Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — البقرة 2:190 – البقرة 2:274
المحتويات
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:192
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:201
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:206
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
البقرة 2:190
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٠] ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .
﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ المُقاتَلَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ هو الجِهادُ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وإعْزازِ الدِّينِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ تَهْيِيجٌ وإغْراءٌ بِالأعْداءِ الَّذِينَ هِمَّتُهم قِتالُ الإسْلامِ وأهْلِهِ. أيْ: كَما يُقاتِلُونَكم فاقْتُلُوهم أنْتُمْ. كَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: بِابْتِداءِ القِتالِ. أوْ بِقِتالِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قِتالِهِ، مِنَ النِّساءِ، والشُّيُوخِ، والصِّبْيانِ، وأصْحابِ الصَّوامِعِ، والَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ. أوْ بِالمُثْلَةِ، أوْ بِالمُفاجَأةِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ أيِ: المُتَجاوِزِينَ حُكْمَهُ في هَذا وغَيْرِهِ.
البقرة 2:191
(p-٤٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩١] ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ .
﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهُمْ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ. فَإنَّ قُرَيْشًا أخْرَجُوا المُسْلِمِينَ مِنها. والمُسْلِمُونَ أخْرَجُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ الفَتْحِ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ: المِحْنَةُ والبَلاءُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالإنْسانِ يَتَعَذَّبُ بِهِ أشَدُّ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ. أيْ: إنَّ فِتْنَتَهم إيّاكم في الحَرَمِ عَنْ دِينِكم - بِالتَّعْذِيبِ، والإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ، والمُصادَرَةِ في المالِ - أشَدُّ قُبْحًا مِنَ القَتْلِ فِيهِ. إذْ لا بَلاءَ عَلى الإنْسانِ أشَدُّ مِن إيذائِهِ عَلى اعْتِقادِهِ الَّذِي تَمَكَّنَ مِن عَقْلِهِ ونَفْسِهِ. ورَآهُ سَعادَةً لَهُ في عاقِبَةِ أمْرِهِ. فالجُمْلَةُ دَفْعٌ لِما قَدْ يَقَعُ مِنِ اسْتِعْظامِ قَتْلِهِمْ في مِثْلِ الحَرَمِ، وإعْلامٌ بِأنَّ القِصاصَ مِنهم بِالقَتْلِ دُونَ جُرْمِهِمْ بِفِتْنَةِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الفِتْنَةَ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ لِأنَّ حُرْمَتَهُ لِذاتِهِ. وحُرْمَةَ سائِرِ الحَرَمِ مِن أجْلِهِ. وهَذا بِمَثابَةِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ﴿فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾ أيْ: فِيهِ فَلا تَفْتَقِرُونَ إلى الفِرارِ عَنِ الحَرَمِ: ﴿فاقْتُلُوهُمْ﴾ فِيهِ، إذْ لا حُرْمَةَ لَهم لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ: ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ لا يَتْرُكُ لَهم حُرْمَةً كَما لَمْ يَتْرُكُوا حُرْمَةَ اللَّهِ في آياتِهِ.
تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ في الحَرَمِ، إذا بَدَأُوا بِالقِتالِ فِيهِ، دَفْعًا لِصَوْتِهِمْ، (p-٤٧٦)كَما بايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلى القِتالِ، لَمّا تَألَّبَ عَلَيْهِ بُطُونُ قُرَيْشٍ ومَن والاهم مِن أحْياءِ ثَقِيفٍ والأحابِيشِ عامَئِذٍ. ثُمَّ كَفَّ اللَّهُ القِتالَ بَيْنَهم فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وقالَ ﷺ لِخالِدٍ ومَن مَعَهُ يَوْمَ الفَتْحِ: ««إنْ عَرَضَ لَكم أحَدٌ مِن قُرَيْشٍ فاحْصُدُوهم حَصْدًا حَتّى تُوافُونِي عَلى الصَّفا»» ... فَما عَرَضَ لَهم أحَدٌ إلّا أنامُوهُ، وأُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْوُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. كَما في السِّيرَةِ.
البقرة 2:192
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٢] ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ القِتالِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَكُفُّوا عَنْهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم تَخَلُّقًا بِصِفَتَيِ الحَقِّ تَعالى المَذْكُورَتَيْنِ وهُما: المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، هَذا ظاهِرُ المَساقِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ الشِّرْكِ والقِتالِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما سَلَفَ مِن طُغْيانِهِمْ: ﴿رَحِيمٌ﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ.
البقرة 2:193
(p-٤٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٣] ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾
﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسَبْناهم إلى قِتالِكم وإخْراجِكم وفَتْنِكُمْ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ﴾ - أيْ: لا تُوجَدَ في الحَرَمِ -: ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: تَقَوٍّ بِسَبَبِهِ يَفْتِنُونَ النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ، ويَمْنَعُونَهم مِن إظْهارِهِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالِصًا أيْ: لا يُعْبَدُ دُونَهُ شَيْءٌ في الحَرَمِ، ولا يُخْشى فِيهِ غَيْرُهُ، فَلا يُفْتَنُ أحَدٌ في دِينِهِ، ولا يُؤْذى لِأجْلِهِ.
وفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ. فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّ الإسْلامِ، وحِسابُهم عَلى اللَّهِ»» .
﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنْ قِتالِكم في الحَرَمِ: ﴿فَلا عُدْوانَ﴾ فَلا سَبِيلَ لَكم بِالقَتْلِ: ﴿إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ المُبْتَدِئِينَ بِالقَتْلِ.
ورَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أتاهُ رَجُلانِ في فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقالا: إنَّ النّاسَ قَدْ ضُيِّعُوا، وأنْتَ ابْنُ عُمَرَ وصاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ، فَما يَمْنَعُكَ أنْ تَخْرُجَ؟ فَقالَ: يَمْنَعُنِي أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أخِي..! قالا: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (p-٤٧٨)﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ؟ فَقالَ: قاتَلْنا حَتّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وكانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ تُقاتِلُوا حَتّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونُ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
ثُمَّ ساقَ البُخارِيُّ رِوايَةً أُخْرى وفِيها: قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَعَلْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ في دِينِهِ، إمّا قَتَلُوهُ وإمّا يُعَذِّبُوهُ حَتّى كَثُرَ الإسْلامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ.
البقرة 2:194
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٤] ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾
.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ إيذانٌ بِأنَّ مُراعاةَ حُرْمَةِ الشَّهْرِ واجِبَةٌ لِمَن راعى حُرْمَتَهُ، وإنَّ مَن هَتَكَها اقْتَصَّ مِنهُ، فَهَتْكُ حُرْمَتِهِ بِهَتْكِهِمْ حُرْمَتَهُ. فَكَما يُقاتِلُونَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ - إذا قاتَلُوا فِيهِ - يُقاتِلُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ إذا قاتَلُوا فِيهِ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو في الشَّهْرِ الحَرامِ إلّا أنْ يُغْزى - أوْ يُغْزَوْا - فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ أقامَ حَتّى يَنْسَلِخَ». ولِهَذا لَمّا سارَ ﷺ في ذِي القِعْدَةِ، سَنَةَ سِتٍّ مُعْتَمِرًا، وخَيَّمَ بِالحُدَيْبِيَةِ، وبَلَغَهُ أنَّ عُثْمانَ قُتِلَ - وكانَ بَعَثَهُ في رِسالَةٍ إلى المُشْرِكِينَ بايَعَ أصْحابَهُ وكانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ. فَلَمّا بَلَغَهُ أنَّ عُثْمانَ لَمْ يُقْتَلْ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وجَنَحَ إلى المُسالَمَةِ والمُصالَحَةِ، فَكانَ ما كانَ. وكَذَلِكَ لَمّا فَرَغَ مِن قِتالِ هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وتَحَصَّنَ فَلَّهم بِالطّائِفِ عَدَلَ إلَيْها فَحاصَرَها، ودَخَلَ ذُو القِعْدَةِ وهو مُحاصِرٌ لَها بِالمَنجَنِيقِ. واسْتَمَرَّ عَلَيْها إلى كَمالِ أرْبَعِينَ يَوْمًا. كَما ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنَسٍ. فَلَمّا كَثُرَ القَتْلُ في أصْحابِهِ انْصَرَفَ عَنْها، (p-٤٧٩)ولَمْ تُفْتَحْ. ثُمَّ كَرَّ راجِعًا إلى مَكَّةَ، واعْتَمَرَ مِنَ الجُعْرانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ، وكانَتْ عُمْرَتُهُ هَذِهِ في ذِي القِعْدَةِ أيْضًا عامَ ثَمانٍ.
﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ أيْ: مُتَساوِيَةٌ، فَلا يُفَضَّلُ شَهْرٌ حَرامٌ عَلى آخَرَ، بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ هَتْكُ حُرْمَتِهِ لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةَ ما دُونَهُ، عَلى أنّا لا نَهْتِكُ حُرْمَةَ الشَّهْرِ والمَسْجِدِ الحَرامِ والحَرَمِ، بَلْ نَهْتِكُ حُرْمَةَ مَن هَتَكَ حُرْمَةَ أحَدِها - قالَهُ المَهايِمِيُّ.
والحُرُماتُ: جَمْعُ حُرْمَةٍ، وهي ما يُحْفَظُ ويُرْعى ولا يُنْتَهَكُ. والقِصاصُ: المُساواةُ. والكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ. أيْ: ذَواتُ قِصاصٍ، أوِ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مُقاصَّةٌ، أوِ الحَمْلُ بِطَرِيقِ المُبالِغَةِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ أمْرٌ بِالعَدْلِ حَتّى في المُشْرِكِينَ، كَما قالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في هَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ والمَسْجِدِ والحَرَمِ بِدُونِ هَتْكِهِمْ، وفي زِيادَةِ الِاعْتِداءِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ والحِفْظِ والتَّأْيِيدِ.
البقرة 2:195
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٥] ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾
﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِالإنْفاقِ في سائِرِ وُجُوهِ القُرُباتِ والطّاعاتِ. ومِن أهَمِّها: صَرْفُ الأمْوالِ في قِتالِ الأعْداءِ، وبَذْلِها فِيما يَقْوى بِهِ المُسْلِمُونَ عَلى عَدُوِّهِمْ.
(p-٤٨٠)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ أيْ: ما يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ أيْ: لا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكم إلى الهَلاكِ، وذَلِكَ بِالتَّعَرُّضِ لِما تَسْتَوْخِمُ عاقِبَتَهُ، جَهْلًا بِهِ.
وقالَ الرّاغِبُ: ولِلْآيَةِ تَأْوِيلانِ بِنَظَرَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الإسْرافِ في الإنْفاقِ، وعَنِ التَّهَوُّرِ في الإقْدامِ.
والثّانِي: إنَّهُ نَهْيٌ عَنِ البُخْلِ بِالمالِ، وعَنِ القُعُودِ عَنِ الجِهادِ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ يُرادُ بِها. فالإنْسانُ، كَما أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنِ الإسْرافِ في الإنْفاقِ، والتَّهَوُّرِ في الإقْدامِ، فَهو مَنهِيٌّ عَنِ البُخْلِ والإحْجامِ عَنِ الجِهادِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الآيَةَ.
ولَمّا كانَ أمْرُ الإنْفاقِ أخَصَّ بِالأنْصارِ الَّذِينَ كانُوا أهْلَ الأمْوالِ، لِتَجَرُّدِ المُهاجِرِينَ عَنْها، وقَدِ اشْتُهِرَ في هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ، رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ في مُسْتَدْرِكِهِ وغَيْرُهم... ولَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: عَنْ أسْلَمَ أبِي عِمْرانَ قالَ: «كُنّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأخْرَجُوا إلَيْنا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهم أوْ أكْثَرُ. وعَلى أهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ، وعَلى الجَماعَةِ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ. فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى صَفِّ الرُّومِ حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَصاحَ النّاسُ وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلى التَّهْلُكَةِ. فَقامَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم لَتُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذا التَّأْوِيلَ، وإنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا مَعْشَرَ الأنْصارِ. لَمّا أعَزَّ اللَّهُ (p-٤٨١)الإسْلامَ، وكَثُرَ ناصِرُوهُ فَقالَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ سِرًّا - دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: إنَّ أمْوالَنا قَدْ ضاعَتْ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أعَزَّ الإسْلامَ، وكَثُرَ ناصِرُوهُ، فَلَوْ أقَمْنا في أمْوالِنا فَأصْلَحْنا ما ضاعَ مِنها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْنا ما قُلْنا: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ فَكانَتِ التَّهْلُكَةُ الإقامَةَ عَلى الأمْوالِ وإصْلاحَها، وتَرْكَنا الغَزْوَ. فَما زالَ أبُو أيُّوبَ شاخِصًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى دُفِنَ بِأرْضِ الرُّومِ،» هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
أقُولُ: إنْكارُ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إمّا لِكَوْنِهِ لا يَقُولُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ بَلْ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وإمّا لِرَدِّ زَعْمِ أنَّها نَزَلَتْ في القِتالِ. أيْ: في حَمْلِ الواحِدِ عَلى جَماعَةِ العَدُوِّ كَما تَأوَّلُوها. وهَذا هو الظّاهِرُ. وإلّا فاللَّفْظُ يَقْتَضِي العُمُومَ، ووُرُودُهُ عَلى السَّبَبِ لا يَصْلُحُ قَرِينَةً لِقِصَرِهِ عَلى ذَلِكَ. ولا شُبْهَةَ أنَّ التَّعَبُّدَ إنَّما هو بِاللَّفْظِ الوارِدِ وهو عامٌّ.
وقَدِ اسْتَشْهَدَ بِعُمُومِ الآيَةِ عَمْرُو بْنُ العاصِ فِيما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنَ الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ أخْبَرَ أنَّهم حاصَرُوا دِمَشْقَ. فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِن أزْدِ شَنُوءَةَ، فَأسْرَعَ إلى العَدُوِّ وحْدَهُ لِيَسْتَقْبِلَ، فَعابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، ورَفَعُوا حَدِيثَهُ إلى عَمْرِو بْنِ العاصِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ عَمْرٌو فَرَدَّهُ. وقالَ عَمْرٌو: قالَ اللَّهُ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾
وقَدْ رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها آثارٌ ضَعِيفَةٌ ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ وهي - واللَّهُ أعْلَمُ - مِن بابِ صِدْقِ عُمُومِها عَلى ما رَوَوْهُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحاكِمُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى جَوازِ الهَزِيمَةِ في الجِهادِ إذا خِيفَ عَلى النَّفْسِ، وتَدُلُّ عَلى جَوازِ تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إذا خافَ، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ إلْقاءُ النَّفْسِ إلى التَّهْلُكَةِ. وتَدُلُّ عَلى جَوازِ مُصالَحَةِ الكُفّارِ والبُغاةِ إذا خافَ الإمامُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى المُسْلِمِينَ. كَما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. وكَما فَعَلَهُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصِفِّينَ. وكَما فَعَلَهُ الحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُصالَحَةِ مُعاوِيَةَ. وتَدُلُّ أيْضًا عَلى جَوازِ مُصالَحَةِ الإمامِ بِشَيْءٍ مِن أمْوالِ النّاسِ إذا (p-٤٨٢)خَشِيَ التَّهْلُكَةَ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يُصالِحَ يَوْمَ الأحْزابِ بِثُلُثِ ثِمارِ المَدِينَةِ حَتّى شاوَرَ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ وسَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، فَأشارا بِتَرْكِ ذَلِكَ. وهو لا يَعْزِمُ إلّا عَلى ما يَجُوزُ.
لَطِيفَةٌ:
الإلْقاءُ لُغَةً: طَرْحُ الشَّيْءِ، عُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِ مَعْنى الِانْتِهاءِ، والباءُ مَزِيدَةٌ في المَفْعُولِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّهْيِ. والمُرادُ بِالأيْدِي: الأنْفُسُ، فَذِكْرُ الجُزْءِ وإرادَةُ الكُلِّ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَها بِاليَدِ. بِناءً عَلى أنَّ أكْثَرَ ظُهُورِ أفْعالِ النَّفْسِ بِها. والتَّهْلُكَةُ والهَلاكُ والهَلْكُ واحِدٌ. فَهي مَصْدَرٌ. أيْ: لا تُوقِعُوا أنْفُسَكم في الهَلاكِ.
والتَّهْلُكَةُ بِضَمِّ اللّامِ. قالَ الخارْزَنْجِيُّ: لا أعْلَمُ في كَلامِ العَرَبِ مَصْدَرًا عَلى تَفْعُلَةٍ - بِضَمِّ العَيْنِ - إلّا هَذا.
وقالَ اليَزِيدِيُّ: هو مِن نَوادِرِ المَصادِرِ. ولا يَجْرِي عَلى القِياسِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أصْلُها التَّهْلُكَةُ كالتَّجْرِبَةِ والتَّبْصِرَةِ ونَحْوِهِما. عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مَن هَلَكَ. فَأُبْدِلَتْ مِنَ الكَسْرَةِ ضَمَّةً، كَما جاءَ الجِوارُ في الجِوارِ هَذا ما ذَكَرُوهُ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ - ولِلَّهِ دَرُّهُ - بَعْدَ نَقْلِهِ نَحْوَ ما سَبَقَ: وإنِّي لَأتَعَجَّبُ كَثِيرًا مِن تَكَلُّفاتِ هَؤُلاءِ النَّحْوِيِّينَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ، وذَلِكَ أنَّهم لَوْ وجَدُوا شِعْرًا مَجْهُولًا يَشْهَدُ لِما أرادُوهُ فَرِحُوا بِهِ واتَّخَذُوهُ حُجَّةً قَوِيَّةً. فَوُرُودُ هَذا اللَّفْظِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، المَشْهُودِ لَهُ مِنَ المُوافِقِ والمُخالِفِ بِالفَصاحَةِ - أوْلى أنَّ يَدُلَّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ واسْتِقامَتِها.
﴿وأحْسِنُوا﴾ أيْ: تَحَرُّوا فِعْلَ الإحْسانِ، أيِ: الإتْيانَ بِكُلِّ ما هو حَسَنٌ، ومِن أجَلِّهِ الإنْفاقُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ الرّاغِبُ: نَبَّهَ بِإظْهارِ المَحَبَّةِ لِلْمُحْسِنِينَ عَلى شَرَفِ مَنزِلَتِهِمْ وفَضِيلَةِ أفْعالِهِمْ.
البقرة 2:196
(p-٤٨٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٦] ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أيْ: أدُّوهُما تامَّيْنِ بِمَناسِكِهِما المَشْرُوعَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ الرّاغِبُ: قِيلَ: ﴿أتِمُّوا﴾ [البقرة: ١٨٧] خِطابٌ لِمَن خَرَجَ حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا، فَأُمِرَ أنْ لا يَصْرِفَ وجْهَهُ حَتّى يُتِمَّهُما. وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واحْتَجَّ بِهِ في وُجُوبِ إتْمامِ كُلِّ عِبادَةٍ دَخَلَ فِيها الإنْسانُ مُتَنَفِّلًا، وأنَّهُ مَتى أفْسَدَها وجَبَ قَضاؤُها. وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهم ولِمَن لَمْ يَتَلَبَّسْ بِالعِبادَةِ. وذِكْرُ لَفْظِ الإتْمامِ تَنْبِيهٌ عَلى تَوْفِيَةِ حَقِّها وإكْمالِ شَرائِطِها، وعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وإلى هَذا ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ واحْتَجَّ بِهِ في وُجُوبِ العُمْرَةِ. وإنَّما قالَ في الحَجِّ والعُمْرَةِ: ﴿لِلَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ مِن أجْلِ أنَّهم كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِبَعْضِ أفْعالِ الحَجِّ والعُمْرَةِ إلى أصْنامِهِمْ، فَخَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِلَّهِ تَعالى حَثًّا عَلى الإخْلاصِ فِيهِما، ومُجانَبَةِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ المَحْظُورِ.
﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أيْ: حَبَسَكم عَدُوٌّ عَنْ إتْمامِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ وأرَدْتُمُ التَّحَلُّلَ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ أيْ: فَعَلَيْكُمْ، أوْ فالواجِبُ، أوْ فَأهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ؛ يُقالُ: يَسُرَ الأمْرُ (p-٤٨٤)واسْتَيْسَرَ، كَما يُقالُ: صَعُبَ واسْتَصْعَبَ. والهَدْيُ بِتَخْفِيفِ الياءِ وتَشْدِيدِها: جَمْعُ هَدْيَةٍ وهَدِيَّةٍ، وهُوَ: ما أُهْدِيَ إلى مَكَّةَ مِنَ النِّعَمِ لِيُنْحَرَ تَقَرُّبًا بِهِ إلى اللَّهِ. قالَ ثَعْلَبٌ: الهَدْيُ بِالتَّخْفِيفِ، لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. والتَّثْقِيلِ عَلى فَعِيلٍ، لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وسُفْلى قِيسٍ. وقَدْ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا في الآيَةِ. وشاهِدُ الهَدْيِّ مُثْقَّلًا مِن كَلامِهِمْ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ والمُصَلّى وأعْناقِ الهَدِيِّ مُقَلِّداتِ
وشاهِدُ الهَدِيَّةِ كَذَلِكَ، قَوْلُ ساعِدَةَ بْنِ جُؤَيَّةَ:
؎إنِّي وأيْدِيَهم وكُلَّ هَدِيَّةٍ ∗∗∗ مِمّا تَثُجُّ لَهُ تَرائِبُ تَثْعَبُ.
وأعْلى الهَدْيِ بَدَنَةٌ، وأدْناهُ شاةٌ. والمَعْنى: أنَّ المُحْرِمَ إذا أُحْصِرَ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ، تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ: مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّاغِبُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ أنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أنْ يُحْصَرَ بِمَكَّةَ أوْ بِغَيْرِها، وبَعْدَ عَرَفَةَ أوْ قَبْلَها. وكَذَلِكَ لا فَرْقَ في الظّاهِرِ بَيْنَ أنْ يَحْصُرَهُ عَدُوُّ مُسْلِمٍ أوْ غَيْرُهُ. وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لا فَصْلَ بَيْنَ إحْصارِ العَدُوِّ وإحْصارِ المَرَضِ. لَوْلا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَبَبِ العَدُوِّ فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَعَدّى إلّا بِدَلالَةٍ. ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإحْصارِ هو بِالعَدُوِّ.
وقَدْ يُقالُ: العِبْرَةُ في أمْثالِهِ بِعُمُومِهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ثُلَّةٌ مِنَ السَّلَفِ. فَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَلْقَمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ أنَّهم قالُوا: الإحْصارُ مِن عَدُوٍّ أوْ مَرَضٍ أوْ كَسْرٍ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: الإحْصارُ مِن كُلِّ شَيْءٍ أذاهُ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلى ضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ (p-٤٨٥)ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أُرِيدُ الحَجَّ وأنا شاكِيَةٌ. فَقالَ: «حُجِّي واشْتَرِطِي أنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»» . ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِمِثْلِهِ.
ومِن دَلالَةِ الآيَةِ ما قالَهُ الرّاغِبُ: إنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أنْ لا قَضاءَ عَلى المُحْصَرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أيِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ، وهو مَكانُهُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ. يَعْنِي: مَوْضِعَ الإحْصارِ. وبُلُوغُهُ إيّاهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَبْحِهِ فِيهِ، واسْتِعْمالُ بُلُوغِ الشَّيْءِ مَحَلُّهُ في وُصُولِهِ إلى ما يُقْصَدُ مِنهُ - شائِعٌ. ولَمّا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وحَصَرَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ عَنِ الدُّخُولِ إلى الحَرَمِ، حَلَقُوا وذَبَحُوا هَدْيَهم بِها ولَمْ يَبْعَثُوا بِهِ إلى الحَرَمِ.
وقَدْ ساقَ الإمامُ ابْنُ القِيِّمِ في " زادِ المَعادِ " بَعْضَ ما في قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ في فَصْلٍ قالَ فِيهِ: ومِنها أنَّ المَحْصَرَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ مِنَ الحِلِّ أوِ الحَرَمِ، وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُواعِدَ مَن يَنْحَرُهُ في الحَرَمِ إذا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، وأنَّهُ لا يَتَحَلَّلُ حَتّى يَصِلَ إلى مَحَلِّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] ومِنها: أنَّ المَوْضِعَ الَّذِي نَحَرَ فِيهِ الهَدْيَ كانَ مِنَ الحَلِّ لا مِنَ الحَرَمِ، لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَحِلُّ الهَدْيِ.
وقالَ الإمامُ مالِكٌ في " المُوَطَّأِ ": مَن حُبِسَ بِعَدُوٍّ فَجالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ، فَإنَّهُ يَحِلُّ (p-٤٨٦)مِن كُلِّ شَيْءٍ ويَنْحَرُ هَدْيَهُ، ويَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ، ولَيْسَ عَلَيْهِ قَضاءٌ.
قالَ: فَهَذا الأمْرُ عِنْدَنا فِيمَن أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ، كَما أُحْصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ.
﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ أيْ: فَمَن كانَ مِنكم - مَعْشَرَ المُحْرِمِينَ - مَرِيضًا مَرَضًا يَتَضَرَّرُ مَعَهُ بِالشَّعْرِ ويَحُوجُهُ إلى الحَلْقِ، أوْ كانَ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ - كَجِراحَةٍ وقَمْلٍ - فَعَلَيْهِ إنْ حَلَقَ، فَدِيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ. وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «حُمِلْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ والقَمْلُ يَتَناثَرُ عَلى وجْهِي، فَقالَ: «ما كُنْتُ أرى أنَّ الجُهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذا..! أما تَجِدُ شاةً؟» قُلْتُ: لا! قالَ: «صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن طَعامٍ واحْلِقْ رَأْسَكَ» . فَنَزَلَتْ فِيَّ خاصَّةً وهي لَكم عامَّةٌ،» رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، «عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ، وقَدْ حَصَرَنا المُشْرِكُونَ، وكانَتْ لِي وفْرَةٌ، فَجَعَلَتِ الهَوامُّ تَساقَطُ عَلى وجْهِي. فَمَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: «أيُؤْذِيكَ هَوامُّ رَأْسِكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فَأمَرَهُ أنْ يَحْلِقَ. قالَ: ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ». قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا كانَ " أوْ أوْ " فَأيَّةً أخَذْتَ أجْزَأ عَنْكَ. وعامَّةُ العُلَماءِ: أنَّهُ يُخَيَّرُ في هَذا المَقامِ: إنْ شاءَ صامَ وإنْ شاءَ تَصَدَّقَ بِفَرْقٍ - وهو ثَلاثَةُ آصُعٍ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ وهو مُدّانِ - وإنْ شاءَ ذَبَحَ شاةً وتَصَدَّقَ بِها عَلى الفُقَراءِ، أيَّ: ذَلِكَ فَعَلَ أجْزَأهُ. ولَمّا كانَ لَفْظُ القُرْآنِ في بَيانِ (p-٤٨٧)الرُّخْصَةِ، جاءَ بِالأسْهَلِ فالأسْهَلِ. ولَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، بِذَلِكَ أرْشَدَهُ أوَّلًا إلى الأفْضَلِ، فَقالَ: ««أما تَجِدُ شاةً؟»» فَكُلٌّ حَسَنٌ في مَقامِهِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
تَنْبِيهٌ:
اسْتُفِيدَ مِنَ الآيَةِ أحْكامٌ:
الأوَّلُ: جَوازُ الحَلْقِ مِنَ المُحْرِمِ واللَّبْسِ لِلْمَخِيطِ لِلضَّرُورَةِ، ووُجُوبُ الفِدْيَةِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِبَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ.
الثّانِي: تَحْرِيمُ الحَلْقِ ولَبْسِ المَخِيطِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ المَفْهُومِ؛ لِأنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ، وذَلِكَ إجْماعٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الفِدْيَةَ الواجِبَةَ تَكُونُ مِن أجْناسِ الثَّلاثَةِ، وهِيَ: الصِّيامُ أوِ الصَّدَقَةُ، أوِ النُّسُكُ، وقَدْ ورَدَ بَيانُها في حَدِيثِ كَعْبٍ.
الرّابِعُ: أنَّ الفِدْيَةَ واجِبَةٌ عَلى التَّخْيِيرِ كَما بَيَّنّا.
قالَ الرّاغِبُ: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الشَّعْرِ وكَثِيرِهِ، بِخِلافِ ما قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، حَيْثُ لَمْ يَلْزَمْ إلّا بِحَلْقِ الثُّلُثِ. وغَيْرُهُ لَمْ يَلْزَمْ إلّا بِحَلْقِ الرُّبُعِ.
لَطِيفَةٌ:
أصْلُ النُّسُكِ العِبادَةُ، وسُمِّيَتْ ذَبِيحَةُ الأنْعامِ نُسُكًا؛ لِأنَّها مِن أشْرَفِ العِباداتِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ تَعالى.
قالَ أبُو البَقاءِ: والنُّسُكُ - في الأصْلِ - مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ لِأنَّهُ مِن نَسَكَ يَنْسِكُ، والمُرادُ بِهِ هَهُنا المَنسُوكُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، ويَجُوزُ تَسْكِينُ السِّينِ. انْتَهى.
﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ: كُنْتُمْ آمَنِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، أوْ صِرْتُمْ بَعْدَ الإحْصارِ آمِنِينَ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ﴾ أيْ: بِإحْرامِهِ بِها في أشْهُرِ الحَجِّ لِيَسْتَفِيدَ الحِلَّ حِينَ وُصُولِهِ إلى البَيْتِ، ويَسْتَمِرَّ حَلالًا في سَفَرِهِ ذَلِكَ: ﴿إلى الحَجِّ﴾ أيْ: إلى وقْتِ الإحْرامِ بِالحَجِّ: ﴿فَما﴾ (p-٤٨٨)أيْ: فَعَلَيْهِ ما: ﴿اسْتَيْسَرَ﴾ أيْ: تَيَسَّرَ: ﴿مِنَ الهَدْيِ﴾ مِنَ النَّعَمِ، يَكُونُ هَذا الهَدْيُ لِأجْلِ ما تَمَتَّعَ بِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ مِنَ الحِلِّ.
وفِي " النِّهايَةِ " صُورَةُ التَّمَتُّعِ أنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَإذا أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ بَعْدَ إهْلالِهِ شَوّالًا فَقَدْ صارَ مُتَمَتِّعًا بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ وسُمِّيَ بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا قَدِمَ مَكَّةَ، وطافَ بِالبَيْتِ، وسَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ. حَلَّ مِن عُمْرَتِهِ وحَلَقَ رَأسَهُ، وذَبَحَ نُسُكَهُ الواجِبَ عَلَيْهِ لِتَمَتُّعِهِ، وحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ كانَ حَرُمَ عَلَيْهِ في إحْرامِهِ مِنَ النِّساءِ والطِّيبِ، ثُمَّ يُنْشِئُ بَعْدَ ذَلِكَ إحْرامًا جَدِيدًا لِلْحَجِّ وقْتَ نُهُوضِهِ إلى مِنى، أوْ قَبْلَ ذَلِكَ، مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلى المِيقاتِ الَّذِي أنْشَأ مِنهُ عُمْرَتَهُ، فَذَلِكَ تَمَتُّعُهُ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، أيِ: انْتِفاعُهُ وتَبَلُّغُهُ بِما انْتَفَعَ بِهِ مِن حَلْقٍ، وطِيبٍ، وتَنَظُّفٍ، وقَضاءِ تَفَثٍ، وإلْمامٍ بِأهْلِهِ إنْ كانَتْ مَعَهُ.
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ ": وكانَ مِن هَدْيِهِ ﷺ ذَبْحُ هَدْيِ العُمْرَةِ عِنْدَ المَرْوَةِ، وهَدْيِ القِرانِ بِمِنى. وكَذَلِكَ كانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ. ولَمْ يَنْحَرْ ﷺ قَطُّ إلّا بَعْدَ أنْ حَلَّ، ولَمْ يَنْحَرْهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ولا أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ البَتَّةَ.
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ الهَدْيَ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ أيْ: بَعْدَ الإحْرامِ وقَبْلَ الفَراغِ مِن أعْمالِهِ، والأوْلى سادِسُ ذِي الحِجَّةِ وسابِعُهُ وثامِنُهُ.
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿فِي الحَجِّ﴾ ومَتى أحْرَمَ يَوْمَ عَرَفَةَ لا يُمْكِنُهُ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ لِأنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ في يَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ؟! قِيلَ: الواجِبُ عَلى المُتَمَتِّعِ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالصِّيامِ لِثَلاثَةِ أيّامٍ. وذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الإحْرامِ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ. وقَدْ قالَ ابْنُ عُمَرَ وعائِشَةُ: يَصُومُ أيّامَ التَّشْرِيقِ، ويَحْمِلانِ النَّهْيَ عَلى صَوْمِ أيّامِ مِنى عَلى غَيْرِ المُتَمَتِّعِ.
﴿وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِيكُمْ، أوْ إذا أخَذْتُمْ في الرُّجُوعِ بَعْدَ الفَراغِ مِن أعْمالِ الحَجِّ.
قالَ الرّاغِبُ: وإطْلاقُ اللَّفْظِ يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَيَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَيْهِما.
(p-٤٨٩)إلّا أنَّ الَّذِي يُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الطَّوِيلِ وفِيهِ: ««فَمَن لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ»» .
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فَذَلِكَ حِسابٌ، أيْ: إجْمالٌ بَعْدَ تَفْصِيلٍ، وفائِدَتُها: أنْ لا يُتَوَهَّمَ أنَّ الواوَ بِمَعْنى أوْ وأنَّ الكَلامَ عَلى التَّخْيِيرِ. بَلِ المَجْمُوعُ بَدَلُ الهَدْيِ..! وأنْ يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً كَما عُلِمَ تَفْصِيلًا، فَيُحاطُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ فَيَتَأكَّدُ العِلْمُ، وفي المَثَلِ: عِلْمانِ خَيْرٌ مِن عِلْمٍ. فَإنَّ أكْثَرَ العَرَبِ لا يَعْرِفُ الحِسابَ. فاللّائِقُ الخِطابُ الَّذِي يَفْهَمُهُ الخاصُّ والعامُّ. وهو ما يَكُونُ بِتَكْرارِ الكَلامِ وزِيادَةِ الإفْهامِ...
وفائِدَةٌ ثالِثَةٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعَةِ: هو العَدَدُ دُونَ الكَثْرَةِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ لَهُما...
وفائِدَةٌ رابِعَةٌ: أشارَ لَها الرّاغِبُ وهُوَ:
إنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ اسْتِطْرادٌ في الكَلامِ، وتَنْبِيهٌ عَلى فَضِيلَةِ عِلْمِ العَدَدِ، ولِذا قِيلَ: العَدَدُ أوَّلُ العُلُومِ وأشْرَفُها. أمّا أنَّهُ أوَّلُ، فَلِأنَّ ما عَداهُ مَعْدُولٌ مِنهُ، وبِهِ يُفْصَلُ ويُمَيَّزُ. وأمّا كَوْنُهُ أشْرَفَ، فَلِأنَّهُ لا اخْتِلافَ فِيهِ ولا تَغَيُّرَ، بَلْ هو لازِمٌ طَرِيقَةً واحِدَةً، فَذَكَرَ العَشَرَةَ ووَصَفَها بِالكامِلَةِ؛ إذْ هي عَدَدٌ كَمُلَ فِيهِ خَواصُّ الأعْدادِ، فَإنَّ الواحِدَ مَبْدَأُ العَدَدِ، والِاثْنَيْنِ أوَّلُ العَدَدِ، والثَّلاثَةَ أوَّلُ عَدَدٍ فَرْدٍ، والأرْبَعَةَ أوَّلُ عَدَدٍ زَوْجٍ مَحْدُودٍ - أيْ: مُجْتَمَعٌ مِن ضَرْبِ عَدَدٍ في نَفْسِهِ - والخَمْسَةَ أوَّلُ عَدَدٍ دائِرٍ، والسِّتَّةَ أوَّلُ عَدَدٍ تامٍّ - أيْ: إذا أُخِذَ جَمِيعُ أجْزائِهِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ - والسَّبْعَةَ أوَّلُ عَدَدٍ أوَّلَ - أيْ: لا يَتَقَدَّمُهُ عَدَدٌ بَعْدَهُ - والثَّمانِيَةَ أوَّلُ عَدَدِ زَوْجِ الزَّوْجِ - والتِّسْعَةَ أوَّلُ عَدَدٍ مُثَلَّثٍ، والعَشَرَةَ أوَّلُ عَدَدٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ العَدَدُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَهُ يَكُونُ مُكَرَّرًا بِما قَبْلَهُ، فَإذَنِ العَشَرَةُ هي العَدَدُ الكامِلُ...
(p-٤٩٠)﴿كامِلَةٌ﴾ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ (عَشَرَةٌ) تُفِيدُ المُبالِغَةَ في المُحافَظَةِ عَلى العَدَدِ، فَفِيهِ زِيادَةُ تَوْصِيَةٍ لِصِيامِها، وأنْ لا يُتَهاوَنَ بِها، ولا يُنْقَصَ مِن عَدَدِها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، فَراعُوا كَمالَها ولا تَنْقُصُوها ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: وُجُوبُ دَمِ التَّمَتُّعِ أوْ بَدَلِهِ لِمَن لَمْ يَجِدْ: ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: بَلْ كانَ أهْلُهُ عَلى مَسافَةِ الغَيْبَةِ مِنهُ. وأمّا مَن كانَ أهْلُهُ حاضِرِيهِ - بِأنْ يَكُونَ ساكِنًا في مَكَّةَ - فَهو في حُكْمِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فاللَّهُ تَعالى يُجْبِرُهُ بِفَضْلِهِ.
هَذا، وقالَ بَعْضُ المُجْتَهِدِينَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّمَتُّعِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ ولَيْسَتْ لِلْهَدْيِ والصَّوْمِ، فَلا مُتْعَةَ ولا قِرانَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَهُ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: يا أهْلَ مَكَّةَ! لا مُتْعَةَ لَكم أُحِلَّتْ لِأهْلِ الآفاقِ وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ، إنَّما يَقْطَعُ أحَدُكم وادِيًا أوْ قالَ: يُجْعَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَرَمِ وادِيًا - ثُمَّ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ..!
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ طاوُوسٍ قالَ: المُتْعَةُ لِلنّاسِ لا لِأهْلِ مَكَّةَ. ثُمَّ قالَ وبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ طاوُوسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأهْلُ: سَكَنُ المَرْءِ مِن زَوْجٍ ومُسْتَوْطَنٍ. والحُضُورُ: مُلازَمَةُ المَوْطِنِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ - في الجِنايَةِ عَلى إحْرامِهِ -: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن جَنى عَلى إحْرامِهِ أكْثَرَ مِن شِدَّةِ المُلُوكِ عَلى مَن أساءَ الأدَبَ بِحَضْرَتِهِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ﴾ الآيَةَ، دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ التَّمَتُّعِ، كَما جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ في كِتابِ اللَّهِ فَفَعَلْناها مَعَ (p-٤٩١)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، ولَمْ يَنْهَ عَنْها حَتّى ماتَ، قالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ ما شاءَ.
ورَوى مالِكٌ في " المُوَطَّأِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ! لَأنْ أعْتَمِرَ قَبْلَ الحَجِّ وأُهْدِيَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أعْتَمِرَ بَعْدَ الحَجِّ في ذِي الحِجَّةِ..!.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ: ««لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ ما سُقْتُ الهَدْيَ ولَجَعَلْتُها عُمْرَةً»» . يَعْنِي كَما فَعَلَ أصْحابُهُ ﷺ عَنْ أمْرِهِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المِعادِ ": قَدْ ثَبَتَ أنَّ التَّمَتُّعَ أفْضَلُ مِنَ الإفْرادِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:
مِنها: أنَّهُ ﷺ أمَرَهم بِفَسْخِ الحَجِّ إلَيْهِ، ومُحالٌ أنْ يَنْقُلَهم مِنَ الفاضِلِ إلى المَفْضُولِ الَّذِي هو دُونَهُ.
ومِنها: أنَّهُ تَأسَّفَ عَلى كَوْنِهِ لَمْ يَفْعَلْهُ بِقَوْلِهِ: ««لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَما سُقْتُ الهَدْيَ ولَجَعَلْتُها مُتْعَةً»» .
ومِنها: أنَّهُ أمَرَ بِهِ كُلَّ مَن لَمْ يَسُقِ الهَدْيَ.
ومِنها: أنَّ الحَجَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وفِعْلُ أصْحابِهِ، القِرانُ مِمَّنْ ساقَ الهَدْيَ، والتَّمَتُّعُ لِمَن لَمْ يَسُقِ الهَدْيَ. ولِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ..!.
الثّالِثُ: قالَ الرّاغِبُ لا يَجِبُ الدَّمُ أوْ بَدَلُهُ في التَّمَتُّعِ إلّا بِأرْبَعِ شَرائِطَ:
إيقاعُ العُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ والتَّحَلُّلُ مِنها فِيهِ.
والثّانِي: أنْ يُثْنِيَ الحَجَّ مِن سُنَّتِهِ.
والثّالِثُ: أنْ لا يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ لِإنْشاءِ الحَجِّ.
الرّابِعُ: أنْ لا يَكُونَ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ.
البقرة 2:197
(p-٤٩٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٧] ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ .
﴿الحَجُّ﴾ أيْ: أوْقاتُ أعْمالِهِ ﴿أشْهُرٌ﴾ وهِيَ: شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ. أيْ: عُشْرُهُ الأوَّلُ. نَزَلَ مَنزِلَةَ الكُلِّ لِغايَةِ فَضْلِهِ.
قالَ الثَّعالِبِيُّ: وقَدْ جاءَ في تَفْسِيرِ أشْهُرِ الحَجِّ وعَشْرِ ذِي الحِجَّةِ - وفي بَعْضِها تِسْعٌ - فَمَن عَبَّرَ بِالتِّسْعِ أرادَ الأيّامَ، ومَن عَبَّرَ بِالعَشْرِ أرادَ اللَّيالِيَ، ولِقَوْلِهِ ﷺ: ««الحَجُّ عَرَفَةُ»» . وقَدْ تَبَيَّنْتُ أنَّهُ يَفُوتُ الوُقُوفُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ أيْ: قَبْلَ نُزُولِ الشَّرْعِ عِنْدَ النّاسِ، لا يَشْكُلْنَ عَلَيْهِمْ. وآذَنَ هَذا أنَّ الأمْرَ بَعْدَ الشَّرْعِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ: ﴿فَمَن فَرَضَ﴾ أيْ: أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ: ﴿فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ بِإحْرامِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أيْ: فَمُقْتَضى إحْرامِهِ أنْ لا يُوجَدَ جِماعٌ ولا مُقَدَّماتُهُ ولا فُحْشَ مِنَ القَوْلِ: ﴿ولا فُسُوقَ﴾ أيْ: خُرُوجٌ عَنْ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ بِارْتِكابِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، وغَيْرِها كالسِّبابِ والتَّنابُزِ بِالألْقابِ: ﴿ولا جِدالَ﴾ أيْ: مُماراةَ أحَدٍ مِنَ الرُّفْقَةِ والخَدَمِ والمَكّارِينَ: ﴿فِي الحَجِّ﴾ أيْ: في أيّامِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ فِيها كُلُّ خَيْرٍ مِن خَيْراتِ الحَجِّ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ الحُكْمِ؛ فَإنَّ زِيارَةَ البَيْتِ المُعَظَّمِ، والتَّقَرُّبَ بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مِن مُوجِباتِ تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، وإيثارُ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ؛ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِأنْ لا يَكُونَ، فَإنَّ ما كانَ مُنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا في نَفْسِهِ، فَفي تَضاعِيفِ الحَجِّ أقْبَحُ: كَلَبْسِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ بَعْضُهُمُ: النُّكْتَةُ في مَنعِ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى أنَّها آدابٌ لِسانِيَّةٌ: تَعْظِيمُ شَأْنِ الحَرَمِ، (p-٤٩٣)وتَغْلِيظُ أمْرِ الإثْمِ فِيهِ، إذِ الأعْمالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الزَّمانِ والمَكانِ، فَلِلْمَلَأِ آدابٌ غَيْرُ آدابِ الخَلْوَةِ مَعَ الأهْلِ. ويُقالُ في مَجْلِسِ الإخْوانِ ما لا يُقالُ في مَجْلِسِ السُّلْطانِ. ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المَرْءُ في أوْقاتِ العِبادَةِ والحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعالى عَلى أكْمَلِ الآدابِ، وأفْضَلِ الأحْوالِ، وناهِيكَ بِالحُضُورِ في البَيْتِ الَّذِي نَسَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ..! وأمّا السِّرُّ فِيها عَلى أنَّها مُحَرَّماتُ الإحْرامِ، فَهو أنْ يَتَمَثَّلَ الحاجُّ أنَّهُ بِزِيارَتِهِ لِبَيْتِ اللَّهِ تَعالى مُقْبِلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، قاصِدٌ لَهُ، فَيَتَجَرَّدُ عَنْ عاداتِهِ ونَعِيمِهِ، ويَنْسَلِخُ مِن مَفاخِرِهِ ومُمَيِّزاتِهِ عَلى غَيْرِهِ، بِحَيْثُ يُساوِي الغَنِيُّ الفَقِيرَ، ويُماثِلُ الصُّعْلُوكُ الأمِيرَ، فَيَكُونُ النّاسُ مِن جَمِيعِ الطَّبَقاتِ في زِيٍّ كَزِيِّ الأمْواتِ، وفي ذَلِكَ - مِن تَصْفِيَةِ النَّفْسِ، وتَهْذِيبِها، وإشْعارِها بِحَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، والأُخُوَّةِ لِلنّاسِ - ما لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ، وإنْ كانَ لا يَخْفى أمْرُهُ...
﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حَثٌّ عَلى الخَيْرِ عُقَيْبَ النَّهْيِ عَنِ الشَّرِّ، وأنْ يَسْتَعْمِلُوا مَكانَ القَبِيحِ مِنَ الكَلامِ الحَسَنَ، ومَكانَ الفُسُوقِ البِرَّ والتَّقْوى، ومَكانَ الجِدالِ الوِفاقَ والأخْلاقَ الجَمِيلَةَ..! وقَدْ رُوِيَ فِيمَن حَجَّ ولَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ أنَّهُ يَخْرُجُ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ! وذَلِكَ، لِأنَّ الإقْبالَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِتِلْكَ الهَيْئَةِ، والتَّقَلُّبِ في تِلْكَ المَناسِكِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ، يَمْحُو مِنَ النُّفُوسِ آثارَ الذُّنُوبِ وظُلْمَتَها. ويُدْخِلُها في حَياةٍ جَدِيدَةٍ: لَها فِيها ما كَسَبَتْ، وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ..!: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ (p-٤٩٤)رَوى البُخارِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ! فَإذا قَدِمُوا مَكَّةَ سَألُوا النّاسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾
أيْ: وتَزَوَّدُوا ما تَتَبَلَّغُونَ بِهِ وتَكُفُّونَ بِهِ وُجُوهَكم عَنِ النّاسِ، واتَّقُوا الِاسْتِطْعامَ وإبْرامَ النّاسِ والتَّثْقِيلَ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ أيِ: الِاتِّقاءُ عَنِ الإبْرامِ والتَّثْقِيلِ عَلَيْهِمْ..!.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّ مِن كَرَمِ الرَّجُلِ طِيبَ زادِهِ في السَّفَرِ. وكانَ يُشْتَرَطُ عَلى مَن صَحِبَهُ الجَوْدَةُ.. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
ويُقالُ: في مَعْنى الآيَةِ: وتَزَوَّدُوا مِنَ التَّقْوى لِلْمَعادِ. فَإنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَفَرٍ في الدُّنْيا، ولا بُدَّ فِيهِ مِن زادٍ، ويَحْتاجُ فِيهِ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ والمَرْكَبِ؛ وسَفَرٍ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن زادٍ أيْضًا وهو تَقْوى اللَّهِ، والعَمَلُ بِطاعَتِهِ، واتِّقاءُ المَحْظُوراتِ..! وهَذا الزّادُ أفْضَلُ مِنَ الزّادِ الأوَّلِ، فَإنَّ زادَ الدُّنْيا يُوَصِّلُ إلى مُرادِ النَّفْسِ وشَهَواتِها، وزادَ الآخِرَةِ يُوَصِّلُ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ في الآخِرَةِ..! وفي هَذا المَعْنى قالَ الأعْشى:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزادٍ مِنَ التُّقى ولاقَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَن قَدْ تَزَوَّدا
؎نَدِمْتَ عَلى أنْ لا تَكُونَ كَمِثْلِهِ
؎وأنَّكَ لَمْ تُرْصِدْ لِما كانَ أرْصَدا..!
وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَزَوَّدُوا﴾ أمْرٌ بِاتِّخاذِ الزّادِ، هو طَعامُ السَّفَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ إرْشادٌ إلى زادِ الآخِرَةِ، وهو اسْتِصْحابُ التَّقْوى إلَيْها بَعْدَ (p-٤٩٥)الأمْرِ بِالزّادِ لِلسَّفَرِ في الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] لَمّا ذَكَرَ اللِّباسَ الحِسِّيَّ نَبَّهَ مُرْشِدًا إلى اللِّباسِ المَعْنَوِيِّ وهو الخُشُوعُ والطّاعَةُ، وذَكَرَ أنَّهُ خَيْرٌ مِن هَذا وأنْفَعُ.
﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي وعَذابِي في مُخالَفَتِي وعِصْيانِي يا ذَوِي العُقُولِ والأفْهامِ! فَإنَّ قَضِيَّةَ اللُّبِّ تَقْوى اللَّهِ، ومَن لَمْ يَتَّقِهِ مِنَ الألِبّاءِ فَكَأنَّهُ لا لُبَّ لَهُ..! كَما قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]
وقَدْ قُرِئَ بِإثْباتِ الياءِ فِي: {اتَّقُونِ } عَلى الأصْلِ، وبِحَذْفِها لِلتَّخْفِيفِ ودَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْهِ.
البقرة 2:198
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨] ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ .
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ الرّاغِبُ: كانَتِ العَرَبُ تَتَحاشى مِنَ التِّجارَةِ في الحَجِّ، حَتّى إنَّهم كانُوا يَتَجَنَّبُونَ المُبايَعَةَ إذا دَخَلَ العَشْرُ، وحَتّى سَمَّوْا مَن تَوَلّى مُتَجِّرًا في الحَجِّ: الدّاجُّ دُونَ الحاجِّ؛ فَأباحَ اللَّهُ ذَلِكَ، وعَلى إباحَةِ ذَلِكَ، دَلَّ (p-٤٩٦)قَوْلُهُ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَأنَّهم كَرِهُوا ذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ.
فَفِي الآيَةِ التَّرْخِيصُ لِمَن حَجَّ في التِّجارَةِ ونَحْوِها مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها شَيْءٌ مِنَ الرِّزْقِ - وهو المُرادُ بِالفَضْلِ هُنا - ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم في أنْ تَبْتَغُوا في مَواسِمِ الحَجِّ رِزْقًا ونَفْعًا وهو الرِّبْحُ في التِّجارَةِ مَعَ سَفَرِكم لِتَأْدِيَةِ ما افْتَرَضَهُ عَلَيْكم مِنَ الحَجِّ..!: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ - أيْ: دَفَعْتُمْ مِنها -: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أيْ: بِالتَّلْبِيَةِ، والتَّهْلِيلِ، والتَّكْبِيرِ، والثَّناءِ والدَّعَواتِ و" المَشْعَرِ الحَرامِ ": مَوْضِعٌ بِالمُزْدَلِفَةِ. مِيمُهُ مَفْتُوحَةٌ وقَدْ تُكَسَرُ، وقَدْ وهِمَ مَن ظَنَّهُ جُبَيْلًا بِها. سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مَعْلَمٌ لِلْعِبادَةِ ومَوْضِعٌ لَها - كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ.
ونَقَلَ الفَخْرُ عَنِ الواحِدِيِّ في " البَسِيطِ ": إنَّ المَشْعَرَ الحَرامَ هو المُزْدَلِفَةُ. سَمّاها اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، لِأنَّ الصَّلاةَ والمَقامَ والمَبِيتَ بِهِ، والدُّعاءَ عِنْدَهُ. واسْتَقَرَّ بِهِ الفَخْرُ قالَ: لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلخ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ يَحْصُلُ عُقَيْبَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، وما ذاكَ إلّا بِالبَيْتُوتَةِ بِالمُزْدَلِفَةِ. انْتَهى.
(p-٤٩٧)قالَ البَيْضاوِيُّ: ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَوى جابِرٌ: «أنَّهُ ﷺ لَمّا صَلّى الفَجْرَ - يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ بِغَلَسٍ - رَكِبَ ناقَتَهُ حَتّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ». أيْ: فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَغايُرِ المُزْدَلِفَةِ، والمَشْعَرِ الحَرامِ لِمَكانِ مَسِيرِهِ ﷺ مِنها إلى المَشْعَرِ الحَرامِ! وإنَّما قالَ: يُؤَيِّدُ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُؤَوَّلَ المَشْعَرُ الحَرامُ في الحَدِيثِ بِالجَبَلِ، إمّا بِحَذْفِ المُضافِ، أوْ بِتَسْمِيَةِ الجُزْءِ بِاسْمِ الكُلِّ - أفادَهُ السَّيْلَكُوتِيُّ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " في سِياقِ حُجَّتِهِ ﷺ: فَلَمّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ واسْتَحْكَمَ غُرُوبُها أفاضَ مِن عَرَفَةَ بِالسَّكِينَةِ مِن طَرِيقِ المَأْزِمَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَ يَسِيرُ العُنُقَ - وهو ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ لَيْسَ بِالسَّرِيعِ ولا البَطِيءِ - فَإذا وجَدَ فَجْوَةً - وهو المُتَّسَعُ - نَصَّ سَيْرَهُ - أيْ: رَفَعَهُ فَوْقَ ذَلِكَ - وكانَ يُلَبِّي في مَسِيرِهِ ذَلِكَ لا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ، حَتّى أتى المُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأ، ثُمَّ أمَرَ المُؤَذِّنَ بِالأذانِ فَأذَّنَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى المَغْرِبَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحالِ وتَبْرِيكِ الجِمالِ؛ فَلَمّا حَطُّوا رِحالَهم أمَرَ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، ثُمَّ صَلّى العِشاءَ الآخِرَةَ بِإقامَةٍ بِلا أذانٍ، ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُما شَيْئًا، فَلَمّا طَلَعَ الفَجْرُ صَلّاها في أوَّلِ الوَقْتِ، ثُمَّ رَكِبَ حَتّى أتى مَوْقِفَهُ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وأخَذَ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ والتَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والذِّكْرِ حَتّى أسْفَرَ جِدًّا، وذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. انْتَهى المَقْصُودُ مِنهُ.
قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: ما أحَقُّ الذِّكْرِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ بِأنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ نُسُكًا لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا لَهُ ﷺ، ومُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ««خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم»» فِيهِ أيْضًا النَّصُّ القُرْآنِيُّ بِصِيغَةِ الأمْرِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾
﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ بِدَلائِلِ الكِتابِ، أيِ: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً! فَمُفادُ التَّشْبِيهِ: التَّسْوِيَةُ في الحُسْنِ والكَمالِ، كَما تَقُولُ: اخْدِمْهُ كَما أكْرَمَكَ، (p-٤٩٨)يَعْنِي: لا تَتَقاصَرُ خِدْمَتُكَ عَنْ إكْرامِهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهِدايَةِ والبَيانِ والإرْشادِ إلى مَشاعِرِ الحَجِّ!: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الهَدْيِ: ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ الجاهِلِينَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. و" إنْ " هي المُخَفَّفَةُ، و" اللّامُ " هي الفارِقَةُ.
البقرة 2:199
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٩] ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ: مِن عَرَفَةَ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ. وفي الخِطابِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِقُرَيْشٍ وذَلِكَ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّرَفُّعِ عَلى النّاسِ والتَّعالِي عَلَيْهِمْ، وتَعَظُّمِهِمْ عَنْ أنْ يُساوُوهم في المَوْقِفِ، وقَوْلُهُمْ: نَحْنُ أهْلُ اللَّهِ، وقُطّانُ حَرَمِهِ، فَلا نَخْرُجُ مِنهُ. فَيَقِفُونَ بِجَمْعٍ، وسائِرُ النّاسِ بِعَرَفاتٍ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَتْ: «كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ، ثُمَّ يَقِفُ بِها، ثُمَّ يُفِيضُ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾»
وثانِيهُما: أنَّهُ أمْرٌ لِجَمِيعِ النّاسِ أنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ يَعْنِي: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ الرّاغِبُ: وسَمّاهُ النّاسُ لِأنَّ " النّاسُ " يُسْتَعْمَلُ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: لِلنَّوْعِ مِن غَيْرِ (p-٤٩٩)اعْتِبارِ مَدْحٍ وذَمٍّ، والثّانِي: المَدْحُ اعْتِبارًا بِوُجُودِ تَمامِ الصُّورَةِ المُخْتَصَّةِ بِالإنْسانِيَّةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، بَلْ في اسْمِ كُلِّ جِنْسٍ ونَوْعٍ - نَحْوَ: هَذِهِ فَرَسٌ، وفُلانٌ رَجُلٌ، ولَيْسَ هَذا بِفَرَسٍ ولا فُلانٌ بِرَجُلٍ - أيْ: لَيْسَ فِيهِ مَعْناهُ المُخْتَصُّ بِنَوْعِهِ، وبِهَذا النَّظَرِ نُفِيَ السَّمْعُ والبَصَرُ عَنِ الكُفّارِ! فَعَلى هَذا سُمِّيَ إبْراهِيمُ " النّاسُ " عَلى سَبِيلِ المَدْحِ - وهو أنَّ الواحِدَ يُسَمّى باسِمِ الجَماعَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَقُومُ مَقامَهم في الحُكْمِ - وعَلى هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكِرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ
وعَلى هَذا قالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] اهـ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى كَلِمَةِ ثُمَّ فَإنَّها تَسْتَلْزِمُ تَراخِيَ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ، سَواءٌ عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أوِ الجَزاءِ فَقَطْ..؟
فالجَوابُ: إنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي، بَلْ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ - أيِ: الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ والإفاضَةُ مِن مُزْدَلِفَةَ- والبُعْدُ بَيْنَهُما بِأنَّ أحَدَهُما صَوابٌ والآخَرُ خَطَأٌ.
قالَ التَّفْتازانِيُّ: لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ، كانَ مَعْناهُ: ثُمَّ لا تُفِيضُوا مِن مُزْدَلِفَةَ، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ كَلِمَةِ ثُمَّ التَّفاوُتُ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ في الرُّتْبَةِ بِأنَّ أحَدَهُما صَوابٌ والأُخْرى خَطَأٌ.
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ ثُمَّ بِمَعْنى الواوِ.
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ عَمّا سَلَفَ مِنَ المَعاصِي: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: كَثِيرًا ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ بَعْدَ قَضاءِ العِباداتِ. ولِهَذا ثَبَتَ في " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلاثًا (p-٥٠٠)وثَلاثِينَ،» وفي الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّهُ نَدَبَ إلى التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ ثَلاثًا وثَلاثِينَ». وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ هَهُنا حَدِيثَ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ في اسْتِغْفارِهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
البقرة 2:200
(p-٥٠١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٠] ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ .
﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ أيْ: فَرَغْتُمْ مِن أعْمالِ الحَجِّ ونَفَرْتُمْ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ أيْ: فَأكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ، وابْذُلُوا جُهْدَكم في الثَّناءِ عَلَيْهِ، وشَرْحِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ، كَما تَفْعَلُونَ في ذِكْرِ آبائِكم ومَفاخِرِهِمْ وأيّامِهِمْ بَعْدَ قَضاءِ مَناسِكِكم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ في المَوْسِمِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنهُمْ: كانَ أبِي يُطْعِمُ ويَحْمِلُ الحِمالاتِ ويَحْمِلُ الدِّياتِ..! لَيْسَ لَهم ذِكْرٌ غَيْرُ فِعالِ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وفِيها إشْعارٌ بِتَحْوِيلِ القَوْمِ عَمّا اعْتادُوهُ، وحَثٌّ عَلى إفْرادِ ذِكْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
ثُمَّ أرْشَدَ تَعالى إلى دُعائِهِ - بَعْدَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ - فَإنَّهُ مَظِنَّةُ الإجابَةِ، وذَمَّ مَن لا يَسْألُهُ إلّا في أمْرِ دُنْياهُ وهو مُعْرِضٌ عَلى أُخْراهُ، فَقالَ: ﴿فَمِنَ النّاسِ﴾ أيِ: الَّذِينَ نَسُوا قَدْرَ الآخِرَةِ وكانَتِ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّهِمْ: ﴿مَن يَقُولُ﴾ أيْ: في ذِكْرِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا﴾ أيْ: مَرْغُوباتِنا: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ لا نَطْلُبُ غَيْرَها: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ: نَصِيبٌ وحَظٌّ لِأنَّهُ اسْتَوْفى نَصِيبَهُ في الدُّنْيا بِتَخْصِيصِ دُعائِهِ بِهِ. فالجُمْلَةُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِبَيانِ حالِهِ في الآخِرَةِ؛ أوِ المَعْنى: ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن طَلَبِ خَلاقٍ. فَهو بَيانٌ لِحالِهِ في الدُّنْيا، وتَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا مِن قَوْلِهِ: ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ أوْ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِ هَمِّهِ مَقْصُورًا عَلى الدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿خَلاقٍ﴾ حالٌ مِنهُ، وتَضَمَّنَ هَذا الذَّمَّ والتَّنْفِيرَ عَنِ التَّشَبُّهِ بِمَن هو كَذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ! اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ..! لا يَذْكُرُونَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ شَيْئًا. فَنَزَلَ فِيهِمْ ذَلِكَ.
(p-٥٠٢)وهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم - أنَّهم يَقْتَصِرُونَ في الدُّعاءِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا - قالَ قَوْمٌ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ. وكَوْنُهم لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ظاهِرٌ؛ إذْ لا نَصِيبَ لَهم فِيها مِن كَرامَةٍ ونَعِيمٍ وثَوابٍ. وقالَ قَوْمٌ: هَؤُلاءِ قَدْ يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ لِدُنْياهم لا لِأُخْراهُمْ، ويَكُونُ سُؤالُهم هَذا مِن جُمْلَةِ الذُّنُوبِ، حَيْثُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى - في أعْظَمِ المَواقِفِ وأشْرَفِ المَشاهِدِ - حُطامَ الدُّنْيا وعَرَضَها الفانِيَ، مُعْرِضِينَ عَنْ سُؤالِ النَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ..! ومَعْنى كَوْنِهِمْ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ، أيْ: إلّا أنْ يَتُوبُوا، أوْ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، أوْ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، كَخَلاقِ مَن سَألَ المَوْلى لِآخِرَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا يُسْتَفادُ مِنَ الرّازِيِّ.
البقرة 2:201
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠١] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ .
﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ جَمَعَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ كُلَّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وصَرَفَتْ كُلَّ شَرٍّ، فَإنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا تَشْمَلُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ - مِن عافِيَةٍ، ودارٍ رَحْبَةٍ، وزَوْجَةٍ حَسَنَةٍ، ورِزْقٍ واسِعٍ، وعِلْمٍ نافِعٍ، وعَمَلٍ صالِحٍ، ومَرْكَبٍ هَيِّنٍ، وثَناءٍ جَمِيلٍ... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ - ولا مُنافاةَ بَيْنَها - فَإنَّها كُلَّها مُنْدَرِجَةٌ في الحَسَنَةِ في الدُّنْيا. وأمّا الحَسَنَةُ في الآخِرَةِ: فَأعْلى ذَلِكَ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ودُخُولُ الجَنَّةِ، وتَوابِعُهُ مِنَ الأمْنِ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ في العَرَصاتِ، وتَيْسِيرِ الحِسابِ... وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ الصّالِحَةِ. وأمّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ: فَهو يَقْتَضِي تَيْسِيرَ أسْبابِهِ في الدُّنْيا مِنِ اجْتِنابِ المَحارِمِ والآثامِ، وتَرْكِ الشُّبَهاتِ والحَرامِ.
وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ التَّرْغِيبُ في هَذا الدُّعاءِ، فَقَدْ كانَ يَقُولُ ﷺ كَما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ.
(p-٥٠٣)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ: «يَسْألُ قَتادَةُ أنَسًا: أيُّ دَعْوَةٍ كانَ يَدْعُو بِها النَّبِيُّ ﷺ أكْثَرَ؟ قالَ: كانَ أكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِها يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ» وكانَ أنَسٌ إذا أرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعا بِها، وإذا أرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدُعاءٍ دَعا بِها فِيهِ!» ورَواهُ مُسْلِمٌ وهَذا لَفْظُهُ.
ورَوى الإمامُ الشّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ: «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِيما بَيْنَ رُكْنِ بَنِي جُمَحٍ والرُّكْنِ الأسْوَدِ: «: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾» الآيَةَ».
البقرة 2:202
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٢] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ وهو الثَّوابُ الَّذِي هو المَنافِعُ الحَسَنَةُ. أوْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا كَقَوْلِهِ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥] أوْ لَهم نُصِيبٌ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وسُمِّيَ الدُّعاءُ كَسْبًا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ وهي مَوْصُوفَةٌ بِالكَسْبِ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إمّا بِمَعْنى سَرِيعٍ في الحِسابِ كَسَرِيعٍ في السَّيْرِ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلخ يَعْنِي: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ وكَسْبِهِمْ ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لِأنَّهُ سَرِيعٌ في المُحاسَبَةِ؛ أوْ بِمَعْنى: سَرِيعٌ حِسابُهُ كَحُسْنِ الوَجْهِ. فالجُمْلَةُ (p-٥٠٤)تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلخ يَعْنِي: يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ العِبادَ. فَبادِرُوا إكْثارَ الذِّكْرِ وطَلَبَ الآخِرَةِ بِاكْتِسابِ الطّاعاتِ والحَسَناتِ.
وقالَ الرّاغِبُ: لَمّا كانَ الحِسابُ يَكْشِفُ عَنْ جُمَلِ الشَّيْءِ وتَفْصِيلِهِ، نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى إحاطَتِهِ بِأفْعالِ عِبادِهِ ووُقُوفِهِ عَلى حَقائِقِها. وذِكْرُ السَّرِيعِ تَنْبِيهًا أنَّ ذَلِكَ مِنهُ لا في زَمانٍ ولا بِفِكْرَةٍ، وذَلِكَ أبْلَغُ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَصَوَّرَ بِهِ الكافَّةُ سُرْعَةَ فِعْلِ اللَّهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا تَفْصِيلَ مَناسِكِ الحَجِّ، ثُمَّ أمَرَ بَعْدَها بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] إلخ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأوْلى أنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ غَيْرِهِ وأنْ يُقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلخ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ الذَّكَرِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلخ، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ! فَإنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ العِبادَةِ لِكَسْرِ النَّفْسِ وإزالَةِ ظُلُماتِها، ثُمَّ بَعْدَ العِبادَةِ لا بُدَّ مِنَ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لِتَنْوِيرِ القَلْبِ وتَجَلِّي نُورِ جَلالِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الذِّكْرِ، يَشْتَغِلُ الرَّجُلُ بِالدُّعاءِ، فَإنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَكْمُلُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِالذِّكْرِ....
البقرة 2:203
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٣] ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أيّامُ التَّشْرِيقِ (p-٥٠٥)أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ»» . وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: التَّكْبِيرُ في أيّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ: اللَّهُ أكْبَرُ! اللَّهُ أكْبَرُ!.
ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ بِمِنى تِلْكَ الأيّامِ، وخَلْفَ الصَّلَواتِ، وعَلى فِراشِهِ، وفي فُسْطاطِهِ، وفي مَجْلِسِهِ، وفي مَمْشاهُ في تِلْكَ الأيّامِ جَمِيعًا. وفي رِوايَةٍ: أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ، فَيَسْمَعُهُ أهْلُ المَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ ويُكَبِّرُ أهْلُ الأسْواقِ حَتّى تَرْتَجَّ مِنى. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا.
ومِنَ الذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ: التَّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ مِن حَصى الجِمارِ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ».
وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ: ««إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ الجِمارِ لِإقامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» .
ورَوى مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ الغَدَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ حِينَ ارْتِفاعَ النَّهارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. ثُمَّ خَرَجَ الثّانِيَةَ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتّى يَتَّصِلَ التَّكْبِيرُ ويَبْلُغَ البَيْتَ فَيُعْلَمَ أنَّ عُمَرَ قَدْ خَرَجَ يَرْمِي.
ثُمَّ قالَ مالِكٌ: والتَّكْبِيرُ في أيّامِ التَّشْرِيقِ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ - مَن كانَ في جَماعَةٍ أوْ وحْدَهُ بِمِنى أوْ بِالآفاقِ كُلِّها واجِبٌ.
(p-٥٠٦)ثُمَّ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ: أيّامُ التَّشْرِيقِ.
وفِي القامُوسِ وشَرْحِهِ: التَّشْرِيقُ تَقْدِيدُ اللَّحْمِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ أيّامُ التَّشْرِيقِ وهي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، لِأنَّ لُحُومَ الأضاحِيِّ تُشْرِقُ فِيها، أيْ: تُشَرَّرُ في الشَّمْسِ - حَكاهُ يَعْقُوبُ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ؛ أوْ لِأنَّ الهَدْيَ لا يُنْحَرُ حَتّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ - قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وكانَ أبُو حَنِيفَةَ يَذْهَبُ بِالتَّشْرِيقِ إلى التَّكْبِيرِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ غَيْرُهُ.
﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَمَن تَعَجَّلَ النَّفْرَ الأوَّلَ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَّلاثَةِ، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى يَرْمِيَ في اليَوْمِ الثّالِثِ. واكْتَفى بِرَمْيِ الجِمارِ في يَوْمَيْنِ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَأْثَمُ بِهَذا لِتَعْجِيلِ. وإيضاحُهُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الحاجِّ المَبِيتُ بِمِنى اللَّيْلَةَ الأُولى والثّانِيَةَ مِن لَيالِي أيّامِ التَّشْرِيقِ. لِيَرْمِيَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوالِ إحْدى وعِشْرِينَ حَصاةً. يَرْمِي عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَياتٍ. ثُمَّ مَن رَمى في اليَوْمِ الثّانِي وأرادَ أنْ يَنْفِرَ ويَدَعَ البَيْتُوتَةَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ ورَمى يَوْمَها، فَذَلِكَ واسِعٌ لَهُ: ﴿ومَن تَأخَّرَ﴾ أيْ: حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ، وهو النَّفْرُ الثّانِي: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تَأخُّرِهِ. واعْلَمِ: السُّنَّةُ هو التَّأخُّرُ فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَعَجَّلْ في يَوْمَيْنِ، بَلْ تَأخَّرَ حَتّى أكْمَلَ رَمْيَ أيّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةِ. ولا يُقالُ هَذا اللَّفْظُ - أعْنِي: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ إنَّما يُقالُ في حَقِّ المُقَصِّرِ لا في حَقِّ مَن أتى بِتَمامِ العَمَلِ، لِأنّا نَقُولُ: أتى بِهِ لِمُشاكَلَةِ اللَّفْظِ الأوَّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ والعَدُوّانِ لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ (p-٥٠٧)ولا عُدْوانٍ. فَإذا حُمِلَ عَلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ ما لا يَصِحُّ في المَعْنى؛ فَلَأنْ يُحْمَلَ عَلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ ما يَصِحُّ في المَعْنى أوْلى؛ لِأنَّ المَبْرُورَ المَأْجُورَ يَصِحُّ في المَعْنى نَفْيُ الإثْمِ عَنْهُ - قالَهُ الواحِدِيُّ.
وقالَ الرّاغِبُ: رَفْعُ الإثْمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّرِ عَلى وجْهِ الإباحَةِ - أيْ: كِنايَةً عَنْها - وقِيلَ: رَفْعُ الإثْمِ: أنَّهُ حَطَّ ذُنُوبَهُما بِإقامَتِهِما الحَجَّ - تَعَجَّلَ أوْ تَأخَّرَ - بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مِقْياسُهُما الِاعْتِبارَ بِالتَّقْوى، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ حَدِيثُ: ««مَن حَجَّ ولَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الَّذِي ذُكِرَ - مِنَ التَّخْيِيرِ ونَفْيِ الإثْمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّرِ، أوْ مِنَ الأحْكامِ - لِمَنِ اتَّقى، لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ والمُنْتَفِعُ بِهِ، عَلى حَدِّ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مَجامِعِ أُمُورِكُمْ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكُمْ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى وبَعْثٌ عَلى التَّشَدُّدِ فِيهِ، لِأنَّ مَن تَصَوَّرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حِشْرٍ ومُحاسَبَةٍ ومُساءَلَةٍ، وأنَّ بَعْدَ المَوْتِ لا دارَ إلّا الجَنَّةُ أوِ النّارُ؛ صارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي لَهُ إلى التَّقْوى. والحَشْرُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى ابْتِداءِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأجْداثِ إلى انْتِهاءِ المَوْقِفِ.
البقرة 2:204
(p-٥٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٤] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ .
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْظُمُ في نَفْسِكَ حَلاوَةُ حَدِيثِهِ وفَصاحَتُهُ في أمْرِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي هي مَبْلَغُ عِلْمِهِ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أيْ: يَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِكَ والمَحَبَّةِ لَكَ، وأنَّ الَّذِي في قَلْبِهِ مُوافِقٌ لِلِسانِهِ لِئَلّا يُتَفَرَّسَ فِيهِ الكُفْرُ والعَداوَةُ، أوْ مَعْناهُ: يُظْهِرُ لَكَ الإسْلامَ ويُبارِزُ اللَّهَ بِما في قَلْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ - عَلى نَحْوِ ما وُصِفَ بِهِ أهْلُ النِّفاقِ حَيْثُ قالُوا: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] الآيَةَ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ الخُصُومَةِ جَدَلٌ بِالباطِلِ.
البقرة 2:205
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٥] ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾
﴿وإذا تَوَلّى﴾ انْصَرَفَ عَمَّنْ خَدَعَهُ بِكَلامِهِ: ﴿سَعى﴾ - مَشى -: ﴿فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ بِإدْخالِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، وبِاسْتِخْراجِ الحِيَلِ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، وهَذا (p-٥٠٩)المَعْنى يُسَمّى فَسادًا، كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] أيْ: يَرُدُّوا قَوْمَكَ عَنْ دِينِهِمْ ويُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ شِرْعَتَهم. وسُمِّيَ هَذا المَعْنى فَسادًا لِأنَّهُ يُوقِعُ الِاخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ، ويُفَرِّقُ كَلِمَتَهُمْ، ويُؤَدِّي إلى أنْ يَتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَتَنْقَطِعَ الأرْحامُ، وتَنْسَفِكَ الدِّماءُ. وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ المَجِيدِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ أيِ: الزَّرْعَ: ﴿والنَّسْلَ﴾ أيِ: المَواشِيَ النّاتِجَةَ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وإنَّ إهْلاكَ الحَرْثِ والنَّسْلِ كِنايَةٌ عَنِ الإيذاءِ الشَّدِيدِ، وإنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ صارَ مِن قَبِيلِ المَثَلِ؛ فالمَعْنى: يُؤْذِي مُسْتَرْسِلًا في إفْسادِهِ ولَوْ أدّى إلى إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ: لا يَرْضى فِعْلَهُ.
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ تَعالى بِأنَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ وهو مُفْسِدٌ لِلْأشْياءِ؟ قِيلَ: الإفْسادُ في الحَقِيقَةِ: إخْراجُ الشَّيْءِ عَنْ حالَةٍ مَحْمُودَةٍ لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، ولا هو آمِرٌ بِهِ، ولا مُحِبٌّ لَهُ، وما يُرى مِن فِعْلِهِ، ويَظْهَرُ بِظاهِرِهِ فَسادًا، فَهو بِالإضافَةِ إلَيْنا واعْتِبارِنا لَهُ كَذَلِكَ. فَأمّا بِالنَّظَرِ الإلَهِيِّ فَكُلُّهُ صَلاحٌ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: يا مَن إفْسادُهُ إصْلاحٌ! أيْ: ما نَظُنُّهُ إفْسادًا؛ لِقُصُورِ نَظَرِنا ومَعْرِفَتِنا - فَهو في الحَقِيقَةِ إصْلاحٌ. وجُمْلَةُ الأمْرِ: إنَّ الإنْسانَ هو زُبْدَةُ هَذا العالَمِ وما سِواهُ مَخْلُوقٌ لِأجْلِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] والمَقْصِدُ مِنَ الإنْسانِ سَوْقُهُ إلى كَمالِهِ (p-٥١٠)الَّذِي رَسَخَ لَهُ. فَإذَنْ: إهْلاكُ ما أمَرَ بِإهْلاكِهِ، لِإصْلاحِ الإنْسانِ وما مِنهُ أسْبابُ حَياتِهِ الأبَدِيَّةِ. ولِشَرْحِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْضِعٌ آخَرُ....
البقرة 2:206
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٦] ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ .
﴿وإذا قِيلَ لَهُ﴾ عَلى نَهْجِ العِظَةِ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ في النِّفاقِ، واحْذَرْ سُوءَ عاقِبَتِهِ. أوْ في الإفْسادِ والإهْلاكِ وفي اللَّجاجِ بِالباطِلِ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ أيْ: حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الفِعْلِ بِالإثْمِ وهو التَّكَبُّرُ؛ أوِ المَعْنى: أخَذَتْهُ الحَمِيَّةُ لِلْإثْمِ الَّذِي في قَلْبِهِ فَمَنَعَتْهُ عَنْ قَبُولِ قَوْلِ النّاصِحِ: ﴿فَحَسْبُهُ﴾ أيْ: كافِيهِ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ إذا صارَ إلَيْها واسْتَقَرَّ فِيها جَزاءً وعَذابًا: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيِ: الفِراشُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بَدَلَ فَرْشِ عِزَّتِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: المَهْدُ مَعْرُوفٌ، وتُصَوَّرُ مِنهُ التَّوْطِئَةُ، فَقِيلَ لِكُلِّ وطِيءٍ مَهْدٌ. والمِهادُ يُجْعَلُ تارَةً جَمْعًا لِلْمَهْدِ، وتارَةً لِلْآلَةِ نَحْوَ فِراشٍ. وجَعَلَ جَهَنَّمَ مِهادًا لَهم كَما جَعَلَ العَذابَ مُبَشَّرًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤]
(p-٥١١)وقالَ الحاكِمُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِن أكْبَرِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُقالَ لِلْعَبْدِ: اتَّقِ اللَّهَ! فَيَقُولُ عَلَيْكَ نَفْسَكَ....
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِنهُ رَدُّ قَوْلِ الواعِظِ.
وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]
ولَمّا أتَمَّ تَعالى الإخْبارَ عَنْ هَذا الفَرِيقِ مِنَ النّاسِ الضّالِّ، أتْبَعَهُ بِقَسِيمِهِ المُهْتَدِي. لِيَبْعَثَ العِبادَ عَلى تَجَنُّبِ صِفاتِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، والتَّخَلُّقِ بِنُعُوتِ الثّانِي فَقالَ:
البقرة 2:207
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٧] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ .
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أيْ: يَبِيعُها بِبَذْلِها في طاعَةِ اللَّهِ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَلَبَ رِضاهُ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ حَيْثُ أرْشَدَهم لِما فِيهِ رِضاهُ، وأسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ظاهِرَةً وباطِنَةً، مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ، وتَقْصِيرِهِمْ في أمْرِهِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ مُقْتَضى المُقابَلَةِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ أنْ يُوصَفَ هَذا الفَرِيقُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ مَعَ عَدَمِ الدَّعْوى والتَّبَجُّحِ بِالقَوْلِ، أوْ مَعَ مُطابَقَةِ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ، ومُوافَقَةِ لِسانِهِ لِما في جَنانِهِ! والآيَةُ تَضَمَّنَتْ هَذا الوَصْفَ وإنْ لَمْ تَنْطِقْ بِهِ. فَإنَّ مَن يَبِيعُ نَفْسَهُ لِلَّهِ، لا يَبْغِي ثَمَنًا لَها غَيْرَ مَرْضاتِهِ، لا يَتَحَرّى إلّا العَمَلَ الصّالِحَ، وقَوْلَ الحَقِّ والإخْلاصَ في القَلْبِ، فَلا يَتَكَلَّمُ بِلِسانَيْنِ، (p-٥١٢)ولا يُقابِلُ النّاسَ بِوَجْهَيْنِ، ولا يُؤَثِّرُ عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ عَرَضُ الحَياةِ الدُّنْيا... وهَذا هو المُؤْمِنُ الَّذِي يَعْتَدُّ القُرْآنُ بِإيمانِهِ...
وقَدْ أخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ ورَزِينٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: «أقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ عَنْ راحِلَتِهِ، وانْتَثَلَ ما في كِنانَتِهِ ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي مِن أرْماكم رَجُلًا. وايْمُ اللَّهِ! لا تَصِلُونَ إلَيَّ حَتّى أرْمِيَ كُلَّ سَهْمٍ مَعِي في كِنانَتِي، ثُمَّ أضْرَبَ بِسَيْفِي ما بَقِيَ في يَدِي مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ، وإنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكم عَلى مالِي بِمَكَّةَ وخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي؟ قالُوا: نَعَمْ! فَلَمّا قَدَمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ قالَ: «رَبِحَ البَيْعُ، أبا يَحْيى! رَبِحَ، أبا يَحْيى...!» ونَزَلَتْ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ».
وأخْرَجَ الحاكِمُ في " المُسْتَدْرَكِ " نَحْوَهُ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُسَيِّبِ عَنْ صُهَيْبٍ مَوْصُولًا. وأخْرَجَهُ أيْضًا مِن طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِنُزُولِ الآيَةِ، وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ وغَيْرِهِ، كَما رُوِيَ في نُزُولِ الأُولى رِواياتٌ ساقَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
ولا تَنافِيَ في ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: نَزَلَتْ في كَذا، تارَةً يُرادُ بِهِ أنَّ حالًا ما كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها، بِمَعْنى أنَّها ما نَزَلَتْ إلّا لِأجْلِهِ، وهَذا يُعْلَمُ إمّا مِن إشْعارِ الآيَةِ بِذَلِكَ، أوْ مِن رِوايَةٍ صَحَّ سَنَدُها صِحَّةً لا مَطْعَنَ فِيهِ. وتارَةً يُرادُ بِهِ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ وُقُوعِ شَأْنِ ما تَشْمَلُهُ بِعُمُومِها. فَيَقُولُ الرّاوِي عُقَيْبَ حُدُوثِ ذَلِكَ الشَّأْنِ: نَزَلَتْ في كَذا، والمُرادُ: أنَّها تَصْدُقُ عَلَيْهِ لا أنَّ ذَلِكَ الشَّأْنَ كانَ سَبَبًا لِلنُّزُولِ... وما رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ.
وإلى هَذا النَّوْعِ أشارَ الزَّرْكَشِيُّ في " البُرْهانِ " بِقَوْلِهِ: قَدْ عُرِفَ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ أنَّ أحَدَهم إذا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَذا، فَإنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّها تَتَضَمَّنُ هَذا الحُكْمَ، لا أنَّ هَذا كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها. فَهو مِن جِنْسِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الحُكْمِ بِالآيَةِ، لا مِن جِنْسِ النَّقْلِ لِما وقَعَ....
(p-٥١٣)وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مِمّا يَدْخُلُهُ الِاجْتِهادُ. وأنْ لا يُعَوَّلَ مِنهُ إلّا عَلى ما صَحَّ سَنَدُهُ. وما نَزَلْ عَنْهُ وارْتَقى عَنْ دَرَجَةِ الضَّعْفِ بِتَفَقُّهٍ فِيهِ.. فاحْرِصْ عَلى هَذا التَّحْقِيقِ. وقَدْ أسْلَفْنا في المُقَدِّمَةِ البَحْثَ فِيهِ مُسْتَوْفًى. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
البقرة 2:208
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ - بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها مَعَ إسْكانِ اللّامِ، فِيهِما قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ - أيْ: في الإسْلامِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عابِسٍ:
؎فَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللَّهِ رَبًّا ولا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينا
ومِثْلُهُ قَوْلُ أخِي كِنْدَةَ:
؎دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ∗∗∗ رَأيْتُهم تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا
قالَ الرّازِيُّ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الِانْقِيادِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] والإسْلامُ إنَّما سُمِّيَ إسْلامًا لِهَذا المَعْنى. وغَلَبَ اسْمُ السِّلْمِ عَلى الصُّلْحِ وتَرْكِ الحَرْبِ. وهَذا أيْضًا راجِعٌ إلى هَذا المَعْنى، لِأنَّ عِنْدَ الصُّلْحِ يَنْقادُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ ولا يُنازِعُهُ فِيهِ.
ومَعْنى الآيَةِ: ادْخُلُوا في الِاسْتِسْلامِ والطّاعَةِ، أيِ: اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ وأطِيعُوهُ ولا تَخْرُجُوا عَنْ شَيْءٍ مِن شَرائِعِهِ: ﴿كافَّةً﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ادْخُلُوا: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: طُرُقَهُ الَّتِي يَأْمُرُكم بِها فَـ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] (p-٥١٤)و: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وضَمُّ الطّاءِ مِن خُطُواتِ وإسْكانُها لُغَتانِ: حِجازِيَّةٌ وتَمِيمِيَّةٌ. وقَدْ قُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ أوْ مُظْهِرٌ لَها. أيْ: بِما أخْبَرْناكم بِهِ في أمْرِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، مِمّا شَواهِدُهُ ظاهِرَةٌ.
البقرة 2:209
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٩] ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الآياتُ الظّاهِرَةُ عَلى أنَّ ما دُعِيتُمْ إلى الدُّخُولِ فِيهِ هو الحَقُّ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِمَّنْ زَلَّ، ولا يَفُوتُهُ مَن ضَلَّ: ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ إلخ نِهايَةٌ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ مِن ضُرُوبِ الخَوْفِ ما لا يَجْمَعُهُ الوَعِيدُ بِذِكْرِ العِقابِ. ورُبَّما قالَ الوالِدُ لِوَلَدِهِ: إنْ عَصَيْتَنِي فَأنْتَ عارِفٌ بِي وأنْتَ تَعْلَمُ قُدْرَتِي عَلَيْكَ وشِدَّةَ سَطْوَتِي. فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ - في الزَّجْرِ - أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الضَّرْبِ وغَيْرِهِ. فَظَهَرَ تَسَبُّبُ الجَزاءِ في الآيَةِ بِما أشْعَرَ بِهِ مِنَ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ عَلى الشَّرْطِ المُشِيرِ إلى ذَنْبِهِمْ وجُرْمِهِمْ.
هَذا، ومِنَ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ في الآيَةِ، أنْ يَكُونَ السِّلْمُ المَذْكُورُ فِيها مَعْناهُ: الصُّلْحُ والمُسالَمَةُ وتَرْكُ المُنازَعَةِ والِاخْتِلافِ. فَمَعْنى: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] كُونُوا مُتَوافِقِينَ ومُجْتَمِعِينَ في نُصْرَةِ الدِّينِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بِأنْ يَحْمِلَكم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والمُنازِعَةِ مَعَ النّاسِ. فَتَكُونُ الآيَةُ حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] (p-٥١٥)وقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:210
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٠] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ، فِـ " نَظَرَ " كَ " انْتَظَرَ "، يُقالُ: نَظَرْتُهُ وانْتَظَرْتُهُ إذا ارْتَقَبَتْ حُضُورَهُ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ بِما يَفْعَلُونَ مِنَ العِنادِ والمُخالَفَةِ - في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ، والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ - بَعْدَ طُولِ الحِلْمِ عَنْهُمْ: ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ - كَقُلَلٍ في جَمْعِ قُلَّةٍ - أيْ: في ظُلَّةٍ داخِلَ ظُلَّةٍ - وهي ما يَسْتُرُ مِنَ الشَّمْسِ، فَهي في غايَةِ الإظْلامِ والهَوْلِ والمَهابَةِ لِما لَها مِنَ الكَثافَةِ الَّتِي تَغُمُّ عَلى الرّائِي ما فِيها: ﴿والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١] عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: ويَأْتِي جُنْدُهُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ كَثْرَتَهم إلّا هو. هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ. وعَلى قِراءَةِأبِي جَعْفَرٍ (p-٥١٦)بِالخَفْضِ. فَهو عَطْفٌ عَلى ظُلَلٍ أوِ الغَمامِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أتَمَّ أمْرَ إهْلاكِهِمْ وفَرَغَ مِنهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَلافِي الفارِطِ... وهو عَطْفٌ عَلى: ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ. وإنَّما عَدَلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ. أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها إنْباءً عَنْ وُقُوعِ مَضْمُونِها ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: فَمَن كانُوا نافِذِي المُلْكِ والتَّصَرُّفِ في الدُّنْيا، فَإنَّ مُلْكَهم وتَصَرُّفَهم مُسْتَرَدٌّ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ وراجِعٌ إلَيْهِ تَعالى. يُقالُ: رَجَعَ الأمْرُ إلى الأمِيرِ، أيِ: اسْتَرَدَّ ما كانَ فَوَّضَهُ إلَيْهِمْ. أوْ عَنى بِـ: ﴿الأُمُورُ﴾ الأرْواحَ والأنْفُسَ دُونَ الأجْسامِ، وسَمّاها أُمُورًا مِن حَيْثُ إنَّها إبْداعاتٌ مُشارٌ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَهي مِنَ الإبْداعِ الَّذِي لا يُمْكِنُ مِنَ البَشَرِ تَصَوُّرُهُ؛ فَنَبَّهَ أنَّ الأرْواحَ كُلَّها مَرْجُوعَةٌ إلَيْهِ وراجِعَةٌ. وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ قالَ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ويَكُونُ رُجُوعُها إمّا بِرِبْحٍ وغِبْطَةٍ، وإمّا بِنَدامَةٍ وحَسْرَةٍ. قالَهُ الإمامُ الرّاغِبُ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى قَدْ مَلَّكَ كُلَّ أحَدٍ في دارِ الِاخْتِبارِ والبَلْوى أُمُورًًا، امْتِحانًا، فَإذا انْقَضى أمْرُ هَذِهِ الدّارِ ووَصَلْنا إلى دارِ الثَّوابِ والعِقابِ كانَ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ وحْدَهُ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُطاعَ ويُدْخَلَ في السِّلْمِ - كَما أمَرَ - ويَحْتَرِزَ عَنْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ كَما نَهى.
وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ تُرْجَعُ بِضَمِّ التّاءِ بِمَعْنى تُرَدُّ، وبِفَتْحِها بِمَعْنى تَصِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥١٧)﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]
قالَ القَفّالُ: والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ يُرْجِعُها إلى نَفْسِهِ بِإفْناءِ الدُّنْيا وإقامَةِ القِيامَةِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: لِهَذِهِ الآيَةِ أشْباهٌ ونَظائِرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ أُخْرَوِيٌّ.
ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في مَعْنى الآيَةِ: يَقُولُ تَعالى مُهَدِّدًا لِلْكافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، فَيُجْزى كُلُّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ: إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ...! ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾
كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣]
وقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآيَةَ.
(p-٥١٨)الثّانِي: وصْفُهُ تَعالى نَفْسَهُ بِالإتْيانِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ كَوَصْفِهِ بِالمَجِيءِ في آياتٍ آخُرَ ونَحْوِهِما مِمّا وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ، أوْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والقَوْلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ.
وهُوَ مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها: إنَّهم يَصِفُونَهُ سُبْحانَهُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ. والقَوْلُ في صِفاتِهِ كالقَوْلِ في ذاتِهِ. واللَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاتِهِ، ولا في صِفاتِهِ، ولا في أفْعالِهِ. فَلَوْ سَألَ سائِلٌ: كَيْفَ يَجِيءُ سُبْحانَهُ أوْ كَيْفَ يَأْتِي..؟ فَلْيَقُلْ لَهُ: كَيْفَ هو في نَفْسِهِ؟ فَإذا قالَ: لا أعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذاتِهِ! فَلْيَقُلْ لَهُ: وكَذَلِكَ لا تَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ صِفاتِهِ..! فَإنَّ العِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ يَتْبَعُ العِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ المَوْصُوفِ. وقَدْ أطْلَقَ غَيْرُ واحِدٍ، مِمَّنْ حَكى إجْماعَ السَّلَفِ، مِنهُمُ الخَطّابِيُّ: مَذْهَبُ السَّلَفِ أنَّ صِفاتِهِ تَعالى تَجْرِي عَلى ظاهِرِها مَعَ نَفْيِ الكَيْفِيَّةِ والتَّشْبِيهِ عَنْها. وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: مَذْهَبُ السَّلَفِ إنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. ويَقُولُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. وهَذِهِ العِبارَةُ خَطَأٌ إمّا لَفْظًا ومَعْنًى، أوْ لَفْظًا لا مَعْنى؛ لِأنَّ لَفْظَ الظّاهِرِ فِيهِ إجْمالٌ واشْتِراكٌ. فَإنْ كانَ القائِلُ يَعْتَقِدُ أنَّ ظاهِرَها التَّمْثِيلُ بِصِفاتِ المَخْلُوقِينَ أوْ ما هو مِن خَصائِصِهِمْ، فَلا رَيْبَ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ؛ ولَكِنَّ السَّلَفَ والأئِمَّةَ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَ هَذا ظاهَرَها؛ فَهَذا القائِلُ أخْطَأ حَيْثُ ظَنَّ أنَّ هَذا المَعْنى الفاسِدَ ظاهِرُ اللَّفْظِ، حَتّى جَعَلَهُ مُحْتاجًا إلى تَأْوِيلٍ، وحَيْثُ حَكى عَنِ السَّلَفِ ما لَمْ يُرِيدُوهُ. وإنْ كانَ القائِلُ يَعْتَقِدُ أنَّ ظاهِرَ النُّصُوصِ المُتَنازَعِ في مَعْناها مِن جِنْسِ ظاهِرِ النُّصُوصِ المُتَّفَقِ عَلى مَعْناها. والظّاهِرُ هو المُرادُ في الجَمِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، واتَّفَقَ أهْلُ السُّنَّةِ وأئِمَّةُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ هَذا عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ مُرادٌ - كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِهَذا الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ كَعِلْمِنا وقُدْرَتُهُ كَقُدْرَتِنا.
وكَذَلِكَ لَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ حَيٌّ عالِمٌ حَقِيقَةً، قادِرٌ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُرادُهم أنَّهُ مِثْلُ المَخْلُوقِ الَّذِي هو حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ. فَإنْ كانَ المُسْتَمِعُ يَظُنُّ أنَّ ظاهِرَ الصِّفاتِ تُماثِلُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ لَزِمَهُ أنْ لا يَكُونَ (p-٥١٩)شَيْءٌ مِن ظاهِرِ ذَلِكَ مُرادًا، وإنْ كانَ يُعْتَقَدُ أنَّ ظاهِرَها ما يَلِيقُ بِالخالِقِ ويَخْتَصُّ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُ هَذا الظّاهِرِ، ونَفْيُ أنْ يَكُونَ مُرادًا إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ. ولَيْسَ في العَقْلِ ولا السَّمْعِ ما يَنْفِي هَذا إلّا مِن جِنْسِ ما يَنْفِي بِهِ سائِرَ الصِّفاتِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في الجَمِيعِ واحِدًا.
وحِينَئِذٍ فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ بِهَذا التَّفْسِيرِ. وبِالجُمْلَةِ، فَمَن قالَ: إنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ - بِمَعْنى أنَّ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ غَيْرُ مُرادَةٍ - قُلْنا لَهُ: أصَبْتَ في المَعْنى ولَكِنْ أخْطَأْتَ في اللَّفْظِ، وأوْهَمْتَ البِدْعَةَ، وجَعَلْتَ لِلْجَهْمِيَّةِ طَرِيقًا إلى غَرَضِهِمْ، وكانَ يُمْكِنُكَ أنْ تَقُولَ: تَمُرُّ كَما جاءَتْ عَلى ظاهِرِها مَعَ العِلْمِ بِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ لَيْسَتْ كَصِفاتِ المَخْلُوقِينَ، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ ما يَلْزَمُ مِنهُ حُدُوثُهُ أوْ نَقْصُهُ. ومَن قالَ: الظّاهِرُ غَيْرُ مُرادٍ بِالتَّفْسِيرِ الثّانِي: وهو مُرادُ الجَهْمِيَّةِ ومَن تَبِعَهم؛ فَقَدْ أخْطَأ. وإنَّما أُتِيَ مَن أخْطَأ مِن قَبْلِ أنَّهُ يَتَوَهَّمُ - في بَعْضِ الصِّفاتِ أوْ في كَثِيرٍ مِنها أوْ أكْثَرِها أوْ كُلِّها - أنَّها تُماثِلُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ يُرِيدُ أنْ يَنْفِيَ ذَلِكَ الَّذِي فَهِمَهُ، فَيَقَعُ في أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ المَحاذِيرِ:
أحَدُها: كَوْنُهُ مِثْلَ ما فَهِمَهُ مِنَ النُّصُوصِ بِصِفاتِ المَخْلُوقِينَ، وظَنَّ أنَّ مَدْلُولَ النُّصُوصِ هو التَّمْثِيلُ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا جَعَلَ ذَلِكَ هو مَفْهُومُها وعَطَّلَهُ، بَقِيَتِ النُّصُوصُ مُعَطَّلَةً عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن إثْباتِ الصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِاللَّهِ. فَيَبْقى مَعَ جِنايَتِهِ عَلى النُّصُوصِ وظَنِّهِ السَّيِّئِ الَّذِي ظَنَّهُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ - حَيْثُ ظَنَّ أنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِهِما هو التَّمْثِيلُ الباطِلُ - قَدْ عَطَّلَ ما أوْدَعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ في كَلامِهِما مِن إثْباتِ الصِّفاتِ لِلَّهِ والمَعانِي الإلَهِيَّةِ اللّائِقَةِ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَنْفِي تِلْكَ الصِّفاتِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ مُعَطِّلًا لِما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ يَصِفُ الرَّبَّ بِنَقِيضِ تِلْكَ الصِّفاتِ - مِن صِفاتِ الأمْواتِ والجَماداتِ أوْ صِفاتِ المَعْدُوماتِ - فَيَكُونُ قَدْ عَطَّلَ بِهِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّها الرَّبُّ، ومَثَّلَهُ (p-٥٢٠)بِالمَنقُوصاتِ والمَعْدُوماتِ، وعَطَّلَ النُّصُوصَ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ، وجَعَلَ مَدْلُولَها هو التَّمْثِيلُ بِالمَخْلُوقاتِ، فَيَجْمَعُ في كَلامِ اللَّهِ وفي اللَّهِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ، فَيَكُونُ مُلْحِدًا في أسْماءِ اللَّهِ وآياتِهِ.
وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إنَّما هي صِفاتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَلِيقُ بِجَلالِهِ نِسْبَتُها إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ كَنِسْبَةِ صِفاتِ كُلِّ شَيْءٍ إلى ذاتِهِ.
هَذا مُلَخَّصُ ما قَرَّرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في رِسالَتَيْهِ " التَّدْمِرِيَّةِ " و" المَدَنِيَّةِ ".
قالَ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلى الإقْرارِ بِالصِّفاتِ الوارِدَةِ كُلِّها في القُرْآنِ والسُّنَّةِ والإيمانِ بِها، وحَمْلِها عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ؛ إلّا أنَّهم لا يُكَيِّفُونَ شَيْئًًا مِن ذَلِكَ، ولا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً. وأمّا أهْلُ البِدَعِ الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ فَكُلُّهم يُنْكِرُها ولا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنها عَلى الحَقِيقَةِ، ويَزْعُمُ أنَّ مَن أقَرَّ بِها شَبَّهَ. وهُمْ، عِنْدَ مَن أقَرَّ بِها، نافُونَ لِلْمَعْبُودِ. والحَقُّ فِيما قالَهُ القائِلُونَ بِما نَطَقَ بِهِ كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ، وهم أئِمَّةُ الجَماعَةِ.
وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى في كِتابِ " إبْطالِ التَّأْوِيلِ ": لا يَجُوزُ رَدُّ هَذِهِ الأخْبارِ، ولا التَّشاغُلُ بِتَأْوِيلِها؛ والواجِبُ حَمْلُها عَلى ظاهِرِها، وأنَّها صِفاتُ اللَّهِ لا تُشَبَّهُ بِسائِرِ المَوْصُوفِينَ بِها مِنَ الخَلْقِ، ولا يُعْتَقَدُ التَّشْبِيهُ فِيها.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: إذا نَطَقَ الكِتابُ بِشَيْءٍ قُلْنا بِهِ، وإذا جاءَتِ الآثارُ بِشَيْءٍ جَسَرْنا عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في العَقْلِ الصَّحِيحِ ولا في النَّقْلِ الصَّرِيحِ ما يُوجِبُ مُخالَفَةَ الطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ. والمُخالِفُونَ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ وسَلَفِ الأُمَّةِ، مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِهَذا البابِ، في أمْرٍ مَرِيجٍ، وسُبْحانَ اللَّهِ! بِأيِّ عَقْلٍ يُوزَنُ الكِتابُ والسُّنَّةُ.
ورَضِيَ اللَّهُ عَنِ الإمامِ مالِكٍ حَيْثُ قالَ: أوَكُلَّما جاءَنا رَجُلٌ أجْدَلُ مِن رَجُلٍ تَرَكْنا ما جاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، لِجَدَلٍ هَذا؟ وكُلٌّ مِن هَؤُلاءِ مَخْصُومٌ بِمِثْلِ ما خُصِمَ بِهِ الآخَرُ. وهو مِن وُجُوهٍ:
(p-٥٢١)أحَدُها: بَيانٌ أنَّ العَقْلَ لا يُحِيلُ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ النُّصُوصَ الوارِدَةَ لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.
الثّالِثُ: أنَّ عامَّةَ هَذِهِ الأُمُورِ قَدْ عَلِمَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَ بِها بِالِاضْطِرارِ، كَما أنَّهُ جاءَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ وصَوْمِ شَهْرِ رَمَضانَ. فالتَّأْوِيلُ الَّذِي يُحِيلُها عَنْ هَذا بِمَنزِلَةِ تَأْوِيلاتِ القَرامِطَةِ والباطِنِيَّةِ في الحَجِّ والصَّوْمِ والصَّلاةِ وسائِرِ ما جاءَتْ بِهِ النُّبُوّاتُ، عَلى أنَّ الأساطِينَ مِن هَؤُلاءِ الفُحُولِ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ العَقْلَ لا سَبِيلَ لَهُ إلى اليَقِينِ في عامَّةِ المَطالِبِ الإلَهِيَّةِ. فَإذا كانَ هَكَذا، فالواجِبُ تَلَقِّي عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوّاتِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
قالَ البِقاعِيُّ: وتَجَلِّي المَلائِكَةِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ أمْرٌ مَأْلُوفٌ. مِنهُ ما في الصَّحِيحِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وإلى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدْنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ»» !.
«وعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قالَ: بَيْنَما هو يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عِنْدَهُ إذْ جالَتِ الفَرَسُ. فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ. فَقَرَأ فَجالَتِ الفَرَسُ، فَسَكَتَ وسَكَتَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأ فَجالَتِ الفَرَسُ. فانْصَرَفَ. وكانَ ابْنُهُ يَحْيى قَرِيبًا مِنها، فَأشْفَقَ أنْ تُصِيبَهُ. فَلَمّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ حَتّى ما يَراها. فَلَمّا أصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ. فَقالَ: «اقْرَأْ يا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يا ابْنَ حُضَيْرٍ» . قالَ: فَأشْفَقْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ تَطَأ يَحْيى وكانَ مِنها قَرِيبًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فانْصَرَفْتُ إلَيْهِ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلى السَّماءِ فَإذا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ فَخَرَجْتُ حَتّى لا أراها. (p-٥٢٢)قالَ: «وتَدْرِي ما ذاكَ؟» قالَ: لا. قالَ: «تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ لَأصْبَحَتْ يَنْظُرُ النّاسُ إلَيْها. لا تَتَوارى مِنهُمْ»» .
وقالَ البِقاعِيُّ أيْضًا: لَمّا كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أعْلَمَ النّاسِ بِظُهُورِ مَجْدِ اللَّهِ في الغَمامِ لِما رَأى أسْلافُهم مِنهُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ وفي جَبَلِ الطُّورِ وقُبَّةِ الزَّمانِ وما في ذَلِكَ - عَلى ما نُقِلْ إلَيْهِمْ - مِن وُفُورِ الهَيْئَةِ وتَعاظُمِ الجَلالِ، قالَ تَعالى جَوابًا لِمَن كانَ قالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا؟
البقرة 2:211
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١١] ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ المُرادُ بِهَذا السُّؤالِ: تَقْرِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوْبِيخُهم عَلى طُغْيانِهِمْ وجُحُودِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، لا أنْ يُجِيبُوا فَيُعْلَمُ مِن جَوابِهِمْ أمْرٌ. كَما إذا أرادَ واحِدٌ مِنّا تَوْبِيخَ أحَدٍ، يَقُولُ لِمَن حَضَرَهُ: سَلْهُ كَمْ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ؟ أيْ: كَمْ شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ عَلى أيْدِي أنْبِيائِهِمُ، القاطِعَةَ بِصِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيما جاءُوهم بِهِ: كَعَصا مُوسى، وفِلْقِهِ البَحْرَ، وضَرْبِهِ الحَجَرَ، وما كانَ مِن تَظْلِيلِ الغَمامِ عَلَيْهِمْ في شِدَّةِ الحَرِّ، ومِن إنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وصِدْقِ مَن جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ هَذِهِ الخَوارِقُ. ومَعَ هَذا أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم عَنْها، وبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِها كُفْرًا كَما أشْعَرَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فالمُرادُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ: آياتُهُ، فَهو مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ السّابِقِ، لِتَعْظِيمِ الآياتِ؛ ولا يَخْفى أنَّها مِن أجْلِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها أسْبابُ الهُدى والنَّجاةِ مِنَ الضَّلالَةِ. وتَبْدِيلُهم إيّاها: اسْتِبْدالُهم (p-٥٢٣)بِالإيمانِ بِها، الكُفْرَ بِها والإعْراضَ عَنْها. كَما قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ أيْ: وصَلَتْ إلَيْهِ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها أوْ عَرَفَها، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ - مَعَ أنَّ التَّبْدِيلَ لا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ المَجِيءِ - لِلْإشْعارِ بِأنَّهم قَدْ بَدَّلُوها بَعْدَ ما وقَفُوا عَلى تَفاصِيلِها، وفِيهِ تَقْبِيحٌ عَظِيمٌ بِهِمْ، ونَعْيٌ عَلى شَناعَةِ حالِهِمْ، واسْتِدْلالٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الشَّدِيدَ حَيْثُ بَدَّلُوا، بَعْدَ المَعْرِفَةِ..!.
البقرة 2:212
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٢] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حَتّى بَدَّلُوا النِّعْمَةَ: ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ لِحُضُورِها، فَألْهَتْهم عَنْ غائِبِ الآخِرَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي ضِمْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ اسْتِحْسانَ بَهْجَةِ الدُّنْيا كُفْرٌ ما، مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العَقْلِ والإيمانِ يُبَصِّرُ طَيَّتَها، ويَشْهَدُ جِيفَتَها، فَلا يَغْتَرُّ بِزِينَتِها، وهي آفَةُ الخَلْقِ في انْقِطاعِهِمْ عَنِ الحَقِّ؛ فَأبْهَمَ تَعالى المُزَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ لِيَشْمَلَ أدْنى التَّزْيِينِ الواقِعِ عَلى لِسانِ الشَّيْطانِ، وأخْفى التَّزْيِينَ الَّذِي يَكُونُ مِنِ اسْتِدْراجِ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]
(p-٥٢٤)وفِي كَلامِهِ إشْعارٌ بِما يُجابُ عَنْ وُرُودِ التَّزْيِينِ، مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى تارَةً وإلى غَيْرِهِ أُخْرى، في عِدَّةِ آياتٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ.
ولِلرّاغِبِ كَلامٌ بَدِيعٌ يَنْحَلُّ بِهِ مِثْلُ هَذا الإشْكالِ وهو قَوْلُهُ:
إنَّ الفِعْلَ كَما يُنْسَبُ إلى المُباشِرِ لَهُ، يُنْسَبُ إلى ما هو سَبَبُهُ ومُسَهِّلُهُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ فِعْلٌ واحِدٌ تارَةً إلى اللَّهِ تَعالى وتارَةً إلى غَيْرِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] فَأسْنَدَ الفِعْلَ في الأوَّلِ إلى المُباشِرِ لَهُ، وفي الثّانِي إلى الآمِرِ بِهِ؛ وهَكَذا، يُتَصَوَّرُ ما ذُكِرَ، تَزُولُ الشُّبْهَةُ فِيما يُرى مِنَ الأفْعالِ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى، مَنفِيًّا عَنِ اللَّهِ تَعالى، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]
﴿ويَسْخَرُونَ﴾ - أيْ: يَهْزَأُونَ -: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهَذا كَما قالَ تَعالى: (p-٥٢٥)﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] الآياتِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ التَّقْوى لِحَضِّهِمْ عَلَيْها، وإيذانًا بِتَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلَيْها: ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ وهم في أسْفَلِ سافِلِينَ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥]
ولِذا قالَ الرّاغِبُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ أعْلى مِن حالِ الكُفّارِ في الدُّنْيا.
والثّانِي أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ هم في الغُرُفاتِ، والكُفّارَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. انْتَهى.
لَطائِفُ:
قالَ السَّيْلَكُوتِيُّ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ جُمْلَةٌ مُعَلِّلَةٌ لِما سَبَقَ مِن أحْوالِ الكُفّارِ مِنَ المُنافِقِينَ وأهْلِ الكِتابِ؛ يَعْنِي أنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، لِأجْلِ تَهالُكِهِمْ في مَحَبَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا وإعْراضِهِمْ عَنْ غَيْرِها؛ وأوْرَدَ التَّزْيِينَ بِصِيغَةِ الماضِي لِكَوْنِهِ مَفْرُوغًا مِنهُ، مَرْكُوزًا في طَبِيعَتِهِمْ. وعُطِفَ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ - أعْنِي: {يَسْخَرُونَ } - لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ، وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يَعْنِي: ما يُعْطِي اللَّهُ هَؤُلاءِ (p-٥٢٦)المُتَّقِينَ مِنَ الثَّوابِ بِغَيْرِ حِسابٍ أيْ: رِزْقًا واسِعًا رَغَدًا لا فَناءَ لَهُ ولا انْقِطاعَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] فَإنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ والحَصْرِ والتَّقْدِيرِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا يَكُونُ مُتَناهِيًا كانَ لا مَحالَةَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ.
وقَدِ اسْتَقْصى الرّاغِبُ: ما تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ مِن وُجُوهِها - وتِلْكَ سِعَةٌ - وعِبارَتُهُ: أعْطاهُ بِغَيْرِ حِسابٍ: إذا أعْطاهُ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّ، أوْ أقَلَّ مِمّا يَسْتَحِقُّ؛ والأوَّلُ هو المَقْصُودُ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِالإحْسانِ، وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ عَلى أوْجُهٍ لِإجْمالِ اللَّفْظِ وإبْهامِهِ.
الأوَّلُ: يُعْطِيهِ عَطاءً لا يَحْوِيهِ حَصْرُ العِبادِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎عَطاياهُ يُحْصى قَبْلَ إحْصائِها القَطْرُ
الثّانِي: يُعْطِيهِ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ.
الثّالِثُ: يُعْطِيهِ ولا مِنَّةَ.
الرّابِعُ: يُعْطِيهِ بِلا مُضايَقَةٍ. مِن قَوْلِهِمْ: حاسَبَهُ.
الخامِسُ: يُعْطِيهِ أكْثَرَ مِمّا يَحْسَبُهُ أنَّ يَكْفِيَهُ - وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ.
السّادِسُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَوْسِيعِهِ عَلى الكُفّارِ والفُسّاقِ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣] وتَنْبِيهًا أنْ لا فَضِيلَةَ في المالِ لِمَن يُوَسَّعُ عَلَيْهِ، (p-٥٢٧)ما لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ في الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٥] الآيَةَ.
السّابِعُ: يُعْطِي أوْلِياءَهُ بِلا تَبِعَةٍ ولا حِسابٍ عَلَيْهِمْ فِيما يُعْطَوْنَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَأْخُذُ مِن عَرَضِ الدُّنْيا إلّا ما يَجِبُ مِن حَيْثُ يَجِبُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ، ولا يُنْفِقُهُ إلّا عَلى ذَلِكَ، فَهو يُحاسِبُ فَلا يُحاسَبُ، ولِهَذا رُوِيَ: مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا أمِنَ الحِسابَ في الآخِرَةِ. وعَلى هَذا قالَ تَعالى لِسُلَيْمانَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ص: ٣٩]
الثّامِنُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعامِلُ في القِيامَةِ المُؤْمِنِينَ لا بِقَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ بَلْ بِأكْثَرَ مِنهُ، كَما قالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] الآيَةَ.
التّاسِعُ: وهو يُقارِبُ ذَلِكَ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا حَظَرَ عَلَيْهِمْ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: {يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ } الآيَةَ.
وأمّا تَعَلُّقُهُ بِما تَقَدَّمَ، فَعَلى بَعْضِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ، يَتَعَلَّقُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا، وعَلى بَعْضِهِ يَتَعَلَّقُ بِالَّذِينِ آمَنُوا.
البقرة 2:213
(p-٥٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٣] ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهم فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: وُجِدُوا أُمَّةً واحِدَةً تَتَّحِدُ مَقاصِدُها ومَطالِبُها ووُجْهَتُها لِتُصْلِحَ ولا تُفْسِدَ. وتُحْسِنَ ولا تُسِيءَ، وتَعْدِلَ ولا تَظْلِمَ، أيْ: ما وُجِدُوا إلّا لِيَكُونُوا كَذَلِكَ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] أيِ: انْحَرَفُوا عَنِ الِاتِّحادِ والِاتِّفاقِ، الَّذِي يُثْمِرُ كُلَّ خَيْرٍ لَهم وسَعادَةً، إلى الِاخْتِلافِ والشِّقاقِ المُسْتَتْبِعِ الفَسادَ وهَلاكَ الحَرْثِ والنَّسْلِ، ولَمّا كانُوا لَمْ يُخْلَقُوا سُدًى مِنَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما يُبَصِّرُهم سَبِيلَ الرَّشادِ في الِاتِّحادِ عَلى الحَقِّ مِن بَعْثَةِ الأنْبِياءِ وما نَزَلَ مَعَهم مِنَ الكِتابِ الفَصْلِ، كَما أشارَتْ تَتِمَّةُ الآيَةِ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الَّذِينَ رَفَعَهم عَلى بَقِيَّةِ خَلْقِهِ فَأنْبَأهم بِما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ، وأرْسَلَهم إلى خَلْقِهِ: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لِمَن آمَنَ وأطاعَ: ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ لِمَن كَفَرَ وعَصى: ﴿وأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: كَلامَهُ الجامِعَ لِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في بابِ الدِّينِ عَلى الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ التّامَّةِ؛ لِكَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا: ﴿بِالحَقِّ﴾ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ أُمَّةً واحِدَةً، فَسَلَكُوا بِهِمْ، بَعْدَ جُهْدٍ، السَّبِيلَ الأقْوَمَ، ثُمَّ ضَلُّوا عَلى عِلْمٍ بَعْدَ مَوْتِ الرُّسُلِ، فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ لِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أيِ: الكِتابَ الهادِيَ الَّذِي (p-٥٢٩)لا لَبْسَ فِيهِ، المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ: ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيْ: عَلِمُوهُ فَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِأنْ أوْقَعُوا الخِلافَ فِيما أُنْزِلَ لِرَفْعِ الخِلافِ. ولَمْ يَكُنِ اخْتِلافُهم لِالتِباسٍ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ بَلْ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ الواضِحَةُ -: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: حَسَدًا وقَعَ بَيْنَهُمْ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالكِتابِ: ﴿لِما اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: أهْلُ الضَّلالَةِ: ﴿فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ. وفي إبْهامِهِ أوَّلًا، وتَفْسِيرِهِ ثانِيًا، ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ ولُطْفِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ. وفي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ! فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ! عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ! أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ...!»» .
البقرة 2:214
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٤] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ .
﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأنْبِياءِ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِكم مَثَلُهم بَعْدُ، ولَمْ تُبْتَلُوا بِما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الفَظاعَةِ والشِّدَّةِ، سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ: ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ مَثَلُهُمْ؟ (p-٥٣٠)فَقِيلَ: مَسَّتْهُمُ ﴿البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ أيِ: الشَّدائِدُ والآلامُ: ﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ: أُزْعِجُوا، مِمّا دَهَمَهم مِنَ الأهْوالِ والإفْراغِ، إزْعاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي تَكادُ تَهُدُّ الأرْضَ وتَدُكُّ الجِبالَ: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ أيِ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ الشِّدَّةِ إلى حَيْثُ اضْطَرَّهُمُ الضَّجَرُ إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ - وهو أعْلَمُ النّاسِ بِشُؤُونِ اللَّهِ تَعالى، وأوْثَقُهم بِنَصْرِهِ، وداعِيهم إلى الصَّبْرِ -: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ - وهُمُ الأثْبَتُ بَعْدَهُ، العازِمُونَ عَلى الصَّبْرِ، المُوقِنُونَ بِوَعْدِ النَّصْرِ -: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ - اسْتِبْطاءً لَهُ، واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ والعَناءِ - فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] أيْ: فاصْبِرُوا كَما صَبَرُوا تَظْفَرُوا..!. وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا الِابْتِلاءِ جانِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم يَوْمَ الأحْزابِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] الآياتِ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرَ لَنا؟ ألا تَدْعُوَ لَنا؟ فَقالَ: «قَدْ كانَ مَن قَبْلَكم يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها. فَيُجاءُ بِالمِنشارِ، فَيُوضَعُ عَلى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونُ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. واللَّهِ! لَيُتِمَنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلّا اللَّهَ والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ» ...»
(p-٥٣١)وفِي رِوايَةٍ: «وهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وقَدْ لَقَيْنا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً...»
ولِما سَألَ هِرَقْلُ أبا سُفْيانَ: هَلْ قاتَلْتُمُوهُ؟ قالَ: نَعَمْ! قالَ: فَكَيْفَ كانَتِ الحَرْبُ بَيْنَكم قالَ: سِجالًا، يُدالُ عَلَيْنا ونُدالُ عَلَيْهِ. قالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَها العاقِبَةُ!.
وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]
البقرة 2:215
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٥] ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَهُ مِن أصْنافِ الأمْوالِ؟: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ﴾ قَبْلَ غَيْرِهِما لِيَكُونَ أداءً لِحَقِّ تَرْبِيَتِهِما مَعَ كَوْنِهِ صِلَةَ الوَصْلِ وصَدَقَةً: ﴿والأقْرَبِينَ﴾ بَعْدَهُما لِيَكُونَ صِلَةً وصَدَقَةً: ﴿واليَتامى﴾ بَعْدَهم لِأنَّ فِيهِمُ الفَقْرَ مَعَ العَجْزِ: ﴿والمَساكِينِ﴾ بَعْدَهم لِاحْتِياجِهِمْ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ بَعْدَهم لِأنَّهُ كالفَقِيرِ لِغَيْبَةِ مالِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ طابَقَ الجَوابُ السُّؤالَ، فَإنَّهم سَألُوا عَنْ بَيانِ ما يُنْفِقُونَ، وأُجِيبُوا بِبَيانِ المَصْرِفِ؟ فالجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ بَيانَ ما يُنْفِقُونَهُ - وهو كُلُّ مالٍ عَدُّوهُ خَيْرًا - وبُنِي الكَلامُ عَلى ما هو أهَمُّ، وهو بَيانُ المَصْرِفِ، لِأنَّ النَّفَقَةَ لا يُعْتَدُّ بِها إلّا أنْ تَقَعَ مَوْقِعَها. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ
؎فَإذا صَنَعْتَ صَنِيعَةً فاعْمَدْ بِها ∗∗∗ لِلَّهِ أوْ لِذَوِي القَرابَةِ أوْ دَعِ
(p-٥٣٢)فَيَكُونُ الكَلامُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] فِيما تَقَدَّمَ هَذا.
وقالَ القَفّالُ: إنَّهُ وإنْ كانَ السُّؤالُ وارِدًا بِلَفْظٍ ما إلّا أنَّ الِمَقْصُودَ السُّؤالُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ أنَّ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ إنْفاقُ مالٍ يَخْرُجُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى. وإذا كانَ هَذا مَعْلُومًا لَمْ يَنْصَرِفِ الوَهْمُ إلى أنَّ ذَلِكَ المالَ أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ وإذا خَرَجَ هَذا عَنْ أنْ يَكُونَ مُرادًا تَعَيَّنَ أنَّ المَطْلُوبَ بِالسُّؤالِ: أنَّ مَصْرِفَهُ أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] وإنَّما كانَ هَذا الجَوابُ مُوافِقًا لِذَلِكَ السُّؤالِ، لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ البَقَرَةَ هي البَهِيمَةُ الَّتِي شَأْنُها وصِفَتُها كَذا. فَقَوْلُهُ: ما هي لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طَلَبِ الماهِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ طَلَبَ الصِّفَةِ الَّتِي بِها تَتَمَيَّزُ تِلْكَ البَقَرَةِ عَنْ غَيْرِها، فَبِهَذا الطَّرِيقِ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ الجَوابَ مُطابِقٌ لِذَلِكَ السُّؤالِ. فَكَذا هَهُنا، لَمّا عَلِمْنا أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ الَّذِي أُمِرُوا بِإنْفاقِهِ ما هو - وجَبَ أنْ يُقْطَعَ بِأنَّ مُرادَهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ماذا يُنْفِقُونَ﴾ ؟ لَيْسَ هو طَلَبَ الماهِيَّةِ، بَلْ طَلَبَ المَصْرِفِ، فَلِهَذا حَسُنَ هَذا الجَوابُ...!.
وأجابَ الرّاغِبُ بِجَوابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا عَنْهُما وقالُوا: ما نُنْفِقُ؟ وعَلى مَن نُنْفِقُ؟ ولَكِنْ حَذَفَ (p-٥٣٣)حِكايَةَ السُّؤالِ، أحَدُهُما: إيجازًا ودَلَّ عَلَيْهِ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: المُنْفَقُ الخَيْرُ، والمُنْفَقُ عَلَيْهِمْ هَؤُلاءِ؛ فَلَفَّفَ أحَدَ الجَوّابِينَ في الآخَرِ، وهَذا طَرِيقٌ مَعْرُوفٌ في البَلاغَةِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّ السُّؤالَ ضَرْبانِ: سُؤالُ جَدَلٍ، وحَقُّهُ أنْ يُطابِقَهُ جَوابُهُ. لا زائِدًا عَلَيْهِ ولا ناقِصًا عَنْهُ. وسُؤالُ تَعْلُّمٍ، وحَقُّ المُعَلِّمِ أنْ يَكُونَ كالطَّبِيبِ يَتَحَرّى شِفاءَ سَقِيمٍ، فَيَطْلُبُ ما يَشْفِيهِ - طَلَبَهُ المَرِيضُ أوْ لَمْ يَطْلُبْ. فَلَمّا كانَ حاجَتُهم إلى مَن يُنْفِقُ المالَ عَلَيْهِمْ كَحاجَتِهِمْ إلى ما يُنْفِقُ مِنَ المالِ، بَيَّنَ لَهُمُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. إنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ هَؤُلاءِ النَّفَرَ دُونَ غَيْرِهِمْ..؟ قِيلَ: إنَّما ذُكِرَ مَن ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المِثالِ لِمَن يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ، لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ والِاسْتِيعابِ، إذْ أصْنافُ المُنْفَقِ عَلَيْهِمْ عَلى ما قَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وجْهَ المَصْرِفِ وفَصَّلَهُ هَذا التَّفْصِيلَ الحَسَنَ الكامِلَ، أرْدَفَهُ بِالإجْمالِ فَقالَ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: وكُلُّ ما فَعَلْتُمُوهُ مِن خَيْرٍ - إمّا مَعَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وإمّا مَعَ غَيْرِهِمْ - حِسْبَةً لِلَّهِ، وطَلَبًا لِجَزِيلِ ثَوابِهِ، وهَرَبًا مِن ألِيمِ عِقابِهِ، فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ، والعَلِيمُ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ عالِمًا، يَعْنِي: لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَيُجازِيكم أحْسَنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]
البقرة 2:216
(p-٥٣٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٦] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿كُتِبَ﴾ أيْ: فُرِضَ: ﴿عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ أيْ: قِتالُ المُتَعَرِّضِينَ لِقِتالِكُمْ، كَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] المُرادُ بِقِتالِهِمُ الجِهادُ فِيهِمْ بِما يُبِيدُهم أوْ يَقْهَرُهم ويَخْذُلُهم ويُضْعِفُ قُوَّتَهم.
قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: سَيْفُ الجِهادِ والقِتالِ هو آيَةُ العِزِّ، وبِهِ مُصِّرَتِ الأمْصارُ، ومُدَّنَتِ المُدُنُ، وانْتَشَرَتِ المَبادِئُ والمَذاهِبُ، وأُيِّدَتِ الشَّرائِعُ والقَوانِينُ؛ وبِهِ حَمِيَ الإسْلامُ مِن أنْ تَعْبَثَ بِهِ أيْدِي العابِثِينَ في الغابِرِ، وهو الَّذِي يَحْمِيهِ مِن طَمَعِ الطّامِعِينَ في الحاضِرِ؛ وبِهِ امْتَدَّتْ سَيْطَرَةُ الإسْلامِ إلى ما وراءَ جِبالِ الأُورالِ شَمالًا، وخَطِّ الِاسْتِواءِ جَنُوبًا، وجُدْرانِ الصِّينِ شَرْقًا، وجِبالِ البِيرْنَهْ غَرْبًا..!
قالَ: فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ لا يَتَمَلَّصُوا مِن قَوْلِ بَعْضِ الأُورُبِّيِّينَ: إنَّ الدِّينَ الإسْلامِيَّ قَدِ انْتَشَرَ بِالسَّيْفِ! فَإنَّ هَذا القَوْلَ لا يَضُرُّ جَوْهَرَ الدِّينِ شَيْئًا؛ فَإنَّ المُنْصِفِينَ مِنَ الأُورُبِّيِّينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ قامَ بِالدَّعْوَةِ والإقْناعِ، وأنَّ السَّيْفَ لَمْ يُجَرَّدْ إلّا لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ. وإنَّما التَّمَلُّصُ مِنهُ يَضُرُّ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ يُقْعِدُهم عَنْ نُصْرَةِ الدِّينِ بِالسَّيْفِ، ويَقُودُهم إلى التَّخاذُلِ والتَّواكُلِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاعْتِقادِ بِتَرْكِ الوَسائِلِ، فَيَسْتَخِذُونَ إلى الضَّعْفِ كَما هي حالَتُهُمُ اليَوْمَ، وتَبْتَلِعُهُمُ الأُمَمُ القَوِيَّةُ الَّتِي جَعَلَتْ شِعارَ تَمَدُّنِها: السَّيْفُ أوِ القُوَّةُ..!
قالَ: يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَدْرُسُوا آياتِ الجِهادِ صَباحَ مَساءَ، ويُطِيلُوا النَّظَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٣٥)﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] لَعَلَّهم يَتَحَفَّزُونَ إلى مُجاراةِ الأُمَمِ القَوِيَّةِ المُجاهِدَةِ في الأُمَمِ الضَّعِيفَةِ..!.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الكَراهَةِ، فَوَضَعَ المَصْدَرَ مَوْضِعَ الوَصْفِ مُبالَغَةً، كَقَوْلِ الخَنْساءِ:
؎فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ
كَأنَّهُ في نَفْسِهِ كَراهَةً لِفَرْطِ كَراهَتِهِمْ لَهُ، أوْ هو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ - كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ - أيْ: وهو مَكْرُوهٌ لَكُمْ، وهَذا الكُرْهُ إنَّما حَصَلَ مِن حَيْثُ نُفُورُ الطَّبْعِ عَنِ القِتالِ - لِما فِيهِ مِن مُؤْنَةِ المالِ، ومَشَقَّةِ النَّفْسِ، وخَطَرِ الرُّوحِ والخَوْفِ - فَلا يُنافِي الإيمانَ؛ لِأنَّ كَراهَةَ الطَّبْعِ جَبَلِيَّةٌ، لا تُنافِي الرِّضاءَ بِما كُلِّفَ بِهِ، كالمَرِيضِ الشّارِبِ لِلدَّواءِ البَشِعِ.
وفِي القامُوسِ وشَرْحِهِ: الكَرْهُ بِالفَتْحِ ويُضَمُّ: لُغَتانِ جَيِّدَتانِ بِمَعْنى الإباءِ والمَشَقَّةِ.
(p-٥٣٦)قالَ ثَعْلَبٌ: قَرَأ نافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: وهو كُرْهٌ لَكم بِالضَّمِّ في هَذا الحَرْفِ خاصَّةً، وسائِرِ القُرْآنِ بِالفَتْحِ. وكانَ عاصِمٌ يَضُمُّ هَذا الحَرْفَ والَّذِي في الأحْقافِ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ويَقْرَأُ سائِرَهُنَّ بِالفَتْحِ. وكانَ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَضُمُّونَ هَذِهِ الحُرُوفَ الثَّلاثَةَ والَّذِي في النِّساءِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] ثُمَّ قَرَأُو ا كُلَّ شَيْءٍ سِواها بِالفَتْحِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ونَخْتارُ ما عَلَيْهِ أهْلُ الحِجازِ: أنَّ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ بِالفَتْحِ إلّا الَّذِي في البَقَرَةِ خاصَّةً، فَإنَّ القُرّاءَ أجْمَعُوا عَلَيْهِ!. قالَ ثَعْلَبٌ: ولا أعْلَمُ بَيْنَ الأحْرُفِ الَّتِي ضَمَّها هَؤُلاءِ وبَيْنَ الَّتِي فَتَحُوها فَرْقًا في العَرَبِيَّةِ، ولا في سُنَّةٍ تُتَّبَعُ، ولا أرى النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى الحَرْفِ الَّذِي في سُورَةِ البَقَرَةِ خاصَّةً، إلّا أنَّهُ اسْمٌ وبَقِيَّةُ القُرْآنِ مَصادِرُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: وقَدْ أجْمَعَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ الكَرَّهُ والكُرْهَ لُغَتانِ، فَبِأيِّ لُغَةٍ وقَعَ فَجائِزٌ، إلّا الفَرّاءُ فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ: ما أكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ، وبِالفَتْحِ: ما أكْرَهَكَ غَيْرُكَ عَلَيْهِ. تَقُولُ: جِئْتُكَ كَرْهًا، وأدْخَلْتَنِي كُرْهًا، وقالَ ابْنُ سِيدَهْ: الكَرْهُ: الإباءُ والمَشَقَّةُ تَتَكَلَّفُها فَتَحْتَمِلُها، وبِالضَّمِّ: المَشَقَّةُ تَحْتَمِلُها مِن غَيْرِ أنْ تَكْلَفَها. يُقالُ: فَعَلَ ذَلِكَ كَرْهًا وعَلى كُرْهٍ. قالَ ابْنُ بِرِّي: (p-٥٣٧)ويَدُلُّ لِصِحَّةِ قَوْلِ الفَرّاءِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِضَمِّ الكافِ. وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِفَتْحِ الكافِ. فَيَصِيرُ الكَرْهُ بِالفَتْحِ، فِعْلَ المُضْطَرِّ، والكُرْهُ بِالضَّمِّ: فِعْلَ المُخْتارِ.
﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ - كالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى -: ﴿وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إذْ فِيهِ إحْدى الحُسْنَيْنِ: إمّا الظَّفْرُ والغَنِيمَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ والجَنَّةُ: ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ - كالقُعُودِ عَنِ الغَزْوِ -: ﴿وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والفَقْرِ وحِرْمانِ الغَنِيمَةِ والأجْرِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكُمْ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، فَبادِرُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ وإنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ، فَهو رَؤُوفٌ بِالعِبادِ لا يَأْمُرُهم إلّا بِخَيْرٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَنَفْيُ العِلْمِ عَنْهم بِكَلِمَةِ لا أيِ: الَّتِي هي لِلِاسْتِقْبالِ حَتّى تُفِيدَ دَوامَ الِاسْتِصْحابِ. وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا. قالَ: مِن حَيْثُ رُتْبَةِ هَذا الصِّنْفِ مِنَ النّاسِ مِنَ الأعْرابِ وغَيْرِهِمْ، وأمّا المُؤْمِنُونَ - أيِ: الرّاسِخُونَ - فَقَدْ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن عِلْمِهِ ما عَلِمُوا أنَّ القِتالَ خَيْرٌ لَهم وأنَّ التَّخَلُّفَ شَرٌّ لَهم.
حَتّى إنَّ عِلْمَهم ذَلِكَ أفاضَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ ما يُفِيضُ الدُّمُوعَ ويُنِيرُ القُلُوبَ، حَتّى «شاوَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في التَّوَجُّهِ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ وأحْسَنَ، (p-٥٣٨)ثُمَّ قامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ وأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ امْضِ لِما أمَرَكَ اللَّهُ، فَنَحْنُ مَعَكَ، واللَّهِ! لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ! فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ سِرْتَ إلى بَرْكِ الغِمادِ لَجالَدْنا مَعَكَ مِن دُونِهِ حَتّى تَبْلُغَهُ..! فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا ودَعا لَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ» ! فَقالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واللَّهِ! لَكَأنَّكَ تُرِيدُنا يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: «أجَلْ» . قالَ: فَقَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ، وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ، ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ، صُدُقٌ في اللِّقاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ».
البقرة 2:217
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
(p-٥٣٩)﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ قالَ الرّاغِبُ: السّائِلُ عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: أهْلُ الشِّرْكِ قَصْدًا إلى تَعْيِيرِ المُسْلِمِينَ لِما تَجاوَزُوهُ مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الإسْلامِ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في " الكَبِيرِ " والبَيْهَقِيُّ في " سُنَنِهِ "، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَهْطًا، وبَعَثَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، فَلَقُوا ابْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ ولَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن رَجَبٍ أوْ مِن جُمادى. فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحَرامٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا وِزْرًا فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] الآيَةَ».
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَندَهْ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ومُلَخَّصُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمُ في " زادِ المَعادِ " وابْنُ هِشامٍ في " السِّيرَةِ " في الكَلامِ عَلى هَذِهِ السِّرِّيَّةِ ونُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ الأسَدِيَّ إلى نَخْلَةَ في رَجَبٍ عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ، كُلُّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبانِ عَلى بَعِيرٍ، فَوَصَلُوا إلى بَطْنِ نَخْلَةَ يَرْصُدُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وفي هَذِهِ السِّرِّيَّةِ سُمِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ لَهُ كِتابًا وأمَرَهُ أنْ لا يَنْظُرَ فِيهِ حَتّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ. فَلَمّا سارَ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الكِتابِ فَوَجَدَ فِيهِ: إذا نَظَرْتَ في كِتابِي هَذا فامْضِ حَتّى تَنْزِلَ بِنَخْلَةَ - بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ - فَتَرْصُدَ بِها عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وتَعْلَمَ لَنا مِن أخْبارِهِمْ، فَقالَ: سَمْعًا وطاعَةً! وأخْبَرَ أصْحابَهُ بِذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يَسْتَكْرِهُهم فَمَن (p-٥٤٠)أحَبَّ الشَّهادَةَ فَلْيَنْهَضْ، ومَن كَرِهَ المَوْتَ فَلْيَرْجِعْ، فَأمّا أنا فَناهِضٌ! فَنَهَضُوا كُلُّهُمْ، فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ أضَلَّ سَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ بَعِيرًا لَهُما كانا يَتَعَقَّبانِهِ، فَتَخَلَّفا في طَلَبِهِ. فَبَعُدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ حَتّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وأُدُمًا وتِجارَةً فِيها عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ وعُثْمانُ ونَوْفَلٌ ابْنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ مَوْلى بَنِي المُغِيرَةِ، فَتَشاوَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: نَحْنُ في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ لَئِنْ تَرَكْتُمُ القَوْمَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلَنَّ الحَرَمَ فَلْيَمْتَنِعَنَّ مِنكم بِهِ، ولَئِنْ قَتَلْتُمُوهم لَتَقْتُلَنَّهم في الشَّهْرِ الحَرامِ! فَتَرَدَّدَ القَوْمُ وهابُوا الإقْدامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى مُقاتَلَتِهِمْ، فَرَمى أحَدُهم عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَهُ، وأسَرُوا عُثْمانَ والحَكَمَ، وأفْلَتَ نَوْفَلٌ فَأعْجَزَهُمْ، ثُمَّ أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وأصْحابُهُ بِالعِيرِ والأسِيرَيْنِ حَتّى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ وقَدْ عَزَلُوا مِن ذَلِكَ الخُمُسَ - وهو أوَّلُ خُمُسٍ كانَ في الإسْلامِ، وأوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وأوَّلُ أسِيرَيْنِ في الإسْلامِ - فَأنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما فَعَلُوهُ واشْتَدَّ تَعْيِيبُ قُرَيْشٍ وإنْكارُهم ذَلِكَ، وزَعَمُوا أنَّهم قَدْ وجَدُوا مَقالًا فَقالُوا: قَدْ أحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ، واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الشَّهْرِ، بَدَلَ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ القِتالَ يَقَعُ في الشَّهْرِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَخْفُوضٌ عَلى التَّكْرِيرِ، يُرِيدُ أنَّ التَّقْدِيرَ: عَنْ قِتالٍ فِيهِ وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ: مَخْفُوضٌ بِـ " عَنْ " مُضْمَرَةٍ. وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يَبْقى عَمَلُهُ بَعْدَ حَذْفِهِ في الِاخْتِيارِ...! وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ هو مَجْرُورٌ عَلى الجِوارِ. وهو أبْعَدُ مِن قَوْلِهِما، لِأنَّ الجِوارَ مِن مَواضِعِ الضَّرُورَةِ والشُّذُوذِ، ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ. وفِيهِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِقِتالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ كَما يَتَعَلَّقُ بِقاتِلٍ.
وقَدْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ في الشّاذِّ، ووَجْهُهُ عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَهُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، تَقْدِيرُهُ: أجائِزٌ قِتالٌ فِيهِ؟
(p-٥٤١)﴿قُلْ﴾ في جَوابِهِمْ: ﴿قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أيْ: أمْرٌ كَبِيرٌ مُسْتَنْكَرٌ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ لا تَسْفِكُ دَمًا ولا تُغِيرُ عَلى عَدُوٍّ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وهِيَ: ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ ورَجَبٍ. وسَنَذْكُرُ في تَنْبِيهٍ يَأْتِي التَّحْقِيقَ في كَوْنِ تَحْرِيمِ القِتالِ فِيها مُحْكَمًا أوْ مَنسُوخًا.
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: القِتالُ فِيهِ كَبِيرٌ، وشَرْطُ النَّكِرَةِ المَذْكُورَةِ إذا أُعِيدَ ذِكْرُها أنْ يُعادَ مُعَرَّفًا، نَحْوَ: سَألْتَنِي عَنْ رَجُلٍ والرَّجُلُ كَذا وكَذا؟ قِيلَ: في ذِكْرِهِ مُنْكَرًا تَنْبِيهٌ عَلى أنْ لَيْسَ كُلُّ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ هَذا حُكْمُهُ، فَإنَّ قِتالَ النَّبِيِّ ﷺ لِأهْلِ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ هَذا حُكْمَهُ، فَقَدْ قالَ: ««أُحِلَّتْ لِيَ ساعَةٌ مِن نَهارٍ ولَمْ تَكُنْ تَحُلُّ لِأحَدٍ قَبْلِي»» .
﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ دِينِهِ المُوَصِّلِ إلى رِضْوانِهِ، أوْ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ: سَمّى الحَجَّ: سَبِيلَ اللَّهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: والصَّدُّ: صَرْفٌ إلى ناحِيَةٍ بِإعْراضٍ وتَكَرُّهٍ، والسَّبِيلُ: طَرِيقُ الجادَّةِ السّابِلَةِ عَلَيْهِ الظّاهِرُ لِكُلِّ سالِكٍ مَنهَجَهُ. وصَدٌّ مُبْتَدَأٌ.
(p-٥٤٢)﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ: بِالسَّبِيلِ - أعْنِي الدِّينَ - أوْ بِاللَّهِ، عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الهاءِ فِي: (بِهِ) أيْ: كُفْرٌ بِهِ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ﴾ أيْ: أهْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ - وهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ - وهو عَطْفٌ عَلى: صَدَّ أيْضًا: ﴿مِنهُ﴾ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وخَبَرُ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ: ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ جُرْمًا مِمّا فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ: مِن قَتْلِهِمْ إيّاهم في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ لِأنَّ الإخْراجَ فِتْنَةٌ: ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ في الشَّهْرِ الحَرامِ، أيْ: فَقَدْ فَعَلُوا بِكم في المَسْجِدِ الحَرامِ ما هو أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ فِيهِ، وحُرْمَةُ المَسْجِدِ كَحُرْمَةِ الشَّهْرِ..! هَذا، وقِيلَ: خَبَرُ: صَدَّ و: كَفَرَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
وأشارَ الرّازِيُّ إلى إعْرابٍ آخَرَ وهُوَ: إنَّ: صَدَّ و: كَفَرَ مَعْطُوفانِ عَلى: ﴿كَبِيرٌ﴾ أيْ: قِتالٌ فِيهِ، مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ. وعَلَيْهِ فَأكْبَرُ خَبَرُ إخْراجٍ فَقَطْ.
وقَدْ جَنَحَ لِهَذا المَهايِمِيُّ حَيْثُ قالَ في " تَفْسِيرِهِ ":
﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ مِنَ المَعاصِي الكَبائِرُ، كَيْفَ وهُوَ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنِ التِّجارَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبِيلَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ، ولَوِ اسْتُبِيحَ هَذا القَتْلُ فَهُوَ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ وصَدٌّ عَنِ: المَسْجِدِ الحَرامِ إذا قُتِلَ الحُجّاجُ الخارِجُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَهَذا وجْهُ تَحْرِيمِ القِتالِ في هَذا الشَّهْرِ، ولَكِنْ: {إخْراجُ أهْلِهِ } أيْ: إخْراجُهم أهْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ وهُمُ: النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ: ﴿مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ بَدِيعٌ، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ.
قالَ ابْنُ القِيَمِ في " زادِ المَعادِ " في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ - وإنْ كانَ كَبِيرًا - فَما ارْتَكَبْتُمُوهُ أنْتُمْ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ وعَنْ بَيْتِهِ، وإخْراجِ المُسْلِمِينَ - الَّذِينَ هم أهْلُهُ - مِنهُ، والشَّرَكِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ، والفِتْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ (p-٥٤٣)مِنكم بِهِ؛ أكْبُرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن قِتالِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. ومِمّا نُسِبَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذا المَعْنى هَذِهِ الأبْياتُ، ويُقالُ هي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ:
؎تَعُدُّونَ قَتْلًا في الحَرامِ عَظِيمَةً وأعْظَمُ مِنهُ لَوَ يَرى الرُّشْدَ راشِدُ
؎صُدُودُكم عَمّا يَقُولُ مُحْمَدٌ ∗∗∗ وكَفْرٌ بِهِ، واللَّهُ راءٍ وشاهِدُ
؎وإخْراجُكم مِن مَسْجِدِ اللَّهِ أهْلَهُ ∗∗∗ لِئَلّا يُرى لِلَّهِ في البَيْتِ ساجِدُ
؎فَإنّا وإنْ عَيَّرْتُمُونا بِقَتْلِهِ ∗∗∗ وأرْجَفَ بِالإسْلامِ باغٍ وحاسِدُ
؎سَقَيْنا مِنِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ رِماحَنا ∗∗∗ بِنَخْلَةَ لَمّا أوْقَدَ الحَرْبَ واقْدُ
؎دَمًا، وابْنُ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمانُ بَيْنَنا ∗∗∗ يُنازِعُهُ غُلٌّ مِنَ القِدِّ عانِدُ
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ ": وأكْثَرُ السَّلَفِ فَسَّرُوا الفِتْنَةَ هُنا بِالشِّرْكِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أيْ: لَمْ يَكُنْ مَآلُ شِرْكِهِمْ وعاقِبَتِهِ وآخِرِ أمْرِهِمْ إلّا أنْ تَبَرَّأُوا مِنهُ وأنْكَرُوهُ. وحَقِيقَتُها: أنَّهُ الشِّرْكُ الَّذِي يَدْعُو صاحِبَهُ إلَيْهِ، ويُقاتِلُ عَلَيْهِ، ويُعاقِبُ مَن لَمْ يَفْتَتِنْ بِهِ. ولِهَذا يُقالُ لَهم وقْتَ عَذابِهِمْ بِالنّارِ وفِتْنَتِهِمْ بِها: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْذِيبُكم. وحَقِيقَتُهُ: ذُوقُوا نِهايَةَ فِتْنَتِكم وغايَتَها ومَصِيرَ أمْرِها، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] وكَما فَتَنُوا عِبادَهُ عَنِ الشِّرْكِ، فُتِنُوا عَلى النّارِ وقِيلَ لَهُمْ: (p-٥٤٤)﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠] فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ - هُنا - بِتَعْذِيبِهِمُ المُؤْمِنِينَ وإحْراقِهِمْ إيّاهم بِالنّارِ، واللَّفْظُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. وحَقِيقَتُهُ، عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ. فَهَذِهِ الفِتْنَةُ المُضافَةُ إلى المُشْرِكِينَ. وأمّا الفِتْنَةُ الَّتِي يُضِيفُها اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ ويُضِيفُها رَسُولُهُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] وقَوْلِ مُوسى: ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فَتِلْكَ بِمَعْنًى آخَرَ، وهي بِمَعْنى الِامْتِحانِ والِاخْتِبارِ والِابْتِلاءِ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، بِالنِّعَمِ والمَصائِبِ. فَهَذِهِ لَوْنٌ، وفِتْنَةُ المُشْرِكِينَ لَوْنٌ. وفِتْنَةُ المُؤْمِنِ في مالِهِ ووَلَدِهِ وجارِهِ لَوْنٌ آخَرُ. والفِتْنَةُ الَّتِي يُوقِعُها بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ كالفِتْنَةِ الَّتِي أوْقَعَها بَيْنَ أصْحابِ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ، وبَيْنَ أهْلِ الجَمَلِ وصِفِّينَ، وبَيْنَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَتَقاتَلُوا ويَتَهاجَرُوا - لَوْنٌ آخَرُ - وهي الفِتْنَةُ الَّتِي قالَ فِيها مُحَمَّدٌ ﷺ: ««سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فِيها خَيْرٌ (p-٥٤٥)مِنَ الماشِي، والماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السّاعِي....»» . وأحادِيثُ الفِتْنَةِ - الَّتِي أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيها بِاعْتِزالِ الطّائِفَتَيْنِ - هي هَذِهِ الفِتْنَةُ. وقَدْ تَأْتِي الفِتْنَةُ مُرادًا بِها المَعْصِيَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] يَقُولُهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ لَمّا نَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ، يَقُولُ: ائْذَنْ لِي في القُعُودِ ولا تَفْتِنِّي بِتَعَرُّضِي لِبَناتِ الأصْفَرِ، فَإنِّي لا أصْبِرُ (p-٥٤٦)عَنْهُنَّ..!
قالَ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] أيْ: وقَعُوا في فِتْنَةِ النِّفاقِ وفَرُّوا إلَيْها مِن فِتْنَةِ بَناتِ الأصْفَرِ.
والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَكَمَ بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ بِالعَدْلِ والإنْصافِ، ولَمْ يُبْرِئْ أوْلِياءَهُ مِنِ ارْتِكابِ الإثْمِ بِالقَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، بَلْ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ كَبِيرٌ، وأنَّ ما عَلَيْهِ أعْداؤُهُ المُشْرِكُونَ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن مُجَرَّدِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَهم أحَقُّ بِالذَّمِّ، والعَيْبِ والعُقُوبَةِ، لا سِيَّما أوْلِياؤُهُ. كانُوا مُتَأوِّلِينَ في قِتالِهِمْ ذَلِكَ، أوْ مُقَصِّرِينَ نَوْعَ تَقْصِيرٍ يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَهم. في جَنْبِ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعاتِ والهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِهِ وإيثارِ ما عِنْدَ اللَّهِ، فَهم كَما قِيلَ:
؎وإذا الحَبِيبُ أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ ∗∗∗ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِألْفِ شَفِيعِ
فَكَيْفَ يُقاسُ بِبَغِيضِ عَدُوٍّ جاءَ بِكُلِّ قَبِيحٍ ولَمْ يَأْتِ بِشَفِيعٍ واحِدٍ مِنَ المَحاسِنِ؟!.
تَنْبِيهٌ:
اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ: حُرْمَةُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ هَلْ بَقِيَ أمْ نُسِخَ؟!.
قالَ ابْنُ القِيَمِ في " زادِ المَعادِ " في الفَصْلِ الَّذِي عَقَدَهُ: لَمّا كانَ في غَزْوَةِ خَبِيرَ مِنَ الأحْكامِ الفِقْهِيَّةِ. ما نَصُّهُ: مِنها مُحارَبَةُ الكُفّارِ ومُقاتَلَتُهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ. فَمَكَثَ بِها ثُمَّ سارَ إلى خَيْبَرَ في المُحَرَّمِ كَذَلِكَ. قالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوانَ والمِسْوَرِ، وكَذَلِكَ قالَ الواقِدِيُّ: خَرَجَ في أوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ. ولَكِنْ في الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ. فَإنَّ خُرُوجَهُ كانَ في أواخِرِ المُحَرَّمِ لا في أوَّلِهِ، وفَتْحُها إنَّما كانَ في صَفَرٍ. وأقْوى مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ بَيْعَةُ النَّبِيِّ ﷺ أصْحابَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ عَلى القِتالِ وأنْ لا يَفِرُّوا. وكانَتْ في ذِي القِعْدَةِ. ولَكِنْ لا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما بايَعَهم عَلى ذَلِكَ لَمّا بَلَغَهُ أنَّهم قَدْ قَتَلُوا عُثْمانَ وهم يُرِيدُونَ قِتالَهُ، فَحِينَئِذٍ بايَعَ الصَّحابَةَ. ولا خِلافَ في جَوازِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ دَفْعًا، وإنَّما الخِلافُ أنْ يُقاتَلَ فِيهِ ابْتِداءً. فالجُمْهُورُ جَوَّزُوهُ وقالُوا: تَحْرِيمُ القِتالِ فِيهِ مَنسُوخٌ، وهو مَذْهَبُ الأئِمَّةِ (p-٥٤٧)الأرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وذَهَبَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ وكانَ عَطاءٌ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما يَحِلُّ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ ولا نُسِخَ مِن تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ..! وأقْوى مِن هَذَيْنِ الِاسْتِدْلالَيْنِ، الِاسْتِدْلالُ بِحِصارِ النَّبِيِّ ﷺ لِلطّائِفِ. فَإنَّهُ خَرَجَ إلَيْها في أواخِرَ شَوّالَ فَحاصَرَهم بِضْعًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَبَعْضُها كانَ في ذِي القِعْدَةِ. فَإنَّهُ فَتَحَ مَكَّةَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِن رَمَضانَ، وأقامَ بِها بَعْدَ الفَتْحِ تِسْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ، فَخَرَجَ إلى هَوازِنَ وقَدْ بَقِيَ مِن شَوّالَ عِشْرُونَ يَوْمًا، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَوازِنَ وقَسَمَ غَنائِمَها. ثُمَّ ذَهَبَ مِنها إلى الطّائِفِ فَحاصَرُوهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَها في ذِي القِعْدَةِ بِلا شَكٍّ. وقَدْ قِيلَ: إنَّما حاصَرَهم بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. قالَ ابْنُ حَزْمٍ: وهو الصَّحِيحُ بِلا شَكٍّ. وهَذا عَجِيبٌ مِنهُ. فَمِن أيْنَ لَهُ هَذا التَّصْحِيحُ والجَزْمُ بِهِ..؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في قِصَّةِ الطّائِفِ قالَ: فَحاصَرْناهم أرْبَعِينَ يَوْمًا فاسْتَعْصَوْا وتَمَنَّعُوا، وذَكَرَ الحَدِيثَ. فَهَذا الحِصارُ وقَعَ في ذِي القِعْدَةِ بِلا رَيْبٍ. ومَعَ هَذا، فَلا دَلِيلَ في القِصَّةِ لِأنَّ غَزْوَ الطّائِفِ كانَ في تَمامِ غَزْوَةِ هَوازِنَ. وهم بَدَأُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالقِتالِ. ولَمّا انْهَزَمُوا دَخَلَ مَلِكُهم - وهو مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ - مَعَ ثَقِيفٍ في حِصْنِ الطّائِفِ. فَحارَبَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَكانَ غَزْوُهم مِن تَمامِ الغَزْوِ الَّتِي شُرِعَ فِيها، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ وهي مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ: (p-٥٤٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ [المائدة: ٢] وقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَهاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ. بَيْنَهُما في النُّزُولِ نَحْوُ ثَمانِيَةِ أعْوامٍ. ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ ناسِخٌ لِحُكْمِها. ولا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى نَسْخِهِ. ومَنِ اسْتَدَلَّ عَلى النَّسْخِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ونَحْوِها مِنَ العُمُوماتِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلى النَّسْخِ بِما لا يَدُلُّ. ومَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا عامِرٍ في سَرِيَّةٍ إلى أوْطاسَ في ذِي القِعْدَةِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِن تَمامِ الغَزْوَةِ الَّتِي بَدَأ فِيها المُشْرِكُونَ بِالقِتالِ ولَمْ يَكُنِ ابْتِداءٌ مِنهُ لِقِتالِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ.
﴿ولا يَزالُونَ﴾ - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ -: ﴿يُقاتِلُونَكُمْ﴾ - أيُّها المُؤْمِنُونَ -: ﴿حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ أيْ: يُرْجِعُوكم عَنْ دِينِكُمُ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ: ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ أيْ: قَدَرُوا عَلى رِدَّتِكم. وفِيهِ اسْتِبْعادٌ لِاسْتِطاعَتِهِمْ. فَهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَدُوِّهِ: إنْ ظَفَرْتَ بِي (p-٥٤٩)فَلا تُبْقِ عَلَيَّ. وهو واثِقٌ أنَّهُ لا يَظْفَرُ بِهِ. وجُمْلَةُ: ﴿ولا يَزالُونَ﴾ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أوْ مُعْتَرَضَةً. والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنهم وعَدَمُ المُبالاةِ بِمُوافَقَتِهِمْ في بَعْضِ الأُمُورِ، لِاسْتِحْكامِ عَداوَتِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى الفِتْنَةِ في الدِّينِ.
وفِي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّكم أحَقُّ بِأنْ لا تَزالُوا تُقاتِلُونَهُمْ، لِأنَّهم قاطِعُونَ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ وأنَّكم مَنصُورُونَ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ وهم مَخْذُولُونَ، ولا بُدَّ وإنْ طالَ المَدى؛ لِاعْتِمادِكم عَلى اللَّهِ واعْتِمادِهِمْ عَلى قُوَّتِهِمْ. ومَن وُكِلَ إلى نَفْسِهِ ضاعَ. فالأمْرُ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم أشَدُّ مِنَ الكَلامِ. فَيَنْبَغِي الِاسْتِعْدادُ لَهُ بِعِدَّتِهِ، والتَّأهُّبُ لَهُ بِأُهْبَتِهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُلْتَفَتَ إلى التَّأثُّرِ بِكَلامِهِمُ الَّذِي تُوحِيهِ إلَيْهِمُ الشَّياطِينُ طَعْنًا في الدِّينِ، وصَدًّا عَنِ السَّبِيلِ. أشارَ لِذَلِكَ البِقاعِيُّ. ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى عَنِ الِارْتِدادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ وهو الإسْلامُ. وبِناءُ صِيغَةِ الِافْتِعالِ مِنَ الرِّدَّةِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّكَلُّفِ، إشارَةٌ إلى أنَّ مَن باشَرَ دِينَ الحَقِّ يَبْعُدُ أنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، فَهو مُتَكَلِّفٌ في ذَلِكَ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: بَطَلَتْ جَمِيعُ مَساعِيهِمُ النّافِعَةُ لَهُمْ، ورُدَّتْ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ - إذْ يَرْفَعُ الأمانُ عَنْ أمْوالِهِمْ وأهْلِهِمْ -: ﴿والآخِرَةِ﴾ - إذْ يَسْقُطُ ثَوابُهُمْ، فَلا يُجْزَوْنَ ثَمَّةَ بِحَسَناتِهِمْ: {و } لا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ بَلْ: أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ أيْ: أهْلُ النّارِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ مُقِيمُونَ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ كَسائِرِ الكُفّارِ.
البقرة 2:218
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِحُرْمَةِ الشَّهْرِ في نَفْسِهِ وجَوازِ قِتالِ المُخْرِجِينَ أهْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنهُ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ تَرَكُوا مَكَّةَ وعَشائِرَهم إذْ أُخْرِجُوا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ: ﴿وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولَوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِلدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ﴾ وإنْ باشَرُوا القِتالَ (p-٥٥٠)فِي الشَّهْرِ الحَرامِ: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: جَنَّتَهُ عَلى إيمانِهِمْ وهِجْرَتِهِمْ وجِهادِهِمْ. وإنَّما ثَبَتَ لَهُمُ الرَّجاءُ دُونَ الفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْأجْرِ، وإنَّما هو عَلى طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ سُبْحانَهُ، لا لِأنَّ في فَوْزِهِمُ اشْتِباهًا: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةَ الشَّهْرِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ بِما تَجاوَزَ عَنْ قِتالِهِمْ، مَعَ قِيامِ دَلِيلِ الحُرْمَةِ فَلَمْ يُعاقِبْهم.
البقرة 2:219
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٩] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الخَمْرِ، عَلى ما قالَهُ ابْنُ عُمَرَ والشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ في المائِدَةِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ - لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ -: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ الآيَةَ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ (p-٥٥١)الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - إذا أقامَ الصَّلاةَ - نادى أنْ: لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا.
وحَقِيقَةُ الخَمْرِ: ما أسْكَرَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ورَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا وماتَ وهو يُدْمِنُها لَمْ يَتُبْ مِنها، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ»» .
وأمّا المَيْسِرُ: فَهو القِمارُ - بِكَسْرِ القافِ - مَصْدَرٌ مِن يَسَرَ - كالمَوْعِدِ والمَرْجِعِ مِن فِعْلِهِما. يُقالُ: يَسَرْتَهُ إذا قَمَرْتَهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ اليُسْرِ لِأنَّهُ أخْذُ مالِ الرَّجُلِ بِيُسْرٍ وسُهُولَةٍ مِن غَيْرِ كَدٍّ ولا تَعَبٍ، أوْ مِنَ اليَسارِ لِأنَّهُ سَلَبَ يَسارَهُ.
وصِفَتُهُ: أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ يُقالُ لَها الأزْلامُ والأقْلامُ وهِيَ:
الفَذُّ، والتَّوْأمُ، والرَّقِيبُ، والحِلْسُ - بِكَسْرِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ اللّامِ وكَكَتِفٍ - والنّافِسُ، والمُسْبِلُ - كَمُحْسِنٍ - والمُعَلّى - كَمُعَظَّمٍ، والمَنِيحُ - كَأمِيرٍ، والسَّفِيحُ - بِوَزْنِ ما قَبْلَهُ، والوَغْدُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مِن جَزُورٍ يَنْحَرُونَها ويُجَزِّئُونَها عَشَرَةَ أجْزاءٍ كَما قالَهُ أبُو عُمَرَ أوْ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا كَما قالَ الأصْمَعِيُّ وهو الأكْثَرُ، إلّا ثَلاثَةً مِنها وهي المَنِيحُ والسَّفِيحُ والوَغْدُ فَلا أنْصِباءَ لَها. وإنَّما يَكْثُرُ بِها القِداحُ كَراهَةَ التُّهْمَةِ. ولِبَعْضِهِمْ:
؎لِيَ في الدُّنْيا سِهامٌ لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ
؎وأسامِيهُنَّ: وغْدٌ ∗∗∗ وسَفِيحٌ ومَنِيحُ
(p-٥٥٢)فَلِلْفَذِّ سَهْمٌ - أيْ: فَرْضٌ واحِدٌ - ولِلتَّوْأمِ سَهْمانِ، ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةٌ، ولِلْحِلْسِ أرْبَعَةٌ ولِلنّافِسِ خَمْسَةٌ، ولِلْمُسْبِلِ سِتَّةٌ، ولِلْمُعَلّى سَبْعَةٌ، يَجْعَلُونَها في الرَّبابَةِ وهي خَرِيطَةٌ ويَضَعُونَها عَلى يَدَيْ عَدْلٍ، ثُمَّ يُجَلْجِلُها ويُدْخِلُ يَدَهُ فَيُخْرِجُ. بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ، قَدَحًا مِنها. فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المَوْسُومَ بِهِ ذَلِكَ القَدَحُ، ومَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِمّا لا نَصِيبَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وغَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ كُلَّهُ. وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ ولا يَأْكُلُونَ مِنها، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، ويَذُمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ويُسَمُّونَهُ: البَرَمَ بِفَتْحَتَيْنِ كَذا في " الكَشّافِ " بِزِيادَةٍ.
وفِي " القامُوسِ وشَرْحِهِ ": المَيْسِرُ: اللَّعِبُ بِالقِداحِ، أوْ هو الجَزُورُ الَّتِي كانُوا يَتَقامَرُونَ عَلَيْها، كانُوا إذا أرادُوا أنْ يُيَسِّرُوا اشْتَرَوْا جَزُورًا نَسِيئَةً ونَحَرُوهُ وقَسَمُوهُ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ قِسْمًا، أوْ عَشَرَةَ أقْسامٍ فَإذا خَرَجَ واحِدٌ واحِدٌ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ، ظَهَرَ فَوْزُ مَن خَرَجَ لَهم ذَواتُ الأنْصِباءِ وغَرِمَ مَن خَرَجَ لَهُ الغُفْلُ. وإنَّما سُمِّيَ الجَزُورُ مَيْسِرًا، لِأنَّهُ يُجَزَّأُ أجْزاءً. وكُلُّ شَيْءٍ جَزَّأْتَهُ فَقَدْ يَسَّرْتَهُ؛ ويَسَّرْتَ النّاقَةَ جَزَّأْتَ لَحْمَها، ويَسَرَّ القَوْمُ الجَزُورَ أيِ: اجْتَزَرُوها واقْتَسَمُوا أجْزاءَها. قالَ سُحَيْمُ بْنُ وُثَيْلٍ اليَرْبُوعِيُّ:
؎أقُولُ لَهم بِالشَّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَعْلَمُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ
كانَ وقَعَ عَلَيْهِ سِباءٌ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ بِالسِّهامِ. وقَوْلُهُ يَيْسِرُونَنِي هو مِنَ المَيْسِرِ، أيْ: يَجْزُونَنِي ويَقْتَسِمُونَنِي. وقالَلَبِيَدٌ:
؎واعْفِفْ عَنِ الجاراتِ ∗∗∗ وامْنَحْهُنَّ مَيْسِرَكَ السَّمِينا
فَجَعَلَ الجَزُورَ نَفْسَهُ مَيْسِرًا. ونَقَلَ الصّاغانِيُّ، أنَّ المَيْسِرَ: النَّرْدُ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. حَتّى لَعِبَ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ.
﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ - وقُرِئَ بِالمُثَلَّثَةِ - وذَلِكَ لِما فِيها مِنَ المُساوِي المُنابِذَةِ لِمَحاسِنِ الشَّرْعِ. مِنَ الكَذِبِ والشَّتْمِ وزَوالِ العَقْلِ واسْتِحْلالِ مالِ الغَيْرِ: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ (p-٥٥٣)دُنْيَوِيَّةٌ مِنَ اللَّذَّةِ والطَّرَبِ والتِّجارَةِ في الخَمْرِ. وإصابَةُ المالِ بِلا كَدٍّ في المَيْسِرِ. وفي تَقْدِيمِ بَيانِ إثْمِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ، وتَأْخِيرِ ذِكْرِ مَنافِعِهِ مَعَ تَخْصِيصِها بِالنّاسِ، مِنَ الدَّلائِلِ عَلى غَلَبَةِ الأوَّلِ - ما لا يَخْفى عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ أيِ: المَفاسِدُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى تَعاطِيهِما أعْظَمُ مِنَ الفَوائِدِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ. أيْ: لا تُوازِي مَضَرَّتَهُ ومَفْسَدَتَهُ الرّاجِحَةَ لِتَعَلُّقِها بِالعَقْلِ والدِّينِ. وفي هَذا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْها ما لا يَخْفى. ولِهَذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُمَهِّدَةً لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ عَلى البَتاتِ، ولَمْ تَكُنْ مُصَرِّحَةً بَلْ مُعَرِّضَةً؛ ولِهَذا، قالَ عُمَرُ لِما قُرِأتْ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا! حَتّى نَزَلَ التَّصْرِيحُ بِتَحْرِيمِها في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]
تَنْبِيهٌ:
ألَّفَ كَثِيرٌ مِن أعْلامِ الأطِبّاءِ والفَلاسِفَةِ مُؤَلَّفاتٍ خاصَّةً في مَضَرّاتِ المُسْكِراتِ.
ولَمْ تَزَلْ تُعْقَدُ في بَعْضِ مَمالِكِ النَّصارى مُؤْتَمَراتٌ دَوْلِيَّةٌ، تُدْعى إلَيْهِ نُوّابٌ مِن جَمِيعِ دُوَلِ العالَمِ الكَبِيرَةِ لِمُحارَبَةِ المُسْكِراتِ، وعِيافِها، وإعْلانِ تَأْثِيرِها في الأجْسادِ والعُقُولِ والأرْواحِ، وما يَنْشَأُ عَنْها مِنَ الخُسْرانِ المالِيِّ، ومِمّا قَرَّرَهُ خَمْسُونَ طَبِيبًا مِنهم هَذِهِ الجُمَلُ:
١ - إنَّ المُسْكِراتِ لا تَرْوِي الظَّمَأ بَلْ تَزِيدُهُ.
٢ - إنَّها لا تُفِيدُ شَيْئًا في قَضاءِ الأعْمالِ.
٣ - إنَّها تُوقِفُ النُّمُوَّ العَقْلِيَّ والجَسَدِيَّ في الأوْلادِ.
٤ - إنَّها تُضْعِفُ قُوَّةَ الإرادَةِ فَتُفْضِي إلى ارْتِكابِ المُوبِقاتِ، وتَجُرُّ إلى الفَقْرِ والشَّقاءِ.
٥ - هي مِنَ المُسَكِّناتِ كالبَنْجِ والإيثْرِ.
(p-٥٥٤)٦ - إنَّها تُعَدُّ لِلْأمْراضِ المُعْدِيَةِ.
٧ - إنَّها تُعَدُّ بِنَوْعٍ خاصٍّ لِلتَّدَرُّنِ والسُّلِّ.
٨ - إنَّها تَضُرُّ في ذاتِ الرِّئَةِ والحُمّى التَّيْفُودِيَّةِ أكْثَرَ مِمّا تَنْفَعُ.
٩ - إنَّها تُقَرِّبُ النِّهايَةَ المُحْزِنَةَ في الأمْراضِ الَّتِي تَنْتَهِي بِالمَوْتِ، وتُطِيلُ مُدَّةَ الشِّفاءِ في الأمْراضِ الَّتِي تَنْتَهِي بِالصِّحَّةِ.
١٠ - إنَّها تُعَدُّ لِضَرْبَةِ الشَّمْسِ والرَّعْنِ في أيّامِ الحَرِّ.
١١ - إنَّها تُسْرِعُ بِإنْفاقِ الحَرارَةِ في أيّامِ البَرْدِ.
١٢ - إنَّها تُغَيِّرُ مادَّةَ القَلْبِ والأوْعِيَةِ الدَّمَوِيَّةِ.
١٣ - إنَّها كَثِيرًا ما تُسَبِّبُ التِهابَ الأعْصابِ، والآلامَ المُبَرِّحَةَ.
١٤ - إنَّها تُسْرِعُ بِحُوَيْصِلاتِ الجِسْمِ إلى الهَدْمِ.
١٥ - إنَّ المِقْدارَ العَظِيمَ الَّذِي يَتَناوَلُهُ أصْحابُ الأعْمالِ الجَسَدِيَّةِ مِن أشْرِبَتِها هو سَبَبُ شَقائِهِمْ وفَقْرِهِمْ وذَهابِ صِحَّتِهِمْ.
١٦ - إنَّ الِامْتِناعَ عَنْها مِمّا يَقْضِي إلى صِحَّةِ وسَعادَةِ الجِنْسِ البَشَرِيِّ.
﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يَتَصَدَّقُونَ بِهِ مِن أمْوالِهِمْ: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ وهو ما يَفْضُلُ عَنِ النَّفَقَةِ، أيِ: الفاضِلُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّجاوُزُ عَنْهُ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ»» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جابِرٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْها، فَإنْ فَضْلَ (p-٥٥٥)شَيْءٌ فَلِأهْلِكَ، فَإنْ فَضَلَ عَنْ أهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرابَتِكَ، فَإنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذا وهَكَذا»» .
ورَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: عِنْدِي دِينارٌ، قالَ: «أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ» . قالَ عِنْدِي آخَرُ، قالَ: «أنْفِقْهُ عَلى ولَدِكَ» . قالَ: عِنْدِي آخَرُ، قالَ: «أنْفِقْهُ عَلى أهْلِكَ» . قالَ: عِنْدِي آخَرُ، قالَ: «أنْفِقْهُ عَلى خادِمِكَ» . قالَ: عِنْدِي آخَرُ، قالَ: «أنْتَ أعْلَمُ»» .
﴿كَذَلِكَ﴾ - أيْ: كَما بُيِّنَ لَكم ما ذُكِرَ -: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الأمْرَ والنَّهْيَ وهَوانَ الدُّنْيا: ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾
البقرة 2:220
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٠] ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿فِي الدُّنْيا﴾ أنَّها فانِيَةٌ - والآخِرَةِ - أنَّها باقِيَةٌ، وفي أُمُورِهِما لِتُصْلِحُوها ولا تَتَحَمَّلُوا مُفْسِداتِهِما، فَلا تَتْرُكُوا اللَّذائِذَ الباقِيَةَ لِلَّذائِذِ الفانِيَةِ.
(p-٥٥٦)﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فَجَعَلَ يُفَضَّلُ لَهُ الشَّيْءُ مِن طَعامِهِ وشَرابِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسَدَ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ الآيَةَ فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِمْ وشَرابَهم بِشَرابِهِمْ». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ أيْ: مُداخَلَتُهم عَلى وجْهِ الإصْلاحِ لَهم ولِأمْوالِهِمْ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمْ. وإنَّما أُقِيمَ غايَةُ المُداخَلَةِ - أعْنِي الإصْلاحَ - مَقامَها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُداخَلَةٌ يَكُونُ تَرَتُّبُ الإصْلاحِ عَلَيْها ظاهِرًا، كَأنَّها عَيْنُ الإصْلاحِ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ تُعاشِرُوهم ولَمْ تُجانِبُوهُمْ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ فَهم إخْوانِكم في الدِّينِ - الَّذِي هو أقْوى مِنَ العَلاقَةِ النِّسْبِيَّةِ. ومِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ: المُخالَطَةُ بِالإصْلاحِ والنَّفْعِ.
قالَ الأصْبِهانِيُّ: وإذا كانَ هَذا في أمْوالِ اليَتامى واسِعًا، كانَ في غَيْرِهِمْ أوْسَعَ. وهو أصْلٌ شاهِدٌ لِما يَفْعَلُهُ الرِّفاقُ في الأسْفارِ. يُخْرِجُونَ النَّفَقاتِ بِالسَّوِيَّةِ، ويَتَبايَنُونَ في قِلَّةِ المَطْعَمِ وكَثْرَتِهِ.
(p-٥٥٧)﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ﴾ لِأمْوالِهِمْ: ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ لَها، فَيُجازِيهِ عَلى حَسَبِ مُداخَلَتِهِ، فاحْذَرُوهُ ولا تَتَحَرَّوْا غَيْرَ الإصْلاحِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ لَحَمَلَكم عَلى العَنَتِ - وهو المَشَقَّةُ - وأحْرَجَكُمْ، فَلَمْ يُطْلِقْ لَكم مُداخَلَتَهُمْ، ولا يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ عَلى ما أرادَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فاعِلٌ لِأفْعالِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الدّاعِيَةُ إلى بِناءِ التَّكْلِيفِ عَلى أساسِ الطّاقَةِ.
هَذا، وقَدْ حَمَلَ القاضِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ عَلى جِهاتِ المَصالِحِ والخَيْراتِ العائِدَةِ إلى الوَلِيِّ واليَتِيمِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا الكَلامُ يَجْمَعُ النَّظَرَ في صَلاحِ مَصالِحِ اليَتِيمِ بِالتَّقْوِيمِ والتَّأْدِيبِ وغَيْرِهِما لِكَيْ يَنْشَأ عَلى عِلْمٍ وأدَبٍ وفَضْلٍ، لِأنَّ هَذا الصُّنْعَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا فِيهِ مِن إصْلاحِ حالِهِ بِالتِّجارَةِ. ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا إصْلاحُ مالِهِ كَيْ لا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ مِن جِهَةِ التِّجارَةِ. ويَدْخُلُ أيْضًا مَعْنى قَوْلِهُ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ﴾ يَتَناوَلُ حالَ المُتَكَفِّلِ. أيْ: هَذا العَمَلُ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا في حَقِّ اليَتِيمِ. ويَتَناوَلُ حالَ اليَتِيمِ أيْضًا. أيْ: هَذا العَمَلُ خَيْرٌ لِلْيَتِيمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ صَلاحَ نَفْسِهِ وصَلاحَ مالِهِ. فَهَذِهِ الكَلِمَةُ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ مَصالِحِ اليَتِيمِ والوَلِيِّ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ هَكَذا» . وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى وفَرَّجَ بَيْنَهُما». ورَوى نَحْوَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا في صَحِيحِهِ.
البقرة 2:221
(p-٥٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢١] ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ أيْ: لا تَتَزَوَّجُوا الوَثَنِيّاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ تَعالى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا تَحْرِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَزَوَّجُوا المُشْرِكاتِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، ثُمَّ إنْ كانَ عُمُومُها مُرادًا، وأنَّهُ يَدْخُلُ فِيها كُلُّ مُشْرِكَةٍ مِن كِتابِيَّةٍ ووَثَنِيَّةٍ، فَقَدْ خَصَّ مِن ذَلِكَ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]
وقَدْ بَسَطَ العَلّامَةُ الرّازِيُّ هَهُنا الكَلامَ عَلى أنَّ لَفْظَ المُشْرِكِ هَلْ يَتَناوَلُ الكُفّارَ مِن أهْلِ الكِتابِ؟ فانْظُرْهُ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّ المُشْرِكَ لا يَتَناوَلُ الكِتابِيَّ، لِأنَّ آياتِ القُرْآنِ صَرِيحَةٌ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما. وعُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في مِثْلِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦] وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكَ هو مَن يَتَدَيَّنُ بِالشِّرْكِ. أيْ: يَكُونُ أصْلُ دِينِهِ الإشْراكَ، والكِتابِيُّ - وإنْ طَرَأ في دِينِهِ الشِّرْكُ - فَلَمْ يَكُنْ مِن أصْلِهِ وجَوْهَرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُواصَلَتِهِنَّ، وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِناتِ؛ أيْ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ مَعَ ما بِها مِن خَساسَةِ الرِّقِّ وقِلَّةِ الخَطَرِ؛ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ مَعَ ما لَها مِن شَرَفِ الحُرِّيَّةِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ. فَإنَّ نُقْصانَ الرِّقِّيَّةِ فِيها مَجْبُورٌ بِالإيمانِ الَّذِي هو أجَلُّ كِمالاتِ الإنْسانِ: ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكَةُ بِحُسْنِها ونَسَبِها (p-٥٥٩)وغَيْرِهِما. فَإنَّ نُقْصانَ الكُفْرِ لا يُجْبَرُ بِها: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ - مِنَ الإنْكاحِ، وهو التَّزْوِيجُ أيْ: لا تُزَوِّجُوا الكُفّارَ - بِأيِّ كُفْرٍ كانَ - مِنَ المُسْلِماتِ: ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ مَعَ ما بِهِ مِن ذُلِّ الرِّقِّيَّةِ: ﴿خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ بِداعِي الرَّغْبَةِ فِيهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّ ذَهابَ الكَفاءَةِ بِالكُفْرِ غَيْرُ مَجْبُورٍ بِشَيْءٍ مِنها. وأفْهَمَ هَذا خَيْرِيَّةُ الحُرَّةِ والحُرِّ المُؤْمِنَيْنِ مِن بابِ الأوْلى، مَعَ التَّشْرِيفِ العَظِيمِ لَهُما بِتَرْكِ ذِكْرِهِما، إعْلامًا بِأنَّ خَيْرِيَّتَهُما أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ وأنَّ المُفاضَلَةَ إنَّما هي بَيْنَ مَن كانُوا يُعِدُّونَهُ دَنِيًّا فَشَرَّفَهُ الإيمانُ، ومَن يَعُدُّونَهُ شَرِيفًا فَحَقَّرَهُ الكُفْرانُ. ولِذَلِكَ ذُكِرَ المَوْصُوفُ بِالإيمانِ في المَوْضِعَيْنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ - وإنْ كانَ دَنِيًّا - مَوْضِعُ التَّفْضِيلِ لِعُلُوِّ وصْفِهِ. وأثْبَتَ الوَصْفُ بِالشِّرْكِ في المَوْضِعَيْنِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّحْقِيرِ وإنْ عَلا في العُرْفِ مَوْصُوفُهُ - أفادَهُ البِقاعِيُّ.
ثُمَّ أشارَ إلى وجْهِ الحَظْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورُونَ مِنَ المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ: ﴿يَدْعُونَ﴾ مَن يُقارِنُهم ويُعاشِرُهُمْ: ﴿إلى النّارِ﴾ أيْ: إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ الكُفْرِ والفُسُوقِ؛ فَإنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ المُوافَقَةَ في المَطالِبِ والأغْراضِ، فَحَقُّهم أنْ لا يُوالُوا ولا يُصاهَرُوا..!: ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾ أيْ بِما يَأْمُرُ بِهِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ: ﴿إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾ أيِ: العَمَلِ المُؤَدِّي إلَيْهِما. وتَقْدِيمُ الجَنَّةِ هُنا عَلى المَغْفِرَةِ مَعَ سَبْقِها عَلَيْها، لِرِعايَةِ مُقابَلَةِ النّارِ ابْتِداءً: ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِأمْرِهِ: ﴿ويُبَيِّنُ آياتِهِ﴾ أمْرَهُ ونَهْيَهُ في التَّزْوِيجِ: ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِكَيْ يَتَّعِظُوا ويَنْتَهُوا عَنْ تَزْوِيجِ الحَرامِ، ويُوالُوا أوْلِياءَ اللَّهِ - وهُمُ المُؤْمِنُونَ - بِالمُعاشَرَةِ والمُصاهَرَةِ فَيَفُوزُوا بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الجَنَّةِ والغُفْرانِ.
هَذا وقَدْ قِيلَ: مَعْنى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾ وأوْلِياءُ اللَّهِ يَدْعُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ، حَيْثُ جَعَلَ فِعْلَهَمْ فِعْلَ نَفْسِهِ صُورَةً، ومَلْحَظُهُ رِعايَةُ المُقابَلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أعْداءُ اللَّهِ يَدْعُونَ إلى النّارِ، وأوْلِياءُ اللَّهِ (p-٥٦٠)يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ. إلّا أنَّ فِيهِ فَواتَ رِعايَةٍ تُناسِبُ الضَّمائِرَ، فَإنَّ الضَّمِيرَ في المَعْطُوفِ عَلى الخَبَرِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُبَيِّنُ﴾ لِلَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّاغِبُ: حَقِيقَةُ التَّذَكُّرِ، الِاسْتِذْكارُ عَنْ نِسْيانٍ أوْ غَفْلَةٍ لِما اشْتَبَهَ القَلْبُ. قالَ: إنْ قِيلَ: إلى أيِّ شَيْءٍ أشارَ بِهَذا التَّذَكُّرِ؟ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ رَكَّبَ فِينا بِالفِطْرَةِ مَعْرِفَتَهُ ومَعْرِفَةَ آلائِهِ. والإنْسانُ - بِاسْتِفادَةِ العِلْمِ - يَتَذَكَّرُ ما ذُكِرَ فِيهِ، فَهَذا مَعْنى التَّذَكُّرِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ قِيلَ: الرَّجاءُ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، بِمَعْنى أنَّهُ إذا رَجانا حَقَّقَ رَجانا. قالَ: وهَذِهِ مَسْألَةٌ لا يُمْكِنُ تَصَوُّرُها إنْ لَمْ نَبْلُغْها بِتَعاطِي هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي شَرَطَها اللَّهُ تَعالى. فَلِذَلِكَ صَعُبَ إدْراكُها لَنا.
البقرة 2:222
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٢] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ .
﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ وهو الدَّمُ الخارِجُ مِنَ الرَّحِمِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ. ويُسَمّى الحَيْضَ أيْضًا. أيْ: هَلْ يُسَبِّبُ ويَقْتَضِي مُجانَبَةَ مَسِّ مَن رَأتْهُ؟: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيِ: الحَيْضُ شَيْءٌ يُسْتَقْذَرُ ويُؤْذِي مَن يَقْرَبُهُ، نَفْرَةً مِنهُ وكَراهَةً لَهُ ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ أيْ: فاجْتَنِبُوا مُجامَعَتَهُنَّ في زَمَنِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أذًى﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي تَجَنُّبَهُ، كَأنْ قِيلَ: الحَيْضُ أذى وكُلُّ أذًى مُتَحاشى مِنهُ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَتَحَمَّلُ الأذى ولا يَراهُ مُحَرًّمًا، صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾
رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا حاضَتِ (p-٥٦١)المَرْأةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤاكِلُوها ولَمْ يُجامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ. فَسَألَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ» . فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقالُوا: ما يُرِيدُ هَذا الرَّجُلُ أنْ يَدَعَ مِن أمْرِنا شَيْئًا إلّا خالَفْنا فِيهِ! فَجاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقالا: يا رَسُولُ! إنَّ اليَهُودَ تَقُولُ كَذا وكَذا، فَلا نُجامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ظَنَنّا أنْ قَدْ وجَدَ عَلَيْهِما. فَخَرَجا فاسْتَقْبَلَتْهُما هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأرْسَلَ في آثارِهِما، فَسَقاهُما، فَعَرَفا أنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِما».
﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ تَأْكِيدٌ لِحُكْمِ الِاعْتِزالِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ عَدَمُ قُرْبانِهِنَّ، لا عَدَمُ القُرْبِ مِنهُنَّ، وكَنّى بِقُرْبانِهِنَّ، المَنهِيِّ عَنْهُ، عَنْ مُباضَعَتِهِنَّ. فَدَلَّ عَلى جَوازِ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ حِينَئِذٍ فِيما دُونَ الفَرَجِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا حائِضٌ».
وفِيهِما عَنْها أيْضًا قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ في حِجْرِي وأنا حائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ».
ورَوى مُسْلِمٌ عَنْها أيْضًا قالَتْ: «كُنْتُ أشْرَبُ وأنا حائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ (p-٥٦٢)فَيَضَعُ فاهُ عَلى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وأتَعَرَّقُ العَرْقَ وأنا حائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فاهُ عَلى مَوْضِعِ فِيَّ».
وفِي الصَّحِيحَيْنِ - واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ - عَنْ مَيْمُونَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُباشِرُ نِساءَهُ فَوْقَ الإزارِ وهُنَّ حُيَّضٌ».
وفِي لَفْظٍ لَهُ: «كانَ يَضْطَجِعُ مَعِي وأنا حائِضٌ وبَيْنِي وبَيْنَهُ ثَوْبٌ».
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ الِاعْتِزالِ. وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ: بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وبِسُكُونِ الطّاءِ وضَمِّ الهاءِ مُخَفَّفَةً. والقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ صَرِيحًا عَلى أنَّ غايَةَ حُرْمَةِ القُرْبانِ هو الِاغْتِسالُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ إلخ. والقِراءَةُ الثّانِيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الغايَةَ هو انْقِطاعُ الدَّمِ - بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ الطُّهْرَ انْقِطاعُ الدَّمِ، والتَّطَهُّرُ الِاغْتِسالُ - إلّا أنَّهُ لَمّا ضُمَّ إلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ صارَ المَجْمُوعُ هو الغايَةَ؛ وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لا تُكَلِّمْ فُلانًا حَتّى يَدْخُلَ الدّارَ، فَإذا طابَتْ نَفْسُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَكَلَّمَهُ! فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ إباحَةُ كَلامِهِ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ - لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ الأمْرَيْنِ - وجَبَ أنْ لا تَنْتَهِيَ هَذِهِ الحُرْمَةُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الأمْرَيْنِ، فَمَرْجِعُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ كَما بَيَّنّا.
وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ أسْماءَ سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ المَحِيضِ؟ فَقالَ: (p-٥٦٣)«تَأْخُذُ إحْداكُنَّ ماءَها وسِدْرَتَها فَتُطَهِّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلى رَأْسِها فَتُدَلِّكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسَها، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْها الماءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمْسِكَةً فَتُطَهِّرُ بِها - والفِرْصَةُ بِالكَسْرِ: قِطْعَةٌ مِن صُوفٍ أوْ قُطْنٍ أوْ غَيْرِهِ - تَتْبَعُ بِها أثَرَ الدَّمِ»» .
ثُمَّ آذَنَ تَعالى أنَّ التَّطَهُّرَ شَرْطٌ في إباحَةِ قُرْبانِهِنَّ، لا يَصِحُّ بِدُونِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: فَجامِعُوهُنَّ مِنَ المَكانِ الَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِتَجَنُّبِهِ في الحَيْضِ وهو القُبَلُ، ولا تَتَعَدُّوهُ إلى غَيْرِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ: ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ أيِ: المُتَنَزِّهَيْنِ عَنِ الفَواحِشِ والأقْذارِ، كَمُجامَعَةِ الحائِضِ والإتْيانِ فَيُغَيِّرُ المَأْتى. وفي ذِكْرِ التَّوْبَةِ إشْعارٌ بِمَساسِ الحاجَةِ إلَيْها - بِارْتِكابِ بَعْضِ النّاسِ لِما نُهُوا عَنْهُ - وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأمْرِ التَّطَهُّرِ.
البقرة 2:223
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٣] ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إذا أُتِيَتِ المَرْأةُ مِن دُبُرِها في قُبُلِها ثُمَّ حَمَلَتْ كانَ ولَدُها أحْوَلَ. قالَ: فَأنْزَلَتْ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾
(p-٥٦٤)وعِنْدَ مُسْلِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إنْ شاءَ مُجَبِّيَةً، وإنْ شاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ في صِمامٍ واحِدٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: هَذِهِ الزِّيادَةُ يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ مِن تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ، لِخُلُوِّها مِن رِوايَةِ غَيْرِهِ مِن أصْحابِ ابْنِ المُنْكَدِرِ، مَعَ كَثْرَتِهِمْ.
والمُجَبِّيَةُ كَمُلَبِّيَةٍ: المُنْكَبَّةُ عَلى وجْهِها، والصِّمامُ الواحِدُ: الفَرْجُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الحَرْثُ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، هَذا أصْلُهُ؛ والكَلامُ إمّا بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: مَواضِعُ حَرْثٍ، أوِ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مَحْرُوثاتٌ. وإنَّما شُبِّهْنَ بِذَلِكَ لِما بَيَّنَ ما يَلْقى في أرْحامِهِنَّ وبَيْنَ البُذُورِ مِنَ المُشابَهَةِ. مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما مادَّةٌ لِما يَحْصُلُ مِنهُ. ولَمّا عَبَّرَ تَعالى عَنْهُنَّ بِالحَرْثِ عَبَّرَ عَنْ مُجامَعَتِهِنَّ بِالإتْيانِ كَما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ: فَأْتُوهُنَّ كَما تَأْتُونَ أراضِيكُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تَحْرُثُوها مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، لا تَحْظَرُ عَلَيْكم جِهَةٌ دُونَ جِهَةٍ. والمَعْنى: جامِعُوهُنَّ مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ ولا تُبالُوا بِقَوْلِ اليَهُودِ. وفي تَخْصِيصِ الحَرْثِ بِالذِّكْرِ تَعْمِيمُ جَمِيعِ الكَيْفِيّاتِ المُوصِّلَةِ إلَيْهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] -: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] -: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ مِنَ الكِناياتِ اللَّطِيفَةِ، والتَّعْرِيضاتِ المُسْتَحْسَنَةِ. وهَذِهِ وأشْباهُها في كَلامِ اللَّهِ آدابٌ حَسَنَةٌ، عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَعَلَّمُوها، ويَتَأدَّبُوا بِها، ويَتَكَلَّفُوا مِثْلَها في مُحاوَرَتِهِمْ ومُكاتَبَتِهِمْ.
وقَدْ ورَدَ - في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ - رِوايَةٌ أُخْرى أخْرَجَها أبُو داوُدَ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ وهم أهْلُ وثَنٍ مَعَ هَذا الحَيِّ مِن يَهُودَ وهم أهْلُ كِتابٍ كانُوا يَرَوْنَ لَهم فَضْلًا عَلَيْهِمْ في العِلْمِ، فَكانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِن فِعْلِهِمْ. وكانَ مِن أمْرِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم لا يَأْتُونَ النِّساءَ إلّا عَلى حَرْفٍ، وذَلِكَ أسْتَرُ ما تَكُونُ المَرْأةُ. فَكانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ قَدْ أُخِذُوا بِذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ. وكانَ هَذا الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ (p-٥٦٥)يَشْرَحُونَ النِّساءَ شَرْحًا مُنْكَرًا، ويَتَلَذَّذُونَ مِنهُنَّ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ ومُسْتَلْقِياتٍ. فَلَمّا قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنهُمُ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ. فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِها ذَلِكَ فَأنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ وقالَتْ: إنَّما كُنّا نُؤْتى عَلى حَرْفٍ، فاصْنَعْ ذَلِكَ، وإلّا فاجْنُبْنِي، حَتّى سَرى أمْرُهُما. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ: مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ ومُسْتَلْقِياتٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ الوَلَدِ».
تَنْبِيهٌ:
ما ذَكَرْناهُ مِنَ الرِّواياتِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ.
وثَمَّةُ رِواياتٍ أُخَرَ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما أُنْزِلَتْ رُخْصَةً في إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ.
قالَ الطَّحاوِيُّ: رَوى أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ قالَ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا أقْتَدِي بِهِ في دِينِي يَشُكُّ أنَّهُ حَلالٌ يَعْنِي وطْءَ المَرْأةِ في دُبُرِها، ثُمَّ قَرَأ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: فَأيُّ شَيْءٍ أبْيَنُ مِن هَذا؟ هَذِهِ حِكايَةُ الطَّحاوِيِّ نَقَلَها ابْنُ كَثِيرٍ.
وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الرّافِعِيِّ: قالَ ابْنُ القاسِمِ: ولَمْ أُدْرِكْ أحَدًا أقْتَدِي بِهِ في دِينِي يَشُكُّ فِيهِ، والمَدَنِيُّونَ يَرْوُونَ فِيهِ الرُّخْصَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي سَعِيدٍ.
أمّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَلَهُ طُرُقٌ. رَواهُ عَنْهُ نافِعٌ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وسَعِيدُ بْنُ يَسارٍ، وغَيْرُهم.
أمّا نافِعٌ فاشْتُهِرَ عَنْهُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، مِنها: رِوايَةُ مالِكٍ، وأيُّوبَ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العُمَرِيِّ، وابْنِ أبِي ذِئْبٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وهِشامِ بْنِ سَعْدٍ، وعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نافِعٍ، وأبانَ بْنِ صالِحٍ، وإسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ.
قالَ الدّارَقُطْنِيُّ، في أحادِيثِ مالِكٍ الَّتِي رَواها خارِجَ المُوَطَّأِ: نا أبُو جَعْفَرٍ الأسْوانِيُّ المالِكِيُّ بِمِصْرَ. ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَمّادٍ. نا أبُو الحارِثِ أحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الفِهْرِيُّ نا أبُو ثابِتٍ (p-٥٦٦)مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنا الدَّراوَرْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ نافِعٍ قالَ: قالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أمْسِكْ عَلَيَّ المُصْحَفَ يا نافِعُ. فَقَرَأ حَتّى أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فَقالَ: تَدْرِي يا نافِعُ فِيمَن أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؟ قالَ: قُلْتُ: لا؟ قالَ، فَقالَ لِي: في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ أصابَ امْرَأتَهُ في دُبُرِها. فَأعْظَمَ النّاسُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ نافِعٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: مِن دُبُرِها في قُبْلِها؟ قالَ: لا. إلّا في دُبُرِها.
قالَ أبُو ثابِتٍ: وحَدَّثَنِي بِهِ الدَّراوُرْدِيُّ عَنْ مالِكٍ وابْنِ أبِي ذِئْبٍ. وفِيهِما عَنْ نافِعٍ مِثْلُهُ.
وفِي تَفْسِيرِ البَقَرَةِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ: حَدَّثَنا إسْحاقُ. حَدَّثَنا النَّضْرُ. حَدَّثَنا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نافِعٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى يَفْرَغَ مِنهُ. فَأخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ حَتّى انْتَهى إلى مَكانٍ، فَقالَ: تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ؟ فَقُلْتُ: لا! قالَ: نَزَلَتْ في كَذا وكَذا. ثُمَّ مَضى.
وعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ: حَدَّثَنِي أبِي - يَعْنِي عَبْدَ الوارِثِ - حَدَّثَنِي أيُّوبُ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قالَ: يَأْتِيها في... قالَ: ورَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، هَكَذا وقَعَ عِنْدَهُ.
والرِّوايَةُ الأُولى - في تَفْسِيرِ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ مِثْلُ ما ساقَ، لَكِنْ عَيَّنَ الآيَةَ وهِيَ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وعَيَّنَ قَوْلَهُ كَذا وكَذا. فَقالَ: نَزَلَتْ في إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ. وكَذا رَواهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. وأمّا رِوايَةُ عَبْدِ الصَّمَدِ فَهي في تَفْسِيرِ إسْحاقَ أيْضًا عَنْهُ، وقالَ فِيهِ: يَأْتِيها في الدُّبُرِ.
وأمّا رِوايَةُ مُحَمَّدٍ: فَأخْرَجَها الطَّبَرانِيُّ في " الأوْسَطِ " عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الأعْيَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ: إنَّما أُنْزِلَتْ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ رُخْصَةً في إتْيانِ الدُّبُرِ. وأخْرَجَها الحاكِمُ في " تارِيخِهِ " مِن طَرِيقِ عِيسى بْنِ مَثْرُودٍ عَنْ (p-٥٦٧)عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، ومِن طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ عَمّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نافِعٍ. ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ في " غَرائِبِ مالِكٍ " مِن طَرِيقِ زَكَرِيّا السّاجِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحارِثِ المَدَنِيِّ عَنْ أبِي مُصْعَبٍ. ورَواهُ الخَطِيبُ في " الرُّواةِ " عَنْ مالِكٍ مِن طَرِيقِ أحْمَدَ بْنِ الحَكَمِ العَبْدِيِّ. ورَواهُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ في " تَفْسِيرِهِ " والدّارَقُطْنِيُّ - أيْضًا - مِن طَرِيقِ إسْحاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الفَرَوِيِّ. ورَواهُ أبُو نُعَيْمٍ في " تارِيخِ أصْبَهانَ " مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الفَدَكِيِّ، كُلُّهم عَنْ مالِكٍ. قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: هَذا ثابِتٌ عَنْ مالِكٍ.
وأمّا زَيْدُ بْنُ أسْلَمٍ: فَرَوى النَّسائِيُّ والطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْهُ، عَنِ ابْنَ عُمَرَ: «أنَّ رَجُلًا أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ مِن ذَلِكَ وجْدًا شَدِيدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآيَةَ». وأمّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَرَوى النَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ عَنْهُ: أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ لا يَرى بِهِ بَأْسًا. مَوْقُوفٌ.
وأمّا سَعِيدُ بْنُ يَسارٍ: فَرَوى النَّسائِيُّ والطَّحاوِيُّ والطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ قالَ: قُلْتُ لِمالِكٍ: إنَّ عِنْدَنا بِمِصْرَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إنّا نَشْتَرِي الجَوارِيَ فَنُحَمِّضُ لَهُنَّ، والتَّحْمِيضُ: الإتْيانُ في الدُّبُرِ، فَقالَ: أُفٍّ! أوَيَفْعَلُ هَذا مُسْلِمٌ؟ قالَ ابْنُ القاسِمِ: فَقالَ لِي مالِكٌ: أشْهَدُ عَلى رَبِيعَةَ لَحَدَّثَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرَ عَنْهُ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ.
وأمّا حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ: فَرَوى أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في " تَفْسِيرِهِ " والطَّبَرِيُّ والطَّحاوِيُّ مِن طُرُقٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نافِعٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ رَجُلًا أصابَ امْرَأةً في دُبُرِها، فَأنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالُوا: أثْفَرَها! فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . ورَواهُ أُسامَةُ بْنُ أحْمَدَ التُّجِيبِيُّ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ أيُّوبَ عَنْ هِشامِ بْنِ سَعْدٍ، ولَفْظُهُ: كُنّا (p-٥٦٨)نَأْتِي النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ، ويُسَمّى ذَلِكَ: الإثْفارُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. ورَواهُ مِن طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسى عَنْ هُشامٍ - ولَمْ يُسَمِّ أبا سَعِيدٍ - قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ...
هَذا، وقَدْ رُوِيَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ آثارٌ كَثِيرَةٌ نَقَلَها الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في " تَفْسِيرِهِ "، وابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الرّافِعِيِّ. وكُلُّها مَعْلُولَةٌ.
ولِذا قالَ البَزّارُ: لا أعْلَمُ في هَذا البابِ حَدِيثًا صَحِيحًا، لا في الحَظْرِ ولا في الإطْلاقِ وكُلُّ ما رُوِيَ فِيهِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ مِن طَرِيقٍ فِيهِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ.
وكَذا رَوى الحاكِمُ عَنِ الحافِظِ أبِي عَلِيٍّ النَّيْسابُورِيِّ، ومِثْلُهُ عَنِ النَّسائِيِّ، وقالَهُ قَبْلَهُما البُخارِيُّ.
وحَكى ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَحْرِيمِهِ ولا في تَحْلِيلِهِ شَيْءٌ. والقِياسُ أنَّهُ حَلالٌ.
ورَوى أحْمَدُ بْنُ أُسامَةَ التُّجِيبِيُّ مِن طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسى قالَ: سَألْتُ مالِكًا عَنْهُ، فَقالَ: ما أعْلَمُ فِيهِ تَحْرِيمًا.
وقالَ ابْنُ رُشْدٍ في كِتابِ " البَيانِ والتَّحْصِيلِ في شَرْحِ العُتْبِيَّةِ " رَوى العُتْبِيُّ عَنِ ابْنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ لَهُ - وقَدْ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ مُخْلِيًا بِهِ - فَقالَ: حَلالٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ قالَ: قالَ الشّافِعِيُّ كَلامًا كَلَّمَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في مَسْألَةِ إتْيانِ المَرْأةِ في دُبُرِها، قالَ: سَألَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ فَقُلْتُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ المُكابَرَةَ وتَصْحِيحَ الرِّواياتِ - وإنْ لَمْ تَصِحَّ - فَأنْتَ أعْلَمُ، وإنْ تَكَلَّمْتَ بِالمُناصَفَةِ كَلَّمْتُكَ. قالَ: عَلى المُناصَفَةِ. قُلْتُ: فَبِأيِّ شَيْءٍ حُرْمَتُهُ؟ قالَ: بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقالَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ والحَرْثُ لا يَكُونُ إلّا في الفَرْجِ. قُلْتُ: أفَيَكُونُ مُحَرَّمًا لِما سِواهُ؟ قالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَما تَقُولُ لَوْ وطِئَها بَيْنَ ساقَيْها، أوْ في أعْكانِها، أوْ تَحْتَ إبِطِها، أوْ أخَذَتْ ذَكَرَهُ بِيَدِها، أوَفِي ذَلِكَ حَرْثٌ...؟ قالَ: لا! (p-٥٦٩)قُلْتُ: أفَيَحْرُمُ ذَلِكَ؟ قالَ: لا! قُلْتُ: فَلِمَ تَحْتَجُّ بِما لا حُجَّةَ فِيهِ؟ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] الآيَةَ.
قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ هَذا مِمّا يَحْتَجُّونَ بِهِ لِلْجَوازِ أنَّ اللَّهَ أثْنى عَلى مَن حَفِظَ فَرْجَهُ مِن غَيْرِ زَوْجَتِهِ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَقُلْتُ: أنْتَ تَتَحَفَّظُ مِن زَوْجَتِهِ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ. قالَ الحاكِمُ: لَعَلَّ الشّافِعِيَّ كانَ يَقُولُ بِذَلِكَ في القَدِيمِ. فَأمّا في الجَدِيدِ، فالمَشْهُورُ أنَّهُ حَرَّمَهُ. فَقَدْ رَوى الأصَمُّ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: قالَ الشّافِعِيُّ نَصَّ عَلى تَحْرِيمِهِ في سِتَّةِ كُتُبٍ مِن كُتُبِهِ... وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ الأصَمِّ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: قالَ الشّافِعِيُّ قالَ اللَّهُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ احْتَمَلَتِ الآيَةُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تُؤْتى المَرْأةُ مِن حَيْثُ شاءَ زَوْجُها، لِأنَّ: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ يَأْتِي بِمَعْنى أيْنَ شِئْتُمْ. ثانِيهُما: أنَّ الحَرْثَ إنَّما يُرادُ بِهِ النَّباتُ في مَوْضِعِهِ دُونَ ما سِواهُ. فاخْتَلَفَ أصْحابُنا في ذَلِكَ. فَأحْسَبُ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ تَأوَّلُوا ما وصَفْتُ مِنِ احْتِمالِ الآيَةِ. قالَ: فَطَلَبْنا الدَّلالَةَ مِنُ السُّنَّةِ، فَوَجَدْنا حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أحَدُهُما ثابِتٌ؛ وهو حَدِيثُ خُزَيْمَةَ في التَّحْرِيمِ. قالَ: فَأخَذْنا بِهِ.
وعَلَيْهِ، فَيَكُونُ الشّافِعِيُّ رَجَعَ عَنِ القَدِيمِ. وحَدِيثُ خُزَيْمَةَ. رَواهُ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ بِالسَّنَدِ إلى خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ: «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، فَقالَ: حَلالٌ. فَلَمّا ولّى الرَّجُلُ دَعاهُ - أوْ أمَرَ بِهِ فَدُعِيَ - فَقالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟ في أيِّ: الخَرَزَتَيْنِ؟ أمِن دُبُرِها في قُبُلِها؟ فَنَعَمْ! أمْ مِن دُبُرِها في دُبُرِها فَلا؟ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ. لا تَأْتُوا النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ»» .
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في " التَّلْخِيصِ الحَبِيرِ ": وفي إسْنادِهِ عَمْرُو بْنُ أُحَيْحَةَ وهو مَجْهُولُ الحالِ واخْتُلِفَ في إسْنادِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا. ثُمَّ قالَ الحافِظُ: وقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ: (p-٥٧٠)غَلِطَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في إسْنادِ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ - يَعْنِي حَيْثُ رَواهُ. وتَقَدَّمَ قَوْلُ البَزّارِ: وكُلُّ ما رُوِيَ فِيهِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، مِن طَرِيقٍ فِيهِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ.
وقالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ذَهَبَ أكْثَرُ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الرَّجُلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَأْتِيَها مَن قُبُلِها في قُبُلِها، وبَيْنَ أنْ يَأْتِيَها مِن دُبُرِها في قُبُلِها. فَقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ. ونَقَلَ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ تَجْوِيزُ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ. وهَذا قَوْلُ مالِكٍ. واخْتِيارُ السَّيِّدِ المُرْتَضى مِنَ الشِّيعَةِ. والمُرْتَضى رَواهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وبِالجُمْلَةِ: فَهَذا المَقامُ مِن مَعارِكِ الرِّجالِ، ومَجاوِلِ الأبْطالِ. وقَدِ اسْتُفِيدَ مِمّا أسْلَفْناهُ: أنَّ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ وقَفَ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ. فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ الحَرْثَ اسْمًا لِلْمَرْأةِ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي النِّساءَ حَرْثًا قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أكَلَ الجَرادُ حُرُوثَ قَوْمٍ فَحَرْثِي هَمُّهُ أكْلُ الجَرادِ
يُرِيدُ: امْرَأتِي، وقالَ آخَرُ:
؎إنَّما الأرْحامُ أرْضٌ ∗∗∗ ولَنا مُحْتَرِثاتُ
؎فَقَلَبْنا الزَّرْعَ فِيها ∗∗∗ وعَلى اللَّهِ النَّباتُ
وحِينَئِذٍ فَفي قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ إطْلاقٌ في إتْيانِهِنَّ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ. فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النِّزاعِ. واعْتُمِدَ أيْضًا مِن سَبَبِ النُّزُولِ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَما تَقَدَّمَ. وقالَ في رِوايَةِ جابِرٍ المَرْوِيَّةِ في " الصَّحِيحِ " المُتَقَدِّمَةِ. إنَّ وُرُودَ العامِّ عَلى سَبَبٍ لا يَقْصُرُهُ عَلَيْهِ. وأجابَ عَنْ تَوْهِيمِ ابْنِ عَبّاسٍ لِابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ، المَرْوِيِّ في " سُنَنِ أبِي داوُدَ " بِأنَّ سَنَدَهُ لَيْسَ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ فَلا يُعارِضُهُ. فَيُقَدَّمُ الأصَحُّ سَنَدًا. ونَظَرَ إلى أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا البابِ حَدِيثٌ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في " فَتْحِ البارِيِّ ": ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ - كالبُخارِيِّ والذُّهْلِيِّ والبَزّارِ والنَّسائِيِّ وأبِي عَلِيٍّ النَّيْسابُورِيِّ - إلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.
(p-٥٧١)وأمّا مَن مَنَعَ ذَلِكَ: فَتَأوَّلَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ عَلى صِمامٍ واحِدٍ. ونَظَرَ إلى أنَّ الأحادِيثَ المَرْوِيَّةَ - مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ - بِالزَّجْرِ عَنْ تَعاطِيهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ في الصِّحَّةِ، إلّا أنَّ مَجْمُوعَها صالِحٌ لِلِاحْتِجاجِ بِهِ.
وقَدِ اسْتَقْصى الأحادِيثَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ، الحافِظُ الذَّهَبِيُّ في جُزْءٍ جَمَعَهُ في ذَلِكَ. وساقَ جُمْلَةً مِنها الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في " تَفْسِيرِهِ " وكَذا الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " وقَدْ هَوَّلَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - في شَأْنِهِ تَهْوِيلًا عَظِيمًا. فَقالَ في كِتابِهِ المَذْكُورِ، في الكَلامِ عَلى هَدْيِهِ ﷺ في الجِماعِ، ما نَصُّهُ:
وأمّا الدُّبُرُ، فَلَمْ يُبَحْ قَطُّ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ. ومَن نَسَبَ إلى بَعْضِ السَّلَفِ إباحَةَ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ساقَ أخْبارَ النَّهْيِ عَنْهُ - وقالَ بَعْدُ: وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ الوَطْءِ في دُبُرِها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إنَّما أباحَ إتْيانَها في الحَرْثِ وهو مَوْضِعُ الوَلَدِ، لا في الحَشِّ الَّذِي هو مَوْضِعُ الأذى. ومَوْضِعُ الحَرْثِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآيَةَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ وإتْيانُها في قُبُلِها مِن دُبُرِها مُسْتَفادٌ مِنَ الآيَةِ أيْضًا لِأنَّهُ قالَ: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ: مِن أيْنَ شِئْتُمْ: مِن أمامٍ أوْ مِن خَلْفٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ يَعْنِي الفَرْجَ، وإذا كانَ اللَّهُ حَرَّمَ الوَطْءَ في الفَرْجِ لِأجْلِ الأذى العارِضِ، فَما الظَّنُّ بِالحَشِّ الَّذِي هو مَحَلُّ الأذى اللّازِمِ مَعَ زِيادَةِ المَفْسَدَةِ بِالتَّعَرُّضِ لِانْقِطاعِ النَّسْلِ والذَّرِيعَةِ القَرِيبَةِ جِدًّا مِن أدْبارِ النِّساءِ إلى أدْبارِ الصِّبْيانِ.
وأيْضًا، فَلِلْمَرْأةِ حَقٌّ عَلى الرَّجُلِ في الوَطْءِ، ووَطْؤُها في دُبُرِها يُفَوِّتُ حَقَّها، ولا يَقْضِي وطَرَها، ولا يَحْصُلُ مَقْصُودُها. وأيْضًا فَإنَّ الدُّبُرَ لَمْ يَتَهَيَّأْ لِهَذا العَمَلِ ولَمْ يَخْلُقْ لَهُ، وإنَّما الَّذِي هُيِّئَ لَهُ الفَرْجُ، فالعادِلُونَ عَنْهُ إلى الدُّبُرِ خارِجُونَ عَنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وشَرْعِهِ جَمِيعًا. وأيْضًا: فَإنَّ ذَلِكَ مُضِرٌّ بِالرَّجُلِ، ولِهَذا يَنْهى عَنْهُ عُقَلاءُ الأطِبّاءِ مِنَ الفَلاسِفَةِ وغَيْرِهِمْ، لِأنَّ لِلْفَرْجِ خاصِّيَّةً في اجْتِذابِ الماءِ المُحْتَقَنِ، وراحَةُ الرَّجُلِ مِنهُ. والوَطْءُ في الدُّبُرِ لا يُعِينُ عَلى اجْتِذابِ (p-٥٧٢)جَمِيعِ الماءِ ولا يَخْرُجُ كُلُّ المُحْتَقَنِ لِمُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ الطَّبِيعِيِّ... وأيْضًا يَضُرُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو إحْواجُهُ إلى حَرَكاتٍ مُتْعِبَةٍ جِدًّا لِمُخالَفَتِهِ لِلطَّبِيعَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ مَحَلُّ القَذَرِ والنُّجُوِّ، فَيَسْتَقْبِلُهُ الرَّجُلُ بِوَجْهِهِ ويُلابِسُهُ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يَضُرُّ بِالمَرْأةِ جِدًّا، لِأنَّهُ وارِدٌ غَرِيبٌ بَعِيدٌ عَنِ الطِّباعِ مُنافِرٌ لَها غايَةَ المُنافَرَةِ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يُحْدِثُ الهَمَّ والغَمَّ والنَّفْرَةَ عَنِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يُسَوِّدُ الوَجْهَ، ويُظْلِمُ الصَّدْرَ، ويَطْمِسُ نُورَ القَلْبِ، ويَكْسُو الوَجْهَ وحْشَةً تَصِيرُ عَلَيْهِ كالسِّيماءِ، يَعْرِفُها مَن لَهُ أدْنى فِراسَةٍ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يُوجِبُ النَّفْرَةَ والتَّباغُضَ الشَّدِيدَ والتَّقاطُعَ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، ولا بُدَّ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يُفْسِدُ حالَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ فَسادًا لا يَكادُ يُرْجى بَعْدَهُ صَلاحٌ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يُذْهِبُ بِالمَحاسِنِ مِنهُما ويَكْسُوهُما ضِدَّهُما. كَما يَذْهَبُ بِالمَوَدَّةِ بَيْنَهُما ويُبَدِّلُهُما بِها تَباغُضًا وتَلاعُنًا. وأيْضًا: فَإنَّهُ مِن أكْبَرِ أسْبابِ زَوالِ النِّعَمِ وحُلُولِ النِّقَمِ، فَإنَّهُ يُوجِبُ اللَّعْنَةَ والمَقْتَ مِنَ اللَّهِ، وإعْراضَهُ عَنْ فاعِلِهِ وعَدَمَ نَظَرِهِ إلَيْهِ، فَأيُّ خَيْرٍ يَرْجُوهُ بَعْدَ هَذا؟ وأيُّ شَرٍّ يَأْمَنُهُ؟ وكَيْفَ حَياةُ عَبْدٍ قَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ومَقْتُهُ، وأعْرَضَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ.
أقُولُ: أخَذَ هَذا ابْنُ القَيِّمِ مِن أحادِيثَ ورَدَتْ في لَعْنِ فاعِلِ ذَلِكَ، وعَدَمِ نَظَرِ الحَقِّ إلَيْهِ، بَيْدَ أنَّها ضَعِيفَةٌ.
(p-٥٧٣)ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وأيْضًا فَإنَّهُ يُذْهِبُ بِالحَياءِ جُمْلَةً، والحَياءُ هو حَياةُ القُلُوبِ، فَإذا فَقَدَها القَلْبُ اسْتَحْسَنَ القَبِيحَ واسْتَقْبَحَ الحَسَنَ، وحِينَئِذٍ فَقَدِ اسْتَحْكَمَ فَسادُهُ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يُحِيلُ الطِّباعَ عَمّا رَكَّبَها اللَّهُ، ويُخْرِجُ الإنْسانَ عَنْ طَبْعِهِ إلى طَبْعٍ لَمْ يُرَكِّبِ اللَّهُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الحَيَوانِ، بَلْ هو طَبْعٌ مَنكُوسٌ، وإذا نُكِسَ الطَّبْعُ انْتَكَسَ القَلْبُ والعَمَلُ والهُدى، فَيَسْتَطِيبُ حِينَئِذٍ الخَبِيثَ مِنَ الأعْمالِ والأفْعالِ والهَيْئاتِ، ويَفْسُدُ حالُهُ وعَمَلُهُ وكَلامُهُ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ. وأيْضًا فَإنَّهُ يُورِثُ مِنَ الوَقاحَةِ والجَراءَةِ ما لا يُورِثُهُ سِواهُ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يُورِثُ مِنَ المَهانَةِ والسَّفالِ والحَقارَةِ ما لا يُورِثُهُ غَيْرُهُ. وأيْضًا: فَإنَّهُ يَكْسُو العَبْدَ مِن حُلَّةِ المَقْتِ والبَغْضاءِ وازْدِراءِ النّاسِ لَهُ، واحْتِقارِهِمْ إيّاهُ، واسْتِصْغارِهِمْ لَهُ ما هو مُشاهَدٌ بِالحِسِّ. فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى مَن سَعادَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ في هَدْيِهِ واتِّباعِ ما جاءَ بِهِ، وهَلاكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ في مُخالَفَةِ هَدْيِهِ وما جاءَ بِهِ. اهـ.
ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الإذْنِ في قَضاءِ الشَّهْوَةِ، نَبِّهْ عَلى أنْ لا يَكُونَ المَرْءُ في قَيْدِها بَلْ في قَيْدِ الطّاعَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِتَنالُوا بِهِ الجَنَّةَ والكَرامَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فُلًّا تَجْتَرِئُوا عَلى المَعاصِي: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ صائِرُونَ إلَيْهِ فاسْتَعِدُّوا (p-٥٧٤)لِلِقائِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالثَّوابِ. وإنَّما حُذِفَ لِكَوْنِهِ كالمَعْلُومِ، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]
البقرة 2:224
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٤] ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ العُرْضَةُ بِضَمِّ العَيْنِ، فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ - كالقُبْضَةِ والغُرْفَةِ - وهي اسْمُ ما تَعْرِضُهُ دُونَ الشَّيْءِ، مِن عَرْضِ العُودِ عَلى الإناءِ. فَيَعْتَرِضُ دُونَهُ ويَصِيرُ حاجِزًا ومانِعًا مِنهُ. تَقُولُ: فُلانٌ عُرْضَةٌ دُونَ الخَيْرِ. وكانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْراتِ - مِن صِلَةِ رَحِمٍ، أوْ إصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، أوْ إحْسانٍ إلى أحَدٍ - ثُمَّ يَقُولُ: أخافُ اللَّهَ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي. فَيَتْرُكُ البِرَّ إرادَةَ البِرِّ في يَمِينِهِ. فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ أيْ: حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ. وسَمّى المَحْلُوفَ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ كَحَدِيثِ: ««مَن حَلِفَ عَلى يَمِينٍ»» الآتِي ذِكْرُهُ، أيْ: عَلى شَيْءٍ مِمّا يَحْلِفُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ: ﴿أيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أيْ: لِلْأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها الَّتِي هي البِرُّ والتَّقْوى والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ: الآيَةُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] والمَعْنى المُتَقَدِّمُ في الآيَةِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. ورَواهُ (p-٥٧٥)عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَجْعَلَنَّ اللَّهَ عُرْضَةً لِيَمِينِكَ أنْ لا تَصْنَعَ الخَيْرَ ولَكِنْ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ واصْنَعِ الخَيْرَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنِّي، واللَّهِ! إنْ شاءَ اللَّهُ، لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُها»» . ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن حَلِفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَفْعَلِ الَّذِي هو خَيْرٌ»» .
وفِي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وهو النَّهْيُ عَنِ الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ مَن أكْثَرَ ذِكْرَ شَيْءٍ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي فَقَدْ جَعَلَهُ عُرْضَةً لَهُ. يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ جَعَلْتَنِي عُرْضَةً لِلَوْمِكَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ولا تَجْعَلِينِي عُرْضَةً لِلْوائِمِ
(p-٥٧٦)وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعالى مَن أكْثَرَ الحَلِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] والعَرَبُ كانُوا يَمْدَحُونَ المَرْءَ بِالإقْلالِ مِنَ الحَلِفِ كَما قالَ كُثَيِّرٌ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألْيَةُ بَرَّتِ
والحِكْمَةُ في الأمْرِ بِتَقْلِيلِ الأيْمانِ: أنَّ مَن حَلَفَ في كُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ بِاللَّهِ، انْطَلَقَ لِسانُهُ بِذَلِكَ. ولا يَبْقى لِلْيَمِينِ في قَلْبِهِ وقْعٌ. فَلا يُؤْمَنُ إقْدامُهُ عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ. فَيَخْتَلُّ ما هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ في اليَمِينِ. وأيْضًا، كُلَّما كانَ الإنْسانُ أكْثَرَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى كانَ أكْمَلَ في العُبُودِيَّةِ. ومِن كَمالِ التَّعْظِيمِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى أجَلَّ وأعْلى عِنْدِهِ مِن أنْ يَسْتَشْهِدَ بِهِ في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا﴾ فَهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ. أيْ: إرادَةُ أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا، لِأنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ، غَيْرُ مُعَظِّمٍ لَهُ، فَلا يَكُونُ بَرًّا مُتَّقِيًّا، ولا يَثِقُ بِهِ النّاسُ، فَلا يُدْخِلُونَهُ في وساطَتِهِمْ وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:225
(p-٥٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٥] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ .
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ أيْ: لا يُعاقِبُكم ولا يُلْزِمُكم بِما صَدَرَ مِنكم مِنَ الأيْمانِ اللّاغِيَةِ - إذا لَمْ تَقْصِدُوا هَتْكَ حُرْمَتِهِ - وهي الَّتِي لا يَقْصِدُها الحالِفُ، بَلْ تَجْرِي عَلى لِسانِهِ عادَةً مِن غَيْرِ تَعْقِيدٍ ولا قَصْدٍ إلَيْها. كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ: تَعَمَّدَتْهُ قُلُوبُكم فاجْتَمَعَ فِيهِ، مَعَ اللَّفْظِ، النِّيَّةُ. يَعْنِي: رَبْطَ القَلْبِ بِهِ لِفَواتِ تَعْظِيمِ أمْرِهِ، ولِهَتْكِ حُرْمَتِهِ بِنَقْضِ اليَمِينِ المَقْصُودَةِ.
رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ! أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومالِكٌ وأبُو داوُدَ، وهَذا لَفْظُ البُخارِيِّ.
وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَ هَذا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ. ولَفْظُ رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّما اللَّغْوُ في المُزاحَةِ والهَزْلِ وهو قَوْلُ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ! وبَلى واللَّهِ! فَذاكَ لا كَفّارَةَ فِيهِ. إنَّما الكَفّارَةُ فِيما عَقَّدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ لا يَفْعَلَهُ.
(p-٥٧٨)ويُرْوى في تَفْسِيرِ لَغْوِ اليَمِينِ: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّهُ، ثُمَّ يَظْهَرُ خِلافُهُ. ويُرْوى: أنْ يَحْلِفَ وهو غَضْبانُ: ويُرْوى غَيْرُ ذَلِكَ، كَما ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ، مُسْنَدَةً.
وقَدْ ظَهَرَ - لِلْفَقِيرِ - أنْ لا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، لِأنَّ كُلَّ ما لا عَقْدَ لِلْقَلْبِ مَعَهُ مِنَ الأيْمانِ فَهو لَغْوٌ بِأيِّ صُورَةٍ كانَتْ وحالَةٍ وقَعَتْ. فَكُلُّ ما رُوِيَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ فَهو مِمّا يَشْمَلُهُ اللَّغْوُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
والمُرادُ مِنَ المُؤاخَذَةِ: إيجابُ الكَفّارَةِ. كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةِ المائِدَةِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ يَعْنِي: لِعِبادِهِ فِيما لَغَوْا مِن أيْمانِهِمْ فَلَمْ يُؤاخِذْهم بِهِ: ﴿حَلِيمٌ﴾ يَعْنِي في تَرْكِ مُعاجَلَةِ أهْلِ العِصْيانِ بِالعُقُوبَةِ تَرَبُّصًا بِالتَّوْبَةِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ. فائِدَتُهُ الِامْتِنانُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وشُمُولُ مَغْفِرَتِهِ وإحْسانِهِ لَهم.
البقرة 2:226
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٦ - ٢٢٧] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُكْمِ الإيلاءِ، وهو لُغَةً: الِامْتِناعُ بِاليَمِينِ، وخُصَّ في عُرْفِ الشَّرْعِ: بِالِامْتِناعِ بِاليَمِينِ مِن وطْءِ الزَّوْجَةِ. ولِهَذا عَدّى فِعْلَهُ بِأداةِ مِن تَضْمِينًا لَهُ مَعْنى، يَمْتَنِعُونَ مِن نِسائِهِمْ: وهو أحْسَنُ مِن إقامَةِ " مِن " مَقامَ " عَلى ". وجَعَلَ سُبْحانَهُ لِلْأزْواجِ مُدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَمْتَنِعُونَ فِيها مِن نِسائِهِمْ بِالإيلاءِ، فَإذا مَضَتْ فَإمّا أنْ يَفِيءَ وإمّا أنْ يُطَلِّقَ.
(p-٥٧٩)وقَدِ اشْتُهِرَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنَّ الإيلاءَ إنَّما يَكُونُ في حالِ الغَضَبِ دُونَ الرِّضا، كَما وقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ نِسائِهِ وظاهِرُ القُرْآنِ مَعَ الجُمْهُورِ. وقَدْ تَناظَرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ورَجُلٌ آخَرُ. فاحْتَجَّ عَلى مُحَمَّدٍ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ بِالآيَةِ فَسَكَتَ. وقَدِ اتَّفَقَ الأئِمَّةُ عَلى أنَّ المَوْلى إذا فاءَ إلى المُواصَلَةِ لَزِمَتْهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُها هُنا؛ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ. فَعُمُومُ وُجُوبِ التَّكْفِيرِ ثابِتٌ عَلى حالِفٍ.
قالَ العَلّامَةُ صِدِّيقُ خانٍ في " تَفْسِيرِهِ ": اعْلَمْ أنَّ أهْلَ كُلِّ مَذْهَبٍ قَدْ فَسَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما يُطابِقُ مَذْهَبَهُمْ، وتَكَلَّفُوا بِما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ولا دَلِيلَ آخَرَ، ومَعْناها ظاهِرٌ واضِحٌ، وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأجَلَ لِمَن يُوَلِّي أيْ: يَحْلِفُ مِنِ امْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ قالَ مُخْبِرًا لِعِبادِهِ بِحُكْمِ هَذا المُولِي بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا إلى بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ واسْتِدامَةِ النِّكاحِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لا يُؤاخِذُهم بِتِلْكَ اليَمِينِ، بَلْ يَغْفِرُ لَهم ويَرْحَمُهم؛ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] أيْ: وقَعَ العَزْمُ مِنهم عَلَيْهِ والقَصْدُ لَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] لِذَلِكَ مِنهُمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] بِهِ. فَهَذا مَعْنى الآيَةِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ. فَمَن حَلِفَ أنْ لا يَطَأُ امْرَأتَهُ - ولَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ، أوْ قَيَّدَ بِزِيادَةٍ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ - كانَ عَلَيْنا إمْهالُهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. فَإذا مَضَتْ فَهو بِالخِيارِ: إمّا رَجَعَ إلى نِكاحِ امْرَأتِهِ، وكانَتْ زَوْجَتَهُ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ كَما كانَتْ زَوْجَتَهُ قَبْلَها، أوْ طَلَّقَها، وكانَ لَهُ حُكْمُ المُطَلِّقِ لِامْرَأتِهِ ابْتِداءً. وأمّا إذا وقَّتَ بِدُونِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ: فَإنْ أرادَ (p-٥٨٠)أنْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ اعْتَزَلَ امْرَأتَهُ الَّتِي حَلَفَ مِنها حَتّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ آلى مِن نِسائِهِ شَهْرًا. فَإنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ حَتّى مَضى الشَّهْرُ. وإنْ أرادَ أنْ يَطَأ امْرَأتَهُ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي هي دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَنِثَ في يَمِينِهِ ولَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ. وكانَ مُمْتَثِلًا لِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ««مَن حَلِفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنهُ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»» .
قالَ الحَرالِيُّ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] تَهْدِيدٌ بِما يَقَعُ في الأنْفُسِ والبَواطِنِ مِنَ المَضارَّةِ والمُضاجَرَةِ بَيْنَ الأزْواجِ في أُمُورٍ لا تَأْخُذُها الأحْكامُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ إلى عِلْمِها الحُكّامُ، فَجَعَلَهم أُمَناءَ عَلى أنْفُسِهِمْ فِيما بَطَنَ وظَهَرَ. ولِذَلِكَ رَأى العُلَماءُ أنَّ الطَّلاقَ أمانَةٌ في أيْدِي الرِّجالِ، كَما أنَّ العَدَدَ والِاسْتِبْراءَ أمانَةٌ في أيْدِي النِّساءِ. فَلِذَلِكَ انْتَظَمَتْ آيَةُ تَرَبُّصِ المَرْأةِ في عِدَّتِها بِآيَةِ تَرَبُّصِ الزَّوْجِ في إيلائِهِ.
قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ وغَيْرُهم - في مُناسَبَةِ تَأْجِيلِ المُولِي بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ - الأثَرَ الَّذِي رَواهُ مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ قالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابٍ مِنَ اللَّيْلِ فَسَمِعَ امْرَأةً تَقُولُ:
؎تَطاوَلَ هَذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ وأرَّقَنِي إلّا خَلِيلَ أُلاعِبُهْ
؎فَواللَّهِ! لَوْلا اللَّهُ، أنِّي أُراقِبُهْ
؎لَحُرِّكَ مِن هَذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ
فَسَألَ عُمَرُ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كَمْ أكْثَرَ ما تَصْبِرُ المَرْأةُ عَنْ زَوْجِها؟ فَقالَتْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ أوْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ. فَقالَ عُمَرُ: لا أحْبِسُ أحَدًا مِنَ الجُيُوشِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ السّائِبِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ وكانَ قَدْ أدْرَكَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ حَدِيثَ عُمَرَ أنَّهُ خَرَجَ ذاتَ لَيْلَةٍ يَطُوفُ بِالمَدِينَةِ وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا إذْ مَرَّ بِامْرَأةٍ مِن نِساءِ العَرَبِ مُغْلِقَةً بابَها تَقُولُ:(p-٥٨١)
؎تَطاوُلَ هَذا اللَّيْلُ وازْوَرَّ جانِبُهْ ∗∗∗ وأرَّقَنِي إلّا ضَجِيعَ أُلاعِبُهْ
؎أُلاعِبُهُ طَوْرًا وطَوْرًا كَأنَّما ∗∗∗ بَدا قَمَرًا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حاجِبُهْ
؎يُسَرُّ بِهِ مَن كانَ يَلْهُو بِقُرْبِهِ ∗∗∗ لِطَيْفَ الحَشا لا يَحْتَوِيهِ أقارِبُهْ
؎فَواللَّهِ! لَوْلا اللَّهُ، لا شَيْءَ غَيْرُهُ ∗∗∗ لَنُقِّضَ مِن هَذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ
؎ولَكِنَّنِي أخْشى رَقِيبًا مُوَكَّلًا بِأنْفاسِنا، ∗∗∗ لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتِبُهْ
؎مَخافَةَ رَبِّي، والحَياءُ يَصُدُّنِي ∗∗∗ وإكْرامَ بَعْلِي، أنْ تُنالَ مَراكِبُهْ
ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ - كَما تَقَدَّمَ أوْ نَحْوَهُ - وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طَرْقٍ، وهو مِنَ المَشْهُوراتِ.
البقرة 2:227
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٦ - ٢٢٧] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُكْمِ الإيلاءِ، وهو لُغَةً: الِامْتِناعُ بِاليَمِينِ، وخُصَّ في عُرْفِ الشَّرْعِ: بِالِامْتِناعِ بِاليَمِينِ مِن وطْءِ الزَّوْجَةِ. ولِهَذا عَدّى فِعْلَهُ بِأداةِ مِن تَضْمِينًا لَهُ مَعْنى، يَمْتَنِعُونَ مِن نِسائِهِمْ: وهو أحْسَنُ مِن إقامَةِ " مِن " مَقامَ " عَلى ". وجَعَلَ سُبْحانَهُ لِلْأزْواجِ مُدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَمْتَنِعُونَ فِيها مِن نِسائِهِمْ بِالإيلاءِ، فَإذا مَضَتْ فَإمّا أنْ يَفِيءَ وإمّا أنْ يُطَلِّقَ.
(p-٥٧٩)وقَدِ اشْتُهِرَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنَّ الإيلاءَ إنَّما يَكُونُ في حالِ الغَضَبِ دُونَ الرِّضا، كَما وقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ نِسائِهِ وظاهِرُ القُرْآنِ مَعَ الجُمْهُورِ. وقَدْ تَناظَرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ورَجُلٌ آخَرُ. فاحْتَجَّ عَلى مُحَمَّدٍ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ بِالآيَةِ فَسَكَتَ. وقَدِ اتَّفَقَ الأئِمَّةُ عَلى أنَّ المَوْلى إذا فاءَ إلى المُواصَلَةِ لَزِمَتْهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُها هُنا؛ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ. فَعُمُومُ وُجُوبِ التَّكْفِيرِ ثابِتٌ عَلى حالِفٍ.
قالَ العَلّامَةُ صِدِّيقُ خانٍ في " تَفْسِيرِهِ ": اعْلَمْ أنَّ أهْلَ كُلِّ مَذْهَبٍ قَدْ فَسَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما يُطابِقُ مَذْهَبَهُمْ، وتَكَلَّفُوا بِما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ولا دَلِيلَ آخَرَ، ومَعْناها ظاهِرٌ واضِحٌ، وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأجَلَ لِمَن يُوَلِّي أيْ: يَحْلِفُ مِنِ امْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ قالَ مُخْبِرًا لِعِبادِهِ بِحُكْمِ هَذا المُولِي بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا إلى بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ واسْتِدامَةِ النِّكاحِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لا يُؤاخِذُهم بِتِلْكَ اليَمِينِ، بَلْ يَغْفِرُ لَهم ويَرْحَمُهم؛ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] أيْ: وقَعَ العَزْمُ مِنهم عَلَيْهِ والقَصْدُ لَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] لِذَلِكَ مِنهُمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] بِهِ. فَهَذا مَعْنى الآيَةِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ. فَمَن حَلِفَ أنْ لا يَطَأُ امْرَأتَهُ - ولَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ، أوْ قَيَّدَ بِزِيادَةٍ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ - كانَ عَلَيْنا إمْهالُهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. فَإذا مَضَتْ فَهو بِالخِيارِ: إمّا رَجَعَ إلى نِكاحِ امْرَأتِهِ، وكانَتْ زَوْجَتَهُ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ كَما كانَتْ زَوْجَتَهُ قَبْلَها، أوْ طَلَّقَها، وكانَ لَهُ حُكْمُ المُطَلِّقِ لِامْرَأتِهِ ابْتِداءً. وأمّا إذا وقَّتَ بِدُونِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ: فَإنْ أرادَ (p-٥٨٠)أنْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ اعْتَزَلَ امْرَأتَهُ الَّتِي حَلَفَ مِنها حَتّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ آلى مِن نِسائِهِ شَهْرًا. فَإنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ حَتّى مَضى الشَّهْرُ. وإنْ أرادَ أنْ يَطَأ امْرَأتَهُ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي هي دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَنِثَ في يَمِينِهِ ولَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ. وكانَ مُمْتَثِلًا لِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ««مَن حَلِفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنهُ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»» .
قالَ الحَرالِيُّ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] تَهْدِيدٌ بِما يَقَعُ في الأنْفُسِ والبَواطِنِ مِنَ المَضارَّةِ والمُضاجَرَةِ بَيْنَ الأزْواجِ في أُمُورٍ لا تَأْخُذُها الأحْكامُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ إلى عِلْمِها الحُكّامُ، فَجَعَلَهم أُمَناءَ عَلى أنْفُسِهِمْ فِيما بَطَنَ وظَهَرَ. ولِذَلِكَ رَأى العُلَماءُ أنَّ الطَّلاقَ أمانَةٌ في أيْدِي الرِّجالِ، كَما أنَّ العَدَدَ والِاسْتِبْراءَ أمانَةٌ في أيْدِي النِّساءِ. فَلِذَلِكَ انْتَظَمَتْ آيَةُ تَرَبُّصِ المَرْأةِ في عِدَّتِها بِآيَةِ تَرَبُّصِ الزَّوْجِ في إيلائِهِ.
قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ وغَيْرُهم - في مُناسَبَةِ تَأْجِيلِ المُولِي بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ - الأثَرَ الَّذِي رَواهُ مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ قالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابٍ مِنَ اللَّيْلِ فَسَمِعَ امْرَأةً تَقُولُ:
؎تَطاوَلَ هَذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ وأرَّقَنِي إلّا خَلِيلَ أُلاعِبُهْ
؎فَواللَّهِ! لَوْلا اللَّهُ، أنِّي أُراقِبُهْ
؎لَحُرِّكَ مِن هَذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ
فَسَألَ عُمَرُ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كَمْ أكْثَرَ ما تَصْبِرُ المَرْأةُ عَنْ زَوْجِها؟ فَقالَتْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ أوْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ. فَقالَ عُمَرُ: لا أحْبِسُ أحَدًا مِنَ الجُيُوشِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ السّائِبِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ وكانَ قَدْ أدْرَكَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ حَدِيثَ عُمَرَ أنَّهُ خَرَجَ ذاتَ لَيْلَةٍ يَطُوفُ بِالمَدِينَةِ وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا إذْ مَرَّ بِامْرَأةٍ مِن نِساءِ العَرَبِ مُغْلِقَةً بابَها تَقُولُ:(p-٥٨١)
؎تَطاوُلَ هَذا اللَّيْلُ وازْوَرَّ جانِبُهْ ∗∗∗ وأرَّقَنِي إلّا ضَجِيعَ أُلاعِبُهْ
؎أُلاعِبُهُ طَوْرًا وطَوْرًا كَأنَّما ∗∗∗ بَدا قَمَرًا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حاجِبُهْ
؎يُسَرُّ بِهِ مَن كانَ يَلْهُو بِقُرْبِهِ ∗∗∗ لِطَيْفَ الحَشا لا يَحْتَوِيهِ أقارِبُهْ
؎فَواللَّهِ! لَوْلا اللَّهُ، لا شَيْءَ غَيْرُهُ ∗∗∗ لَنُقِّضَ مِن هَذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ
؎ولَكِنَّنِي أخْشى رَقِيبًا مُوَكَّلًا بِأنْفاسِنا، ∗∗∗ لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتِبُهْ
؎مَخافَةَ رَبِّي، والحَياءُ يَصُدُّنِي ∗∗∗ وإكْرامَ بَعْلِي، أنْ تُنالَ مَراكِبُهْ
ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ - كَما تَقَدَّمَ أوْ نَحْوَهُ - وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طَرْقٍ، وهو مِنَ المَشْهُوراتِ.
البقرة 2:228
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٨] ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
" ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ "، هَذا أمْرٌ لِلْمُطَلَّقاتِ بِأنْ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، أيْ: بِأنْ تَمْكُثَ إحْداهُنَّ بَعْدَ طَلاقِ زَوْجِها لَها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنَّ شاءَتْ. وأُرِيدَ بِالمُطَلَّقاتِ: المَدْخُولُ بِهِنَّ مِن ذَواتِ الأقْراءِ، لِما دَلَّتِ الآياتُ والأخْبارُ أنَّ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ خِلافُ ما ذُكِرَ. أمّا غَيْرُ المَدْخُولَةِ فَلا عِدَّةَ عَلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩] وأمّا الَّتِي لَمْ تَحُضْ فَعِدَّتُها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٨٢)﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وأمّا الحامِلُ فَعِدَّتُها وضْعُ الحَمْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى الإخْبارُ عَنْهُنَّ بِالتَّرَبُّصِ؟ قُلْتُ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، وأصْلُ الكَلامِ ولْيَتَرَبَّصِ المُطَلَّقاتُ، وإخْراجُ الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وإشْعارٌ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَلَقّى بِالمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِهِ. فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الأمْرَ بِالتَّرَبُّصِ. فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: " رَحِمَكَ اللَّهُ " أُخْرِجَ في صُورَةِ الخَبَرِ ثِقَةً بِالِاسْتِجابَةِ. كَأنَّما وُجِدَتِ الرَّحْمَةُ، فَهو يُخْبِرُ عَنْها. وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَأِ مِمّا زادَهُ أيْضًا فَضْلَ تَوْكِيدٍ. ولَوْ قِيلَ: ويَتَرَبَّصُ المُطَلَّقاتُ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الوَكادَةِ.. فَإنْ قُلْتُ: هَلّا قِيلَ: يَتَرَبَّصْنَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، كَما قِيلَ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وما مَعْنى ذِكْرُ الأنْفُسِ؟ قُلْتُ: في ذِكْرِ الأنْفُسِ تَهْيِيجٌ لَهُنَّ عَلى التَّرَبُّصِ وزِيادَةُ بَعْثٍ، لِأنَّ فِيهِ ما يَسْتَنْكِفْنَ مِنهُ فَيَحْمِلُهُنَّ عَلى أنْ يَتَرَبَّصْنَ. وذَلِكَ أنَّ أنْفُسَ النِّساءِ طَوامِحُ إلى الرِّجالِ. فَأُمِرْنَ أنْ يَقْمَعْنَ أنْفُسَهُنَّ ويُغَلِّبَنَّها عَلى الطُّمُوحِ ويُجْبِرَنَّها عَلى التَّرَبُّصِ.
و(القُرْءُ): مِنَ الأضْدادِ. يُطْلَقُ عَلى الحَيْضِ والطُّهْرِ. نَصَّ عَلَيْهِ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ: أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وعَمْرُو بْنُ العَلاءِ وغَيْرُهم. والبَحْثُ في تَرْجِيحِ أحَدِهِما طَوِيلُ الذَّيْلِ، اسْتَوْفاهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " فانْظُرْهُ. ولِمَن نَظَرَ إلى مَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ أنْ يَقُولَ: تَنْقَضِي العِدَّةُ بِثَلاثَةِ أطْهارٍ أوْ بِثَلاثِ حِيَضٍ. فَأيُّهُما اعْتَبَرَتْهُ المُعْتَدَّةُ خَرَجَتْ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ - أيِ: المُطَلَّقاتِ -: ﴿أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ (p-٥٨٣)مِنَ الحَيْضِ أوِ الوَلَدِ، اسْتِعْجالًا في العِدَّةِ أوْ إبْطالًا لِحَقِّ الزَّوْجِ في الرَّجْعَةِ: ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾ أيْ: إنْ جَرَيْنَ عَلى مُقْتَضى الإيمانِ بِهِ، المُخَوَّفِ مِن ذاتِهِ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ المُخَوَّفَ مِن جَزائِهِ. ودَلَّ هَذا عَلى أنَّ المَرْجِعَ في هَذا إلَيْهِنَّ، لِأنَّهُ أمْرٌ لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَتِهِنَّ، ويَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عَلى ذَلِكَ. فَرَدَّ الأمْرَ إلَيْهِنَّ، وتَوَعَّدْنَ فِيهِ لِئَلّا يُخْبِرْنَ بِغَيْرِ الحَقِّ. وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن جُعِلَ أمِينًا في شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ، فَأمْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ﴾ - أيْ: أزْواجُهُنَّ -: ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أيْ: بِرَجْعَتِهِنَّ، والكَلامُ في الرَّجْعِيَّةِ بِدَلِيلِ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أيْ: في زَمانِ التَّرَبُّصِ، وهي أيّامُ الأقْراءِ. أمّا إذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها، ولا تَحِلُّ لَهُ إلّا بِنِكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ ومَهْرٍ جَدِيدٍ. ولا خِلافَ في ذَلِكَ: ﴿إنْ أرادُوا﴾ أيْ: بِالرَّجْعَةِ: ﴿إصْلاحًا﴾ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ، وإحْسانًا إلَيْهِنَّ، ولَمْ يُرِيدُوا مَضارَّتَهُنَّ. وإلّا فالرَّجْعَةُ مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ ولَهُنَّ عَلى الرِّجالِ مِثْلُ ما لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ. فَلْيُؤَدِّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفِ. كَما ثَبَتَ في " صَحِيحِ مُسْلِمٍ ": عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ في حِجَّةِ الوَداعِ: «فاتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ. فَإنَّكم أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. ولَكم عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ»» .
(p-٥٨٤)وعَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنا عَلَيْهِ؟ قالَ: «أنْ تُطْعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ، ولا تَضْرِبَ الوَجْهَ، ولا تُقَبِّحَ، ولا تَهْجُرَ إلّا في البَيْتِ»» . رَواهُ أبُو داوُدَ وقالَ: مَعْنى لا تُقَبِّحْ: لا تَقُلْ قَبَّحَكِ اللَّهُ.
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ أنْ تَصُومَ وزَوْجُها شاهِدٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا تَأْذَنُ في بَيْتِهِ إلّا بِإذْنِهِ»» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعَنِ ابْنَ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ عَلى أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأةُ راعِيَةٌ عَلى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ. فَكُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا دَعا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ، وإنْ كانَتْ عَلى التَّنُّورِ»» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ.
(p-٥٨٥)وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَباتَ غَضْبانَ عَلَيْها، لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ»» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأُحِبُّ أنْ أتَزَيَّنَ لِلْمَرْأةِ كَما أُحِبُّ أنْ تَتَزَيَّنَ لِي، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾
تَنْبِيهٌ:
المَعْرُوفُ: ما عَرَفَتْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ ولَمْ تُنْكِرْهُ، مِمّا قَبِلَهُ العَقْلُ، ووافَقَ كَرَمَ النَّفْسِ، وأقَرَّهُ الشَّرْعُ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لا يَجِبُ عَلَيْها خِدْمَةُ زَوْجِها في عَجْنٍ وخُبْزٍ وطَبْخٍ ونَحْوِهِ، لِأنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنفَعَةُ البُضْعِ، فَلا يَمْلِكُ غَيْرَها مِن مَنافِعِها..! ولَكِنَّ مُفادَ الآيَةِ يَرُدُّ هَذا ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ المَعْرُوفِ مِن مِثْلِها لِمِثْلِهِ؛ وبِهِ أفْتى الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وِفاقًا لِلْمالِكِيَّةِ. وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو إسْحاقَ الجُوزَجانِيُّ، واحْتَجّا بِما رُوِيَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى عَلى ابْنَتِهِ فاطِمَةَ بِخِدْمَةِ البَيْتِ وعَلى ما كانَ خارِجًا مِنَ البَيْتِ مِن عَمَلٍ». رَواهُ الجُوزَجانِيُّ مِن طُرُقٍ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا عَلى وُجُوبِ إخْدامِها، إذا كانَ مِثْلُها لا يَخْدِمُ نَفْسَها.
﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أيْ: زِيادَةٌ في الحَقِّ وفَضِيلَةٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]
(p-٥٨٦)وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها»» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ عَصاهُ، حَكِيمٌ في أمْرِهِ وشَرْعِهِ.
البقرة 2:229
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٩] ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ الطَّلاقُ بِمَعْنى التَّطْلِيقِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. أيْ: عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ فِيهِ الرَّدَّ والرَّجْعَةَ مَرَّتانِ، أيِ: اثْنَتانِ، وإيثارُ ما ورَدَ بِهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَقَعا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لا دُفْعَةً واحِدَةً، وإنْ كانَ حُكْمُ الرَّدِّ ثابِتًا حِينَئِذٍ أيْضًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ رافِعَةٌ لِما كانَ عَلَيْهِ الأمْرُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ: مِن أنَّ الرَّجُلَ كانَ أحَقَّ بِرَجْعَةِ امْرَأتِهِ وإنْ طَلَّقَها مِائَةَ مَرَّةٍ ما دامَتْ في العِدَّةِ، فَلَمّا كانَ هَذا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى الزَّوْجاتِ، قَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ثَلاثِ طَلَقاتٍ، وأباحَ الرَّجْعَةَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، وأبانَها بِالكُلِّيَّةِ في الثّالِثَةِ، فَقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ.
(p-٥٨٧)قالَ الإمامُ أبُو داوُدَ في " سُنَنِهِ ": بابُ نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ. ثُمَّ أسْنَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها، وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا. فَنُسِخَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. ورَواهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النّاسُ والرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ما شاءَ أنْ يُطَلِّقَها وهي امْرَأتُهُ إذا ارْتَجَعَها وهي في العِدَّةِ وإنْ طَلَّقَها مِائَةَ مَرَّةٍ أوْ أكْثَرَ، حَتّى قالَ رَجُلٌ لِامْرَأتِهِ: واللَّهِ لا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِينَ مِنِّي ولا أُؤْوِيكِ أبَدًا..! قالَتْ: وكَيْفَ ذاكَ؟ قالَ: أُطَلِّقُكِ. فَكُلَّما هَمَّتْ عِدَّتُكِ أنْ تَنْقَضِيَ راجَعْتُكِ. فَذَهَبَتِ المَرْأةُ حَتّى دَخَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَأخْبَرَتْها، فَسَكَتَتْ عائِشَةُ حَتّى جاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأخْبَرَتْهُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. قالَتْ عائِشَةُ فاسْتَأْنَفَ النّاسُ الطَّلاقَ مُسْتَقْبَلًا. مَن كانَ طَلَّقَ ومَن لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ». ثُمَّ أسْنَدَ عَنْ عُرْوَةَ ولَمْ يَذْكُرْ عائِشَةَ، وقالَ: هو أصَحُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ: فالحُكْمُ بَعْدَ تَطْلِيقِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ: أنْ يُمْسِكَها بِمَعْرُوفٍ فَيُحْسِنَ صَحابَتَها؛ أوْ يُسَرِّحَها بِإحْسانٍ فَلا يَظْلِمُها مِن حَقِّها شَيْئًا، ولا يَذْكُرُها بَعْدَ المُفارَقَةِ بِسُوءٍ، ولا يُنَفِّرُ النّاسَ عَنْها.
قالَ الرّازِيُّ: الحِكْمَةُ في إثْباتِ حَقِّ الرَّجْعَةِ: أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ مَعَ صاحِبِهِ لا يَدْرِي أنَّهُ هَلْ تَشُقُّ عَلَيْهِ مُفارَقَتُهُ أوْ لا؟ فَإذا فارَقَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ. فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلْقَةَ الواحِدَةَ مانِعَةً مِنَ الرُّجُوعِ لَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ عَلى الإنْسانِ بِتَقْدِيرِ أنْ تَظْهَرَ المَحَبَّةُ بَعْدَ المُفارَقَةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ كَمالُ التَّجْرِبَةِ لا يَحْصُلُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ، فَلا جَرَمَ أثْبَتَ تَعالى حَقَّ المُراجَعَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ مَرَّتَيْنِ؛ وعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ جَرَّبَ الإنْسانُ نَفْسَهُ في تِلْكَ المُفارَقَةِ وعَرَفَ حالَ قَلْبِهِ في ذَلِكَ (p-٥٨٨)البابِ. فَإنْ كانَ الأصْلَحُ إمْساكَها راجَعَها وأمْسَكَها بِالمَعْرُوفِ. وإنْ كانَ الأصْلَحُ لَهُ تَسْرِيحَها سَرَّحَها عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. وهَذا التَّدْرِيجُ والتَّرْتِيبُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ بِعَبْدِهِ.
﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ - أيْ: أيُّها المُطَلِّقُونَ: ﴿أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ - مِنَ المَهْرِ وغَيْرِهِ -: ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما يَلْزَمُها مِن حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ -: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ: نَفْسَها عَنْ ضَرَرِهِ؛ أيْ: لا إثْمَ عَلى الزَّوْجِ في أخْذِ ما افْتَدَتْ بِهِ، ولا عَلَيْها في إعْطائِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في الخُلْعِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وكانَتْ زَوْجَتُهُ لا تُطِيقُهُ بُغْضًا. فَفي " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما أعِيبُ عَلَيْهِ في خُلُقٍ ولا دِينٍ. ولَكِنْ أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قالَتْ: نَعَمْ! قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وطَلِّقْها تَطْلِيقَةً»» . وقَدْ بَسَطَ طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ مَعَ أحْكامِ الخُلْعِ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ في " تَفْسِيرِهِ "، وكَذا شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " فَلْتَنْظُرْهُ ثَمَّةَ.
﴿تِلْكَ﴾ - أيِ: الأحْكامُ العَظِيمَةُ المُتَقَدِّمَةُ لِلطَّلاقِ والرَّجْعَةِ والخُلْعِ وغَيْرِها... -: ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ - شَرائِعُهُ -: ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ - بِالمُخالَفَةِ والرَّفْضِ -: ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ. وتَعْقِيبُ النَّهْيِ بِالوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ.
البقرة 2:230
(p-٥٨٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٠] ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ - أيْ: بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ -: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ - بِرَجْعَةٍ ولا بِنِكاحٍ جَدِيدٍ: ﴿مِن بَعْدُ﴾ - أيْ: - مِن بَعْدِ هَذا الطَّلاقِ -: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أيْ: حَتّى تَذُوقَ وطْءَ زَوْجٍ آخَرَ، وهي العُسَيْلَةُ الَّتِي صَرَّحَ بِها النَّبِيُّ ﷺ في نِكاحٍ صَحِيحٍ. وفي جَعْلِ هَذا غايَةً لِلْحَلِّ، زَجْرٌ لِمَن لَهُ غَرَضٌ ما في امْرَأتِهِ عَنْ طَلاقِها ثَلاثًا، لِأنَّ كُلَّ ذِي مُرُوءَةٍ يَكْرَهُ أنْ يَفْتَرِشَ امْرَأتَهُ آخَرُ.
فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ:
الأوَّلُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ ": حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ حَتّى يَطَأها الزَّوْجُ الثّانِي. ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أنَّ امْرَأةَ رِفاعَةَ القَرْظِيِّ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي. وإنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ القَرْظِيَّ، وإنَّ ما مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟ (p-٥٩٠)لا، حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»» . وفي " سُنَنِ النَّسائِيِّ ". عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««العُسَيْلَةُ الجِماعُ ولَوْ لَمْ يَنْزِلْ»» . وفِيها عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا فَيَتَزَوَّجُها الرَّجُلُ فَيُغْلِقُ البابَ ويُرْخِي السِّتْرَ ثُمَّ يُطَلِّقُها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها؟ قالَ: «لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ حَتّى يُجامِعَها الآخَرُ»» . فَتَضَمَّنَ هَذا الحُكْمُ أُمُورًا:
أحَدُها: أنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُ المَرْأةِ عَلى الرَّجُلِ: أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى جِماعِها.
الثّانِي: أنَّ إصابَةَ الزَّوْجِ الثّانِي شَرْطٌ في حِلِّها لِلْأوَّلِ، خِلافًا لِمَنِ اكْتَفى بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، فَإنَّ قَوْلَهُ مَرْدُودٌ بِالسُّنَّةِ الَّتِي لا مَرَدَّ لَها.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ الإنْزالُ بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الجِماعِ الَّذِي هو ذَوْقُ العُسَيْلَةِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ مُجَرَّدَ العَقْدِ المَقْصُودِ - الَّذِي هو نِكاحُ رَغْبَةٍ - كافِيًا، ولا اتِّصالَ الخَلْوَةِ بِهِ وإغْلاقَ الأبْوابِ وإرْخاءَ السُّتُورِ حَتّى يَتَّصِلَ بِهِ الوَطْءُ.... وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي مُجَرَّدُ عَقْدِ التَّحْلِيلِ الَّذِي لا غَرَضَ لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ فِيهِ سِوى صُورَةِ العَقْدِ وإحْلالُها لِلْأوَّلِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
فَإنَّهُ إذا كانَ عَقْدُ الرَّغْبَةِ المَقْصُودُ لِلدَّوامِ (p-٥٩١)غَيْرَ كافٍ حَتّى يُوجَدَ فِيهِ الوَطْءُ، فَكَيْفَ يَكْفِي عَقْدُ تَيْسٍ مُسْتَعارٍ لِيُحِلَّها، لا رَغْبَةَ لَهُ في إمْساكِها، وإنَّما هو عارِيَةٌ كَحِمارِ الفُرْسِ المُسْتَعارِ لِلضِّرابِ!.
وقالَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - قَبْلَ ذَلِكَ: وأمّا نِكاحُ المُحَلِّلِ، فَفي " التِّرْمِذِيِّ " و" المُسْنَدِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ««لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ»»، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفي " المُسْنَدِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ««لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلُ لَهُ»»، وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وفِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ. وفي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ" مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا أُخْبِرُكم بِالتَّيْسِ المُسْتَعارِ؟» قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: «هو المُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ»» . فَهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ مِن ساداتِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وقَدْ شَهِدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَعْنِهِ أصْحابَ التَّحْلِيلِ، وهُمُ المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ. وهَذا إمّا خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ فَهو خَبَرُ صِدْقٍ. وإمّا دُعاءٌ مُسْتَجابٌ قَطْعًا. وهَذا يُفِيدُ أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ المَلْعُونِ فاعِلُها. ولا فَرْقَ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ الحَدِيثِ وفُقَهائِهِمْ بَيْنَ اشْتِراطِ ذَلِكَ بِالقَوْلِ أوْ بِالتَّواطُؤِ والقَصْدِ. فَإنَّ القُصُودَ في العُقُودِ عِنْدَهم مُعْتَبَرَةٌ. والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. والشَّرْطُ المُتَواطَأُ عَلَيْهِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ المُتَعاقِدانِ كالمَلْفُوظِ عِنْدَهم. والألْفاظُ لا تُرادُ لِعَيْنِها بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى المَعانِي، فَإذا ظَهَرَتِ المَعانِي والمَقاصِدُ فَلا عِبْرَةَ بِالألْفاظِ، لِأنَّها وسائِلُ قَدْ تَحَقَّقَتْ غاياتُها فَتَرَتَّبَ عَلَيْها أحْكامُها.
(p-٥٩٢)وقَدْ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ: مِنها ما قَدَّمْناهُ، ومِنها ما رَواهُ الحاكِمُ في " مُسْتَدْرَكِهِ ": عَنْ نافِعٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ. فَسَألَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا فَتَزَوَّجَها أخٌ لَهُ، مِن غَيْرِ مُؤامَرَةٍ مِنهُ، لِيَحِلَّها لِأخِيهِ: هَلْ تَحِلُّ لِلْأوَّلِ؟ فَقالَ لا. إلّا نِكاحُ رَغْبَةٍ، كُنّا نُعِدُّ هَذا سِفاحًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخْرِجاهُ. ورَوى أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: لا أوُتى بِمُحَلِّلٍ ولا مُحَلَّلٍ لَهُ إلّا رَجَمْتُهُما. ورَوى البَيْهَقِيُّ: أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَفَعَ إلَيْهِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأةً لِيَحِلَّها لِزَوْجِها، فَفَرَّقَ بَيْنَهُما. وكَذا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وبِالجُمْلَةِ: فالتَّحْلِيلُ غَيْرُ جائِزٍ في الشَّرْعِ. ولَوْ كانَ جائِزًا لَمْ يُلْعَنْ فاعِلُهُ والرّاضِي بِهِ. وإذا كانَ لَعْنُ الفاعِلِ لا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمٍ فِعْلِهِ لَمْ تَبْقَ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ قَطُّ. وإذا كانَ هَذا الفِعْلُ حَرامًا غَيْرَ جائِزٍ في الشَّرِيعَةِ فَلَيْسَ هو النِّكاحَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ كَما أنَّهُ لَوْ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ بائِعَ الخَمْرِ لَمْ يَلْزَمْ مِن لَفْظِ بائِعٍ أنَّهُ قَدْ جازَ بَيْعُهُ وصارَ مِنَ البَيْعِ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] والأمْرُ ظاهِرٌ.
فَصْلٌ
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ ":
إلْزامُ الحالِفِ بِالطَّلاقِ والعَتاقِ، إذا حَنِثَ، بِطَلاقِ زَوْجَتِهِ وعِتْقِ عَبْدِهِ - مِمّا حَدَّثَ الإفْتاءُ بِهِ بَعْدَ انْقِراضِ عَصْرِ الصَّحابَةِ - فَلا يُحْفَظُ عَنْ صَحابِيٍّ في صِيغَةِ القَسَمِ إلْزامُ الطَّلاقِ بِهِ أبَدًا. وإنَّما المَحْفُوظُ إلْزامُ الطَّلاقِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ - الَّذِي قُصِدَ بِهِ الطَّلاقُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ - كَما في " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنْ نافِعٍ قالَ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأتِهِ البَتَّةَ إنْ خَرَجَتْ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ خَرَجَتْ (p-٥٩٣)فَقَدْ بانَتْ مِنهُ، وإنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. فَهَذا لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلاقِ المُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا. وأمّا مَن يَفْصِلُ بَيْنَ القِسْمِ المَحْضِ والتَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الوُقُوعُ، فَإنَّهُ يَقُولُ بِالآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الصَّحابَةِ كُلِّها في هَذا البابِ. فَإنَّهُ صَحَّ عَنْهُمُ الإفْتاءُ بِالوُقُوعِ في صُورٍ. وصَحَّ عَنْهم عَدَمُ الوُقُوعِ في صُورٍ. والصَّوابُ: ما أفْتَوْا بِهِ في النَّوْعَيْنِ. ولا يُؤْخَذُ بِبَعْضِ فَتاوِيهِمْ ويُتْرَكُ بَعْضُها. فَأمّا الوُقُوعُ: فالمَحْفُوظُ عَنْهم ما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وما رَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في رَجُلٍ قالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ فَعَلْتِ كَذا وكَذا فَهي طالِقٌ، فَفَعَلَتْهُ. قالَ: هي واحِدَةٌ وهو أحَقُّ بِها. عَلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وكَذَلِكَ ما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رَجُلٍ قالَ لِامْرَأتِهِ: هي طالِقٌ إلى سَنَةٍ. قالَ: يَتَمَتَّعُ بِها إلى سَنَةٍ. ومِن هَذا قَوْلُ أبِي ذَرٍّ لِامْرَأتِهِ وقَدْ ألَحَّتْ عَلَيْهِ في سُؤالِهِ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: إنْ عُدْتِ سَألْتِينِي فَأنْتِ طالِقٌ. فَهَذِهِ جَمِيعُ الآثارِ المَحْفُوظَةِ عَنِ الصَّحابَةِ في وُقُوعِ الطَّلاقِ المُعَلَّقِ. وأمّا الآثارُ عَنْهم في خِلافِهِ: فَصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وحَفْصَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فِيمَن حَلَفَتْ بِأنَّ كُلَّ مَمْلُوكٍ لَها حُرٌّ إنْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ عَبْدِها وبَيْنَ امْرَأتِهِ أنَّها تُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِها ولا تُفَرِّقُ بَيْنَهُما. رَواهُ الأثْرَمُ في " سُنَنِهِ " والجُوزَجانِيُّ في " المُتَرْجِمِ " والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ.
وقاعِدَةُ الإمامِ أحْمَدَ: أنَّ ما أفْتى بِهِ الصَّحابَةُ لا يَخْرُجُ عَنْهُ، إذا لَمْ يَكُنْ في البابِ شَيْءٌ يَدْفَعُهُ. فَعَلى أصْلِهِ الَّذِي بَنى مَذْهَبَهُ عَلَيْهِ، يَلْزَمُهُ القَوْلُ بِهَذا الأثَرِ لِصِحَّتِهِ وانْتِفاءِ عِلَّتِهِ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ - أُمَّيِ المُؤْمِنِينَ - أنَّهم جَعَلُوا في قَوْلِ لَيْلى بِنْتِ العَجْماءِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لَها حُرٌّ وكُلُّ مالٍ لَها هَدْيٌ وهي يَهُودِيَّةٌ ونَصْرانِيَّةٌ إنْ لَمْ تُطَلِّقِ امْرَأتَكَ،كَفّارَةَ يَمِينٍ واحِدَةً. وإذا صَحَّ هَذا عَنِ الصَّحابَةِ ولَمْ يُعْلَمْ لَهم مُخالِفٌ في قَوْلِ الحالِفِ: عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ فَعَلَ، أنَّهُ يَجْزِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، ولَمْ يَلْزَمُوهُ بِالعِتْقِ المَحْبُوبِ إلى اللَّهِ، فَأنْ لا يُلْزِمُوهُ بِالطَّلاقِ البَغِيضِ إلى اللَّهِ أوْلى وأحْرى. كَيْفَ وقَدْ أفْتى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ (p-٥٩٤)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحالِفُ بِالطَّلاقِ، أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ... ولَمْ يُعْرَفْ لَهُ في الصَّحابَةِ مُخالِفٌ؟ قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ إبْراهِيمِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ التَّيْمِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ بَرِيرَةَ الأنْدَلُسِيِّ في شَرْحِهِ لِأحْكامِ عَبْدِ الحَقِّ، البابِ الثّالِثِ في حُكْمِ اليَمِينِ بِالطَّلاقِ أوِ الشَّكِّ مِنهُ: وقَدْ قَدَّمْنا في كِتابِ الأيْمانِ اخْتِلافَ العُلَماءِ في اليَمِينِ بِالطَّلاقِ والعِتْقِ والمَشْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هَلْ يَلْزَمُ أمْ لا؟ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وشُرَيْحٌ وطاوُسٌ: لا يَلْزُمُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، ولا يُقْضى بِالطَّلاقِ عَلى مَن حَلَفَ بِهِ فَحَنِثَ. ولا يُعْرَفُ في ذَلِكَ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ - هَذا لَفْظُهُ بِعَيْنِهِ - فَهَذِهِ فَتْوى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الحَلِفِ بِالعِتْقِ والطَّلاقِ.
وقَدْ قَدَّمْنا فَتاوِيهم في وُقُوعِ الطَّلاقِ المُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ - ولا تَعارُضَ بَيْنَ ذَلِكَ - فَإنَّ الحالِفَ لَمْ يَقْصِدْ وُقُوعَ الطَّلاقِ وإنَّما قَصَدَ مَنعَ نَفْسِهِ بِالحَلِفِ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ.. إلى أنْ قالَ: وإذا دَخَلَتِ اليَمِينُ بِالطَّلاقِ في قَوْلِ الحالِفِ: أيْمانُ البَيْعَةِ تَلْزَمُنِي - وهي الأيْمانُ الَّتِي رَتَّبَها الحَجّاجُ - فَلِمَ لا تَكُونُ أوْلى بِالدُّخُولِ في لَفْظِ الأيْمانِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ؟ فَإنْ كانَتْ يَمِينُ الطَّلاقِ يَمِينًا شَرْعِيَّةً - بِمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَها - وجَبَ أنْ تُعْطى حُكْمَ الأيْمانِ. وإنْ لَمْ تَكُنْ يَمِينًا شَرْعِيَّةً كانَتْ باطِلَةً في الشَّرْعِ فَلا يَلْزَمُ الحالِفُ بِها شَيْءٌ، كَما صَحَّ عَنْ طاوُسٍ مِن رِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْهُ: لَيْسَ الحَلِفُ بِالطَّلاقِ شَيْئًا. وصَحَّ عَنْ عِكْرِمَةَ مِن رِوايَةِ سُنَيْدِ بْنِ داوُدَ في " تَفْسِيرِهِ " عَنْهُ: إنَّها مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ لا يَلْزَمُ بِها شَيْءٌ. وصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ - قاضِي عَلِيٍّ - وابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّها لا يَلْزَمُ بِها الطَّلاقُ. وهو مَذْهَبُ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وجَمِيعِ أصْحابِهِ. فَهَذِهِ أقْوالُ أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ ومَن بَعْدَهم. اهـ.
(p-٥٩٥)فَصْلٌ
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ - أيْضًا - في " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ ":
إنَّ المُطَلِّقَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وزَمَنِ أبِي بَكْرٍ، وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ، كانَ إذا جَمَعَ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ بِفَمٍ واحِدٍ جُعِلَتْ واحِدَةً. كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَرَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ" عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وسَنَتَيْنِ مِن خِلافَةِ عُمَرَ: طَلاقُ الثَّلاثِ واحِدَةٌ. فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: إنَّ النّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهم فِيهِ أناةٌ. فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ؛ فَأمْضاهُ عَلَيْهِمْ». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «طَلَّقَ رُكانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أخُو بَنِي مُطَّلِبٍ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْها حُزْنًا شَدِيدًا. قالَ: فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ طَلَّقَها؟ قالَ: طَلَّقَها ثَلاثًا، قالَ: فَقالَ: في مَجْلِسٍ واحِدٍ؟ قالَ نَعَمْ. قالَ: فَإنَّما تِلْكَ واحِدَةٌ فارْجِعْها إنْ شِئْتَ، قالَ: فَرَجَعَها». كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَرى: إنَّما الطَّلاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ. وقَدْ صَحَّحَ الإمامُ أحْمَدُ هَذا الإسْنادَ وحَسَّنَهُ. ثُمَّ إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ. أنَّ هَذا هو السُّنَّةُ، وأنَّهُ تَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذْ جَعَلَ الطَّلاقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وما كانَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَمْ يَمْلِكِ المُكَلَّفُ إيقاعَ كُلِّهِ جُمْلَةً واحِدَةً. كاللَّعّانِ فَإنَّهُ لَوْ قالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أرْبَعَ شَهاداتٍ إنِّي لِمَنَ الصّادِقِينَ، كانَ مَرَّةً واحِدَةً. ولَوْ حَلَفَ في القَسامَةِ وقالَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا إنَّ هَذا قاتِلُهُ، كانَ يَمِينًا واحِدَةً. ولَوْ قالَ المُقِرُّ بِالزِّنا: أنا أُقِرُّ أرْبَعَ مَرّاتٍ أنِّي زَنَيْتُ، كانَ مَرَّةً واحِدَةً. فَمَن يَعْتِبَرُ الأرْبَعَ لا يَجْعَلُ ذَلِكَ (p-٥٩٦)الإقْرارَ إلّا واحِدًا. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««مَن قالَ في يَوْمٍ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»» . فَلَوْ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذا الثَّوابُ حَتّى يَقُولَها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ««مَن سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ وحَمَّدَهُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ وكَبَّرَهُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ»» .. الحَدِيثَ، لا يَكُونُ عامِلًا بِهِ حَتّى يَقُولَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا يُجْمَعُ الكُلُّ بِلَفْظٍ واحِدٍ.. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ««مَن قالَ في يَوْمٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتّى يُمْسِيَ»» . لا يَحْصُلُ هَذا إلّا بِقَوْلِها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وهَذا كَما أنَّهُ في الأقْوالِ والألْفاظِ فَكَذَلِكَ هو في الأفْعالِ سَواءٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] إنَّما هو مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وكَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، إنَّما هو مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وكَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: (p-٥٩٧)««لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ»» . فَهَذا هو المَعْقُولُ مِنَ اللُّغَةِ والعُرْفِ. فالأحادِيثُ المَذْكُورَةُ، وهَذِهِ النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] كُلُّها مِن بابٍ واحِدٍ ومِشْكاةٌ واحِدَةٌ. والأحادِيثُ المَذْكُورَةُ تُفَسِّرُ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَهَذا كِتابُ اللَّهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وهَذِهِ لُغَةُ العَرَبِ، وهَذا عُرْفُ التَّخاطُبِ، وهَذا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والصَّحابَةِ كُلِّهم مَعَهُ في عَصْرِهِ، وثَلاثِ سِنِينَ مِن عَصْرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلى هَذا المَذْهَبِ، فَلَوْ عَدَّهُمُ العادُّ لَزادُوا عَلى الألْفِ قَطْعًا. ولِهَذا ادَّعى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذا إجْماعٌ قَدِيمٌ، ولَمْ تَجْمَعِ الأُمَّةُ - ولِلَّهِ الحَمْدُ - عَلى خِلافِهِ. بَلْ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَن يُفْتِي بِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وإلى يَوْمِنا هَذا. فَأفْتى بِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ابْنُ عَبّاسٍ والزُّبَيْرُ وابْنُ عَوْفٍ. وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ رِوايَتانِ، ومِنَ التّابِعِينَ عِكْرِمَةُ وطاوُسٌ. ومِن تابِعِيهِمْ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. ومِمَّنْ بَعْدَهم داوُدُ إمامُ أهْلِ الظّاهِرِ، وبَعْضُ أصْحابِ مالِكٍ، وبَعْضُ الحَنَفِيَّةِ، وأفْتى بَعْضُ أصْحابِ أحْمَدَ - حَكاهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْهُ - قالَ: وكانَ الجَدُّ يُفْتِي بِهِ أحْيانًا.
والمَقْصُودُ أنَّ هَذا القَوْلَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والقِياسُ والإجْماعُ القَدِيمُ. ولَمْ يَأْتِ بَعْدَهُ إجْماعٌ يُبْطِلُهُ. ولَكِنْ رَأى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النّاسَ قَدِ اسْتَهانُوا بِأمْرِ الطَّلاقِ، وكَثُرَ مِنهم إيقاعُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَرَأى مِنَ المَصْلَحَةِ عُقُوبَتَهم بِإمْضائِهِ عَلَيْهِمْ، لِيَعْلَمُوا أنَّ أحَدَهُمْ، إذا أوْقَعَهُ جُمْلَةً، بانَتْ مِنهُ المَرْأةُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، نِكاحَ رَغْبَةٍ يُرادُ لِلدَّوامِ لا نِكاحَ تَحْلِيلٍ، فَإنَّهُ كانَ مِن أشَدِّ النّاسِ فِيهِ، فَإذا عَلِمُوا ذَلِكَ كَفُّوا عَنِ الطَّلاقِ. فَرَأى عُمَرُ هَذا مَصْلَحَةً لَهم في زَمانِهِ. ورَأى أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وعَهْدِ الصِّدِّيقِ وصَدْرًا مِن خِلافَتِهِ - كانَ اللّائِقَ بِهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَتَتابَعُوا فِيهِ. وكانُوا يَتَّقُونَ اللَّهَ في الطَّلاقِ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ مَنِ اتَّقاهُ مَخْرَجًا. فَلَمّا تَرَكُوا تَقْوى اللَّهِ وتَلاعَبُوا بِكِتابِ اللَّهِ وطَلَّقُوا عَلى غَيْرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ ألْزَمَهم بِما التَزَمُوهُ عُقُوبَةً لَهم. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما شَرَعَ الطَّلاقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. ولَمْ يَشْرَعْهُ كُلَّهُ مَرَّةً واحِدَةً. فَمَن جَمَعَ الثَّلاثَ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ فَقَدْ تَعَدّى (p-٥٩٨)حُدُودَ اللَّهِ، وظَلَمَ نَفْسَهُ، ولَعِبَ بِكِتابِ اللَّهِ. فَهو حَقِيقٌ أنْ يُعاقَبَ ويُلْزَمَ بِما التَزَمَهُ، ولا يُقَرُّ عَلى رُخْصَةِ اللَّهِ وسِعَتِهِ، وقَدْ ضَيَّعَها عَلى نَفْسِهِ. ولَمْ يَتَّقِ اللَّهَ ويُطَلِّقُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ وشَرَعَهُ لَهُ، بَلِ اسْتَعْجَلَ فِيما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الأناةَ فِيهِ، رَحْمَةً وإحْسانًا. واخْتارَ الأغْلَظَ والأشَدَّ. فَهَذا ما تَغَيَّرَتْ بِهِ البَلْوى لِتَغَيُّرِ الزَّمانِ، وعَلِمَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حُسْنَ سِياسَةِ عُمَرَ وتَأْدِيبَهُ لِرَعِيَّتِهِ في ذَلِكَ، فَوافَقُوهُ عَلى ما ألْزَمَ بِهِ، ثُمَّ قالَ: فَلَمّا تَغَيَّرَ الزَّمانُ، وبَعْدَ العَهْدِ بِالسُّنَّةِ وآثارِ القَوْمِ، وقامَتْ سُوقُ التَّحْلِيلِ ونَفَقَتْ في النّاسِ، فالواجِبُ أنْ يُرَدَّ الأمْرُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وخَلِيفَتِهِ مِنَ الإفْتاءِ بِما يُعَطِّلُ سُوقَ التَّحْلِيلِ ويُقَلِّلُها ويُخَفِّفُ شَرَّها. وإذا عُرِضَ عَلى مَن وفَّقَهُ اللَّهُ وبَصَّرَهُ بِالهُدى وفَقَّهَهُ في دِينِهِ. مَسْألَةُ كَوْنِ الثَّلاثِ واحِدَةً ومَسْألَةُ التَّحْلِيلِ، ووازَنَ بَيْنَهُما - تَبَيَّنَ لَهُ التَّفاوُتُ، وعَلِمَ أيَّ المَسْألَتَيْنِ أوْلى بِالدِّينِ وأصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: ويَمْتَنِعُ في هَذِهِ الأزْمِنَةِ مُعاقَبَةُ النّاسِ بِما عاقَبَهم بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ حَرامٌ، لا سِيَّما وكَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ لا يَرى تَحْرِيمَهُ، فَكَيْفَ يُعاقَبُ مَن لَمْ يَرْتَكِبْ مُحَرَّمًا عِنْدَ نَفْسِهِ؟
الثّانِي: أنَّ عُقُوبَتَهم بِذَلِكَ تَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابَ التَّحْلِيلِ الَّذِي كانَ مَسْدُودًا عَلى عَهْدِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والعُقُوبَةُ - إذا تَضَمَّنَتْ مَفْسَدَةً أكْثَرَ مِنَ الفِعْلِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ - كانَ تَرْكُها أحَبَّ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. ولا يَسْتَرِيبُ أحَدٌ في أنَّ الرُّجُوعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ أوْلى مِنَ الرُّجُوعِ إلى التَّحْلِيلِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
(p-٥٩٩)فَصْلٌ
وأمّا طَلاقُ الغَضْبانِ فَفي " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ " ما نَصُّهُ:
إنَّ اللَّفْظَ إنَّما يُوجِبُ مَعْناهُ لِقَصْدِ المُتَكَلِّمِ بِهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ رَفَعَ المُؤاخَذَةَ عَمَّنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِأمْرٍ بِغَيْرِ تَلَفُّظٍ أوْ عَمَلٍ، كَما رَفَعَها عَمَّنْ تَلَفَّظَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِمَعْناهُ ولا إرادَةٍ. ولِهَذا لَمْ يُكِّفِرْ مَن جَرى عَلى لِسانِهِ لَفْظُ الكُفْرِ سَبْقًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ، لِفَرَحٍ أوْ دُهْشٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَما في حَدِيثِ الفَرَحِ الإلَهِيِّ بِتَوْبَةِ العَبْدِ، وضَرَبَ مَثَلَ ذَلِكَ: مَن فَقَدَ راحِلَتَهُ عَلَيْها طَعامُهُ وشَرابُهُ في الأرْضِ المُهْلِكَةِ فَأيَسَ مِنها ثُمَّ وجَدَها فَقالَ: اللَّهُمَّ! أنْتَ عَبْدِي وأنا رَبُّكَ، أخْطَأ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ، ولَمْ يُؤاخَذْ بِذَلِكَ وكَذَلِكَ إذا أخْطَأ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ لَمْ يُؤاخَذْ. ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] قالَ السَّلَفُ: هو دُعاءُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وأهْلِهِ في حالِ الغَضَبِ، لَوِ اسْتَجابَهُ اللَّهُ تَعالى لَأهْلَكَهُ وأهْلَكَ مَن يَدْعُو عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَجِيبُهُ لِعِلْمِهِ أنَّ الدّاعِيَ لَمْ يَقْصِدْهُ. ومِن هَذا رَفْعُهُ ﷺ حُكْمَ الطَّلاقِ عَمَّنْ طَلَّقَ في إغْلاقٍ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: هو الغَضَبُ.
(p-٦٠٠)وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ أبُو داوُدَ. وهو قَوْلُ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ - أحَدِ أئِمَّةِ المالِكِيَّةِ ومُقْدَّمِ فُقَهاءِ أهْلِ العِراقِ مِنهم - وهي عِنْدَهُ مِن لَغْوِ اليَمِينِ أيْضًا. فَأدْخَلَ يَمِينَ الغَضْبانِ في لَغْوِ اليَمِينِ وفي يَمِينِ الإغْلاقِ. وحَكاهُ شارِحُ أحْكامِ عَبْدِ الحَقِّ عَنْهُ - وهو ابْنُ بَرِيرَةَ الأنْدَلُسِيُّ - قالَ: وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ: أنَّ الأيْمانَ المُنْعَقِدَةَ كُلَّها في حالِ الغَضَبِ لا تُلْزَمُ. وفي " سُنَنِ الدّارَقُطْنِيِّ " بِإسْنادٍ فِيهِ لِينٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: «لا يَمِينَ في غَضَبٍ، ولا عَتاقَ فِيما لا يَمْلِكُ». وهُوَ، إنْ لَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ، فَهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ فَسَّرَ الشّافِعِيُّ «(لا طَلاقَ في إغْلاقٍ)» بِالغَضَبِ، وفَسَّرَهُ مَسْرُوقٌ بِهِ. فَهَذا مَسْرُوقٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والقاضِي إسْماعِيلُ كُلُّهم فَسَّرُوا الإغْلاقَ بِالغَضَبِ. وهو مِن أحْسَنِ التَّفْسِيرِ. لِأنَّ الغَضْبانَ قَدْ أغْلَقَ عَلَيْهِ بابَ القَصْدِ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ. وهو كالمُكْرَهِ. بَلِ الغَضْبانُ أوْلى بِالإغْلاقِ مِنَ المُكْرَهِ، لِأنَّ المُكْرَهَ قَدْ قَصَدَ رَفَعَ الشَّرِّ الكَثِيرِ بِالشَّرِّ الَّذِي هو دُونَهُ، فَهو قاصِدٌ حَقِيقَةً. ومِن هَهُنا أوْقَعَ عَلَيْهِ الطَّلاقَ مَن أوْقَعَهُ. وأمّا الغَضْبانُ فَإنَّ انْغِلاقَ بابِ القَصْدِ والعِلْمِ عَنْهُ كانْغِلاقِهِ عَنِ السَّكْرانِ والمَجْنُونِ. فَإنَّ غُولَ العَقْلِ يَغْتالُهُ الخَمْرُ بَلْ أشَدُّ. وهو شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ، ولا يَشُكُّ فَقِيهُ النَّفْسِ في أنَّ هَذا لا يَقَعُ طَلاقُهُ. ولِهَذا قالَ حَبْرُ الأُمَّةِ - الَّذِي دَعا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، بِالفِقْهِ في الدِّينِ: إنَّما يَقَعُ الطَّلاقُ مِن وطَرٍ. ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، أيْ: عَنْ غَرَضٍ مِنَ المُطَلِّقِ في وُقُوعِهِ. وهَذا مِن كَمالِ فِقْهِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وإجابَةِ دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ؛ إذِ الألْفاظُ إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلَيْها مُوجِباتُها لِقَصْدِ اللّافِظِ بِها. واللَّهُ لَمْ يُؤاخِذْنا بِاللَّغْوِ في أيْمانِنا. ومِنَ اللَّغْوِ ما قالَتْهُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وجُمْهُورُ السَّلَفِ: إنَّهُ قَوْلُ الحالِفِ: لا واللَّهِ، وبَلى، واللَّهِ. في عَرْضِ كَلامِهِ مِن غَيْرِ عَقْدٍ لِلْيَمِينِ، كَذَلِكَ لا يُؤاخِذُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِ الطَّلاقِ كَقَوْلِ الحالِفِ في عَرْضِ كَلامِهِ: عَلَيَّ الطَّلاقُ لا أفْعَلُ (p-٦٠١)و(الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لا أفْعَلُ) مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِعَقْدِ اليَمِينِ. بَلْ إذا كانَ اسْمُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ لا يَنْعَقِدُ بِهِ يَمِينُ اللَّغْوِ، فَيَمِينُ الطَّلاقِ أوْلى أنْ لا يَنْعَقِدَ، ولا تَكُونَ أعْظَمَ حُرْمَةً مِنَ الحَلِفِ بِاللَّهِ. وهَذا أحَدُ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ وهو الصَّوابُ. فَإيّاكَ أنْ تُهْمِلَ قَصْدَ المُتَكَلِّمِ ونِيَّتَهُ وعُرْفَهُ، فَتَجْنِي عَلَيْهِ وعَلى الشَّرِيعَةِ، وتُنْسِبُ إلَيْها ما هي بَرِيئَةٌ مِنهُ، وتُلْزِمُ الحالِفَ والمُقِرَّ والنّاذِرَ والعاقِدَ ما لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِهِ. فاللَّغْوُ في الأقْوالِ نَظِيرُ الخَطَأِ والنِّسْيانِ في الأفْعالِ. وقَدْ رَفَعَ اللَّهُ المُؤاخَذَةَ بِهَذا. وهَذا كَما قالَ المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ! فَقالَ رَبُّهم تَبارَكَ وتَعالى: قَدْ فَعَلْتُ.
وفِي قالَ شَيْخُنا: حَقِيقَةُ الإغْلاقِ: أنْ يُغْلَقَ عَلى الرَّجُلِ قَلْبُهُ فَلا يَقْصِدُ الكَلامَ أوْ لا يَعْلَمُ بِهِ كَأنَّهُ انْغَلَقَ عَلَيْهِ قَصْدُهُ وإرادَتُهُ.
قالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الغَلْقُ ضِيقُ الصَّدْرِ وقِلَّةُ الصَّبْرِ حَتّى لا يَجِدَ لَهُ مُخَلِّصًا.
قالَ شَيْخُنا: ويَدْخُلُ في ذَلِكَ طَلاقُ المُكْرَهِ والمَجْنُونِ ومَن زالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ أوْ غَضَبِ وكُلِّ مَن لا قَصْدَ لَهُ ولا مَعْرِفَةَ لَهُ بِما قالَ.
والغَضَبُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: ما يُزِيلُ العَقْلَ فَلا يَشْعُرُ صاحِبُهُ بِما قالَ. وهَذا لا يَقَعُ طَلاقُهُ بِلا نِزاعٍ.
الثّانِي: ما يَكُونُ في مَبادِيهِ، بِحَيْثُ لا يَمْنَعُ صاحِبَهُ مِن تَصَوُّرِ ما يَقُولُ وقَصْدِهِ، فَهَذا يَقَعُ طَلاقُهُ.
الثّالِثُ: أنْ يَسْتَحْكِمَ ويَشْتَدَّ بِهِ، فَلا يُزِيلُ عَقْلَهُ بِالكُلِّيَّةِ، ولَكِنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نِيَّتِهِ بِحَيْثُ يَنْدَمُ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ إذا زالَ. فَهَذا مَحَلُّ نَظَرٍ. وعَدَمُ الوُقُوعِ في هَذِهِ الحالَةِ قَوِيٌّ مُتَّجِهٌ.
(p-٦٠٢)فَصْلٌ
وأمّا طَلاقُ الحائِضِ والنُّفَساءِ والمَوْطُوءَةِ في طُهْرِها، فَفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ - عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - فَسَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَها بَعْدَ ذَلِكَ وإنْ شاءَ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ»» . ولِمُسْلِمٍ: ««مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيُطَلِّقْها إذا طَهُرَتْ أوْ وهي حامِلٌ»» وفي لَفْظٍ: ««إنْ شاءَ طَلَّقَها طاهِرًا قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى»» . وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ: ««مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيُطَلِّقْها في قُبُلِ عِدَّتِها»» . وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ فَرَدَّها عَلَيْهِ (p-٦٠٣)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَرَها شَيْئًا وقالَ: «إذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أوْ لِيَمْسِكْ»» . وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ،» فَتَضَمَّنَ هَذا الحُكْمُ أنَّ الطَّلاقَ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: وجْهانِ حَلالانِ ووَجْهانِ حَرامانِ.
فالحَلالُ: أنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ طاهِرًا مِن جِماعٍ. أوْ يُطَلِّقَها حامِلًا مُسْتَبِينًا حَمَلَها. والحَرامُ: أنْ يُطَلِّقَها وهي حائِضٌ. أوْ يُطَلِّقَها في طُهْرٍ جامِعَها فِيهِ. هَذا في طَلاقِ المَدْخُولِ بِها. وأمّا مَن لَمْ يُدْخَلْ بِها فَيَجُوزُ طَلاقُها حائِضًا وطاهِرًا.
ثُمَّ إنَّ الخِلافَ في وُقُوعِ الطَّلاقِ المُحَرَّمِ لَمْ يَزَلْ ثابِتًا بَيْنَ السَّلَفِ والخَلْفِ. وقَدْ وهِمَ مَنِ ادَّعى الإجْماعَ عَلى وُقُوعِهِ وقالَ بِمَبْلَغِ عِلْمِهِ وخَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الخِلافِ ما اطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ: مَنِ ادَّعى الإجْماعَ فَهو كاذِبٌ. وما يَدْرِيهِ لَعَلَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا؟ كَيْفَ والخِلافُ بَيْنَ النّاسِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعْلُومُ الثُّبُوتِ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ..؟!.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ الخُشَنِيُّ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ: ثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الثَّقَفِيُّ. ثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ مَوْلى ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ، في رَجُلٍ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: لا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ. ذَكَرَهُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في " المُحَلّى " بِإسْنادِهِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في " مُصَنَّفِهِ " عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: أنَّهُ كانَ لا يَرى طَلاقَ ما خالَفَ وجْهَ الطَّلاقِ ووَجْهَ العِدَّةِ. وكانَ يَقُولُ: وجْهُ الطَّلاقِ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ أوْ إذا اسْتَبانَ حَمْلُها.
قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: العَجَبُ مِن جَراءَةِ مَنِ ادَّعى الإجْماعَ عَلى خِلافِ هَذا وهو لا يَجِدُ فِيما يُوافِقُ قَوْلَهُ - في إمْضاءِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ أوْ في الطُّهْرِ الَّذِي جامَعَها فِيهِ - كَلِمَةً عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، غَيْرَ رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقَدْ عارَضَها ما هو أحْسَنُ مِنها عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
(p-٦٠٤)وقالَ أبُو مُحَمَّدٍ: بَلْ نَحْنُ أسْعَدُ بِدَعْوى الإجْماعِ هَهُنا لَوِ اسْتَجَزْنا ما يَسْتَجِيزُونَ - ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ - وذَلِكَ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ قاطِبَةً، ومِن جُمْلَتِهِمْ جَمِيعُ المُخالِفِينَ لَنا في ذَلِكَ أنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ أوْ في طُهْرٍ جامَعَها فِيهِ بِدْعَةٌ. فَإذًا لا شَكَّ في هَذا عِنْدَهُمْ، فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُونَ الحُكْمَ بِتَجْوِيزِ البِدْعَةِ الَّتِي يُقِرُّونَ أنَّها بِدَعَةٌ وضَلالَةٌ؟ ألَيْسَ بِحُكْمِ المُشاهَدَةِ، مُجِيزُ البِدْعَةِ مُخالِفًا لِإجْماعِ القائِلِينَ بِأنَّها بِدْعَةٌ..؟!.
قالَ أبُو مُحَمَّدٍ: وحَتّى لَوْ لَمْ يَبْلُغْنا الخِلافُ لَكانَ القاطِعُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الإسْلامِ بِما لا يَقِينَ عِنْدَهُ، ولا بَلَغَهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ كاذِبًا عَلى جَمِيعِهِمْ.
هَذا ما أفادَهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ ". ثُمَّ ذَكَرَ حُجَجَ المانِعِينَ مِن وُقُوعِهِ، وحُجَجَ مَن أوْقَعَهُ، والمُناقَشَةَ فِيها، فَراجِعْهُ إنْ شِئْتَ.
وذُكِرَ في خِلالِ البَحْثِ: أنَّهُ لا دَلِيلَ في قَوْلِهِ: ««مُرْهُ فَلْيُراجِعْها»» عَلى وُقُوعِ الطَّلاقِ، لِأنَّ المُراجِعَةَ قَدْ وقَعَتْ في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلى ثَلاثَةِ مَعانٍ: مِنها: ابْتِداءُ النِّكاحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ ولا خِلافَ بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالقُرْآنِ أنَّ المُطَلِّقَ - هَهُنا - هو الزَّوْجُ الثّانِي. وأنَّ التَّراجُعَ بَيْنَها وبَيْنَ الزَّوْجِ الأوَّلِ. وذَلِكَ نِكاحٌ مُبْتَدَأٌ. ومِنها: الرَّدُّ الحِسِّيُّ إلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها أوَّلًا كَقَوْلِهِ لِأبِي النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ لَمّا نَحَلَ ابْنَهُ غُلامًا خَصَّهُ بِهِ دُونَ ولَدِهِ: رُدَّهُ. فَهَذا رَدُّ ما لَمْ تَصِحَّ فِيهِ الهِبَةُ الجائِرَةُ الَّتِي سَمّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٦٠٥)جَوْرًا، وأخْبَرَ أنَّها لا تَصِحُّ، وأنَّها خِلافُ العَدْلِ. ومِن هَذا قَوْلُهُ لِمَن فَرَّقَ بَيْنَ جارِيَةٍ ووَلَدِها في البَيْعِ، فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ ورَدَّ البَيْعَ. ولَيْسَ هَذا الرَّدُّ مُسْتَلْزِمًا لِصِحَّةِ البَيْعِ، فَإنَّهُ بَيْعٌ باطِلٌ، بَلْ هو رَدُّ شَيْئَيْنِ إلى حالَةِ اجْتِماعِهِما كَما كانا. وهَكَذا الأمْرُ، بِمُراجَعَةِ ابْنِ عُمَرَ امْرَأتَهُ، ارْتِجاعٌ ورَدٌّ إلى حالَةِ الِاجْتِماعِ كَما كانا قَبْلَ الطَّلاقِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ البَتَّةَ، وثَمَّةَ وُجُوهٍ أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَصْلٌ
وأمّا الخُلْعُ: فالتَّحْقِيقُ أنَّهُ فَسْخٌ لا طَلاقَ. وأنَّ العِدَّةَ فِيهِ حَيْضَةٌ، رَوى أبُو داوُدَ في " سُنَنِهِ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ «أنَّ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ اخْتَلَعَتْ مِن زَوْجِها، فَأمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَعْتَدَّ حَيْضَةً،» فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى حُكْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْها ثَلاثُ حِيَضٍ بَلْ تَكْفِيها حَيْضَةٌ. وهَذا كَما أنَّهُ صَرِيحُ السُّنَّةِ فَهو مَذْهَبُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، والرَّبِيعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ وعَمِّها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وهو مِن كِبارِ الصَّحابَةِ - فَهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ مِنَ الصَّحابَةِ لا يُعْرَفُ لَهم مُخالِفٌ مِنهم - وذَهَبَ إلى هَذا المَذْهَبِ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ والإمامُ أحْمَدُ، في رِوايَةٍ عَنْهُ اخْتارَها شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. قالَ: هَذا القَوْلُ هو مُقْتَضى قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ. فَإنَّ العِدَّةَ إنَّما جُعِلَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ لِيَطُولَ زَمَنُ الرَّجْعَةِ ويَتَرَوّى الزَّوْجُ ويَتَمَكَّنَ مِنَ الرَّجْعَةِ في مُدَّةِ العِدَّةِ. فَإذا لَمْ تَكُنْ عَلَيْها رَجْعَةٌ، فالمَقْصُودُ مُجَرَّدُ بَراءَةِ رَحِمِها مِنَ الحَمْلِ. وذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ حَيْضَةٌ كالِاسْتِبْراءِ. ولا يَنْتَقِضُ هَذا بِالمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا. فَإنَّ بابَ الطَّلاقِ جَعَلَ حُكْمَ العِدَّةِ فِيهِ واحِدًا بائِنَةً ورَجْعِيَّةً. قالُوا: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخُلْعَ فَسْخٌ، ولَيْسَ بِطَلاقٍ. وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وعُثْمانَ وابْنِ عُمَرَ والرَّبِيعِ وعَمِّها. ولا يَصِحُّ (p-٦٠٦)عَنْ صَحابِيٍّ أنَّهُ طَلاقٌ البَتَّةَ. فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيانَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أنَّهُ قالَ: الخُلْعُ تَفْرِيقٌ ولَيْسَ بِطَلاقٍ. وذَكَرَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ سُفْيانَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طاوُسٍ: أنَّ إبْراهِيمَ ابْنَ سَعْدٍ سَألَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنهُ، أيَنْكِحُها؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَعَمْ! ذَكَرَ اللَّهُ الطَّلاقَ في أوَّلِ الآيَةِ وآخِرِها، والخُلْعُ بَيْنَ ذَلِكَ.
والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ، أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى رَتَّبَ عَلى الطَّلاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ الَّذِي لَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدُهُ، ثَلاثَةَ أحْكامٍ كُلُّها مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الخُلْعِ:
أحَدُها: أنَّ الزَّوْجَ أحَقُّ بِالرَّجْعَةِ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مَسْحُوبٌ مِنَ الثَّلاثِ فَلا يَحِلُّ بَعْدَ اسْتِيفاءِ العَدَدِ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ وإصابَةٍ.
الثّالِثُ: أنَّ العِدَّةَ فِيهِ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ.
وقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ والإجْماعِ أنَّهُ لا رَجْعَةَ في الخُلْعِ. وثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وأقْوالِ الصَّحابَةِ أنَّ العِدَّةَ فِيهِ حَيْضَةٌ واحِدَةٌ. وثَبَتَ بِالنَّصِّ جَوازُهُ بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ ووُقُوعِ ثالِثَةٍ بَعْدَهُ. وهَذا ظاهِرٌ جِدًّا في كَوْنِهِ لَيْسَ بِطَلاقٍ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهَذا - وإنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالمُطَلَّقَةِ تَطْلِيقَتَيْنِ - فَإنَّهُ يَتَناوَلُها وغَيْرَها. ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن لَمْ يُذْكَرْ، ويُخَلّى عَنْهُ المَذْكُورُ، بَلْ إمّا أنْ يَخْتَصَّ بِالسّابِقِ، أوْ يَتَناوَلَهُ وغَيْرَهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ وهَذا يَتَناوَلُ مَن طُلِّقَتْ بَعْدَ فِدْيَةٍ تَطْلِيقَتَيْنِ قَطْعًا؛ لِأنَّها هي المَذْكُورَةُ. فَلا بُدَّ مِن دُخُولِها تَحْتَ اللَّفْظِ. فَهَذا فَهْمُ تُرْجُمانِ القُرْآنِ الَّذِي دَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ تَأْوِيلَ القُرْآنِ، وهي دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ بِلا شَكٍّ. وإذا كانَتْ أحْكامُ الفِدْيَةِ غَيْرَ أحْكامِ الطَّلاقِ، دَلَّ عَلى أنَّها غَيْرُ جِنْسِهِ. فَهَذا مُقْتَضى النَّصِّ والقِياسِ وأقْوالِ الصَّحابَةِ. انْتَهى.
(p-٦٠٧)هَذِهِ خُلاصَةُ الحُجَجِ في هَذِهِ الفُرُوعِ المُهِمَّةِ مَعْرِفَتُها. ولا يَعْرِفُ قَدْرَها إلّا مَن صَغى فَهْمُهُ عَنِ التَّعَصُّباتِ. ومَن نَظَرَ إلى ما عَمَّتْ بِهِ البَلْوى - مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ بِمُجَرَّدِ الِانْتِحالِ لِلْقِيلِ والقالِ، وتَرْكِ ما حَقَّقَهُ بِالدَّلائِلِ الأئِمَّةُ الأبْطالُ - قَضى العَجَبَ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ - أيِ: الزَّوْجُ الثّانِي -: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيْ: عَلى المَرْأةِ ومُطَلَّقِها الأوَّلِ: -: ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ أيْ: إلى ما كانا فِيهِ مِنَ النِّكاحِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بَعْدَ عِدَّةِ طَلاقِ الثّانِي - المَعْلُومَةِ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآيَةَ -: ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّتِي أوْجَبَ مُراعاتَها عَلى الزَّوْجَيْنِ مِنَ الحُقُوقِ: ﴿وتِلْكَ﴾ أيِ: الأحْكامُ المَذْكُورَةُ: ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أيْ: أحْكامُهُ المَحْمِيَّةُ مِنَ التَّغْيِيرِ والمُخالَفَةِ: ﴿يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَكْشِفُ اللَّبْسَ عَنْها لِقَوْمٍ فِيهِمْ نَهْضَةٌ وجِدٌّ في الِاجْتِهادِ، فَيُجَدِّدُونَ النَّظَرَ والتَّأمُّلَ بِغايَةِ الِاجْتِهادِ في كُلِّ وقْتٍ، فَبِذَلِكَ يُعْطِيهِمُ اللَّهُ مَلَكَةً يُمَيِّزُونَ بِها ما يَلْبَسُ عَلى غَيْرِهِمْ: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] - أفادَهُ البِقاعِيُّ.
البقرة 2:231
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣١] ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْـزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
(p-٦٠٨)﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ أيْ: طَلاقًا رَجْعِيًّا: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ: قارَبْنَ انْقِضاءَ العِدَّةِ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ أيْ: بِالمُراجَعَةِ إنْ أرَدْتُمْ: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ مِن غَيْرِ ضِرارٍ: ﴿أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: بِأنْ تَتْرُكُوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ فَيَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ﴾ أيْ: بِالرَّجْعَةِ: ﴿ضِرارًا﴾ أيْ: مَضارَّةً بِإزالَةِ الأُلْفَةِ وإيقاعِ الوَحْشَةِ ومُوجِباتِ النَّفْرَةِ: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: لِتَكُونَ عاقِبَةُ أمْرِكُمُ الِاعْتِداءَ؛ أوْ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةً بِالضِّرارِ فَيَكُونُ عِلَّةً لِلْعِلَّةِ، أيْ: لِتَظْلِمُوهُنَّ بِالإلْجاءِ إلى الِافْتِداءِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ: بِتَعْرِيضِها لِسُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِ ونَفْرَةِ النّاسِ مِنهُ.
﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: أوامِرَهُ ونَواهِيهِ: ﴿هُزُوًا﴾ أيْ: مَهْزُوًّا بِها بِأنْ تُعْرِضُوا عَنْها وتَتَهاوَنُوا في المُحافَظَةِ عَلَيْها: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في إرْسالِهِ الرَّسُولَ بِالهُدى والبَيِّناتِ إلَيْكُمْ: ﴿وما أنْـزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ أيِ: السُّنَّةِ: ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾ أيْ: بِما أنْزَلَ. أيْ: يَأْمُرُكم ويَنْهاكم ويَتَوَعَّدُكم عَلى المُخالَفَةِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَأْكِيدٌ وتَهْدِيدٌ.
البقرة 2:232
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٢] ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ. وقَدْ دَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى اخْتِلافِ البُلُوغَيْنِ، إذِ الأوَّلُ دَلَّ عَلى المُشارَفَةِ لِلْأمْرِ بِالإمْساكِ، وهَذا عَلى الحَقِيقَةِ لِلنَّهْيِ عَنِ العَضْلِ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أيْ: لا تَمْنَعُوهُنَّ: ﴿أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ (p-٦٠٩)الَّذِينَ طَلَّقُوهُنَّ، والآنَ يَرْغَبْنَ فِيهِمْ: ﴿إذا تَراضَوْا﴾ أيِ: النِّساءُ والأزْواجُ: ﴿بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِما يُحْسِنُ في الدِّينِ مِنَ الشَّرائِطِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: النَّهْيُ عَنِ العَضْلِ: ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الِاتِّعاظُ بِتَرْكِ العَضْلِ والضِّرارِ: ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ: أصْلَحُ لَكُمْ: ﴿وأطْهَرُ﴾ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ مِنَ الرِّيبَةِ والعَدَواةِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ أُمُورِكم فِيما يَأْمُرُ ويَنْهى ومِنهُ ما بَيَّنَهُ هُنا وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ، فَدَعُوا رَأْيَكم وامْتَثِلُوا أمْرَهُ تَعالى ونَهْيَهُ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ. وقَدْ رُوِيَ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ المُزَنِيِّ وأُخْتِهِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ: أنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَكانَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ طَلَّقَها تَطْلِيقَةً ولَمْ يُراجِعْها، حَتّى انْقَضَتِ العِدَّةُ فَهَوِيَها وهَوِيَتْهُ. فَخَطَبَها مَعَ الخِطابِ. فَقالَ لَهُ: يا لُكَعُ! أكْرَمْتُكَ بِها وزَوَّجْتُكَها فَطَلَّقْتَها، واللَّهِ لا تَرْجِعُ إلَيْكَ أبَدًا. فَعَلِمَ اللَّهُ حاجَتَهُ إلَيْها وحاجَتَها إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، فَلَمّا سَمِعَها مَعْقِلٌ قالَ: سَمْعٌ لِرَبِّي وطاعَةٌ! ثُمَّ دَعاهُ وقالَ: أُزَوِّجُكَ وأُكْرِمُكَ. زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي.
البقرة 2:233
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٣] ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
(p-٦١٠)﴿والوالِداتُ﴾ أيْ: مِنِ المُطَلَّقاتِ: ﴿يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ أيْ: سَنَتَيْنِ كامِلَتَيْنِ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ أيْ: هَذا الحُكْمُ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ رِضاعَ الوَلَدِ، فَأفْهَمَ أنَّهُ يَجُوزُ الفِطامُ لِلْمَصْلَحَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لا رِضاعَ بَعْدَ التَّمامِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو - أيِ: الَّذِي يُكْتَفى بِهِ دُونَ التَّمامِ - هو ما جَمَعَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فَإذا كانَ الحَمْلُ تِسْعًا كانَ الرِّضاعُ أحَدًا وعِشْرِينَ شَهْرًا. وإذا كانَ حَوْلَيْنِ كانَ المَجْمُوعُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ شَهْرًا، فَيَكُونُ ثَلاثَةَ آحادٍ وثَلاثَةَ عُقُودٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَمامَ الحَمْلِ والرِّضاعِ.
﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾ - أيِ: الأبُ - وعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ إشارَةً إلى جِهَةِ وُجُوبِ المُؤَنِ عَلَيْهِ، لِأنَّ الوالِداتِ إنَّما ولَدْنَ لِلْآباءِ، ولِذَلِكَ يُنْسَبُ الوَلَدُ لِلْأبِ دُونَ الأُمِّ. قالَ بَعْضُهُمْ:
؎وإنَّما أُمَّهاتُ النّاسِ أوْعِيَةٌ مُسْتَوْدَعاتٌ ولِلْآباءِ أبْناءُ
﴿رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ أيْ: عَلى والِدِ الطِّفْلِ نَفَقَةُ أُمِّهِ المُطَلَّقَةِ مُدَّةَ الإرْضاعِ، أيْ: طَعامُهُنَّ ولِباسُهُنَّ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو قَدْرُ المَيْسَرَةِ كَما فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾ (p-٦١١)يَعْنِي طاقَتَها. والمَعْنى: أنَّ أبا الوَلَدِ لا يُكَلَّفُ في الإنْفاقِ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ إلّا قَدْرُ ما تَتَّسِعُ بِهِ مَقْدِرَتُهُ، ولا يَبْلُغُ إسْرافَ القُدْرَةِ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ أيْ: يَأْخُذُ ولَدَها مِنها بَعْدَ رِضاها بِإرْضاعِهِ ورَغْبَتِها في إمْساكِهِ وشِدَّةِ مَحَبَّتِها لَهُ: ﴿ولا مَوْلُودٌ لَهُ﴾ يَعْنِي الأبَ: ﴿بِوَلَدِهِ﴾ بِطَرْحِ الوَلَدِ عَلَيْهِ. يَعْنِي: لا تُلْقِي المَرْأةُ الوَلَدَ إلى أبِيهِ وقَدْ ألِفَها، تُضارُّهُ بِذَلِكَ. وهَذا التَّأْوِيلُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ تُضارُّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأمّا عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ. لا تُضارِرْ - بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى - والِدَةٌ زَوْجَها بِسَبَبِ ولَدِها، وهو أنْ تُعَنِّفَ بِهِ وتَطْلُبَ مِنهُ ما لَيْسَ بِعَدْلٍ مِنَ الرِّزْقِ والكُسْوَةِ، وأنْ تَشْغَلَ قَلْبَهُ بِالتَّفْرِيطِ في شَأْنِ الوَلَدِ، وأنْ تَقُولَ بَعْدَ أنْ ألِفَها الصَّبِيُّ: اطْلُبْ لَهُ ظِئْرًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولا يُضارِرْ مَوْلُودٌ لَهُ امْرَأتَهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ، بِأنْ يَمْنَعَها شَيْئًا مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِن رِزْقِها وكُسْوَتِها، أوْ يَأْخُذَهُ مِنها وهي تُرِيدُ إرْضاعَهُ. والمَعْنَيانِ يَرْجِعانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ: وهو أنْ يَغِيظَ أحَدُهُما صاحِبَهُ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أيْ: عَلى وارِثِ الأبِ أوْ وارِثِ الصَّبِيِّ مِثْلُ ما عَلى الأبِ مِنَ النَّفَقَةِ وتَرْكِ الضِّرارِ إذا لَمْ يَكُنِ الأبُ: ﴿فَإنْ أرادا﴾ يَعْنِي الزَّوْجَ والمَرْأةَ: ﴿فِصالا﴾ أيْ: فِصالُ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ - يَعْنِي: فِطامًا: ﴿عَنْ تَراضٍ مِنهُما﴾ بِتَراضِي الأبِ والأُمِّ: ﴿وتَشاوُرٍ﴾ بِمُشاوَرَتِهِما: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيْ: عَلى الأبِ والأُمِّ إنْ لَمْ يُرْضِعا ولَدَهُما سَنَتَيْنِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ يَعْنِي غَيْرَ الأُمِّ عِنْدَ إبائِها أوْ عَجْزِها أوْ إرادَتِها أنْ تَتَزَوَّجَ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ﴾ - يَعْنِي إلى المَراضِعِ -: ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ أيْ: ما أرَدْتُمْ إيتاءَهُ إلَيْهِنَّ مِنَ الأجْرَةِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَلَّمْتُمْ أيْ: سَلَّمْتُمُ الأُجْرَةَ إلى المَراضِعِ بِطِيبِ نَفْسٍ وسُرُورٍ. والمَقْصُودُ: نَدْبُهم أنْ يَكُونُوا عِنْدَ تَسْلِيمِ الأُجْرَةِ مُسْتَبْشَرِي الوُجُوهِ، ناطِقِينَ بِالقَوْلِ الجَمِيلِ، مُطَيِّبِينَ لِأنْفُسِ المَراضِعِ، حَتّى يُؤْمَنَ مِن تَفْرِيطِهِنَّ بِمَصالِحِ الرَّضِيعِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّحْذِيرِ عَنْ مُخالَفَةِ أحْكامِهِ ما لا يَخْفى.
البقرة 2:234
(p-٦١٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٤] ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أيْ: يَمُوتُونَ مِن رِجالِكُمْ: ﴿ويَذَرُونَ﴾ أيْ: يَتْرُكُونَ: ﴿أزْواجًا﴾ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرْنَ: ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾ في العِدَّةِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ يَعْنِي عَشَرَةَ أيّامٍ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَلى الأوْلِياءِ في تَرْكِهِنَّ: ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ والتَّزَيُّنِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُنَّ لَوْ فَعَلْنَ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَكُفُّوهُنَّ عَنْ ذَلِكَ. وإلّا فَعَلَيْهِمُ الجُناحُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
الأُولى: خُصَّ مِن عُمُومِ الآيَةِ الحامِلُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، فَإنَّ عِدَّتَها بِوَضْعِ الحَمْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ولِما في الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ: أنَّها كانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وهو مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وكانَ مِمَّنْ (p-٦١٣)شَهِدَ بَدْرًا - فَتُوُفِّيَ عَنْها في حِجَّةِ الوَداعِ وهي حامِلٌ. فَلَمْ تَلْبَثْ أنْ وضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ وفاتِهِ، فَلِما تَعَلَّتْ مِن نِفاسِها تَجَمَّلَتْ لِلْخُطّابِ. فَدَخَلَ عَلَيْها أبُو السَّنابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ - فَقالَ: ما لِي أراكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطّابِ، لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكاحَ؟ وإنَّكِ واللَّهِ ما أنْتَ بِناكِحٍ حَتّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرًا. قالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمّا قالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيابِي حَتّى أمْسَيْتُ وأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأفْتانِي بِأنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وضَعْتُ حَمْلِي. وأمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدا لِي». وفِيهِ قالَ ابْنُ شِهابٍ: ولا أرى بَأْسًا بِأنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وضَعَتْ، وإنْ كانَتْ في دَمِها، غَيْرَ أنَّهُ لا يَقْرَبُها حَتّى تَطْهُرَ.
الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن تَرَبُّصِها بِنَفْسِها: الِامْتِناعُ عَنِ النِّكاحِ، والِامْتِناعُ عَنِ التَّزَيُّنِ، والِامْتِناعُ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ المَنزِلِ الَّذِي تُوَفِّيَ زَوْجُها فِيهِ. فالأوَّلُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
والثّانِي: رُوِيَ فِيهِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وعائِشَةَ - أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تَحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلّا عَلى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا»» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ امْرَأةً قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ ابْنَتِي تُوَفِّيَ عَنْها زَوْجُها وقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَها أفَنَكْحَلُها؟ قالَ: لا. كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لا. مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - ثُمَّ قالَ: «إنَّما هي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، وقَدْ كانَتْ إحْداكُنَّ في الجاهِلِيَّةِ تَمْكُثُ سَنَةً»» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعَنْ نافِعٍ: أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ اشْتَكَتْ عَيْنَها - وهي حادٌّ عَلى زَوْجِها ابْنِ عُمَرَ، فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتّى كادَتْ عَيْناها تَرْمُصانِ، أخْرَجَهُ مالِكٌ في " المُوَطَّأِ ".
(p-٦١٤)وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَلْبِسِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، المُعَصْفَرَةَ مِنَ الثِّيابِ ولا المُمْشِقَةَ ولا الحُلِيَّ ولا تَخْتَضِبْ ولا تَكْتَحِلْ ولا تُطَيِّبْ»» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والمُمْشِقَةُ: المَصْبُوغَةُ بِالمَشْقِ وهِيَ: المَغْرَةُ.
وقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم وُجُوبَ الإحْدادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ أيْ: مِن زِينَةٍ وتَطَيُّبٍ - كَما قَدَّمْنا - فَيُفِيدُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ في العِدَّةِ وهو الإحْدادُ.
وأمّا الِامْتِناعُ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ المَنزِلِ الَّذِي تُوَفِّي فِيهِ زَوْجُها: فَرَوى فِيهِ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ حَدِيثَ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مالِكٍ قالَتْ: «خَرَجَ زَوْجِي في طَلَبِ أعْلاجٍ لَهُ فَأدْرَكَهم في طَرِيقِ القُدُومِ فَقَتَلُوهُ، فَأتى نَعْيُهُ وأنا في دارٍ شاسِعَةٍ عَنْ دارِ أهْلِي، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقُلْتُ: إنَّ نَعْيَ زَوْجِي أتانِي في دارٍ شاسِعَةٍ عَنْ أهْلِي، ولَمْ يَدَعْ نَفَقَةً ولا مالًا ورَثْتُهُ ولَيْسَ المَسْكَنُ لَهُ، فَلَوْ تَحَوَّلْتُ إلى أهْلِي وإخْوَتِي لَكانَ أرْفَقَ بِي في بَعْضِ شَأْنِي؟ قالَ: تَحَوَّلِي، فَلَمّا خَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ أوْ إلى الحُجْرَةِ دَعانِي - أوْ أمَرَ بِي فَدُعِيتُ - فَقالَ: امْكُثِي في بَيْتِكِ الَّذِي أتاكِ فِيهِ نَعْيُ زَوْجِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ. قالَتْ: فاعْتَدَدْتُ فِيهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. وفي بَعْضِ ألْفاظِهِ: أنَّهُ أرْسَلَ إلَيْها عُثْمانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأخْبَرَتْهُ، فَأخَذَ بِهِ». وقَدْ أُعِلَّ هَذا الحَدِيثُ بِما لا يَقْدَحُ في الِاحْتِجاجِ بِهِ.
(p-٦١٥)الثّالِثَةُ: أكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِما بَعْدَها مِنَ الِاعْتِداءِ بِالحَوْلِ وإنْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً في التِّلاوَةِ، فَإنَّ تَرْتِيبَ المُصْحَفِ لَيْسَ عَلى تَرْتِيبِ النُّزُولِ، بَلْ هو تَوْفِيقِيٌّ. وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّهُما مُحْكَمَتانِ. كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
الرّابِعَةُ: أبْدى المَهايِمِيُّ الحِكْمَةَ في تَحْدِيدِ عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها بِهَذا القَدْرِ، فَقالَ: لِئَلّا يَتَعارَضَ في قَلْبِها حُبُّ المُتَوَفّى وحُبُّ الجَدِيدِ، فَأخَذَتْ مُدَّةَ صَبْرِها - وهو أرْبَعَةُ أشْهُرٍ - وزِيدَ عَلَيْهِ العَشْرُ، إذْ بِذَلِكَ يَنْقَطِعُ صَبْرُها فَتَمِيلُ إلى الجَدِيدِ مَيْلًا كُلِّيًا، فَيَنْقَطِعُ عَنْ قَلْبِها حُبُّ المُتَوَفّى، عَلى أنَّهُ يَظْهَرُ في حَقِّ المَدْخُولِ بِها حَرَكَةُ الحَمْلِ إذْ تَكُونُ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، لَكِنَّها تَبْتَدِئُ ضَعِيفَةً وتَتَقَوّى بِمُضِيِّ عَشْرٍ أُخَرَ. ثُمَّ قالَ: ولَمْ يُكْتَفَ بِالأقْراءِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِهِ هَهُنا، بِخِلافِ الفِراقِ حالَ الحَياةِ، لِأنَّ الفِراقَ الِاخْتِيارِيَّ شاهِدٌ عَدَمُهُ مَعَ شَهادَةِ الأقْراءِ، فَثَمَّةَ شاهِدانِ، وهَهُنا واحِدٌ، وعَدَمُ الحَرَكَةِ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ يُقَوِّي شَهادَةَ الأوَّلِ فَيَكُونُ كالشّاهِدِ مَعَ اليَمِينِ.
البقرة 2:235
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٥] ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكم عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ .
﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ أيْ: لا حَرَجَ عَلَيْكم أيُّها الخاطِبُونَ، في التَّعْرِيضِ بِخُطْبَتِكُمُ النِّساءَ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لِتَتَزَوَّجُوهُنَّ بَعْدَ انْقِضائِها. والتَّعْرِيضُ: إفْهامُ المَقْصُودِ بِما لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَقِيقَةً ولا مَجازًا. كَأنْ يُقالَ لَها: إنَّكِ جَمِيلَةٌ أوْ صالِحَةٌ، أوْ رُبَّ راغِبٍ فِيكِ، أوْ مَن يَجِدُ مِثْلَكِ. والخِطْبَةُ - بِالكَسْرِ -: طَلَبُ المَرْأةِ (أوْ) - فِيما: ﴿أكْنَنْتُمْ﴾ أيْ: أضْمَرْتُمْ مِن نِكاحِهِنَّ: ﴿فِي أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: (p-٦١٦)قُلُوبِكُمْ، وإنْ كانَ حَقُّهُ التَّحْرِيمَ فَضْلًا عَنِ التَّعْرِيضِ بِاللِّسانِ، لَكِنْ أباحَهُ اللَّهُ لَكُمْ، إذْ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أيْ: لا تَصْبِرُونَ عَنِ النُّطْقِ بِرَغْبَتِكم فِيهِنَّ، فَرَخَّصَ لَكم في التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ، وفِيهِ طَرَفٌ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى قِلَّةِ التَّثَبُّتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ هَذا الِاسْتِدْراكُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ و: ﴿سِرًّا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى النِّكاحِ. أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ نِكاحًا. أوْ هو بِمَعْنى ضِدَّ الجَهْرِ والإعْلانِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ تَقْدِيرُهُ: مُسْتَخِفِّينَ بِذَلِكَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لا تُواعِدُوهُنَّ النِّكاحَ سِرًّا. أوْ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مُواعَدَةً سِرًّا، أوِ التَّقْدِيرُ في سِرٍّ فَيَكُونُ ظَرْفًا. وإنَّما نَهى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ بِذِكْرِ الجِماعِ والرَّفَثِ بَيْنَ الأجْنَبِيِّ والأجْنَبِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ إجْماعًا، كالمُواعَدَةِ بَيْنَهُما عَلى وجْهِ السِّرِّ إذْ لا تَنْفَكُّ ظاهِرًا عَنْ أنْ تَكُونَ مُواعَدَةً بِشَيْءٍ مِنَ المُنْكَراتِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ المُعْتَدَّةِ بِما هو رَفَثٌ مِن ذِكْرِ جِماعٍ أوْ تَحْرِيضٍ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ. وقالَ أيْضًا: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَراهَةِ المُواعَدَةِ في العِدَّةِ لِلْمَرْأةِ في نَفْسِها، ولِلْأبِ في ابْنَتِهِ البِكْرِ، ولِلسَّيِّدِ في أمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: لا يَسْتَحْيِي مِنهُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. فَآلَ الأمْرُ إلى أنَّ المَعْنى: لا تُواعِدُوهُنَّ إلّا ما لا يُسْتَحْيى مِن ذِكْرِهِ فَيُسَرُّ، وهو التَّعْرِيضُ؛ فَنَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ. بَعْدَ إفْهامِ الآيَةِ الأُولى لِذَلِكَ، اهْتِمامًا بِهِ لِما لِلنَّفْسِ مِنَ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ - أفادَهُ البِقاعِيُّ.
وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا أذِنَ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ بِالتَّعْرِيضِ ثُمَّ نَهى عَنِ المُسارَّةِ مَعَها دَفْعًا لِلرِّيبَةِ والغَيْبَةِ، اسْتَثْنى عَنْهُ أنْ يُسارِرَها بِالقَوْلِ المَعْرُوفِ. وذَلِكَ أنْ يَعِدَها في السِّرِّ بِالإحْسانِ إلَيْها، والِاهْتِمامِ بِشَأْنِها، والتَّكَفُّلِ بِمَصالِحِها، حَتّى يَصِيرَ ذِكْرُ هَذِهِ الأشْياءِ الجَمِيلَةِ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ التَّعْرِيضِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٦١٧)تَنْبِيهٌ:
ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ﴾ إلخ، اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ﴾ قالَهُ أبُو البَقاءِ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ المُسْتَدْرَكَ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أيْ: فاذْكُرُوهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا.
قالَ النّاصِرُ: وقَوِيَتْ دَلالَةُ هَذا المَذْكُورِ عَلى ما حُذِفَ؛ لِأنَّ المُعْتادَ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ وُرُودُ الإباحَةِ عُقَيْبَها. ونَظِيرُ هَذا النَّظْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآيَةَ، ولِهَذا الحَذْفِ سِرٌّ - واللَّهُ أعْلَمُ - وهو أنَّهُ اجْتُنِبَ؛ لِأنَّ الإباحَةَ لَمْ تَنْسَحِبْ عَلى الذِّكْرِ مُطْلَقًا، بَلِ اخْتَصَّتْ بِوَجْهٍ واحِدٍ مِن وُجُوهِهِ، وذَلِكَ الوَجْهُ المُباحُ عَسِرُ التَّمَيُّزِ عَمّا لَمْ يُبَحْ. فَذُكِرَتْ مُسْتَثْناةً بِقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَحَلَّ ضَيِّقٌ والأمْرُ فِيهِ عُسْرٌ، والأصْلُ فِيهِ الحَظَرُ. ولا كَذَلِكَ الوَطْءُ في زَمَنِ لَيْلِ الصَّوْمِ. فَإنَّهُ أُبِيحَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ؛ فَلِذَلِكَ صَدَرَ الكَلامُ بِالإباحَةِ والتَّوْسِعَةِ. وجاءَ النَّهْيُ عَنْ مُباشَرَةِ المُعْتَكِفَةِ في المَسْجِدِ تِلْوًا لِلْإباحَةِ وتَبَعًا في الذِّكْرِ؛ لِأنَّها حالَةٌ فاذَّةٌ. والمَنعُ فِيها لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ الصَّوْمِ ولَكِنَّ الأمْرَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حَيْثُ المُصاحِبُ، وهو الِاعْتِكافُ. فَتَفَطَّنْ لِهَذا السِّرِّ فَإنَّهُ مِن غَرائِبِ النُّكَتِ.
﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ العُقْدَةُ بِالضَّمِّ مِنَ النِّكاحِ وكُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَيْعِ ونَحْوِهِ، وُجُوبُهُ. قالَ الفارِسِيُّ: هو مِنَ الشَّدِّ والرَّبْطِ، وقالَ الرّازِيُّ: أصْلُ العَقْدِ الشَّدُّ. وسُمِّيَتِ العُهُودُ والأنْكِحَةُ عُقُودًا؛ لِأنَّها تُعْقَدُ كَما يُعْقَدُ الحَبْلُ. وذُكِرَ العَزْمُ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ عَقْدِ النِّكاحِ؛ لِأنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ يَتَقَدَّمُهُ. فَإذا نَهى عَنْهُ كانَ عَنِ الفِعْلِ أنْهى. ومَعْناهُ: ولا تَعْزِمُوا وُجُوبَ النِّكاحِ لِأنَّ القَصْدَ إلَيْهِ حالَ العِدَّةِ يُفِيدُ مَزِيدَ تَحْرِيكٍ (p-٦١٨)مِنَ الجانِبَيْنِ، بِحَيْثُ لا يُطاقُ مَعَهُ الصَّبْرُ إلى انْقِضاءِ العِدَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ أيِ: العِدَّةُ المَكْتُوبَةُ المَفْرُوضَةُ آخِرَها ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ المَيْلِ إلَيْهِنَّ قَبْلَ الأجَلِ: ﴿فاحْذَرُوهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَغْفِرُ ذَلِكَ المَيْلَ إذْ لَمْ يَتَعَدَّ العَزْمُ عُقْدَةَ النِّكاحِ: ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ، فَلا تَسْتَدِلُّوا بِتَأْخِيرِها عَلى أنَّ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ العَزْمِ لَيْسَ مِمّا يَسْتَتْبِعُ المُؤاخَذَةَ....
البقرة 2:236
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٦] ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ .
﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (ما) شُرْطِيَّةٌ، أيْ: إنْ لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً. يَعْنِي: ولَمْ تُعِينُوا لَهُنَّ صَداقًا. فَـ: (أوْ) بِمَعْنى الواوِ - وحِينَئِذٍ فَلا مَهْرَ لَهُنَّ، ولَكِنَّ المُتْعَةَ بِالمَعْرُوفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ: مِن مالِكم جَبْرًا لِوَحْشَةِ الفِراقِ: ﴿عَلى المُوسِعِ﴾ أيِ: الغَنِيِّ الَّذِي يَكُونُ في سِعَةٍ مِن غِناهُ: ﴿قَدَرُهُ﴾ - بِسُكُونِ الدّالِ وبِفَتْحِها قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ - أيْ: يَجِبُ عَلى المُوسِرِ قَدْرُ ما يَلِيقُ بِيَسارِهِ: ﴿وعَلى المُقْتِرِ﴾ أيِ: المُعْسِرُ الَّذِي في ضِيقٍ مِن فَقْرِهِ، وهو المُقِلُّ الفَقِيرُ، يُقالُ: اقْتَرَّ إذا افْتَقَرَ: ﴿قَدَرُهُ﴾ أيْ: قَدْرُ ما يَلِيقُ بِإعْسارِهِ: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ﴾ تَأْكِيدٌ لِـ: {مَتَّعُوهُنَّ } يَعْنِي: مَتِّعُوهُنَّ تَمْتِيعًا بِالمَعْرُوفِ - أيْ: بِالوَجْهِ المُسْتَحْسَنِ، فَلا يُزادُ إلى نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ ولا يَنْقُصُ إلى ما لا يُعْتَدُّ بِهِ -: ﴿حَقًّا﴾ أيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ ثُبُوتًا مُسْتَقِرًّا: ﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ بَدَلَ المَهْرِ؛ وذِكْرُهم بِهَذا العُنْوانِ تَرْغِيبٌ وتَحْرِيضٌ لَهم عَلى الإحْسانِ إلَيْهِنَّ بِالمُتْعَةِ. وإنَّما كانَتْ إحْسانًا لِأنَّ مُلّاكَ القَصْدِ فِيها ما تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ المَرْأةِ (p-٦١٩)ويَبْقى باطِنُها وباطِنُ أهْلِها سَلَمًا ذا مَوَدَّةٍ، لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا. أفادَهُ الحَرالِيُّ.
ورَوى الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مُتْعَةُ الطَّلاقِ أعْلاها الخادِمُ، ودُونَ ذَلِكَ الوَرِقُ. ودُونَ ذَلِكَ الكُسْوَةُ. وعَنْهُ: إنْ كانَ مُوسِرًا مَتَّعَها بِخادِمٍ ونَحْوِهِ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا مَتَّعَها بِثَلاثَةِ أثْوابٍ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ أنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مَتَّعَ بِعَشَرَةِ آلافٍ. فَقالَتِ المَرْأةُ: مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ.
تَنْبِيهٌ:
أخَذَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ يُحاوِلُ البَحْثَ بِأنَّ عُنْوانَ نَفْيِ الجُناحِ - عَمّا ذُكِرَ هُنا - يُفِيدُ ثُبُوتَهُ فِيما عَداهُ، مَعَ أنَّهُ لا جُناحَ أيْضًا فِيهِ. وتَكَلَّفَ لِلْجَوابِ - سامَحَهُ اللَّهُ - ولا يَخْفاكَ أنَّ مِثْلَ هَذا العُنْوانِ كَثِيرًا ما يُرادُ بِهِ في التَّنْزِيلِ التَّرْخِيصُ والتَّسْهِيلُ، كَما تَكَلَّفَ بَعْضٌ بِجُعْلٍ أوْ بِمَعْنى إلّا أوْ حَتّى؛ وجَعَلَ الحَرَجَ بِمَعْنى المَهْرِ، مَعَ أنَّ الآيَةَ بَيِّنَةٌ بِنَفْسِها لا حاجَةَ إلى أنْ تَتَجاذَبَها أطْرافُ هَذِهِ الأبْحاثِ. وعُدُولُهم عَنْ أقْرَبِ مِمّا سَلَكُوهُ - أعْنِي: كَوْنَ أوْ بِمَعْنى الواوِ - مَعَ شُيُوعِها في آياتٍ كَثِيرَةٍ - عَجِيبٌ. وأعْجَبُ مِنهُ تَخْطِئَةُ مَن جَنَحَ لِهَذا الأقْرَبِ، مَعَ أنَّ مِمّا يُرَشِّحُهُ مَساقُ الآيَةِ بَعْدَها.
وما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: قالَ الخازِنُ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي حَنِيفَةَ ولَمْ يُسَمِّ لَها صَداقًا ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، فَنَزَلَتْ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أمْتِعْها ولَوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ»» . وهَذِهِ الرِّوايَةُ - إنْ ثَبَتَتْ - كانَتْ شاهِدَةً لِما اعْتَمَدْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:237
(p-٦٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٧] ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكم إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ - أيِ: الزَّوْجاتِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ: تُجامِعُوهُنَّ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وإنَّما كَنّى تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ عَنِ المُجامَعَةِ، تَأْدِيبًا لِلْعِبادِ في اخْتِيارِ أحْسَنِ الألْفاظِ فِيما يَتَخاطَبُونَ بِهِ ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ أيْ: سَمَّيْتُمْ: ﴿لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أيْ: مَهْرًا مُقَدَّرًا: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ ما سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ المَهْرِ، أوْ فالواجِبُ عَلَيْكم ذَلِكَ: ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ أيِ: المُطَلَّقاتُ عَنْ أزْواجِهِنَّ، فَلا يُطالِبْنَهم بِنِصْفِ المَهْرِ. وتَقُولُ المَرْأةُ: ما رَآنِي ولا خَدَمْتُهُ ولا أسْتَمْتَعَ بِي فَكَيْفَ آخُذُ مِنهُ شَيْئًا..؟: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزَّوْجُ، فَيَسُوقُ إلَيْها المَهْرَ كامِلًا، أوِ الوَلِيُّ، يَعْنِي: إذا كانَتْ صَغِيرَةً - أوْ غَيْرَ جائِزَةِ التَّصَرُّفِ - فَيَتْرُكُ نَصِيبَها لِلزَّوْجِ.
قالَ مالِكٌ في " مُوَطَّئِهِ " في هَذِهِ الآيَةِ: هو الأبُ في ابْنَتِهِ البِكْرِ، والسَّيِّدُ في أمَتِهِ، وكِلا التَّأْوِيلَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.
قالَ الحَرالِيُّ: إذا قُرِنَ هَذا الإيرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] خِطابًا لِلْأزْواجِ قَوِيَ فَسْرُ مَن جَعَلَ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ هو الزَّوْجُ مُعادَلَةً لِلزَّوْجاتِ، ومَن خَصَّ عَفْوَهُنَّ بِالمالِكاتِ - أيِ: الرَّشِيداتِ - خَصَّ هَذا بِالأوْلِياءِ.
ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّ الشَّعْبِيَّ رَجَعَ إلى أنَّهُ الزَّوْجُ، وكانَ يُباهِلُ عَلَيْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: القَوْلُ بِأنَّهُ الوَلِيُّ ظاهِرُ الصِّحَّةِ.
وقالَ النّاصِرُ في " حَواشِيهِ ": وصَدَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قَوْلٌ ظاهِرُ الصِّحَّةِ، عَلَيْهِ رَوْنَقُ الحَقِّ وطَلاوَةُ الصَّوابِ لِوُجُوهٍ سِتَّةٍ. ساقَها بِألْطَفِ بَيانٍ، فانْظُرْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٦٢١)﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ هَذا خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا، وغَلَّبَ التَّذْكِيرَ نَظَرًا لِلْأشْرَفِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أقْرَبُهُما لِلتَّقْوى الَّذِي يَعْفُو، وذَلِكَ لِأنَّ مَن سَمَحَ بِتَرْكِ حَقِّهِ كانَ مُحْسِنًا، وذَلِكَ عُنْوانُ التَّقْوى: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيِ: التَّفَضُّلَ بِالإحْسانِ لِما فِيهِ مِنَ الأُلْفَةِ وطِيبِ الخاطِرِ، فَهو حَثٌّ عَلى العَفْوِ، فَمَن عَفا مِنهُما فَلَهُ الفَضْلُ عَلى الآخَرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في الوُسْعِ حَتّى يَنْهى عَنْهُ، فالمُرادُ مِنهُ التَّرْكُ، أيْ: لا تَتْرُكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ، فالتَّعْبِيرُ بِالنِّسْيانِ آكَدُ في النَّهْيِ، والخِطابُ هُنا أيْضًا لِلْقَبِيلَيْنِ بِالتَّغْلِيبِ، كالَّذِي قَبْلَهُ، وخَصَّهُ الحَرالِيُّ بِالرِّجالِ، قالَ:
فَمِن حَقِّ الزَّوْجِ - الَّذِي لَهُ فَضْلُ الرُّجُولَةِ - أنْ يَكُونَ هو العافِيَ، وأنْ لا يُؤْخَذَ النِّساءُ بِالعَفْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ في الخِطابِ أمْرٌ لَهُنَّ ولا تَحْرِيضٌ، فَمِن أقْبَحِ ما يَكُونُ حَمْلُ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ في اسْتِرْجاعِ ما آتاها بِما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فَيَنْبَغِي أنْ لا تَنْسَوْا ذَلِكَ الفَضْلَ فَتَجْرُونَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ تُلْزَمُوا بِهِ.
وقَدْ حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً وطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَأكْمَلَ لَها الصَّداقَ وقالَ: أنا أحَقُّ بِالعَفْوِ..! وعَنْهُ: أنَّهُ دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ فَعَرَضَ عَلَيْهِ بِنْتًا لَهُ فَتَزَوَّجَها، فَلَمّا خَرَجَ طَلَّقَها وبَعَثَ إلَيْها بِالصَّداقِ كامِلًا، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَزَوَّجْتَها؟ فَقالَ: عَرَضَها عَلَيَّ فَكَرِهْتُ رَدَّهُ. قِيلَ: فَلِمَ بَعَثْتَ بِالصَّداقِ؟ قالَ: فَأيْنَ الفَضْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: فَلا يَضِيعُ تَفَضُّلُكم وإحْسانُكم. ولَمّا كانَتِ الحُقُوقُ المَشْرُوعَةُ قَبْلُ، مِمّا قَدْ يَشُقُّ القِيامُ بِها عَلى بَعْضِ النّاسِ، أُمِرُوا بِما يُخَفِّفُ عَنْهم عِبْئَها ويُحَبِّبُ إلَيْهِمْ أداءَها، وذَلِكَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ فَإنَّها تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ولِذا أمَرَ بِها تَعالى - إثْرَ ما تَقَدَّمَ - بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
البقرة 2:238
(p-٦٢٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٨] ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ .
﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ أيْ: داوِمُوا عَلى أدائِها لِأوْقاتِها مَعَ رِعايَةِ فَرائِضِها وسُنَنِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ أيِ: الوُسْطى بَيْنَ الصَّلَواتِ بِمَعْنى المُتَوَسِّطَةِ أوِ الفُضْلى مِنها، مِن قَوْلِهِمْ لِلْأفْضَلِ: الأوْسَطُ. فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ الأمْرُ لِصَلاةٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْنَ صَلاتَيْنِ. وهَلْ هي الصُّبْحُ أوِ الظُّهْرُ أوِ العَصْرُ أوِ المَغْرِبُ أوِ العِشاءُ؟! أقْوالٌ مَأْثُورَةٌ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وعَلى الثّانِي: فَهي صَلاةُ الفِطْرِ أوِ الأضْحى أوِ الجَماعَةِ أوْ صَلاةِ الخَوْفِ أوِ الجُمُعَةِ أوِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الطُّولِ والقِصَرِ. أقْوالٌ أيْضًا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأعْلامِ، والقَوْلُ الأخِيرُ جَيِّدٌ جِدًّا كَما لَوْ قِيلَ بِأنَّها ذاتُ الخُشُوعِ لِآيَةِ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]
وأمّا عُلَماءُ الأثَرِ فَقَدْ ذَهَبُوا إلى أنَّ المَعْنِيَّ بِالآيَةِ صَلاةُ العَصْرِ لِما في (الصَّحِيحَيْنِ) عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ الأحْزابِ (وفِي رِوايَةٍ، يَوْمَ الخَنْدَقِ): ««مَلَأ اللَّهُ قُلُوبَهم وبُيُوتَهم نارًا كَما شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ»» . وفي رِوايَةٍ: ««شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ»» . وذَكَرَ نَحْوَهُ وزادَ في أُخْرى: ثُمَّ صَلّاها بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. أخْرَجاهُ في (الصَّحِيحَيْنِ) ورَواهُ أصْحابُ السُّنَنِ والمَسانِيدِ والصِّحاحِ مِن طُرُقٍ يَطُولُ ذِكْرُها...
وأجابَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ مَن ذَهَبَ إلى غَيْرِهِ بِأنَّهُ لَمْ يَرِدِ الحَدِيثُ مَوْرِدَ تَفْسِيرِ الآيَةِ حَتّى يُعَيِّنَها، وإنَّما فِيهِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِها وُسْطى، وهو كَذَلِكَ لِأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ وفُضْلى مِنَ الصَّلَواتِ.
(p-٦٢٣)وما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي يُونُسَ - مَوْلى عائِشَةَ - قالَ: «أمَرَتْنِي عائِشَةُ أنْ أكْتُبَ لَها مُصْحَفًا وقالَتْ: إذا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ قالَ: فَلَمّا بَلَغْتُها آذَنْتُها، فَأمْلَتْ عَلَيَّ: حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ. قالَتْ عائِشَةُ: سَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَفْصَةَ نَحْوَ ذَلِكَ. قالَ نافِعٌ: فَقَرَأْتُ ذَلِكَ المُصْحَفَ فَوَجَدْتُ فِيهِ الواوَ. وكَذا رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أنَّهُما قَرَآ كَذَلِكَ.
فَهَذا مِن عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إعْلامٌ بِالمُرادِ مِنَ (الوُسْطى) عِنْدَها. ضَمَّتِ التَّأْوِيلَ إلى أصْلِ التَّنْزِيلِ لِأمْنِ اللَّبْسِ فِيهِ، لِأنَّ القُرْآنَ مُتَواتِرٌ مَأْمُونٌ أنْ يُزادَ فِيهِ أوْ يُنْقَصَ. وكانَ في أوَّلِ العَهْدِ بِنَسْخِهِ رُبَّما ضَمَّ بَعْضُ الصَّحابَةِ تَفْسِيرًا إلَيْهِ، أوْ حَرْفًا يَقْرَؤُهُ. ولِذا لَمّا خَشِيَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَرْتابَ في كَوْنِهِ مِنَ التَّنْزِيلِ - مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ - أمَرَ بِأنْ تُجَرَّدَ المَصاحِفُ في عَهْدِهِ مِمّا زِيدَ فِيها مِنَ التَّأْوِيلِ وحُرُوفِ القِراءاتِ الَّتِي انْفَرَدَ بَعْضُ الصَّحْبِ، وأنْ يُقْتَصَرَ عَلى المُتَواتِرِ تَنْزِيلُهُ وتَلَقِّيهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ في " الِانْتِصارِ ": لَمْ يَقْصِدْ عُثْمانُ قَصْدَ أبِي بَكْرٍ في جَمْعِ نَفْسِ القُرْآنِ بَيْنَ لَوْحَيْنِ، وإنَّما قَصَدَ جَمْعَهم عَلى القِراءاتِ الثّابِتَةِ المَعْرُوفَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وإلْغاءَ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وأخْذَهم بِمُصْحَفٍ لا تَقْدِيمَ فِيهِ ولا تَأْخِيرَ ولا تَأْوِيلَ أُثْبِتَ مَعَ تَنْزِيلٍ، ولا مَنسُوخٌ تِلاوَتُهُ، كُتِبَ مَعَ مُثْبَتٍ رَسْمُهُ ومَفْرُوضٍ قِراءَتُهُ وحِفْظُهُ، خَشْيَةَ دُخُولِ الفَسادِ والشُّبْهَةِ عَلى مَن يَأْتِي بَعْدُ....
هَذا وقَدْ أيَّدَ عُلَماءُ الأثَرِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، بِأنَّها خُصَّتْ بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والأمْرِ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، والتَّغْلِيظِ لِمَن ضَيَّعَها، فَقَدْ قالَ أبُو المَلِيحِ: «كُنّا مَعَ بُرَيْدَةَ في غَزْوَةٍ، فَقالَ في يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ: بَكِّرُوا بِصَلاةِ العَصْرِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ فَقَدْ (p-٦٢٤)حَبِطَ عَمَلُهُ»» . أخْرَجَهُ البُخارِيُّ. وقَوْلُهُ: ««بَكِّرُوا بِصَلاةِ العَصْرِ»»، أيْ: قَدِّمُوها في أوَّلِ وقْتِها.
ورَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ..!»» أيْ: نُقِصَ وسُلِبَ أهْلَهُ ومالَهُ فَبَقِيَ فَرْدًا فاقِدَهُما. والمَعْنى: لِيَكُنْ حَذَرُهُ مِن فَوْتِ صَلاةِ العَصْرِ كَحَذَرِهِ مِن ذَهابِ أهْلِهِ ومالِهِ.
وقَدْ ساقَ الحافِظُ عَبْدُ المُؤْمِنِ الدِّمْياطِيُّ في كِتابِهِ " كَشْفُ المُغَطّى في تَبْيِينِ الصَّلاةِ الوُسْطى " ما امْتازَتْ بِهِ صَلاةُ العَصْرِ مِنَ الخَصائِصِ والفَضائِلِ، قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ:
فَمِنها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَلَّظَ المُصِيبَةَ في فَواتِها بِذَهابِ الأهْلِ والمالِ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ.
ومِنها: حُبُوطُ عَمَلِ تارِكِها المُضَيِّعِ لَها في الحَدِيثِ السّالِفِ أيْضًا.
ومِنها: أنَّها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ.
ومِنها: قَوْلُهُ ﷺ: ««مَن حافَظَ عَلَيْها كانَ لَهُ أجْرُها مَرَّتَيْنِ»» . رَواهُ مُسْلِمٌ.
ومِنها: أنَّ انْتِظارَها بَعْدَ الجُمُعَةِ كَعُمْرَةٍ - رَواهُ أبُو يَعْلى. ورَوى الحاكِمُ: كَمَن أتى بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ.
ومِنها: قَوْلُهُ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ (p-٦٢٥)ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ.. - إلى أنْ قالَ - ورَجُلٌ أقامَ سِلْعَةً بَعْدَ العَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ أنَّهُ أخَذَها بِكَذا وكَذا، فَجاءَ رَجُلٌ فَصَدَّقَهُ فاشْتَراها»» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: وقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ الأيْمانَ الَّتِي يَحْلِفُ بِها العِبادُ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم بَعْدَها فَقالَ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]
قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ: بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، ولِذَلِكَ غَلَّظَ العُلَماءُ اللِّعانَ وسائِرَ الأيْمانِ المُغَلَّظَةِ بِوَقْتِ صَلاةِ العَصْرِ لِشَرَفِهِ ومَزِيَّتِهِ.
ومِنها: أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتْلَفَ مالًا عَظِيمًا مِنَ الخَيْلِ لَمّا شَغَلَهُ عَرَضُها عَنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ غابَتِ الشَّمْسُ، فَمَدَحَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ وأثْنى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ﴾ [ص: ٣١] الآيَةَ.
ومِنها: أنَّ السّاعَةَ الَّتِي في يَوْمِ الجُمُعَةِ قَدْ قِيلَ: إنَّها بَعْدَ العَصْرِ.
ومِنها: أنَّ وقْتَها وقْتُ ارْتِفاعِ الأعْمالِ.
(p-٦٢٦)ومِنها: الحَدِيثُ المَرْفُوعُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُوحِي إلى المَلَكَيْنِ: لا تَكْتُبا عَلى عَبْدِي الصّائِمِ بَعْدَ العَصْرِ سَيِّئَةً».
ومِنها: ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]
قالَ مُقاتِلٌ: العَصْرُ: هي الصَّلاةُ الوُسْطى، أقْسَمَ بِها - حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
ومِنها: ما رُوِيَ في الحَدِيثِ، «أنَّ المَلائِكَةَ تَصُفُّ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ يَكْتُبُها في السَّماءِ الدُّنْيا فَيُنادِي المَلَكُ: ألْقِ تِلْكَ الصَّحِيفَةَ، فَيَقُولُ: وعِزَّتِكَ ما كَتَبْتُ إلّا ما عَمِلَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: لَمْ يُرِدْ بِهِ وجْهِي. ويُنادِي المَلَكَ الآخَرَ: اكْتُبْ لِفُلانٍ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ المَلَكُ: وعِزَّتِكَ إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّهُ نَواهُ».
ومِنها: أنَّ وقْتَها وقْتُ اشْتِغالِ النّاسِ بِتِجاراتِهِمْ ومَعايِشِهِمْ في الغالِبِ.
وقَدْ أُفْرِدَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِمُؤَلَّفاتٍ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الفاسِيُّ - شارِحُ " القامُوسِ " - فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الزَّبِيدِيُّ، أنَّ الأقْوالَ فِيها أنافَتْ عَلى الأرْبَعِينَ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنِ العُلَماءِ المُجْتَهِدِينَ وأرْضاهم.
سَنَحَ لِي وقَوِيَ بَعْدَ تَمَعُّنٍ - في أواخِرِ رَمَضانَ سَنَةَ ١٣٢٣ - احْتِمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ لِأنْ يَكُونُ إرْشادًا وأمْرًا بِالمُحافَظَةِ عَلى أداءِ الصَّلاةِ أداءً مُتَوَسِّطًا لا طَوِيلًا مُمِلًّا ولا قَصِيرًا مُخِلًّا. أيْ: والصَّلاةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الطُّولِ والقِصَرِ، ويُؤَيِّدُهُ الأحادِيثُ المَرْوِيَّةُ عَنْهُ ﷺ في ذَلِكَ، قَوْلًا وفِعْلًا.
ثُمَّ مَرَّ بِي في " القامُوسِ " - في ٢٣ رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ ١٣٢٤ - حِكايَةُ هَذا قَوْلًا. حَيْثُ ساقَ في مادَّةِ " و س ط " الأقْوالَ في الآيَةِ، ومِنها قَوْلُهُ: (أوِ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الطُّولِ والقِصَرِ) قالَ شارِحُهُ الزَّبِيدِيُّ: وهَذا القَوْلُ رَدَّهُ أبُو حَيّانَ في " البَحْرِ ".
(p-٦٢٧)ثُمَّ سَنَحَ لِي احْتِمالُ وجْهٍ آخَرَ: وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ أُرِيدَ بِهِ تَوْصِيفُ الصَّلاةِ المَأْمُورِ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها بِأنَّهُ فُضْلى، أيْ: ذاتُ فَضْلٍ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ، فالوُسْطى بِمَعْنى الفُضْلى، مِن قَوْلِهِمْ لِلْأفْضَلِ: الأوْسَطُ. وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ مِمّا حَقَّقَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَدَلَّ لَهُ بِكَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وفي سَوْقِ الصِّفَةِ بِهَذا الأُسْلُوبِ، مِنَ الاعْتِناءِ بِالمَوْصُوفِ ما لا يَخْفى، وأُسْلُوبُ القُرْآنِ أُسْلُوبٌ خاصٌّ انْفَرَدَ بِهِ في بابِ البَلاغَةِ، لَمْ يَنْفَتِحْ مِن أبْوابِ عَجائِبِهِ إلّا قَطْرَةٌ مِن بَحْرٍ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ هو مَلْحَظُ مَن قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وهو مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّ المَعْطُوفَ عَيْنُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ أتى بِجُمْلَةٍ تُفِيدُ التَّوْصِيفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ﴾ - في الصَّلاةِ: ﴿قانِتِينَ﴾ خاشِعِينَ ساكِتِينَ. رَوى الشَّيْخانِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ: «إنْ كُنّا لَنَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَهُ بِحاجَتِهِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ». هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ. ولَفْظُ مُسْلِمٍ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ وهو إلى جَنْبِهِ في الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ».
ورَوى أبُو يَعْلى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ في الصَّلاةِ، فَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ في نَفْسِي إنَّهُ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ صَلاتَهُ قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ - أيُّها المُسْلِمُ - ورَحْمَةُ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ في أمْرِهِ ما يَشاءُ، فَإذا كُنْتُمْ في الصَّلاةِ فاقْنُتُوا ولا تَتَكَلَّمُوا»» .
(p-٦٢٨)ورَوى الطَّبَرانِيُّ في " الأوْسَطِ " والإمامُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في " مُسْنَدَيْهِما " وابْنُ حِبّانَ في " صَحِيحِهِ " عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كُلُّ حَرْفٍ ذُكِرَ مِنَ القُنُوتِ في القُرْآنِ فَهو الطّاعَةُ»» .
البقرة 2:239
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣٩] ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ بِكم خَوْفٌ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ: ﴿فَرِجالا﴾ أيْ: فَصَلُّوا راجِلِينَ، أيْ: ماشِينَ عَلى الأقْدامِ - يُقالُ: رَجِلَ - كَفَرِحَ - فَهو راجِلٌ، ورَجُلَ - بِضَمِّ الجِيمِ - ورَجِلَ - بِكَسْرِها - ورَجَلَ - بِفَتْحِها - ورَجِيلٌ ورَجْلانٌ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَهْرٌ في سَفَرٍ يَرْكَبُهُ فَمَشى عَلى قَدَمَيْهِ. والجَمْعُ رِجالٌ ورَجّالَةٌ ورُجّالٌ - كَرُمّانٍ -: ﴿أوْ رُكْبانًا﴾ أيْ: راكِبِينَ، فَيُعْفى عَنْ كَثْرَةِ الأفْعالِ وإتْمامِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ. وهَذا مِن رُخَصِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي رَخَّصَ لِعِبادِهِ، ووَضْعِهِ الآصارَ والأغْلالَ عَنْهم. وقَدْ رُوِيَتْ صَلاةُ الخَوْفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى صِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مُفَصَّلَةٍ في كُتُبِ السَّنَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ يَتَحَرّى في كُلِّ مَوْطِنٍ ما هو أحْوَطُ لِلصَّلاةِ وأبْلَغُ في الحِراسَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: صَلاةُ الخَوْفِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ في حالِ القِتالِ - وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: في غَيْرِ حالِ القِتالِ، وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]
(p-٦٢٩)وقَدْ رَوى مالِكٌ عَنْ نافِعٍ: أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ إذا سُئِلَ عَنْ صَلاةِ الخَوْفِ، وصَفَها ثُمَّ قالَ: فَإنْ كانَ خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذَلِكَ صَلَّوْا رِجالًا عَلى أقْدامِهِمْ أوْ رُكْبانًا مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غَيْرِ مُسْتَقْبِلِيها.
قالَ نافِعٌ: لا أرى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إلّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ورَواهُ الشَّيْخانِ.
ولِمُسْلِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنَ عُمَرَ قالَ: فَإنْ كانَ خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذَلِكَ فَصَلِّ راكِبًا أوْ قائِمًا تُومِئُ إيماءً.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، بِإسْنادٍ جَيِّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى خالِدِ بْنِ سُفْيانَ الهُذَلِيِّ - وكانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وعَرَفاتٍ - فَقالَ: «اذْهَبْ فاقْتُلْهُ» . قالَ: فَرَأيْتُهُ - وحَضَرَتْ صَلاةُ العَصْرِ - فَقُلْتُ: إنِّي لَأخافُ أنْ يَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ما إنْ أُؤَخِّرِ الصَّلاةَ، فانْطَلَقْتُ أمْشِي وأنا أُصَلِّي أُومِئُ إيماءً نَحْوَهُ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ قالَ لِي: مَن أنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ بَلَغَنِي أنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ في ذَلِكَ، قالَ: (p-٦٣٠)إنِّي لَفي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ ساعَةً، حَتّى إذا أمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتّى بَرَدَ». وهَذا نَصُّ أبِي داوُدَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وأبُو يَعْلى والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَشُغِلْنا عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ حَتّى كُفِينا ذَلِكَ. وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ لِكُلِّ صَلاةٍ إقامَةً، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾»
تَنْبِيهٌ:
هَذِهِ الآيَةُ قَدْ أطْلَقَتِ الخَوْفَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أيُّ مَخافَةٍ مِن عَدُوٍّ أوْ سَبُعٍ أوْ جَمَلٍ صائِلٍ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِ. وشَذَّ قَوْلُ الوافِي وبَعْضِ الظّاهِرِيَّةِ: إنَّ الخَوْفَ مُخْتَصٌّ بِأنْ يَكُونَ مِن آدَمِيٍّ. وقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ فِعْلَها بِالإيماءِ هو فَرْضُهُمْ، فَلا قَضاءَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأمْنِ. قالَ في (التَّهْذِيبِ) خِلافَ ما يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ، ولَكِنَّ هَذا إذا أتَوْا بِما يُسَمّى صَلاةً، فَإنْ لَمْ يُمْكِنْهم شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما أتَوْا بِالذِّكْرِ فَقَطْ. فَقالَ النّاصِرُ زَيْدٌ وابْنُ أبِي الفَوارِسِ وأبُو جَعْفَرٍ: هَذا لا يُسَمّى صَلاةً فَيَجِبُ القَضاءُ. وقالَ الرّاضِي بِاللَّهِ والأمِيرُ الحُسَيْنُ: هو بَعْضُ الصَّلاةِ، فَلا قَضاءَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ««إذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَأتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»» . وإذا ثَبَتَ التَّرْخِيصُ (p-٦٣١)فِي هَذِهِ الصَّلاةِ - بِتَرْكِ كَمالِ الفُرُوضِ - رَخَّصَ فِيها بِفِعْلِ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ، وبِلِباسِ ما فِيهِ نَجَسٌ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ - كَذا في تَفْسِيرِ بَعْضِ عُلَماءِ الزَّيْدِيَّةِ.
﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ: زالَ خَوْفُكُمْ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: فَصَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ. عَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ أرْكانِها. وقَوْلُهُ: ﴿كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ما عَلَّمَكم مِن صَلاةِ الأمْنِ، أوْ لِأجْلِ إنْعامِهِ عَلَيْكُمْ، فالكافُ لِلتَّعْلِيلِ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] والفائِدَةُ في ذِكْرِ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنْ كانَ الإنْسانُ لا يَعْلَمُ إلّا ما لَمْ يَعْلَمِ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ حالَةِ الجَهْلِ الَّتِي انْتَقَلُوا عَنْها، فَإنَّهُ أوْضَحُ في الِامْتِنانِ.
البقرة 2:240
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٠] ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أيْ: يُقْبَضُونَ مِن رِجالِكُمْ: ﴿ويَذَرُونَ﴾ أيْ: يَتْرُكُونَ: ﴿أزْواجًا﴾ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾ خَبَرُ (الَّذِينَ) أيْ: يُوصُونَ، أوْ لِيُوصُوا، (p-٦٣٢)أوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصِيَّةً. وفي قِراءَةٍ بِالرَّفْعِ، أيْ: عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ في أمْوالِهِمْ: ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ بَدَلٌ مِن وصِيَّةً، عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَها. وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَمَنصُوبٌ بِـ وصِيَّةً أوْ بِفِعْلِهِ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ حالٌ مِن أزْواجِهِمْ، أيْ: غَيْرَ مُخْرَجاتٍ. والمَعْنى: يَجِبُ عَلى الَّذِي يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ الِاحْتِضارِ لِأزْواجِهِمْ بِأنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى مِن غَيْرِ أنْ يَخْرُجْنَ مِن مَسْكَنِ زَوْجِهِنَّ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ عَنْ مَنزِلِ الأزْواجِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِنَّ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى أوْلِياءِ المَيِّتِ: ﴿فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ - كالتَّزَيُّنِ والتَّطَيُّبِ وتَرْكِ الحِدادِ والتَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ - وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَحْظُورَ إخْراجُها عِنْدَ إرادَتِها القَرارَ، ومُلازَمَةَ مَسْكَنِ الزَّوْجِ، والحِدادَ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْها ذَلِكَ، وأنَّها مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ المُلازَمَةِ مَعَ أخْذِ النَّفَقَةِ، وبَيْنَ الخُرُوجِ مَعَ تَرْكِها: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ثُمَّ لِيُعْلَمَ أنَّ اخْتِيارَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالَّتِي قَبْلَها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالُوا: كانَ الحُكْمُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ أنَّهُ إذا ماتَ الرَّجُلُ اعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ حَوْلًا، وكانَ يَحْرُمُ عَلى الوارِثِ إخْراجُها مِنَ البَيْتِ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلِ، وكانَتْ نَفَقَتُها وسُكْناها واجِبَتَيْنِ في مالِ زَوْجِها تِلْكَ السَّنَةَ، ولَيْسَ لَها مِنَ المِيراثِ شَيْءٌ، ولَكِنَّها تَكُونُ مُخَيَّرَةً. فَإنْ شاءَتِ اعْتَدَّتْ في بَيْتِ زَوْجِها ولَها النَّفَقَةُ والسُّكْنى، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلِ ولَيْسَ لَها نَفَقَةٌ ولا سُكْنى؛ وكانَ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ لَها النَّفَقَةَ والسُّكْنى مِن مالِ زَوْجِها سَنَةً. والثّانِي: أنَّ عَلَيْها عِدَّةَ سَنَةٍ، ثُمَّ نُسِخَ هَذانِ الحُكْمانِ.
(p-٦٣٣)أمّا الوَصِيَّةُ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى فَنُسِخَتْ بِآيَةِ المِيراثِ، فَجُعِلَ لَها الرُّبُعُ أوِ الثُّمُنُ عِوَضًا عَنِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى، ونُسِخَ عِدَّةُ الحَوْلِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى، فَلِمَ تَكْتُبُها أوْ تَدَعُها..؟ قالَ: يا ابْنَ أخِي! لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ مِن مَكانِهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: نُسِخَتْ بِآيَةِ المِيراثِ بِما فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ الرُّبُعِ والثُّمُنِ، ونُسِخَ أجَلُ الحَوْلِ بِأنْ جُعِلَ أجَلُها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا.
هَذا، وقَدْ ذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ كالأُولى. أخْرَجَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ. قالَ مُجاهِدٌ: دَلَّتِ الآيَةُ الأُولى وهِيَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلى أنَّ هَذِهِ عِدَّتَها المَفْرُوضَةَ تَعْتَدُّها عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، بِزِيادَةِ سَبْعَةِ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً عَلى العِدَّةِ السّابِقَةِ تَمامَ الحَوْلِ، أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الوَصِيَّةِ بِالزَّوْجاتِ أنْ يُمَكَّنَّ مِنَ السُّكْنى في بُيُوتِ أزْواجِهِنَّ بَعْدَ وفاتِهِمْ حَوْلًا كامِلًا، ولا يُمْنَعْنَ مِن ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ فَإذا انَقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ بِالأرْبَعَةِ أشْهُرٍ والعَشْرِ - أوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ - واخْتَرْنَ الخُرُوجَ والِانْتِقالَ مِن ذَلِكَ المَنزِلِ، فَإنَّهُنَّ لا يُمْنَعْنَ مِن ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ إلخ. قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ لَهُ اتِّجاهٌ، وفي اللَّفْظِ مُساعَدَةٌ لَهُ. وقَدِ اخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الإمامُ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.
ومِنهم أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: مَن يُتَوَفّى مِنكم ويَذْرُونَ أزْواجًا، (p-٦٣٤)وقَدْ وصَّوْا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ بِنَفَقَةِ الحَوَلِ وسُكْنى الحَوْلِ، فَإنْ خَرَجْنَ قَبْلَ ذَلِكَ وخالَفْنَ وصِيَّةَ الزَّوْجِ بَعْدَ أنْ يُقِمْنَ المُدَّةَ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ فَلا حَرَجَ: ﴿فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: نِكاحٌ صَحِيحٌ، لِأنَّ إقامَتَهُنَّ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ غَيْرُ لازِمَةٍ. قالَ: والسَّبَبُ أنَّهم كانُوا في زَمانِ الجاهِلِيَّةِ يُوَصُّونَ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى حَوْلًا كامِلًا، وكانَ يَجِبُ عَلى المَرْأةِ الِاعْتِدادُ بِالحَوْلِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، واحْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ ساقَها الفَخْرُ الرّازِيُّ عَنْهُ - إلى أنْ قالَ: فَكانَ المَصِيرُ إلى قَوْلِ مُجاهِدٍ أوْلى مِنِ التِزامِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ قالَ: وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَكُونُ جُمْلَةً واحِدَةً شَرْطِيَّةً، فالشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ فَهَذا كُلُّهُ شَرْطٌ، والجَزاءُ هو قَوْلُهُ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ إلخ، هَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ.
قالَ الرّازِيُّ: وهو في غايَةِ الصِّحَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:241
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤١] ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .
﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِلْمُطَلَّقاتِ مُتْعَةٌ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، جَبْرًا لِوَحْشَةِ الفِراقِ، وأمّا المَهْرُ فَهو حَقُّ البُضْعِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى وُجُوبِ المُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، سَواءٌ كانَتْ مُفَوَّضَةً، أوْ مَفْرُوضًا لَها، أوْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ المَسِيسِ، أوْ مَدْخُولًا بِها.
وإلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لِكُلِّ مُؤْمِنَةٍ طُلِّقَتْ، حُرَّةً أوْ أُمَّةً، مُتْعَةٌ. وقَرَأ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا طَلَّقَ حَفْصُ بْنُ المُغِيرَةِ امْرَأتَهُ فاطِمَةَ، أتَتِ (p-٦٣٥)النَّبِيَّ ﷺ. فَقالَ لِزَوْجِها: «مَتِّعْها» . قالَ: لا أجِدُ ما أُمَتِّعُها قالَ: «فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَتاعِ، مَتِّعْها ولَوْ نِصْفَ صاعٍ مِنَ التَّمْرِ»».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ عِنْدَ شُرَيْحٍ، فَقالَ لَهُ شُرَيْحٌ: مَتِّعْها! فَقالَتِ المَرْأةُ: إنَّهُ لَيْسَ لِي عَلَيْهِ مُتْعَةٌ. إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ {ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ } . ولَيْسَ مِن أُولَئِكَ!.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ فارَقَ امْرَأتَهُ: لا تَأْبى أنْ تَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ. لا تَأْبى أنْ تَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ.
البقرة 2:242
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٢] ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الشّافِي: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في جَمِيعِ المَواضِعِ: ﴿آياتِهِ﴾ الدّالَّةَ عَلى أحْكامِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لِكَيْ تَفْهَمُوا ما فِيها وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها.
البقرة 2:243
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٣] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ أيْ: مِمَّنْ تَقَدَّمَكم مِنَ الأُمَمِ: ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي ألِفُوها لِما وقَعَ فِيها مِمّا لا طاقَةَ لَهم بِهِ مِنَ المَوْتِ. ولَفْظَةُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ قَدْ تُذْكَرُ لِمَن تَقَدَّمَ عِلْمُهُ، فَتَكُونُ لِلتَّعْجِيبِ والتَّقْرِيرِ والتَّذْكِيرِ - كالأحْبارِ وأهْلِ التّارِيخِ - وقَدْ تُذْكَرُ لِمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَتَكُونُ لِتَعْرِيفِهِ وتَعْجِيبِهِ.
(p-٦٣٦)قالَ الرّاغِبُ: "رَأيْتُ" يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ دُونَ الجارِّ، لَكِنْ لَمّا اسْتُعِيرَ " ألَمْ تَرَ " لِمَعْنى " ألَمْ تَنْظُرْ " عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ بِـ " إلى " وفائِدَةُ اسْتِعارَتِهِ: أنَّ النَّظَرَ قَدْ يَتَعَدّى عَنِ الرُّؤْيَةِ، فَإذا أُرِيدَ الحَثُّ عَلى نَظَرٍ ناتِجٍ لا مَحالَةَ لِلرُّؤْيَةِ اسْتُعِيرَتْ لَهُ، وقَلَّما اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في غَيْرِ التَّقْرِيرِ فَلا يُقالُ: رَأيْتُ إلى كَذا.
﴿وهم أُلُوفٌ﴾ أيْ: في العَدَدِ جَمْعُ ألْفٍ، أوْ وهم مُؤْتَلِفُونَ ومُجْتَمِعُونَ جَمْعُ آلِفٌ، بِالمَدِّ - كَشاهِدٍ وشُهُودٍ - أيْ: إنَّ خُرُوجَهم لَمْ يَكُنْ عَنِ افْتِراقٍ كانَ مِنهم ولا تَباغُضٍ، ولَكِنْ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ - أيْ: فِرارًا مِنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ مَعْناهُ: فَأماتَهُمْ، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ماتُوا مَيْتَةَ رَجُلٍ واحِدٍ بِأمْرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، وتِلْكَ مَشِيئَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ كَأنَّهم أُمِرُوا بِشَيْءٍ فامْتَثَلُوهُ امْتِثالًا مِن غَيْرِ إباءٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]
﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ عَطْفٌ. إمّا عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المُقامُ، أيْ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم - وإنَّما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ لِاسْتِحالَةِ تَخَلُّفِ مُرادِهِ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ، وإمّا عَلى " قالَ " لِما أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإماتَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ قاطِبَةً. أمّا أُولَئِكَ فَقَدْ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ فَيَفُوزُوا بِالسَّعادَةِ، وأمّا الَّذِينَ سَمِعُوا قِصَّتَهم فَقَدْ هَداهم إلى مَسْلَكِ الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ، فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلى الجَمِيعِ لِيَشْكُرُوهُ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: فَضْلَهُ كَما يَنْبَغِي.
تَنْبِيهٌ:
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الآيَةَ عُنِيَ بِها قَوْمٌ كَثِيرُو العَدَدِ، خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم وأمَرَهم أنْ يُجاهِدُوا عَدُوَّهُمْ، فَكَأنَّها ذُكِرَتْ مُمَهِّدَةً لِلْأمْرِ بِالقِتالِ بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]
(p-٦٣٧)ومَعْلُومٌ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مِمّا نَزَلَ في المَدِينَةِ إثْرَ الهِجْرَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وكانَ العَدُوُّ في مَكَّةَ وما حَوْلَها في كَثْرَةٍ وقُوَّةٍ ومَنَعَةٍ، فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ المُهاجِرُونَ ومَن آواهم أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَصَّ لَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ بَعْثٌ لَهم عَلى الجِهادِ وتَبْشِيرٌ لَهم بِالفَوْزِ والعاقِبَةِ، وإنْ يَكُونُوا في قِلَّةٍ وضَعْفٍ، ما دامُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِحَبْلِ الوِفاقِ والصَّبْرِ والمُصابَرَةِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الرُّواةِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عُنِيَ بِها ما قُصَّ في التَّوْراةِ عَنْ حِزْقِيلَ - أحَدِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ إلى فَلاةٍ واسِعَةٍ قَدْ مُلِئَتْ عِظامًا يابِسَةً مِن مَوْتى بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ يُنادِيَها بِاسْمِهِ تَعالى، فَجَعَلَتْ تَتَقارَبُ ثُمَّ كُسِيَتْ لَحْمًا، ثُمَّ نادى أرْواحَها فَعادَتْ إلى أجْسامِها واسْتَوَوْا أحْياءً عَلى أقْدامِهِمْ بِأمْرِهِ تَعالى. وهم جَيْشٌ كَثِيرٌ جِدًّا. وأُوحِيَ إلى (حِزْقِيلَ) أنَّهم سَيَعُودُونَ إلى وطَنِهِمْ بَعْدَ أنْ أُجْلُوا عَنْهُ. وهَذِهِ القِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ في تَوْراتِهِمْ في الفَصْلِ السّابِعِ والثَّلاثِينَ مِن نُبُوَّةِ (حِزْقِيلَ).
ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ نَبَأُ (حِزْقِيلَ)، وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وأشْعَثُ بْنُ أسْلَمَ البَصْرِيُّ والحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ والسُّدِّيُّ وهِلالُ بْنُ يِسافٍ وغَيْرُهم. أخْرَجَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ (حِزْقِيلَ) في إحْياءِ المَوْتى لَهُ، كَما أُحْيِيَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَرى قَوْمُهُ ما لا يَيْأسُونَ مَعَهُ مِن جِهادِ عَدُوِّهِمْ لِيَسْتَرْجِعُوا وطَنَهُمُ الَّذِي أجْلاهم عَنْهُ عَدُوُّهُمْ، لِأنَّ (حِزْقِيلَ) كانَ فِيمَن أُجْلِيَ إلى بابِلَ. قالُوا: ونُبُوَّتُهُ تَتَضَمَّنُ القَضاءَ المُنَزَّلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وبُشْرى السَّلامِ الَّذِي يَعْقُبُ ذَلِكَ القَضاءَ. وقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَثَلٌ. ولَعَلَّ مُرادَهُ: أنَّها مَثَلٌ في تَكْوِينِهِ تَعالى أُمَّةً قَوِيَّةً تَقْهَرُ وتَغْلِبُ وتَسُوسُ غَيْرَها بَعْدَ بُلُوغِها غايَةَ الضَّعْفِ والخُمُولِ، فَكانَ حَياتُها ومَوْتُها تَمْثِيلًا لِحالَتَيْها قَبْلُ وبَعْدُ. فَيَكُونُ إشْعارًا بِما سَتَصِيرُ إلَيْهِ العَرَبُ مِنَ القُوَّةِ العَظِيمَةِ والمَدَنِيَّةِ الفَخِيمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوُصُولَ إلى ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِجِهادِ الظّالِمِينَ واتِّفاقِ المُتَّقِينَ عَلى دَحْرِ المُتَغَلِّبِينَ الباغِينَ واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٦٣٨)ثُمَّ إنَّهُ لا خَفاءَ في أنَّ ما قَصَّ مِن حَوادِثِ الإسْرائِيلِيِّينَ كانَ مَعْرُوفًا في الجُمْلَةِ لِمُخالَطَةِ اليَهُودِ لِلْعَرَبِ في قُرُونٍ كَثِيرَةٍ.
قالَ ولِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ في " الفَوْزُ الكَبِيرُ ": واخْتارَ سُبْحانَهُ في تَنْزِيلِهِ مِن أيّامِ اللَّهِ، يَعْنِي: الوَقائِعَ الَّتِي أحْدَثَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: كَإنْعامِ المُطِيعِينَ وتَعْذِيبِ العُصاةِ، ما قَرَعَ سَمْعَهُمْ، وذَكَرَ لَهم إجْمالًا مِثْلَ قِصَصِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وكانَتِ العَرَبُ تَتَلَقّاها أبًا عَنْ جَدٍّ، ومِثْلَ قِصَصِ سَيِّدِنا إبْراهِيمَ وأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّها كانَتْ مَأْلُوفَةً لِأسْماعِهِمْ لِمُخالَطَةِ اليَهُودِ العَرَبَ في قُرُونٍ كَثِيرَةٍ، وانْتَزَعَ مِنَ القِصَصِ المَشْهُورَةِ جُمَلًا تَنْفَعُ في تَذْكِيرِهِمْ، ولَمْ يَسْرُدِ القِصَصَ بِتَمامِها مَعَ جَمِيعِ خُصُوصِيّاتِها. والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ العَوامَّ إذا سَمِعُوا القِصَصَ النّادِرَةَ غايَةَ النُّدْرَةِ، أوِ اسْتَقْصى بَيْنَ أيْدِيهِمْ ذِكْرُ الخُصُوصِيّاتِ، يَمِيلُونَ إلى القِصَصِ نَفْسِها ويَفُوتُهُمُ التَّذَكُّرُ الَّذِي هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ فِيها. ونَظِيرُ هَذا الكَلامِ ما قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ النّاسَ لَمّا حَفِظُوا قَواعِدَ التَّجْوِيدِ شُغِلُوا عَنِ الخُشُوعِ في التِّلاوَةِ.
البقرة 2:244
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٤] ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
قالَ المُفَسِّرُونَ: في إتْباعِ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الأمْرَ بِالقِتالِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّها سِيقَتْ بَعْثًا عَلى الجِهادِ. فَحَرَّضَ عَلى الجِهادِ بَعْدَ الإعْلامِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ لا يُغْنِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] وأصْلُ السَّبِيلِ هو الطَّرِيقُ، وسُمِّيَتِ المُجاهَدَةُ سَبِيلًا إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ يَسْلُكُها ويَتَوَصَّلُ إلى اللَّهِ بِها لِيَتَمَكَّنَ مِن إظْهارِ عِبادَتِهِ تَعالى، ونَشْرِ الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِهِ وحِمايَةِ أهْلِها والمُدافَعَةِ عَنِ الحَقِّ وأهْلِهِ، فالقِتالُ: دِفاعٌ في سَبِيلِ اللَّهِ لِإزالَةِ الضَّرَرِ العامِّ. (p-٦٣٩)وهُوَ مَنعُ الحَقِّ وتَأْيِيدُ الشِّرْكِ، وذَلِكَ بِتَرْبِيَةِ الَّذِينَ يَفْتِنُونَ النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ ويَنْكُثُونَ عُهُودَهم لا لِحُظُوظِ النَّفْسِ وأهْوائِها، والضَّراوَةِ بِحُبِّ التَّسافُكِ وإزْهاقِ الأرْواحِ، ولا لِأجْلِ الطَّمَعِ في الكَسْبِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بَعْثٌ عَلى صِدْقِ النِّيَّةِ والإخْلاصِ. كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجاعَةً ويُقاتِلُ حَمِيَّةً ويُقاتِلُ رِياءً، أيُّ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقالَ: «مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ»» .
البقرة 2:245
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٥] ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ - هَذا حَثٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى الصَّدَقَةِ، وقَدْ كَرَّرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ في كِتابِهِ العَزِيزِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: طَلَبُ القَرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ لِما هو تَأْنِيبٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَ. واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ. لَكِنَّهُ تَعالى شَبَّهَ إعْطاءَهُ المُؤْمِنِينَ، وإنْفاقَهم في الدُّنْيا الَّذِي يَرْجُونَ ثَوابَهُ في الآخِرَةِ، بِالقَرْضِ. كَما شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ، بِالبَيْعِ والشِّراءِ. حَسْبَما يَأْتِي بَيانُهُ في سُورَةِ بَراءَةَ، وكَنّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ الفَقِيرِ بِنَفْسِهِ العَلِيَّةِ المُنَزَّهَةِ عَنِ (p-٦٤٠)الحاجاتِ تَرْغِيبًا في الصَّدَقَةِ، كَما كَنّى عَنِ المَرَضِ والجائِعِ والعَطْشانِ بِنَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ، فَفي صَحِيحِ الحَدِيثِ إخْبارًا عَنِ اللَّهِ تَعالى: ««يا ابْنَ آدَمَ! مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي. قالَ: يا رَبِّ! كَيْفَ أسْقِيكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: اسْتَسْقاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ. أما أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»» وكَذا فِيما قَبْلَهُ. أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ. وهَذا كُلُّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيفِ لِمَن كَنّى عَنْهُ تَرْغِيبًا لِمَن خُوطِبَ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وإنَّ اللَّهَ لَيُرِيدَ مِنّا القَرْضَ؟ قالَ: «نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ» قالَ: أرِنِي يَدَكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ! فَناوَلَهُ يَدَهُ. قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي (وحائِطٌ لَهُ، فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، وأُمُّ الدَّحْداحِ فِيها وعِيالُها) فَجاءَ أبُو الدَّحْداحِ فَناداها: يا أُمَّ الدَّحْداحِ! قالَتْ: لَبَّيْكَ، قالَ: اخْرُجِي فَقَدْ أقْرَضْتُهُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ (p-٦٤١)قَبِلَهُ مِنكَ» . فَأعْطاهُ النَّبِيُّ ﷺ اليَتامى الَّذِينَ في حِجْرِهِ. فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «رُبَّ عِذْقٍ لِأبِي الدَّحْداحِ مُدَلًّى في الجَنَّةِ» وفي رِوايَةٍ: «كَمْ مِن عِذْقٍ»» إلخ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَسَنًا﴾ أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] ولَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ في إقْراضِهِ أتْبَعَهَ جُمْلَةً مُرَهِّبَةً مُرَغِّبَةً فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ في الرِّزْقِ ويُوَسِّعُهُ عَلى آخَرِينَ. أيْ: فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكُمْ، لِئَلّا يُبَدِّلَ السَّعَةَ الحاصِلَةَ لَكم بِالضِّيقِ.
﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِيكم.
قالَ المَهايِمِيُّ: وكَيْفَ يُنْكَرُ بَسْطُ اللَّهِ وقَبْضُهُ، وهو الَّذِي يُعْطِي الفَقِيرَ المُلْكَ ويَسْلُبُهُ مِن أهْلِهِ، ويُقَوِّي الضُّعَفاءَ مِنَ الجَمْعِ القَلِيلِ ويُضْعِفُ الأقْوِياءُ مِنَ الجَمْعِ الكَثِيرِ؟! يَعْنِي كَما قَصَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ:
البقرة 2:246
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٦] ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .
﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ﴾ وهُمُ القَوْمُ ذُو الشّارَةِ والتَّجَمُّعِ: ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ إنَّما نُكِّرَ لِعَدَمِ مُقْتَضٍ لِتَعْرِيفِهِ، وزَعَمَ الكِتابِيُّونَ أنَّهُ صَمُوئِيلُ: (p-٦٤٢)﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ: أقِمْ لَنا أمِيرًا: ﴿نُقاتِلْ﴾ أيْ: مَعَهُ عَنْ أمْرِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ حِينَ ظَهَرَتِ العَمالِقَةُ، قَوْمُ جالُوتَ عَلى كَثِيرٍ مِن أرْضِهِمْ: ﴿قالَ﴾ لَهم نَبِيُّهُمْ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَبَرُ (عَسَيْتُمْ) ألّا تُقاتِلُوا. والشَّرْطُ فاصِلٌ بَيْنَهُما. والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ ألّا تُقاتِلُوا: يَعْنِي هَلِ الأمْرُ كَما أتَوَقَّعُهُ أنَّكم لا تُقاتِلُونَ؟ أرادَ أنْ يَقُولَ عَسَيْتُمْ ألّا تُقاتِلُوا بِمَعْنى أتَوَقَّعُ جُبْنَكم عَنِ القِتالِ، فَأدْخَلَ (هَلْ) مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ ومَظْنُونٌ، وأرادَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرَ وتَثْبِيتَ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ وأنَّهُ صائِبٌ في تَوَقُّعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ [الإنسان: ١] مَعْناهُ التَّقْرِيرُ. وقُرِئَ (عَسَيْتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ، وهي ضَعِيفَةٌ.
﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ﴾ أيْ: وأيُّ سَبَبٍ لَنا في تَرْكِ قِتالِ عَدُوِّنا: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ عَرَضَ ما يُوجِبُ القِتالَ إيجابًا قَوِيًّا مِن أخْذِ بِلادِنا وسَبْيِ أوْلادِنا: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ بَعْدَ إلْحاحِهِمْ في طَلَبِهِ: ﴿تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ قِتالِ عَدُوِّهِمْ جُبْنًا: ﴿إلا قَلِيلا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ بِالتَّوَلِّي عَنِ القِتالِ وتَرْكِ الجِهادِ وعِصْيانًا لِأمْرِهِ تَعالى.
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّها دَلَّتْ عَلى أحْكامٍ:
الأوَّلُ: وُجُوبُ الجِهادِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ المَشْهُورَةَ في بَنِي إسْرائِيلَ وما نالَهم تَحْذِيرًا مِن سُلُوكِ طَرِيقِهِمْ. وأيْضًا: شَرائِعُ مَن قَبْلَنا تَلْزَمُنا.
الثّانِي: أنَّ الأمِيرَ يُحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الجِهادِ لِتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ، وقَدْ «كانَ ﷺ إذا بَعَثَ سِرِّيَّةً أمَّرَ عَلَيْها أمِيرًا». قالَ في " الكَشّافِ ": (p-٦٤٣)ورُوِيَ أنَّهُ أمَرَ النّاسِ إذا سافَرُوا أنْ يَجْعَلُوا أحَدَهم أمِيرًا عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: وُجُوبُ طاعَةِ الأمِيرِ في أمْرِ السِّياسَةِ وتَدْبِيرِ الحَرْبِ، لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ يَقْضِي بِذَلِكَ، فَفي الحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ: ««أطِيعُوا الأمِيرَ ولَوْ كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا»» . وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ عِلْمِ المُعامَلَةِ: أنَّهُ يَنْبَغِي في الأسْفارِ أنْ يَجْعَلَ أهْلُ السَّفَرِ لَهم أمِيرًا ودَلِيلًا وإمامًا، وهَذا مَحْمُودٌ؛ إذْ بِذَلِكَ يَنْقَطِعُ الجِدالُ وتَنْتَظِمُ أُمُورُهم. ويَلْزَمُ مِثْلُ هَذا في كُلِّ أمْرٍ يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَرْدادٍ في الآراءِ، نَحْوَ أُمُورِ الأوْقافِ والمَساجِدِ والإمامَةِ لِكُلِّ مَسْجِدٍ ونَحْوَ هَذا.
قالَ الحاكِمُ: وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلْأنْبِياءِ تَشْدِيدَ العُهُودِ والمَواثِيقِ فِيما يَلْزَمُهم ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: هَلْ عَسَيْتُمْ وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ عَلَيْهِمْ، وكَذا يَأْتِي في الإمامِ قِياسُ ما ذَكَرَ الحاكِمُ في النَّبِيِّ.
البقرة 2:247
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٧] ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
(p-٦٤٤)﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ هَذا شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، إثْرَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى مَصِيرِ حالِهِمْ. أيْ: قالَ لَهم (بَعْدَ ما أوْحى إلَيْهِ ما أوْحى) إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا أيْ: مَلَّكَهُ عَلَيْكُمْ، فانْتَهُوا في تَدْبِيرِ الحَرْبِ إلى أمْرِهِ، وكانَ طالُوتُ مِن سِبْطٍ لَمْ يَكُنِ المُلْكُ فِيهِمْ. وطالُوتُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَجالُوتَ وداوُدَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ (الطُّولِ) لِما وُصِفَ بِهِ مِنَ البَسْطَةِ في الجِسْمِ. ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ. وقَدْ زَعَمَ الكِتابِيُّونَ أنَّ طالُوتَ هو المَعْرُوفُ عِنْدَهم بِشاوُلَ ﴿قالُوا﴾ مُعْتَرِضِينَ عَلى نَبِيِّهِمْ بَلْ عَلى اللَّهِ تَعالى: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ أوْ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ: ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ أيْ: لِأنَّ فِينا مَن هو سِبْطُ المُلُوكِ دُونَهُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَثَنَّوُا اعْتِراضَهم بِما هو أشَدُّ وهو الفَخْرُ بِما ادَّعَوْهُ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُلْكِ عَلى مَن مَلَّكَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَكانَ فِيهِ حَظٌّ مِن فَخْرِ إبْلِيسَ، حَيْثُ قالَ حِينَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [ص: ٧٦]
﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ أيْ: فَصارَ لَهُ مانِعانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ مِن بَيْتِ المُلْكِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُمْلِقٌ. والمَلِكُ لا بُدَّ لَهُ مِن مالٍ يَعْتَضِدُ بِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَكانَ في هَذِهِ الثّالِثَةِ فِتْنَةُ اسْتِصْنامِ المالِ، وأنَّهُ مِمّا يُقامُ بِهِ مُلْكٌ. وإنَّما المُلْكُ بِإيتاءِ اللَّهِ. فَكانَ في هَذِهِ الفِتْنَةِ الثّالِثَةِ جَهْلٌ وشِرْكٌ، فَتَزايَدَتْ صُنُوفُ فِتْنَتِهِمْ فِيما انْبَعَثُوا إلى طَلَبِهِ مِن أنْفُسِهِمْ.
﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ لَمّا اسْتَبْعَدُوا (p-٦٤٥)تَمَلُّكَهُ بِسُقُوطِ نَسَبِهِ وبِفَقْرِهِ، رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أوَّلًا: بِأنَّ مَلاكَ الأمْرِ هو اصْطِفاءُ اللَّهِ تَعالى وقَدِ اخْتارَهُ عَلَيْكم وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ مِنكُمْ، وثانِيًا: بِأنَّ العُمْدَةَ فِيهِ وُفُورُ العِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ أُمُورِ السِّياسَةِ، وجَسامَةُ البَدَنِ لِيَعْظُمَ خَطَرُهُ في القُلُوبِ ويَقْدِرَ عَلى مُقاوَمَةِ الأعْداءِ ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ، وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُما بِحَظٍّ وافِرٍ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ إرْثٍ أوْ مالٍ؛ إذْ لا يُشْتَرَطُ في حَقِّهِ تَعالى شَيْءٌ، فَهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ ويُغْنِيهِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَلِيقُ بِالمُلْكِ مِمَّنْ لا يَلِيقُ بِهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّ النُّبُوَّةَ والإمامَةَ لا تُسْتَحَقُّ بِالإرْثِ وأنَّ الغِنى والصِّيانَةَ مِنَ الحِرَفِ الدَّنِيئَةِ، لا تُشْتَرَطُ في أمِيرٍ ولا إمامٍ ولا قاضٍ. أيْ: لَمّا رُوِيَ أنَّ طالُوتَ كانَ دَبّاغًا أوْ سَقّاءً مَعَ فَقْرِهِ. قالَ الحاكِمُ: فَيَبْطُلُ قَوْلُ الإمامِيَّةِ إنَّها وِراثَةٌ، والمَعْرُوفُ مِن قَوْلِهِمْ أنَّ الإمامَةَ طَرِيقُها النَّصُّ، وتَدُلُّ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في الأمِيرِ ونَحْوِهِ القُوَّةُ عَلى ما تَوَلّاهُ، فَيَكُونُ سَلِيمًا مِنَ الآفاتِ عالِمًا بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ البَسْطَةَ في العِلْمِ والجِسْمِ رَدًّا عَلى ما اعْتَبَرُوا.
البقرة 2:248
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٨] ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ﴾ أيْ: عَلامَةَ: ﴿مُلْكِهِ﴾ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ أيْ: يَرُدُّ اللَّهُ إلَيْكُمُ التّابُوتَ الَّذِي أُخِذَ مِنكم وهو صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، عَلى ما سَنَذْكُرُهُ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: وقارٌ وجَلالٌ وهَيْبَةٌ، أوْ فِيهِ سُكُونُ نُفُوسِ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلى (p-٦٤٦)الحَرْبِ: ﴿وبَقِيَّةٌ﴾ أيْ: فَضْلَةُ جُمْلَةٍ، ذَهَبَ جُلُّها: ﴿مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ أيْ: مِن آثارِهِمُ الفاضِلَةِ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في رَدِّ التّابُوتِ إلَيْكُمْ: ﴿لآيَةً لَكُمْ﴾ أنَّ مُلْكَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ.
قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: التّابُوتُ واللَّهُ أعْلَمُ، الصُّنْدُوقُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ اللَّوْحانِ اللَّذانِ كُتِبَ فِيهِما العَشْرُ الآياتِ، ويُسَمّى تابُوتَ الشَّهادَةَ، وكانُوا إذا حارَبُوا حَمَلَهُ جَماعَةٌ مِنهُمْ، مُوَظَّفُونَ لِحَمْلِهِ، ويَتَقَدَّمُونَ بِهِ أمامَ الجَيْشِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ نَصْرِهِمْ. وكانَ العَمالِقَةُ أصْحابُ جالُوتَ لَمّا ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ أخَذُوهُ في جُمْلَةِ ما أخَذُوا مِن نَفائِسِهِمْ، وكانَ عَهْدُهم بِهِ قَدْ طالَ. فَذَكَّرَهم بِمَآثِرِهِ تَرْغِيبًا فِيهِ وحَمْلًا عَلى الِانْقِيادِ لِطالُوتَ، فَقالَ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ الآيَةَ.
وفِي الإصْحاحِ الخامِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ما نَصُّهُ:
١ * وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا.
٢ * كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَأْخُذُوا لِي تَقْدِمَةٍ مِن كُلِّ مَن يَحُثُّهُ قَلْبُهُ تَأْخُذُونَ تَقْدِمَتِي.
٣ * وهَذِهِ هي التَّقْدِمَةُ الَّتِي تَأْخُذُونَها مِنهُمْ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ ونُحاسٌ.
٤ * وأسْمانْجُونِيٌّ وأُرْجُوانٌ وقِرْمِزٌ وبُوصٌ وشَعْرُ مِعْزى. (٥) وجُلُودُ كِباشٍ مُحَمَّرَةٌ وجُلُودُ نُخَسٍ وخَشَبُ سَنْطٍ. * ٦ * وزَيْتٌ لِلْمَنارَةِ وأطْيابٌ لِدُهْنِ المَسْحَةِ ولِلْبَخُورِ العَطِرُ. * ٧ * وحِجارَةُ جَزْعٍ، وحِجارَةُ تَرْصِيعٍ لِلرِّداءِ والصُّدْرَةِ. * ٨ * فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لِأسْكُنَ في وسْطِهِمْ. * ٩ * بِحَسَبِ جَمِيعِ ما أنا أُرِيكَ مِن مِثالِ المَسْكَنِ ومِثالِ جَمِيعِ آنِيَتِهِ، هَكَذا تَصْنَعُونَ.
١٠ * فَتَصْنَعُونَ تابُوتًا مِن خَشَبِ السَّنْطِ طُولُهُ ذِراعانِ ونِصْفٌ وعَرْضُهُ ذِراعٌ ونِصْفٌ، وارْتِفاعُهُ ذِراعٌ ونِصْفٌ. * ١١ * وتَغُشِّيهِ بِذَهَبٍ نَقِيٍّ مِن داخِلٍ ومِن خارِجٍ تَغُشِّيهِ، وتَصْنَعُ عَلَيْهِ إكْلِيلًا مِن ذَهَبٍ حَوالَيْهِ. * ١٢ * وتَسْبِكُ لَهُ أرْبَعَ حَلَقاتٍ مِن ذَهَبٍ وتَجْعَلُها عَلى قَوائِمِهِ الأرْبَعِ؛ عَلى جانِبِهِ الواحِدِ حَلْقَتانِ، وعَلى جانِبِهِ الثّانِي حَلْقَتانِ. * ١٣ * وتَصْنَعُ عَصَوَيْنِ مِن خَشَبِ السَّنْطِ وتَغُشِّيهِما بِذَهَبٍ. * ١٤ * وتُدْخِلُ العَصَوَيْنِ في الحَلَقاتِ عَلى جانِبِ التّابُوتِ لِيُحْمَلَ التّابُوتُ (p-٦٤٧)بِهِما. * ١٥ * تُبْقى العَصَوانِ في حَلَقاتِ التّابُوتِ، لا تُنْزَعانِ مِنها. * ١٦ * وتَضَعُ في التّابُوتِ الشَّهادَةَ الَّتِي أُعْطِيكَ.
وفِي الإصْحاحِ الحادِي والثَّلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ:
١٨ * ثُمَّ أعْطى مُوسى عِنْدَ فَراغِهِ مِنَ الكَلامِ مَعَهُ في جَبَلِ سَيْناءَ لَوْحَيِ الشَّهادَةِ: لَوْحَيْ حَجَرٍ مَكْتُوبَيْنِ بِأُصْبُعِ اللَّهِ.
وفِي الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَّلاثِينَ مِنهُ: أنَّ مُوسى لَمّا كَسَرَ اللَّوْحَيْنِ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْحِتَ لَوْحَيْنِ مِثْلَ الأوَّلِينَ، وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِما كَلِماتِ العَهْدِ الكَلِماتِ العَشْرَ. ونَصُّهُ:
١ * ثُمَّ قالَ الرَّبُّ لِمُوسى: انْحِتْ لَكَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ مِثْلَ الأوَّلِينَ، فَأكْتُبُ أنا عَلى اللَّوْحَيْنِ الكَلِماتِ الَّتِي كانَتْ عَلى اللَّوْحَيْنِ الأوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُما.
وفِي حَواشِي التَّوْراةِ: أنَّ تابُوتَ الشَّهادَةِ هو التّابُوتُ الَّذِي كانَ فِيهِ لَوْحا الشَّرِيعَةِ الإلَهِيَّةِ المُسَمّاةِ: شَهادَةً.
وزَعَمُوا أنَّ السِّكِّينَةَ مُعَرَّبَةٌ عَنْ (شَكِينا) في اللُّغَةِ العَبْرانِيَّةِ. وفي سِفْرِ صَمُوئِيلَ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ وما بَعْدَهُ نَبَأُ انْكِسارِ الإسْرائِيلِيِّينَ أمامَ الفِلَسْطِينِيِّينَ، وأخْذُ التّابُوتِ مِنَ الإسْرائِيلِيِّينَ، وأنَّهُ بَقِيَ التّابُوتُ في بِلادِ الفِلَسْطِينِيِّينَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ، في قِصَصٍ مُسْهَبَةٍ.
البقرة 2:249
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٩] ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾
(p-٦٤٨)وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ أيْ: خَرَجَ بِالجَيْشِ، لَمّا رَدَّ إلَيْهِمُ التّابُوتَ وقَبِلُوا مُلْكَهُ، وخَرَجُوا مَعَهُ، وكانَ طالُوتُ أخَذَ بِهِمْ في أرْضٍ قَفْرَةٍ، فَأصابَهم حَرٌّ وعَطَشٌ شَدِيدٌ: قالَ لَهم طالُوتُ: إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي، أيْ: مِن أشْياعِي الَّذِينَ يُقاتِلُونَ مَعِي عَدُوِّي، ولا يُجاوِزُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: لَمْ يَذُقْهُ. مِن: طَعِمَ، كَعَلِمَ الشَّيْءَ، إذا ذاقَهُ مَأْكُولًا كانَ أوْ مَشْرُوبًا وفي إيثارِهِ عَلى لَمْ يَشْرَبْهُ إشْعارٌ بِأنَّهُ مَحْظُورٌ تَناوُلُهُ ولَوْ مَعَ الطَّعامِ. ذَكَرُهُ الرّاغِبُ: ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الواحِدَةَ فَإنَّهُ لا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مِنِّي، لِأنَّهُ في مَعْنى مَن لَمْ يَذُقْهُ.
قالَ الحَرالِيُّ في قِراءَةِ فَتْحِ الغَيْنِ إعْرابٌ عَنْ مَعْنى إفْرادِها، آخِذَةً ما أخَذَتْ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وفي الضَّمِّ، إعْلامٌ بِمَلْئِها.
﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ أيْ: إلى حَدِّ الِارْتِواءِ: ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ لَمْ يَشْرَبُوا إلّا كَما أذِنَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيِ: النَّهْرَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: طالُوتُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا﴾ أيِ: المُفْرِطُونَ في الشَّرابِ: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ لِأنَّهُ سُلِبَتْ شَجاعَتُهُمْ
وجاءَ في التَّوْراةِ تَسْمِيَتُهُ بِجُلْياتَ. عَلى ما سَنَذْكُرُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ: ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾
البقرة 2:250
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٠] ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .
﴿ولَمّا بَرَزُوا﴾ ظَهَرُوا: ﴿لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ إذْ دَنَوْا مِنهُ: ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أيْ: أفِضْهُ عَلَيْنا وأكْرِمْنا بِهِ لِقِتالِهِمْ فَلا نَجْزَعَ لِلْجِراحاتِ، وإنَّما طَلَبُوهُ أوَّلًا لِأنَّهُ (p-٦٤٩)مَلاكُ الأمْرِ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ في مَيْدانِ الحَرْبِ فَلا نَهْرُبَ مِنهُ: ﴿وانْصُرْنا﴾ لِأنّا مُؤْمِنُونَ بِكَ: ﴿عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ بِكَ. وهُمْ: جالُوتُ وجُنُودُهُ، وهَذا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِن حَزَبَهُ أمْرٌ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ سُؤالُ المَعُونَةِ مِنَ اللَّهِ، والتَّوْفِيقِ، والِانْقِطاعُ إلَيْهِ تَعالى.
البقرة 2:251
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥١] ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ .
﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ القَلِيلُونَ، أُولَئِكَ الكَثِيرُونَ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِنَصْرِهِ إذْ شَجَّعَ القَلِيلِينَ وجَبَّنَ الكَثِيرِينَ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ﴾ وكانَ في جَيْشِ طالُوتَ: ﴿جالُوتَ﴾ الَّذِي هو رَأْسُ الأقْوِياءِ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ: أعْطى اللَّهُ داوُدَ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: الفَهْمَ والنُّبُوَّةَ: ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ مِن صَنْعَةِ الدُّرُوعِ وغَيْرِها: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ مِن أهْلِ الشَّرِّ: ﴿بِبَعْضٍ﴾ مِن أهْلِ الخَيْرِ: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ أيْ: بِغَلَبَةِ الكُفّارِ وظُهُورِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] الآيَةَ.
﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالدَّفْعِ. ولِذَلِكَ قَوّى سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ وأعْطى بَعْضَهُمُ المُلْكَ والحِكْمَةَ ومِن سائِرِ العُلُومِ، لِيَدْفَعَ فَسادَ الأقْوِياءِ بِالسَّيْفِ.
البقرة 2:252
(p-٦٥٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٢] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ .
﴿تِلْكَ﴾ أيِ: المَذْكُوراتُ مِن إماتَةِ الأُلُوفِ وإحْيائِهِمْ وتَمْلِيكِ طالُوتَ وإتْيانِ التّابُوتِ وانْهِزامِ جالُوتَ وقَتْلِ داوُدَ إيّاهُ وتَمَلُّكِهِ: ﴿آياتُ اللَّهِ﴾ إذْ هي أخْبارُ غُيُوبٍ تَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ ولُطْفِهِ: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: نُنَزِّلُ عَلَيْكَ جِبْرِيلَ بِها: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: اليَقِينِ الَّذِي لا يُرْتابُ فِيهِ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مِن عِلْمِكَ بِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ البَشَرِ، ثُمَّ بِإعْجازِها الباقِي عَلى مَدى الدَّهْرِ. وفي هَذِهِ القِصَصِ مُعْتَبَرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في احْتِمالِ الشَّدائِدِ في الجِهادِ كَما احْتَمَلَها المُؤْمِنُونَ في الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، كَما أنَّ فِيها تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَرَفْتَ بِهَذِهِ الآياتِ ما جَرى عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخِلافِ عَلَيْهِمْ والرَّدِّ لِقَوْلِهِمْ، فَلا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكَ كُفْرُ مَن كَفَرَ بِكَ، وخِلافُ مَن خالَفَ عَلَيْكَ لِأنَّكَ مِثْلُهم. وإنَّما بُعِثَ الكُلُّ لِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ ولِامْتِثالِ الأمْرِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ والطَّوْعِ، لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ، فَلا عَتَبَ عَلَيْكَ في خِلافِهِمْ وكُفْرِهِمْ، والوَبالُ في ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ. أشارَ لَهُ الرّازِيُّ.
قالَ البِقاعِيُّ: ولَعَلَّ خِتامَ قِصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ القِصَّةِ، لِما فِيها لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن واضِحِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، لِأنَّهُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا القَلِيلُ مِن حُذّاقِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
قُلْتُ: يَرْحَمُ اللَّهُ البِقاعِيَّ، فَإنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ، مَعَ أنَّها مَسُوقَةٌ في الإصْحاحِ السّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ صَمُوئِيلَ الأوَّلِ ونَصُّهُ:
١ * وجَمَعَ الفِلَسْطِينِيُّونَ جُيُوشَهم لِلْحَرْبِ فاجْتَمَعُوا في سُوكُوهَ الَّتِي لِيَهُوذا ونَزَلُوا بَيْنَ سُوكُوهَ وعَرِيقَةَ في أفَسِ دَمِّيمَ.
٢ * واجْتَمَعَ شاوُلُ ورِجالُ إسْرائِيلَ ونَزَلُوا في وادِي (p-٦٥١)البُطْمِ واصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ لِلِقاءِ الفِلَسْطِينِيِّينَ. * ٣ * وكانَ الفِلَسْطِينِيُّونَ وُقُوفًا عَلى جَبَلٍ مِن هُنا وإسْرائِيلُ وُقُوفًا عَلى جَبَلٍ مِن هُناكَ والوادِي بَيْنَهم. * ٤ * فَخَرَجَ رَجُلٌ مُبارِزٌ مِن جُيُوشِ الفِلَسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ جُلْياتُ مِن جَتَّ طُولُهُ سِتُّ أذْرُعٍ وشِبْرٌ. * ٥ * وعَلى رَأْسِهِ خُوذَةٌ مِن نُحاسٍ، وكانَ لابِسًا دِرْعًا حَرْشَفِيًّا ووَزْنُ الدِّرْعِ خَمْسَةُ آلافِ شاقِلِ نُحاسٍ. * ٦ * وجُرْمُوقًا نُحاسًا عَلى رِجْلَيْهِ، ومِزْراقَ نُحاسٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
٧ * وقَناةُ رُمْحِهِ كَنَوْلِ النَّسّاجِينَ، وسِنانُ رُمْحِهِ سِتُّ مِائَةِ شاقِلِ حَدِيدٍ، وحامِلُ التُّرْسِ كانَ يَمْشِي قُدّامَهُ. * ٨ * فَوَقَفَ ونادى صُفُوفَ إسْرائِيلَ وقالَ لَهُمْ: لِماذا تَخْرُجُونَ لِتَصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ؟ أمّا أنا الفِلَسْطِينِيُّ وأنْتُمْ عَبِيدٌ لِشاوُلَ. اخْتارُوا لِأنْفُسِكم رَجُلًا ولْيَنْزِلْ إلَيَّ. * ٩ * فَإنْ قَدَرَ أنْ يُحارِبَنِي ويَقْتُلَنِي نَصِيرُ لَكم عَبِيدًا. وإنْ قَدَرْتُ أنا عَلَيْهِ وقَتَلْتُهُ تَصِيرُونَ أنْتُمْ لَنا عَبِيدًا وتَخْدِمُونَنا.
١٠ * وقالَ الفِلَسْطِينِيُّ: أنا عَيَّرْتُ صُفُوفَ إسْرائِيلَ هَذا اليَوْمَ. أعْطُونِي رَجُلًا فَنَتَحارَبَ مَعًا. * ١١ * ولَمّا سَمِعَ شاوُلُ وجَمِيعُ إسْرائِيلَ كَلامَ الفِلَسْطِينِيِّ هَذا ارْتاعُوا وخافُوا جِدًّا.
١٢ * وداوُدُ هو ابْنُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الأفْراتِيِّ مِن بَيْتِ لَحْمِ يَهُوذا الَّذِي اسْمُهُ: يَسّى ولَهُ ثَمانِيَةُ بَنِينَ، وكانَ الرَّجُلُ في أيّامِ شاوُلَ قَدْ شاخَ وكَبِرَ بَيْنَ النّاسِ.
١٣ * وذَهَبَ بَنُو يَسّى الثَّلاثَةُ الكِبارُ وتَبِعُوا شاوُلَ إلى الحَرْبِ، وأسْماءُ بَنِيهِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى الحَرْبِ ألِيآبُ البِكْرُ، وأبِينادابُ ثانِيهِ، وشَمَّةُ ثالِثُهُما.
١٤ * وداوُدُ هو الصَّغِيرُ، والثَّلاثَةُ الكِبارُ ذَهَبُوا وراءَ شاوُلَ. * ١٥ * وأمّا داوُدُ فَكانَ يَذْهَبُ ويَرْجِعُ مِن عِنْدِ شاوُلَ لِيَرْعى غَنَمَ أبِيهِ في بَيْتِ لَحْمٍ.
١٦ * وكانَ الفِلَسْطِينِيُّ يَتَقَدَّمُ ويَقِفُ صَباحًا ومَساءً أرْبَعِينَ يَوْمًا. * ١٧ * فَقالَ يَسّى لِداوُدَ ابْنِهِ خُذْ لِإخْوَتِكَ إيفَةً مِن هَذا الفَرِيكِ، وهَذِهِ العَشْرَ الخُبْراتِ وارْكُضْ إلى المَحَلَّةِ إلى إخْوَتِكَ. * ١٨ * وهَذِهِ العَشْرُ القِطْعاتِ مِنَ الجُبْنِ قَدِّمْها لِرَئِيسِ الألْفِ، وافْتَقِدْ سَلامَةَ إخْوَتِكَ وخُذْ مِنهم عُرْبُونًا.
١٩ * وكانَ شاوُلُ وهم وجَمِيعُ رِجالِ إسْرائِيلَ في وادِي البُطْمِ يُحارِبُونَ الفِلَسْطِينِيِّينَ.
٢٠ * فَبَكَّرَ داوُدُ صَباحًا وتَرَكَ الغَنَمَ مَعَ حارِسٍ وحَمَّلَ، وذَهَبَ كَما أمَرَهُ يَسّى وأتى إلى المِتْراسِ (p-٦٥٢)والجَيْشُ خارِجٌ إلى الِاصْطِيافِ وهَتَفُوا لِلْحَرْبِ. * ٢١ * واصْطَفَّ إسْرائِيلُ والفِلَسْطِينِيُّونَ صَفًّا مُقابِلَ صَفٍّ. * ٢٢ * فَتَرَكَ داوُدُ الأمْتِعَةَ الَّتِي مَعَهُ بِيَدِ حافِظِ الأمْتِعَةِ ورَكَضَ إلى الصَّفِّ وأتى وسَألَ عَنْ سَلامَةِ إخْوَتِهِ. * ٢٣ * وفِيما هو يُكَلِّمُهم إذا بِرَجُلٍ مُبارِزٍ اسْمُهُ جُلْياتُ الفِلَسْطِينِيُّ مِنَّ جَتَّ صاعِدٌ مِن صُفُوفِ الفِلَسْطِينِيِّينَ، وتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ فَسَمِعَ داوُدُ. * ٢٤ * وجَمِيعُ رِجالِ إسْرائِيلَ لَمّا رَأوُا الرَّجُلَ هَرَبُوا مِنهُ وخافُوا جِدًّا.
٢٥ * فَقالَ رِجالُ إسْرائِيلَ: أرَأيْتُمْ هَذا الرَّجُلَ الصّاعِدَ. لِيُعَيِّرَ إسْرائِيلَ هو صاعِدٌ، فَيَكُونُ أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَقْتُلُهُ يُغْنِيهِ المَلِكُ غِنًى جَزِيلًا، ويُعْطِيهِ بِنْتَهُ ويَجْعَلُ بَيْتَ أبِيهِ حُرًّا في إسْرائِيلَ.
٢٦ * فَكَلَّمَ داوُدُ الرِّجالَ الواقِفِينَ مَعَهُ قائِلًا: ماذا يُفْعَلُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَقْتُلُ ذَلِكَ الفِلَسْطِينِيَّ ويُزِيلُ العارَ عَنْ إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ مَن هو هَذا الفِلَسْطِينِيُّ الأغْلَفُ حَتّى يُعَيِّرَ صُفُوفَ اللَّهِ الحَيِّ.
٢٧ * فَكَلَّمَهُ الشَّعْبُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ قائِلِينَ: كَذا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ الَّذِي يَقْتُلُهُ.
٢٨ * وسَمِعَ أخُوهُ الأكْبَرُ ألِيآبُ كَلامَهُ مَعَ الرِّجالِ، فَحَمِيَ غَضَبُ ألِيآبَ عَلى داوُدَ وقالَ: لِماذا نَزَلْتَ وعَلى مَن تَرَكْتَ تِلْكَ الغُنَيْماتِ القَلِيلَةَ في البَرِّيَّةِ؟ أنا عَلِمْتُ كِبْرِياءَكَ وشَرَّ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ نَزَلْتَ لِكَيْ تَرى الحَرْبَ.
٢٩ * فَقالَ داوُدُ: ماذا عَمِلْتُ الآنَ؟ أما هو كَلامٌ؟
٣٠ * وتَحَوَّلَ مِن عِنْدِهِ نَحْوَ آخَرَ وتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، فَرَدَّ لَهُ الشَّعْبُ جَوابًا كالجَوابِ الأوَّلِ.
٣١ * وسُمِعَ الكَلامُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ داوُدُ وأخْبَرُوا بِهِ أمامَ شاوُلَ، فاسْتَحْضَرَهُ.
٣٢ * فَقالَ داوُدُ لِشاوُلَ: لا يَسْقُطُ قَلْبُ أحَدٍ بِسَبَبِهِ. عَبْدُكَ يَذْهَبُ ويُحارِبُ هَذا الفِلَسْطِينِيَّ.
٣٣ * فَقالَ شاوُلُ لِداوُدَ: لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَذْهَبَ إلى هَذا الفِلَسْطِينِيِّ لِتُحارِبَهُ لِأنَّكَ غُلامٌ وهو رَجُلُ حَرْبٍ مُنْذُ صِباهُ.
٣٤ * فَقالَ داوُدُ لِشاوُلَ: كانَ عَبْدُكَ يَرْعى لِأبِيهِ غَنَمًا فَجاءَ أسَدٌ مَعَ دُبٍّ وأخَذَ شاةً مِنَ القَطِيعِ.
٣٥ * فَخَرَجْتُ وراءَهُ وقَتَلْتُهُ وأنْقَذْتُها مِن فِيهِ، ولَمّا قامَ عَلَيَّ أمْسَكْتُهُ مِن ذَقْنِهِ وضَرَبْتُهُ فَقَتَلْتُهُ.
٣٦ * قَتَلَ عَبْدُكَ الأسَدَ والدُّبَّ جَمِيعًا. وهَذا الفِلَسْطِينِيُّ الأغْلَفُ يَكُونُ كَواحِدٍ مِنهُما لِأنَّهُ قَدْ عَيَّرَ صُفُوفَ اللَّهِ الحَيِّ.
٣٧ * وقالَ داوُدُ: الرَّبُّ الَّذِي أنْقَذَنِي مِن يَدِ الأسَدِ ومِن يَدِ الدُّبِّ (p-٦٥٣)هُوَ يُنْقِذُنِي مِن يَدِ هَذا الفِلَسْطِينِيِّ. فَقالَ شاوُلُ لِداوُدَ: اذْهَبْ ولْيَكُنِ الرَّبُّ مَعَكَ.
٣٨ * وألْبَسُ شاوُلُ داوُدَ ثِيابَهُ، وجَعَلَ خُوذَةً مِن نُحاسٍ عَلى رَأْسِهِ وألْبَسَهُ دِرْعًا.
٣٩ * فَتَقَلَّدَ داوُدُ بِسَيْفِهِ فَوْقَ ثِيابِهِ، وعَزَمَ أنْ يَمْشِيَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ جَرَّبَ. فَقالَ داوُدُ لِشاوُلَ: لا أقْدِرُ أنْ أمْشِيَ بِهَذِهِ لِأنِّي لَمْ أُجَرِّبْها. ونَزَعَها داوُدُ عَنْهُ.
٤٠ * وأخَذَ عَصاهُ بِيَدِهِ، وانْتَخَبَ لَهُ خَمْسَةَ حِجارَةٍ مُلْسٍ مِنَ الوادِي وجَعَلَها في كِنْفِ الرُّعاةِ الَّذِي لَهُ أيْ: في الجِرابِ ومِقْلاعُهُ بِيَدِهِ وتَقَدَّمَ نَحْوَ الفِلَسْطِينِيِّ.
٤١ * وذَهَبَ الفِلَسْطِينِيُّ ذاهِبًا واقْتَرَبَ إلى داوُدَ والرَّجُلُ حامِلٌ التُّرْسَ أمامَهُ.
٤٢ * ولَمّا نَظَرَ الفِلَسْطِينِيُّ ورَأى داوُدَ اسْتَحْقَرَهُ لِأنَّهُ كانَ غُلامًا وأشْقَرَ جَمِيلَ المَنظَرِ.
٤٣ * فَقالَ الفِلَسْطِينِيُّ لِداوُدَ: ألَعَلِّي أنا كَلْبٌ حَتّى أنَّكَ تَأْتِي إلَيَّ بِعِصِيٍّ؟ ولَعَنَ الفِلَسْطِينِيُّ داوُدَ بِآلِهَتِهِ.
٤٤ * وقالَ الفِلَسْطِينِيُّ لِداوُدَ تَعالَ إلَيَّ فَأُعْطِيَ لَحْمَكَ لِطُيُورِ السَّماءِ ووُحُوشِ البَرِّيَّةِ.
٤٥ * فَقالَ داوُدُ لِلْفِلَسْطِينِيِّ: أنْتَ تَأْتِي إلَيَّ بِسَيْفٍ وبِرُمْحٍ وبِتُرْسٍ. وأنا آتِي إلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الجُنُودِ إلَهِ صُفُوفِ إسْرائِيلَ الَّذِي عَيَّرْتَهم.
٤٦ * هَذا اليَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ في يَدِيَّ، فَأقْتُلُكَ وأقْطَعُ رَأْسَكَ، وأُعْطِي جُثَثَ جَيْشِ الفِلَسْطِينِيِّينَ هَذا اليَوْمَ لِطُيُورِ السَّماءِ وحَيَواناتِ الأرْضِ، فَتَعْلَمُ كُلُّ الأرْضِ أنَّهُ يُوجَدُ إلَهٌ لِإسْرائِيلَ.
٤٧ * وتَعْلَمُ هَذِهِ الجَماعَةُ كُلُّها أنَّهُ لَيْسَ بِسَيْفٍ ولا بِرُمْحٍ يُخَلِّصُ الرَّبَّ لِأنَّ الحَرْبَ لِلرَّبِّ وهو يَدْفَعُكم لِيَدِنا.
٤٨ * وكانَ لَمّا قامَ الفِلَسْطِينِيُّ وذَهَبَ وتَقَدَّمَ لِلِقاءِ داوُدَ أنَّ داوُدَ أسْرَعَ ورَكَضَ نَحْوَ الصَّفِّ لِلِقاءِ الفِلَسْطِينِيِّ.
٤٩ * ومَدَّ داوُدُ يَدَهُ إلى الكِنْفِ وأخَذَ مِنهُ حَجَرًا ورَماهُ بِالمِقْلاعِ، وضَرَبَ الفِلَسْطِينِيَّ في جَبْهَتِهِ، فارْتَزَّ الحَجْرُ في جَبْهَتِهِ وسَقَطَ عَلى وجْهِهِ إلى الأرْضِ.
٥٠ * فَتَمَكَّنَ داوُدُ مِنَ الفِلَسْطِينِيِّ بِالمِقْلاعِ والحَجَرِ وضَرَبَ الفِلَسْطِينِيَّ وقَتَلَهُ، ولَمْ يَكُنْ سَيْفٌ بِيَدِ داوُدَ.
٥١ * فَرَكَضَ داوُدُ ووَقَفَ عَلى الفِلَسْطِينِيِّ وأخَذَ سَيْفَهُ واخْتَرَطَهُ مِن غِمْدِهِ وقَتَلَهُ وقَطَعَ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمّا رَأى الفِلَسْطِينِيُّونَ أنَّ جَبّارَهم قَدْ ماتَ هَرَبُوا.
٥٢ * فَقامَ رِجالُ إسْرائِيلَ ويَهُوذا وهَتَفُوا ولَحِقُوا الفِلَسْطِينِيِّينَ حَتّى مَجِيئِكَ إلى الوادِي وحَتّى أبْوابِ عَقْرُونَ... إلخ.
(p-٦٥٤)وتَتِمَّةُ شَأْنِ داوُدَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ مَذْكُورٌ في الفُصُولِ بَعْدَ هَذا الفَصْلِ مِنَ التَّوْراةِ. فانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ.
البقرة 2:253
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٣] ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ .
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن ذُكِرَ مِنهم في هَذِهِ السُّورَةِ أوِ المَعْلُومَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِأنْ خُصَّ بِمَنقَبَةٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ تَفْصِيلُ التَّفْضِيلِ أيْ: مِنهم مَن فَضَّلَهُ اللَّهُ، بِأنْ كَلَّمَهُ مِن غَيْرِ سَفِيرٍ، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ كَإبْراهِيمَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا. وداوُدَ آتاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ والخِلافَةَ والمُلْكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكانَ بَعْدَ تَفاوُتِهِمْ في الفَضْلِ أفْضَلَ مِنهم بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ.
والظّاهِرُ: أنَّهُ أرادَ مُحَمَّدًا ﷺ لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ المُرْتَقِيَةِ إلى ألْفِ آيَةٍ أوْ أكْثَرَ. ولَوْ لَمْ يُؤْتَ إلّا القُرْآنَ وحْدَهُ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مَنِيفًا عَلى سائِرِ ما أُوتِيَ الأنْبِياءُ، لِأنَّهُ المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ. وفي هَذا الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ فَضْلِهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ ما لا يَخْفى، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أنَّهُ العَلَمُ الَّذِي لا يُشَبَّهُ والمُتَمَيِّزُ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ؛ يُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن فَعَلَ هَذا؟ فَيَقُولُ: أحَدُكم أوْ بَعْضُكم. تُرِيدُ بِهِ الَّذِي تُعُورِفَ واشْتُهِرَ بِنَحْوِهِ مِنَ الأفْعالِ، فَيَكُونُ أفْخَمَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ وأنْوَهَ بِصاحِبِهِ. (p-٦٥٥)وسُئِلَ الحُطَيْئَةُ عَنْ أشْعَرِ النّاسِ؟ فَذَكَرَ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ ثُمَّ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثّالِثَ أرادَ نَفْسَهُ. ولَوْ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ نَفْسِي، لَمْ يُفَخِّمْ أمْرَهُ.
ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا وغَيْرَهُما مِن أُولِي العَزْمِ.
﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ كَإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ خَصَّ مُوسى وعِيسى مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ بِالذِّكْرِ؟ قُلْتُ: لِما أُوتِيا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. ولَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ وجْهَ التَّفْضِيلِ، حَيْثُ جَعَلَ التَّكْلِيمَ مِنَ الفَضْلِ وهو آيَةٌ مِنَ الآياتِ، فَلَمّا كانَ هَذانَ النَّبِيّانِ قَدْ أُوتِيا ما أُوتِيا مِن عِظامِ الآياتِ، خُصّا بِالذِّكْرِ في بابِ التَّفْضِيلِ، وهَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ أنَّ مَن زِيدَ تَفْضِيلًا بِالآياتِ مِنهم فَقَدْ فُضِّلَ عَلى غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ نَبِيُّنا ﷺ هو الَّذِي أُوتِيَ مِنها ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ في كَثْرَتِها وعِظَمِها، كانَ هو المَشْهُودَ لَهُ بِإحْرازِ قَصَباتِ الفَضْلِ غَيْرَ مُدافِعٍ.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الرُّسُلِ لِاخْتِلافِهِمْ في الدِّينِ وتَشَعُّبِ مَذاهِبِهِمْ وتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. قالَ النّاصِرُ في حَواشِيهِ: ووَراءَ التَّأْكِيدِ سِرٌّ أخَصُّ مِنهُ، وهو أنَّ العَرَبَ مَتى ثَبَتَ أوَّلُ كَلامِهِمْ عَلى مَقْصِدٍ ثُمَّ اعْتَرَضَها مَقْصِدٌ آخَرُ وأرادَتِ الرُّجُوعَ إلى الأوَّلِ، قَصَدَتْ ذِكْرَهُ: إمّا بِتِلْكَ العِبارَةِ أوْ بِقَرِيبٍ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَهم مَهْيَعٌ مِنَ الفَصاحَةِ مَسْلُوكٌ. وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَواضِعُ في هَذا المَعْنى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] (p-٦٥٦)ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا النَّمَطِ. لَمّا صَدَرَ الكَلامُ بِأنَّ اقْتِتالَهم كانَ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ، ثُمَّ طالَ الكَلامُ وأُرِيدَ بَيانُ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى كَما نَفَذَتْ في هَذا الأمْرِ الخاصِّ، وهو اقْتِتالُ هَؤُلاءِ، فَهي نافِذَةٌ في كُلِّ فِعْلٍ واقِعٍ، وهو المَعْنى المُعَبَّرُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ طَرَأ ذِكْرُ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِالِاقْتِتالِ لِتَلَوُّهِ عُمُومَ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ لِتَناسُبِ الكَلامِ، ويُعْرَفَ كُلٌّ بِشَكْلِهِ. فَهَذا سِرٌّ يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ، ويَرْتاحُ لَهُ السِّرُّ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
البقرة 2:254
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ هَذا أمْرٌ بِالإنْفاقِ لِبَعْضٍ مِنَ المالِ. قِيلَ: هو أمْرُ إيجابٍ وأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ: الإنْفاقَ الواجِبَ وهو الزَّكاةُ، لِأنَّهُ تَعالى عَقَّبَهُ بِالوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ﴾ إلخ. حَيْثُ عُنِيَ بِهِمْ مانِعُوها كَما يَأْتِي. وقالَ الأصَمُّ وأبُو عَلِيٍّ: أرادَ النَّفَقَةَ في الجِهادِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ وابْنُ جُرَيْجٍ: أرادَ الفَرْضَ والنَّفْلَ. وهو المُتَّجَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: فَتُحَصِّلُونَ ما تُنْفِقُونَهُ (p-٦٥٧)أوْ تَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ: ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ حَتّى يُعِينَكُمُ الأخِلّاءُ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ حَتّى تَتَّكِلُوا عَلى شُفَعاءَ: ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أرادَ: والتّارِكُونَ الزَّكاةَ هُمُ الظّالِمُونَ وإيثارُهُ عَلَيْهِ لِلتَّغْلِيظِ والتَّهْدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ آيَةِ الحَجِّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مَكانَ ومَن لَمْ يَحُجَّ ولِلْإيذانِ بِأنَّ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ. قالَ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، بِوَضْعِ الأمْوالِ في غَيْرِ مَواضِعِها، فَلا تَكُونُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ مِثْلَهُمْ، في أنْ لا تُنْفِقُوا فَتَضَعُوا أمْوالَكم في غَيْرِ مَواضِعِها. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى حُسْنِ المُسارَعَةِ إلى الخَيْراتِ قَبْلَ فَواتِها بِهُجُومِ ما يُخْشى مَعَهُ الفَوْتُ، مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ.
البقرة 2:255
(p-٦٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٥] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ .
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ﴾ أيِ: الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْفَناءِ: ﴿القَيُّومُ﴾ الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، وقُرِئَ: القَيّامُ والقَيِّمُ.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْقَيُّومِ. أيْ: لا يَغْفُلُ عَنْ تَدْبِيرِ أمْرِ الخَلْقِ تَعالى وتَقَدَّسَ. والسِّنَةُ كَعِدَةٍ والوَسَنُ مُحَرَّكَةٌ، وبِهاءٍ والوَسْنَةُ: شِدَّةُ النَّوْمِ أوْ أوَّلُهُ، أوِ النُّعاسُ. كَذا في القامُوسِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: السِّنَةُ: فُتُورٌ يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ. والنَّوْمُ: حالٌ تَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ مِنِ اسْتِرْخاءِ دِماغِهِ مِن رُطُوباتِ أبْخِرَةٍ مُتَصاعِدَةٍ تَمْنَعُ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ عَنِ الإحْساسِ، فَهُما مُنَقِّصانِ لِلْحَياةِ مُنافِيانِ لِلْقَيُّومِيَّةِ، لِأنَّهُما مِنَ التَّغَيُّراتِ المُنافِيَةِ لِوُجُوبِ الوُجُودِ الَّذِي لِلْقَيُّومِ، ونُفِيَ النَّوْمُ أوَّلًا التِزامًا، ثُمَّ تَصْرِيحًا، لِيَدُلَّ كَمالُ نَفْيِهِ عَلى ثُبُوتِ كَمالِ ما يُنافِيهِ. ومِن كَمالِ قَيُّومِيَّتِهِ: اخْتِصاصُهُ بِمُلْكِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ مِنَ العَوالِمِ المُشاهَداتِ. وهَذا إخْبارٌ بِأنَّ الجَمِيعَ في مَلِكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] ﴿مَن ذا﴾ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَضْلًا عَمّا ادَّعى الكُفّارُ شَفاعَتَهُ مِنَ الأصْنامِ: ﴿الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقاوِمَهُ أوْ يُناصِبَهُ: (p-٦٥٩)﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَمْكِينِهِ تَحْقِيقًا لِلْعُبُودِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهَذا مِن عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ عَزَّ وجَلَّ، أنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَشْفَعَ لِأحَدٍ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ لَهُ في الشَّفاعَةِ، كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ: ««آتِي تَحْتَ العَرْشِ فَأخِرُّ ساجِدًا فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قالَ: فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ»» .
قالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: نَفى اللَّهُ عَمّا سِواهُ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ أوْ قِسْطٌ مِنهُ أوْ يَكُونُ عَوْنًا لِلَّهِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا الشَّفاعَةُ، فَبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّبُّ، فَهَذِهِ الشَّفاعَةُ الَّتِي يَظُنُّها المُشْرِكُونَ هي مُنْتَفِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ كَما نَفاها القُرْآنُ، وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ ويَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفاعَةِ أوَّلًا، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ يُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ. وقالَ لَهُ أبُو هُرَيْرَةَ: «مَن أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِكَ؟ قالَ: «مَن قالَ: (p-٦٦٠)لا إلَهَ إلّا اللَّهُ خالِصًا مِن قَلْبِهِ»» . فَتِلْكَ الشَّفاعَةُ لِأهْلِ الإخْلاصِ بِإذْنِ اللَّهِ، ولا تَكُونُ لِمَن أشْرَكَ بِاللَّهِ، وحَقِيقَتُهُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلى أهْلِ الإخْلاصِ فَيَغْفِرُ لَهم بِواسِطَةِ دُعاءِ مِن أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ، لِيُكْرِمَهُ ويَنالَ المَقامَ المَحْمُودَ، فالشَّفاعَةُ الَّتِي نَفاها القُرْآنُ ما كانَ فِيها شِرْكٌ، ولِهَذا أُثْبِتَتِ الشَّفاعَةُ بِإذْنِهِ في مَواضِعَ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها لا تَكُونُ إلّا لِأهْلِ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما أتاهم عِلْمُهُ مِن أمْرِ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيِ المَرْءِ يُحِيطُ بِهِ حِسُّهُ، وما عَلِمَهُ أيْضًا، فَكَأنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ قَلْبِهِ يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ: ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ وهو ما لَمْ يَنَلْهُ عِلْمُهُمْ، لِأنَّ الخَلْفَ هو ما لا يَنالُهُ الحِسُّ، فَأنْبَأ أنَّ عِلْمَهُ مِن وراءِ عِلْمِهِمْ مُحِيطٌ بِعِلْمِهِمْ فِيما عَلِمُوا وما لَمْ يَعْلَمُوا. أفادَهُ الحَرالِيُّ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن مَعْلُوماتِهِ إلّا بِما أرادَ أنْ يُعْلِمَهم بِهِ مِنها عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] أيْ: لِيَكُونَ ما يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ مِن عِلْمِ غَيْبِهِ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنِيَّ بِالكُرْسِيِّ: العِلْمُ. وذَلِكَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ أيْ: لا يَئُودُهُ حِفْظُ ما عَلِمَ وأحاطَ بِهِ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ، وكَما أخْبَرَ عَنْ مَلائِكَتِهِ أنَّهم قالُوا في دُعائِهِمْ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فَأخْبَرَ أنَّ عِلْمَهُ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ، فَكَذَلِكَ (p-٦٦١)قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ظاهِرِ القُرْآنِ لِما ذُكِرَ. ولِأنَّ أصْلَ الكُرْسِيِّ العِلْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّحِيفَةِ يَكُونُ فِيها عِلْمٌ مَكْتُوبٌ: كُرّاسَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ في صِفَةِ قانِصٍ:
؎حَتّى إذا ما احْتازَها تَكَرَّسا
يَعْنِي: عَلِمَ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعُلَماءِ: الكَراسِيُّ، لِأنَّهُمُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ. كَما يُقالُ: أوْتادُ الأرْضِ، يَعْنِي أنَّهُمُ الَّذِي تَصْلُحُ بِهِمُ الأرْضُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةُ ∗∗∗ كَراسِيَّ بِالأحْداثِ حِينَ تَنُوبُ
يَعْنِي بِذَلِكَ: عِلْمَهُ بِحَوادِثِ الأُمُورِ ونَوازِلِها، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُرْسِيَّ في الآيَةِ هو العَرْشُ، وأيَّدَهُ بَعْضُهم بِأنَّ لَفْظَ عَرْشِ المَمْلَكَةِ وكُرْسِيَّها مُتَرادِفانِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى عَلى لِسانِ سُلَيْمانَ: ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] فالعَرْشُ والكُرْسِيُّ هُما شَيْءٌ واحِدٌ، وإنَّما سَمّاهُ هُنا كُرْسِيًّا، إعْلامًا بِاسِمٍ لَهُ آخَرَ ﴿ولا يَئُودُهُ﴾ (p-٦٦٢)أيْ: لا يُثْقِلُهُ ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ. يُقالُ: آدَهُ الأمْرُ أوْدًا وأُوُودًا كَقُعُودٍ بَلَغَ مِنهُ المَجْهُودَ والمَشَقَّةَ ﴿حِفْظُهُما﴾ أيِ: السَّماواتِ والأرْضِ فَلا يَفْتَقِرُ إلى شَرِيكٍ ولا ولَدٍ. وكَيْفَ يَشُقُّ عَلَيْهِ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ قالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِذَلِكَ: عُلُوَّهُ عَنِ النَّظِيرِ والأشْباهِ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ العَلِيُّ عَلى خَلْقِهِ بِارْتِفاعِ مَكانِهِ عَنْ أماكِنِ خَلْقِهِ، لِأنَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وخَلْقَهُ دُونَهُ، كَما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أنَّهُ عَلى العَرْشِ، فَهو عالٍ بِذَلِكَ عَلَيْهِمُ ﴿العَظِيمُ﴾ أيْ: أعْظَمُ كُلِّ شَيْءٍ بِالجَلالِ والكِبْرِياءِ والقَهْرِ والقُدْرَةِ والسُّلْطانِ.
تَنْبِيهٌ:
آيَةُ الكُرْسِيِّ هَذِهِ لَها شَأْنٌ عَظِيمٌ وفَضْلٌ كَبِيرٌ. وقَدْ صَحَّ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «بِأنَّها أعْظَمُ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، وأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ،» وقَدْ ساقَ ما ورَدَ في فَضْلِها الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ في " تَفْسِيرِهِ " والجَلالُ السُّيُوطِيُّ في " الدُّرِّ المَنثُورِ " فانْظُرْهُما.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ فُضِّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَتّى ورَدَ في فَضْلِها ما ورَدَ؟!. قُلْتُ: لِما فُضِّلَتْ لَهُ سُورَةُ الإخْلاصِ مِنِ اشْتِمالِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ وتَمْجِيدِهِ وصِفاتِهِ العُظْمى، ولا مَذْكُورَ أعْظَمُ مِن رَبِّ العِزَّةِ، فَما كانَ ذِكْرًا لَهُ كانَ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأذْكارِ.
(p-٦٦٣)وقَدْ حَكى السُّيُوطِيُّ في " الإتْقانِ " عَنِ الأشْعَرِيِّ والباقِلّانِيِّ وابْنِ حِبّانَ المَنعَ مِن أنْ يُقالَ في القُرْآنِ فاضِلٌ وأفْضَلُ. قالُوا: وما ورَدَ مِمّا يُفِيدُ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الأعْظَمِيَّةِ في الأجْرِ، لا أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، حَتّى قالَ ابْنُ الحِصارِ: العَجَبُ مِمَّنْ يَذْكُرُ الِاخْتِلافَ في ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في التَّفْضِيلِ. وقالَ الغَزالِيُّ في " جَواهِرِ القُرْآنِ ": لَعَلَّكَ أنْ تَقُولَ: قَدْ أشَرْتَ إلى تَفْضِيلِ بَعْضِ آياتِ القُرْآنِ عَلى بَعْضٍ، والكَلامُ كَلامُ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَتَفاوَتُ بَعْضُها بَعْضًا. وكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُها أشْرَفَ مِن بَعْضٍ؟ فاعْلَمْ أنَّ نُورَ البَصِيرَةِ إنْ كانَ لا يُرْشِدُكَ إلى الفَرْقِ بَيْنَ آيَةِ الكُرْسِيِّ وآيَةِ المُدايَناتِ، وبَيْنَ سُورَةِ الإخْلاصِ وسُورَةِ تَبَّتْ، وتَرْتاعُ عَلى اعْتِقادِ نَفْسِكَ الخَوّارَةِ المُسْتَغْرِقَةِ بِالتَّقْلِيدِ، فَقَلِّدْ صاحِبَ الرِّسالَةِ ﷺ، فَهو الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ وقالَ: ««يس قَلْبُ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ أفْضَلُ سُوَرِ القُرْآنِ»» .
(p-٦٦٤)وآيَةُ الكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ. وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. والأخْبارُ الوارِدَةُ في فَضائِلِ القُرْآنِ وتَخْصِيصِ بَعْضِ السُّوَرِ والآياتِ بِالفَضْلِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ في تِلاوَتِها لا تُحْصى. انْتَهى.
البقرة 2:256
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٦] ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ جَلِيٌّ دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ، لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُكْرَهَ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وشَرَحَ صَدْرَهُ ونَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، ومَن عَمِيَ قَلْبُهُ فَإنَّهُ لا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ فِيهِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا، فالنَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ.
(p-٦٦٥)وهُوَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في تَأْوِيلِ الآيَةِ كَثِيرٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ، أيْ: أنَّهُ تَعالى ما بَنى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ. قالَ القَفّالُ - مُوَضِّحًا لَهُ - لَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا قاطِعًا لِلْعُذْرِ، أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إيضاحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ لِلْكافِرِ عُذْرٌ في الإقامَةِ عَلى الكُفْرِ، إلّا أنْ يُقْسَرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبَرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الِابْتِلاءِ؛ إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]
تَنْبِيهٌ:
عُلِمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سَيْفَ الجِهادِ المَشْرُوعِ في الإسْلامِ والَّذِي لا يُبْطِلُهُ عَدْلُ عادِلٍ ولا جَوْرُ جائِرٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِلْإكْراهِ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ، ولَكِنْ لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ والإذْعانِ لِسُلْطانِهِ وحُكْمِهِ العَدْلِ.
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ أيْ: بِالشَّيْطانِ. أيْ: بِما يَدْعُو إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ: ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ: فَقَدْ تَمَسَّكَ مِنَ الدِّينِ بِأقْوى سَبَبٍ. وشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعُرْوَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا تَنْفَصِمُ. هي في نَفْسِها مُحْكَمَةٌ مُبْرَمَةٌ قَوِيَّةٌ، ورَبْطُها قَوِيٌّ (p-٦٦٦)شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ: (لا انْفِصامَ لَها) إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها، وإمّا حالٌ مِنَ (العُرْوَةِ)، والعامِلُ (اسْتَمْسَكَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (الوُثْقى) وإمّا صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ أيِ: (الَّتِي). نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: رَأيْتُ رُؤْيا عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَأيْتُ كَأنِّي في رَوْضَةٍ خَضْراءَ وسَطُها عَمُودُ حَدِيدٍ أسْفَلَهُ في الأرْضِ وأعْلاهُ في السَّماءِ، في أعْلاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: اصْعَدْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: لا أسْتَطِيعُ، فَجاءَنِي مُنْصِفٌ (أيْ وصَيْفٌ) فَرَفَعَ ثِيابِي مِن خَلْفِي، فَقالَ: اصْعَدْ فَصَعِدْتُ حَتّى أخَذْتُ بِالعُرْوَةِ. فَقالَ: اسْتَمْسِكْ بِالعُرْوَةِ، فاسْتَيْقَظْتُ وإنَّها لَفي يَدِي. فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُها عَلَيْهِ. فَقالَ: «أمّا الرَّوْضَةُ: فَرَوْضَةُ الإسْلامِ، وأمّا العَمُودُ: فَعَمُودُ الإسْلامِ، وأمّا العُرْوَةُ: فَهي العُرْوَةُ الوُثْقى. أنْتَ عَلى الإسْلامِ حَتّى تَمُوتَ»» ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ حامِلٌ عَلى الإيمانِ، رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ، بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
البقرة 2:257
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٧] ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: حافِظُهم وناصِرُهُمْ: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْوَلايَةِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ: ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿إلى النُّورِ﴾ أيْ: نُورِ الإيمانِ الحَقِّ الواضِحِ. وإفْرادُ النُّورِ لِوَحْدَةِ الحَقِّ. كَما أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الضَّلالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ أيِ: (p-٦٦٧)الشَّياطِينُ وسائِرُ المُضِلِّينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بِالوَساوِسِ وغَيْرِها مِن طُرُقِ الإضْلالِ والإغْواءِ: ﴿مِنَ النُّورِ﴾ أيِ: الإيمانِ الفِطْرِيِّ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ النّاسُ كافَّةً. أوْ مِن نُورِ البَيِّناتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ظُلُماتِ الكُفْرِ والغَيِّ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ تَعالى عَلى ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الكَفَرَةُ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ بِقَوْلِهِ:
البقرة 2:258
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ﴾ أيْ: جادَلَ: ﴿إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ أيْ: كَيْفَ أخْرَجَهُ الطّاغُوتُ مِن نُورِ نِسْبَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ إلى رَبِّهِ، إلى ظُلُماتِ نِسْبَتِهِما إلى نَفْسِهِ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ: لِأنْ آتاهُ اللَّهُ. يَعْنِي: أنَّ إيتاءَ المُلْكِ أبْطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبْرَ، فَحاجَّ لِذَلِكَ، أوْ حاجَّهُ لِأجْلِهِ. وضْعًا لِلْمُحاجَّةِ الَّتِي هي أقْبَحُ وُجُوهِ الكُفْرِ مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ، كَما يُقالُ: عادانِي فُلانٌ لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْهِ. تُرِيدُ: أنَّهُ عَكَسَ ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ المُوالاةِ لِأجْلِ الإحْسانِ. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]
قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ أنَّ المُلْكَ بَلاءٌ وفِتْنَةٌ عَلى مَن أُوتِيَهُ.
﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ حِينَ سَألَهُ مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُونا إلَيْهِ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: بِنَفْخِ الرُّوحِ في الجِسْمِ وإخْراجِها مِنهُ: ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ أيْ: بِالقَتْلِ (p-٦٦٨)والعَفْوِ عَنْهُ. ولَمّا سَلَكَ الطّاغِيَةُ مَسْلَكِ التَّلْبِيسِ والتَّمْوِيهِ عَلى الرِّعاعِ، كانَ بُطْلانُ جَوابِهِ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، والتَّصَدِّي لِإبْطالِهِ مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ الحاصِلِ، انْتَقَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إرْسالًا لِعِنانِ المُناظَرَةِ مَعَهُ إلى حُجَّةٍ أُخْرى لا تَجْرِي فِيها المُغالَطَةُ ولا يَتَيَسَّرُ لِلطّاغِيَةِ أنْ يَخْرُجَ عَنْها بِمَخْرَجِ مُكابَرَةٍ أوْ مُشاغَبَةٍ أوْ تَلْبِيسٍ عَلى العَوامِّ. وهو ما قَصَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ أيْ: إذا كُنْتَ كَما تَدَّعِي مِن أنَّكَ تُحْيِي وتُمِيتُ فالَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ هو الَّذِي يَتَصَرَّفُ في الوُجُودِ، في خَلْقِ ذَواتِهِ وتَسْخِيرِ كَواكِبِهِ وحَرَكاتِهِ. فَهَذِهِ الشَّمْسُ تَبْدُو كُلَّ يَوْمٍ مِنَ المَشْرِقِ، فَإنْ كُنْتَ إلَهًا كَما ادَّعَيْتَ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ:﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ تَحَيَّرَ ودُهِشَ وغُلِبَ بِالحُجَّةِ، لَمّا عَلِمَ عَجْزَهُ وانْقِطاعَهُ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى المُكابَرَةِ في هَذا المَقامِ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يُلْهِمُهم حُجَّةً ولا بُرْهانًا بَلْ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ.
البقرة 2:259
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٩] ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(p-٦٦٩)﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى ما ذَكَرَ تَعالى مِن ولايَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْرِيرٌ لَهُ، مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ، وإيثارُ (أوِ) الفارِقَةِ عَلى (الواوِ) الجامِعَةِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اتِّحادِ المُسْتَشْهَدِ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والكافُ: إمّا اسْمِيَّةٌ جِيءَ بِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَدُّدِ الشَّواهِدِ وعَدَمِ انْحِصارِها فِيما ذَكَرَ، وإمّا زائِدَةٌ، والمَعْنى: أوْ لَمْ تَرَ إلى مِثْلِ الَّذِي. أوْ إلى الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، كَيْفَ هَداهُ اللَّهُ تَعالى وأخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الِاشْتِباهِ إلى نُورِ العِيانِ والشُّهُودِ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ خالِيَةٌ ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: كَيْفَ يُعَمِّرُ اللَّهُ هَذِهِ القَرْيَةَ بَعْدَ خَرابِها، فَكانَ مِنهُ كالوُقُوعِ في الظُّلُماتِ، فَأراهُ الدَّلِيلَ عَلى الإحْياءِ الحَقِيقِيِّ في نَفْسِهِ مُبالَغَةً في قَلْعِ الشُّبْهَةِ، إخْراجًا لَهُ مِنها إلى النُّورِ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ لِيَنْدَرِسَ بِالكُلِّيَّةِ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ: أحْياهُ بِبَعْثِ رُوحِهِ إلى بَدَنِهِ وبَعْضِ أجْزائِهِ إلى بَعْضٍ بَعْدَ تَفَرُّقِها: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ لَهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ أيْ: مَكَثْتَ مَيِّتًا: ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَهُ بِناءً عَلى التَّقْرِيبِ والتَّخْمِينِ، أوِ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِ: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ وإنَّما سَألَهُ تَعالى لِيَظْهَرَ لَهُ عَجْزُهُ عَنِ الإحاطَةِ بِشُؤُونِهِ، وأنَّ إحْياءَهُ لَيْسَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، رُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ هَيِّنٌ في الجُمْلَةِ، بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ويَنْحَسِمُ بِهِ مادَّةُ اسْتِبْعادِهِ بِالمَرَّةِ. ويَطَّلِعُ في تَضاعِيفِهِ عَلى أمْرٍ آخَرَ مِن بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وهو إبْقاءُ الغِذاءِ المُتَسارِعِ إلى الفَسادِ بِالطَّبْعِ، عَلى ما كانَ عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا، مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ ما، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فانْظُرْ﴾ لِتُعايِنَ أمْرًا آخَرَ مَن دَلائِلِ قُدْرَتِنا: ﴿إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ مَعَ تَداعِيهِ إلى الفَسادِ. والهاءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هاءَ سَكْتٍ زِيدَتْ في الوَقْفِ. وأصْلُ الفِعْلِ عَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَتَسَنَّنُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] فَلَمّا اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ قُلِبَتِ الأخِيرَةُ ياءً كَما قُلِبَتْ في تَظَنَّيْتُ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِلْجَزْمِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ أصْلُ الألِفِ واوًا مِن قَوْلِهِمْ: أسْنى يُسْنِي إذا مَضَتْ عَلَيْهِ السُّنُونَ. وأصْلُ سِنَةٌ سِنْوَةٌ، لِقَوْلِهِمْ: سَنَواتٌ، أيْ: لَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ السُّنُونَ. والمَعْنى عَلى التَّشْبِيهِ. أيْ: كَأنَّهُ لَمْ تَمُرَّ (p-٦٧٠)عَلَيْهِ المِائَةُ سَنَةٍ لِبَقائِهِ عَلى حالِهِ وعَدَمِ تَغَيُّرِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ أصْلًا ويَكُونَ اشْتِقاقُهُ مِنَ السَّنَةِ، بِناءً عَلى أنَّ لامَ السَّنَةِ هاءٌ وأصْلَها سَنْهَةٌ. لِقَوْلِهِمْ: سَنْهاءُ وعامَلْتُهُ مُسانَهَةً. فَعَلى هَذا تَثْبُتُ الهاءُ وصْلًا ووَقْفًا؛ إذِ الفِعْلُ مَجْزُومٌ بِسُكُونِها. وعَلى الأوَّلِ تَثْبُتُ في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ، ومَن أثْبَتَها في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. وقَدْ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ الهاءِ وصْلًا وإثْباتِها وقْفًا والباقُونَ بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا. فَإنْ قِيلَ: ما فاعِلُ يَتَسَنّى؟ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ لِاحْتِياجِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ، فَكانا بِمَنزِلَةِ شَيْءٍ واحِدٍ، فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ الضَّمِيرُ في الفِعْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِـ " ذَلِكَ " و" ذَلِكَ " يُكَنّى بِهِ عَنِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّرابِ فَقَطْ، لِأنَّهُ أقْرَبُ، وثَمَّ جُمْلَةٌ أُخْرى حُذِفَتْ لِدَلالَةِ هَذِهِ عَلَيْها. والتَّقْدِيرُ: وانْظُرْ إلى طَعامِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وإلى شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أفْرَدَ في مَوْضِعِ التَّثْنِيَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكَأنَّ في العَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ أوْ سُنْبُلًا كُحِلَتْ بِهِ فانْهَلَّتِ
أشارَ لِذَلِكَ أبُو البَقاءِ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كَيْفَ هُوَ، فَرَآهُ صارَ عِظامًا نَخِرَةً: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ مُقَرِّرٍ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ. أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا، مِن إحْيائِكَ بَعْدَ ما ذُكِرَ، لِتُعايِنَ ما اسْتَبْعَدْتَهُ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ. ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ عَلى البَعْثِ. أوْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ. أيْ: ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ، فَعَلْنا ما فَعَلْنا: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ أيْ: عِظامِ الحِمارِ لِتُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ الإحْياءِ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ قُرِئَ بِالزّايِ، أيْ: نَرْفَعُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ ونُرَكِّبُهُ عَلَيْهِ. مِنَ (النَّشْزِ) وهو المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ، وفِيها عَلى هَذا وجْهانِ: ضَمُّ النُّونِ وكَسْرُ الشِّينِ مِن (أنْشَزْتُهُ) وفَتْحُ النُّونِ وضَمُّ الشِّينِ مِن (نَشَزْتُهُ) وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ بِالرّاءِ. وفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: فَتْحُ النُّونِ وضَمُّ الشِّينِ وماضِيهِ (نَشَرَ) فَيَكُونُ إمّا مُطاوِعُ أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَنَشَرَ، وحِينَئِذٍ نَشَرَ بِمَعْنى أنْشَرَ. فاللّازِمُ والمُتَعَدِّي بِلَفْظٍ واحِدٍ، وإمّا مِنَ النَّشْرِ الَّذِي هو ضِدَّ الطَّيِّ، أيْ: يَبْسُطُها بِالإحْياءِ. والثّانِي: ضَمُّ النُّونِ (p-٦٧١)وكَسْرُ الشِّينِ، أيْ: نُحْيِيها، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] قالَهُ أبُو البَقاءِ ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ أيْ: نَسْتُرُها بِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أيِ: اتَّضَحَ لَهُ إعادَتُهُ مَعَ طَعامِهِ وشَرابِهِ وحِمارِهِ، بَعْدَ التَّلَفِ الكُلِّيِّ، وظَهَرَ لَهُ كَيْفِيَّةُ الإحْياءِ: ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَخَرَجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
البقرة 2:260
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٠] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: واذْكُرْ لِتَمْثِيلِ قِصَّةِ المارِّ عَلى القَرْيَةِ، في الإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، بِالإحْياءِ، قِصَّةَ إبْراهِيمَ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ إنَّما سَألَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ عِلْمُهُ عِيانًا.
﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أيْ: بَلى آمَنتُ ولَكِنْ سَألْتُ لِأزْدادَ بَصِيرَةً وسُكُونَ قَلْبٍ بِرُؤْيَةِ الإحْياءِ، فَوْقَ سُكُونِهِ بِالوَحْيِ. فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ أسْكَنُ لِلْقُلُوبِ وأزْيَدُ لِلْبَصِيرَةِ واليَقِينِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ المَوْتى قَطُّ. وإنَّما طَلَبُ المُعايِنَةِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مِن رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ عَنْهُ. ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ»» . وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ سَألَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ. واسْتَدَلُّوا بِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ (p-٦٧٢)فِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن قَوْلِهِ: ««نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ»» . وبِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ عِنْدِي آيَةٌ أرْجى مِنها؛ إذْ رَضِيَ اللَّهُ مِن إبْراهِيمَ قَوْلَهُ: ﴿بَلى﴾ قالَ فَهَذا لِما يَعْتَرِضُ في النُّفُوسِ ويُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ. أخْرَجَهُ عَنْهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ حِكايَتِهِ لَهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي مَرْدُودٌ. يَعْنِي قَوْلَ هَذِهِ الطّائِفَةِ. ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ««نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ»» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ شاكًّا لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ أحْرى أنْ لا يَشُكَّ، فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إبْراهِيمَ، وأطالَ ابْنُ عَطِيَّةَ البَحْثَ في هَذا، وأطابَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِثْلُ هَذا الشَّكِّ. وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-٦٧٣)أنَّ أصْفِياءَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقالَ اللَّعِينُ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] وإذا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ سَلْطَنَةٌ فَكَيْفَ يُشَكِّكُهُمْ؟ وإنَّما سَألَ أنْ يُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ جَمْعِ أجْزاءِ المَوْتى بَعْدَ تَفَرُّقِها، وإيصالِ الأعْصابِ والجُلُودِ بَعْدَ تَمَزُّقِها، فَأرادَ أنْ يَرْقى مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ.
وقالَ النّاصِرُ في " الِانْتِصافِ ": الأوْلى في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُذْكَرَ فِيها المُخْتارُ في تَفْسِيرِها، مِنَ المَباحِثِ المُمْتَحَنَةِ بِالفِكْرِ المُحَرَّرِ، والنُّكَتِ المُفْصِحَةِ بِالرَّأْيِ المُخَمَّرِ، فَنَقُولُ: أمّا سُؤالُ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ لَهُ: ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ فَلَيْسَ عَنْ شَكٍّ، والعِياذُ بِاللَّهِ، في قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الإحْياءِ، ولَكِنَّهُ سُؤالٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ، ولا يُشْتَرَطُ في الإيمانِ الإحاطَةُ بِصُورَتِها، فَإنَّما هي طَلَبُ عِلْمِ ما لا يَتَوَقَّفُ الإيمانُ عَلى عِلْمِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُرُودُ السُّؤالِ بِصِيغَةِ كَيْفَ ومَوْضُوعُها السُّؤالُ عَنِ الحالِ، ونَظِيرُ هَذا السُّؤالِ أنْ يَقُولَ القائِلُ: كَيْفَ يَحْكُمُ زَيْدٌ في النّاسِ؟ فَهو لا يَشُكُّ أنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِمْ، ولَكِنَّهُ سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ حُكْمِهِ، لا ثُبُوتِهِ. ولَوْ كانَ الوَهْمُ قَدْ يَتَلاعَبُ بِبَعْضِ الخاطِرِ فَيُطَرِّقُ إلى إبْراهِيمَ شَكًّا مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ قَطَعَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دابِرَ هَذا الوَهْمِ بِقَوْلِهِ: ««نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ»» أيْ: ونَحْنُ لَمْ نَشُكَّ، فَلَأنْ لا يَشُكُّ إبْراهِيمُ أحْرى وأوْلى، فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ السُّؤالُ مَصْرُوفًا إلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي لا يَضُرُّ عَدَمُ تَصَوُّرِها ومُشاهَدَتِها بِالإيمانِ ولا تُخِلُّ بِهِ، فَما مَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ وقَعْتُ لِبَعْضِ الحُذّاقِ فِيهِ عَلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُسْتَعْمَلُ ظاهِرًا في السُّؤالِ عَنِ الكَيْفِيَّةِ كَما مَرَّ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في الِاسْتِعْجازِ. مِثالُهُ: أنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أنَّهُ يَحْمِلُ ثِقْلًا مِنَ الأثْقالِ، وأنْتَ جازِمٌ بِعَجْزِهِ عَنْ حَمْلِهِ فَتَقُولُ لَهُ: أرِنِي كَيْفَ تَحْمِلُ هَذا؟ فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ (p-٦٧٤)قَدْ يَعْرِضُ لَها هَذا الِاسْتِعْمالُ الَّذِي أحاطَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ إبْراهِيمَ مُبَرَّأٌ مِنهُ - أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ أنْ يَنْطِقَ إبْراهِيمُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ آمَنتُ. لِيَدْفَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ اللَّفْظِيَّ في العِبارَةِ الأُولى.
لِيَكُونَ إيمانُهُ مُخْلِصًا، نَصَّ عَلَيْهِ بِعِبارَةٍ يَفْهَمُها كُلُّ مَن يَسْمَعُها فَهْمًا لا يَلْحَقُهُ فِيهِ شَكٌّ. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ تَبَيَّنَ لِي وجْهُ الرَّبْطِ بَيْنَ الكَلامِ عَلى التَّقْدِيرِ المُبَيَّنِ. فَما مَوْقِعُ قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ؟ وذَلِكَ يُشْعِرُ ظاهِرًا بِأنَّهُ كانَ عِنْدَ السُّؤالِ فاقِدًا لِلطُّمَأْنِينَةِ. قُلْتُ: مَعْناهُ: ولَكِنْ لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِي الفِكْرُ في كَيْفِيَّةِ الحَياةِ، لِأنِّي إذا شاهَدْتُها سَكَنَ قَلْبِي عَنِ الجَوَلانِ في كَيْفِيّاتِها المُتَخَيَّلَةِ، وتَعَيَّنَتْ عِنْدِي بِالتَّصْوِيرِ المُشاهَدِ، فَهَذا أحْسَنُ ما يَجْرِي لِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. ورَبُّكَ الفَتّاحُ العَلِيمُ. انْتَهى.
﴿قالَ﴾ أيْ: إذا أرَدْتَ الطُّمَأْنِينَةَ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها، بِمَعْنى: فَأمِلْهُنَّ واضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ. يُقالُ: صارَهُ يَصُورُهُ ويَصِيرُهُ، إذا أمالَهُ، لُغَتانِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَصُرَّهُنَّ، بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن: صَرَّهُ يَصِرُّهُ ويَصُرُّهُ إذا جَمَعَهُ، وعَنْهُ: فَصُرْهُنَّ (مِنَ التَّصْرِيَةِ) وهي الجَمْعُ أيْضًا: وقالَ اللِّحْيانِيُّ: قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى صُرْهُنَّ: وجِّهْهُنَّ. ومَعْنى صِرْهُنَّ: قَطِّعْهُنَّ وشَقِّقْهُنَّ. والمَعْرُوفُ أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وكُلُّهم فَسَّرُوا فَصُرْهُنَّ: أمِلْهُنَّ، والكَسْرُ فُسِّرَ بِمَعْنى قَطِّعْهُنَّ. وقالَ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في " البَصائِرِ ": قالَ بَعْضُهُمْ: صُرْهُنَّ بِضَمِّ الصّادِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وفَتْحِها، مِنَ الصَّرِّ أيِ: الشَّدِّ. قالَ: وقُرِئَ فَصِرَّهُنَّ بِكَسْرِ الصّادِ وفَتْحِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ (مِنَ الصَّرِيرِ) أيِ: الصَّوْتِ، أيْ: صَحَّ بِهِنَّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِضَمِّ الصّادِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَضُمُّها اتِّباعًا ومِنهم مَن يَفْتَحُها تَخْفِيفًا ومِنهم مَن يَكْسِرُها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
أقُولُ: قَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ المُضاعَفَ إذا لَحِقَتْهُ هاءُ الضَّمِيرِ يَلْزَمُ وجْهٌ واحِدٌ في المُؤَنَّثِ، وهو فَتْحُ ما قَبْلَها، نَحْوَ رَدَّها مُراعاةً لِلْألِفِ اتِّفاقًا، وفي المُذَكَّرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أفْصَحُها الضَّمُّ، ويَلِيهِ الكَسْرُ وهو ضَعِيفٌ، ويَلِيهِ الفَتْحُ وهو أضْعَفُها.
ومِمَّنْ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ في " الفَصِيحِ " (p-٦٧٥)لَكِنْ غَلَّطُوهُ لِكَوْنِهِ أوْهَمَ فَصاحَتَهُ ولَمْ يُنَبِّهْ عَلى ضَعْفِهِ ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ أيْ: ثُمَّ اذْبَحْهُنَّ وجَزِّئْهُنَّ وضَعْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ بَعْضًا: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ أيْ: بِأسْمائِهِنَّ: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ أيْ: مُسْرِعاتٍ: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى أمْرِهِ بِضَمِّها إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ يَأْخُذَها؟ قُلْتُ: لِيَتَأمَّلَها ويَعْرِفَ أشْكالَها وهَيْآتِها وحُلاها؛ لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الإحْياءِ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّها غَيْرُ تِلْكَ. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ أيْ: ولَمْ يَقُلْ طَيَرانًا، لِأنَّهُ إذا كانَتْ ساعِيَةً كانَتْ أثْبَتَ لِنَظَرِهِ عَلَيْها مِن أنْ تَكُونَ طائِرَةً. واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:261
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦١] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في طاعَتِهِ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ، أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ، فالحَذْفُ إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ لِتَحْصِيلِ المُناسَبَةِ، أيْ: وتِلْكَ الحَبَّةُ أُلْقِيَتْ في الأرْضِ ثُمَّ: ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ أيْ: أنْبَتَتْ ساقًا انْشَعَبَ سَبْعَ شُعَبٍ، خَرَجَ مِن كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ فِيها مِائَةُ حَبَّةٍ، فَصارَتِ الحَبَّةُ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ بِمُضاعَفَةِ اللَّهِ لَها. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا المَثَلُ أبْلَغُ في النُّفُوسِ مِن ذِكْرِ عَدَدِ السَّبْعِمِائَةِ، فَإنَّ هَذا فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ يُنَمِّيها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأصْحابِها، كَما يُنَمِّي الزَّرْعَ لِمَن بَذَرَهُ في الأرْضِ الطَّيِّبَةِ. انْتَهى.
أقُولُ: مِصْداقُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن (p-٦٧٦)تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ إلّا الطَّيِّبُ، فَإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ، حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ»» .
﴿واللَّهُ يُضاعِفُ﴾ أيْ: هَذا التَّضْعِيفَ أوْ أكْثَرَ مِنهُ: ﴿لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِتَضْعِيفِ الحَسَنَةِ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»» وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ بِناقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقالَ: هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ناقَةٍ كُلُّها مَخْطُومَةٌ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««النَّفَقَةُ في الحَجِّ كالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ. الدِّرْهَمُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ»» . وثَمَّةَ آثارٌ أُخْرى في (ابْنِ كَثِيرٍ) و(الدُّرِّ المَنثُورِ)، ثُمَّ مَدَحَ تَعالى مَن حَفِظَ نَفْسَهُ مِنَ المَنِّ والأذى فِيما أنْفَقَ بِقَوْلِهِ:
البقرة 2:262
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٢] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ أيْ: لا يُعَقِّبُونَ: ﴿ما أنْفَقُوا مَنًّا﴾ وهو ذِكْرُهُ لِمَن أنْفَقَ عَلَيْهِ لِيُرِيَهُ أنَّهُ أوْجَبَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَقًّا: ﴿ولا أذًى﴾ وهو (p-٦٧٧)ذِكْرُهُ لِغَيْرِهِ، فَيُؤْذِيهِ بِذَلِكَ أوِ التَّطاوُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ المَوْعُودُ بِهِ قَبْلُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فِيما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] عَلى فائِتٍ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا، لِصَيْرُورَتِهِمْ إلى ما هو خَيْرٌ مِن ذَلِكَ.
لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى (ثُمَّ) إظْهارُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكَ المَنِّ والأذى. وفي حَواشِيهِ لِلنّاصِرِ ما نَصُّهُ: (ثُمَّ) في أصْلِ وضْعِها تُشْعِرُ بِتَراخِي المَعْطُوفِ بِها عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الزَّمانِ وبُعْدِ ما بَيْنَهُما، والزَّمَخْشَرِيُّ يَحْمِلُها عَلى التَّفاوُتِ في المَراتِبِ والتَّباعُدِ بَيْنَهُما، حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ حَمْلُها عَلى التَّراخِي في الزَّمانِ لِسِياقٍ يَأْبى ذَلِكَ، كَهَذِهِ الآيَةِ، وحاصِلُهُ أنَّها اسْتُعِيرَتْ مِن تَباعُدِ الأزْمِنَةِ لِتَباعُدِ المَرْتَبَةِ، وعِنْدِي فِيها وجْهٌ آخَرُ مُحْتَمَلٌ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، وهو الدَّلالَةُ عَلى دَوامِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِها وإرْخاءِ الطُّولِ في اسْتِصْحابِهِ، فَهي عَلى هَذا لَمْ تَخْرُجْ عَنِ الإشْعارِ بِبُعْدِ الزَّمَنِ، ولَكِنَّ مَعْناها الأصْلِيَّ تَراخِي زَمَنِ وُقُوعِ الفِعْلِ وحُدُوثِهِ، ومَعْناها المُسْتَعارَةُ إلَيْهِ دَوامُ وُجُودِ الفِعْلِ وتَراخِي زَمَنِ بَقائِهِ، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] أيْ: داوَمُوا عَلى الِاسْتِقامَةِ دَوامًا مُتَراخِيًا مُمْتَدَّ الأمَدِ، وتِلْكَ الِاسْتِقامَةُ هي المُعْتَبَرَةُ، لا ما هو مُنْقَطِعٌ إلى ضِدِّهِ مِنَ الحَيْدِ إلى الهَوى والشَّهَواتِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ أيْ: يَدُومُونَ عَلى تَناسِي الإحْسانِ وعَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ والِامْتِنانِ، لَيْسُوا بِتارِكِيهِ في أزْمِنَةٍ إلى الأذِيَّةِ، وتَقْلِيدِ المِنَنِ بِسَبَبِهِ، ثُمَّ يَتُوبُونَ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا أوْ مِثْلُهُ، أنَّ السِّينَ يَصْحَبُ الفِعْلَ لِتَنْفِيسِ زَمانِ وُقُوعِهِ وتَراخِيهِ، ثُمَّ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً (p-٦٧٨)عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] فَلَيْسَ إلى حَمْلِ السِّينِ عَلى تَراخِي زَمانِ وُقُوعِ الهِدايَةِ لَهُ مِن سَبِيلٍ. فَيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلى حَمْلِها عَلى الدَّلالَةِ عَلى تَنَفُّسِ دَوامِ الهِدايَةِ الحاصِلَةِ لَهُ وتَراخِي بَقائِها وتَمادِي أمَدِها. انْتَهى.
الثّانِيَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ وقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] ؟! (قُلْتُ): المَوْصُولُ لَمْ يَضْمَن هَهُنا مَعْنى الشَّرْطِ، وضَمِنَهُ ثَمَّهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مِن جِهَةِ المَعْنى: أنَّ الفاءَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْفاقَ بِهِ اسْتَحَقَّ الأجْرَ، وطَرْحُها عارٍ عَنْ تِلْكَ الدَّلالَةِ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وتَخْلِيَةُ الخَبَرِ عَنِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرْتِيبَ الأجْرِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ اتِّباعِ المَنِّ والأذى - أمْرٌ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِيَّةِ.
البقرة 2:263
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٣] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ .
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أيْ: مِن كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ودُعاءٍ لِمُسْلِمٍ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: غَفْرٌ عَنْ ظُلْمٍ قَوْلِيٍّ أوْ فِعْلِيٍّ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ إذْ لا يَحْصُلُ لِلصَّدَقَةِ ثَوابٌ ويَحْصُلُ إثْمُ الأذى، وقَدْ دَخَلَ في قَوْلِهِ (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) الرَّدُّ الجَمِيلُ لِلسّائِلِ. و(مَغْفِرَةٌ) العَفْوُ عَنِ السّائِلِ إذا وُجِدَ مِنهُ ما يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ طَلَبِ صَدَقَةٍ لِعَبِيدِهِ مَعَ الأذى لَهم أوِ المَنِّ عَلَيْهِمْ: ﴿حَلِيمٌ﴾ عَنْ مُعالَجَةِ مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِالعُقُوبَةِ.
البقرة 2:264
(p-٦٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ أيْ: لا تُحْبِطُوا أجْرَها بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَإنَّهُما إساءَتانِ يُنافِيانِ الإحْسانَ المُعْتَبَرَ في الصَّدَقَةِ، والمُنافِي مُبْطِلٌ كالرِّياءِ.
فَيَصِيرُ المانُّ والمُؤْذِي: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ في بُطْلانِ صَدَقَتِهِ، و(رِئاءَ) إمّا مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ. أيْ: مُرائِيًا. والهَمْزَةُ الأُولى في (رِئاءَ) عَيْنُ الكَلِمَةِ لِأنَّهُ مِن: راءى، والأخِيرَةُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ لِوُقُوعِها طَرَفًا بَعْدَ ألِفِ زائِدَةٍ كالقَضاءِ، ويَجُوزُ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ الأوْلى بِأنْ تُقْلَبَ ياءً فِرارًا مِن ثِقَلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ. قالَهُ أبُو البَقاءِ.
﴿فَمَثَلُهُ﴾ أيْ: هَذا المُنْفِقِ رِياءً، في إنْفاقِهِ مُقارِنًا لِما يُفْسِدُهُ. ومَثَلُ نَفَقَتِهِ: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وهو حَجَرٌ أمْلَسُ: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ أيْ: مَطَرٌ كَثِيرٌ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أيْ: أجْرَدَ لا شَيْءَ عَلَيْهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيِ: المُرائِي والمانُّ والمُؤْذِي، لا يَقْدِرُونَ عَلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِن ثَوابِ ما عَمِلُوا لِبُطْلانِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]
فَلا يَجِدُونَ ثَوابَ صَدَقاتِهِمْ كَما لا يُوجَدُ عَلى الصَّفا التُّرابُ بَعْدَ ما أصابَهُ الوابِلُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إلى الخَيْرِ والرَّشادِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الرِّياءَ والمَنَّ والأذى عَلى الإنْفاقِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ، ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْها، وقَدْ ورَدَ في وعِيدِ المَنِّ بِالصَّدَقَةِ أحادِيثُ مُتَواتِرَةٌ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ (p-٦٨٠)لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ: المَنّانُ بِما أعْطى، والمُسْبِلُ إزارَهُ، والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحِلْفِ الكاذِبِ»» . وفي سُنَنِ النَّسائِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ ولا عاقٌّ لِوالِدَيْهِ ولا مَنّانٌ»» .
البقرة 2:265
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٥] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ: و﴿وتَثْبِيتًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ. أيْ: مُبْتَغِينَ ومُتَثَبِّتِينَ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِن) بِمَعْنى اللّامِ أيْ: تَثْبِيتًا لِأنْفُسِهِمْ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ كَسْرًا مِن شَهْوَتِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى أصْلِها أيْ: تَثْبِيتًا صادِرًا مِن أنْفُسِهِمْ، والتَّثْبِيتُ مَصْدَرُ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: يَكُونُ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مَفْعُولَ المَصْدَرِ، وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا. تَقْدِيرُهُ: (p-٦٨١)ويُثْبِتُونَ أعْمالَهم بِإخْلاصِ النِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَثْبِيتًا بِمَعْنى (تَثَبُّتٍ) فَيَكُونَ لازِمًا، والمَصادِرُ قَدْ تَخْتَلِفُ ويَقَعُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: تَبَتُّلًا. انْتَهى. وعَنِ الشَّعْبِيِّ: تَثْبِيتًا تَصْدِيقًا ويَقِينًا: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أيْ: بُسْتانٍ: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ: مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ مَطَرٌ كَثِيرٌ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ: أخْرَجَتْ ثَمَرَها: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الجِنانِ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ، أوْ أخَفُّ المَطَرِ، أوْ أضْعَفُهُ أوِ النَّدى، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ هُنا كَما تَقَدَّمَ: إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ، أيْ: ومَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ... إلخ، أوْ كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةٍ إلخ؛ رِعايَةً لِلتَّناسُبِ.
قالَ الشِّهابُ: وفي التَّشْبِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُرَكَّبٌ، والتَّشْبِيهُ لِحالِ النَّفَقَةِ بِحالِ الجَنَّةِ بِالرَّبْوَةِ في كَوْنِها زاكِيَةً مُتَكَثِّرَةَ المَنافِعِ عِنْدَ اللَّهِ، كَيْفَما كانَتِ الحالُ.
والثّانِي: أنَّ تَشْبِيهَ حالِهِمْ بِحالِ الجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ في أنَّ نَفَقَتَهُمْ، كَثُرَتْ أوْ قَلَّتْ، زاكِيَةٌ زائِدَةٌ في حُسْنِ حالِهِمْ، كَما أنَّ الجَنَّةَ يُضَعِّفُ أُكُلَها قَوِيُّ المَطَرِ وضَعِيفُهُ، وهَذا أيْضًا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ، إلّا أنَّهُ لُوحِظَ الشَّبَهُ فِيما بَيْنُ المُفْرَداتِ، وحاصِلُهُ: أنَّ حالَهم في اتِّباعِ القِلَّةِ والكَثْرَةِ تَضْعِيفُ الأجْرِ، كَحالِ الجَنَّةِ في إنْتاجِ الوابِلِ والطَّلِّ تَضْعِيفُ ثِمارِها، ويَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا وهو أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ بِالمُفْرَدِ، بِأنَّ تُشَبَّهَ حالُهم بِجَنَّةٍ مُرْتَفِعَةٍ في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، والنَّفَقَةِ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ بِالطَّلِّ والوابِلِ، والأجْرِ والثَّوابِ بِالثَّمَراتِ، والرَّبْوَةُ مُثَلَّثَةُ الرّاءِ، وأُكُلٌ بِضَمَّتَيْنِ، وتُسَكَّنُ لِلتَّخْفِيفِ. وبِهِ قُرِئَ: (واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تَحْذِيرٌ عَنِ الرِّياءِ وتَرْغِيبٌ في الإخْلاصِ.
البقرة 2:266
(p-٦٨٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٦] ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ أيْ: كِبَرُ السِّنِّ، فَإنَّ الفاقَةَ والعالَةَ في الشَّيْخُوخَةِ أصْعَبُ: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ صِغارٌ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الكَسْبِ: ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾ أيْ: رِيحٌ شَدِيدَةٌ: ﴿فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ تِلْكَ الجَنَّةُ، وبَقِيَ صاحِبُها بِمَضْيَعَةٍ مَعَ ضَعْفِهِ وثِقَلِ ظَهْرِهِ بِالعِيالِ وقِلَّةِ المالِ، والمَعْنى: تَمْثِيلُ حالِ مَن يَفْعَلُ الأفْعالَ الحَسَنَةَ، ويَضُمُّ إلَيْها ما يُحْبِطُها، كَرِياءٍ وإيذاءٍ، في الحَسْرَةِ والأسَفِ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلَيْها وجَدَها مُحْبَطَةً بِحالِ مِن هَذا شَأْنُهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: فِيها، فَتَعْتَبِرُونَ بِها. ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي، قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي، (p-٦٨٣)حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ. (قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وهو مِن أفْرادِ البُخارِيِّ) ولِابْنِ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ يَعْمَلَ عُمْرَهُ بِعَمَلِ الخَيْرِ، حَتّى إذا كانَ حِينَ فَنِيَ عُمْرُهُ خُتِمَ ذَلِكَ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، فَأفْسَدَ ذَلِكَ فَأحْرَقَهُ.
البقرة 2:267
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ هَذا بَيانٌ لِحالِ ما يُنْفَقُ مِنهُ، إثْرَ بَيانِ أصْلِ الإنْفاقِ وكَيْفِيَّتِهِ، أيْ: أنْفِقُوا مِن جِيادِ ما كَسَبْتُمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فَمُقْتَضى الإيمانِ الإنْفاقُ مِنَ الجَيِّدِ، سِيَّما ما يُطْلَبُ بِهِ رِضا اللَّهِ وتَثْبِيتُ النَّفْسِ، وفي الأمْرِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما يُمَثَّلُ بِالزَّرْعِ المُنْبَتِ سَبْعَ سَنابِلَ، أوْ بِالجَنَّةِ بِرَبْوَةٍ، ما أنْفَقَ مِنَ الجَيِّدِ: ﴿ومِمّا﴾ أيْ: ومِن طَيِّباتِ ما: ﴿أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا: ﴿الخَبِيثَ﴾ أيِ: الرَّدِيءَ مِن أمْوالِكم ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ: بِقابِلِيهِ يَعْنِي الرَّدِيءَ إذا أُهْدِيَ إلَيْكُمْ: ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أيْ: إلّا بِأنْ تَتَسامَحُوا في أخْذِهِ وتَتَرَخَّصُوا فِيهِ. مِن قَوْلِكَ: أغْمَضَ فُلانٌ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ إذا غَضَّ بَصَرَهُ، ويُقالُ لِلْبائِعِ: أغْمِضْ، أيْ: لا تَسْتَقِصَّ، كَأنَّكَ لا تُبْصِرُ. كَذا في " الكَشّافِ ".
قالَ الرّازِيُّ: الإغْماضُ في اللُّغَةِ غَضُّ البَصَرِ وإطْباقُ جَفْنٍ عَلى جَفْنٍ، والمُرادُ هَهُنا: المُساهَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يَكْرَهُ أغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِئَلّا يَرى ذَلِكَ، ثُمَّ (p-٦٨٤)كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى جُعِلَ كُلُّ تَجاوُزٍ ومُساهَلَةٍ في البَيْعِ وغَيْرِهِ إغْماضًا. فَقَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يَعْنِي: لَوْ أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُ هَذِهِ الأشْياءِ، لَما أخَذْتُمُوها إلّا عَلى اسْتِحْياءٍ وإغْماضٍ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي ما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكُمْ؟!: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ إنْفاقِكُمْ، وإنَّما يَأْمُرُكم بِهِ لِمَنفَعَتِكُمْ: ﴿حَمِيدٌ﴾ يُجازِي المُحْسِنَ أفْضَلَ الجَزاءِ، وفي الأمْرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، مَعَ ظُهُورِ عَلَمِهِمْ بِهِ، تَوْبِيخٌ عَلى إعْطاءِ الخَبِيثِ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الجَهْلِ بِشَأْنِهِ تَعالى، ولَمّا رَغَّبَ تَعالى في إنْفاقِ الجَيِّدِ حَذَّرَ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في ذَلِكَ فَقالَ:
البقرة 2:268
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٨] ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ في الإنْفاقِ: ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: يُغْرِيكم عَلى البُخْلِ ومَنعِ الصَّدَقاتِ، إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ: البَخِيلُ. قالَ طَرَفَةُ:
؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
قالَ الحَرالِيُّ: الفَحْشاءُ: كُلُّ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ اسْتِقْباحاتُ الشَّرْعِ، وأعْظَمُ مُرادٍ بِها هُنا البُخْلُ الَّذِي هو أدْوَأُ داءٍ، لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الفَقْرِ، وعَلَيْهِ يَنْبَنِي شَرُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويُلازِمُهُ الحِرْصُ ويُتابِعُهُ الحَسَدُ ويَتَلاحَقُ بِهِ الشَّرُّ كُلُّهُ.
﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ بِالإنْفاقِ لا سِيَّما مِنَ الجَيِّدِ: ﴿مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ لِلذُّنُوبِ: ﴿وفَضْلا﴾ خَلَفًا وثَوابًا في الآخِرَةِ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ قُدْرَةً وفَضْلًا فَيُحَقِّقُ ما وعَدَكم بِهِ مِنَ المَغْفِرَةِ وإخْلافِ ما تُنْفِقُونَهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِصَدَقاتِكُمْ، فَلا يُضَيِّعُ أجْرَكم.
البقرة 2:269
(p-٦٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٩] ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ .
﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ قالَ كَثِيرُونَ: الحِكْمَةُ إتْقانُ العِلْمِ والعَمَلِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى مَعْرِفَةُ الحَقِّ والعَمَلِ بِهِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الحِكْمَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الحُكْمِ وهي كالنِّحْلَةِ مِنَ النَّحْلِ، ورَجُلٌ حَكِيمٌ إذا كانَ ذا حِجًا ولُبٍّ وإصابَةِ رَأْيٍ، وهي في هَذا المَوْضِعِ في مَعْنى الفاعِلِ، ويُقالُ: أمْرٌ حَكِيمٌ، أيْ: مُحْكَمٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]
﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ إذْ بِها انْتِظامُ أمْرِ الدّارَيْنِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها، وفي إيلاءِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها إشْعارٌ بِأنَّ الَّذِي لا يَغْتَرُّ بِوَعْدِ الشَّيْطانِ ويُوقِنُ بِوَعْدِ اللَّهِ هو مَن آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ: ﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ بِأمْثالِ القُرْآنِ والحِكْمَةِ: ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ذَوُو العُقُولِ مِنَ النّاسِ، الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ الهَوى، وهُمُ الحُكَماءُ، والمُرادُ بِهِ: الحَثُّ عَلى العَمَلِ بِما تَضَمَّنَتِ الآيُ في مَعْنى الإنْفاقِ.
البقرة 2:270
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٠] ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ أيْ: يَؤُولُ إلى الإنْفاقِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ وهو مُجازِيكم عَلَيْهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ رِئاءَ النّاسِ، أوْ يَضَعُونَ الإنْفاقَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ بِضَمِّ المَنِّ والأذى إلَيْهِ، أوْ بِالإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ، (p-٦٨٦)أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ، أوْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في المَعاصِي، أوْ لا يَفُونَ بِالنُّذُورِ: ﴿مِن أنْصارٍ﴾ أيْ: مِن أعْوانٍ يَنْصُرُونَهم مِن عِقابِ اللَّهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ اللَّهَ آخِذٌ بِيَدِ السَّخِيِّ وبِيَدِ الكَرِيمِ كُلَّما عَثَرَ، فَيَجِدُ لَهُ نَصِيرًا، ولا يَجِدُ الظّالِمُ، بِوَضْعِ القَهْرِ مَوْضِعَ البِرِّ، ناصِرًا.
البقرة 2:271
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧١] ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِبَعْضِ ما أجْمَلَ في الشَّرْطِيَّةِ، وبَيانٌ لَهُ، ولِذَلِكَ تَرَكَ العَطْفَ بَيْنَهُما، أيْ: إنْ تُظْهِرُوا الصَّدَقاتِ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها، لِأنَّهُ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ ويَدْعُو لَهُ كُلَّ مَن يَسْمَعُ مِن مُحْتاجٍ وغَيْرِهِ، ويُفِيدُ اتِّباعَ النّاسِ إيّاهُ: ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ أيْ: تُسِرُّوها مَخافَةَ الرِّياءِ، وسَتْرًا لِعارِ الفُقَراءِ: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَلانِيَةِ، لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ وأقْرَبُ إلى الإخْلاصِ الَّذِي هو رُوحُ العِباداتِ: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ ذُنُوبِكم بِقَدْرِ صَدَقاتِكُمْ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظَلُّهُ: الإمامُ العادِلُ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادَةِ رَبِّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَساجِدِ، ورَجُلانِ تَحابّا في اللَّهِ اجْتَمَعا عَلَيْهِ وتَفَرَّقا عَلَيْهِ، ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ أخْفى حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا فَفاضَتْ عَيْناهُ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ (p-٦٨٧)أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: «سِرٌّ إلى فَقِيرٍ، أوْ جَهْدٌ مِن مُقِلٍّ»» .
لَطائِفُ:
قالَ أبُو البَقاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: (فَنِعِمّا هِيَ): نِعْمَ فِعْلٌ جامِدٌ لا يَكُونُ فِيهِ مُسْتَقْبَلٌ، وأصْلُهُ نَعِمَ، كَعَلِمَ، وقَدْ جاءَ عَلى ذَلِكَ في الشِّعْرِ، إلّا أنَّهم سَكَّنُوا العَيْنَ ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى النُّونِ، لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى الأصْلِ، ومِنهم مَن يَتْرُكُ النُّونَ مَفْتُوحَةً عَلى الأصْلِ، ومِنهم مَن يَكْسِرُ النُّونَ والعَيْنَ اتِّباعًا، وبِكُلٍّ قَدْ قُرِئَ، وفاعِلُ (نِعْمَ) مُضْمَرٌ و(ما) بِمَعْنى شَيْءٍ، ثُمَّ قالَ: (ونُكَفِّرُ عَنْكُمْ) يُقْرَأُ بِالنُّونِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُقْرَأُ بِالياءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا، وعَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ الإخْفاءِ. ويُقْرَأُ (وتُكَفِّرُ) بِالتّاءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ الصَّدَقَةِ. ويُقْرَأُ بِجَزْمِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ: ونَحْنُ أوْ وهِيَ، و(مِن) هُنا زائِدَةٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، فَيَكُونُ (سَيِّئاتِكُمُ) المَفْعُولَ، وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: شَيْئًا مِن سَيِّئاتِكُمْ، والسَّيِّئَةُ فَيْعَلَةٌ، وعَيْنُها واوٌ لِأنَّها مِن: ساءَ يَسُوءُ، فَأصْلُها سَيْوِئَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الأُولى فِيها. انْتَهى.
وفِي " غَيْثِ النَّفْعِ ": قَرَأ (فَنِعَمّا) الشّامِيُّ والأخَوانِ بِفَتْحِ النُّونِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ، وقَرَأ قالُونُ والبَصَرِيُّ وشُعْبَةُ بِإسْكانِ العَيْنِ، واخْتارَ كَثِيرٌ لَهم إخْفاءَ كَسْرَةِ العَيْنِ، يُرِيدُونَ الِاخْتِلاسَ فِرارًا مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ، والباقُونَ بِكَسْرِ العَيْنِ، واتَّفَقُوا عَلى تَشْدِيدِ المِيمِ، ثُمَّ ناقَشَ الشّاطِبِيُّ في كَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ لِقالُونَ ومَن عَطْفِ عَلَيْهِ إلّا الإخْفاءَ، مَعَ أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُمُ الإسْكانُ المَحْضُ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: وقَدْ صَرَّحَ المُحَقِّقُ في نَشْرِهِ أنَّ الدّانِيَ رَوى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ قالَ: والإسْكانُ آثَرُ والإخْفاءُ أقْيَسُ وهو قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ والحَسَنِ، وغايَةُ ما فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ ولَيْسَ أوَّلُهُما حَرْفَ مَدٍّ ولِينٍ، وهو جائِزٌ قِراءَةً ولُغَةً، ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ ولَوْ كانَ إمامَ البَصْرَةِ، والمُنْكِرُ لَهُ هُنا يَقْرَأُ بِهِ لِحَمْزَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: (فَما اسْتَطاعُوا) . بِالكَهْفِ إذْ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ وصْلًا بِلا شَكٍّ؛ إذِ السِّينُ ساكِنٌ والطّاءُ مُشَدَّدٌ وهَذا مِثْلُهُ. (p-٦٨٨)واللَّهُ أعْلَمُ. وبِهِ يُعْلَمُ رَدُّ ما قِيلَ إنَّ راوِيَ التَّسْكِينِ لَمْ يَضْبِطِ القِراءَةَ لِأنَّ القارِئَ اخْتَلَسَ كَسْرَةَ العَيْنِ فَظَنَّهُ إسْكانًا، فَإنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ جَوازِهِ لُغَةً، كَما حَكاهُ أبُو عُبَيْدٍ، وعَنِ القِراءَةِ بِنَظِيرِهِ في (اسْتَطاعُوا) وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
البقرة 2:272
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٢] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ أيْ: لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ إلى الإتْيانِ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ المَحاسِنِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ المَساوِئِ المَعْدُودَةِ كالمَنِّ والأذى والإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ والبُخْلِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ عَقِيبَ بَيانِكَ لِجَرَيانِ سُنَّتِهِ بِخَلْقِ الأشْياءِ عَقِيبَ أسْبابِها، لا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ جِيءَ بِها عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَعَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ فِيما بَيْنَ الخِطاباتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُكَلَّفِينَ، مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى الِامْتِثالِ، فَإنَّ الإخْبارَ بِعَدَمِ وُجُوبِ تَدارُكِ أمْرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْذِنٌ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: بِالحَقِيقَةِ، لِأنَّ المُنْفَقَ عَلَيْهِ إنَّما يَقْضِي بِها حاجَتَهُ الفانِيَةَ ويَحْصُلُ لَكم بِها الثَّوابُ الأبَدِيُّ، فَلِمَ تَمُنُّونَ بِهِ عَلى النّاسِ وتُؤْذُونَهُمْ؟ ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿وما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ. أيْ: فَلا تَسْتَطِيلُوا بِهِ عَلى النّاسِ (p-٦٨٩)ولا تُراءُوا بِهِ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً: ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا تُنْقَصُونَ مِن حَسَناتِكُمْ، كَما لا يُزادُ عَلى سَيِّئاتِكم.
البقرة 2:273
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٣] ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ. أيِ: اجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ، أوْ صَدَقاتِكم لِلْفُقَراءِ، أيِ: المُحْتاجِينَ إلى النَّفَقَةِ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: حَبَسُوا أنْفُسَهم في طاعَتِهِ تَعالى مِن جِهادٍ أوْ غَيْرِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ أيْ: ذَهابًا: ﴿فِي الأرْضِ﴾ لِاكْتِسابٍ أوْ تِجارَةٍ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾ بِحالِهِمْ: ﴿أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ السُّؤالِ، والتَّلْوِيحُ بِهِ قَناعَةٌ بِما أعْطاهم مَوْلاهُمْ، ورِضًا عَنْهُ، وشَرَفُ نَفْسٍ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ بِما يَظْهَرُ لِذَوِي الألْبابِ مِن صِفاتِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وقالَ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وفي الحَدِيثِ الَّذِي في السُّنَنِ: (p-٦٩٠)««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ»» ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ الغَزالِيُّ: يَنْبَغِي أنْ يُطْلَبَ بِالفَحْصِ عَنْ أهْلِ الدِّينِ في كُلِّ مَحَلَّةٍ، ويُسْتَكْشَفَ عَنْ بَواطِنِ أحْوالِ أهْلِ الخَيْرِ والتَّجَمُّلِ، مِمَّنْ يَكُونُ مُسْتَتِرًا مُخْفِيًا حاجَتَهُ لا يُكْثِرُ البَثَّ والشَّكْوى، أوْ يَكُونُ مِن أهْلِ المُرُوءَةِ مِمَّنْ ذَهَبَتْ نِعْمَتُهُ وبَقِيَتْ عادَتُهُ، فَهو يَتَعَيَّشُ في جِلْبابِ التَّجَمُّلِ، فَثَوابُ صَرْفِ المَعْرُوفِ إلَيْهِمْ أضْعافُ ما يُصْرَفُ إلى المُجاهِرِينَ بِالسُّؤالِ، كَما يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ بِصَدَقَتِهِ مَن تَزْكُو بِهِ الصَّدَقَةُ، كَأنْ يَكُونَ أهْلَ عِلْمٍ، فَإنَّ ذَلِكَ إعانَةٌ لَهُ عَلى العِلْمِ، والعِلْمُ أشْرَفُ العِباداتِ مَهْما صَحَّتْ فِيهِ النِّيَّةُ، وكانَ ابْنُ المُبارَكِ يُخَصِّصُ بِمَعْرُوفِهِ أهْلَ العِلْمِ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ عَمَّمْتَ؟! فَقالَ: إنِّي لا أعْرِفُ بَعْدَ مَقامِ النُّبُوَّةِ أفْضَلَ مِن مَقامِ العُلَماءِ، فَإذا اشْتَغَلَ قَلْبُ أحَدِهِمْ بِحاجَتِهِ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِلْعِلْمِ ولَمْ يُقْبِلْ عَلى التَّعَلُّمِ، فَتَفْرِيغُهم لِلْعِلْمِ أفْضَلُ.
لَطِيفَةٌ:
السِّيما مَقْصُورٌ، كالسِّيمَةِ، والسِّيماءُ والسِّيمِياءُ (مَمْدُودَيْنِ بِكَسْرِهِنَّ). والسُّومَةُ (بِالضَّمِّ): العَلامَةُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ سِيما حَسَنَةٌ، مَعْناهُ عَلامَةٌ، وهي مَأْخُوذَةٌ مَن وسَمْتُ أسِمُ، والأصْلُ في (سِيما) وسْمى، فَحُوِّلَتِ الواوُ مِن مَوْضِعِ الفاءِ فَوُضِعَتْ في مَوْضِعِ العَيْنِ، كَما قالُوا: ما أطْيَبَهُ وأيْطَبَهُ، فَصارَ سُومى. وجُعِلَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها، قالَ السَّمِينُ: فَوَزْنُ سِيما عَفْلا، وإذا مُدَّتْ فالهَمْزَةُ فِيها مُنْقَلِبَةٌ عَنْ حَرْفٍ زائِدٍ لِلْإلْحاقِ، إمّا واوٌ أوْ ياءٌ، فَهي كَعِلْباءٍ، مُلْحَقَةً بِسِرْداحٍ، فالهَمْزَةُ لِلْإلْحاقِ، لا لِلتَّأْنِيثِ وهي مُنْصَرِفَةٌ لِذَلِكَ. انْتَهى.
﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْحِفِينَ. يُقالُ: ألْحَفَ عَلَيْهِ إلخ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإلْحافُ الإلْحاحُ وهو اللُّزُومُ، وأنْ لا يُفارِقَ إلّا بِشَيْءٍ يُعْطاهُ، مِن قَوْلِهِمْ: لَحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ. أيْ: أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ. قِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ سَألُوا سَألُوا (p-٦٩١)بِتَلَطُّفٍ ولَمْ يُلِحُّوا، فَيَكُونُ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ وحْدَهُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نَفْيٌ لِلسُّؤالِ والإلْحافِ جَمِيعًا، فَمَرْجِعُ النَّفْيِ إلى القَيْدِ ومُقَيِّدُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى سُوءِ طَرِيقَةِ مَن يَسْألُ النّاسَ إلْحافًا، واسْتِيجابُ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ لِلْمُتَعَفِّفِ عَنْ ذَلِكَ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ ولا اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ إنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا تَزالُ المَسْألَةُ بِأحَدِكم حَتّى يَلْقى اللَّهَ ولَيْسَ في وجْهِهِ مِزْعَةُ لَحْمٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ المَسائِلَ كَدَوْحٍ يَكْدَحُ بِها الرَّجُلُ وجْهَهُ، فَمَن شاءَ أبْقى ومَن شاءَ تَرَكَ، إلّا أنْ يَسْألَ ذا سُلْطانٍ، أوْ في أمْرٍ لا يَجِدُ مِنهُ بُدًّا»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (p-٦٩٢)سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««المَسْألَةُ كَدَوْحٍ في وجْهِ صاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن شاءَ اسْتَبْقى عَلى وجْهِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ وابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَألَ النّاسَ أمْوالَهم تَكَثُّرًا فَإنَّما يَسْألُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ سَهْلِ ابْنِ الحَنْظَلِيَّةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَألَ شَيْئًا وعِنْدَهُ ما يُغْنِيهِ فَإنَّما يَسْتَكْثِرُ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما يُغْنِيهِ؟ قالَ: «ما يُغَدِّيهِ أوْ يُعَشِّيهِ»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ «عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: كُنّا تِسْعَةً أوْ ثَمانِيَةً أوْ سَبْعَةً فَقالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقُلْنا عَلامَ نُبايِعُكَ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، والصَّلَواتِ الخَمْسِ، وتُطِيعُوا ولا تَسْألُوا النّاسَ، فَلَقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أحَدِهِمْ فَلا يَسْألُ أحَدًا يُناوِلُهُ إيّاهُ».
وأخْرَجَ مالِكٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَأنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكم حُزْمَةً عَلى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَسْألَ أحَدًا فَيُعْطِيَهُ أوْ يَمْنَعَهُ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««اللَّهُ يُحِبُّ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَنِ اسْتَغْنى (p-٦٩٣)أغْناهُ اللَّهُ، ومَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللَّهُ، ومَنِ اسْتَكْفى كَفاهُ اللَّهُ، ومَن سَألَ ولَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ ألْحَفَ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي العَطاءَ فَأقُولُ: أعْطِهِ مَن هو أفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي، فَقالَ: «خُذْهُ، إذا جاءَكَ مِن هَذا المالِ شَيْءٌ وأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ولا سائِلٍ فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإنْ شِئْتَ كُلْهُ وإنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ. وما لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»» .
قالَ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ كانَ عَبْدُ اللَّهِ لا يَسْألُ أحَدًا شَيْئًا، ولا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: ولَوْ عَلى المُلِحِّينَ وعَلى مَن لَمْ يَتَحَقَّقْ فَقْرُهم أوْ لَمْ تَشْتَدَّ حاجَتُهُمْ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِأنَّ ذَلِكَ الإنْفاقَ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، فَيُجازِي بِحَسَبِهِ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا يَخْتَصُّ الإنْفاقُ بِوَقْتٍ أوْ حالٍ بِقَوْلِهِ:
البقرة 2:274
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٤] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وفي تَقْدِيمِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ والسِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ إيذانٌ بِمَزِيَّةِ الإخْفاءِ عَلى الإظْهارِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأفْضَلُهُمُ المُنْفِقُ لَيْلًا سِرًّا، وأنْزَلُهُمُ المُنْفِقُ نَهارًا عَلانِيَةً، فَهم بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ.
لَطائِفُ:
لا يَخْفى أنَّ في حَضِّهِ تَعالى عَلى الإنْفاقِ في هَذِهِ الآيَةِ الوافِرَةِ، وضَرْبِهِ الأمْثالَ في الإحْسانِ إلى خَلْقِهِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، ما يَدْعُو كُلَّ مُؤْمِنٍ إلى أنْ يَتَزَكّى بِفَضْلِ مالِهِ.
(p-٦٩٤)قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في " الإحْياءِ " ما نَصُّهُ: في وجْهِ الِامْتِحانِ بِالصَّدَقاتِ ثَلاثَةُ مَعانٍ: الأوَّلُ: أنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ التِزامٌ لِلتَّوْحِيدِ، وشَهادَةٌ بِإفْرادِ المَعْبُودِ، وشَرْطُ تَمامِ الوَفاءِ بِهِ، أنْ لا يَبْقى لِلْمُوَحِّدِ مَحْبُوبٌ سِوى الواحِدِ الفَرْدِ، فَإنَّ المَحَبَّةَ لا تَقْبَلُ الشَّرِكَةِ، والتَّوْحِيدَ بِاللِّسانِ قَلِيلُ الجَدْوى، وإنَّما يُمْتَحَنُ بِهِ دَرَجَةُ الحُبِّ بِمُفارَقَةِ المَحْبُوبِ، والأمْوالُ مَحْبُوبَةٌ عِنْدَ الخَلائِقِ لِأنَّها آلَةٌ تُمْتِعُهم بِالدُّنْيا، وبِسَبَبِها يَأْنَسُونَ بِهَذا العالَمِ ويَنْفِرُونَ عَنِ المَوْتِ، مَعَ أنَّ فِيهِ لِقاءَ المَحْبُوبِ، فامْتَحَنُوا بِتَصْدِيقِ دَعْواهم في المَحْبُوبِ، واسْتَنْزَلُوا عَنِ المالِ الَّذِي هو مَرْمُوقُهم ومَعْشُوقُهُمْ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وذَلِكَ بِالجِهادِ، وهو مُسامَحَةٌ بِالمُهْجَةِ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُسامَحَةُ بِالمالِ أهْوَنُ، ولِما فُهِمَ هَذا المَعْنى في بَذْلِ الأمْوالِ انْقَسَمَ النّاسُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: قِسْمٌ صَدَقُوا التَّوْحِيدَ ووَفَوْا بِعَهْدِهِمْ ونَزَلُوا عَنْ جَمِيعِ أمْوالِهِمْ، فَلَمْ يَدَّخِرُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا، وقِسْمٌ دَرَجَتُهم دُونَ مَن قَبْلَهُمْ، وهُمُ المُمْسِكُونَ أمْوالَهُمُ، المُراقِبُونَ لِمَواقِيتِ الحاجاتِ ومَواسِمِ الخَيْراتِ، فَيَكُونُ قَصْدُهم في الِادِّخارِ الإنْفاقَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ دُونَ التَّنَعُّمِ، وصَرْفَ الفاضِلِ عَنِ الحاجَةِ إلى وُجُوهِ البِرِّ مَهْما ظَهَرَ وُجُوهُها، وهَؤُلاءِ لا يَقْتَصِرُونَ عَلى مِقْدارِ الزَّكاةِ، وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ إلى أنَّ في المالِ حُقُوقًا سِوى الزَّكاةِ، كالنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ. قالَ الشَّعْبِيُّ: (بَعْدَ أنْ قِيلَ لَهُ: هَلْ في المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ؟) قالَ: نَعَمْ. أما سَمِعْتَ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ (p-٦٩٥)عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَنسُوخٍ بِآيَةِ الزَّكاةِ، بَلْ هو داخِلٌ في حَقِّ المُسْلِمِ عَلى المُسْلِمِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُوسِرِ، مَهْما وجَدَ مُحْتاجًا، أنْ يُزِيلَ حاجَتَهُ فَضْلًا عَنْ مالِ الزَّكاةِ. وقِسْمٌ يَقْتَصِرُونَ عَلى أداءِ الوُجُوبِ فَلا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ ولا يَنْقُصُونَ مِنهُ، وهي أقَلُّ الرُّتَبِ، وقَدِ اقْتَصَرَ جَمِيعُ العَوامِّ عَلَيْهِ؛ لِبُخْلِهِمْ بِالمالِ ومَيْلِهِمْ إلَيْهِ، وضَعْفِ حُبِّهِمْ لِلْآخِرَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ [محمد: ٣٧] يُحْفِكم أيْ: يَسْتَقْصِي عَلَيْكم. فَكَمْ بَيْنَ عَبْدٍ اشْتَرى مِنهُ مالَهُ ونَفْسَهُ بِأنَّ لَهُ الجَنَّةَ، وبَيْنَ عَبْدٍ لا يَسْتَقْصِي عَلَيْهِ لِبُخْلِهِ، فَهَذا أحَدُ مَعانِي أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِبَذْلِ الأمْوالِ.
المَعْنى الثّانِي: التَّطْهِيرُ مِن صِفَةِ البُخْلِ، فَإنَّهُ مِنَ المُهْلِكاتِ. قالَ ﷺ: ««ثَلاثٌ مُهْلِكاتٌ: شُحٌّ مُطاعٌ، وهَوًى مُتَّبَعٌ، وإعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ»» . وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] وإنَّما تَزُولُ صِفَةُ البُخْلِ بِأنْ نَتَعَوَّدَ (p-٦٩٦)بَذْلَ المالِ، فَحُبُّ الشَّيْءِ لا يَنْقَطِعُ إلّا بِقَهْرِ النَّفْسِ عَلى مُفارَقَتِهِ حَتّى يَصِيرَ اعْتِيادًا، والزَّكاةُ، بِهَذا المَعْنى: طُهْرَةٌ. أيْ: تُطَهِّرُ صاحِبَها عَنْ خُبْثِ البُخْلِ المُهْلِكِ، وإنَّما طَهارَتُهُ بِقَدْرٍ بَذْلِهِ، وبِقَدْرِ فَرَحِهِ بِإخْراجِهِ واسْتِبْشارِهِ بِصَرْفِهِ لِلَّهِ تَعالى.
المَعْنى الثّالِثُ: شُكْرُ النِّعْمَةِ. فَإنَّ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَبْدِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ وفي مالِهِ، فالعِباداتُ البَدَنِيَّةُ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ البَدَنِ، والمالِيَّةُ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ المالِ، وما أخَسَّ مَن يَنْظُرُ إلى الفَقِيرِ، وقَدْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ، وأُحْوِجَ إلَيْهِ، ثُمَّ لا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِأنْ يُؤَدِّيَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى عَلى إغْنائِهِ عَنِ السُّؤالِ وإحْواجِ غَيْرِهِ إلَيْهِ.
فَصْلٌ
ولِلْغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيْضًا بَحْثٌ في المَنِّ والأذى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما. يَجْدُرُ ذِكْرُهُ هُنا، لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ لِطالِبِ الآخِرَةِ.
قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الوَظِيفَةُ الخامِسَةُ (يَعْنِي مِن وظائِفِ مُرِيدِ طَرِيقِ الآخِرَةِ بِصَدَقَتِهِ) أنْ لا يُفْسِدَ صَدَقَتَهُ بِالمَنِّ والأذى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] واخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ المَنِّ والأذى، فَقِيلَ: المَنُّ أنْ يَذْكُرَها، والأذى أنْ يُظْهِرَها. وقالَ (p-٦٩٧)سُفْيانَ: مَن مَنَّ فَسَدَتْ صَدَقَتُهُ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ المَنُّ؟ فَقالَ: أنْ يَذْكُرَهُ ويَتَحَدَّثَ بِهِ. وقِيلَ: المَنُّ أنْ يَسْتَخْدِمَهُ بِالعَطاءِ، والأذى أنْ يُعَيِّرَهُ بِالفَقْرِ، وقِيلَ: المَنُّ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ لِأجْلِ عَطائِهِ، والأذى: أنْ يَنْتَهِرَهُ أوْ يُوَبِّخَهُ بِالمَسْألَةِ، وقَدْ قالَ ﷺ: ««لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةَ مَنّانٍ»» . وعِنْدِي أنَّ المَنَّ لَهُ أصْلٌ ومَغْرِسٌ، وهو مِن أحْوالِ القَلْبِ وصِفاتِهِ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْوالٌ ظاهِرَةٌ عَلى اللِّسانِ والجَوارِحِ، فَأصْلُهُ: أنْ يَرى نَفْسَهُ مُحْسِنًا إلَيْهِ ومُنْعِمًا عَلَيْهِ، وحَقُّهُ أنْ يَرى الفَقِيرَ مُحْسَنًا إلَيْهِ بِقَبُولِ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنهُ، الَّذِي هو طُهْرَتُهُ ونَجاتُهُ مِنَ النّارِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ لَبَقِيَ مُرْتَهَنًا بِهِ، فَحَقُّهُ أنْ يَتَقَلَّدَ مِنَّةَ الفَقِيرِ؛ إذْ جَعَلَ كَفَّهُ نائِبًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في قَبْضِ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السّائِلِ»» . فَلْيَتَحَقَّقْ أنَّهُ مُسَلِّمٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَقَّهُ، والفَقِيرُ آخِذٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى رِزْقَهُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِإنْسانٍ فَأحالَ بِهِ عَبْدَهُ أوْ خادِمَهُ الَّذِي هو مُتَكَفِّلٌ بِرِزْقِهِ، لَكانَ اعْتِقادُ مُؤَدِّي الدَّيْنِ كَوْنَ القابِضِ تَحْتَ مُنْتَهٍ سَفَهًا وجَهْلًا، فَإنَّ المُحْسِنَ إلَيْهِ هو المُتَكَفِّلُ بِرِزْقِهِ، أمّا هو فَإنَّما يَقْضِي الَّذِي لَزِمَهُ بِشِراءِ ما أحَبَّهُ، فَهو ساعٍ في حَقِّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَمُنُّ بِهِ عَلى غَيْرِهِ؟ ومَهْما عَرَفَ المَعانِيَ الثَّلاثَةَ الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلُ، أوْ أحَدُها، لَمْ يَرَ نَفْسَهُ مُحْسِنًا إلّا إلى نَفْسِهِ، إمّا بِبَذْلِ مالِهِ إظْهارًا لِحُبِّ اللَّهِ، أوْ تَطْهِيرًا لِنَفْسِهِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ، أوْ شُكْرًا عَلى نِعْمَةِ المالِ طَلَبًا لِلْمَزِيدِ، وكَيْفَما كانَ فَلا مُعامَلَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ حَتّى يَرى نَفْسَهُ مُحْسِنًا إلَيْهِ، ومَهْما حَصَلَ هَذا الجَهْلُ بِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُحْسِنًا إلَيْهِ تَفَرَّعَ مِنهُ عَلى ظاهِرِهِ. ما ذَكَرَ في مَعْنى المَنِّ، وهو التَّحَدُّثُ بِهِ وإظْهارُهُ وطَلَبُ المُكافَأةِ (p-٦٩٨)مِنهُ بِالشُّكْرِ والدُّعاءِ، والخِدْمَةِ والتَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ، والقِيامِ بِالحُقُوقِ والتَّقْدِيمِ في المَجالِسِ، والمُتابَعَةِ في الأُمُورِ، فَهَذِهِ كُلُّها ثَمَراتُ المِنَّةِ، ومَعْنى المِنَّةِ في الباطِنِ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا الأذى فَظاهِرُهُ التَّوْبِيخُ والتَّعْبِيرُ وتَخْشِينُ الكَلامِ وتَقْطِيبُ الوَجْهِ وهَتْكُ السِّتْرِ بِالإظْهارِ، وفُنُونِ الِاسْتِخْفافِ وباطِنِهِ، وهو مَنبَعُهُ أمْرانِ: أحَدُهُما كَراهِيَتُهُ لِرَفْعِ اليَدِ عَنِ المالِ وشِدَّةُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُضَيِّقُ الخُلُقَ لا مَحالَةَ، والثّانِي: رُؤْيَتُهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ وأنَّ الفَقِيرَ لِسَبَبِ حاجَتِهِ أخَسُّ مِنهُ، وكِلاهُما مَنشَؤُهُ الجَهْلُ. أمّا كَراهِيَتُهُ تَسْلِيمَ المالِ فَهو حُمْقٌ، لِأنَّ مِن كَرِهَ بَذْلَ دِرْهَمٍ في مُقابَلَةِ ما يَسْوِي ألْفًا فَهو شَدِيدُ الحُمْقِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ يَبْذُلُ المالَ لِطَلَبِ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والثَّوابِ في الدّارِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ أشْرَفُ مِمّا بَذَلَهُ أوْ يَبْذُلُهُ لِتَطْهِيرِ نَفْسِهِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ، أوْ شُكْرِهِ لِطَلَبِ المَزِيدِ، وكَيْفَما فَرَضَ فالكَراهَةُ لا وجْهَ لَها، وأمّا الثّانِي فَهو أيْضًا جَهْلٌ، لِأنَّهُ لَوْ عَرَفَ فَضْلَ الفَقْرِ عَلى الغِنى وعَرَفَ خَطَرَ الأغْنِياءِ لَما اسْتَحْقَرَ الفَقِيرَ بَلْ تَبَرَّكَ بِهِ وتَمَنّى دَرَجَتَهُ، فَصُلَحاءُ الأغْنِياءِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَعْدَ الفُقَراءِ بِخَمْسِمِائَةِ عامٍ.
وقَدْ أطالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن هَذا النَّفْسِ العالِي. فَلْيُراجَعْ.
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في الزَّكاةِ والصَّدَقَةِ
قالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القِيَمِ الدِّمَشْقِيُّ في " زادِ المَعادِ ": هَدْيُهُ ﷺ في الزَّكاةِ أكْمَلُ هَدْيٍ في وقْتِها، وقَدْرِها ونِصابِها، ومَن تَجِبُ عَلَيْهِ، ومَصْرِفِها، ويُراعى فِيها مَصْلَحَةُ أرْبابِ الأمْوالِ ومَصْلَحَةُ المَساكِينِ، وجَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى طُهْرَةً لِلْمالِ ولِصاحِبِهِ، وقَيَّدَ النِّعْمَةَ بِهِ عَلى الأغْنِياءِ، فَما أزالَ النِّعْمَةَ بِالمالِ عَلى مَن أدّى زَكاتَهُ، بَلْ يَحْفَظُهُ عَلَيْهِ ويُنَمِّيهِ لَهُ ويَدْفَعُ عَنْهُ بِها الآفاتِ، ويَجْعَلُها سُورًا عَلَيْهِ وحِصْنًا لَهُ وحارِسًا لَهُ.
(p-٦٩٩)ثُمَّ قالَ في (هَدْيِهِ ﷺ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ): كانَ ﷺ أعْظَمَ النّاسِ صَدَقَةً مِمّا مَلَكَتْ يَدُهُ، وكانَ لا يَسْتَكْثِرُ شَيْئًا أعْطاهُ لِلَّهِ تَعالى ولا يَسْتَقِلُّهُ، ولا يَسْألُهُ أحَدٌ شَيْئًا عِنْدَهُ إلّا أعْطاهُ، قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، وكانَ عَطاؤُهُ عَطاءَ مَن لا يَخافُ الفَقْرَ، وكانَ العَطاءُ والصَّدَقَةُ أحَبَّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وكانَ سُرُورُهُ وفَرَحُهُ بِما يُعْطِيهِ أعْظَمَ مِن سُرُورِ الآخِذِ بِما يَأْخُذُهُ، وكانَ أجْوَدَ النّاسِ بِالخَيْرِ، يَمِينُهُ كالرِّيحِ المُرْسَلَةِ، وكانَ إذا عَرَضَ لَهُ مُحْتاجٌ آثَرَهُ عَلى نَفْسِهِ، تارَةً بِطَعامِهِ وتارَةً بِلِباسِهِ، وكانَ يَتَنَوَّعُ في أصْنافِ عَطائِهِ وصَدَقَتِهِ، فَتارَةً بِالهِبَةِ وتارَةً بِالصَّدَقَةِ وتارَةً بِالهَدِيَّةِ وتارَةً بِشِراءِ شَيْءٍ، ثُمَّ يُعْطِي البائِعَ الثَّمَنَ والسِّلْعَةَ جَمِيعًا كَما فَعَلَ بِجابِرٍ، وتارَةً كانَ يَقْتَرِضُ الشَّيْءَ فَيَرُدُّ أكْثَرَ مِنهُ، وأفْضَلَ وأكْبَرَ، ويَشْتَرِي الشَّيْءَ فَيُعْطِي أكْثَرَ مِن ثَمَنِهِ، ويَقْبَلُ الهَدِيَّةَ ويُكافِئُ عَلَيْها بِأكْثَرَ مِنها أوْ بِأضْعافِها تَلَطُّفًا وتَنَوُّعًا في ضُرُوبِ الصَّدَقَةِ والإحْسانِ (p-٧٠٠)بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وكانَتْ صَدَقَتُهُ وإحْسانُهُ بِما يَمْلِكُهُ وبِحالِهِ وبِقَوْلِهِ، فَيُخْرِجُ ما عِنْدَهُ ويَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ ويَحُضُّ عَلَيْها ويَدْعُو إلَيْها وبِحالِهِ وقَوْلِهِ، فَإذا رَآهُ البَخِيلُ الشَّحِيحُ دَعاهُ حالُهُ إلى البَذْلِ والعَطاءِ، وكانَ مَن خالَطَهُ وصَحِبَهُ ورَأى هَدْيَهُ لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِنَ السَّماحَةِ والنَّدى، وكانَ هَدْيُهُ ﷺ يَدْعُو إلى الإحْسانِ والصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ، ولِذَلِكَ كانَ ﷺ أشْرَحَ الخَلْقِ صَدْرًا وأطْيَبَهم نَفْسًا وأنْعَمَهم قَلْبًا، فَإنَّ لِلصَّدَقَةِ وفِعْلَ المَعْرُوفِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا في شَرْحِ الصُّدُورِ، وانْضافَ ذَلِكَ إلى ما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِن شَرْحِ صَدْرِهِ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وخَصائِصِها وتَوابِعِها، وشَرْحِ صَدْرِهِ حِسًّا وإخْراجِ حَظِّ الشَّيْطانِ مِنهُ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الأبْرارَ المُؤَدِّينَ النَّفَقاتِ مِنَ الزَّكَواتِ والصَّدَقاتِ في جَمِيعِ الأحْوالِ والأوْقاتِ، شَرَعَ في ذِكْرِ أكَلَةِ الرِّبا وأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وأنْواعِ الشُّبَهاتِ، فَأخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، وقِيامِهِمْ مِنها إلى بَعْثِهِمْ ونَشُورِهِمْ، فَقالَ: