Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الشعراء 26:159 – النمل 27:84
المحتويات
- الشعراء 26:159
- الشعراء 26:160
- الشعراء 26:161
- الشعراء 26:162
- الشعراء 26:163
- الشعراء 26:164
- الشعراء 26:165
- الشعراء 26:166
- الشعراء 26:167
- الشعراء 26:168
- الشعراء 26:169
- الشعراء 26:170
- الشعراء 26:171
- الشعراء 26:172
- الشعراء 26:173
- الشعراء 26:174
- الشعراء 26:175
- الشعراء 26:176
- الشعراء 26:177
- الشعراء 26:178
- الشعراء 26:179
- الشعراء 26:180
- الشعراء 26:181
- الشعراء 26:182
- الشعراء 26:183
- الشعراء 26:184
- الشعراء 26:185
- الشعراء 26:186
- الشعراء 26:187
- الشعراء 26:188
- الشعراء 26:189
- الشعراء 26:190
- الشعراء 26:191
- الشعراء 26:192
- الشعراء 26:193
- الشعراء 26:194
- الشعراء 26:195
- الشعراء 26:196
- الشعراء 26:197
- الشعراء 26:198
- الشعراء 26:199
- الشعراء 26:200
- الشعراء 26:201
- الشعراء 26:202
- الشعراء 26:203
- الشعراء 26:204
- الشعراء 26:205
- الشعراء 26:206
- الشعراء 26:207
- الشعراء 26:208
- الشعراء 26:209
- الشعراء 26:210
- الشعراء 26:211
- الشعراء 26:212
- الشعراء 26:213
- الشعراء 26:214
- الشعراء 26:215
- الشعراء 26:216
- الشعراء 26:217
- الشعراء 26:218
- الشعراء 26:219
- الشعراء 26:220
- الشعراء 26:221
- الشعراء 26:222
- الشعراء 26:223
- الشعراء 26:224
- الشعراء 26:225
- الشعراء 26:226
- الشعراء 26:227
- النمل 27:1
- النمل 27:2
- النمل 27:3
- النمل 27:4
- النمل 27:5
- النمل 27:6
- النمل 27:7
- النمل 27:8
- النمل 27:9
- النمل 27:10
- النمل 27:11
- النمل 27:12
- النمل 27:13
- النمل 27:14
- النمل 27:15
- النمل 27:16
- النمل 27:17
- النمل 27:18
- النمل 27:19
- النمل 27:20
- النمل 27:21
- النمل 27:22
- النمل 27:23
- النمل 27:24
- النمل 27:25
- النمل 27:26
- النمل 27:27
- النمل 27:28
- النمل 27:29
- النمل 27:30
- النمل 27:31
- النمل 27:32
- النمل 27:33
- النمل 27:34
- النمل 27:35
- النمل 27:36
- النمل 27:37
- النمل 27:38
- النمل 27:39
- النمل 27:40
- النمل 27:41
- النمل 27:42
- النمل 27:43
- النمل 27:44
- النمل 27:45
- النمل 27:46
- النمل 27:47
- النمل 27:48
- النمل 27:49
- النمل 27:50
- النمل 27:51
- النمل 27:52
- النمل 27:53
- النمل 27:54
- النمل 27:55
- النمل 27:56
- النمل 27:57
- النمل 27:58
- النمل 27:59
- النمل 27:60
- النمل 27:61
- النمل 27:62
- النمل 27:63
- النمل 27:64
- النمل 27:65
- النمل 27:66
- النمل 27:67
- النمل 27:68
- النمل 27:69
- النمل 27:70
- النمل 27:71
- النمل 27:72
- النمل 27:73
- النمل 27:74
- النمل 27:75
- النمل 27:76
- النمل 27:77
- النمل 27:78
- النمل 27:79
- النمل 27:80
- النمل 27:81
- النمل 27:82
- النمل 27:83
- النمل 27:84
الشعراء 26:159
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤ - ١٦٦] ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (p-٤٦٣٧)﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]
﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: نَصِيبٌ مِنَ الماءِ: ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لِعِظَمِ ما تُسِيئُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُظِّمَ اليَوْمُ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ. لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أيِ: المَوْعُودُ، وهو أنَّ أرْضَهم زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا، وجاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أيْ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحِكْمَةِ في تَرْكِ مَحَلِّ الحَرْثِ، الحافِظِ لِلنَّسْلِ، الَّذِي بِهِ حِفْظُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وإيثارُ ما لَمْ يُخْلَقْ لِذَلِكَ، شَرَهًا في الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ومُكافَحَةً لِتَغْيِيرِ الأوْضاعِ الرَّبّانِيَّةِ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تَذَرُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها. انْتَهى.
وخالَفَهُ غَيْرُهُ. فاسْتَدَلَّ بِها عَلى حَظْرِهِ. وبَيانُهُ كَما في (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ) أنَّ (مِن) إمّا تَبْيِينٌ لِما خَلَقَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ. ويُرادُ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي يُسْتَدَلُّ عَلى حَظْرِ إتْيانِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَأْتى. وتَقْرِيرُهُ في (الِانْتِصافِ) أنَّ (مِن) لَوْ كانَتْ بَيانًا لَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ذَمِّهِمْ بِتَرْكِ الأزْواجِ. (p-٤٦٣٨)ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ مَضْمُومٌ إلى إتْيانِ الذُّكْرانِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِ الأزْواجِ وإتْيانِ الذُّكْرانِ، لا أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ وحْدَهُ مُنْكَرٌ. ولا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَكانَ النَّصْبُ في الثّانِي مُتَوَجِّهًا عَلى الجَمْعِ. وكانَ إمّا الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيِّنُ. وقَدِ اجْتَمَعَتِ العامَّةُ -عامَّةُ القُرّاءِ- عَلى القِراءَةِ بِهِ مَرْفُوعًا ولا يَتَّفِقُونَ عَلى تَرْكِ الأفْصَحِ إلى ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الفَصاحَةِ، أوْ في الجَوازِ أصْلًا. فَلَمّا وضَحَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ (مِن) عَلى البَعْضِيَّةِ. فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أمْرَيْنِ. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالإنْكارِ: أحَدُهُما إتْيانُ الذُّكْرانِ. والثّانِي مُجانَبَةُ إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى، رَغْبَةً في إتْيانِهِنَّ في غَيْرِهِ. وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الرَّفْعُ لِفَواتِ الجَمْعِ اللّازِمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، واسْتِقْلالُ كُلِّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ بِالنَّكِيرِ. انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِن دَقِيقِ الِاسْتِنْباطِ الَّذِي يُوَسِّعُ المَدارِكَ ويَفْتَحُ لِلتَّفَهُّمِ أبْوابًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يُقالَ إنَّ سِياقَ الآيَةِ في المَلامِ لَهُمْ، أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ ومِن غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:160
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤ - ١٦٦] ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (p-٤٦٣٧)﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]
﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: نَصِيبٌ مِنَ الماءِ: ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لِعِظَمِ ما تُسِيئُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُظِّمَ اليَوْمُ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ. لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أيِ: المَوْعُودُ، وهو أنَّ أرْضَهم زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا، وجاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أيْ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحِكْمَةِ في تَرْكِ مَحَلِّ الحَرْثِ، الحافِظِ لِلنَّسْلِ، الَّذِي بِهِ حِفْظُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وإيثارُ ما لَمْ يُخْلَقْ لِذَلِكَ، شَرَهًا في الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ومُكافَحَةً لِتَغْيِيرِ الأوْضاعِ الرَّبّانِيَّةِ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تَذَرُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها. انْتَهى.
وخالَفَهُ غَيْرُهُ. فاسْتَدَلَّ بِها عَلى حَظْرِهِ. وبَيانُهُ كَما في (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ) أنَّ (مِن) إمّا تَبْيِينٌ لِما خَلَقَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ. ويُرادُ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي يُسْتَدَلُّ عَلى حَظْرِ إتْيانِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَأْتى. وتَقْرِيرُهُ في (الِانْتِصافِ) أنَّ (مِن) لَوْ كانَتْ بَيانًا لَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ذَمِّهِمْ بِتَرْكِ الأزْواجِ. (p-٤٦٣٨)ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ مَضْمُومٌ إلى إتْيانِ الذُّكْرانِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِ الأزْواجِ وإتْيانِ الذُّكْرانِ، لا أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ وحْدَهُ مُنْكَرٌ. ولا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَكانَ النَّصْبُ في الثّانِي مُتَوَجِّهًا عَلى الجَمْعِ. وكانَ إمّا الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيِّنُ. وقَدِ اجْتَمَعَتِ العامَّةُ -عامَّةُ القُرّاءِ- عَلى القِراءَةِ بِهِ مَرْفُوعًا ولا يَتَّفِقُونَ عَلى تَرْكِ الأفْصَحِ إلى ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الفَصاحَةِ، أوْ في الجَوازِ أصْلًا. فَلَمّا وضَحَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ (مِن) عَلى البَعْضِيَّةِ. فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أمْرَيْنِ. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالإنْكارِ: أحَدُهُما إتْيانُ الذُّكْرانِ. والثّانِي مُجانَبَةُ إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى، رَغْبَةً في إتْيانِهِنَّ في غَيْرِهِ. وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الرَّفْعُ لِفَواتِ الجَمْعِ اللّازِمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، واسْتِقْلالُ كُلِّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ بِالنَّكِيرِ. انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِن دَقِيقِ الِاسْتِنْباطِ الَّذِي يُوَسِّعُ المَدارِكَ ويَفْتَحُ لِلتَّفَهُّمِ أبْوابًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يُقالَ إنَّ سِياقَ الآيَةِ في المَلامِ لَهُمْ، أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ ومِن غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:161
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤ - ١٦٦] ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (p-٤٦٣٧)﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]
﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: نَصِيبٌ مِنَ الماءِ: ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لِعِظَمِ ما تُسِيئُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُظِّمَ اليَوْمُ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ. لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أيِ: المَوْعُودُ، وهو أنَّ أرْضَهم زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا، وجاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أيْ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحِكْمَةِ في تَرْكِ مَحَلِّ الحَرْثِ، الحافِظِ لِلنَّسْلِ، الَّذِي بِهِ حِفْظُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وإيثارُ ما لَمْ يُخْلَقْ لِذَلِكَ، شَرَهًا في الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ومُكافَحَةً لِتَغْيِيرِ الأوْضاعِ الرَّبّانِيَّةِ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تَذَرُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها. انْتَهى.
وخالَفَهُ غَيْرُهُ. فاسْتَدَلَّ بِها عَلى حَظْرِهِ. وبَيانُهُ كَما في (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ) أنَّ (مِن) إمّا تَبْيِينٌ لِما خَلَقَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ. ويُرادُ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي يُسْتَدَلُّ عَلى حَظْرِ إتْيانِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَأْتى. وتَقْرِيرُهُ في (الِانْتِصافِ) أنَّ (مِن) لَوْ كانَتْ بَيانًا لَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ذَمِّهِمْ بِتَرْكِ الأزْواجِ. (p-٤٦٣٨)ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ مَضْمُومٌ إلى إتْيانِ الذُّكْرانِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِ الأزْواجِ وإتْيانِ الذُّكْرانِ، لا أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ وحْدَهُ مُنْكَرٌ. ولا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَكانَ النَّصْبُ في الثّانِي مُتَوَجِّهًا عَلى الجَمْعِ. وكانَ إمّا الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيِّنُ. وقَدِ اجْتَمَعَتِ العامَّةُ -عامَّةُ القُرّاءِ- عَلى القِراءَةِ بِهِ مَرْفُوعًا ولا يَتَّفِقُونَ عَلى تَرْكِ الأفْصَحِ إلى ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الفَصاحَةِ، أوْ في الجَوازِ أصْلًا. فَلَمّا وضَحَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ (مِن) عَلى البَعْضِيَّةِ. فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أمْرَيْنِ. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالإنْكارِ: أحَدُهُما إتْيانُ الذُّكْرانِ. والثّانِي مُجانَبَةُ إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى، رَغْبَةً في إتْيانِهِنَّ في غَيْرِهِ. وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الرَّفْعُ لِفَواتِ الجَمْعِ اللّازِمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، واسْتِقْلالُ كُلِّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ بِالنَّكِيرِ. انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِن دَقِيقِ الِاسْتِنْباطِ الَّذِي يُوَسِّعُ المَدارِكَ ويَفْتَحُ لِلتَّفَهُّمِ أبْوابًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يُقالَ إنَّ سِياقَ الآيَةِ في المَلامِ لَهُمْ، أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ ومِن غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:162
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤ - ١٦٦] ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (p-٤٦٣٧)﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]
﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: نَصِيبٌ مِنَ الماءِ: ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لِعِظَمِ ما تُسِيئُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُظِّمَ اليَوْمُ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ. لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أيِ: المَوْعُودُ، وهو أنَّ أرْضَهم زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا، وجاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أيْ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحِكْمَةِ في تَرْكِ مَحَلِّ الحَرْثِ، الحافِظِ لِلنَّسْلِ، الَّذِي بِهِ حِفْظُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وإيثارُ ما لَمْ يُخْلَقْ لِذَلِكَ، شَرَهًا في الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ومُكافَحَةً لِتَغْيِيرِ الأوْضاعِ الرَّبّانِيَّةِ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تَذَرُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها. انْتَهى.
وخالَفَهُ غَيْرُهُ. فاسْتَدَلَّ بِها عَلى حَظْرِهِ. وبَيانُهُ كَما في (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ) أنَّ (مِن) إمّا تَبْيِينٌ لِما خَلَقَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ. ويُرادُ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي يُسْتَدَلُّ عَلى حَظْرِ إتْيانِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَأْتى. وتَقْرِيرُهُ في (الِانْتِصافِ) أنَّ (مِن) لَوْ كانَتْ بَيانًا لَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ذَمِّهِمْ بِتَرْكِ الأزْواجِ. (p-٤٦٣٨)ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ مَضْمُومٌ إلى إتْيانِ الذُّكْرانِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِ الأزْواجِ وإتْيانِ الذُّكْرانِ، لا أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ وحْدَهُ مُنْكَرٌ. ولا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَكانَ النَّصْبُ في الثّانِي مُتَوَجِّهًا عَلى الجَمْعِ. وكانَ إمّا الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيِّنُ. وقَدِ اجْتَمَعَتِ العامَّةُ -عامَّةُ القُرّاءِ- عَلى القِراءَةِ بِهِ مَرْفُوعًا ولا يَتَّفِقُونَ عَلى تَرْكِ الأفْصَحِ إلى ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الفَصاحَةِ، أوْ في الجَوازِ أصْلًا. فَلَمّا وضَحَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ (مِن) عَلى البَعْضِيَّةِ. فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أمْرَيْنِ. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالإنْكارِ: أحَدُهُما إتْيانُ الذُّكْرانِ. والثّانِي مُجانَبَةُ إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى، رَغْبَةً في إتْيانِهِنَّ في غَيْرِهِ. وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الرَّفْعُ لِفَواتِ الجَمْعِ اللّازِمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، واسْتِقْلالُ كُلِّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ بِالنَّكِيرِ. انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِن دَقِيقِ الِاسْتِنْباطِ الَّذِي يُوَسِّعُ المَدارِكَ ويَفْتَحُ لِلتَّفَهُّمِ أبْوابًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يُقالَ إنَّ سِياقَ الآيَةِ في المَلامِ لَهُمْ، أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ ومِن غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:163
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤ - ١٦٦] ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (p-٤٦٣٧)﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]
﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: نَصِيبٌ مِنَ الماءِ: ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لِعِظَمِ ما تُسِيئُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُظِّمَ اليَوْمُ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ. لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أيِ: المَوْعُودُ، وهو أنَّ أرْضَهم زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا، وجاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أيْ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحِكْمَةِ في تَرْكِ مَحَلِّ الحَرْثِ، الحافِظِ لِلنَّسْلِ، الَّذِي بِهِ حِفْظُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وإيثارُ ما لَمْ يُخْلَقْ لِذَلِكَ، شَرَهًا في الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ومُكافَحَةً لِتَغْيِيرِ الأوْضاعِ الرَّبّانِيَّةِ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تَذَرُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها. انْتَهى.
وخالَفَهُ غَيْرُهُ. فاسْتَدَلَّ بِها عَلى حَظْرِهِ. وبَيانُهُ كَما في (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ) أنَّ (مِن) إمّا تَبْيِينٌ لِما خَلَقَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ. ويُرادُ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي يُسْتَدَلُّ عَلى حَظْرِ إتْيانِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَأْتى. وتَقْرِيرُهُ في (الِانْتِصافِ) أنَّ (مِن) لَوْ كانَتْ بَيانًا لَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ذَمِّهِمْ بِتَرْكِ الأزْواجِ. (p-٤٦٣٨)ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ مَضْمُومٌ إلى إتْيانِ الذُّكْرانِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِ الأزْواجِ وإتْيانِ الذُّكْرانِ، لا أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ وحْدَهُ مُنْكَرٌ. ولا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَكانَ النَّصْبُ في الثّانِي مُتَوَجِّهًا عَلى الجَمْعِ. وكانَ إمّا الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيِّنُ. وقَدِ اجْتَمَعَتِ العامَّةُ -عامَّةُ القُرّاءِ- عَلى القِراءَةِ بِهِ مَرْفُوعًا ولا يَتَّفِقُونَ عَلى تَرْكِ الأفْصَحِ إلى ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الفَصاحَةِ، أوْ في الجَوازِ أصْلًا. فَلَمّا وضَحَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ (مِن) عَلى البَعْضِيَّةِ. فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أمْرَيْنِ. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالإنْكارِ: أحَدُهُما إتْيانُ الذُّكْرانِ. والثّانِي مُجانَبَةُ إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى، رَغْبَةً في إتْيانِهِنَّ في غَيْرِهِ. وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الرَّفْعُ لِفَواتِ الجَمْعِ اللّازِمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، واسْتِقْلالُ كُلِّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ بِالنَّكِيرِ. انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِن دَقِيقِ الِاسْتِنْباطِ الَّذِي يُوَسِّعُ المَدارِكَ ويَفْتَحُ لِلتَّفَهُّمِ أبْوابًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يُقالَ إنَّ سِياقَ الآيَةِ في المَلامِ لَهُمْ، أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ ومِن غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:164
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤ - ١٦٦] ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (p-٤٦٣٧)﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]
﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: نَصِيبٌ مِنَ الماءِ: ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لِعِظَمِ ما تُسِيئُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُظِّمَ اليَوْمُ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ. لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أيِ: المَوْعُودُ، وهو أنَّ أرْضَهم زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا، وجاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أيْ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحِكْمَةِ في تَرْكِ مَحَلِّ الحَرْثِ، الحافِظِ لِلنَّسْلِ، الَّذِي بِهِ حِفْظُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وإيثارُ ما لَمْ يُخْلَقْ لِذَلِكَ، شَرَهًا في الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ومُكافَحَةً لِتَغْيِيرِ الأوْضاعِ الرَّبّانِيَّةِ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تَذَرُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها. انْتَهى.
وخالَفَهُ غَيْرُهُ. فاسْتَدَلَّ بِها عَلى حَظْرِهِ. وبَيانُهُ كَما في (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ) أنَّ (مِن) إمّا تَبْيِينٌ لِما خَلَقَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ. ويُرادُ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي يُسْتَدَلُّ عَلى حَظْرِ إتْيانِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَأْتى. وتَقْرِيرُهُ في (الِانْتِصافِ) أنَّ (مِن) لَوْ كانَتْ بَيانًا لَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ذَمِّهِمْ بِتَرْكِ الأزْواجِ. (p-٤٦٣٨)ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ مَضْمُومٌ إلى إتْيانِ الذُّكْرانِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِ الأزْواجِ وإتْيانِ الذُّكْرانِ، لا أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ وحْدَهُ مُنْكَرٌ. ولا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَكانَ النَّصْبُ في الثّانِي مُتَوَجِّهًا عَلى الجَمْعِ. وكانَ إمّا الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيِّنُ. وقَدِ اجْتَمَعَتِ العامَّةُ -عامَّةُ القُرّاءِ- عَلى القِراءَةِ بِهِ مَرْفُوعًا ولا يَتَّفِقُونَ عَلى تَرْكِ الأفْصَحِ إلى ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الفَصاحَةِ، أوْ في الجَوازِ أصْلًا. فَلَمّا وضَحَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ (مِن) عَلى البَعْضِيَّةِ. فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أمْرَيْنِ. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالإنْكارِ: أحَدُهُما إتْيانُ الذُّكْرانِ. والثّانِي مُجانَبَةُ إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى، رَغْبَةً في إتْيانِهِنَّ في غَيْرِهِ. وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الرَّفْعُ لِفَواتِ الجَمْعِ اللّازِمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، واسْتِقْلالُ كُلِّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ بِالنَّكِيرِ. انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِن دَقِيقِ الِاسْتِنْباطِ الَّذِي يُوَسِّعُ المَدارِكَ ويَفْتَحُ لِلتَّفَهُّمِ أبْوابًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يُقالَ إنَّ سِياقَ الآيَةِ في المَلامِ لَهُمْ، أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ ومِن غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:165
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤ - ١٦٦] ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (p-٤٦٣٧)﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]
﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: نَصِيبٌ مِنَ الماءِ: ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لِعِظَمِ ما تُسِيئُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُظِّمَ اليَوْمُ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ. لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أيِ: المَوْعُودُ، وهو أنَّ أرْضَهم زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا، وجاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أيْ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحِكْمَةِ في تَرْكِ مَحَلِّ الحَرْثِ، الحافِظِ لِلنَّسْلِ، الَّذِي بِهِ حِفْظُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وإيثارُ ما لَمْ يُخْلَقْ لِذَلِكَ، شَرَهًا في الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ومُكافَحَةً لِتَغْيِيرِ الأوْضاعِ الرَّبّانِيَّةِ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تَذَرُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها. انْتَهى.
وخالَفَهُ غَيْرُهُ. فاسْتَدَلَّ بِها عَلى حَظْرِهِ. وبَيانُهُ كَما في (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ) أنَّ (مِن) إمّا تَبْيِينٌ لِما خَلَقَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ. ويُرادُ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي يُسْتَدَلُّ عَلى حَظْرِ إتْيانِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَأْتى. وتَقْرِيرُهُ في (الِانْتِصافِ) أنَّ (مِن) لَوْ كانَتْ بَيانًا لَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ذَمِّهِمْ بِتَرْكِ الأزْواجِ. (p-٤٦٣٨)ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ مَضْمُومٌ إلى إتْيانِ الذُّكْرانِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِ الأزْواجِ وإتْيانِ الذُّكْرانِ، لا أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ وحْدَهُ مُنْكَرٌ. ولا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَكانَ النَّصْبُ في الثّانِي مُتَوَجِّهًا عَلى الجَمْعِ. وكانَ إمّا الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيِّنُ. وقَدِ اجْتَمَعَتِ العامَّةُ -عامَّةُ القُرّاءِ- عَلى القِراءَةِ بِهِ مَرْفُوعًا ولا يَتَّفِقُونَ عَلى تَرْكِ الأفْصَحِ إلى ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الفَصاحَةِ، أوْ في الجَوازِ أصْلًا. فَلَمّا وضَحَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ (مِن) عَلى البَعْضِيَّةِ. فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أمْرَيْنِ. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالإنْكارِ: أحَدُهُما إتْيانُ الذُّكْرانِ. والثّانِي مُجانَبَةُ إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى، رَغْبَةً في إتْيانِهِنَّ في غَيْرِهِ. وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الرَّفْعُ لِفَواتِ الجَمْعِ اللّازِمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، واسْتِقْلالُ كُلِّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ بِالنَّكِيرِ. انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِن دَقِيقِ الِاسْتِنْباطِ الَّذِي يُوَسِّعُ المَدارِكَ ويَفْتَحُ لِلتَّفَهُّمِ أبْوابًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يُقالَ إنَّ سِياقَ الآيَةِ في المَلامِ لَهُمْ، أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ ومِن غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:166
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤ - ١٦٦] ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (p-٤٦٣٧)﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]
﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: نَصِيبٌ مِنَ الماءِ: ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أيْ: فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لِعِظَمِ ما تُسِيئُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُظِّمَ اليَوْمُ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ. لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أيِ: المَوْعُودُ، وهو أنَّ أرْضَهم زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا، وجاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أيْ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحِكْمَةِ في تَرْكِ مَحَلِّ الحَرْثِ، الحافِظِ لِلنَّسْلِ، الَّذِي بِهِ حِفْظُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وإيثارُ ما لَمْ يُخْلَقْ لِذَلِكَ، شَرَهًا في الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ومُكافَحَةً لِتَغْيِيرِ الأوْضاعِ الرَّبّانِيَّةِ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تَذَرُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجَةِ مِن دُبُرِها. انْتَهى.
وخالَفَهُ غَيْرُهُ. فاسْتَدَلَّ بِها عَلى حَظْرِهِ. وبَيانُهُ كَما في (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ) أنَّ (مِن) إمّا تَبْيِينٌ لِما خَلَقَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ. ويُرادُ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي يُسْتَدَلُّ عَلى حَظْرِ إتْيانِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَأْتى. وتَقْرِيرُهُ في (الِانْتِصافِ) أنَّ (مِن) لَوْ كانَتْ بَيانًا لَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ذَمِّهِمْ بِتَرْكِ الأزْواجِ. (p-٤٦٣٨)ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ مَضْمُومٌ إلى إتْيانِ الذُّكْرانِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِ الأزْواجِ وإتْيانِ الذُّكْرانِ، لا أنَّ تَرْكَ الأزْواجِ وحْدَهُ مُنْكَرٌ. ولا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَكانَ النَّصْبُ في الثّانِي مُتَوَجِّهًا عَلى الجَمْعِ. وكانَ إمّا الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيِّنُ. وقَدِ اجْتَمَعَتِ العامَّةُ -عامَّةُ القُرّاءِ- عَلى القِراءَةِ بِهِ مَرْفُوعًا ولا يَتَّفِقُونَ عَلى تَرْكِ الأفْصَحِ إلى ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الفَصاحَةِ، أوْ في الجَوازِ أصْلًا. فَلَمّا وضَحَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ (مِن) عَلى البَعْضِيَّةِ. فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أمْرَيْنِ. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالإنْكارِ: أحَدُهُما إتْيانُ الذُّكْرانِ. والثّانِي مُجانَبَةُ إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى، رَغْبَةً في إتْيانِهِنَّ في غَيْرِهِ. وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الرَّفْعُ لِفَواتِ الجَمْعِ اللّازِمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، واسْتِقْلالُ كُلِّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ بِالنَّكِيرِ. انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِن دَقِيقِ الِاسْتِنْباطِ الَّذِي يُوَسِّعُ المَدارِكَ ويَفْتَحُ لِلتَّفَهُّمِ أبْوابًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يُقالَ إنَّ سِياقَ الآيَةِ في المَلامِ لَهُمْ، أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ ومِن غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:167
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٧] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ أيْ: عَنْ تَقْبِيحِ أمْرِنا: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ: مِن قَرْيَتِنا عُنْفًا، إذْ لا تُجانِسُنا.
الشعراء 26:168
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٨ - ١٦٩] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]
﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيِ: المُبْغِضِينَ غايَةَ البُغْضِ. أيْ: فَأنا أرْغَبُ في الخُرُوجِ عَنْ دِيارِكُمْ، والرّاحَةِ مِن مُجاوَرَتِكُمْ، لِبُغْضِي لِعَمَلِكُمُ، الآيِلُ بِكم إلى الدَّمارِ وخَرابِ الدِّيارِ. ولِذا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] أيْ: مِن شُؤْمِهِ وغائِلَتِهِ.
الشعراء 26:169
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٨ - ١٦٩] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]
﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيِ: المُبْغِضِينَ غايَةَ البُغْضِ. أيْ: فَأنا أرْغَبُ في الخُرُوجِ عَنْ دِيارِكُمْ، والرّاحَةِ مِن مُجاوَرَتِكُمْ، لِبُغْضِي لِعَمَلِكُمُ، الآيِلُ بِكم إلى الدَّمارِ وخَرابِ الدِّيارِ. ولِذا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] أيْ: مِن شُؤْمِهِ وغائِلَتِهِ.
الشعراء 26:170
(p-٤٦٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٠ - ١٧٢] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢]
﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا﴾ [الشعراء: ١٧١] وهي امْرَأتُهُ. كَما بُيِّنَتْ في آياتِ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] أيْ: مُقَدَّرًا كَوْنُها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ. لِأنَّها كانَتْ راضِيَةً بِعَمَلِ قَوْمِها.
لَطِيفَةٌ:
قالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): كَثِيرًا ما ورَدَ في القُرْآنِ، خُصُوصًا في هَذِهِ السُّورَةِ، العُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ إلى التَّعْبِيرِ بِالصِّفَةِ المُشْتَقَّةِ. ثُمَّ جَعَلَ المَوْصُوفَ بِها واحِدًا مِن جَمْعٍ. كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وقَوْلِهِمْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] وقَوْلِهِمْ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] وقَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِها: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] وكَذَلِكَ: ﴿ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٨٦] وأمْثالِهِ كَثِيرَةٌ، والسِّرُّ في ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ التَّعْبِيرَ بِالفِعْلِ، إنَّما يُفْهَمُ وُقُوعُهُ خاصَّةً. وأمّا التَّعْبِيرُ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ جَعْلُ المَوْصُوفِ بِها واحِدًا مِن جَمْعٍ، فَإنَّهُ يُفْهَمُ أمْرًا زائِدًا عَلى وُقُوعِهِ. وهو أنَّ الصِّفَةَ المَذْكُورَةَ، كالسِّمَةِ لِلْمَوْصُوفِ ثابِتَةِ العُلُوقِ بِهِ. كَأنَّها لَقَبٌ. وكَأنَّهُ مِن طائِفَةٍ صارَتْ كالنَّوْعِ المَخْصُوصِ المَشْهُورِ بِبَعْضِ السِّماتِ الرَّدِيئَةِ. واعْتُبِرَ ذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: رَضُوا بِأنْ يَتَخَلَّفُوا، لِما كانَ في ذَلِكَ مَزِيدٌ عَلى الإخْبارِ بِوُقُوعِ التَّخَلُّفِ مِنهم لا غَيْرَ. (p-٤٦٤٠)وانْظُرْ إلى المَساقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] كَيْفَ ألْحَقَهم لَقَبًا رَدِيئًا، وصَيَّرَهم مِن نَوْعٍ رَذِلٍ مَشْهُورٍ بِسِمَةِ التَّخَلُّفِ، حَتّى صارَتْ لَقَبًا لاحِقًا بِهِ. وهَذا الجَوابُ عامٌّ في جَمِيعِ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِن أمْثالِ ذَلِكَ. فَتَأمَّلْهُ واقْدُرْهُ قَدْرَهُ: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] أيْ: أهْلَكْناهم أشَدَّ إهْلاكٍ وأفْظَعَهُ.
الشعراء 26:171
(p-٤٦٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٠ - ١٧٢] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢]
﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا﴾ [الشعراء: ١٧١] وهي امْرَأتُهُ. كَما بُيِّنَتْ في آياتِ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] أيْ: مُقَدَّرًا كَوْنُها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ. لِأنَّها كانَتْ راضِيَةً بِعَمَلِ قَوْمِها.
لَطِيفَةٌ:
قالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): كَثِيرًا ما ورَدَ في القُرْآنِ، خُصُوصًا في هَذِهِ السُّورَةِ، العُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ إلى التَّعْبِيرِ بِالصِّفَةِ المُشْتَقَّةِ. ثُمَّ جَعَلَ المَوْصُوفَ بِها واحِدًا مِن جَمْعٍ. كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وقَوْلِهِمْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] وقَوْلِهِمْ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] وقَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِها: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] وكَذَلِكَ: ﴿ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٨٦] وأمْثالِهِ كَثِيرَةٌ، والسِّرُّ في ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ التَّعْبِيرَ بِالفِعْلِ، إنَّما يُفْهَمُ وُقُوعُهُ خاصَّةً. وأمّا التَّعْبِيرُ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ جَعْلُ المَوْصُوفِ بِها واحِدًا مِن جَمْعٍ، فَإنَّهُ يُفْهَمُ أمْرًا زائِدًا عَلى وُقُوعِهِ. وهو أنَّ الصِّفَةَ المَذْكُورَةَ، كالسِّمَةِ لِلْمَوْصُوفِ ثابِتَةِ العُلُوقِ بِهِ. كَأنَّها لَقَبٌ. وكَأنَّهُ مِن طائِفَةٍ صارَتْ كالنَّوْعِ المَخْصُوصِ المَشْهُورِ بِبَعْضِ السِّماتِ الرَّدِيئَةِ. واعْتُبِرَ ذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: رَضُوا بِأنْ يَتَخَلَّفُوا، لِما كانَ في ذَلِكَ مَزِيدٌ عَلى الإخْبارِ بِوُقُوعِ التَّخَلُّفِ مِنهم لا غَيْرَ. (p-٤٦٤٠)وانْظُرْ إلى المَساقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] كَيْفَ ألْحَقَهم لَقَبًا رَدِيئًا، وصَيَّرَهم مِن نَوْعٍ رَذِلٍ مَشْهُورٍ بِسِمَةِ التَّخَلُّفِ، حَتّى صارَتْ لَقَبًا لاحِقًا بِهِ. وهَذا الجَوابُ عامٌّ في جَمِيعِ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِن أمْثالِ ذَلِكَ. فَتَأمَّلْهُ واقْدُرْهُ قَدْرَهُ: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] أيْ: أهْلَكْناهم أشَدَّ إهْلاكٍ وأفْظَعَهُ.
الشعراء 26:172
(p-٤٦٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٠ - ١٧٢] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢]
﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا﴾ [الشعراء: ١٧١] وهي امْرَأتُهُ. كَما بُيِّنَتْ في آياتِ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] أيْ: مُقَدَّرًا كَوْنُها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ. لِأنَّها كانَتْ راضِيَةً بِعَمَلِ قَوْمِها.
لَطِيفَةٌ:
قالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): كَثِيرًا ما ورَدَ في القُرْآنِ، خُصُوصًا في هَذِهِ السُّورَةِ، العُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ إلى التَّعْبِيرِ بِالصِّفَةِ المُشْتَقَّةِ. ثُمَّ جَعَلَ المَوْصُوفَ بِها واحِدًا مِن جَمْعٍ. كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وقَوْلِهِمْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] وقَوْلِهِمْ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] وقَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِها: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] وكَذَلِكَ: ﴿ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٨٦] وأمْثالِهِ كَثِيرَةٌ، والسِّرُّ في ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ التَّعْبِيرَ بِالفِعْلِ، إنَّما يُفْهَمُ وُقُوعُهُ خاصَّةً. وأمّا التَّعْبِيرُ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ جَعْلُ المَوْصُوفِ بِها واحِدًا مِن جَمْعٍ، فَإنَّهُ يُفْهَمُ أمْرًا زائِدًا عَلى وُقُوعِهِ. وهو أنَّ الصِّفَةَ المَذْكُورَةَ، كالسِّمَةِ لِلْمَوْصُوفِ ثابِتَةِ العُلُوقِ بِهِ. كَأنَّها لَقَبٌ. وكَأنَّهُ مِن طائِفَةٍ صارَتْ كالنَّوْعِ المَخْصُوصِ المَشْهُورِ بِبَعْضِ السِّماتِ الرَّدِيئَةِ. واعْتُبِرَ ذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: رَضُوا بِأنْ يَتَخَلَّفُوا، لِما كانَ في ذَلِكَ مَزِيدٌ عَلى الإخْبارِ بِوُقُوعِ التَّخَلُّفِ مِنهم لا غَيْرَ. (p-٤٦٤٠)وانْظُرْ إلى المَساقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] كَيْفَ ألْحَقَهم لَقَبًا رَدِيئًا، وصَيَّرَهم مِن نَوْعٍ رَذِلٍ مَشْهُورٍ بِسِمَةِ التَّخَلُّفِ، حَتّى صارَتْ لَقَبًا لاحِقًا بِهِ. وهَذا الجَوابُ عامٌّ في جَمِيعِ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِن أمْثالِ ذَلِكَ. فَتَأمَّلْهُ واقْدُرْهُ قَدْرَهُ: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] أيْ: أهْلَكْناهم أشَدَّ إهْلاكٍ وأفْظَعَهُ.
الشعراء 26:173
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٣ - ١٧٦] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ: عَظِيمًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، هَلَكُوا بِهِ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] وهم أهْلُ مَدْيَنَ. ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّهُما أُمَّتانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ كانُوا يَقْطُنُونَ (مَدْيَنَ) أُضِيفُوا إلَيْها تارَةً وأُخْرى إلى ما حَوَتْها مِنَ الأيْكَةِ، وهي الأشْجارُ الكَثِيرَةُ المُلْتَفَّةُ المُجْتَمِعَةُ في مَكانٍ واحِدٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ. وُصِفُوا في كُلِّ مَقامٍ بِشَيْءٍ. ولِهَذا وعَظَ هَؤُلاءِ وأمَرَهم بِوَفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، كَما في قِصَّةِ مَدْيَنَ سَواءً بِسَواءٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما أُمَّةٌ واحِدَةٌ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو عَمْرٍو: وكُتِبَ في جَمِيعِ المَصاحِفِ (لَيْكَةِ) في الشُّعَراءِ و(ص)، بِلامٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ قَبْلَها. وفي الحِجْرِ وق: (الأيْكَةُ) ولِذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ، مِن غَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَها ولا بَعْدَها. ونَصْبِ التّاءِ غَيْرِ مُنْصَرِفٍ. والباقُونَ (الأيْكَةُ) بِإسْكانِ اللّامِ وهَمْزِ (p-٤٦٤١)وصْلٍ قَبْلَهُ، وهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهُ، وجَرِّ التّاءِ. وحَمْزَةُ وصْلًا ووَقْفًا عَلى أصْلِهِ. وقِراءَةُ الأوَّلِينَ اسْتَشْكَلَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ، بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلْفَتْحِ. لِأنَّ نَقْلَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ لا يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الإعْرابِ مِنَ الكَسْرِ إلى الفَتْحِ. أيْ: فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ في الأحْمَرِ (الحُمْرُ ولْحُمْرُ) وإثْباتُ الألِفِ واللّامِ في (الأيْكَةِ) في سائِرِ القُرْآنِ يَدُلُّ -كَما قالَ الزَّجّاجُ - عَلى أنَّ حَذْفَ الهَمْزَةِ مِنها الَّتِي هي ألِفُ الوَصْلِ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: (لِحَمْرُ) وقُرِئَ (لَيْكَةِ) بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ في غَيْرِ السَّبْعِ. لَكِنْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الوَجْهُ. ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ لَيْكَةَ، بِوَزْنِ لَيْلَةٍ، اسْمُ بَلَدٍ، فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ (ص) بِغَيْرِ ألِفٍ. وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ قِياسِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ. وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ. كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ -لِأنَّ ولِوَلِيِّ- عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ. وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ. والقِصَّةُ واحِدَةٌ. عَلى أنَّ (لَيْكَةَ) اسْمٌ لا يُعْرَفُ. انْتَهى.
الشعراء 26:174
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٣ - ١٧٦] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ: عَظِيمًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، هَلَكُوا بِهِ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] وهم أهْلُ مَدْيَنَ. ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّهُما أُمَّتانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ كانُوا يَقْطُنُونَ (مَدْيَنَ) أُضِيفُوا إلَيْها تارَةً وأُخْرى إلى ما حَوَتْها مِنَ الأيْكَةِ، وهي الأشْجارُ الكَثِيرَةُ المُلْتَفَّةُ المُجْتَمِعَةُ في مَكانٍ واحِدٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ. وُصِفُوا في كُلِّ مَقامٍ بِشَيْءٍ. ولِهَذا وعَظَ هَؤُلاءِ وأمَرَهم بِوَفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، كَما في قِصَّةِ مَدْيَنَ سَواءً بِسَواءٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما أُمَّةٌ واحِدَةٌ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو عَمْرٍو: وكُتِبَ في جَمِيعِ المَصاحِفِ (لَيْكَةِ) في الشُّعَراءِ و(ص)، بِلامٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ قَبْلَها. وفي الحِجْرِ وق: (الأيْكَةُ) ولِذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ، مِن غَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَها ولا بَعْدَها. ونَصْبِ التّاءِ غَيْرِ مُنْصَرِفٍ. والباقُونَ (الأيْكَةُ) بِإسْكانِ اللّامِ وهَمْزِ (p-٤٦٤١)وصْلٍ قَبْلَهُ، وهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهُ، وجَرِّ التّاءِ. وحَمْزَةُ وصْلًا ووَقْفًا عَلى أصْلِهِ. وقِراءَةُ الأوَّلِينَ اسْتَشْكَلَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ، بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلْفَتْحِ. لِأنَّ نَقْلَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ لا يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الإعْرابِ مِنَ الكَسْرِ إلى الفَتْحِ. أيْ: فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ في الأحْمَرِ (الحُمْرُ ولْحُمْرُ) وإثْباتُ الألِفِ واللّامِ في (الأيْكَةِ) في سائِرِ القُرْآنِ يَدُلُّ -كَما قالَ الزَّجّاجُ - عَلى أنَّ حَذْفَ الهَمْزَةِ مِنها الَّتِي هي ألِفُ الوَصْلِ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: (لِحَمْرُ) وقُرِئَ (لَيْكَةِ) بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ في غَيْرِ السَّبْعِ. لَكِنْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الوَجْهُ. ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ لَيْكَةَ، بِوَزْنِ لَيْلَةٍ، اسْمُ بَلَدٍ، فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ (ص) بِغَيْرِ ألِفٍ. وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ قِياسِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ. وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ. كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ -لِأنَّ ولِوَلِيِّ- عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ. وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ. والقِصَّةُ واحِدَةٌ. عَلى أنَّ (لَيْكَةَ) اسْمٌ لا يُعْرَفُ. انْتَهى.
الشعراء 26:175
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٣ - ١٧٦] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ: عَظِيمًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، هَلَكُوا بِهِ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] وهم أهْلُ مَدْيَنَ. ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّهُما أُمَّتانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ كانُوا يَقْطُنُونَ (مَدْيَنَ) أُضِيفُوا إلَيْها تارَةً وأُخْرى إلى ما حَوَتْها مِنَ الأيْكَةِ، وهي الأشْجارُ الكَثِيرَةُ المُلْتَفَّةُ المُجْتَمِعَةُ في مَكانٍ واحِدٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ. وُصِفُوا في كُلِّ مَقامٍ بِشَيْءٍ. ولِهَذا وعَظَ هَؤُلاءِ وأمَرَهم بِوَفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، كَما في قِصَّةِ مَدْيَنَ سَواءً بِسَواءٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما أُمَّةٌ واحِدَةٌ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو عَمْرٍو: وكُتِبَ في جَمِيعِ المَصاحِفِ (لَيْكَةِ) في الشُّعَراءِ و(ص)، بِلامٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ قَبْلَها. وفي الحِجْرِ وق: (الأيْكَةُ) ولِذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ، مِن غَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَها ولا بَعْدَها. ونَصْبِ التّاءِ غَيْرِ مُنْصَرِفٍ. والباقُونَ (الأيْكَةُ) بِإسْكانِ اللّامِ وهَمْزِ (p-٤٦٤١)وصْلٍ قَبْلَهُ، وهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهُ، وجَرِّ التّاءِ. وحَمْزَةُ وصْلًا ووَقْفًا عَلى أصْلِهِ. وقِراءَةُ الأوَّلِينَ اسْتَشْكَلَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ، بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلْفَتْحِ. لِأنَّ نَقْلَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ لا يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الإعْرابِ مِنَ الكَسْرِ إلى الفَتْحِ. أيْ: فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ في الأحْمَرِ (الحُمْرُ ولْحُمْرُ) وإثْباتُ الألِفِ واللّامِ في (الأيْكَةِ) في سائِرِ القُرْآنِ يَدُلُّ -كَما قالَ الزَّجّاجُ - عَلى أنَّ حَذْفَ الهَمْزَةِ مِنها الَّتِي هي ألِفُ الوَصْلِ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: (لِحَمْرُ) وقُرِئَ (لَيْكَةِ) بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ في غَيْرِ السَّبْعِ. لَكِنْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الوَجْهُ. ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ لَيْكَةَ، بِوَزْنِ لَيْلَةٍ، اسْمُ بَلَدٍ، فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ (ص) بِغَيْرِ ألِفٍ. وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ قِياسِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ. وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ. كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ -لِأنَّ ولِوَلِيِّ- عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ. وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ. والقِصَّةُ واحِدَةٌ. عَلى أنَّ (لَيْكَةَ) اسْمٌ لا يُعْرَفُ. انْتَهى.
الشعراء 26:176
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٣ - ١٧٦] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ: عَظِيمًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، هَلَكُوا بِهِ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] وهم أهْلُ مَدْيَنَ. ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّهُما أُمَّتانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ كانُوا يَقْطُنُونَ (مَدْيَنَ) أُضِيفُوا إلَيْها تارَةً وأُخْرى إلى ما حَوَتْها مِنَ الأيْكَةِ، وهي الأشْجارُ الكَثِيرَةُ المُلْتَفَّةُ المُجْتَمِعَةُ في مَكانٍ واحِدٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ. وُصِفُوا في كُلِّ مَقامٍ بِشَيْءٍ. ولِهَذا وعَظَ هَؤُلاءِ وأمَرَهم بِوَفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، كَما في قِصَّةِ مَدْيَنَ سَواءً بِسَواءٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما أُمَّةٌ واحِدَةٌ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو عَمْرٍو: وكُتِبَ في جَمِيعِ المَصاحِفِ (لَيْكَةِ) في الشُّعَراءِ و(ص)، بِلامٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ قَبْلَها. وفي الحِجْرِ وق: (الأيْكَةُ) ولِذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ، مِن غَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَها ولا بَعْدَها. ونَصْبِ التّاءِ غَيْرِ مُنْصَرِفٍ. والباقُونَ (الأيْكَةُ) بِإسْكانِ اللّامِ وهَمْزِ (p-٤٦٤١)وصْلٍ قَبْلَهُ، وهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهُ، وجَرِّ التّاءِ. وحَمْزَةُ وصْلًا ووَقْفًا عَلى أصْلِهِ. وقِراءَةُ الأوَّلِينَ اسْتَشْكَلَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ، بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلْفَتْحِ. لِأنَّ نَقْلَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ لا يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الإعْرابِ مِنَ الكَسْرِ إلى الفَتْحِ. أيْ: فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ في الأحْمَرِ (الحُمْرُ ولْحُمْرُ) وإثْباتُ الألِفِ واللّامِ في (الأيْكَةِ) في سائِرِ القُرْآنِ يَدُلُّ -كَما قالَ الزَّجّاجُ - عَلى أنَّ حَذْفَ الهَمْزَةِ مِنها الَّتِي هي ألِفُ الوَصْلِ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: (لِحَمْرُ) وقُرِئَ (لَيْكَةِ) بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ في غَيْرِ السَّبْعِ. لَكِنْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الوَجْهُ. ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ لَيْكَةَ، بِوَزْنِ لَيْلَةٍ، اسْمُ بَلَدٍ، فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ (ص) بِغَيْرِ ألِفٍ. وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ قِياسِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ. وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ. كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ -لِأنَّ ولِوَلِيِّ- عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ. وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ. والقِصَّةُ واحِدَةٌ. عَلى أنَّ (لَيْكَةَ) اسْمٌ لا يُعْرَفُ. انْتَهى.
الشعراء 26:177
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٧ - ١٨١] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١]
﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: أتِمُّوهُ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِإعْطائِهِمْ ناقِصًا.
الشعراء 26:178
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٧ - ١٨١] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١]
﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: أتِمُّوهُ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِإعْطائِهِمْ ناقِصًا.
الشعراء 26:179
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٧ - ١٨١] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١]
﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: أتِمُّوهُ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِإعْطائِهِمْ ناقِصًا.
الشعراء 26:180
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٧ - ١٨١] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١]
﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: أتِمُّوهُ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِإعْطائِهِمْ ناقِصًا.
الشعراء 26:181
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٧ - ١٨١] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١]
﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: أتِمُّوهُ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِإعْطائِهِمْ ناقِصًا.
الشعراء 26:182
(p-٤٦٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٢ - ١٨٣] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣]
﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ [الشعراء: ١٨٣] أيْ: لا تَنْقُصُوهم حُقُوقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ ثَبَتَ لِأحَدٍ، أنْ لا يُهْضَمَ. وفي كُلِّ مَلِكٍ أنْ لا يَغْصِبَ عَلَيْهِ مالِكُهُ، ولا يَتَحَيَّفُ مِنهُ، ولا يَتَصَرَّفُ فِيهِ، إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] أيْ: بِالقَتْلِ والغارَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ والجَوْرِ والظُّلْمِ وأكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ.
الشعراء 26:183
(p-٤٦٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٢ - ١٨٣] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣]
﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ [الشعراء: ١٨٣] أيْ: لا تَنْقُصُوهم حُقُوقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ ثَبَتَ لِأحَدٍ، أنْ لا يُهْضَمَ. وفي كُلِّ مَلِكٍ أنْ لا يَغْصِبَ عَلَيْهِ مالِكُهُ، ولا يَتَحَيَّفُ مِنهُ، ولا يَتَصَرَّفُ فِيهِ، إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] أيْ: بِالقَتْلِ والغارَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ والجَوْرِ والظُّلْمِ وأكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ.
الشعراء 26:184
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٤ - ١٨٦] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]
﴿واتَّقُوا﴾ اللَّهَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: وذَوِي الجِبِلَّةِ الأوَّلِينَ، وهم مِن تَقَدُّمِهِمْ مِنَ الخَلائِقِ: ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] أيْ: فِيما تَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ.
الشعراء 26:185
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٤ - ١٨٦] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]
﴿واتَّقُوا﴾ اللَّهَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: وذَوِي الجِبِلَّةِ الأوَّلِينَ، وهم مِن تَقَدُّمِهِمْ مِنَ الخَلائِقِ: ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] أيْ: فِيما تَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ.
الشعراء 26:186
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٤ - ١٨٦] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]
﴿واتَّقُوا﴾ اللَّهَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: وذَوِي الجِبِلَّةِ الأوَّلِينَ، وهم مِن تَقَدُّمِهِمْ مِنَ الخَلائِقِ: ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] أيْ: فِيما تَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ.
الشعراء 26:187
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٧ - ١٨٨] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨]
﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قِطَعًا مِنها. قُرِئَ (كِسْفًا) بِسُكُونِ السِّينِ (p-٤٦٤٣)وتَحْرِيكِها. وكِلاهُما جَمْعُ (كِسْفَةٍ): ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العَذابِ، بِإسْقاطِ كِسَفٍ أوْ غَيْرِها مِمّا يَشاؤُهُ إذا جاءَ أجَلُكُمْ، فَإلَيْهِ الحُكْمُ.
الشعراء 26:188
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٧ - ١٨٨] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨]
﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قِطَعًا مِنها. قُرِئَ (كِسْفًا) بِسُكُونِ السِّينِ (p-٤٦٤٣)وتَحْرِيكِها. وكِلاهُما جَمْعُ (كِسْفَةٍ): ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العَذابِ، بِإسْقاطِ كِسَفٍ أوْ غَيْرِها مِمّا يَشاؤُهُ إذا جاءَ أجَلُكُمْ، فَإلَيْهِ الحُكْمُ.
الشعراء 26:189
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٩] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: فاسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ ولَمْ يَتُوبُوا: ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: لِحُلُولِ العِقابِ فِيهِمْ، مِن جِنْسِ ما سَألُوهُ، مِن إسْقاطِ السَّماءِ قِطَعًا عَلَيْهِمْ. فَقَدْ أظَلَّتْهم سَحابَةٌ أطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، وأظْلَمَتِ الجَوَّ فَوْقَهُمْ، وغَشِيَهُمُ العَذابُ وأحاطَ بِهِمْ. و(الظُّلَّةُ) بِالضَّمِّ لُغَةً، الغاشِيَةُ، وما أطْبَقَ وسَتَرَ مِن فَوْقُ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ إهْلاكِهِمْ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ. كُلُّ مَوْطِنٍ بِصِفَةٍ تُناسِبُ ذَلِكَ السِّياقَ. فَفي الأعْرافِ ذَكَرَ أنَّهُمْ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] فَأرْجَفُوا نَبِيَّ اللَّهِ ومَنِ اتَّبَعَهُ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٩١] وفي سُورَةِ هُودٍ قالَ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤] ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَهْزَؤُوا بِنَبِيِّ اللَّهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِازْدِراءِ. فَناسَبَ أنْ تَأْتِيَهم صَيْحَةٌ تُسْكِتُهم فَقالَ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤] وهَهُنا قالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الشعراء: ١٨٧] الآيَةَ، عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ. فَناسَبَ أنْ يُحَقِّقَ عَلَيْهِمْ ما اسْتَبْعَدُوا وُقُوعَهُ: ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ انْتَهى.
الشعراء 26:190
(p-٤٦٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٠ - ١٩١] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ أيْ: عَلى أخْذِ العُصاةِ بِمُقْتَضى أعْمالِهِمْ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] أيِ: الغالِبُ عَلى تَعْذِيبِ مَن شاءَ بِما شاءَ، الرَّحِيمُ، بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ، في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها، ما كَرَّرَ؟ قُلْتُ: كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ. وفِيها مِن الِاعْتِبارِ مِثْلَ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ في أنْ تُفْتَتَحَ بِما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِما اخْتُتِمَتْ بِهِ. ولِأنَّ في التَّكْرِيرِ تَقْرِيرًا لِلْمَعانِي في الأنْفُسِ، وتَثْبِيتًا لَها في الصُّدُورِ. ألا تَرى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحَفُّظِ العُلُومِ إلّا تَرْدِيدُ ما يُرادُ تَحَفُّظُهُ مِنها؟
وكُلَّما زادَ تَرْدِيدُهُ كانَ أمْكَنَ لَهُ في القَلْبِ، وأرْسَخَ في الفَهْمِ، وأثْبَتَ لِلذِّكْرِ، وأبْعَدَ مِنَ النِّسْيانِ. ولِأنَّ هَذِهِ القِصَصَ طُرِقَتْ بِها آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَكُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ. لَعَلَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ أُذُنًا، أوْ يَفْتُقُ ذِهْنًا، أوْ يَصْقُلُ عَقْلًا طالَ عَهْدُهُ بِالصَّقْلِ أوْ يَجْلُو فَهْمًا قَدْ غَطّى عَلَيْهِ تَراكُمُ الصَّدَأِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الشعراء 26:191
(p-٤٦٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٠ - ١٩١] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ أيْ: عَلى أخْذِ العُصاةِ بِمُقْتَضى أعْمالِهِمْ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] أيِ: الغالِبُ عَلى تَعْذِيبِ مَن شاءَ بِما شاءَ، الرَّحِيمُ، بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ، في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها، ما كَرَّرَ؟ قُلْتُ: كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ. وفِيها مِن الِاعْتِبارِ مِثْلَ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ في أنْ تُفْتَتَحَ بِما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِما اخْتُتِمَتْ بِهِ. ولِأنَّ في التَّكْرِيرِ تَقْرِيرًا لِلْمَعانِي في الأنْفُسِ، وتَثْبِيتًا لَها في الصُّدُورِ. ألا تَرى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحَفُّظِ العُلُومِ إلّا تَرْدِيدُ ما يُرادُ تَحَفُّظُهُ مِنها؟
وكُلَّما زادَ تَرْدِيدُهُ كانَ أمْكَنَ لَهُ في القَلْبِ، وأرْسَخَ في الفَهْمِ، وأثْبَتَ لِلذِّكْرِ، وأبْعَدَ مِنَ النِّسْيانِ. ولِأنَّ هَذِهِ القِصَصَ طُرِقَتْ بِها آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَكُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ. لَعَلَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ أُذُنًا، أوْ يَفْتُقُ ذِهْنًا، أوْ يَصْقُلُ عَقْلًا طالَ عَهْدُهُ بِالصَّقْلِ أوْ يَجْلُو فَهْمًا قَدْ غَطّى عَلَيْهِ تَراكُمُ الصَّدَأِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الشعراء 26:192
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٢ - ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]
(p-٤٦٤٥)" ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالقَصَصِ المَحْكِيَّةِ، أوِ القُرْآنِ المُتَضَمِّنِ لَها: ﴿لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُنَزَّلٌ مِنهُ حَقًّا: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] أيْ: مُنْتَظِمًا في سِلْكِ أُولَئِكَ المَشْهُورِينَ بِتِلْكَ المَزِيَّةِ الجَلِيلَةِ، والمَنقُبَةِ الفاضِلَةِ. وهي الرِّسالَةُ الإلَهِيَّةُ بِالإنْذارِ، إزالَةً لِلْأعْذارِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] أيْ: واضِحِ المَعْنى جَلِيِّ المَفْهُومِ، لِيَكُونَ قاطِعًا لِلْعُذْرِ، مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ، دَلِيلًا إلى المَحَجَّةِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِــ(نَزَلَ).
الشعراء 26:193
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٢ - ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]
(p-٤٦٤٥)" ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالقَصَصِ المَحْكِيَّةِ، أوِ القُرْآنِ المُتَضَمِّنِ لَها: ﴿لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُنَزَّلٌ مِنهُ حَقًّا: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] أيْ: مُنْتَظِمًا في سِلْكِ أُولَئِكَ المَشْهُورِينَ بِتِلْكَ المَزِيَّةِ الجَلِيلَةِ، والمَنقُبَةِ الفاضِلَةِ. وهي الرِّسالَةُ الإلَهِيَّةُ بِالإنْذارِ، إزالَةً لِلْأعْذارِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] أيْ: واضِحِ المَعْنى جَلِيِّ المَفْهُومِ، لِيَكُونَ قاطِعًا لِلْعُذْرِ، مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ، دَلِيلًا إلى المَحَجَّةِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِــ(نَزَلَ).
الشعراء 26:194
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٢ - ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]
(p-٤٦٤٥)" ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالقَصَصِ المَحْكِيَّةِ، أوِ القُرْآنِ المُتَضَمِّنِ لَها: ﴿لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُنَزَّلٌ مِنهُ حَقًّا: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] أيْ: مُنْتَظِمًا في سِلْكِ أُولَئِكَ المَشْهُورِينَ بِتِلْكَ المَزِيَّةِ الجَلِيلَةِ، والمَنقُبَةِ الفاضِلَةِ. وهي الرِّسالَةُ الإلَهِيَّةُ بِالإنْذارِ، إزالَةً لِلْأعْذارِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] أيْ: واضِحِ المَعْنى جَلِيِّ المَفْهُومِ، لِيَكُونَ قاطِعًا لِلْعُذْرِ، مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ، دَلِيلًا إلى المَحَجَّةِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِــ(نَزَلَ).
الشعراء 26:195
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٢ - ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]
(p-٤٦٤٥)" ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالقَصَصِ المَحْكِيَّةِ، أوِ القُرْآنِ المُتَضَمِّنِ لَها: ﴿لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُنَزَّلٌ مِنهُ حَقًّا: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] أيْ: مُنْتَظِمًا في سِلْكِ أُولَئِكَ المَشْهُورِينَ بِتِلْكَ المَزِيَّةِ الجَلِيلَةِ، والمَنقُبَةِ الفاضِلَةِ. وهي الرِّسالَةُ الإلَهِيَّةُ بِالإنْذارِ، إزالَةً لِلْأعْذارِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] أيْ: واضِحِ المَعْنى جَلِيِّ المَفْهُومِ، لِيَكُونَ قاطِعًا لِلْعُذْرِ، مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ، دَلِيلًا إلى المَحَجَّةِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِــ(نَزَلَ).
الشعراء 26:196
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٦ - ١٩٧] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]
﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: في كُتُبِهِمْ. مَعَ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَصْحَبْ أهْلَها ولَمْ يَدْرُسْها. فَكَفى بِذَلِكَ شَهِيدًا عَلى صِدْقِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٧] أيْ: عَلامَةً عَلى تَنْزِيلِهِ الحَقَّ: ﴿أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] أيْ: فَيَجِدُونَ مِصْداقَهُ في زُبُرِهِمُ الَّتِي يَدْرُسُونَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣]
الشعراء 26:197
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٦ - ١٩٧] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]
﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: في كُتُبِهِمْ. مَعَ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَصْحَبْ أهْلَها ولَمْ يَدْرُسْها. فَكَفى بِذَلِكَ شَهِيدًا عَلى صِدْقِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٧] أيْ: عَلامَةً عَلى تَنْزِيلِهِ الحَقَّ: ﴿أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] أيْ: فَيَجِدُونَ مِصْداقَهُ في زُبُرِهِمُ الَّتِي يَدْرُسُونَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣]
الشعراء 26:198
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:199
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:200
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:201
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:202
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:203
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:204
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:205
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:206
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:207
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:208
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:209
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨ - ٢٠٩] ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] (p-٤٦٤٦)﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]
﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] أيْ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِنَظْمِهِ البَدِيعِ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ قِراءَةً فَصِيحَةً، انْفَتَقَ لِسانُهُ بِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا. ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا. ولِسَمَّوْهُ سِحْرًا، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أيْ: مَكَّنّا هَذا العِنادَ والإباءَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقَرَّرْناهُ فِيها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] أيْ: وهو ما هُوَ، عِياذًا بِهِ مِنهُ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] أيْ: مِن طَوالِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعايِشِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] أيْ: فَنَبْغَتُهم بِالعَذابِ قَبْلَ الإنْذارِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حِكْمَةِ الحَكَمِ العَدْلِ.
الشعراء 26:210
(p-٤٦٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٠ - ٢١٣] ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]
﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] رَدٌّ لِما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّ التَّنْزِيلَ الكَرِيمَ مِن قَبِيلِ ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ، بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ﴾ [الشعراء: ٢١٢] أيْ: الِاسْتِماعِ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] لِانْتِفاءِ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ فَيَضانِ أنْوارِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، لِخَباثَةِ نُفُوسِهِمْ بِالذّاتِ، فَهم مَرْجُومُونَ مُبْعَدُونَ عَنِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ والبَراهِينِ السُّبُوحِيَّةِ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] في الدّارَيْنِ، عَذابَ تَعْدِيدِ الوُجْهَةِ، واضْطِرابِ الفِكْرِ، وضَعْفِ الشُّبْهَةِ، وتَوْهِينِ العَقْلِ في الدُّنْيا. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى.
الشعراء 26:211
(p-٤٦٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٠ - ٢١٣] ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]
﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] رَدٌّ لِما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّ التَّنْزِيلَ الكَرِيمَ مِن قَبِيلِ ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ، بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ﴾ [الشعراء: ٢١٢] أيْ: الِاسْتِماعِ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] لِانْتِفاءِ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ فَيَضانِ أنْوارِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، لِخَباثَةِ نُفُوسِهِمْ بِالذّاتِ، فَهم مَرْجُومُونَ مُبْعَدُونَ عَنِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ والبَراهِينِ السُّبُوحِيَّةِ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] في الدّارَيْنِ، عَذابَ تَعْدِيدِ الوُجْهَةِ، واضْطِرابِ الفِكْرِ، وضَعْفِ الشُّبْهَةِ، وتَوْهِينِ العَقْلِ في الدُّنْيا. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى.
الشعراء 26:212
(p-٤٦٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٠ - ٢١٣] ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]
﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] رَدٌّ لِما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّ التَّنْزِيلَ الكَرِيمَ مِن قَبِيلِ ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ، بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ﴾ [الشعراء: ٢١٢] أيْ: الِاسْتِماعِ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] لِانْتِفاءِ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ فَيَضانِ أنْوارِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، لِخَباثَةِ نُفُوسِهِمْ بِالذّاتِ، فَهم مَرْجُومُونَ مُبْعَدُونَ عَنِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ والبَراهِينِ السُّبُوحِيَّةِ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] في الدّارَيْنِ، عَذابَ تَعْدِيدِ الوُجْهَةِ، واضْطِرابِ الفِكْرِ، وضَعْفِ الشُّبْهَةِ، وتَوْهِينِ العَقْلِ في الدُّنْيا. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى.
الشعراء 26:213
(p-٤٦٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٠ - ٢١٣] ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]
﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] رَدٌّ لِما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّ التَّنْزِيلَ الكَرِيمَ مِن قَبِيلِ ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ، بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ﴾ [الشعراء: ٢١٢] أيْ: الِاسْتِماعِ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] لِانْتِفاءِ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ فَيَضانِ أنْوارِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، لِخَباثَةِ نُفُوسِهِمْ بِالذّاتِ، فَهم مَرْجُومُونَ مُبْعَدُونَ عَنِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ والبَراهِينِ السُّبُوحِيَّةِ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] في الدّارَيْنِ، عَذابَ تَعْدِيدِ الوُجْهَةِ، واضْطِرابِ الفِكْرِ، وضَعْفِ الشُّبْهَةِ، وتَوْهِينِ العَقْلِ في الدُّنْيا. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى.
الشعراء 26:214
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٤ - ٢١٩] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] .
(p-٤٦٤٨)" ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأدْنَيْنَ. وإنَّهُ لا يُخَلِّصُ أحَدًا مِنهُ إلّا إيمانُهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ««يا فاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ ! يا صَفِيَّةُ ابْنَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ! لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ»» . وقَدْ بَسَطَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ، ابْنُ كَثِيرٍ. فَراجِعْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أيْ: لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم. مُسْتَعارٌ مِن حالِ الطّائِرِ. فَإنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ خَفَضَ جَناحَهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] أيْ: مِنَ النَّوْمِ إلى التَّهَجُّدِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أيِ: المُصَلِّينَ. أيْ: تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَهم بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إذا أمَمْتَهم. يَعْنِي: يَراكَ وحْدَكَ ويَراكَ في الجَمْعِ. والتَّوْصِيفُ بِذَلِكَ لِلتَّذْكِيرِ بِالعِنايَةِ بِالصَّلاةِ لَيْلًا وجَمْعًا وفُرادى. أوْ مَعْنى الآيَةِ: لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ، كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ، في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ. أوْ هي كِنايَةٌ عَنْ رِعايَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والعِنايَةِ بِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]
الشعراء 26:215
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٤ - ٢١٩] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] .
(p-٤٦٤٨)" ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأدْنَيْنَ. وإنَّهُ لا يُخَلِّصُ أحَدًا مِنهُ إلّا إيمانُهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ««يا فاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ ! يا صَفِيَّةُ ابْنَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ! لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ»» . وقَدْ بَسَطَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ، ابْنُ كَثِيرٍ. فَراجِعْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أيْ: لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم. مُسْتَعارٌ مِن حالِ الطّائِرِ. فَإنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ خَفَضَ جَناحَهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] أيْ: مِنَ النَّوْمِ إلى التَّهَجُّدِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أيِ: المُصَلِّينَ. أيْ: تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَهم بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إذا أمَمْتَهم. يَعْنِي: يَراكَ وحْدَكَ ويَراكَ في الجَمْعِ. والتَّوْصِيفُ بِذَلِكَ لِلتَّذْكِيرِ بِالعِنايَةِ بِالصَّلاةِ لَيْلًا وجَمْعًا وفُرادى. أوْ مَعْنى الآيَةِ: لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ، كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ، في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ. أوْ هي كِنايَةٌ عَنْ رِعايَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والعِنايَةِ بِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]
الشعراء 26:216
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٤ - ٢١٩] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] .
(p-٤٦٤٨)" ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأدْنَيْنَ. وإنَّهُ لا يُخَلِّصُ أحَدًا مِنهُ إلّا إيمانُهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ««يا فاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ ! يا صَفِيَّةُ ابْنَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ! لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ»» . وقَدْ بَسَطَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ، ابْنُ كَثِيرٍ. فَراجِعْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أيْ: لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم. مُسْتَعارٌ مِن حالِ الطّائِرِ. فَإنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ خَفَضَ جَناحَهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] أيْ: مِنَ النَّوْمِ إلى التَّهَجُّدِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أيِ: المُصَلِّينَ. أيْ: تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَهم بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إذا أمَمْتَهم. يَعْنِي: يَراكَ وحْدَكَ ويَراكَ في الجَمْعِ. والتَّوْصِيفُ بِذَلِكَ لِلتَّذْكِيرِ بِالعِنايَةِ بِالصَّلاةِ لَيْلًا وجَمْعًا وفُرادى. أوْ مَعْنى الآيَةِ: لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ، كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ، في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ. أوْ هي كِنايَةٌ عَنْ رِعايَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والعِنايَةِ بِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]
الشعراء 26:217
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٤ - ٢١٩] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] .
(p-٤٦٤٨)" ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأدْنَيْنَ. وإنَّهُ لا يُخَلِّصُ أحَدًا مِنهُ إلّا إيمانُهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ««يا فاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ ! يا صَفِيَّةُ ابْنَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ! لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ»» . وقَدْ بَسَطَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ، ابْنُ كَثِيرٍ. فَراجِعْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أيْ: لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم. مُسْتَعارٌ مِن حالِ الطّائِرِ. فَإنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ خَفَضَ جَناحَهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] أيْ: مِنَ النَّوْمِ إلى التَّهَجُّدِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أيِ: المُصَلِّينَ. أيْ: تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَهم بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إذا أمَمْتَهم. يَعْنِي: يَراكَ وحْدَكَ ويَراكَ في الجَمْعِ. والتَّوْصِيفُ بِذَلِكَ لِلتَّذْكِيرِ بِالعِنايَةِ بِالصَّلاةِ لَيْلًا وجَمْعًا وفُرادى. أوْ مَعْنى الآيَةِ: لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ، كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ، في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ. أوْ هي كِنايَةٌ عَنْ رِعايَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والعِنايَةِ بِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]
الشعراء 26:218
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٤ - ٢١٩] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] .
(p-٤٦٤٨)" ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأدْنَيْنَ. وإنَّهُ لا يُخَلِّصُ أحَدًا مِنهُ إلّا إيمانُهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ««يا فاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ ! يا صَفِيَّةُ ابْنَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ! لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ»» . وقَدْ بَسَطَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ، ابْنُ كَثِيرٍ. فَراجِعْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أيْ: لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم. مُسْتَعارٌ مِن حالِ الطّائِرِ. فَإنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ خَفَضَ جَناحَهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] أيْ: مِنَ النَّوْمِ إلى التَّهَجُّدِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أيِ: المُصَلِّينَ. أيْ: تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَهم بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إذا أمَمْتَهم. يَعْنِي: يَراكَ وحْدَكَ ويَراكَ في الجَمْعِ. والتَّوْصِيفُ بِذَلِكَ لِلتَّذْكِيرِ بِالعِنايَةِ بِالصَّلاةِ لَيْلًا وجَمْعًا وفُرادى. أوْ مَعْنى الآيَةِ: لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ، كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ، في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ. أوْ هي كِنايَةٌ عَنْ رِعايَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والعِنايَةِ بِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]
الشعراء 26:219
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٤ - ٢١٩] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] .
(p-٤٦٤٨)" ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأدْنَيْنَ. وإنَّهُ لا يُخَلِّصُ أحَدًا مِنهُ إلّا إيمانُهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ««يا فاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ ! يا صَفِيَّةُ ابْنَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ! لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ»» . وقَدْ بَسَطَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ، ابْنُ كَثِيرٍ. فَراجِعْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أيْ: لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم. مُسْتَعارٌ مِن حالِ الطّائِرِ. فَإنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ خَفَضَ جَناحَهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] أيْ: مِنَ النَّوْمِ إلى التَّهَجُّدِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أيِ: المُصَلِّينَ. أيْ: تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَهم بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إذا أمَمْتَهم. يَعْنِي: يَراكَ وحْدَكَ ويَراكَ في الجَمْعِ. والتَّوْصِيفُ بِذَلِكَ لِلتَّذْكِيرِ بِالعِنايَةِ بِالصَّلاةِ لَيْلًا وجَمْعًا وفُرادى. أوْ مَعْنى الآيَةِ: لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ، كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ، في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ. أوْ هي كِنايَةٌ عَنْ رِعايَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والعِنايَةِ بِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]
الشعراء 26:220
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٠ - ٢٢٢] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] .
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لِما تَقُولُهُ وبِما تَنْوِيهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] أيْ: تَتَنَزَّلُ وهو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَنَزُّلِ الشَّياطِينِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ امْتِناعِ تَنَزُّلِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] أيْ: كَذّابٍ في قَوْلِهِ، في الكَلامِ مِن وجْهٍ إلى آخَرَ، ولا يُبالِي بِذَلِكَ. لِأنَّهُ أثِيمٌ كَثِيرُ الإثْمِ والفُجُورِ في فِعْلِهِ. (p-٤٦٤٩)وحَيْثُ كانَ المَقامُ النَّبَوِيُّ مُنَزَّهًا عَنْ ذَلِكَ، اتَّضَحَ اسْتِحالَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلَيْهِ.
قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ تَنَزُّلَهم لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ اسْتِعْدادِ قَبُولِ النُّفُوسِ لِنُزُولِها، بِالمُناسَبَةِ في الخُبْثِ والكَيْدِ والمَكْرِ والقَدْرِ والخِيانَةِ وسائِرِ الرَّذائِلِ. فَمَن تَجَرَّدَ عَنْ صِفاتِ النَّفْسِ، وتَرَقّى إلى جَنابِ القُدْسِ، وتَنَوَّرَتْ نَفْسُهُ بِالأنْوارِ الرُّوحِيَّةِ ومَصابِيحِ الشُّهُبِ السُّبُوحِيَّةِ، وأشْرَقَ عَقْلُهُ بِالِاتِّصالِ بِالعالَمِ الأعْلى، فَلا يُمْكِنُ لِلشَّياطِينِ أنْ يَتَنَزَّلُوا عَلَيْهِ، ولا أنْ يَتَلَقَّفُوا المَعارِفَ والحَقائِقَ والشَّرائِعَ. فَإنَّهم مَعْزُولُونَ عَنِ اسْتِماعِ كَلامِ المَلَكُوتِ الأعْلى، مَرْجُومُونَ بِشُهُبِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ [المائدة: ٦٠] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] لِأنَّ الإفْكَ والإثْمَ مِن لَوازِمِ النُّفُوسِ الكَدِرَةِ الخَبِيثَةِ المُظْلِمَةِ السُّفْلِيَّةِ، المُسْتَمَدَّةِ مِنَ الشَّياطِينِ بِالمُناسَبَةِ، المُسْتَدْعِيَةِ لِإلْقائِهِمْ وتَنَزُّلِهِمْ بِحَسَبِ الجِنْسِيَّةِ. انْتَهى.
الشعراء 26:221
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٠ - ٢٢٢] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] .
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لِما تَقُولُهُ وبِما تَنْوِيهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] أيْ: تَتَنَزَّلُ وهو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَنَزُّلِ الشَّياطِينِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ امْتِناعِ تَنَزُّلِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] أيْ: كَذّابٍ في قَوْلِهِ، في الكَلامِ مِن وجْهٍ إلى آخَرَ، ولا يُبالِي بِذَلِكَ. لِأنَّهُ أثِيمٌ كَثِيرُ الإثْمِ والفُجُورِ في فِعْلِهِ. (p-٤٦٤٩)وحَيْثُ كانَ المَقامُ النَّبَوِيُّ مُنَزَّهًا عَنْ ذَلِكَ، اتَّضَحَ اسْتِحالَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلَيْهِ.
قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ تَنَزُّلَهم لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ اسْتِعْدادِ قَبُولِ النُّفُوسِ لِنُزُولِها، بِالمُناسَبَةِ في الخُبْثِ والكَيْدِ والمَكْرِ والقَدْرِ والخِيانَةِ وسائِرِ الرَّذائِلِ. فَمَن تَجَرَّدَ عَنْ صِفاتِ النَّفْسِ، وتَرَقّى إلى جَنابِ القُدْسِ، وتَنَوَّرَتْ نَفْسُهُ بِالأنْوارِ الرُّوحِيَّةِ ومَصابِيحِ الشُّهُبِ السُّبُوحِيَّةِ، وأشْرَقَ عَقْلُهُ بِالِاتِّصالِ بِالعالَمِ الأعْلى، فَلا يُمْكِنُ لِلشَّياطِينِ أنْ يَتَنَزَّلُوا عَلَيْهِ، ولا أنْ يَتَلَقَّفُوا المَعارِفَ والحَقائِقَ والشَّرائِعَ. فَإنَّهم مَعْزُولُونَ عَنِ اسْتِماعِ كَلامِ المَلَكُوتِ الأعْلى، مَرْجُومُونَ بِشُهُبِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ [المائدة: ٦٠] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] لِأنَّ الإفْكَ والإثْمَ مِن لَوازِمِ النُّفُوسِ الكَدِرَةِ الخَبِيثَةِ المُظْلِمَةِ السُّفْلِيَّةِ، المُسْتَمَدَّةِ مِنَ الشَّياطِينِ بِالمُناسَبَةِ، المُسْتَدْعِيَةِ لِإلْقائِهِمْ وتَنَزُّلِهِمْ بِحَسَبِ الجِنْسِيَّةِ. انْتَهى.
الشعراء 26:222
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٠ - ٢٢٢] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] .
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لِما تَقُولُهُ وبِما تَنْوِيهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] أيْ: تَتَنَزَّلُ وهو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَنَزُّلِ الشَّياطِينِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ امْتِناعِ تَنَزُّلِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] أيْ: كَذّابٍ في قَوْلِهِ، في الكَلامِ مِن وجْهٍ إلى آخَرَ، ولا يُبالِي بِذَلِكَ. لِأنَّهُ أثِيمٌ كَثِيرُ الإثْمِ والفُجُورِ في فِعْلِهِ. (p-٤٦٤٩)وحَيْثُ كانَ المَقامُ النَّبَوِيُّ مُنَزَّهًا عَنْ ذَلِكَ، اتَّضَحَ اسْتِحالَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلَيْهِ.
قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ تَنَزُّلَهم لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ اسْتِعْدادِ قَبُولِ النُّفُوسِ لِنُزُولِها، بِالمُناسَبَةِ في الخُبْثِ والكَيْدِ والمَكْرِ والقَدْرِ والخِيانَةِ وسائِرِ الرَّذائِلِ. فَمَن تَجَرَّدَ عَنْ صِفاتِ النَّفْسِ، وتَرَقّى إلى جَنابِ القُدْسِ، وتَنَوَّرَتْ نَفْسُهُ بِالأنْوارِ الرُّوحِيَّةِ ومَصابِيحِ الشُّهُبِ السُّبُوحِيَّةِ، وأشْرَقَ عَقْلُهُ بِالِاتِّصالِ بِالعالَمِ الأعْلى، فَلا يُمْكِنُ لِلشَّياطِينِ أنْ يَتَنَزَّلُوا عَلَيْهِ، ولا أنْ يَتَلَقَّفُوا المَعارِفَ والحَقائِقَ والشَّرائِعَ. فَإنَّهم مَعْزُولُونَ عَنِ اسْتِماعِ كَلامِ المَلَكُوتِ الأعْلى، مَرْجُومُونَ بِشُهُبِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ [المائدة: ٦٠] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] لِأنَّ الإفْكَ والإثْمَ مِن لَوازِمِ النُّفُوسِ الكَدِرَةِ الخَبِيثَةِ المُظْلِمَةِ السُّفْلِيَّةِ، المُسْتَمَدَّةِ مِنَ الشَّياطِينِ بِالمُناسَبَةِ، المُسْتَدْعِيَةِ لِإلْقائِهِمْ وتَنَزُّلِهِمْ بِحَسَبِ الجِنْسِيَّةِ. انْتَهى.
الشعراء 26:223
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٣ - ٢٢٦] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]
﴿يُلْقُونَ﴾ أيِ: الأفّاكُونَ: ﴿السَّمْعَ﴾ أيْ: إلى الشَّياطِينِ وأوْهامِهِمْ ووَساوِسِهِمْ: ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ أيْ: فِيما يَتَكَهَّنُونَ بِهِ، وفِيما يَحْكُونَهُ عَنِ الشَّياطِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِن أنَّهُ مِن قَبِيلِ الشِّعْرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشُّعَراءِ، بِبَيانِ حالِ الشُّعَراءِ المُنافِيَةِ لِحالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. بَعْدَ إبْطالِ ما قالُوا إنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِي الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ مِنَ الأباطِيلِ، بِما مَرَّ مِن بَيانِ أحْوالِهِمُ المُضادَّةِ لِأحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والمَعْنى أنَّ الشُّعَراءَ (p-٤٦٥٠)الَّذِينَ يَرْكَبُونَ المُخَيِّلاتِ والمُزَخْرِفاتِ مِنَ القِياساتِ الشِّعْرِيَّةِ والأكاذِيبِ الباطِلَةِ، سَواءٌ كانَتْ مَوْزُونَةً أمْ لا، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُمْ: أيْ: يُجارِيهِمْ ويَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ، ويَكُونُ مِن جُمْلَتِهُمُ الغاوُونَ الضّالُّونَ عَنِ السُّنَنِ، لا غَيْرُهم مِن أهْلِ الرُّشْدِ، المُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، الدّاعِينَ إلَيْهِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] اسْتِشْهادٌ عَلى أنَّ الشُّعَراءَ إنَّما يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ، وتَقْرِيرٌ لَهُ. أيْ: ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ مِن أوْدِيَةِ الخَيالِ يَهِيمُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، لا يَقِفُونَ عِنْدَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَرْكَبُونَ لِلْباطِلِ والكَذِبِ وفُضُولِ القَوْلِ كُلَّ مَرْكَبٍ. دَيْدَنُهُمُ الهِجاءُ، وتَمْزِيقُ الأعْراضِ، والقَدَحُ في الأنْسابِ، والنَّسِيبُ بِالحُرُمِ والغَزَلِ والِابْتِهارِ. ومَدْحُ مَن لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، والغُلُوُّ في الثَّناءِ والهِجاءِ.
لَطِيفَةٌ:
فِي ذِكْرِ الوادِي والهُيامِ، تَمْثِيلٌ لِذَهابِهِمْ في شُعَبِ القَوْلِ وفُنُونِهِ وطُرُقِهِ وشُجُونِهِ. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: اسْتَعارَ الأوْدِيَةَ لِلْفُنُونِ والأغْراضِ مِنَ المَعانِي الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي يَقْصِدُونَها. وإنَّما خَصَّ الأوْدِيَةَ بِالِاسْتِعارَةِ، ولَمْ يَسْتَعِرِ الطُّرُقَ والمَسالِكَ، أوْ ما جَرى مَجْراها -لِأنَّ مَعانِيَ الشِّعْرِ تُسْتَخْرَجُ بِالفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ، والفِكْرَةُ والرَّوِيَّةُ فِيهِما خَفاءٌ وغُمُوضٌ. فَكانَ اسْتِعارَةُ الأوْدِيَةِ لَها أشْبَهَ وألْيَقَ.
﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] أيْ: مِمّا يَتَبَجَّحُونَ بِهِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ لَمْ تَصْدُرْ مِنهم ولا عَنْهُمْ، كِنايَةً عَنْ أنَّهم يُكَذِّبُونَ غَيْرَ مُبالِينَ بِما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ اللَّوائِمِ. أيْ: فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ أنْ يَتْبَعَهم في مَسْلَكِهِمْ ذَلِكَ، ويَلْتَحِقَ بِهِمْ ويَنْتَظِمَ في سَلْكِهِمْ، مَن تَنَزَّهَتْ ساحَتُهُ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ الِاتِّصافِ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واتَّصَفَ بِمَحاسِنِ الصِّفاتِ (p-٤٦٥١)الجَلِيلَةِ، وتَخَلَّقَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، وحازَ جَمِيعَ الكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، وفازَ بِجُمْلَةِ المَلَكاتِ الأُنْسِيَّةِ، مُسْتَقِرًّا عَلى المِنهاجِ القَوِيمِ، مُسْتَمِرًّا عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ناطِقًا بِكُلِّ أمْرٍ رَشِيدٍ، داعِيًا إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ، مُؤَيَّدًا بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ، وآياتٍ ظاهِرَةٍ، مَشْحُونَةٍ بِفُنُونِ الحُكْمِ الباهِرَةِ، وصُنُوفِ المَعارِفِ الزّاهِرَةِ، مُسْتَقِلَّةً بِنَظْمٍ رائِقٍ، أعْجَزَ كُلَّ مِنطِيقٍ ماهِرٍ، وبَكَّتَ كُلَّ مُفْلِقٍ ساحِرٍ! قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما إذا اعْتَرَفَ الشّاعِرُ في شِعْرِهِ بِما يُوجِبُ حَدًّا. هَلْ يُقامُ عَلَيْهِ بِهَذا الِاعْتِرافِ أمْ لا ؟ لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ -عَلى قَوْلَيْنِ: وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ في (الطَّبَقاتِ) والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في كِتابِ (الفُكاهَةِ) أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ النُّعْمانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ عَلى مَيْسانَ، مِن أرْضِ البَصْرَةِ. وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَقالَ:
؎ألا هَلْ أتى الحَسْناءَ أنَّ خَلِيلَها بِمَيْسانَ يُسْقى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ
؎إذا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهاقِينُ قَرْيَةٍ ∗∗∗ ورَقّاصَةٌ تَحْثُو عَلى كُلِّ مَبْسَمِ
؎فَإنْ كُنْتَ نَدْمانِي فَبِالأكْبَرِ اسْقِنِي ∗∗∗ ولا تَسْقِنِي بِالأصْغَرِ المُتَثَلَّمِ
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: إيِ واللَّهِ! إنَّهُ لَيَسُوؤُنِي بِذَلِكَ. ومَن لَقِيَهُ فَلْيُخْبِرْهُ أنِّي قَدْ عَزَلْتُهُ، وكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿حم﴾ [غافر: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] أمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي قَوْلُكَ:
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
(p-٤٦٥٢)وايْمُ اللَّهِ! إنَّهُ لَيَسُوؤُنِي ذَلِكَ. وقَدْ عَزَلْتُكَ).
فَلَمّا قَدِمَ عَلى عُمَرَ. بَكَّتَهُ بِهَذا الشِّعْرِ. وقالَ: واللَّهِ! يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! ما شَرِبْتُها قَطُّ وما ذاكَ الشِّعْرُ إلّا شَيْءٌ طَفَحَ عَلى لِسانِي. فَقالَ عُمَرُ: أظُنُّ ذَلِكَ. ولَكِنْ، واللَّهِ! لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا، وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ.
فَلَمْ يُذْكَرْ أنَّهُ حَدَّهُ عَلى الشَّرابِ، وقَدْ ضَمِنَهُ شِعْرُهُ. لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ. ولَكِنْ ذَمَّهُ عُمَرُ ولامَهُ عَلى ذَلِكَ وعَزَلَهُ بِهِ.
وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الفَرَزْدَقِ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ سَمِعَ قَوْلَهُ:
؎فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ
فَقالَ: وقَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! قَدْ دَرَأ اللَّهُ عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الشُّعَراءَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، بِقَوْلِهِ:
الشعراء 26:224
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٣ - ٢٢٦] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]
﴿يُلْقُونَ﴾ أيِ: الأفّاكُونَ: ﴿السَّمْعَ﴾ أيْ: إلى الشَّياطِينِ وأوْهامِهِمْ ووَساوِسِهِمْ: ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ أيْ: فِيما يَتَكَهَّنُونَ بِهِ، وفِيما يَحْكُونَهُ عَنِ الشَّياطِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِن أنَّهُ مِن قَبِيلِ الشِّعْرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشُّعَراءِ، بِبَيانِ حالِ الشُّعَراءِ المُنافِيَةِ لِحالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. بَعْدَ إبْطالِ ما قالُوا إنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِي الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ مِنَ الأباطِيلِ، بِما مَرَّ مِن بَيانِ أحْوالِهِمُ المُضادَّةِ لِأحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والمَعْنى أنَّ الشُّعَراءَ (p-٤٦٥٠)الَّذِينَ يَرْكَبُونَ المُخَيِّلاتِ والمُزَخْرِفاتِ مِنَ القِياساتِ الشِّعْرِيَّةِ والأكاذِيبِ الباطِلَةِ، سَواءٌ كانَتْ مَوْزُونَةً أمْ لا، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُمْ: أيْ: يُجارِيهِمْ ويَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ، ويَكُونُ مِن جُمْلَتِهُمُ الغاوُونَ الضّالُّونَ عَنِ السُّنَنِ، لا غَيْرُهم مِن أهْلِ الرُّشْدِ، المُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، الدّاعِينَ إلَيْهِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] اسْتِشْهادٌ عَلى أنَّ الشُّعَراءَ إنَّما يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ، وتَقْرِيرٌ لَهُ. أيْ: ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ مِن أوْدِيَةِ الخَيالِ يَهِيمُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، لا يَقِفُونَ عِنْدَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَرْكَبُونَ لِلْباطِلِ والكَذِبِ وفُضُولِ القَوْلِ كُلَّ مَرْكَبٍ. دَيْدَنُهُمُ الهِجاءُ، وتَمْزِيقُ الأعْراضِ، والقَدَحُ في الأنْسابِ، والنَّسِيبُ بِالحُرُمِ والغَزَلِ والِابْتِهارِ. ومَدْحُ مَن لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، والغُلُوُّ في الثَّناءِ والهِجاءِ.
لَطِيفَةٌ:
فِي ذِكْرِ الوادِي والهُيامِ، تَمْثِيلٌ لِذَهابِهِمْ في شُعَبِ القَوْلِ وفُنُونِهِ وطُرُقِهِ وشُجُونِهِ. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: اسْتَعارَ الأوْدِيَةَ لِلْفُنُونِ والأغْراضِ مِنَ المَعانِي الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي يَقْصِدُونَها. وإنَّما خَصَّ الأوْدِيَةَ بِالِاسْتِعارَةِ، ولَمْ يَسْتَعِرِ الطُّرُقَ والمَسالِكَ، أوْ ما جَرى مَجْراها -لِأنَّ مَعانِيَ الشِّعْرِ تُسْتَخْرَجُ بِالفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ، والفِكْرَةُ والرَّوِيَّةُ فِيهِما خَفاءٌ وغُمُوضٌ. فَكانَ اسْتِعارَةُ الأوْدِيَةِ لَها أشْبَهَ وألْيَقَ.
﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] أيْ: مِمّا يَتَبَجَّحُونَ بِهِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ لَمْ تَصْدُرْ مِنهم ولا عَنْهُمْ، كِنايَةً عَنْ أنَّهم يُكَذِّبُونَ غَيْرَ مُبالِينَ بِما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ اللَّوائِمِ. أيْ: فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ أنْ يَتْبَعَهم في مَسْلَكِهِمْ ذَلِكَ، ويَلْتَحِقَ بِهِمْ ويَنْتَظِمَ في سَلْكِهِمْ، مَن تَنَزَّهَتْ ساحَتُهُ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ الِاتِّصافِ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واتَّصَفَ بِمَحاسِنِ الصِّفاتِ (p-٤٦٥١)الجَلِيلَةِ، وتَخَلَّقَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، وحازَ جَمِيعَ الكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، وفازَ بِجُمْلَةِ المَلَكاتِ الأُنْسِيَّةِ، مُسْتَقِرًّا عَلى المِنهاجِ القَوِيمِ، مُسْتَمِرًّا عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ناطِقًا بِكُلِّ أمْرٍ رَشِيدٍ، داعِيًا إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ، مُؤَيَّدًا بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ، وآياتٍ ظاهِرَةٍ، مَشْحُونَةٍ بِفُنُونِ الحُكْمِ الباهِرَةِ، وصُنُوفِ المَعارِفِ الزّاهِرَةِ، مُسْتَقِلَّةً بِنَظْمٍ رائِقٍ، أعْجَزَ كُلَّ مِنطِيقٍ ماهِرٍ، وبَكَّتَ كُلَّ مُفْلِقٍ ساحِرٍ! قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما إذا اعْتَرَفَ الشّاعِرُ في شِعْرِهِ بِما يُوجِبُ حَدًّا. هَلْ يُقامُ عَلَيْهِ بِهَذا الِاعْتِرافِ أمْ لا ؟ لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ -عَلى قَوْلَيْنِ: وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ في (الطَّبَقاتِ) والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في كِتابِ (الفُكاهَةِ) أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ النُّعْمانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ عَلى مَيْسانَ، مِن أرْضِ البَصْرَةِ. وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَقالَ:
؎ألا هَلْ أتى الحَسْناءَ أنَّ خَلِيلَها بِمَيْسانَ يُسْقى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ
؎إذا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهاقِينُ قَرْيَةٍ ∗∗∗ ورَقّاصَةٌ تَحْثُو عَلى كُلِّ مَبْسَمِ
؎فَإنْ كُنْتَ نَدْمانِي فَبِالأكْبَرِ اسْقِنِي ∗∗∗ ولا تَسْقِنِي بِالأصْغَرِ المُتَثَلَّمِ
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: إيِ واللَّهِ! إنَّهُ لَيَسُوؤُنِي بِذَلِكَ. ومَن لَقِيَهُ فَلْيُخْبِرْهُ أنِّي قَدْ عَزَلْتُهُ، وكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿حم﴾ [غافر: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] أمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي قَوْلُكَ:
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
(p-٤٦٥٢)وايْمُ اللَّهِ! إنَّهُ لَيَسُوؤُنِي ذَلِكَ. وقَدْ عَزَلْتُكَ).
فَلَمّا قَدِمَ عَلى عُمَرَ. بَكَّتَهُ بِهَذا الشِّعْرِ. وقالَ: واللَّهِ! يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! ما شَرِبْتُها قَطُّ وما ذاكَ الشِّعْرُ إلّا شَيْءٌ طَفَحَ عَلى لِسانِي. فَقالَ عُمَرُ: أظُنُّ ذَلِكَ. ولَكِنْ، واللَّهِ! لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا، وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ.
فَلَمْ يُذْكَرْ أنَّهُ حَدَّهُ عَلى الشَّرابِ، وقَدْ ضَمِنَهُ شِعْرُهُ. لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ. ولَكِنْ ذَمَّهُ عُمَرُ ولامَهُ عَلى ذَلِكَ وعَزَلَهُ بِهِ.
وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الفَرَزْدَقِ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ سَمِعَ قَوْلَهُ:
؎فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ
فَقالَ: وقَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! قَدْ دَرَأ اللَّهُ عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الشُّعَراءَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، بِقَوْلِهِ:
الشعراء 26:225
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٣ - ٢٢٦] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]
﴿يُلْقُونَ﴾ أيِ: الأفّاكُونَ: ﴿السَّمْعَ﴾ أيْ: إلى الشَّياطِينِ وأوْهامِهِمْ ووَساوِسِهِمْ: ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ أيْ: فِيما يَتَكَهَّنُونَ بِهِ، وفِيما يَحْكُونَهُ عَنِ الشَّياطِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِن أنَّهُ مِن قَبِيلِ الشِّعْرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشُّعَراءِ، بِبَيانِ حالِ الشُّعَراءِ المُنافِيَةِ لِحالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. بَعْدَ إبْطالِ ما قالُوا إنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِي الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ مِنَ الأباطِيلِ، بِما مَرَّ مِن بَيانِ أحْوالِهِمُ المُضادَّةِ لِأحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والمَعْنى أنَّ الشُّعَراءَ (p-٤٦٥٠)الَّذِينَ يَرْكَبُونَ المُخَيِّلاتِ والمُزَخْرِفاتِ مِنَ القِياساتِ الشِّعْرِيَّةِ والأكاذِيبِ الباطِلَةِ، سَواءٌ كانَتْ مَوْزُونَةً أمْ لا، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُمْ: أيْ: يُجارِيهِمْ ويَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ، ويَكُونُ مِن جُمْلَتِهُمُ الغاوُونَ الضّالُّونَ عَنِ السُّنَنِ، لا غَيْرُهم مِن أهْلِ الرُّشْدِ، المُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، الدّاعِينَ إلَيْهِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] اسْتِشْهادٌ عَلى أنَّ الشُّعَراءَ إنَّما يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ، وتَقْرِيرٌ لَهُ. أيْ: ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ مِن أوْدِيَةِ الخَيالِ يَهِيمُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، لا يَقِفُونَ عِنْدَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَرْكَبُونَ لِلْباطِلِ والكَذِبِ وفُضُولِ القَوْلِ كُلَّ مَرْكَبٍ. دَيْدَنُهُمُ الهِجاءُ، وتَمْزِيقُ الأعْراضِ، والقَدَحُ في الأنْسابِ، والنَّسِيبُ بِالحُرُمِ والغَزَلِ والِابْتِهارِ. ومَدْحُ مَن لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، والغُلُوُّ في الثَّناءِ والهِجاءِ.
لَطِيفَةٌ:
فِي ذِكْرِ الوادِي والهُيامِ، تَمْثِيلٌ لِذَهابِهِمْ في شُعَبِ القَوْلِ وفُنُونِهِ وطُرُقِهِ وشُجُونِهِ. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: اسْتَعارَ الأوْدِيَةَ لِلْفُنُونِ والأغْراضِ مِنَ المَعانِي الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي يَقْصِدُونَها. وإنَّما خَصَّ الأوْدِيَةَ بِالِاسْتِعارَةِ، ولَمْ يَسْتَعِرِ الطُّرُقَ والمَسالِكَ، أوْ ما جَرى مَجْراها -لِأنَّ مَعانِيَ الشِّعْرِ تُسْتَخْرَجُ بِالفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ، والفِكْرَةُ والرَّوِيَّةُ فِيهِما خَفاءٌ وغُمُوضٌ. فَكانَ اسْتِعارَةُ الأوْدِيَةِ لَها أشْبَهَ وألْيَقَ.
﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] أيْ: مِمّا يَتَبَجَّحُونَ بِهِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ لَمْ تَصْدُرْ مِنهم ولا عَنْهُمْ، كِنايَةً عَنْ أنَّهم يُكَذِّبُونَ غَيْرَ مُبالِينَ بِما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ اللَّوائِمِ. أيْ: فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ أنْ يَتْبَعَهم في مَسْلَكِهِمْ ذَلِكَ، ويَلْتَحِقَ بِهِمْ ويَنْتَظِمَ في سَلْكِهِمْ، مَن تَنَزَّهَتْ ساحَتُهُ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ الِاتِّصافِ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واتَّصَفَ بِمَحاسِنِ الصِّفاتِ (p-٤٦٥١)الجَلِيلَةِ، وتَخَلَّقَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، وحازَ جَمِيعَ الكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، وفازَ بِجُمْلَةِ المَلَكاتِ الأُنْسِيَّةِ، مُسْتَقِرًّا عَلى المِنهاجِ القَوِيمِ، مُسْتَمِرًّا عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ناطِقًا بِكُلِّ أمْرٍ رَشِيدٍ، داعِيًا إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ، مُؤَيَّدًا بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ، وآياتٍ ظاهِرَةٍ، مَشْحُونَةٍ بِفُنُونِ الحُكْمِ الباهِرَةِ، وصُنُوفِ المَعارِفِ الزّاهِرَةِ، مُسْتَقِلَّةً بِنَظْمٍ رائِقٍ، أعْجَزَ كُلَّ مِنطِيقٍ ماهِرٍ، وبَكَّتَ كُلَّ مُفْلِقٍ ساحِرٍ! قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما إذا اعْتَرَفَ الشّاعِرُ في شِعْرِهِ بِما يُوجِبُ حَدًّا. هَلْ يُقامُ عَلَيْهِ بِهَذا الِاعْتِرافِ أمْ لا ؟ لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ -عَلى قَوْلَيْنِ: وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ في (الطَّبَقاتِ) والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في كِتابِ (الفُكاهَةِ) أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ النُّعْمانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ عَلى مَيْسانَ، مِن أرْضِ البَصْرَةِ. وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَقالَ:
؎ألا هَلْ أتى الحَسْناءَ أنَّ خَلِيلَها بِمَيْسانَ يُسْقى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ
؎إذا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهاقِينُ قَرْيَةٍ ∗∗∗ ورَقّاصَةٌ تَحْثُو عَلى كُلِّ مَبْسَمِ
؎فَإنْ كُنْتَ نَدْمانِي فَبِالأكْبَرِ اسْقِنِي ∗∗∗ ولا تَسْقِنِي بِالأصْغَرِ المُتَثَلَّمِ
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: إيِ واللَّهِ! إنَّهُ لَيَسُوؤُنِي بِذَلِكَ. ومَن لَقِيَهُ فَلْيُخْبِرْهُ أنِّي قَدْ عَزَلْتُهُ، وكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿حم﴾ [غافر: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] أمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي قَوْلُكَ:
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
(p-٤٦٥٢)وايْمُ اللَّهِ! إنَّهُ لَيَسُوؤُنِي ذَلِكَ. وقَدْ عَزَلْتُكَ).
فَلَمّا قَدِمَ عَلى عُمَرَ. بَكَّتَهُ بِهَذا الشِّعْرِ. وقالَ: واللَّهِ! يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! ما شَرِبْتُها قَطُّ وما ذاكَ الشِّعْرُ إلّا شَيْءٌ طَفَحَ عَلى لِسانِي. فَقالَ عُمَرُ: أظُنُّ ذَلِكَ. ولَكِنْ، واللَّهِ! لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا، وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ.
فَلَمْ يُذْكَرْ أنَّهُ حَدَّهُ عَلى الشَّرابِ، وقَدْ ضَمِنَهُ شِعْرُهُ. لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ. ولَكِنْ ذَمَّهُ عُمَرُ ولامَهُ عَلى ذَلِكَ وعَزَلَهُ بِهِ.
وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الفَرَزْدَقِ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ سَمِعَ قَوْلَهُ:
؎فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ
فَقالَ: وقَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! قَدْ دَرَأ اللَّهُ عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الشُّعَراءَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، بِقَوْلِهِ:
الشعراء 26:226
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٣ - ٢٢٦] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]
﴿يُلْقُونَ﴾ أيِ: الأفّاكُونَ: ﴿السَّمْعَ﴾ أيْ: إلى الشَّياطِينِ وأوْهامِهِمْ ووَساوِسِهِمْ: ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ أيْ: فِيما يَتَكَهَّنُونَ بِهِ، وفِيما يَحْكُونَهُ عَنِ الشَّياطِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِن أنَّهُ مِن قَبِيلِ الشِّعْرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشُّعَراءِ، بِبَيانِ حالِ الشُّعَراءِ المُنافِيَةِ لِحالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. بَعْدَ إبْطالِ ما قالُوا إنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِي الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ مِنَ الأباطِيلِ، بِما مَرَّ مِن بَيانِ أحْوالِهِمُ المُضادَّةِ لِأحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والمَعْنى أنَّ الشُّعَراءَ (p-٤٦٥٠)الَّذِينَ يَرْكَبُونَ المُخَيِّلاتِ والمُزَخْرِفاتِ مِنَ القِياساتِ الشِّعْرِيَّةِ والأكاذِيبِ الباطِلَةِ، سَواءٌ كانَتْ مَوْزُونَةً أمْ لا، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُمْ: أيْ: يُجارِيهِمْ ويَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ، ويَكُونُ مِن جُمْلَتِهُمُ الغاوُونَ الضّالُّونَ عَنِ السُّنَنِ، لا غَيْرُهم مِن أهْلِ الرُّشْدِ، المُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، الدّاعِينَ إلَيْهِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] اسْتِشْهادٌ عَلى أنَّ الشُّعَراءَ إنَّما يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ، وتَقْرِيرٌ لَهُ. أيْ: ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ مِن أوْدِيَةِ الخَيالِ يَهِيمُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، لا يَقِفُونَ عِنْدَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَرْكَبُونَ لِلْباطِلِ والكَذِبِ وفُضُولِ القَوْلِ كُلَّ مَرْكَبٍ. دَيْدَنُهُمُ الهِجاءُ، وتَمْزِيقُ الأعْراضِ، والقَدَحُ في الأنْسابِ، والنَّسِيبُ بِالحُرُمِ والغَزَلِ والِابْتِهارِ. ومَدْحُ مَن لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، والغُلُوُّ في الثَّناءِ والهِجاءِ.
لَطِيفَةٌ:
فِي ذِكْرِ الوادِي والهُيامِ، تَمْثِيلٌ لِذَهابِهِمْ في شُعَبِ القَوْلِ وفُنُونِهِ وطُرُقِهِ وشُجُونِهِ. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: اسْتَعارَ الأوْدِيَةَ لِلْفُنُونِ والأغْراضِ مِنَ المَعانِي الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي يَقْصِدُونَها. وإنَّما خَصَّ الأوْدِيَةَ بِالِاسْتِعارَةِ، ولَمْ يَسْتَعِرِ الطُّرُقَ والمَسالِكَ، أوْ ما جَرى مَجْراها -لِأنَّ مَعانِيَ الشِّعْرِ تُسْتَخْرَجُ بِالفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ، والفِكْرَةُ والرَّوِيَّةُ فِيهِما خَفاءٌ وغُمُوضٌ. فَكانَ اسْتِعارَةُ الأوْدِيَةِ لَها أشْبَهَ وألْيَقَ.
﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] أيْ: مِمّا يَتَبَجَّحُونَ بِهِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ لَمْ تَصْدُرْ مِنهم ولا عَنْهُمْ، كِنايَةً عَنْ أنَّهم يُكَذِّبُونَ غَيْرَ مُبالِينَ بِما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ اللَّوائِمِ. أيْ: فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ أنْ يَتْبَعَهم في مَسْلَكِهِمْ ذَلِكَ، ويَلْتَحِقَ بِهِمْ ويَنْتَظِمَ في سَلْكِهِمْ، مَن تَنَزَّهَتْ ساحَتُهُ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ الِاتِّصافِ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واتَّصَفَ بِمَحاسِنِ الصِّفاتِ (p-٤٦٥١)الجَلِيلَةِ، وتَخَلَّقَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، وحازَ جَمِيعَ الكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، وفازَ بِجُمْلَةِ المَلَكاتِ الأُنْسِيَّةِ، مُسْتَقِرًّا عَلى المِنهاجِ القَوِيمِ، مُسْتَمِرًّا عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ناطِقًا بِكُلِّ أمْرٍ رَشِيدٍ، داعِيًا إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ، مُؤَيَّدًا بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ، وآياتٍ ظاهِرَةٍ، مَشْحُونَةٍ بِفُنُونِ الحُكْمِ الباهِرَةِ، وصُنُوفِ المَعارِفِ الزّاهِرَةِ، مُسْتَقِلَّةً بِنَظْمٍ رائِقٍ، أعْجَزَ كُلَّ مِنطِيقٍ ماهِرٍ، وبَكَّتَ كُلَّ مُفْلِقٍ ساحِرٍ! قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما إذا اعْتَرَفَ الشّاعِرُ في شِعْرِهِ بِما يُوجِبُ حَدًّا. هَلْ يُقامُ عَلَيْهِ بِهَذا الِاعْتِرافِ أمْ لا ؟ لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ -عَلى قَوْلَيْنِ: وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ في (الطَّبَقاتِ) والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في كِتابِ (الفُكاهَةِ) أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ النُّعْمانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ عَلى مَيْسانَ، مِن أرْضِ البَصْرَةِ. وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَقالَ:
؎ألا هَلْ أتى الحَسْناءَ أنَّ خَلِيلَها بِمَيْسانَ يُسْقى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ
؎إذا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهاقِينُ قَرْيَةٍ ∗∗∗ ورَقّاصَةٌ تَحْثُو عَلى كُلِّ مَبْسَمِ
؎فَإنْ كُنْتَ نَدْمانِي فَبِالأكْبَرِ اسْقِنِي ∗∗∗ ولا تَسْقِنِي بِالأصْغَرِ المُتَثَلَّمِ
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: إيِ واللَّهِ! إنَّهُ لَيَسُوؤُنِي بِذَلِكَ. ومَن لَقِيَهُ فَلْيُخْبِرْهُ أنِّي قَدْ عَزَلْتُهُ، وكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿حم﴾ [غافر: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] أمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي قَوْلُكَ:
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
(p-٤٦٥٢)وايْمُ اللَّهِ! إنَّهُ لَيَسُوؤُنِي ذَلِكَ. وقَدْ عَزَلْتُكَ).
فَلَمّا قَدِمَ عَلى عُمَرَ. بَكَّتَهُ بِهَذا الشِّعْرِ. وقالَ: واللَّهِ! يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! ما شَرِبْتُها قَطُّ وما ذاكَ الشِّعْرُ إلّا شَيْءٌ طَفَحَ عَلى لِسانِي. فَقالَ عُمَرُ: أظُنُّ ذَلِكَ. ولَكِنْ، واللَّهِ! لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا، وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ.
فَلَمْ يُذْكَرْ أنَّهُ حَدَّهُ عَلى الشَّرابِ، وقَدْ ضَمِنَهُ شِعْرُهُ. لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ. ولَكِنْ ذَمَّهُ عُمَرُ ولامَهُ عَلى ذَلِكَ وعَزَلَهُ بِهِ.
وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الفَرَزْدَقِ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ سَمِعَ قَوْلَهُ:
؎فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ
فَقالَ: وقَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! قَدْ دَرَأ اللَّهُ عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الشُّعَراءَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، بِقَوْلِهِ:
الشعراء 26:227
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢٧] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أيْ: في شِعْرِهِمْ، بِأنْ كانَ غالِبُهُ في تَوْحِيدِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ والحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ والآدابِ الحَسَنَةِ: ﴿وانْتَصَرُوا﴾ أيْ: بِشِعْرِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ بِأنْ هَجَوْهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ أيْ: فَكانَ هِجاؤُهم عَلى سَبِيلِ (p-٤٦٥٣)الِانْتِصارِ مِمَّنْ يَهْجُوهُمْ، جَزاءً وِفاقًا. قالَ اللَّهُ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وقالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِحَسّانَ: «اهْجُهُمْ، أوْ قالَ هاجِهِمْ، وجِبْرِيلُ مَعَكَ»» ويَرْوِي الإمامُ أحْمَدُ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ «أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أنْزَلَ في الشِّعْرِ ما قَدْ عَلِمْتَ، وكَيْفَ تَرى فِيهِ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنَ يُجاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسانِهِ. والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَكَأنَّ ما تَرْمُونَهم بِهِ نَضَحُ النَّبْلِ»» .
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ في (الإكْلِيلِ): في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] الآيَةَ، ذَمُّ الشِّعْرِ، والمُبالَغَةُ في المَدْحِ والهَجْوِ وغَيْرِهِما مِن فُنُونِهِ، وجَوازُهُ في الزُّهْدِ والأدَبِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ وجَوازُ الهَجْوِ لِمَن ظُلِمَ، انْتِصارًا. انْتَهى.
وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، أنَّ رَجُلًا مِنَ العَلَوِيَّةِ قالَ لَهُ: إنَّ صَدْرِي لَيَجِيشُ بِالشِّعْرِ. فَقالَ: فَما يَمْنَعُكَ مِنهُ فِيما لا بَأْسَ بِهِ؟ والقَوْلُ فِيهِ: أنَّ الشِّعْرَ بابٌ مِنَ الكَلامِ، مُحْسِنُهُ كَحُسْنِ الكَلامِ وقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الكَلامِ.
الثّانِي: ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] جاءَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْكُونَ. قالُوا: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ حِينَ أنْزَلَ (p-٤٦٥٤)هَذِهِ الآيَةَ أنّا شُعَراءُ. فَتَلا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: أنْتُمْ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَكِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ في شُعَراءِ الأنْصارِ؟ وفي ذَلِكَ نَظَرٌ. ولَمْ يُرْوَ فِيهِ إلّا مُرْسَلاتٌ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ. ولَكِنَّ الِاسْتِثْناءَ دَخَلَ فِيهِ شُعَراءُ الأنْصارِ وغَيْرُهُمْ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ مَن كانَ مُتَلَبِّسًا مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ بِذَمِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ، ثُمَّ تابَ وأنابَ ورَجَعَ وأقْلَعَ، وعَمِلَ صالِحًا، وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، في مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ السَّيِّئِ. فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ. وامْتَدَحَ الإسْلامُ وأهْلَهُ في مُقابَلَةِ ما كانَ يَذُمُّهُ. كَما قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى، لَمّا أسْلَمَ:
؎يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ، إذْ أنا بُورُ
؎إذْ أُجارِي الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
وكَذَلِكَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، كانَ مِن أشَدِّ النّاسِ عَداوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهو ابْنُ عَمِّهِ وأكْثَرُهم لَهُ هَجْوًا. فَلَمّا أسْلَمَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وكانَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ووَعِيدٌ أكِيدٌ، لِما في "سَيَعْلَمُ" مِن تَهْوِيلِ مُتَعَلِّقِهِ. وفي "الَّذِينَ ظَلَمُوا" مِن إطْلاقِهِ وتَعْمِيمِهِ. وفي "أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" مِن إبْهامِهِ وتَهْوِيلِهِ. كَأنَّهُ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ، وقَدْ رَأوْا ما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى.
النمل 27:1
(p-٤٦٥٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّمْلِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها، لِاشْتِمالِها عَلى مَقالَتِها، الدّالَّةِ عَلى عِلْمِ الحَيَوانِ بِنَزاهَةِ الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ، عَنِ ارْتِكابِ المَكارِهِ عَمْدًا، وهو مِمّا يُوجِبُ الثِّقَةَ بِهِمْ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهي مَكِّيَّةٌ وآياتُها ثَلاثٌ وتِسْعُونَ.
(p-٤٦٥٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ الإشارَةُ إلى نَفْسِ السُّورَةِ. والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ الكُلِّ أوْ عَنِ الجَمِيعِ المُنَزَّلِ. أيْ: تِلْكَ السُّورَةُ آياتُ القُرْآنِ الَّذِي عُرِفَ بِعُلُوِّ الشَّأْنِ. وآياتُ كِتابٍ عَظِيمِ المِقْدارِ، مُبَيِّنٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والِاعْتِبارِ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] أيْ: هو هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، وبُشْرى بِرَحْمَةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ، لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأيْقَنَ بِالآخِرَةِ، والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ خَيْرِها وشَرِّها.
لَطِيفَةٌ:
تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ الحَصْرِ والِاخْتِصاصِ عَلى ما في (الكَشّافِ).
ولِصاحِبِ (الِانْتِصافِ) وجْهٌ آخَرُ قالَ: لَمّا كانَ أصْلُ الكَلامِ، وهم يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى عامِلِهِ، عِنايَةً بِهِ، فَوَقَعَ فاصِلًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، فَأُرِيدَ أنْ يَلِيَ المُبْتَدَأ خَبَرُهُ، وقَدْ حالَ المَجْرُورُ بَيْنَهُما، فَطَرّى ذِكْرَهُ لِيَلِيَهُ الخَبَرُ، ولَمْ يَفُتْ مَقْصُودُ العِنايَةِ بِالمَجْرُورِ حَيْثُ بَقِيَ عَلى حالِهِ مُقَدَّمًا: ولا يُسْتَنْكَرُ أنْ تُعادَ الكَلِمَةُ مَفْصُولَةً لَهُ وحْدَها، بَعْدَ ما يُوجِبُ التَّطْرِيَةَ. فَأقْرَبُ مِنها أنَّ الشّاعِرَ قالَ:
؎سَلْ ذُو وعَجِّلْ ذا وألْحِقْنا بِذا الشَّحْمِ، إنّا قَدْ مَلَلْناهُ بِخَلِّ
(p-٤٦٥٧)والأصْلُ (وألْحَقْنا بِذا الشَّحْمِ) فَوَقَعَ مُنْتَصَفَ الرَّجَزِ أوْ مُنْتَهاهُ (عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَشْطُورَ الرَّجَزِ بَيْتُ كامِلٍ) عِنْدَ اللّامِ. وبَنى الشّاعِرُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ، عِنْدَ المُنْتَصَفِ أوِ المُنْتَهى، مِن وقِيفَةٍ ما. فَقَدَّرَ بِتِلْكَ الوَقْفَةِ بُعْدًا بَيْنَ المُعَرَّفِ وآلَةِ التَّعْرِيفِ. فَطَرّاها ثانِيَةً. فَهَذِهِ التَّطْرِيَةُ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلى أنْ يَحُولَ بَيْنَ الأوَّلِ وبَيْنَ المُكَرَّرِ ولا كَلِمَةَ واحِدَةً، سِوى تَقْدِيرِهِ وقْفَةً لَطِيفَةً لا غَيْرَ.
ثُمَّ قالَ: فَتَأمَّلْ هَذا الفَصْلَ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِالتَّأمُّلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ تَأثَّرَ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكَفَرَةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
النمل 27:2
(p-٤٦٥٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّمْلِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها، لِاشْتِمالِها عَلى مَقالَتِها، الدّالَّةِ عَلى عِلْمِ الحَيَوانِ بِنَزاهَةِ الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ، عَنِ ارْتِكابِ المَكارِهِ عَمْدًا، وهو مِمّا يُوجِبُ الثِّقَةَ بِهِمْ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهي مَكِّيَّةٌ وآياتُها ثَلاثٌ وتِسْعُونَ.
(p-٤٦٥٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ الإشارَةُ إلى نَفْسِ السُّورَةِ. والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ الكُلِّ أوْ عَنِ الجَمِيعِ المُنَزَّلِ. أيْ: تِلْكَ السُّورَةُ آياتُ القُرْآنِ الَّذِي عُرِفَ بِعُلُوِّ الشَّأْنِ. وآياتُ كِتابٍ عَظِيمِ المِقْدارِ، مُبَيِّنٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والِاعْتِبارِ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] أيْ: هو هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، وبُشْرى بِرَحْمَةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ، لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأيْقَنَ بِالآخِرَةِ، والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ خَيْرِها وشَرِّها.
لَطِيفَةٌ:
تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ الحَصْرِ والِاخْتِصاصِ عَلى ما في (الكَشّافِ).
ولِصاحِبِ (الِانْتِصافِ) وجْهٌ آخَرُ قالَ: لَمّا كانَ أصْلُ الكَلامِ، وهم يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى عامِلِهِ، عِنايَةً بِهِ، فَوَقَعَ فاصِلًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، فَأُرِيدَ أنْ يَلِيَ المُبْتَدَأ خَبَرُهُ، وقَدْ حالَ المَجْرُورُ بَيْنَهُما، فَطَرّى ذِكْرَهُ لِيَلِيَهُ الخَبَرُ، ولَمْ يَفُتْ مَقْصُودُ العِنايَةِ بِالمَجْرُورِ حَيْثُ بَقِيَ عَلى حالِهِ مُقَدَّمًا: ولا يُسْتَنْكَرُ أنْ تُعادَ الكَلِمَةُ مَفْصُولَةً لَهُ وحْدَها، بَعْدَ ما يُوجِبُ التَّطْرِيَةَ. فَأقْرَبُ مِنها أنَّ الشّاعِرَ قالَ:
؎سَلْ ذُو وعَجِّلْ ذا وألْحِقْنا بِذا الشَّحْمِ، إنّا قَدْ مَلَلْناهُ بِخَلِّ
(p-٤٦٥٧)والأصْلُ (وألْحَقْنا بِذا الشَّحْمِ) فَوَقَعَ مُنْتَصَفَ الرَّجَزِ أوْ مُنْتَهاهُ (عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَشْطُورَ الرَّجَزِ بَيْتُ كامِلٍ) عِنْدَ اللّامِ. وبَنى الشّاعِرُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ، عِنْدَ المُنْتَصَفِ أوِ المُنْتَهى، مِن وقِيفَةٍ ما. فَقَدَّرَ بِتِلْكَ الوَقْفَةِ بُعْدًا بَيْنَ المُعَرَّفِ وآلَةِ التَّعْرِيفِ. فَطَرّاها ثانِيَةً. فَهَذِهِ التَّطْرِيَةُ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلى أنْ يَحُولَ بَيْنَ الأوَّلِ وبَيْنَ المُكَرَّرِ ولا كَلِمَةَ واحِدَةً، سِوى تَقْدِيرِهِ وقْفَةً لَطِيفَةً لا غَيْرَ.
ثُمَّ قالَ: فَتَأمَّلْ هَذا الفَصْلَ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِالتَّأمُّلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ تَأثَّرَ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكَفَرَةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
النمل 27:3
(p-٤٦٥٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّمْلِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها، لِاشْتِمالِها عَلى مَقالَتِها، الدّالَّةِ عَلى عِلْمِ الحَيَوانِ بِنَزاهَةِ الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ، عَنِ ارْتِكابِ المَكارِهِ عَمْدًا، وهو مِمّا يُوجِبُ الثِّقَةَ بِهِمْ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهي مَكِّيَّةٌ وآياتُها ثَلاثٌ وتِسْعُونَ.
(p-٤٦٥٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ الإشارَةُ إلى نَفْسِ السُّورَةِ. والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ الكُلِّ أوْ عَنِ الجَمِيعِ المُنَزَّلِ. أيْ: تِلْكَ السُّورَةُ آياتُ القُرْآنِ الَّذِي عُرِفَ بِعُلُوِّ الشَّأْنِ. وآياتُ كِتابٍ عَظِيمِ المِقْدارِ، مُبَيِّنٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والِاعْتِبارِ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] أيْ: هو هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، وبُشْرى بِرَحْمَةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ، لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأيْقَنَ بِالآخِرَةِ، والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ خَيْرِها وشَرِّها.
لَطِيفَةٌ:
تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ الحَصْرِ والِاخْتِصاصِ عَلى ما في (الكَشّافِ).
ولِصاحِبِ (الِانْتِصافِ) وجْهٌ آخَرُ قالَ: لَمّا كانَ أصْلُ الكَلامِ، وهم يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى عامِلِهِ، عِنايَةً بِهِ، فَوَقَعَ فاصِلًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، فَأُرِيدَ أنْ يَلِيَ المُبْتَدَأ خَبَرُهُ، وقَدْ حالَ المَجْرُورُ بَيْنَهُما، فَطَرّى ذِكْرَهُ لِيَلِيَهُ الخَبَرُ، ولَمْ يَفُتْ مَقْصُودُ العِنايَةِ بِالمَجْرُورِ حَيْثُ بَقِيَ عَلى حالِهِ مُقَدَّمًا: ولا يُسْتَنْكَرُ أنْ تُعادَ الكَلِمَةُ مَفْصُولَةً لَهُ وحْدَها، بَعْدَ ما يُوجِبُ التَّطْرِيَةَ. فَأقْرَبُ مِنها أنَّ الشّاعِرَ قالَ:
؎سَلْ ذُو وعَجِّلْ ذا وألْحِقْنا بِذا الشَّحْمِ، إنّا قَدْ مَلَلْناهُ بِخَلِّ
(p-٤٦٥٧)والأصْلُ (وألْحَقْنا بِذا الشَّحْمِ) فَوَقَعَ مُنْتَصَفَ الرَّجَزِ أوْ مُنْتَهاهُ (عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَشْطُورَ الرَّجَزِ بَيْتُ كامِلٍ) عِنْدَ اللّامِ. وبَنى الشّاعِرُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ، عِنْدَ المُنْتَصَفِ أوِ المُنْتَهى، مِن وقِيفَةٍ ما. فَقَدَّرَ بِتِلْكَ الوَقْفَةِ بُعْدًا بَيْنَ المُعَرَّفِ وآلَةِ التَّعْرِيفِ. فَطَرّاها ثانِيَةً. فَهَذِهِ التَّطْرِيَةُ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلى أنْ يَحُولَ بَيْنَ الأوَّلِ وبَيْنَ المُكَرَّرِ ولا كَلِمَةَ واحِدَةً، سِوى تَقْدِيرِهِ وقْفَةً لَطِيفَةً لا غَيْرَ.
ثُمَّ قالَ: فَتَأمَّلْ هَذا الفَصْلَ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِالتَّأمُّلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ تَأثَّرَ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكَفَرَةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
النمل 27:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: مَدَدْنا لَهم في غَيِّهِمْ، فَهم يَتِيهُونَ في ضَلالِهِمْ. وكانَ هَذا جَزاءً عَلى ما كَذَّبُوهُ بِهِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] أيْ: أشَدُّ النّاسِ (p-٤٦٥٨)خُسْرانًا لِلنَّجاةِ وثَوابِ اللَّهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] أيْ: لَتُؤْتاهُ وتُلَقَّنَهُ مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، عَلِيمٍ بِالأُمُورِ جَلِيِّها وخَفِيِّها. فَخَبَرُهُ هو الصِّدْقُ المَحْضُ والحِكْمَةُ البالِغَةُ، كَما قالَ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ، سِيقَتْ بَعْدَ بَيانِ بَعْضِ شُؤُونِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأنْباءِ الجَلِيلَةِ. وقَدْ بَدَأ مِنها بِما كانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واصْطِفائِهِ وإيتائِهِ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ما أذَلَّ مُعانِدِيهِ، وجَعَلَهم مَثَلَ السَّوْءِ. فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ﴾ [النمل: ٧] أيْ: حِينَ قَفَلَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ، وأضَلَّ الطَّرِيقَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] أيْ: رَأيْتُها: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] أيْ: تَتَدَفَّئُونَ بِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] أيْ: بُورِكَ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها. ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها. وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها)، وعَنْهُ: بُورِكَتِ النّارُ. والَّذِي بُورِكَتْ لَهُ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها، حُدُوثُ أمْرٍ دِينِيٍّ فِيها، وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى، واسْتِنْباؤُهُ لَهُ، وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ. ورُبَّ خَيْرٍ يَتَجَدَّدُ في بَعْضِ البِقاعِ، فَيَنْشُرُ اللَّهُ بَرَكَةَ ذَلِكَ الخَيْرِ في أقاصِيها ويَبُثُّ آثارَ يُمْنِهِ في أباعِدِها. فَكَيْفَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي جَرى فَـ تِلْكَ البُقْعَةُ المُبارَكَةُ؟ كَذا في (الكَشّافِ).
وقالَ السَّمِينُ: (بارَكَ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ. فَلِذَلِكَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ: بارَكَكَ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْكَ، وبارَكَ فِيكَ وبارَكَ لَكَ. والمُرادُ بِـ(مَن) إمّا البارِي تَعالى وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النّارِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ مُوسى والمَلائِكَةُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] وقِيلَ المُرادُ بِـ(مَن) غَيْرُ العُقَلاءِ. وهو النُّورُ والأمْكِنَةُ الَّتِي حَوْلَها. انْتَهى.
ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن كانَ في تِلْكَ الأرْضِ وفي ذَلِكَ الوادِي (p-٤٦٥٩)وحَوالَيْهِما مِن أرْضِ الشّامِ. قالَ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ بِالبَرَكاتِ مَوْسُومَةً في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحَقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى ابْتِداءِ خِطابِ اللَّهِ مُوسى بِذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِهِ، هي بِشارَةٌ لَهُ بِأنَّهُ قَدْ مَضى أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ. انْتَهى.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى، وتَكْرِمَةٌ لَهُ. كَما حَيّا إبْراهِيمَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: "رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ".
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَكُنْ تِلْكَ النّارُ نارًا، وإنَّما كانَتْ نُورًا يَتَوَهَّجُ. وعَنْهُ: هي نُورُ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ. يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ اللَّيْلِ. حِجابُهُ النُّورُ أوِ النّارُ. لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ» ثُمَّ قَرَأ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨]»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأصْلُ الحَدِيثِ مُخَرَّجٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨] أيِ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِن مَصْنُوعاتِهِ، وهو العَلِيُّ العَظِيمُ المُبايِنُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، ولا يَكْتَنِفُهُ الأرْضُ والسَّماواتُ، بَلْ هو الأحَدُ الصَّمَدُ المُنَزَّهُ عَنْ مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وقَدْ أفادَ أنَّ المَقامَ اقْتَضى التَّنْزِيهَ، دَفْعًا لِإيهامِ ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّشْبِيهِ. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أعْلَمَهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي يُكَلِّمُهُ ويُناجِيهِ، لا مَلَكٌ ولا خَلْقٌ آخَرُ، بَلْ ذاتُهُ العَلِيَّةُ المُسْتَحِقَّةُ لِلْأُلُوهِيَّةِ والنُّعُوتِ القُدْسِيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النمل 27:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: مَدَدْنا لَهم في غَيِّهِمْ، فَهم يَتِيهُونَ في ضَلالِهِمْ. وكانَ هَذا جَزاءً عَلى ما كَذَّبُوهُ بِهِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] أيْ: أشَدُّ النّاسِ (p-٤٦٥٨)خُسْرانًا لِلنَّجاةِ وثَوابِ اللَّهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] أيْ: لَتُؤْتاهُ وتُلَقَّنَهُ مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، عَلِيمٍ بِالأُمُورِ جَلِيِّها وخَفِيِّها. فَخَبَرُهُ هو الصِّدْقُ المَحْضُ والحِكْمَةُ البالِغَةُ، كَما قالَ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ، سِيقَتْ بَعْدَ بَيانِ بَعْضِ شُؤُونِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأنْباءِ الجَلِيلَةِ. وقَدْ بَدَأ مِنها بِما كانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واصْطِفائِهِ وإيتائِهِ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ما أذَلَّ مُعانِدِيهِ، وجَعَلَهم مَثَلَ السَّوْءِ. فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ﴾ [النمل: ٧] أيْ: حِينَ قَفَلَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ، وأضَلَّ الطَّرِيقَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] أيْ: رَأيْتُها: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] أيْ: تَتَدَفَّئُونَ بِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] أيْ: بُورِكَ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها. ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها. وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها)، وعَنْهُ: بُورِكَتِ النّارُ. والَّذِي بُورِكَتْ لَهُ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها، حُدُوثُ أمْرٍ دِينِيٍّ فِيها، وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى، واسْتِنْباؤُهُ لَهُ، وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ. ورُبَّ خَيْرٍ يَتَجَدَّدُ في بَعْضِ البِقاعِ، فَيَنْشُرُ اللَّهُ بَرَكَةَ ذَلِكَ الخَيْرِ في أقاصِيها ويَبُثُّ آثارَ يُمْنِهِ في أباعِدِها. فَكَيْفَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي جَرى فَـ تِلْكَ البُقْعَةُ المُبارَكَةُ؟ كَذا في (الكَشّافِ).
وقالَ السَّمِينُ: (بارَكَ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ. فَلِذَلِكَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ: بارَكَكَ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْكَ، وبارَكَ فِيكَ وبارَكَ لَكَ. والمُرادُ بِـ(مَن) إمّا البارِي تَعالى وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النّارِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ مُوسى والمَلائِكَةُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] وقِيلَ المُرادُ بِـ(مَن) غَيْرُ العُقَلاءِ. وهو النُّورُ والأمْكِنَةُ الَّتِي حَوْلَها. انْتَهى.
ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن كانَ في تِلْكَ الأرْضِ وفي ذَلِكَ الوادِي (p-٤٦٥٩)وحَوالَيْهِما مِن أرْضِ الشّامِ. قالَ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ بِالبَرَكاتِ مَوْسُومَةً في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحَقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى ابْتِداءِ خِطابِ اللَّهِ مُوسى بِذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِهِ، هي بِشارَةٌ لَهُ بِأنَّهُ قَدْ مَضى أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ. انْتَهى.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى، وتَكْرِمَةٌ لَهُ. كَما حَيّا إبْراهِيمَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: "رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ".
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَكُنْ تِلْكَ النّارُ نارًا، وإنَّما كانَتْ نُورًا يَتَوَهَّجُ. وعَنْهُ: هي نُورُ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ. يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ اللَّيْلِ. حِجابُهُ النُّورُ أوِ النّارُ. لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ» ثُمَّ قَرَأ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨]»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأصْلُ الحَدِيثِ مُخَرَّجٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨] أيِ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِن مَصْنُوعاتِهِ، وهو العَلِيُّ العَظِيمُ المُبايِنُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، ولا يَكْتَنِفُهُ الأرْضُ والسَّماواتُ، بَلْ هو الأحَدُ الصَّمَدُ المُنَزَّهُ عَنْ مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وقَدْ أفادَ أنَّ المَقامَ اقْتَضى التَّنْزِيهَ، دَفْعًا لِإيهامِ ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّشْبِيهِ. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أعْلَمَهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي يُكَلِّمُهُ ويُناجِيهِ، لا مَلَكٌ ولا خَلْقٌ آخَرُ، بَلْ ذاتُهُ العَلِيَّةُ المُسْتَحِقَّةُ لِلْأُلُوهِيَّةِ والنُّعُوتِ القُدْسِيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النمل 27:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: مَدَدْنا لَهم في غَيِّهِمْ، فَهم يَتِيهُونَ في ضَلالِهِمْ. وكانَ هَذا جَزاءً عَلى ما كَذَّبُوهُ بِهِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] أيْ: أشَدُّ النّاسِ (p-٤٦٥٨)خُسْرانًا لِلنَّجاةِ وثَوابِ اللَّهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] أيْ: لَتُؤْتاهُ وتُلَقَّنَهُ مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، عَلِيمٍ بِالأُمُورِ جَلِيِّها وخَفِيِّها. فَخَبَرُهُ هو الصِّدْقُ المَحْضُ والحِكْمَةُ البالِغَةُ، كَما قالَ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ، سِيقَتْ بَعْدَ بَيانِ بَعْضِ شُؤُونِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأنْباءِ الجَلِيلَةِ. وقَدْ بَدَأ مِنها بِما كانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واصْطِفائِهِ وإيتائِهِ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ما أذَلَّ مُعانِدِيهِ، وجَعَلَهم مَثَلَ السَّوْءِ. فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ﴾ [النمل: ٧] أيْ: حِينَ قَفَلَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ، وأضَلَّ الطَّرِيقَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] أيْ: رَأيْتُها: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] أيْ: تَتَدَفَّئُونَ بِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] أيْ: بُورِكَ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها. ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها. وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها)، وعَنْهُ: بُورِكَتِ النّارُ. والَّذِي بُورِكَتْ لَهُ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها، حُدُوثُ أمْرٍ دِينِيٍّ فِيها، وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى، واسْتِنْباؤُهُ لَهُ، وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ. ورُبَّ خَيْرٍ يَتَجَدَّدُ في بَعْضِ البِقاعِ، فَيَنْشُرُ اللَّهُ بَرَكَةَ ذَلِكَ الخَيْرِ في أقاصِيها ويَبُثُّ آثارَ يُمْنِهِ في أباعِدِها. فَكَيْفَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي جَرى فَـ تِلْكَ البُقْعَةُ المُبارَكَةُ؟ كَذا في (الكَشّافِ).
وقالَ السَّمِينُ: (بارَكَ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ. فَلِذَلِكَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ: بارَكَكَ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْكَ، وبارَكَ فِيكَ وبارَكَ لَكَ. والمُرادُ بِـ(مَن) إمّا البارِي تَعالى وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النّارِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ مُوسى والمَلائِكَةُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] وقِيلَ المُرادُ بِـ(مَن) غَيْرُ العُقَلاءِ. وهو النُّورُ والأمْكِنَةُ الَّتِي حَوْلَها. انْتَهى.
ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن كانَ في تِلْكَ الأرْضِ وفي ذَلِكَ الوادِي (p-٤٦٥٩)وحَوالَيْهِما مِن أرْضِ الشّامِ. قالَ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ بِالبَرَكاتِ مَوْسُومَةً في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحَقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى ابْتِداءِ خِطابِ اللَّهِ مُوسى بِذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِهِ، هي بِشارَةٌ لَهُ بِأنَّهُ قَدْ مَضى أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ. انْتَهى.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى، وتَكْرِمَةٌ لَهُ. كَما حَيّا إبْراهِيمَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: "رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ".
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَكُنْ تِلْكَ النّارُ نارًا، وإنَّما كانَتْ نُورًا يَتَوَهَّجُ. وعَنْهُ: هي نُورُ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ. يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ اللَّيْلِ. حِجابُهُ النُّورُ أوِ النّارُ. لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ» ثُمَّ قَرَأ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨]»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأصْلُ الحَدِيثِ مُخَرَّجٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨] أيِ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِن مَصْنُوعاتِهِ، وهو العَلِيُّ العَظِيمُ المُبايِنُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، ولا يَكْتَنِفُهُ الأرْضُ والسَّماواتُ، بَلْ هو الأحَدُ الصَّمَدُ المُنَزَّهُ عَنْ مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وقَدْ أفادَ أنَّ المَقامَ اقْتَضى التَّنْزِيهَ، دَفْعًا لِإيهامِ ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّشْبِيهِ. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أعْلَمَهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي يُكَلِّمُهُ ويُناجِيهِ، لا مَلَكٌ ولا خَلْقٌ آخَرُ، بَلْ ذاتُهُ العَلِيَّةُ المُسْتَحِقَّةُ لِلْأُلُوهِيَّةِ والنُّعُوتِ القُدْسِيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النمل 27:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: مَدَدْنا لَهم في غَيِّهِمْ، فَهم يَتِيهُونَ في ضَلالِهِمْ. وكانَ هَذا جَزاءً عَلى ما كَذَّبُوهُ بِهِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] أيْ: أشَدُّ النّاسِ (p-٤٦٥٨)خُسْرانًا لِلنَّجاةِ وثَوابِ اللَّهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] أيْ: لَتُؤْتاهُ وتُلَقَّنَهُ مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، عَلِيمٍ بِالأُمُورِ جَلِيِّها وخَفِيِّها. فَخَبَرُهُ هو الصِّدْقُ المَحْضُ والحِكْمَةُ البالِغَةُ، كَما قالَ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ، سِيقَتْ بَعْدَ بَيانِ بَعْضِ شُؤُونِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأنْباءِ الجَلِيلَةِ. وقَدْ بَدَأ مِنها بِما كانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واصْطِفائِهِ وإيتائِهِ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ما أذَلَّ مُعانِدِيهِ، وجَعَلَهم مَثَلَ السَّوْءِ. فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ﴾ [النمل: ٧] أيْ: حِينَ قَفَلَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ، وأضَلَّ الطَّرِيقَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] أيْ: رَأيْتُها: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] أيْ: تَتَدَفَّئُونَ بِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] أيْ: بُورِكَ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها. ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها. وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها)، وعَنْهُ: بُورِكَتِ النّارُ. والَّذِي بُورِكَتْ لَهُ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها، حُدُوثُ أمْرٍ دِينِيٍّ فِيها، وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى، واسْتِنْباؤُهُ لَهُ، وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ. ورُبَّ خَيْرٍ يَتَجَدَّدُ في بَعْضِ البِقاعِ، فَيَنْشُرُ اللَّهُ بَرَكَةَ ذَلِكَ الخَيْرِ في أقاصِيها ويَبُثُّ آثارَ يُمْنِهِ في أباعِدِها. فَكَيْفَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي جَرى فَـ تِلْكَ البُقْعَةُ المُبارَكَةُ؟ كَذا في (الكَشّافِ).
وقالَ السَّمِينُ: (بارَكَ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ. فَلِذَلِكَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ: بارَكَكَ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْكَ، وبارَكَ فِيكَ وبارَكَ لَكَ. والمُرادُ بِـ(مَن) إمّا البارِي تَعالى وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النّارِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ مُوسى والمَلائِكَةُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] وقِيلَ المُرادُ بِـ(مَن) غَيْرُ العُقَلاءِ. وهو النُّورُ والأمْكِنَةُ الَّتِي حَوْلَها. انْتَهى.
ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن كانَ في تِلْكَ الأرْضِ وفي ذَلِكَ الوادِي (p-٤٦٥٩)وحَوالَيْهِما مِن أرْضِ الشّامِ. قالَ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ بِالبَرَكاتِ مَوْسُومَةً في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحَقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى ابْتِداءِ خِطابِ اللَّهِ مُوسى بِذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِهِ، هي بِشارَةٌ لَهُ بِأنَّهُ قَدْ مَضى أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ. انْتَهى.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى، وتَكْرِمَةٌ لَهُ. كَما حَيّا إبْراهِيمَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: "رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ".
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَكُنْ تِلْكَ النّارُ نارًا، وإنَّما كانَتْ نُورًا يَتَوَهَّجُ. وعَنْهُ: هي نُورُ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ. يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ اللَّيْلِ. حِجابُهُ النُّورُ أوِ النّارُ. لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ» ثُمَّ قَرَأ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨]»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأصْلُ الحَدِيثِ مُخَرَّجٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨] أيِ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِن مَصْنُوعاتِهِ، وهو العَلِيُّ العَظِيمُ المُبايِنُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، ولا يَكْتَنِفُهُ الأرْضُ والسَّماواتُ، بَلْ هو الأحَدُ الصَّمَدُ المُنَزَّهُ عَنْ مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وقَدْ أفادَ أنَّ المَقامَ اقْتَضى التَّنْزِيهَ، دَفْعًا لِإيهامِ ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّشْبِيهِ. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أعْلَمَهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي يُكَلِّمُهُ ويُناجِيهِ، لا مَلَكٌ ولا خَلْقٌ آخَرُ، بَلْ ذاتُهُ العَلِيَّةُ المُسْتَحِقَّةُ لِلْأُلُوهِيَّةِ والنُّعُوتِ القُدْسِيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النمل 27:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: مَدَدْنا لَهم في غَيِّهِمْ، فَهم يَتِيهُونَ في ضَلالِهِمْ. وكانَ هَذا جَزاءً عَلى ما كَذَّبُوهُ بِهِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] أيْ: أشَدُّ النّاسِ (p-٤٦٥٨)خُسْرانًا لِلنَّجاةِ وثَوابِ اللَّهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] أيْ: لَتُؤْتاهُ وتُلَقَّنَهُ مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، عَلِيمٍ بِالأُمُورِ جَلِيِّها وخَفِيِّها. فَخَبَرُهُ هو الصِّدْقُ المَحْضُ والحِكْمَةُ البالِغَةُ، كَما قالَ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ، سِيقَتْ بَعْدَ بَيانِ بَعْضِ شُؤُونِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأنْباءِ الجَلِيلَةِ. وقَدْ بَدَأ مِنها بِما كانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واصْطِفائِهِ وإيتائِهِ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ما أذَلَّ مُعانِدِيهِ، وجَعَلَهم مَثَلَ السَّوْءِ. فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ﴾ [النمل: ٧] أيْ: حِينَ قَفَلَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ، وأضَلَّ الطَّرِيقَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] أيْ: رَأيْتُها: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] أيْ: تَتَدَفَّئُونَ بِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] أيْ: بُورِكَ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها. ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها. وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها)، وعَنْهُ: بُورِكَتِ النّارُ. والَّذِي بُورِكَتْ لَهُ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها، حُدُوثُ أمْرٍ دِينِيٍّ فِيها، وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى، واسْتِنْباؤُهُ لَهُ، وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ. ورُبَّ خَيْرٍ يَتَجَدَّدُ في بَعْضِ البِقاعِ، فَيَنْشُرُ اللَّهُ بَرَكَةَ ذَلِكَ الخَيْرِ في أقاصِيها ويَبُثُّ آثارَ يُمْنِهِ في أباعِدِها. فَكَيْفَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي جَرى فَـ تِلْكَ البُقْعَةُ المُبارَكَةُ؟ كَذا في (الكَشّافِ).
وقالَ السَّمِينُ: (بارَكَ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ. فَلِذَلِكَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ: بارَكَكَ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْكَ، وبارَكَ فِيكَ وبارَكَ لَكَ. والمُرادُ بِـ(مَن) إمّا البارِي تَعالى وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النّارِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ مُوسى والمَلائِكَةُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] وقِيلَ المُرادُ بِـ(مَن) غَيْرُ العُقَلاءِ. وهو النُّورُ والأمْكِنَةُ الَّتِي حَوْلَها. انْتَهى.
ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن كانَ في تِلْكَ الأرْضِ وفي ذَلِكَ الوادِي (p-٤٦٥٩)وحَوالَيْهِما مِن أرْضِ الشّامِ. قالَ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ بِالبَرَكاتِ مَوْسُومَةً في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحَقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى ابْتِداءِ خِطابِ اللَّهِ مُوسى بِذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِهِ، هي بِشارَةٌ لَهُ بِأنَّهُ قَدْ مَضى أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ. انْتَهى.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى، وتَكْرِمَةٌ لَهُ. كَما حَيّا إبْراهِيمَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: "رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ".
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَكُنْ تِلْكَ النّارُ نارًا، وإنَّما كانَتْ نُورًا يَتَوَهَّجُ. وعَنْهُ: هي نُورُ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ. يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ اللَّيْلِ. حِجابُهُ النُّورُ أوِ النّارُ. لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ» ثُمَّ قَرَأ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨]»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأصْلُ الحَدِيثِ مُخَرَّجٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٨] أيِ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِن مَصْنُوعاتِهِ، وهو العَلِيُّ العَظِيمُ المُبايِنُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، ولا يَكْتَنِفُهُ الأرْضُ والسَّماواتُ، بَلْ هو الأحَدُ الصَّمَدُ المُنَزَّهُ عَنْ مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وقَدْ أفادَ أنَّ المَقامَ اقْتَضى التَّنْزِيهَ، دَفْعًا لِإيهامِ ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّشْبِيهِ. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أعْلَمَهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي يُكَلِّمُهُ ويُناجِيهِ، لا مَلَكٌ ولا خَلْقٌ آخَرُ، بَلْ ذاتُهُ العَلِيَّةُ المُسْتَحِقَّةُ لِلْأُلُوهِيَّةِ والنُّعُوتِ القُدْسِيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النمل 27:9
(p-٤٦٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢]
﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفي إيثارِ هَذِهِ الأسْماءِ الجَلِيلَةِ سِرٌّ بَدِيعٌ. وهو الإشارَةُ الجُمْلِيَّةُ إلى رُوحِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: أنا اللَّهُ لا تِلْكَ المَعْبُوداتُ الَّتِي عَكَفَ عَلَيْها قَوْمُ فِرْعَوْنَ، العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ لِكُلِّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ، الحَكِيمُ في البَعْثَةِ والإرْسالِ، والتَّفَضُّلِ والإفْضالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ مِن يَدِهِ لِيُرِيَهُ دَلِيلًا واضِحًا عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] هو ضَرْبٌ مِنَ الحَيّاتِ، أسْرَعُهُ حَرَكَةً وأكْثَرُهُ اضْطِرابًا: ﴿ولّى﴾ [النمل: ١٠] أيْ: مِنَ الخَوْفِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠] أيْ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] أيْ: لِحِفْظِي لَهم وعِنايَتِي بِهِمْ وعِصْمَتِي إيّاهم مِمّا يُؤْذِيهِمْ. وفِيهِ تَبْشِيرٌ لَهُ بِاصْطِفائِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ. وتَشْجِيعٌ لَهُ بِنَزْعِ الخَوْفِ. إذْ لا يَتَمَكَّنُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ، ما لَمْ يَزَلْ خَوْفُهُ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. اسْتُدْرِكَ بِهِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في الخُلْدِ مِن نَفْيِ الخَوْفِ عَنْ كُلِّهِمْ. مَعَ أنَّ مِنهم مَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما، مِمّا يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنَّهم وإنْ صَدَرَ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ فَعَلُوا عَقِيبَهُ ما يُبْطِلُهُ، ويَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَغْفِرَةً ورَحْمَةً. وقَدْ قَصَدَ بِهِ التَّعْرِيضَ بِما وقَعَ مِن (p-٤٦٦١)مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مِن وكْزِهِ القِبْطِيِّ والِاسْتِغْفارِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ. وسَبَقَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: يُوشِكُ أنْ يَقْصِدَ بِهَذا، التَّعْرِيضَ بِما وجَدَ مِن مُوسى. وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ الَّتِي يَلْطُفُ مَأْخَذُها، وسَمّاهُ ظُلْمًا كَما قالَ مُوسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى آيَةٍ خارِقَةٍ غَيْرِ العَصا، آتاهُ إيّاها، بِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: آفَةٍ كَبَرَصٍ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: غَيْرِها تُؤْتاها، إذا جَحَدَ فِرْعَوْنُ رِسالَتَكَ. وهي ضَرْبُ ماءِ النَّهْرِ بِالعَصا فَيَنْقَلِبُ دَمًا. وإصْعادُ الضَّفادِعِ عَلى أرْضِ مِصْرَ. وضَرْبُ التُّرابِ فَتَمْتَلِئُ الأرْضُ قُمَّلًا. وإرْسالُ الجَرادِ عَلَيْهِمْ. والوَباءُ الشَّدِيدُ. وإصابَةُ أجْسادِهِمْ بِالقُرُوحِ والدَّمامِلِ والبُثُورِ. وإهْلاكُ حَصادِهِمْ بِالبَرْدِ الشَّدِيدِ. وتَغْشِيَتُهم بِظَلامٍ كَثِيفٍ، عَلى ما رُوِيَ، وفِي: "تِسْعٍ" أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّها حالٌ ثالِثَةٌ. أيْ: تَخْرُجُ آيَةٌ في تِسْعِ آياتٍ. والثّانِي أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ: اذْهَبْ في تِسْعٍ. والثّالِثُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ. و(فِي) بِمَعْنى: (مَعَ): ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: مُرْسَلًا بِها إلى فِرْعَوْنَ: ﴿وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ، في الكُفْرِ والعُدْوانِ. وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْإرْسالِ.
النمل 27:10
(p-٤٦٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢]
﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفي إيثارِ هَذِهِ الأسْماءِ الجَلِيلَةِ سِرٌّ بَدِيعٌ. وهو الإشارَةُ الجُمْلِيَّةُ إلى رُوحِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: أنا اللَّهُ لا تِلْكَ المَعْبُوداتُ الَّتِي عَكَفَ عَلَيْها قَوْمُ فِرْعَوْنَ، العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ لِكُلِّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ، الحَكِيمُ في البَعْثَةِ والإرْسالِ، والتَّفَضُّلِ والإفْضالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ مِن يَدِهِ لِيُرِيَهُ دَلِيلًا واضِحًا عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] هو ضَرْبٌ مِنَ الحَيّاتِ، أسْرَعُهُ حَرَكَةً وأكْثَرُهُ اضْطِرابًا: ﴿ولّى﴾ [النمل: ١٠] أيْ: مِنَ الخَوْفِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠] أيْ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] أيْ: لِحِفْظِي لَهم وعِنايَتِي بِهِمْ وعِصْمَتِي إيّاهم مِمّا يُؤْذِيهِمْ. وفِيهِ تَبْشِيرٌ لَهُ بِاصْطِفائِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ. وتَشْجِيعٌ لَهُ بِنَزْعِ الخَوْفِ. إذْ لا يَتَمَكَّنُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ، ما لَمْ يَزَلْ خَوْفُهُ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. اسْتُدْرِكَ بِهِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في الخُلْدِ مِن نَفْيِ الخَوْفِ عَنْ كُلِّهِمْ. مَعَ أنَّ مِنهم مَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما، مِمّا يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنَّهم وإنْ صَدَرَ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ فَعَلُوا عَقِيبَهُ ما يُبْطِلُهُ، ويَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَغْفِرَةً ورَحْمَةً. وقَدْ قَصَدَ بِهِ التَّعْرِيضَ بِما وقَعَ مِن (p-٤٦٦١)مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مِن وكْزِهِ القِبْطِيِّ والِاسْتِغْفارِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ. وسَبَقَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: يُوشِكُ أنْ يَقْصِدَ بِهَذا، التَّعْرِيضَ بِما وجَدَ مِن مُوسى. وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ الَّتِي يَلْطُفُ مَأْخَذُها، وسَمّاهُ ظُلْمًا كَما قالَ مُوسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى آيَةٍ خارِقَةٍ غَيْرِ العَصا، آتاهُ إيّاها، بِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: آفَةٍ كَبَرَصٍ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: غَيْرِها تُؤْتاها، إذا جَحَدَ فِرْعَوْنُ رِسالَتَكَ. وهي ضَرْبُ ماءِ النَّهْرِ بِالعَصا فَيَنْقَلِبُ دَمًا. وإصْعادُ الضَّفادِعِ عَلى أرْضِ مِصْرَ. وضَرْبُ التُّرابِ فَتَمْتَلِئُ الأرْضُ قُمَّلًا. وإرْسالُ الجَرادِ عَلَيْهِمْ. والوَباءُ الشَّدِيدُ. وإصابَةُ أجْسادِهِمْ بِالقُرُوحِ والدَّمامِلِ والبُثُورِ. وإهْلاكُ حَصادِهِمْ بِالبَرْدِ الشَّدِيدِ. وتَغْشِيَتُهم بِظَلامٍ كَثِيفٍ، عَلى ما رُوِيَ، وفِي: "تِسْعٍ" أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّها حالٌ ثالِثَةٌ. أيْ: تَخْرُجُ آيَةٌ في تِسْعِ آياتٍ. والثّانِي أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ: اذْهَبْ في تِسْعٍ. والثّالِثُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ. و(فِي) بِمَعْنى: (مَعَ): ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: مُرْسَلًا بِها إلى فِرْعَوْنَ: ﴿وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ، في الكُفْرِ والعُدْوانِ. وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْإرْسالِ.
النمل 27:11
(p-٤٦٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢]
﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفي إيثارِ هَذِهِ الأسْماءِ الجَلِيلَةِ سِرٌّ بَدِيعٌ. وهو الإشارَةُ الجُمْلِيَّةُ إلى رُوحِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: أنا اللَّهُ لا تِلْكَ المَعْبُوداتُ الَّتِي عَكَفَ عَلَيْها قَوْمُ فِرْعَوْنَ، العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ لِكُلِّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ، الحَكِيمُ في البَعْثَةِ والإرْسالِ، والتَّفَضُّلِ والإفْضالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ مِن يَدِهِ لِيُرِيَهُ دَلِيلًا واضِحًا عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] هو ضَرْبٌ مِنَ الحَيّاتِ، أسْرَعُهُ حَرَكَةً وأكْثَرُهُ اضْطِرابًا: ﴿ولّى﴾ [النمل: ١٠] أيْ: مِنَ الخَوْفِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠] أيْ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] أيْ: لِحِفْظِي لَهم وعِنايَتِي بِهِمْ وعِصْمَتِي إيّاهم مِمّا يُؤْذِيهِمْ. وفِيهِ تَبْشِيرٌ لَهُ بِاصْطِفائِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ. وتَشْجِيعٌ لَهُ بِنَزْعِ الخَوْفِ. إذْ لا يَتَمَكَّنُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ، ما لَمْ يَزَلْ خَوْفُهُ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. اسْتُدْرِكَ بِهِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في الخُلْدِ مِن نَفْيِ الخَوْفِ عَنْ كُلِّهِمْ. مَعَ أنَّ مِنهم مَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما، مِمّا يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنَّهم وإنْ صَدَرَ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ فَعَلُوا عَقِيبَهُ ما يُبْطِلُهُ، ويَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَغْفِرَةً ورَحْمَةً. وقَدْ قَصَدَ بِهِ التَّعْرِيضَ بِما وقَعَ مِن (p-٤٦٦١)مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مِن وكْزِهِ القِبْطِيِّ والِاسْتِغْفارِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ. وسَبَقَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: يُوشِكُ أنْ يَقْصِدَ بِهَذا، التَّعْرِيضَ بِما وجَدَ مِن مُوسى. وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ الَّتِي يَلْطُفُ مَأْخَذُها، وسَمّاهُ ظُلْمًا كَما قالَ مُوسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى آيَةٍ خارِقَةٍ غَيْرِ العَصا، آتاهُ إيّاها، بِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: آفَةٍ كَبَرَصٍ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: غَيْرِها تُؤْتاها، إذا جَحَدَ فِرْعَوْنُ رِسالَتَكَ. وهي ضَرْبُ ماءِ النَّهْرِ بِالعَصا فَيَنْقَلِبُ دَمًا. وإصْعادُ الضَّفادِعِ عَلى أرْضِ مِصْرَ. وضَرْبُ التُّرابِ فَتَمْتَلِئُ الأرْضُ قُمَّلًا. وإرْسالُ الجَرادِ عَلَيْهِمْ. والوَباءُ الشَّدِيدُ. وإصابَةُ أجْسادِهِمْ بِالقُرُوحِ والدَّمامِلِ والبُثُورِ. وإهْلاكُ حَصادِهِمْ بِالبَرْدِ الشَّدِيدِ. وتَغْشِيَتُهم بِظَلامٍ كَثِيفٍ، عَلى ما رُوِيَ، وفِي: "تِسْعٍ" أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّها حالٌ ثالِثَةٌ. أيْ: تَخْرُجُ آيَةٌ في تِسْعِ آياتٍ. والثّانِي أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ: اذْهَبْ في تِسْعٍ. والثّالِثُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ. و(فِي) بِمَعْنى: (مَعَ): ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: مُرْسَلًا بِها إلى فِرْعَوْنَ: ﴿وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ، في الكُفْرِ والعُدْوانِ. وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْإرْسالِ.
النمل 27:12
(p-٤٦٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢]
﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفي إيثارِ هَذِهِ الأسْماءِ الجَلِيلَةِ سِرٌّ بَدِيعٌ. وهو الإشارَةُ الجُمْلِيَّةُ إلى رُوحِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: أنا اللَّهُ لا تِلْكَ المَعْبُوداتُ الَّتِي عَكَفَ عَلَيْها قَوْمُ فِرْعَوْنَ، العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ لِكُلِّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ، الحَكِيمُ في البَعْثَةِ والإرْسالِ، والتَّفَضُّلِ والإفْضالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ مِن يَدِهِ لِيُرِيَهُ دَلِيلًا واضِحًا عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] هو ضَرْبٌ مِنَ الحَيّاتِ، أسْرَعُهُ حَرَكَةً وأكْثَرُهُ اضْطِرابًا: ﴿ولّى﴾ [النمل: ١٠] أيْ: مِنَ الخَوْفِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠] أيْ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] أيْ: لِحِفْظِي لَهم وعِنايَتِي بِهِمْ وعِصْمَتِي إيّاهم مِمّا يُؤْذِيهِمْ. وفِيهِ تَبْشِيرٌ لَهُ بِاصْطِفائِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ. وتَشْجِيعٌ لَهُ بِنَزْعِ الخَوْفِ. إذْ لا يَتَمَكَّنُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ، ما لَمْ يَزَلْ خَوْفُهُ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. اسْتُدْرِكَ بِهِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في الخُلْدِ مِن نَفْيِ الخَوْفِ عَنْ كُلِّهِمْ. مَعَ أنَّ مِنهم مَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما، مِمّا يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنَّهم وإنْ صَدَرَ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ فَعَلُوا عَقِيبَهُ ما يُبْطِلُهُ، ويَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَغْفِرَةً ورَحْمَةً. وقَدْ قَصَدَ بِهِ التَّعْرِيضَ بِما وقَعَ مِن (p-٤٦٦١)مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مِن وكْزِهِ القِبْطِيِّ والِاسْتِغْفارِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ. وسَبَقَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: يُوشِكُ أنْ يَقْصِدَ بِهَذا، التَّعْرِيضَ بِما وجَدَ مِن مُوسى. وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ الَّتِي يَلْطُفُ مَأْخَذُها، وسَمّاهُ ظُلْمًا كَما قالَ مُوسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى آيَةٍ خارِقَةٍ غَيْرِ العَصا، آتاهُ إيّاها، بِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: آفَةٍ كَبَرَصٍ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: غَيْرِها تُؤْتاها، إذا جَحَدَ فِرْعَوْنُ رِسالَتَكَ. وهي ضَرْبُ ماءِ النَّهْرِ بِالعَصا فَيَنْقَلِبُ دَمًا. وإصْعادُ الضَّفادِعِ عَلى أرْضِ مِصْرَ. وضَرْبُ التُّرابِ فَتَمْتَلِئُ الأرْضُ قُمَّلًا. وإرْسالُ الجَرادِ عَلَيْهِمْ. والوَباءُ الشَّدِيدُ. وإصابَةُ أجْسادِهِمْ بِالقُرُوحِ والدَّمامِلِ والبُثُورِ. وإهْلاكُ حَصادِهِمْ بِالبَرْدِ الشَّدِيدِ. وتَغْشِيَتُهم بِظَلامٍ كَثِيفٍ، عَلى ما رُوِيَ، وفِي: "تِسْعٍ" أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّها حالٌ ثالِثَةٌ. أيْ: تَخْرُجُ آيَةٌ في تِسْعِ آياتٍ. والثّانِي أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ: اذْهَبْ في تِسْعٍ. والثّالِثُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ. و(فِي) بِمَعْنى: (مَعَ): ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: مُرْسَلًا بِها إلى فِرْعَوْنَ: ﴿وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢] أيْ: خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ، في الكُفْرِ والعُدْوانِ. وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْإرْسالِ.
النمل 27:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٦] ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] (p-٤٦٦٢)﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]
﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ أيْ: ظاهِرَةً بَيِّنَةً: ﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها﴾ [النمل: ١٤] أيْ: كَذَّبُوا بِها بِألْسِنَتِهِمْ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] أيْ: عَرَفَتْ أنْفُسُهم أنَّها آياتٌ يَقِينًا، لا سِيَّما عِنْدَ إلْقاءِ السَّحَرَةِ ساجِدِينَ: ﴿ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] أيْ: لِلْآياتِ، بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا كَقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] ولَقَدْ ظَلَمُوا بِها: ﴿وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أيْ: تَكَبُّرًا عَنْ الِانْقِيادِ لِمُوسى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] أيْ: مِن إهْلاكِهِمْ بِالإغْراقِ، لِغَرَقِهِمْ في بَحْرِ الفَسادِ والإفْسادِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] أيْ: بِالقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ، وحِكْمَةً باهِرَةً: ﴿وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أيِ: العِلْمَ والحِكْمَةَ والنُّبُوَّةَ أوِ المُلْكَ: ﴿وقالَ﴾ [النمل: ١٦] أيْ: تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وتَنْوِيهًا بِمُنْتَهٍ: ﴿يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] أيْ: فَهْمَ صَوْتِهِ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ [النمل: ١٦] أيِ: البَيِّنُ الظّاهِرُ. وهو قَوْلٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الشُّكْرِ والمَحْمَدَةِ. كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»» أيْ: أقُولُ هَذا القَوْلَ شُكْرًا، ولا أقُولُهُ فَخْرًا.
النمل 27:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٦] ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] (p-٤٦٦٢)﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]
﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ أيْ: ظاهِرَةً بَيِّنَةً: ﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها﴾ [النمل: ١٤] أيْ: كَذَّبُوا بِها بِألْسِنَتِهِمْ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] أيْ: عَرَفَتْ أنْفُسُهم أنَّها آياتٌ يَقِينًا، لا سِيَّما عِنْدَ إلْقاءِ السَّحَرَةِ ساجِدِينَ: ﴿ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] أيْ: لِلْآياتِ، بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا كَقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] ولَقَدْ ظَلَمُوا بِها: ﴿وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أيْ: تَكَبُّرًا عَنْ الِانْقِيادِ لِمُوسى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] أيْ: مِن إهْلاكِهِمْ بِالإغْراقِ، لِغَرَقِهِمْ في بَحْرِ الفَسادِ والإفْسادِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] أيْ: بِالقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ، وحِكْمَةً باهِرَةً: ﴿وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أيِ: العِلْمَ والحِكْمَةَ والنُّبُوَّةَ أوِ المُلْكَ: ﴿وقالَ﴾ [النمل: ١٦] أيْ: تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وتَنْوِيهًا بِمُنْتَهٍ: ﴿يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] أيْ: فَهْمَ صَوْتِهِ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ [النمل: ١٦] أيِ: البَيِّنُ الظّاهِرُ. وهو قَوْلٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الشُّكْرِ والمَحْمَدَةِ. كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»» أيْ: أقُولُ هَذا القَوْلَ شُكْرًا، ولا أقُولُهُ فَخْرًا.
النمل 27:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٦] ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] (p-٤٦٦٢)﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]
﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ أيْ: ظاهِرَةً بَيِّنَةً: ﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها﴾ [النمل: ١٤] أيْ: كَذَّبُوا بِها بِألْسِنَتِهِمْ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] أيْ: عَرَفَتْ أنْفُسُهم أنَّها آياتٌ يَقِينًا، لا سِيَّما عِنْدَ إلْقاءِ السَّحَرَةِ ساجِدِينَ: ﴿ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] أيْ: لِلْآياتِ، بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا كَقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] ولَقَدْ ظَلَمُوا بِها: ﴿وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أيْ: تَكَبُّرًا عَنْ الِانْقِيادِ لِمُوسى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] أيْ: مِن إهْلاكِهِمْ بِالإغْراقِ، لِغَرَقِهِمْ في بَحْرِ الفَسادِ والإفْسادِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] أيْ: بِالقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ، وحِكْمَةً باهِرَةً: ﴿وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أيِ: العِلْمَ والحِكْمَةَ والنُّبُوَّةَ أوِ المُلْكَ: ﴿وقالَ﴾ [النمل: ١٦] أيْ: تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وتَنْوِيهًا بِمُنْتَهٍ: ﴿يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] أيْ: فَهْمَ صَوْتِهِ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ [النمل: ١٦] أيِ: البَيِّنُ الظّاهِرُ. وهو قَوْلٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الشُّكْرِ والمَحْمَدَةِ. كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»» أيْ: أقُولُ هَذا القَوْلَ شُكْرًا، ولا أقُولُهُ فَخْرًا.
النمل 27:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٦] ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] (p-٤٦٦٢)﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]
﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ أيْ: ظاهِرَةً بَيِّنَةً: ﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها﴾ [النمل: ١٤] أيْ: كَذَّبُوا بِها بِألْسِنَتِهِمْ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] أيْ: عَرَفَتْ أنْفُسُهم أنَّها آياتٌ يَقِينًا، لا سِيَّما عِنْدَ إلْقاءِ السَّحَرَةِ ساجِدِينَ: ﴿ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] أيْ: لِلْآياتِ، بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا كَقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] ولَقَدْ ظَلَمُوا بِها: ﴿وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أيْ: تَكَبُّرًا عَنْ الِانْقِيادِ لِمُوسى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] أيْ: مِن إهْلاكِهِمْ بِالإغْراقِ، لِغَرَقِهِمْ في بَحْرِ الفَسادِ والإفْسادِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] أيْ: بِالقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ، وحِكْمَةً باهِرَةً: ﴿وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أيِ: العِلْمَ والحِكْمَةَ والنُّبُوَّةَ أوِ المُلْكَ: ﴿وقالَ﴾ [النمل: ١٦] أيْ: تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وتَنْوِيهًا بِمُنْتَهٍ: ﴿يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] أيْ: فَهْمَ صَوْتِهِ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ [النمل: ١٦] أيِ: البَيِّنُ الظّاهِرُ. وهو قَوْلٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الشُّكْرِ والمَحْمَدَةِ. كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»» أيْ: أقُولُ هَذا القَوْلَ شُكْرًا، ولا أقُولُهُ فَخْرًا.
النمل 27:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٥] ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] (p-٤٦٦٣)﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَحْبِسُهم أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى وادِيها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أيْ: بِمَكانِهِمْ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أيْ: تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها. وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ (p-٤٦٦٤)الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَها: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أيْ: بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيْ: فَلَبِثَ في الغَيْبَةِ أمَدًا غَيْرَ طَوِيلٍ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وهي مَدِينَةٌ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ، هائِلٌ مُزَخْرَفٌ بِأنْواعِ الجَواهِرِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: هَلّا يَسْجُدُوا. كَما قَرَأ بِذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ (أنْ) أوْ تَكُونُ (لا) مَزِيدَةً، والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] أيْ: يُظْهِرُ ما هو مَخْبُوءٌ فِيهِما مِن نَباتٍ ومَعادِنَ وغَيْرِهِما: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. والجُمْلَةُ التَّحْضِيضِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مَحْكِيَّةٌ عَنْ قَوْلِ الهُدْهُدِ. واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ. قالَ: لِأنَّ في إخْراجِ الخَبْءِ أمارَةً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، لِهَنْدَسَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ. وذَلِكَ بِإلْهامِ مَن يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ عِلْمُهُ. ولا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي الفِراسَةِ النُّظّارِ بِنُورِ اللَّهِ، مَخايِلُ كُلِّ مُخْتَصٍّ بِصِناعَةٍ أوْ فَنٍّ أوْ مِنَ العِلْمِ، في رِوائِهِ ومَنطِقِهِ وشَمائِلِهِ.
النمل 27:26
(p-٤٦٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِالشَّمْسِ وسائِرِ الكَواكِبِ وكُلِّ شَيْءٍ. فَما أصْغَرَ عَرْشَها في جَنْبِ عَظَمَتِهِ! وما أضْعَفَ مَعْبُودَها -الشَّمْسَ- في جانِبِ قُدْرَتِهِ!.
تَنْبِيهٌ:
هَذِهِ السَّجْدَةُ مِن عَزائِمِ السَّجَداتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ مَواضِعَ السَّجْدَةِ إمّا أمْرٌ بِها، أوْ مَدْحٌ لِمَن أتى بِها، أوْ ذَمٌّ لِمَن تَرَكَها. وإحْدى القِراءَتَيْنِ أمْرٌ بِالسُّجُودِ، والأُخْرى ذَمٌّ لِلتّارِكِ.
النمل 27:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧ - ٣٢] ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]
﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أيْ: حَسَنٌ مَضْمُونُهُ وما فِيهِ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ، وأْتُونِي مُنْقادِينَ لِأمْرِي: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] أيْ: لا أبُتُّ (p-٤٦٦٦)أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم ومَشُورَتِكم. ولا أسْتَبِدُّ بِقَضاءٍ إلّا بِاسْتِطْلاعِ آرائِكم والرُّجُوعِ إلى اسْتِشارَتِكم.
النمل 27:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧ - ٣٢] ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]
﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أيْ: حَسَنٌ مَضْمُونُهُ وما فِيهِ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ، وأْتُونِي مُنْقادِينَ لِأمْرِي: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] أيْ: لا أبُتُّ (p-٤٦٦٦)أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم ومَشُورَتِكم. ولا أسْتَبِدُّ بِقَضاءٍ إلّا بِاسْتِطْلاعِ آرائِكم والرُّجُوعِ إلى اسْتِشارَتِكم.
النمل 27:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧ - ٣٢] ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]
﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أيْ: حَسَنٌ مَضْمُونُهُ وما فِيهِ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ، وأْتُونِي مُنْقادِينَ لِأمْرِي: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] أيْ: لا أبُتُّ (p-٤٦٦٦)أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم ومَشُورَتِكم. ولا أسْتَبِدُّ بِقَضاءٍ إلّا بِاسْتِطْلاعِ آرائِكم والرُّجُوعِ إلى اسْتِشارَتِكم.
النمل 27:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧ - ٣٢] ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]
﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أيْ: حَسَنٌ مَضْمُونُهُ وما فِيهِ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ، وأْتُونِي مُنْقادِينَ لِأمْرِي: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] أيْ: لا أبُتُّ (p-٤٦٦٦)أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم ومَشُورَتِكم. ولا أسْتَبِدُّ بِقَضاءٍ إلّا بِاسْتِطْلاعِ آرائِكم والرُّجُوعِ إلى اسْتِشارَتِكم.
النمل 27:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧ - ٣٢] ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]
﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أيْ: حَسَنٌ مَضْمُونُهُ وما فِيهِ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ، وأْتُونِي مُنْقادِينَ لِأمْرِي: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] أيْ: لا أبُتُّ (p-٤٦٦٦)أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم ومَشُورَتِكم. ولا أسْتَبِدُّ بِقَضاءٍ إلّا بِاسْتِطْلاعِ آرائِكم والرُّجُوعِ إلى اسْتِشارَتِكم.
النمل 27:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧ - ٣٢] ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]
﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أيْ: حَسَنٌ مَضْمُونُهُ وما فِيهِ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ، وأْتُونِي مُنْقادِينَ لِأمْرِي: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] أيْ: لا أبُتُّ (p-٤٦٦٦)أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم ومَشُورَتِكم. ولا أسْتَبِدُّ بِقَضاءٍ إلّا بِاسْتِطْلاعِ آرائِكم والرُّجُوعِ إلى اسْتِشارَتِكم.
النمل 27:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٥] ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] .
﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ أيْ: في العَدَدِ والعُدَدِ: ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: نَجْدَةٍ وبَلاءٍ في الحَرْبِ: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: وأمْرُ القِتالِ أوِ الصُّلْحِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِكِ. فانْظُرِي ما هو أبْقى لِشَرَفِكِ ومُلْكِكِ: ﴿قالَتْ﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: مُشِيرَةً إلى اخْتِيارِ خُطَّةِ المُسالَمَةِ وإيثارِها، بِالنَّظَرِ لِحالَتِها ومَرْكَزِها وضَعْفِها أمامَ عَدُوِّها، بِأنَّ القِتالَ إنَّما يُؤْثَرُ إذا لَمْ يَغْلِبْ عَلى الظَّنِّ دُخُولُ العَدُوِّ في قَرْيَةِ العَدُوِّ. وألّا تَعَيَّنَ الِانْقِيادُ. وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِها: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: عَنْوَةً وقَهْرًا: ﴿أفْسَدُوها﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: أخْرَبُوها: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ والقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ الأمْوالِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] تَأْكِيدٌ لِما وُصِفَتْ مِن حالِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ. وقِيلَ تَصْدِيقٌ لَها مِنهُ تَعالى: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] أيْ: وإنِّي سَأُرْسِلُ إلى سُلَيْمانَ ومَلَئِهِ رُسُلًا بِهَدِيَّةٍ تُوجِبُ المَحَبَّةَ وتُشْبِهُ الِانْقِيادَ. مِن غَيْرِ اخْتِلالٍ لِشَرَفِنا. ثُمَّ أنْتَظِرُ بِأيِّ أمْرٍ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ مِنهُ، حَتّى أعْمَلَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
النمل 27:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٥] ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] .
﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ أيْ: في العَدَدِ والعُدَدِ: ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: نَجْدَةٍ وبَلاءٍ في الحَرْبِ: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: وأمْرُ القِتالِ أوِ الصُّلْحِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِكِ. فانْظُرِي ما هو أبْقى لِشَرَفِكِ ومُلْكِكِ: ﴿قالَتْ﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: مُشِيرَةً إلى اخْتِيارِ خُطَّةِ المُسالَمَةِ وإيثارِها، بِالنَّظَرِ لِحالَتِها ومَرْكَزِها وضَعْفِها أمامَ عَدُوِّها، بِأنَّ القِتالَ إنَّما يُؤْثَرُ إذا لَمْ يَغْلِبْ عَلى الظَّنِّ دُخُولُ العَدُوِّ في قَرْيَةِ العَدُوِّ. وألّا تَعَيَّنَ الِانْقِيادُ. وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِها: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: عَنْوَةً وقَهْرًا: ﴿أفْسَدُوها﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: أخْرَبُوها: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ والقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ الأمْوالِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] تَأْكِيدٌ لِما وُصِفَتْ مِن حالِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ. وقِيلَ تَصْدِيقٌ لَها مِنهُ تَعالى: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] أيْ: وإنِّي سَأُرْسِلُ إلى سُلَيْمانَ ومَلَئِهِ رُسُلًا بِهَدِيَّةٍ تُوجِبُ المَحَبَّةَ وتُشْبِهُ الِانْقِيادَ. مِن غَيْرِ اخْتِلالٍ لِشَرَفِنا. ثُمَّ أنْتَظِرُ بِأيِّ أمْرٍ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ مِنهُ، حَتّى أعْمَلَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
النمل 27:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٥] ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] .
﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ أيْ: في العَدَدِ والعُدَدِ: ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: نَجْدَةٍ وبَلاءٍ في الحَرْبِ: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: وأمْرُ القِتالِ أوِ الصُّلْحِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِكِ. فانْظُرِي ما هو أبْقى لِشَرَفِكِ ومُلْكِكِ: ﴿قالَتْ﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: مُشِيرَةً إلى اخْتِيارِ خُطَّةِ المُسالَمَةِ وإيثارِها، بِالنَّظَرِ لِحالَتِها ومَرْكَزِها وضَعْفِها أمامَ عَدُوِّها، بِأنَّ القِتالَ إنَّما يُؤْثَرُ إذا لَمْ يَغْلِبْ عَلى الظَّنِّ دُخُولُ العَدُوِّ في قَرْيَةِ العَدُوِّ. وألّا تَعَيَّنَ الِانْقِيادُ. وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِها: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: عَنْوَةً وقَهْرًا: ﴿أفْسَدُوها﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: أخْرَبُوها: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ والقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ الأمْوالِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] تَأْكِيدٌ لِما وُصِفَتْ مِن حالِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ. وقِيلَ تَصْدِيقٌ لَها مِنهُ تَعالى: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] أيْ: وإنِّي سَأُرْسِلُ إلى سُلَيْمانَ ومَلَئِهِ رُسُلًا بِهَدِيَّةٍ تُوجِبُ المَحَبَّةَ وتُشْبِهُ الِانْقِيادَ. مِن غَيْرِ اخْتِلالٍ لِشَرَفِنا. ثُمَّ أنْتَظِرُ بِأيِّ أمْرٍ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ مِنهُ، حَتّى أعْمَلَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
النمل 27:36
(p-٤٦٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٤٠] ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيِ: المُرْسَلُونَ مِنها: ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ المُلْكِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: فَلا أُبالِي بِجَمِيعِ ما عِنْدَكم فَضْلًا عَنِ الهَدِيَّةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ أيْ: إذا أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُها، أوْ أُهْدِيتُمْ مِثْلُها، تَفْرَحُونَ اسْتِكْثارًا أوِ افْتِخارًا: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] أيْ: مُهانُونَ: ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ (p-٤٦٦٨)وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أأشْكُرُ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، أمْ أكْفُرُ بِالمَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]
النمل 27:37
(p-٤٦٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٤٠] ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيِ: المُرْسَلُونَ مِنها: ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ المُلْكِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: فَلا أُبالِي بِجَمِيعِ ما عِنْدَكم فَضْلًا عَنِ الهَدِيَّةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ أيْ: إذا أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُها، أوْ أُهْدِيتُمْ مِثْلُها، تَفْرَحُونَ اسْتِكْثارًا أوِ افْتِخارًا: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] أيْ: مُهانُونَ: ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ (p-٤٦٦٨)وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أأشْكُرُ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، أمْ أكْفُرُ بِالمَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]
النمل 27:38
(p-٤٦٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٤٠] ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيِ: المُرْسَلُونَ مِنها: ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ المُلْكِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: فَلا أُبالِي بِجَمِيعِ ما عِنْدَكم فَضْلًا عَنِ الهَدِيَّةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ أيْ: إذا أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُها، أوْ أُهْدِيتُمْ مِثْلُها، تَفْرَحُونَ اسْتِكْثارًا أوِ افْتِخارًا: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] أيْ: مُهانُونَ: ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ (p-٤٦٦٨)وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أأشْكُرُ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، أمْ أكْفُرُ بِالمَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]
النمل 27:39
(p-٤٦٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٤٠] ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيِ: المُرْسَلُونَ مِنها: ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ المُلْكِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: فَلا أُبالِي بِجَمِيعِ ما عِنْدَكم فَضْلًا عَنِ الهَدِيَّةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ أيْ: إذا أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُها، أوْ أُهْدِيتُمْ مِثْلُها، تَفْرَحُونَ اسْتِكْثارًا أوِ افْتِخارًا: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] أيْ: مُهانُونَ: ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ (p-٤٦٦٨)وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أأشْكُرُ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، أمْ أكْفُرُ بِالمَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]
النمل 27:40
(p-٤٦٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٤٠] ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيِ: المُرْسَلُونَ مِنها: ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ المُلْكِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: فَلا أُبالِي بِجَمِيعِ ما عِنْدَكم فَضْلًا عَنِ الهَدِيَّةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ أيْ: إذا أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُها، أوْ أُهْدِيتُمْ مِثْلُها، تَفْرَحُونَ اسْتِكْثارًا أوِ افْتِخارًا: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] أيْ: مُهانُونَ: ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ (p-٤٦٦٨)وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أأشْكُرُ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، أمْ أكْفُرُ بِالمَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]
النمل 27:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٢] ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]
﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ مُتَنَكِّرًا مُتَغَيِّرًا عَنْ هَيْئَتِهِ وشَكْلِهِ كَما يَتَنَكَّرُ الرَّجُلُ لِلنّاسِ: ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: لِمَعْرِفَتِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] قالَ المَهايِمِيُّ: لَمْ تَقُلْ: (هُوَ هُوَ) خَوْفًا مِنَ التَّكْذِيبِ، مَعَ نَوْعٍ مِنَ التَّغْيِيرِ. ولا (لا) خَوْفًا مِنَ التَّجْهِيلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ تَقُلْ: (هُوَ هُوَ) ولا (لَيْسَ بِهِ) وذَلِكَ مِن رَجاحَةِ عَقْلِها حَيْثُ لَمْ تَقْطَعْ في المُحَتَّمِ. أيْ: فَأتَتْ بِـ(كَأنَّ) الدّالَّةِ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ (كَأنَّ) لَيْسَ المُرادُ بِها هُنا التَّشْبِيهَ بَلِ الشَّكَّ وهو مَشْهُورٌ فِيها.
وقَدْ أبْدى صاحِبُ (الِانْتِصافِ) فَرْقًا بَيْنَ (كَأنَّ) و(هَكَذا) في التَّشْبِيهِ. وعِبارَتُهُ: (p-٤٦٦٩)وفِي قَوْلِها: (كَأنَّهُ هُوَ) وعُدُولُها عَنْ مُطابَقَةِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ بِأنْ تَقُولَ: (هَكَذا هُوَ) نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ. ولَعَلَّ قائِلًا يَقُولُ: كِلْتا العِبارَتَيْنِ تَشْبِيهٌ. إذْ كانَ التَّشْبِيهُ فِيهِما جَمِيعًا، وإنْ كانَتْ في إحْداهُما داخِلَةً عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وفي الأُخْرى داخِلَةً عَلى المُضْمَرِ، وكِلاهُما (أعْنِي: اسْمَ الإشارَةِ والمُضْمَرَ) واقِعٌ عَلى الذّاتِ المُشَبَّهَةِ. وحِينَئِذٍ تَسْتَوِي العِبارَتانِ في المَعْنى. ويُفَضَّلُ قَوْلُها: هَكَذا هو بِمُطابَقَتِهِ لِلسُّؤالِ. فَلا بُدَّ في اخْتِيارِ: "كَأنَّهُ هُوَ" مِن حِكْمَةٍ. فَنَقُولُ: حِكْمَتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ: "كَأنَّهُ هُوَ" عِبارَةُ مَن قَرُبَ عِنْدَهُ الشَّبَهُ حَتّى شَكَّكَ نَفْسَهُ في التَّغايُرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. فَكادَ يَقُولُ: (هُوَ هُوَ) وتِلْكَ حالُ بِلْقِيسَ. وأمّا (هَكَذا هُوَ) فَعِبارَةُ جازِمٍ بِتَغايُرِ الأمْرَيْنِ، حاكِمٍ بِوُقُوعِ الشَّبَهِ بَيْنَهُما لا غَيْرَ. فَلِهَذا عَدَلَتْ إلى العِبارَةِ المَذْكُورَةِ في التِّلاوَةِ، لِمُطابَقَتِها لِحالِها، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] هَذا مِن تَمامِ كَلامِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى فَضْلِهِمْ عَلَيْها، وسَبْقِهِمْ إلى العِلْمِ بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ. أيْ: وأُوتِينا نَحْنُ العِلْمَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ، وبِصِحَّةِ ما جاءَ مِن عِنْدِهِ، قَبْلَ عِلْمِها الَّذِي أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُها: "كَأنَّهُ هُوَ" والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ اقْتَضاهُ المَقامُ المُقْتَضِي، لِلْإفاضَةِ في وصْفِها بِرَجاحَةِ الرَّأْيِ في الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ. والتَّقْدِيرُ: أصابَتْ في جَوابِها وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، وعَلِمَتْ قُدْرَةَ اللَّهِ. وأُوتِينا العِلْمَ إلَخْ. وقِيلَ إنَّهُ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ، مَوْصُولًا بِقَوْلِها: "كَأنَّهُ هُوَ"، لا مِن كَلامِ سُلَيْمانَ، كَأنَّها ظَنَّتْ أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ اخْتِبارَ عَقْلِها وإظْهارَ مُعْجِزَةٍ لَها، فَقالَتْ: أُوتِينا العِلْمَ إلَخْ. أيْ: لا حاجَةَ إلى الِاخْتِبارِ لِأنِّي آمَنتُ قَبْلُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ عَقْلِها.
أوِ المَعْنى: عَلِمْنا إتْيانَكَ بِالعَرْشِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، أوْ هَذِهِ الحالَةُ بِالقَرائِنِ أوِ الأخْبارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ، أيْ: أنَّهُ مِن كَلامِ سُلَيْمانَ، أنَّها إنَّما أظْهَرَتِ الإسْلامَ بَعْدَ دُخُولِها إلى الصَّرْحِ، كَما سَيَأْتِي، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٢] ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]
﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ مُتَنَكِّرًا مُتَغَيِّرًا عَنْ هَيْئَتِهِ وشَكْلِهِ كَما يَتَنَكَّرُ الرَّجُلُ لِلنّاسِ: ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: لِمَعْرِفَتِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] قالَ المَهايِمِيُّ: لَمْ تَقُلْ: (هُوَ هُوَ) خَوْفًا مِنَ التَّكْذِيبِ، مَعَ نَوْعٍ مِنَ التَّغْيِيرِ. ولا (لا) خَوْفًا مِنَ التَّجْهِيلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ تَقُلْ: (هُوَ هُوَ) ولا (لَيْسَ بِهِ) وذَلِكَ مِن رَجاحَةِ عَقْلِها حَيْثُ لَمْ تَقْطَعْ في المُحَتَّمِ. أيْ: فَأتَتْ بِـ(كَأنَّ) الدّالَّةِ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ (كَأنَّ) لَيْسَ المُرادُ بِها هُنا التَّشْبِيهَ بَلِ الشَّكَّ وهو مَشْهُورٌ فِيها.
وقَدْ أبْدى صاحِبُ (الِانْتِصافِ) فَرْقًا بَيْنَ (كَأنَّ) و(هَكَذا) في التَّشْبِيهِ. وعِبارَتُهُ: (p-٤٦٦٩)وفِي قَوْلِها: (كَأنَّهُ هُوَ) وعُدُولُها عَنْ مُطابَقَةِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ بِأنْ تَقُولَ: (هَكَذا هُوَ) نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ. ولَعَلَّ قائِلًا يَقُولُ: كِلْتا العِبارَتَيْنِ تَشْبِيهٌ. إذْ كانَ التَّشْبِيهُ فِيهِما جَمِيعًا، وإنْ كانَتْ في إحْداهُما داخِلَةً عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وفي الأُخْرى داخِلَةً عَلى المُضْمَرِ، وكِلاهُما (أعْنِي: اسْمَ الإشارَةِ والمُضْمَرَ) واقِعٌ عَلى الذّاتِ المُشَبَّهَةِ. وحِينَئِذٍ تَسْتَوِي العِبارَتانِ في المَعْنى. ويُفَضَّلُ قَوْلُها: هَكَذا هو بِمُطابَقَتِهِ لِلسُّؤالِ. فَلا بُدَّ في اخْتِيارِ: "كَأنَّهُ هُوَ" مِن حِكْمَةٍ. فَنَقُولُ: حِكْمَتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ: "كَأنَّهُ هُوَ" عِبارَةُ مَن قَرُبَ عِنْدَهُ الشَّبَهُ حَتّى شَكَّكَ نَفْسَهُ في التَّغايُرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. فَكادَ يَقُولُ: (هُوَ هُوَ) وتِلْكَ حالُ بِلْقِيسَ. وأمّا (هَكَذا هُوَ) فَعِبارَةُ جازِمٍ بِتَغايُرِ الأمْرَيْنِ، حاكِمٍ بِوُقُوعِ الشَّبَهِ بَيْنَهُما لا غَيْرَ. فَلِهَذا عَدَلَتْ إلى العِبارَةِ المَذْكُورَةِ في التِّلاوَةِ، لِمُطابَقَتِها لِحالِها، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] هَذا مِن تَمامِ كَلامِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى فَضْلِهِمْ عَلَيْها، وسَبْقِهِمْ إلى العِلْمِ بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ. أيْ: وأُوتِينا نَحْنُ العِلْمَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ، وبِصِحَّةِ ما جاءَ مِن عِنْدِهِ، قَبْلَ عِلْمِها الَّذِي أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُها: "كَأنَّهُ هُوَ" والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ اقْتَضاهُ المَقامُ المُقْتَضِي، لِلْإفاضَةِ في وصْفِها بِرَجاحَةِ الرَّأْيِ في الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ. والتَّقْدِيرُ: أصابَتْ في جَوابِها وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، وعَلِمَتْ قُدْرَةَ اللَّهِ. وأُوتِينا العِلْمَ إلَخْ. وقِيلَ إنَّهُ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ، مَوْصُولًا بِقَوْلِها: "كَأنَّهُ هُوَ"، لا مِن كَلامِ سُلَيْمانَ، كَأنَّها ظَنَّتْ أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ اخْتِبارَ عَقْلِها وإظْهارَ مُعْجِزَةٍ لَها، فَقالَتْ: أُوتِينا العِلْمَ إلَخْ. أيْ: لا حاجَةَ إلى الِاخْتِبارِ لِأنِّي آمَنتُ قَبْلُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ عَقْلِها.
أوِ المَعْنى: عَلِمْنا إتْيانَكَ بِالعَرْشِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، أوْ هَذِهِ الحالَةُ بِالقَرائِنِ أوِ الأخْبارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ، أيْ: أنَّهُ مِن كَلامِ سُلَيْمانَ، أنَّها إنَّما أظْهَرَتِ الإسْلامَ بَعْدَ دُخُولِها إلى الصَّرْحِ، كَما سَيَأْتِي، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:43
(p-٤٦٧٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣ - ٤٤] ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]
﴿وصَدَّها﴾ أيْ: وكانَ صَدُّها عَنِ الهِدايَةِ: ﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] أيِ: القَصْرَ، أوْ صَحْنَ الدّارِ وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّخَذَ قَصْرًا بَدِيعًا مِن زُجاجٍ، فَأرادَ أنْ يُرِيَها مِنهُ عَظَمَةَ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، ومِقْدارُ ما آثَرَهُ اللَّهُ بِهِ: ﴿فَلَمّا رَأتْهُ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: صَحْنَهُ: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: ماءً عَظِيمًا: ﴿وكَشَفَتْ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: لِلْخَوْضِ فِيهِ: ﴿عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مُمَلَّسٌ: ﴿مِن قَوارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مِنَ الزُّجاجِ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: بِكُفْرِها السّالِفِ وعِبادَتِها وقَوْمِها الشَّمْسَ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مُتابَعَةً لَهُ في دِينِهِ وعِبادَتِهِ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: رَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَهُنا أقاصِيصَ لَمْ تَصِحَّ سَنَدًا ولا مُخْبِرًا. وما هَذا سَبِيلُهُ، فَلا يَسُوغُ نَقْلُهُ ورِوايَتُهُ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، بَعْدَ أنْ ساقَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ مُسْتَحْسِنًا لَهُ، ما مِثالُهُ: قُلْتُ: بَلْ هو مُنْكَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ولَعَلَّهُ مِن أوْهامِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ: والأقْرَبُ في مِثْلِ هَذِهِ السِّياقاتِ أنَّها مُتَلَقّاةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، مِمّا وُجِدَ في صُحُفِهِمْ. كَرِواياتِ كَعْبٍ ووَهْبٍ، سامَحَهُما اللَّهُ تَعالى، فِيما نَقَلاهُ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ، مِنَ الأوابِدِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ. مِمّا كانَ ومِمّا لَمْ يَكُنْ. ومِمّا حُرِّفَ وبُدِّلَ ونُسِخَ.
(p-٤٦٧١)وقَدْ أغْنانا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِما هو أصَحُّ مِنهُ وأنْفَعُ وأوْضَحُ وأبْلَغُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ.
الثّانِي: أُشِيرَ في (التَّوْراةِ) في الفَصْلِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الثّالِثِ إلى تَفْصِيلِ نَبَأِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَظَمَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ. ومِمّا جاءَ فِيهِ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ مُتَسَلِّطًا عَلى جَمِيعِ المَمالِكِ مِن نَهْرِ الفُراتِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ وإلى تُخُمِ مِصْرَ. وإنَّ مُلُوكَ الأطْرافِ كانُوا يَحْمِلُونَ لَهُ الهَدايا خاضِعِينَ لَهُ كُلَّ أيّامِ حَياتِهِ أيْ: أنَّها تُؤَدِّي لَهُ الجِزْيَةَ، وإنْ كانَ مَحْصُورًا في فِلَسْطِينَ. وأنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ حِكْمَةً وفَهِمًا ذَكِيًّا جِدًّا، وسِعَةَ صَدْرٍ. فَفاقَتْ حِكْمَتُهُ حِكْمَةَ جَمِيعِ أهْلِ المَشْرِقِ وأهْلِ مِصْرَ. وقالَ ثَلاثَةُ آلافِ مِثْلٍ. وتَكَلَّمَ. في الشَّجَرِ، مِنَ الأرْزِ الَّذِي عَلى لُبْنانَ إلى الزُّوفى الَّتِي تَخْرُجُ في الحائِطِ. وتَكَلَّمَ في البَهائِمِ والطَّيْرِ والزَّحّافاتِ والسَّمَكِ. وأمّا صَرْحُهُ وبَيْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ جاءَ وصْفُهُ في الفَصْلِ الخامِسِ مِنَ السِّفْرِ المُتَقَدِّمِ. وأنَّهُ أكْمَلَ بِناءَهُ في ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وأنَّهُ بَنى جازَرَ وبَيْتَ حُورُونَ السُّفْلى وبَعْلَتَ وتَدْمُرَ في أرْضِ البَرِّيَّةِ. وجاءَ في الفَصْلِ العاشِرِ مِن هَذا السِّفْرِ أيْضًا قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَأٍ ومَقْدِمِها مِنَ اليَمَنِ عَلى سُلَيْمانَ لِتُخْبِرَ حِكْمَتَهُ وعَظَمَةَ مُلْكِهِ، ودَهْشَتُها مِمّا رَأتْهُ وتَحَقَّقَتْهُ، وإيمانُها بِرَبِّهِ تَعالى. ثُمَّ إعْطاؤُهُ إيّاها بُغْيَتَها. ثُمَّ انْصِرافُها إلى أرْضِها.
وقَدْ ذَكَرْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لا يَسُوقُ أنْباءَ ما تَقَدَّمَ سَوْقَ مُؤَرِّخٍ، بَلْ يَقُصُّها مُوجَزَةً لِيَتَحَقَّقَ أنَّهُ مِصْداقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ، ولِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ القَصْدَ مِنها مَوْضِعُ العِبْرَةِ والحِكْمَةِ. ومَثارُ التَّبَصُّرِ والفِطْنَةِ.
الثّالِثُ: مِمّا اسْتُنْبِطَ مِن آياتِ هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ، أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّبَسُّمِ والضَّحِكِ عَنِ التَّعَجُّبِ وغَيْرِهِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠] اسْتِحْبابُ تَفَقُّدِ المَلِكِ أحْوالَ رَعِيَّتِهِ. وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم تَفَقُّدَ الإخْوانِ، فَأنْشَدَ:
؎تَفَقُّدُ الإخْوانِ مُسْتَحْسَنٌ فَمَن بَداهُ نِعْمَ ما قَدْ بَدا
؎سَنَّ سُلَيْمانُ لَنا سُنَّةً ∗∗∗ وكانَ فِيما سَنَّهُ مُقْتَدى
؎تَفَقَّدَ الطَّيْرَ عَلى مُلْكِهِ ∗∗∗ فَقالَ: ما لِي لا أرَ الهُدْهُدا
(p-٤٦٧٢)وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] الآيَةَ، دَلِيلًا عَلى أنَّ العَذابَ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ، لا عَلى قَدْرِ الجَسَدِ. وعَلى جَوازِ تَأْدِيبِ الحَيَواناتِ والبَهائِمِ بِالضَّرْبِ عِنْدَ تَقْصِيرِها في المَشْيِ وإسْراعِها ونَحْوَ ذَلِكَ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] أنَّ الصَّغِيرَ يَقُولُ لِلْكَبِيرِ والتّابِعُ لِلْمَتْبُوعِ: عِنْدِي مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَكَ، إذا تَحَقَّقَ ذَلِكَ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] قَبُولَ الوالِي عُذْرَ رَعِيَّتِهِ، ودَرْءَهُ العُقُوبَةَ عَنْهُمْ، وامْتِحانَ صِدْقِهم فِيما اعْتَذَرُوا بِهِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨] إرْسالَ الطَّيْرِ بِالكُتُبِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] اسْتِحْبابَ خَتْمِ الكُتُبِ، لِقَوْلِ السُّدِّيِّ: كَرِيمٌ بِمَعْنى مَخْتُومٍ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] المُشاوَرَةَ والِاسْتِعانَةَ بِالآراءِ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ [النمل: ٣٦] الآيَةَ، اسْتِحْبابَ رَدِّ هَدايا المُشْرِكِينَ. كَذا في (الإكْلِيلِ) بِزِيادَةٍ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ ثَمُودَ وما كانَ مِن أمْرِها مَعَ نَبِيِّها صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النمل 27:44
(p-٤٦٧٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣ - ٤٤] ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]
﴿وصَدَّها﴾ أيْ: وكانَ صَدُّها عَنِ الهِدايَةِ: ﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] أيِ: القَصْرَ، أوْ صَحْنَ الدّارِ وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّخَذَ قَصْرًا بَدِيعًا مِن زُجاجٍ، فَأرادَ أنْ يُرِيَها مِنهُ عَظَمَةَ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، ومِقْدارُ ما آثَرَهُ اللَّهُ بِهِ: ﴿فَلَمّا رَأتْهُ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: صَحْنَهُ: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: ماءً عَظِيمًا: ﴿وكَشَفَتْ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: لِلْخَوْضِ فِيهِ: ﴿عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مُمَلَّسٌ: ﴿مِن قَوارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مِنَ الزُّجاجِ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: بِكُفْرِها السّالِفِ وعِبادَتِها وقَوْمِها الشَّمْسَ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مُتابَعَةً لَهُ في دِينِهِ وعِبادَتِهِ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: رَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَهُنا أقاصِيصَ لَمْ تَصِحَّ سَنَدًا ولا مُخْبِرًا. وما هَذا سَبِيلُهُ، فَلا يَسُوغُ نَقْلُهُ ورِوايَتُهُ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، بَعْدَ أنْ ساقَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ مُسْتَحْسِنًا لَهُ، ما مِثالُهُ: قُلْتُ: بَلْ هو مُنْكَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ولَعَلَّهُ مِن أوْهامِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ: والأقْرَبُ في مِثْلِ هَذِهِ السِّياقاتِ أنَّها مُتَلَقّاةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، مِمّا وُجِدَ في صُحُفِهِمْ. كَرِواياتِ كَعْبٍ ووَهْبٍ، سامَحَهُما اللَّهُ تَعالى، فِيما نَقَلاهُ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ، مِنَ الأوابِدِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ. مِمّا كانَ ومِمّا لَمْ يَكُنْ. ومِمّا حُرِّفَ وبُدِّلَ ونُسِخَ.
(p-٤٦٧١)وقَدْ أغْنانا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِما هو أصَحُّ مِنهُ وأنْفَعُ وأوْضَحُ وأبْلَغُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ.
الثّانِي: أُشِيرَ في (التَّوْراةِ) في الفَصْلِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الثّالِثِ إلى تَفْصِيلِ نَبَأِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَظَمَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ. ومِمّا جاءَ فِيهِ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ مُتَسَلِّطًا عَلى جَمِيعِ المَمالِكِ مِن نَهْرِ الفُراتِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ وإلى تُخُمِ مِصْرَ. وإنَّ مُلُوكَ الأطْرافِ كانُوا يَحْمِلُونَ لَهُ الهَدايا خاضِعِينَ لَهُ كُلَّ أيّامِ حَياتِهِ أيْ: أنَّها تُؤَدِّي لَهُ الجِزْيَةَ، وإنْ كانَ مَحْصُورًا في فِلَسْطِينَ. وأنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ حِكْمَةً وفَهِمًا ذَكِيًّا جِدًّا، وسِعَةَ صَدْرٍ. فَفاقَتْ حِكْمَتُهُ حِكْمَةَ جَمِيعِ أهْلِ المَشْرِقِ وأهْلِ مِصْرَ. وقالَ ثَلاثَةُ آلافِ مِثْلٍ. وتَكَلَّمَ. في الشَّجَرِ، مِنَ الأرْزِ الَّذِي عَلى لُبْنانَ إلى الزُّوفى الَّتِي تَخْرُجُ في الحائِطِ. وتَكَلَّمَ في البَهائِمِ والطَّيْرِ والزَّحّافاتِ والسَّمَكِ. وأمّا صَرْحُهُ وبَيْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ جاءَ وصْفُهُ في الفَصْلِ الخامِسِ مِنَ السِّفْرِ المُتَقَدِّمِ. وأنَّهُ أكْمَلَ بِناءَهُ في ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وأنَّهُ بَنى جازَرَ وبَيْتَ حُورُونَ السُّفْلى وبَعْلَتَ وتَدْمُرَ في أرْضِ البَرِّيَّةِ. وجاءَ في الفَصْلِ العاشِرِ مِن هَذا السِّفْرِ أيْضًا قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَأٍ ومَقْدِمِها مِنَ اليَمَنِ عَلى سُلَيْمانَ لِتُخْبِرَ حِكْمَتَهُ وعَظَمَةَ مُلْكِهِ، ودَهْشَتُها مِمّا رَأتْهُ وتَحَقَّقَتْهُ، وإيمانُها بِرَبِّهِ تَعالى. ثُمَّ إعْطاؤُهُ إيّاها بُغْيَتَها. ثُمَّ انْصِرافُها إلى أرْضِها.
وقَدْ ذَكَرْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لا يَسُوقُ أنْباءَ ما تَقَدَّمَ سَوْقَ مُؤَرِّخٍ، بَلْ يَقُصُّها مُوجَزَةً لِيَتَحَقَّقَ أنَّهُ مِصْداقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ، ولِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ القَصْدَ مِنها مَوْضِعُ العِبْرَةِ والحِكْمَةِ. ومَثارُ التَّبَصُّرِ والفِطْنَةِ.
الثّالِثُ: مِمّا اسْتُنْبِطَ مِن آياتِ هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ، أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّبَسُّمِ والضَّحِكِ عَنِ التَّعَجُّبِ وغَيْرِهِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠] اسْتِحْبابُ تَفَقُّدِ المَلِكِ أحْوالَ رَعِيَّتِهِ. وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم تَفَقُّدَ الإخْوانِ، فَأنْشَدَ:
؎تَفَقُّدُ الإخْوانِ مُسْتَحْسَنٌ فَمَن بَداهُ نِعْمَ ما قَدْ بَدا
؎سَنَّ سُلَيْمانُ لَنا سُنَّةً ∗∗∗ وكانَ فِيما سَنَّهُ مُقْتَدى
؎تَفَقَّدَ الطَّيْرَ عَلى مُلْكِهِ ∗∗∗ فَقالَ: ما لِي لا أرَ الهُدْهُدا
(p-٤٦٧٢)وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] الآيَةَ، دَلِيلًا عَلى أنَّ العَذابَ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ، لا عَلى قَدْرِ الجَسَدِ. وعَلى جَوازِ تَأْدِيبِ الحَيَواناتِ والبَهائِمِ بِالضَّرْبِ عِنْدَ تَقْصِيرِها في المَشْيِ وإسْراعِها ونَحْوَ ذَلِكَ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] أنَّ الصَّغِيرَ يَقُولُ لِلْكَبِيرِ والتّابِعُ لِلْمَتْبُوعِ: عِنْدِي مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَكَ، إذا تَحَقَّقَ ذَلِكَ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] قَبُولَ الوالِي عُذْرَ رَعِيَّتِهِ، ودَرْءَهُ العُقُوبَةَ عَنْهُمْ، وامْتِحانَ صِدْقِهم فِيما اعْتَذَرُوا بِهِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨] إرْسالَ الطَّيْرِ بِالكُتُبِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] اسْتِحْبابَ خَتْمِ الكُتُبِ، لِقَوْلِ السُّدِّيِّ: كَرِيمٌ بِمَعْنى مَخْتُومٍ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] المُشاوَرَةَ والِاسْتِعانَةَ بِالآراءِ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ [النمل: ٣٦] الآيَةَ، اسْتِحْبابَ رَدِّ هَدايا المُشْرِكِينَ. كَذا في (الإكْلِيلِ) بِزِيادَةٍ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ ثَمُودَ وما كانَ مِن أمْرِها مَعَ نَبِيِّها صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النمل 27:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥ - ٤٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (p-٤٦٧٣)أيْ: فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ. يَخْتَصِمُونَ خُصُومَةً لا يَرْجِعُ فِيها المُبْطِلُ إلى الحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٤٦] أيْ: بِالعُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ الحَسَنَةِ. أيْ: لِمَ تَدْعُونَ بِحُضُورِ العُقُوبَةِ ولا تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتَهُ بِالإيمانِ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: تَطَيَّرْنا أيْ: تَشاءَمْنا: ﴿بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ كانُوا، لِشَقائِهِمْ، إذا أُصِيبُوا بِسُوءٍ قالُوا: هَذا مِن قِبَلِ صالِحٍ وصَحْبِهِ: ﴿قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: سَبِيلُكُمُ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ خَيْرُكم وشَرُّكم عَنِ اللَّهِ. وهو قَدَرُهُ وقِسْمَتُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: لَمّا كانَ المُسافِرُ مِنَ العَرَبِ إذا خَرَجَ مَرَّ بِهِ طائِرٌ سانِحًا، وهو ما ولِيَهُ بِمَيْسَرَتِهِ، أوْ بارِحًا وهو ما ولِيَهُ بِمَيْمَنَتِهِ - تَيَمَّنُوا بِالأوَّلِ وتَشاءَمُوا بِالثّانِي. ونَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما كانَ سَبَبُهُما مِن قَدَرِ اللَّهِ وقِسْمَتِهِ. أوْ مِن عَمَلِ العَبْدِ الَّذِي هو سَبَبُ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ. ومِنهُ طائِرُ اللَّهِ، لا طائِرُكَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: مَفْتُونُونَ بِضَلالِكم وكُفْرِكم. لا تَرَوْنَ حُسْنًا إلّا ما يُوافِقُ هَواكُمْ، ولا شُؤْمًا إلّا يُخالِفُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ طُغاةِ ثَمُودَ ورُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا دُعاةَ قَوْمِهِمْ إلى الضَّلالِ والكُفْرِ، وتَكْذِيبِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما آلَ بِهِمُ الأمْرُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النمل 27:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥ - ٤٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (p-٤٦٧٣)أيْ: فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ. يَخْتَصِمُونَ خُصُومَةً لا يَرْجِعُ فِيها المُبْطِلُ إلى الحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٤٦] أيْ: بِالعُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ الحَسَنَةِ. أيْ: لِمَ تَدْعُونَ بِحُضُورِ العُقُوبَةِ ولا تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتَهُ بِالإيمانِ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: تَطَيَّرْنا أيْ: تَشاءَمْنا: ﴿بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ كانُوا، لِشَقائِهِمْ، إذا أُصِيبُوا بِسُوءٍ قالُوا: هَذا مِن قِبَلِ صالِحٍ وصَحْبِهِ: ﴿قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: سَبِيلُكُمُ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ خَيْرُكم وشَرُّكم عَنِ اللَّهِ. وهو قَدَرُهُ وقِسْمَتُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: لَمّا كانَ المُسافِرُ مِنَ العَرَبِ إذا خَرَجَ مَرَّ بِهِ طائِرٌ سانِحًا، وهو ما ولِيَهُ بِمَيْسَرَتِهِ، أوْ بارِحًا وهو ما ولِيَهُ بِمَيْمَنَتِهِ - تَيَمَّنُوا بِالأوَّلِ وتَشاءَمُوا بِالثّانِي. ونَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما كانَ سَبَبُهُما مِن قَدَرِ اللَّهِ وقِسْمَتِهِ. أوْ مِن عَمَلِ العَبْدِ الَّذِي هو سَبَبُ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ. ومِنهُ طائِرُ اللَّهِ، لا طائِرُكَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: مَفْتُونُونَ بِضَلالِكم وكُفْرِكم. لا تَرَوْنَ حُسْنًا إلّا ما يُوافِقُ هَواكُمْ، ولا شُؤْمًا إلّا يُخالِفُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ طُغاةِ ثَمُودَ ورُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا دُعاةَ قَوْمِهِمْ إلى الضَّلالِ والكُفْرِ، وتَكْذِيبِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما آلَ بِهِمُ الأمْرُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النمل 27:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥ - ٤٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (p-٤٦٧٣)أيْ: فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ. يَخْتَصِمُونَ خُصُومَةً لا يَرْجِعُ فِيها المُبْطِلُ إلى الحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٤٦] أيْ: بِالعُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ الحَسَنَةِ. أيْ: لِمَ تَدْعُونَ بِحُضُورِ العُقُوبَةِ ولا تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتَهُ بِالإيمانِ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: تَطَيَّرْنا أيْ: تَشاءَمْنا: ﴿بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ كانُوا، لِشَقائِهِمْ، إذا أُصِيبُوا بِسُوءٍ قالُوا: هَذا مِن قِبَلِ صالِحٍ وصَحْبِهِ: ﴿قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: سَبِيلُكُمُ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ خَيْرُكم وشَرُّكم عَنِ اللَّهِ. وهو قَدَرُهُ وقِسْمَتُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: لَمّا كانَ المُسافِرُ مِنَ العَرَبِ إذا خَرَجَ مَرَّ بِهِ طائِرٌ سانِحًا، وهو ما ولِيَهُ بِمَيْسَرَتِهِ، أوْ بارِحًا وهو ما ولِيَهُ بِمَيْمَنَتِهِ - تَيَمَّنُوا بِالأوَّلِ وتَشاءَمُوا بِالثّانِي. ونَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما كانَ سَبَبُهُما مِن قَدَرِ اللَّهِ وقِسْمَتِهِ. أوْ مِن عَمَلِ العَبْدِ الَّذِي هو سَبَبُ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ. ومِنهُ طائِرُ اللَّهِ، لا طائِرُكَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: مَفْتُونُونَ بِضَلالِكم وكُفْرِكم. لا تَرَوْنَ حُسْنًا إلّا ما يُوافِقُ هَواكُمْ، ولا شُؤْمًا إلّا يُخالِفُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ طُغاةِ ثَمُودَ ورُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا دُعاةَ قَوْمِهِمْ إلى الضَّلالِ والكُفْرِ، وتَكْذِيبِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما آلَ بِهِمُ الأمْرُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النمل 27:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ (p-٤٦٧٤)﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]
﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعادَتُهُمُ الإفْسادُ، كَما يُفِيدُهُ المُضارِعُ وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ: "فِي الأرْضِ" الدّالُّ عَلى عُمُومِ فَسادِهِمْ. وهو صِفَةُ (رَهْطٍ) أوْ (تِسْعَةُ): ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَيَحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم عَلى مُوافَقَةِ الآخَرِينَ، بِاللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعْبُودِينَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَنَقْتُلَنَّهُ لَيْلًا. قُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيِ: الطّالِبِ ثَأْرَهُ عَلَيْنا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ما حَضَرْنا مَكانَ هَلاكِ الأهْلِ، مَعَ تَفَرُّقِهِمْ في الأماكِنِ الكَثِيرَةِ، فَضْلًا عَنْ مَكانِهِ، فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ونَحْلِفُ إنّا لَصادِقُونَ. أوْ: والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِهَذِهِ الحِيلَةِ: ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِأنْ جَعَلْناهم سَبَبًا لِإهْلاكِهِمْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: خالِيَةً ساقِطَةً. لَمْ تُعْمَرْ بَعْدَهم لِأنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا: ﴿بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: بِأنَّهم ما أُخِذُوا إلّا لِظُلْمِهِمْ. وإنَّ عاقِبَةَ الظُّلْمِ الدَّمارُ والبَوارُ.
النمل 27:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ (p-٤٦٧٤)﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]
﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعادَتُهُمُ الإفْسادُ، كَما يُفِيدُهُ المُضارِعُ وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ: "فِي الأرْضِ" الدّالُّ عَلى عُمُومِ فَسادِهِمْ. وهو صِفَةُ (رَهْطٍ) أوْ (تِسْعَةُ): ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَيَحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم عَلى مُوافَقَةِ الآخَرِينَ، بِاللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعْبُودِينَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَنَقْتُلَنَّهُ لَيْلًا. قُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيِ: الطّالِبِ ثَأْرَهُ عَلَيْنا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ما حَضَرْنا مَكانَ هَلاكِ الأهْلِ، مَعَ تَفَرُّقِهِمْ في الأماكِنِ الكَثِيرَةِ، فَضْلًا عَنْ مَكانِهِ، فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ونَحْلِفُ إنّا لَصادِقُونَ. أوْ: والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِهَذِهِ الحِيلَةِ: ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِأنْ جَعَلْناهم سَبَبًا لِإهْلاكِهِمْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: خالِيَةً ساقِطَةً. لَمْ تُعْمَرْ بَعْدَهم لِأنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا: ﴿بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: بِأنَّهم ما أُخِذُوا إلّا لِظُلْمِهِمْ. وإنَّ عاقِبَةَ الظُّلْمِ الدَّمارُ والبَوارُ.
النمل 27:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ (p-٤٦٧٤)﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]
﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعادَتُهُمُ الإفْسادُ، كَما يُفِيدُهُ المُضارِعُ وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ: "فِي الأرْضِ" الدّالُّ عَلى عُمُومِ فَسادِهِمْ. وهو صِفَةُ (رَهْطٍ) أوْ (تِسْعَةُ): ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَيَحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم عَلى مُوافَقَةِ الآخَرِينَ، بِاللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعْبُودِينَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَنَقْتُلَنَّهُ لَيْلًا. قُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيِ: الطّالِبِ ثَأْرَهُ عَلَيْنا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ما حَضَرْنا مَكانَ هَلاكِ الأهْلِ، مَعَ تَفَرُّقِهِمْ في الأماكِنِ الكَثِيرَةِ، فَضْلًا عَنْ مَكانِهِ، فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ونَحْلِفُ إنّا لَصادِقُونَ. أوْ: والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِهَذِهِ الحِيلَةِ: ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِأنْ جَعَلْناهم سَبَبًا لِإهْلاكِهِمْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: خالِيَةً ساقِطَةً. لَمْ تُعْمَرْ بَعْدَهم لِأنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا: ﴿بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: بِأنَّهم ما أُخِذُوا إلّا لِظُلْمِهِمْ. وإنَّ عاقِبَةَ الظُّلْمِ الدَّمارُ والبَوارُ.
النمل 27:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ (p-٤٦٧٤)﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]
﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعادَتُهُمُ الإفْسادُ، كَما يُفِيدُهُ المُضارِعُ وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ: "فِي الأرْضِ" الدّالُّ عَلى عُمُومِ فَسادِهِمْ. وهو صِفَةُ (رَهْطٍ) أوْ (تِسْعَةُ): ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَيَحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم عَلى مُوافَقَةِ الآخَرِينَ، بِاللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعْبُودِينَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَنَقْتُلَنَّهُ لَيْلًا. قُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيِ: الطّالِبِ ثَأْرَهُ عَلَيْنا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ما حَضَرْنا مَكانَ هَلاكِ الأهْلِ، مَعَ تَفَرُّقِهِمْ في الأماكِنِ الكَثِيرَةِ، فَضْلًا عَنْ مَكانِهِ، فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ونَحْلِفُ إنّا لَصادِقُونَ. أوْ: والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِهَذِهِ الحِيلَةِ: ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِأنْ جَعَلْناهم سَبَبًا لِإهْلاكِهِمْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: خالِيَةً ساقِطَةً. لَمْ تُعْمَرْ بَعْدَهم لِأنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا: ﴿بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: بِأنَّهم ما أُخِذُوا إلّا لِظُلْمِهِمْ. وإنَّ عاقِبَةَ الظُّلْمِ الدَّمارُ والبَوارُ.
النمل 27:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ (p-٤٦٧٤)﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]
﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعادَتُهُمُ الإفْسادُ، كَما يُفِيدُهُ المُضارِعُ وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ: "فِي الأرْضِ" الدّالُّ عَلى عُمُومِ فَسادِهِمْ. وهو صِفَةُ (رَهْطٍ) أوْ (تِسْعَةُ): ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَيَحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم عَلى مُوافَقَةِ الآخَرِينَ، بِاللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعْبُودِينَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَنَقْتُلَنَّهُ لَيْلًا. قُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيِ: الطّالِبِ ثَأْرَهُ عَلَيْنا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ما حَضَرْنا مَكانَ هَلاكِ الأهْلِ، مَعَ تَفَرُّقِهِمْ في الأماكِنِ الكَثِيرَةِ، فَضْلًا عَنْ مَكانِهِ، فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ونَحْلِفُ إنّا لَصادِقُونَ. أوْ: والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِهَذِهِ الحِيلَةِ: ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِأنْ جَعَلْناهم سَبَبًا لِإهْلاكِهِمْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: خالِيَةً ساقِطَةً. لَمْ تُعْمَرْ بَعْدَهم لِأنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا: ﴿بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: بِأنَّهم ما أُخِذُوا إلّا لِظُلْمِهِمْ. وإنَّ عاقِبَةَ الظُّلْمِ الدَّمارُ والبَوارُ.
النمل 27:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣ - ٥٩] ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] (p-٤٦٧٥)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]
﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] أيْ: قُبْحَها ومُضادَّتَها لِحُكْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ سَفَهًا وعَمًى عَنِ العاقِبَةِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا ويَرَوْنَها رِجْسًا. قالُوهُ اسْتِهْزاءً: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨] أيْ: هائِلًا غَيْرَ مَعْهُودٍ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ. وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ، والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ، وبَعْثٍ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ، والتَّبَرُّكِ بِهِما، والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما، عَلى قَبُولِ ما يُلْقى إلى السّامِعِينَ، وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةَ الَّتِي يَبْغِيها المُسْمِعُ. ولَقَدْ تَوارَثَ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ. فَحَمِدُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمامَ (p-٤٦٧٦)كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ، وقَبْلَ كُلِّ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ، وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ. وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ. فَأجْرَوْا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمْرٌ بِالتَّحْمِيدِ عَلى الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ. والصَّلاةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأشْياعِهِمُ النّاجِينَ.
ثُمَّ قالَ: مَعْلُومٌ أنْ لا خَيْرَ فِيما أشْرَكُوهُ أصْلًا حَتّى يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خالِقُ كُلِّ خَيْرٍ ومالِكُهُ. وإنَّما هو إلْزامٌ لَهم وتَبْكِيتٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ. وذَلِكَ أنَّهُ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، إلّا لِداعٍ يَدْعُوهُ إلى إيثارِهِ، مِن زِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ. فَقِيلَ لَهُمْ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيما آثَرُوهُ، وأنَّهم لَمْ يُؤْثِرُوهُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، ولَكِنْ هَوًى وعَبَثًا، لِيُنَبِّهُوا عَلى الخَطَأِ المُفْرِطِ، والجَهْلِ المُوَرِّطِ. وإضْلالِهِمُ التَّمْيِيزَ ونَبْذِهِمُ المَعْقُولَ. ولِيَعْلَمُوا أنَّ الإيثارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْخَيْرِ الزّائِدِ. ونَحْوَهُ ما حَكاهُ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى مِثْلُ أنْهارِهِ الَّتِي كانَتْ تَجْرِي تَحْتَهُ.
ثُمَّ عَدَّدَ سُبْحانَهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]
لَطِيفَةٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ) في هَذِهِ الآيَةِ: كَلِمَةُ (السَّلامِ) هُنا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وهِيَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، ويَكُونُ الأمْرُ بِالقَوْلِ مُتَناوِلًا لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا. وعَلى هَذا، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ مَحَلُّها النَّصْبُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةً مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الطَّلَبِ. وعَلى هَذا فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
(p-٤٦٧٧)وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهو المُطابِقُ لِما تَقَدَّمَ مِن سَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ.
ولَكِنْ يُقالُ عَلى هَذا: كَيْفَ يَعْطِفُ الخَبَرَ عَلى الطَّلَبِ مَعَ تَنافُرِ ما بَيْنَهُما. فَلا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: قُمْ وذَهَبَ زَيْدٌ، ولا اخْرُجْ وقَعَدَ عَمْرٌو.
ويُجابُ عَلى هَذا بِأنَّ جُمْلَةَ الطَّلَبِ، قَدْ حُكِيَتْ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، ومَعَ هَذا لا يَمْتَنِعُ العَطْفُ فِيهِ بِالخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ لِعَدَمِ تَنافُرِ الكَلامِ فِيهِ وتَبايُنِهِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]
فَقَوْلُهُ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ [يونس: ١٠١] لَيْسَ مَعْطُوفًا بِالقَوْلِ وهو انْظُرُوا بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الكُبْرى.
عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الطَّلَبِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ سَلَّمَ عَلى المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ، والرُّسُلُ أفْضَلُهُمُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣ - ٥٩] ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] (p-٤٦٧٥)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]
﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] أيْ: قُبْحَها ومُضادَّتَها لِحُكْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ سَفَهًا وعَمًى عَنِ العاقِبَةِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا ويَرَوْنَها رِجْسًا. قالُوهُ اسْتِهْزاءً: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨] أيْ: هائِلًا غَيْرَ مَعْهُودٍ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ. وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ، والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ، وبَعْثٍ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ، والتَّبَرُّكِ بِهِما، والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما، عَلى قَبُولِ ما يُلْقى إلى السّامِعِينَ، وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةَ الَّتِي يَبْغِيها المُسْمِعُ. ولَقَدْ تَوارَثَ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ. فَحَمِدُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمامَ (p-٤٦٧٦)كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ، وقَبْلَ كُلِّ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ، وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ. وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ. فَأجْرَوْا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمْرٌ بِالتَّحْمِيدِ عَلى الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ. والصَّلاةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأشْياعِهِمُ النّاجِينَ.
ثُمَّ قالَ: مَعْلُومٌ أنْ لا خَيْرَ فِيما أشْرَكُوهُ أصْلًا حَتّى يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خالِقُ كُلِّ خَيْرٍ ومالِكُهُ. وإنَّما هو إلْزامٌ لَهم وتَبْكِيتٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ. وذَلِكَ أنَّهُ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، إلّا لِداعٍ يَدْعُوهُ إلى إيثارِهِ، مِن زِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ. فَقِيلَ لَهُمْ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيما آثَرُوهُ، وأنَّهم لَمْ يُؤْثِرُوهُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، ولَكِنْ هَوًى وعَبَثًا، لِيُنَبِّهُوا عَلى الخَطَأِ المُفْرِطِ، والجَهْلِ المُوَرِّطِ. وإضْلالِهِمُ التَّمْيِيزَ ونَبْذِهِمُ المَعْقُولَ. ولِيَعْلَمُوا أنَّ الإيثارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْخَيْرِ الزّائِدِ. ونَحْوَهُ ما حَكاهُ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى مِثْلُ أنْهارِهِ الَّتِي كانَتْ تَجْرِي تَحْتَهُ.
ثُمَّ عَدَّدَ سُبْحانَهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]
لَطِيفَةٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ) في هَذِهِ الآيَةِ: كَلِمَةُ (السَّلامِ) هُنا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وهِيَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، ويَكُونُ الأمْرُ بِالقَوْلِ مُتَناوِلًا لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا. وعَلى هَذا، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ مَحَلُّها النَّصْبُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةً مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الطَّلَبِ. وعَلى هَذا فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
(p-٤٦٧٧)وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهو المُطابِقُ لِما تَقَدَّمَ مِن سَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ.
ولَكِنْ يُقالُ عَلى هَذا: كَيْفَ يَعْطِفُ الخَبَرَ عَلى الطَّلَبِ مَعَ تَنافُرِ ما بَيْنَهُما. فَلا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: قُمْ وذَهَبَ زَيْدٌ، ولا اخْرُجْ وقَعَدَ عَمْرٌو.
ويُجابُ عَلى هَذا بِأنَّ جُمْلَةَ الطَّلَبِ، قَدْ حُكِيَتْ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، ومَعَ هَذا لا يَمْتَنِعُ العَطْفُ فِيهِ بِالخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ لِعَدَمِ تَنافُرِ الكَلامِ فِيهِ وتَبايُنِهِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]
فَقَوْلُهُ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ [يونس: ١٠١] لَيْسَ مَعْطُوفًا بِالقَوْلِ وهو انْظُرُوا بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الكُبْرى.
عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الطَّلَبِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ سَلَّمَ عَلى المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ، والرُّسُلُ أفْضَلُهُمُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣ - ٥٩] ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] (p-٤٦٧٥)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]
﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] أيْ: قُبْحَها ومُضادَّتَها لِحُكْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ سَفَهًا وعَمًى عَنِ العاقِبَةِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا ويَرَوْنَها رِجْسًا. قالُوهُ اسْتِهْزاءً: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨] أيْ: هائِلًا غَيْرَ مَعْهُودٍ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ. وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ، والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ، وبَعْثٍ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ، والتَّبَرُّكِ بِهِما، والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما، عَلى قَبُولِ ما يُلْقى إلى السّامِعِينَ، وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةَ الَّتِي يَبْغِيها المُسْمِعُ. ولَقَدْ تَوارَثَ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ. فَحَمِدُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمامَ (p-٤٦٧٦)كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ، وقَبْلَ كُلِّ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ، وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ. وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ. فَأجْرَوْا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمْرٌ بِالتَّحْمِيدِ عَلى الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ. والصَّلاةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأشْياعِهِمُ النّاجِينَ.
ثُمَّ قالَ: مَعْلُومٌ أنْ لا خَيْرَ فِيما أشْرَكُوهُ أصْلًا حَتّى يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خالِقُ كُلِّ خَيْرٍ ومالِكُهُ. وإنَّما هو إلْزامٌ لَهم وتَبْكِيتٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ. وذَلِكَ أنَّهُ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، إلّا لِداعٍ يَدْعُوهُ إلى إيثارِهِ، مِن زِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ. فَقِيلَ لَهُمْ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيما آثَرُوهُ، وأنَّهم لَمْ يُؤْثِرُوهُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، ولَكِنْ هَوًى وعَبَثًا، لِيُنَبِّهُوا عَلى الخَطَأِ المُفْرِطِ، والجَهْلِ المُوَرِّطِ. وإضْلالِهِمُ التَّمْيِيزَ ونَبْذِهِمُ المَعْقُولَ. ولِيَعْلَمُوا أنَّ الإيثارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْخَيْرِ الزّائِدِ. ونَحْوَهُ ما حَكاهُ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى مِثْلُ أنْهارِهِ الَّتِي كانَتْ تَجْرِي تَحْتَهُ.
ثُمَّ عَدَّدَ سُبْحانَهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]
لَطِيفَةٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ) في هَذِهِ الآيَةِ: كَلِمَةُ (السَّلامِ) هُنا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وهِيَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، ويَكُونُ الأمْرُ بِالقَوْلِ مُتَناوِلًا لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا. وعَلى هَذا، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ مَحَلُّها النَّصْبُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةً مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الطَّلَبِ. وعَلى هَذا فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
(p-٤٦٧٧)وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهو المُطابِقُ لِما تَقَدَّمَ مِن سَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ.
ولَكِنْ يُقالُ عَلى هَذا: كَيْفَ يَعْطِفُ الخَبَرَ عَلى الطَّلَبِ مَعَ تَنافُرِ ما بَيْنَهُما. فَلا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: قُمْ وذَهَبَ زَيْدٌ، ولا اخْرُجْ وقَعَدَ عَمْرٌو.
ويُجابُ عَلى هَذا بِأنَّ جُمْلَةَ الطَّلَبِ، قَدْ حُكِيَتْ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، ومَعَ هَذا لا يَمْتَنِعُ العَطْفُ فِيهِ بِالخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ لِعَدَمِ تَنافُرِ الكَلامِ فِيهِ وتَبايُنِهِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]
فَقَوْلُهُ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ [يونس: ١٠١] لَيْسَ مَعْطُوفًا بِالقَوْلِ وهو انْظُرُوا بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الكُبْرى.
عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الطَّلَبِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ سَلَّمَ عَلى المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ، والرُّسُلُ أفْضَلُهُمُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣ - ٥٩] ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] (p-٤٦٧٥)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]
﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] أيْ: قُبْحَها ومُضادَّتَها لِحُكْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ سَفَهًا وعَمًى عَنِ العاقِبَةِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا ويَرَوْنَها رِجْسًا. قالُوهُ اسْتِهْزاءً: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨] أيْ: هائِلًا غَيْرَ مَعْهُودٍ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ. وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ، والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ، وبَعْثٍ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ، والتَّبَرُّكِ بِهِما، والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما، عَلى قَبُولِ ما يُلْقى إلى السّامِعِينَ، وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةَ الَّتِي يَبْغِيها المُسْمِعُ. ولَقَدْ تَوارَثَ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ. فَحَمِدُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمامَ (p-٤٦٧٦)كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ، وقَبْلَ كُلِّ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ، وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ. وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ. فَأجْرَوْا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمْرٌ بِالتَّحْمِيدِ عَلى الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ. والصَّلاةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأشْياعِهِمُ النّاجِينَ.
ثُمَّ قالَ: مَعْلُومٌ أنْ لا خَيْرَ فِيما أشْرَكُوهُ أصْلًا حَتّى يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خالِقُ كُلِّ خَيْرٍ ومالِكُهُ. وإنَّما هو إلْزامٌ لَهم وتَبْكِيتٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ. وذَلِكَ أنَّهُ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، إلّا لِداعٍ يَدْعُوهُ إلى إيثارِهِ، مِن زِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ. فَقِيلَ لَهُمْ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيما آثَرُوهُ، وأنَّهم لَمْ يُؤْثِرُوهُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، ولَكِنْ هَوًى وعَبَثًا، لِيُنَبِّهُوا عَلى الخَطَأِ المُفْرِطِ، والجَهْلِ المُوَرِّطِ. وإضْلالِهِمُ التَّمْيِيزَ ونَبْذِهِمُ المَعْقُولَ. ولِيَعْلَمُوا أنَّ الإيثارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْخَيْرِ الزّائِدِ. ونَحْوَهُ ما حَكاهُ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى مِثْلُ أنْهارِهِ الَّتِي كانَتْ تَجْرِي تَحْتَهُ.
ثُمَّ عَدَّدَ سُبْحانَهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]
لَطِيفَةٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ) في هَذِهِ الآيَةِ: كَلِمَةُ (السَّلامِ) هُنا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وهِيَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، ويَكُونُ الأمْرُ بِالقَوْلِ مُتَناوِلًا لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا. وعَلى هَذا، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ مَحَلُّها النَّصْبُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةً مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الطَّلَبِ. وعَلى هَذا فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
(p-٤٦٧٧)وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهو المُطابِقُ لِما تَقَدَّمَ مِن سَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ.
ولَكِنْ يُقالُ عَلى هَذا: كَيْفَ يَعْطِفُ الخَبَرَ عَلى الطَّلَبِ مَعَ تَنافُرِ ما بَيْنَهُما. فَلا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: قُمْ وذَهَبَ زَيْدٌ، ولا اخْرُجْ وقَعَدَ عَمْرٌو.
ويُجابُ عَلى هَذا بِأنَّ جُمْلَةَ الطَّلَبِ، قَدْ حُكِيَتْ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، ومَعَ هَذا لا يَمْتَنِعُ العَطْفُ فِيهِ بِالخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ لِعَدَمِ تَنافُرِ الكَلامِ فِيهِ وتَبايُنِهِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]
فَقَوْلُهُ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ [يونس: ١٠١] لَيْسَ مَعْطُوفًا بِالقَوْلِ وهو انْظُرُوا بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الكُبْرى.
عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الطَّلَبِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ سَلَّمَ عَلى المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ، والرُّسُلُ أفْضَلُهُمُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣ - ٥٩] ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] (p-٤٦٧٥)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]
﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] أيْ: قُبْحَها ومُضادَّتَها لِحُكْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ سَفَهًا وعَمًى عَنِ العاقِبَةِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا ويَرَوْنَها رِجْسًا. قالُوهُ اسْتِهْزاءً: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨] أيْ: هائِلًا غَيْرَ مَعْهُودٍ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ. وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ، والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ، وبَعْثٍ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ، والتَّبَرُّكِ بِهِما، والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما، عَلى قَبُولِ ما يُلْقى إلى السّامِعِينَ، وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةَ الَّتِي يَبْغِيها المُسْمِعُ. ولَقَدْ تَوارَثَ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ. فَحَمِدُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمامَ (p-٤٦٧٦)كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ، وقَبْلَ كُلِّ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ، وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ. وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ. فَأجْرَوْا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمْرٌ بِالتَّحْمِيدِ عَلى الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ. والصَّلاةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأشْياعِهِمُ النّاجِينَ.
ثُمَّ قالَ: مَعْلُومٌ أنْ لا خَيْرَ فِيما أشْرَكُوهُ أصْلًا حَتّى يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خالِقُ كُلِّ خَيْرٍ ومالِكُهُ. وإنَّما هو إلْزامٌ لَهم وتَبْكِيتٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ. وذَلِكَ أنَّهُ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، إلّا لِداعٍ يَدْعُوهُ إلى إيثارِهِ، مِن زِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ. فَقِيلَ لَهُمْ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيما آثَرُوهُ، وأنَّهم لَمْ يُؤْثِرُوهُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، ولَكِنْ هَوًى وعَبَثًا، لِيُنَبِّهُوا عَلى الخَطَأِ المُفْرِطِ، والجَهْلِ المُوَرِّطِ. وإضْلالِهِمُ التَّمْيِيزَ ونَبْذِهِمُ المَعْقُولَ. ولِيَعْلَمُوا أنَّ الإيثارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْخَيْرِ الزّائِدِ. ونَحْوَهُ ما حَكاهُ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى مِثْلُ أنْهارِهِ الَّتِي كانَتْ تَجْرِي تَحْتَهُ.
ثُمَّ عَدَّدَ سُبْحانَهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]
لَطِيفَةٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ) في هَذِهِ الآيَةِ: كَلِمَةُ (السَّلامِ) هُنا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وهِيَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، ويَكُونُ الأمْرُ بِالقَوْلِ مُتَناوِلًا لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا. وعَلى هَذا، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ مَحَلُّها النَّصْبُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةً مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الطَّلَبِ. وعَلى هَذا فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
(p-٤٦٧٧)وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهو المُطابِقُ لِما تَقَدَّمَ مِن سَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ.
ولَكِنْ يُقالُ عَلى هَذا: كَيْفَ يَعْطِفُ الخَبَرَ عَلى الطَّلَبِ مَعَ تَنافُرِ ما بَيْنَهُما. فَلا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: قُمْ وذَهَبَ زَيْدٌ، ولا اخْرُجْ وقَعَدَ عَمْرٌو.
ويُجابُ عَلى هَذا بِأنَّ جُمْلَةَ الطَّلَبِ، قَدْ حُكِيَتْ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، ومَعَ هَذا لا يَمْتَنِعُ العَطْفُ فِيهِ بِالخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ لِعَدَمِ تَنافُرِ الكَلامِ فِيهِ وتَبايُنِهِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]
فَقَوْلُهُ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ [يونس: ١٠١] لَيْسَ مَعْطُوفًا بِالقَوْلِ وهو انْظُرُوا بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الكُبْرى.
عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الطَّلَبِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ سَلَّمَ عَلى المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ، والرُّسُلُ أفْضَلُهُمُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣ - ٥٩] ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] (p-٤٦٧٥)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]
﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] أيْ: قُبْحَها ومُضادَّتَها لِحُكْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ سَفَهًا وعَمًى عَنِ العاقِبَةِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا ويَرَوْنَها رِجْسًا. قالُوهُ اسْتِهْزاءً: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨] أيْ: هائِلًا غَيْرَ مَعْهُودٍ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ. وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ، والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ، وبَعْثٍ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ، والتَّبَرُّكِ بِهِما، والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما، عَلى قَبُولِ ما يُلْقى إلى السّامِعِينَ، وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةَ الَّتِي يَبْغِيها المُسْمِعُ. ولَقَدْ تَوارَثَ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ. فَحَمِدُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمامَ (p-٤٦٧٦)كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ، وقَبْلَ كُلِّ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ، وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ. وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ. فَأجْرَوْا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمْرٌ بِالتَّحْمِيدِ عَلى الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ. والصَّلاةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأشْياعِهِمُ النّاجِينَ.
ثُمَّ قالَ: مَعْلُومٌ أنْ لا خَيْرَ فِيما أشْرَكُوهُ أصْلًا حَتّى يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خالِقُ كُلِّ خَيْرٍ ومالِكُهُ. وإنَّما هو إلْزامٌ لَهم وتَبْكِيتٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ. وذَلِكَ أنَّهُ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، إلّا لِداعٍ يَدْعُوهُ إلى إيثارِهِ، مِن زِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ. فَقِيلَ لَهُمْ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيما آثَرُوهُ، وأنَّهم لَمْ يُؤْثِرُوهُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، ولَكِنْ هَوًى وعَبَثًا، لِيُنَبِّهُوا عَلى الخَطَأِ المُفْرِطِ، والجَهْلِ المُوَرِّطِ. وإضْلالِهِمُ التَّمْيِيزَ ونَبْذِهِمُ المَعْقُولَ. ولِيَعْلَمُوا أنَّ الإيثارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْخَيْرِ الزّائِدِ. ونَحْوَهُ ما حَكاهُ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى مِثْلُ أنْهارِهِ الَّتِي كانَتْ تَجْرِي تَحْتَهُ.
ثُمَّ عَدَّدَ سُبْحانَهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]
لَطِيفَةٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ) في هَذِهِ الآيَةِ: كَلِمَةُ (السَّلامِ) هُنا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وهِيَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، ويَكُونُ الأمْرُ بِالقَوْلِ مُتَناوِلًا لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا. وعَلى هَذا، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ مَحَلُّها النَّصْبُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةً مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الطَّلَبِ. وعَلى هَذا فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
(p-٤٦٧٧)وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهو المُطابِقُ لِما تَقَدَّمَ مِن سَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ.
ولَكِنْ يُقالُ عَلى هَذا: كَيْفَ يَعْطِفُ الخَبَرَ عَلى الطَّلَبِ مَعَ تَنافُرِ ما بَيْنَهُما. فَلا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: قُمْ وذَهَبَ زَيْدٌ، ولا اخْرُجْ وقَعَدَ عَمْرٌو.
ويُجابُ عَلى هَذا بِأنَّ جُمْلَةَ الطَّلَبِ، قَدْ حُكِيَتْ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، ومَعَ هَذا لا يَمْتَنِعُ العَطْفُ فِيهِ بِالخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ لِعَدَمِ تَنافُرِ الكَلامِ فِيهِ وتَبايُنِهِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]
فَقَوْلُهُ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ [يونس: ١٠١] لَيْسَ مَعْطُوفًا بِالقَوْلِ وهو انْظُرُوا بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الكُبْرى.
عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الطَّلَبِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ سَلَّمَ عَلى المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ، والرُّسُلُ أفْضَلُهُمُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣ - ٥٩] ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] (p-٤٦٧٥)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]
﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] أيْ: قُبْحَها ومُضادَّتَها لِحُكْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ سَفَهًا وعَمًى عَنِ العاقِبَةِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا ويَرَوْنَها رِجْسًا. قالُوهُ اسْتِهْزاءً: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨] أيْ: هائِلًا غَيْرَ مَعْهُودٍ: ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ. وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ، والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ، وبَعْثٍ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ، والتَّبَرُّكِ بِهِما، والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما، عَلى قَبُولِ ما يُلْقى إلى السّامِعِينَ، وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةَ الَّتِي يَبْغِيها المُسْمِعُ. ولَقَدْ تَوارَثَ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ. فَحَمِدُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمامَ (p-٤٦٧٦)كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ، وقَبْلَ كُلِّ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ، وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ. وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ. فَأجْرَوْا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمْرٌ بِالتَّحْمِيدِ عَلى الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ. والصَّلاةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأشْياعِهِمُ النّاجِينَ.
ثُمَّ قالَ: مَعْلُومٌ أنْ لا خَيْرَ فِيما أشْرَكُوهُ أصْلًا حَتّى يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خالِقُ كُلِّ خَيْرٍ ومالِكُهُ. وإنَّما هو إلْزامٌ لَهم وتَبْكِيتٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ. وذَلِكَ أنَّهُ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، إلّا لِداعٍ يَدْعُوهُ إلى إيثارِهِ، مِن زِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ. فَقِيلَ لَهُمْ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيما آثَرُوهُ، وأنَّهم لَمْ يُؤْثِرُوهُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، ولَكِنْ هَوًى وعَبَثًا، لِيُنَبِّهُوا عَلى الخَطَأِ المُفْرِطِ، والجَهْلِ المُوَرِّطِ. وإضْلالِهِمُ التَّمْيِيزَ ونَبْذِهِمُ المَعْقُولَ. ولِيَعْلَمُوا أنَّ الإيثارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْخَيْرِ الزّائِدِ. ونَحْوَهُ ما حَكاهُ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى مِثْلُ أنْهارِهِ الَّتِي كانَتْ تَجْرِي تَحْتَهُ.
ثُمَّ عَدَّدَ سُبْحانَهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]
لَطِيفَةٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ) في هَذِهِ الآيَةِ: كَلِمَةُ (السَّلامِ) هُنا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وهِيَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، ويَكُونُ الأمْرُ بِالقَوْلِ مُتَناوِلًا لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا. وعَلى هَذا، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ مَحَلُّها النَّصْبُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةً مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الطَّلَبِ. وعَلى هَذا فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
(p-٤٦٧٧)وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهو المُطابِقُ لِما تَقَدَّمَ مِن سَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ.
ولَكِنْ يُقالُ عَلى هَذا: كَيْفَ يَعْطِفُ الخَبَرَ عَلى الطَّلَبِ مَعَ تَنافُرِ ما بَيْنَهُما. فَلا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: قُمْ وذَهَبَ زَيْدٌ، ولا اخْرُجْ وقَعَدَ عَمْرٌو.
ويُجابُ عَلى هَذا بِأنَّ جُمْلَةَ الطَّلَبِ، قَدْ حُكِيَتْ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، ومَعَ هَذا لا يَمْتَنِعُ العَطْفُ فِيهِ بِالخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ لِعَدَمِ تَنافُرِ الكَلامِ فِيهِ وتَبايُنِهِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]
فَقَوْلُهُ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ [يونس: ١٠١] لَيْسَ مَعْطُوفًا بِالقَوْلِ وهو انْظُرُوا بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الكُبْرى.
عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الطَّلَبِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ سَلَّمَ عَلى المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ، والرُّسُلُ أفْضَلُهُمُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النمل 27:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠ - ٦٣] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (p-٤٦٧٨)﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]
﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ، مِنَ التَّبْكِيتِ تَعْرِيضًا، إلى التَّصْرِيحِ بِهِ خِطابًا عَلى وجْهٍ أظْهَرَ مِنهُ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ. أيْ: بَلْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأوْدَعَ فِيهِما مِنَ المَنافِعِ ما لا يُحْصى: ﴿وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ يُبْهِجُ النُّظّارَ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: أإلَهٌ آخَرُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ، الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ أفْعالِهِ، الَّتِي لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، حَتّى يَتَوَهَّمَ جَعْلَهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ؟ وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى، في ضِمْنِ النَّفْيِ الكُلِّيِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ، بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّرْدِيدِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. أوْ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ [النمل: ٦١] أيْ: قارَّةً لا تَنْكَفِئُ بِمَن عَلَيْها. أوْ مُسْتَقَرًّا لِمَن عَلَيْها، يَتَمَتَّعُونَ بِمَنافِعِها: ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] أيْ: بَرْزَخًا مانِعًا مِنَ المُمازَجَةِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١] أيْ: في الوُجُودِ، أوْ في إبْداعِ هَذِهِ البَدائِعِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ولِذَلِكَ لا يَفْهَمُونَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ نازِلَةٌ مِن نَوازِلِ الدَّهْرِ، إلى اللَّجَأِ والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى، اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (الِاضْطِرارِ) الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ (p-٤٦٧٩)(الضَّرُورَةِ) وهي الحالَةُ المُحَوِّجَةُ إلى اللَّجَأِ أيْ: الِالتِجاءِ والِاسْتِنادِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُنَبِّهُ تَعالى أنَّهُ المَدْعُوُّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، المَوْجُودُ عِنْدَ النَّوازِلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]
وقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] وهَكَذا قالَ هاهُنا: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: مَن هو الَّذِي لا يَلْجَأُ المُضْطَرُّ إلّا إلَيْهِ، والَّذِي لا يَكْشِفُ ضُرَّ المَضْرُورِينَ سِواهُ؟
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي): إذا اجْتَمَعَ مَعَ الدُّعاءِ حُضُورُ القَلْبِ وجَمْعِيَّتُهُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المَطْلُوبِ، وصادَفَ انْكِسارًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ وذُلًّا لَهُ وتَضَرُّعًا ورِقَّةً، ثُمَّ تَوَسَّلَ إلَيْهِ تَعالى بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ لا يَكادُ يُرَدُّ أبَدًا. ولا سِيَّما إنْ صادَفَ الأدْعِيَةَ المَأْثُورَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها مَظِنَّةُ الإجابَةِ، أوْ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْمِ الأعْظَمِ. ثُمَّ ساقَها ابْنُ القَيِّمِ مُسْنَدَةً.
ثُمَّ قالَ: وكَثِيرًا ما نَجِدُ أدْعِيَةً دَعا بِها قَوْمٌ فاسْتُجِيبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَنَ بِالدُّعاءِ ضَرُورَةُ صاحِبِهِ وإقْبالُهُ عَلى اللَّهِ. أوْ حَسَنَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إجابَةَ دَعْوَتِهِ شُكْرًا لِحَسَنَتِهِ. أوْ صادَفَ الدُّعاءُ وقْتَ إجابَةٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ. فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ السِّرَّ في لَفْظِ ذَلِكَ الدُّعاءِ، فَيَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي قارَنَتْهُ مِن ذَلِكَ الدّاعِي. وهَذا كَما إذا اسْتَعْمَلَ رَجُلٌ دَواءً نافِعًا، في الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي، عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي. فانْتَفَعَ بِهِ. فَظَنَّ غَيْرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا الدَّواءِ بِمُجَرَّدِهِ، كافٍ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، كانَ غالِطًا. وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. ومِن هَذا قَدْ يَتَّفِقُ دُعاؤُهُ بِاضْطِرارٍ عِنْدَ قَبْرٍ فَيُجابُ. فَيَظُنُّ الجاهِلُ أنَّ السِّرَّ لِلْقَبْرِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ السِّرَّ لِلِاضْطِرارِ وصِدْقِ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ. فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ، كانَ أفْضَلَ وأحَبَّ إلى اللَّهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: كُلَّ ما هو يَسُوءُ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ وغَيْرِهِ: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: خُلَفاءَ فِيها. وذَلِكَ تَوارُثُهم سُكّانَها، والتَّصَرُّفُ فِيها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ (p-٤٦٨٠)أوْ أرادَ بِالخِلافَةِ المُلْكَ والتَّسَلُّطَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣] أيْ: بِالنُّجُومِ في السَّماءِ، والعَلاماتِ في الأرْضِ، إذا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَيْكم مُسافِرِينَ في البَرِّ والبَحْرِ: ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: ٦٣] وهي المَطَرُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]
النمل 27:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠ - ٦٣] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (p-٤٦٧٨)﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]
﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ، مِنَ التَّبْكِيتِ تَعْرِيضًا، إلى التَّصْرِيحِ بِهِ خِطابًا عَلى وجْهٍ أظْهَرَ مِنهُ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ. أيْ: بَلْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأوْدَعَ فِيهِما مِنَ المَنافِعِ ما لا يُحْصى: ﴿وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ يُبْهِجُ النُّظّارَ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: أإلَهٌ آخَرُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ، الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ أفْعالِهِ، الَّتِي لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، حَتّى يَتَوَهَّمَ جَعْلَهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ؟ وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى، في ضِمْنِ النَّفْيِ الكُلِّيِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ، بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّرْدِيدِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. أوْ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ [النمل: ٦١] أيْ: قارَّةً لا تَنْكَفِئُ بِمَن عَلَيْها. أوْ مُسْتَقَرًّا لِمَن عَلَيْها، يَتَمَتَّعُونَ بِمَنافِعِها: ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] أيْ: بَرْزَخًا مانِعًا مِنَ المُمازَجَةِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١] أيْ: في الوُجُودِ، أوْ في إبْداعِ هَذِهِ البَدائِعِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ولِذَلِكَ لا يَفْهَمُونَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ نازِلَةٌ مِن نَوازِلِ الدَّهْرِ، إلى اللَّجَأِ والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى، اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (الِاضْطِرارِ) الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ (p-٤٦٧٩)(الضَّرُورَةِ) وهي الحالَةُ المُحَوِّجَةُ إلى اللَّجَأِ أيْ: الِالتِجاءِ والِاسْتِنادِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُنَبِّهُ تَعالى أنَّهُ المَدْعُوُّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، المَوْجُودُ عِنْدَ النَّوازِلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]
وقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] وهَكَذا قالَ هاهُنا: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: مَن هو الَّذِي لا يَلْجَأُ المُضْطَرُّ إلّا إلَيْهِ، والَّذِي لا يَكْشِفُ ضُرَّ المَضْرُورِينَ سِواهُ؟
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي): إذا اجْتَمَعَ مَعَ الدُّعاءِ حُضُورُ القَلْبِ وجَمْعِيَّتُهُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المَطْلُوبِ، وصادَفَ انْكِسارًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ وذُلًّا لَهُ وتَضَرُّعًا ورِقَّةً، ثُمَّ تَوَسَّلَ إلَيْهِ تَعالى بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ لا يَكادُ يُرَدُّ أبَدًا. ولا سِيَّما إنْ صادَفَ الأدْعِيَةَ المَأْثُورَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها مَظِنَّةُ الإجابَةِ، أوْ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْمِ الأعْظَمِ. ثُمَّ ساقَها ابْنُ القَيِّمِ مُسْنَدَةً.
ثُمَّ قالَ: وكَثِيرًا ما نَجِدُ أدْعِيَةً دَعا بِها قَوْمٌ فاسْتُجِيبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَنَ بِالدُّعاءِ ضَرُورَةُ صاحِبِهِ وإقْبالُهُ عَلى اللَّهِ. أوْ حَسَنَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إجابَةَ دَعْوَتِهِ شُكْرًا لِحَسَنَتِهِ. أوْ صادَفَ الدُّعاءُ وقْتَ إجابَةٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ. فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ السِّرَّ في لَفْظِ ذَلِكَ الدُّعاءِ، فَيَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي قارَنَتْهُ مِن ذَلِكَ الدّاعِي. وهَذا كَما إذا اسْتَعْمَلَ رَجُلٌ دَواءً نافِعًا، في الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي، عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي. فانْتَفَعَ بِهِ. فَظَنَّ غَيْرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا الدَّواءِ بِمُجَرَّدِهِ، كافٍ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، كانَ غالِطًا. وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. ومِن هَذا قَدْ يَتَّفِقُ دُعاؤُهُ بِاضْطِرارٍ عِنْدَ قَبْرٍ فَيُجابُ. فَيَظُنُّ الجاهِلُ أنَّ السِّرَّ لِلْقَبْرِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ السِّرَّ لِلِاضْطِرارِ وصِدْقِ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ. فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ، كانَ أفْضَلَ وأحَبَّ إلى اللَّهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: كُلَّ ما هو يَسُوءُ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ وغَيْرِهِ: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: خُلَفاءَ فِيها. وذَلِكَ تَوارُثُهم سُكّانَها، والتَّصَرُّفُ فِيها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ (p-٤٦٨٠)أوْ أرادَ بِالخِلافَةِ المُلْكَ والتَّسَلُّطَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣] أيْ: بِالنُّجُومِ في السَّماءِ، والعَلاماتِ في الأرْضِ، إذا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَيْكم مُسافِرِينَ في البَرِّ والبَحْرِ: ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: ٦٣] وهي المَطَرُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]
النمل 27:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠ - ٦٣] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (p-٤٦٧٨)﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]
﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ، مِنَ التَّبْكِيتِ تَعْرِيضًا، إلى التَّصْرِيحِ بِهِ خِطابًا عَلى وجْهٍ أظْهَرَ مِنهُ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ. أيْ: بَلْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأوْدَعَ فِيهِما مِنَ المَنافِعِ ما لا يُحْصى: ﴿وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ يُبْهِجُ النُّظّارَ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: أإلَهٌ آخَرُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ، الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ أفْعالِهِ، الَّتِي لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، حَتّى يَتَوَهَّمَ جَعْلَهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ؟ وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى، في ضِمْنِ النَّفْيِ الكُلِّيِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ، بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّرْدِيدِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. أوْ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ [النمل: ٦١] أيْ: قارَّةً لا تَنْكَفِئُ بِمَن عَلَيْها. أوْ مُسْتَقَرًّا لِمَن عَلَيْها، يَتَمَتَّعُونَ بِمَنافِعِها: ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] أيْ: بَرْزَخًا مانِعًا مِنَ المُمازَجَةِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١] أيْ: في الوُجُودِ، أوْ في إبْداعِ هَذِهِ البَدائِعِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ولِذَلِكَ لا يَفْهَمُونَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ نازِلَةٌ مِن نَوازِلِ الدَّهْرِ، إلى اللَّجَأِ والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى، اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (الِاضْطِرارِ) الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ (p-٤٦٧٩)(الضَّرُورَةِ) وهي الحالَةُ المُحَوِّجَةُ إلى اللَّجَأِ أيْ: الِالتِجاءِ والِاسْتِنادِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُنَبِّهُ تَعالى أنَّهُ المَدْعُوُّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، المَوْجُودُ عِنْدَ النَّوازِلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]
وقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] وهَكَذا قالَ هاهُنا: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: مَن هو الَّذِي لا يَلْجَأُ المُضْطَرُّ إلّا إلَيْهِ، والَّذِي لا يَكْشِفُ ضُرَّ المَضْرُورِينَ سِواهُ؟
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي): إذا اجْتَمَعَ مَعَ الدُّعاءِ حُضُورُ القَلْبِ وجَمْعِيَّتُهُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المَطْلُوبِ، وصادَفَ انْكِسارًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ وذُلًّا لَهُ وتَضَرُّعًا ورِقَّةً، ثُمَّ تَوَسَّلَ إلَيْهِ تَعالى بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ لا يَكادُ يُرَدُّ أبَدًا. ولا سِيَّما إنْ صادَفَ الأدْعِيَةَ المَأْثُورَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها مَظِنَّةُ الإجابَةِ، أوْ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْمِ الأعْظَمِ. ثُمَّ ساقَها ابْنُ القَيِّمِ مُسْنَدَةً.
ثُمَّ قالَ: وكَثِيرًا ما نَجِدُ أدْعِيَةً دَعا بِها قَوْمٌ فاسْتُجِيبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَنَ بِالدُّعاءِ ضَرُورَةُ صاحِبِهِ وإقْبالُهُ عَلى اللَّهِ. أوْ حَسَنَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إجابَةَ دَعْوَتِهِ شُكْرًا لِحَسَنَتِهِ. أوْ صادَفَ الدُّعاءُ وقْتَ إجابَةٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ. فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ السِّرَّ في لَفْظِ ذَلِكَ الدُّعاءِ، فَيَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي قارَنَتْهُ مِن ذَلِكَ الدّاعِي. وهَذا كَما إذا اسْتَعْمَلَ رَجُلٌ دَواءً نافِعًا، في الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي، عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي. فانْتَفَعَ بِهِ. فَظَنَّ غَيْرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا الدَّواءِ بِمُجَرَّدِهِ، كافٍ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، كانَ غالِطًا. وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. ومِن هَذا قَدْ يَتَّفِقُ دُعاؤُهُ بِاضْطِرارٍ عِنْدَ قَبْرٍ فَيُجابُ. فَيَظُنُّ الجاهِلُ أنَّ السِّرَّ لِلْقَبْرِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ السِّرَّ لِلِاضْطِرارِ وصِدْقِ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ. فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ، كانَ أفْضَلَ وأحَبَّ إلى اللَّهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: كُلَّ ما هو يَسُوءُ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ وغَيْرِهِ: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: خُلَفاءَ فِيها. وذَلِكَ تَوارُثُهم سُكّانَها، والتَّصَرُّفُ فِيها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ (p-٤٦٨٠)أوْ أرادَ بِالخِلافَةِ المُلْكَ والتَّسَلُّطَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣] أيْ: بِالنُّجُومِ في السَّماءِ، والعَلاماتِ في الأرْضِ، إذا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَيْكم مُسافِرِينَ في البَرِّ والبَحْرِ: ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: ٦٣] وهي المَطَرُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]
النمل 27:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠ - ٦٣] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (p-٤٦٧٨)﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]
﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ، مِنَ التَّبْكِيتِ تَعْرِيضًا، إلى التَّصْرِيحِ بِهِ خِطابًا عَلى وجْهٍ أظْهَرَ مِنهُ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ. أيْ: بَلْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأوْدَعَ فِيهِما مِنَ المَنافِعِ ما لا يُحْصى: ﴿وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ يُبْهِجُ النُّظّارَ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: أإلَهٌ آخَرُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ، الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ أفْعالِهِ، الَّتِي لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، حَتّى يَتَوَهَّمَ جَعْلَهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ؟ وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى، في ضِمْنِ النَّفْيِ الكُلِّيِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ، بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّرْدِيدِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. أوْ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ [النمل: ٦١] أيْ: قارَّةً لا تَنْكَفِئُ بِمَن عَلَيْها. أوْ مُسْتَقَرًّا لِمَن عَلَيْها، يَتَمَتَّعُونَ بِمَنافِعِها: ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] أيْ: بَرْزَخًا مانِعًا مِنَ المُمازَجَةِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١] أيْ: في الوُجُودِ، أوْ في إبْداعِ هَذِهِ البَدائِعِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ولِذَلِكَ لا يَفْهَمُونَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ نازِلَةٌ مِن نَوازِلِ الدَّهْرِ، إلى اللَّجَأِ والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى، اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (الِاضْطِرارِ) الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ (p-٤٦٧٩)(الضَّرُورَةِ) وهي الحالَةُ المُحَوِّجَةُ إلى اللَّجَأِ أيْ: الِالتِجاءِ والِاسْتِنادِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُنَبِّهُ تَعالى أنَّهُ المَدْعُوُّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، المَوْجُودُ عِنْدَ النَّوازِلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]
وقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] وهَكَذا قالَ هاهُنا: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: مَن هو الَّذِي لا يَلْجَأُ المُضْطَرُّ إلّا إلَيْهِ، والَّذِي لا يَكْشِفُ ضُرَّ المَضْرُورِينَ سِواهُ؟
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي): إذا اجْتَمَعَ مَعَ الدُّعاءِ حُضُورُ القَلْبِ وجَمْعِيَّتُهُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المَطْلُوبِ، وصادَفَ انْكِسارًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ وذُلًّا لَهُ وتَضَرُّعًا ورِقَّةً، ثُمَّ تَوَسَّلَ إلَيْهِ تَعالى بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ لا يَكادُ يُرَدُّ أبَدًا. ولا سِيَّما إنْ صادَفَ الأدْعِيَةَ المَأْثُورَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها مَظِنَّةُ الإجابَةِ، أوْ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْمِ الأعْظَمِ. ثُمَّ ساقَها ابْنُ القَيِّمِ مُسْنَدَةً.
ثُمَّ قالَ: وكَثِيرًا ما نَجِدُ أدْعِيَةً دَعا بِها قَوْمٌ فاسْتُجِيبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَنَ بِالدُّعاءِ ضَرُورَةُ صاحِبِهِ وإقْبالُهُ عَلى اللَّهِ. أوْ حَسَنَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إجابَةَ دَعْوَتِهِ شُكْرًا لِحَسَنَتِهِ. أوْ صادَفَ الدُّعاءُ وقْتَ إجابَةٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ. فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ السِّرَّ في لَفْظِ ذَلِكَ الدُّعاءِ، فَيَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي قارَنَتْهُ مِن ذَلِكَ الدّاعِي. وهَذا كَما إذا اسْتَعْمَلَ رَجُلٌ دَواءً نافِعًا، في الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي، عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي. فانْتَفَعَ بِهِ. فَظَنَّ غَيْرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا الدَّواءِ بِمُجَرَّدِهِ، كافٍ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، كانَ غالِطًا. وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. ومِن هَذا قَدْ يَتَّفِقُ دُعاؤُهُ بِاضْطِرارٍ عِنْدَ قَبْرٍ فَيُجابُ. فَيَظُنُّ الجاهِلُ أنَّ السِّرَّ لِلْقَبْرِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ السِّرَّ لِلِاضْطِرارِ وصِدْقِ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ. فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ، كانَ أفْضَلَ وأحَبَّ إلى اللَّهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: كُلَّ ما هو يَسُوءُ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ وغَيْرِهِ: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] أيْ: خُلَفاءَ فِيها. وذَلِكَ تَوارُثُهم سُكّانَها، والتَّصَرُّفُ فِيها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ (p-٤٦٨٠)أوْ أرادَ بِالخِلافَةِ المُلْكَ والتَّسَلُّطَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣] أيْ: بِالنُّجُومِ في السَّماءِ، والعَلاماتِ في الأرْضِ، إذا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَيْكم مُسافِرِينَ في البَرِّ والبَحْرِ: ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: ٦٣] وهي المَطَرُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]
النمل 27:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٤ - ٦٥] ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ. فَإنْ قِيلَ: هم مُنْكِرُونَ لِلْإعادَةِ، فَكَيْفَ خُوطِبُوا بِها خِطابَ المُعْتَرِفِ؟ أُجِيبَ بِأنَّها لِظُهُورِها ووُضُوحِ بَراهِينِها، جُعِلُوا كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِها، لِتَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِها -فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ مِنهم مَنِ اعْتَرَفَ بِها، فالكَلامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: مِمّا يُنْزِلُهُ مِن مائِها وما يُخْرِجُهُ مِن نَباتِها: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ تَبْكِيتٍ. أيْ: هاتُوا بُرْهانًا عَقْلِيًّا أوْ نَقْلِيًّا، يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعَهُ تَعالى إلَهًا. لا عَلى أنَّ غَيْرَهُ تَعالى يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ مِن أفْعالِهِ تَعالى، فَإنَّهم لا يَدْعُونَهُ صَرِيحًا. وفي إضافَةِ (البُرْهانِ) إلى ضَمِيرِهِمْ، تَهَكُّمٌ بِهِمْ. لِما فِيها مِن إيهامِ أنَّ لَهم بُرْهانًا. وأنّى لَهم ذَلِكَ؟ قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] أيْ: فَإنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِذَلِكَ وحْدَهُ، كَما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] في آياتٍ (p-٤٦٨١)لا تُحْصى. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، لِاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ تَعالى مِمَّنْ في السَّماءِ والأرْضِ، أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، مِن تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِها واطَّلَعَ عَلَيْها اطِّلاعَ الحاضِرِ فِيها مَجازًا مُرْسَلًا أوِ اسْتِعارَةً. فَإنَّهُ يَعُمُّ اللَّهَ تَعالى وأُولِي العِلْمِ مِن خَلْقِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] أيْ: مَتى يُنْشَرُونَ.
النمل 27:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٤ - ٦٥] ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ. فَإنْ قِيلَ: هم مُنْكِرُونَ لِلْإعادَةِ، فَكَيْفَ خُوطِبُوا بِها خِطابَ المُعْتَرِفِ؟ أُجِيبَ بِأنَّها لِظُهُورِها ووُضُوحِ بَراهِينِها، جُعِلُوا كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِها، لِتَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِها -فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ مِنهم مَنِ اعْتَرَفَ بِها، فالكَلامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: مِمّا يُنْزِلُهُ مِن مائِها وما يُخْرِجُهُ مِن نَباتِها: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ تَبْكِيتٍ. أيْ: هاتُوا بُرْهانًا عَقْلِيًّا أوْ نَقْلِيًّا، يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعَهُ تَعالى إلَهًا. لا عَلى أنَّ غَيْرَهُ تَعالى يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ مِن أفْعالِهِ تَعالى، فَإنَّهم لا يَدْعُونَهُ صَرِيحًا. وفي إضافَةِ (البُرْهانِ) إلى ضَمِيرِهِمْ، تَهَكُّمٌ بِهِمْ. لِما فِيها مِن إيهامِ أنَّ لَهم بُرْهانًا. وأنّى لَهم ذَلِكَ؟ قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] أيْ: فَإنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِذَلِكَ وحْدَهُ، كَما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] في آياتٍ (p-٤٦٨١)لا تُحْصى. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، لِاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ تَعالى مِمَّنْ في السَّماءِ والأرْضِ، أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، مِن تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِها واطَّلَعَ عَلَيْها اطِّلاعَ الحاضِرِ فِيها مَجازًا مُرْسَلًا أوِ اسْتِعارَةً. فَإنَّهُ يَعُمُّ اللَّهَ تَعالى وأُولِي العِلْمِ مِن خَلْقِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] أيْ: مَتى يُنْشَرُونَ.
النمل 27:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٦] ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ السَّمِينُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ في عَلى بابِها، وادّارَكَ وإنْ كانَ ماضِيًا لَفْظًا، فَهو مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى، لِأنَّهُ كائِنٌ قَطْعًا. كَقَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]
وعَلى هَذا فَـ(فِي) مُتَعَلِّقٌ بِـ(ادّارَكَ).
والثّانِي: أنَّ (فِي) بِمَعْنى الباءِ. أيْ: بِالآخِرَةِ.
وعَلى هَذا فَيَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ عِلْمِهِمْ. كَقَوْلِكَ: (عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا)، انْتَهى.
والوَجْهُ الثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. أيْ: بَلْ هَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم فِيها، أيْ: بَلَغَ وانْتَهى؟ كَلّا. وقَدْ قُرِئَ: (بَلِ اءَدَّرَكَ) بِهَمْزَتَيْنِ، (بَلْ آءَدَّرَكَ) بِألِفٍ بَيْنَهُما، (أمْ أدْرَكَ) و(أمَّ تَدارَكَ).
قالَ الرّازِيُّ: وهي (أمِ) الَّتِي بِمَعْنى (بَلْ) والهَمْزَةُ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِفْهامِ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ بِها، وأنَّهم لَمْ يَبْرَحُوا في حَضِيضِ الجَهالَةِ بِحَقِّيَّتِها، مَعَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن أدِلَّةِ ثُبُوتِها.
وقَدْ جَنَحَ إلى الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ، السُّيُوطِيُّ والمَهايِمِيُّ. وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى إبْقاءِ (بَلْ) عَلى أصْلِها مِنَ الإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. وقَرَّرُوهُ بِما فِيهِ خَفاءٌ ودِقَّةٌ ويُبْعِدُهُ ما ذَكَرْنا (p-٤٦٨٢)مِنَ القِراءاتِ الصَّرِيحَةِ في الِاسْتِفْهامِ. وهي مِمّا يَرْجِعُ إلَيْها إذا اشْتَبَهَ المَقامُ. كَما تَقَرَّرَ في قَواعِدِ التَّفْسِيرِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: مِرْيَةٍ، مَعَ تَقْرِيرِ ما يُزِيلُهُ ويَكْشِفُ غِشاوَتَهُ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: في عِمايَةٍ وجَهْلٍ كَبِيرٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَذِهِ الِاضْطِراباتُ الثَّلاثَةُ ما مَعْناها؟ قُلْتُ: ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ: وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ. ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ. ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ، فَلا يُزِيلُونَهُ. والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ. ألا تَرى أنَّ مَن لَمْ يَسْمَعِ اخْتِلافَ المَذاهِبِ وتَضْلِيلَ أرْبابِها بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، كانَ أمْرُهُ أهْوَنَ مِمَّنْ سَمِعَ بِها وهو جاثِمٌ، لا يَشْخَصُ بِهِ طَلَبُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ؟ ثُمَّ بِما هو أسْوَأُ حالًا، وهو العَمى وأنْ يَكُونَ مِثْلَ البَهِيمَةِ قَدْ عَكَفَ هَمُّهُ عَلى بَطْنِهِ، وفَرْجِهِ، لا يَخْطُرُ بِبالِهِ حَقًّا ولا باطِلًا ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَةٍ. وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ. فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِـ(مِن) دُونَ (عَنْ) لِأنَّ الكُفْرَ بِالعاقِبَةِ والجَزاءِ، هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يَتَبَصَّرُونَ. انْتَهى.
النمل 27:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧ - ٧٠] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِوَعْدِ اللَّهِ وآياتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِنَ القُبُورِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] أيْ: أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها بِعِبارَةٍ مُمَوَّهَةٍ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٩] أيْ: لِتُبْصِرُوا آثارَ القائِلِينَ هَذا القَوْلَ قَبْلَكُمْ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ (p-٤٦٨٣)عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] بِإنْكارِهِ. وهي دَمارُهم وهَلاكُهم بِالِاسْتِئْصالِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٧٠] أيْ: عَلى قَوْلِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ. فَإنَّهُ سَيَكُونُ لَكَ مِنَ المُصَدِّقِينَ مَن لا يُبالِي مَعَهم بِهَؤُلاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] أيْ: في حَرَجٍ مِن مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ لَكَ. ولا تُبالِ بِذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
النمل 27:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧ - ٧٠] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِوَعْدِ اللَّهِ وآياتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِنَ القُبُورِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] أيْ: أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها بِعِبارَةٍ مُمَوَّهَةٍ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٩] أيْ: لِتُبْصِرُوا آثارَ القائِلِينَ هَذا القَوْلَ قَبْلَكُمْ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ (p-٤٦٨٣)عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] بِإنْكارِهِ. وهي دَمارُهم وهَلاكُهم بِالِاسْتِئْصالِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٧٠] أيْ: عَلى قَوْلِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ. فَإنَّهُ سَيَكُونُ لَكَ مِنَ المُصَدِّقِينَ مَن لا يُبالِي مَعَهم بِهَؤُلاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] أيْ: في حَرَجٍ مِن مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ لَكَ. ولا تُبالِ بِذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
النمل 27:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧ - ٧٠] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِوَعْدِ اللَّهِ وآياتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِنَ القُبُورِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] أيْ: أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها بِعِبارَةٍ مُمَوَّهَةٍ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٩] أيْ: لِتُبْصِرُوا آثارَ القائِلِينَ هَذا القَوْلَ قَبْلَكُمْ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ (p-٤٦٨٣)عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] بِإنْكارِهِ. وهي دَمارُهم وهَلاكُهم بِالِاسْتِئْصالِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٧٠] أيْ: عَلى قَوْلِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ. فَإنَّهُ سَيَكُونُ لَكَ مِنَ المُصَدِّقِينَ مَن لا يُبالِي مَعَهم بِهَؤُلاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] أيْ: في حَرَجٍ مِن مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ لَكَ. ولا تُبالِ بِذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
النمل 27:70
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧ - ٧٠] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِوَعْدِ اللَّهِ وآياتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِنَ القُبُورِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] أيْ: أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها بِعِبارَةٍ مُمَوَّهَةٍ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٩] أيْ: لِتُبْصِرُوا آثارَ القائِلِينَ هَذا القَوْلَ قَبْلَكُمْ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ (p-٤٦٨٣)عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] بِإنْكارِهِ. وهي دَمارُهم وهَلاكُهم بِالِاسْتِئْصالِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٧٠] أيْ: عَلى قَوْلِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ. فَإنَّهُ سَيَكُونُ لَكَ مِنَ المُصَدِّقِينَ مَن لا يُبالِي مَعَهم بِهَؤُلاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] أيْ: في حَرَجٍ مِن مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ لَكَ. ولا تُبالِ بِذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
النمل 27:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١ - ٧٦] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: لَحِقَكم أوْ دَنا لَكُمْ: ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: مِنَ العَذابِ، فَحَصَلَ لَهُمُ القَتْلُ بِبَدْرٍ. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أمَرُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ، يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجِدِّهِ، وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ. وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ، لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ، ووُثُوقِهِمْ أنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهُمْ، وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ. فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ. انْتَهى. أيْ: لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّرَجِّي مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى. فَهو عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَهُ (p-٤٦٨٤)الشِّهابُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] أيْ: لَذُو إفْضالٍ وإنْعامٍ عَلَيْهِمْ، بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِها. ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ فَلا يَشْكُرُونَهُ، بَلْ بِجَهْلِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَها: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] أيْ: مِن عَداوَةِ رَسُولِهِ ونَصْبِ المَكايِدِ لَهُ. وهو مُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] أيْ: وما مِن خافِيَةٍ فِيهِما، إلّا وقَدْ عَلِمَها اللَّهُ وأحاطَ بِها وأثْبَتَها في اللَّوْحِ البَيِّنِ، المُثْبَتِ فِيهِ مَقْدُوراتُهُ تَعالى. أوِ المُرادُ بِالكِتابِ القَضاءُ العَدْلُ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، بِتَشْبِيهِهِ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْوَقائِعِ، كالسِّجِلِّ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] أيْ: فَهو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ. يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ، ويَفْصِلُ بَيْنَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالصِّدْقِ. فالمُعَوَّلُ مِن أنْبائِهِمْ عَلَيْهِ، ومَرَدُّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَيْهِ.
النمل 27:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١ - ٧٦] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: لَحِقَكم أوْ دَنا لَكُمْ: ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: مِنَ العَذابِ، فَحَصَلَ لَهُمُ القَتْلُ بِبَدْرٍ. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أمَرُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ، يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجِدِّهِ، وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ. وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ، لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ، ووُثُوقِهِمْ أنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهُمْ، وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ. فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ. انْتَهى. أيْ: لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّرَجِّي مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى. فَهو عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَهُ (p-٤٦٨٤)الشِّهابُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] أيْ: لَذُو إفْضالٍ وإنْعامٍ عَلَيْهِمْ، بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِها. ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ فَلا يَشْكُرُونَهُ، بَلْ بِجَهْلِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَها: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] أيْ: مِن عَداوَةِ رَسُولِهِ ونَصْبِ المَكايِدِ لَهُ. وهو مُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] أيْ: وما مِن خافِيَةٍ فِيهِما، إلّا وقَدْ عَلِمَها اللَّهُ وأحاطَ بِها وأثْبَتَها في اللَّوْحِ البَيِّنِ، المُثْبَتِ فِيهِ مَقْدُوراتُهُ تَعالى. أوِ المُرادُ بِالكِتابِ القَضاءُ العَدْلُ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، بِتَشْبِيهِهِ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْوَقائِعِ، كالسِّجِلِّ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] أيْ: فَهو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ. يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ، ويَفْصِلُ بَيْنَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالصِّدْقِ. فالمُعَوَّلُ مِن أنْبائِهِمْ عَلَيْهِ، ومَرَدُّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَيْهِ.
النمل 27:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١ - ٧٦] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: لَحِقَكم أوْ دَنا لَكُمْ: ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: مِنَ العَذابِ، فَحَصَلَ لَهُمُ القَتْلُ بِبَدْرٍ. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أمَرُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ، يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجِدِّهِ، وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ. وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ، لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ، ووُثُوقِهِمْ أنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهُمْ، وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ. فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ. انْتَهى. أيْ: لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّرَجِّي مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى. فَهو عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَهُ (p-٤٦٨٤)الشِّهابُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] أيْ: لَذُو إفْضالٍ وإنْعامٍ عَلَيْهِمْ، بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِها. ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ فَلا يَشْكُرُونَهُ، بَلْ بِجَهْلِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَها: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] أيْ: مِن عَداوَةِ رَسُولِهِ ونَصْبِ المَكايِدِ لَهُ. وهو مُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] أيْ: وما مِن خافِيَةٍ فِيهِما، إلّا وقَدْ عَلِمَها اللَّهُ وأحاطَ بِها وأثْبَتَها في اللَّوْحِ البَيِّنِ، المُثْبَتِ فِيهِ مَقْدُوراتُهُ تَعالى. أوِ المُرادُ بِالكِتابِ القَضاءُ العَدْلُ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، بِتَشْبِيهِهِ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْوَقائِعِ، كالسِّجِلِّ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] أيْ: فَهو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ. يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ، ويَفْصِلُ بَيْنَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالصِّدْقِ. فالمُعَوَّلُ مِن أنْبائِهِمْ عَلَيْهِ، ومَرَدُّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَيْهِ.
النمل 27:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١ - ٧٦] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: لَحِقَكم أوْ دَنا لَكُمْ: ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: مِنَ العَذابِ، فَحَصَلَ لَهُمُ القَتْلُ بِبَدْرٍ. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أمَرُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ، يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجِدِّهِ، وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ. وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ، لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ، ووُثُوقِهِمْ أنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهُمْ، وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ. فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ. انْتَهى. أيْ: لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّرَجِّي مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى. فَهو عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَهُ (p-٤٦٨٤)الشِّهابُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] أيْ: لَذُو إفْضالٍ وإنْعامٍ عَلَيْهِمْ، بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِها. ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ فَلا يَشْكُرُونَهُ، بَلْ بِجَهْلِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَها: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] أيْ: مِن عَداوَةِ رَسُولِهِ ونَصْبِ المَكايِدِ لَهُ. وهو مُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] أيْ: وما مِن خافِيَةٍ فِيهِما، إلّا وقَدْ عَلِمَها اللَّهُ وأحاطَ بِها وأثْبَتَها في اللَّوْحِ البَيِّنِ، المُثْبَتِ فِيهِ مَقْدُوراتُهُ تَعالى. أوِ المُرادُ بِالكِتابِ القَضاءُ العَدْلُ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، بِتَشْبِيهِهِ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْوَقائِعِ، كالسِّجِلِّ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] أيْ: فَهو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ. يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ، ويَفْصِلُ بَيْنَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالصِّدْقِ. فالمُعَوَّلُ مِن أنْبائِهِمْ عَلَيْهِ، ومَرَدُّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَيْهِ.
النمل 27:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١ - ٧٦] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: لَحِقَكم أوْ دَنا لَكُمْ: ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: مِنَ العَذابِ، فَحَصَلَ لَهُمُ القَتْلُ بِبَدْرٍ. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أمَرُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ، يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجِدِّهِ، وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ. وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ، لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ، ووُثُوقِهِمْ أنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهُمْ، وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ. فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ. انْتَهى. أيْ: لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّرَجِّي مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى. فَهو عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَهُ (p-٤٦٨٤)الشِّهابُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] أيْ: لَذُو إفْضالٍ وإنْعامٍ عَلَيْهِمْ، بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِها. ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ فَلا يَشْكُرُونَهُ، بَلْ بِجَهْلِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَها: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] أيْ: مِن عَداوَةِ رَسُولِهِ ونَصْبِ المَكايِدِ لَهُ. وهو مُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] أيْ: وما مِن خافِيَةٍ فِيهِما، إلّا وقَدْ عَلِمَها اللَّهُ وأحاطَ بِها وأثْبَتَها في اللَّوْحِ البَيِّنِ، المُثْبَتِ فِيهِ مَقْدُوراتُهُ تَعالى. أوِ المُرادُ بِالكِتابِ القَضاءُ العَدْلُ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، بِتَشْبِيهِهِ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْوَقائِعِ، كالسِّجِلِّ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] أيْ: فَهو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ. يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ، ويَفْصِلُ بَيْنَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالصِّدْقِ. فالمُعَوَّلُ مِن أنْبائِهِمْ عَلَيْهِ، ومَرَدُّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَيْهِ.
النمل 27:76
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١ - ٧٦] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: لَحِقَكم أوْ دَنا لَكُمْ: ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: مِنَ العَذابِ، فَحَصَلَ لَهُمُ القَتْلُ بِبَدْرٍ. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أمَرُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ، يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجِدِّهِ، وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ. وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ، لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ، ووُثُوقِهِمْ أنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهُمْ، وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ. فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ. انْتَهى. أيْ: لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّرَجِّي مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى. فَهو عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَهُ (p-٤٦٨٤)الشِّهابُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] أيْ: لَذُو إفْضالٍ وإنْعامٍ عَلَيْهِمْ، بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِها. ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ فَلا يَشْكُرُونَهُ، بَلْ بِجَهْلِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَها: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] أيْ: مِن عَداوَةِ رَسُولِهِ ونَصْبِ المَكايِدِ لَهُ. وهو مُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] أيْ: وما مِن خافِيَةٍ فِيهِما، إلّا وقَدْ عَلِمَها اللَّهُ وأحاطَ بِها وأثْبَتَها في اللَّوْحِ البَيِّنِ، المُثْبَتِ فِيهِ مَقْدُوراتُهُ تَعالى. أوِ المُرادُ بِالكِتابِ القَضاءُ العَدْلُ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، بِتَشْبِيهِهِ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْوَقائِعِ، كالسِّجِلِّ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] أيْ: فَهو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ. يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ، ويَفْصِلُ بَيْنَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالصِّدْقِ. فالمُعَوَّلُ مِن أنْبائِهِمْ عَلَيْهِ، ومَرَدُّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَيْهِ.
النمل 27:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ - ٨١] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١]
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِما فِيهِ مِن إقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي يَعْقِلُها المُؤْمِنُونَ المُنْصِفُونَ المُصَدِّقُونَ بِالحَقِّ، المُذْعِنُونَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بَيْنَ مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ومَن كَفَرَ بِهِ، بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: فَلا يُرَدُّ قَضاؤُهُ الغالِبُ (p-٤٦٨٥)فِي انْتِقامِهِ مِنَ المُبْطِلِينَ: ﴿العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بِالفَصْلِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُحِقِّينَ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِقِلَّةِ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، وبِالمُضِيِّ في دَعْوَتِهِ وانْتِظارِ الوَعْدِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] أيِ: الأبْلَجِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ بَيانُ أنَّ صاحِبَ الحَقِّ حَقِيقٌ بِالوُثُوقِ بِصُنْعِ اللَّهِ وبِنُصْرَتِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُخْذَلُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كِفايَةِ نَفْعِ دَعْوَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ، وإلى أنَّ الكُلَّ لا يُرْجى مِنهُمُ الهِدايَةُ، كَآيَةِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] تَسْلِيَةً عَمّا كانَ يُهِمُّهُ مِن إيمانِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهُوا بِالمَوْتى وهم أحْياءٌ صِحاحُ الحَواسِّ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن آياتِ اللَّهِ فَكانُوا أقْماعَ القَوْلِ، لا تَعِيهِ آذانُهم. وكانَ سَماعُهم كَلا سَماعٍ. كانَتْ حالُهُمْ، لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ، كَحالِ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا مُصَحِّحَ السَّماعِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالصُّمِّ الَّذِينَ يَنْعَقُ بِهِمْ فَلا يَسْمَعُونَ. وشُبِّهُوا بِالعُمْيِ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وأنْ يَجْعَلَهم هُداةً بُصَراءَ، إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] قُلْتُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ. لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي، بِأنْ يُوَلِّيَ عَنْهُ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ. انْتَهى.
وإيرادُ قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] إثْرَ ما تَقَدَّمَ، لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ سَماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا، إلّا مَن شَأْنُهُ الإيمانُ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقِيلَ: مَعْناهُ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا لَهُ.
النمل 27:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ - ٨١] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١]
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِما فِيهِ مِن إقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي يَعْقِلُها المُؤْمِنُونَ المُنْصِفُونَ المُصَدِّقُونَ بِالحَقِّ، المُذْعِنُونَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بَيْنَ مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ومَن كَفَرَ بِهِ، بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: فَلا يُرَدُّ قَضاؤُهُ الغالِبُ (p-٤٦٨٥)فِي انْتِقامِهِ مِنَ المُبْطِلِينَ: ﴿العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بِالفَصْلِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُحِقِّينَ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِقِلَّةِ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، وبِالمُضِيِّ في دَعْوَتِهِ وانْتِظارِ الوَعْدِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] أيِ: الأبْلَجِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ بَيانُ أنَّ صاحِبَ الحَقِّ حَقِيقٌ بِالوُثُوقِ بِصُنْعِ اللَّهِ وبِنُصْرَتِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُخْذَلُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كِفايَةِ نَفْعِ دَعْوَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ، وإلى أنَّ الكُلَّ لا يُرْجى مِنهُمُ الهِدايَةُ، كَآيَةِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] تَسْلِيَةً عَمّا كانَ يُهِمُّهُ مِن إيمانِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهُوا بِالمَوْتى وهم أحْياءٌ صِحاحُ الحَواسِّ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن آياتِ اللَّهِ فَكانُوا أقْماعَ القَوْلِ، لا تَعِيهِ آذانُهم. وكانَ سَماعُهم كَلا سَماعٍ. كانَتْ حالُهُمْ، لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ، كَحالِ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا مُصَحِّحَ السَّماعِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالصُّمِّ الَّذِينَ يَنْعَقُ بِهِمْ فَلا يَسْمَعُونَ. وشُبِّهُوا بِالعُمْيِ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وأنْ يَجْعَلَهم هُداةً بُصَراءَ، إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] قُلْتُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ. لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي، بِأنْ يُوَلِّيَ عَنْهُ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ. انْتَهى.
وإيرادُ قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] إثْرَ ما تَقَدَّمَ، لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ سَماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا، إلّا مَن شَأْنُهُ الإيمانُ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقِيلَ: مَعْناهُ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا لَهُ.
النمل 27:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ - ٨١] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١]
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِما فِيهِ مِن إقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي يَعْقِلُها المُؤْمِنُونَ المُنْصِفُونَ المُصَدِّقُونَ بِالحَقِّ، المُذْعِنُونَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بَيْنَ مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ومَن كَفَرَ بِهِ، بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: فَلا يُرَدُّ قَضاؤُهُ الغالِبُ (p-٤٦٨٥)فِي انْتِقامِهِ مِنَ المُبْطِلِينَ: ﴿العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بِالفَصْلِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُحِقِّينَ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِقِلَّةِ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، وبِالمُضِيِّ في دَعْوَتِهِ وانْتِظارِ الوَعْدِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] أيِ: الأبْلَجِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ بَيانُ أنَّ صاحِبَ الحَقِّ حَقِيقٌ بِالوُثُوقِ بِصُنْعِ اللَّهِ وبِنُصْرَتِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُخْذَلُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كِفايَةِ نَفْعِ دَعْوَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ، وإلى أنَّ الكُلَّ لا يُرْجى مِنهُمُ الهِدايَةُ، كَآيَةِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] تَسْلِيَةً عَمّا كانَ يُهِمُّهُ مِن إيمانِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهُوا بِالمَوْتى وهم أحْياءٌ صِحاحُ الحَواسِّ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن آياتِ اللَّهِ فَكانُوا أقْماعَ القَوْلِ، لا تَعِيهِ آذانُهم. وكانَ سَماعُهم كَلا سَماعٍ. كانَتْ حالُهُمْ، لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ، كَحالِ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا مُصَحِّحَ السَّماعِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالصُّمِّ الَّذِينَ يَنْعَقُ بِهِمْ فَلا يَسْمَعُونَ. وشُبِّهُوا بِالعُمْيِ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وأنْ يَجْعَلَهم هُداةً بُصَراءَ، إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] قُلْتُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ. لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي، بِأنْ يُوَلِّيَ عَنْهُ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ. انْتَهى.
وإيرادُ قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] إثْرَ ما تَقَدَّمَ، لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ سَماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا، إلّا مَن شَأْنُهُ الإيمانُ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقِيلَ: مَعْناهُ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا لَهُ.
النمل 27:80
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ - ٨١] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١]
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِما فِيهِ مِن إقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي يَعْقِلُها المُؤْمِنُونَ المُنْصِفُونَ المُصَدِّقُونَ بِالحَقِّ، المُذْعِنُونَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بَيْنَ مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ومَن كَفَرَ بِهِ، بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: فَلا يُرَدُّ قَضاؤُهُ الغالِبُ (p-٤٦٨٥)فِي انْتِقامِهِ مِنَ المُبْطِلِينَ: ﴿العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بِالفَصْلِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُحِقِّينَ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِقِلَّةِ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، وبِالمُضِيِّ في دَعْوَتِهِ وانْتِظارِ الوَعْدِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] أيِ: الأبْلَجِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ بَيانُ أنَّ صاحِبَ الحَقِّ حَقِيقٌ بِالوُثُوقِ بِصُنْعِ اللَّهِ وبِنُصْرَتِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُخْذَلُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كِفايَةِ نَفْعِ دَعْوَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ، وإلى أنَّ الكُلَّ لا يُرْجى مِنهُمُ الهِدايَةُ، كَآيَةِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] تَسْلِيَةً عَمّا كانَ يُهِمُّهُ مِن إيمانِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهُوا بِالمَوْتى وهم أحْياءٌ صِحاحُ الحَواسِّ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن آياتِ اللَّهِ فَكانُوا أقْماعَ القَوْلِ، لا تَعِيهِ آذانُهم. وكانَ سَماعُهم كَلا سَماعٍ. كانَتْ حالُهُمْ، لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ، كَحالِ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا مُصَحِّحَ السَّماعِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالصُّمِّ الَّذِينَ يَنْعَقُ بِهِمْ فَلا يَسْمَعُونَ. وشُبِّهُوا بِالعُمْيِ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وأنْ يَجْعَلَهم هُداةً بُصَراءَ، إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] قُلْتُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ. لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي، بِأنْ يُوَلِّيَ عَنْهُ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ. انْتَهى.
وإيرادُ قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] إثْرَ ما تَقَدَّمَ، لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ سَماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا، إلّا مَن شَأْنُهُ الإيمانُ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقِيلَ: مَعْناهُ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا لَهُ.
النمل 27:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ - ٨١] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١]
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِما فِيهِ مِن إقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي يَعْقِلُها المُؤْمِنُونَ المُنْصِفُونَ المُصَدِّقُونَ بِالحَقِّ، المُذْعِنُونَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بَيْنَ مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ومَن كَفَرَ بِهِ، بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: فَلا يُرَدُّ قَضاؤُهُ الغالِبُ (p-٤٦٨٥)فِي انْتِقامِهِ مِنَ المُبْطِلِينَ: ﴿العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بِالفَصْلِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُحِقِّينَ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِقِلَّةِ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، وبِالمُضِيِّ في دَعْوَتِهِ وانْتِظارِ الوَعْدِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] أيِ: الأبْلَجِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ بَيانُ أنَّ صاحِبَ الحَقِّ حَقِيقٌ بِالوُثُوقِ بِصُنْعِ اللَّهِ وبِنُصْرَتِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُخْذَلُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كِفايَةِ نَفْعِ دَعْوَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ، وإلى أنَّ الكُلَّ لا يُرْجى مِنهُمُ الهِدايَةُ، كَآيَةِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] تَسْلِيَةً عَمّا كانَ يُهِمُّهُ مِن إيمانِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهُوا بِالمَوْتى وهم أحْياءٌ صِحاحُ الحَواسِّ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن آياتِ اللَّهِ فَكانُوا أقْماعَ القَوْلِ، لا تَعِيهِ آذانُهم. وكانَ سَماعُهم كَلا سَماعٍ. كانَتْ حالُهُمْ، لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ، كَحالِ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا مُصَحِّحَ السَّماعِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالصُّمِّ الَّذِينَ يَنْعَقُ بِهِمْ فَلا يَسْمَعُونَ. وشُبِّهُوا بِالعُمْيِ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وأنْ يَجْعَلَهم هُداةً بُصَراءَ، إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] قُلْتُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ. لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي، بِأنْ يُوَلِّيَ عَنْهُ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ. انْتَهى.
وإيرادُ قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] إثْرَ ما تَقَدَّمَ، لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ سَماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا، إلّا مَن شَأْنُهُ الإيمانُ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقِيلَ: مَعْناهُ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا لَهُ.
النمل 27:82
(p-٤٦٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في هَذا الوَعِيدِ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ دُنْيَوِيٌّ، عَنى بِهِ نَصْرَ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِمْ. والمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الصُّمَّ عَنْ سَماعِ الآياتِ، العُمْيَ عَنِ النَّظَرِ فِيها، الجاحِدِينَ لَها، سَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ حَقِيقَةِ ما كانُوا يَدْعُونَ إلَيْهِ مِن نَصْرِ الدّاعِي وهو الرَّسُولُ وأتْباعُهُ، وتَكْثِيرُ سَوادِهِمْ حَتّى يَظْفَرُوا بِمُناوِئِيهِمْ. ويَظْهَرُوا عَلى عَدُوِّهِمْ. وذَلِكَ بِأنْ تَدِبَّ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ دابَّةٌ عُظْمى تَمْلَأُ السَّهْلَ والرُّبا، تُزَلْزِلُ أرْكانِهِمْ وتَهْدِمُ بُنْيانَهم وتُقَوِّضُ خِيامَهم وتَدُكُّ أعْلامَهم. فَتُكَلِّمُهم حِينَئِذٍ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ، بِأنَّهم إنَّما أُخِذُوا بِالعِقابِ، وحَلَّ بِهِمْ شَدِيدُ العَذابِ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمُ العِبادَ. وسَعْيِهِمْ في الأرْضِ الفَسادَ. فَإنَّ الإيمانَ دِعامَةُ الصَّلاحِ والإصْلاحِ. وقائِدُ الفَلاحِ والنَّجاحِ، وقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ لِعِبادِهِ المُرْسَلِينَ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ، وإنَّ جُنْدَهُ لَهُمُ الغالِبُونَ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ. وأعَزَّ جُنْدَهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الدّابَّةَ حَيَوانٌ بِخِلافِ ما نَعْرِفُهُ. يَخْتَصُّ خُرُوجُها بِحِينِ القِيامَةِ، قالَ بَعْضُهُمْ: والمَعْنى إذا قامَتِ القِيامَةُ بَعَثَ اللَّهُ نَوْعًا مَخْصُوصًا مِن دَوابِّ هَذِهِ الأرْضِ، كَما يَبْعَثُ غَيْرُهُ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ الأُخْرى. ويُنْطِقُهُ فَيُوَبِّخُ الإنْسانَ عَلى كُفْرِهِ، كَما يُنْطِقُ أعْضاءَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ أيْضًا. قالَ: فَلَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: "دابَّةً" الفَرْدَ، بَلِ النَّوْعَ. كَما في قَوْلِكَ: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دُودَةً أتْلَفَتْ زَرْعَهُمْ، أيْ: دِيدانًا كَثِيرَةً، مِن نَوْعٍ واحِدٍ مَخْصُوصٍ.
وقَدْ رُوِيَ فِيها أحادِيثُ وآثارٌ كَثِيرَةٌ، لَمْ يُصَحِّحِ البُخارِيُّ مِنها شَيْئًا، لِاضْطِرابِ مُتُونِها (p-٤٦٨٧)وضَعْفِ رِجالِها. وأمْثَلُ مَأْثُورِها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: ««إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى. وأيُّهُما ما كانَتْ قَبْلَ صاحِبَتِها، فالأُخْرى عَلى إثْرِها قَرِيبًا»» .
ومَعْلُومٌ أنَّ أُمُورَ الآخِرَةِ مِن عالَمِ الغَيْبِ. ولا يُؤْخَذُ فِيها إلّا بِما كانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: نَقَلَهُ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِهِ قالَ: وقِيلَ عَنى بِالدّابَّةِ الأشْرارَ الَّذِينَ هم في الجَهْلِ بِمَنزِلَةِ الدَّوابِّ. فَتَكُونُ الدّابَّةُ جَمْعًا، اسْمًا لِكُلِّ ما يَدِبُّ. نَحْوَ: خائِنَةٍ جَمْعِ خائِنٍ. انْتَهى.
ولَعَلَّ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧] فَإنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ كالدّابَّةِ، لِما يُغَطِّي بِدَبِيبِهِ وجْهَ الأرْضِ- فَهو مَثَلٌ في الكَثْرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣-٨٤] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ. وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ. كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوْجًا﴾ فَإنَّ الفَوْجَ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: إلى المَحْشَرِ: ﴿قالَ﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: لِيَفْضَحَهم في هَذا اليَوْمِ المَشْهُودِ: (p-٤٦٨٨)﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ [النمل: ٨٤] أيِ: النّاطِقَةِ بِلِقاءِ يَوْمِكم هَذا وقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ [النمل: ٨٤] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِزِيادَةِ شَناعَةِ التَّكْذِيبِ وغايَةِ قُبْحِهِ. ومُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. أيْ: أكَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ الرَّأْيِ، غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها نَظَرًا يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكُنْهِها، وأنَّها حَقِيقَةٌ بِالتَّصْدِيقِ حَتْمًا؟ وهَذا نَصٌّ في أنَّ المُرادَ بِالآياتِ، فِيما سَلَفَ في المَوْضِعَيْنِ، هي الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، لِأنَّها هي المُنْطَوِيَةُ عَلى دَلائِلِ الصِّحَّةِ، وشَواهِدِ الصِّدْقِ الَّتِي لَمْ يُحِيطُوا بِها عِلْمًا، مَعَ وُجُوبِ أنْ يَتَأمَّلُوا ويَتَدَبَّرُوا فِيها. لا نَفْسَ السّاعَةِ وما فِيها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: بِها. أوْ ماذا كانَ عَمَلُكُمْ؟ هَلْ هو إلّا الفَسادَ والإفْسادَ؟ وصَدَّ السَّبِيلِ عَنِ العِبادِ؟ ولِذا حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ. كَما قالَ تَعالى:
النمل 27:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣-٨٤] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ. وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ. كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوْجًا﴾ فَإنَّ الفَوْجَ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: إلى المَحْشَرِ: ﴿قالَ﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: لِيَفْضَحَهم في هَذا اليَوْمِ المَشْهُودِ: (p-٤٦٨٨)﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ [النمل: ٨٤] أيِ: النّاطِقَةِ بِلِقاءِ يَوْمِكم هَذا وقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ [النمل: ٨٤] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِزِيادَةِ شَناعَةِ التَّكْذِيبِ وغايَةِ قُبْحِهِ. ومُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. أيْ: أكَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ الرَّأْيِ، غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها نَظَرًا يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكُنْهِها، وأنَّها حَقِيقَةٌ بِالتَّصْدِيقِ حَتْمًا؟ وهَذا نَصٌّ في أنَّ المُرادَ بِالآياتِ، فِيما سَلَفَ في المَوْضِعَيْنِ، هي الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، لِأنَّها هي المُنْطَوِيَةُ عَلى دَلائِلِ الصِّحَّةِ، وشَواهِدِ الصِّدْقِ الَّتِي لَمْ يُحِيطُوا بِها عِلْمًا، مَعَ وُجُوبِ أنْ يَتَأمَّلُوا ويَتَدَبَّرُوا فِيها. لا نَفْسَ السّاعَةِ وما فِيها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: بِها. أوْ ماذا كانَ عَمَلُكُمْ؟ هَلْ هو إلّا الفَسادَ والإفْسادَ؟ وصَدَّ السَّبِيلِ عَنِ العِبادِ؟ ولِذا حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ. كَما قالَ تَعالى: