرسل وحسبانا مفعول به فتصبح الفاء عاطفة على ما تقدم وتصبح فعل مضارع منصوب لأنه عطف على ما تقدم واسم تصبح مستتر تقديره هي وصعيدا خبر تصبح وزلقا نعت لصعيد من باب الوصف بالمصدر. (أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً) أو حرف عطف ويصبح معطوف على ما قبله وماؤها اسم يصبح وغورا خبرها والفاء عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويستطيع منصوب بلن والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت وله متعلقان بطلبا وطلبا مفعول به. (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) الواو عاطفة على محذوف يقدر بحسب مدلول الكلام أي فانقضت الصواعق على جنته وغارت الأمواه فيها وأحيط بثمره بالهلاك أيضا وأحيط فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وبثمره متعلقان بأحيط فأصبح عطف واسمها مستتر تقديره هو وجملة يقلب كفيه خبرها وعلى ما متعلقان بيقلب لأنه ضمن معنى يندم وسيأتي سر هذا التعبير في باب البلاغة ويجوز أن يتعلق الجار والمجرور بمحذوف على أنه حال من فاعل كفيه أي نادما. (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) الواو للحال وهي مبتدأ وخاوية خبر وعلى عروشها خبر ثان وقد تقدم إعرابه ويقول عطف على يقلب أو الواو للحال وجملة يقول حال من فاعل يقلب وجملة يا ليتني لم أشرك مقول القول ولم حرف نفي وقلب وجزم وبربي متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به وقوله يا ليتني تقدم بحثه مرارا وهو أن تكون يا للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف. (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً) الواو للعطف ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم وله خبرها المقدم وفئة اسمها المؤخر وجملة ينصرونه صفة لفئة وذكّرت الصفة وجمعت لأن الفئة تتضمن الجمع وهو يتضمن الذكور والإناث ومن دون الله حال والواو حرف عطف وما نافية وكان واسمها المستتر ومنتصرا خبرها. (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) هنالك اسم اشارة في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم والولاية مبتدأ مؤخر ولله متعلقان بما في معنى اسم الاشارة أو بمتعلقه والحق صفة لله ويجوز أن يتعلق اسم الاشارة بمعنى الاستقرار في لله والولاية مبتدأ ولله خبره أي مستقرة لله ويجوز أن يتعلق بالولاية نفسها لأنها مصدر بمعنى النصرة وهو مبتدأ وخير خبر وثوابا تمييز وخير عقبا عطف على خير ثوابا وعقبا بمعنى عاقبة. البلاغة: حفلت هذه الآية بأفانين متعددة من فنون البلاغة وهذا هو التفصيل: 1- التتميم والاحتراس والكناية: التتميم أو التمام وقد تقدم بحثه مستوفى في سورة البقرة عند قوله تعالى: «أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب» الآية وهو هنا في وصف الجنتين فإن قوله تعالى «واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين» يحتمل أن تكون الجنتان مجرد اجتماع شجر متكانف يستر بظل غصونه الأرض كما تقتضيه الدلالة اللغوية على معنى الجنة أو يكون النفع منها ضئيلا كشجر الأثل والخمط ونحوهما فيكون أسفه عليها أقل من أن تكون الجنتان من نخيل وأعناب ينتفع بما تثمرانه عليه ثم تمم ذلك أيضا بقوله «وجعلنا بينهما زرعا» لئلا يتوهم أن الانتفاع قاصر على النخيل والأعناب ولتكون كل من الجنتين جامعة للأقوات والفواكه متواصلة العمار على الشكل الحسن والترتيب الأنيق ثم تمم ذلك بقوله «وفجرنا خلالهما نهرا» للدلالة على ديمومة الانتفاع بهما فإن الماء هو سر الحياة وعامل النمو الاول في النباتات وإذن فقد استكمل هذا الرجل كل الملاذّ واستوفى ضروب النعم، ثم تمم ذلك بقوله «كلتا الجنتين آتت آكلها» لاستحضار الصورة التامة للانتفاع بالموارد واحترس بقوله «ولم تظلم منه شيئا» من أن يكون ... ... اب القرآن وبيانه، ج 5، ص: 605 ثمة نقص في الأكل الذي آتته وليكون كناية عن تمام الجنتين ونموهما دائما وأبدا وانهما ليستا على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها فتؤتيه ببعض السنين دون بعض أو تأتي بالثمر ناقصا عاما بعد عام فهي فيّاضة المورد في كل حين فقد استوفى وصف الجنتين هذه الفنون الثلاثة جميعا. 2- اللف والنشر المشوش: وذلك في قوله تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره» الآية وحاصل ما قاله هذا الكافر ثلاث مقالات شنيعة وهي: 1- أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، 2- عند ما دخل جنته متكبرا مزهوا ظالما لنفسه قال وقد رنحه الغرور «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» ، 3- والثالثة: بادئا بالآخرة لأنها الأهم قائلا «أكفرت بالذي خلقك» وثنى بالثانية ناصحا لأنها تأتي في المرتبة بعدها فقال: «ولولا إذا دخلت جنتك» إلخ وثلث بالأولى مقرعا فقال «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك» فهو لف ونشر مشوش وقد تقدم ذكره. 3- عودة إلى التتميم والكناية: ثم عاد إلى التتميم فصور الاطاحة بالجنتين وبالثمر معا فقال «وأحيط بثمره» ثم وصف حالته فقال «فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها» وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الأنامل والسقوط في اليد. ثمة نقص في الأكل الذي آتته وليكون كناية عن تمام الجنتين ونموهما دائما وأبدا وانهما ليستا على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها فتؤتيه ببعض السنين دون بعض أو تأتي بالثمر ناقصا عاما بعد عام فهي فيّاضة المورد في كل حين فقد استوفى وصف الجنتين هذه الفنون الثلاثة جميعا. 2- اللف والنشر المشوش: وذلك في قوله تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره» الآية وحاصل ما قاله هذا الكافر ثلاث مقالات شنيعة وهي: 1- أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، 2- عند ما دخل جنته متكبرا مزهوا ظالما لنفسه قال وقد رنحه الغرور «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» ، 3- والثالثة: بادئا بالآخرة لأنها الأهم قائلا «أكفرت بالذي خلقك» وثنى بالثانية ناصحا لأنها تأتي في المرتبة بعدها فقال: «ولولا إذا دخلت جنتك» إلخ وثلث بالأولى مقرعا فقال «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك» فهو لف ونشر مشوش وقد تقدم ذكره. 3- عودة إلى التتميم والكناية: ثم عاد إلى التتميم فصور الاطاحة بالجنتين وبالثمر معا فقال «وأحيط بثمره» ثم وصف حالته فقال «فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها» وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الأنامل والسقوط في اليد. قصة الرجلين الأخوين: وهو أن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل وقد رويت قصتهما على طرق شتى وخلاصتها أن رجلين أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراها فاشترى الكافر أرضا بألف فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم اني أشتري منك دارا في الجنة فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف فقال: اللهم إني اشتريت الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقيل غير ذلك وإنما أوردنا القصة على خلاف شرطنا في هذا الكتاب لطرافتها ولتكون نبراسا للمبدعين من الكتاب. 4- المبالغة: وفي قوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» فن يقال له المبالغة والإفراط في الصفة كما سماها ابن المعتز والتسمية الأولى لقدامة وهو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف عندها حتى يزيد في معنى كلامه ما يكون أبلغ في معنى قصده وقد جاءت المبالغة في الكتاب العزيز على ضروب نذكر ما ورد منها فيه: أولا- فمنها المبالغة في الصفة المعدولة وقد جاءت على ستة أمثلة: آ- فعلان كرحمن، عدل عن راحم للمبالغة ولا يوصف به إلا الله ولم تنعت العرب به أحدا في جاهلية ولا إسلام إلا مسيلمة الكذاب نعتوه به مضافا فقالوا رحمان اليمامة وأنشد شاعر من بني حنيفة يمدح به مسيلمة: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ب- فعّال معدول عن فاعل للمبالغة كقوله تعالى «وإني لغفار لمن تاب» . ج- وفعول عدل عن فاعل للمبالغة كغفور وشكور. د- فعيل عدل عن فاعل للمبالغة كعليم وحكيم. وهذه الصيغ الأربع وردت في القرآن وهناك صيغتان: مفعل كمطعن ومفعال كمطعام ومبطار. ثانيا- إخراج الكلام مخرج الاخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة والاخبار عنه مجاز وقد جاء منه في القرآن قوله تعالى «وجاء ربك والملك صفا صفا» فجعل مجيء جلائل آياته مجيئا له للمبالغة. ثالثا- إخراج الممكن من الشرط إلى الممتنع ليمتنع وقوع المشروط وقد تقدم ذكر هذا النوع في قوله تعالى «ولا يدخلون الجنة حتى بلج الجمل في سم الخياط» . رابعا- ما كان مجازا فصار بالقرينة حقيقة كقوله تعالى «يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار» فإن قتران هذه الجملة بيكاد يصرفها إلى الحقيقة فانقلبت من الامتناع إلى الحقيقة والإمكان. خامسا- وقسم أتى بصيغة اسم التفضيل وهو محض الحقيقة من غير قرينة كقوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» وهو الذي نحن في صدده. سادسا- ما بولغ بصفته على طريق التشبيه كقوله تعالى «إنها نرمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر» . المبالغة في الشعر: هذا ما ورد من المبالغة وضروبها في الكتاب العزيز. أما هي في الشعر ففنون تتشعب وأنواع اختلفت مقاييسها ومعاييرها كما اختلفت آراء الناس فيها فمنهم من يستجيدها ويراها الغاية القصوى في الجودة ومنهم نابغة بني ذبيان وهو القائل: «أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من رديئه» وقد أورد صاحب العمدة مثالا على ذلك ما جرى بين النابغة وحسان بن ثابت ومطالبته حسان بن ثابت بالمبالغة واتهامه بالتقصير في قوله: لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وهي مشهورة مستفيضة في كتب الأدب وأورد صاحب العمدة من أبيات المبالغة التي اختلفت الآراء فيها قول امرئ القيس: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر يعملّ به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحرّ فوصف فاها بهذه الصفة سحرا عند تغير الأفواه بعد النوم فكيف تظنها أول النوم؟ وفي أول الليل، وقال امرؤ القيس: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وبين المكانين بعد أيام. وقال أيضا يصف نارها: نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشبّ لقفّال يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رهبان وانما يرجع القفال من الغزو والغارات وجه الصباح فإذا رأوها من مسافة أيام وجه الصباح وقد خمد سناها وكل موقدها فكيف كانت أول الليل؟ وشبه النجوم بمصابيح الرهبان لأنها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع فربما نعسوا في ذلك الوقت. تعريف آخر للمبالغة: وذهب قوم إلى أن المبالغة افراط في وصف الشيء الممكن عادة القريب وقوعه وسنورد من بديع المبالغة ما يستهوي الألباب فمن ذلك ما رواه أحمد بن حمدون قال: كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاص من أموره فقال لي مرة: يا أبا عبد الله لما دخلت البارحة إلى منزلي استقبلتني جارية من جواريّ فلم أتمالك دون أن قبلتها فوجدت بين شفتيها هواء لو رقد فيه المخمور صحا فكان ذلك مما يستظرف ويستملح من الفتح بن خاقان وقد اقتبسه بعضهم فقال: سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفه ... فأنحلته حتى الصباح عناقا بطيب نسيم منه يستجلب الكرى ... ولو رقد المخمور فيه أفاقا وذهب أبو تمام في المبالغة مذهبا عجيبا فقال وأبدع متغزلا: تلقّاه طيفي في الكرى فتجنّبا ... وقبلت يوما ظله فتغضّبا وخبر أني قد مررت ببابه ... لأخلس منه نظرة فتحجّبا ولو مرت الريح الصبا عند أذنه ... بذكري لسب الريح أو لتعتّبا ولم تجرمني خطرة بضميره ... فتظهر إلا كنت فيه مسببا وما زاده عندي قبيح فعاله ... ولا الصدّ والإعراض إلا تحببا وله أيضا: قد قصرنا دونك الأبصار خوفا أن تذوبا كلما زدناك لحظا ... زدتنا حسنا وطيبا مرضت ألحاظ عينيك فأمرضت القلوبا الفوائد: 1- كلا وكلتا: كلا وكلتا لفظان يعربان إعراب المثنى إن أضيفا إلى الضمير فإن أضيفا إلى الاسم الظاهر أعربا إعراب الاسم المقصور أي بحركات مقدرة على الألف على كل حال وهما اسمان ملازمان للاضافة ولفظهما مفرد ومعناهما مثنى ولذلك يجوز الإخبار عنهما بما يحمل ضمير المفرد باعتبار لفظهما وضمير المثنى باعتبار معناهما وقد اجتمعا في قول الشاعر: كلاهما حين جدّ الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي إلا أن اعتبار اللفظ أكثر وبه جاء القرآن الكريم قال تعالى: «كلتا الجنتين آتت أكلها» قال ابن هشام في مغني اللبيب: «وقد سئلت قديما عن قول القائل: زيد وعمر كلاهما قائم أو كلاهما قائمان فكتبت إن قدر كلاهما توكيد قيل قائمان لأنه خبر عن زيد وعمرو وإن قدر مبتدأ فالوجهان، والمختار الافراد ويتعين مراعاة اللفظ في نحو: كلاهما محب لصاحبه لأن معناه كل واحد منهما وقوله: كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا ومن الأبيات التي أتى فيها ذكر «كلتا» قول حسان بن ثابت: إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت، قتلت، فهاتها لم تقتل كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل أخبر عن التي بالمفرد فوحد ثم قال كلتاهما فثنى، وما معنى كلتاهما حلب العصير ولم يذكر إلا خمرة واحدة وأخبر عن كلتاهما بأرخاهما والصحيح الإخبار عنهما بمفرد لأنهم لحنوا من قال: كلا الرجلين قاما وكلتا المرأتين حضرتا على اللغة الفصيحة ويدل على ذلك قوله تعالى «كلتا الجنتين آتت أكلها» وأيضا فالرواية صحت في المفصل انه بكسر الميم وفتح الصاد وانما يقال مفصل بفتح الميم وكسر الصاد. وأجاب الحريري وغيره عن هذه الاعتراضات بأن قال: أما قوله: ان التي ناولتني فرددتها قتلت فانه خاطب به الساقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة لأنه يقال: قتلت الخمرة إذا مزجتها فكأنه أراد أن يعلمه أنه فطن لما فعله ثم انه دعا عليه بقوله: قتلت وقوله أرخاهما للمفصل يعني به اللسان وسمي مفصلا لأنه يفصل به بين الحق والباطل. وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري: اجتمع قوم على شراب فغناهم المغني البيتين المتقدمين فقال بعضهم امرأتي طالق إن لم أسأل الليلة القاضي عبيد الله بن الحسن عن علة هذا الشعر لم قال إن التي فوحّد ثم قال كلتاهما فثنّى فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه ومضوا يتخطون القبائل حتى انتهوا إلى بني شقرة وعبيد الله يصلي فلما أتم صلاته شرحوا له وسألوه الجواب عن ذلك فقال لهم: إن التي عنى بها الخمر الممزوجة بالماء ثم قال من بعد: كلتاهما حلب العصير يريد الخمر المتحلبة من العنب، والماء المتحلب من السحاب المكنى عنه بالمعصرات في قوله تعالى: «وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا» . 2- الحال الثابتة: الأصل في الحال أن تكون منتقلة لأنها مأخوذة من التحول وهو التنقل وتقع ثابتة في مواضع يرجع إليها في المطولات ومنها أن يدل عاملها على تجدد ذات صاحبها وحدوثه أو تجدد صفة له: نحو «ثم سوّاك رجلا» إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل وقولهم خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فيديها بدل من الزرافة بدل بعض من كل وأطول حال ملازمة من يديها ومن رجليها متعلقان بأطول لأنه اسم تفضيل وعامل الحال خلق وهو يدل على تجدد المخلوق.