Jamia Al-Bayan AlIji — الزخرف 43:1 – الزخرف 43:89
المحتويات
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الزخرف 43:73
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
الزخرف 43:1
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:2
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:3
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:4
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:5
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:6
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:7
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:8
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:9
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:10
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:11
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:12
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:13
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:14
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:15
﴿حم والكِتابِ المُبِينِ﴾ أقسم بالكتاب المُظْهِرِ طرق الهدى، أو الظاهر الجلي معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: صيرناه عربيًا بلغتكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ﴾ عطف على ”إنا“ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنا﴾: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾: ذو مكانة وشرف ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتًا عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام غير مانع ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ﴾، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه ﴿صَفْحًا﴾: إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ ”إن كنتم“ بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أي: من القوم المسرفين، وهم قومك ﴿بَطْشًا﴾: قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا ﴿ومَضى﴾ سلف في القرآن ﴿مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد ﴿وجَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم ﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحيينا، فيه التفات ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾ بلسانكم ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جنسه ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران.
الزخرف 43:16
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:17
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:18
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:19
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:20
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:21
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:22
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:23
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:24
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:25
﴿أمِ اتَّخَد مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وأصْفاكُمْ﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس ﴿وإذا بُشِّرَ﴾ الجملة حالية ﴿أحَدُهم بِما ضَرَبَ﴾ بالجنس الذي جعله ﴿لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: شبهًا فإن الولد شبه الوالد ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوء قلبه من الغيظ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾: يتربى ﴿فِي الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ﴾: في المجادلة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وكَّده، أو عطف على ما يخلق ﴿وجَعَلُوا﴾: سموا ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ ”عند الرحمن“ فمعناه: قربتهم ورتبتهم ﴿أشَهِدُوا﴾: حضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾: خلق الله تعالى إياهم فشاهدوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ على الملائكة ﴿ويُسْألُونَ﴾ عنها يوم القيامة ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد ﴿ما لَهم بِذلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ يعني: أنّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه ﴿أمْ آتيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾: قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ نسبهم إلى الكذب أولًا، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾: دين ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلى قالَ مُتْرَفُوها﴾ متنعموها ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فهذه شِنشِنتهم القديمة ليست مخصوصة بقومك ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ الظاهر أن قل حكاية أمر ماض أوحي إلى نبينا عليه السلام، ويؤيده قراءة ”قال“ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فانْتَقَمْنا منْهُمْ﴾ بأنواع من العذاب ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾.
الزخرف 43:26
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:27
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:28
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:29
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:30
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:31
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:32
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:33
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:34
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:35
﴿وإذْ قالَ﴾ أي: واذكره ﴿إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ﴾ مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أي بريء من معبودكم ﴿إلا الذِي فَطَرَني﴾ منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و ﴿ما﴾ تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار ﴿وجَعَلَها﴾ أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم ﴿وآباءَهُمْ﴾ في الدنيا فاغتروا بها ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ القرآن ﴿ورَسُول مُبِينٌ﴾: ظاهر رسالته ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿القَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلًا، لا على أكثرهم مالًا وجاهًا ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياة الدُّنْيا﴾ فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ بخلقه ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال ومن حطام الدنيا ﴿ولَوْلا أن يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ لبيوتهم بدل اشتمال من ”لمن يكفر“، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾: سلالم ومصاعد منها ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾: يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾: من فضة ﴿عَلَيْها﴾ أي: على السرر ﴿يتَكِئونَ وزًخْرُفًا﴾: ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح ”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا“ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إن نافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ومن قرأ ﴿لَما﴾ بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
الزخرف 43:36
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:37
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:38
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:39
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:40
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:41
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:42
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:43
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:44
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:45
﴿ومَن يَعْشُ﴾: يعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نسبب له ونسلط عليه ﴿شَيْطانًا﴾ يزين له الغواية، ويصده عن الهداية ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: لا يفارقه ﴿وإنَّهُمْ﴾ أى: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ جمع الضميرين للمعنى ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن طريق الحق ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أي: الكفار ﴿أنَّهُمْ﴾ أي: أنفسهم ﴿مُهْتَدُونَ حَتّى إذا جاءَنا﴾ الكافر ﴿قالَ﴾ للشيطان ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنت ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هذا قول الله تعالى أو الملك لهم ﴿ذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلًا من اليوم ﴿أنّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: ”يا ليت“ وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ همزة الإنكار، فإنه عليه السلام يتعب روحه في إهدائهم ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بعد موتك ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ أي: إن أردنا أن نريك ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ من العذاب ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ من الشرائع ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإنَّهُ﴾ أي: الذي أوحي إليك ﴿لَذِكرٌ﴾: لشرف ﴿لَكَ وقِوْمِكَ﴾ حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عن حقه ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ”واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا“ ﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
الزخرف 43:46
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:47
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:48
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:49
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:50
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:51
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:52
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:53
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:54
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:55
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:56
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فاجئوا بالاستهزاء بالآيات ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أي: صاحبتها التي كانت قبلها، أو هو تمثيل باتصاف الكل بالكمال، بحيث لا يظهر التفاوت ويظن عند النظر بكل واحد أنه أفضل من البواقي ﴿وأخَذْناهم بِالعَذاب﴾ كالطوفان والجراد وغيرهما ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن الكفر ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ بكشف العذاب عنا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾: مؤمنون ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجئوا نكث العهد ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنهار النيل عطف على ملك مصر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذلك ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير ﴿مِن هَذا الَّذِى هو مَهِينٌ﴾: حقير ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾: يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلًا، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة لسيادته ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: مقرونين يصدقونه، أو متتابعين يشهدون له مرة بعد أخرى ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أي فرعون ﴿قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والجهل ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فأطاعوا فساقا ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم ﴿أجْمَعِينَ فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾: متقدمين، ليتفكروا المتأخرون فيهم ويتعظوا ﴿ومَثَلًا﴾: قصة عجيبة ﴿لِلْآخِرِينَ﴾.
الزخرف 43:57
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:58
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:59
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:60
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:61
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:62
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:63
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:64
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:65
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:66
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:67
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما نزل ”إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم“ [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلًا حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالًا في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون ﴿إذا قَوْمُكَ﴾: قريش ﴿مِنهُ يَصِدُّونَ﴾: يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ﴾ عندك ﴿أمْ هُوَ﴾ أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك ﴿ما ضَربوهُ﴾ أي: المثل ﴿لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل ﴿ما﴾ لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فهذا رد الله تعالى عليه إجمالًا، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: ”إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى“ كالملائكة وعيسى وعزير ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ ﴿إنْ هوَ﴾: عيسى ﴿إلّا عَبْدٌ أنعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلًا﴾: أمرا عجيبًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ (٥٩) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿وإنَّهُ﴾: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلًا على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾: لا تشكن فيها، ﴿واتَّبِعُون﴾ أي: شرعي وما أخبركم به، ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾: عن اتباعه، ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾: النبوة، ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون، ﴿إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: إلا إتيان الساعة، وأن تأتيهم بدل من الساعة، ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، مفعول مطلق، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لإنكارهم، أو لانهماكهم في دنياهم، يعني: أنها تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينتظرونها، ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يومئذ ظرف، عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع، ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ فإن محبتهم تبقى.
الزخرف 43:68
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:69
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:70
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:71
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:72
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:73
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:74
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:75
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:76
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:77
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:78
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:79
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:80
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:81
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:82
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:83
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:84
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:85
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:86
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:87
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:88
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
الزخرف 43:89
﴿يا عِبادِ﴾: حكاية لما يُنادى به المتحابون المتقون، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ﴾: منصوب على المدح، ﴿آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾: المؤمنات، ﴿تُحْبَرُونَ﴾، تسرون، ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾: جمع صحفة ﴿مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ﴾: جمع كوب وهو كوز لا عروة له، ﴿وفِيها﴾: في الجنة، ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾: بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو من أتم النعم، ﴿وتِلْكَ﴾: الجنة المذكورة، ﴿الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة لها، أو صفة والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾: يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: لا يخفف ولا ينقص، ﴿وهم فِيهِ﴾، في العذاب، ﴿مُبْلِسُونَ﴾: ساكتون سكوت يأس، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: على أنفسهم، ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾: من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾: المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ أمْ أبْرَمُوا﴾: أحكموا، ﴿أمْرًا﴾، في رد الحق بحيل ومكر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾: كيدَنا في مجازاتهم، ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: ما يخفون من الغير، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تكلموا به فيما بينهم، ﴿بَلى﴾: نسمعهما، ﴿ورُسُلُنا﴾: أي الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ذلك، ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: ”لو أراد الله أن يتخذ ولدًا“ [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لله تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ، والثّانِيَةُ:
قَوْلُهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وهو لَفْظَةُ إنَّ عَلى القَضِيَّةِ الأُولى وحَرْفَ الجَزاءِ وهو الفاءُ عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قضيتين حقيتين أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ.
ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحْداهُما قَوْلُنا الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما للآخر حقا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ وإذا قُلْنا إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا الإنْسانُ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَهَذا/ مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ وذَلِكَ مُحالٌ بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ باطِلٌ، وقَوْلَنا أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلُنا إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا.
ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ هو قَوْلُنا فِيهِما آلِهَةٌ والجَزاءُ هو قولنا لَفَسَدَتا فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ إنْ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا، وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ أمّا قَوْلُهُ إنَّ لَفْظَةَ إنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا، قُلْنا هَذا مَمْنُوعٌ فَإنَّ حَرْفَ إنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ، فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي/ قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ لله المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأ]]، ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: من كونه ذا ولد، ﴿فَذَرْهُم يَخُوضُوا﴾: في الباطل، ﴿ويَلْعَبُوا﴾: في الدنيا، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: القيامة، ﴿وهُوَ الذِى في السَّماءِ إلَهٌ وفِى الأرْضِ إلَهٌ﴾ أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾: في التدابير، ﴿العًلِيمُ﴾، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾، لا عند غيره، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للجزاء، ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِهِ﴾ أي: آلهتهم، ﴿الشَّفاعَةَ﴾: كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾: يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، ﴿وقِيلِه﴾: بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و ”قيله“ وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، ﴿فاصْفَحْ﴾: أعرض، ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾ أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.