Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — البقرة 2:275 – آل عمران 3:111
المحتويات
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
البقرة 2:275
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٥] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ وهو فَضْلُ مالٍ خالٍ عَنِ العِوَضِ في مُعاوَضَةِ مالٍ بِمالٍ، وكُتِبَ الرِّبا بِالواوِ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ، كَما كُتِبَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: ﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ في القامُوسِ خَبَطَهُ: ضَرَبَهُ شَدِيدًا، كَتَخَبَّطَهُ واخْتَبَطَهُ. وفي " العُبابِ ": كُلُّ مَن ضَرَبَهُ بِيَدِهِ فَصَرَعَهُ فَقَدْ خَبَطَهُ وتَخَبَّطَهُ. وأصْلُهُ: المَسُّ (p-٧٠١)بِاليَدِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْجُنُونِ، لِأنَّ الشَّيْطانَ يَمَسُّ الإنْسانَ فَيُجِنَّهُ، والجارُّ يَتَعَلَّقُ إمّا بِـ (لا يَقُومُونَ) أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ إلّا كَما يَقُومُ المَصْرُوعُ مِن جُنُونِهِ أوْ بِـ (يَقُومُ) أيْ: كَما يَقُومُ المَصْرُوعُ مِن جُنُونِهِ، أوْ بِـ (يَتَخَبَّطُهُ) أيْ: مِن جِهَةِ الجُنُونِ. والمَعْنى: أنَّهم يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخَبَّلِينَ كالمَصْرُوعِينَ. تِلْكَ سِيماهم يُعْرَفُونَ بِها عِنْدَ المَوْقِفِ هَتْكًا لَهم وفَضِيحَةً.
قالَ الحَرالِيُّ: في إطْلاقِهِ إشْعارٌ بِحالِهِمْ في الدُّنْيا والبَرْزَخِ والآخِرَةِ، فَفي إعْلامِهِ إيذانٌ بِأنَّ آكِلَهُ يُسْلَبُ عَقْلَهُ ويَكُونُ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا بِخُرْقٍ لا بِعَقْلٍ. يُقْبِلُ في مَحَلِّ الإدْبارِ، ويُدْبِرُ في مَحَلِّ الإقْبالِ.
قالَ البِقاعِيُّ: وهو مُؤَيَّدٌ بِالمُشاهَدَةِ، فَإنّا لَمْ نَرَ ولَمْ نَسْمَعْ قَطُّ بِآكِلِ رِبًا يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ ولا يُشْهَرُ بِفَضِيلَةٍ، بَلْ هم أدْنى النّاسِ وأدْنَسُهم.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في الكَشّافِ: وتَخَبُّطُ الشَّيْطانِ مِن زَعَماتِ العَرَبِ، يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ، والمَسُّ: الجُنُونُ، ورَجُلٌ مَمْسُوسٌ، وهَذا أيْضًا مِن زَعَماتِهِمْ، وأنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ، وكَذَلِكَ: جُنَّ الرَّجُلُ، مَعْناهُ: ضَرَبَتْهُ الجِنُّ.
وتَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ في قَوْلِهِ وهُوَ: أيِ: التَّخَبُّطُ والمَسُّ، وارِدٌ عَلى ما يَزْعُمُونَ إلخ.
قالَ النّاصِرُ في " الِانْتِصارِ ": مَعْنى قَوْلِ الكَشّافِ مِن زَعَماتِ العَرَبِ أيْ: كِذْباتِهِمْ وزَخارِفِهِمُ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها، وهَذا القَوْلُ عَلى الحَقِيقَةِ مِن تَخَبُّطِ الشَّيْطانِ بِالقَدَرِيَّةِ، مِن زَعَماتِهِمُ المَرْدُودَةِ بِقَواطِعِ الشَّرْعِ، ثُمَّ ساقَ ما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ والآثارِ: وقالَ بَعْدَهُ: واعْتِقادُ السَّلَفِ وأهْلِ السُّنَّةِ أنَّ هَذِهِ أُمُورٌ عَلى حَقائِقِها واقِعَةٌ كَما أخْبَرَ الشَّرْعُ عَنْها، وإنَّما القَدَرِيَّةُ خُصَماءُ العَلانِيَةِ، فَلا جَرَمَ أنَّهم يُنْكِرُونَ كَثِيرًا مِمّا يَزْعُمُونَهُ مُخالِفًا لِقَواعِدِهِمْ. مِن ذَلِكَ: السِّحْرُ، وخَبْطَةُ الشَّيْطانِ، ومُعْظَمُ أحْوالِ الجِنِّ، وإنِ اعْتَرَفُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَعَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِهِ أهْلُ السُّنَّةِ، ويُنْبِئُ عَنْهُ ظاهِرُ الشَّرْعِ، في خَبْطٍ طَوِيلٍ لَهم.
(p-٧٠٢)وقالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في " شَرْحِ المَقاصِدِ ": وبِالجُمْلَةِ فالقَوْلُ بِوُجُودِ المَلائِكَةِ والجِنِّ والشَّيْطانِ مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ إجْماعُ الآراءِ، ونَطَقَ بِهِ كَلامُ اللَّهِ وكَلامُ الأنْبِياءِ.
وقالَ: الجِنُّ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ هَوائِيَّةٌ تَتَشَكَّلُ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ ويَظْهَرُ مِنها أحْوالٌ عَجِيبَةٌ، والشَّياطِينُ أجْسامٌ نارِيَّةٌ شَأْنُها إلْقاءُ النّاسِ في الفَسادِ والغَوايَةِ، ولِكَوْنِ الهَواءِ والنّارِ في غايَةِ اللَّطافَةِ والتَّشْفِيفِ، كانَتِ المَلائِكَةُ والجِنُّ والشَّياطِينُ يَدْخُلُونَ المَنافِذَ الضَّيِّقَةَ حَتّى أجْوافِ الإنْسانِ، ولا يُرَوْنَ بِحُسْنِ البَصَرِ إلّا إذا اكْتَسَبُوا مِنَ المُمْتَزِجاتِ.
قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ، بَعْدَ نَقْلِهِ ما ذَكَرْنا: وقَدْ ورَدَ في كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««أنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسانِ مَجْرى الدَّمِ»» . ووَرَدَ أنَّهُ ﷺ أخْرَجَ الصّارِعَ مِنَ الجِنِّ مِن جَوْفِ المَصْرُوعِ في صُورَةِ كَلْبٍ. ونَحْوَ ذَلِكَ. وفي كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُتَقَدِّمَةِ ما لا يُحْصى مِن مِثْلِ ذَلِكَ، وأمّا مُشاهَدَةُ المَصْرُوعِ، يُخْبِرُ بِالمُغَيَّباتِ وهو مَصْرُوعٌ غائِبُ الحِسِّ، ورُبَّما كانَ مُلْقًى في النّارِ وهو لا يَحْتَرِقُ، ورُبَّما ارْتَفَعَ في الهَواءِ مِن غَيْرِ رافِعٍ - فَكَثِيرٌ جِدًّا، لا يُحْصى مُشاهِدُوهُ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الجِنِّ أوِ الشَّياطِينِ. وها أنا أذْكُرُ لَكَ في ذَلِكَ مِن أحادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ما فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَن تَدَبَّرَهُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
رَوى الدّارِمِيُّ في أوائِلِ مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ امْرَأةً (p-٧٠٣)جاءَتْ بِابْنٍ لَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وإنَّهُ يَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدائِنا وعَشائِنا، فَيُخَبِّثَ عَلَيْنا. فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ ودَعا، فَثَعَّ ثَعَّةً، وخَرَجَ مِن صَدْرِهِ مِثْلُ الجَرْوِ الأسْوَدِ فَسَعى». وقَوْلُهُ: (ثَعَّ بِمُثَلَّثَةٍ ومُهْمَلَةٍ، أيْ: قاءَ).
ولِلدّارِمِيُّ أيْضًا وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أيْضًا عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَرَكِبْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَنا كَأنَّما عَلى رُؤُوسِنا الطَّيْرُ، تُظِلُّنا، فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ لَها، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ ابْنِي هَذا يَأْخُذُهُ الشَّيْطانُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِرارٍ. فَتَناوَلَ الصَّبِيَّ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُقَدَّمِ الرَّحْلِ، ثُمَّ قالَ: اخْسَأْ، عَدُوَّ اللَّهِ! أنا رَسُولُ اللَّهِ ثَلاثًا ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْها».
وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، وبَيَّنَ أنَّ السَّفَرَ غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ في حَرَّةِ واقِمٍ. قالَ جابِرٌ: «فَلَمّا قَضَيْنا سَفَرَنا مَرَرْنا بِذَلِكَ المَكانِ، فَعَرَضَتْ لَنا المَرْأةُ ومَعَها صَبِيُّها ومَعَها كَبْشانِ تَسُوقُهُما. فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! اقْبَلْ مِنِّي هَدِيَّتِي، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! ما عادَ إلَيْهِ بَعْدُ. فَقالَ: خُذُوا مِنها واحِدًا، ورُدُّوا عَلَيْها الآخَرَ».
ورَواهُ البَغَوِيُّ في " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ثُمَّ ساقَ البِقاعِيُّ ما جاءَ في الإنْجِيلِ. قالَ: وذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا. يَعْنِي ما وقَعَ لِلْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إخْراجِ الشَّياطِينِ والأرْواحِ الخَبِيثَةِ مِنَ المُبْتَلِينَ بِذَلِكَ، وبَعْدَ أنْ ساقَ ذَلِكَ قالَ: وإنَّما كَتَبْتُ هَذا مَعَ كَوْنِ ما نُقِلَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ كافِيًا، لِأنَّهُ لا يُدْفَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إيناسٌ لَهُ ومُصادَقَةٌ تَزِيدُ في الإيمانِ.
وقَدْ أجادَ بَيانَ تَسَلَّطِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القِيَمِ في " زادِ المَعادِ " وذَكَرَ عِلاجَ دَفْعِها فَقالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ:
(p-٧٠٤)فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ الصَّرَعِ
أخْرَجا في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: «قالَ لِي ابْنُ عَبّاسٍ: ألا أُرِيكَ امْرَأةً مِن أهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ السَّوْداءُ. أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: إنِّي أُصْرَعُ، وإنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللَّهَ لِي. فَقالَ: «إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولَكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكِ أنْ يُعافِيَكِ» . فَقالَتْ: أصْبِرُ. قالَتْ: إنِّي أتَكَشَّفُ فادْعُ اللَّهَ أنْ لا أتَكَشَّفَ. فَدَعا لَها».
قُلْتُ: الصَّرَعُ صَرَعانِ:
صَرَعٌ مِنَ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ الأرْضِيَّةِ، وصَرَعٌ مِنَ الأخْلاطِ الرَّدِيَّةِ.
والثّانِي هو الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ الأطِبّاءُ، في سَبَبِهِ وعِلاجِهِ، وأمّا صَرَعُ الأرْواحِ، فَأئِمَّتُهم وعُقَلاؤُهم يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يَدْفَعُونَهُ، ويَعْتَرِفُونَ بِأنَّ عِلاجَهُ بِمُقابَلَةِ الأرْواحِ الشَّرِيفَةِ الخَيِّرَةِ العُلْوِيَّةِ لِتِلْكَ الأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ الخَبِيثَةِ، فَتُدافِعُ آثارَها وتُعارِضُ أفْعالَها وتُبْطِلُها، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ بِقْراطُ في بَعْضِ كُتُبِهِ، فَذَكَرَ بَعْضَ عِلاجِ الصَّرَعِ وقالَ: هَذا إنَّما يَنْفَعُ مِنَ الصَّرَعِ الَّذِي سَبَبُهُ الأخْلاطُ والمادَّةُ، أمّا الصَّرَعُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الأرْواحِ فَلا يَنْفَعُ فِيهِ هَذا العِلاجُ، وأمّا جَهَلَةُ الأطِبّاءِ وسَقْطُهم وسَفَلَتُهم ومَن يَعْتَقِدُ بِالزَّنْدَقَةِ فَضِيلَةً، فَأُولَئِكَ يُنْكِرُونَ صَرَعَ الأرْواحِ ولا يُقِرُّونَ بِأنَّها تُؤَثِّرُ في بَدَنِ المَصْرُوعِ، ولَيْسَ مَعَهم إلّا الجَهْلُ، وإلّا فَلَيْسَ في الصِّناعَةِ الطِّبِّيَّةِ ما يَدْفَعُ ذَلِكَ، والحِسُّ والوُجُودُ شاهِدٌ بِهِ، وإحالَتُهم ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ بَعْضِ الأخْلاطِ هو صادِقٌ في بَعْضِ أقْسامِهِ لا في كُلِّها، وقُدَماءُ الأطِبّاءِ كانُوا يُسَمُّونَ هَذا الصَّرَعَ: المَرَضَ الإلَهِيَّ. وقالُوا: إنَّهُ مِنَ الأرْواحِ، وأمّا جالِينُوسُ وغَيْرُهُ فَتَأوَّلُوا عَلَيْهِمْ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ وقالُوا: إنَّما سَمَّوْها بِالمَرَضِ الإلَهِيِّ لِكَوْنِ هَذِهِ العِلَّةِ تَحْدُثُ في الرَّأْسِ فَتَضُرُّ بِالجُزْءِ الإلَهِيِّ الطّاهِرِ الَّذِي مَسَكْنُهُ الدِّماغُ. وهَذا التَّأْوِيلُ نَشَأ لَهم مِن جَهْلِهِمْ بِهَذِهِ الأرْواحِ وأحْكامِها وتَأْثِيراتِها. (p-٧٠٥)وجاءَتْ زَنادِقَةُ الأطِبّاءِ فَلَمْ يُثْبِتُوا إلّا صَرَعَ الأخْلاطِ وحْدَهُ، ومِن لَهُ عَقْلٌ ومَعْرِفَةٌ بِهَذِهِ الأرْواحِ وتَأْثِيراتِها يَضْحَكُ مِن جَهْلِ هَؤُلاءِ الأطِبّاءِ وضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وعِلاجُ هَذا النَّوْعِ يَكُونُ بِأمْرَيْنِ: أمْرٌ مِن جِهَةِ المَصْرُوعِ وأمْرٌ مِن جِهَةِ المُعالِجِ، فالَّذِي مِن جِهَةِ المَصْرُوعِ يَكُونُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ وصِدْقِ تَوَجُّهِهِ إلى فاطِرِ هَذِهِ الأرْواحَ وبارِيها، والتَّعَوُّذِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَدْ تَواطَأ عَلَيْهِ القَلْبُ واللِّسانُ، فَإنَّ هَذا نَوْعُ مُحارَبَةٍ، والمُحارِبُ لا يَتِمُّ لَهُ الِانْتِصافُ مِن عَدُوِّهِ بِالسِّلاحِ إلّا بِأمْرَيْنِ: أنْ يَكُونَ السِّلاحُ صَحِيحًا في نَفْسِهِ جَيِّدًا، وأنْ يَكُونَ السّاعِدُ قَوِيًّا، فَمَتى تَخَلَّفَ أحَدُهُما لَمْ يُغْنِ السِّلاحُ كَثِيرَ طائِلٍ، فَكَيْفَ إذا عُدِمَ الأمْرانِ جَمِيعًا، بِكَوْنِ القَلْبِ خَرابًا مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ والتَّقْوى والتَّوَجُّهِ، ولا سِلاحَ لَهُ.
والثّانِي: مِن جِهَةِ المُعالِجِ بِأنْ يَكُونُوا فِيهِ هَذانِ الأمْرانِ أيْضًا، حَتّى إنَّ مِنَ المُعالِجِينَ مَن يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: اخْرُجْ مِنهُ. أوْ بِقَوْلِ: بِسْمِ اللَّهِ، أوْ بِقَوْلِ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، والنَّبِيُّ ﷺ كانَ يَقُولُ: ««اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ! أنا رَسُولُ اللَّهِ»» . وشاهَدْتُ شَيْخَنا (يَعْنِي الإمامَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يُرْسِلُ إلى المَصْرُوعِ مَن يُخاطِبُ الرُّوحَ الَّتِي فِيهِ ويَقُولُ: قالَ لَكِ الشَّيْخُ اخْرُجِي، فَإنَّ هَذا لا يَحِلُّ لَكِ. فَيُفِيقُ المَصْرُوعُ، ورُبَّما خاطَبَها بِنَفْسِهِ، ورُبَّما كانَتِ الرُّوحُ مارِدَةً، فَيُخْرِجُها بِالضَّرْبِ فَيُفِيقُ المَصْرُوعُ، ولا يُحِسُّ بِألَمٍ، وقَدْ شاهَدْنا نَحْنُ وغَيْرُنا مِنهُ ذَلِكَ مِرارًا، وكانَ كَثِيرًا ما يَقْرَأُ في أُذُنِ المَصْرُوعِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وحَدَّثَنِي أنَّهُ قَرَأها مَرَّةً في أُذُنِ المَصْرُوعِ، فَقالَتِ الرُّوحُ: نَعَمْ. ومَدَّ بِها صَوْتَهُ. قالَ: فَأخَذْتُ لَهُ عَصًا وضَرْبَتُهُ بِها في عُرُوقِ عُنُقِهِ حَتّى مَجَلَتْ يَدايَ مِنَ الضَّرْبِ، ولَمْ يَشُكَّ الحاضِرُونَ بِأنَّهُ يَمُوتُ لِذَلِكَ الضَّرْبِ، فَفي أثْناءِ الضَّرْبِ قالَتْ: أنا أُحِبُّهُ. فَقُلْتُ لَها: هو لا يُحِبُّكِ. قالَتْ: أنا أُرِيدُ أنْ أحُجَّ بِهِ. فَقُلْتُ لَها: هو لا يُرِيدُ أنْ يَحُجَّ مَعَكِ. فَقالَتْ: أنا أدَعُهُ كَرامَةً لَكَ. قالَ قُلْتُ: لا. ولَكِنْ طاعَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. قالَتْ: فَأنا أخْرُجُ مِنهُ.
قالَ: فَقَعَدَ المَصْرُوعُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، وقالَ: ما جاءَ بِي إلى حَضْرَةِ الشَّيْخِ؟ قالُوا لَهُ: وهَذا الضَّرْبُ كُلُّهُ؟ فَقالَ: وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَضْرِبُنِي الشَّيْخُ ولَمْ أُذْنِبْ؟ ولَمْ يَشْعُرْ بِأنَّهُ وقَعَ ضَرْبٌ البَتَّةَ. (p-٧٠٦)وكانَ يُعالِجُ بِآيَةِ الكُرْسِيِّ، وكانَ يَأْمُرُ بِكَثْرَةِ قِراءَةِ المَصْرُوعِ ومَن يُعالِجُهُ بِها، وبِقِراءَةِ المُعَوِّذَتَيْنِ. وبِالجُمْلَةِ، فَهَذا النَّوْعُ مِنَ الصَّرَعِ، وعِلاجُهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا قَلِيلُ الحَظِّ مِنَ العِلْمِ والعَقْلِ والمَعْرِفَةِ، وأكْثَرُ تَسَلُّطِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلى أهْلِهِ يَكُونُ مِن جِهَةِ قِلَّةِ دِينِهِمْ وخَرابِ قُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ، مِن حَقائِقِ الذِّكْرِ والتَّعاوِيذِ والتَّحَصُّناتِ النَّبَوِيَّةِ والإيمانِيَّةِ، فَتَلْقى الرُّوحُ الخَبِيثَةُ الرَّجُلَ أعْزَلَ لا سِلاحَ مَعَهُ، ورُبَّما كانَ عُرْيانًا فَيُؤَثِّرُ فِيهِ هَذا، ولَوْ كُشِفَ الغِطاءُ لَرَأيْتُ أكْثَرَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ صَرْعى مَعَ هَذِهِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ، وهي في أسْرِها وقَبْضَتِها تَسُوقُها حَيْثُ شاءَتْ، ولا يُمْكِنُها الِامْتِناعُ عَنْها ولا مُخالَفَتُها، وبِها الصَّرَعُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يُفِيقُ صاحِبُهُ إلّا عِنْدَ المُفارَقَةِ والمُعايَنَةِ، فَهُناكَ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ كانَ هو المَصْرُوعَ حَقِيقَةً. وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ.
وعِلاجُ هَذا الصَّرْعِ بِاقْتِرانِ العَقْلِ الصَّحِيحِ إلى الإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وأنْ تَكُونَ الجَنَّةُ والنّارُ نُصْبَ عَيْنِهِ وقِبْلَةَ قَلْبِهِ، ويَسْتَحْضِرُ أهْلَ الدُّنْيا وحُلُولَ المَثُلاتِ والآفاتِ بِهِمْ. ووُقُوعُها خِلالَ دِيارِهِمْ، كَمَواقِعِ القُطْرِ، وهم صَرْعى لا يُفِيقُونَ، وما أشَدَّ أعْداءَ هَذا الصَّرَعِ! ولَكِنْ لَمّا عَمَّتِ البَلِيَّةُ بِحَيْثُ لا يُرى إلّا مَصْرُوعًا لَمْ يَصِرْ مُسْتَغْرَبًا ولا مُسْتَنْكَرًا، بَلْ صارَ، لِكَثْرَةِ المَصْرُوعِينَ، عَيْنُ المُسْتَنْكَرِ المُسْتَغْرَبِ خِلافُهُ. فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أفاقَ مِن هَذِهِ الصَّرْعَةِ، ونَظَرَ إلى أبْناءِ الدُّنْيا مَصْرُوعِينَ حَوْلَهُ يَمِينًا وشِمالًا عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ، فَمِنهم مَن أطْبَقَ بِهِ الجُنُونُ، ومِنهم مَن يُفِيقُ أحْيانًا قَلِيلَةً ويَعُودُ إلى جُنُونِهِ، ومِنهم مَن يُفِيقُ مَرَّةً ويُجَنُّ أُخْرى، فَإذا أفاقَ عَمِلَ عَمَلَ أهْلِ الإفاقَةِ والعَقْلِ، ثُمَّ يُعاوِدُهُ الصَّرَعُ فَيَقَعُ التَّخَبُّطُ.
ثُمَّ قالَ: وأمّا صَرَعُ الأخْلاطِ فَهو عِلَّةٌ تَمْنَعُ الأعْضاءَ النَّفْسِيَّةَ عَنِ الأفْعالِ والحَرَكَةِ والِانْتِصابِ مَنعًا غَيْرَ تامٍّ. وسَبَبُهُ: خَلْطٌ غَلِيظٌ لَزِجٌ يَسُدُّ مَنافِذَ بُطُونِ الدِّماغِ، سَدَّةً غَيْرَ تامَّةٍ، فَيَمْتَنِعُ نُفُوذُ الحِسِّ والحَرَكَةِ فِيهِ وفي الأعْضاءِ نُفُوذًا ما، مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ لِأسْبابٍ أُخَرَ كَرِيحٍ غَلِيظٍ يَحْتَبِسُ في مَنافِذِ الرُّوحِ، أوْ بُخارٍ رَدِيءٍ يَرْتَفِعُ إلَيْهِ مِن بَعْضِ الأعْضاءِ، أوْ كَيْفِيَّةٍ لاذِعَةٍ فَيَنْقَبِضُ الدِّماغُ لِدَفْعِ المُؤْذِي فَيَتْبَعُهُ تَشَنُّجٌ في جَمِيعِ الأعْضاءِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَبْقى الإنْسانُ مَعَهُ مُنْتَصِبًا بَلْ يَسْقُطُ ويَظْهَرُ في فِيهِ الزَّبَدُ غالِبًا، وهَذِهِ العِلَّةُ تُعَدُّ مِن جُمْلَةِ الأمْراضِ الحادَّةِ بِاعْتِبارِ (p-٧٠٧)وقْتِ وُجُودِ المُؤْلَمِ خاصَّةً، وقَدْ تُعَدُّ مِن جُمْلَةِ الأمْراضِ المُزْمِنَةِ بِاعْتِبارِ طُولِ مُكْثِها وعُسْرِ بُرْئِها لا سِيَّما إنْ جاوَزَ في السِّنِّ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً. وهَذِهِ العِلَّةُ في دِماغِهِ وخاصَّةً في جَوْهَرِهِ، فَإنَّ صَرَعَ هَؤُلاءِ يَكُونُ لازِمًا، قالَ بِقْراطُ: إنَّ الصَّرَعَ يَبْقى في هَؤُلاءِ حَتّى يَمُوتُوا. إذا عُرِفَ هَذا، فَهَذِهِ المَرْأةُ الَّتِي جاءَ الحَدِيثُ أنَّها كانَتْ تُصْرَعُ وتَنْكَشِفُ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَرَعُها مِن هَذا النَّوْعِ، فَوَعَدَها النَّبِيُّ ﷺ الجَنَّةَ بِصَبْرِها عَلى هَذا المَرَضِ، ودَعا لَها أنْ لا تَنْكَشِفَ، وخَيَّرَها بَيْنَ الصَّبْرِ والجَنَّةِ، وبَيْنَ الدُّعاءِ لَها بِالشِّفاءِ مِن غَيْرِ ضَمانٍ، فاخْتارَتِ الصَّبْرَ والجَنَّةَ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَرْكِ المُعالَجَةِ والتَّداوِي، وإنَّ عِلاجَ الأرْواحِ بِالدَّعَواتِ والتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ يَفْعَلُ ما لا يَنالُهُ عِلاجُ الأطِبّاءِ، وإنَّ تَأْثِيرَهُ وفِعْلَهُ وتَأْثِيرَ الطَّبِيعَةِ عَنْهُ وانْفِعالَها أعْظَمُ مِن تَأْثِيرِ الأدْوِيَةِ البَدَنِيَّةِ وانْفِعالِ الطَّبِيعَةِ عَنْها، وقَدْ جَرَّبْنا هَذا مِرارًا نَحْنُ وغَيْرُنا. وعُقَلاءُ الأطِبّاءِ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ في فِعْلِ القُوى النَّفْسِيَّةِ وانْفِعالاتِها في شِفاءِ الأمْراضِ عَجائِبَ، وما عَلى الصِّناعَةِ الطِّبِّيَّةِ أضَرُّ مِن زَنادِقَةِ القَوْمِ وسَفَلَتِهِمْ وجُهّالِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ صَرَعَ هَذِهِ المَرْأةِ كانَ مِن هَذا النَّوْعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ الأرْواحِ، ويَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَيَّرَها بَيْنَ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ مَعَ الجَنَّةِ، وبَيْنَ الدُّعاءِ لَها بِالشِّفاءِ، فاخْتارَتِ الصَّبْرَ والسَّتْرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: القِيامُ المُخَبَّطُ: ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ: نَظِيرُهُ في أنَّ كُلًّا مِنهُما مُعاوَضَةٌ. فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ: إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ لِأنَّ الكَلامَ في الرِّبا لا في البَيْعِ، وحِلَّ البَيْعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَيُقاسُ عَلَيْهِ الرِّبا، وحَقَّ القِياسِ أنْ يُشَبَّهَ مَحَلُّ الخِلافِ بِمَحَلِّ الوِفاقِ؟ أُجِيبُ: بِأنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ. وهو أنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنِ اعْتِقادِهِمْ في حِلِّ الرِّبا أنَّهم جَعَلُوهُ أصْلًا وقانُونًا في الحِلِّ، حَتّى شَبَّهُوا بِهِ البَيْعَ. كَذا أجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ في " حَواشِيهِ ": وعِنْدِي وجْهٌ في الجَوابِ غَيْرُ ما ذُكِرَ، وهو أنَّهُ مَتى كانَ المَطْلُوبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المَحَلَّيْنِ في ثُبُوتِ الحُكْمِ، فَلِلْقائِلِ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُما طَرْدًا. فَيَقُولُ مَثَلًا: الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ. وغَرَضُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: والبَيْعُ حَلالٌ، فالرِّبا حَلالٌ، ولَهُ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُما (p-٧٠٨)فِي العَكْسِ فَيَقُولُ: البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، فَلَوْ كانَ الرِّبا حَرامًا كانَ البَيْعُ حَرامًا، ضَرُورَةَ المُماثَلَةِ. ونَتِيجَتُهُ الَّتِي دَلَّتْ قُوَّةُ الكَلامِ عَلَيْها أنْ يَقُولَ: ولَمّا كانَ البَيْعُ حَلالًا اتِّفاقًا غَيْرَ حَرامٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الرِّبا مِثْلَهُ. والأوَّلُ: عَلى طَرِيقَةِ قِياسِ الطَّرْدِ. والثّانِي: عَلى طَرِيقَةِ العَكْسِ. ومَآلُهُما إلى مَقْصِدٍ واحِدٍ. فَلا حاجَةَ، عَلى هَذا التَّقْرِيرِ، إلى خُرُوجٍ عَنِ الظّاهِرِ لِعُذْرِ المُبالَغَةِ أوْ غَيْرِهِ. ولَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا كُلِّهِ إلّا بَيانَ هَذا الَّذِي تَخَيَّلُوهُ عَلى أُنْمُوذَجِ النَّظْمِ الصَّحِيحِ. وإنْ كانَ قِياسًا فاسِدَ الوَضْعِ، لِاسْتِعْمالِهِ عَلى مُناقَضَةِ المَعْلُومِ مِن حُكْمِ اللَّهِ أيْضًا في تَحْرِيمِ الرِّبا وتَحْلِيلِ البَيْعِ وقَطْعِ القِياسِ بَيْنَهُما، ولَكِنْ إذا اسْتَعْمَلْتَ الطَّرِيقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ اسْتِعْمالًا صَحِيحًا فَقُلْ في الأُولى: النَّبِيذُ مِثْلُ الخَمْرِ في عِلَّةِ التَّحْرِيمِ، وهو الإسْكارُ، والخَمْرُ حَرامٌ، فالنَّبِيذُ حَرامٌ. وقُلْ في الثّانِيَةِ: إنَّما الخَمْرُ مِثْلُ النَّبِيذِ، فَلَوْ كانَ النَّبِيذُ حَلالًا لَكانَ الخَمْرُ حَلالًا، ولَيْسَتْ حَلالًا اتِّفاقًا، فالنَّبِيذُ كَذَلِكَ ضَرُورَةَ المُماثَلَةِ المَذْكُورَةِ، فَهَذا التَّوْجِيهُ أوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ إنْكارٌ لِتَسْوِيَتِهِمْ بَيْنَهُما. إذِ الحِلُّ مَعَ الحُرْمَةِ ضِدّانِ. فَأنّى يَتَماثَلانِ؟ ودَلالَةٌ عَلى أنَّ القِياسَ يَهْدِمُهُ النَّصُّ، لِأنَّهُ جَعَلَ الدَّلِيلَ عَلى بُطْلانِ قِياسِهِمْ إحْلالَ اللَّهِ وتَحْرِيمَهُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ نُفاةَ القِياسِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذا الحَرْفِ. قالُوا: لَوْ كانَ الدِّينُ بِالقِياسِ لَكانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لازِمَةً. فَلَمّا كانَتْ مَدْفُوعَةً عِلْمِنا أنَّ الدِّينَ بِالنَّصِّ لا بِالقِياسِ. وذَكَرَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ الفَرْقَ بَيْنَ البابَيْنِ فَقالَ: مَن باعَ ثَوْبًا يُساوِي عَشَرَةً بِعِشْرِينَ، فَقَدْ جَعَلَ ذاتَ الثَّوْبِ مُقابِلًا بِالعِشْرِينِ، فَلَمّا حَصَلَ التَّراضِي عَلى هَذا التَّقابُلِ، صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُقابِلًا لِلْآخَرِ في المالِيَّةِ عِنْدَهُما، فَلَمْ يَكُنْ أخَذَ مِن صاحِبِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، أمّا إذا باعَ العَشَرَةَ بِالعِشْرِينِ فَقَدْ أخَذَ العَشَرَةَ الزّائِدَةَ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِوَضَهُ هو الإمْهالُ في مُدَّةِ الأجَلِ، لِأنَّ الإمْهالَ لَيْسَ مالًا أوْ شَيْئًا يُشارُ إلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَهُ عِوَضًا عَنِ العَشَرَةِ الزّائِدَةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في " الحِلْيَةِ " عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سُئِلَ: لِمَ حَرَّمَ اللَّهُ (p-٧٠٩)الرِّبا؟ قالَ: لِئَلّا يَتَمانَعَ النّاسُ المَعْرُوفَ. أيِ: الإحْسانَ الَّذِي في القَرْضِ؛ إذْ لَوْ حَلَّ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمَيْنِ ما سَمَحَ أحَدٌ بِإعْطاءِ دِرْهَمٍ بِمِثْلِهِ.
﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ أيْ: بَلَغَهُ وعْظٌ وزَجْرٌ، كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا: ﴿مِن رَبِّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءَهُ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (مَوْعِظَةٌ). والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ لِلتَّرْبِيَةِ: ﴿فانْتَهى﴾ عَطْفٌ عَلى (جاءَهُ) أيْ: فاتَّعَظَ بِلا تَراخٍ، وتَبِعَ النَّهْيَ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَ أخْذُهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ولا يُسْتَرَدُّ مِنهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ إنْ شاءَ أخَذَهُ لِظُهُورِ الفَرْقِ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ، لِأنَّ الفَرْقَ، وإنْ ظَهْرَ لِأرْبابِ النَّظَرِ، يَجُوزُ أنْ يَخْفى عَلى العَوامِّ: ﴿ومَن عادَ﴾ أيْ: إلى تَحْلِيلِ الرِّبا بَعْدَ النَّصِّ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لِكُفْرِهِمْ بِالنَّصِّ، ورَدِّهِمْ إيّاهُ بِقِياسِهِمُ الفاسِدِ، بَعْدَ ظُهُورِ فَسادِهِ. ومَن أحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَهو كافِرٌ، فَلِذا اسْتَحَقَّ الخُلُودَ، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في تَخْلِيدِ الفُسّاقِ، حَيْثُ بَنَوْا عَلى أنَّ المُتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِالخُلُودِ العَوْدُ إلى فِعْلِ الرِّبا خاصَّةً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهم عَلى ذَلِكَ الظّاهِرِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ، فَإنَّ الَّذِي وقَعَ العَوْدُ إلَيْهِ مَحْمُولٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قالَ: ومَن عادَ إلى ما سَلَفَ ذِكْرُهُ، وهو فِعْلُ الرِّبا واعْتِقادُ جَوازِهِ والِاحْتِجاجُ عَلَيْهِ بِقِياسِهِ عَلى البَيْعِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن تَعاطى مُعامَلَةَ الرِّبا مُسْتَحِلًّا لَها مُكابِرًا في تَحْرِيمِها، مُسْنِدًا إحْلالَها إلى مُعارَضَةِ آياتِ اللَّهِ البَيِّناتِ، بِما يَتَوَهَّمُهُ مِنَ الخَيالاتِ - فَقَدْ كَفَرَ ثُمَّ ازْدادَ كُفْرًا. وإذْ ذاكَ يَكُونُ المَوْعُودُ بِالخُلُودِ في الآيَةِ مَن يُقالُ إنَّهُ كافِرٌ مُكَذِّبٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ، فَلا دَلِيلَ إذًا لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى اعْتِزالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ. أشارَ لِذَلِكَ في " الِانْتِصافِ ".
قالَ في فَتْحِ البَيانِ: والمَصِيرُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ واجِبٌ، لِلْأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ القاضِيَةِ بِخُرُوجِ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ.
البقرة 2:276
(p-٧١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٦] ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ .
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ: يُذْهِبُ رَيْعَهُ ويَمْحُو خَيْرَهُ، وإنْ كانَ زِيادَةً في الظّاهِرِ فَلا يُنْتَفَعُ بِهِ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: يُكَثِّرُها ويُنَمِّيها،إنْ كانَتْ نُقْصانًا في الشّاهِدِ.
فَوائِدُ:
الأُولى: قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ إنَّما يَكُونانِ بِاعْتِبارِ العاقِبَةِ والنَّفْعِ في الدّارَيْنِ، والمالُ الحاصِلُ مِنَ الرِّبا لا بَرَكَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن مُخالَفَةِ الحَقِّ، فَتَكُونُ عاقِبَتُهُ وخِيمَةً وصاحِبُهُ يَرْتَكِبُ سائِرَ المَعاصِي؛ إذْ كُلُّ طَعامٍ يُوَلِّدُ في آكِلِهِ دَواعِيَ وأفْعالًا مِن جِنْسِهِ، فَإنْ كانَ حَرامًا يَدْعُوهُ إلى أفْعالٍ مُحَرَّمَةٍ، وإنْ كانَ مَكْرُوهًا فَإلى أفْعالٍ مَكْرُوهَةٍ، وإنْ كانَ مُباحًا فَإلى مُباحَةٍ، وإنْ كانَ مِن طَعامٍ فَضْلٍ فَإلى مَندُوباتٍ، وكانَ في أفْعالِهِ مُتَبَرِّعًا مُتَفَضِّلًا، وإنْ كانَ بِقَدْرِ الواجِبِ مِنَ الحُقُوقِ فَأفْعالُهُ تَكُونُ واجِبَةً ضَرُورِيَّةً، وإنْ كانَ مِنَ الفُضُولِ والحُظُوظِ فَأفْعالُهُ تَكُونُ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ إثْمُ الرِّبا وآثارُ أفْعالِهِ المُحَرَّمَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن أكْلِهِ، فَتَزْدادُ عُقُوباتُهُ وآثامُهُ أبَدًا، ويُتْلِفُ اللَّهُ مالَهُ في الدُّنْيا، فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ أعْقابُهُ وأوْلادُهُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وذَلِكَ هو المَحْقُ الكُلِّيُّ. وأمّا المُتَصَدِّقُ فَلِكَوْنِ مالِهِ مُزَكًّى يُبارِكُ اللَّهُ في تَثْمِيرِهِ مَعَ حِفْظِ الأصْلِ، وآكِلُهُ لا يَكُونُ إلّا مُطِيعًا في أفْعالِهِ، ويَبْقى مالُهُ في أعْقابِهِ وأوْلادِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ. وذَلِكَ (p-٧١١)هُوَ الزِّيادَةُ في الحَقِيقَةِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ زِيادَتُهُ إلّا ما صُرِفَ في طاعَةِ اللَّهِ لَكَفى بِهِ زِيادَةً. وأيُّ زِيادَةٍ أفْضَلُ مِمّا تَبَقّى عِنْدَ اللَّهِ؟! ولَوْ لَمْ يَكُنْ نُقْصانُ الرِّبا إلّا حُصُولَهُ مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ وارْتِكابِ نَهْيِهِ لَكَفى بِهِ نُقْصانًا. وأيُّ نُقْصانٍ أفْحَشُ مِمّا يَكُونُ سَبَبَ حِجابِ صاحِبِهِ وعَذابِهِ ونُقْصانِ حَظِّهِ عِنْدَ اللَّهِ؟!
الثّانِيَةُ: قالَ القاشانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ ذَلِكَ: آكِلُ الرِّبا أسْوَأُ حالًا مِن جَمِيعِ مُرْتَكِبِي الكَبائِرِ، فَإنَّ كُلَّ مُكْتَسِبٍ لَهُ تَوَكُّلُ ما فِيهِ كَسْبُهُ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، كالتّاجِرِ والزّارِعِ والمُحْتَرِفِ، إذْ لَمْ يُعَيِّنُوا أرْزاقَهم بِعُقُولِهِمْ ولَمْ تَتَعَيَّنْ لَهم قَبْلَ الِاكْتِسابِ، فَهم عَلى غَيْرِ مَعْلُومٍ في الحَقِيقَةِ، كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أبى اللَّهُ أنْ يَرْزُقَ المُؤْمِنَ إلّا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ»» . وأمّا آكِلُ الرِّبا فَقَدْ عَيَّنَ عَلى آخِذِهِ مَكْسَبَهُ ورِزْقَهُ. سَواءٌ رَبِحَ الآخِذُ أوْ خَسِرَ، فَهو مَحْجُوبٌ عَنْ رَبِّهِ بِنَفْسِهِ، وعَنْ رِزْقِهِ بِتَعْيِينِهِ. لا تَوَكُّلَ لَهُ أصْلًا، فَوَكَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ وعَقْلِهِ. وأخْرَجَهُ مِن حِفْظِهِ وكِلاءَتِهِ، فاخْتَطَفَهُ الجِنُّ وخَبَلَتْهُ، فَيَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا رابِطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ كَسائِرِ النّاسِ المُرْتَبِطِينَ بِهِ بِالتَّوَكُّلِ، فَيَكُونُ كالمَصْرُوعِ الَّذِي مَسَّهُ الشَّيْطانُ فَتَخْبَطُهُ، لا يَهْتَدِي إلى مَقْصِدٍ.
الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ العُمْرانِيِّينَ: يُشْتَرَطُ لِجَوازِ التَّمَوُّلِ أنْ يَكُونَ مِن وجْهٍ مَشْرُوعٍ كَما في مُقابَلَةِ عَمَلٍ أوْ مُعاوَضَةٍ، وأنْ لا يَتَجاوَزَ المالُ قَدْرَ الحاجَةِ بِكَثِيرٍ، ولِذا حَرَّمَتِ الشَّرائِعُ السَّماوِيَّةُ كُلُّها، وكَذَلِكَ الحِكْمَةُ السِّياسِيَّةُ والأخْلاقِيَّةُ والعُمْرانِيَّةُ أكْلَ الرِّبا، قَصْدًا لِحِفْظِ التَّساوِي والتَّقارُبِ بَيْنَ النّاسِ في القُوَّةِ المالِيَّةِ، لِأنَّ الرِّبا هو كَسْبٌ بِدُونِ مُقابِلٍ مادِّيٍّ؛ فَفِيهِ مَعْنى الغَصْبِ، وبِدُونِ عَمَلٍ، فَفِيهِ الأُلْفَةُ عَلى البِطالَةِ المُفْسِدَةِ لِلْأخْلاقِ، وبِدُونِ تَعَرُّضٍ لِخَسائِرَ طَبِيعِيَّةٍ، كالتِّجارَةِ والزِّراعَةِ والأمْلاكِ، ومِنَ الشّاهِدِ: أنَّ بِالرِّبا تَرْبُو الثَّرَواتُ فَيَخْتَلُّ التَّساوِي بَيْنَ النّاسِ.
ثُمَّ قالَ: وقَدْ نَظَرَ المالِيُّونَ والِاقْتِصادِيُّونَ في أمْرِ الرِّبا فَقالُوا: إنَّ المُعْتَدِلَ مِنهُ نافِعٌ (p-٧١٢)بَلْ لا بُدَّ مِنهُ. أوَّلًا: لِأجْلِ قِيامِ المُعامَلاتِ الكَبِيرَةِ. وثانِيًا: لِأجْلِ أنَّ النُّقُودَ المَوْجُودَةَ لا تَفِي لِلتَّداوُلِ، فَكَيْفَ إذا أمْسَكَ المُكْتَنِزُونَ قِسْمًا مِنها أيْضًا؟! وثالِثًا: لِأجْلِ أنَّ الكَثِيرِينَ مِنَ المُتَمَوِّلِينَ لا يَعْرِفُونَ طَرائِقَ الِاسْتِرْباحِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْها. كَما أنَّ كَثِيرًا مِنَ العارِفِينَ بِها لا يَجِدُونَ رُؤُوسَ أمْوالٍ ولا شُرَكاءَ عِنانٍ.
فَهَذا النَّظَرُ صَحِيحٌ مِن وجْهِ إنْماءِ ثَرَواتِ الأفْرادِ والأُمَمِ، أمّا السِّياسِيُّونَ والأخْلاقِيُّونَ فَيَنْظُرُونَ إلى أنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ في جُمْهُورِ الأُمَمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِها، لِأنَّ هَذِهِ الثَّرَواتِ الأفْرادِيَّةَ تُمَكِّنُ الِاسْتِبْدادَ الدّاخِلِيَّ، فَتَجْعَلُ النّاسَ صِنْفَيْنِ: عَبِيدًا وأسْيادًا. وتُقَوِّي الِاسْتِبْدادَ الخارِجِيَّ فَتُسَهِّلَ التَّعَدِّيَ عَلى حُرِّيَّةِ واسْتِقْلالِ الأُمَمِ الضَّعِيفَةِ مالًا وعُدَّةً، وهَذِهِ مَقاصِدُ فاسِدَةٌ في نَظَرِ الحِكْمَةِ والعَدالَةِ. ولِذَلِكَ حَرَّمَتِ الأدْيانُ الرِّبا تَحْرِيمًا مُغَلَّظًا. انْتَهى.
الرّابِعَةُ: قالَ الرّازِيُّ: لَمّا بالَغَ تَعالى في الزَّجْرِ عَنِ الرِّبا، وكانَ قَدْ بالَغَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في الأمْرِ بِالصَّدَقاتِ، ذَكَرَ هَهُنا ما يَجْرِي مَجْرى الدّاعِي إلى تَرْكِ الصَّدَقاتِ وفِعْلِ الرِّبا، وكَشَفَ عَنْ فَسادِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى فِعْلِ الرِّبا تَحْصِيلُ المَزِيدِ في الخَيْراتِ، والصّارِفُ عَنِ الصَّدَقاتِ الِاحْتِرازُ عَنْ نُقْصانِ الخَيْراتِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الرِّبا وإنْ كانَ زِيادَةً في المالِ إلّا أنَّهُ نُقْصانٌ في الحَقِيقَةِ، وإنَّ الصَّدَقَةَ وإنْ كانَتْ نُقْصانًا في الصُّورَةِ إلّا أنَّها زِيادَةٌ في المَعْنى. ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِالعاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى ما يَقْضِي بِهِ الطَّبْعُ والحِسُّ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، بَلْ يُعَوِّلُ عَلى ما نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلَيْهِ مِنهُما.
وقالَ القَفّالُ: ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ فِيما تَقَدَّمَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا. ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ بِحَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ صِيغَتا مُبالَغَةٍ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ، لِاسْتِمْرارِ مُسْتَحِلِّ الرِّبا وآكِلِهِ عَلَيْهِما وتَمادِيهِ في ذَلِكَ. وفي الآيَةِ تَغْلِيظٌ في أمْرِ الرِّبا وإيذانٌ بِأنَّهُ مِن فِعْلِ الكُفّارِ، لا مِن فِعْلِ المُسْلِمِينَ.
البقرة 2:277
(p-٧١٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكُتُبِهِ وبِتَحْرِيمِ الرِّبا، ورَجَّحَ إيمانُهم أمْرَ اللَّهِ بِالإنْفاقِ، عَلى جَمْعِهِمْ لِلْمالِ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الجُودُ وتَرْكُ الرِّبا: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ الَّتِي تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، كالشُّحِّ والرِّبا: ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أعْطَوْا زَكاةَ أمْوالِهِمُ الَّتِي هي أجَلُّ أسْبابِ فَضِيلَةِ الجُودِ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ ثَوابُهُمُ الكامِلُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الجَنَّةِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يَوْمَ الفَزَعِ الأكْبَرِ
﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِأنَّهم فَرِحُونَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ.
البقرة 2:278
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ: اخْشَوُا اللَّهَ في الرِّبا، لِأنَّ فِيهِ إبْطالَ حِكْمَتِهِ تَعالى في خَلْقِ الأمْوالِ: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ أيِ: اتْرُكُوا ما بَقِيَ لَكم مِنَ الرِّبا عَلى الغُرَماءِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ البَتَّةَ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَبَيَّنَ أنَّ الرِّبا والإيمانَ لا يَجْتَمِعانِ.
البقرة 2:279
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٩] ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ .
﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ: لَمْ تَتْرُكُوا ما بَقِيَ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ أيِ: اعْلَمُوا: ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ (p-٧١٤)قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا تَرْكَ ما بَقِيَ كُنْتُمْ مُتَهاوِنِينَ بِأمْرِهِ، ومَن تَهاوَنَ بِأمْرِ مَلِكٍ حارَبَهُ.
والحَرْبُ نَقِيضُ السِّلْمِ، ومَن حارَبَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ لا يُفْلِحُ أبَدًا. وفِيهِ إيماءٌ إلى سُوءِ الخاتِمَةِ إنْ دامَ عَلى أكْلِهِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ﴾ مِنَ الرِّبا: ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ أيْ: أُصُولُها: ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ: ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ بِالنَّقْصِ والمَطْلِ. بَلْ لَكم ما بَذَلْتُمْ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ عَلَيْهِ ولا نَقْصٍ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى المُعْسِرِ الَّذِي لا يَجِدُ وفاءً، فَقالَ:
البقرة 2:280
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨٠] ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أيْ: بِالكُلِّ أوِ البَعْضِ: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أيْ: فالواجِبُ إمْهالٌ بِقَدْرِ ما أعْسَرَ: ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ أيْ: بِذَلِكَ القَدْرِ. لا كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، يَقُولُ أحَدُهم لِمَدِينِهِ إذا حَلَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى إلى الوَضْعِ مِنَ المُعْسِرِ ووَعَدَ عَلَيْهِ الخَيْرَ والثَّوابَ الجَزِيلَ فَقالَ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ وأنْ تَتْرُكُوا لِلْمُعْسِرِ قَدْرَ ما أعْسَرَ بِإبْرائِهِ مِنهُ، لِأنَّهُ رُبَّما لا يَحْصُلُ البَدَلُ في الحالِ، فَيَأْخُذُ ما يُساوِيهِ في الآخِرَةِ. والصَّدَقَةُ تَتَضاعَفُ الأضْعافَ المَذْكُورَةَ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««كانَ رَجُلٌ يُدايِنُ النّاسَ، فَكانَ يَقُولُ لِفَتاهُ: إذا أتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتَجاوَزَ عَنّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجاوَزَ عَنْهُ»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(p-٧١٥)وعَنْ أبِي قَتادَةَ الحارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ الأنْصارِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن نَفَّسَ عَنْ غَرِيمِهِ أوْ مَحا عَنْهُ، كانَ في ظِلِّ العَرْشِ يَوْمَ القِيامَةِ»» . رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ. وعَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلُهُ صَدَقَةً. قالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلاهُ صَدَقَةً» . فَسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ ﷺ: «لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أنْ يَحُلَّ الدَّيْنُ. فَإذا حَلَّ الدَّيْنُ فَأنْظَرَهُ، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلاهُ صَدَقَةً»» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا أوْ وضَعَ عَنْهُ، وقاهُ اللَّهُ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ»» . رَواهُما الإمامُ أحْمَدُ، ثُمَّ قالَ تَعالى يَعِظُ عِبادَهُ ويُذَكِّرُهم زَوالَ الدُّنْيا وفَناءَ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها، وإتْيانَ الآخِرَةِ والرُّجُوعَ إلَيْهِ تَعالى، ومُحاسَبَتَهُ تَعالى خَلْقَهُ عَلى ما عَمِلُوا، ومُجازاتَهُ إيّاهم بِما كَسَبُوا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ويُحَذِّرُهم عُقُوبَتَهُ، فَقالَ:
البقرة 2:281
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨١] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيِ: اخْشَوْا عَذابَ يَوْمٍ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
قالَ المَهايِمِيُّ: فَإنِ اسْتَوْفى الدّائِنُ حَقَّهُ بِالتَّضْيِيقِ عَلى المَدْيُونِ اسْتَوْفى اللَّهُ مِنهُ حُقُوقَهُ بِالتَّضْيِيقِ، وإنْ سامَحَهُ فاللَّهُ أوْلى بِالمُسامَحَةِ، والمَدْيُونُ، إنْ لَمْ يُوفِ حَقَّ الدّائِنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى (p-٧١٦)الأداءِ اسْتَوْفى اللَّهُ مِنهُ حَقَّهُ، وأمّا مَن لا يَقْدِرُ، فَيُرْجى أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَرْضى خَصْمُهُ بِعِوَضٍ مِن عِنْدِهِ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِهِمْ ولا يُزادُ عَلى سَيِّئاتِهِمْ.
تَنْبِيهٌ:
مَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآياتِ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن عُقُوبَةِ أهْلِ الرِّبا ومُسْتَحَلِّيهِ، أكْبَرَ جُرْمَهُ وإثْمَهُ، فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قِيامُهم في المَحْشَرِ مُخَبَّلِينَ وتَخْلِيدُهم في النّارِ ونَبْزُهم بِالكُفْرِ، والحَرْبُ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّعْنَةُ. وكَذا الذَّمُّ والبُغْضُ وسُقُوطُ العَدالَةِ وزَوالُ الأمانَةِ، وحُصُولُ اسْمِ الفِسْقِ والقَسْوَةِ والغِلْظَةِ ودُعاءُ مَن ظُلِمَ بِأخْذِ مالِهِ عَلى ظالِمِهِ. وذَلِكَ سَبَبٌ لِزَوالِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، فَما أقْبَحَ هَذِهِ المَعْصِيَةَ وأزْيَدَ فُحْشَها. وأعْظَمَ ما يَتَرَتَّبُ مِنَ العُقُوباتِ عَلَيْها! وقَدْ شَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما طَوى التَّصْرِيحَ بِهِ في تِلْكَ الآياتِ مِنَ العُقُوباتِ والقَبائِحِ الحاصِلَةِ لِأهْلِ الرِّبا في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ. فَمِنها: ما رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ أيِ: المُهْلِكاتِ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ (p-٧١٧)عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيانِي فَأخْرَجانِي إلى أرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فانْطَلَقْنا حَتّى أتَيْنا عَلى نَهْرٍ مِن دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قائِمٌ وعَلى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجارَةٌ، فَأقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي في النَّهْرِ، فَإذا أرادَ أنْ يَخْرُجَ رَمى الرَّجُلَ بِحَجَرٍ في فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كانَ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ لِيَخْرُجَ رَمى في فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَما كانَ، فَقُلْتُ: ما هَذا الَّذِي (p-٧١٨)رَأيْتُهُ في النَّهْرِ؟ قالَ: آكِلُ الرِّبا»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبا ومُوَكِّلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَيْهِ. وقالَ: «هم سَواءٌ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ وآكِلَ الرِّبا ومُوَكِّلَهُ». وثَمَّةَ آثارٌ وافِرَةٌ، ساقَها السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ.
البقرة 2:282
(p-٧١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألا تَرْتابُوا إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ هَذا إرْشادٌ مِنهُ تَعالى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، إذا تَعامَلُوا بِمُعامَلاتٍ مُؤَجَّلَةٍ، أنْ يَكْتُبُوها لِيَكُونَ ذَلِكَ أحْفَظَ لِمِقْدارِها ومِيقاتِها وأضْبَطَ لِلشّاهِدِ فِيها، وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا في آخِرِ الآيَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿تَدايَنْتُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ السَّلَمِ، لِأنَّ المُدايَنَةَ فِعْلُ اثْنَيْنِ وهو السَّلَمُ نَفْسُهُ، لِأنَّهُ دَيْنٌ مِنَ الجانِبَيْنِ جَمِيعًا. وعَلى ذَلِكَ (p-٧٢٠)رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، أنَّ اللَّهَ تَعالى أحَلَّهُ وأذِنَ فِيهِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ﴾ الآيَةَ. رَواهُ البُخارِيُّ.
وقالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ هو بَيْعُ كُلِّ دَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَهو يُسَمّى التَّدايُنَ. كَما يُسَمّى البائِعُ والمُشْتَرِي المُتَبايِعَيْنِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بائِعٌ في وجْهٍ، فَعَلى ذَلِكَ، المُدايَنَةُ: التَّدايُنُ. وإنَّما لَمْ نُؤْمَرْ بِالكِتابَةِ في بَيْعِ الأعْيانِ، لِأنَّهُ في المُدايَناتِ، وصَلَ أحَدُهُما إلى حاجَتِهِ يَقْبِضُ رَأْسَ المالِ والآخَرُ لَمْ يَصِلْ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلى إنْكارِ الحَقِّ والجُحُودِ. فَإذا تَذَكَّرَ أنَّهُ كَتَبَ وأشْهَدَ عَلَيْهِ ارْتَدَعَ عَنِ الإنْكارِ والجُحُودِ، لِما يَخافُ ظُهُورَ كَذِبِهِ وفَضِيحَتَهُ عَلى النّاسِ، ولا كَذَلِكَ مَعَ العَيْنِ بِالعَيْنِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَصِلُ إلى حاجَتِهِ إلّا بِما يَصِلُ بِهِ الآخَرُ، فَلَيْسَ هُنالِكَ لِلْإنْكارِ مَعْنًى، وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْسى فَيُنْكِرَ ذَلِكَ، أوْ يَنْسى بَعْضَهُ ويَذْكُرَ بَعْضًا، فَأمَرَ بِالكِتابَةِ لِئَلّا يَبْطُلَ حَقُّ الآخَرِ بِتَرْكِ الكِتابَةِ. ولا كَذَلِكَ في بَيْعِ العَيْنِ بِالعَيْنِ. فافْتَرَقا. كَذا في التَّأْوِيلاتِ لِلْماتِرِيدِيِّ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ أيِ: الدَّيْنَ المَذْكُورَ: ﴿كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ الجارُّ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالفِعْلِ أيْ: ولِيَكْتُبْ بِالحَقِّ. أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةً لِـ كاتِبٌ، أيْ: ولْيَكُنِ المُتَصَدِّي لِلْكِتابَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكْتُبَ بِالسَّوِيَّةِ مِن غَيْرِ مَيْلٍ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنِينَ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ فَقِيهٍ دَيِّنٍ، حَتّى يَجِيءَ كِتابُهُ مَوْثُوقًا بِهِ مُعَدَّلًا بِالشَّرْعِ: ﴿ولا يَأْبَ﴾ أيْ: ولا يَمْتَنِعُ: ﴿كاتِبٌ﴾ مِن: ﴿أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالعَدْلِ﴾ أوْ لا يَأْبى أنْ يَنْفَعَ النّاسَ بِكِتابَتِهِ، كَما نَفَعَهُ اللَّهُ بِتَعْلِيمِ الكِتابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وفي الحَدِيثِ: ««إنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ أنْ تُعِينَ صانِعًا أوْ تَصْنَعَ لِأخْرَقَ»» . (p-٧٢١)وفِي الحَدِيثِ الآخَرِ: ««مَن كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ، أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ»» .
قالَ الرّازِيُّ: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ نَهْيٌ لِكُلِّ كاتِبٍ عَنِ الامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ، وإيجابُها عَلى كُلِّ مَن كانَ كاتِبًا: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ أيْ: تِلْكَ الكِتابَةَ المُعْلَمَةَ. أمَرَ بِها بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبائِها تَأْكِيدًا لَها: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ الإمْلالُ: الإمْلاءُ. وهُما لُغَتانِ نَطَقَ القُرْآنُ بِهِما. قالَ تَعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥] أيْ: ولْيَكُنِ المُمْلِي عَلى الكاتِبِ المَدِينِ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ، لِأنَّهُ المُقَرُّ المَشْهُودُ عَلَيْهِ: ﴿ولْيَتَّقِ﴾ أيْ: ولْيَخْشَ المُمْلِي: ﴿اللَّهَ رَبَّهُ﴾ جَمَعَ ما بَيْنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ والنَّعْتِ الجَمِيلِ، لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ: ﴿ولا يَبْخَسْ﴾ أيْ: لا يَنْقُصْ: ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِمّا عَلَيْهِ: ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ: ﴿فَإنْ كانَ﴾ المَدِينُ وهُوَ: ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ أيْ: خَفِيفَ الحُلُمِ أوْ جاهِلًا بِالإمْلاءِ لا يُحْسِنُهُ: ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ صَبِيًّا أوْ شَيْخًا هَرَمًا: ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ أيْ: أوْ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلْإمْلاءِ بِنَفْسِهِ - لِعِيٍّ بِهِ أوْ خَرَسٍ أوْ عُجْمَةٍ، ولَفْظُ (هُوَ) هُنا تَوْكِيدٌ لِلْفاعِلِ المُضْمَرِ - والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ الهاءِ لِأنَّها كَلِمَةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَمّا قَبْلَها، فَهي مَبْدُوءٌ بِها. وقُرِئَ بِإسْكانِها عَلى أنْ يَكُونَ أجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ بِالواوِ أوِ الفاءِ أوِ اللّامِ. نَحْوَ: وهُوَ، فَهُوَ، لَهو. قالَهُ أبُو البَقاءِ،: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَلِي أمْرَهُ مِن قَيِّمٍ أوْ وكِيلٍ أوْ تُرْجُمانٍ: ﴿بِالعَدْلِ﴾ مِن غَيْرِ نَقْصٍ ولا زِيادَةٍ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ (p-٧٢٢)أيِ: اطْلُبُوهُما لِيَتَحَمَّلا الشَّهادَةَ عَلى المُدايَنَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾ أيِ: الشّاهِدانِ: ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ أيْ: في العَدالَةِ: ﴿مِنَ الشُّهَداءِ﴾ ولَمّا شَرَطَ في القِيامِ مَقامَ الواحِدِ مِنَ الرِّجالِ، العَدَدَ مِنَ النِّساءِ، عَلَّلَهُ بِما يُشِيرُ إلى نَقْصِ الضَّبْطِ فِيهِنَّ، فَقالَ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ أيْ: تَغِيبَ عَنْها الشَّهادَةُ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ الضّالَّةَ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ أيْ: لِأداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوها أوْ لِتَحَمُّلِها. وتَسْمِيَتُهم (شُهَداءَ) قَبْلَ التَّحَمُّلِ مِن تَنْزِيلِ المُشارِفِ مَنزِلَةَ الواقِعِ: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أيِ: الدَّيْنَ: ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكُمْ﴾ أيِ: المَذْكُورَ مِنَ الكِتابَةِ: ﴿أقْسَطُ﴾ أيْ: أعْدَلُ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أيْ: أعْوَنُ لِإقامَتِها؛ إذْ بِها يَتِمُّ الِاعْتِمادُ عَلى الحِفْظِ: ﴿وأدْنى﴾ أيْ: أقْرَبُ: ﴿ألا تَرْتابُوا﴾ أيْ: لا تَشُكُّوا في جِنْسِ الدَّيْنِ وقَدْرِهِ وأجَلِهِ بِتَشْكِيكِ أحَدِ المُتَدايِنِينَ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً﴾ أيْ: حالَّةً: ﴿تُدِيرُونَها﴾ أيْ: تُكْثِرُونَ إدارَتَها: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ فَتَصْعُبُ عَلَيْكم كِتابَتُها مَعَ قِلَّةِ الحاجَةِ إلَيْها: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها﴾ لِأنَّها مُناجَزَةٌ فَيَبْعُدُ فِيها التَّنازُعُ والنِّسْيانُ. قالَ أبُو البَقاءِ: (تِجارَةٌ) يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلى أنْ تَكُونَ التّامَّةَ و(حاضِرَةٌ) صِفَتُها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ، واسْمُها تِجارَةٌ، وحاضِرَةً صِفَتَها، وتُدِيرُونَها الخَبَرُ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنْ يَكُونَ اسْمُ الفاعِلِ مُضْمَرًا فِيهِ، تَقْدِيرُهُ إلّا أنْ تَكُونَ المُبايَعَةُ تِجارَةً: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ أمْرٌ بِالإشْهادِ عَلى التَّبايُعِ مُطْلَقًا ناجِزًا أوْ كالِئًا، لِأنَّهُ أحْوَطُ وأبْعَدُ مِمّا عَسى يَقَعُ مِنَ الاخْتِلافِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ هَذا التَّبايُعَ. يَعْنِي التِّجارَةَ الحاضِرَةَ، عَلى أنَّ الإشْهادَ كافٍ فِيهِ دُونَ الكِتابَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ. هي عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ ولَوْ عَلى باقَةِ بَقْلٍ. كَذا في الكَشّافِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ اشْتَرى سَوْطًا فَأشْهَدَ وقالَ: قالَ اللَّهُ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾
قالَ أبُو القاسِمِ بْنُ سَلامَةَ في كُتّابِهِ (النّاسِخُ والمَنسُوخُ): قَدْ كانَ جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ (p-٧٢٣)يَرَوْنَ أنَّهم يُشْهِدُونَ في كُلِّ بَيْعٍ وابْتِياعٍ، فَمِنهُمُ الشَّعْبِيُّ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ. كانُوا يَقُولُونَ: إنّا نَرى أنْ نُشْهِدَ ولَوْ في جَزَرَةِ بَقْلٍ.
﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ: ولا يُضارِرْ بِالكَسْرِ والفَتْحِ والمَعْنى نَهْيُ الكاتِبِ والشَّهِيدِ عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما يُطْلَبُ مِنهُما، وعَنِ التَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، أوِ النَّهْيِ عَنِ الضِّرارِ بِهِما بِأنْ يُعَجِّلا عَنْ مُهِمٍّ. قالَ الحَرالِيُّ: في الإحْنَةِ تَعْرِيضٌ بِالإحْسانِ مِنهُ لِلشَّهِيدِ والكاتِبِ لِيُجِيبَهُ لِمُرادِهِ، ويُعِينَهُ عَلى الِائْتِمارِ لِأمْرِهِ بِما يَدْفَعُ مِن ضَرَرٍ، عُطْلَتُهُ واسْتِعْمالُهُ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دُنْياهُ، فَفي تَعْرِيضِهِ إجازَةٌ لِما يَأْخُذُهُ الكاتِبُ ومَن يَدَّعِي لِإقامَةِ مَعُونَةٍ في نَحْوِهِ مِمَّنْ يَعْرِضُ لَهُ فِيما يَضُرُّهُ التَّخَلِّي عَنْهُ.
﴿وإنْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ: ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ الضِّرارِ: ﴿فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أيْ: خُرُوجٌ بِكم عَنِ الشَّرْعِ الَّذِي نَهَجَهُ اللَّهُ لَكم. قالَ الحَرالِيُّ: وفي صِيغَةِ (فُعُولٌ) تَأْكِيدُ فِيهِ وتَشْدِيدٌ في النِّذارَةِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أنْ يُعَذِّبَكم بِالخُرُوجِ عَنْ طاعَتِهِ: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أحْكامَهُ المُتَضَمِّنَةَ لِمَصالِحِكُمْ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَذا إذا كُنْتُمْ حُضُورًا يَسْهُلُ عَلَيْكم إحْضارُ الكاتِبِ والشّاهِدِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ:
البقرة 2:283
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨٣] ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .
﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ: مُسافِرِينَ وتَدايَنْتُمْ إلى أجَلٍ مُسَمّى: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (p-٧٢٤)أيْ: فالَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ رِهانٌ مَقْبُوضَةٌ يَقْبِضُها صاحِبُ الحَقِّ، وثِيقَةً لِدَيْنِهِ. هَذا إذا لَمْ يَأْمَنِ البَعْضُ البَعْضَ بِلا وثِيقَةٍ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنِ الارْتِهانِ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ وهو المَدِينُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلْإعْلامِ، ولِحَمْلِهِ عَلى الأداءِ: ﴿أمانَتَهُ﴾ أيْ: دَيْنَهُ. وإنَّما سُمِّيَ أمانَةً: لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في رِعايَةِ حُقُوقِ الأمانَةِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ وصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى:﴿ولا تَكْتُمُوا﴾ أيُّها الشُّهُودُ: ﴿الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ فَإنَّهُ آثِمٌ. وما فائِدَةُ ذِكْرِ القَلْبِ والجُمْلَةُ هي الآثِمَةُ لا القَلْبُ وحْدَهُ؟ قُلْتُ: كِتْمانُ الشَّهادَةِ هو أنْ يُضْمِرَها ولا يَتَكَلَّمَ بِها، فَلَمّا كانَ إثْمًا مُقْتَرَفًا بِالقَلْبِ أُسْنِدَ إلَيْهِ، لِأنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى الجارِحَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها أبْلَغُ. ألا تَراكَ تَقُولُ، إذا أرَدْتَ التَّوْكِيدَ: هَذا مِمّا أبْصَرَتْهُ عَيْنِي ومِمّا سَمِعَتْهُ أُذُنِي ومِمّا عَرَفَهُ قَلْبِي، ولِأنَّ القَلْبَ هو رَئِيسُ الأعْضاءِ، والمُضْغَةُ الَّتِي إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدْ تَمَكَّنَ الإثْمُ في أصْلِ نَفْسِهِ، ومَلَكَ أشْرَفَ مَكانٍ فِيهِ. ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّ كِتْمانَ الشَّهادَةِ مِنَ الآثامِ المُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسانِ فَقَطْ، ولِيُعْلَمَ أنَّ القَلْبَ أصْلُ مُتَعَلِّقِهِ ومَعْدِنُ اقْتِرافِهِ، (p-٧٢٥)واللِّسانَ تُرْجُمانٌ عَنْهُ، ولِأنَّ أفْعالَ القُلُوبِ أعْظَمُ مِن أفْعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، وهي لَها كالأُصُولِ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنها، ألا تَرى أنَّ أصْلَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ الإيمانُ والكُفْرُ، وهُما مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَإذا جَعَلَ كِتْمانَ الشَّهادَةِ مِن آثامِ القُلُوبِ فَقَدْ شَهِدَ لَهُ بِأنَّهُ مِن مُعْظَمِ الذُّنُوبِ، وقُرِئَ (قَلْبَهُ) بِالنَّصْبِ. كَقَوْلِهِ: سَفِهَ نَفْسَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أثِمَ قَلْبُهُ. أيْ: جَعَلَهُ آثِمًا: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِقُلُوبِكم وألْسِنَتِكم وجَوارِحِكُمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾
البقرة 2:284
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨٤] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا﴾ أيْ: تُظْهِرُوا: ﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِاللِّسانِ أوِ الجَوارِحِ: ﴿أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ومَعْنى هَذا المُلْكِ، أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَمّا كانَتْ مُحْدَثَةً فَقَدْ وُجِدَتْ بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإبْداعِهِ، ومَن كانَ فاعِلًا لِهَذِهِ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ المُتْقَنَةِ العَجِيبَةِ الغَرِيبَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الحِكَمِ المُتَكاثِرَةِ والمَنافِعِ العَظِيمَةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِها. إذْ مِنَ المُحالِ صُدُورُ الفِعْلِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَنِ الجاهِلِ بِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَّ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ، مَعَ ما فِيها مِن وُجُوهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِها مُحِيطًا بِأجْزائِها وجُزْئِيّاتِها.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ وأوْعَدَ عَلَيْهِ، بَيَّنَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَيُجازِي عَلى الكِتْمانِ والإظْهارِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ (p-٧٢٦)وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا﴾ إلخ نَزَلَتْ في كِتْمانِ الشَّهادَةِ وإقامَتِها.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ قالَ دَخَلَ قُلُوبَهم مِنها شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم مِن شَيْءٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وسَلَّمْنا» . قالَ: فَألْقى اللَّهُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ: ﴿واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ». وفي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيِّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانَتْ هَذِهِ الوَسْوَسَةُ مِمّا لا طاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِها، وصارَ الأمْرُ إلى أنْ قَضى اللَّهُ تَعالى أنَّ لِلنَّفْسِ ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ، أقُولُ إنَّ ما جاءَ مِن أنَّ الآيَةَ هالَتْ مَن هالَتْ مِنَ الصَّحابَةِ، فَإنَّما جاءَهُ مِن عُمُومِها ومِن قَوْلِهِ: ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾ إذْ حَمَلَهُ عَلى حِسابِ المُؤاخَذَةِ، فَأمّا عُمُومُها فَنَظْمُها ظاهِرٌ فِيهِ، إلّا أنَّها تَتَناوَلُ الشَّهادَةَ وكِتْمانَها أوَّلًا وبِالذّاتِ، وغَيْرِها ثانِيًا وبِالعَرْضِ، وأمّا حَمْلُ الحِسابِ عَلى المُؤاخَذَةِ والِانْتِقامِ فَإنْ كانَ عُرْفِيًّا أوْ لُغَوِيًّا فالإخْفاءُ حِينَئِذٍ مُرادٌ بِهِ إخْفاءٌ مُتَّفَقٌ عَلى حَظْرِهِ، كَنِفاقٍ ورَيْبٍ في الدِّينِ، ولا إشْكالَ في الآيَةِ، وقَدْ يُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ الإيمانِ بَعْدَهُ، ويَكُونُ خِتامُ السُّورَةِ بِالإبْداءِ والإخْفاءِ بِمَثابَةِ رَدِّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ، لِافْتِتاحِ السُّورَةِ بِالمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وما لِكُلٍّ مِنهُما، وإنْ لَمْ يَكُنِ الحِسابُ حَقِيقَةً فِيما ذُكِرَ بَلْ كانَ مَعْناهُ إيقافَهُ تَعالى العَبْدَ عَلى عَمَلِهِ خَيْرًا أوْ شَرًّا وإراءَتِهِ عاقِبَتَهُ الحُسْنى أوِ السُّوأى، وهو الَّذِي يَظْهَرُ، فَلا إشْكالَ أيْضًا. فَما رُوِيَ عَنْ بَعْضَ الصَّحْبِ عَلَيْهِمُ الرِّضْوانُ مَنشَؤُهُ قُوَّةُ اليَقِينِ وشِدَّةُ الخَوْفِ مِن هَوْلِ المَطْلَعِ مَعَ وُرُودِ الحِسابِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ في مَعْرِضِ أخْطارِ القِيامَةِ مِمّا يَحِقُّ أنْ (p-٧٢٧)يَخْفِقَ لَهُ فُؤادُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ولا تَنْسَ ما أسْلَفْنا في المُقَدِّمَةِ وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ، أنَّ قَوْلَهُمْ: نَزَلَتْ في كَذا، قَدْ يُرادُ أنَّ كَذا مِمّا يَشْمَلُهُ لَفْظُ الآيَةِ لِعُمُومِها لَهُ ولِغَيْرِهِ. وهَكَذا هُنا، فالآيَةُ وإنْ كانَ سِياقُها في الشَّهادَةِ وكِتْمانِها، إلّا أنَّها تَتَناوَلُ غَيْرَها بِعُمُومِها، ولِذَلِكَ دَخَلَ فِيها الوَسْوَسَةُ وتَوَهُّمُ ما تُوُهِّمَ، وقَوْلُهُ في الرِّوايَةِ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] لا يُتَوَهَّمُ التَّراخِي بَيْنَ ما دَخَلَ قُلُوبَهم وبَيْنَ نُزُولِها، بَلِ المُرادُ، كَما أسْلَفْنا في سَبَبِ النُّزُولِ، أنَّ لَفْظَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلخ الَّذِي نَزَلَ مَعَها مُبَيِّنٌ أنْ لا حَرَجَ في مِثْلِ الوَسْوَسَةِ ونَحْوِها، فافْهَمْ فَإنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا، وبِهِ يُزاحُ عَنْكَ ما يَبْحَثُ فِيهِ الكَثِيرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ويَرَوْنَهُ مِنَ المُعْضِلاتِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
هَذا وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي ما وسْوَسَتْ بِها صُدُورُها، ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ»» . وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إذا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلا تَكْتُبُوها عَلَيْهِ، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها سَيِّئَةً وإذا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها فاكْتُبُوها حَسَنَةً، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها عَشْرًا»» ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ وقُرِئَ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: فَهو يَغْفِرُ إلخ. وبِجَزْمِهِما عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وفي تَقْدِيمِ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ إشْعارٌ بِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى عَلى غَضَبِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قالَ الرّازِيُّ: قَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّهُ كامِلُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا﴾ إلخ. أنَّهُ كامِلُ العِلْمِ والإحاطَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أنَّهُ كامِلُ القُدْرَةِ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ والتَّكْوِينِ والإعْدامِ، ولا كَمالَ أعْلى وأعْظَمَ مِن حُصُولِ الكَمالِ في هَذِهِ الصِّفاتِ، والمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الكَمالاتِ يَجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَكُونَ عَبْدًا مُنْقادًا لَهُ، خاضِعًا لِأوامِرِهِ، ونَواهِيهِ، مُحْتَرِزًا عَنْ سُخْطِهِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
البقرة 2:285
(p-٧٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨٥] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ .
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: صَدَّقَهُ بِقَبُولِهِ والتَّخَلُّقِ بِهِ كَما قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ» والتَّرَقِّي بِمَعانِيهِ والتَّحَقُّقِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَذَلِكَ آمَنُوا.
قالَ الزَّجّاجُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ والطَّلاقِ والحَيْضِ والإيلاءِ والجِهادِ وقَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرِّبا والدَّيْنِ، خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ لِتَعْظِيمِهِ وتَصْدِيقِ نَبِيِّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وغَيْرِهِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لَهُ وفَذْلَكَةً.
لَطِيفَةٌ:
قَوْلُهُ: والمُؤْمِنُونَ إمّا مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ. أعْنِي: كُلٌّ آمَنَ، والعائِدُ إلى المُبْتَدَأِ التَّنْوِينُ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ في " كُلٌّ "، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ العائِدِ إلى المُبْتَدَأِ التَّنْوِينَ النّائِبَ مَنابَ الضَّمِيرِ، وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّنْوِينُ راجِعًا إلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وقَدِ اخْتارَ كَثِيرُونَ الأوَّلَ، ومِنهُمُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، وأطالَ في تَوْجِيهِهِ. وعِنْدِي أنَّ الوَجْهَ هو الثّانِي، (p-٧٢٩)لِأنَّ المَقامَ لِتَعْدادِ المُؤْمِنِ بِهِ، وذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ، وإنْ كانَ كُنْهُ إيمانِ الرَّسُولِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فالمَقامُ لَيْسَ مَقامَ الخُصُوصِيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ: ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ أيْ: بِرَدِّ بَعْضٍ وقَبُولِ بَعْضٍ، ولا نَشُكُّ في كَوْنِهِمْ عَلى الحَقِّ وبِالحَقِّ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا﴾ أيْ: قَوْلَكَ وفَهِمْناهُ: ﴿وأطَعْنا﴾ أيِ: امْتَثَلْنا أمْرَكَ وقُمْنا بِهِ واسْتَقَمْنا عَلَيْهِ، ولَمّا عَلِمُوا أنَّهم لا يَخْلُونَ مِن تَقْصِيرٍ، وأنَّ الرَّبَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ قالُوا: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أيِ اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ، أوْ نَسْألُكَ غُفْرانَكَ ذُنُوبَنا، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّمْعِ والطّاعَةِ عَلى طَلَبِ الغُفْرانِ لِما أنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أدْعى إلى الإجابَةِ والقَبُولِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ أيِ: الرُّجُوعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِكَ، وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِلْحاجَةِ إلى المَغْفِرَةِ، لَمّا أنَّ الرُّجُوعَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
البقرة 2:286
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ أيْ: لا يُحَمِّلُها إلّا ما تَسَعُهُ وتُطِيقُهُ ولا تَعْجِزُ عَنْهُ.
قالَ الرّازِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا ابْتِداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عَنِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ عَلى نَسَقِ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقالُوا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أرْدَفَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم طَرِيقَتَهم في التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ والعَمَلِ (p-٧٣٠)الصّالِحِ، وحَكى عَنْهم في جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّهم وصَفُوا رَبَّهم بِأنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.
ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ: إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، فَوَجْهُ النُّظُمِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَكَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا نَسْمَعُ ولا نُطِيعُ وأنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُنا إلّا ما في وُسْعِنا وطاقَتِنا، فَإذا كانَ هو تَعالى، بِحُكْمِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ لا يُطالِبُنا إلّا بِالشَّيْءِ السَّهْلِ الهَيِّنِ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ بِحُكْمِ العُبُودِيَّةِ وجَبَ أنْ نَكُونَ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، وإنْ قُلْنا: إنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجْهُ النُّظُمِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] ثُمَّ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿غُفْرانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] طَلَبٌ لِلْمَغْفِرَةِ فِيما يَصْدُرُ عَنْهم مِن وُجُوهِ التَّقْصِيرِ مِنهم عَلى سَبِيلِ العَمْدِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهم (غُفْرانَكَ)، طَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ في ذَلِكَ التَّقْصِيرِ، لا جَرَمَ خَفَّفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهُمْ، وقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ والمَعْنى: أنَّكم إذا سَمِعْتُمْ وأطَعْتُمْ، وما تَعَمَّدْتُمُ التَّقْصِيرَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ مِنكم نَوْعُ تَقْصِيرٍ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ فَلا تَكُونُوا خائِفِينَ مِنهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ وبِالجُمْلَةِ فَهَذا إجابَةٌ لَهم في دُعائِهِمْ في قَوْلِهِمْ: غُفْرانَكَ رَبَّنا.
قالَ زَيْنُ العابِدِينَ بِيرَ مُحَمَّدِ دُرَّةَ في " المِدْحَةُ الكُبْرى ": وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ إلخ حِكايَةً، فَهو مِن قَبِيلِ العَطْفِ بِلا عاطِفٍ، أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ قالُوا. قالَ بَعْضُهُمْ: ولَكَ أنْ تَجْعَلَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ إلخ في حَيِّزِ القَوْلِ، وأنْ يَكُونَ حِكايَةً لِلْأقْوالِ المُتَفَرِّقَةِ غَيْرِ المَعْطُوفَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّهم شاكِرُونَ لِلَّهِ تَعالى في تَكْلِيفِهِ، حَيْثُ يَرَوْنَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ وُسْعِهِمْ، وبِأنَّهم يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِمُ الخَيْرَ، بَلْ هو لَهُمْ، ولا يَتَضَرَّرُ بِعَمَلِهِمُ الشَّرِّ، بَلْ هو عَلَيْهِمْ.
وقالَ البِقاعِيُّ: وهَذا الكَلامُ مِن جُمْلَةِ دُعائِهِمْ عَلى وجْهِ الثَّناءِ طَلَبًا لِلْوَفاءِ بِما أخْبَرَهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ، خَوْفًا مِن أنْ يُكَلَّفُوا بِما لِلَّهِ تَعالى، أنْ يُكَلِّفَ بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِالوَساوِسِ، لِأنَّهُ مِمّا تُخْفِيهِ النُّفُوسُ ولا طاقَةَ عَلى دَفْعِهِ.
(p-٧٣١)ولَعَلَّ العُدُولَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ مِن بابِ التَّمَلُّقِ بِأنَّ لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ ما يَقْتَضِي العَفْوَ عَنْ ضَعْفِهِمْ، ومِن صِفاتِ الحِلْمِ والرَّحْمَةِ ما يُرَفِّهُ عَنْهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى جَزاءً لَهم عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيَةَ. فَأفادَهم بِذَلِكَ أنَّهُ لا يُحاسِبُهم بِحَدِيثِ النَّفْسِ، فانْتَفى ما شَقَّ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآيَةَ. بِخِلافِ ما أفادَ بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهُمْ: سَمِعْنا وعَصَيْنا؛ مِنَ الآصارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافًا جَوابًا لِمَن، كَأنَّهُ قالَ: هَلْ أجابَ دُعاءَهُمْ؟! ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ اتِّباعُهُ لِحُكْمِ ما في الوُسْعِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أوِ الِاسْتِنْتاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ قالَ العَلّامَةَ أبُو السُّعُودِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ إلخ لِلتَّرْغِيبِ في المُحافَظَةِ عَلى مُواجِبِ التَّكْلِيفِ والتَّحْذِيرِ عَنِ الإخْلالِ بِها، بِبَيانِ أنَّ تَكْلِيفَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ مُقارَنَتِهِ لِنِعْمَةِ التَّخْفِيفِ والتَّيْسِيرِ تَتَضَمَّنُ مُراعاتَهُ مَنفَعَةً زائِدَةً، وأنَّها تَعُودُ إلَيْها لا إلى غَيْرِها، ويَسْتَتْبِعُ الإخْلالَ بِهِ مَضَرَّةٌ تَحِيقُ بِها لا بِغَيْرِها، فَإنَّ اخْتِصاصَ مَنفَعَةِ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى تَحْصِيلِهِ، واقْتِصارُ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِ مِن أشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ مُباشَرَتِهِ، أيْ: لَها ثَوابُ ما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي كُلِّفَتْ فِعْلَهُ، لا لِغَيْرِها، وعَلَيْها لا عَلى غَيْرِها عِقابُ ما اكْتَسَبَتْ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي كُلِّفَتْ تَرْكَهُ، وإيرادُ الِاكْتِسابِ في جانِبِ الشَّرِّ لِما فِيهِ مِنِ اعْتِمالٍ ناشِئٍ مِنِ اعْتِناءِ النَّفْسِ بِتَحْصِيلِ الشَّرِّ وسَعْيِها في طَلَبِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وصِيغَةُ (فَعَلَ) مُجَرَّدَةً، تُعْرِبُ عَنْ أدْنى الكَسْبِ، فَلِذَلِكَ مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ.
لَطِيفَةٌ:
وقالَ الجارْبَرْدِيُّ في " شَرْحِ الشّافِيَةِ ": مَعْنى الكَسْبِ تَحْصِيلُ الشَّيْءِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، والِاكْتِسابُ: المُبالَغَةُ والِاعْتِمالُ فِيهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِهِ، إذْ أثْبَتَ لَهم ثَوابَ الفِعْلِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، ولَمْ يُثْبِتْ عَلَيْهِمْ عِقابَ الفِعْلِ إلّا عَلى وجْهِ مُبالَغَةٍ واعْتِمالٍ فِيهِ.
(p-٧٣٢)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَ الشَّرُّ مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وهي مُنْجَذِبَةٌ إلَيْهِ وأمّارَةٌ بِهِ، كانَتْ في تَحْصِيلِهِ أعْمَلَ وأجَدَّ، فَجُعِلَتْ لِذَلِكَ مُكْتَسَبَةً فِيهِ، ولَمّا لَمْ تَكُنْ في بابِ الخَيْرِ كَذَلِكَ لِفُتُورِها في تَحْصِيلِهِ، وُصِفَتْ بِما لا دَلالَةَ لَهُ عَلى الِاعْتِمالِ والتَّصَرُّفِ. انْتَهى.
قالَ العَلّامَةُ ابْنُ جَماعَةَ في " حَواشِيهِ ": تَفْرِقَتُهُ بَيْنَ الكَسْبِ والِاكْتِسابِ هو ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، ونَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. قالَ الحَلَبِيُّ: وهو الأظْهَرُ. وقالَ قَوْمٌ: لا فَرْقَ. قالُوا: وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِالكَسْبِ والِاكْتِسابِ في مَوْرِدٍ واحِدٍ. قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤] ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]
وقالَ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الكَسْبَ والِاكْتِسابَ في الشَّرِّ. وقالَ الواحِدِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الكَسْبَ والِاكْتِسابَ واحِدٌ. وفي القامُوسِ: كَسَبَهُ يَكْسِبُهُ كَسْبًا، وتَكَسَّبَ واكْتَسَبَ: طَلَبَ الرِّزْقَ، أوْ كَسَبَ أصابَ، واكْتَسَبَ تَصَرَّفَ واجْتَهَدَ، ثُمَّ قالَ ابْنُ جَماعَةَ: ما ذَكَرَهُ مِن تَنْبِيهِ الآيَةِ عَلى لُطْفِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ إلى آخِرِهِ، قالَهُ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ (المُفَصَّلِ). وبِمَعْناهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: في الآيَةِ إيذانٌ أنَّ أدْنى فِعْلٍ مِن أفْعالِ الخَيْرِ يَكُونُ لِلْإنْسانِ تَكَرُّمًا مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، بِخِلافِ العُقُوبَةِ، فَإنَّهُ لا يُؤاخِذُ بِها إلّا مَن جَدَّ فِيها واجْتَهَدَ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلٌ آخَرُ: لِلنَّفْسِ ما حَصَلَ مِنَ الثَّوابِ بِأيِّ وجْهٍ اتَّفَقَ حُصُولُهُ، سَواءٌ كانَ بِإصابَةٍ مُجَرَّدَةٍ أوْ بِتَحْصِيلٍ، وعَلَيْها ما حَصَّلَتْهُ وسَعَتْ فِيهِ لا ما حَصَلَ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ (p-٧٣٣)وسَعْيٍ. نَبَّهَ تَعالى أنَّ الثَّوابَ حاصِلٌ لَها سَواءٌ كانَ بِسَعْيِها واخْتِيارِها أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وأمّا العِقابُ فَلا يَكُونُ عَلَيْها إلّا بِقَصْدِها وتَحْصِيلِها.
وما قالُوهُ مِنَ الفَرْقِ يَحْتاجُ إلى ثَبْتٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] أيْ: يَرى جَزاءَهُ. وقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] عَلى أنَّ تَرَتُّبَ الثَّوابِ عَلى ما حَصَلَ مِن غَيْرِ سَعْيٍ واخْتِيارٍ، إنْ كانَ لِمُباشَرَةِ سَبَبِهِ مَعَ الغَفْلَةِ عَنْهُ، فالعِقابُ أيْضًا كَذَلِكَ، فَمَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ إثْمُها وإثْمُ مَن عَمِلَ بِها، وإنْ صُوِّرَ بِالإصابَةِ عِنْدَ أوَّلِ الِالتِفاتِ فَلا مانِعَ أنْ يَكُونَ العِقابُ مِثْلَهُ. ومُدَّعِي خِلافِهِ عَلَيْهِ البَيانُ. نَعَمِ الإصْرارُ شَرْطٌ، لِأنَّ الرُّجُوعَ يَمْحُوهُ لَكِنَّهُ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى الفِعْلِ. وبِالجُمْلَةِ فَما قالَهُ جارُ اللَّهِ حَسَنٌ، وقَدْ ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ أيْضًا. وفي إعْرابِ الحَلَبِيِّ: الَّذِي يَظْهَرُ في هَذا، أنَّ الحَسَناتِ مِمّا تُكْسَبُ دُونَ تَكَلُّفٍ؛ إذْ كاسِبُها عَلى جادَّةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسْمِ شَرْعِهِ، والسَّيِّئاتُ تُكْتَسَبُ بِتَكَلُّفٍ؛ إذْ كاسِبُها يَتَكَلَّفُ في أمْرِها خَرْقَ حِجابِ نَهْيِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَجاوَزُ إلَيْها، فَحَسُنَ في الآيَةِ مَجِيءُ التَّصْرِيفَيْنِ إحْرازًا لِهَذا المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ ابْنُ جَماعَةَ: والمُبالَغَةُ مِن بالَغَ مُبالَغَةً اجْتَهَدَ ولَمْ يُقَصِّرْ، والِاعْتِمالُ: مِنِ اعْتَمَلَ أيْ: عَمِلَ بِنَفْسِهِ وأعْمَلَ رَأْيَهُ وآلَتَهُ. انْتَهى.
قالَ البِقاعِيُّ ولَمّا بَشَّرَهم بِذَلِكَ عَرَّفَهم مَواقِعَ نِعَمِهِ مِن دُعاءٍ رَتَّبَهُ عَلى الأخَفِّ فالأخَفِّ عَلى سَبِيلِ التَّعَلِّي، إعْلامًا بِأنَّهُ لَمْ يُؤاخِذْهم بِما اجْتَرَحُوهُ نِسْيانًا، ولا بِما قارَفُوهُ خَطَأً، ولا حَمَلَ عَلَيْهِمْ ثِقْلًا، بَلْ جَعَلَ شَرِيعَتَهم حَنِيفِيَّةً سَمْحاءَ، ولا حَمَّلَهم فَوْقَ طاقَتِهِمْ، مَعَ أنَّ لَهُ جَمِيعَ ذَلِكَ، وأنَّهُ عَفا عَنْ عِقابِهِمْ ثُمَّ سَتَرَهم فَلَمْ يُخْجِلْهم بِذِكْرِ سَيِّئاتِهِمْ، ثُمَّ رَحِمَهم بِأنْ أحَلَّهم مَحَلَّ القُرْبِ فَجَعَلَهم أهْلًا لِلْخِلافَةِ، فَلاحَ بِذَلِكَ أنَّهُ يُعْلِي أمْرَهم عَلى كُلِّ أمْرٍ، ويُظْهِرُ دِينَهم عَلى كُلِّ دِينٍ، إذْ كانَ سُبْحانَهُ هو الدّاعِيَ عَنْهُمْ، ولِيَكُونَ الدُّعاءُ كُلُّهُ مَحْمُولًا عَلى الإصابَةِ ومَشْمُولًا بِالإجابَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ أيْ: لا تُعاقِبْنا: ﴿إنْ نَسِينا﴾ أمْرَكَ ونَهْيَكَ: ﴿أوْ أخْطَأْنا﴾ (p-٧٣٤)أيْ: فَفَعَلْنا خِلافَ الصَّوابِ، تَفْرِيطًا ونَحْوَهُ.
وقَدْ ولِعَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَهُنا بِالبَحْثِ في أنَّ النِّسْيانَ والخَطَأ مَعْفُوٌّ عَنْهُما، فَما فائِدَةُ طَلَبِ العَفْوِ عَنْهُما؟ وأجابُوا عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ. وأرَقُّ جَوابٍ رَأيْتُهُ قَوْلُ العَلّامَةِ بِيرَ مُحَمَّدٍ في " المِدْحَةُ الكُبْرى ": لَمّا كانَ طالِبَ العَفْوِ الرَّسُولُ والأنْصارُ والمُهاجِرُونَ، ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ، فَكَأنَّهم يَعُدُّونَ النِّسْيانَ مِنَ العِصْيانِ، والخَطَأ مِنَ الخَطِيئَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]
وقِيلَ في مَعْنى الآيَةِ: لا تُعاقِبْنا إنْ تَرَكْنا أمْرَكَ أوِ اكْتَسَبْنا خَطِيئَةً، عَلى أنْ يَكُونَ النِّسْيانُ بِمَعْنى التَّرْكِ، والخَطَأُ مِنَ الخَطِيئَةِ. وعَلَيْهِ فَلا إيرادَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ أيْ: عَهْدًا يَثْقُلُ عَلَيْنا.
قالَ الحَرالِيُّ: الإصْرُ: العَهْدُ الثَّقِيلُ الَّذِي في تَحَمُّلِهِ أشَدُّ المَشَقَّةِ: ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ وهو ما كُلِّفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ مِمّا يَهُدُّ الأرْكانَ، ولا بَأْسَ بِالإشارَةِ إلى جُمَلٍ مِمّا حَمَلُوهُ مِنَ الآصارِ. نَنْقُلُهُ عَنْ أسْفارِهِمْ تَأْكِيدًا لِما يَحْمِلُ عَلى الشُّكْرِ عَلى تَخْفِيفِ ذَلِكَ عَنّا، وتَعْظِيمًا لِمِنَّتِهِ تَعالى، فَلِلَّهِ الحَمْدُ فَنَقُولُ: في سِفْرِ الخُرُوجِ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ:
١٥ * سَبْعَةَ أيّامٍ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا. اليَوْمُ الأوَّلُ تَعْزِلُونَ الخَمِيرَ في بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ كُلَّ مَن أكَلَ خَمِيرًا مِنَ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى اليَوْمِ السّابِعِ تَقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسَ مِن إسْرائِيلَ.
وكُلُّ هَذا الإصْحاحِ آصارٌ شاقَّةٌ.
وفِي السِّفْرِ المَذْكُورِ، في الإصْحاحِ الحادِي والعِشْرِينَ.
١٥ * ومَن ضَرَبَ أباهُ أوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلًا.
١٦ * ومَن سَرَقَ إنْسانًا وباعَهُ أوْ وُجِدَ في يَدِهِ يُقْتَلُ قَتْلًا.
١٧ * ومَن شَتَمَ أباهُ أوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلًا.
٢٧ * وإنْ أسْقَطَ سِنَّ عَبْدِهِ أوْ سِنَّ أمَتِهِ يُطْلِقُهُ حُرًّا عِوَضًا عَنْ سِنِّهِ.
٢٨ * وإذا نَطَحَ ثَوْرٌ رَجُلًا أوِ امْرَأةً فَماتَ يُرْجَمُ الثَّوْرُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وأمّا صاحِبُ الثَّوْرِ فَيَكُونُ بَرِيئًا.
٢٩ * ولَكِنْ إنْ كانَ ثَوْرًا نَطّاحًا مِن قَبْلُ وقَدْ أُشْهِدَ عَلى صاحِبِهِ ولَمْ يَضْبُطْهُ فَقَتَلَ رَجُلًا أوِ امْرَأةً، فالثَّوْرُ يُرْجَمُ وصاحِبُهُ أيْضًا يُقْتَلُ.
(p-٧٣٥)وفِي السِّفْرِ المَذْكُورِ، في الإصْحاحِ الثّالِثِ والعِشْرِينَ.
١٠ * وسِتَّ سِنِينَ تَزْرَعُ أرْضَكَ وتَجْمَعُ غَلَّتَها.
١١ * وأمّا في السّابِعَةِ فَتُرِيحُها وتَتْرُكُها لِيَأْكُلَ فُقَراءُ شَعْبِكَ. وفَضْلَتُهم تَأْكُلُها وُحُوشُ البَرِّيَّةِ، كَذَلِكَ تَفْعَلُ بِكَرْمِكَ وزَيْتُونِكَ.
١٢ * سِتَّةَ أيّامٍ تَعْمَلُ عَمَلَكَ، وأمّا اليَوْمُ السّابِعُ فَفِيهِ تَسْتَرِيحُ لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ وحِمارُكَ ويَتَنَفَّسَ ابْنُ أمَتِكَ والغَرِيبُ.
١٩ * أوَّلُ أبْكارِ أرْضِكَ تُحْضِرُهُ إلى بَيْتِ الرَّبِّ إلَهِكَ.
وفِي سِفْرِ العَدَدِ، في الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ: * ٣٧ * وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا.
٣٨ * كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهُمْ: أنْ يَصْنَعُوا لَهم أهْدابًا في أذْيالِ ثِيابِهِمْ في أجْيالِهِمْ ويَجْعَلُوا عَلى هُدْبِ الذَّيْلِ عُصابَةً مِن أسْمانْجُونِيٍّ.
٣٩ * فَتَكُونُ لَكم هُدْبًا فَتَرَوْنَها وتَذْكُرُونَ كُلَّ وصايا الرَّبِّ وتَعْمَلُونَها.
وفِي السِّفْرِ المَذْكُورِ، في الإصْحاحِ التّاسِعَ عَشَرَ:
١١ * مَن مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إنْسانٍ ما يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أيّامٍ.
١٢ * يَتَطَهَّرُ بِهِ في اليَوْمِ الثّالِثِ، وفي السّابِعِ يَكُونُ طاهِرًا، وإنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ في اليَوْمِ الثّالِثِ فَفي اليَوْمِ السّابِعِ لا يَكُونُ طاهِرًا.
١٣ * كُلُّ مَن مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إنْسانٍ قَدْ ماتَ ولَمْ يَتَطَهَّرْ يُنَجِّسُ مَسْكَنَ الرَّبِّ، فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِن إسْرائِيلَ، لِأنَّ ماءَ النَّجاسَةِ لَمْ يُرَشَّ عَلَيْها تَكُونُ نَجِسَةً. نَجاسَتُها لَمْ تَزَلْ فِيها.
١٤ * هَذِهِ هي الشَّرِيعَةُ. إذا ماتَ إنْسانٌ في خَيْمَةٍ فَكُلُّ مَن دَخَلَ الخَيْمَةَ وكُلُّ مَن كانَ في الخَيْمَةِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أيّامٍ.
١٥ * وكُلُّ إناءٍ مَفْتُوحٍ لَيْسَ عَلَيْهِ سَدادٌ بِعُصابَةٍ فَإنَّهُ نَجِسٌ.
١٦ * وكُلُّ مِن مَسَّ عَلى وجْهِ الصَّحْراءِ قَتِيلًا بِالسَّيْفِ أوْ مَيِّتًا أوْ عَظْمَ إنْسانٍ أوْ قَبْرًا يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أيّامٍ. وتَمامُ الفَصْلِ المَذْكُورِ كَيْفِيَّةُ الطَّهارَةِ مِن هَذِهِ النَّجاسَةِ الشّاقَّةِ جِدًّا.
وفِي السِّفْرِ المَذْكُورِ في الإصْحاحِ الخامِسِ والثَّلاثِينَ:
٣١ * ولا تَأْخُذُوا فِدْيَةً عَنْ نَفْسِ القاتِلِ المُذْنِبِ لِلْمَوْتِ بَلْ إنَّهُ يُقْتَلُ.
وفِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، في الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ.
١٩ * كُلُّ بِكْرٍ ذَكَرٍ يُولَدُ مِن بَقَرِكَ ومِن غَنَمِكَ تُقَدِّسُهُ لِلرَّبِّ إلَهِكَ. لا تَشْتَغِلْ عَلى بِكْرِ بَقَرِكَ ولا تَجُزَّ بِكْرَ غَنَمِكَ.
(p-٧٣٦)وفِي سِفْرِ الخُرُوجِ، في الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَّلاثِينَ:
٢٠ * وأمّا بِكْرُ الحِمارِ فَتَفْدِيهِ بِشاةٍ، وإنْ لَمْ تَفْدِهِ تُكْسَرْ عُنُقُهُ. كُلُّ بِكْرٍ مِن بَنِيكَ تَفْدِيهِ.
وفِي سِفْرِ اللّاوِيِّينَ، في الإصْحاحِ الرّابِعِ:
١ * وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا:
٢ * كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: إذا أخْطَأتْ نَفْسٌ سَهْوًا في شَيْءٍ مِن جَمِيعِ مَناهِي الرَّبِّ الَّتِي لا يَنْبَغِي عَمَلُها وعَمِلَتْ واحِدَةٌ مِنها.
٣ * إنْ كانَ الكاهِنُ المَمْسُوحُ يُخْطِئُ لِإثْمِ الشَّعْبِ يُقَرِّبُ عَنْ خَطِيئَتِهِ الَّتِي أخْطَأ ثَوْرًا ابْنَ بَقَرٍ صَحِيحًا لِلرَّبِّ. ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ.
وكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ حَرِجَةٌ جِدًّا. انْظُرْها.
وفِيهِ، في الإصْحاحِ الخامِسِ:
١ * أوْ إذا مَسَّ أحَدٌ شَيْئًا نَجِسًا جُثَّةَ وحْشٍ نَجِسٍ أوْ جُثَّةَ بَهِيمَةٍ نَجِسَةٍ أوْ جُثَّةَ دِيبٍ نَجِسٍ وأخْفى عَنْهُ فَهو نَجِسٌ ومُذْنِبٌ.
٥ * فَإنْ كانَ يُذْنِبُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ يُقِرُّ بِما قَدْ أخْطَأ بِهِ.
٦ * ويَأْتِي إلى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لِإثْمِهِ عَنْ خَطِيئَتِهِ الَّتِي أخْطَأ بِها أُنْثى مِنَ الأغْنامِ نَعْجَةً أوْ عَنْزًا مِنَ المَعْزِ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الكاهِنُ مِن خَطِيئَتِهِ.
والإصْحاحُ المَذْكُورُ كُلُّهُ آصارٌ.
وكَذا الإصْحاحُ السّادِسُ بَعْدَهُ كُلُّهُ آصارٌ.
وفِي الإصْحاحِ الحادِيَ عَشَرَ تَحْرِيمُ بَعْضِ الطُّيُورِ وفي آصارٌ كَثِيرَةٌ، مِنها:
٣٣ * وكُلُّ مَتاعِ خَزَفٍ وقَعَ فِيهِ مِنها فَكُلُّ ما فِيهِ يَتَنَجَّسُ، وأمّا هو فَتَكْسِرُونَهُ.
وفِي الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ أحْكامُ النُّفَساءِ عِنْدَهم والفَرْقُ بَيْنَ وِلادَتِها ذَكَرًا وأُنْثى، وإنَّها في الأوَّلِ تَكُونُ نَجِسَةً أُسْبُوعًا، ثُمَّ ثَلاثًا وثَلاثِينَ يَوْمًا. وفي الثّانِي أُسْبُوعَيْنِ ثُمَّ سِتَّةً وسِتِّينَ يَوْمًا.
وعَنْ تَمامِ أيّامِ طُهْرِها تَأْتِي بِكِيسِ كَفّارَةٍ عَنْها.
وفِي الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ تَشْرِيعاتٌ لِذَوِي الجِراحاتِ.
وفِي ذَلِكَ آصارٌ كُبْرى. انْظُرْها.
وفِيهِ أيْضًا أحْكامُ الحائِضِ والآصارُ في شَأْنِها. ومِنها:
١٩ * وكُلُّ مَن مَسَّها يَكُونُ نَجِسًا إلى المَساءِ.
٢٠ * وكُلُّ ما تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ في طَمْثِها (p-٧٣٧)يَكُونُ نَجِسًا، وكُلُّ ما تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا.
٢١ * وكُلُّ مَن مَسَّ فِراشَها يَغْسِلُ ثِيابَهُ ويَسْتَحِمُّ بِماءٍ ويَكُونُ نَجِسًا إلى المَساءِ.
وفِي الإصْحاحِ السّابِعَ عَشَرَ:
١٥ * وكُلُّ إنْسانٍ يَأْكُلُ مَيْتَةً أوْ فَرِيسَةً وطَنِيًّا كانَ أوْ غَرِيبًا يَغْسِلُ ثِيابَهُ ويَسْتَحِمُّ بِماءٍ ويَبْقى نَجِسًا إلى المَساءِ.
وفِي الإصْحاحِ التّاسِعَ عَشَرَ:
٢٣ * ومَتى دَخَلْتُمُ الأرْضَ وغَرَسْتُمْ كُلَّ شَجَرَةٍ لِلطَّعامِ تَحْسِبُونَ ثَمَرَها غَلَّتَها. ثَلاثَ سِنِينَ تَكُونُ لَكم غَلْفاءَ، لا يُؤْكَلُ مِنها.
٢٤ * وفي السَّنَةِ الرّابِعَةِ يَكُونُ كُلُّ ثَمَرِها قُدْسًا لِتَمْجِيدِ الرَّبِّ.
٢٥ * وفي السَّنَةِ الخامِسَةِ تَأْكُلُونَ ثَمَرَها، لِتَزِيدَ بِكم غَلَّتُها. أنا الرَّبُّ إلَهُكم.
٢٧ * لا تَقْصُرُوا رُؤُوسَكم مُسْتَدِيرًا ولا تُفْسِدْ عارِضَيْكَ.
وفِي الإصْحاحِ الخامِسِ والعِشْرِينَ:
٣ * سِتَّ سِنِينَ تَزْرَعُ حَقْلَكَ وسِتَّ سِنِينَ تَقْضِبُ كَرْمَكَ وتَجْمَعُ غَلَّتَهُما.
٤ * وأمّا السَّنَةُ السّابِعَةُ فَفِيها يَكُونُ لِلْأرْضِ سَبْتُ عُطْلَةٍ سَبْتًا لِلرَّبِّ. لا تَزْرَعُ حَقْلَكَ ولا تَقْضِبْ كَرْمَكَ.
٥ * زِرِّيعَ حَصِيدِكَ لا تَحْصُدْ وعِنَبَ كَرْمِكَ المُحَوَّلِ لا تَقْطِفْ. سَنَةٌ عُطْلَةٌ تَكُونُ لِلْأرْضِ.
٦ * ويَكُونُ سَبْتُ الأرْضِ لَكم طَعامًا. لَكَ ولِعَبْدِكَ ولِأمَتِكَ ولِأجِيرِكَ ولِمُسْتَوْطَنِكَ النّازِلِينَ عِنْدَكَ.
٧ * ولِبَهائِمِكَ ولِلْحَيَوانِ الَّذِي في أرْضِكَ تَكُونُ كُلُّ غَلَّتِها طَعامًا.
وفِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، في الإصْحاحِ الحادِي والعِشْرِينَ.
١٨ * وإذا كانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مُعانِدٌ ومارِدٌ ولا يَسْمَعُ لِقَوْلِ أبِيهِ ولا لِقَوْلِ أُمِّهِ ويُؤَدِّبانِهِ فَلا يَسْمَعُ لَهُما.
١٩ * يُمْسِكُهُ أبُوهُ وأُمُّهُ ويَأْتِيانِ بِهِ إلى شُيُوخِ مَدِينَتِهِ وإلى بابِ مَكانِهِ.
٢٠ * ويَقُولُونَ لِشُيُوخِ مَدِينَتِهِ: ابْنُنا هَذا مُعانِدٌ ومارِدٌ لا يَسْمَعُ لِقَوْلِنا وهو مُسْرِفٌ وسِكِّيرٌ.
٢١ * فَيَرْجُمُهُ جَمِيعُ رِجالِ مَدِينَتِهِ بِحِجارَةٍ حَتّى يَمُوتَ.
وفِيهِ، في الإصْحاحِ الثّانِي والعِشْرِينَ:
١٠ * لا تَحْرُثْ عَلى ثَوْرٍ وحِمارٍ مَعًا.
١١ * لا تَلْبَسْ ثَوْبًا مُخْتَلِطًا صُوفًا وكِتّانًا مَعًا.
(p-٧٣٨)وفِيهِ، في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ:
١ * إذا أخَذَ رَجُلٌ امْرَأةً، وتَزَوَّجَ بِها فَإنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً في عَيْنَيْهِ؛ لِأنَّهُ وجَدَ فِيها عَيْبَ شَيْءٍ وكَتَبَ لَها كِتابَ طَلاقٍ ودَفَعَهُ إلى يَدِها وأطْلَقَها مِن بَيْتِهِ.
٢ * ومَتى خَرَجَتْ مِن بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وصارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ.
٣ * فَإنْ أبْغَضَها الرَّجُلُ الأخِيرُ، وكَتَبَ لَها كِتابَ طَلاقٍ ودَفَعَهُ إلى يَدِها وأطْلَقَها مِن بَيْتِهِ، أوْ إذا ماتَ الرَّجُلُ الأخِيرُ الَّذِي اتَّخَذَها لَهُ زَوْجَةً.
٤ * لا يَقْدِرُ زَوْجُها الأوَّلُ الَّذِي طَلَّقَها أنْ يَعُودَ بِأخْذِها لِتَصِيرَ لَهُ زَوْجَةً بَعْدَ أنْ تَنَجَّسَتْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ رِجْسٌ لَدى الرَّبِّ.
وهَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ الآصارِ الَّتِي كانَتْ عَلى الإسْرائِيلِيِّينَ ولَمْ يَشْرَعْها لَنا مَوْلانا بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ فَلَهُ الحَمْدُ، إنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ.
﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أيْ: مِن بَلِيّاتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالدُّعاءُ الأوَّلُ في رَفْعِ شَدائِدِ التَّكْلِيفِ، وهَذا في رَفْعِ شَدائِدِ البَلِيّاتِ، ويُقالُ: هو تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ وتَصْوِيرٌ لِلْإصْرِ بِصُورَةِ ما لا يُسْتَطاعُ مُبالَغَةً ﴿واعْفُ عَنّا﴾ أيْ: تَجاوَزْ عَنْ ذُنُوبِنا ولا تُعاقِبْنا: ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ أيْ: غَطِّ عَلى ذُنُوبِنا واعْفُ عَنْها: ﴿وارْحَمْنا﴾ أيْ: تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِالرَّحْمَةِ مَعَ كَوْنِنا مُقَصِّرِينَ مُذْنِبِينَ: ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ أيْ: ولِيُّنا وناصِرُنا: ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مِن حَقِّ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ عَبْدَهُ ومَن يَتَوَلّى أمْرَهُ عَلى الأعْداءِ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إعْلاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ والجِهادَ في سَبِيلِهِ تَعالى، حَسْبَما أمَرَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، غايَةُ مَطْلَبِهِمْ.
قالَ البِقاعِيُّ: فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ وُجُوبَ قِتالِ الكافِرِينَ، وأنَّهم أعْدى الأعْداءِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] لَيْسَ ناهِيًا عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ صارَ في الوُضُوحِ إلى حَدٍّ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إكْراهٌ، بَلْ يَنْبَغِي لِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فَضْلًا عَنِ الإحْواجِ إلى إرْهابٍ، فَمَن نَصَحَ نَفْسَهُ دَخَلَ فِيهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ عَقْلُهُ، ومَن أبى دَخَلَ فِيهِ قَهْرًا بِنَصِيحَةِ اللَّهِ الَّتِي هي الضَّرْبُ بِالحُسامِ ونافِذِ السِّهامِ.
وقَدْ ورَدَ في " صَحِيحٍ مُسْلِمٍ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَقِبَ كُلِّ دَعْوَةٍ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ: قَدْ فَعَلْتُ»» .
(p-٧٣٩)وقَدْ رَوى البُخارِيُّ والجَماعَةُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««مَن قَرَأ بِالآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، في لَيْلَةٍ، كَفَتاهُ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أُعْطِيتُ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن بَيْتِ كَنْزٍ مِن تَحْتِ العَرْشِ، لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي»» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتُهِيَ بِهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، وهي في السَّماءِ السّادِسَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يَهْبِطُ مِن فَوْقِها، فَيُقْبَضُ مِنها. قالَ: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قالَ: فَراشٌ مِن ذَهَبٍ قالَ، فَأُعْطِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِن أُمَّتِهِ شَيْئًا، المُقْحَماتُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ قاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: «هَذا بابٌ مِنَ السَّماءِ فُتِحَ اليَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلّا اليَوْمَ، فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ فَقالَ: هَذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلّا اليَوْمَ، فَسَلَّمَ وقالَ: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما (p-٧٤٠)نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فاتِحَةِ الكِتابِ، وخَواتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ. لَنْ تَقْرَأ حَرْفًا مِنهُما إلّا أُعْطِيتَهُ»» . رَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ. وهَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والدّارِمِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، أنْزَلَ مِنهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِما سُورَةَ البَقَرَةِ، ولا يُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطانٌ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في " مُسْنَدِهِ " عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ آخِرَ البَقَرَةِ قالَ: يا لَكِ نِعْمَةً..! يا لَكِ نِعْمَةً.
هَذا، وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِ سُورَةِ البَقَرَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ... مِنها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««يُؤْتى بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ وأهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ»» وضَرَبَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أمْثالٍ ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قالَ: ««كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ ظُلَّتانِ سَوْداوانِ بَيْنَهُما شَرْقٌ. أوْ كَأنَّهُما حِزْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ تُحاجّانِ عَنْ صاحِبِهِما»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ والدّارِمِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ. تَعَلَّمُوا البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ فَإنَّهُما هُما الزَّهْراوانِ يَجِيئانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيايَتانِ أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مَن طَيْرٍ صَوافَّ تُجادِلانِ عَنْ صاحِبِهِما»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تَجْعَلُوا (p-٧٤١)بُيُوتَكم مَقابِرَ. إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ»» . ولَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: ««وإنَّ البَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطانُ»» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِكُلِّ شَيْءٍ سَنامٌ وإنَّ سَنامَ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ. وفِيها آيَةٌ هي سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ، آيَةُ الكُرْسِيِّ»» .
فائِدَةٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: تَأمَّلْ خِطابَ القُرْآنِ تَجِدْ مَلِكًا لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ، ولَهُ الحَمْدُ كُلُّهُ، أزِمَّةُ الأُمُورِ كُلِّها بِيَدِهِ، ومَصْدَرُها مِنهُ، ومَوْرِدُها إلَيْهِ، مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ، لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن أقْطارِ مَمْلَكَتِهِ، عالِمًا بِما في نُفُوسِ عَبِيدِهِ، مُطَّلِعًا عَلى أسْرارِهِمْ وعَلانِيَتِهِمْ، مُنْفَرِدًا بِتَدْبِيرِ المَمْلَكَةِ، يَسْمَعُ ويَرى ويُعْطِي ويَمْنَعُ، ويُثِيبُ ويُعاقِبُ، ويُكْرِمُ ويُهِينُ، ويَخْلُقُ ويَرْزُقُ، ويُمِيتُ ويُحْيِي، ويُقَدِّرُ ويَقْضِي ويُدَبِّرُ، الأُمُورُ نازِلَةٌ مِن عِنْدِهِ، دَقِيقُها وجَلِيلُها، وصاعِدَةٌ إلَيْهِ لا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا تَسْقُطُ ورَقَةٌ إلّا بِعِلْمِهِ، فَتَأمَّلْ كَيْفَ تَجِدُهُ يُثْنِي عَلى نَفْسِهِ، ويُمَجِّدُ نَفْسَهُ، ويَحْمَدُ نَفْسَهُ، ويَنْصَحُ عِبادَهُ ويَدُلُّهم عَلى ما فِيهِ سَعادَتُهم وفَلاحُهم ويُرَغِّبُهم فِيهِ، ويُحَذِّرُهم مِمّا فِيهِ هَلاكُهُمْ، ويَتَعَرَّفُ إلَيْهِمْ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ويَتَحَبَّبُ إلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ وآلائِهِ! يُذَكِّرُهم بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، ويَأْمُرُهم بِما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ تَمامَها، ويُحَذِّرُهم مِن نِقَمِهِ، ويُذَكِّرُهم بِما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ إنْ أطاعُوهُ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ إنْ عَصَوْهُ، ويُخْبِرُهم بِصُنْعِهِ في أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ويُثْنِي عَلى أوْلِيائِهِ بِصالِحِ أعْمالِهِمْ وأحْسَنِ أوْصافِهِمْ، ويَذُمُّ أعْداءَهُ بِسَيِّئِ أعْمالِهِمْ وقَبِيحِ صِفاتِهِمْ، ويَضْرِبُ الأمْثالَ، ويُنَوِّعُ الأدِلَّةَ والبَراهِينَ، ويُجِيبُ عَنْ شُبَهِ أعْدائِهِ أحْسَنَ الأجْوِبَةِ، (p-٧٤٢)ويُصَدِّقُ الصّادِقَ، ويُكَذِّبُ الكاذِبَ، ويَقُولُ الحَقَّ، ويَهْدِي السَّبِيلَ، ويَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَذْكُرُ أوْصافَها وحُسْنَها ونَعِيمَها، ويُحَذِّرُ مِن دارِ البَوارِ، ويُذَكِّرُ عَذابَها وقُبْحَها وآلامَها، ويُذَكِّرُ عِبادَهُ فَقْرَهم إلَيْهِ وشِدَّةَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وأنَّهم لا غِنى لَهم عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ويُذَكِّرُهم غَناءَهُ عَنْهم وعَنْ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، وأنَّهُ الغَنِيُّ بِنَفْسِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ، وأنَّهُ لا يَنالُ أحَدٌ ذَرَّةً مِنَ الخَيْرِ فَما فَوْقَها إلّا بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ولا ذَرَّةً مِنَ الشَّرِّ فَما فَوْقَها إلّا بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وتَشْهَدُ مِن خِطابِهِ عِتابُهُ لِأحْبابِهِ ألْطَفَ عِتابٍ.
وأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُقِيلٌ عَثَراتِهِمْ، وغافِرٌ زَلّاتِهِمْ، ومُقَيِّمٌ أعْذارَهُمْ، ومُصْلِحٌ فَسادَهُمْ، والدّافِعُ عَنْهُمْ، والحامِي عَنْهُمْ، والنّاصِرُ لَهُمْ، والكَفِيلُ بِمَصالِحِهِمْ والمُنْجِي لَهم مِن كُلِّ كَرْبٍ، والمُوفِي لَهم بِوَعْدِهِ.
وأنَّهُ ولِيُّهُمُ الَّذِي لا ولِيَّ لَهم سِواهُ، فَهو مَوْلاهُمُ الحَقُّ، ويَنْصُرُهم عَلى عَدُوِّهِمْ، فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ.
وإذا شَهِدَتِ القُلُوبُ مِنَ القُرْآنِ مَلِكًا عَظِيمًا جَوادًا رَحِيمًا جَمِيلًا هَذا شَأْنُهُ، فَكَيْفَ لا تُحِبُّهُ، وتُنافِسُ في القُرْبِ مِنهُ، وتُنْفِقُ أنْفاسَها في التَّوَدُّدِ إلَيْهِ، ويَكُونُ أحَبَّ إلَيْها مَن كُلِّ ما سِواهُ، ورِضاهُ آثَرَ عِنْدَها مِن رِضا كُلِّ مَن سِواهُ؟ وكَيْفَ لا تَلْهَجُ بِذِكْرِهِ وتُصَيِّرُ حُبَّهُ والشَّوْقَ إلَيْهِ والأُنْسَ بِهِ هو غِذاؤُها وقُوَّتُها ودَواؤُها، بِحَيْثُ إنْ فَقَدَتْ ذَلِكَ فَسَدَتْ وهَلَكَتْ ولَمْ تَنْتَفِعْ بِحَياتِها؟!
اللَّهُمَّ اجْعَلِ القُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنا، ونُورَ صُدُورِنا، وجَلاءَ حُزْنِنا، وأعِنّا عَلى إكْمالِ ما قَصَدْناهُ بِفَضْلِكَ. يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
آل عمران 3:1
(p-٧٤٨)سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ: مِائَتا آيَةٍ، أوْ إلّا آيَةً. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ اصْطِفاءَ آلِ عِمْرانَ، وهم عِيسى ويَحْيى ومَرْيَمُ وأُمُّها، نَزَلَ فِيهِ مِنها ما لَمْ يَنْزِلْ في غَيْرِهِ. إذْ هو بِضْعٌ وثَمانُونَ آيَةً. وقَدْ جُعِلَ هَذا الِاصْطِفاءُ دَلِيلًا عَلى اصْطِفاءِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وجَعْلِهِ مَتْبُوعًا لِكُلِّ مُحِبٍّ لِلَّهِ ومَحْبُوبٍ لَهُ.
وتُسَمّى: الزَّهْراءُ، لِأنَّها كَشَفَتْ عَمّا التَبَسَ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والأمانُ، لِأنَّ مَن تَمَسَّكَ بِما فِيها أمِنَ مِنَ الغَلَطِ في شَأْنِهِ. والكَنْزُ، لِتَضَمُّنِها الأسْرارَ العِيسَوِيَّةَ. والمُجادَلَةُ، لِنُزُولِ نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها في مُجادَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصارى نَجْرانَ. وسُورَةُ الِاسْتِغْفارِ، لِما فِيها مِن قَوْلِهِ: والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ. وطَيْبَةُ، لِجَمْعِها مِن أصْنافِ الطَّيِّبِينَ في قَوْلِهِ:
اَلصّابِرِينَ والصّادِقِينَ. إلى آخِرِهِ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
والمُرادُ بِعِمْرانَ هو والِدُ مَرْيَمَ، أُمِّ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، كَما يَأْتِي التَّنْوِيهُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]
(p-٧٤٩)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] [ ١ - ٣ ]
﴿الم﴾ سَلَفَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ أوَّلَ البَقَرَةِ
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] سَبَقَ تَأْوِيلُهُ في آيَةِ الكُرْسِيِّ.
﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: القُرْآنَ. عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانًا بِكَمالِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ، كَما يَلُوحُ بِهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمَيْ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: الصِّدْقِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: مُعَرِّفًا صِدْقَ الكُتُبِ السّالِفَةِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ والإيمانِ بِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وبِالشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ كُلِّ زَمانٍ. فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ: ﴿وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] تَعْيِينٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وتَبْيِينٌ لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ. تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ، وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ. إذْ بِذَلِكَ يَتَرَقّى شَأْنُ ما يُصَدِّقُهُ رِفْعَةً ونَباهَةً، ويَزْدادُ في القُلُوبِ قَبُولًا ومَهابَةً، ويَتَفاحَشُ حالُ مَن كَفَرَ بِهِما في الشَّناعَةِ، واسْتِتْباعِ ما سَيُذْكَرُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والِانْتِقامِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
والتَّوْراةُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ مَعْناهُ: (اَلشَّرِيعَةُ) . والإنْجِيلُ لَفْظَةٌ يُونانِيَّةٌ مَعْناها: (اَلْبُشْرى). (p-٧٥٠)أيْ: الخَبَرُ الحَسَنُ. هَذا هو الصَّوابُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ عُلَماءُ الكِتابَيْنِ في مُصَنَّفاتِهِمْ. وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ الأُدَباءِ تَطْبِيقَهُما عَلى أوْزانِ لُغَةِ العَرَبِ واشْتِقاقِهِما مِنها. وهو خَبْطٌ بِغَيْرِ ضَبْطٍ.
آل عمران 3:2
(p-٧٤٨)سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ: مِائَتا آيَةٍ، أوْ إلّا آيَةً. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ اصْطِفاءَ آلِ عِمْرانَ، وهم عِيسى ويَحْيى ومَرْيَمُ وأُمُّها، نَزَلَ فِيهِ مِنها ما لَمْ يَنْزِلْ في غَيْرِهِ. إذْ هو بِضْعٌ وثَمانُونَ آيَةً. وقَدْ جُعِلَ هَذا الِاصْطِفاءُ دَلِيلًا عَلى اصْطِفاءِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وجَعْلِهِ مَتْبُوعًا لِكُلِّ مُحِبٍّ لِلَّهِ ومَحْبُوبٍ لَهُ.
وتُسَمّى: الزَّهْراءُ، لِأنَّها كَشَفَتْ عَمّا التَبَسَ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والأمانُ، لِأنَّ مَن تَمَسَّكَ بِما فِيها أمِنَ مِنَ الغَلَطِ في شَأْنِهِ. والكَنْزُ، لِتَضَمُّنِها الأسْرارَ العِيسَوِيَّةَ. والمُجادَلَةُ، لِنُزُولِ نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها في مُجادَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصارى نَجْرانَ. وسُورَةُ الِاسْتِغْفارِ، لِما فِيها مِن قَوْلِهِ: والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ. وطَيْبَةُ، لِجَمْعِها مِن أصْنافِ الطَّيِّبِينَ في قَوْلِهِ:
اَلصّابِرِينَ والصّادِقِينَ. إلى آخِرِهِ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
والمُرادُ بِعِمْرانَ هو والِدُ مَرْيَمَ، أُمِّ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، كَما يَأْتِي التَّنْوِيهُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]
(p-٧٤٩)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] [ ١ - ٣ ]
﴿الم﴾ سَلَفَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ أوَّلَ البَقَرَةِ
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] سَبَقَ تَأْوِيلُهُ في آيَةِ الكُرْسِيِّ.
﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: القُرْآنَ. عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانًا بِكَمالِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ، كَما يَلُوحُ بِهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمَيْ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: الصِّدْقِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: مُعَرِّفًا صِدْقَ الكُتُبِ السّالِفَةِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ والإيمانِ بِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وبِالشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ كُلِّ زَمانٍ. فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ: ﴿وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] تَعْيِينٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وتَبْيِينٌ لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ. تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ، وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ. إذْ بِذَلِكَ يَتَرَقّى شَأْنُ ما يُصَدِّقُهُ رِفْعَةً ونَباهَةً، ويَزْدادُ في القُلُوبِ قَبُولًا ومَهابَةً، ويَتَفاحَشُ حالُ مَن كَفَرَ بِهِما في الشَّناعَةِ، واسْتِتْباعِ ما سَيُذْكَرُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والِانْتِقامِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
والتَّوْراةُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ مَعْناهُ: (اَلشَّرِيعَةُ) . والإنْجِيلُ لَفْظَةٌ يُونانِيَّةٌ مَعْناها: (اَلْبُشْرى). (p-٧٥٠)أيْ: الخَبَرُ الحَسَنُ. هَذا هو الصَّوابُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ عُلَماءُ الكِتابَيْنِ في مُصَنَّفاتِهِمْ. وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ الأُدَباءِ تَطْبِيقَهُما عَلى أوْزانِ لُغَةِ العَرَبِ واشْتِقاقِهِما مِنها. وهو خَبْطٌ بِغَيْرِ ضَبْطٍ.
آل عمران 3:3
(p-٧٤٨)سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ: مِائَتا آيَةٍ، أوْ إلّا آيَةً. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ اصْطِفاءَ آلِ عِمْرانَ، وهم عِيسى ويَحْيى ومَرْيَمُ وأُمُّها، نَزَلَ فِيهِ مِنها ما لَمْ يَنْزِلْ في غَيْرِهِ. إذْ هو بِضْعٌ وثَمانُونَ آيَةً. وقَدْ جُعِلَ هَذا الِاصْطِفاءُ دَلِيلًا عَلى اصْطِفاءِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وجَعْلِهِ مَتْبُوعًا لِكُلِّ مُحِبٍّ لِلَّهِ ومَحْبُوبٍ لَهُ.
وتُسَمّى: الزَّهْراءُ، لِأنَّها كَشَفَتْ عَمّا التَبَسَ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والأمانُ، لِأنَّ مَن تَمَسَّكَ بِما فِيها أمِنَ مِنَ الغَلَطِ في شَأْنِهِ. والكَنْزُ، لِتَضَمُّنِها الأسْرارَ العِيسَوِيَّةَ. والمُجادَلَةُ، لِنُزُولِ نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها في مُجادَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصارى نَجْرانَ. وسُورَةُ الِاسْتِغْفارِ، لِما فِيها مِن قَوْلِهِ: والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ. وطَيْبَةُ، لِجَمْعِها مِن أصْنافِ الطَّيِّبِينَ في قَوْلِهِ:
اَلصّابِرِينَ والصّادِقِينَ. إلى آخِرِهِ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
والمُرادُ بِعِمْرانَ هو والِدُ مَرْيَمَ، أُمِّ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، كَما يَأْتِي التَّنْوِيهُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]
(p-٧٤٩)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] [ ١ - ٣ ]
﴿الم﴾ سَلَفَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ أوَّلَ البَقَرَةِ
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] سَبَقَ تَأْوِيلُهُ في آيَةِ الكُرْسِيِّ.
﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: القُرْآنَ. عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانًا بِكَمالِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ، كَما يَلُوحُ بِهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمَيْ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: الصِّدْقِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: مُعَرِّفًا صِدْقَ الكُتُبِ السّالِفَةِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ والإيمانِ بِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وبِالشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ كُلِّ زَمانٍ. فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ: ﴿وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] تَعْيِينٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وتَبْيِينٌ لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ. تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ، وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ. إذْ بِذَلِكَ يَتَرَقّى شَأْنُ ما يُصَدِّقُهُ رِفْعَةً ونَباهَةً، ويَزْدادُ في القُلُوبِ قَبُولًا ومَهابَةً، ويَتَفاحَشُ حالُ مَن كَفَرَ بِهِما في الشَّناعَةِ، واسْتِتْباعِ ما سَيُذْكَرُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والِانْتِقامِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
والتَّوْراةُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ مَعْناهُ: (اَلشَّرِيعَةُ) . والإنْجِيلُ لَفْظَةٌ يُونانِيَّةٌ مَعْناها: (اَلْبُشْرى). (p-٧٥٠)أيْ: الخَبَرُ الحَسَنُ. هَذا هو الصَّوابُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ عُلَماءُ الكِتابَيْنِ في مُصَنَّفاتِهِمْ. وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ الأُدَباءِ تَطْبِيقَهُما عَلى أوْزانِ لُغَةِ العَرَبِ واشْتِقاقِهِما مِنها. وهو خَبْطٌ بِغَيْرِ ضَبْطٍ.
آل عمران 3:4
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤ ] ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْـزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ .
﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بـ: (أنْزَلَ)، أيْ: أنْزَلَهُما مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ، لِلْمُبالَغَةِ في البَيانِ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِقَوْمِ مُوسى وعِيسى. أوْ ما هو أعَمُّ، لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مُتَعَبَّدَةٌ بِما لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الشَّرائِعِ: ﴿وأنْـزَلَ الفُرْقانَ﴾ وهو الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَها، لِأنَّ كُلَّها فُرْقانٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. أوْ هو القُرْآنُ. وإنَّما كَرَّرَ ذِكْرَهُ بِما هو نَعْتٌ لَهُ، ومَدْحٌ لَهُ، مِن كَوْنِهِ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، بَعْدَما ذَكَرَهُ بِاسْمِ الجِنْسِ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وإظْهارًا لِفَضْلِهِ، قالَ الرّازِيُّ: أوْ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أعادَ ذِكْرَهُ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بَعْدَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لِيَجْعَلَهُ فَرْقًا بَيْنَ ما اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ والنَّصارى مِنَ الحَقِّ والباطِلِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا تِكْرارَ. ثُمَّ اسْتَظْهَرَ حَمْلَ الفُرْقانِ عَلى المُعْجِزاتِ الَّتِي قَرَنَها اللَّهُ تَعالى بِإنْزالِ هَذِهِ الكُتُبِ الفارِقَةِ بَيْنَ دَعْواهم ودَعْوى الكَذّابِينَ. قالَ: فالفُرْقانُ هو المُعْجِزُ القاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها، ويُفِيدُ الفَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ الكُتُبِ المُخْتَلِفَةِ. انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفُرْقانِ: (المِيزانُ) المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] والمِيزانُ: هو العَدْلُ في الأُمُورِ كُلِّها؛ واللَّفْظُ مِمّا يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِتَلاقِيها في المَعْنى.
(p-٧٥١)﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَحَدُوا بِها: ﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِها: ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ وهَذا الوَعِيدُ، جِيءَ بِهِ إثْرَ ما تَقَدَّمَ حَمْلًا عَلى الإذْعانِ، وزَجْرًا عَنْ العِصْيانِ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ: ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ: مُعاقَبَةٍ، يُقالُ: انْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ: عاقَبَهُ. والنِّقْمَةُ: المُكافَأةُ بِالعُقُوبَةِ.
آل عمران 3:5
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ ] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: هو مُطَّلِعٌ عَلى كُفْرِ مَن كَفَرَ وإيمانِ مَن آمَنَ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
آل عمران 3:6
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أيْ: يَخْلُقُكم في الأرْحامِ كَما يَشاءُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وحَسَنٍ وقَبِيحٍ، وشَقِيٍّ وسَعِيدٍ ﴿لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
آل عمران 3:7
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ ] ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ .
﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ واضِحاتُ الدِّلالَةِ: ﴿هُنَّ (p-٧٥٢)أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ: أصْلُهُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الأحْكامِ: ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ وهي: ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِها لِعَدَمِ اتِّضاحِ حَقِيقَتِها الَّتِي أخْبَرَ عَنْها، أوْ ما احْتَمَلَتْ أوْجُهًا. وجَعَلَهُ كُلَّهُ مُحْكَمًا في قَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ، وأنَّهُ كَلامٌ حَقٌّ فَصِيحُ الألْفاظِ، صَحِيحُ المَعانِي.
ومُتَشابِهًا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] بِمَعْنى أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ، ويُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أيْ: مَيْلٌ عَنْ اسْتِقامَةٍ إلى كُفْرٍ وأهْواءٍ وابْتِداعٍ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ أيْ: طَلَبِ الإيقاعِ في الشُّبَهاتِ واللَّبْسِ: ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ وحْدَهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أيْ: الثّابِتُونَ المُتَمَكِّنُونَ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِالمُتَشابِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ﴾ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ: ﴿مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: العُقُولِ الخالِصَةِ مِنَ الرُّكُونِ إلى الأهْواءِ الزّائِغَةِ. وهو تَذْيِيلٌ سِيقَ مِنهُ تَعالى مَدْحًا لِلرّاسِخِينَ بِجَوْدَةِ الذِّهْنِ وحُسْنِ النَّظَرِ.
تَنْبِيهٌ:
لِلْعُلَماءِ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ، ومَباحِثُ واسِعَةٌ، وأبْدَعَ ما رَأيْتُهُ في تَحْرِيرِ هَذا المَقامِ مَقالَةٌ سابِغَةُ الذَّيْلِ لِشَيْخِ الإسْلامِ تَقِيِّ الدِّينِ أحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ - . يَقُولُ في خِلالِها:
اَلْمُحْكَمُ في القُرْآنِ، تارَةً يُقابَلُ بِالمُتَشابِهِ، والجَمِيعُ مِن آياتِ اللَّهِ، وتارَةً يُقابَلُ بِما نَسَخَهُ اللَّهُ، مِمّا ألْقاهُ الشَّيْطانُ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُهُ مُقابِلًا لِما نَسَخَهُ اللَّهُ مُطْلَقًا حَتّى يَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، ويَجْعَلَ المَنسُوخَ لَيْسَ مُحْكَمًا، وإنْ كانَ اللَّهُ أنْزَلَهُ أوَّلًا اتِّباعًا لِلظّاهِرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]
فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ تُقابِلُ المُحْكَمَ، يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَها.
وجِماعُ ذَلِكَ أنَّ الإحْكامَ تارَةً يَكُونُ في التَّنْزِيلِ. فَيَكُونُ في مُقابَلَتِهِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ. فالمُحْكَمُ المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ أحْكَمَهُ اللَّهُ، أيْ: فَصَّلَهُ مِنَ الِاشْتِباهِ بِغَيْرِهِ، وفَصَّلَ مِنهُ ما لَيْسَ مِنهُ، فَإنَّ الإحْكامَ هو الفَصْلُ والتَّمْيِيزُ والفَرْقُ والتَّحْدِيدُ الَّذِي بِهِ يَتَحَقَّقُ الشَّيْءُ ويَحْصُلُ إتْقانُهُ، (p-٧٥٣)ولِهَذا دَخَلَ فِيهِ مَعْنى المَنعِ، كَما دَخَلَ في الحَدِّ بِالمَنعِ جُزْءُ مَعْناهُ، لا جَمِيعُ مَعْناهُ، وتارَةً يَكُونُ في إبْقاءِ التَّنْزِيلِ عِنْدَ مَن قابَلَهُ بِالنَّسْخِ الَّذِي هو رَفْعُ ما شُرِّعَ، وهو اصْطِلاحِيٌّ. أوْ يُقالُ: (وهو أشْبَهُ): السَّلَفُ كانُوا يُسَمُّونَ كُلَّ رَفْعٍ نَسْخًا، سَواءٌ كانَ رَفْعَ حُكْمٍ، أوْ رَفْعَ دِلالَةٍ ظاهِرَةٍ، فَكُلُّ ظاهِرٍ تُرِكَ ظاهِرُهُ لِمُعارِضٍ راجِحٍ كَتَخْصِيصِ العامِّ وتَقْيِيدِ المُطْلَقِ، فَهو مَنسُوخٌ في اصْطِلاحِ السَّلَفِ، وإلْقاءُ الشَّيْطانِ في أُمْنِيَّتِهِ قَدْ يَكُونُ في نَفْسِ لَفْظِ المُبَلِّغِ، وقَدْ يَكُونُ في مَسْمَعِ المُبَلَّغِ، وقَدْ يَكُونُ في فَهْمِهِ، كَما قالَ: ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] ومَعْلُومٌ أنَّ مَن سَمِعَ، سَمِعَ النَّصِّ الَّذِي قَدْ رُفِعَ حُكْمُهُ، أوْ دِلالَةٌ لَهُ، فَإنَّهُ يُلْقِي الشَّيْطانُ في تِلْكَ التِّلاوَةِ اتِّباعَ ذَلِكَ المَنسُوخِ، فَيُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ بِالنّاسِخِ الَّذِي بِهِ رُفِعَ الحُكْمُ، وبانَ المُرادُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: المُتَشابِهُ والمَنسُوخُ، بِهَذا الِاعْتِبارِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
وتارَةً يَكُونُ الإحْكامُ في التَّأْوِيلِ والمَعْنى، وهو تَمْيِيزُ الحَقِيقَةِ المَقْصُودَةِ مِن غَيْرِها، حَتّى لا تَشْتَبِهَ بِغَيْرِها. وفي مُقابَلَةِ المُحْكَماتِ الآياتُ المُتَشابِهاتُ الَّتِي تُشْبِهُ هَذا وتُشْبِهُ هَذا. فَتَكُونُ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ، ولَمْ يَقُلْ في المُتَشابِهِ: (لا يَعْلَمُ تَفْسِيرَهُ ومَعْناهُ إلّا اللَّهُ)، وإنَّما قالَ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ وهَذا هو فَصْلُ الخِطابِ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ في هَذا المَوْضِعِ. فَإنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا هو. والوَقْفُ هُنا، عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ، وعَلَيْهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجُمْهُورُ التّابِعِينَ، وجَماهِيرُ الأُمَّةِ. ولَكِنْ لَمْ يَنْفِ عِلْمَهم بِمَعْناهُ وتَفْسِيرِهِ، بَلْ قالَ: ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وهَذا يَعُمُّ الآياتِ (p-٧٥٤)اَلْمُحْكَماتِ والآياتِ المُتَشابِهاتِ. وما لا يُعْقَلُ لَهُ مَعْنًى لا يُتَدَبَّرُ، وقالَ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]
ولَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا مِنهُ نَهى عَنْ تَدَبُّرِهِ. واَللَّهُ ورَسُولُهُ إنَّما ذَمَّ مَن اتَّبَعَ المُتَشابِهَ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، فَأمّا مَن تَدَبَّرَ المُحْكَمَ والمُتَشابِهَ كَما أمَرَ اللَّهُ، وطَلَبَ فَهْمَهُ ومَعْرِفَةَ مَعْناهُ، فَلَمْ يَذُمَّهُ اللَّهُ، بَلْ أمَرَ بِذَلِكَ ومَدَحَ عَلَيْهِ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ التَّأْوِيلَ، قَدْ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وغَيْرِهِ مَن طَلَبَ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ الَّتِي في أوائِلِ السُّوَرِ بَقاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ، كَما سَلَكَ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مُوافَقَةً لِلصّابِئَةِ المُنَجِّمِينَ، وزَعَمُوا أنَّهُ سِتُّمِائَةٍ وثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ عامًا، لِأنَّ ذَلِكَ هو عَدَدُ ما لِلْحُرُوفِ في حِسابِ الجُمَلِ، بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ. وهَذا مِن نَوْعِ تَأْوِيلِ الحَوادِثِ الَّتِي أخْبَرَ بِها القُرْآنُ في اليَوْمِ الآخِرِ. ورُوِيَ أنَّ مِنَ النَّصارى الَّذِينَ وفَدُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ في وفْدِ نَجْرانَ مَن تَأوَّلَ (إنّا ونَحْنُ) عَلى أنَّ الآلِهَةَ ثَلاثَةٌ، لِأنَّ هَذا ضَمِيرُ جَمْعٍ. وهَذا تَأْوِيلٌ في الإيمانِ بِاَللَّهِ. فَأُولَئِكَ تَأوَّلُوا في اليَوْمِ الآخِرِ. وهَؤُلاءِ تَأوَّلُوا في اللَّهِ. ومَعْلُومٌ أنْ (أنا ونَحْنُ) مِنَ المُتَشابِهِ. فَإنَّهُ يُرادُ بِها الواحِدُ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ، ويُرادُ بِها الواحِدُ الَّذِي مَعَهُ أعْوانُهُ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن جِنْسِهِ، ويُرادُ الواحِدُ المُعَظِّمُ نَفْسَهُ، الَّذِي يَقُومُ مَقامَهُ مَن مَعَهُ غَيْرُهُ لِتَنَوُّعِ أسْمائِهِ الَّتِي كُلُّ اسْمٍ مِنها يَقُومُ مَقامَ مُسَمًّى.
فَصارَ هَذا مُتَشابِهًا لِأنَّ اللَّفْظَ واحِدٌ، والمَعْنى مُتَنَوِّعٌ، والأسْماءُ المُشْتَرِكَةُ في اللَّفْظِ هي مِنَ المُتَشابِهِ، وبَعْضُ المُتَواطِئِ أيْضًا مِنَ المُتَشابِهِ. ويُسَمِّيها أهْلُ التَّفْسِيرِ: (الوُجُوهَ والنَّظائِرَ) وصَنَّفُوا كُتُبَ الوُجُوهِ والنَّظائِرِ. فالوُجُوهُ في الأسْماءِ المُشْتَرِكَةِ، والنَّظائِرُ في الأسْماءِ المُتَواطِئَةِ. وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أصْحابِنا المُصَنِّفِينَ في ذَلِكَ أنَّ الوُجُوهَ والنَّظائِرَ جَمِيعًا في الأسْماءِ المُشْتَرِكَةِ، فَهي نَظائِرُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ووُجُوهٌ بِاعْتِبارِ المَعْنى، ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالَهُ، (p-٧٥٥)بَلْ كَلامُهم صَرِيحٌ فِيما قُلْناهُ لِمَن تَأمَّلَهُ، واَلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يَدَعُونَ المُحْكَمَ الَّذِي لا اشْتِباهَ فِيهِ مِثْلَ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ويَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ لِيَفْتِنُوا بِهِ النّاسَ إذا وضَعُوهُ عَلى غَيْرِ مَواضِعِهِ، وحَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ. وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وهو الحَقِيقَةُ الَّتِي أخْبَرَ عَنْها. وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ نَوْعانِ: إنْشاءٌ فِيهِ الأمْرُ، وإخْبارٌ.
فَتَأْوِيلُ الأمْرِ هو نَفْسُ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ، كَما قالَ مَن قالَ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ السُّنَّةَ هي تَأْوِيلُ الأمْرِ. قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. يَتَأوَّلُ القُرْآنَ، تَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣]» وأمّا الإخْبارُ فَتَأْوِيلُهُ عَيْنُ الأمْرِ المُخْبَرِ بِهِ إذا وقَعَ، (p-٧٥٦)لَيْسَ تَأْوِيلُهُ فَهْمَ مَعْناهُ، وقَدْ جاءَ اسْمُ التَّأْوِيلِ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. وهَذا مَعْناهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] فَقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ فَصَّلَ الكِتابَ، وتَفْصِيلُهُ بَيانُهُ وتَمْيِيزُهُ بِحَيْثُ لا يَشْتَبِهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] إلى آخِرِ الآيَةِ. وإنَّما ذَلِكَ مَجِيءُ ما أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ بِوُقُوعِهِ مِنَ القِيامَةِ وأشْراطِها، كالدّابَّةِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها ومَجِيءِ رَبِّكَ والمَلَكِ صَفًّا صَفًّا، وما في الآخِرَةِ مِنَ الصُّحُفِ والمَوازِينِ والجَنَّةِ والنّارِ وأنْواعِ النَّعِيمِ والعَذابِ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وهَذا القَدْرُ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ لا يَعْلَمُ وقْتَهُ وقَدْرَهُ وصِفَتَهُ إلّا اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقُولُ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في الدُّنْيا مِمّا في الجَنَّةِ إلّا الأسْماءُ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ في الجَنَّةِ خَمْرًا ولَبَنًا وماءً وحَرِيرًا وذَهَبًا وفِضَّةً وغَيْرَ ذَلِكَ. ونَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ تِلْكَ الحَقِيقَةَ لَيْسَتْ مُماثِلَةً لِهَذِهِ، بَلْ بَيْنَهُما تَبايُنٌ عَظِيمٌ مَعَ (p-٧٥٧)التَّشابُهِ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أيْ: يُشْبِهُ ما في الدُّنْيا، ولَيْسَ مِثْلَهُ، فَأشْبَهَ اسْمُ تِلْكَ الحَقائِقِ أسْماءَ هَذِهِ الحَقائِقِ، كَما أشْبَهَتْ الحَقائِقُ الحَقائِقَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَنَحْنُ نَعْلَمُها إذا خُوطِبْنا بِتِلْكَ الأسْماءِ مِنَ القَدَرِ المُشْتَرِكِ بَيْنَهُما، ولَكِنْ لِتِلْكَ الحَقائِقِ خاصِّيَّةٌ لا نُدْرِكُها في الدُّنْيا، ولا سَبِيلَ إلى إدْراكِنا لَها لِعَدَمِ إدْراكِ عَيْنِها أوْ نَظِيرِها مِن كُلِّ وجْهٍ، وتِلْكَ الحَقائِقُ عَلى ما هي تَأْوِيلٌ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، وهَذا فِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ وغَيْرِهِمْ. فَإنَّهم يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ أكْلٌ وشُرْبٌ ولِباسٌ ونِكاحٌ، ويَمْنَعُونَ وُجُودَ ما أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ. ومَن دَخَلَ في الإسْلامِ ونافَقَ المُؤْمِنِينَ، تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ أمْثالٌ مَضْرُوبَةٌ لِتَفْهِيمِ النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ، إنْ كانَ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ الصّابِئَةِ المُنْكِرَةِ لِحَشْرِ الأجْسادِ. وإنْ كانَ مِن مُنافِقَةِ المِلَّتَيْنِ المُقِرِّينَ بِحَشْرِ الأجْسادِ، تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى تَفْهِيمِ النَّعِيمِ الَّذِي في الجَنَّةِ مِنَ الرُّوحانِيِّ والسَّماعِ الطَّيِّبِ والرَّوائِحِ العَطِرَةِ، كُلُّ ضالٍّ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ إلى ما اعْتَقَدَ ثُبُوتَهُ. وكانَ في هَذا أيْضًا مُتَّبِعًا لِلْمُتَشابِهِ، إذْ الأسْماءُ تُشْبِهُ الأسْماءَ، والمُسَمَّياتُ تُشْبِهُ المُسَمَّياتِ، ولَكِنْ تُخالِفُها أكْثَرَ مِمّا تُشابِهُها. فَهَؤُلاءِ يَتَّبِعُونَ هَذا المُتَشابِهَ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ بِما يُورِدُونَهُ مِنَ الشُّبُهاتِ عَلى امْتِناعِ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ هَذِهِ الحَقائِقُ، وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ لِيَرُدُّوهُ إلى المَعْهُودِ الَّذِي يَعْلَمُونَهُ في الدُّنْيا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ فَإنَّ تِلْكَ الحَقائِقَ قالَ اللَّهُ فِيها: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الكِتابِ أوْ عَلى المُتَشابِهِ. فَإنْ (p-٧٥٨)كانَ عائِدًا عَلى الكِتابِ لِقَوْلِهِ: مِنهُ، ومِنهُ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فَهَذا يَصِحُّ، فَإنَّ جَمِيعَ آياتِ الكِتابِ المُحْكَمَةِ والمُتَشابِهَةِ الَّتِي فِيها إخْبارٌ عَنْ الغَيْبِ الَّذِي أُمِرْنا أنْ نُؤْمِنَ بِهِ، لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الغَيْبِ ومَتى يَقَعُ إلّا اللَّهُ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ لِهَذا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ التَّأْوِيلَ لِلْكِتابِ كُلِّهِ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ مُفَصَّلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] فَجَعَلَ التَّأْوِيلَ الجائِيَّ الكِتابَ المُفَصَّلَ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ لا يَعْلَمُهُ - وقْتًا وقَدْرًا ونَوْعًا وحَقِيقَةً - إلّا اللَّهُ، وإنَّما نَعْلَمُ نَحْنُ بَعْضَ صِفاتِهِ بِمَبْلَغِ عِلْمِنا لِعَدَمِ نَظِيرِهِ عِنْدَنا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] وإذا كانَ التَّأْوِيلُ الكِتابَ كُلَّهُ والمُرادُ بِهِ ذَلِكَ، ارْتَفَعَتْ الشُّبْهَةُ، وصارَ هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] - إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] فَأخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ عِلْمُها إلّا عِنْدَ اللَّهِ، وإنَّما هو عِلْمُ وقْتِها المُعَيَّنِ وحَقِيقَتِها، وإلّا فَنَحْنُ قَدْ عَلِمْنا مِن صِفاتِها ما أُخْبِرْنا بِهِ، فَعِلْمُ تَأْوِيلِهِ كَعِلْمِ السّاعَةِ والسّاعَةُ مِن تَأْوِيلِهِ. وهَذا واضِحٌ بَيِّنٌ، ولا يُنافِي كَوْنَ عِلْمِ السّاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ نَعْلَمَ مِن صِفاتِها وأحْوالِها ما عَلِمْناهُ، وأنْ نُفَسِّرَ النُّصُوصَ المُبَيِّنَةَ لِأحْوالِها. فَهَذا هَذا.
(p-٧٥٩)وإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى ما تَشابَهَ كَما يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، فَلِأنَّ المُخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ مُتَشابِهٌ، بِخِلافِ الأمْرِ والنَّهْيِ. ولِهَذا في الآثارِ: العَمَلُ بِمُحْكَمِهِ، والإيمانُ بِمُتَشابِهِهِ، لِأنَّ المَقْصُودَ في الخَبَرِ الإيمانُ. وذَلِكَ لِأنَّ المُخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ فِيهِ مِنَ التَّشابُهِ ما ذَكَرْناهُ. بِخِلافِ الأمْرِ والنَّهْيِ، فَإنَّهُ مُتَمَيِّزٌ غَيْرُ مُشْتَبِهٍ بِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ أُمُورٌ نَفْعَلُها قَدْ عَلِمْناها بِالوُقُوعِ، وأُمُورٌ نَتْرُكُها لا بُدَّ أنْ نَتَصَوَّرَها.
ومِمّا جاءَ مِن لَفْظِ التَّأْوِيلِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] والكِتابَةُ عائِدَةٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى ما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وهو يَعُودُ إلى القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠]
فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا القُرْآنَ ما كانَ لِيُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ وهَذِهِ الصِّيغَةَ تَدُلُّ عَلى امْتِناعِ المَنفِيِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] لِأنَّ الخَلْقَ عاجِزُونَ عَنْ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. كَما تَحَدّاهم وطالَبَهم لَمّا قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] فَهَذا تَعْجِيزٌ (p-٧٦٠)لِجَمِيعِ المَخْلُوقِينَ. قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: ٣٧] أيْ: مُصَدِّقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وتَفْصِيلَ الكِتابِ، أيْ: مُفَصِّلَ الكِتابِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ومُفَصِّلُ الكِتابِ. والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ. ولَمّا تَحَدّى القائِلِينَ: افْتَراهُ، ودَلَّ عَلى أنَّهم هم المُفْتَرُونَ، قالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] فَفَرَّقَ بَيْنَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وبَيْنَ إتْيانِ تَأْوِيلِهِ.
فَتَبَيَّنَ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ أهْلُ العِلْمِ والإيمانِ بِعِلْمِهِ، ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، وأنَّ الإحاطَةَ بِعِلْمِ القُرْآنِ لَيْسَتْ إتْيانَ تَأْوِيلِهِ، فَإنَّ الإحاطَةَ بِعِلْمِهِ مَعْرِفَةُ مَعانِي الكَلامِ عَلى التَّمامِ، وإتْيانَ التَّأْوِيلِ نَفْسُ وُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ. وفَرْقٌ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الخَبَرِ وبَيْنَ المُخْبَرِ بِهِ. فَمَعْرِفَةُ الخَبَرِ هي مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، ومَعْرِفَةِ المُخْبَرِ بِهِ هي مَعْرِفَةُ تَأْوِيلِهِ. وهَذا هو الَّذِي بَيَّنّاهُ فِيما تَقَدَّمَ.
إنَّ اللَّهَ إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيُعْلَمَ ويُفْهَمَ ويُفْقَهَ ويُتَدَبَّرَ ويُتَفَكَّرَ بِهِ مُحْكَمُهُ ومُتَشابِهُهُ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ تَأْوِيلُهُ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ عَنْ الكُفّارِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] فَقَدْ أخْبَرَ، ذَمًّا لِلْمُشْرِكِينَ، أنَّهُ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمْ القُرْآنُ حَجَبَ بَيْنَ أبْصارِهِمْ وبَيْنَ الرَّسُولِ بِحِجابٍ مَسْتُورٍ، وجَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا. فَلَوْ كانَ أهْلُ العِلْمِ والإيمانِ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةٌ أنْ يَفْقَهُوا بَعْضَهُ لَشارَكُوهم في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الإسراء: ٤٦] يَعُودُ إلى القُرْآنِ كُلِّهِ. فَعُلِمَ أنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ يُفْقَهَ، ولِهَذا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ما أنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إلّا وهو يُحِبُّ أنْ يُعْلَمَ في ماذا أُنْزِلَتْ وماذا عُنِيَ بِها. وما اسْتُثْنِيَ مِن ذَلِكَ لا مُتَشابِهًا ولا غَيْرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَرَضْتُ المُصْحَفَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ مَرّاتٍ، (p-٧٦١)أقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وأسْألُهُ عَنْها. فَهَذا ابْنُ عَبّاسٍ حَبْرُ الأُمَّةِ، وهو أحَدُ مِن كانَ يَقُولُ: لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ، يُجِيبُ مُجاهِدًا عَنْ كُلِّ آيَةٍ في القُرْآنِ، وهَذا هو الَّذِي جَعَلَ مُجاهِدًا ومَن وافَقَهُ كابْنِ قُتَيْبَةَ عَلى أنْ جَعَلُوا الوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ فَجَعَلُوا الرّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ، لِأنَّ مُجاهِدًا تَعَلَّمَ مِن ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرَ القُرْآنِ كُلِّهِ وبَيانَ مَعانِيهِ. فَظَنَّ أنَّ هَذا هو التَّأْوِيلُ المَنفِيُّ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ، وبِهِ أُشِيرَ إلى بَيْنَ ما عَناهُ اللَّهُ في القُرْآنِ وبَيْنَ ما كانَ يُطْلِقُهُ طَوائِفُ مِنَ السَّلَفِ، وبَيْنَ اصْطِلاحِ طَوائِفَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، فَبِسَبَبِ الِاشْتِراكِ في لَفْظِ (التَّأْوِيلِ) اعْتَقَدَ كُلُّ مَن فَهِمَ مِنهُ مَعْنًى بِلُغَتِهِ أنَّ ذَلِكَ هو المَذْكُورُ في القُرْآنِ.
ومُجاهِدٌ إمامُ التَّفْسِيرِ، قالَ الثَّوْرِيُّ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ.
وأمّا التَّأْوِيلُ فَشَأْنٌ آخَرُ. ويُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ الصَّحابَةَ والتّابِعِينَ لَمْ يَمْتَنِعْ أحَدٌ مِنهم عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ وقالَ: هَذِهِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يُعْلَمُ مَعْناهُ، ولا قالَ قَطُّ أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ ولا مِنَ الأئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ: إنَّ في القُرْآنِ آياتٌ لا يَعْلَمُ مَعْناها ولا يَفْهَمُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا أهْلُ العِلْمِ والإيمانِ جَمِيعُهم. وإنَّما قَدْ يَنْفُونَ عِلْمَ بَعْضِ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ النّاسِ، وهَذا لا رَيْبَ فِيهِ، وإنَّما وضَعَ هَذِهِ المَسْألَةَ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الطَّوائِفِ بِسَبَبِ الكَلامِ في آياتِ الصِّفاتِ وآياتِ القَدَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَقَّبُوها، هَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْتَمِلَ القُرْآنُ عَلى ما لا يُعْلَمُ مَعْناهُ، وما تُعُبِّدْنا بِتِلاوَةِ حُرُوفِهِ بِلا فَهْمٍ ؟ فَجَوَّزَ ذَلِكَ طَوائِفُ مُتَمَسِّكِينَ بِظاهِرٍ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وبِأنَّ اللَّهَ يَمْتَحِنُ عِبادَهُ بِما شاءَ، ومَنَعَها طَوائِفُ لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى تَأْوِيلاتِهِمْ الفاسِدَةِ الَّتِي هي تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ. والغالِبُ عَلى كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ الخَطَأُ. أُولَئِكَ يُقَصِّرُونَ في فَهْمِهِمْ القُرْآنَ بِمَنزِلَةِ مَن قِيلَ فِيهِ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] وهَؤُلاءِ مُعْتَدُونَ، بِمَنزِلَةِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ. ومِنَ المُتَأخِّرِينَ مَن وضَعَ المَسْألَةَ (p-٧٦٢)بِلَقَبٍ شَنِيعٍ فَقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِكَلامٍ ولا يَعْنِيَ بِهِ شَيْئًا، خِلافًا لِلْحَشْوِيَّةِ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ مُسْلِمٌ إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِما لا مَعْنًى لَهُ، وإنَّما النِّزاعُ هَلْ يَتَكَلَّمُ بِما لا يُفْهَمُ مَعْناهُ. وبَيْنَ نَفْيِ المَعْنى عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، ونَفْيِ الفَهْمِ عِنْدَ المُخاطَبِ، بَوْنٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ احْتَجَّ بِما يَجْرِي عَلى أصْلِهِ، فَقالَ: هَذا عَبَثٌ، والعَبَثُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وعِنْدَهُ أنَّ اللَّهَ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ أصْلًا، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ العَبَثَ صِفَةَ نَقْصٍ، فَهو مُنْتَفٍ عَنْهُ، لِأنَّ النِّزاعَ في الحُرُوفِ، وهي عِنْدُهُ مَخْلُوقَةٌ مِن جُمْلَةِ الأفْعالِ، ويَجُوزُ أنْ يَشْتَمِلَ الفِعْلُ عِنْدَهُ عَلى كُلِّ صِفَةٍ، فَلا نَقْلَ صَرِيحٌ، ولا عَقْلَ صَحِيحٌ.
ومَثارُ الفِتَنِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ومَحارُ عُقُولِهِمْ أنَّ مُدَّعِي التَّأْوِيلِ أخْطَؤُوا في زَعْمِهِمْ أنَّ العُلَماءَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ، وفي دَعْواهم أنَّ التَّأْوِيلَ هو تَأْوِيلُهم الَّذِي هو تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ. فَإنَّ الأوَّلِينَ، لِعِلْمِهِمْ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ، وصِحَّةِ عُقُولِهِمْ، وعِلْمِهِمْ بِكَلامِ السَّلَفِ، وكَلامِ العَرَبِ، عَلِمُوا يَقِينًا أنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي يَدَّعِيهِ هَؤُلاءِ لَيْسَ هو مَعْنى القُرْآنِ. فَإنَّهم حَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وصارُوا مَراتِبَ ما بَيْنَ قَرامِطَةٍ وباطِنِيَّةٍ يَتَأوَّلُونَ لِلْأخْبارِ والأوامِرِ. وما بَيْنَ صابِئَةٍ فَلاسِفَةٍ يَتَأوَّلُونَ عامَّةَ الأخْبارِ عَنْ اللَّهِ وعَنْ اليَوْمِ الآخِرِ، حَتّى عَنْ أكْثَرِ أحْوالِ الأنْبِياءِ. وما بَيْنَ جَهْمِيَّةٍ ومُعْتَزِلَةٍ يَتَأوَّلُونَ بَعْضَ ما جاءَ في اليَوْمِ الآخِرِ وفي آياتِ القَدَرِ، ويَتَأوَّلُونَ آياتِ الصِّفاتِ. وقَدْ وافَقَهم بَعْضُ مُتَأخِّرِي الأشْعَرِيَّةِ عَلى ما جاءَ في بَعْضِ الصِّفاتِ، وبَعْضُهم في بَعْضِ ما جاءَ في اليَوْمِ الآخِرِ. وآخَرُونَ مِن أصْنافِ الأُمَّةِ، وإنْ كانَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ السُّـنَّةُ، فَقَدْ يَتَأوَّلُونَ أيْضًا مَواضِعَ يَكُونُ تَأْوِيلُهم مِن تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ.
واَلَّذِينَ ادَّعَوْا العِلْمَ بِالتَّأْوِيلِ مِثْلَ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ وأهْلِ السُّنَّةِ، وأكْثَرَ أهْلِ الكَلامِ والبِدَعِ، رَأوْا أيْضًا أنَّ النُّصُوصَ دَلَّتْ عَلى مَعْرِفَةِ مَعانِي القُرْآنِ. ورَأوْا عَجْزًا وعَيْبًا وقَبِيحًا أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ عِبادَهُ بِكَلامٍ يَقْرَؤُونَهُ ويَتْلُونَهُ وهم لا يَفْهَمُونَهُ. وهم مُصِيبُونَ فِيما اسْتَدَلُّوا بِهِ مِن سَمْعٍ وعَقْلٍ، لَكِنْ أخْطَؤُوا في مَعْنى التَّأْوِيلِ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ، وفي التَّأْوِيلِ الَّذِي أثْبَتُوهُ وتَسَلَّقَ بِذَلِكَ (p-٧٦٣)مُبْتَدِعَتُهم إلى تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ، وصارَ الأوَّلُونَ أقْرَبَ إلى السُّكُوتِ والسَّلامَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الجَهْلِ، وصارَ الآخِرُونَ أكْثَرَ كَلامًا وجِدالًا، ولَكِنْ بِفِرْيَةٍ عَلى اللَّهِ، وقَوْلٍ عَلَيْهِ ما لا يَعْلَمُونَهُ، وإلْحادٍ في أسْمائِهِ وآياتِهِ، فَهَذا هَذا.
ومَنشَأُ الشُّبْهَةِ الِاشْتِراكُ في لَفْظِ التَّأْوِيلِ، فَإنَّ التَّأْوِيلَ في عُرْفِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُتَفَقِّهَةِ والمُتَكَلِّمَةِ والمُحَدِّثَةِ والمُتَصَوِّفَةِ ونَحْوِهِمْ هو: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ المَعْنى الرّاجِحِ إلى المَعْنى المَرْجُوحِ لِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ، وهَذا هو التَّأْوِيلُ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهِ في أُصُولِ الفِقْهِ ومَسائِلِ الخِلافِ. فَإذا قالَ أحَدٌ مِنهم: هَذا الحَدِيثُ أوْ هَذا النَّصُّ مُؤَوَّلٌ، أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى كَذا، قالَ الآخَرُ: هَذا نَوْعُ تَأْوِيلٍ، والتَّأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. والمُتَأوِّلُ عَلَيْهِ وظِيفَتانِ: بَيانُ احْتِمالِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى الَّذِي ادَّعاهُ، وبَيانُ الدَّلِيلِ المُوجِبِ لِلصَّرْفِ إلَيْهِ عَنْ المَعْنى الظّاهِرِ، وهَذا هو التَّأْوِيلُ الَّذِي يَتَنازَعُونَ فِيهِ في مَسائِلِ الصِّفاتِ، إذا صَنَّفَ بَعْضُهم في إبْطالِ التَّأْوِيلِ، أوْ ذَمِّ التَّأْوِيلِ، أوْ قالَ بَعْضُهم: آياتُ الصِّفاتِ لا تُؤَوَّلُ، وقالَ الآخَرُ: بَلْ يَجِبُ تَأْوِيلُها، وقالَ الثّالِثُ: بَلْ التَّأْوِيلُ جائِزٌ يُفْعَلُ عِنْدَ المَصْلَحَةِ، ويُتْرَكُ عِنْدَ المَصْلَحَةِ، أوْ يَصِحُّ لِلْعُلَماءِ دُونَ غَيْرِهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَقالاتِ والتَّنازُعِ.
* *
وأمّا لَفْظُ التَّأْوِيلِ في لَفْظِ السَّلَفِ فَلَهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: تَفْسِيرُ الكَلامِ وبَيانُ مَعْناهُ، سَواءٌ وافَقَ ظاهِرَهُ أوْ خالَفَهُ، فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ والتَّفْسِيرُ عِنْدَ هَؤُلاءِ مُتَقارِبًا أوْ مُتَرادِفًا، وهَذا - واَللَّهُ أعْلَمُ - هو الَّذِي عَناهُ مُجاهِدٌ أنَّ العُلَماءَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ. ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ يَقُولُ في تَفْسِيرِهِ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كَذا وكَذا. واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ. ونَحْوَ ذَلِكَ، ومُرادُهُ التَّفْسِيرُ.
والمَعْنى الثّانِي: في لَفْظِ السَّلَفِ وهو الثّالِثُ مِن مُسَمّى التَّأْوِيلِ مُطْلَقًا هو نَفْسُ المُرادِ بِالكَلامِ. فَإنَّ الكَلامَ إنْ كانَ طَلَبًا كانَ تَأْوِيلُهُ نَفْسَ الفِعْلِ المَطْلُوبِ. وإنْ كانَ خَبَرًا كانَ تَأْوِيلُهُ نَفْسَ الشَّيْءِ المُخْبَرِ بِهِ. وبَيْنَ هَذا المَعْنى واَلَّذِي قَبْلَهُ بَوْنٌ. فَإنَّ الَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ التَّأْوِيلُ (p-٧٦٤)فِيهِ مِن بابِ العِلْمِ، والكَلامِ كالتَّفْسِيرِ والشَّرْحِ والإيضاحِ، ويَكُونُ وُجُودُ التَّأْوِيلِ في القَلْبِ واللِّسانِ، لَهُ الوُجُودُ الذِّهْنِيُّ واللَّفْظِيُّ والرَّسْمِيُّ. وأمّا هَذا، فالتَّأْوِيلُ فِيهِ نَفْسُ الأُمُورِ المَوْجُودَةِ في الخارِجِ، سَواءٌ كانَتْ ماضِيَةً أوْ مُسْتَقْبَلَةً.
فَإذا قِيلَ: طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَتَأْوِيلُ هَذا نَفْسُ طُلُوعِها. وهَذا الوَضْعُ والعُرْفُ.
اَلثّالِثُ: هو لُغَةُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَ بِها وقَدْ قَدَّمْنا التَّبْيِينَ في ذَلِكَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُوسُفَ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] وقَوْلُ المَلَأِ: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤] ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] وقَوْلُ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ مِصْرَ وآوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] (p-٧٦٥)﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]
فَتَأْوِيلُ الأحادِيثِ الَّتِي هي رُؤْيا المَنامِ هي نَفْسُ مَدْلُولِها الَّتِي تُؤَوَّلُ إلَيْهِ، كَما قالَ يُوسُفُ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] والعالِمُ بِتَأْوِيلِها الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ. كَما قالَ يُوسُفُ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] أيْ: في المَنامِ ﴿إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ [يوسف: ٣٧] أيْ: قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما التَّأْوِيلُ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: ٥٩] قالُوا: أحْسَنُ عاقِبَةً ومَصِيرًا. فالتَّأْوِيلُ هُنا تَأْوِيلُ فِعْلِهِمْ الَّذِي هو الرَّدُّ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، والتَّأْوِيلُ في سُورَةِ يُوسُفَ تَأْوِيلُ أحادِيثِ الرُّؤْيا، والتَّأْوِيلُ في الأعْرافِ ويُونُسَ تَأْوِيلُ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقالَ تَعالى في قِصَّةِ مُوسى والعالِمِ: ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]
فالتَّأْوِيلُ هُنا تَأْوِيلُ الأفْعالِ الَّتِي فَعَلَها العالِمُ (p-٧٦٦)مِن خَرْقِ السَّفِينَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صاحِبِها. ومِن قَتْلِ الغُلامِ، ومِن إقامَةِ الجِدارِ. فَهو تَأْوِيلُ عَمَلٍ، لا تَأْوِيلُ قَوْلٍ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ التَّأْوِيلَ مَصْدَرُ أوَّلَهُ يُؤَوِّلُهُ تَأْوِيلًا، مِثْلَ حَوَّلَ تَحْوِيلًا، وعَوَّلَ تَعْوِيلًا. و (أوَّلَ يُؤَوِّلُ) تَعْدِيَةُ (آلَ يَؤُولُ أوْلًا)، مِثْلَ حالَ يَحُولُ حَوْلًا وقَوْلُهم (آلَ يَؤُولُ) أيْ: عادَ إلى كَذا ورَجَعَ إلَيْهِ، ومِنهُ المَآلُ، وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ الشَّيْءُ. ويُشارِكُهُ في الِاشْتِقاقِ المَوْئِلُ، فَإنَّهُ وألَ، وهَذا مِن أوَّلَ، والمَوْئِلُ المَرْجِعُ، قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ [الكهف: ٥٨]
ومِمّا يُوافِقُهُ في اشْتِقاقِهِ الأصْغَرِ الآلُ، فَإنَّ آلَ الشَّخْصِ مَن يَؤُولُ إلَيْهِ، ولِهَذا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في عَظِيمٍ، بِحَيْثُ يَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ يَصْلُحُ أنْ يَؤُولَ إلَيْهِ الآلُ. كَآلِ إبْراهِيمَ وآلِ لُوطٍ وآلِ فِرْعَوْنَ. بِخِلافِ الأهْلِ. والأوَّلُ أفْعَلُ، لِأنَّهم قالُوا في تَأْنِيثِهِ أُولى، كَما قالُوا جُمادى الأُولى، وفي القِصَصِ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ فَوْعَلُ ويَقُولُ (أوَّلَهُ) إلّا أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى شاهِدٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، بَلْ عَدَمُ صَرْفِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ لا فَوَعْلٌ. فَإنَّ فَوْعَلَ مِثْلَ كَوْثَرٍ وجَوْهَرٍ مَصْرُوفٌ. سُمِّيَ المُتَقَدِّمُ أوَّلَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - لِأنَّ ما بَعْدَهُ يَؤُولُ إلَيْهِ ويُبْنى عَلَيْهِ، فَهو أُسٌّ لِما بَعْدَهُ وقاعِدَةٌ لَهُ. والصِّيغَةُ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ مِثْلُ: أكْبَرَ وكُبْرى وأصْغَرَ وصُغْرى، لا مَن أحْمَرَ وحَمْراءَ، ولِهَذا يَقُولُونَ: جِئْتُهُ أوَّلَ مِن أمْسِ وقالَ: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] (p-٧٦٧)ومِثْلُ: هَذا أوَّلُ هَؤُلاءِ. .
فَهَذا الَّذِي فُضِّلَ عَلَيْهِمْ في الأوَّلِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَرْجِعُ إلى ما قَبْلُهُ، فَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وهَذا السّابِقُ؛ كُلُّهم يَؤُولُ إلَيْهِ. فَإنَّ مَن تَقَدَّمَ في فِعْلٍ، فاسْتَبَقَ بِهِ مَن بَعْدَهُ، كانَ السّابِقَ الَّذِي يَؤُولُ الكُلُّ إلَيْهِ. فالأوَّلُ لَهُ وصْفُ السُّؤْدُدِ والِاتِّباعِ. ولَفْظُ الأوْلِ مُشْعِرٌ بِالرُّجُوعِ والعَوْدِ. والأوَّلُ مُشْعِرٌ بِالِابْتِداءِ. والمُبْتَدِي خِلافُ العائِدِ، لِأنَّهُ إنَّما كانَ أوَّلًا لِما بَعْدَهُ، فَإنَّهُ يُقالُ: أوَّلُ المُسْلِمِينَ، وأوَّلُ يَوْمٍ، فَما فِيهِ مِن مَعْنى الرُّجُوعِ والعَوْدِ، هو لِلْمُضافِ إلَيْهِ لا لِلْمُضافِ. وإذا قُلْنا: آلُ فُلانٍ فالعَوْدُ في المُضافِ، لِأنَّ ذَلِكَ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ في كَوْنِهِ مَآلًا ومَرْجِعًا لِغَيْرِهِ، لِأنَّ كَوْنَهُ مُفَضَّلًا دَلَّ عَلَيْهِ أنَّهُ مَآلٌ ومَرْجِعٌ، لا آيِلٌ راجِعٌ، إذْ لا فَضْلَ في كَوْنِ الشَّيْءِ راجِعًا إلى غَيْرِهِ. آيِلًا إلَيْهِ، وإنَّما الفَضْلُ في كَوْنِهِ هو الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُؤالُ. فَلَمّا كانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ أشْعَرَتْ بِأنَّهُ مُفَضَّلٌ في كَوْنِهِ مَآلًا ومَرْجِعًا، والتَّفْضِيلُ المُطْلَقُ في ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو السّابِقَ المُبْتَدِئَ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
فَتَأْوِيلُ الكَلامِ ما أوَّلَهُ إلَيْهِ المُتَكَلِّمُ أوْ ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الكَلامُ أوْ ما تَأوَّلَهُ المُتَكَلِّمُ. فَإنَّ التَّفْضِيلَ يَجْرِي عَلى غَيْرِ فِعْلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ تَأوَّلَ الكَلامَ إلى هَذا المَعْنى تَأْوِيلًا، والمَصْدَرُ واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ، إذْ قَدْ يَحْصُلُ المَصْدَرُ صِفَةً بِمَعْنى الفاعِلِ، كَعَدْلٍ وصَوْمٍ وفِطْرٍ، وبِمَعْنى المَفْعُولِ كَـ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ، وهَذا خَلْقُ اللَّهِ. فالتَّأْوِيلُ هو ما أُوِّلَ إلَيْهِ الكَلامُ أوْ يُؤَوَّلُ إلَيْهِ، أوْ تَأوَّلَ هو إلَيْهِ. والكَلامُ إنَّما يَرْجِعُ ويَعُودُ ويَسْتَقِرُّ ويَؤُولُ ويُؤَوَّلُ إلى حَقِيقَتِهِ الَّتِي هي عَيْنُ المَقْصُودِ بِهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] قالَ: حَقِيقَةٌ. فَإنْ كانَ خَبَرًا فَإلى الحَقِيقَةِ المُخْبَرِ بِها يَؤُولُ ويَرْجِعُ، وإلّا لَمْ تَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ ولا مَآلٌ ولا مَرْجِعٌ، بَلْ كانَ كَذِبًا، وإنْ كانَ طَلبًا فَإلى الحَقِيقَةِ المَطْلُوبَةِ يَؤُولُ ويَرْجِعُ، وإلّا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ مَوْجُودًا ولا حاصِلًا، ومَتى كانَ الخَبَرُ وعْدًا أوْ وعِيدًا (p-٧٦٨)فَإلى الحَقِيقَةِ المَطْلُوبَةِ المُنْتَظَرَةِ يَؤُولُ. كَما رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] قالَ: إنَّها كائِنَةٌ ولَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ».
فَصْلٌ
وأمّا إدْخالُ أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ أوْ بَعْضِ ذَلِكَ في المُتَشابِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ، أوْ اعْتِقادُ أنَّ ذَلِكَ هو المُتَشابِهُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ كَما يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ طَوائِفُ مِن أصْحابِنا وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهم وإنْ أصابُوا في كَثِيرٍ مِمّا يَقُولُونَهُ ونَجَوْا مِن بِدَعٍ وقَعَ فِيها غَيْرُهم، فالكَلامُ عَلى هَذا مِن وجْهَيْنِ:
اَلْأوَّلُ: مَن قالَ إنَّ هَذا مِنَ المُتَشابِهِ وإنَّهُ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ، ما الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ ؟ فَإنِّي ما أعْلَمُ عَنْ أحَدٍ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ، ولا مِنَ الأئِمَّةِ، لا أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ولا غَيْرِهِ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ الدّاخِلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَفى أنْ يَعْلَمَ أحَدٌ مَعْناهُ، وجَعَلُوا أسْماءَ اللَّهِ وصِفاتِهِ بِمَنزِلَةِ الكَلامِ الأعْجَمِيِّ الَّذِي لا يُفْهَمُ. ولا قالُوا إنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ كَلامًا لا يَفْهَمُ أحَدٌ مَعْناهُ. وإنَّما قالُوا: كَلِماتٌ لَها مَعانٍ صَحِيحَةٌ. قالُوا في أحادِيثِ الصِّفاتِ: تُمَرُّ كَما جاءَتْ، ونَهَوْا عَنْ تَأْوِيلاتِ الجَهْمِيَّةِ ورَدُّوها وأبْطَلُوها. الَّتِي مَضْمُونُها تَعْطِيلُ النُّصُوصِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ. ونُصُوصُ أحْمَدَ والأئِمَّةِ قَبْلَهُ بَيِّنَةٌ في أنَّهم كانُوا يُبْطِلُونَ تَأْوِيلاتِ الجَهْمِيَّةِ، ويُقِرُّونَ النُّصُوصَ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن مَعْناها، ويَفْهَمُونَ مِنها بَعْضَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ، كَما يَفْهَمُونَ ذَلِكَ في سائِرِ نُصُوصِ الوَعْدِ والوَعِيدِ والفَضائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وأحْمَدُ قَدْ قالَ في غَيْرِ أحادِيثِ الصِّفاتِ: تُمَرُّ كَما جاءَتْ في (p-٧٦٩)أحادِيثِ الوَعْدِ. مِثْلَ: ««مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا»» . وأحادِيثِ الفَضائِلِ. ومَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أنَّ الحَدِيثَ لا يُحَرَّفُ كُلُّهُ عَنْ مَواضِعِهِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُحَرِّفُهُ ويُسَمِّي تَحْرِيفَهُ تَأْوِيلًا، بِالعُرْفِ المُتَأخِّرِ.
فَتَأْوِيلُ هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ عِنْدَ الأئِمَّةِ تَحْرِيفٌ باطِلٌ. وكَذَلِكَ نَصَّ أحْمَدُ في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الزَّنادِقَةِ الجَهْمِيَّةِ أنَّهم تَمَسَّكُوا بِمُتَشابِهِ القُرْآنِ. وتَكَلَّمَ أحْمَدُ عَلى ذَلِكَ المُتَشابِهِ، وبَيَّنَ مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ بِما يُخالِفُ تَأْوِيلَ الجَهْمِيَّةِ. وجَرى في ذَلِكَ عَلى سُنَنِ الأئِمَّةِ قَبْلَهُ، فَهَذا اتِّفاقٌ مِنَ الأئِمَّةِ عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ مَعْنى هَذا المُتَشابِهِ وأنَّهُ لا يُسْكَتُ عَنْ بَيانِهِ وتَفْسِيرِهِ. بَلْ يُبَيَّنُ ويُفَسَّرُ. فاتِّفاقُ الأئِمَّةِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ لَهُ عَلى مَواضِعِهِ أوْ إلْحادٍ في أسْماءِ اللَّهِ وآياتِهِ.
ومِمّا يُوَضِّحُ لَكَ ما وقَعَ هُنا مِنَ الِاضْطِرابِ، أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلى إبْطالِ تَأْوِيلاتِ الجَهْمِيَّةِ ونَحْوِهِمْ مِنَ المُنْحَرِفِينَ المُلْحِدِينَ، والتَّأْوِيلُ المَرْدُودُ هو صَرْفُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ إلى ما يُخالِفُ ظاهِرَهُ. فَلَوْ قِيلَ: إنَّ هَذا هو التَّأْوِيلُ المَذْكُورُ في الآيَةِ، وأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، لَكانَ في هَذا تَسْلِيمٌ لِلْجَهْمِيَّةِ أنْ لِلْآيَةِ تَأْوِيلًا يُخالِفُ دِلالَتَها، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. ولَيْسَ هَذا مَذْهَبَ السَّلَفِ والأئِمَّةِ، وإنَّما مَذْهَبُهم نَفْيُ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ ورَدُّها، لا التَّوَقُّفُ عَنْها. وعِنْدَهم قِراءَةُ الآيَةِ والحَدِيثِ - تَفْسِيرُها، وتُمَرُّ كَما جاءَتْ دالَّةً عَلى المَعانِي. لا تُحَرَّفُ ولا يُلْحَدُ فِيها.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ بِمُتَشابِهٍ لا يُعْلَمُ مَعْناهُ، أنْ تَقُولَ: لا رَيْبَ أنَّ اللَّهَ سَمّى نَفْسَهُ في القُرْآنِ بِأسْماءٍ مِثْلَ الرَّحْمَنِ والوَدُودِ والعَزِيزِ والجَبّارِ والقَدِيرِ والرَّؤُوفِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتٍ، مِثْلَ سُورَةِ الإخْلاصِ وآيَةِ الكُرْسِيِّ وأوَّلِ الحَدِيدِ وآخِرِ الحَشْرِ، وقَوْلِهِ: (إنَّ اللَّهَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، و: (عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، و: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] و: (المُقْسِطِينَ)، و: (المُحْسِنِينَ)، وأنَّهُ يَرْضى عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، (p-٧٧٠)و: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] (p-٧٧١)﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] إلى أمْثالِ ذَلِكَ. فَيُقالُ لِمَن ادَّعى في هَذا أنَّهُ مُتَشابِهٌ لا يُعْلَمُ مَعْناهُ: أتَقُولُ هَذا في جَمِيعِ ما سَمّى اللَّهُ ووَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أمْ في البَعْضِ ؟ فَإنْ قُلْتَ: هَذا في الجَمِيعِ كانَ هَذا عِنادًا ظاهِرًا، وجَحْدًا لِما يُعْلَمُ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، بَلْ كُفْرٌ صَرِيحٌ. فَإنّا نَفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّ اللَّهَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . مَعْنًى. ونَفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: (p-٧٧٢)(إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ) مَعْنًى لَيْسَ هو الأوَّلَ. ونَفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] مَعْنًى، ونَفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] مَعْنًى. وصِبْيانُ المُسْلِمِينَ، بَلْ وكُلُّ عاقِلٍ يَفْهَمُ هَذا.
وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ مَن ابْتَدَعَ وجَحَدَ مِن أهْلِ المَغْرِبِ مَعَ انْتِسابِهِ إلى الحَدِيثِ، لَكِنْ أثَّرَتْ فِيهِ الفَلْسَفَةُ الفاسِدَةُ، مَن يَقُولُ: إنّا نُسَمِّي اللَّهَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ العَلِيمَ القَدِيرَ عِلْمًا مَحْضًا مِن غَيْرِ أنْ نَفْهَمَ مِنهُ مَعْنًى يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ قَطُّ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يُطْلَقُ هَذا اللَّفْظُ مِن غَيْرِ أنْ نَقُولَ لَهُ عِلْمٌ، وهَذا الغُلُوُّ في الظّاهِرِ، مِن جِنْسِ غُلُوِّ القَرامِطَةِ في الباطِنِ. لَكِنَّ هَذا أيْبَسُ وذاكَ أكْفَرُ.
ثُمَّ يُقالُ لِهَذا المُعانِدِ: فَهَلْ هَذِهِ الأسْماءُ دالَّةٌ عَلى الإلَهِ المَعْبُودِ، أوْ عَلى حَقٍّ مَوْجُودٍ. أمْ لا ؟ فَإنْ قالَ: لا، كانَ مُعَطِّلًا مَحْضًا. وما أعْلَمُ مُسْلِمًا يَقُولُ هَذا. وإنْ قالَ: نَعَمْ قِيلَ لَهُ: فَهَلْ فَهِمْتَ مِنها دِلالَتَها عَلى نَفْسِ الرَّبِّ، ولَمْ تَفْهَمْ دِلالَتَها عَلى ما فِيها مِنَ المَعانِي مِنَ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ، وكِلاهُما في الدِّلالَةِ سَواءٌ ؟ فَلا بُدَّ أنْ يَقُولَ: لِأنَّ ثُبُوتَ الصِّفاتِ مُحالٌ في العَقْلِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ التَّرْكِيبُ أوْ الحُدُوثُ، بِخِلافِ الذّاتِ.
فَيُخاطَبُ حِينَئِذٍ بِما يُخاطَبُ بِهِ الفَرِيقُ الثّانِي كَما سَنَذْكُرُهُ. وهو مَن أقَرَّ بِفَهْمِ بَعْضِ مَعْنى هَذِهِ الأسْماءِ والصِّفاتِ دُونَ بَعْضٍ. فَيُقالُ لَهُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ ما أثْبَتَّهُ وبَيْنَ ما نَفَيْتَهُ أوْ سَكَتَّ عَنْ إثْباتِهِ ونَفْيِهِ ؟ فَإنَّ الفَرْقَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ السَّمْعِ، لِأنَّ أحَدَ النَّصَّيْنِ دالٌّ دِلالَةٍ قَطْعِيَّةً أوْ ظاهِرَةً، بِخِلافِ الآخَرِ. أوْ مِن جِهَةِ العَقْلِ بِأنَّ أحَدَ المَعْنَيَيْنِ يَجُوزُ أوْ يَجِبُ إثْباتُهُ دُونَ الآخَرِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ (p-٧٧٣)باطِلٌ في أكْثَرِ المَواضِعِ، أمّا الأوَّلُ فَدِلالَةُ القُرْآنِ عَلى أنَّهُ رَحْمانٌ رَحِيمٌ ودُودٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَلِيٌّ عَظِيمٌ، كَدِلالَتِهِ عَلى أنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، لَيْسَ بَيْنَهُما فَرْقٌ مِن جِهَةِ النَّصِّ. وكَذَلِكَ ذِكْرُهُ لِرَحْمَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وعُلُوِّهِ مِثْلُ ذِكْرِهِ لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ.
وأمّا الثّانِي فَيُقالُ لِمَن أثْبَتَ شَيْئًا ونَفى آخَرَ: لِمَ نَفَيْتَ، مَثَلًا، حَقِيقَةَ رَحْمَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وأعَدْتَ ذَلِكَ إلى إرادَتِهِ ؟
فَإنْ قالَ: لِأنَّ المَعْنى المَفْهُومَ مِنَ الرَّحْمَةِ في حَقِّنا هي رِقَّةٌ تَمْتَنِعُ عَلى اللَّهِ، قِيلَ لَهُ: والمَعْنى المَفْهُومُ مِنَ الإرادَةِ في حَقِّنا هي مَيْلٌ يَمْتَنِعُ عَلى اللَّهِ. فَإنْ قالَ: إرادَتُهُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ إرادَةِ خَلْقِهِ. قِيلَ لَهُ: ورَحْمَتُهُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ رَحْمَةِ خَلْقِهِ. وكَذَلِكَ مَحَبَّتُهُ. وإنْ قالَ (وهو حَقِيقَةُ قَوْلِهِ): لَمْ أُثْبِتْ الإرادَةَ وغَيْرَها بِالسَّمْعِ، وإنَّما أثْبَتُّ العِلْمَ والقُدْرَةَ والإرادَةَ بِالعَقْلِ. وكَذَلِكَ السَّمْعَ والبَصَرَ والكَلامَ عَلى إحْدى الطَّرِيقَتَيْنِ، لِأنَّ الفِعْلَ دَلَّ عَلى القُدْرَةِ، والإحْكامَ دَلَّ عَلى العِلْمِ، والتَّخْصِيصَ دَلَّ عَلى الإرادَةِ. قِيلَ لَهُ: الجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الإنْعامَ والإحْسانَ وكَشْفَ الضُّرِّ دَلَّ أيْضًا عَلى الرَّحْمَةِ كَدِلالَةِ التَّخْصِيصِ عَلى الإرادَةِ والتَّقْرِيبِ والإدْناءِ. وأنْواعُ التَّخْصِيصِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا مِنَ المُحِبِّ تَدُلُّ عَلى المَحَبَّةِ، أوْ مُطْلَقُ التَّخْصِيصِ يَدُلُّ عَلى الإرادَةِ. وأمّا التَّخْصِيصُ بِالإنْعامِ فَتَخْصِيصُ خاصٌّ، والتَّخْصِيصُ بِالتَّقْرِيبِ والِاصْطِفاءِ تَقْرِيبٌ خاصٌّ، وما سَلَكَهُ في مَسْلَكِ الإرادَةِ يُسْلَكُ في مِثْلِ هَذا.
اَلثّانِي: يُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّ العَقْلَ لا يَدُلُّ عَلى هَذا، فَإنَّهُ لا يَنْفِيهِ إلّا بِمِثْلِ ما يَنْفِي بِهِ الإرادَةَ، والسَّمْعُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، بَلْ الطُّمَأْنِينَةُ إلَيْهِ في هَذِهِ المَضايِقِ أعْظَمُ ودِلالَتُهُ أتَمُّ، فَلِأيِّ شَيْءٍ نَفَيْتَ مَدْلُولَهُ أوْ تَوَقَّفْتَ وأعَدْتَ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها إلى الإرادَةِ ؟ مَعَ أنَّ النُّصُوصَ تُفَرِّقُ. فَلا يَذْكُرُ حُجَّةً إلّا عُورِضَ بِمِثْلِها في إثْباتِهِ الإرادَةَ زِيادَةً عَلى الفِعْلِ.
اَلثّالِثُ: يُقالُ لَهُ: إذا قالَ لَكَ الجَهْمِيُّ: الإرادَةُ لا مَعْنى لَها إلّا عَدَمُ الإكْراهِ، أوْ نَفْسُ الفِعْلِ والأمْرُ بِهِ، وزَعَمَ أنَّ إثْباتَ إرادَةٍ تَقْتَضِي مَحْذُورًا إنْ قالَ بِقِدَمِها، ومَحْذُورًا إنَّ قالَ بِحُدُوثِها.
(p-٧٧٤)وهُنا اضْطَرَبَتْ المُعْتَزِلَةُ. فَإنَّهم لا يَقُولُونَ بِإرادَةٍ قَدِيمَةٍ لِامْتِناعِ صِفَةِ قَدِيمَةٍ عِنْدَهم. ولا يَقُولُونَ بِتَجَدُّدِ صِفَةٍ لَهُ، لِامْتِناعِ حُلُولِ الحَوادِثِ عَنْ أكْثَرِهِمْ مَعَ تُناقُضِهِمْ.
فَصارُوا حِزْبَيْنِ:
اَلْبَغْدادِيُّونَ: وهم أشَدُّ غُلُوًّا في البِدْعَةِ في الصِّفاتِ وفي القَدَرِ، نَفَوْا حَقِيقَةَ الإرادَةِ. وقالَ الحافِظُ: لا مَعْنى لَها إلّا عَدَمُ الإكْراهِ. وقالَ الكَعْبِيُّ: لا مَعْنى لَها إلّا نَفْسُ الفِعْلِ، إذا تَعَلَّقَتْ بِفِعْلِهِ، ونَفْسُ الأمْرِ إذا تَعَلَّقَتْ بِطاعَةِ عِبادِهِ.
والبَصْرِيُّونَ: كَأبِي عَلِيٍّ وأبِي هاشِمٍ. قالُوا: تَحْدُثُ إرادَةٌ لا في مَحَلٍّ، فَلا إرادَةَ. فالتَزَمُوا حُدُوثَ حادِثٍ غَيْرِ مُرادٍ وقِيامَ صِفَةٍ بِغَيْرِ مَحَلٍّ، وكِلاهُما عِنْدَ العَقْلِ مَعْلُومُ الفَسادِ بِالبَدِيهَةِ. كانَ جَوابُهُ: أنَّ ما ادَّعى إحالَتَهُ مِن ثُبُوتِ الصِّفاتِ لَيْسَ بِمُحالٍ، والنَّصُّ قَدْ دَلَّ عَلَيْها، والفِعْلُ أيْضًا. فَإذا أخَذَ الخَصْمَ يُنازِعُ في دِلالَةِ النَّصِّ أوْ العَقْلِ، جُعِلَ مُسَفْسِطًا أوْ مُقَرْمِطًا، وهَذا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ في الرَّحْمَةِ والمَحَبَّةِ، فَإنَّ خُصُومَهُ يُنازِعُونَهُ في دِلالَةِ السَّمْعِ والعَقْلِ عَلَيْها عَلى الوَجْهِ القَطْعِيِّ.
ثُمَّ يُقالُ لِخُصُومِهِ: بِمَ أثْبَتُّمْ أنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ؟ فَما أثْبَتُوهُ بِهِ مِن سَمْعٍ وعَقْلٍ فَبِعَيْنِهِ تَثْبُتُ الإرادَةُ، وما عارَضُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ عُورِضُوا بِمِثْلِهِ في العَلِيمِ والقَدِيرِ، وإذا انْتَهى الأمْرُ إلى ثُبُوتِ المَعانِي، وأنَّها تَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ أوْ التَّرْكِيبَ والِافْتِقارَ، كانَ الجَوابُ ما قَرَّرْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثًا ولا تَرْكِيبًا مُقْتَضِيًا حاجَةً إلى غَيْرِهِ.
ويُعارِضُونَ أيْضًا بِما يَنْفِي بِهِ أهْلُ التَّعْطِيلِ الذّاتَ مِنَ الشُّبَهِ الفاسِدَةِ، ويُلْزِمُونَ بِوُجُودِ الرَّبِّ الخالِقِ المَعْلُومِ بِالفِطْرَةِ الخِلْقِيَّةِ، والضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ، والقَواطِعِ العَقْلِيَّةِ، واتِّفاقِ الأُمَمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ. ثُمَّ يُطالِبُونَ بِوُجُودٍ مِن جِنْسِ ما نَعْهَدُهُ، أوْ بِوُجُودٍ يَعْلَمُونَ كَيْفِيَّتَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يَفِرُّوا إلى إثْباتِ ما تُشْبِهُ حَقِيقَتُهُ الحَقائِقَ. فالقَوْلُ في سائِرِ ما سَمّى ووَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ كالقَوْلِ في نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
(p-٧٧٥)ونُكْتَةُ هَذا الكَلامِ أنَّ غالِبَ مَن نَفى وأثْبَتَ شَيْئًا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، لا بُدَّ أنْ يُثْبِتَ الشَّيْءَ لِقِيامِ المُقْتَضى، وانْتِفاءِ المانِعِ. ويَنْفِي الشَّيْءَ لِوُجُودِ المانِعِ أوْ لِعَدَمِ المُقْتَضى، أوْ يَتَوَقَّفُ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مُقْتَضٍ ولا مانِعٌ، فَيُبَيَّنُ لَهُ أنَّ المُقْتَضى فِيما نَفاهُ قائِمٌ، كَما أنَّهُ فِيما أثْبَتَهُ قائِمٌ. إمّا مِن كُلِّ وجْهٍ، أوْ مِن وجْهٍ يَجِبُ بِهِ الإثْباتُ. فَإنْ كانَ المُقْتَضى هُناكَ حَقًّا، فَكَذَلِكَ هُنا. وإلّا فَدَرْءُ ذاكَ المُقْتَضى مِن جِنْسِ دَرْءِ هَذا. وأمّا المانِعُ فَيُبَيَّنُ أنَّ المانِعَ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فِيما نَفاهُ مِن جِنْسِ المانِعِ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فِيما أثْبَتَهُ، فَإذا كانَ ذَلِكَ المانِعُ المُسْتَحِيلُ مَوْجُودًا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَنْجُ مِن مَحْذُورِهِ بِإثْباتِ أحَدِهِما ونَفْيِ الآخَرِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ حَقًّا نَفاهُما، وإنْ كانَ باطِلًا لَمْ يَنْفِ واحِدًا مِنهُما، فَعَلَيْهِ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الإثْباتِ والنَّفْيِ، ولا سَبِيلَ إلى النَّفْيِ، فَتَعَيَّنَ الإثْباتَ. فَهَذِهِ نُكْتَةُ الإلْزامِ لِمَن أثْبَتَ شَيْئًا. وما مِن أحَدٍ إلّا ولا بُدَّ أنْ يُثْبِتَ شَيْئًا أوْ يَجِبُ عَلَيْهِ إثْباتُهُ، فَهَذا يُعْطِيكَ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ أنَّ اللَّوازِمَ الَّتِي يَدَّعِي أنَّها مُوجِبَةُ النَّفْيِ خَيالاتٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وإنْ لَمْ يُعْرَفْ فَسادُها عَلى التَّفْضِيلِ، وأمّا مِن حَيْثُ التَّفْصِيلِ، فَيُبَيَّنُ فَسادُ المانِعِ وقِيامُ المُقْتَضى كَما قَرَّرَ هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.
فَإنْ قالَ: مَن أثْبَتَ هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي هي فِينا أعْراضٌ كالحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، ولَمْ يُثْبِتْ ما هو فِيها أبْعاضٌ كاليَدِ والقَدَمِ: هَذِهِ أجْزاءٌ وأبْعاضٌ تَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ والتَّجْسِيمَ. قِيلَ لَهُ: وتِلْكَ أعْراضٌ تَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ والتَّرْكِيبَ العَقْلِيَّ كَما اسْتَلْزَمَتْ هَذِهِ عِنْدَكَ التَّرْكِيبَ الحِسِّيَّ. فَإنْ أثْبَتَّ تِلْكَ عَلى وجْهٍ لا تَكُونُ أعْراضًا أوْ تَسْمِيَتُها أعْراضًا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَها، قِيلَ لَهُ: وأثْبَتَّ هَذِهِ عَلى وجْهٍ لا تَكُونُ تَرْكِيبًا وأبْعاضًا أوْ تَسْمِيَتُها تَرْكِيبًا وأبْعاضًا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَها.
فَإنْ قالَ: هَذِهِ لا يُعْقَلُ مِنها إلّا الأجْزاءَ، قِيلَ لَهُ: وتِلْكَ لا يُعْقَلُ مِنها إلّا الأعْراضُ.
فَإنْ قالَ: العَرَضُ ما لا يَبْقى وصِفاتُ الرَّبِّ باقِيَةٌ. قِيلَ: والبَعْضُ ما جازَ انْفِصالُهُ عَنْ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ مُحالٌ، فَمُفارَقَةُ الصِّفاتِ القَدِيمَةِ مُسْتَحِيلَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا، والمَخْلُوقُ يَجُوزُ أنْ تُفارِقَهُ أعْراضُهُ وأبْعاضُهُ.
(p-٧٧٦)فَإنْ قالَ: ذَلِكَ تَجْسِيمٌ والتَّجْسِيمُ مُنْتَفٍ، قِيلَ: وهَذا تَجْسِيمٌ والتَّجْسِيمُ مُنْتَفٍ.
فَإنْ قالَ: أنا أعْقِلُ صِفَةً لَيْسَتْ عَرَضًا بِغَيْرٍ مُتَحَيِّزٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ في الشّاهِدِ نَظِيرٌ. قِيلَ لَهُ: فاعْقِلْ صِفَةً هي لَنا بَعْضٌ لِغَيْرِ مُتَحَيِّزٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ في الشّاهِدِ نَظِيرٌ.
فَإنْ نَفى عَقْلَ هَذا نَفى عَقْلَ ذاكَ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما نَوْعُ فَرْقٍ، لَكِنَّهُ فَرْقٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ في مَوْضِعِ النِّزاعِ. ولِهَذا كانَتْ المُعَطِّلَةُ الجَهْمِيَّةُ تَنْفِي الجَمِيعَ لَكِنَّ ذاكَ أيْضًا مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الذّاتِ، ومَن أثْبَتَ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَبَرِيَّةِ مِن نَظِيرِ هَؤُلاءِ، صَرَّحَ بِأنَّها صِفَةٌ قائِمَةٌ بِهِ كالعِلْمِ والقُدْرَةِ، وهَذا أيْضًا لَيْسَ هو مَعْقُولَ النَّصِّ، ولا مَدْلُولَ العَقْلِ، وإنَّما الضَّرُورَةُ ألْجَأتْهم إلى هَذِهِ المَضايِقِ.
وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهم أتَوْا بِألْفاظٍ لَيْسَتْ في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ، وهي ألْفاظٌ مُجْمَلَةٌ. مِثْلَ مُتَحَيِّزٍ ومُحَدَّدٍ وجِسْمٍ ومُرَكَّبٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ونَفَوْا مَدْلُولَها، وجَعَلُوا ذَلِكَ مُقَدِّمَةً بَيْنَهم مُسَلَّمَةً، ومَدْلُولًا عَلَيْها بِنَوْعِ قِياسٍ، وذَلِكَ القِياسُ أوْقَعَهم فِيهِ مَسْلَكٌ سَلَكُوهُ في إثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ بِحُدُوثِ الأعْراضِ، أوْ إثْباتِ إمْكانِ الجِسْمِ بِالتَّرْكِيبِ مِنَ الأجْزاءِ، فَوَجَبَ طَرْدُ الدَّلِيلِ بِالحُدُوثِ والإمْكانِ لِكُلِّ ما شَمِلَهُ هَذا الدَّلِيلُ، إذْ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ لا يَقْبَلُ التَّرْكَ لِمُعارِضٍ راجِحٍ، فَرَأوْا ذَلِكَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ النُّصُوصِ ومِن جِهَةِ العَقْلِ مِن ناحِيَةٍ أُخْرى فَصارُوا أحْزابًا، تارَةً يُغَلِّبُونَ القِياسَ الأوَّلَ ويَدْفَعُونَ ما عارَضَهُ وهم المُعْتَزِلَةُ، وتارَةً يُغَلِّبُونَ القِياسَ الثّانِيَ ويَدْفَعُونَ الأوَّلَ كَهِشامِ بْنِ الحَكَمِ الرّافِضِيِّ، فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ: أوَّلُ ما تُكُلِّمَ في الجِسْمِ نَفْيًا وإثْباتًا مِن زَمَنِ هِشامِ بْنِ الحَكَمِ وأبِي الهُذَيْلِ العَلّافِ. فَإنَّ أبا الهُذَيْلِ ونَحْوَهُ مِن قُدَماءَ المُعْتَزِلَةِ نَفَوْا الجِسْمَ لِما سَلَكُوا مِنَ القِياسِ. وعارَضَهم هِشامُ وأثْبَتَ الجِسْمَ لِما سَلَكُوهُ مِنَ القِياسِ، واعْتَقَدَ الأوَّلُونَ إحالَةَ ثُبُوتِهِ، واعْتَقَدَ هَذا إحالَةَ نَفْيِهِ، وتارَةً يَجْمَعُونَ بَيْنَ النُّصُوصِ والقِياسِ بِجَمْعٍ يَظْهَرُ فِيهِ الإحالَةُ والتَّناقُضُ.
فَما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ الخارِجِينَ عَنْ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن جَمِيعِ فُرْسانِ الكَلامِ والفَلْسَفَةِ إلّا ولا بُدَّ أنْ يَتَناقَضَ فَيُحِيلُ ما أوْجَبَ نَظِيرَهُ، ويُوجِبُ ما أحالَ نَظِيرَهُ، إذْ كَلامُهم مِن (p-٧٧٧)عِنْدٍ غَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
والصَّوابُ ما عَلَيْهِ أئِمَّةُ الهُدى، وهو أنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، لا يُتَجاوَزُ القُرْآنُ والحَدِيثُ، ويُتَّبِعُ في ذَلِكَ سُبُلُ السَّلَفِ الماضِينَ، أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ. والمَعانِي المَفْهُومَةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ لا تُرَدُّ بِالشُّبَهاتِ فَتَكُونُ مِن بابِ تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ. ولا يُعْرَضُ عَنْها، فَيَكُونُ مِن بابِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا. ولا يُتْرَكُ تَدَبُّرُ القُرْآنِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ. فَهَذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ. وهو مَنعُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُتَشابِهِ.
* *
اَلْوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إذا قِيلَ هَذِهِ مِنَ المُتَشابِهِ، أوْ كانَ فِيها ما هو مِنَ المُتَشابِهِ، كَما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ أنَّهُ سَمّى بَعْضَ ما اسْتَدَلَّ بِهِ الجَهْمِيَّةُ مُتَشابِهًا،، فَيُقالُ: الَّذِي في القُرْآنِ أنَّهُ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ، إمّا المُتَشابِهُ، وإمّا الكِتابُ كُلُّهُ كَما تَقَدَّمَ. ونَفْيُ عِلْمِ تَأْوِيلِهِ لَيْسَ نَفْيَ عِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْناهُ في القِيامَةِ وأُمُورِ القِيامَةِ. وهَذا الوَجْهُ قَوِيٌّ إنَّ ثَبَتَ حَدِيثُ ابْنِ إسْحاقَ في وفْدِ نَجْرانَ، أنَّهم احْتَجُّوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: (إنّا ونَحْنُ) ونَحْوِ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ في القُرْآنِ مُتَشابِهًا، وهو ما يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وفي سائِرِ الصِّفاتِ ما هو مِن هَذا البابِ، كَما أنَّ ذَلِكَ في مَسائِلِ المَعادِ وأوْلى، فَإنَّ نَفْيَ المُتَشابِهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ أعْظَمُ مِن نَفْيِ المُتَشابِهِ بَيْنَ مَوْعُودِ الجَنَّةِ ومَوْجُودِ الدُّنْيا، وإنَّما نُكْتَةُ الجَوابِ هو ما قَدَّمْناهُ أوَّلًا أنَّ نَفْيَ عِلْمِ التَّأْوِيلِ لَيْسَ نَفْيًا لِعِلْمِ المَعْنى، ونَزِيدُهُ تَقْرِيرًا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] وقالَ (p-٧٧٨)تَعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [يوسف: ١] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] فَأخْبَرَ أنَّهُ أنْزَلَهُ لِيَعْقِلُوهُ، وأنَّهُ طَلَبَ تَذَكُّرَهم. وقالَ أيْضًا: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] فَحَضَّ عَلى تَدَبُّرِهِ وفِقْهِهِ وعَقْلِهِ والتَّذَكُّرِ بِهِ والتَّفْكِيرِ فِيهِ، ولَمْ يَسْتَثْنِ مِن ذَلِكَ شَيْئًا. بَلْ نُصُوصٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُصَرِّحُ بِالعُمُومِ فِيهِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الِاخْتِلافِ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا بِتَدَبُّرِهِ كُلِّهِ، وإلّا فَتَدَبُّرُ بَعْضِهِ لا يُوجِبُ الحُكْمَ بِنَفْيِ مُخالَفَةِ ما لَمْ يُتَدَبَّرْ لِما تُدُبِّرَ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قِيلَ لَهُ: هَلْ تَرَكَ عِنْدَكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا ؟ فَقالَ: لا واَلَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. فَأخْبَرَ أنَّ الفَهْمَ فِيهِ مُخْتَلِفٌ في الأُمَّةِ، والفَهْمُ أخَصُّ مِنَ العِلْمِ والحُكْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ (p-٧٧٩)وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««رَبَّ مَبْلَغٍ أوَعّى مِن سامِعٍ»»، وقالَ: ««بَلَّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً»» . وأيْضًا فالسَّلَفُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وسائِرِ الأُمَّةِ قَدْ تَكَلَّمُوا في جَمِيعِ نُصُوصِ القُرْآنِ، آياتِ الصِّفاتِ وغَيْرِها، وفَسَّرُوها بِما يُوافِقُ دِلالَتَها، ورَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أحادِيثَ كَثِيرَةً تُوافِقُ القُرْآنَ. وأئِمَّةُ الصَّحابَةِ في هَذا أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ. مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي كانَ يَقُولُ: لَوْ أعْلَمُ أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ آباطُ الإبِلِ لَأتَيْتُهُ. (p-٧٨٠)وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ الَّذِي دَعا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وهو حَبْرُ الأُمَّةِ وتُرْجُمانِ القُرْآنِ، كانا هُما وأصْحابُهُما مِن أعْظَمِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينِ إثْباتًا لِلصِّفاتِ ورِوايَةً لَها عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . ومَن لَهُ خِبْرَةٌ بِالحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ يَعْرِفُ هَذا، وما في التّابِعِينِ أجَلُّ مِن أصْحابِ هَذَيْنِ السَّيِّدَيْنِ، بَلْ وثالِثُهُما في عِلْيَةِ التّابِعِينَ مِن جِنْسِهِمْ أوْ قَرِيبٍ مِنهم جَلالَةً، أصْحابُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، لَكِنَّ أصْحابَهُ مَعَ جَلالَتِهِمْ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِهِ، بَلْ أخَذُوا عَنْ غَيْرِهِ مِثْلَ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. ولَوْ كانَ مَعانِي هَذِهِ الآياتِ مَنفِيًّا أوْ مَسْكُوتًا عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ رَبّانِيُّو الصَّحابَةِ أهْلُ العِلْمِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ أكْثَرَ كَلامًا فِيهِ، ثُمَّ إنَّ الصَّحابَةَ نَقَلُوا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم كانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنهُ التَّفْسِيرَ مَعَ التِّلاوَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنهم عَنْهُ قَطُّ أنَّهُ امْتَنَعَ مِن تَفْسِيرِ آيَةٍ.
قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: حَدَّثَنا الَّذِينَ كانُوا يُقْرِئُونَنا: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُما أنَّهم كانُوا إذا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ آياتٍ لَمْ يُجاوِزُوها حَتّى يَتَعَلَّمُوا ما فِيهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، قالُوا: فَتَعَلَّمْنا القُرْآنَ والعِلْمَ والعَمَلَ. وكَذَلِكَ الأئِمَّةُ كانُوا إذا سُئِلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَمْ يَنْفُوا مَعْناهُ، بَلْ يُثْبِتُونَ المَعْنى ويَنْفُونَ الكَيْفِيَّةَ. كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوى ؟ فَقالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. وكَذَلِكَ رَبِيعَةُ قَبْلَهُ. وقَدْ تَلَقّى النّاسُ هَذا الكَلامَ بِالقَبُولِ.
فَلَيْسَ في أهْلِ السُّنَّةِ مَن يُنْكِرُهُ. وقَدْ بَيَّنَ أنَّ الِاسْتِواءَ مَعْلُومٌ، كَما أنَّ سائِرَ ما أخْبَرَ بِهِ مَعْلُومٌ، ولَكِنَّ الكَيْفِيَّةَ لا تُعْلَمُ، ولا يَجُوزُ السُّؤالُ عَنْها، لا يُقالُ: كَيْفَ اسْتَوى ؟ ولَمْ يَقُلْ مالِكٌ: الكَيْفُ مَعْدُومٌ، وإنَّما قالَ: الكَيْفُ مَجْهُولٌ. وهَذا فِيهِ نِزاعٌ بَيْنَ أصْحابِنا وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، غَيْرَ أنَّ أكْثَرَهم يَقُولُونَ: لا تَخْطُرُ كَيْفِيَّتُهُ بِبالٍ، ولا تَجْرِي ماهِيَّتُهُ في مَقالٍ. ومِنهم مَن يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ ولا ماهِيَّةٌ. فَإنْ قِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ أنَّ وُرُودَ هَذا اللَّفْظِ في القُرْآنِ مَعْلُومٌ كَما قالَهُ بَعْضُ أصْحابِنا الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعْرِفَةَ مَعانِيها مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، قِيلَ: هَذا ضَعِيفٌ، فَإنَّ هَذا (p-٧٨١)مِن بابِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَإنَّ السّائِلَ قَدْ عَلِمَ أنَّ هَذا مَوْجُودٌ في القُرْآنِ، وقَدْ تَلا الآيَةَ، وأيْضًا فَلَمْ يَقُلْ ذُكِرَ الِاسْتِواءُ في القُرْآنِ، ولا إخْبارُ اللَّهِ بِالِاسْتِواءِ، وإنَّما قالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، فَأخْبَرَ عَنْ الِاسْمِ المُفْرَدِ أنَّهُ مَعْلُومٌ، لَمْ يُخْبِرْ عَنْ الجُمْلَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: والكَيْفُ مَجْهُولٌ، ولَوْ أرادَ ذَلِكَ لَقالَ: مَعْنى الِاسْتِواءِ مَجْهُولٌ، أوْ تَفْسِيرُ الِاسْتِواءِ مَجْهُولٌ، أوْ بَيانُ الِاسْتِواءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَمْ يَنْفِ إلّا العِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِواءِ، لا العِلْمَ بِنَفْسِ الِاسْتِواءِ، وهَذا شَأْنُ جَمِيعِ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ. لَوْ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] كَيْفَ يَسْمَعُ وكَيْفَ يَرى ؟ لَقُلْنا: السَّمْعُ والرُّؤْيَةُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ مَجْهُولٌ. ولَوْ قالَ: كَيْفَ كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا ؟ لَقُلْنا: التَّكْلِيمُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وأيْضًا فَإنَّ مَن قالَ هَذا مِن أصْحابِنا وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ السُّنَّةِ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ فَوْقَ العَرْشِ حَقِيقَةً، وأنَّ ذاتَهُ فَوْقَ ذاتِ العَرْشِ، لا يُنْكِرُونَ مَعْنى الِاسْتِواءِ، ولا يَرَوْنَ هَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يُعْلَمُ مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ. ثُمَّ السَّلَفُ مُتَّفِقُونَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ. قالَ بَعْضُهم: ارْتَفَعَ عَلى العَرْشِ: عَلا عَلى العَرْشِ. وقالَ بَعْضُهم عِباراتٍ أُخْرى. وهَذِهِ ثابِتَةٌ عَنْ السَّلَفِ. وقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ بَعْضَها في آخِرِهِ، في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ.
وأمّا التَّأْوِيلاتُ المُحَرَّفَةُ مِثْلَ اسْتَوْلى وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهي مِنَ التَّأْوِيلاتِ المُبْتَدَعَةِ لَمّا ظَهَرَتْ الجَهْمِيَّةُ. وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ أنَّ اتِّباعَ المُتَشابِهِ لَيْسَ في خُصُوصِ الصِّفاتِ، بَلْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ (p-٧٨٢)أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ: ««يا عائِشَةُ ! إذا رَأيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمّى اللَّهُ، فاحْذَرِيهِمْ»»، وهَذا عامٌّ. وقِصَّةُ صَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مِن أشْهَرِ القَضايا، فَإنَّهُ بَلَغَهُ أنَّهُ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ حَتّى رَآهُ عُمَرُ، فَسَألَ عُمَرَ عَنْ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] فَقالَ: ما اسْمُكَ ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ، فَقالَ: وأنا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ، وضَرَبَهُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا ألَحَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ في مَسْألَةٍ مِن هَذا الجِنْسِ يَقُولُ: ما أحْوَجَكَ أنْ يُصْنَعَ بِكَ كَما صَنَعَ عُمَرُ بِصَبِيغٍ. وهَذا لِأنَّهم رَأوْا أنَّ غَرَضَ السّائِلِ ابْتِغاءُ الفِتْنَةِ لا الِاسْتِرْشادُ والِاسْتِفْهامُ، كَما قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إذا رَأيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ...»» . وكَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ فَعاقِبُوهم عَلى هَذا القَصْدِ الفاسِدِ، كاَلَّذِي يُعارِضُ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وقالَ: لا تَضْرِبُوا كِتابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَإنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ في قُلُوبِهِمْ (p-٧٨٣)ومَعَ ابْتِغاءِ الفِتْنَةِ ابْتِغاءُ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَكانَ مَقْصُودُهم مَذْمُومًا، ومَطْلُوبُهم مُتَعَذِّرًا، مِثْلَ أُغْلُوطاتِ المَسائِلِ الَّتِي نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْها. ومِمّا يُبَيِّنُ الفَرْقَ بَيْنَ المَعْنى والتَّأْوِيلِ أنْ صَبِيغًا سَألَ عَنْ الذّارِياتِ ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ. وقَدْ تَكَلَّمَ الصَّحابَةُ في تَفْسِيرِها مِثْلَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَعَ ابْنِ الكَوّاءِ لَمّا سَألَهُ عَنْها، كَرِهَ سُؤالَهُ، لِما رَآهُ مِن قَصْدِهِ، لَكِنْ عَلِيٌّ كانَ رَعِيَّتُهُ مُلْتَوِيَةً عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مُطاعًا فِيهِمْ طاعَةَ عُمَرَ حَتّى يُؤَدِّبَهُ، والذّارِياتِ والحامِلاتِ والجارِياتِ والمُقَسِّماتِ فِيها اشْتِباهٌ، لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الرِّياحَ والسَّحابَ والنُّجُومَ والمَلائِكَةَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ في اللَّفْظِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ. والتَّأْوِيلُ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ هو أعْيانُ الرِّياح ومَقادِيرُها وصِفاتُها وأعْيانُ السَّحابِ وما تَحْمِلُهُ مِنَ الأمْطارِ ومَتى يَنْزِلُ المَطَرُ. وكَذَلِكَ في الجارِياتِ والمُقَسِّماتِ، فَهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: (إنّا ونَحْنُ) ونَحْوِهِما مِن أسْماءِ اللَّهِ الَّتِي فِيها مَعْنى الجَمْعِ كَما اتَّبَعَتْهُ النَّصارى، فَإنَّ مَعْناهُ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، لَكِنَّ اسْمَ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى تَعَدُّدِ المَعانِي بِمَنزِلَةِ الأسْماءِ المُتَعَدِّدَةِ، مِثْلَ العَلِيمِ والقَدِيرِ والسَّمِيعِ والبَصِيرِ، فَإنَّ المُسَمّى واحِدٌ، ومَعانِيَ الأسْماءِ مُتَعَدِّدَةٌ، فَهَكَذا الِاسْمُ الَّذِي لَفْظُهُ الجَمْعُ. وأمّا التَّأْوِيلُ الَّذِي اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ، فَحَقِيقَةُ ذاتِهِ وصِفاتِهِ، كَما قالَ مالِكٌ: والكَيْفُ مَجْهُولٌ فَإذا قالُوا: ما حَقِيقَةُ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ ؟ قِيلَ: هَذا هو التَّأْوِيلُ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وما أحْسَنَ ما يُعادُ التَّأْوِيلُ إلى القُرْآنِ كُلِّهِ. (p-٧٨٤)فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبّاسٍ: ««اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»» . قِيلَ: أمّا تَأْوِيلُ الأمْرِ والنَّهْيِ فَذاكَ يَعْلَمُهُ، واللّامُ هُنا لِلتَّأْوِيلِ المَعْهُودِ، لَمْ يَقُلْ: تَأْوِيلَ كُلِّ القُرْآنِ. فالتَّأْوِيلُ المَنفِيُّ هو تَأْوِيلُ الأخْبارِ الَّتِي لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَخْبَرِها إلّا اللَّهُ، والتَّأْوِيلُ المَعْلُومُ هو الأمْرُ الَّذِي يَعْلَمُ العِبادُ تَأْوِيلَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] فَإنَّ المُرادَ تَأْوِيلُ الخَبَرِ الَّذِي فِيهِ عَنْ المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يُنْتَظَرُ ويَأْتِي، ولَمّا يَأْتِهِمْ. وأمّا تَأْوِيلُ الأمْرِ والنَّهْيِ فَذاكَ في الأمْرِ، وتَأْوِيلُ الخَبَرِ عَنْ اللَّهِ وعَمَّنْ مَضى إنَّ أُدْخِلَ في التَّأْوِيلِ لا يُنْتَظَرُ، واَللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ وبِهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى كَلامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وإنَّما سُقْتُهُ بِطُولِهِ لِما أنَّ هَذا البَحْثَ مِنَ المَعارِكِ المُهِمَّةِ الَّتِي قَلَّ مَن حَرَّرَها ونَهَجَ فِيها مَنهَجَ الحَقِّ كالشَّيْخِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - . ومَعَ ما في خِلالِ البَحْثِ مِنَ القَواعِدِ الجَلِيلَةِ في فَنِّ التَّفْسِيرِ. فَخُذْ ما أُوتِيتَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ. واَللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
(p-٧٨٥)وقالَ الإمامُ الجَلِيلُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ المُرْتَضى اليَمانِيُّ في كِتابِ (إيثارِ الحَقِّ عَلى الخَلْقِ) في بَحْثِ سَبَبِ الِاخْتِلافِ الشَّدِيدِ بَيْنَ الفِرَقِ ما نَصُّهُ:
وأمّا الأصْلُ الثّانِي وهو السَّمْعُ فَهو اخْتِلافُهم في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: في مَعْرِفَةِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ أنْفُسِهِما والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُما حَتّى يُرَدَّ المُتَشابِهُ إلى المُحْكَمِ.
وثانِيهِما: اخْتِلافُهم هَلْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ، ثُمَّ اخْتِلافُهم في تَأْوِيلِهِ عَلى تَسْلِيمِ أنَّهم قَدْ عَرَفُوا المُتَشابِهَ.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
آل عمران 3:8
(p-٧٩٧)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ ] ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ .
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ مِن مَقالِ الرّاسِخِينَ، أيْ: لا تُمِلْ قُلُوبَنا عَنْ الهُدى بَعْدَ إذْ أقَمْتَها عَلَيْهِ، ولا تَجْعَلْها كاَلَّذِينِ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنَ القُرْآنِ، ولَكِنْ ثَبِّتْنا عَلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تُثَبُّتُ بِها قُلُوبَنا: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ كَثِيرُ النِّعَمِ والإفْضالِ، جَزِيلُ العَطايا والنَّوالِ. وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِن قِبَلِهِ تَعالى. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يَدْعُو: «يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ما أكْثَرَ ما تَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ ! فَقالَ: «لَيْسَ مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنُ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ، إذا شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ، وإذا شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ»» . وهو في الصَّحِيحِ والسُّنَنِ.
آل عمران 3:9
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ ] ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وهَذا (p-٧٩٨)مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَصُونَهم عَنْ الزَّيْغِ، وأنْ يَخُصَّهم بِالهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الدُّنْيا، فَإنَّها مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ. وإنَّما الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَإنَّها القَصْدُ والمَآلُ. فَإنّا نَعْلَمُ أنَّكَ يا إلَهَنا جامِعُ النّاسِ لِلْجَزاءِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ونَعْلَمُ أنَّ وعْدَكَ لا يَكُونُ خُلْفًا، فَمَن زاغَ قَلْبُهُ بَقِيَ هُناكَ في العَذابِ أبَدًا، ومَن مَنَحْتَهُ الرَّحْمَةَ والهِدايَةَ بَقِيَ هُناكَ في السَّعادَةِ والكَرامَةِ أبَدًا. فالغَرَضُ الأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ؛ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ - أفادَهُ الرّازِيُّ - ثُمَّ قالَ: احْتَجَّ الجُبائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ. قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتَ لَفْظِ الوَعْدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] والوَعْدُ والمَوْعِدُ والمِيعادُ واحِدٌ. وقَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ. فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُخْلِفُ في الوَعِيدِ. والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى يُوعِدُ الفُسّاقَ مُطْلَقًا، بَلْ ذَلِكَ الوَعِيدُ عِنْدَنا مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ، كَما أنَّهُ بِالِاتِّفاقِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَكَما أنَّكم أثْبَتُّمْ ذَلِكَ الشَّرْطَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَكَذا نَحْنُ أثْبَتْنا شَرْطَ عَدَمِ العَفْوِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، سَلَّمْنا أنَّهُ يُوعِدُهم، ولَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتَ لَفْظِ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] قُلْنا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] (p-٧٩٩)وقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِن أوْثانِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الوَعْدِ تِلْكَ المَنافِعُ.
وذَكَرَ الواحِدِيُّ في (البَسِيطِ) طَرِيقَةً أُخْرى فَقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ يُحْمَلَ هَذا عَلى مِيعادِ الأوْلِياءِ، دُونَ وعِيدِ الأعْداءِ؛ لِأنَّ خُلْفَ الوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ العَرَبِ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم يَمْدَحُونَ بِذَلِكَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا وعَدَ السَّرّاءَ أنْجَزَ وعْدَهُ وإنْ أوْعَدَ الضَّرّاءَ فالعَفْوُ مانِعُهْ
ورَوى المُناظَرَةَ الَّتِي دارَتْ بَيْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: ما تَقُولُ في أصْحابِ الكَبائِرِ ؟ قالَ: أقُولُ إنَّ اللَّهَ وعَدَ وعْدًا وأوْعَدَ إيعادًا، فَهو مُنْجِزٌ إيعادَهُ ما هو مُنْجِزٌ وعْدَهُ، فَقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: إنَّكَ رَجُلٌ أعْجَمُ، لا أقُولُ أعْجَمُ اللِّسانِ، ولَكِنْ أعْجَمُ القَلْبِ. إنَّ العَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنْ الوَعْدِ لُؤْمًا. وعَنْ الإيعادِ كَرَمًا، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُكْذِبُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
واعْلَمْ أنِّ المُعْتَزِلَةَ حَكَوْا أنَّ أبا عَمْرِو بْنِ العَلاءِ لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ، قالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: يا أبا عَمْرٍو ؟ فَهَلْ يُسَمّى اللَّهُ مُكَذِّبُ نَفْسِهِ ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَدْ سَقَطَتْ حُجَّتُكَ. قالُوا: فانْقَطَعَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ.
وعِنْدِي أنَّهُ كانَ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ فَيَقُولُ: إنَّكَ قِسْتَ الوَعِيدَ عَلى الوَعْدِ، وأنا إنَّما ذَكَرْتُ هَذا لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَعْدَ حَقٌّ عَلَيْهِ، والوَعِيدَ حَقٌّ لَهُ، ومَن أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ فَقَدْ أتى بِالجُودِ والكَرَمِ، ومَن أسْقَطَ حَقَّ غَيْرِهِ (p-٨٠٠)فَذَلِكَ هو اللُّؤْمُ. فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وبَطَلَ قِياسُكَ. وإنَّما ذَكَرْتُ هَذا الشِّعْرَ لِإيضاحِ هَذا الفَرْقِ. فَأمّا قَوْلُكَ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَصارَ كاذِبًا ومُكَذِّبًا نَفْسَهُ، فَجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ الوَعِيدُ ثابِتًا جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ. وعِنْدِي جَمِيعُ الوَعِيداتِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، فَلا يَلْزَمُ مِن تَرْكِهِ دُخُولُ الكَذِبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الحِكايَةِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:10
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ الَّتِي يَبْذُلُونَها في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ: ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ الَّذِينَ بِهِمْ يَتَناصَرُونَ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ، أيْ: لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم شَيْئًا مِن عَذابِهِ. يُقالُ: ما أغْنى فُلانٌ شَيْئًا، أيْ: لَمْ يَنْفَعْ في مُهِمٍّ، ولَمْ يَكْفِ مُؤْنَةً. ورَجُلٌ مُغْنٍ، أيْ: مُجْزِئٌ كافٍ - قالَهُ الأزْهَرِيُّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ بِفَتْحِ الواوِ أيْ: حَطَبُها، وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِمَعْنى أهْلُ وُقُودِها، وأكْثَرُ اللُّغَوِيِّينَ عَلى أنَّ الضَّمَّ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: التَّوَقُّدُ، والفَتْحَ لِلْحَطَبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَصْدَرُ مَضْمُومٌ، ويَجُوزُ فِيهِ الفَتْحُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]
(p-٨٠١)
آل عمران 3:11
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ. والدَّأْبُ (بِالسُّكُونِ، ويُحَرَّكُ) مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا كَدَحَ فِيهِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ ما عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن شَأْنِهِ وحالِهِ، مَجازًا، يُقالُ: هَذا دَأْبُكَ أيْ: شَأْنُكَ وعَمَلُكَ. قالالأزْهَرِيُّ: عَنْ الزَّجّاجِ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: كَأمْرِ آلِ فِرْعَوْنَ، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: والقَوْلُ عِنْدِي فِيهِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ دَأْبَهم هُنا اجْتِهادُهم في كُفْرِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ كَتَظاهُرِ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. يُقالُ: دَأبْتُ أدْأبُ دَأْبًا ودَؤُوبًا إذا اجْتَهَدْتُ في الشَّيْءِ - انْتَهى - قالَ أبُو البَقاءِ: وفي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ لَهم لِعِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، فالمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ الَّذِي فَعَلُوا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ المُقَدَّرِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: عاقَبَهم وأهْلَكَهم بِسَبَبِها ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: الأخْذُ بِالذَّنْبِ. فِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وزِيادَةُ تَخْوِيفٍ لِلْكَفَرَةِ.
آل عمران 3:12
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِهَذا الدِّينِ وهم اليَهُودُ ( لِلرِّوايَةِ الآتِيَةِ( أوْ نَصارى نَجْرانَ، لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِإحْقاقِ الحَقِّ مَعَهم، أوْ أعَمُّ: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا: ﴿وتُحْشَرُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ الفِراشُ، أيْ: فَكُفْرُكم كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى، وقَدْ فُعِلَ بِقُرَيْشٍ لِكُفْرِهِمْ ما رَأيْتُمْ، فَسَيُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ، (p-٨٠٢)وهُوَ أنَّكم تُغْلَبُونَ كَما غُلِبُوا. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن عَداهم، وهو مِن أوْضَحِ شَواهِدَ النُّبُوَّةِ. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أصابَ مِن أهْلِ بَدْرٍ ما أصابَ، ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعٍ وقالَ: «يا مَعْشَرَ يَهُودَ ! أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم اللَّهُ بِما أصابَ قُرَيْشًا» فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ! لا يَغُرَّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ، كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ واَللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، وأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣]»
آل عمران 3:13
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ .
﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيُّها الكافِرُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم: ﴿آيَةٌ﴾ عِبْرَةً ودِلالَةً عَلى أنَّكم سَتُغْلَبُونَ، وعَلى أنَّ اللَّهَ مُعِزٌّ دِينَهُ، وناصِرٌ رَسُولَهُ، ومُعْلٍ أمْرَهُ: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: فِرْقَتَيْنِ: ﴿التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْقِتالِ: ﴿التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْقِتالِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طاعَتِهِ، وهم النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ، (p-٨٠٣)وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَعَهم فُرْسانٌ وسِتُّ أذْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ وأكْثَرُهم رَجّالَةٌ: ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وكانُوا قَرِيبًا مِن ألْفٍ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَرى المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، أراهم اللَّهُ إيّاهم، مَعَ قِلَّتِهِمْ، أضْعافَهم لِيَهابُوهم، ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مَدَدًا لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما أمَدَّهم بِالمَلائِكَةِ. فَإنْ قُلْتَ: فَهَذا مُناقِضٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] قُلْتُ: قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غُلِبُوا، فَكانَ التَّقْلِيلُ والتَّكْثِيرُ في حالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. ونَظِيرُهُ في المَحْمُولِ عَلى اخْتِلافِ الأحْوالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وتَقْلِيلُهم تارَةً وتَكْثِيرُهم أُخْرى في أعْيُنِهِمْ، أبْلَغُ في القُدْرَةِ وإظْهارِ الآيَةِ - كَذا في (الكَشّافِ) - قُلْتُ: أوْ يُجابُ بِأنَّهم كَثُرُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ لِيَحْصُلَ لَهم الرُّعْبُ والخَوْفُ والجَزَعُ والهَلَعُ، ثُمَّ لَمّا حَصَلَ التَّصافُّ والتَقى الفَرِيقانِ قَلَّلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ في أعْيُنِ هَؤُلاءِ لِيَقْدَمَ كُلٌّ مِنهُما عَلى الآخَرِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا: ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ يَعْنِي: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً لا لَبْسَ فِيها، مُعايَنَةً كَسائِرِ المُعايَناتِ كَذا في (الكَشّافِ): ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ أيْ: يُقَوِّي: ﴿بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: التَّكْثِيرِ والتَّقْلِيلِ، وغَلَبَةِ القَلِيلِ، مَعَ عَدَمِ العُدَّةِ، عَلى الكَثِيرِ الشّاكِي السِّلاحِ: ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيْ: لاعْتِبارًا وآيَةً ومَوْعِظَةً: ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ.
(p-٨٠٤)
آل عمران 3:14
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حَقارَةِ شَأْنِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِأصْنافِها، وتَزْهِيدِ النّاسِ فِيها، وتَوْجِيهِ رَغَباتِهِمْ إلى ما عِنْدَهُ تَعالى، إثْرِ بَيانِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِها. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أيْ: المُشْتَهَياتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً مَرْغُوبًا فِيها، أوْ تَخْسِيسًا لَها، لِأنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ، مَذْمُومٌ مَن اتَّبَعَها، شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالبَهِيمِيَّةِ ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ في تَقْدِيمِهِنَّ إشْعارٌ بِعَراقَتِهِنَّ في مَعْنى الشَّهْوَةِ؛ إذْ يَحْصُلُ مِنهُنَّ أتَمُّ اللَّذّاتِ: ﴿والبَنِينَ﴾ لِلتَّكَثُّرِ بِهِمْ، وأمَلِ قِيامِهِمْ مَقامَهم مِن بَعْدِهِمْ، والتَّفاخُرِ والزِّينَةِ: ﴿والقَناطِيرِ﴾ أيْ: الأمْوالِ الكَثِيرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ مَأْخُوذَةٌ مِنها لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ ألْفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وإبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ، ودَراهِمُ مُدَرْهَمَةٌ: ﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما كانا مَحْبُوبَيْنِ لِأنَّهُما جُعِلا ثَمَنَ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمالِكُها كالمالِكٍ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، وصِفَةُ المالِكِيَّةِ هي القُدْرَةُ، والقُدْرَةُ صِفَةُ كَمالٍ، والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَلَمّا كانَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ أكْمَلَ الوَسائِلِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الكَمالِ الَّذِي هو مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ وما لا يُوجَدُ المَحْبُوبُ إلّا بِهِ فَهو مَحْبُوبٌ لا جَرَمَ كانا مَحْبُوبَيْنِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ أيْ: المُرْسَلَةُ إلى المَرْعى تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ، أوْ الَّتِي عَلَيْها السِّيمْياءُ - أيْ: العَلامَةُ - قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ العَلاماتِ الأوْضاحُ والغُرَرُ الَّتِي تَكُونُ في الخَيْلِ، وهي أنْ تَكُونَ الأفْراسُ غُرًّا مُحَجَّلَةً: ﴿والأنْعامِ﴾ جَمْعُ نَعَمٍ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ لِتَحْصِيلِ الأمْوالِ النّامِيَةِ: ﴿والحَرْثِ﴾ أيْ: الأرْضِ المُتَّخَذَةِ لِلْغِراسِ والزِّراعَةِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: المَذْكُورُ: ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يُتَمَتَّعُ بِهِ فِيها ثُمَّ يَفْنى: ﴿واللَّهُ (p-٨٠٥)عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أيْ: المَرْجِعُ وهو الجَنَّةُ، فَيَنْبَغِي الرَّغْبَةُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ. وفي إشْعارِهِ ذَمُّ مَن يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الشَّهَواتِ ويَتَهالَكُ عَلَيْها، ويُرَجِّحُ طَلَبَها عَلى طَلَبِ ما عِنْدَ اللَّهِ، وتَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي تَزْيِينِ هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُوراتِ لِلنّاسِ إشارَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الفِتْنَةِ:
فَأمّا النِّساءُ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرُّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ»» .
وأمّا البَنُونَ، فَفي مُسْنَدِ أبِي يَعْلى عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «الوَلَدُ ثَمَرَةُ القَلْبِ، وإنَّهُ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ». أيْ: يَجْبُنُ أبُوهُ عَنْ الجِهادِ خَوْفَ ضَيْعَتِهِ، ويَمْتَنِعُ أبُوهُ مِنَ الإنْفاقِ في الطّاعَةِ خَوْفَ فَقْرِهِ، ويَحْزَنُ أبُوهُ لِمَرَضِهِ خَوْفَ مَوْتِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقِيلَ لِبَعْضِ النُّسّاكِ: ما بالُكَ لا تَبْتَغِي ما كَتَبَ اللَّهُ لَكَ ؟ قالَ: سَمْعًا لِأمْرِ اللَّهِ، ولا مَرْحَبًا بِمَن إنْ عاشَ فَتَنَنِي، وإنْ ماتَ أحْزَنَنِي. يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]
وأمّا القَناطِيرُ المُقَنْطَرَةُ: فَفِيها الآيَةُ قَبْلُ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] (p-٨٠٦)فَما يُورِثُ البَطَرَ مِثْلُ الغِنى. وبِهِ تُسْتَجْمَعُ أسْبابُ السُّؤْدُدِ والرِّئاسَةِ والمَجْدِ والتَّفاخُرِ.
وأمّا الخَيْلُ فَقَدْ تَكُونُ عَلى صاحِبِها وِزْرًا: إذا رَبَطَها فَخْرًا ورِياءً ونِواءً لِأهْلِ الإسْلامِ، كَما في الصَّحِيحِ وفي مُسْنَدِ أحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وفَرَسٌ لِلْإنْسانِ، وفَرَسٌ لِلشَّيْطانِ. فَأمّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فاَلَّذِي يُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَلَفُهُ ورَوْثُهُ وبَوْلُهُ وذَكَرَ ما شاءَ اللَّهُ. وأمّا فَرَسُ الشَّيْطانِ: فاَلَّذِي يُقامَرُ أوْ يُراهَنُ عَلَيْهِ. وأمّا فَرَسُ الإنْسانِ فالفَرَسُ يَرْتَبِطُها الإنْسانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَها فَهي تَسْتُرُ مِن فَقْرٍ».
وأمّا الفِتْنَةُ بِالأنْعامِ والحَرْثِ فَفي مَعْنى ما تَقَدَّمَ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما عِنْدَهُ مِن حُسْنِ المَآبِ إجْمالًا، أشارَ إلى تَفْصِيلِهِ مُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ فَقالَ:
آل عمران 3:15
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾
﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الشَّهَواتِ المُزَيَّنَةِ لَكم: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ اللَّهَ ولَمْ يَنْهَمِكُوا في شَهَواتِهِمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ مِن أنْواعِ الأشْرِبَةِ مِنَ العَسَلِ واللَّبَنِ والخَمْرِ والماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، و: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو: (جَنّاتٌ) و: (تَجْرِي) صِفَةٌ لَها، و: (عِنْدَ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وإمّا صِفَةٌ لِلْجَنّاتِ في الأصْلِ، (p-٨٠٧)قُدِّمَ فانْتَصَبَ عَلى الحالِ. والعِنْدِيَّةُ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ وسُمُوِّ طَبَقَتِها: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: ماكِثِينَ فِيها أبَدَ الآبادِ لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا: ﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الأرْجاسِ والأدْناسِ البَدَنِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ نِساءُ الدُّنْيا غالِبًا: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ: رِضْوانٌ لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ. وهَذِهِ اللَّذَّةُ الرُّوحانِيَّةُ تَتِمَّةُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ وأكْبُرُها، كَما قالَ تَعالى في آيَةِ (بَراءَةٌ): ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] أيْ: أعْظَمُ ما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ. رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ: أنا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا»» ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: عالِمٌ بِمَصالِحِهِمْ فَيَجِبُ أنْ يَرْضَوْا لِأنْفُسِهِمْ ما اخْتارَهُ لَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، وأنْ يَزْهَدُوا فِيما زَهَّدَهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَفازُوا بِتِلْكَ الكَراماتِ بِقَوْلِهِ:
آل عمران 3:16
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ ] ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلدّاعِي أنْ يَذْكُرَ طاعاتِهِ وما تَقَرَّبَ بِهِ إلى اللَّهِ، ثُمَّ يَدْعُو. ويُؤَيِّدُهُ (p-٨٠٨)ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أصْحابِ الغارِ، وتَوَسُّلِ كُلٍّ مِنهم بِصالِحِ عَمَلِهِ، ثُمَّ تَفْرِيجِ البارِي تَعالى عَنْهم، وقَوْلُهُ تَعالى:
آل عمران 3:17
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ ] ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .
﴿الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ: ﴿والصّادِقِينَ﴾ في إيمانِهِمْ وأقْوالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ: ﴿والقانِتِينَ﴾ المُطِيعِينَ لِلَّهِ الخاضِعِينَ لَهُ: ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأرْحامِ، والقَراباتِ، وسَدِّ الخُلّاتِ، ومُواساةِ ذَوِي الحاجاتِ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ جَمْعُ سَحَرٍ (بِفَتْحَتَيْنِ وفَتْحٍ وسُكُونٍ) وهو الوَقْتُ الَّذِي قُبَيْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ آخِرَ اللَّيْلِ. وتَسَحَّرَ إذا أكَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الحَرالِيُّ: وفي إفْهامِهِ تَهَجُّدَهم في اللَّيْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]
وقالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ، لِأنَّ الإنْسانَ لا يَشْتَغِلُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى قَبْلَ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ صَلَّوْا بِاللَّيْلِ - انْتَهى -
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ ! هَلْ جاءَ السَّحَرُ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، أقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ حَتّى يُصْبِحَ. ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا نُؤْمَرُ إذا صَلَّيْنا مِنَ اللَّيْلِ أنْ نَسْتَغْفِرَ في آخِرِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً». ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حاطِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا في السَّحَرِ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ وهو يَقُولُ: يا رَبِّ أمَرْتَنِي فَأطَعْتُكَ، وهَذا السَّحَرُ، فاغْفِرْ لِي. فَنَظَرْتُ فَإذا هو ابْنُ مَسْعُودٍ. وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ المَسانِيدِ والسُّنَنِ (p-٨٠٩)مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يَنْزِلُ رَبُّنا، تَبارَكَ وتَعالى، كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ. يَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ ؟»» وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ««ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى ويَقُولُ: مَن يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ ولا ظَلُومٍ»» . وفي رِوايَةٍ: ««حَتّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ»» .
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أفْرَدَ الحافِظُ أبُو الحَسَنِ الدّارَقُطْنِيُّ في ذَلِكَ جُزْءًا عَلى حِدَةٍ، فَرَواهُ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الصّالِحِينَ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ ! لا يَكُنْ الدِّيكُ أحْسَنَ مِنكَ، يُنادِي بِالأسْحارِ وأنْتَ نائِمٌ، والحِكْمَةُ في تَخْصِيصِ الأسْحارِ كَوْنُهُ وقْتَ غَفْلَةِ النّاسِ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلنَّفَحاتِ الرَّحْمانِيَّةِ، والألْطافِ السُّـبْحانِيَّةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ العِبادَةُ أشَقَّ، والنِّيَّةُ خالِصَةً، والرَّغْبَةُ وافِرَةً، مَعَ قُرْبِهِ، تَعالى وتَقَدَّسَ، مِن عِبادِهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ فَضِيلَةُ الِاسْتِغْفارِ في السَّحَرِ، وأنَّ هَذا الوَقْتَ أفْضَلُ الأوْقاتِ. وقالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِاَلسَّحَرِ لَهُ مَزِيدُ أثَرٍ في قُوَّةِ الإيمانِ، وفي كَمالِ العُبُودِيَّةِ.
اَلْأوَّلُ: أنَّ وقْتَ السَّحَرِ يَطْلُعُ نُورُ الصُّبْحِ بَعْدَ أنْ كانَتْ الظُّلْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وبِسَبَبِ طُلُوعِ نُورِ الصُّبْحِ كانَ الأمْواتُ يَصِيرُونَ أحْياءً، فَهُناكَ وقْتُ الجُودِ العامِّ، والفَيْضِ التّامِّ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ طُلُوعِ صُبْحِ العالَمِ الكَبِيرِ يَطْلُعُ صُبْحُ العالَمِ الصَّغِيرِ، وهو ظُهُورُ نُورِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ.
والثّانِي: أنَّ وقْتَ السَّحَرِ أطْيَبُ أوْقاتِ النُّوّامِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ وأقْبَلَ عَلى العُبُودِيَّةِ، كانَتْ الطّاعَةُ أكْمَلَ.
والثّالِثُ: نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يُرِيدُ المُصَلِّينَ صَلاةَ الصُّبْحِ، انْتَهى.
وهَذا الثّالِثُ: أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وعَلَيْهِ، فَإنَّما سُمِّيَتْ الصَّلاةُ اسْتِغْفارًا لِأنَّهم طَلَبُوا بِفِعْلِها المَغْفِرَةَ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الصِّفاتِ، لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِهِمْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها.
(p-٨١٠)
آل عمران 3:18
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ ] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: عَلِمَ، وأخْبَرَ، أوْ قالَ أوْ بَيَّنَ أنَّهُ لا مَعْبُودَ حَقِيقِيٌّ سِوى ذاتِهِ العَلِيَّةِ. وشَهِدَ بِذَلِكَ: ﴿والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ بِالإقْرارِ، وهَذِهِ مَرْتَبَةٌ جَلِيلَةٌ لِلْعُلَماءِ، لِقَرْنِهِمْ في التَّوْحِيدِ بِالمَلائِكَةِ المُشَرَّفِينَ، بِعَطْفِهِمْ عَلى اسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ في أحْكامِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿العَزِيزُ﴾ فَلا يُرامُ جَنابُهُ عَظَمَةً: ﴿الحَكِيمُ﴾ فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ شَيْءٌ إلّا عَلى وفْقِ الِاسْتِقامَةِ - كَذا في (جامِعِ البَيانِ) - .
وقالَ في (الِانْتِصافِ): هَذا التِّكْرارُ لِما قَدَّمْتُهُ في نَظِيرِهِ مِمّا صُدِّرَ الكَلامُ بِهِ إذا طالَ عَهْدُهُ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ مُصَدَّرٌ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ أعْقَبَ التَّوْحِيدَ تِعْدادَ الشّاهِدِينَ بِهِ، ثُمَّ قَوْلَهُ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ وهو التَّنْزِيهُ. فَطالَ الكَلامُ بِذَلِكَ، فَجَدَّدَ التَّوْحِيدَ تِلْوَ التَّنْزِيهِ، لِيَلِيَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ولَوْلا هَذا التَّجْدِيدُ لَكانَ التَّوْحِيدُ المُتَقَدِّمُ، كالمُنْقَطِعِ في الفَهْمِ مِمّا أُرِيدَ إيصالُهُ بِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: المُدَّعِي لِلْوَحْدانِيَّةِ هو اللَّهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ المُدَّعِي شاهِدًا ؟
اَلْجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
اَلْأوَّلُ: وهو أنَّ الشّاهِدَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا اللَّهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ وجَعَلَها دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِهِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ لَما صَحَّتْ الشَّهادَةُ. ثُمَّ بَعْدَ نَصْبِ تِلْكَ الدَّلائِلِ، هو الَّذِي وفَّقَ العُلَماءَ لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى وهَدى إلَيْها لَعَجَزُوا عَنْ التَّوَصُّلِ بِها إلى مَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ. ثُمَّ بَعُدَ حُصُولِ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ، فَهو تَعالى وفَّقَهم حَتّى أرْشَدُوا غَيْرَهم إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ. وإذا كانَ (p-٨١١)اَلْأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ الشّاهِدُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] ثُمَّ ساقَ بَقِيَّةَ الوُجُوهِ فانْظُرْهُ.
وقالَ العارِفُ الشَّعْرانِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ، في كِتابِ (الجَواهِرُ والدُّرَرُ): سَألْتُ أخِي أفْضَلَ الدِّينِ: لِمَ شَهِدَ الحَقُّ تَعالى لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو ؟ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لِيُنَبِّهَ عِبادَهُ عَلى غِناهُ عَنْ تَوْحِيدِهِمْ لَهُ، وأنَّهُ هو المُوَحِّدُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَلِمَ عَطَفَ المَلائِكَةَ عَلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؟ فَقالَ: لِأنَّ عِلْمَهم بِالتَّوْحِيدِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا مِنَ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ كالبَشَرِ، وإنَّما كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ حاصِلًا مِنَ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ، وذَلِكَ أقْوى العُلُومِ وأصْدَقُها، فَلِذَلِكَ قُدِّمُوا في الذِّكْرِ عَلى أُولِي العِلْمِ. وأيْضًا فَإنَّ المَلائِكَةَ واسِطَةٌ بَيْنَ الحَقِّ وبَيْنَ رُسُلِهِ، فَناسَبَ ذِكْرُهِمْ في الوَسَطِ. فاعْلَمْ ذَلِكَ، انْتَهى.
آل عمران 3:19
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ ] ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، أيْ: لا دِينَ مَرْضِيًّا لِلَّهِ تَعالى سِوى الإسْلامِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِالشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ - وفي الأُخْرى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مُطْلَقًا، أوْ اليَهُودُ، في دِينِ (p-٨١٢)اَلْإسْلامِ: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِأنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ. ولَمْ يَكُنْ اخْتِلافُهم لِشُبْهَةٍ عِنْدِهِمْ، بَلْ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: حَسَدًا كائِنًا بَيْنَهم، وطَلَبًا لِلرِّئاسَةِ. وهَذا تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ إثْرَ تَشْنِيعٍ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ المُنَزَّلَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ، عِلَّةٌ لَهُ. أيْ: فَإنَّهُ تَعالى يُجازِيهِ ويُعاقِبُهُ عَلى كُفْرِهِ عَنْ قَرِيبٍ. فَإنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ.
آل عمران 3:20
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .
﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ في الدِّينِ وجادَلُوكَ فِيهِ بَعْدَ إقامَةِ تِلْكَ الآياتِ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أيْ: انْقَدْتُ لِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ، وأخْلَصْتُ نَفْسِي وعِبادَتِي لَهُ، لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ النَّفْسِ بِالوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ، ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ مِنَ السُّجُودِ والقِراءَةِ، وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ.
لَطِيفَةٌ:
هَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ إعْراضٌ عَلى المُحاجَّةِ أوْ هو مُحاجَّةٌ وإظْهارٌ لِلدَّلِيلِ ؟ فَمِن قائِلٍ بِالأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أظْهَرَ لَهم الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِرارًا وأطْوارًا، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ لَهم المُعْجِزاتِ الجَمَّةَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ. فَبَعْدَ هَذا قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ﴾ إلَخْ. يَعْنِي إنّا بالَغْنا في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وإيضاحِ البَيِّناتِ، فَإنْ تَرَكْتُمْ الأنَفَ والحَسَدَ وتَمَسَّكْتُمْ بِها كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ. وإنْ أعْرَضْتُمْ، فَإنَّ اللَّهَ (p-٨١٣)تَعالى مِن وراءِ مُجازاتِكم. وهَذا التَّأْوِيلُ طَرِيقٌ مُعْتادٌ في الكَلامِ. فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقَدْ يَقُولُ في آخِرِ الأمْرِ: أمّا أنا ومَن اتَّبَعَنِي فَمُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ، مُقْبِلُونَ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ وافَقْتُمْ واتَّبَعْتُمْ الحَقَّ الَّذِي أنا عَلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها فَقَدْ اهْتَدَيْتُمْ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ.
فَهَذا طَرِيقٌ قَدْ يَذْكُرُهُ المُحْتَجُّ المُحِقُّ مَعَ المُبْطِلِ المُصِرِّ في آخِرِ كَلامِهِ. ومِن قائِلٍ بِالثّانِي، أعْنِي: أنَّهُ مُحاجَّةٌ. وفي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ مِنها ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى وعَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا مُقِرِّينَ بِتَعْظِيمِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، والإقْرارِ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ، صادِقًا في دِينِهِ. فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَقُولَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أيْ: أعْرَضْتُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وقَصَدْتُهُ بِالعِبادَةِ، وأخْلَصْتُ لَهُ. فَتَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُسْتَمْسِكٌ بِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ طَرِيقَتَهُ حَقَّةٌ، بَعِيدَةٌ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ وتُهْمَةٍ. فَكانَ هَذا مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالِالتِزاماتِ، وداخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] - نَقَلَهُ الرّازِيُّ -: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ (p-٨١٤)لا كِتابَ لَهم، كَمُشْرِكِي العَرَبِ: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ لِهَذِهِ الآياتِ كَما أسْلَمْتُ، أمْ أنْتُمْ بَعْدُ عَلى الكُفْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي: أنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَيِّناتِ ما يُوجِبُ الإسْلامَ، ويَقْتَضِي حُصُولَهُ لا مَحالَةَ، فَهَلْ أسْلَمْتُمْ، أمْ أنْتُمْ بَعْدُ عَلى كُفْرِكم ؟ وهَذا كَقَوْلِكَ لِمَن لَخَّصْتَ لَهُ المَسْألَةَ، ولَمْ تُبْقِ مَن طُرُقِ البَيانِ والكَشْفِ طَرِيقًا إلّا سَلَكْتَهُ: هَلْ فَهِمْتَها ؟ ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بَعْدَ ما ذَكَرَ الصَّوارِفَ عَنْ الخَمْرِ والمَيْسِرِ. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ اسْتِقْصارٌ وتَعْيِيرٌ بِالمُعانَدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ، لِأنَّ المُنْصِفَ إذا تَجَلَّتْ لَهُ الحُجَّةُ لَمْ يَتَوَقَّفْ إذْعانُهُ لِلْحَقِّ، ولِلْمُعانِدِ بَعْدَ تَجَلِّي الحُجَّةِ ما يَضْرِبُ أسْدادًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الإذْعانِ. وكَذَلِكَ في: (هَلْ فَهِمْتَها) تَوْبِيخٌ بِالبَلادَةِ وقِلَّةِ القَرِيحَةِ. وفِيَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بِالتَّقاعُدِ عَنْ الِانْتِهاءِ والحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى تَعاطِي المَنهِيِّ عَنْهُ. انْتَهى ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أيْ: خَرَجُوا مِنَ الضَّلالِ فَنَفَعُوا أنْفُسَهم: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنْ هُداكَ وهَدْيِكَ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ: تَبْلِيغُ آياتِ اللَّهِ، لا الإكْراهُ إذا عانَدُوكَ، إذْ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مِن أصْرَحِ الدِّلالاتِ عَلى عُمُومِ بَعْثَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، كَما هو مَعْلُومٌ مِن دِينِهِ ضَرُورَةً، وكَما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ في غَيْرِ ما آيَةٍ وحَدِيثٍ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وفي (p-٨١٥)اَلصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِمّا ثَبَتَ تَواتُرُهُ بِالوَقائِعِ المُتَعَدِّدَةِ أنَّهُ ﷺ بَعَثَ كُتُبَهُ يَدْعُو إلى اللَّهِ مُلُوكَ الآفاقِ، وطَوائِفَ بَنِي آدَمَ، مِن عَرَبِهِمْ وعَجَمِهِمْ، كُتّابِيِّهِمْ وأُمِّيِّهِمْ، امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ. (p-٨١٦)وقَدْ رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمّامٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، وماتَ ولَمْ يُؤْمِن بِاَلَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إلّا كانَ مِن أهْلِ النّارِ»» . رَواهُ مُسْلِمٌ. وقالَ ﷺ: ««بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ»» . وقالَ: ««كانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النّاسِ عامَّةً»» . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ.
(p-٨١٧)
آل عمران 3:21
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ وهم اليَهُودُ. قَتَلُوا زَكَرِيّا وابْنَهُ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَتَلُوا حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَتَلَهُ قاضٍ يَهُودِيٌّ لَمّا نَهاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلَهُ، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ولَمّا كانَ المُخاطَبُونَ راضِينَ بِصَنِيعِ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ قَتْلَهم لِلْأنْبِياءِ كانَ بِغَيْرِ حَقٍّ، في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا، فَهو أبْلَغُ في التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾
آل عمران 3:22
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢ ] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: بَطَلَتْ أعْمالُهم الَّتِي عَمِلُوها مِنَ البِرِّ والحَسَناتِ في الدّارَيْنِ. أمّا الدُّنْيا فَإبْدالُ المَدْحِ بِالذَّمِّ، والثَّناءِ بِاللَّعْنِ والخِزْيِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ وأخْذِ الأمْوالِ مِنهم غَنِيمَةً، والِاسْتِرْقاقِ لَهم، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والصَّغارِ الظّاهِرِ فِيهِمْ. وأمّا حُبُوطُها في الآخِرَةِ، فَإبْدالُ الثَّوابِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ دَلَّتْ الآيَةُ عَلى عِظَمِ حالِ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وعِظَمِ ذَنْبِ قاتِلِهِ، لِأنَّهُ قَرَنَ ذَلِكَ بِالكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعالى، وقَتْلِ الأنْبِياءِ.
قالَ الحاكِمُ: وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قِيلَ: إنَّهُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وإنْ خافَ عَلى نَفْسِهِ. وأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أوْلى لِما فِيهِ مِن إعْزازِ الدِّينِ. فَفي الحَدِيثِ: ««أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ»» .
(p-٨١٨)
آل عمران 3:23
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ التَّوْراةِ. والمُرادُ بِهِمْ أحْبارُ اليَهُودِ: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ وهو القُرْآنُ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ اسْتِبْعادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ أنَّ الرُّجُوعَ إلى كِتابِ اللَّهِ واجِبٌ، إذْ قامَتْ عَلَيْهِمْ الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَنْزِيلِهِ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مِن فَرِيقٍ، أيْ: مُعْرِضُونَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ. أوْ اعْتِراضٌ، أيْ: وهم قَوْمٌ دَيْدَنُهم الإعْراضُ عَنْ الحَقِّ، والإصْرارُ عَلى الباطِلِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ عَلى التَّوْراةِ، وأنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ تَحاكُمِ اليَهُودِ إلى النَّبِيِّ ﷺ لَمّا زَنا مِنهم اثْنانِ، فَحُكِمَ عَلَيْهِما بِالرَّجْمِ، فَأبَوْا وقالُوا: لا نَجِدُ في كِتابِنا إلّا التَّحْمِيمَ، فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ فَوُجِدَ فِيها الرَّجْمُ، فَرُجِما، فَغَضِبُوا، فَشَنَّعَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٨١٩)قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ولِلْآيَةِ ثَمَرَتانِ:
اَلْأُولى: أنَّ مَن دُعِيَ إلى كِتابِ اللَّهِ وإلى ما فِيهِ مَن شَرْعٍ وجَبَ عَلَيْهِ الإجابَةُ. وقَدْ قالَ العُلَماءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: يُسْتَحَبُّ أنْ يَقُولَ سَمْعًا وطاعَةً، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]
اَلثَّمَرَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الإحْصانِ، لِأنَّهُ ﷺ رَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ، ونَزَلَتْ الآيَةُ مُقَرِّرَةً لَهُ. انْتَهى. أيْ: عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:24
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤ ] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَلِّي والإعْراضِ: ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِهِمْ أمْرَ العِقابِ عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِالغُرُورِ والِافْتِراءِ إعْلامٌ بِأنَّ ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم وسَهَّلُوهُ عَلَيْها تَعَلُّلٌ بِباطِلٍ وتَطَمُّعٌ بِما لا يَكُونُ. ثُمَّ رَدَّ قَوْلَهم المَذْكُورَ، وأبْطَلَ ما غَرَّهم بِاسْتِعْظامِ ما أعَدَّ لَهم، وتَهْوِيلِهِ، وأنَّهم يَقَعُونَ فِيما لا حِيلَةَ لَهم في دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ:
آل عمران 3:25
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥ ] ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
﴿فَكَيْفَ﴾ يَصْنَعُونَ، وكَيْفَ تَكُونُ حالَتُهم: ﴿إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ أيْ: في يَوْمٍ: (p-٨٢٠)﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى، لِأنَّهُ في مَعْنى كُلُّ إنْسانٍ. أيْ: لا يُظْلَمُونَ بِزِيادَةِ عَذابٍ، أوْ بِنَقْصِ ثَوابٍ، ثُمَّ عَلَّمَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ كَيْفَ يَدْعُوهُ ويُمَجِّدُهُ بِقَوْلِهِ:
آل عمران 3:26
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ ] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ: مالِكَ جِنْسِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ مُلْكًا حَقِيقِيًّا بِحَيْثُ تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما تَشاءُ: إيجادًا وإعْدامًا وإحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً، مِن غَيْرِ مُشارِكٍ ولا مُمانِعٍ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ مالِكِيَّةُ المُلْكِ، وتَحْقِيقٌ لِاخْتِصاصِها بِهِ تَعالى حَقِيقَةً، وكَوْنُ مالِكِيَّةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ المَجازِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ (الإيتاءِ) الَّذِي هو مُجَرَّدُ الإعْطاءِ عَلى (التَّمْلِيكِ) المُؤْذِنِ بِثُبُوتِ المالِكِيَّةِ حَقِيقَةً - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . وفي التَّعْبِيرِ بـ (مَن) العامَّةِ لِلْعُقَلاءِ إشْعارٌ بِمَنالِ المُلْكِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، وأخَصُّ النّاسِ بِالبُعْدِ مِنهُ العَرَبُ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ اللَّهَ يُنَوِّلُ مُلْكَ فارِسٍ والرُّومِ العَرَبَ، كَما وقَعَ مِنهُ ما وقَعَ، ويَنْتَهِي مِنهُ ما بَقِيَ، إلى مَن نالَ المُلْكَ بِسَبَبِها، وعَنْ الِاسْتِنادِ إلَيْها، مِن سائِرِ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في هَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَبائِلِ الأعاجِمِ، وصُنُوفِ أهْلِ الأقْطارِ، حَتّى يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى أنْ يَسْلُبَ اللَّهُ المُلْكَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ بِظُهُورِ مُلْكِ يَوْمِ الدِّينِ - كَذا في البِقاعِيِّ -: ﴿وتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(p-٨٢١)
آل عمران 3:27
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧ ] ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: تُدْخِلُ أحَدَهُما في الآخَرِ، إمّا بِالتَّعْقِيبِ أوْ بِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالحَيَوانِ مِنَ النُّطَفِ والنُّطَفِ مِنهُ، والبَيْضِ مِنَ الطَّيْرِ وعَكْسِهِ. وقِيلَ: إخْراجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ وبِالعَكْسِ. قالَ القَفّالُ: والكَلِمَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْكُلِّ، أمّا الكُفْرُ والإيمانُ فَقالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] يُرِيدُ: كانَ كافِرًا فَهَدَيْناهُ، فَجَعَلَ المَوْتَ كُفْرًا والحَياةَ إيمانًا، وسَمّى إخْراجَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ إحْياءً، وجَعَلَها قَبْلَ ذَلِكَ مَيْتَةً، فَقالَ: ﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] وقالَ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [فاطر: ٩] وقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: رِزْقًا واسِعًا غَيْرَ مَحْدُودٍ.(p-٨٢٢)
آل عمران 3:28
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ ] ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾
﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ جَمْعُ ولِيٍّ، ومَعانِيهِ كَثِيرَةٌ، مِنهُ: المُحِبُّ والصَّدِيقُ والنَّصِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُهُوا أنْ يُوالُوا الكافِرِينَ لِقَرابَةٍ بَيْنَهم أوْ صَداقَةٍ قَبْلَ الإسْلامِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي يُتَصادَقُ بِها ويُتَعاشَرُ. وقَدْ كَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١] ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةُ، والمَحَبَّةُ في اللَّهِ، والبُغْضُ في اللَّهِ بابٌ عَظِيمٌ وأصْلٌ مِن أُصُولِ الإيمانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ. أيْ: مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ اسْتِقْلالًا أوْ اشْتِراكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم الأحِقّاءُ بِالمُوالاةِ، وأنَّ في مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةٌ عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: ومَن يُوالِ الكَفَرَةَ فَلَيْسَ مِن (p-٨٢٣)وِلايَةِ اللَّهِ في شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الوِلايَةِ، يَعْنِي: أنَّهُ مُنْسَلِخٌ مِن وِلايَةِ اللَّهِ رَأْسًا. وهَذا أمْرٌ مَعْقُولٌ، فَإنَّ مُوالاةَ الوَلِيِّ ومُوالاةَ عَدُوِّهِ مُتَنافِيانِ، قالَ:
؎تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبٍ
أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ أيْ: تَخافُوا مِنهم مَحْذُورًا. فَأظْهِرُوا مَعَهم المُوالاةَ بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ لِدَفْعِهِ، كَما قالَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: إنّا لِنَكْشِرُ في وُجُوهِ أقْوامٍ وقُلُوبُنا تَلْعَنُهم. وأصْلُ: تُقاةً وُقْيَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتْ الواوُ تاءً، كَتُخْمَةٍ وتُهْمَةٍ، وقُلِبَتْ الياءُ ألِفًا. وفي المُحْكَمِ: تُقاةٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وأنْ يَكُونَ جَمْعًا، والمَصْدَرُ أجْوَدُ، لِأنَّ في القِراءَةِ الأُخْرى: تُقْيَةً.
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَحْرِيمُ مُوالاةِ الكُفّارِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى التَّقِيَّةَ فَرَخَّصَ في مُوالاتِهِمْ لِأجْلِها، فَتَجُوزُ مُعاشَرَةٌ ظاهِرَةٌ، والقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالعَداوَةِ لَهم والبَغْضاءِ وانْتِظارِ زَوالِ المانِعِ. وقَدْ قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى جَوازِ إظْهارِ تَعْظِيمِ الظَّلَمَةِ اتِّقاءً لِشَرِّهِمْ. قالَ: وإنَّما يَحْسُنُ بِالمَعارِيضِ الَّتِي لَيْسَتْ بِكَذِبٍ، وقالَ الصّادِقُ: التَّقِيَّةُ واجِبَةٌ، وإنِّي لَأسْمَعُ الرَّجُلَ في المَسْجِدِ يَشْتُمُنِي فَأسْتَتِرُ عَنْهُ بِالسّارِيَةِ لِئَلّا يَرانِي. وعَنْ الحَسَنِ: تَقِيَّةٌ بِاللِّسانِ، والقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ.
(p-٨٢٤)واعْلَمْ أنَّ المُوالاةَ، الَّتِي هي المُباطَنَةُ والمُشاوَرَةَ وإفْضاءُ الأسْرارِ لِلْكُفّارِ، لا تَجُوزُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ جَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ نِكاحَ الكافِرَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الخُلْطَةِ والمُباطَنَةِ بِالمَرْأةِ ما لَيْسَ بِخافٍ، فَجَوابُ ذَلِكَ: أنَّ المُرادَ مُوالاتُهم في أمْرِ الدِّينِ، وفِيما فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهم. فَإنْ قِيلَ. في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أنَّهُ ﷺ مَنَعَ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنْ الِاسْتِعانَةِ بِاليَهُودِ عَلى قُرَيْشٍ ! وقَدْ حالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ، وفي هَذا دِلالَةٌ عَلى جَوازِ الِاسْتِعانَةِ بِهِمْ. وقَدْ ذَكَرَ الرّاضِي بِاَللَّهِ أنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِالفُسّاقِ عَلى حَرْبِ المُبْطِلِينَ. قالَ: وقَدْ حالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ وغَيْرِها، إلى أنْ نَقَضُوهُ يَوْمَ الأحْزابِ. وحَدَّ ﷺ الحِلْفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خُزاعَةَ. قالَ الرّاضِي بِاَللَّهِ: وهو ظاهِرٌ عَنْ آبائِنا عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وقَدْ اسْتَعانَ عَلَيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَتَلَةِ عُثْمانَ. ولَعَلَّ الجَوابَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الِاسْتِعانَةَ جائِزَةٌ مَعَ الحاجَةِ إلَيْها. ويُحْمَلُ عَلى هَذا اسْتِعانَةُ الرَّسُولِ ﷺ لِلْيَهُودِ. ومَمْنُوعَةٌ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ، أوْ خَشْيَةَ مَضَرَّةٍ مِنهم. وعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ. فَصارَتْ المُوالاةُ المَحْظُورَةُ تَكُونُ بِالمُعاداةِ بِالقَلْبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَوَدَّةِ لِلْكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ، ولا لَبْسَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُهُ اسْتِثْناءٌ والمُوالاةُ بِإظْهارِ التَّعْظِيمِ وحُسْنِ المُخالَلَةِ والمُصادَقَةِ بِإظْهارِ الأسْرارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلا لَبْسَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ ولا يَدْخِلُهُ اسْتِثْناءٌ، والمُوالاةُ بِإظْهارِ التَّعْظِيمِ وحُسْنِ المُخالَلَةِ والمُشاوِرَةِ فِيما لا يَضُرُّ المُسْلِمِينَ، فَظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا لِلتَّقِيَّةِ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ المُوالِيَ لِلْكافِرِ والفاسِقِ عاصٍ، ولَكِنْ أيْنَ تَبْلُغُ مَعْصِيَتُهُ ؟ يَحْتاجُ إلى تَفْصِيلٍ: إنْ كانَتْ المُوالاةُ بِمَعْنى المُوادَّةِ، وهي أنْ يَوَدَّهُ لِمَعْصِيَتِهِ كانَ ذَلِكَ كالرِّضا بِالمَعْصِيَةِ. وإنْ كانَتْ المُوالاةُ كُفْرًا، كَفَرَ. وإنْ كانَتْ فِسْقًا، فَسَقَ. وإنْ كانَتْ لا تُوجِبُ كُفْرًا ولا فِسْقًا، لَمْ يَكْفُرْ ولَمْ يَفْسُقْ، وإنْ كانَتْ المُوَلاةُ بِمَعْنى المُحالَفَةِ والمُناصَرَةِ، فَإنْ كانَتْ مُحالَفَةً عَلى أمْرٍ مُباحٍ أوْ واجِبٍ، كَأنْ يَدْفَعَ المُؤْمِنُونَ عَنْ أهْلِ الذِّمَّةِ مَن يَتَعَرَّضُ لَهم، ويُخالِفُونَهم عَلى ذَلِكَ، فَهَذا لا حَرَجَ فِيهِ، بَلْ هو واجِبٌ. وإنْ كانَتْ عَلى أمْرٍ مَحْظُورٍ كَأنْ يُحالِفُوهم عَلى أخْذِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ والتَّحَكُّمِ عَلَيْهِمْ، فَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ (p-٨٢٥)بِلا إشْكالٍ، وكَذَلِكَ إذا كانَتْ بِمَعْنى أنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّ المُسْلِمِينَ ويُحِبُّ سَلامَةَ الكافِرِينَ لا لِكُفْرِهِمْ، بَلْ لِيَدٍ لَهم عَلَيْهِ أوْ لِقَرابَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذا مَعْصِيَةٌ بِلا إشْكالٍ. لَكِنْ لا تَبْلُغُ حَدُّها الكُفْرَ، لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ بِكُفْرِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ.
(p-٨٢٦)وقالَ الرّاضِي بِاَللَّهِ: إنَّ مُناصَرَةَ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ تُوجِبُ الكُفْرَ، لِأنَّهُ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ: ««ظاهَرَكَ عَلَيْنا»» . وقَدْ اعْتَذَرَ بِأنَّهُ خَرَجَ مُكْرَهًا. وأمّا مُجَرَّدُ الإحْسانِ إلى الكافِرِ فَجائِزٌ لا لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا لِإيناسِهِ. وكَذَلِكَ أنْ يَضِيقَ لِضِيقِهِ في قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأمْرٍ مُباحٍ فَجائِزٌ، كَما كانَ مَن ضِيقِ المُسْلِمِينَ مِن غَلَبِ فارِسٍ الرُّومَ، فَصارَ تَحْقِيقُ المَذْهَبِ أنَّ الَّذِي يُوجِبُ الكُفْرَ مِنَ المُوالاةِ أنْ يَحْصُلَ مِنَ المُوالِي الرِّضا بِالكُفْرِ. واَلَّذِي يُوجِبُ الفِسْقَ أنْ يَحْصُلَ الرِّضا بِالفِسْقِ. إنْ قِيلَ: فَما حُكْمُ مَن يُجَنَّدُ مَعَ الظَّلَمَةِ لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلى الجِباياتِ وأنْواعِ الظُّلْمِ ؟ قُلْنا: عاصٍ بِلا إشْكالٍ، وفاسِقٌ بِلا إشْكالٍ، لِأنَّهُ صارَ مِن جُمْلَتِهِمْ. وفِسْقُهم مَعْلُومٌ. فَإنْ قِيلَ: فَإنْ تَجَنَّدَ مَعَهم لِحَرْبِ إمامِ المُسْلِمِينَ ؟ قُلْنا: صارَ باغِيًا، وحَصَلَ فِسْقُهُ مِن جِهَةِ البَغْيِ والظُّلْمِ. فَإنْ قِيلَ: حُكِيَ عَنْ المَهْدِيِّ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَفَّرَ مَن تَجَنَّدَ مَعَ سُلْطانِ اليَمَنِ وقَضى بِرِدَّتِهِ، قُلْنا: هَذا يَحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ التَّكْفِيرِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. وإنْ ساغَ أنْ نَقُولَ: ذَلِكَ اصْطِلاحٌ لِأمْرِ الإمامِ كَما رَدَّ الهادِي عَلَيْهِ السَّلامُ شَهادَةَ مَن امْتَنَعَ مِن بَيْعَةِ الإمامِ كانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا - انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتَنْبَطَ الأئِمَّةُ مَشْرُوعِيَّةَ التَّقِيَّةِ عِنْدَ الخَوْفِ. وقَدْ نُقِلَ الإجْماعُ عَلى جَوازِها عِنْدَ ذَلِكَ الإمامِ مُرْتَضى اليَمانِيُّ في كِتابِهِ: (إيثارُ الحَقِّ عَلى الخَلْقِ) فَقالَ ما نَصُّهُ:
وزادَ الحَقَّ غُمُوضًا وخَفاءً أمْرانِ:
أحَدُهُما: خَوْفُ العارِفِينَ، مَعَ قِلَّتِهِمْ، مِن عُلَماءِ السُّوءِ وسَلاطِينِ الجَوْرِ، وشَياطِينِ الخَلْقِ، مَعَ جَوازِ التَّقِيَّةِ عِنْدَ ذَلِكَ بِنَصِّ القُرْآنِ وإجْماعِ أهْلِ الإسْلامِ. وما زالَ الخَوْفُ مانِعًا مِن إظْهارِ الحَقِّ، ولا بَرِحَ المُحِقُّ عَدُوًّا لِأكْثَرِ الخَلْقِ. وقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ العَصْرِ الأوَّلُ: حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ، فَأمّا أحَدُهُما: فَبَثَثْـتُهُ في النّاسِ، وأمّا الآخَرُ: فَلَوْ بَثَثْـتُهُ لَقُطِعَ هَذا البُلْعُومُ. وما زالَ الأمْرُ في ذَلِكَ (p-٨٢٧)يَتَفاحَشُ. وقَدْ صَرَّحَ الغَزالِيُّ بِذَلِكَ في خُطْبَةِ (المَقْصِدِ الأسْنى) ولَوَّحَ بِمُخالَفَتِهِ أصْحابَهُ فِيها كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في شَرْحِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَأثْبَتَ حِكْمَةَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ، وجَوَّدَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وظَنَّ أنَّهم لا يَفْهَمُونَ المُخالَفَةَ، لِأنَّ شَرْحَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لَيْسَ هو مَوْضِعَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ولِذَلِكَ طَوى ذَلِكَ، وأضْرَبَ عَنْهُ في مَوْضِعِهِ، وهو اسْمُ الضّارِّ كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ أذْكِياءُ النُّظّارِ.
وأشارَ إلى التَّقِيَّةِ الجُوَيْنِيُّ في مُقَدِّماتِ (البُرْهانِ) في مَسْألَةِ قِدَمِ القُرْآنِ. والرّازِيُّ في كِتابِهِ المُسَمّى بـ (الأرْبَعِينَ في أُصُولِ الدِّينِ) إلى آخِرِ ما ساقَهُ المُرْتَضِي فانْظُرْهُ.
﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ: ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، فَلا تَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ بِمُخالَفَةِ أحْكامِهِ، ومُوالاةِ أعْدائِهِ. وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مُشْعِرٌ بِتَناهِي المَنهِيِّ في القُبْحِ، وذَكَرَ النَّفْسَ، لِيُعْلَمَ أنَّ المُحَذَّرَ مِنهُ عِقابٌ يَصْدُرُ مِنهُ تَعالى، فَلا يُؤْبَهُ دُونَهُ بِما يُحْذَرُ مِنَ الكَفَرَةِ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: المُنْقَلَبُ والمَرْجِعُ لِيُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ.
آل عمران 3:29
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ ] ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هَذا تَوَعُّدٌ. وأرادَ إخْفاءَ مَوَدَّةِ الكُفّارِ ومُوالاتِهِمْ وإظْهارَها. أوْ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ ﷺ . أوْ الكُفْرَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى خَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ لِئَلّا يَرْتَكِبُوا ما نَهى عَنْهُ، فَإنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِمْ وقادِرٌ عَلى مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وإنْ أنْظَرَ مَن أنْظَرَ مِنهم فَإنَّهُ يُمْهِلُ ثُمَّ يَأْخُذُ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، ولِهَذا قالَ بَعْدَ هَذا:
(p-٨٢٨)
آل عمران 3:30
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ .
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ بِصُوَرٍ تُناسِبُهُ، أوْ في صُحُفِ المَلائِكَةِ، أوْ المَعْنى: جَزاءَ ما عَمِلَتْ: (و) تَجِدُ: (ما عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ) أيْ: عَمَلَها السُّوءَ: ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾ أيْ: غايَةً بَعِيدَةً لا يَصِلُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، وتَوَدُّ في مَوْضِعِ الحالِ. والتَّقْدِيرُ: وتَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا، وادَّةً ذَلِكَ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كَرَّرَهُ لِيَكُونَ عَلى بالٍ مِنهم لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ كَذا في (الكَشّافِ) .
وقالَ أبُو السُّعُودِ: تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ وإعادَةٌ لَهُ، لَكِنْ لا لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ، بَلْ لِإفادَةٍ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ تَعالى مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ، ورَحْمَتِهِ الواسِعَةِ، أوْ أنَّ رَأْفَتَهُ بِهِمْ لا تَمْنَعُ تَحْقِيقَ ما حَذَّرَهُمُوهُ مِن عِقابِهِ، وأنَّ تَحْذِيرَهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى تَناسِي صِفَةِ الرَّأْفَةِ، بَلْ هو مُتَحَقِّقٌ مَعَ تَحَقُّقِها.
آل عمران 3:31
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ ] ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حاكِمَةٌ عَلى كُلِّ مَن ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ، ولَيْسَ هو عَلى الطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَإنَّهُ كاذِبٌ في دَعْواهُ تِلْكَ، حَتّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ المُحَمَّدِيَّ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»» .
(p-٨٢٩)
آل عمران 3:32
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢ ] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ .
﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنْ الطّاعَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾
آل عمران 3:33
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ ] ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ .
﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى﴾ أيْ: اخْتارَ بِالنُّبُوَّةِ: ﴿آدَمَ﴾ فَخَلَقَهُ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وعَلَّمَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أهْبَطَهُ مِنها عَمّا لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ: (و) واصْطَفى: (نُوحًا) فَجَعَلَهُ أوَّلَ رَسُولٍ إلى أهْلِ الأرْضِ، لَمّا عَبَدَ النّاسُ الأوْثانَ وأشْرَكُوا بِاَللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، ونَجّى مَن اتَّبَعَهُ في السَّفِينَةِ وأغْرَقَ مَن عَصاهُ: (و) اصْطَفى: ﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾ [النساء: ٥٤] أيْ: عَشِيرَتَهُ وذَوِي قُرْباهُ، وهم إسْماعِيلُ وإسْحاقُ والأنْبِياءُ مِن أوْلادِهِما الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ . وأمّا اصْطِفاءُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمَفْهُومٌ مِن اصْطِفائِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ. وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنْهُ لِكَمالِ شُهْرَةِ أمْرِهِ في الخُلَّةِ، وكَوْنِهِ إمامَ الأنْبِياءِ وقُدْوَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَوْنِ اصْطِفاءِ آلِهِ بِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآيَةَ. ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ»» (و) اصْطَفى: (آلَ عِمْرانَ) إذْ جَعَلَ فِيهِمْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي أُوتِيَ البَيِّناتِ، وأُيِّدَ بِرُوحِ القُدْسِ، والمُرادُ بِعِمْرانَ هَذا: والِدُ مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ. أيْ: (p-٨٣٠)اصْطَفى كُلَّ واحِدٍ مِنهم عَلى عالَمِي زَمانِهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ لِدُخُولِهِمْ في العالَمِينَ.
آل عمران 3:34
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ ] ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿ذُرِّيَّةً﴾ أيْ: نَسْلًا. نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الآلَيْنِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنهُما.
لَطِيفَةٌ:
اَلذُّرِّيَّةُ مُثَلَّثَةٌ، ولَمْ تُسْمَعْ إلّا غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ. اسْمٌ لِنَسْلِ الثَّقَلَيْنِ. وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ والأُصُولِ أيْضًا. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]
قالَ الصّاغانِيُّ: وفي اشْتِقاقِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الذَّرْءِ ووَزْنُها فَعُولَةٌ أوْ فَعِيلَةٌ. والثّانِي: أنَّها مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ، لِأنَّ اللَّهَ ذَرَّهم في الأرْضِ. ووَزْنُها فَعِيلَةٌ أوْ فَعُولَةٌ أيْضًا. وأصْلُها: ذَرُورَةٌ، فَقُلِبَتْ الرّاءُ الثّالِثَةُ ياءً كَما في: تَقَضَّتْ العِقابَ. كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ.
(p-٨٣١)﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذُرِّيَّةٍ. أيْ: اصْطَفى الآلَيْنِ، حالٌ كَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةً مُتَسَلْسِلَةً البَعْضُ مِنَ البَعْضِ في وِراثَةِ الِاصْطِفاءِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِضَمائِرِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وإنَّما يَصْطَفِي مِن خَلْقِهِ مَن يَعْلَمُ اسْتِقامَتَهُ قَوْلًا وفِعْلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]
آل عمران 3:35
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ لِتَقْرِيرِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ. أيْ: اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِها... إلَخْ. واِمْرَأةُ عِمْرانَ هَذِهِ هي أُمُّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ.
فائِدَةٌ:
قالَ العَلّامَةُ النُّورِيُّ في (غَيْثِ النَّفْعِ): ﴿امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ رُسِمَتْ بِالتّاءِ، وكُلُّ ما في كِتابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مِن لَفْظِ امْرَأةٍ فَبِالهاءِ. سَبْعَةُ مَواضِعَ، هَذا الأوَّلُ، والثّانِي والثّالِثُ بِيُوسُفَ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ﴾ [يوسف: ٣٠] ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ﴾ [يوسف: ٥١] والرّابِعُ بِالقَصَصِ ﴿(امْرَأتُ (p-٨٣٢)فِرْعَوْنَ )﴾ [القصص: ٩] والخامِسُ والسّادِسُ والسّابِعُ بِالتَّحْرِيمِ ﴿امْرَأتَ نُوحٍ﴾ [التحريم: ١٠] ﴿وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] و﴿امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] فَلَوْ وُقِفَ عَلَيْها، فالمَكِّيُّ والنَّحْوِيّانِ يَقِفُونَ بِالهاءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ. انْتَهى.
﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أيْ: مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ، عَنْ الشَّعْبِيِّ. أوْ خادِمًا يَخْدِمُ في مُتَعَبَّداتِكَ، حَرَّرَهُ جَعَلَهُ نَذِيرًا في خِدْمَةِ المَعْبَدِ ما عاشَ، لا يَسَعُهُ تَرْكُهُ في دِينِهِ عَنْ الزَّجّاجِ. وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نَذْرِ الأُمِّ بِوَلَدِها، وأنَّ لِلْأُمِّ الِانْتِفاعَ بِالوَلَدِ الصَّغِيرِ لِمَنافِعِ نَفْسِها، لِذَلِكَ جَعَلَتْهُ لِلْغَيْرِ. والمَعْنى: نَذَرْتُهُ وقْفًا عَلى طاعَتِكَ، لا أشْغَلُهُ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِي. قالَ أبُو مَنصُورٍ في (التَّأْوِيلاتِ): جَعَلَتْ ما في بَطْنِها لِلَّهِ خالِصًا، لَمْ تَطْلُبْ مِنهُ (p-٨٣٣)اَلِاسْتِئْناسَ بِهِ، ولا ما يَطْمَعُ النّاسُ مِن أوْلادِهِمْ، وذَلِكَ مِنَ الصَّفْوَةِ الَّتِي ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - وهَكَذا الواجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ إذا طَلَبَ ولَدًا أنْ يَطْلُبَ لِلَوْجْهِ الَّذِي طَلَبَتْ امْرَأةُ عِمْرانَ وزَكَرِيّا حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] وما سَألَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] هَكَذا الواجِبُ أنْ يُطْلَبَ الوَلَدُ، لا ما يَطْلُبُونَ مِنَ الِاسْتِئْناسَ والِاسْتِنْصارَ والِاسْتِعانَةَ بِأمْرِ المَعاشِ بِهِمْ. انْتَهى﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: تَقَبَّلْ مِنِّي قُرْبانِي وما جَعَلْتُ لَكَ خالِصًا، والتَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا.
آل عمران 3:36
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾
﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ الضَّمِيرُ لِما في بَطْنِي، وإنَّما أُنِّثَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ ما في بَطْنِها كانَ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ أوْ النَّسَمَةِ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ أيْ: وكُنْتُ رَجَوْتُ أنْ يَكُونَ ذَكَرًا، وإنَّما تَحَسَّرَتْ أوْ اعْتَذَرَتْ إذْ جَهِلَتْ قَدْرَها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قُرِئَ في السَّبْعِ بِسُكُونِ التّاءِ وضَمِّها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ الجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ مِن كَلامِهِ تَعالى، إمّا لِدَفْعِ ما يَتَراءى مِن أنَّ قَوْلَها: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ قَصَدَتْ بِها إعْلامَ (p-٨٣٤)اَللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى إعْلامِها، فَأُزِيلَتْ الشُّبْهَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ هَذا ما يَتَراءى لِي. وإمّا لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّ الِاعْتِراضَ تَعْظِيمٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَوْضُوعِها، وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ، وتَجْهِيلٌ لَها بِقَدْرِهِ، أيْ: واَللَّهُ أعْلَمُ بِالنَّفْسِ الَّتِي وضَعَتْها، وما عَلَقَ بِها مِن عَظائِمَ الأُمُورِ، وجَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ، وهي غافِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أعْنِي: ضَمَّ التّاءَ، فالِاعْتِراضُ مِن كَلامِها، إمّا لِلْوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ كَما اسْتَظْهَرْتُهُ، أوْ لِما ذَكَرُوهُ مِن قَصْدِ الِاعْتِذارِ إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ أتَتْ بِمَوْلُودٍ لا يَصْلُحُ لِما نَذَرَتْهُ، أوْ تَسْلِيَةِ نَفْسِها عَلى مَعْنى: لَعَلَّ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ سِرًّا وحِكْمَةً، ولَعَلَّ هَذا الأُنْثى خَيْرٌ مِنَ الذَّكَرِ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، إمّا مِن كَلامِهِ تَعالى قَصَدَ بِهِ مَعْذِرَتَها في التَّحَسُّرِ والتَّحَزُّنِ بِبَيانِ فَضْلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، ولِذا جُبِلَتْ النُّفُوسُ عَلى الرَّغْبَةِ فِيهِ دُونَها لا سِيَّما في هَذا المَقامِ، أعْنِي: مَقامَ قَصْدِ إخْلاصِ النَّذِيرِ لِلْعِبادَةِ. فَإنَّ الذَّكَرَ يَفْضُلُها مِن وُجُوهٍ: مِنها: أنَّ الذَّكَرَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأُنْثى لِمَكانِ الحَيْضِ فِيهِ وسائِرِ عَوارِضِ النِّسْوانِ.
ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ يَصْلُحُ - لِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ - لِلْخِدْمَةِ دُونَ الأُنْثى، فَإنَّها ضَعِيفَةٌ، لا تَقْوى عَلى الخِدْمَةِ. ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الأُنْثى. ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ مِنَ التُّهْمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلاطِ ما يَلْحَقُ الأُنْثى. فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَقْتَضِي فَضْلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في هَذا المَقامِ. واللّامُ في (الذَّكَرِ والأُنْثى) عَلى هَذا المَلْحَظِ، لِلْجِنْسِ - كَذا ظَهَرَ لِي - وعَلى قَوْلِهِمْ: اللّامُ لِلْعَهْدِ فِيهِما، أيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْهُ وتَخَيَّلَتْ فِيهِ كَمالًا، قُصاراهُ أنْ يَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الأحْبارِ، كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ لَها. فَإنَّ دائِرَةَ عِلْمِها وأُمْنِيَتِها لا تَكادُ تُحِيطُ بِما فِيها مِن جَلائِلِ الأُمُورِ. هَذا، وإمّا أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِها، والقَصْدُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدُ الِاعْتِذارِ بِبَيانِ أنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ كالأُنْثى في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ، وصَلاحِيَةِ خِدْمَةِ المُتَعَبَّداتِ، فَإنَّهُنَّ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فالَّلامُ لِلْجِنْسِ.
لَطِيفَةٌ:
قِيلَ: قِياسُ كَوْنِهِ مِن قَوْلِها أنْ يَكُونَ (ولَيْسَتْ الأُنْثى كالذَّكَرِ ( فَإنَّ مَقْصُودَها تَنْقِيصُ (p-٨٣٥)اَلْأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى الذَّكَرِ. والعادَةُ في مِثْلِهِ أنْ يُنْفى عَنْ النّاقِصِ شَبَهَهُ بِالكامِلِ، لا العَكْسُ. قالَ النّاصِرُ في ( الِانْتِصافِ): وقَدْ وُجِدَ الأمْرُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفًا، فَلَمْ يَثْبُتْ عَيْنُ ما قِيلَ. ألّا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] فَنَفى عَنْ الكامِلِ شَبَهَ النّاقِصِ، مَعَ أنَّ الكَمالَ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ ثابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عُمُومِ النِّساءِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ (امْرَأةِ عِمْرانَ)، واَللَّهُ أعْلَمُ. ومِنهُ أيْضًا: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] انْتَهى.
﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى العابِدَةِ، سَمَّتْها بِذَلِكَ رَجاءً وتَفاؤُلًا أنْ يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها. لَكِنْ رَأيْتُ في تَأْوِيلِ الأسْماءِ المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ مَرْيَمَ مَعْـناهُ: (مَرارَةُ أوْ مُرُّ البَحْرِ (، فَلْيُنْظَرْ. قالَ السُّيُوطِيُّ في ( الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ يَوْمَ الوِلادَةِ وأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ يَوْمُ السّابِعِ، لِأنَّهُ إنَّما قالَتْ هَذا بِأثَرِ الوَضْعِ، كَما فِيها مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْمِيَةِ لِلْأُمِّ، وأنَّها لا تَخْتَصُّ بِالأبِ. ثُمَّ طَلَبَتْ عِصْمَتَها فَقالَتْ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ أيْ: أُجِيرُها بِحِفْظِكَ: ﴿وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أيْ: المَطْرُودِ لِمُخالَفَتِكَ، فَلا تَجْعَلْ عَلَيْها وعَلى ذُرِّيَّتِها لَهُ سُلْطانًا يَكُونُ سَبَبًا لِطَرْدِهِما.
آل عمران 3:37
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أيْ: قَبِلَها أوْ تَكَفَّلَ بِها. ولَمْ يَقُلْ: (بِتَقَبُّلٍ)، (p-٨٣٦)لِلْجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: التَّقَبُّلُ الَّذِي هو التَّرَقِّي في القَبُولِ، والقَبُولُ الَّذِي يَقْتَضِي الرِّضا والإثابَةَ، قالَ المَهايِمِيُّ: بِقَبُولٍ حَسَنٍ يَجْعَلُها فَوْقَ كَثِيرٍ مِنَ الأوْلِياءِ ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ بِجَعْلِ ذُرِّيَّتِها مِن كِبارِ الأنْبِياءِ - انْتَهى - وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَباتُها مَجازٌ عَنْ التَّرْبِيَةِ الحَسَنَةِ العائِدَةِ عَلَيْها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها، أيْ: كالصَّلاحِ والسَّدادِ والعِفَّةِ والطّاعَةِ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ أيْ: ضَمَّها إلَيْهِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ. ونَصْبَ زَكَرِيّا مَمْدُودًا أوْ مَقْصُورًا، والفاعِلُ اللَّهُ. أيْ: جَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها، وقائِمًا بِتَدْبِيرِ أُمُورِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّ أُمَّها أخَذَتْها وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ، ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ وقالَتْ: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةُ، فَتَنافَسُوا فِيها إذْ كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، وأحَبَّ كُلٌّ أنْ يَحْظى بِتَرْبِيَتِها، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها، فَأبَوْا إلّا القُرْعَةَ، وانْطَلَقُوا إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيها أقْلامَهم، عَلى أنَّ مَن ثَبَتَ قَلَمُهُ في الماءِ وصَعِدَ فَهو أوْلى بِها، فَطَفا قَلَمُ زَكَرِيّا، ورَسَبَتْ أقْلامُهم، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] فَأخَذَها زَكَرِيّا ورَبّاها في حِجْرِ خالَتِها، حَتّى إذا نَشَأتْ وبَلَغَتْ مَبالِغَ النِّساءِ، انْزَوَتْ في مِحْرابِها تَتَعَبَّدُ فِيهِ، وصارَتْ بِحَيْثُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
اَلْأُولى: في مَعْنى المِحْرابِ: في القامُوسِ وشَرْحِهِ ما نَصُّهُ: والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ والمَوْضِعُ العالِي، نَقَلَهُ الهَرَوِيُّ في غَرِيبِهِ عَنْ الأصْمَعِيِّ، قالَ وضّاحُ اليَمَنِ:
؎رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ ألْقَها أوْ أرْتَقِي سُلَّما
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ سَيِّدُ المَجالِسِ ومُقَدَّمُها وأشْرَفُها. قالَ: وكَذَلِكَ هو مِنَ المَساجِدِ، (p-٨٣٧)وعَنْ الأصْمَعِيِّ: العَرَبُ تُسَمِّي القَصْرَ مِحْرابًا لِشَرَفِهِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِحْرابُ عِنْدَ العامَّةِ الَّذِي يَفْهَمُهُ النّاسُ مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ مِحْرابَ المَسْجِدِ لِانْفِرادِ الإمامِ فِيهِ، وبُعْدِهِ مِنَ القَوْمِ. ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ حَرْبٌ لِفُلانٍ، إذا كانَ بَيْنَهُما بُعْدٌ وتَباغُضٌ. وفي المِصْباحِ: ويُقالُ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المُحارَبَةِ؛ لِأنَّ المُصَلِّيَ يُحارِبُ الشَّيْطانَ ويُحارِبُ نَفْسَهُ بِإحْضارِ قَلْبِهِ، ثُمَّ قالَ: ومَحارِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ هي مَساجِدُهم الَّتِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيها. انْتَهى.
الثّانِيَةُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الكَرامَةِ لِأوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، كَما وُجِدَ، عِنْدَ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُسْتَشْهِدِ بِمَكَّةَ، قِطْفُ عِنَبٍ، كَما في البُخارِيِّ. وفي الكِتابِ والسُّنَّةِ لِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ، ومِنَ اللَّطائِفِ هُنا ما نَقَلَهُ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ في (اليَواقِيتِ) عَنْ العارِفِ أبِي الحَسَنِ الشّاذِلِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ كانَ يُتَعَرَّفُ إلَيْها في بِداياتِها بِخَرْقِ العَوائِدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ تَقْوِيَةً لِإيمانِها وتَكْمِيلًا لِيَقِينِها، فَكانَتْ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا. فَلَمّا قَوِيَ إيمانُها ويَقِينُها رُدَّتْ إلى السَّبَبِ لِعَدَمِ وُقُوفِها مَعَهُ، فَقِيلَ لَها: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] انْتَهى.
الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. إمّا مِن تَمامِ كَلامِها فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وإمّا مِن كَلامِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو مُسْتَأْنَفٌ، ومَعْنى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ. وإمّا بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ تَفْضُّلًا مِنهُ تَعالى.
الرّابِعَةُ: زَكَرِيّا المُنَوَّهُ بِهِ هُنا هو والِدُ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَعْنى زَكَرِيّا: تِذْكارُ الرَّبِّ كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
(p-٨٣٨)
آل عمران 3:38
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ ] ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، سِيقَتْ في تَضاعِيفَ حِكايَةِ مَرْيَمَ، لِما بَيْنَهُما مِن قُوَّةِ الِارْتِباطِ، وشِدَّةِ الِاشْتِباكِ، مَعَ ما في إيرادِها مِن تَقْرِيرِ ما سِيقَتْ لَهُ حِكايَتُها مِن بَيانِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ. فَإنَّ فَضائِلَ بَعْضِ الأقْرِباءِ أدِلَّةٌ عَلى فَضائِلِ الآخَرِينَ، و: (هُنا) ظَرْفُ مَكانٍ، أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ، حَيْثُ هو عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، إذْ يُسْتَعارُ (هُنا وثُمَّتَ وحَيْثُ) لِلزَّمانِ، دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ لَمّا رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ عَلى اللَّهِ ومَنزِلَتِها مِنهُ تَعالى، رَغِبَ في أنْ يَكُونَ لَهُ مِن زَوْجَتِهِ ولَدٌ مِثْلُ ولَدِ أُخْتِها في النَّجابَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وإنْ كانَتْ عاقِرًا عَجُوزًا كَذا في أبِي السُّعُودِ والذُّرِّيَّةُ هُنا الوَلَدُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْها قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] قَوْلُهُ: ﴿طَيِّبَةً﴾ بِمَعْنى: مُطِيعَةً لَكَ، لِأنَّ ذَلِكَ طَلِبَةُ أهْلِ الخُصُوصِ كَما سَبَقَ إيضاحُهُ في آيَةِ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ [آل عمران: ٣٥] إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: مُجِيبُهُ، وقَدْ أجابَهُ الحَقُّ تَعالى، فَأرْسَلَ إلَيْهِ المَلائِكَةَ مُبَشِّرَةً كَما قالَ تَعالى:
آل عمران 3:39
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ ] ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾
﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَتِنا: ﴿بِيَحْيى﴾ وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ بِكَسْرِ: (إنَّ) وفَتْحِها، ولَفْظُ يَحْيى مُعْرَّبٌ عَنْ يُوحَنّا (p-٨٣٩)اِسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ. ومَعْنى يُوحَنّا: نِعْمَةُ الرَّبِّ، كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِنَبِيٍّ خُلِقَ بِكَلِمَةِ (كُنْ) مِن غَيْرِ أبٍ. يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فَيُصَدِّقُهُ هو. وذَلِكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وسَيِّدًا﴾ أيْ: يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم: ﴿وحَصُورًا﴾ أيْ: لا يَقْرَبُ النِّساءَ حَصْرًا لِنَفْسِهِ، أيْ: مَنعًا لَها عَنْ الشَّهَواتِ عِفَّةً وزُهْدًا واجْتِهادًا في الطّاعَةِ: ﴿ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنهم؛ لِأنَّهُ مِن أصْلابِهِمْ. أوْ كائِنًا مِن جُمْلَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] ولَمّا تَحَقَّقَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ البِشارَةَ أخَذَ يَتَعَجَّبُ مِن وُجُودِ الوَلَدِ مِنهُ بَعْدَ الكِبَرِ.
آل عمران 3:40
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ ] ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾
﴿قالَ رَبِّ أنّى﴾ أيْ: كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ: ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ: أدْرَكَنِي الكِبَرُ الكامِلُ المانِعُ مِنَ الوِلادَةِ فَأضْعَفَنِي: ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ أيْ: ذاتُ عُقْرٍ، فَهو عَلى النَّسَبِ، وهو في المَعْنى مَفْعُولٌ أيْ: مَعْقُورَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يُلْحَقْ تاءَ التَّأْنِيثِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ يَكُونُ لَكَ الوَلَدُ عَلى الحالِ الَّتِي أنْتَ وزَوْجَتُكَ عَلَيْها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، بَلْ: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولا يَتَعاظَمُهُ أمْرٌ. وفي إعْرابِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أوْجُهٌ. مِنها: أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانٌ لَهُ. ومِنها أنَّ الكافَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها في الأصْلِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ فِعْلًا مِن ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ.
(p-٨٤٠)
آل عمران 3:41
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ ] ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ .
﴿قالَ﴾ زَكَرِيّا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها حُصُولَ الحَمْلِ. وإنَّما سَألَها لِكَوْنِ العُلُوقِ أمْرًا خَفِيًّا لا يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَأرادَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِهِ مِن أوَّلِهِ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ مِن أوَّلِها، ولا يُؤَخِّرُهُ إلى أنْ يَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ: أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ: ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ أيْ: إشارَةً بِيَدٍ أوْ رَأْسٍ. وإنَّما جُعِلَتْ آيَتُهُ ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ المُدَّةِ لِذِكْرِهِ تَعالى شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ عُقُوبَةً مِنهُ تَعالى بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ - حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ -: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا: ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ: وسَبِّحْهُ: ﴿بِالعَشِيِّ﴾ وهو آخِرُ النَّهارِ. ويَقَعُ العَشِيُّ أيْضًا عَلى ما بَيْنَ الزَّوالِ والغُرُوبِ: ﴿والإبْكارِ﴾ وهو الغَدْوَةُ، أوْ مِن صَلاةِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ الحَثُّ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وهو مِن شُعَبِ الإيمانِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَوْ رَخَّصَ اللَّهُ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِّكْرِ لَرَخَّصَ لِزَكَرِيّا؛ لِأنَّهُ مَنَعَهُ مِنَ الكَلامِ وأمَرَهُ بِالذِّكْرِ - أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - .
آل عمران 3:42
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢ ] ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾
﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ شُرُوعٌ في تَتِمَّةِ فَضائِلِ آلِ عِمْرانَ. قالَ المَهايِمِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى جَوازِ تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ الوَلِيَّ، ويُفارِقُ النَّبِيَّ في دَعْوى النُّبُوَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ بِالتَّقْرِيبِ والمَحَبَّةِ: ﴿وطَهَّرَكِ﴾ عَنْ الرَّذائِلِ لِيَدُومَ انْجِذابُكِ إلَيْهِ: ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ (p-٨٤١)بِالتَّفْضِيلِ وبِما أظْهَرَهُ مِن قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ حَيْثُ خَلَقَ مِنكِ ولَدًا مِن غَيْرِ أبٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ. وفي (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ. كَما اسْتَدَلَّ بِها مَن فَضَّلَها عَلى بَناتِ النَّبِيِّ ﷺ وأزْواجِهِ. وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ عالَمِي زَمانِها قالَهُ السُّدِّيُّ - .
آل عمران 3:43
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ ] ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾
﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ: اعْبُدِيهِ شُكْرًا عَلى اصْطِفائِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أيْ: لِتَزْدادِي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ والصَّلاةِ قُرْبًا. قالَ البِقاعِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالسُّجُودِ هُنا ظاهِرُهُ، وبِالرُّكُوعِ الصَّلاةُ نَفْسُها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: واسْجُدِي مُصَلِّيَةً، ولْتَكُنْ صَلاتُكِ مَعَ المُصَلِّينَ، أيْ: في جَماعَةٍ، فَإنَّكِ في عِدادِ الرِّجالِ لِما خُصِصْتِ بِهِ مِنَ الكَمالِ. ثُمَّ قالَ: وإنَّما قُلْتُ هَذا لِأنِّي تَتَبَّعْتُ التَّوْراةَ، فَلَمْ أرَهُ ذَكَرَ فِيها الرُّكُوعَ في صَلاةِ إبْراهِيمَ ولا مَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، ولا أتْباعِهِمْ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، لا يَحْسُنُ جَعْلُهُ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ. ورَأيْتُهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ فِيها عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ:
اَلْأوَّلُ: إطْلاقُ لَفْظِها مِن غَيْرِ بَيانِ كَيْفِيَّةٍ.
والثّانِي: إطْلاقُ لَفْظِ السُّجُودِ مُجَرَّدًا.
والثّالِثُ: إطْلاقُهُ مَقْرُونًا بِرُكُوعٍ أوْ حَبْوٍ أوْ خُرُورٍ عَلى الوَجْهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ساقَ البِقاعِيُّ ما وقَعَ مِنَ النُّصُوصِ في ذَلِكَ، وقالَ بَعْدُ: فاَلَّذِي فَهِمْتُهُ مِن هَذِهِ الأماكِنِ وغَيْرِها: أنَّ الصَّلاةَ عِنْدَهم تُطْلَقُ عَلى الدُّعاءِ وعَلى فِعْلٍ هو مُجَرَّدُ السُّجُودِ، فَإنْ ذُكِرَ مَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى وضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ فَذاكَ، وحِينَئِذٍ يُسَمّى صَلاةً. وإلّا كانَ المُرادُ بِهِ مُطْلَقَ الِانْحِناءِ لِلتَّعْظِيمِ. وذَلِكَ مُوافِقٌ لِلُّغَةِ، قالَ في القامُوسِ: سَجَدَ: خَضَعَ، والخُضُوعُ: التَّطامُنُ، وأمّا المَكانُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الرُّكُوعُ، فالظّاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: فِعْلُ الشَّعْبِ كُلِّهِ ساجِدًا لِلَّهِ، لِأنَّ الرُّكُوعَ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى مَعانٍ، مِنها الصَّلاةُ. يُقالُ: رَكَعَ أيْ: صَلّى، ورَكَعَ إذا انْحَنى كَثِيرًا، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الرُّكُوعِ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ في حالِ السُّجُودِ، وإنْ ارْتُكِبَ فِيهِ تَأْوِيلٌ لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ (p-٨٤٢)فِي الرُّكُوعِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - واحْتَجَجْتُ بِاللُّغَةِ لِأنَّ مُتَرْجِمَ نُسْخَةِ التَّوْراةِ، الَّتِي وقَعَتْ لِي، في عِدادِ البُلَغاءِ، يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن تَأمَّلَ مَواقِعَ تَرْجَمَتِهِ لَها. عَلى أنِّي سَألْتُ عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ الآنَ، فَأُخْبِرْتُ أنَّهُ لَيْسَ فِيها رُكُوعٌ، ثُمَّ رَأيْتُ البَغَوِيَّ صَرَّحَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] بِأنَّ صَلاتَهم لا رُكُوعَ فِيها، وكَذا ابْنَ عَطِيَّةَ وغَيْرَهُما. انْتَهى كَلامُ البِقاعِيِّ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مَطْلُوبَةٌ في الصَّلاةِ، وعَلى أنَّ المَرْأةَ تُنْدَبُ لَها الجَماعَةُ.
آل عمران 3:44
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤ ] ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: الأنْباءِ المَغِيبَةِ عَنْكَ: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ مُطابِقًا لِما في كِتابِهِمْ. وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في: ﴿نُوحِيهِ﴾ بِجَعْلِ مَرْجِعِهِ ذَلِكَ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ: وما كُنْتَ مُعايِنًا لِفِعْلِهِمْ، وما جَرى مِن أمْرِهِمْ في شَأْنِ مَرْيَمَ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم، أيْ: سِهامَهم الَّتِي جَعَلُوا عَلَيْها عَلاماتٍ يُعْرَفُ بِها مَن يَكْفُلُ مَرْيَمَ عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ بِسَبَبِها تَنافُسًا في كَفالَتِها. وقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ: أنَّهم ذَهَبُوا إلى نَهْرِ الأُرْدُنِّ واقْتَرَعُوا هُنالِكَ عَلى أنْ يُلْقُوا أقْلامَهم، فَأيُّهم ثَبَتَ في جَرْيِةِ الماءُ فَهو كافِلُها. فَألْقَوْا أقْلامَهم، فاحْتَمَلَها الماءُ إلّا قَلَمَ زَكَرِيّا، فَإنَّهُ ثَبَتَ. ويُقالُ إنَّهُ ذَهَبَ صاعِدًا يَشُقُّ جَرْيَةَ الماءِ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى يُلْقُونَ (p-٨٤٣)أقْلامَهم، مِمّا كانَتْ الأُمَمُ تَفْعَلُهُ مِنَ المُساهَمَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ فَيَطْرَحُونَ مِنها ما يَكْتُبُونَ عَلَيْها أسْماءَهم، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سَلِمَ لَهُ الأمْرُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] وهو شَبِيهٌ بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي تَتَقاسَمُ بِها العَرَبُ لَحْمَ الجَزُورِ. وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ السِّهامُ أقْلامًا لِأنَّها تُقْلَمُ وتُبْرى، وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ قَلَمْتَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى ما يُكْتَبُ بِهِ قَلَمًا. وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اسْتِعْمالِ القُرْعَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ. وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّهُ يَجُوزُ التَّخاصُمُ لِطَلَبِ الفَضْلِ حَتّى يَتَمَيَّزَ واحِدٌ بِمَزِيَّةٍ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ التَّمْيِيزَ يَحْصُلُ بِالقُرْعَةِ في الأمْرِ المُلْبِسِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ نُفِيَتْ المُشاهَدَةُ، وانْتِفاؤُها مَعْلُومٌ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، وتُرِكَ نَفْيُ اسْتِماعِ الأنْباءِ مِن حُفّاظِها، وهو مَوْهُومٌ ؟ قُلْتُ: كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم عِلْمًا يَقِينًا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ السَّماعِ والقِراءَةِ، وكانُوا مُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةُ، وهي في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِحالَةِ، فَنُفَيَتْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا سَماعَ لَهُ ولا قِراءَةَ. ونَحْوُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] - انْتَهى - وبِالجُمْلَةِ: فالنَّفْيُ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لِكَوْنِ تِلْكَ الأنْباءِ وحْيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ.
(p-٨٤٤)
آل عمران 3:45
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ ] ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: بِمَوْلُودٍ يَحْصُلُ بِكَلِمَةٍ مِنهُ بِلا واسِطَةِ أبٍ: ﴿اسْمُهُ﴾ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى الكَلِمَةِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ. أيْ: اسْمُهُ الَّذِي يُمَيِّزُهُ لَقَبًا: ﴿المَسِيحُ﴾ وعَلَمًا: ﴿عِيسى﴾ مُعْرَّبُ يَسُوعَ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، كَلِمَةٌ يُونانِيَّةٌ مَعْناها (مُخَلِّصٌ) ويُرادِفُها (يَشُوعُ) بِالمُعْجَمَةِ، إلّا أنَّها عِبْرانِيَّةٌ كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفِيها أنَّ المَسِيحَ بِمَعْنى: المَمْسُوحُ أوْ المَدْهُونُ. قالَ البِقاعِيُّ: وأصْلُ هَذا الوَصْفِ أنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِمْ: مَن مَسَحَهُ الإمامُ بِدُهْنِ القُدْسِ كانَ طاهِرًا مُتَأهِّلًا لِلْمُلْكِ والعِلْمِ والوِلاياتِ الفاضِلَةِ مُبارَكًا، فَدَلَّ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُلازِمٌ لِلْبَرَكَةِ النّاشِئَةِ عَنْ المَسْحِ، وإنْ لَمْ يُمْسَحْ. انْتَهى. وإنَّما قالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ، فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ، وبِذَلِكَ فُضِّلَتْ عَلى نِساءِ العالَمِينَ: ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: سَيِّدًا ومُعَظَّمًا فِيهِما: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
آل عمران 3:46
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦ ] ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾
﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ: ﴿وكَهْلا﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ بِمَعْنى ويُكَلِّمُ النّاسَ، حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ الحالَتَيْنِ، وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ غايَةٌ في المُعْجِزِ. وفي ذَلِكَ بِشارَةٌ بِبَقائِهِ إلى أنْ يَصِيرَ كَهْلًا. والمَهْدُ: المَوْضِعُ الَّذِي يُهَيَّأُ لِلصَّبِيِّ ويُوطَّأُ لِيَنامَ فِيهِ. والكَهْلُ: مَن وخَطَهُ الشَّيْبُ، أوْ مَن جاوَزَ الثَّلاثِينَ إلى (p-٨٤٥)اَلْأرْبَعِينَ أوْ الخَمْسِينَ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلْغُلامِ مُراهِقٌ، ثُمَّ مُحْتَلِمٌ، ثُمَّ يُقالُ: تَخَرَّجَ وجْهُهُ، ثُمَّ اتَّصَلَتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ مُجْتَمِعٌ، ثُمَّ كَهْلٌ، وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. قالَ الأزْهَرِيُّ: وقِيلَ لَهُ كَهْلٌ حِينَئِذٍ: لِانْتِهاءِ شَبابِهِ وكَمالِ قُوَّتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: مِن عِدادِهِمْ وأوْلِيائِهِمْ؛ لِأنَّ أهْلَ الصَّلاحِ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ في الدِّينِ والفَضْلِ.
آل عمران 3:47
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧ ] ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
﴿قالَتْ﴾ مُخاطِبَةً لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ إلَيْها المَلائِكَةَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَسْتُ بِذاتِ زَوْجٍ: ﴿قالَ كَذَلِكِ﴾ أيْ: عَلى الحالَةِ الَّتِي أنْتِ عَلَيْها مِن عَدَمِ مَسِّ البَشَرِ: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ولا يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وصَرَّحَ هَهُنا بِقَوْلِهِ: (يَخْلُقُ ما يَشاءُ) ولَمْ يَقُلْ: (يَفْعَلُ) كَما في قِصَّةِ زَكَرِيّا، لِما أنَّ الخَلْقَ المُنْبِئَ عَنْ الإحْداثِ لِلْمُكَوَّنِ أنْسَبُ بِهَذا المَقامِ؛ لِئَلّا يَبْقى لِمُبْطِلٍ شُبْهَةٌ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ أيْ: أرادَ شَيْئًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢] ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ تَأخُّرٍ ولا حاجَةٍ إلى سَبَبٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] أيْ: إنَّما نَأْمُرُ مَرَّةً واحِدَةً لا تَثْنِيَةَ فِيها فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ سَرِيعًا كَلَمْحِ البَصَرِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
(p-٨٤٦)
آل عمران 3:48
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨ ] ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾
﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ أيْ: الكِتابَةَ أوْ جِنْسَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ: تَهْذِيبَ الأخْلاقِ: ﴿والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إفْرادُهُما بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالكِتابِ جِنْسَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، لِزِيادَةِ فَضْلِهِما وإنافَتِهِما عَلى غَيْرِهِما.
آل عمران 3:49
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩ ] ﴿ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
﴿ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَقُودُ إلَيْهِ المَعْنى، مَعْطُوفٌ عَلى (يُعَلِّمُهُ) أيْ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى جَمِيعِ الإسْرائِيلِيِّينَ. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لـ (رَسُولًا) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّطْقِ. أيْ: رَسُولًا ناطِقًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ دُونَ الوَحْدَةِ لِظُهُورِ تَعَدُّدِها، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ: مُتَلَبِّسًا ومُحْتَجًّا بِآيَةِ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكافِ، أيْ: في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُماثِلِ لِهَيْئَةِ الطَّيْرِ: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ حَقِيقِيًّا ذا حَياةٍ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: أمْرُهُ، لا بِاسْتِقْلالٍ مِنِّي: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الَّذِي وُلِدَ أعْمًى: ﴿والأبْرَصَ﴾ المُبْتَلى بِالبَرَصِ، وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في البَشَرَةِ لِفَسادِ مِزاجٍ. وفي (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ الأطِبّاءُ: إنَّ الأكْمَهَ - الَّذِي وُلِدَ أعْمًى - والأبْرَصَ لا يُمْكِنُ بُرْؤُهُما، كَإحْياءِ المَوْتى: ﴿وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ لا بِاسْتِقْلالٍ مِنِّي. نَفْيًا لِتَوَهُّمِ (p-٨٤٧)اَلْأُلُوهِيَّةِ، فَهَذِهِ مُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ فِعْلِيَّةٌ: ﴿وأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم: ﴿بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ مِمّا لَمْ أُعايِنُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ أيْ: دِلالَةً: ﴿لَكُمْ﴾ عَلى صِدْقِي في دَعْوى الرِّسالَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُصَدِّقِينَ بِآياتِ اللَّهِ. وقَدْ ذُكِرَ في الإنْجِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدَّ بَصَرَ أعْمَيَيْنِ في كَفْرِ ناحُومَ، وأعْمًى في بَيْتِ صَيْدا، ورَجُلٍ وُلِدَ أعْمًى في أُورْشَلِيمَ، وشَفى عَشَرَةَ مُصابِينَ بِالبَرَصِ في السّامِرَةِ، وأبْرَأ أبْرَصَ في كَفْرِ ناحُومَ، وأقامَ ابْنَ الأرْمَلَةِ مِنَ المَوْتِ في بَلْدَةِ نايِينَ، وأحْيا ابْنَةَ جيروسَ في كَفْرِ ناحُومَ، والعازِرِ في بَيْتِ عَيْنا.
آل عمران 3:50
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٠ ] ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾
﴿ومُصَدِّقًا﴾ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ " بِآيَةٍ " أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ ومُصَدِّقًا: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أيْ: مُقَرِّرًا لَهُما ومُثَبِّتًا: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَسَخَ بَعْضَ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، وهو الصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ. ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: لَمْ يَنْسَخْ مِنها شَيْئًا، وإنَّما أحَلَّ لَهم بَعْضَ ما كانُوا يَتَنازَعُونَ فِيهِ خَطَأً، وانْكَشَفَ لَهم عَنْ الغِطاءِ في ذَلِكَ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] واَللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
أقُولُ: مِنَ البَعْضِ الَّذِي أحَلَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم: فِعْلَ الخَيْرِ في السُّبُوتِ، وقَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ مُطْلَقِ عَمَلِ يَوْمِ السَّبْتِ، ولِذا لَمّا اجْتازَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإسْرائِيلِيِّينَ مَرَّةً، أبْصَرَ مَرِيضًا فَسَألُوهُ: هَلْ يَحِلُّ أنْ يَشْفِيَ في السَّبْتِ ؟ فَقالَ لَهم عَلَيْهِ السَّلامُ: أيُّ إنْسانٍ مِنكم يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ، فَيَسْقُطُ في حُفْرَةٍ يَوْمَ السَّبْتِ (p-٨٤٨)ولا يُمْسِكُهُ ويَرْفَعُهُ ؟ والإنْسانُ كَمْ يَفْضُلُ الخَرُوفَ ؟ فَإذَنْ يَحِلُّ فِعْلُ الخَيْرِ في السُّبُوتِ، ثُمَّ أبْرَأ ذَلِكَ المَرِيضَ - كَذا في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ، مِنَ الفِقْرَةِ التّاسِعَةِ إلى الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِن إنْجِيلِ مَتّى - وفِيهِ في الإصْحاحِ الخامِسِ الفِقْرَةِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْلُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَظُنُّوا أنِّي جِئْتُ لِأنْقُضَ النّامُوسَ أوْ الأنْبِياءَ، ما جِئْتُ لِأنْقُضَ بَلْ لِأُكْمِلَ - انْتَهى - .
وقَدْ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ شَرائِعَ التَّوْراةِ كُلَّها، ثُمَّ جاءَ بُولَسُ ومَن بَعْدَهُ مِنَ الرُّهْبانِ، فادَّعَوْا أنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ ورَفَعَهُ عَنْهم، إذْ أكْمَلَهُ وأتَمَّهُ بِفِعْلِهِ إيّاهُ. وكَفاهم مَؤُونَةَ العَمَلِ بِشَيْءٍ مِنهُ، وأغْناهم بِشَرِيعَتِهِ الرُّوحانِيَّةِ، فَنَقَضُوا النّامُوسَ الَّذِي جاءَ لِإكْمالِهِ المَسِيحُ. فَمِمّا نَقَضُوهُ إباحَةُ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ المُحَرَّمَةِ في النّامُوسِ المُوسَوِيِّ، فَنُسِخَتْ حُرْمَتُها في الشَّرِيعَةِ العِيسَوِيَّةِ، وثَبَتَتْ الإباحَةُ العامَّةُ بِفَتْوى بُولَسَ، إذْ قالَ لَهم: لا شَيْءَ نَجِسُ العَيْنِ، كَما في رِسالَتِهِ إلى أهْلِ رُومِيَّةَ. ومِمّا نَقَضُوهُ تَعْظِيمُ السَّبْتِ، فَقَدْ كانَ حُكْمًا أبَدِيًّا في الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ، وما كانَ لِأحَدٍ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ أدْنى عَمَلٍ، وكانَ مَن عَمِلَ فِيهِ عَمَلًا واجِبَ القَتْلِ. ومِنهُ أحْكامُ الأعْيادِ المَشْرُوعَةِ في التَّوْراةِ. ومِنهُ حُكْمُ الخِتانِ الَّذِي كانَ أبَدِيًّا في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأوْلادِهِ إلى شَرِيعَةِ مُوسى، وقَدْ خَتَنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنَسَخَ حُكْمَهُ الرُّهْبانُ بَعْدَهُ، كَما نَسَخُوا جَمِيعَ الأحْكامِ العَمَلِيَّةِ لِلتَّوْراةِ، إلّا الزِّنى، كَما بَيَّنَ في (إظْهارِ الحَقِّ)، في البابِ الثّالِثِ في إثْباتِ النَّسْخِ، وقَدْ أسْلَفْنا جُمْلَةً جَلِيلَةً في هَذا الشَّأْنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] فانْظُرْها ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾
(p-٨٤٩)
آل عمران 3:51
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ ] ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا﴾ أيْ: ما آمُرُكم بِهِ: ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
آل عمران 3:52
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢ ] ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾
﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿الكُفْرَ﴾ أيْ: عَلِمَهُ ووَجَدَهُ مِنهم: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ جَمْعُ نَصِيرٍ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، أيْ: مَن أنْصارِي مُتَوَجِّهًا إلى اللَّهِ مُلْتَجِئًا إلَيْهِ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ وهم طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ انْتُدِبَتْ لِلْإيمانِ بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوازَرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ - جَمْعُ حَوارِيٍّ - وهو النّاصِرُ أوْ المُبالِغُ في النُّصْرَةِ، والوَزِيرُ والخَلِيلُ والخالِصُ كَما في (التَّوْشِيحِ): ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْصارُ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِرِسالَتِكَ. ولَمّا أشْهَدُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْهَدُوا اللَّهَ تَعالى الآمِرَ بِما أُنْزِلَ مِنَ الإيمانِ بِهِ وبِأوامِرِهِ فَقالُوا:
آل عمران 3:53
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ ] ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْـزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْـزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ فَأشْهَدْناكَ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِن تَصْدِيقِنا دَعْواهُ: ﴿فاكْتُبْنا﴾ أيْ: جَزاءً عَلى إشْهادِنا إيّاكَ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ: مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِوَحْدانِيَّتِكَ. وهم المُتَقَدِّمُونَ في آيَةِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] أوْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأتْباعِهِمْ.
(p-٨٥٠)لَطِيفَةٌ:
جاءَ في إنْجِيلِ مَتّى في الإصْحاحِ العاشِرِ ما يَأْتِي:
١ - ثُمَّ دَعا تَلامِيذَهُ الِاثْنَيْ عَشَرَ وأعْطاهم سُلْطانًا عَلى أرْواحٍ نَجِسَةٍ حَتّى يُخْرِجُوها ويَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وكُلَّ ضَعْفٍ.
٢ - وأمّا أسْماءُ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَسُولًا فَهي هَذِهِ: الأوَّلُ: سِمْعانُ، الَّذِي يُقالُ لَهُ بُطْرُسُ وأنْدَراوُسُأخُوهُ، يَعْقُوبُ بْنُ زَبَدِي ويُوحَنّا أخُوهُ.
٣ - فِيلُبُّسُ وبَرْثُو لَماوُسُ، تُوما ومَتّى العَشّارُ، يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفى، ولَبّاوُسُ المُلَقَّبُ تَدّاوُسُ.
٤ - سِمْعانُ القانَوِيُّ ويَهُوذا الإسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي أسْلَمَهُ.
وكانُوا يُسَمَّوْنَ رُسُلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ بَعَثَهم إلى الإسْرائِيلِيِّينَ الضّالِّينَ يَدْعُونَهم إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، فَبَذَلُوا الجَهْدَ في بَثِّهِ وانْتِشارِهِ وإقامَتِهِ، إلى أنْ جاءَ بُولَسُ فَسَلَبَهم بِخِداعِهِ، دِينَ المَسِيحِ الصَّحِيحِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا لَهُ بَعْدُ مِن خَبَرٍ، ولا وقَفُوا لَهُ عَلى أثَرٍ، وطَمَسَ لَهم رُسُومَ التَّوْراةِ، وحَلَّلَ لَهم كُلَّ مُحَرَّمٍ، كَما بُيِّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
آل عمران 3:54
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤ ] ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾
﴿ومَكَرُوا﴾ أيْ: الَّذِينَ أحَسَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم الكُفْرَ، بِأنْ هَمُّوا بِالفَتْكِ بِهِ وإرادَتِهِ بِالسُّوءِ، حَيْثُ تَمالَؤُوا عَلَيْهِ ووَشَوْا بِهِ إلى مَلِكِهِمْ: ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فانْتَقَمَ مِنهم، وأوْرَثَهم ذِلَّةً مُسْتَمِرَّةً وأبادَ مُلْكَهم: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ: أقْواهم مَكْرًا، وأنْفَذَهم كَيْدًا، وأقْدَرَهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ. وقالَ البِقاعِيُّ كَغَيْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِأنْ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وشَبَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى ظَنُّوا أنَّهم صَلَبُوهُ، وإنَّما صَلَبُوا أحَدَهم، ويُقالُ: إنَّهُ الَّذِي دَلَّهم. وأمّا هو عَلَيْهِ السَّلامُ، فَصانَهُ عِنْدَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ (p-٨٥١)إلى مَحَلِّ أوْلِيائِهِ ومَوْطِنِ قُدْسِهِ، لِيُنْـزِلَهُ في آخِرِ الزَّمانِ لِاسْتِئْصالِهِمْ بَعْدَ أنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ بَعْدَ قَصْدِهِمْ لَهُ بِالأذى الَّذِي طَلَبُوا بِهِ العِزَّ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، فَكانَ تَدْمِيرُهم في تَدْبِيرِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِبِشارَتِهِ بِالعِصْمَةِ مِن مَكْرِهِمْ بِقَوْلِهِ:
آل عمران 3:55
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥ ] ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أيْ: مُسْتَوْفٍ مُدَّةَ إقامَتِكَ بَيْنَ قَوْمِكَ. والتَّوَفِّي، كَما يُطْلَقُ عَلى الإماتَةِ، كَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى اسْتِيفاءِ الشَّيْءِ. كَما في كُتُبِ اللُّغَةِ. ولَوْ ادُّعِيَ أنَّ التَّوَفِّيَ حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ فَنَقُولُ: لا مانِعَ مِن تَشْبِيهِ سَلْبِ تَصَرُّفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأتْباعِهِ وانْتِهاءِ مُدَّتِهِ المُقَدَّرَةِ بَيْنَهم بِسَلْبِ الحَياةِ. وهَذا الوَجْهُ ظاهِرٌ جَدًّا، ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ العَزِيزِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، تَشْبِيهًا لِلنّائِمِينَ بِالمَوْتى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] حَيْثُ لا يُمَيِّزُونَ ولا (p-٨٥٢)يَتَصَرَّفُونَ، كَما أنَّ المَوْتى كَذَلِكَ - انْتَهى كَلامُهُ - . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ في بِشارَتِهِ بِالرِّفْعَةِ إلى مَحَلِّ كَرامَتِهِ ومَوْطِنِ مَلائِكَتِهِ ومَعْدِنِ النَّزاهَةِ عَنْ الأدْناسِ فَقالَ: ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن مَكْرِهِمْ وخُبْثِ صُحْبَتِهِمْ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ بِظاهِرِها عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ سَماواتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] وهو مَذْهَبُ السَّلَفِ قاطِبَةً، كَما نَقَلَهُ الإمامُ الذَّهَبِيُّ في كِتابِ (العُلُوُّ) .
قالَ أبُو الوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ في (مَناهِجِ الأدِلَّةِ): لَمْ يَزَلْ أهْلُ الشَّرِيعَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى جِهَةَ (الفَوْقِ) حَتّى نَفَتْها المُعْتَزِلَةُ، ثُمَّ تَبِعَهم عَلى نَفْيِها مُتَأخِّرُو الأشاعِرَةِ كَأبِي المَعالِي ومَن اقْتَدى بِقَوْلِهِ - إلى أنْ قالَ: والشَّرائِعُ كُلُّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ في السَّماءِ، وأنَّ مِنهُ تَتَنَزَّلُ المَلائِكَةُ بِالوَحْيِ إلى النَّبِيِّينَ، وأنَّ مِنَ السَّماواتِ نَزَلَتْ الكُتُبُ، وإلَيْها كانَ الإسْراءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وجَمِيعُ الحُكَماءِ قَدْ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ اللَّهَ والمَلائِكَةَ في السَّماءِ، كَما اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الشَّرائِعِ عَلى ذَلِكَ بِالمَعْقُولِ. وبَيَّنَ بُطْلانَ الشُّبْهَةِ الَّتِي لِأجْلِها نَفَتْها الجَهْمِيَّةُ ومَن وافَقَهم - إلى أنْ قالَ: فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ مِن هَذا أنَّ إثْباتَ الجِهَةِ واجِبٌ بِالشَّرْعِ والعَقْلِ. وأنَّ إبْطالَهُ إبْطالُ الشَّرائِعِ. قالَ الدّارِمِيُّ: وقَدْ اتَّفَقَتْ الكَلِمَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَماواتِهِ. وقَدْ بَسَطَ نُصُوصَ السَّلَفِ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ في كِتابِ (العُلُوِّ) فانْظُرْهُ، (p-٨٥٣)هَذا، ولَمّا كانَ لِذَوِي الهِمَمِ العَوالِ أشَدُّ التِفاتٍ إلى ما يَكُونُ عَلَيْهِ خُلَفاؤُهم مِن بَعْدِهِمْ مِنَ الأحْوالِ، بَشَّرَهُ تَعالى في ذَلِكَ بِما بَشَّرَهُ فَقالَ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وكَذا كانَ لَمْ يَزَلْ مَن انْتَحَلَ النَّصْرانِيَّةَ فَوْقَ اليَهُودِ، ولا يَزالُونَ كَذَلِكَ إلى أنْ يَعْدَمُوا، فَلا يَبْقى مِنهم أحَدٌ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ الحُكْمَ الواقِعَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦]
آل عمران 3:56
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦ ] ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾
آل عمران 3:57
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٧ ] ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾
﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: يُبْغِضُهم، فَإنَّ هَذِهِ الكِنايَةَ فاشِيَةٌ في جَمِيعِ اللُّغاتِ، جارِيَةٌ مَجْرى الحَقِيقَةِ.
آل عمران 3:58
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨ ] ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَكَ اطِّلاعٌ سابِقٌ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ (p-٨٥٤)مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ: ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ أيْ: المُشْتَمِلِ عَلى الحِكَمِ، أوْ المُحْكَمِ المَعْصُومِ مِن تَطَرُّقِ الخَلَلِ إلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ: القُرْآنُ.
تَنْبِيهٌ:
فِي قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] وُجُوهٌ في التَّأْوِيلِ كَثِيرَةٌ، إلّا أنَّ الَّذِي فَتَحَ المَوْلى بِهِ مِمّا أسْلَفْناهُ هو أرْجَحُ التَّأْوِيلاتِ واَللَّهُ أعْلَمُ، وبِهِ يَسْقُطُ زَعْمُ النَّصارى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ عَلَيْنا، لِإفادَتِها وفاتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: بِالصَّلْبِ، ثُمَّ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ، أعْنِي: قِيامَهُ حَيًّا بَعْدَ وفاتِهِ عَلى زَعْمِهِمْ مِن أنَّهُ ماتَ بِجَسَدِهِ، وأقامَ عَلى الصَّلِيبِ إلى وقْتِ الغُرُوبِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ، ثُمَّ أُنْزِلَ ودُفِنَ في أوَّلِ ساعَةٍ مِن لَيْلَةِ السَّبْتِ، وأقامَ في القَبْرِ إلى صَبِيحَةِ الأحَدِ، ثُمَّ انْبَعَثَ حَيًّا، وتَراءى لِلنِّسْوَةِ اللّائِي جِئْنَ إلى قَبْرِهِ زائِراتٍ، وقَدْ اسْتَنَدُوا في هَذا الزَّعْمِ إلى شَهادَةِ أناجِيلِهِمْ الأرْبَعِ، وشَهادَةِ تَلامِيذِهِ الشِّفاهِيَّةِ في العالَمِ، ثُمَّ أتْباعِهِمْ، وكَذا شَهادَةِ اليَهُودِ بِوُقُوعِ الصَّلْبِ عَلى المَسِيحِ ذاتِيًّا. ووَجْهُ سُقُوطِ زَعْمِهِمْ الفاسِدِ المَذْكُورِ ما بَيَّنّاهُ في مَعْنى الآيَةِ مِمّا لا يَبْقى مَعَهُ أدْنى ارْتِيابٍ. وقَدْ بَيَّنَ عُلَماؤُنا بُطْلانَ مُعْتَقَدِهِمْ هَذا في تَآلِيفَ وتَحارِيرَ فانْظُرْهُ في (حَواشِي تُحْفَةِ الأرِيبِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الصَّلِيبِ) تَأْلِيفُ الشَّيْخِ: عَبْدُ اللَّهِ بِكْ.
آل عمران 3:59
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩ ] ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ أيْ: شَأْنَهُ العَجِيبَ في إنْشائِهِ بِالقُدْرَةِ مِن غَيْرِ أبٍ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في تَقْدِيرِهِ وحُكْمِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أيْ: كَحالِهِ العَجِيبَةِ الَّتِي لا يَرْتابُ فِيها مُرْتابٌ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّمْثِيلِ بِبَيانِ وجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَهُما. وحَسْمٌ لِمادَّةِ شُبَهِ الخُصُومِ، فَإنَّ إنْكارَ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلا أبٍ مِمَّنْ اعْتَرَفَ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِغَيْرِ أبٍ وأُمٍّ، مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ - وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَهُ﴾ أيْ: صَوَّرَ (p-٨٥٥)جَسَدَ آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: ﴿كُنْ﴾ أيْ: بَشَرًا كامِلًا رُوحًا وجَسَدًا، فَإنَّ أمْرَهُ تَعالى يُفِيدُ قُوَّةَ التَّكَوُّنِ. قالَ البِقاعِيُّ: وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُقْتَرِنِ بِالفاءِ في: ﴿فَيَكُونُ﴾ دُونَ الماضِي، وإنْ كانَ المُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ حِكايَةً لِلْحالِ وتَصْوِيرًا لَها؛ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كانَ الأمْرُ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ، وتَنْبِيهًا إلى أنَّ هَذا هو الشَّأْنُ دائِمًا يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ مُرادٍ، لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مُرادِ الآمِرِ أصْلًا، كَما تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهِ في آيَةِ ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧]
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: الحُكَماءُ قالُوا: إنَّما خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ لِوُجُوهٍ:
اَلْأوَّلُ: لِيَكُونَ مُتَواضِعًا.
اَلثّانِي: لِيَكُونَ سِتارًا.
اَلثّالِثُ: لِيَكُونَ أشَدَّ التِصاقًا بِالأرْضِ. وذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِخِلافَةِ أهْلِ الأرْضِ. قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
اَلرّابِعُ: أرادَ الحَقُّ إظْهارَ القُدْرَةِ، فَخَلَقَ الشَّياطِينَ مِنَ النّارِ الَّتِي هي أضْوَأُ الأجْرامِ، وابْتَلاهم بِظُلُماتِ الضَّلالَةِ، وخَلَقَ آدَمَ مِنَ التُّرابِ الَّذِي هو أكْثَفُ الأجْرامِ، ثُمَّ أعْطاهُ المَحَبَّةَ والمَعْرِفَةَ والنُّورَ والهِدايَةَ.
اَلْخامِسُ: خَلَقَ الإنْسانَ مِن تُرابٍ لِيَكُونَ مُطْفِئًا لِنارِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
آل عمران 3:60
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠ ] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن نَبَأِ عِيسى الحَقُّ، وقِيلَ: الحَقُّ مُبْتَدَأٌ، والظَّرْفُ خَبَرٌ، أيْ: الحَقُّ المَذْكُورُ. وقِيلَ: الحَقُّ فاعِلٌ لِمُضْمَرٍ، أيْ: جاءَكَ الحَقُّ. وفي الحَقِّ تَأْوِيلانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ أنَّ هَذا الَّذِي أنْزَلْتُ (p-٨٥٦)عَلَيْكَ هو الحَقُّ مِن خَبَرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ما قالَتْ النَّصارى واليَهُودُ، فالنَّصارى قالُوا إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، واليَهُودُ رَمَوْا مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالإفْكِ، ونَسَبُوها إلى يُوسُفَ النَّجّارِ، فاَللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الَّذِي أنْزَلَ في القُرْآنِ هو الحَقُّ، ثُمَّ نَهى عَنْ الشَّكِّ فِيهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ الحَقَّ في بَيانِ هَذِهِ المَسْألَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَثَلِ، وهو قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لا بَيانَ أقْوى مِنها. واَللَّهُ أعْلَمُ.
﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابٌ إمّا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ، أوْ لِكُلِّ سامِعٍ.
آل عمران 3:61
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١ ] ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾
﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ: جادَلَكَ مِنَ النَّصارى بِإيرادِ حُجَّةٍ: ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى، زَعْمًا مِنهم أنَّهُ لَيْسَ عَلى الشَّأْنِ المَتْلُوِّ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ: الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ في أمْرِهِ. ولِلْفاضِلِ المَهايِمِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبٌ لَطِيفٌ في التَّأْوِيلِ حَيْثُ قالَ: ﴿الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٠] أيْ: الثّابِتُ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ جاءَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ [آل عمران: ٦٠] الَّذِي رَبّاكَ بِالإطْلاعِ عَلى الحَقائِقِ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] بِما ورَدَ في الإنْجِيلِ مِن إطْلاقِ لَفْظِ الأبِ عَلى اللَّهِ، فَإنَّهُ إطْلاقٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَدَثَ مِنهُ كانَ كَأبِيهِ. وإذا ظَهَرَ لَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ بِالبَيانِ التّامِّ: ﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ: جادَلَكَ: ﴿فِيهِ﴾ لِإثْباتِ أبْنِيَتِهِ بِظَواهِرَ الإنْجِيلِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ القَطْعِيِّ المُوجِبِ لِتَأْوِيلِهِ ﴿فَقُلْ﴾ لَمْ يَبْقَ بَيْنَنا وبَيْنَكم مُناظَرَةٌ، ولَكِنْ نَرْفَعُ عِنادَكم بِطَرِيقِ المُباهَلَةِ: ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ: أقْبِلُوا أيُّها المُجادِلُونَ إلى أمْرٍ يُعْرَفُ فِيهِ عُلُوُّ الحَقِّ وسُفُولُ (p-٨٥٧)الباطِلِ: ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدَعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم نَفْسَهُ، وأعِزَّةَ أهْلِهِ، وألْصَقَهم بِقَلْبِهِ، مِمَّنْ يُخاطِرُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ لَهم، ويُحارِبُ دُونَهم، ويَحْمِلُهم عَلى المُباهَلَةِ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ: نَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى ونَجْتَهِدُ في دُعاءِ اللَّعْنَةِ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: إبْعادَهُ وطَرْدَهُ: ﴿عَلى الكاذِبِينَ﴾ مِنّا ومِنكم لِيُهْلِكَهم اللَّهُ ويُنَجِّيَ الصّادِقِينَ، فَلا يَبْقى العِنادُ الباقِي عَلَيْكم بَعْدَ اتِّفاقِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - قالَ القاشانِيُّ: إنَّ لِمُباهَلَةِ الأنْبِياءِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا، سَبَبُهُ: اتِّصالُ نُفُوسِهِمْ بِرُوحِ القُدُسِ، وتَأْيِيدُ اللَّهِ إيّاهم بِهِ، وهو المُؤَثِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ في العالَمِ العُنْصُرِيِّ، فَيَكُونُ انْفِعالُ العالَمِ العُنْصُرِيِّ مِنهُ كانْفِعالِ بَدَنِنا مِن رُوحِنا بِالهَيْئاتِ الوارِدَةِ عَلَيْهِ، كالغَضَبِ والحُزْنِ والفِكْرِ في أحْوالِ المَعْشُوقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَحَرُّكِ الأعْضاءِ عِنْدَ حُدُوثِ الإراداتِ والعَزائِمِ، وانْفِعالُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مِنهُ، كانْفِعالِ حَواسِّنا وسائِرِ قُوانا مِن هَيْئاتِ أرْواحِنا، فَإذا اتَّصَلَ نَفْسُ قُدْسِيٍّ بِهِ كانَ تَأْثِيرُها في العالَمِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ الِاتِّصالِيِّ بِتَأْثِيرِ ما يَتَّصِلُ بِهِ، فَتَنْفَعِلُ أجْرامُ العَناصِرِ والنُّفُوسِ النّاقِصَةِ الإنْسانِيَّةِ مِنهُ بِما أرادَ، ألَمْ تَرَ كَيْفَ انْفَعَلَتْ نُفُوسُ النَّصارى مِن نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخَوْفِ، وأحْجَمَتْ عَنْ المُباهَلَةِ، وطَلَبَتْ المُوادَعَةَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ ! .
اَلثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ المُباهَلَةِ وما قَبْلَها مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا في وفْدِ نَصارى نَجْرانَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَجَعَلُوا يُحاجُّونَ في عِيسى ويَزْعُمُونَ فِيهِ ما يَزْعُمُونَ مِنَ البُنُوَّةِ والإلَهِيَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وكانُوا سِتِّينَ راكِبًا، مِنهم ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِمْ يَؤُولُ أمْرُهم: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ واسْمُهُ: عَبْدُ المَسِيحِ، والسَّيِّدُ ثِماُلُهم، وصاحِبُ رَحْلِهِمْ واسْمُهُ: الأيْهَمُ، وأبُو حارِثِ بْنُ عَلْقَمَةَ أُسْقُفُهم وحَبْرُهم. وفي القِصَّةِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أتاهُ الخَبَرُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والفَصْلُ مِنَ القَضاءِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وأُمِرَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن مُلاعَنَتِهِمْ، إنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعاهم إلى المُباهَلَةِ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ (p-٨٥٨)دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نُرِيدُ أنْ نَفْعَلَ فِيما دَعَوْتَنا إلَيْهِ، فانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالعاقِبِ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ماذا تَرى ؟ فَقالَ: واَللَّهِ يا مَعْشَرَ النَّصارى لَقَدْ عَرَفْتُمْ إنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ، فَبَقِيَ كَبِيرُهم، ولا نَبَتَ صَغِيرُهم، وإنَّهُ لَلِاسْتِئْصالُ مِنكم إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ قَدْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم والإقامَةَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكم، فَوادِعُوا الرَّجُلَ ثُمَّ انْصَرِفُوا إلى بِلادِكم، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ ! قَدْ رَأيْنا أنْ لا نُلاعِنَكَ، وأنْ نَتْرُكَكَ عَلى دِينِكَ، ونَرْجِعَ عَلى دِينِنا. فَلَمْ يُلاعِنْهم ﷺ وأقَرَّهم عَلى خَراجٍ يُؤَدُّونَهُ إلَيْهِ».
ورَوى الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ العاقِبُ والطَّيِّبُ، فَدَعاهُما إلى المُلاعَنَةِ، فَواعَداهُ عَلى أنْ يُلاعِناهُ الغَداةَ، قالَ: فَغَدا رَسُولُ اللَّهِ، فَأخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِما فَأبَيا أنْ يُجِيبا، وأقَرّا لَهُ بِالخَراجِ، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واَلَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ، لَوْ قالا: لا، لَأمْطَرَ عَلَيْهِمْ الوادِي نارًا»» . قالَ جابِرٌ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿نَدْعُ أبْناءَنا﴾ الآيَةُ. قالَ جابِرٌ: أنْفُسَنا وأنْفُسَكم: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبْناؤُنا الحَسَنُ والحُسَيْنُ، ونِساؤُنا: فاطِمَةُ، وهَكَذا - رَواهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ بِمَعْناهُ، ثُمَّ قالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخَرِّجاهُ. هَكَذا قالَ.
وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ المُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا، وهَذا أصَحُّ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ نَحْوُ ذَلِكَ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «جاءَ العاقِبُ والسَّيِّدُ، صاحِبا نَجْرانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدانِ أنْ يُلاعِناهُ، قالَ: فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تَفْعَلْ، فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنّاهُ لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا، قالا: إنّا نُعْطِيكَ ما سَألْتَنا، وابْعَثْ مَعَنا (p-٨٥٩)رَجُلًا أمِينًا، ولا تَبْعَثْ مَعَنا إلّا أمِينًا. فَقالَ: «لَأبْعَثَنَّ مَعَكم رَجُلًا أمِينًا، حَقَّ أمِينٍ» . فاسْتَشْرَفَ لَها أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ، فَلَمّا قامَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ»» . ورَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ أيْضًا وغَيْرُهم.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ قَبَّحَهُ اللَّهُ -: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَآتِيَنَّهُحَتّى أطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا، ولَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوْا المَوْتَ لَماتُوا، ولَرَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ، ولَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُباهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ مالًا ولا أهْلًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رَواهُ البُخارِيُّ واَلتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ. وقَدْ ساقَ قِصَّةَ وفْدِ نَجْرانَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في (زادِ المَعادِ) وأعْقَبَها بِفَصْلٍ مُهِمٍّ في فِقْهِها، فَلْيُراجِعْ.
اَلثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا قُلْتَ: ما كانَ دُعاؤُهُ إلى المُباهَلَةِ إلّا لِيَتَبَيَّنَ الكاذِبَ مِنهُ ومِن خَصْمِهِ، وذَلِكَ أمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ وبِمَن يُكاذِبُهُ. فَما مَعْنى ضَمِّ الأبْناءِ والنِّساءِ ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ آكَدُ في الدِّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ، واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأ عَلى تَعْرِيضِ أعِزَّتِهِ وأفْلاذِ كَبِدِهِ وأحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ لِذَلِكَ. ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وعِلْمِ ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتّى يَهْلِكَ خَصْمُهُ مَعَ أحِبَّتِهِ وأعِزَّتِهِ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ إنْ تَمَّتْ المُباهَلَةُ، وخَصَّ الأبْناءَ والنِّساءَ لِأنَّهم أعَزُّ الأهْلِ وألْصَقُهم بِالقُلُوبِ، ورُبَّما فَداهم الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ وحارَبَ دُونَهم حَتّى يُقْتَلَ، ومِن ثُمَّتَ كانُوا يَسُوقُونَ مَعَ أنْفُسِهِمْ الظَّعائِنَ في الحُرُوبِ لِتَمْنَعَهم مِنَ الهَرَبِ. ويُسَمُّونَ الذّادَةَ عَنْها بِأرْواحِهِمْ حُماةَ الحَقائِقِ. وقَدَّمَهم في الذِّكْرِ عَلى الأنْفُسِ لِيُنَبِّهَ عَلى لُطْفِ مَكانِهِمْ وقُرْبِ مَنزِلَتِهِمْ ولِيُؤْذِنَ بِأنَّهم مُقَدَّمُونَ عَلى الأنْفُسِ مُفْدَوْنَ بِها. وفِيهِ دَلِيلٌ، لا شَيْءَ أقْوى مِنهُ، عَلى فَضْلِ أصْحابِ الكِساءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ. وفِيهِ بُرْهانٌ واضِحٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أحَدٌ مِن مُوافِقٍ ولا مُخالِفٍ أنَّهم أجابُوا إلى ذَلِكَ.
(p-٨٦٠)اَلرّابِعُ: اسْتُنْبِطَ مِنَ الآيَةِ جَوازُ المُحاجَّةِ في أمْرِ الدِّينِ، وأنَّ مَن جادَلَ وأنْكَرَ شَيْئًا مِنَ الشَّرِيعَةِ جازَتْ مُباهَلَتُهُ اقْتِداءً بِما أمَرَ بِهِ ﷺ . والمُباهَلَةُ: المُلاعَنَةُ.
قالَ الكازَرُونِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وقَعَ البَحْثُ عِنْدَ شَيْخِنا العَلّامَةِ الدَّوّانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ في جَوازِ المُباهَلَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَتَبَ رِسالَةً في شُرُوطِها المُسْتَنْبَطَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والآثارِ، وكَلامِ الأئِمَّةِ، وحاصِلُ كَلامِهِ فِيها: أنَّها لا تَجُوزُ إلّا في أمْرٍ مُهِمٍّ شَرْعًا، وقَعَ فِيهِ اشْتِباهٌ وعِنادٌ لا يَتَيَسَّرُ دَفْعُهُ إلّا بِالمُباهَلَةِ، فَيُشْتَرَطُ كَوْنُها بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ والسَّعْيِ في إزالَةِ الشُّبْهَةِ وتَقْدِيمِ النُّصْحِ والإنْذارِ وعَدَمِ نَفْعِ ذَلِكَ، ومِساسِ الضَّرُورَةِ إلَيْها.
قالَ الإمامُ صِدِّيقٌ خانْ في تَفْسِيرِهِ: وقَدْ دَعا الحافِظُ ابْنُ القَيِّمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مَن خالَفَهُ في مَسْألَةِ صِفاتِ الرَّبِّ تَعالى شَأْنُهُ وإجْرائِها عَلى ظَواهِرِها مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، إلى المُباهَلَةِ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إلى ذَلِكَ، وخافَ سُوءَ العاقِبَةِ. وتَمامُ هَذِهِ القِصَّةِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ كِتابِهِ المَعْرُوفِ بـ (النُّونِيَّةِ) - انْتَهى - وقَدْ ذَكَرَ في (زادِ المَعادِ) في فَصْلِ فِقْهِ قِصَّةِ وفْدِ نَجْرانَ ما نَصُّهُ: ومِنها أنَّ السُّنَّةَ في مُجادَلَةِ أهْلِ الباطِلِ إذا قامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللَّهِ ولَمْ يَرْجِعُوا، بَلْ أصَرُّوا عَلى العِنادِ أنْ يَدْعُوَهم إلى المُباهَلَةِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ رَسُولَهُ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأُمَّتِكَ مِن بَعْدِكَ. ودَعا إلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ لِمَن أنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضَ مَسائِلِ الفُرُوعِ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ، ودَعا إلَيْهِ الأوْزاعِيُّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ في مَسْألَةِ رَفْعِ اليَدَيْنِ، ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهَذا مِن تَمامِ الحُجَّةِ - انْتَهى - .
آل عمران 3:62
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٢ ] ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: المُتَقَدِّمَ مِن شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ الَّذِي (p-٨٦١)لا مَعْدِلَ عَنْهُ، دُونَ أقاصِيصِ النَّصارى. والقِصَصُ تَتْبَعُ الوَقائِعَ بِالإخْبارِ عَنْها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ عَلى تَرْتِيبِها، في مَعْنى قَصِّ الأثَرِ، وهو اتِّباعُهُ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى مَحِلِّ ذِي الأثَرِ - أفادَهُ الحَرالِّيُّ - .
قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا بَدَأ سُبْحانَهُ القِصَّةَ أوَّلَ السُّورَةِ بِالإخْبارِ بِوَحْدانِيّتِهِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ صَرِيحًا، خَتَمَ ذَلِكَ إشارَةً وتَلْوِيحًا فَقالَ، عاطِفًا عَلى ما أنْتَجَهُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، مُعَمِّمًا لِلْحُكْمِ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ فَصَرَّحَ فِيهِ بـ: ﴿مِن﴾ الِاسْتِغْراقِيَّةِ، تَأْكِيدًا لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَلا يُشارِكُهُ أحَدٌ في العِزَّةِ والحِكْمَةِ، لِيُشارِكَهُ في الأُلُوهِيَّةِ.
آل عمران 3:63
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ ] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ بَعْدَما عايَنُوا تِلْكَ الحُجَجِ النَّيِّرَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيْ: بِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى إفْسادِهِمْ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهم بِتَوَلِّيهِمْ، مُفْسِدُونَ اعْتِقادَهم واعْتِقادَ غَيْرِهِمْ في اللَّهِ تَعالى.
آل عمران 3:64
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٤ ] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: إلى قَوْلٍ مُعْتَدِلٍ لا يَمِيلُ إلى التَّعْطِيلِ ولا إلى الشِّرْكِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْها لا يَخْتَلِفُ فِيها الرُّسُلُ والكُتُبُ، وهي: ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لا نَرى غَيْرَهُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ فَنُشْرِكُهُ مَعَهُ، بَلْ نُفْرِدُ العِبادَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وهَذِهِ دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: (p-٨٦٢)﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا﴾ أيْ: كَعُزَيْرٍ والمَسِيحِ والأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ كانُوا يُحِلُّونَ لَهم ويُحَرِّمُونَ. كَما رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قالَ: «إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»» .
قالَ الكِيا الهَرّاسِيُّ: فِيهِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ بِالِاسْتِحْسانِ المُجَرَّدِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وعَلى مَن قالَ: يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِ الإمامِ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ولَوْ دُونَ إبانَةِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ.
قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ الرَّبُّ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُعَلِّمِ والمُرَبِّي بِنَوْعِ تَرْبِيَةٍ، نَبَّهَ عَلى أنَّ المَحْذُورَ إنَّما هو اعْتِقادُ الِاسْتِبْدادِ والِاجْتِراءِ عَلى ما يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي اخْتَصَّ بِالكَمالِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ السَّواءِ المُتَّفَقِ عَلَيْها: ﴿فَقُولُوا﴾ أيْ: تَبَعًا لِأبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ. وامْتِثالًا لِوَصِيَّتِهِ إذْ قالَ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: لَزِمَتْكم الحُجَّةُ فَوَجَبَ عَلَيْكم أنْ تَعْتَرِفُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكم، كَما يَقُولُ الغالِبُ لِلْمَغْلُوبِ في جِدالٍ أوْ صِراعٍ أوْ غَيْرِهِما: اعْتَرِفْ بِأنِّي أنا الغالِبُ، وسَلِّمْ لِي الغَلَبَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّعْرِيضِ، ومَعْناهُ: اشْهَدُوا واعْتَرِفُوا بِأنَّكم كافِرُونَ حَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ. كَذا قالَ (الكَشّافِ) .(p-٨٦٣)
آل عمران 3:65
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥ ] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْـزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ أيْ: تُجادِلُونَ فِيهِ فَيَدَّعِيهِ كُلٌّ مِن فَرِيقِكم: ﴿وما أُنْـزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ﴾ أيْ: المُقَرِّرُ كُلٌّ مِنهُما لِأصْلِ دِينِ مُنْتَحِلِهِ مِنكم: ﴿إلا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حَتّى لا تُجادِلُوا مِثْلَ هَذا الجِدَلَ المُحالَ.
آل عمران 3:66
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: الأشْخاصُ الحَمْقى: ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إذْ لَهُ ذِكْرٌ في كِتابِكم، فَأمْكَنَكم تَغْيِيرُهُ لَفْظًا ومَعْنًى، أوْ مِن أمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ مِمّا نَطَقَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ: ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ مِن أمْرِ إبْراهِيمَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ في كِتابِكم بِما حاجَجْتُمْ، فَلا يُمْكِنُكم فِيهِ التَّغْيِيرُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ فَيُبَيِّنُهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
آل عمران 3:67
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ أيْ: كَما ادَّعى اليَهُودُ: ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ كَمًّا ادَّعى النَّصارى: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ سَبَقَ مَعْنى الحَنِيفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في البَقَرَةِ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ورَدٌّ لِادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-٨٦٤)
آل عمران 3:68
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ أيْ: أخَصُّهم بِهِ وأقْرَبُهم مِنهُ، مِن (الوَلْيِ) وهو القُرْبُ: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ: في دِينِهِ مِن أُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ: ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ يَعْنِي: خاتَمَ الأنْبِياءِ مُحَمَّدًا ﷺ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِهِ فَعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ المُوافِقَةِ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةُ والمَحَبَّةِ.
آل عمران 3:69
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ ] ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾
﴿ودَّتْ﴾ أيْ: تَمَنَّتْ: ﴿طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِهِمْ حَسَدًا وبَغْيًا: ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: وما يَتَخَطّاهم الإضْلالُ، ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا عَلَيْهِمْ، إذْ يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهم: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: أنَّ وِزْرَهُ خاصٌّ بِهِمْ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩]
(p-٨٦٥)
آل عمران 3:70
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ ] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُنَزَّلَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ حَقِيقَتَها.
آل عمران 3:71
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١ ] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ أيْ: تَسْتُرُونَ الحَقَّ المُنَزَّلَ بِتَمْوِيهاتِكم الباطِلَةِ: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ: الَّذِي لا يَقْبَلُ تَمْوِيهًا ولا تَحْرِيفًا: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عالِمِينَ بِما تَكْتُمُونَهُ مِن حَقِّيَتِهِ وقَدْ كانُوا يَعْلَمُونَ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونُبُوَّتِهِ، ويَلْبِسُونَ عَلى النّاسِ في ذَلِكَ، كَدَأْبِهِمْ في غَيْرِهِ. وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى قُبْحِ كِتْمانِ الحَقِّ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أُصُولُ الدِّينِ وفُرُوعُهُ والفُتْيا والشَّهادَةُ. وعَلى قُبْحِ التَّلْبِيسِ. فَيَجِبُ حَلُّ الشُّبْهَةِ وإبْطالُها.
آل عمران 3:72
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٢ ] ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أيْ: أوَّلَهُ: ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ (p-٨٦٦)مِن تَلْبِيساتِهِمْ. وهي مَكِيدَةٌ أرادُوها لِيَلْبِسُوا عَلى الضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أمْرَ دِينِهِمْ، وهو أنَّهم اشْتَوَرُوا بَيْنَهم أنْ يُظْهِرُوا الإيمانَ أوَّلَ النَّهارِ ويُصَلُّوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإذا جاءَ آخِرُ النَّهارِ ارْتَدُّوا إلى دِينِهِمْ. فَيَظُنُّ الضُّعَفاءُ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم إلّا الحَقُّ، وأنَّهُ ما رَدَّهم عَنْ الدِّينِ بَعْدَ اتِّباعِهِمْ لَهُ وتَرْكِ العِنادَ، وهم أُولُو عِلْمٍ وأهْلُ كِتابٍ، إلّا ظُهُورُ بُطْلانِهِ لَهم، ولِهَذا قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: عَنْ الإسْلامِ كَما رَجَعْتُمْ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: الفائِدَةُ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْ تَواطُئِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ مِن وُجُوهٍ:
اَلْأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ كانَتْ مَخْفِيَّةً فِيما بَيْنَهم وما أطْلَعُوا عَلَيْها أحَدًا مِنَ الأجانِبِ، فَلَمّا أخْبَرَ الرَّسُولُ عَنْها كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
اَلثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى تَواطُئِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ لَمْ يَحْصُلْ لَها أثَرٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ولَوْلا هَذا الإعْلامُ لَكانَ رُبَّما أثَّرَتْ في قَلْبِ بَعْضِ مَن في إيمانِهِ ضَعْفٌ.
اَلثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا افْتَضَحُوا في هَذِهِ الحِيلَةِ صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم عَنْ الإقْدامِ عَلى أمْثالِها مِنَ الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ.
آل عمران 3:73
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣ ] ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِمْ، أيْ: ولا تُصَدِّقُوا إلّا نَبِيًّا تابِعًا لِشَرِيعَتِكم، لا مَن جاءَ بِغَيْرِها، أوْ: ولا تُؤْمِنُوا ذَلِكَ الإيمانَ المُتَقَدِّمَ، وهو إيمانُهم وجْهَ النَّهارِ، إلّا لِأجْلِ حِفْظِ أتْباعِكم وأشْياعِكم وبَقائِهِمْ عَلى دِينِكم: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو (p-٨٦٧)اَلْإسْلامُ وقَدْ جِئْتُكم بِهِ، وما عَداهُ ضَلالٌ، فَلا يَنْفَعُكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِنّا بَعْدَ أنْ هَدانا اللَّهُ. ثُمَّ وصَلَ بِهِ تَقْرِيعَهم فَقالَ: (أنْ) بِمَدِّ الألِفِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وتَقْدِيرُها في قِراءَةِ غَيْرِهِ، أيْ: دَعاكم الحَسَدُ والبَغْيُ حَتّى قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ ودَبَّرْتُمُوهُ الآنَ: ﴿يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والعِلْمِ والكِتابِ: ﴿أوْ﴾ كَراهَةَ أنْ: ﴿يُحاجُّوكُمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ أُوتُوا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: بِالشَّهادَةِ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم آمَنُوا وكَفَرْتُمْ بَعْدَ البَيانِ الواضِحِ فَيَفْضَحُكم: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ﴾ أيْ: بِإنْزالِ الآياتِ وغَيْرِها: ﴿بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَلا يُمْكِنُكم مَنعُهُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ العَطاءِ: ﴿عَلِيمٌ﴾
آل عمران 3:74
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ ] ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ فَيَزِيدُهُ فَضْلًا عَلَيْكم: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
آل عمران 3:75
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ ] ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾
﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ بِالمُطالَبَةِ والتَّرافُعِ وإقامَةِ البَيِّنَةِ، فَلا يَبْعُدُ مِنهُ الخِيانَةُ مَعَ اللَّهِ بِكِتْمانِ ما أمَرَهُ بِإظْهارِهِ طَمَعًا في إبْقاءِ الرِّئاسَةِ والرِّشا عَلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عِلَّةَ الخِيانَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ: ذَلِكَ الِاسْتِحْلالُ والخِيانَةُ هو بِسَبَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْنا مِن أمْوالِ العَرَبِ عِقابٌ ومُؤاخَذَةٌ (p-٨٦٨)فَهم يَخُونُونَ الخَلْقَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: في الِاعْتِذارِ عَنْهُ: ﴿عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعائِهِمْ ذَلِكَ وغَيْرِهِ، فَيَخُونُونَهُ أيْضًا: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ وافْتِراءٌ لِتَحْرِيمِ الغَدْرِ عَلَيْهِمْ. كَما هو في التَّوْراةِ. وقَدْ مَضى نَقْلُهُ في البَقَرَةِ في آيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] فارْجِعْ إلَيْهِ.
آل عمران 3:76
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦ ] ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾
﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ (بَلى) إمّا لِإثْباتِ ما نَفَوْهُ مِنَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ، أيْ: بَلى عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، فالوَقْفُ حِينَئِذٍ عَلى (بَلى) وقْفُ التَّمامِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّتْ (بَلى) مَسَدَّها. وإمّا لِابْتِداءِ جُمْلَةٍ بِلا مُلاحَظَةِ كَوْنِها جَوابًا لِلنَّفْيِ السّابِقِ، فَإنَّ كَلِمَةَ (بَلى) قَدْ تُذْكَرُ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ يُذْكَرُ بَعْدَها - كَما نَقَلَهُ الرّازِيُّ - وهَذا هو الَّذِي أرْتَضِيهِ. وإنْ اقْتَصَرَ (الكَشّافُ) ومُقَلِّدُوهُ عَلى الأوَّلِ. وقَدْ ذَكَرُوا في (نَعَمْ) أنَّها تَأْتِي لِلتَّوْكِيدِ إذا وقَعَتْ صَدْرًا. نَحْوَ: نَعَمْ هَذِهِ أطْلالُهم، فَلْتَكُنْ (بَلى) كَذَلِكَ، فَإنَّهُما أخَوانِ، وإنْ تَخالَفا في صُوَرٍ، وعَلى هَذا فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى (بَلى) . والضَّمِيرُ في: ﴿بِعَهْدِهِ﴾ إمّا لِاسْمِ (اللَّهِ) في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] عَلى مَعْنى: إنَّ كُلَّ مَن أوْفى بِعَهْدِ اللَّهِ واتَّقاهُ في تَرْكِ الخِيانَةِ والغَدْرِ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. وإمّا لـ: ﴿مَن أوْفى﴾ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهِ واتَّقاهُ فَإنَّهُ يُحِبُّهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ فَهَذا عامٌّ، يُخَيَّلُ أنَّهُ ولَوْ وفّى أهْلُ الكِتابِ بِعُهُودِهِمْ وتَرَكُوا (p-٨٦٩)اَلْخِيانَةَ لَكَسَبُوا مَحَبَّةَ اللَّهِ. قُلْتُ: أجَلْ لِأنَّهم إذا وفَّوْا بِالعُهُودِ، وفَّوْا أوَّلَ شَيْءٍ بِالعَهْدِ الأعْظَمِ وهو ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِرَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِما مَعَهم، ولَوْ اتَّقَوْا اللَّهَ في تَرْكِ الخِيانَةِ لاتَّقَوْهُ في تَرْكِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وتَحْرِيفِ كَلِمِهِ. انْتَهى.
آل عمران 3:77
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أيْ: يَسْتَبْدِلُونَ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما أخَذَهم عَلَيْهِ في كِتابِهِ، أوْ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهم: ﴿وأيْمانِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَقَدُوها بِالتِزامِ مُتابَعَةِ الحَقِّ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ: ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِنَ الدُّنْيا الزّائِلَةِ الحَقِيرَةِ الَّتِي لا نِسْبَةَ لِجَمِيعِها إلى أدْنى ما فَوَّتُوهُ: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ﴾ أيْ: لا نَصِيبَ ثَوابٍ: ﴿لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وذَلِكَ لِحَجْبِهِمْ عَنْ مَقاماتِ قُرْبِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ كَما يُثْنِي عَلى أوْلِيائِهِ، أوْ لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بِالنّارِ. واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
اَلْأُولى: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدًا لِلَّهِ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، أوْ حَلَفَ كاذِبًا، فَإنَّهُ قَدْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً.
الثّانِيَةُ: في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] قالَ القَفّالُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ شِدَّةِ سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ مَن مَنَعَ غَيْرَهُ (p-٨٧٠)كَلامَهُ فَإنَّما ذَلِكَ بِسُخْطٍ عَلَيْهِ، وإذا سَخِطَ إنْسانٌ عَلى آخَرَ قالَ لَهُ: لا أُكَلِّمُكَ. وقَدْ يَأْمُرُ بِحَجْبِهِ عَنْهُ، ويَقُولُ: لا أرى وجْهَ فُلانٍ، وإذا جَرى ذِكْرُهُ لَمْ يَذْكُرْهُ بِالجَمِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنهُ. ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ إسْماعُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أوْلِياءَهُ كَلامَهُ بِغَيْرِ سَفِيرٍ تَشْرِيفًا عالِيًا يَخْتَصُّ بِهِ أوْلِياءَهُ. ولا يُكَلِّمُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ والفُسّاقِ، وتَكُونُ المُحاسَبَةُ مَعَهم بِكَلامِ المَلائِكَةِ. ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى الآيَةِ لا يُكَلِّمُهم بِكَلامٍ يَسُرُّهم ويَنْفَعُهم، والكُلُّ حَسَنٌ.
الثّالِثَةُ: رَوى الشَّيْخانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن حَلَفَ عَلى مالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» . قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْداقَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ». وفي رِوايَةٍ قالَ: ««مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الآيَةُ. فَدَخَلَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الكِنْدِيُّ فَقالَ: ما يُحَدِّثُكم أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْنا: كَذا وكَذا، فَقالَ: صَدَقَ، فِيَّ نَزَلَتْ، كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بِئْرٍ، فاخْتَصَمْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شاهِداكَ أوْ يَمِينُهُ» . قُلْتُ: إنَّهُ إذًا يَحْلِفُ ولا يُبالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هو فِيها فاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» ونَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ».
وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ وقالا: إنَّ الحُكُومَةَ كانَتْ بَيْنَ الأشْعَثِ وبَيْنَ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ.
(p-٨٧١)ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً وهو في السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاَللَّهِ: لَقَدْ أعْطى بِها ما لَمْ يُعْطَهُ، لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وقَدَّمْنا في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ، في بَحْثِ سَبَبِ النُّزُولِ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا عِنْدَ آيَةِ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] ما يُعْلَمُ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ مِثْلِ هَذِهِ الرِّواياتِ، وأنَّهُ لا تَنافِيَ. فَتَذَكَّرْ.
آل عمران 3:78
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨ ] ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾
﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى عَنْ اليَهُودِ، عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ، أنَّ مِنهم فَرِيقًا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ويُبَدِّلُونَ كَلامَ اللَّهِ، ويُزِيلُونَهُ عَنْ المُرادِ بِهِ، لِيُوهِمُوا الجَهَلَةَ أنَّهُ في كِتابِ اللَّهِ كَذَلِكَ، ويَنْسُبُونَهُ إلى اللَّهِ، وهو كَذِبٌ عَلى اللَّهِ، وهم يَعْلَمُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ كَذَبُوا وافْتَرَوْا في ذَلِكَ كُلِّهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم (p-٨٧٢)بِالكِتابِ، ويُحَرِّفُونَهُ. وهَكَذا رَوى البُخارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم يُحَرِّفُونَ ويُزِيلُونَ. ولَيْسَ أحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتابٍ مَن كُتُبِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولَكِنَّهم يُحَرِّفُونَهُ: يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ.
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى لَمْ يُغَيَّرْ مِنهُما حَرْفٌ، ولَكِنَّهم يَضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ، وكُتُبٍ كانُوا يَكْتُبُونَها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ويَقُولُونَ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَأمّا كُتُبُ اللَّهِ فَإنَّها مَحْفُوظَةٌ لا تُحَوَّلُ. رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَإنْ عَنى وهْبٌ ما بِأيْدِيهِمْ مِن ذَلِكَ، فَلا شَكَّ أنَّهُ قَدْ دَخَلَها التَّبْدِيلُ والتَّحْرِيفُ والزِّيادَةُ والنَّقْصُ. وأمّا تَعْرِيبُ ذَلِكَ المُشاهَدُ بِالعَرَبِيَّةِ، فَفِيهِ خَطَأٌ كَبِيرٌ وزِياداتٌ كَثِيرَةٌ ونُقْصانٌ ووَهْمٌ فاحِشٌ. وهو مِن بابِ تَفْسِيرِ المُعْرَّبِ المُعَبِّرِ، وفَهْمُ كَثِيرٍ مِنهم فاسِدٌ. وأمّا إنْ عَنى كُتُبَ اللَّهِ الَّتِي هي كُتُبُهُ مِن عِنْدِهِ، فَتِلْكَ كَما قالَ، مَحْفُوظَةٌ لَمْ يَدْخُلْها شَيْءٌ - انْتَهى - وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى الإسْرائِيلِيّاتِ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥]
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم عَلَيْهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - بَيَّنَ افْتِراءَهم عَلى رُسُلِهِ إذْ زَعَمُوا أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم أنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:
(p-٨٧٣)
آل عمران 3:79
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ ] ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ. وفي التَّعْبِيرِ بِبَشَرٍ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِما افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ: ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ أيْ: الفَهْمَ والعِلْمَ أوْ الحِكْمَةَ: ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ وهي الخَبَرُ مِنهُ تَعالى لِيَدْعُوَ النّاسُ إلى اللَّهِ بِتَرْكِ الأنْدادِ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: الَّذِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِيَدْعُوَهم إلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أيْ: اتَّخِذُونِي رَبًّا: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ﴾ يَقُولُ لَهم: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ أيْ: مَنسُوبِينَ إلى الرَّبِّ لِاسْتِيلاءِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِمْ وطَمْسِ البَشَرِيَّةِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ عامِلِينَ مُعَلِّمِينَ تالِينَ لَكُتُبَ اللَّهِ. أيْ: كُونُوا عابِدِينَ مُرْتاضِينَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ، حَتّى تَصِيرُوا رَبّانِيِّينَ بِغَلَبَةِ النُّورِ عَلى الظُّلْمَةِ - أفادَهُ القاشانِيُّ -: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مُثابَرَتِكم عَلى تَعْلِيمِ النّاسِ الكِتابَ ودِراسَتِهِ، أيْ: قِراءَتِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ يَجُرُّكم إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ في عِبادَتِهِ.
آل عمران 3:80
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٠ ] ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِالعَوْدِ إلَيْهِ وقَدْ بُعِثَ لِمَحْوِ الشِّرْكِ: ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِقْرارِكم عَلى الإسْلامِ.
(p-٨٧٤)تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ: إذا كانَ ما ذُكِرَ في الآيَةِ لا يَصْلُحُ لِنَبِيٍّ ولا لِمُرْسَلٍ، فَلَأنْ لا يَصْلُحَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ غَيْرَهم، بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى.
ولِهَذا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: لا يَنْبَغِي هَذا لِمُؤْمِنٍ، أنْ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ كانَ يَعْبُدُ بَعْضُهم بَعْضًا - يَعْنِي: أهْلَ الكِتابِ - كانُوا يَعْبُدُونَ أحْبارَهم ورُهْبانَهم، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآيَةُ، وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ - كَما سَيَأْتِي - «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَبَدُوهم. قالَ: بَلى، إنَّهم أحَلُّوا لَهم الحَرامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ الحَلالَ، فاتَّبَعُوهم، فَذَلِكَ عِبادَتُهم إيّاهم». فالجَهَلَةُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ ومَشايِخِ الضَّلالِ يَدْخُلُونَ في هَذا الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ، بِخِلافِ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ مِنَ العُلَماءِ العامِلِينَ، فَإنَّهم إنَّما يَأْمُرُونَ بِما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وبَلَّغَتْهم إيّاهُ الرُّسُلُ الكِرامُ، وإنَّما يَنْهَوْنَهم عَمّا نَهاهم اللَّهُ عَنْهُ وبَلَّغَتْهم إيّاهُ رُسُلُهُ الكِرامُ - قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - .
اَلثّانِي: في هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ باعِثٍ لِمَن عَلَّمَ عَلى أنْ يَعْمَلَ، وأنَّ مِن أعْظَمِ العَمَلِ بِالعِلْمِ تَعْلِيمُهُ والإخْلاصُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. والدِّراسَةُ: مُذاكَرَةُ العِلْمِ والفِقْهِ. فَدَلَّتْ الآيَةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الإنْسانِ رَبّانِيًّا، فَمَن اشْتَغَلَ بِها، لا لِهَذا المَقْصُودِ، فَقَدْ ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ عَمَلُهُ، وكانَ مَثَلُهُ مَثَلُ مَن غَرَسَ شَجَرَةً حَسْناءَ مُونِقَةً بِمَنظَرِها، ولا مَنفَعَةَ بِثَمَرِها، ولِهَذا قالَ ﷺ: ««نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وقَلْبٍ لا يَخْشَعُ»» كَذا في فَتْحِ البَيانِ والرّازِيِّ.
(p-٨٧٥)اَلثّالِثُ: قُرِئَ في السَّبْعِ: ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: ولا يَأْمُرُكم اللَّهُ أوْ النَّبِيُّ، وبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ثُمَّ يَقُولَ، (ولا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ.
آل عمران 3:81
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨١ ] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾
[ لَمْ يُفَسِّرْ العَلّامَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ]
آل عمران 3:82
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٢ ] ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ تَقْرِيرِ الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ وإْظْهارًا لِعِنادِهِمْ. ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ آتاهم الكِتابَ والحِكْمَةَ بِأنَّهم كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم، وإنْ كانَ ناسِخًا لِبَعْضِ أحْكامِهِمْ بِما دَلَّتْ (p-٨٧٦)اَلْحِكْمَةُ عَلى اقْتِضاءِ الزَّمانِ ذَلِكَ، آمَنُوا بِهِ ونَصَرُوهُ أيْضًا، مُبالَغَةً في تَشْهِيرِ أمْرِهِ. ولا يَمْنَعُهم ما هم فِيهِ مِنَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ واتِّباعِ شَرْعِهِ ونَصْرِهِ. وأخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ، وحَكَمَ بِأنَّ مَن رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِنَ الفاسِقِينَ. وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ بِفَتْحِ اللّامِ مِن: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] وكَسْرِها، فَعَلى الأوَّلِ هي مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ، و(ما) حِينَئِذٍ تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ، و: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ [آل عمران: ٨١] سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِوالشَّرْطِ. وتَحْتَمِلُ المَوْصُولَةَ بِمَعْنى (لَلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ( وعَلى الثّانِي، أعْنِي: كَسْرَ اللّامِ فـ: ( ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم الكِتابَ، ثُمَّ لِمَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَكم غَيْرِ مُخالِفٍ، أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولِتَنْصُرُنَّهُ. وإمّا مَوْصُولَةٌ والمَعْنى: أخْذُهُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ، وجاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٨١] أيْ: يا أنْبِياءُ، بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، بِالإقْرارِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] تَوْكِيدٌ عَلَيْهِمْ ومَن أمْعَنَ في نَهْجِ الآيَةِ عَلِمَ أنَّ هَذا المِيثاقَ قَدْ بُولِغَ في شَأْنِهِ غايَةَ المُبالَغَةِ، وإذا كانَ هَذا الإيجابُ مَعَ الأنْبِياءِ، فَمَعَ أُمَمِهِمْ أوْلى. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ المِيثاقَ، لَئِنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، وهو حَيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ المِيثاقَ عَلى أُمَّتِهِ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وهم أحْياءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرُنَّهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا لا يُضادُّ ما قالَهُ طاوُسٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، بَلْ يَسْتَلْزِمُهُ ويَقْتَضِيهِ، ولِهَذا رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ مِثْلَ قَوْلِ عَلَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. - انْتَهى - .
ومِن أثَرِ عَلَيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا - فَهْمُ بَعْضِ العُلَماءِ اخْتِصاصَ هَذا المِيثاقِ بَنَبِيِّنا ﷺ كَما نَقَلَ القاضِي عِياضٌ في (الشِّفاءِ) عَنْ أبِي الحَسَنِ القابِسِيِّ قالَ: اسْتَخَصَّ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِفَضْلٍ لَمْ يُؤْتِهِ غَيْرَهُ أبانَهُ بِهِ، وهو ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى. وقَدْ عَلِمْتَ المُرادَ.
بَقِيَ أنَّ الإمامَ أبا مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيَّ ذَهَبَ إلى أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: أُمَمِهِمْ، وعِبارَتُهُ: ظاهَرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِنهم يَجِبُ (p-٨٧٧)عَلَيْهِمْ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ مَبْعَثِهِ، وكُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَكُونُونَ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن زُمْرَةِ الأمْواتِ، والمَيِّتُ لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَلَمّا كانَ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمْ المِيثاقَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ مَبْعَثِهِ، ولا يُمْكِنُ إيجابُ الإيمانِ عَلى الأنْبِياءِ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلِمْنا أنَّ الَّذِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ لَيْسُوا هم النَّبِيِّينَ، بَلْ هم أُمَمُ النَّبِيِّينَ. قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمْ المِيثاقَ، أنَّهم لَوْ تَوَلَّوْا لَكانُوا فاسِقِينَ، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وإنَّما يَلِيقُ بِالأُمَمِ، أجابَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الأنْبِياءَ لَوْ كانُوا في الحَياةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ ! ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُشْرِكُ قَطُّ، ولَكِنْ خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ والفَرْضِ، فَكَذا هُنا. وقالَ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] وقالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وبِأنَّهم: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] فَكُلُّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، فَكَذا هَهُنا.
ونَقُولُ إنَّهُ سَمّاهم فاسِقِينَ عَلى تَقْدِيرِ التَّوَلِّي، فَإنَّ اسْمَ الفِسْقِ لَيْسَ أقْبَحَ مِن اسْمِ الشِّرْكِ، (p-٨٧٨)وقَدْ ذَكَرَ تَعالى عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فَكَذا هَهُنا - نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإيمانَ بِالنَّبِيِّ ﷺ شَرْعٌ شَرَعَهُ وأوْجَبَهُ عَلى جَمِيعِ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، لَزِمَ أنَّ كُلَّ مَن كَرِهَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا دِينًا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ:
آل عمران 3:83
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣ ] ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أيْ: اسْتَسْلَمَ لَهُ مَن فِيهِما بِالخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِمُرادِهِ، والجَرْيِ تَحْتَ قَضائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩]
فالمُؤْمِنُ مُسْتَسْلِمٌ بِقَلْبِهِ وقالَبِهِ لِلَّهِ، والكافِرُ مُسْتَسْلِمٌ لَهُ كَرْهًا، فَإنَّهُ تَحْتَ التَّسْخِيرِ والقَهْرِ والسُّلْطانِ العَظِيمِ الَّذِي لا يُخالَفُ ولا يُمانَعُ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، والجُمْلَةُ سِيقَتْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
(p-٨٧٩)
آل عمران 3:84
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٤ ] ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا وما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا وما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ أيْ: أوْلادِ يَعْقُوبَ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِالإيمانِ بِالبَعْضِ والكُفْرِ بِالبَعْضِ، كَدَأْبِ اليَهُودِ والنَّصارى: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ فَلا نَتَّخِذُ أرْبابًا مِن دُونِهِ.
لَطِيفَةٌ:
نُكْتَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: (آمَنّا) بَعْدَ الإفْرادِ في: (قُلْ) كَوْنُ الأمْرِ عامًّا، والإفْرادُ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإيذانُ بِأنَّهُ أصْلٌ في ذَلِكَ. أوْ الأمْرُ خاصٌّ بِالإخْبارِ عَنْ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ خاصَّةً. والجَمْعُ لِإظْهارِ جَلالَةِ قَدْرِهِ ورِفْعَةِ مَحَلِّهِ بِأمْرِهِ، بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ عَلى دَيْدَنِ المُلُوكِ.
ثانِيَةٌ:
عَدّى أنْزَلَ هُنا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، وفي البَقَرَةِ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ، إذْ الوَحْيُ يَنْزِلُ مِن فَوْقٍ ويَنْتَهِي إلى الرَّسُولِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وأُخْرى بِالآخَرِ، وقالَ صاحِبُ (اللُّبابِ): الخِطابُ في البَقَرَةِ لِلْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ: (قُولُوا) . فَلَمْ يَصِحَّ إلّا (إلى) لِأنَّ الكُتُبَ مُنْتَهِيَةٌ إلى الأنْبِياءِ وإلى أُمَّتِهِمْ جَمِيعًا. وهُنا قالَ (قُلْ)، وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، فَكانَ اللّائِقُ بِهِ (عَلى) لِأنَّ الكُتُبَ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ لا شَرِكَةَ لِلْأُمَّةِ فِيها.
وفِيهِ نَظَرٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] - أفادَهُ النَّسَفِيُّ - .
(p-٨٨٠)
آل عمران 3:85
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥ ] ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ أيْ: يَطْلُبُ: ﴿غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ أيْ: غَيْرَ التَّوْحِيدِ والِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى. كَدَأْبِ المُشْرِكِينَ صَرِيحًا. والمُدَّعِينَ لِلتَّوْحِيدِ مَعَ إشْراكِهِمْ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَنْقَدْ لِأمْرِ اللَّهِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»»: ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ لِضَلالِهِ وُجُوهَ الهِدايَةِ في الدُّنْيا.
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: والمَعْنى: أنَّ المُعْرِضَ عَنْ الإسْلامِ والطّالِبَ لِغَيْرِهِ فاقِدٌ لِلنَّفْعِ، واقِعٌ في الخُسْرانِ، بِإبْطالِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها. وفي تَرْتِيبِ الرَّدِّ والخُسْرانِ عَلى مُجَرَّدِ الطَّلَبِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ حالَ مَن تَدَيَّنَ بِغَيْرِ الإسْلامِ واطْمَأنَّ بِذَلِكَ - أفْظَعُ وأقْبَحُ - انْتَهى - .
آل عمران 3:86
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٦ ] ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِبْعادٌ لِأنْ يُرْشِدَهم اللَّهُ لِلصَّوابِ ويُوَفِّقَهم. فَإنَّ الحائِدَ عَنْ الحَقِّ، بَعْدَ ما وضَحَ لَهُ، مُنْهَمِكٌ في الضَّلالِ، بَعِيدٌ عَنْ الرَّشادِ. وقِيلَ: نَفْيٌ وإنْكارٌ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم (p-٨٨١)طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٩] والمَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ إمّا أهْلُ الكِتابِ، والمُرادُ كُفْرُهم بِالرَّسُولِ ﷺ حِينَ جاءَهم، بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، إذْ رَأوْهُ في كُتُبِهِمْ، وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ وبَعْدَ شَهادَتِهِمْ بِحَقِّيَّةِ رِسالَتِهِ لِكَوْنِهِمْ عَرَفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وجاءَهم البَيِّناتُ عَلى صِدْقِهِ الَّتِي آمَنُوا لِمَثَلِها ولِما دُونَها بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. فَظَلَمُوا بِحَقِّهِ الثّابِتِ بِبَيِّناتِهِ وتَصْدِيقِهِ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ، وإمّا المَعْنِيُّ بِالآيَةِ مَن ارْتَدَّ بَعْدَ إيمانِهِ، عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ كَما سَنَذْكُرُهُ.
آل عمران 3:87
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَعِيدَ عَلى كُلٍّ بِقَوْلِهِ:
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٧ ] ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ .
﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: المَوْصُوفُونَ بِما تَقَدَّمَ: ﴿جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرْدَهُ وغَضَبَهُ: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ المُرادُ بِالنّاسِ إمّا المُؤْمِنِينَ أوْ العُمُومِ، فَإنَّ الكافِرَ أيْضًا يَلْعَنُ مُنْكِرَ الحَقِّ والمُرْتَدَّ عَنْهُ، فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ.
آل عمران 3:88
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٨ ] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في اللَّعْنَةِ أوْ العُقُوبَةِ أوْ النّارِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما. والتَّخْلِيدُ في اللَّعْنَةِ عَلى الأوَّلِ بِمَعْنى أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزالُ تَلْعَنُهم المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ومَن مَعَهم في النّارِ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ مِن أنْ يَلْعَنَهم لاعِنٌ مِن هَؤُلاءِ، أوْ بِمَعْنى الخُلُودِ في أثَرِ اللَّعْنِ، لِأنَّ اللَّعْنَ يُوجِبُ العِقابَ، فَعَبَّرَ عَنْ خُلُودِ أثَرِ اللَّعْنِ بِخُلُودِ اللَّعْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠] ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠١] - أفادَهُ الرّازِيُّ -: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْهَلُونَ، أوْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا، أوْ لا يُنْظَرُ نَظَرُ رَحْمَةٍ إلَيْهِمْ.
(p-٨٨٢)
آل عمران 3:89
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٩ ] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ: وضَمُّوا إلى التَّوْبَةِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ. وفِيهِ أنَّ التَّوْبَةَ وحْدَها لا تَكْفِي حَتّى يُضافَ إلَيْها العَمَلُ الصّالِحُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَقْبَلُ تَوْبَتَهم ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ. وهَذا مِن لُطْفِهِ وبِرِّهِ ورَأْفَتِهِ وعائِدَتِهِ عَلى خَلْقِهِ: أنَّ مَن تابَ إلَيْهِ تابَ عَلَيْهِ. وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ، ولَحِقَ بِالشِّرْكِ ثُمَّ نَدِمَ، فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ: أرْسِلُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَأرْسَلَ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَأسْلَمَ. وهَكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ والحاكِمُ وابْنُ حِبّانَ. وقالَ الحاكِمُ: صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ. ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: جاءَ الحارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ فَأسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ كَفَرَ الحارِثُ فَرَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ: فَحَمَلَها إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ الحارِثُ: إنَّكَ واَللَّهِ، ما عَلِمْتُ، لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللَّهَ لَأصْدَقُ الثَّلاثَةِ، فَرَجَعَ الحارِثُ فَأسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ.
قالَ ابْنُ سَلامَةَ: فَصارَتْ فِيهِ تَوْبَةً، وفي كُلِّ نادِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ جَوازُ لَعْنِ الكُفّارِ، وسَواءٌ كانَ الكافِرُ مُعَيَّنًا (p-٨٨٣)أوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، عَلى ظاهِرِ الأدِلَّةِ. وقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: ظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ. وأشارَ الغَزالِيُّ إلى تَحْرِيمِهِ إلّا في حَقِّ مَن أعْلَمَنا اللَّهُ أنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ. كَأبِي لَهَبٍ وأبِي جَهْلٍ وفِرْعَوْنَ وهامانَ وأشْباهِهِمْ. قالَ: لِأنَّهُ لا يُدْرى بِما يُخْتَمُ لَهُ. وأمّا الَّذِينَ لَعَنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأعْيانِهِمْ يَجُوزُ أنَّهُ ﷺ عَلِمَ مَوْتَهم عَلى الكُفْرِ. وأمّا ما ورَدَ في التِّرْمِذِيَّ عَنْهُ ﷺ: ««لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعّانِ ولا اللَّعّانِ ولا الفاحِشِ البَذِيِّ»» . فَقِيلَ: اللَّعّانُ مِثْلُ الضَّرّابِ لِلْمُبالَغَةِ. والمَعْنى: لا يَعْتادُ اللَّعْنَ حَتّى يَكْثُرَ مِنهُ. ومِن ثَمَراتِ الآيَةِ صِحَّةُ التَّوْبَةِ مِنَ الكافِرِ والعاصِي بِالرِّدَّةِ وغَيْرِها، وذَلِكَ إجْماعٌ، إلّا تَوْبَةَ المُرْتَدِّ، فَفِيها خِلافٌ شاذٌّ، فَعِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ أنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ لِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ - رَواهُ عَنْهُ في (شَرْحِ الإبانَةِ) قِيلَ: وهو غَلَطٌ. ولِهَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٧] فَأثْبَتَ إيمانًا بَعْدَ كُفْرٍ تَقَدَّمَهُ إيمانٌ. ولَوْ تَكَرَّرَتْ مِنهُ الرِّدَّةُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ أيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقالَ إسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ: إذا ارْتَدَّ في الدُّفْعَةِ الثّالِثَةِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. أيْ: لِظاهِرِ آيَةِ النِّساءِ - انْتَهى - قُلْتُ: وفي (زادِ المُسْتَقْنِعِ) و (شَرْحِهِ): مِن فِقْهِ الحَنابِلَةِ ما نَصُّهُ: ولا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ بَلْ يُقْتَلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ عَقِيدَتِهِ وقِلَّةِ مُبالاتِهِ بِالإسْلامِ - انْتَهى - وهو قَرِيبٌ مِن مَذْهَبِ إسْحاقَ، وحَكى في (فَتْحِ البارِي) مِثْلَهُ عَنْ اللَّيْثِ وعَنْ أبِي إسْحاقَ المَرْوَزِيِّ مِن أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ.
(p-٨٨٤)
آل عمران 3:90
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٠ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيلَ الحَقِّ وأخْطَأُوا مِنهاجَهُ، وقَدْ أشْكَلَ عَلى كَثِيرٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَ الجُمْهُورِ مَقْبُولَةٌ كَما في الآيَةِ قَبْلَها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] وغَيْرُ ذَلِكَ، فَأجابُوا: بِأنَّ المُرادَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ. قالَ الواحِدِيُّ في (الوَجِيزِ): لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، وتِلْكَ التَّوْبَةُ لا تُقْبَلُ. - انْتَهى - . أيْ: كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةُ. وقِيلَ: عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ، أيْ: لا يَتُوبُونَ. كَقَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] وإنَّما كَنّى بِذَلِكَ تَغْلِيظًا في شَأْنِهِمْ وإبْرازًا لِحالِهِمْ في صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ تَوْبَتَهم لا تَكُونُ إلّا نِفاقًا لِارْتِدادِهِمْ وازْدِيادِهِمْ كُفْرًا. وبَقِيَ لِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ أُخْرى، هي في التَّأْوِيلِ أبْعَدُ مِمّا ذُكِرَ. (p-٨٨٥)ولا أرى هَذِهِ الآيَةَ إلّا كَآيَةِ النِّساءِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] إلَخْ. وكِلاهُما مِمّا يَدُلُّ صَراحَةً عَلى أنَّ مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ إسْحاقُ وأحْمَدُ كَما قَدَّمْنا، وذَلِكَ لِرُسُوخِهِ في الكُفْرِ. وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ الَّتِي قَبْلَها يُسْتَفادُ مِنها أنَّ الكَفَرَةَ قِسْمانِ في بابِ العِنادِ، وعِبارَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ [آل عمران: ٨٦] أنْكَرَ تَعالى هِدايَتَهُ لِقَوْمٍ قَدْ هَداهم أوَّلًا بِالنُّورِ الِاسْتِعْدادِيِّ إلى الإيمانِ، ثُمَّ بِالنُّورِ الإيمانِيِّ إلى أنْ عايَنُوا حَقِّيَّةَ الرَّسُولِ وأيْقَنُوا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم (كَذا) . وانْضَمَّ إلَيْهِ الِاسْتِدْلالُ العَقْلِيُّ بِالبَيِّناتِ، ثُمَّ ظَهَرَتْ نَفْسُهم بَعْدَ هَذِهِ الشَّواهِدِ كُلِّها بِالعِنادِ واللَّجاجِ وحَجَبَتْ أنْوارَ قُلُوبِهِمْ وعُقُولِهِمْ وأرْواحِهِمْ الشّاهِدَةِ ثَلاثَتُها بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، لِشُؤْمِ ظُلْمِهِمْ وقُوَّةِ اسْتِيلاءِ نُفُوسِهِمْ الأمّارَةِ عَلَيْهِمْ الَّذِي هو غايَةُ الظُّلْمِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] لِغِلَظِ حِجابِهِمْ وتَعَمُّقِهِمْ في البُعْدِ عَنْ الحَقِّ وقَبُولِ النُّورِ. وهم قِسْمانِ:
قِسْمٌ رَسَخَتْ هَيْئَةُ اسْتِيلاءِ النُّفُوسِ الأمّارَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ فِيهِمْ وتَمَكَّنَتْ، وتَناهَوْا في الغَيِّ والِاسْتِشْراءِ، وتَمادَوْا في البُعْدِ والعِنادِ، حَتّى صارَ ذَلِكَ مَلَكَةً لا تَزُولُ. وقِسْمٌ لَمْ يَرْسُخْ ذَلِكَ فِيهِمْ بَعْدُ، ولَمْ يَصِرْ عَلى قُلُوبِهِمْ رَيْنًا، ويَبْقى مِن وراءِ حِجابِ النَّفْسِ مَسْكَةٌ مِن نُورِ اسْتِعْدادِهِمْ، عَسى أنْ تَتَدارَكَهم رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وتَوْفِيقٌ فَيَنْدَمُوا ويَسْتَجِيبُوا بِحُكْمِ غَرِيزَةِ العُقُولِ. فَأشارَ إلى القِسْمِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى آخِرِهِ، وإلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [آل عمران: ٨٩] بِالمُواظَبَةِ عَلى الأعْمالِ والرِّياضاتِ، ما أفْسَدُوا - انْتَهى - .
آل عمران 3:91
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩١ ] ﴿(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا (p-٨٨٦)ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ)﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««يُقالُ لِلرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ ما عَلى الأرْضِ مِن شَيْءٍ أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ قالَ: فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ أرَدْتُ مِنكَ أهْوَنَ مِن ذَلِكَ، قَدْ أخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأبَيْتَ إلّا أنْ تُشْرِكَ»» ! وفي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ ! كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! خَيْرَ مَنزِلٍ، فَيَقُولُ: سَلْ وتَمَنَّ، فَيَقُولُ: ما أسْألُ ولا أتَمَنّى إلّا أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلَ في سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرّاتٍ - لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ - ويُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ فَيَقُولُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ ! كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! شَرَّ مَنزِلٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أتَفْتَدِي مِنهُ بِطِلاعِ الأرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! نَعَمْ. فَيَقُولُ: كَذَبْتَ ! قَدْ سَألْتُكَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ وأيْسَرَ فَلَمْ تَفْعَلْ، فَيُرَدُّ إلى النّارِ»» . ولِهَذا قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: مِن مُنْقِذٍ مِن عَذابِ اللَّهِ ولا مُجِيرٍ مِن ألِيمِ عِقابِهِ.
لَطِيفَةٌ:
فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قالَ صاحِبُ (الِانْتِصافِ): إنَّ هَذِهِ الواوَ المُصاحِبَةَ لِلشَّرْطِ (p-٨٨٧)تَسْتَدْعِي شَرْطًا آخَرَ، يُعْطَفُ عَلَيْهِ الشَّرْطُ المُقْتَرِنَةُ بِهِ ضَرُورَةً. والعادَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَنطُوقُ بِهِ مُنَبِّهًا عَلى المَسْكُوتِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الأوْلى. مِثالُهُ: قَوْلُكَ: أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ، فَهَذِهِ الواوُ عَطَفَتْ المَذْكُورَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ، إلّا أنَّكَ نَبَّهْتَ بِإيجابِ إكْرامِهِ وإنْ أساءَ، عَلى أنَّ إكْرامَهُ إنْ أحْسَنَ بِطْرِيقِ الأوْلى. ومِنهُ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] مَعْناهُ - واَللَّهُ أعْلَمُ -: لَوْ كانَ الحَقُّ عَلى غَيْرِكم ولَوْ كانَ عَلَيْكم، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ ما هو أعْسَرُ عَلَيْهِمْ، فَأوْجَبَهُ تَنْبِيهًا عَلى ما هو أسْهَلُ وأوْلى بِالوُجُوبِ، فَإذا تَبَيَّنَ مُقْتَضى الواوِ في مِثْلِ هَذِهِ المَواضِعِ وجَدْتَ آيَةَ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ مُخالَفَةً لِهَذا النَّمَطِ ظاهِرًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ يَقْتَضِي شَرْطًا آخَرَ مَحْذُوفًا، يَكُونُ هَذا المَذْكُورُ مُنَبِّهًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وهَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ، وهي حالَةُ افْتِدائِهِمْ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، هي حالَةٌ أجْدَرُ الحالاتِ بِقَبُولِ الفِدْيَةِ، ولَيْسَ وراءَها حالَةٌ أُخْرى تَكُونُ أوْلى بِالقَبُولِ مِنها، فَلِذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ بِمَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدٍ مِنهم فِدْيَةٌ ولَوْ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا. حَتّى تَبِينَ حالَةٌ أُخْرى يَكُونُ الِافْتِداءُ الخاصُّ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا هو أوْلى بِالقَبُولِ مِنها، فَإذا انْتَفى حَيْثُ كانَ أوْلى فَلَأنْ يَنْتَفِيَ فِيما عَدا هَذِهِ الحالَةِ أوْلى؛ فَهَذا كُلُّهُ بَيانٌ لِلْباعِثِ لَهُ عَلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ. وأمّا تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلَيْهِ فَعَسِرٌ جِدًّا، فالأوْلى ذِكْرُ وجْهٍ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ الآيَةِ عَلَيْهِ عَلى أسْهَلِ وجْهٍ وأقْرَبِ مَأْخَذٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَنَقُولُ: قَبُولُ الفِدْيَةِ الَّتِي هي مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا يَكُونُ عَلى أحْوالٍ:
مِنها: أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ عَلى وجْهِ القَهْرِ فِدْيَةٌ عَنْ نَفْسِهِ كَما تُؤْخَذُ الدِّيَةُ قَهْرًا مِن مالِ القاتِلِ عَلى قَوْلٍ.
(p-٨٨٨)ومِنها: أنْ يَقُولَ المُفْتَدِي في التَّقْدِيرِ: أفْدِي نَفْسِي بِكَذا - وقَدْ لا يَفْعَلُ - .
ومِنها: أنَّ يَقُولَ هَذا القَوْلَ ويُنْجِزَ المِقْدارَ الَّذِي يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ ويَجْعَلَهُ حاضِرًا عَتِيدًا، وقَدْ يُسَلِّمُهُ مَثَلًا لِمَن يَأْمَنُ مِنهُ قَبُولَ فِدْيَتِهِ.
وإذا تَعَدَّدَتْ الأحْوالُ فالمُرادُ في الآيَةِ أبْلَغُ الأحْوالِ وأجْدَرُها بِالقَبُولِ، وهو أنْ يَفْتَدِيَ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا افْتِداءً مُحَقَّقًا، بِأنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ويُسَلِّمَهُ ويُنْجِزَهُ اخْتِيارًا، ومَعَ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِنهُ. فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أبْذُلُ المالَ وأقْدِرُ عَلَيْهِ، أوْ ما يَجْرِي هَذا المَجْرى بِطَرِيقِ الأوْلى، فَيَكُونُ دُخُولُ الواوِ والحالَةُ هَذِهِ عَلى بابِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ثَمَّ أحْوالًا أُخَرُ لا يَنْفَعُ فِيها القَبُولُ بِطَرِيقِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ. وقَدْ ورَدَ هَذا المَعْنى مَكْشُوفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] - واَللَّهُ أعْلَمُ - وهَذا كُلُّهُ تَسْجِيلٌ بِأنَّهُ لا مَحِيصَ ولا مُخَلِّصَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ، وإلّا فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهم أعْجَزُ عَنْ الفَلْسِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. ونَظِيرُ هَذا التَّقْدِيرِ مِنَ الأمْثِلَةِ أنْ يَقُولَ القائِلُ: لا أبِيعُكَ هَذا الثَّوْبَ بِألْفِ دِينارٍ ولَوْ سَلَّمْتَها إلَيَّ في يَدِي هَذِهِ. فَتَأمَّلْ هَذا النَّظَرَ فَإنَّهُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِعِ واَللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ - انْتَهى - .
وثَمَّةَ وجْهٌ ثانٍ وهو أنَّ المُرادَ: ولَوْ افْتَدى بِمِثْلِهِ مَعَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في تِلْكَ الآيَةِ، فالمَعْنى لا يُقْبَلُ مِلْءُ الأرْضِ فِدْيَةً، ولَوْ زِيدَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ. وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، تُرِيدُ: مِثْلُهُ. وقَضِيَّةٌ ولا أبا حَسَنٍ لَها، أيْ: ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ. كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ. وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجْرِي الكَلامُ عَلى التَّأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّهُ نَبَّهَ بِعَدَمِ قَبُولِ مِثْلَيْ مِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا عَلى عَدَمِ قَبُولِ مِلْئِها مَرَّةً واحِدَةً بِطَرِيقِ الأوْلى.
(p-٨٨٩)ووَجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ لا يُحْمَلَ (مِلْءُ الأرْضِ) أوَّلًا عَلى الِافْتِداءِ بَلْ عَلى التَّصَدُّقِ، ولا يَكُونُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ مِن قَبِيلِ ما يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ السّابِقِ، بَلْ يَكُونُ شَرْطًا مَحْذُوفَ الجَوابِ، ويَكُونُ المَعْنى: لا يُقْبَلُ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوْ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. وضَمِيرُ بِهِ لِلْمالِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ وصْفِ التَّصَدُّقِ.
ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الواوَ زِيدَتْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. فَتَبَصَّرْ.
آل عمران 3:92
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ سِيقَ لِبَيانِ ما يَنْفَعُهم ويُقْبَلُ مِنهم، إثْرَ بَيانِ ما لا يَنْفَعُ الكَفَرَةَ ولا يُقْبَلُ مِنهم، أيْ: لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ، وتَلْحَقُوا بِزُمْرَةِ الأبْرارِ. بِناءً عَلى أنَّ تَعْرِيفَ البِرِّ لِلْجِنْسِ. أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو ثَوابُهُ وجَنَّتُهُ، إذا كانَ لِلْعَهْدِ، حَتّى تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مِمّا تُحِبُّونَ، أيْ: تَهْوَوْنَهُ ويُعْجِبُكم مِن كَرائِمِ أمْوالِكم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِ المَدِينَةِ مالًا مِن نَخْلٍ، وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحاءَ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٨٩٠)يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ. قالَ أنَسٌ: فَلَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قامَ أبُو طَلْحَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءَ، وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ. فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ» قالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ». فَقَسَمُها أبُو طَلْحَةَ في أقارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ – (وبَيْرُحا يُرْوى بِكَسْرِ الباءِ وفَتْحِها وفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها والمَدِّ والقَصْرِ، وهو اسْمُ حَدِيقَةٍ بِالمَدِينَةِ - وفي الفائِقِ: إنَّها فَيْعَـلى مِنَ البَراحِ، وهو الأرْضُ الظّاهِرَةُ. وبَخٍ بَخٍ: كَلِمَةُ اسْتِحْسانٍ ومَدْحٍ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ، ورابِحٌ بِالمُوَحَّدَةِ: أيْ: ذُو رِبْحٍ، وبِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: يَرُوحُ عَلَيْكَ نَفْعُهُ وثَوابُهُ) .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! لَمْ أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنْفَسُ عِنْدِي مِن سَهْمِي الَّذِي هو بِخَيْبَرَ، فَما تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قالَ: «حَبِّسْ الأصْلَ وسَبِّلْ الثَّمَرَةَ»» .
ورَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: حَضَرَتْنِي هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فَذَكَرْتُ ما أعْطانِي اللَّهُ، فَلَمْ أجِدْ شَيْئًا أحَبَّ إلَيَّ مِن جارِيَةٍ لِي رُومِيَّةٍ، فَقُلْتُ: هي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَلَوْ أنِّي أعُودُ في شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ، لَنَكَحْتُها. يَعْنِي: تَزَوَّجْتُها.
تَنْبِيهٌ:
قالَ القاشانِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ فِعْلٍ يُقَرِّبُ صاحِبَهُ مِنَ اللَّهِ فَهو بِرٌّ، ولا يُمْكِنُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ إلّا بِالتَّبَرُّؤِ عَمّا سِواهُ، فَمَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ حُجِبَ عَنْ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وأشْرَكَ شِرْكًا خَفِيًّا، لِتَعَلُّقِ مَحَبَّتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿(ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم (p-٨٩١)كَحُبِّ اللَّهِ)﴾ [البقرة: ١٦٥] وآثَرَ نَفْسَهُ بِهِ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ بَعُدَ مِنَ اللَّهِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: وهي مَحَبَّةُ غَيْرِ الحَقِّ، والشِّرْكُ، وإيثارُ النَّفْسِ عَلى الحَقِّ؛ فَإنْ آثَرَ اللَّهَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ وتَصَدَّقَ بِهِ وأخْرَجَهُ مِن يَدِهِ فَقَدْ زالَ البُعْدُ، وحَصَلَ القُرْبُ، وإلّا بَقِيَ مَحْجُوبًا، وإنْ أنْفَقَ مِن غَيْرِهِ أضْعافَهُ، فَما نالَ بِرًّا لِعِلْمِهِ تَعالى بِما يُنْفِقُ وبِاحْتِجابِهِ بِغَيْرِهِ.
﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَمُجازِيكم عَلَيْهِ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، جَيِّدًا أوْ غَيْرَهُ.
آل عمران 3:93
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٣ ] ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ المَطاعِمَ كُلَّها لَمْ تَزَلْ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبْلِ إنْزالِ التَّوْراةِ، وتَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنها لِظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ، لَمْ يُحَرَّمْ مِنها شَيْءٌ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ المَطْعُومِ الواحِدِ الَّذِي حَرَّمَهُ أبُوهم إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَتَبِعُوهُ عَلى تَحْرِيمِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ: رُوِيَ، فِيما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أنَّهُ لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في قِصَّةٍ، واَلتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ أنَّهُ العُرُوقُ. قالُوا: كانَ يَعْتَرِيهِ عِرْقُ النَّسا بِاللَّيْلِ فَيُزْعِجُهُ، فَنَذَرَ لَئِنْ عُوفِيَ لا يَأْكُلُ عِرْقًا، ولا يَأْكُلُ ولَدُهُ ما لَهُ عِرْقٌ، فاتَّبَعَهُ بَنُوهُ في إخْراجِ العُرُوقِ مِنَ اللَّحْمِ (p-٨٩٢)اسْتِنانًا بِهِ، واقْتِداءً بِطَرِيقِهِ، قالَ الرّازِيُّ: ونَقَلَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا خَرَجَ مِن حَرّانَ إلى كَنْعانَ، بَعَثَ بُرُدًا إلى أخِيهِ عِيسُو إلى أرْضِ ساعِيرَ، فانْصَرَفَ الرَّسُولُ إلَيْهِ وقالَ: إنْ عِيسُو هو ذا يَتَلَقّاكَ ومَعَهُ أرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ، فَذُعِرَ يَعْقُوبُ وحَزِنَ جِدًّا، فَصَلّى ودَعا، وقَدَّمَ هَدايا لِأخِيهِ، وذَكَرَ القِصَّةَ، إلى أنْ ذَكَرَ المَلِكَ الَّذِي لَقِيَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَدَنا ذَلِكَ الرَّجُلُ، ووَضَعَ إصْبَعَهُ عَلى مَوْضِعِ عِرْقِ النَّسا، فَخَدِرَتْ تِلْكَ العُصْبَةُ وجَفَّتْ، فَمِن أجْلِ هَذا لا يَأْكُلُ بَنُو إسْرائِيلَ العُرُوقَ - انْتَهى - قُلْتُ: والقِصَّةُ مَسُوقَةٌ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَّلاثِينَ.
اَلثّانِي: التَّحْرِيمُ المَذْكُورُ، عَلى الرِّوايَةِ الأُولى، أعْنِي لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَكانَ تَبَرُّرًا وتَعَبُّدًا وتَزَهُّدًا وقَهْرًا لِلنَّفْسِ، طَلَبًا لِمَرْضاةِ الحَقِّ تَعالى. وعَلى الثّانِيَةِ: فَإمّا وفاءٌ بِالنَّذْرِ وإمّا تَداوِيًا،وإمّا لِكَوْنِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ تَعافُهُ - واَللَّهُ أعْلَمُ - فالتَّحْرِيمُ بِمَعْنى الِامْتِناعِ.
اَلثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وتَكْذِيبٌ لَهم حَيْثُ أرادُوا بَراءَةَ ساحَتِهِمْ مِمّا نَعى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وجُحُودِ ما غاظَهم واشْمَأزُّوا مِنهُ، وامْتَعَضُوا مِمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ لِبَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ. فَقالُوا: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وما هو إلّا تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ، كانَتْ مُحَرَّمَةً (p-٨٩٣)عَلى نُوحٍ وعَلى إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وهَلُمَّ جَرًّا. إلى أنْ انْتَهى التَّحْرِيمُ إلَيْنا فَحُرِّمَتْ عَلَيْنا كَما حُرِّمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا. وغَرَضُهم تَكْذِيبُ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالبَغْيِ والظُّلْمِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وأكْلِ الرِّبا وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وما عَدَّدَ مِن مَساوِئِهِمْ - انْتَهى - .
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْواكم أنَّهُ تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ - وفي أمْرِهِ ﷺ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمْ ويَبْكَتَهم بِما هو ناطِقٌ بِهِ، مِن أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ حادِثٌ لا قَدِيمٌ، كَما يَدَّعُونَهُ - أعْظَمُ بُرْهانٍ عَلى صِدْقِهِ وكَذِبِهِمْ إذْ لَمْ يَجْسُرُوا عَلى إخْراجِ التَّوْراةِ. فَبُهِتُوا وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ.
آل عمران 3:94
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٤ ] ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
﴿فَمَنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ: ﴿عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ: في أمْرِ المَطاعِمِ وغَيْرِها: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِتَعَرُّضِهِمْ إلى أنْ يَهْتِكَهم تَعالى ويُعَذِّبُهم.
آل عمران 3:95
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٥ ] ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ: ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ صادِقٌ فِيما أنْزَلَ وأنْتُمْ الكاذِبُونَ: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن آمَنَ مَعَهُ، واَلَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي ورَّطَتْكم في فَسادِ دِينِكم ودُنْياكم حَيْثُ اضْطَرَّتْكم إلى تَحْرِيفِ كِتابِ اللَّهِ لِتَسْوِيَةِ أغْراضِكم، وألْزَمْتُكم تَحْرِيمَ الطَّيِّباتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ولِمَن تَبِعَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ الأدْيانِ الزّائِفَةِ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِما في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ مِن شِرْكِ إثْباتِ الوَلَدِ أوْ إلَهِيَّةِ عِيسى، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ، وما كانَ يَدْعُو إلّا إلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى وهو الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ؟ ! .
(p-٨٩٤)
آل عمران 3:96
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٦ ] ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾
﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِنُسُكِهِمْ وعِباداتِهِمْ: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ أيْ: لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، أيْ: فِيها. وفي تَرْكِ المَوْصُوفِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى. وبَكَّةُ لُغَةٌ في مَكَّةَ، فَإنَّ العَرَبَ تُعاقِبُ بَيْنَ الباءِ والمِيمِ كَما في قَوْلِهِمْ: (ضَرْبَةُ لازِبٍ ولازِمٍ)، و(النَّمِيطُ والنَّبِيطُ) في اسْمِ مَوْضِعٍ بِالدَّهْناءِ، وقَوْلُهم (أمْرٌ راتِبٌ وراتِمٌ) و ( أغْبَطَتْ الحُمّى وأغْمَطَتْ) . وقِيلَ: مَكَّةُ البَلَدُ، وبَكَّةُ مَوْضِعُ المَسْجِدِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِدَقِّها أعْناقَ الجَبابِرَةِ، فَلَمْ يَقْصِدْها جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ لِازْدِحامِ النّاسِ بِها مِن بَكَّهُ إذا فَرَّقَهُ ووَضَعَهُ وإذا زاحَمَهُ، كَما أنَّ مَكَّةَ مِن مَكَّهُ: أهْلَكَهُ ونَقَصَهُ؛
لِأنَّها تُهْلِكُ مَن ظَلَمَ فِيها وألْحَدَ، وتُنْقِصُ الذُّنُوبَ أوْ تَنْفِيها كَما في القامُوسِ - وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مَكَّةَ هي (مِيشا) أوْ (ماسا) المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ، وآخَرُ إلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن اسْمِ واحِدٍ مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ وهو (مَسّا) ﴿مُبارَكًا﴾ أيْ: كَثِيرُ الخَيْرِ، لِما يَحْصُلُ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ واعْتَكَفَ عِنْدَهُ وطافَ حَوْلَهُ، مِنَ الثَّوابِ وتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ: ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهم.
تَنْبِيهٌ:
ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِيَّةِ كَوْنُهُ أوَّلًا في الوَضْعِ والبِناءِ، ورَوَوْا في ذَلِكَ آثارًا، مِنها أنَّهُ تَعالى خَلَقَ هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأرَضِينَ، ومِنها: أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَةً لِبِناءِ بَيْتٍ في الأرْضِ عَلى مِثالِ البَيْتِ المَعْمُورِ، وذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، ومِنها: أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ. ولَيْسَ في هَذِهِ الآثارِ خَبَرٌ صَحِيحٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. والمُتَعَيِّنُ أنَّ المُرادَ: أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ مَسْجِدًا، كَما بَيَّنَتْهُ رِوايَةُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: كانَتْ البُيُوتُ قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ (p-٨٩٥)أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ: مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلُ ؟ قالَ: «المَسْجِدُ الحَرامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ: ؟ قالَ: «المَسْجِدُ الأقْصى» قُلْتُ: كَمْ كانَ بَيْنَهُما ؟ قالَ: «أرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهِ، فَإنَّ الفَضْلَ فِيهِ»» .
قالَ ابْنُ القِيَمِ في (زادِ المَعادَ): وقَدْ أشْكَلَ هَذا الحَدِيثُ عَلى مَن لَمْ يَعْرِفْ المُرادَ بِهِ، فَقالَ: مَعْلُومٌ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ الَّذِي بَنى المَسْجِدَ الأقْصى. وبَيْنَهُ وبَيْنَ إبْراهِيمَ أكْثَرُ مِن ألْفِ عامٍ. وهَذا مِن جَهْلِ القائِلِ، فَإنَّ سُلَيْمانَ إنَّما كانَ لَهُ مِنَ المَسْجِدِ الأقْصى تَجْدِيدُهُ لا تَأْسِيسُهُ، واَلَّذِي أسَّسَهُ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، بَعْدَ بِناءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا المِقْدارِ. انْتَهى.
آل عمران 3:97
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٧ ] ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾
﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ وهو الحَجْرُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ عِنْدَ رَفْعِهِ قَواعِدَ البَيْتِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ كانَ مُلْتَصِقًا بِجِدارِ البَيْتِ، حَتّى أخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في إمارَتِهِ إلى ناحِيَةِ الشَّرْقِ، بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الطُّوّافُ مِنهُ، ولا يُشَوِّشُونَ عَلى المُصَلِّينَ عِنْدَهُ بَعْدَ الطَّوافِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَنا بِالصَّلاةِ عِنْدَهُ، حَيْثُ قالَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ: التَّرْغِيبُ (p-٨٩٦)فِي زِيارَةِ البَعْضِ الحَرَمَ وفِعْلِ الطّاعاتِ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالبَرَكَةِ والهُدى وجَعَلَ فِيهِ آياتٍ بَيِّناتٍ.
لَطِيفَةٌ:
مَقامُ إبْراهِيمَ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، أيْ: مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، أوْ بَدَلٌ مِن آياتٍ، بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، إمّا وحْدَهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ لِظُهُورِ شَأْنِهِ وقُوَّةِ دِلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى نُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] أوْ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ. قالُوا: فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أثَرِ قَدَمَيْهِ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وغَوْصِهِ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ، وإلانَةِ بَعْضِ الصُّخُورِ دُونَ بَعْضٍ، وإبْقائِهِ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وحِفْظِهِ، مَعَ كَثْرَةِ الأعْداءِ، أُلُوفَ السِّنِينَ، آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (آيَةٌ بَيِّنَةٌ) عَلى التَّوْحِيدِ، وإمّا بِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً أوْ شَرْطِيَّةً، لَكِنَّها في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: (وأمِنَ مِن دَخْلِهِ ( فَتَكُونُ بِحَسَبِ المَعْنى والمَآلِ، مَعْطُوفَةً عَلى مَقامِ إبْراهِيمَ، ولا يَخْفى أنَّ الِاثْنَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ فَيُكْتَفى بِذَلِكَ، أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ ذَكَرَ مِن تِلْكَ الآياتِ اثْنَتانِ، وطَوى ذِكْرَ ما عَداهُما دِلالَةً عَلى كَثْرَتِها - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . قالَ المَهايِمِيُّ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ رَمْيُ الطَّيْرِ أصْحابَ الفِيلِ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ، وتَعْجِيلُ عُقُوبَةِ مَن عَتا فِيهِ، وإجابَةُ دُعاءِ مَن دَعا تَحْتَ مِيزابِهِ، وإذْعانُ النُّفُوسِ لِتَوْقِيرِهِ مِن غَيْرِ زاجِرٍ، ومِن أعْظَمِها: النّازِلُ مَنزِلَةَ الكُلِّ، مَقامُ إبْراهِيمَ، الحَجَرُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ عِنْدَ رَفْعِهِ قَواعِدَ البَيْتِ، كُلَّما عَلا الجِدارُ ارْتَفَعَ الحَجَرُ في الهَواءِ، ثُمَّ لُيِّنَ، فَغَرِقَتْ فِيهِ قَدَماهُ، كَأنَّهُما في طِينٍ، فَبَقِيَ أثَرُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ومِن آياتِهِ: أنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا مِن نَهْبِ العَرَبِ وقِتالِهِمْ، وقَدْ أمِنَ صَيْدُهُ وأشْجارُهُ. - ا هـ - . (p-٨٩٧)قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَعْنى أمْنِ داخِلِهِ: أمْنُهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿( أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ (p-٩٠١)النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ)﴾ [العنكبوت: ٦٧] وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُطْلَبْ. وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ ظَفِرْتُ فِيهِ بِقاتِلِ الخَطّابِ ما مَسَـسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ عَنْهُ. ا هـ.
تَنْبِيهٌ:
ما أفادَتْهُ الآيَةُ مِن إثْباتِ الأمانِ لِداخِلِهِ إنَّما هو بِتَحْرِيمِهِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي ورَدَتْ بِهِ الآياتُ، وأوْضَحَتْهُ الأحادِيثُ والآثارُ. فَفي الصَّحِيحَيْنِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ««لا هِجْرَةَ، ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا»» . وقالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ««إنَّ هَذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماوات والأرْضَ، فَهو حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إلّا مَن عَرَفَها، ولا يُخْتَلى خَلاها». فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا الإذْخِرَ، فَإنَّهُ لَقَيْنِهِمْ ولِبُيُوتِهِمْ، فَقالَ: «إلّا الإذْخِرَ»» . ولَهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ أوْ نَحْوُهُ؛ (p-٨٩٨)ولَهُما، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ أيْضًا، «عَنْ أبِي شُرَيْحٍ العَدَوِيِّ أنَّهُ قالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وهو يَبْعَثُ البُعُوثَ إلى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أيُّها الأمِيرُ أنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلًا قامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَدَ مِن يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنايَ، ووَعاهُ قَلْبِي، وأبْصَرَتْهُ عَيْنايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «إنْ مَكَّةَ حَرَمَها اللَّهُ، ولَمْ يُحَرِّمْها النّاسُ، فَلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِها دَمًا أوْ يَعْضُدَ بِها شَجَرَةً، فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيها فَقُولُوا لَهُ: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِنَبِيِّهِ ولَمْ يَأْذَنْ لَكم، وإنَّما أذِنَ لِي فِيها ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَدْ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالأمْسِ، فَلْيُبْلِغْ الشّاهِدُ الغائِبَ» . فَقِيلَ لِأبِي شُرَيْحٍ: ما قالُ لَكَ ؟ قالَ: أنا أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنكَ يا أبا شُرَيْحٍ. إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصِيًا، ولا فارًّا بِدَمٍ، ولا فارًّا بِخَرْبَةٍ».
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): قَوْلُهُ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنَّ يَسْفِكَ بِها دَمًا، هَذا التَّحْرِيمُ لِسَفْكِ الدَّمِ المُخْتَصُّ بِها، وهو الَّذِي يُباحُ في غَيْرِها، ويَحْرُمُ فِيها، لِكَوْنِها حَرَمًا، كَما أنَّ تَحْرِيمَ عَضْدِ الشَّجَرَةِ بِها واخْتِلاءِ خَلاها والتِقاطِ لُقَطَتِها، هو أمْرٌ مُخْتَصٌّ بِها، وهو مُباحٌ في غَيْرِها، إذْ الجَمِيعُ في كَلامٍ واحِدٍ، ونِظامٍ واحِدٍ، وإلّا بَطَلَتْ فائِدَةُ التَّخْصِيصِ، وهَذا أنْواعٌ:
أحَدُها: وهو الَّذِي ساقَهُ أبُو شُرَيْحٍ العَدَوِيُّ لِأجْلِهِ: أنَّ الطّائِفَةَ المُمْتَنِعَةَ بِها مِن مُبايَعَةِ الإمامِ لا تُقاتِلُ، لا سِيَّما إنْ كانَ لَها تَأْوِيلٌ. كَما امْتَنَعَ أهْلُمَكَّةَ مِن مُبايَعَةِ يَزِيدَ، وبايَعُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ. فَلَمْ يَكُنْ قِتالُهم ونَصْبُ المَنجَنِيقِ عَلَيْهِمْ وإحْلالُ حَرَمِ اللَّهِ جائِزًا بِالنَّصِّ والإجْماعِ، وإنَّما خالَفَ (p-٨٩٩)فِي ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الفاسِقُ وشِيعَتُهُ، وعارَضَ نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَأْيِهِ وهَواهُ فَقالَ: إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصِيًا. فَيُقالُ لَهُ: هو لا يُعِيذُ عاصِيًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ولَوْ لَمْ يُعِذْهُ مِن سَفْكِ دَمِهِ لَمْ يَكُنْ حَرَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّينَ، وكانَ حَرَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى الطَّيْرِ والحَيَوانِ البَهِيمِ، وهو لَمْ يَزَلْ يُعِيذُ العُصاةَ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ، وقامَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يَعُدْ مِقْيَسُ بْنُ صُبابَةَ وابْنُ خَطَلٍ ومَن سُمِّيَ مَعَهُما؛ لِأنَّهُ في تِلْكَ السّاعَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَمًا بَلْ حِلًّا، فَلَمّا انْقَضَتْ ساعَةُ الحَرْبِ عادَ إلى ما وُضِعَ عَلَيْهِ يَوْمَ خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ. وكانَتْ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها، يَرى الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ أوْ ابْنِهِ في الحَرَمِ فَلا يُهَيِّجُهُ، وكانَ ذَلِكَ بَيْنَهم خاصَّةَ الحَرَمِ الَّذِي صارَ بِها حَرَمًا. ثُمَّ جاءَ الإسْلامُ فَأكَّدَ ذَلِكَ وقَوّاهُ، وعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ مِنَ الأُمَّةِ مَن يَتَأسّى بِهِ في إحْلالِهِ بِالقِتالِ والقَتْلِ، فَقَطَعَ الإلْحاقَ وقالَ لِأصْحابِهِ: ««فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ ولَمْ يَأْذَنْ لَكَ»»، وعَلى هَذا فَمَن أتى حَدًّا أوْ قِصاصًا خارِجَ الحَرَمِ يُوجِبُ القَتْلَ، ثُمَّ لَجَأ إلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ إقامَتُهُ عَلَيْهِ فِيهِ. وذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَوْ وجَدْتُ فِيهِ قاتِلَ الخَطّابِ ما مَسِسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ. وذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: لَوْ وجَدْتُ فِيهِ قاتِلَ عُمَرَ ما بَدَهْتُهُ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَقِيتُ قاتِلَ أبِي في الحَرَمِ ما هِجْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم، بَلْ لا يُحْفَظُ عَنْ تابِعِيٍّ ولا صَحابِيٍّ خِلافُهُ. وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقَهُ مِن أهْلِ العِراقِ، والإمامُ أحْمَدُ ومَن وافَقَهُ مِن أهْلِ الحَدِيثِ. وذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ إلى أنَّهُ يَسْتَوْفِي مِنهُ في الحَرَمِ كَما يَسْتَوْفِي مِنهُ في الحِلِّ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ المُنْذِرِ، واحْتُجَّ لِهَذا القَوْلِ بِعُمُومِ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى اسْتِيفاءِ الحُدُودِ والقِصاصِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ، وبِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وبِما يُرْوى (p-٩٠٠)عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصِيًا ولا فارًّا بِدَمٍ ولا بِخَرْبَةٍ»» . وبِأنَّهُ لَوْ كانَتْ الحُدُودُ والقِصاصُ فِيما دُونَ النَّفْسِ لَمْ يُعِذْهُ الحَرَمُ، ولَمْ يَمْنَعْهُ مِن إقامَتِهِ عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ لَوْ أتى فِيهِ بِما يُوجِبُ حَدًّا أوْ قِصاصًا لَمْ يُعِذْهُ الحَرَمُ ولَمْ يَمْنَعْ مِن إقامَتِهِ، فَكَذَلِكَ إذا أتاهُ خارِجَهُ ثُمَّ لَجَأ إلَيْهِ، إذْ كَوْنُهُ حَرَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى عِصْمَتِهِ لا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وبِأنَّهُ حَيَوانٌ أُبِيحَ قَتْلُهُ لِفَسادِهِ، فَلَمْ يَفْتَرِقْ الحالُ بَيْنَ قَتْلِهِ لاجِئًا إلى الحَرَمِ وبَيْنَ كَوْنِهِ قَدْ أوْجَبَ ما أُبِيحُ قَتْلَهُ فِيهِ، كالحَيَّةِ والحِدَأةِ والكَلْبِ العَقُورِ، ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««خَمْسُ فَواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»» . فَنَبَّهَ بِقَتْلِهِنَّ في الحِلِّ والحَرَمِ عَلى العِلَّةِ - وهي فِسْقُهُنَّ - ولَمْ يَجْعَلْ التِجاءَهُنَّ إلى الحَرَمِ مانِعًا مِن قَتْلِهِنَّ، وكَذَلِكَ فاسِقُ بَنِي آدَمَ الَّذِي قَدْ اسْتَوْجَبَ القَتْلَ. قالَ الأوَّلُونَ: لَيْسَ في هَذا ما يُعارِضُ ما ذَكَرْنا مِنَ الأدِلَّةِ، ولا سِيَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وهَذا إمّا خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في خَبَرِهِ تَعالى، وإمّا خَبَرٌ عَنْ شَرْعِهِ ودِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ في حَرَمِهِ، وإمّا إخْبارٌ عَنْ الأمْرِ المَعْهُودِ المُسْتَمِرِّ في حَرَمِهِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]
وما عَدا هَذا مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا مِنَ النّارِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: كانَ آمِنًا مِنَ المَوْتِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَكَمْ مِمَّنْ دَخَلَهُ وهو في قَعْرِ الجَحِيمِ. وأمّا العُمُوماتُ الدّالَّةُ عَلى اسْتِيفاءِ الحُدُودِ والقِصاصِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ فَيُقالُ أوَّلًا: لا تَعَرُّضَ في تِلْكَ العُمُوماتِ لِزَمانِ الِاسْتِيفاءِ ولا مَكانِهِ، كَما لا تَعَرُّضَ فِيها لِشُرُوطِهِ وعَدَمِ مَوانِعِهِ، فَإنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْها بِوَضْعِهِ، ولا بِتَضَمُّنِهِ فَهو مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، ولِهَذا إذا كانَ لِلْحُكْمِ شَرْطٌ أوْ مانِعٌ لَمْ يُقَلْ إنْ تَوَقُّفَ الحُكْمِ عَلَيْهِ تَخْصِيصٌ لِذَلِكَ العامِّ، فَلا يَقُولُ مَحَصِّلٌ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] مَخْصُوصٌ بِالمَنكُوحَةِ في عِدَّتِها أوْ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها، أوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ، فَهَكَذا النُّصُوصُ العامَّةُ في اسْتِيفاءِ الحُدُودِ والقِصاصِ لا تَعَرُّضَ فِيها لِزَمَنِهِ ولا مَكانِهِ ولا شَرْطِهِ ولا مانِعِهِ، ولَوْ قُدِّرَ تَناوُلُ اللَّفْظِ لِذَلِكَ لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى المَنعِ، لِئَلّا يَبْطُلَ مُوجِبُها، ووَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ العامِّ عَلى ما عَداها كَسائِرِ نَظائِرِهِ، وإذا خَصَّصْتُمْ تِلْكَ العُمُوماتِ بِالحامِلِ والمُرْضِعِ والمَرِيضِ الَّذِي يُرْجى بُرْؤُهُ، والحالِ المُحَرِّمَةِ لِلِاسْتِيفاءِ كَشِدَّةِ المَرَضِ أوْ البَرْدِ أوْ الحَرِّ، فَما المانِعُ مِن تَخْصِيصِها بِهَذِهِ الأدِلَّةِ ؟ وإنْ قُلْتُمْ: لَيْسَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا بَلْ تَقْيِيدًا لِمُطْلِقِها كِلْنا لَكم هَذا الصّاعَ (p-٩٠٢)سَواءً بِسَواءٍ. وأمّا قَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ فَقَدْ تُقَدِّمَ أنَّهُ كانَ في وقْتِ الحِلِّ، وإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ الإلْحاقَ، ونَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن خَصائِصِهِ، وقَوْلُهُ ﷺ: ««وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ»»، صَرِيحٌ في أنَّهُ إنَّما أُحِلَّ لَهُ سَفْكُ دَمٍ حَلالٍ في غَيْرِ الحَرَمِ في تِلْكَ السّاعَةِ خاصَّةً، إذْ لَوْ كانَ حَلالًا في كُلِّ وقْتٍ، لَمْ يَخْتَصَّ بِتِلْكَ السّاعَةِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الدَّمَ الحَلالَ في غَيْرِها حَرامٌ فِيها، فِيما عَدا تِلْكَ السّاعَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: الحَرَمُ لا يُعِيذُ عاصِيًا، فَهو مِن كَلامِ الفاسِقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الأشْدَقِ، يَرُدُّ بِهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَوى لَهُ أبُو شُرَيْحٍ الكَعْبِيُّ هَذا الحَدِيثَ، كَما جاءَ مَبْيِنًّا في الصَّحِيحِ، فَكَيْفَ يُقَدِّمُ عَلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وأمّا قَوْلُكم: لَوْ كانَ الحَدُّ والقِصاصُ فِيما دُونَ النَّفْسِ لَمْ يُعِذْهُ الحَرَمُ مِنهُ، فَهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ: وهُما رِوايَتانِ مَنصُوصَتانِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَمَن مَنَعَ الِاسْتِيفاءَ نَظَرَ إلى عُمُومِ الأدِلَّةِ العاصِمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّفْسِ وما دُونَها، ومَن فَرَّقَ قالَ: سَفْكُ الدَّمِ إمّا يَنْصَرِفُ إلى القَتْلِ ولا يَلْزَمُ مِن تَحْرِيمِهِ في الحَرَمِ تَحْرِيمُهُ تَحْرِيمُ ما دُونَهُ، لِأنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أعْظَمُ، والِانْتِهاكُ بِالقَتْلِ أشَدُّ، قالُوا: ولِأنَّ الحَدَّ بِالجَلْدِ أوْ القَطْعِ يُجْرِي مَجْرى التَّأْدِيبِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنهُ، كَتَأْدِيبِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ. وظاهِرُ هَذا المَذْهَبِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ النَّفْسِ وما دُونَها في ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ مَسْألَةٌ وجَدْتُها لِحَنْبَلٍ عَنْ عَمِّهِ: أنَّ الحُدُودَ كُلَّها تُقامُ في الحَرَمِ إلّا القَتْلَ، قالَ: والعَمَلُ عَلى أنَّ كُلَّ جانٍ دَخَلَ الحَرَمَ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الحَدُّ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ، قالُوا: وحِينَئِذٍ فَنُجِيبُكم بِالجَوابِ المُرَكَّبِ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ بَيْنَ النَّفْسِ وما دُونَها في ذَلِكَ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ بَطَلَ الإلْزامُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ سَوَّيْنا بَيْنَهُما في الحُكْمِ وبَطَلَ الِاعْتِراضُ، فَتَحَقَّقَ بُطْلانُهُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ. قالُوا: وأمّا قَوْلُكم إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ مَن هَتَكَ فِيهِ الحُرْمَةَ إذْ أتى بِما يُوجِبُ الحَدَّ، فَكَذَلِكَ اللّاجِئُ إلَيْهِ، فَهو جَمْعٌ بَيْنَ ما فَرَّقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ والصَّحابَةُ بَيْنَهُما. فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن سَرَقَ أوْ قَتَلَ في الحَدِّ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ فَإنَّهُ لا يُجالَسُ ولا يُكَلَّمُ ولا يُؤْوى، حَتّى يَخْرُجَ فَيُؤْخَذَ فَيُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ. وإنْ سَرَقَ أوْ قَتَلَ في الحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ في الحَرَمِ. وذَكَرَ الأثْرَمُ عَنْ (p-٩٠٣)ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: مَن أحْدَثَ حَدَثًا في الحَرَمِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ ما أحْدَثَ فِيهِ مِن شَيْءٍ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقَتْلِ مَن قاتَلَ في الحَرَمِ فَقالَ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] والفَرْقُ بَيْنَ اللّاجِئِ والمُتَهَتِّكِ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الجانِيَ فِيهِ هاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ بِإقْدامِهِ عَلى الجِنايَةِ فِيهِ، بِخِلافِ مَن جَنى خارِجَهُ ثُمَّ لَجَأ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُعَظِّمٌ لِحُرْمَتِهِ مُسْتَشْعِرٌ بِها بِالتِجائِهِ إلَيْهِ، فَقِياسُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ باطِلٌ.
اَلثّانِي: أنَّ الجانِيَ فِيهِ بِمَنزِلَةِ المُفْسِدِ الجانِي عَلى بِساطِ المَلِكِ في دارِهِ وحَرَمِهِ، ومَن جَنى خارِجَهُ ثُمَّ لَجَأ إلَيْهِ فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَن جَنى خارِجَ بِساطِ المَلِكِ وحَرَمِهِ ثُمَّ دَخَلَ إلى حَرَمِهِ مُسْتَجِيرًا.
اَلثّالِثُ: أنَّ الجانِيَ في الحَرَمِ قَدْ هَتَكَ حُرْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وحُرْمَةَ بَيْتِهِ وحَرَمِهِ، فَهو هاتِكٌ لِحُرْمَتَيْنِ بِخِلافِ غَيْرِهِ.
اَلرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَمْ الحَدُّ عَلى الجُناةِ في الحَرَمِ لَعَمَّ الفَسادُ وعَظُمَ الشَّرُّ في حَرَمِ اللَّهِ، فَإنَّ أهْلَ الحَرَمِ كَغَيْرِهِمْ في الحاجَةِ إلى نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأعْراضِهِمْ، ولَوْ لَمْ يُشْرَعْ الحَدُّ في حَقِّ مَن ارْتَكَبَ الجَرائِمَ في الحَرَمِ لَتَعَطَّلَتْ حُدُودُ اللَّهِ وعَمَّ الضَّرَرُ لِلْحَرَمِ وأهْلِهِ.
والخامِسُ: أنَّ اللّاجِئَ إلى الحَرَمِ بِمَنزِلَةِ التّائِبِ المُتَنَصِّلِ اللّاجِئِ إلى بَيْتِ الرَّبِّ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِأسْتارِهِ، فَلا يُناسِبُ حالَهُ ولا حالَ بَيْتِهِ وحَرَمِهِ أنْ يُهاجَ، بِخِلافِ المُقْدِمِ عَلى انْتِهاكِ حُرْمَتِهِ.
فَظَهَرَ سِرُّ الفَرْقِ، وتَبَيَّنَ أنَّ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ هو مَحْضُ الفِقْهِ. وأمّا قَوْلُكم: إنَّهُ حَيَوانٌ مُفْسِدٌ فَأُبِيحَ قَتْلُهُ في الحِلِّ والحَرَمِ كالكَلْبِ العَقُورِ فَلا يَصِحُّ القِياسُ، فَإنَّ الكَلْبَ العَقُورَ طَبْعُهُ الأذى، فَلَمْ يُحَرِّمْهُ الحَرَمُ لِيَدْفَعَ أذاهُ عَنْ أهْلِهِ. وأمّا الآدَمِيُّ فالأصْلُ فِيهِ الحُرْمَةُ وحُرْمَتُهُ (p-٩٠٤)عَظِيمَةٌ، فَإنَّما أُبِيحَ لِعارِضٍ فَأشْبَهَ الصّائِلَ مِنَ الحَيَواناتِ المُباحَةِ مِنَ المَأْكُولاتِ، فَإنَّ الحَرَمَ يَعْصِمُها، وأيْضًا فَإنَّ حاجَةَ أهْلِ الحَرَمِ إلى قَتْلِ الكَلْبِ العَقُورِ والحَيَّةِ والحِدَأةِ كَحاجَةِ أهْلِ الحَلِّ سَواءً، فَلَوْ أعاذَها الحَرَمُ لَعَظُمَ عَلَيْهِمْ الضَّرَرُ بِها. انْتَهى. (مِنَ الجُزْءِ الثّانِي مِن صَفْحَةِ ١٧٧ إلى صَفْحَةِ ١٨٠) .
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى فَضائِلَ البَيْتِ ومَناقِبَهُ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ إيجابِ الحَجِّ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ اللّامُ في البَيْتِ لِلْعَهْدِ. وحِجُّهُ: قَصْدُهُ لِلزِّيارَةِ بِالنُّسُكِ المَعْرُوفِ. وكَسْرُ الحاءِ وفَتْحُها لُغَتانِ، وهُما قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
اَلْأوَّلُ: في إعْرابِها قالَ أبُو السُّعُودِ في صَدْرِ الآيَةِ: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ هو: ﴿حِجُّ البَيْتِ﴾ وخَبَرٍ هو: (لِلَّهِ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى النّاسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في الجارِّ، والعامِلُ فِيهِ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: (عَلى النّاسِ) هو الخَبَرُ، و: (لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ. ثُمَّ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ في مَحَلِّ الخَبَرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن: (النّاسِ) بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِهِ، فالضَّمِيرُ العائِدُ إلى المُبَدَلِ مِنهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن اسْتَطاعَ مِنهم، وقِيلَ: بَدَلَ الكُلِّ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هو البَعْضُ المُسْتَطِيعُ، فَلا حاجَةَ إلى الضَّمِيرِ. وقِيلَ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم مَن اسْتَطاعَ. وقِيلَ: في حَيِّزِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ: أعْنِي.
اَلثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ هي آيَةُ وُجُوبِ الحَجِّ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: بَلْ هي قَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والأوَّلُ أظْهَرُ. وفي (فَتْحِ البَيانِ): اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِلَّهِ) هي الَّتِي يُقالُ لَها (p-٩٠٥)لامُ الإيجابِ والإلْزامِ، ثُمَّ زادَ هَذا المَعْنى تَأْكِيدًا حَرْفُ: (عَلى) فَإنَّهُ مِن أوْضَحِ الدِّلالاتِ عَلى الوُجُوبِ عِنْدَ العَرَبِ. كَما إذا قالَ القائِلُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ كَذا، فَذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأبْلَغِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ تَأْكِيدًا لِحَقِّهِ، وتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ. وقَدْ ورَدَتْ الأحادِيثُ المُتَعَدِّدَةُ بِأنَّهُ أحَدُ أرْكانِ الإسْلامِ ودَعائِمِهِ وقَواعِدِهِ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ إجْماعًا ضَرُورِيًّا.
اَلثّالِثُ: يَجِبُ الحَجُّ عَلى المُكَلَّفِ في العُمْرِ مَرَّةً واحِدَةً، بِالنَّصِّ والإجْماعِ، رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «أيُّها النّاسُ إنَّهُ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكم الحَجَّ فَحُجُّوا» . فَقالَ رَجُلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ. حَتّى قالَها ثَلاثًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ قُلْتْ نَعَمْ لَوَجَبَتْ ولَما اسْتَطَعْتُمْ» . ثُمَّ قالَ: «ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوْا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ ! إنْ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكم الحَجَّ»، فَقامَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي كُلِّ عامٍ ؟ فَقالَ: «لَوْ قُلْتُها لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِها ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْمَلُوا بِها. الحَجُّ مَرَّةً. فَمَن زادَ فَهو تَطَوُّعٌ»» .
(p-٩٠٦)اَلرّابِعُ: اسْتِطاعَةُ السَّبِيلِ عِبارَةٌ عَنْ إمْكانِ الوُصُولِ إلَيْهِ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَقالَتْ طائِفَةٌ: الآيَةُ عَلى العُمُومِ، إذْ لا نَعْلَمُ خَبَرًا ثابِتًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ولا إجْماعًا لِأهْلِ العِلْمِ يُوجِبُ أنْ نَسْتَثْنِيَ مِن ظاهِرِ الآيَةِ بَعْضًا، فَعَلى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ لِلْحَجِّ يَجِدُ إلَيْهِ السَّبِيلَ بِأيِّ وجْهٍ كانَتْ الِاسْتِطاعَةُ الحَجُّ - عَلى ظاهِرِ الآيَةِ - . قالَ: ورَوَيْنا عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: الِاسْتِطاعَةُ: الصِّحَّةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ شابًّا صَحِيحًا لَيْسَ لَهُ مالٌ فَلْيُؤَجِّرْ نَفْسَهُ بِأكْلِهِ وعَقِبِهِ حَتّى يَقْضِيَ نُسُكَهُ. فَقالَ لَهُ قائِلٌ: أكَلَّفَ اللَّهُ النّاسَ أنْ يَمْشُوا إلى البَيْتِ ؟ فَقالَ: لَوْ كانَ لِبَعْضِهِمْ مِيراثٌ بِمَكَّةَ أكانَ يَتْرُكُهُ ؟ قالَ: لا، بَلْ يَنْطَلِقُ إلَيْهِ ولَوْ حَبْوًا، قالَ: فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ حَجُّ البَيْتِ. وقالَ مالِكٌ: الِاسْتِطاعَةُ عَلى إطاقَةِ النّاسِ، الرَّجُلُ يَجِدُ الزّادَ والرّاحِلَةَ ولا يَقْدِرُ عَلى المَشْيِ، وآخَرُ يَقْدِرُ عَلى المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: الِاسْتِطاعَةُ: الزّادُ والرّاحِلَةُ، كَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، واحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما يُوجِبُ الحَجَّ ؟ قالَ: «الزّادُ والرّاحِلَةُ»» - رَواهُ التِّرْمِذِيُّ - وفي إسْنادِهِ الخُوزِيُّ فِيهِ مَقالٌ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَكِنْ قَدْ تابَعَهُ غَيْرُهُ. وقَدْ اعْتَنى الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ بِجَمْعِ طُرُقِ هَذا الحَدِيثِ. ورَواهُ الحاكِمُ مِن حَدِيثِ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَقِيلَ: ما السَّبِيلُ ؟ قالَ: «الزّادُ والرّاحِلَةُ»»، ثُمَّ قالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ.
اَلْخامِسُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ الدِّمَشْقِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في (زادِ المَعادِ) في سِياقِ هَدْيِهِ ﷺ في حُجَّتِهِ: لا خِلافَ أنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ سِوى حَجَّةٍ واحِدَةٍ، وهي حَجَّةُ الوَداعِ، ولا خِلافَ أنَّها كانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ، واخْتُلِفَ هَلْ حَجَّ قَبْلَ الهِجْرَةِ ؟ .
(p-٩٠٧)ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ، وحِجَّةٌ بَعْدَ ما هاجَرَ، مَعَها عُمْرَةٌ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ. قالَ: وسَألْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخارِيَّ - عَنْ هَذا فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ. وفي رِوايَةٍ: لا يُعَدُّ هَذا الحَدِيثُ مَحْفُوظًا. ولَمّا نَزَلَ فَرْضُ الحَجِّ بادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الحَجِّ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، فَإنَّ فَرْضَ الحَجِّ تَأخَّرَ إلى سَنَةِ تِسْعٍ أوْ عَشْرٍ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإنَّها، وإنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيها فَرِيضَةُ الحَجِّ، وإنَّما فِيها الأمْرُ بِإتْمامِهِ وإتْمامِ العُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِما، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِداءِ. فَإنْ قِيلَ: فَمِن أيْنَ لَكم تَأخُّرُ نُزُولِ فَرْضِهِ إلى التّاسِعَةِ أوْ العاشِرَةِ ؟ قِيلَ: لِأنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ نَزَلَ عامَ الوُفُودِ، وفِيهِ قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصالَحَهم عَلى أداءِ الجِزْيَةِ والجِزْيَةُ إنَّما نَزَلَتْ عامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ، وفِيها نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وناظَرَ أهْلَ الكِتابِ ودَعاهم إلى التَّوْحِيدِ والمُباهَلَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ وجَدُوا في نُفُوسِهِمْ لِما فاتَهم مِنَ التِّجارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] فَأعاضَهَمْ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ بِالجِزْيَةِ. ونُزُولُ هَذِهِ الآياتِ والمُناداةُ بِها إنَّما كانَ في سَنَةِ تِسْعٍ. وبَعَثَ الصِّدِّيقَ يُؤَذِّنُ بِذَلِكَ في مَكَّةَ في مَواسِمِ الحَجِّ، وأرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ قَدْ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ واَللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفٌ لِوَعِيدِ مَن كَفَرَ بِهِ تَعالى، لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وإمّا أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ومُنْتَظِمٌ مَعَهُ، وهو أظْهَرُ وأبْلَغُ. والكُفْرُ - عَلى هَذا - إمّا بِمَعْنى جَحْدِ فَرِيضَةِ الحَجِّ، أوْ بِمَعْنى تَرْكِ ما تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ. ونَظِيرُهُ في السُّنَّةِ ما رَواهُ (p-٩٠٨)اَلنَّسائِيُّ واَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا: ««العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهم الصَّلاةُ فَمَن تَرَكَها فَقَدْ كَفَرَ»» . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إلّا الصَّلاةَ - أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ - ولِأبِي داوُدَ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا: ««بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ»» ولَفْظُ مُسْلِمٍ: ««بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلاةِ»» . ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ««مَن مَلَكَ زادًا وراحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلى بَيْتِ اللَّهِ ولَمْ يَحُجَّ، فَلا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾»» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ، وفي إسْنادِهِ مَقالٌ. وقَدْ رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ الإسْماعِيلِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: مَن أطاقَ الحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَسَواءٌ عَلَيْهِ ماتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ عَنْ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أبْعَثَ رَجُلًا إلى هَذِهِ الأمْصارِ، فَيَنْظُرُوا إلى كُلِّ مَن كانَ عِنْدَهُ جِدَةٌ فَلَمْ يَحُجَّ، فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمْ الجِزْيَةَ، ما هم بِمُسْلِمِينَ، ما هم بِمُسْلِمِينَ. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): وقَدْ اسْتَدَلَّ بِظاهِرِ الآيَةِ ابْنُ حَبِيبٍ عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الحَجَّ، وإنْ لَمْ يُنْكِرْهُ، كَفَرَ. ثُمَّ قالَ: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: مَن كانَ يَجِدُ وهو مُوسِرٌ صَحِيحٌ ولَمْ يَحُجَّ، كانَ سِيماهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٩٠٩)تَنْبِيهٌ:
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حازَتْ مِن فُنُونِ الِاعْتِباراتِ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَجِّ والتَّشْدِيدِ عَلى تارِكِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَمِنها الإتْيانُ بِاللّامِ وعَلى في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ في رِقابِ النّاسِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْ أدائِهِ والخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ، ومِنها أنَّهُ ذَكَرَ النّاسَ ثُمَّ أبْدَلَ عَنْهُ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ وفِيهِ ضَرْبانِ مِنَ التَّأْكِيدِ:
أحَدُهُما: أنَّ الإبْدالَ تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ لَهُ.
والثّانِي: أنَّ الإيضاحَ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَّفْصِيلَ بَعْدَ الإجْمالِ إيرادٌ لَهُ في صُورَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
ومِنها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ مَكانَ مَن لَمْ يَحُجَّ تَغْلِيظًا عَلى تارِكِ الحَجِّ.
ومِنها: ذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ. وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى المَقْتِ والسُّخْطِ والخِذْلانِ.
ومِنها: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَنْهُ. وما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِبُرْهانٍ، لِأنَّهُ إذا اسْتَغْنى عَنْ العالَمِينَ تَناوَلَهُ الِاسْتِغْناءُ لا مَحالَةَ، ولِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْناءِ الكامِلِ، فَكانَ أدَلَّ عَلى عِظَمِ السُّخْطِ الَّذِي وقَعَ عِبارَةً عَنْهُ - أشارَ لِذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ - ثُمَّ عَنَّفَ تَعالى كَفَرَةَ أهْلِ الكِتابِ عَلى عِنادِهِمْ لِلْحَقِّ بِقَوْلِهِ:
آل عمران 3:98
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٨ ] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ حالٌ مُفِيدَةٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ. وإظْهارِ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهانَةِ وتَهْوِيلِ الخَطْبِ. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في (شَهِيدٌ) لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِعَدَمِ الِاجْتِراءِ عَلى ما يَأْتُونَهُ. ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في ضَلالِهِمْ تَوْبِيخَهم في إضْلالِهِمْ، فَقالَ:
(p-٩١٠)
آل عمران 3:99
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٩ ] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ دِينِهِ. وكانُوا يَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْ الإسْلامِ: ﴿مَن آمَنَ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ: ﴿تَبْغُونَها﴾ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ: تَبْغُونَ لَها، أيْ: لِسَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي هي أقْوَمُ السُّبُلِ: ﴿عِوَجًا﴾ أيْ: اعْوِجاجًا وزَيْغًا وتَحْرِيفًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَغْيُ يُقْتَصَرُ لَهُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اللّامُ، كَقَوْلِكَ: بَغَيْتُ المالَ والأجْرَ والثَّوابَ، وأُرِيدَ هَهُنا: تَبْغُونَ لَها عِوَجًا، ثُمَّ أُسْقِطَتْ اللّامُ. كَما قالُوا: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا، أيْ: وهَبْتْ لَكَ دِرْهَمًا، ومِثْلُهُ: صِدْتُكَ ظَبْيًا، أيْ: صِدْتُ لَكَ ظَبْيًا، وأنْشَدَ:
؎فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا
أرادَ: أصِيدُ لَكم.
قالَ الرّازِيُّ: وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ (عِوَجًا) في مَوْضِعِ الحالِ. والمَعْنى: تَبْغُونَها ضالِّينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ، فَقالَ تَعالى: إنَّكم تَبْغُونَ سَبِيلَ اللَّهِ ضالِّينَ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُحْتاجُ إلى الحَذْفِ والإيصالِ.
وذَكَرَ ناصِرُ الدِّينِ في (الِانْتِصافِ) وجْهًا آخَرَ قالَ: هو أتَمُّ مَعْنًى، وهو أنْ تَجْعَلَ الهاءَ هي المَفْعُولَ بِهِ، و(عِوَجًا) حالٌ وقَعَ فِيها المَصْدَرُ الَّذِي هو (عِوَجًا) مَوْقِعَ الِاسْمِ، وفي هَذا الإعْرابِ مِنَ المُبالَغَةِ أنَّهم يَطْلُبُونَ أنْ تَكُونَ الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ نَفْسَ العِوَجِ، عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في مِثْلِ رَجُلٌ صَوْمٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .
﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ بِأنَّها سَبِيلُ اللَّهِ، والصَّدُّ عَنْها ضَلالٌ وإضْلالٌ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
(p-٩١١)
آل عمران 3:100
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: بِحُسْنِ اعْتِقادِكم فِيهِمْ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الكِتابِ: ﴿يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ: ﴿كافِرِينَ﴾ لِأنَّهم يَحْسُدُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما آتاهم اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ.
آل عمران 3:101
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠١ ] ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فِيهِ الإنْكارُ والتَّعْجِيبُ. والمَعْنى: مِن أيْنَ يَتَطَرَّقُ لَكم الكُفْرُ ؟: ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ وهي القُرْآنُ المُعْجِزُ الَّذِي هو أجَلُّ مِنَ الآياتِ المَتْلُوَّةِ عَلَيْهِمْ: ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾ يُنَبِّهُكم ويَعِظُكم ويُزِيحُ شُبَهَكم، وقَدْ هَداكم مِنَ الضَّلالَةِ، وأنْقَذَكم مِنَ الجَهالَةِ: ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: مَن يَتَمَسَّكُ بِدِينِهِ الحَقِّ الَّذِي بَيَّنَهُ بِآياتِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، وهو الإسْلامُ، والتَّوْحِيدُ، المُعَبَّرُ عَنْهُ بِسَبِيلِ اللَّهِ، فَهو عَلى هُدًى لا يَضِلُّ مُتَّبِعُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَثًّا لَهم عَلى الِالتِجاءِ إلَيْهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ ومَكايِدِهِمْ - انْتَهى - فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ (p-٩١٢)تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا﴾ [آل عمران: ١٠٠] إلَخْ، لِأنَّ مَضْمُونَهُ أنَّكم إنْ تُطِيعُوهم لِخَوْفِ شُرُورِهِمْ ومَكايِدِهِمْ، فَلا تَخافُوهم والتَجَئُوا إلى اللَّهِ في دَفْعِ ذَلِكَ، لِأنَّ مَن التَجَأ إلَيْهِ كَفاهُ.
آل عمران 3:102
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٢ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ: حَقَّ تَقْواهُ، وذَلِكَ بِدَوامِ خَشْيَتِهِ ظاهِرًا وباطِنًا والعَمَلِ بِمُوجِبِها. ورَوى الحافِظُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ. ورَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ مَرْفُوعًا، وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والأظْهَرُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .
ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: لا يَتَّقِي العَبْدُ اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ حَتّى يَخْزِنَ لِسانَهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ: أنْ يُجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ولا تَأْخُذَهم في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومُوا بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ.
أقُولُ: كُلُّ ما رُوِيَ، مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ بِعُمُومِها، فَلا تَنافِيَ.
تَنْبِيهٌ:
زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِنَ الآيَةِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] مُتَأوِّلًا حَقَّ تُقاتِهِ بِأنْ يَأْتِيَ العَبْدُ بِكُلِّ ما يَجِبُ لِلَّهِ ويَسْتَحِقُّهُ. قالَ: فَهَذا يُعْجِزُ العَبْدَ عَنْ الوَفاءِ، فَتَحْصِيلُهُ مُمْتَنِعٌ. وهَذا الزَّعْمُ لَمْ يُصِبْ المَحَزَّ، فَإنَّ كُلًّا مِنَ الآيَتَيْنِ سِيقَ في مَعْنًى خاصٍّ بِهِ، (p-٩١٣)فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ طَلَبُ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، بَلْ المُرادُ مِنها دَوامُ الإنابَةِ لَهُ تَعالى وخَشْيَتُهُ وعِرْفانُ جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ قَلْبًا وقالَبًا، كَما بَيَّنّا. وهَذا مِنَ المُسْتَطاعِ لِكُلِّ مُنِيبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] أمْرٌ بِعِبادَتِهِ قَدْرَ الِاسْتِطاعَةِ بِلا تَكْلِيفٍ لِما لا يُطاقُ، إذْ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وظاهِرٌ أنَّ مَن أتى بِما يَسْتَطِيعُهُ مِن عِبادَتِهِ تَعالى وأنابَ لِجَلالِهِ، وأخْلَصَ في أعْمالِهِ، وكانَ مُشْفِقًا في طاعاتِهِ، فَقَدْ اتَّقى اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ نُفُوسَكم لِلَّهِ تَعالى، لا تَجْعَلُونَ فِيها شَرِكَةً لِما سِواهُ أصْلًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥] وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: لا تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا حالَ تَحَقُّقِ إسْلامِكم وثَباتِكم عَلَيْهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ. ولَوْ قِيلَ إلّا مُسْلِمِينَ لَمْ يُفِدْ فائِدَتَها.
والعامِلُ في الحالِ ما قَبْلَ إلّا بَعْدَ النَّقْضِ. وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وإنْ كانَ نَهْيًا عَنْ المَوْتِ المُقَيَّدِ بِقَيْدٍ، هو الكَوْنُ عَلى أيِّ: حالٍ غَيْرِ حالِ الإسْلامِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ هو النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ القَيْدِ عِنْدَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمُ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ الَّذِي هو الكَوْنُ عَلى حالِ الإسْلامِ حِينَئِذٍ. وحَيْثُ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُرادُ إيجابَ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ إلى المَوْتِ. وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى المَوْتِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قَيْدِهِ المَذْكُورِ. فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ المُقَيَّدِ في أمْثالِهِ، نَهْيٌ عَنْ القَيْدِ ورَفْعٌ لَهُ مِن أصْلِهِ بِالكُلِّيَّةِ، مُفِيدٌ لِما لا يُفِيدُهُ النَّهْيُ عَنْ نَفْسِ القَيْدِ. فَإنَّ قَوْلَكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ (p-٩١٤)خاشِعٌ، يُفِيدُ مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ الخُشُوعِ في الصَّلاةِ ما لا يُفِيدُهُ قَوْلُكَ: لا تَتْرُكْ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ؛ لِما أنَّ هَذا نَهْيٌ عَنْ تَرْكِ الخُشُوعِ فَقَطْ، وذاكَ نَهْيٌ عَنْهُ وعَمّا يُقارِنُهُ، ومُفِيدٌ لِكَوْنِ الخُشُوعِ هو العُمْدَةَ في الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلاةَ بِدُونِهِ حَقُّها أنْ لا تُفْعَلَ. وفِيهِ نَوْعُ تَحْذِيرٍ عَمّا وراءَ المَوْتِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .
وقَدْ مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ الكَلامُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ مِن سِرِّ البَلاغَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ.
آل عمران 3:103
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٣ ] ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ الحَبْلُ: إمّا بِمَعْنى العَهْدِ، كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ بَعْدَها: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ: بِعَهْدٍ وذِمَّةٍ، وإمّا بِمَعْنى القُرْآنِ، كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (p-٩١٥)««ألا وإنِّي تارِكٌ فِيكم ثَقَلَيْنِ: أحَدُهُما كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ، مَن اتَّبَعَهُ كانَ عَلى الهُدى، ومَن تَرَكَهُ كانَ عَلى ضَلالَةٍ ...»» الحَدِيثُ، والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، فَإنَّ عَهْدَهُ أيْ: شَرْعَهُ ودِينَهُ وكِتابَهُ حِرْزٌ لِلْمُتَمَسِّكِ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، كالحَبْلِ الَّذِي يُتَمَسَّكُ بِهِ خَشْيَةَ السُّقُوطِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ أيْ: لا تَتَفَرَّقُوا عَنْ الحَقِّ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ بَيْنَكم. كَما اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَّصارى، أوْ كَما كُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ في الجاهِلِيَّةِ، مُتَدابِرِينَ، يُعادِي بَعْضُكم بَعْضًا، ويُحارِبُهُ. أوْ ولا تُحَدِّثُوا (p-٩١٦)ما يَكُونُ عَنْهُ التَّفَرُّقُ، ويَزُولُ مَعَهُ الِاجْتِماعُ والأُلْفَةُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِمّا يَأْباهُ جامِعُكم والمُؤَلِّفُ بَيْنَكم، وهو اتِّباعُ الحَقِّ والتَّمَسُّكُ بِالإسْلامِ - أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَهم الإحَنُ والعَداواتُ والحُرُوبُ المُتَواصِلَةُ، فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ، وقَذَفَ فِيها المَحَبَّةَ، فَتَحابُّوا وتَوافَقُوا وصارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ مُجْتَمِعِينَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ، قَدْ نَظَمَ بَيْنَهم وأزالَ الِاخْتِلافَ، وهو الأُخُوَّةُ في اللَّهِ: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا﴾ أيْ: طَرَفِ: ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ بِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الجاهِلِيَّةِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ أيْ: بِالإسْلامِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ في شَأْنِ الأوْسِ والخَزْرَجِ، فَإنَّهُ كانَ بَيْنَهم حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ في الجاهِلِيَّةِ وعَداوَةٌ شَدِيدَةٌ وضَغائِنُ وإحَنٌ طالَ بِسَبَبِها قِتالُهم، والوَقائِعُ بَيْنَهم. فَلَمّا جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَدَخَلَ فِيهِ مَن دَخَلَ مِنهم، صارُوا إخْوانًا مُتَحابِّينَ بِجَلالِ اللَّهِ، مُتَواصِلِينَ في ذاتِ اللَّهِ، مُتَعاوِنِينَ عَلى البِرِّ والتَّقْوى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] الآيَةُ. وكانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَأنْقَذَهم اللَّهُ مِنها، إذْ هَداهم لِلْإيمانِ. وقَدْ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ قَسَمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ، فَعَتَبَ مَن عَتَبَ مِنهم، بِما فَضَّلَ عَلَيْهِمْ في القِسْمَةِ، بِما أراهُ اللَّهُ، فَخَطَبَهم فَقالَ: ««يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ! ألَمْ أجِدْكم ضُلّالًا فَهَداكم اللَّهُ بِي، وكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألَّفَكم اللَّهُ بِي، وعالَةً فَأغْناكم اللَّهُ بِي ؟» فَكُلَّما قالَ شَيْئًا قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ -» انْتَهى - .
(p-٩١٧)لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ في: مِنها لِلْحُفْرَةِ أوْ لِلنّارِ أوْ لِلشَّفا، وإنَّما أُنِّثَ لِإضافَتِهِ إلى الحُفْرَةِ، وهو مِنها كَما قالَ:
؎كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ
اِنْتَهى.
(p-٩١٨)وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَحْسُنُ عَوْدُهُ إلّا إلى الشَّفا؛ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ. انْتَهى.
وفِي (الِانْتِصافِ): يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الحُفْرَةِ، فَلا يُحْتاجُ إلى تَأْوِيلِهِ المَذْكُورِ، كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُ غُلامَ هِنْدٍ، وأحْسَنْتُ إلَيْها، والمَعْنى عَلى عَوْدِهِ إلى الحُفْرَةِ أتَمُّ، لِأنَّها الَّتِي يُمْتَنُّ بِالإنْقاذِ مِنها حَقِيقَةً، وأمّا الِامْتِنانُ بِالإنْقاذِ مِنَ الشَّفا، فَلِما يَسْتَلْزِمُهُ الكَوْنُ عَلى الشَّفا غالِبًا مِنَ الهُوِيِّ إلى الحُفْرَةِ، فَيَكُونُ الإنْقاذُ مِنَ الشَّفا إنْقاذًا مِنَ الحُفْرَةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ الهُوِيِّ فِيها. فَإضافَةُ المِنَّةِ إلى الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ تَكُونُ أبْلَغَ وأوْقَعَ. مَعَ أنَّ اكْتِسابَ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ قَدْ عَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ في التَّعالِيقِ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، خِلافَ رَأْيِهِ في (الإيضاحِ) - نَقَلَهُ ابْنُ يَسْعَوْنَ - .
وما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى إعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الشَّفا إلّا أنَّهُ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، ولَمْ يَكُونُوا في الحُفْرَةِ حَتّى يَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإنْقاذِ مِنها، وقَدْ بَيَّنّا في أدْراجِ هَذا الكَلامِ ما يُسَوِّغُ الِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ بِالإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ، لِأنَّهم كانُوا صائِرِينَ إلَيْها غالِبًا، لَوْلا الإنْقاذُ الرَّبّانِيُّ. ألّا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ: ««الرّاتِعُ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يُواقِعَهُ»» وإلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿(أمْ مَن أسَّسَ (p-٩١٩)بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ)﴾ [التوبة: ١٠٩] وانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ تَعالى كَوْنَ البُنْيانِ عَلى الشَّفا سَبَبًا مُؤَدِّيًا إلى انْهِيارِهِ في نارِ جَهَنَّمَ، مَعَ تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] واَللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى - .
ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وشَفا الحُفْرَةِ وشَفَتُها: حَرْفُها، بِالتَّذْكِيرِ والتّانِيثِ، ولامُها واوٌ إلّا أنَّها في المُذَكَّرِ مَقْلُوبَةٌ، وفي المُؤَنَّثِ مَحْذُوفَةٌ، ونَحْوَ الشَّفا والشَّفَةِ، الجانِبُ والجانِبَةُ. انْتَهى.
وحَكى الزَّجّاجُ في تَثْنِيَةِ شَفا: شَفَوانِ. قالَ الأخْفَشُ لَمّا لَمْ تَجُزْ فِيهِ الإمالَةُ عُرِفَ أنَّهُ مِنَ الواوِ، لِأنَّهُ الإمالَةُ مِنَ الياءِ. كَذا في الصَّحّاحِ.
ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جُعِلُوا عَلى حَرْفِ حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ ؟ قُلْتُ: لَوْ ماتُوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ وقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهم الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ، بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها مُشْفِينَ عَلى الوُقُوعِ فِيها.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ، إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ البَيانِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ في كُلِّ مَكانٍ لِإنْقاذِكم عَنْ الضَّلالِ فِيهِ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لِرُشْدِكم الدِّينِيِّ والدُّنْيَوِيِّ فِيهِ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ كَما أنْقَذَكم مِنَ النّارِ والضَّلالِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ، فَلْيَكُنْ فِيكم مَن يُنْقِذُ إخْوانَهُ، فَقالَ:(p-٩٢٠)
آل عمران 3:104
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٤ ] ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها يَؤُمُّها فِرَقُ النّاسِ، أيْ يَقْصِدُونَها ويَقْتَدُونَ بِها: ﴿يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ وهو ما فِيهِ صَلاحٌ دِينِيٌّ ودُنْيَوِيٌّ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِكُلِّ مَعْرُوفٍ، مِن واجِبٍ ومَندُوبٍ يُقَرِّبُهم إلى الجَنَّةِ ويُبْعِدُهم عَنْ النّارِ: ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ: عَنْ كُلِّ مُنْكَرْ، مِن حَرامٍ ومَكْرُوهٍ يُقَرِّبُهم إلى النّارِ ويُبْعِدُهم مِنَ الجَنَّةِ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ الدّاعُونَ الآمِرُونَ النّاهُونَ: ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِأُجُورِ أعْمالِهِمْ وأعْمالِ مَن تَبِعَهم.
قالَ بَعْضُهم: الفَلاحُ: هو الظَّفَرُ وإدْراكُ البُغْيَةِ. فالدُّنْيَوِيُّ هو إدْراكُ السَّعادَةِ الَّتِي تَطِيبُ بِها الِحَياةُ، والأُخْرَوِيُّ أرْبَعَةُ أشْياءَ: بَقاءٌ بِلا فَناءٍ، وعِزٌّ بِلا ذُلٍّ، وغِنًى بِلا فَقْرٍ، وعِلْمٌ بِلا جَهْلٍ.
لَطِيفَةٌ:
قِيلَ: عَطْفُ: ﴿ويَأْمُرُونَ﴾ عَلى ما قَبْلُهُ، مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. كَذا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وناقَشَهُ في (الِانْتِصافِ) . وعِبارَتُهُ: عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ يُؤْذِنُ بِمَزِيدِ اعْتِناءٍ بِالخاصِّ لا مَحالَةَ إذا اقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ مُتَناوِلاتِ العامِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وشِبْهِ ذَلِكَ، لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى تَخْصِيصِ ما يُفْرَدُ بِالذِّكْرِ (p-٩٢١)يُفِيدُهُ تَمْيِيزًا عَنْ غَيْرِهِ مِن بَقِيَّةِ المُتَناوِلاتِ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ ذُكِرَ، بَعْدَ العامِّ فِيها جَمِيعُ ما يَتَناوَلُهُ، إذْ الخَيْرُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ إمّا فِعْلُ مَأْمُورٍ، أوْ تَرْكُ مَنهِيٍّ، لا يَعْدُو واحِدًا مِن هَذَيْنَ حَتّى يَكُونَ تَخْصِيصُها يُمَيِّزُها عَنْ بَقِيَّةِ المُتَناوِلاتِ، فالأوْلى في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ هَذا التَّخْصِيصِ ذِكْرُ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ عامًّا ثُمَّ مُفَصَّلًا. وفِيهِ تَنْبِيهٌ: أنَّ الذِّكْرَ عَلى وجْهَيْنِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - إلّا أنْ يَثْبُتَ عُرْفٌ يَخُصُّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنْ المُنْكَرِ بِبَعْضِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَإذْ ذاكَ يَتِمُّ مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وما أرى هَذا العُرْفَ ثانِيًا - واَللَّهَ أعْلَمُ - انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، ووُجُوبُهُ ثابِتٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وهو مِن أعْظَمِ واجِباتِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ، وأصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِها، ورُكْنٌ مَشِيدٌ مِن أرْكانِها، وبِهِ يَكْمُلُ نِظامُها ويَرْتَفِعُ سَنامُها - كَذا في (فَتْحِ البَيانِ) .
قالَ الغَزالِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: في هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ الإيجابِ. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولْتَكُنْ﴾ أمْرٌ. وظاهِرُ الأمْرِ الإيجابُ، وفِيها بَيانُ أنَّ الفَلاحَ مَنُوطٌ بِهِ، إذْ حَصَرَ وقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وفِيها بَيانُ أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ لا فَرْضُ عَيْنٍ، وأنَّهُ إذا قامَ بِهِ أُمَّةٌ سَقَطَ الفَرْضُ عَنْ الآخَرِينَ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ: كُونُوا كُلُّكم آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ. بَلْ قالَ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ فَإذًا، مَهْما قامَ بِهِ واحِدٌ أوْ جَماعَةٌ سَقَطَ الحَرَجُ عَنْ الآخَرِينَ، واخْتَصَّ الفَلاحُ بِالقائِمِينَ بِهِ المُباشِرِينَ. وإنَّ تَقاعَدَ عَنْهُ الخَلْقُ أجْمَعُونَ، عَمَّ الحَرَجُ كافَّةَ القادِرِينَ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ. انْتَهى.
فَإنْ قُلْتَ: فَمَن يُباشِرُهُ ؟ فالجَوابُ: كُلُّ مُسْلِمٍ تَمَكَّنَ مِنهُ ولَمْ يَغْلِبْ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ إنْ أنْكَرَ لَحِقَتْهُ مَضَرَّةٌ عَظِيمَةٌ، أوْ إنَّ نَهْيَهُ لا يُؤَثِّرُ، لِأنَّهُ عَبَثٌ، إلّا أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِإظْهارِ شِعارِ الإسْلامِ، وتَذْكِيرِ النّاسِ بِأمْرِ الدِّينِ. فَإنْ قُلْتَ: فَمَن يُؤْمَرُ ويُنْهى ؟ قُلْتُ: كُلُّ مُكَلَّفٍ، وغَيْرُ المُكَلَّفِ، إذا هَمَّ بِضَرَرِ غَيْرِهِ مُنِعَ، كالصِّبْيانِ والمَجانِينِ، ويُنْهى الصِّبْيانُ عَنْ المُحَرَّماتِ حَتّى لا يَتَعَوَّدُوها، كَما يُؤْخَذُونَ بِالصَّلاةِ لِيُمَرَّنُوا عَلَيْها - ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - .
(p-٩٢٢)وتَفْصِيلُ هَذا البَحْثِ في (الإحْياءِ) لِلْغَزالِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ، وقَدْ قالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في طَلِيعَةِ ذَلِكَ البَحْثِ ما نَصُّهُ: إنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنْ المُنْكَرِ، هو القُطْبُ الأعْظَمُ في الدِّينِ، وهو المُهِمُّ الَّذِي ابْتَعَثَ اللَّهُ لَهُ النَّبِيِّينَ أجْمَعِينَ، ولَوْ طُوِيَ بِساطُهُ وأُهْمِلَ عَمَلُهُ لَتَعَطَّلَتْ النُّبُوَّةُ، واضْمَحَلَّتْ الدِّيانَةُ، وعَمَّتْ الفَتْرَةُ، وفَشَتْ الضَّلالَةُ، وشاعَتْ الجَهالَةُ، واسْتَشْرى الفَسادُ، واتَّسَعَ الخَرْقُ، وخَرِبَتْ البِلادُ، وهَلَكَ العِبادُ، وإنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِالهَلاكِ إلّا يَوْمَ التَّنادِ، وقَدْ كانَ الَّذِي خِفْنا أنْ يَكُونَ، إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، إذْ قَدْ انْدَرَسَ مِن هَذا القُطْبِ عَمَلُهُ وعِلْمُهُ، وانْمَحى بِالكُلِّيَّةِ حَقِيقَتُهُ ورَسْمُهُ، واسْتَوْلَتْ عَلى القُلُوبِ مُداهَنَةُ الخَلْقِ، وانْمَحَتْ عَنْها مُراقَبَةُ الخالِقِ، واسْتَرْسَلَ النّاسُ في اتِّباعِ الهَوى والشَّهَواتِ اسْتِرْسالَ البَهائِمِ، وعَزَّ عَلى بِساطِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ صادِقٌ لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، فَمَن سَعى في تَلافِي هَذِهِ الفَتْرَةِ، وسَدِّ هَذِهِ الثُّلْمَةِ، إمّا مُتَكَفِّلًا بِعَمَلِها، أوْ مُتَقَلِّدًا لِتَنْفِيذِها، مُجَدِّدًا لِهَذِهِ السُّنَّةِ الدّاثِرَةِ، ناهِضًا بِأعْبائِها، ومُتَشَمِّرًا في إحْيائِها - كانَ مُسْتَأْثِرًا مِن بَيْنِ الخَلْقِ بِإحْياءِ سُنَّةٍ أفْضى الزَّمانُ إلى إماتَتِها، ومُسْتَبِدًّا بِقُرْبَةٍ تَتَضاءَلُ دَرَجاتُ القُرَبِ دُونَ ذُرْوَتِها - انْتَهى - .
آل عمران 3:105
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٥ ] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَنْهى تَعالى عِبادَهُ أنْ يَكُونُوا كاليَهُودِ في افْتِراقِهِمْ مَذاهِبَ، واخْتِلافِهِمْ عَنْ الحَقِّ بِسَبَبِ اتِّباعِ الهَوى، وطاعَةِ النَّفْسِ، والحَسَدِ، حَتّى صارَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم يُصَدِّقُ مِنَ الأنْبِياءِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ويَدْعُو إلى ما ابْتَدَعَهُ في دِينِهِ، فَصارُوا إلى العَداوَةِ والفُرْقَةِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهم الآياتُ الواضِحَةُ، المُبَيِّنَةُ لِلْحَقِّ، المُوجِبَةُ لِلِاتِّفاقِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وهي كَلِمَةُ الحَقِّ، فالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى المُتَصَدِّينَ لِلدَّعْوَةِ أصالَةً، وإلى أعْقابِهِمْ تَبَعًا. وفي قَوْلِهِ (p-٩٢٣)تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ مِنَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في وعِيدِ المُتَفَرِّقِينَ، والتَّشْدِيدِ في تَهْدِيدِ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ، ما لا يَخْفى.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ: ذَكَرَ الفَخْرُ الرّازِيُّ مِن وُجُوهِ قَوْلِهِ تَعالى: (اخْتَلَفُوا) أيْ: بِأنْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَدَّعِي أنَّهُ عَلى الحَقِّ، وأنَّ صاحِبَهُ عَلى الباطِلِ. ثُمَّ قالَ: وأقُولُ إنَّكَ إذا أنْصَفْتَ عَلِمْتَ أنَّ أكْثَرَ عُلَماءِ هَذا الزَّمانِ صارُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَنَسْألُ اللَّهَ العَفْوَ والرَّحْمَةَ - انْتَهى كَلامُهُ - وقَوْلُهُ: (هَذا الزَّمانِ) . إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا الحالَ لَمْ يَكُنْ في عُلَماءِ السَّلَفِ، وما زالُوا يَخْتَلِفُونَ في الفُرُوعِ وفي الفَتاوى بِحَسَبِ ما قامَ لَدَيْهِمْ مِنَ الدَّلِيلِ، وما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهم، ولَمْ يُضْلِلْ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَمْ يَدَّعِ أحَدُهم أنَّهُ عَلى الصَّوابِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الخَطَأ وأنَّ مُخالِفَهُ عَلى خَطَأٍ لا يَحْتَمِلُ الصَّوابَ، وإنَّما نَشَأ هَذا مِن جُمُودِ المُقَلِّدَةِ المُتَأخِّرِينَ وتَعَصُّبِهِمْ وظَنِّهِمْ عِصْمَةَ مَذْهَبِهِمْ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. وقَدْ تَفَرَّقَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في البِلادِ، وصارَ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ عِلْمٌ غَيْرَ ما عِنْدَ الآخَرِينَ، وهم عَلى وحْدَتِهِمْ وتُناصُرِهِمْ.
اَلثّانِي: قالَ القاشانِيُّ: يَعْنِي بِالآياتِ: الحُجَجَ العَقْلِيَّةَ والشَّرْعِيَّةَ المُوجِبَةَ لِاتِّحادِ الوِجْهَةِ، واتِّفاقِ الكَلِمَةِ، فَإنَّ لِلنّاسِ طَبائِعَ وغَرائِزَ مُخْتَلِفَةً، وأهْواءً مُتَفَرِّقَةً، وعاداتٍ وسِيَرًا مُتَفاوِتَةً، مُسْتَفادَةً مِن أمْزِجَتِهِمْ وأهْوِيَتِهِمْ، ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ فُهُومٌ مُتَبايِنَةٌ، وأخْلاقٌ مُتَعادِيَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مُقْتَدًى وإمامٌ، تَتَّحِدُ عَقائِدُهم وسِرُّهم وآراؤُهم بِمُتابَعَتِهِ، وتَتَّفِقُ كَلِماتُهم وعاداتُهم وأهْواؤُهم بِمَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ - كانُوا مُهْمَلِينَ مُتَفَرِّقِينَ، فَرائِسَ لِلشَّيْطانِ، كَشَرِيدَةِ الغَنَمِ، تَكُونُ لِلذِّئْبِ. ولِهَذا قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا بُدَّ لِلنّاسِ مِن إمامٍ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ، ولَمْ يُرْسِلْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ فَصاعِدًا لِشَأْنٍ، إلّا وأمَّرَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، وأمَرَ الآخَرَ بِطاعَتِهِ (p-٩٢٤)ومُتابَعَتِهِ، لِيَتَّحِدَ الأمْرُ ويَنْتَظِمَ، وإلّا وقَعَ الهَرَجُ والمَرَجُ، واضْطَرَبَ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا، واخْتَلَّ نِظامُ المَعاشِ والمَعادِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن فارَقَ الجَماعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ لَمْ يَرَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ»» . وقالَ: ««اللَّهُ مَعَ الجَماعَةِ»» . ألا تَرى أنَّ الجَمْعِيَّةَ الإنْسانِيَّةَ إذْ لَمْ تَنْضَبِطْ بِرِئاسَةِ القَلْبِ، وطاعَةِ العَقْلِ - كَيْفَ اخْتَلَّ نِظامُها، وآلَتْ إلى الفَسادِ والتَّفَرُّقِ، المُوجِبِ لِخَسارِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، «ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، فَقالَ: «هَذا سَبِيلُ الرُّشْدِ، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ خُطُوطًا فَقالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلى كُلِّ سَبِيلٍ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ»» .
(p-٩٢٥)اَلثّالِثُ: قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، قُدِّسَ سِرُّهُ، في أوَّلِ كِتابِهِ (رَفْعِ المَلامِ عَنْ الأئِمَّةِ الأعْلامَ) . ولْيُعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ المَقْبُولِينَ عِنْدَ الأُمَّةِ قَبُولًا عامًّا يَعْتَقِدُ مُخالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن سُنَّتِهِ، دَقِيقٍ ولا جَلِيلٍ، فَإنَّهم مُتَّفِقُونَ اتِّفاقًا يَقِينِيًّا عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ الرَّسُولِ، وعَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ، إلّا الرَّسُولَ ﷺ ولَكِنْ إذا وُجِدَ لِواحِدٍ مِنهم قَوْلٌ، قَدْ جاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلافِهِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن عُذْرٍ في تَرْكِهِ. وجِماعُ الأعْذارِ ثَلاثَةُ أصْنافٍ:
أحَدُها: عَدَمُ اعْتِقادِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَهُ.
اَلثّانِي: عَدَمُ اعْتِقادِهِ أنَّهُ أرادَ تِلْكَ المَسْألَةَ بِذَلِكَ القَوْلِ.
اَلثّالِثُ: اعْتِقادُهُ أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مَنسُوخٌ.
وهَذِهِ الأصْنافُ الثَّلاثَةُ تَتَفَرَّعُ إلى أسْبابٍ مُتَعَدِّدَةٍ. ثُمَّ أوْسَعَ المَقالَ في ذَلِكَ.
وذَكَرَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في بَعْضِ فَتاوِيهِ، أنَّ السَّلَفَ والأئِمَّةَ الأرْبَعَةَ والجُمْهُورَ يَقُولُونَ: الأدِلَّةُ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ في نَفْسِ الأمْرِ. وعَلى الإنْسانِ أنْ يَجْتَهِدَ ويَطْلُبَ الأقْوى. فَإذا رَأى دَلِيلًا أقْوى مِن غَيْرِهِ، ولَمْ يَرَ ما يُعارِضُهُ، عَمِلَ بِهِ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها. وإذا كانَ في الباطِنِ ما هو أرْجَحُ مِنهُ كانَ مُخْطِئًا مَعْذُورًا، ولَهُ أجْرٌ عَلى اجْتِهادِهِ وعَمَلِهِ بِما بُيِّنَ لَهُ رُجْحانُهُ، وخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وذَلِكَ الباطِنُ هو الحُكْمُ، لَكِنْ بِشَرْطِ القُدْرَةِ عَلى مَعْرِفَتِهِ، فَمَن عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ لَمْ يُؤاخَذْ بِتَرْكِهِ، فَإذا أُرِيدَ بِالخَطَأِ الإثْمُ، فَلَيْسَ المُجْتَهِدُ بِمُخْطِئٍ، بَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، مُطِيعٌ لِلَّهِ، فاعِلٌ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وإذا أُرِيدَ لَهُ عَدَمُ العِلْمِ بِالحَقِّ في نَفْسِ الأمْرِ، فالمُصِيبُ واحِدٌ، ولَهُ أجْرانِ. كَما في المُجْتَهِدِينَ في جِهَةِ الكَعْبَةِ، إذا صَلَّوْا إلى أرْبَعِ جِهاتٍ، فاَلَّذِي أصابَ الكَعْبَةَ واحِدٌ، ولَهُ أجْرانِ لِأنَّ اجْتِهادَهُ وعَمَلَهُ، (p-٩٢٦)كانَ أكْمَلَ مِن غَيْرِهِ، والمُؤْمِنُ القَوِيُّ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، ومَن زادَهُ اللَّهُ عِلْمًا وعَمَلًا زادَهُ اللَّهُ أجْرًا بِما زادَهُ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] قالَ مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: بِالعِلْمِ، وكَذَلِكَ قالَ في قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ المُجْتَهِدِينَ إنَّما قالُوا بِعِلْمٍ، واتَّبَعُوا العِلْمَ، وأنَّ الفِقْهَ مِن أجَلِّ العُلُومِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ لا يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ، لَكِنَّ بَعْضَهم قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَ الآخَرِ، إمّا بِأنْ سَمِعَ ما لَمْ يَسْمَعْ الآخَرُ، وإمّا بِأنْ فَهِمَ ما لَمْ يَفْهَمْ الآخَرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وهَذِهِ حالُ أهْلِ الِاجْتِهادِ والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، في الأُصُولِ والفُرُوعِ.
(p-٩٢٧)ثُمَّ قالَ: وإذا تَدَبَّرَ الإنْسانُ تَنازُعَ النّاسِ وجَدَ عِنْدَ كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَ الأُخْرى، كَما في مَسائِلِ الأحْكامِ. ولَمْ يَسْتَوْعِبْ الحَقَّ إلّا مَن اتَّبَعَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ كُلُّهُ عَلى وجْهِهِ، وهَؤُلاءِ هم أهْلُ المَرْحَمَةِ الَّذِينَ لا يَخْتَلِفُونَ. انْتَهى.
فَعُلِمَ أنَّ اخْتِلافَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ والمُجْتَهِدِينَ في الفُرُوعِ لَيْسَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ، فَإنَّ المُرادَ مِنها الِاخْتِلافُ عَنْ الحَقِّ، بَعْدَ وُضُوحِهِ، بِرَفْضِهِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ الاخْتِلافَيْنِ. ثُمَّ عَلى طالِبِ الحَقِّ أنَّ يَسْتَعْمِلَ نَظَرَهُ فِيما يُؤَثِّرُ مِن هَذِهِ الخِلافِيّاتِ، فَما وجَدَهُ أقْوى دَلِيلًا أخَذَ بِهِ، وإلّا تَرَكَهُ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وإذا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِمّا قَدْ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَلْيَدْعُ بِما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ - إذا قامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ - «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرائِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»» . فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ فِيما رَواهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يا عِبادِي كُلُّكم ضالٌّ إلّا مَن هَدَيْتَ، فاسْتَهْدُونِي أهْدِكم»» . انْتَهى.
(p-٩٢٨)اَلرّابِعُ: ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، هُنا، ما رُوِيَ مِن حَدِيثِ ««اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»»، ولا يُعْرَفُ لَهُ سَنَدٌ صَحِيحٌ، ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في (المَدْخَلِ) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هو مُخالِفٌ لِنُصُوصِ الآياتِ والأحادِيثِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩]
ونَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكم»» وغَيْرُهُ مِنَ الأحادِيثِ الكَثِيرَةِ، واَلَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنَ الخِلافِ - انْتَهى - .
(p-٩٢٩)وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ بِسَنَدِهِما عَنْ أبِي عامِرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيى قالَ: «حَجَجْنا مَعَ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، فَلَمّا قَدِمْنا مَكَّةَ قامَ حِينَ صَلّى صَلاةَ الظُّهْرِ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ افْتَرَقُوا في دِينِهِمْ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، وإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ مِلَّةً - يَعْنِي: الأهْواءَ - كُلُّها في النّارِ إلّا واحِدَةً، وهي الجَماعَةُ، وإنَّهُ سَيَخْرُجُ في أُمَّتِي أقْوامٌ تُجارى بِهِمْ تِلْكَ الأهْواءُ، كَما يَتَجارى الكَلْبُ بِصاحِبِهِ، لا يَبْقى مِنهُ عِرَقٌ ولا مَفْصِلٌ إلّا دَخَلَهُ؛ واَللَّهِ يا مَعْشَرَ العَرَبِ لَئِنْ لَمَّ تَقُومُوا بِما جاءَ نَبِيُّكم ﷺ لَغَيْرُكم مِنَ النّاسِ أحْرى أنْ لا يَقُومَ بِهِ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ. انْتَهى.
نُبْذَةٌ في مَبْدَأِ الِاخْتِلافِ في هَذِهِ الأُمَّةِ مِن أهْلِ الأهْواءِ:
ذَكَرَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ: (الفُرْقانِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ) أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُثْمانَ في السَّنَةِ الأُولى مِن وِلايَتِهِ مُتَّفِقِينَ لا تَنازُعَ بَيْنِهِمْ، ثُمَّ حَدَثَ في أواخِرَ خِلافَةِ عُثْمانَ أُمُورٌ أوْجَبَتْ نَوْعًا مِنَ التَّفَرُّقِ، وقامَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الفِتْنَةِ والظُّلْمِ، فَقَتَلُوا عُثْمانَ فَتَفَرَّقَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمانَ. ولَمّا اقْتَتَلَ المُسْلِمُونَ بِصِفِّينَ واتَّفَقُوا عَلى تَحْكِيمِ حَكَمَيْنِ خَرَجَتْ الخَوارِجُ عَلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وفارَقُوهُ وفارَقُوا جَماعَةَ المُسْلِمِينَ. وحَدَثَ في أيّامِهِ الشِّيعَةُ أيْضًا، لَكِنْ كانُوا مُخْتَفِينَ بِقَوْلِهِمْ لا يُظْهِرُونَهُ لَعَلِيٍّ وشِيعَتِهِ، بَلْ كانُوا ثَلاثَ طَوائِفَ.
(p-٩٣٠)طائِفَةٌ: تَقُولُ إنَّهُ إلَهٌ، وهَؤُلاءِ، لَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ، أحْرَقَهم بِالنّارِ.
والثّانِيَةُ: السّابَّةُ وكانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْ أبِي السَّوْداءِ أنَّهُ كانَ يَسُبُّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، فَطَلَبَهُ قِيلَ: إنَّهُ طَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ فَهَرَبَ مِنهُ.
والثّالِثَةُ: المُفَضِّلَةُ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَهُ عَلى الشَّيْخَيْنِ، وقَدْ تَواتَرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّها أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. ورَوى ذَلِكَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
ثُمَّ في آخِرِ عَصْرِ الصَّحابَةِ حَدَثَتْ القَدَرِيَّةُ، ثُمَّ حَدَثَتْ المُرْجِئَةُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّ النّاسَ في تَرْتِيبِ أهْلِ الأهْواءِ عَلى أقْسامٍ: مِنهم مَن يُرَتِّبُهم عَلى زَمانِ حُدُوثِهِمْ، فَيَبْدَأُ بِالخَوارِجِ، ومِنهم مَن يُرَتِّبُهم بِحَسَبِ خِفَّةِ أمْرِهِمْ وغِلَظِهِ فَيَبْدَأُ بِالمُرْجِئَةِ ويَخْتِمُ بِالجَهْمِيَّةِ، كَما فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِ أحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ، ونَحْوِهِ، وكالخَلاَّلِ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وأمْثالِهِما، وكَأبِي الفَرَجِ المَقْدِسِيِّ. وكِلا الطّائِفَتَيْنِ تَخْتِمُ بِالجَهْمِيَّةِ، لِأنَّهم أغْلَظُوا البِدَعَ. وكالبُخارِيِّ في صَحِيحِهِ. فَإنَّهُ بَدَأ بِكِتابِ الإيمانِ والرَّدِّ عَلى المُرْجِئَةِ، وخَتَمَهُ بِكِتابِ التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَلى الزَّنادِقَةِ والجَهْمِيَّةِ.
ثُمَّ قالَ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ السَّلَفَ كانَ اعْتِصامُهم بِالقُرْآنِ والإيمانِ، فَلَمّا حَدَثَ في الأُمَّةِ ما حَدَثَ مِنَ التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ، صارَ أهْلُ التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ شِيَعًا، وعُمْدَتُهم في الباطِنِ لَيْسَتْ عَلى القُرْآنِ والإيمانِ، ولَكِنْ عَلى أُصُولٍ ابْتَدَعَها شُيُوخُهم، عَلَيْها يَعْتَمِدُونَ في التَّوْحِيدِ والصِّفاتِ والقَدَرِيَّةِ والإيمانِ بِالرَّسُولِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ ما ظَنُّوا أنَّهُ يُوافِقُها مِنَ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهِ، وما خالَفَهُما تَأوَّلُوهُ، فَلِهَذا تَجِدُهم إذا احْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والحَدِيثِ لَمْ يَعْتَنُوا بِتَحْرِيرِ دِلالَتِهِما، ولَمْ يَسْتَقْصُوا ما في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ المَعْنى، إذْ كانَ اعْتِمادُهم في نَفْسِ الأمْرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. والآياتُ الَّتِي تُخالِفُهم يَشْرَعُونَ في تَأْوِيلِها شُرُوعَ مَن قَصَدَ رَدِّها كَيْفَ أمْكَنَ. لَيْسَ مَقْصُودُهُ أنْ يَفْهَمَ مُرادَ الرَّسُولِ، بَلْ أنْ يَدْفَعَ مُنازِعَهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِها. ثُمَّ قالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ -: فَعَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ لا يَتَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ إلّا تَبَعًا لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ولا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ، بَلْ (p-٩٣١)يَنْظُرُ ما قالَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ، وعِلْمُهُ تَبَعًا لِأمْرِهِ، كَما كانَ الصَّحابَةُ ومَن سَلَكَ سَبِيلَهم مِنَ التّابِعِينِ لَهم بِإحْسانٍ، وأئِمَّةُ المُسْلِمِينَ. فَلِهَذا لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنهم يُعارِضُ النُّصُوصَ بِمَعْقُولِهِ ولا يُوَسْوِسُ دِينًا غَيْرَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وإذا أرادَ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ والكَلامَ فِيهِ، نَظَرَ فِيما قالَهُ اللَّهُ والرَّسُولُ، فَمِنهُ يَتَعَلَّمُ وبِهِ يَتَكَلَّمُ، وفِيهِ يَنْظُرُ ويَتَفَكَّرُ، وبِهِ يَسْتَدِلُّ، فَهَذا أصْلُ أهْلِ السُّنَّةِ.
وقالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في رِسالَتِهِ إلى جَماعَةِ الشَّيْخِ عَدِيِّ بْنِ مُسافِرٍ ما نَصُّهُ: وهَذا التَّفْرِيقُ الَّذِي حَصَلَ مِنَ الأُمَّةِ عُلَمائِها ومَشايِخِها وأُمَرائِها وكُبَرائِها هو الَّذِي أوْجَبَ تَسَلُّطَ الأعْداءِ عَلَيْها، وذَلِكَ بِتَرْكِهِمْ العَمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] فَمَتى تَرَكَ النّاسُ بَعْضَ ما أمَرَهم اللَّهُ بِهِ وقَعَتْ بَيْنَهم العَداوَةُ والبَغْضاءُ، وإذا تَفَرَّقَ القَوْمُ فَسَدُوا وهَلَكُوا، وإذا اجْتَمَعُوا صَلَحُوا ومَلَكُوا، فَإنَّ الجَماعَةَ رَحْمَةٌ، والفُرْقَةَ عَذابٌ، وجِماعُ ذَلِكَ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] فَمِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ الأمْرُ بِالِائْتِلافِ والِاجْتِماعِ والنَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ والفُرْقَةِ، ومِنَ النَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ: إقامَةُ الحُدُودِ عَلى مَن خَرَجَ مِن شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ويَجِبُ عَلى أُولِي الأمْرِ، وهم عُلَماءُ كُلِّ طائِفَةٍ وأُمَراؤُها ومَشايِخُها أنْ يُقَوِّمُوا عامَّتَهم ويَأْمُرُوهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْهم عَنْ المُنْكَرِ، فَيَأْمُرُونَهم بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ، ويَنْهَوْنَهم عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ ورَسُولُهُ ﷺ . وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٩٣٢)
آل عمران 3:106
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٦ ] ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أيْ: تَبْيَضُّ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ لِاتِّباعِها الدِّينَ الحَقَّ الَّذِي هو النُّورُ السّاطِعُ. وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ، وهي وُجُوهُ الكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ؛ لِاتِّباعِها الضَّلالاتِ المُظْلِمَةِ، ولِيُسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى إيمانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَيُجازى كُلٌّ بِمُقْتَضى حالِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ لَها نَظائِرُ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ومِنها: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا البَياضِ والنَّضْرَةِ والغَبَرَةِ والقَتَرَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ البَياضَ مَجازٌ عَنْ الفَرَحِ والسُّرُورِ، والسَّوادَ عَنْ الغَمِّ. وهَذا مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] ويُقالُ: لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ بَيْضاءُ، أيْ: جَلِيَّةُ سارَّةٌ.
(p-٩٣٣)وتَقُولُ العَرَبُ لِمَن نالَ بُغْيَتَهُ وفازَ بِمَطْلُوبِهِ: ابْيَضَّ وجْهُهُ، ومَعْناهُ الِاسْتِبْشارُ والتَّهَلُّلُ، وعِنْدَ التَّهْنِئَةِ بِالسُّرُورِ يَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَيَّضَ وجْهَكَ. ويُقالُ لِمَن وصَلَ إلَيْهِ مَكْرُوهٌ: ارْبَدَّ وجْهُهُ واغْبَرَّ لَوْنُهُ، وتَبَدَّلَتْ صُورَتُهُ. فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ يُرَدُّ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما قَدَّمَتْ يَداهُ، فَإنْ كانَ لَكَ مِنَ الحَسَناتِ ابْيَضَّ وجْهُهُ بِمَعْنى اسْتَبْشَرَ بِنِعَمِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، وعَلى ضِدِّ ذَلِكَ، إذا رَأى الكافِرُ أعْمالَهُ القَبِيحَةَ مُحْصاةً اسْوَدَّ وجْهُهُ بِمَعْنى شِدَّةِ الحُزْنِ والغَمِّ، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا البَياضَ والسَّوادَ يَحْصُلانِ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِيهِما، ولا دَلِيلَ يُوجِبُ تَرْكَ الحَقِيقَةِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. ولِأبِي مُسْلِمٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] فَجَعَلَ الغَبَرَةَ والقَتَرَةَ في مُقابَلَةِ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ المُرادُ بِالغَبَرَةِ والقَتَرَةِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَجازِ لَما صَحَّ جَعْلُهُ مُقابِلًا لَهُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ والغَمِّ والحُزْنِ حَتّى صَحَّ هَذا التَّقابُلُ - أفادَهُ الرّازِيُّ - .
لَطِيفَةٌ:
(يَوْمَ) مَنصُوبٌ إمّا مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ تَحْذِيرًا لَهم عَنْ عاقِبَةِ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، وتَرْغِيبًا في الِاتِّفاقِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ. أيْ: اذْكُرُوا يَوْمَ ... إلَخْ، أوْ ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ في (لَهم) أوْ لـ (عَظِيمٌ) أوْ لـ (عَذابٌ) .
﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ الإشارَةِ إلَيْها إجْمالًا، وتَقْدِيمُ بَيانِ هَؤُلاءِ لِما أنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والإفْضاءِ إلى خَتْمِ الكَلامِ بِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ كَما بُدِئَ بِذَلِكَ عِنْدَ الإجْمالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿(أكَفَرْتُمْ (p-٩٣٤)بَعْدَ إيمانِكم)﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ، والهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - والمَعْنى: أكَفَرْتُمْ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَكم ما يُوجِبُ الإيمانُ، وهو الدَّلائِلُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وما يُناجِيكم بِهِ وِجْدانُكم مِن صِدْقِ هَذِهِ الدَّعْوى وحَقِّيَتِها وشَهادَتِهِ بِصِحَّتِها، كَما قالَ تَعالى فِيما قَبِلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] فَذَمَّهم عَلى الكُفْرِ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]
فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى ما ذُكِرَ، حَتّى تَصِيرَ هَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها، وهي عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ الكُفّارِ.
آل عمران 3:107
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٧ ] ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ المُرادُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ: الجَنَّةُ، عَبَّرَ عَنْها بِالرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ وإنْ اسْتَغْرَقَ عُمْرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى.
آل عمران 3:108
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٨ ] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: لا يَشاءُ أنْ يَظْلِمَ عِبادَهُ، فَيَأْخُذَ أحَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، أوْ يَزِيدَ في عِقابِ مُجْرِمٍ، أوْ يُنْقِصَ مِن ثَوابِ مُحْسِنٍ. قالَ الرّازِيُّ: إنَّما حَسُنَ ذِكْرُ الظُّلْمِ هَهُنا، (p-٩٣٥)لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى أكْرَمُ الأكْرَمِينَ فَكَأنَّهُ تَعالى يَعْتَذِرُ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّهم ما وقَعُوا فِيهِ إلّا لِسَبَبِ أفْعالِهِمْ المُنْكَرَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُشْعِرُ بِأنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ مُغَلَّبٌ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: وفي سَبْكِ الجُمْلَةِ نَوْعُ إيماءٍ إلى التَّعْرِيضِ بِأنَّ الكَفَرَةَ هم الظّالِمُونَ، ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]
آل عمران 3:109
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٩ ] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ تَعالى وحْدَهُ، مِن غَيْرِ شَرِكَةِ ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ مُلْكًا وخَلْقًا، وإحْياءً وإماتَةً، وإثابَةً وتَعْذِيبًا: ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ: ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: أُمُورُهم فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما وعَدَهُ وأوْعَدَهُ، فَلا داعِيَ لَهُ إلى الظُّلْمِ ؟ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
آل عمران 3:110
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٠ ] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ، والدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ، و: ﴿كُنْتُمْ﴾ مِن (كانَ) التّامَّةِ، والمَعْنى: وُجِدْتُمْ وخُلِقْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ (النّاقِصَةِ) والمَعْنى كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ في الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَكم مَذْكُورِينَ بِأنَّكم خَيْرُ أُمَّةٍ و: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بـ: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ أيْ: أُظْهِرَتْ لَهم حَتّى تَمَيَّزَتْ وعُرِفَتْ، وفُصِلَ بَيْنِها وبَيْنَ غَيْرِها. (p-٩٣٦)ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ الخَيْرِيَّةِ بِما لَمْ يَحْصُلْ مَجْمُوعُهُ لِغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فَبِهَذِهِ الصِّفاتِ فُضِّلُوا عَلى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: إيمانًا مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ مِن رَسُولٍ وكِتابٍ، وحِسابٍ وجَزاءٍ. وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَفْصِيلًا لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولِلْإيذانِ بِأنَّهُ هو الإيمانُ بِاَللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، وأنَّ ما خَلا عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَإيمانِ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَ مِنَ الإيمانِ بِهِ تَعالى مِن شَيْءٍ. قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥٠] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١] وإنَّما أخَّرَ ذَلِكَ عَنْ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِما وُجُودًا ورُتْبَةً، لِأنَّ دِلالَتَهُما عَلى خَيْرِيَّتِهِمْ لِلنّاسِ أظْهَرُ مِن دِلالَتِهِ عَلَيْها ولِيَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ - انْتَهى - .
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأى مِنَ النّاسِ رِعَةً، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ثُمَّ قالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ (p-٩٣٧)شَرْطَ اللَّهِ فِيها. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أيْ: خِيارًا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أيْ: بِاَلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ.
وقَدْ رُوِيَ في مَعْنى الآيَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أحادِيثُ وافِرَةٌ، مِنها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ واَلتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا إنَّكم تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، ويُرْوى مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وأبِي سَعِيدٍ ونَحْوِهِ. وإنَّما حازَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ قَصَبَ السَّبْقِ إلى الخَيْراتِ بِنَبِيِّها مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهُ أشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ، وأكْرَمُ الرُّسُلِ عَلى اللَّهِ، وبَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرْعٍ كامِلٍ عَظِيمٍ، لَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، ولا رَسُولٌ مِنَ الرُّسُلِ، فالعَمَلُ عَلى مِنهاجِهِ وسَبِيلِهِ، يَقُومُ القَلِيلُ مِنهُ ما لا يَقُومُ العَمَلُ الكَثِيرُ مِن أعْمالِ غَيْرِهِمْ مَقامَهُ. وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ هَهُنا حَدِيثَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وساقَ طُرُقَهُ ومُخَرِّجِيهِ فَأجادَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - .
﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ: بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: مِمّا هم عَلَيْهِ، إشارَةً إلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ في وُقُوفِهِمْ مَعَ ما مَنَعَهم عَنْ الإيمانِ مِنَ العِوَضِ القَلِيلِ الفانِي والرِّياسَةِ التّافِهَةِ، وتَرْكِهِمْ الغِنى الدّائِمَ، والعِزَّ الباهِرَ. ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم أحَدٌ قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِاَللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولَكِنَّهم قَلِيلٌ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الأكْثَرِ قاصِمَةً، خَفَّفَ سُبْحانَهُ عَنْ أوْلِيائِهِ بِقَوْلِهِ:
آل عمران 3:111
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١١ ] ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾
﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ لا يُبالى بِهِ مِن طَعْنٍ وتَهْدِيدٍ: ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ (p-٩٣٨)أيْ: يَوْمًا مِنَ الأيّامِ: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ يَعْنِي مُنْهَزِمِينَ مَخْذُولِينَ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ يَعْنِي لا يَكُونُ لَهم النَّصْرُ عَلَيْكم، بَلْ تُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ، ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ؟ لَمْ يُقاتِلُوا في مَوْطِنٍ إلّا كانُوا كَذَلِكَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَإنَّهم يَوْمَ خَيْبَرَ أذَلَّهم اللَّهُ، وأرْغَمَ أُنُوفَهم، وكَذَلِكَ مَن قَبْلَهم مَن يَهُودِ المَدِينَةِ: بَنِي قَيْنُقاعٍ، وبَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، كُلُّهم أذَلَّهم اللَّهُ. وكَذَلِكَ النَّصارى بِالشّامِ، كَسَرَهم الصَّحابَةُ في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ وسَلَبُوهم مُلْكَ الشّامِ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ. ولا تَزالُ عِصابَةُ الإسْلامِ قائِمَةً بِالشّامِ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وهم كَذَلِكَ، ويَحْكُمَ بِمِلَّةِ الإسْلامِ، وشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ولا يَقْبَلُ إلّا الإسْلامَ.
لَطائِفُ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا جَزَمَ المَعْطُوفَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ؟
قُلْتُ: عَدَلَ بِهِ عَنْ حُكْمِ الجَزاءِ إلى حُكْمِ الإخْبارِ ابْتِداءً، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ.
فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ رَفْعِهِ وجَزْمِهِ في المَعْنى ؟
قُلْتُ: لَوْ جُزِمَ لَكانَ نَفْيُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِمُقاتَلَتِهِمْ، كَتَوْلِيَةِ الأدْبارِ، وحِينَ رُفِعَ كانَ نَفْيُ النَّصْرِ وعْدًا مُطْلَقًا كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ شَأْنُهم وقِصَّتُهم الَّتِي أُخْبِرُكم عَنْها وأُبَشِّرُكم بِها بَعْدَ التَّوْلِيَةِ أنَّهم مَخْذُولُونَ مُنْتَفٍ عَنْهم النَّصْرُ والقُوَّةُ لا يَنْهَضُونَ بَعْدَها بِجَناحٍ، ولا يَسْتَقِيمُ لَهم أمْرٌ، وكانَ كَما أخْبَرَ مِن حالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ ويَهُودِ خَيْبَرَ.
فَإنْ قُلْتَ: فَما الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ هَذا الخَبَرُ ؟
قُلْتُ: جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ. كَأنَّهُ قِيلَ: أُخْبِرُكم أنَّهم إنْ يُقاتِلُوكم يَنْهَزِمُوا، ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ.
فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى التَّراخِي في ثُمَّ ؟
(p-٩٣٩)قُلْتُ: التَّراخِي في المَرْتَبَةِ، لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوْلِيَتِهِمْ الأدْبارَ.
قالَ النّاصِرُ بْنُ المُنِيرِ: وهَذا مِنَ التَّرَقِّي في الوَعْدِ عَمّا هو أدْنى إلى ما هو أعْلى، لِأنَّهم وُعِدُوا بِتَوْلِيَةِ عَدُوِّهِمْ الأدْبارَ عِنْدَ المُقابَلَةِ، ثُمَّ تَرَقّى الوَعْدُ إلى ما هو أتَمُّ في النَّجاحِ مِن أنَّ هَؤُلاءِ لا يُنْصَرُونَ مُطْلَقًا، ويَزِيدُ هَذا التَّرَقِّي بِدُخُولِ ثُمَّ دُونَ الواوِ. فَإنَّها تُسْتَعارُ هَهُنا لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لا في الوُجُودِ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ هَهُنا ما هو أعْلى في الِامْتِنانِ، وأسْمَحُ في رُتَبِ الإحْسانِ، وهو أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُنْصَرُونَ البَتَّةَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .