Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — النمل 27:85 – القصص 28:88
المحتويات
- النمل 27:85
- النمل 27:86
- النمل 27:87
- النمل 27:88
- النمل 27:89
- النمل 27:90
- النمل 27:91
- النمل 27:92
- النمل 27:93
- القصص 28:1
- القصص 28:2
- القصص 28:3
- القصص 28:4
- القصص 28:5
- القصص 28:6
- القصص 28:7
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:11
- القصص 28:12
- القصص 28:13
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:17
- القصص 28:18
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:21
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:25
- القصص 28:26
- القصص 28:27
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:33
- القصص 28:34
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:37
- القصص 28:38
- القصص 28:39
- القصص 28:40
- القصص 28:41
- القصص 28:42
- القصص 28:43
- القصص 28:44
- القصص 28:45
- القصص 28:46
- القصص 28:47
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:50
- القصص 28:51
- القصص 28:52
- القصص 28:53
- القصص 28:54
- القصص 28:55
- القصص 28:56
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:60
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:65
- القصص 28:66
- القصص 28:67
- القصص 28:68
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:81
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:84
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- القصص 28:88
النمل 27:85
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ - ٨٩] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيْ: مَدْلُولُهُ وهو العِقابُ المَوْعُودُونَ بِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] أيْ: لِيُبْصِرُوا، بِما فِيهِ مِنَ الإضاءَةِ طُرُقَ التَّقَلُّبِ في أُمُورِ المَعاشِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ (p-٤٦٨٩)فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: حَضَرُوا المَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: صاغِرِينَ: ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ [النمل: ٨٨] عَطْفٌ عَلى ﴿يُنْفَخُ﴾ [النمل: ٨٧] داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً في أماكِنِها: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: في تَخَلُّلِ أجْزائِها وانْتِفاشِها. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ. قالُوا: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَسْيِيرُ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَما يُبِيدُ اللَّهُ تَعالى العَوالِمَ، كَما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] وكَما قالَ: ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] وقالَ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما قالُوهُ، لِعِدَّةِ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ إذا أُرِيدَ بِها بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ الإهْلاكِ والإبادَةِ، عَلى أنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُسْتَقْبَلِ، مَعَ أنَّها صَرِيحَةٌ في إرادَةِ الحالِ، شَيْءٌ لا مُوجِبَ لَهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنها.
الثّانِي: أنَّ سَيْرَ الجِبالِ لِلْفَناءِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَحْصُلُ عِنْدَ خَرابِ العالَمِ وإهْلاكِ جَمِيعِ الخَلائِقِ وهَذا شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ كَما قالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. فَما مَعْنى قَوْلِهِ إذَنْ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨]
(p-٤٦٩٠)الثّالِثُ: أنَّ تَسْيِيرَ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا رَآهُ أحَدٌ شَعَرَ بِهِ. لِأنَّهُ ما دامَ وضْعُها يَتَغَيَّرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإنْسانِ، فَيَحُسُّ بِحَرَكَتِها. وهَذا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً. أمّا في الدُّنْيا فَلا نَشْعُرُ بِحَرَكَتِها، لِأنَّنا نَتَحَرَّكُ مَعَها ولا يَتَغَيَّرُ وضْعُنا بِالنِّسْبَةِ لَها. وهَذا بِخِلافِ ما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنَّ الجِبالَ تَنْفَصِلُ عَنِ الأرْضِ وتُنْسَفُ نَسْفًا. وهَذا شَيْءٌ يَراهُ كُلُّ واقِفٍ عِنْدَها.
الرّابِعُ: وُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ في سِياقِ الكَلامِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِوُرُودِ آيَةِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] المَذْكُورَةِ قَبْلَها في نَفْسِ هَذا السِّياقِ، والمُرادُ بِهِما ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، المُشاهَدَةِ آثارُها في هَذا العالَمِ الآنَ مِن حَرَكَةِ الأرْضِ وحُدُوثِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ القادِرَ عَلى ضَبْطِ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ الإنْسانَ، وأنْ يَضْبُطَ حَرَكاتِهِ وأعْمالَهُ ويُحْصِيَها عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] فَذِكْرُ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا السِّياقِ، هو كَذِكْرِ الدَّلِيلِ مَعَ المَدْلُولِ، أوِ الحُجَّةِ مَعَ الدَّعْوى. وهي سُنَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ. فَإنَّكَ تَجِدُ الدَّلائِلَ مُنْبَثَّةً بَيْنَ دَعاوِيهِ دائِمًا، حَتّى لا يَحْتاجَ الإنْسانُ لِدَلِيلٍ آخَرَ خارِجٍ عَنْها. وذَلِكَ شَيْءٌ مُشاهَدٌ في القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. اهـ كَلامُهُ.
وقالَ العَلّامَةُ المَرْجانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ (وفِيَّةُ الأسْلافِ، وتَحِيَّةُ الأخْلافِ) في بَحْثِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، ما مِثالُهُ:
ويَدُلُّ عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] الآيَةَ. فَإنَّهُ خِطابٌ لِجَنابِ الرَّسُولِ ﷺ، وإيذانُ الأمْرِ لَهُ بِالأصالَةِ مَعَ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ. وحُسْبانُ جُمُودِ الجِبالِ وثَباتِها عَلى مَكانِها، مَعَ كَوْنِها مُتَحَرِّكَةً في الواقِعِ بِحَرَكَةِ الأرْضِ، ودَوامِ مُرُورِها مَرَّ السَّحابِ في سُرْعَةِ السَّيْرِ والحَرَكَةِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِنَفْسِها. وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذا المُرُورَ هو صُنْعُ اللَّهِ. (p-٤٦٩١)كَقَوْلِهِ تَعالى: "وعْدَ اللَّهِ"، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ثُمَّ الصُّنْعُ هو عَمَلُ الإنْسانِ، بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ. ولا يُسَمّى كُلُّ عَمَلٍ صِناعَةً، ولا كُلُّ عامِلٍ صانِعًا حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] كالبُرْهانِ عَلى إتْقانِهِ، والدَّلِيلِ عَلى إحْكامِ خِلْقَتِهِ، وتَسْوِيَتِهِ مُرُورَهُ عَلى ما يَنْبَغِي. لِأنَّ إتْقانَ كُلِّ شَيْءٍ، يَتَناوَلُ إتْقانَهُ. فَهو تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالَ: وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأنْحاءٍ مِنَ المُبالَغَةِ. فَمِن ذَلِكَ تَعْبِيرُهُ (بِالصُّنْعِ) الَّذِي هو الفِعْلُ الجَمِيلُ المُتْقَنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحِكْمَةِ. وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ وتَحْقِيقًا لِإتْقانِهِ وحُسْنِ أعْمالِهِ. ثُمَّ تَوْصِيفُهُ سُبْحانَهُ بِإتْقانِ كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ المُرُورُ. ثُمَّ إيرادُهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ هَذِهِ الحالَةِ واسْتِمْرارِها مَدى الدُّهُورِ. ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِالحالِ، لِتَدُلَّ عَلى أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْها دائِمًا. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، وهو الجِبالُ. ومَعْمُولٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي هو رُؤْيَتُها عَلى تِلْكَ الحالِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في دَلالَتِها عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ ومُرُورِ الجِبالِ مَعَها في هَذِهِ النَّشْأةِ. ولَيْسَ يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ وفَسادِ العالَمِ وخُرُوجِهِ عَنْ مُتَعاهِدِ النِّظامِ. وأنَّ حُسْبانَها جامِدَةً لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَرَكَةِ كِبارِ الأجْرامِ إذا كانَتْ في سَمْتٍ واحِدٍ. فَإنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ المَقْصُودَ مِنَ التَّهْوِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. عَلى أنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ وإهْدامٌ، ولَيْسَ مِن صُنْعٍ وإحْكامٍ. قالَ: والعَجَبُ مِن حُذّاقِ العُلَماءِ المُفَسِّرِينَ، عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لِهَذا المَعْنى، مَعَ ظُهُورِهِ واشْتِمالِ الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ القُدَماءِ. مَعَ أنَّهُ أوْلى وأحَقُّ مِن تَنْزِيلِ مُحْتَمِلاتِ كِتابِ اللَّهِ عَلى القِصَصِ الواهِيَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، عَلى ما شَحَنُوا بِها كُتُبَهم. ولَيْسَ هَذا بِخارِجٍ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا بَعِيدٍ عَنْ حِكْمَتِهِ، ولا القَوْلُ بِهِ بِمُصادِمٍ لِلشَّرِيعَةِ والعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، بَعْدَ أنْ تَعْتَقِدَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ حادِثٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ وخَلْقِهِ بِالِاخْتِيارِ، كائِنًا ما كانَ، وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ، وعَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ.
(p-٤٦٩٢)واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ [النمل: ٨٦] الآيَةَ. اعْتِراضٌ في تَضاعِيفِ ما ساقَهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أحْوالِ الحَشْرِ وأهْوالِ القِيامَةِ، كاعْتِراضِ تَوْصِيَةِ الإنْسانِ بِوالِدَيْهِ في تَضاعِيفِ قِصَّةِ لُقْمانَ. ومِثْلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في القُرْآنِ.
وفائِدَتُهُ هُنا، التَّنْبِيهُ عَلى سُرْعَةِ تَقَضِّي الآجالِ ومُضِيِّ الآمادِ. والتَّهْوِيلُ مِن هُجُومِ ساعَةِ المَوْتِ وقُرْبِ وُرُودِ وقْتِ المَعادِ. فَإنَّ انْقِضاءَ الأزْمانِ، وتَقَضِّي الأوانِ، إنَّما هو بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ المارَّةِ عَلى هَذِهِ السُّرْعَةِ المُنْطَبِقَةِ عَلى أحْوالِ الإنْسانِ. وهَذا المُرُورُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُبْصَرًا مَحْسُوسًا، لَكِنْ ما يَنْبَعِثُ مِنهُ تَبَدُّلُ الأحْوالِ، بِما يَطْرَأُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِ، بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُبْصَرِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] فَيَكُونُ هَذا مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَخْصُوصَةً بِهِ، إذْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
فَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ حَمْلُ الآيَةِ عَلى تَسْيِيرِ الجِبالِ الواقِعِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ ووَفاءِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. إذْ لَيْسَ هو مِنَ (الصُّنْعِ) في شَيْءٍ. بَلْ هو إفْسادُ أحْوالِ الكائِناتِ، وإخْلالُ نِظامِ العالَمِ، وإهْلاكُ بَنِي آدَمَ. اهـ.كَلامُ المَرْجانِيِّ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ الفَزَعُ الهائِلُ. وقُرِئَ: (فَزَعِ يَوْمِئِذٍ) بِالإضافَةِ وكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. وفَزَعٍ مُنَوَّنًا وفَتْحِ المِيمِ، عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ (لِآمِنُونَ) أوِ المَحْذُوفُ هو صِفَةٌ لِلْفَزَعِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمِئِذٍ) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: يَوْمَ إذا جاءُوا بِالحَسَنَةِ.
النمل 27:86
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ - ٨٩] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيْ: مَدْلُولُهُ وهو العِقابُ المَوْعُودُونَ بِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] أيْ: لِيُبْصِرُوا، بِما فِيهِ مِنَ الإضاءَةِ طُرُقَ التَّقَلُّبِ في أُمُورِ المَعاشِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ (p-٤٦٨٩)فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: حَضَرُوا المَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: صاغِرِينَ: ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ [النمل: ٨٨] عَطْفٌ عَلى ﴿يُنْفَخُ﴾ [النمل: ٨٧] داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً في أماكِنِها: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: في تَخَلُّلِ أجْزائِها وانْتِفاشِها. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ. قالُوا: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَسْيِيرُ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَما يُبِيدُ اللَّهُ تَعالى العَوالِمَ، كَما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] وكَما قالَ: ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] وقالَ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما قالُوهُ، لِعِدَّةِ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ إذا أُرِيدَ بِها بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ الإهْلاكِ والإبادَةِ، عَلى أنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُسْتَقْبَلِ، مَعَ أنَّها صَرِيحَةٌ في إرادَةِ الحالِ، شَيْءٌ لا مُوجِبَ لَهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنها.
الثّانِي: أنَّ سَيْرَ الجِبالِ لِلْفَناءِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَحْصُلُ عِنْدَ خَرابِ العالَمِ وإهْلاكِ جَمِيعِ الخَلائِقِ وهَذا شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ كَما قالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. فَما مَعْنى قَوْلِهِ إذَنْ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨]
(p-٤٦٩٠)الثّالِثُ: أنَّ تَسْيِيرَ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا رَآهُ أحَدٌ شَعَرَ بِهِ. لِأنَّهُ ما دامَ وضْعُها يَتَغَيَّرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإنْسانِ، فَيَحُسُّ بِحَرَكَتِها. وهَذا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً. أمّا في الدُّنْيا فَلا نَشْعُرُ بِحَرَكَتِها، لِأنَّنا نَتَحَرَّكُ مَعَها ولا يَتَغَيَّرُ وضْعُنا بِالنِّسْبَةِ لَها. وهَذا بِخِلافِ ما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنَّ الجِبالَ تَنْفَصِلُ عَنِ الأرْضِ وتُنْسَفُ نَسْفًا. وهَذا شَيْءٌ يَراهُ كُلُّ واقِفٍ عِنْدَها.
الرّابِعُ: وُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ في سِياقِ الكَلامِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِوُرُودِ آيَةِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] المَذْكُورَةِ قَبْلَها في نَفْسِ هَذا السِّياقِ، والمُرادُ بِهِما ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، المُشاهَدَةِ آثارُها في هَذا العالَمِ الآنَ مِن حَرَكَةِ الأرْضِ وحُدُوثِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ القادِرَ عَلى ضَبْطِ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ الإنْسانَ، وأنْ يَضْبُطَ حَرَكاتِهِ وأعْمالَهُ ويُحْصِيَها عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] فَذِكْرُ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا السِّياقِ، هو كَذِكْرِ الدَّلِيلِ مَعَ المَدْلُولِ، أوِ الحُجَّةِ مَعَ الدَّعْوى. وهي سُنَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ. فَإنَّكَ تَجِدُ الدَّلائِلَ مُنْبَثَّةً بَيْنَ دَعاوِيهِ دائِمًا، حَتّى لا يَحْتاجَ الإنْسانُ لِدَلِيلٍ آخَرَ خارِجٍ عَنْها. وذَلِكَ شَيْءٌ مُشاهَدٌ في القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. اهـ كَلامُهُ.
وقالَ العَلّامَةُ المَرْجانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ (وفِيَّةُ الأسْلافِ، وتَحِيَّةُ الأخْلافِ) في بَحْثِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، ما مِثالُهُ:
ويَدُلُّ عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] الآيَةَ. فَإنَّهُ خِطابٌ لِجَنابِ الرَّسُولِ ﷺ، وإيذانُ الأمْرِ لَهُ بِالأصالَةِ مَعَ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ. وحُسْبانُ جُمُودِ الجِبالِ وثَباتِها عَلى مَكانِها، مَعَ كَوْنِها مُتَحَرِّكَةً في الواقِعِ بِحَرَكَةِ الأرْضِ، ودَوامِ مُرُورِها مَرَّ السَّحابِ في سُرْعَةِ السَّيْرِ والحَرَكَةِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِنَفْسِها. وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذا المُرُورَ هو صُنْعُ اللَّهِ. (p-٤٦٩١)كَقَوْلِهِ تَعالى: "وعْدَ اللَّهِ"، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ثُمَّ الصُّنْعُ هو عَمَلُ الإنْسانِ، بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ. ولا يُسَمّى كُلُّ عَمَلٍ صِناعَةً، ولا كُلُّ عامِلٍ صانِعًا حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] كالبُرْهانِ عَلى إتْقانِهِ، والدَّلِيلِ عَلى إحْكامِ خِلْقَتِهِ، وتَسْوِيَتِهِ مُرُورَهُ عَلى ما يَنْبَغِي. لِأنَّ إتْقانَ كُلِّ شَيْءٍ، يَتَناوَلُ إتْقانَهُ. فَهو تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالَ: وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأنْحاءٍ مِنَ المُبالَغَةِ. فَمِن ذَلِكَ تَعْبِيرُهُ (بِالصُّنْعِ) الَّذِي هو الفِعْلُ الجَمِيلُ المُتْقَنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحِكْمَةِ. وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ وتَحْقِيقًا لِإتْقانِهِ وحُسْنِ أعْمالِهِ. ثُمَّ تَوْصِيفُهُ سُبْحانَهُ بِإتْقانِ كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ المُرُورُ. ثُمَّ إيرادُهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ هَذِهِ الحالَةِ واسْتِمْرارِها مَدى الدُّهُورِ. ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِالحالِ، لِتَدُلَّ عَلى أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْها دائِمًا. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، وهو الجِبالُ. ومَعْمُولٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي هو رُؤْيَتُها عَلى تِلْكَ الحالِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في دَلالَتِها عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ ومُرُورِ الجِبالِ مَعَها في هَذِهِ النَّشْأةِ. ولَيْسَ يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ وفَسادِ العالَمِ وخُرُوجِهِ عَنْ مُتَعاهِدِ النِّظامِ. وأنَّ حُسْبانَها جامِدَةً لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَرَكَةِ كِبارِ الأجْرامِ إذا كانَتْ في سَمْتٍ واحِدٍ. فَإنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ المَقْصُودَ مِنَ التَّهْوِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. عَلى أنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ وإهْدامٌ، ولَيْسَ مِن صُنْعٍ وإحْكامٍ. قالَ: والعَجَبُ مِن حُذّاقِ العُلَماءِ المُفَسِّرِينَ، عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لِهَذا المَعْنى، مَعَ ظُهُورِهِ واشْتِمالِ الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ القُدَماءِ. مَعَ أنَّهُ أوْلى وأحَقُّ مِن تَنْزِيلِ مُحْتَمِلاتِ كِتابِ اللَّهِ عَلى القِصَصِ الواهِيَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، عَلى ما شَحَنُوا بِها كُتُبَهم. ولَيْسَ هَذا بِخارِجٍ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا بَعِيدٍ عَنْ حِكْمَتِهِ، ولا القَوْلُ بِهِ بِمُصادِمٍ لِلشَّرِيعَةِ والعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، بَعْدَ أنْ تَعْتَقِدَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ حادِثٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ وخَلْقِهِ بِالِاخْتِيارِ، كائِنًا ما كانَ، وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ، وعَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ.
(p-٤٦٩٢)واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ [النمل: ٨٦] الآيَةَ. اعْتِراضٌ في تَضاعِيفِ ما ساقَهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أحْوالِ الحَشْرِ وأهْوالِ القِيامَةِ، كاعْتِراضِ تَوْصِيَةِ الإنْسانِ بِوالِدَيْهِ في تَضاعِيفِ قِصَّةِ لُقْمانَ. ومِثْلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في القُرْآنِ.
وفائِدَتُهُ هُنا، التَّنْبِيهُ عَلى سُرْعَةِ تَقَضِّي الآجالِ ومُضِيِّ الآمادِ. والتَّهْوِيلُ مِن هُجُومِ ساعَةِ المَوْتِ وقُرْبِ وُرُودِ وقْتِ المَعادِ. فَإنَّ انْقِضاءَ الأزْمانِ، وتَقَضِّي الأوانِ، إنَّما هو بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ المارَّةِ عَلى هَذِهِ السُّرْعَةِ المُنْطَبِقَةِ عَلى أحْوالِ الإنْسانِ. وهَذا المُرُورُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُبْصَرًا مَحْسُوسًا، لَكِنْ ما يَنْبَعِثُ مِنهُ تَبَدُّلُ الأحْوالِ، بِما يَطْرَأُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِ، بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُبْصَرِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] فَيَكُونُ هَذا مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَخْصُوصَةً بِهِ، إذْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
فَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ حَمْلُ الآيَةِ عَلى تَسْيِيرِ الجِبالِ الواقِعِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ ووَفاءِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. إذْ لَيْسَ هو مِنَ (الصُّنْعِ) في شَيْءٍ. بَلْ هو إفْسادُ أحْوالِ الكائِناتِ، وإخْلالُ نِظامِ العالَمِ، وإهْلاكُ بَنِي آدَمَ. اهـ.كَلامُ المَرْجانِيِّ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ الفَزَعُ الهائِلُ. وقُرِئَ: (فَزَعِ يَوْمِئِذٍ) بِالإضافَةِ وكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. وفَزَعٍ مُنَوَّنًا وفَتْحِ المِيمِ، عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ (لِآمِنُونَ) أوِ المَحْذُوفُ هو صِفَةٌ لِلْفَزَعِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمِئِذٍ) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: يَوْمَ إذا جاءُوا بِالحَسَنَةِ.
النمل 27:87
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ - ٨٩] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيْ: مَدْلُولُهُ وهو العِقابُ المَوْعُودُونَ بِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] أيْ: لِيُبْصِرُوا، بِما فِيهِ مِنَ الإضاءَةِ طُرُقَ التَّقَلُّبِ في أُمُورِ المَعاشِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ (p-٤٦٨٩)فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: حَضَرُوا المَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: صاغِرِينَ: ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ [النمل: ٨٨] عَطْفٌ عَلى ﴿يُنْفَخُ﴾ [النمل: ٨٧] داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً في أماكِنِها: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: في تَخَلُّلِ أجْزائِها وانْتِفاشِها. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ. قالُوا: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَسْيِيرُ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَما يُبِيدُ اللَّهُ تَعالى العَوالِمَ، كَما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] وكَما قالَ: ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] وقالَ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما قالُوهُ، لِعِدَّةِ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ إذا أُرِيدَ بِها بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ الإهْلاكِ والإبادَةِ، عَلى أنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُسْتَقْبَلِ، مَعَ أنَّها صَرِيحَةٌ في إرادَةِ الحالِ، شَيْءٌ لا مُوجِبَ لَهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنها.
الثّانِي: أنَّ سَيْرَ الجِبالِ لِلْفَناءِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَحْصُلُ عِنْدَ خَرابِ العالَمِ وإهْلاكِ جَمِيعِ الخَلائِقِ وهَذا شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ كَما قالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. فَما مَعْنى قَوْلِهِ إذَنْ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨]
(p-٤٦٩٠)الثّالِثُ: أنَّ تَسْيِيرَ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا رَآهُ أحَدٌ شَعَرَ بِهِ. لِأنَّهُ ما دامَ وضْعُها يَتَغَيَّرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإنْسانِ، فَيَحُسُّ بِحَرَكَتِها. وهَذا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً. أمّا في الدُّنْيا فَلا نَشْعُرُ بِحَرَكَتِها، لِأنَّنا نَتَحَرَّكُ مَعَها ولا يَتَغَيَّرُ وضْعُنا بِالنِّسْبَةِ لَها. وهَذا بِخِلافِ ما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنَّ الجِبالَ تَنْفَصِلُ عَنِ الأرْضِ وتُنْسَفُ نَسْفًا. وهَذا شَيْءٌ يَراهُ كُلُّ واقِفٍ عِنْدَها.
الرّابِعُ: وُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ في سِياقِ الكَلامِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِوُرُودِ آيَةِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] المَذْكُورَةِ قَبْلَها في نَفْسِ هَذا السِّياقِ، والمُرادُ بِهِما ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، المُشاهَدَةِ آثارُها في هَذا العالَمِ الآنَ مِن حَرَكَةِ الأرْضِ وحُدُوثِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ القادِرَ عَلى ضَبْطِ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ الإنْسانَ، وأنْ يَضْبُطَ حَرَكاتِهِ وأعْمالَهُ ويُحْصِيَها عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] فَذِكْرُ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا السِّياقِ، هو كَذِكْرِ الدَّلِيلِ مَعَ المَدْلُولِ، أوِ الحُجَّةِ مَعَ الدَّعْوى. وهي سُنَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ. فَإنَّكَ تَجِدُ الدَّلائِلَ مُنْبَثَّةً بَيْنَ دَعاوِيهِ دائِمًا، حَتّى لا يَحْتاجَ الإنْسانُ لِدَلِيلٍ آخَرَ خارِجٍ عَنْها. وذَلِكَ شَيْءٌ مُشاهَدٌ في القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. اهـ كَلامُهُ.
وقالَ العَلّامَةُ المَرْجانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ (وفِيَّةُ الأسْلافِ، وتَحِيَّةُ الأخْلافِ) في بَحْثِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، ما مِثالُهُ:
ويَدُلُّ عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] الآيَةَ. فَإنَّهُ خِطابٌ لِجَنابِ الرَّسُولِ ﷺ، وإيذانُ الأمْرِ لَهُ بِالأصالَةِ مَعَ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ. وحُسْبانُ جُمُودِ الجِبالِ وثَباتِها عَلى مَكانِها، مَعَ كَوْنِها مُتَحَرِّكَةً في الواقِعِ بِحَرَكَةِ الأرْضِ، ودَوامِ مُرُورِها مَرَّ السَّحابِ في سُرْعَةِ السَّيْرِ والحَرَكَةِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِنَفْسِها. وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذا المُرُورَ هو صُنْعُ اللَّهِ. (p-٤٦٩١)كَقَوْلِهِ تَعالى: "وعْدَ اللَّهِ"، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ثُمَّ الصُّنْعُ هو عَمَلُ الإنْسانِ، بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ. ولا يُسَمّى كُلُّ عَمَلٍ صِناعَةً، ولا كُلُّ عامِلٍ صانِعًا حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] كالبُرْهانِ عَلى إتْقانِهِ، والدَّلِيلِ عَلى إحْكامِ خِلْقَتِهِ، وتَسْوِيَتِهِ مُرُورَهُ عَلى ما يَنْبَغِي. لِأنَّ إتْقانَ كُلِّ شَيْءٍ، يَتَناوَلُ إتْقانَهُ. فَهو تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالَ: وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأنْحاءٍ مِنَ المُبالَغَةِ. فَمِن ذَلِكَ تَعْبِيرُهُ (بِالصُّنْعِ) الَّذِي هو الفِعْلُ الجَمِيلُ المُتْقَنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحِكْمَةِ. وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ وتَحْقِيقًا لِإتْقانِهِ وحُسْنِ أعْمالِهِ. ثُمَّ تَوْصِيفُهُ سُبْحانَهُ بِإتْقانِ كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ المُرُورُ. ثُمَّ إيرادُهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ هَذِهِ الحالَةِ واسْتِمْرارِها مَدى الدُّهُورِ. ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِالحالِ، لِتَدُلَّ عَلى أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْها دائِمًا. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، وهو الجِبالُ. ومَعْمُولٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي هو رُؤْيَتُها عَلى تِلْكَ الحالِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في دَلالَتِها عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ ومُرُورِ الجِبالِ مَعَها في هَذِهِ النَّشْأةِ. ولَيْسَ يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ وفَسادِ العالَمِ وخُرُوجِهِ عَنْ مُتَعاهِدِ النِّظامِ. وأنَّ حُسْبانَها جامِدَةً لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَرَكَةِ كِبارِ الأجْرامِ إذا كانَتْ في سَمْتٍ واحِدٍ. فَإنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ المَقْصُودَ مِنَ التَّهْوِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. عَلى أنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ وإهْدامٌ، ولَيْسَ مِن صُنْعٍ وإحْكامٍ. قالَ: والعَجَبُ مِن حُذّاقِ العُلَماءِ المُفَسِّرِينَ، عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لِهَذا المَعْنى، مَعَ ظُهُورِهِ واشْتِمالِ الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ القُدَماءِ. مَعَ أنَّهُ أوْلى وأحَقُّ مِن تَنْزِيلِ مُحْتَمِلاتِ كِتابِ اللَّهِ عَلى القِصَصِ الواهِيَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، عَلى ما شَحَنُوا بِها كُتُبَهم. ولَيْسَ هَذا بِخارِجٍ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا بَعِيدٍ عَنْ حِكْمَتِهِ، ولا القَوْلُ بِهِ بِمُصادِمٍ لِلشَّرِيعَةِ والعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، بَعْدَ أنْ تَعْتَقِدَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ حادِثٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ وخَلْقِهِ بِالِاخْتِيارِ، كائِنًا ما كانَ، وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ، وعَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ.
(p-٤٦٩٢)واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ [النمل: ٨٦] الآيَةَ. اعْتِراضٌ في تَضاعِيفِ ما ساقَهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أحْوالِ الحَشْرِ وأهْوالِ القِيامَةِ، كاعْتِراضِ تَوْصِيَةِ الإنْسانِ بِوالِدَيْهِ في تَضاعِيفِ قِصَّةِ لُقْمانَ. ومِثْلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في القُرْآنِ.
وفائِدَتُهُ هُنا، التَّنْبِيهُ عَلى سُرْعَةِ تَقَضِّي الآجالِ ومُضِيِّ الآمادِ. والتَّهْوِيلُ مِن هُجُومِ ساعَةِ المَوْتِ وقُرْبِ وُرُودِ وقْتِ المَعادِ. فَإنَّ انْقِضاءَ الأزْمانِ، وتَقَضِّي الأوانِ، إنَّما هو بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ المارَّةِ عَلى هَذِهِ السُّرْعَةِ المُنْطَبِقَةِ عَلى أحْوالِ الإنْسانِ. وهَذا المُرُورُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُبْصَرًا مَحْسُوسًا، لَكِنْ ما يَنْبَعِثُ مِنهُ تَبَدُّلُ الأحْوالِ، بِما يَطْرَأُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِ، بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُبْصَرِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] فَيَكُونُ هَذا مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَخْصُوصَةً بِهِ، إذْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
فَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ حَمْلُ الآيَةِ عَلى تَسْيِيرِ الجِبالِ الواقِعِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ ووَفاءِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. إذْ لَيْسَ هو مِنَ (الصُّنْعِ) في شَيْءٍ. بَلْ هو إفْسادُ أحْوالِ الكائِناتِ، وإخْلالُ نِظامِ العالَمِ، وإهْلاكُ بَنِي آدَمَ. اهـ.كَلامُ المَرْجانِيِّ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ الفَزَعُ الهائِلُ. وقُرِئَ: (فَزَعِ يَوْمِئِذٍ) بِالإضافَةِ وكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. وفَزَعٍ مُنَوَّنًا وفَتْحِ المِيمِ، عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ (لِآمِنُونَ) أوِ المَحْذُوفُ هو صِفَةٌ لِلْفَزَعِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمِئِذٍ) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: يَوْمَ إذا جاءُوا بِالحَسَنَةِ.
النمل 27:88
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ - ٨٩] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيْ: مَدْلُولُهُ وهو العِقابُ المَوْعُودُونَ بِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] أيْ: لِيُبْصِرُوا، بِما فِيهِ مِنَ الإضاءَةِ طُرُقَ التَّقَلُّبِ في أُمُورِ المَعاشِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ (p-٤٦٨٩)فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: حَضَرُوا المَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: صاغِرِينَ: ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ [النمل: ٨٨] عَطْفٌ عَلى ﴿يُنْفَخُ﴾ [النمل: ٨٧] داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً في أماكِنِها: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: في تَخَلُّلِ أجْزائِها وانْتِفاشِها. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ. قالُوا: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَسْيِيرُ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَما يُبِيدُ اللَّهُ تَعالى العَوالِمَ، كَما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] وكَما قالَ: ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] وقالَ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما قالُوهُ، لِعِدَّةِ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ إذا أُرِيدَ بِها بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ الإهْلاكِ والإبادَةِ، عَلى أنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُسْتَقْبَلِ، مَعَ أنَّها صَرِيحَةٌ في إرادَةِ الحالِ، شَيْءٌ لا مُوجِبَ لَهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنها.
الثّانِي: أنَّ سَيْرَ الجِبالِ لِلْفَناءِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَحْصُلُ عِنْدَ خَرابِ العالَمِ وإهْلاكِ جَمِيعِ الخَلائِقِ وهَذا شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ كَما قالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. فَما مَعْنى قَوْلِهِ إذَنْ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨]
(p-٤٦٩٠)الثّالِثُ: أنَّ تَسْيِيرَ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا رَآهُ أحَدٌ شَعَرَ بِهِ. لِأنَّهُ ما دامَ وضْعُها يَتَغَيَّرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإنْسانِ، فَيَحُسُّ بِحَرَكَتِها. وهَذا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً. أمّا في الدُّنْيا فَلا نَشْعُرُ بِحَرَكَتِها، لِأنَّنا نَتَحَرَّكُ مَعَها ولا يَتَغَيَّرُ وضْعُنا بِالنِّسْبَةِ لَها. وهَذا بِخِلافِ ما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنَّ الجِبالَ تَنْفَصِلُ عَنِ الأرْضِ وتُنْسَفُ نَسْفًا. وهَذا شَيْءٌ يَراهُ كُلُّ واقِفٍ عِنْدَها.
الرّابِعُ: وُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ في سِياقِ الكَلامِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِوُرُودِ آيَةِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] المَذْكُورَةِ قَبْلَها في نَفْسِ هَذا السِّياقِ، والمُرادُ بِهِما ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، المُشاهَدَةِ آثارُها في هَذا العالَمِ الآنَ مِن حَرَكَةِ الأرْضِ وحُدُوثِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ القادِرَ عَلى ضَبْطِ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ الإنْسانَ، وأنْ يَضْبُطَ حَرَكاتِهِ وأعْمالَهُ ويُحْصِيَها عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] فَذِكْرُ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا السِّياقِ، هو كَذِكْرِ الدَّلِيلِ مَعَ المَدْلُولِ، أوِ الحُجَّةِ مَعَ الدَّعْوى. وهي سُنَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ. فَإنَّكَ تَجِدُ الدَّلائِلَ مُنْبَثَّةً بَيْنَ دَعاوِيهِ دائِمًا، حَتّى لا يَحْتاجَ الإنْسانُ لِدَلِيلٍ آخَرَ خارِجٍ عَنْها. وذَلِكَ شَيْءٌ مُشاهَدٌ في القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. اهـ كَلامُهُ.
وقالَ العَلّامَةُ المَرْجانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ (وفِيَّةُ الأسْلافِ، وتَحِيَّةُ الأخْلافِ) في بَحْثِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، ما مِثالُهُ:
ويَدُلُّ عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] الآيَةَ. فَإنَّهُ خِطابٌ لِجَنابِ الرَّسُولِ ﷺ، وإيذانُ الأمْرِ لَهُ بِالأصالَةِ مَعَ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ. وحُسْبانُ جُمُودِ الجِبالِ وثَباتِها عَلى مَكانِها، مَعَ كَوْنِها مُتَحَرِّكَةً في الواقِعِ بِحَرَكَةِ الأرْضِ، ودَوامِ مُرُورِها مَرَّ السَّحابِ في سُرْعَةِ السَّيْرِ والحَرَكَةِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِنَفْسِها. وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذا المُرُورَ هو صُنْعُ اللَّهِ. (p-٤٦٩١)كَقَوْلِهِ تَعالى: "وعْدَ اللَّهِ"، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ثُمَّ الصُّنْعُ هو عَمَلُ الإنْسانِ، بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ. ولا يُسَمّى كُلُّ عَمَلٍ صِناعَةً، ولا كُلُّ عامِلٍ صانِعًا حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] كالبُرْهانِ عَلى إتْقانِهِ، والدَّلِيلِ عَلى إحْكامِ خِلْقَتِهِ، وتَسْوِيَتِهِ مُرُورَهُ عَلى ما يَنْبَغِي. لِأنَّ إتْقانَ كُلِّ شَيْءٍ، يَتَناوَلُ إتْقانَهُ. فَهو تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالَ: وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأنْحاءٍ مِنَ المُبالَغَةِ. فَمِن ذَلِكَ تَعْبِيرُهُ (بِالصُّنْعِ) الَّذِي هو الفِعْلُ الجَمِيلُ المُتْقَنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحِكْمَةِ. وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ وتَحْقِيقًا لِإتْقانِهِ وحُسْنِ أعْمالِهِ. ثُمَّ تَوْصِيفُهُ سُبْحانَهُ بِإتْقانِ كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ المُرُورُ. ثُمَّ إيرادُهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ هَذِهِ الحالَةِ واسْتِمْرارِها مَدى الدُّهُورِ. ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِالحالِ، لِتَدُلَّ عَلى أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْها دائِمًا. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، وهو الجِبالُ. ومَعْمُولٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي هو رُؤْيَتُها عَلى تِلْكَ الحالِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في دَلالَتِها عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ ومُرُورِ الجِبالِ مَعَها في هَذِهِ النَّشْأةِ. ولَيْسَ يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ وفَسادِ العالَمِ وخُرُوجِهِ عَنْ مُتَعاهِدِ النِّظامِ. وأنَّ حُسْبانَها جامِدَةً لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَرَكَةِ كِبارِ الأجْرامِ إذا كانَتْ في سَمْتٍ واحِدٍ. فَإنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ المَقْصُودَ مِنَ التَّهْوِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. عَلى أنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ وإهْدامٌ، ولَيْسَ مِن صُنْعٍ وإحْكامٍ. قالَ: والعَجَبُ مِن حُذّاقِ العُلَماءِ المُفَسِّرِينَ، عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لِهَذا المَعْنى، مَعَ ظُهُورِهِ واشْتِمالِ الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ القُدَماءِ. مَعَ أنَّهُ أوْلى وأحَقُّ مِن تَنْزِيلِ مُحْتَمِلاتِ كِتابِ اللَّهِ عَلى القِصَصِ الواهِيَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، عَلى ما شَحَنُوا بِها كُتُبَهم. ولَيْسَ هَذا بِخارِجٍ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا بَعِيدٍ عَنْ حِكْمَتِهِ، ولا القَوْلُ بِهِ بِمُصادِمٍ لِلشَّرِيعَةِ والعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، بَعْدَ أنْ تَعْتَقِدَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ حادِثٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ وخَلْقِهِ بِالِاخْتِيارِ، كائِنًا ما كانَ، وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ، وعَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ.
(p-٤٦٩٢)واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ [النمل: ٨٦] الآيَةَ. اعْتِراضٌ في تَضاعِيفِ ما ساقَهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أحْوالِ الحَشْرِ وأهْوالِ القِيامَةِ، كاعْتِراضِ تَوْصِيَةِ الإنْسانِ بِوالِدَيْهِ في تَضاعِيفِ قِصَّةِ لُقْمانَ. ومِثْلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في القُرْآنِ.
وفائِدَتُهُ هُنا، التَّنْبِيهُ عَلى سُرْعَةِ تَقَضِّي الآجالِ ومُضِيِّ الآمادِ. والتَّهْوِيلُ مِن هُجُومِ ساعَةِ المَوْتِ وقُرْبِ وُرُودِ وقْتِ المَعادِ. فَإنَّ انْقِضاءَ الأزْمانِ، وتَقَضِّي الأوانِ، إنَّما هو بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ المارَّةِ عَلى هَذِهِ السُّرْعَةِ المُنْطَبِقَةِ عَلى أحْوالِ الإنْسانِ. وهَذا المُرُورُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُبْصَرًا مَحْسُوسًا، لَكِنْ ما يَنْبَعِثُ مِنهُ تَبَدُّلُ الأحْوالِ، بِما يَطْرَأُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِ، بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُبْصَرِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] فَيَكُونُ هَذا مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَخْصُوصَةً بِهِ، إذْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
فَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ حَمْلُ الآيَةِ عَلى تَسْيِيرِ الجِبالِ الواقِعِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ ووَفاءِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. إذْ لَيْسَ هو مِنَ (الصُّنْعِ) في شَيْءٍ. بَلْ هو إفْسادُ أحْوالِ الكائِناتِ، وإخْلالُ نِظامِ العالَمِ، وإهْلاكُ بَنِي آدَمَ. اهـ.كَلامُ المَرْجانِيِّ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ الفَزَعُ الهائِلُ. وقُرِئَ: (فَزَعِ يَوْمِئِذٍ) بِالإضافَةِ وكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. وفَزَعٍ مُنَوَّنًا وفَتْحِ المِيمِ، عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ (لِآمِنُونَ) أوِ المَحْذُوفُ هو صِفَةٌ لِلْفَزَعِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمِئِذٍ) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: يَوْمَ إذا جاءُوا بِالحَسَنَةِ.
النمل 27:89
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ - ٨٩] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيْ: مَدْلُولُهُ وهو العِقابُ المَوْعُودُونَ بِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] أيْ: لِيُبْصِرُوا، بِما فِيهِ مِنَ الإضاءَةِ طُرُقَ التَّقَلُّبِ في أُمُورِ المَعاشِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ (p-٤٦٨٩)فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: حَضَرُوا المَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: صاغِرِينَ: ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ [النمل: ٨٨] عَطْفٌ عَلى ﴿يُنْفَخُ﴾ [النمل: ٨٧] داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً في أماكِنِها: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: في تَخَلُّلِ أجْزائِها وانْتِفاشِها. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ. قالُوا: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَسْيِيرُ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَما يُبِيدُ اللَّهُ تَعالى العَوالِمَ، كَما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] وكَما قالَ: ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] وقالَ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما قالُوهُ، لِعِدَّةِ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ إذا أُرِيدَ بِها بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ الإهْلاكِ والإبادَةِ، عَلى أنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُسْتَقْبَلِ، مَعَ أنَّها صَرِيحَةٌ في إرادَةِ الحالِ، شَيْءٌ لا مُوجِبَ لَهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنها.
الثّانِي: أنَّ سَيْرَ الجِبالِ لِلْفَناءِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَحْصُلُ عِنْدَ خَرابِ العالَمِ وإهْلاكِ جَمِيعِ الخَلائِقِ وهَذا شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ كَما قالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. فَما مَعْنى قَوْلِهِ إذَنْ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨]
(p-٤٦٩٠)الثّالِثُ: أنَّ تَسْيِيرَ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا رَآهُ أحَدٌ شَعَرَ بِهِ. لِأنَّهُ ما دامَ وضْعُها يَتَغَيَّرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإنْسانِ، فَيَحُسُّ بِحَرَكَتِها. وهَذا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً. أمّا في الدُّنْيا فَلا نَشْعُرُ بِحَرَكَتِها، لِأنَّنا نَتَحَرَّكُ مَعَها ولا يَتَغَيَّرُ وضْعُنا بِالنِّسْبَةِ لَها. وهَذا بِخِلافِ ما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنَّ الجِبالَ تَنْفَصِلُ عَنِ الأرْضِ وتُنْسَفُ نَسْفًا. وهَذا شَيْءٌ يَراهُ كُلُّ واقِفٍ عِنْدَها.
الرّابِعُ: وُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ في سِياقِ الكَلامِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِوُرُودِ آيَةِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] المَذْكُورَةِ قَبْلَها في نَفْسِ هَذا السِّياقِ، والمُرادُ بِهِما ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، المُشاهَدَةِ آثارُها في هَذا العالَمِ الآنَ مِن حَرَكَةِ الأرْضِ وحُدُوثِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ القادِرَ عَلى ضَبْطِ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ الإنْسانَ، وأنْ يَضْبُطَ حَرَكاتِهِ وأعْمالَهُ ويُحْصِيَها عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] فَذِكْرُ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا السِّياقِ، هو كَذِكْرِ الدَّلِيلِ مَعَ المَدْلُولِ، أوِ الحُجَّةِ مَعَ الدَّعْوى. وهي سُنَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ. فَإنَّكَ تَجِدُ الدَّلائِلَ مُنْبَثَّةً بَيْنَ دَعاوِيهِ دائِمًا، حَتّى لا يَحْتاجَ الإنْسانُ لِدَلِيلٍ آخَرَ خارِجٍ عَنْها. وذَلِكَ شَيْءٌ مُشاهَدٌ في القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. اهـ كَلامُهُ.
وقالَ العَلّامَةُ المَرْجانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ (وفِيَّةُ الأسْلافِ، وتَحِيَّةُ الأخْلافِ) في بَحْثِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، ما مِثالُهُ:
ويَدُلُّ عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] الآيَةَ. فَإنَّهُ خِطابٌ لِجَنابِ الرَّسُولِ ﷺ، وإيذانُ الأمْرِ لَهُ بِالأصالَةِ مَعَ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ. وحُسْبانُ جُمُودِ الجِبالِ وثَباتِها عَلى مَكانِها، مَعَ كَوْنِها مُتَحَرِّكَةً في الواقِعِ بِحَرَكَةِ الأرْضِ، ودَوامِ مُرُورِها مَرَّ السَّحابِ في سُرْعَةِ السَّيْرِ والحَرَكَةِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِنَفْسِها. وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذا المُرُورَ هو صُنْعُ اللَّهِ. (p-٤٦٩١)كَقَوْلِهِ تَعالى: "وعْدَ اللَّهِ"، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ثُمَّ الصُّنْعُ هو عَمَلُ الإنْسانِ، بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ. ولا يُسَمّى كُلُّ عَمَلٍ صِناعَةً، ولا كُلُّ عامِلٍ صانِعًا حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] كالبُرْهانِ عَلى إتْقانِهِ، والدَّلِيلِ عَلى إحْكامِ خِلْقَتِهِ، وتَسْوِيَتِهِ مُرُورَهُ عَلى ما يَنْبَغِي. لِأنَّ إتْقانَ كُلِّ شَيْءٍ، يَتَناوَلُ إتْقانَهُ. فَهو تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالَ: وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأنْحاءٍ مِنَ المُبالَغَةِ. فَمِن ذَلِكَ تَعْبِيرُهُ (بِالصُّنْعِ) الَّذِي هو الفِعْلُ الجَمِيلُ المُتْقَنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحِكْمَةِ. وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ وتَحْقِيقًا لِإتْقانِهِ وحُسْنِ أعْمالِهِ. ثُمَّ تَوْصِيفُهُ سُبْحانَهُ بِإتْقانِ كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ المُرُورُ. ثُمَّ إيرادُهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ هَذِهِ الحالَةِ واسْتِمْرارِها مَدى الدُّهُورِ. ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِالحالِ، لِتَدُلَّ عَلى أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْها دائِمًا. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، وهو الجِبالُ. ومَعْمُولٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي هو رُؤْيَتُها عَلى تِلْكَ الحالِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في دَلالَتِها عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ ومُرُورِ الجِبالِ مَعَها في هَذِهِ النَّشْأةِ. ولَيْسَ يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ وفَسادِ العالَمِ وخُرُوجِهِ عَنْ مُتَعاهِدِ النِّظامِ. وأنَّ حُسْبانَها جامِدَةً لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَرَكَةِ كِبارِ الأجْرامِ إذا كانَتْ في سَمْتٍ واحِدٍ. فَإنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ المَقْصُودَ مِنَ التَّهْوِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. عَلى أنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ وإهْدامٌ، ولَيْسَ مِن صُنْعٍ وإحْكامٍ. قالَ: والعَجَبُ مِن حُذّاقِ العُلَماءِ المُفَسِّرِينَ، عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لِهَذا المَعْنى، مَعَ ظُهُورِهِ واشْتِمالِ الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ القُدَماءِ. مَعَ أنَّهُ أوْلى وأحَقُّ مِن تَنْزِيلِ مُحْتَمِلاتِ كِتابِ اللَّهِ عَلى القِصَصِ الواهِيَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، عَلى ما شَحَنُوا بِها كُتُبَهم. ولَيْسَ هَذا بِخارِجٍ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا بَعِيدٍ عَنْ حِكْمَتِهِ، ولا القَوْلُ بِهِ بِمُصادِمٍ لِلشَّرِيعَةِ والعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، بَعْدَ أنْ تَعْتَقِدَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ حادِثٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ وخَلْقِهِ بِالِاخْتِيارِ، كائِنًا ما كانَ، وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ، وعَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ.
(p-٤٦٩٢)واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ [النمل: ٨٦] الآيَةَ. اعْتِراضٌ في تَضاعِيفِ ما ساقَهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أحْوالِ الحَشْرِ وأهْوالِ القِيامَةِ، كاعْتِراضِ تَوْصِيَةِ الإنْسانِ بِوالِدَيْهِ في تَضاعِيفِ قِصَّةِ لُقْمانَ. ومِثْلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في القُرْآنِ.
وفائِدَتُهُ هُنا، التَّنْبِيهُ عَلى سُرْعَةِ تَقَضِّي الآجالِ ومُضِيِّ الآمادِ. والتَّهْوِيلُ مِن هُجُومِ ساعَةِ المَوْتِ وقُرْبِ وُرُودِ وقْتِ المَعادِ. فَإنَّ انْقِضاءَ الأزْمانِ، وتَقَضِّي الأوانِ، إنَّما هو بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ المارَّةِ عَلى هَذِهِ السُّرْعَةِ المُنْطَبِقَةِ عَلى أحْوالِ الإنْسانِ. وهَذا المُرُورُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُبْصَرًا مَحْسُوسًا، لَكِنْ ما يَنْبَعِثُ مِنهُ تَبَدُّلُ الأحْوالِ، بِما يَطْرَأُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِ، بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُبْصَرِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] فَيَكُونُ هَذا مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَخْصُوصَةً بِهِ، إذْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
فَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ حَمْلُ الآيَةِ عَلى تَسْيِيرِ الجِبالِ الواقِعِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ ووَفاءِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. إذْ لَيْسَ هو مِنَ (الصُّنْعِ) في شَيْءٍ. بَلْ هو إفْسادُ أحْوالِ الكائِناتِ، وإخْلالُ نِظامِ العالَمِ، وإهْلاكُ بَنِي آدَمَ. اهـ.كَلامُ المَرْجانِيِّ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ الفَزَعُ الهائِلُ. وقُرِئَ: (فَزَعِ يَوْمِئِذٍ) بِالإضافَةِ وكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. وفَزَعٍ مُنَوَّنًا وفَتْحِ المِيمِ، عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ (لِآمِنُونَ) أوِ المَحْذُوفُ هو صِفَةٌ لِلْفَزَعِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمِئِذٍ) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: يَوْمَ إذا جاءُوا بِالحَسَنَةِ.
النمل 27:90
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠ - ٩٣] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] (p-٤٦٩٣)﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣]
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مَكَّةَ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] أيْ: جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ ولا يُصادُ صَيْدُها ولا يُخْتَلى خَلاها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِجَحْدِهِمْ نِعْمَتَهُ تَعالى في ذَلِكَ، حَيْثُ آمَنَهم مِن خَوْفٍ، وأجَلَّهم في أعْيُنِ القَبائِلِ، ووَقاهم مِنَ الفِتَنِ المُنْتَشِرَةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، إجْلالًا لِهَذا البَيْتِ. وهم لَمْ يَرْعَوْا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالقِيامِ بِواجِبِ شُكْرِها، مِن عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وسَعْيِهِمْ بِالإصْلاحِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا. فَهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، لا لِغَيْرِهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: عَلَيْكُمْ، تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِهِ، لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: فَمَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، ونَفْيِ الأنْدادِ عَنْهُ، والدُّخُولِ في المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واتِّباعِ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الوَحْيِ، فَمَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ، لا إلَيَّ: ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: ومَن ضَلَّ عَنِ الإيمانِ وأخْطَأ بِزَيْغِهِ طَرِيقَ الهُدى، ولَمْ يَتْبَعْنِي، فَلا عَلَيَّ. وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: عَلى ما هَدانا لِهَذا الدِّينِ، ومَنَّ عَلَيْنا بِصِراطِهِ المُسْتَقِيمِ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ ونَصْبِ المَكايِدِ. بَلْ هو شَهِيدٌ رَقِيبٌ، جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ نَوالُهُ، ولا إلَهَ غَيْرُهُ.
النمل 27:91
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠ - ٩٣] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] (p-٤٦٩٣)﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣]
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مَكَّةَ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] أيْ: جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ ولا يُصادُ صَيْدُها ولا يُخْتَلى خَلاها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِجَحْدِهِمْ نِعْمَتَهُ تَعالى في ذَلِكَ، حَيْثُ آمَنَهم مِن خَوْفٍ، وأجَلَّهم في أعْيُنِ القَبائِلِ، ووَقاهم مِنَ الفِتَنِ المُنْتَشِرَةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، إجْلالًا لِهَذا البَيْتِ. وهم لَمْ يَرْعَوْا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالقِيامِ بِواجِبِ شُكْرِها، مِن عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وسَعْيِهِمْ بِالإصْلاحِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا. فَهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، لا لِغَيْرِهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: عَلَيْكُمْ، تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِهِ، لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: فَمَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، ونَفْيِ الأنْدادِ عَنْهُ، والدُّخُولِ في المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واتِّباعِ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الوَحْيِ، فَمَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ، لا إلَيَّ: ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: ومَن ضَلَّ عَنِ الإيمانِ وأخْطَأ بِزَيْغِهِ طَرِيقَ الهُدى، ولَمْ يَتْبَعْنِي، فَلا عَلَيَّ. وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: عَلى ما هَدانا لِهَذا الدِّينِ، ومَنَّ عَلَيْنا بِصِراطِهِ المُسْتَقِيمِ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ ونَصْبِ المَكايِدِ. بَلْ هو شَهِيدٌ رَقِيبٌ، جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ نَوالُهُ، ولا إلَهَ غَيْرُهُ.
النمل 27:92
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠ - ٩٣] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] (p-٤٦٩٣)﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣]
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مَكَّةَ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] أيْ: جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ ولا يُصادُ صَيْدُها ولا يُخْتَلى خَلاها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِجَحْدِهِمْ نِعْمَتَهُ تَعالى في ذَلِكَ، حَيْثُ آمَنَهم مِن خَوْفٍ، وأجَلَّهم في أعْيُنِ القَبائِلِ، ووَقاهم مِنَ الفِتَنِ المُنْتَشِرَةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، إجْلالًا لِهَذا البَيْتِ. وهم لَمْ يَرْعَوْا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالقِيامِ بِواجِبِ شُكْرِها، مِن عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وسَعْيِهِمْ بِالإصْلاحِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا. فَهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، لا لِغَيْرِهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: عَلَيْكُمْ، تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِهِ، لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: فَمَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، ونَفْيِ الأنْدادِ عَنْهُ، والدُّخُولِ في المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واتِّباعِ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الوَحْيِ، فَمَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ، لا إلَيَّ: ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: ومَن ضَلَّ عَنِ الإيمانِ وأخْطَأ بِزَيْغِهِ طَرِيقَ الهُدى، ولَمْ يَتْبَعْنِي، فَلا عَلَيَّ. وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: عَلى ما هَدانا لِهَذا الدِّينِ، ومَنَّ عَلَيْنا بِصِراطِهِ المُسْتَقِيمِ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ ونَصْبِ المَكايِدِ. بَلْ هو شَهِيدٌ رَقِيبٌ، جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ نَوالُهُ، ولا إلَهَ غَيْرُهُ.
النمل 27:93
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠ - ٩٣] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] (p-٤٦٩٣)﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣]
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مَكَّةَ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] أيْ: جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ ولا يُصادُ صَيْدُها ولا يُخْتَلى خَلاها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِجَحْدِهِمْ نِعْمَتَهُ تَعالى في ذَلِكَ، حَيْثُ آمَنَهم مِن خَوْفٍ، وأجَلَّهم في أعْيُنِ القَبائِلِ، ووَقاهم مِنَ الفِتَنِ المُنْتَشِرَةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، إجْلالًا لِهَذا البَيْتِ. وهم لَمْ يَرْعَوْا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالقِيامِ بِواجِبِ شُكْرِها، مِن عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وسَعْيِهِمْ بِالإصْلاحِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا. فَهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، لا لِغَيْرِهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: عَلَيْكُمْ، تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِهِ، لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: فَمَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، ونَفْيِ الأنْدادِ عَنْهُ، والدُّخُولِ في المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واتِّباعِ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الوَحْيِ، فَمَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ، لا إلَيَّ: ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: ومَن ضَلَّ عَنِ الإيمانِ وأخْطَأ بِزَيْغِهِ طَرِيقَ الهُدى، ولَمْ يَتْبَعْنِي، فَلا عَلَيَّ. وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: عَلى ما هَدانا لِهَذا الدِّينِ، ومَنَّ عَلَيْنا بِصِراطِهِ المُسْتَقِيمِ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ ونَصْبِ المَكايِدِ. بَلْ هو شَهِيدٌ رَقِيبٌ، جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ نَوالُهُ، ولا إلَهَ غَيْرُهُ.
القصص 28:1
(p-٤٦٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَصَصِ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] الدّالَّةَ عَلى أنَّ مَن هَرَبَ مِن مَكانِ الأعْداءِ، إلى مَكانِ الأنْبِياءِ اعْتِبارًا بِقِصَصِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَجاةِ الهارِبِينَ، وهَلاكِ الباقِينَ بِمَكانِ الأعْداءِ- أمِنَ مِنَ الهَلاكِ. وهَذا أيْضًا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ، مَعَ اشْتِمالِها عَلى ما لا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ غَيْرُها مِن أنْباءِ مُوسى، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها. وقِيلَ إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ﴿الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ هي وآخِرُ الحَدِيدِ في أصْحابِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا وشَهِدُوا وقْعَةَ أُحُدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥] الآيَةَ، لِما رُوِيَ مِن نُزُولِها بِالجُحْفَةِ حِينَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، بِالِاتِّفاقِ.
(p-٤٦٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]
﴿طسم﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ غَيْرَ ما مَرَّةٍ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] أيْ: نَقْرَأُ عَلَيْكَ، بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ، تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ. كَما قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِلْمُجْمَلِ المَوْعُودِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ: تَكَبَّرَ وتَجاوَزَ الحَدَّ في الطُّغْيانِ، في أرْضِ مِصْرَ: ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ [القصص: ٤] أيْ: فِرَقًا وأصْنامًا في اسْتِخْدامِهِ وطاعَتِهِ: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ [القصص: ٤] وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وذَلِكَ إماتَةٌ لِرِجالِهِمْ، وتَقْلِيلًا لِعَدَدِهِمْ، كَيْلا يَكْثُرُوا فَيُنازِعُوهُ المُلْكَ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] أيِ: المُتَمَكِّنِينَ في الإفْسادِ وقَهْرِ العِبادِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى فَرَجِهِ الَّذِي جَعَلَهُ لِتِلْكَ الطّائِفَةِ، بِقَوْلِهِ:
القصص 28:2
(p-٤٦٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَصَصِ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] الدّالَّةَ عَلى أنَّ مَن هَرَبَ مِن مَكانِ الأعْداءِ، إلى مَكانِ الأنْبِياءِ اعْتِبارًا بِقِصَصِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَجاةِ الهارِبِينَ، وهَلاكِ الباقِينَ بِمَكانِ الأعْداءِ- أمِنَ مِنَ الهَلاكِ. وهَذا أيْضًا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ، مَعَ اشْتِمالِها عَلى ما لا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ غَيْرُها مِن أنْباءِ مُوسى، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها. وقِيلَ إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ﴿الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ هي وآخِرُ الحَدِيدِ في أصْحابِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا وشَهِدُوا وقْعَةَ أُحُدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥] الآيَةَ، لِما رُوِيَ مِن نُزُولِها بِالجُحْفَةِ حِينَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، بِالِاتِّفاقِ.
(p-٤٦٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]
﴿طسم﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ غَيْرَ ما مَرَّةٍ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] أيْ: نَقْرَأُ عَلَيْكَ، بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ، تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ. كَما قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِلْمُجْمَلِ المَوْعُودِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ: تَكَبَّرَ وتَجاوَزَ الحَدَّ في الطُّغْيانِ، في أرْضِ مِصْرَ: ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ [القصص: ٤] أيْ: فِرَقًا وأصْنامًا في اسْتِخْدامِهِ وطاعَتِهِ: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ [القصص: ٤] وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وذَلِكَ إماتَةٌ لِرِجالِهِمْ، وتَقْلِيلًا لِعَدَدِهِمْ، كَيْلا يَكْثُرُوا فَيُنازِعُوهُ المُلْكَ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] أيِ: المُتَمَكِّنِينَ في الإفْسادِ وقَهْرِ العِبادِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى فَرَجِهِ الَّذِي جَعَلَهُ لِتِلْكَ الطّائِفَةِ، بِقَوْلِهِ:
القصص 28:3
(p-٤٦٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَصَصِ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] الدّالَّةَ عَلى أنَّ مَن هَرَبَ مِن مَكانِ الأعْداءِ، إلى مَكانِ الأنْبِياءِ اعْتِبارًا بِقِصَصِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَجاةِ الهارِبِينَ، وهَلاكِ الباقِينَ بِمَكانِ الأعْداءِ- أمِنَ مِنَ الهَلاكِ. وهَذا أيْضًا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ، مَعَ اشْتِمالِها عَلى ما لا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ غَيْرُها مِن أنْباءِ مُوسى، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها. وقِيلَ إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ﴿الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ هي وآخِرُ الحَدِيدِ في أصْحابِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا وشَهِدُوا وقْعَةَ أُحُدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥] الآيَةَ، لِما رُوِيَ مِن نُزُولِها بِالجُحْفَةِ حِينَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، بِالِاتِّفاقِ.
(p-٤٦٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]
﴿طسم﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ غَيْرَ ما مَرَّةٍ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] أيْ: نَقْرَأُ عَلَيْكَ، بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ، تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ. كَما قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِلْمُجْمَلِ المَوْعُودِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ: تَكَبَّرَ وتَجاوَزَ الحَدَّ في الطُّغْيانِ، في أرْضِ مِصْرَ: ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ [القصص: ٤] أيْ: فِرَقًا وأصْنامًا في اسْتِخْدامِهِ وطاعَتِهِ: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ [القصص: ٤] وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وذَلِكَ إماتَةٌ لِرِجالِهِمْ، وتَقْلِيلًا لِعَدَدِهِمْ، كَيْلا يَكْثُرُوا فَيُنازِعُوهُ المُلْكَ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] أيِ: المُتَمَكِّنِينَ في الإفْسادِ وقَهْرِ العِبادِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى فَرَجِهِ الَّذِي جَعَلَهُ لِتِلْكَ الطّائِفَةِ، بِقَوْلِهِ:
القصص 28:4
(p-٤٦٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَصَصِ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] الدّالَّةَ عَلى أنَّ مَن هَرَبَ مِن مَكانِ الأعْداءِ، إلى مَكانِ الأنْبِياءِ اعْتِبارًا بِقِصَصِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَجاةِ الهارِبِينَ، وهَلاكِ الباقِينَ بِمَكانِ الأعْداءِ- أمِنَ مِنَ الهَلاكِ. وهَذا أيْضًا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ، مَعَ اشْتِمالِها عَلى ما لا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ غَيْرُها مِن أنْباءِ مُوسى، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها. وقِيلَ إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ﴿الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ هي وآخِرُ الحَدِيدِ في أصْحابِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا وشَهِدُوا وقْعَةَ أُحُدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥] الآيَةَ، لِما رُوِيَ مِن نُزُولِها بِالجُحْفَةِ حِينَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، بِالِاتِّفاقِ.
(p-٤٦٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]
﴿طسم﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ غَيْرَ ما مَرَّةٍ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] أيْ: نَقْرَأُ عَلَيْكَ، بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ، تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ. كَما قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِلْمُجْمَلِ المَوْعُودِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ: تَكَبَّرَ وتَجاوَزَ الحَدَّ في الطُّغْيانِ، في أرْضِ مِصْرَ: ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ [القصص: ٤] أيْ: فِرَقًا وأصْنامًا في اسْتِخْدامِهِ وطاعَتِهِ: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ [القصص: ٤] وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وذَلِكَ إماتَةٌ لِرِجالِهِمْ، وتَقْلِيلًا لِعَدَدِهِمْ، كَيْلا يَكْثُرُوا فَيُنازِعُوهُ المُلْكَ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] أيِ: المُتَمَكِّنِينَ في الإفْسادِ وقَهْرِ العِبادِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى فَرَجِهِ الَّذِي جَعَلَهُ لِتِلْكَ الطّائِفَةِ، بِقَوْلِهِ:
القصص 28:5
(p-٤٦٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٨] ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]
﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نَتَفَضَّلُ: ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ: يُقْتَدى بِهِمْ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ كانُوا أتْباعًا مُسَخَّرِينَ: ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ: لِمُلْكِ عَدُوِّهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ [القصص: ٦] أيْ: بِالتَّصَرُّفِ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ: ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُمْ﴾ [القصص: ٦] أيْ: مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] أيْ: مِن هَلاكِهِمْ وذَهابِ مُلْكِهِمْ، جَزاءَ إفْسادِهِمْ وعَدَمِ إصْلاحِهِمْ وطُغْيانِهِمْ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] أيْ: إثْرَ وِلادَتِهِ في تِلْكَ الشِّدَّةِ: ﴿أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٧] أيْ: مِن أُولَئِكَ الدَّبّاحِينَ الَّذِينَ بِأيْدِيهِمُ الشِّفارُ المُرْهَفَةُ العامِلَةُ في تِلْكَ الأنْفُسِ الزَّكِيَّةِ: ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] أيْ: في البَحْرِ، وهو النِّيلُ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ﴿فالتَقَطَهُ (p-٤٦٩٧)آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: في هَلاكِهِمْ عَلى يَدَيْهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: واللّامُ لامُ العاقِبَةِ. أُبْرِزَ مَدْخُولُها في مَعْرِضِ العِلَّةِ، لِالتِقاطِهِمْ. تَشْبِيهًا لَهُ في التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ، بِالغَرَضِ الحامِلِ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] أيْ: مُجْرِمِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِأنْ رَبّى عَدُوَّهُمْ، ومَن هو سَبَبُ هَلاكِهِمْ، عَلى أيْدِيهِمْ.
القصص 28:6
(p-٤٦٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٨] ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]
﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نَتَفَضَّلُ: ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ: يُقْتَدى بِهِمْ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ كانُوا أتْباعًا مُسَخَّرِينَ: ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ: لِمُلْكِ عَدُوِّهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ [القصص: ٦] أيْ: بِالتَّصَرُّفِ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ: ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُمْ﴾ [القصص: ٦] أيْ: مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] أيْ: مِن هَلاكِهِمْ وذَهابِ مُلْكِهِمْ، جَزاءَ إفْسادِهِمْ وعَدَمِ إصْلاحِهِمْ وطُغْيانِهِمْ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] أيْ: إثْرَ وِلادَتِهِ في تِلْكَ الشِّدَّةِ: ﴿أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٧] أيْ: مِن أُولَئِكَ الدَّبّاحِينَ الَّذِينَ بِأيْدِيهِمُ الشِّفارُ المُرْهَفَةُ العامِلَةُ في تِلْكَ الأنْفُسِ الزَّكِيَّةِ: ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] أيْ: في البَحْرِ، وهو النِّيلُ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ﴿فالتَقَطَهُ (p-٤٦٩٧)آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: في هَلاكِهِمْ عَلى يَدَيْهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: واللّامُ لامُ العاقِبَةِ. أُبْرِزَ مَدْخُولُها في مَعْرِضِ العِلَّةِ، لِالتِقاطِهِمْ. تَشْبِيهًا لَهُ في التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ، بِالغَرَضِ الحامِلِ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] أيْ: مُجْرِمِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِأنْ رَبّى عَدُوَّهُمْ، ومَن هو سَبَبُ هَلاكِهِمْ، عَلى أيْدِيهِمْ.
القصص 28:7
(p-٤٦٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٨] ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]
﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نَتَفَضَّلُ: ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ: يُقْتَدى بِهِمْ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ كانُوا أتْباعًا مُسَخَّرِينَ: ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ: لِمُلْكِ عَدُوِّهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ [القصص: ٦] أيْ: بِالتَّصَرُّفِ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ: ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُمْ﴾ [القصص: ٦] أيْ: مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] أيْ: مِن هَلاكِهِمْ وذَهابِ مُلْكِهِمْ، جَزاءَ إفْسادِهِمْ وعَدَمِ إصْلاحِهِمْ وطُغْيانِهِمْ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] أيْ: إثْرَ وِلادَتِهِ في تِلْكَ الشِّدَّةِ: ﴿أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٧] أيْ: مِن أُولَئِكَ الدَّبّاحِينَ الَّذِينَ بِأيْدِيهِمُ الشِّفارُ المُرْهَفَةُ العامِلَةُ في تِلْكَ الأنْفُسِ الزَّكِيَّةِ: ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] أيْ: في البَحْرِ، وهو النِّيلُ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ﴿فالتَقَطَهُ (p-٤٦٩٧)آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: في هَلاكِهِمْ عَلى يَدَيْهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: واللّامُ لامُ العاقِبَةِ. أُبْرِزَ مَدْخُولُها في مَعْرِضِ العِلَّةِ، لِالتِقاطِهِمْ. تَشْبِيهًا لَهُ في التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ، بِالغَرَضِ الحامِلِ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] أيْ: مُجْرِمِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِأنْ رَبّى عَدُوَّهُمْ، ومَن هو سَبَبُ هَلاكِهِمْ، عَلى أيْدِيهِمْ.
القصص 28:8
(p-٤٦٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٨] ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]
﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نَتَفَضَّلُ: ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ: يُقْتَدى بِهِمْ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ كانُوا أتْباعًا مُسَخَّرِينَ: ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ: لِمُلْكِ عَدُوِّهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ [القصص: ٦] أيْ: بِالتَّصَرُّفِ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ: ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُمْ﴾ [القصص: ٦] أيْ: مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] أيْ: مِن هَلاكِهِمْ وذَهابِ مُلْكِهِمْ، جَزاءَ إفْسادِهِمْ وعَدَمِ إصْلاحِهِمْ وطُغْيانِهِمْ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] أيْ: إثْرَ وِلادَتِهِ في تِلْكَ الشِّدَّةِ: ﴿أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٧] أيْ: مِن أُولَئِكَ الدَّبّاحِينَ الَّذِينَ بِأيْدِيهِمُ الشِّفارُ المُرْهَفَةُ العامِلَةُ في تِلْكَ الأنْفُسِ الزَّكِيَّةِ: ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] أيْ: في البَحْرِ، وهو النِّيلُ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ﴿فالتَقَطَهُ (p-٤٦٩٧)آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: في هَلاكِهِمْ عَلى يَدَيْهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: واللّامُ لامُ العاقِبَةِ. أُبْرِزَ مَدْخُولُها في مَعْرِضِ العِلَّةِ، لِالتِقاطِهِمْ. تَشْبِيهًا لَهُ في التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ، بِالغَرَضِ الحامِلِ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] أيْ: مُجْرِمِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِأنْ رَبّى عَدُوَّهُمْ، ومَن هو سَبَبُ هَلاكِهِمْ، عَلى أيْدِيهِمْ.
القصص 28:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١١] ﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١]
﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: لِفِرْعَوْنَ، حِينَ أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِما سَيَكُونُ: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أيْ: خالِيًا مِنَ العَقْلِ. لِما دَهَمَها مِن فَرْطِ الجَزَعِ، وأطارَ عَقْلَها مِنَ الدَّهَشِ، لَمّا بَلَغَها وُقُوعُهُ في يَدِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] أيْ: بِأمْرِهِ وقِصَّتِهِ، وأنَّهُ ولَدُها: ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] أيْ: لَوْلا أنْ ألْهَمْناها الصَّبْرَ. شُبِّهَ بِرَبْطِ الشَّيْءِ المُنْفَلِتِ لِيُقِرَّ ويُطَمْئِنَ. ومَعْنى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] أيِ: المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ. وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ [القصص: ٧]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ، وأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا مِنَ الهَمِّ، حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ. إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِأنَّهُ ولَدُها، لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ. لَوْلا أنّا (p-٤٦٩٨)طامَنّا قَلْبَها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ، لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ: ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أيِ: اتَّبِعِي أثَرَهُ لِتَنالِي خَبَرَهُ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِها. أيْ: عَنْ بُعْدٍ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] أيْ: أنَّها تَتَعَرَّفُ حالَهُ.
القصص 28:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١١] ﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١]
﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: لِفِرْعَوْنَ، حِينَ أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِما سَيَكُونُ: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أيْ: خالِيًا مِنَ العَقْلِ. لِما دَهَمَها مِن فَرْطِ الجَزَعِ، وأطارَ عَقْلَها مِنَ الدَّهَشِ، لَمّا بَلَغَها وُقُوعُهُ في يَدِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] أيْ: بِأمْرِهِ وقِصَّتِهِ، وأنَّهُ ولَدُها: ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] أيْ: لَوْلا أنْ ألْهَمْناها الصَّبْرَ. شُبِّهَ بِرَبْطِ الشَّيْءِ المُنْفَلِتِ لِيُقِرَّ ويُطَمْئِنَ. ومَعْنى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] أيِ: المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ. وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ [القصص: ٧]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ، وأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا مِنَ الهَمِّ، حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ. إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِأنَّهُ ولَدُها، لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ. لَوْلا أنّا (p-٤٦٩٨)طامَنّا قَلْبَها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ، لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ: ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أيِ: اتَّبِعِي أثَرَهُ لِتَنالِي خَبَرَهُ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِها. أيْ: عَنْ بُعْدٍ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] أيْ: أنَّها تَتَعَرَّفُ حالَهُ.
القصص 28:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١١] ﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١]
﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: لِفِرْعَوْنَ، حِينَ أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِما سَيَكُونُ: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أيْ: خالِيًا مِنَ العَقْلِ. لِما دَهَمَها مِن فَرْطِ الجَزَعِ، وأطارَ عَقْلَها مِنَ الدَّهَشِ، لَمّا بَلَغَها وُقُوعُهُ في يَدِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] أيْ: بِأمْرِهِ وقِصَّتِهِ، وأنَّهُ ولَدُها: ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] أيْ: لَوْلا أنْ ألْهَمْناها الصَّبْرَ. شُبِّهَ بِرَبْطِ الشَّيْءِ المُنْفَلِتِ لِيُقِرَّ ويُطَمْئِنَ. ومَعْنى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] أيِ: المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ. وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ [القصص: ٧]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ، وأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا مِنَ الهَمِّ، حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ. إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِأنَّهُ ولَدُها، لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ. لَوْلا أنّا (p-٤٦٩٨)طامَنّا قَلْبَها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ، لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ: ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أيِ: اتَّبِعِي أثَرَهُ لِتَنالِي خَبَرَهُ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِها. أيْ: عَنْ بُعْدٍ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] أيْ: أنَّها تَتَعَرَّفُ حالَهُ.
القصص 28:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٧] ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ. و(المَراضِعُ) جَمْعُ مُرْضِعٍ (p-٤٦٩٩)بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ. وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ. وتَرَكَ (التّاءَ) لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ. أوْ جَمْعُ (مَرْضِعٍ) بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، جَمْعٌ لِتَعَدُّدِ مَوادِّهِ. أوِ اسْمُ مَوْضِعِ الرِّضاعِ، وهو الثَّدْيُ: ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: في رِضاعِهِ وتَرْبِيَتِهِ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِرُؤْيَتِهِ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِفِراقِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: كَمالَ قُوَّتِهِ ﴿واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أيِ: اعْتَدَلَ مِزاجُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: في أعْمالِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن نَبَئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَدَرَّجَ بِهِ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِصْرَ آتِيًا مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ: ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ [القصص: ١٥] قِيلَ وقْتَ القَيْلُولَةِ. وقِيلَ بَيْنَ العِشائَيْنِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: يَتَنازَعانِ: ﴿هَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الواحِدُ: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِمَّنْ يُشايِعُهُ عَلى دِينِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿وهَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الآخَرُ: ﴿مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مَن خالَفَهُ في دِينِهِ وهُمُ القِبْطُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: سَألَهُ الإغاثَةَ: ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ مَظْلُومًا: ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ ظالِمًا. وإغاثَةُ المَظْلُومِ واجِبَةٌ فَوَجَبَتْ إغاثَتُهُ مِن جِهَتَيْنِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ [القصص: ١٥] أيْ: ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ: ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: فَقَتَلَهُ: ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] يُشِيرُ إلى تَأسُّفِهِ عَلى ما أفْضى وكْزُهُ، مِن قَتْلِهِ. وسَمّاهُ ظُلْمًا واسْتَغْفَرَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ، لَأتُوبَنَّ ولا أُظاهِرُ المُجْرِمِينَ. وأنْ يَكُونَ اسْتِعْطافًا كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ! اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ. فَلَنْ أكُونَ، إنْ عَصَمْتَنِي، ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. وأرادَ بِمُظاهَرَتِهِمْ، إمّا صُحْبَةَ فِرْعَوْنِ وانْتِظامَهُ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ، وإمّا مُظاهَرَةَ مَن أدَّتْ مُظاهَرَتُهُ إلى الجُرْمِ والإثْمِ، كَمُظاهَرَةِ الإسْرائِيلِيِّ المُؤَدِّيَةِ إلى القَتْلِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ: لَقَدْ تَبَرَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَظِيمٍ. لِأنَّ ظَهِيرَ المُجْرِمِينَ شَرِيكُهم فِيما هم بِصَدَدِهِ. (p-٤٧٠٠)ويُرْوى أنَّهُ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الظَّلَمَةُ وأعْوانُ الظَّلَمَةِ؟ فَيُؤْتى بِهِمْ حَتّى بِمَن لاقَ لَهم لِيقَةً، أوْ بَرى لَهم قَلَمًا، فَيُجْعَلُونَ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ ويُلْقى بِهِمْ في النّارِ.
القصص 28:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٧] ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ. و(المَراضِعُ) جَمْعُ مُرْضِعٍ (p-٤٦٩٩)بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ. وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ. وتَرَكَ (التّاءَ) لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ. أوْ جَمْعُ (مَرْضِعٍ) بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، جَمْعٌ لِتَعَدُّدِ مَوادِّهِ. أوِ اسْمُ مَوْضِعِ الرِّضاعِ، وهو الثَّدْيُ: ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: في رِضاعِهِ وتَرْبِيَتِهِ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِرُؤْيَتِهِ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِفِراقِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: كَمالَ قُوَّتِهِ ﴿واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أيِ: اعْتَدَلَ مِزاجُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: في أعْمالِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن نَبَئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَدَرَّجَ بِهِ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِصْرَ آتِيًا مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ: ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ [القصص: ١٥] قِيلَ وقْتَ القَيْلُولَةِ. وقِيلَ بَيْنَ العِشائَيْنِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: يَتَنازَعانِ: ﴿هَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الواحِدُ: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِمَّنْ يُشايِعُهُ عَلى دِينِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿وهَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الآخَرُ: ﴿مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مَن خالَفَهُ في دِينِهِ وهُمُ القِبْطُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: سَألَهُ الإغاثَةَ: ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ مَظْلُومًا: ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ ظالِمًا. وإغاثَةُ المَظْلُومِ واجِبَةٌ فَوَجَبَتْ إغاثَتُهُ مِن جِهَتَيْنِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ [القصص: ١٥] أيْ: ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ: ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: فَقَتَلَهُ: ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] يُشِيرُ إلى تَأسُّفِهِ عَلى ما أفْضى وكْزُهُ، مِن قَتْلِهِ. وسَمّاهُ ظُلْمًا واسْتَغْفَرَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ، لَأتُوبَنَّ ولا أُظاهِرُ المُجْرِمِينَ. وأنْ يَكُونَ اسْتِعْطافًا كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ! اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ. فَلَنْ أكُونَ، إنْ عَصَمْتَنِي، ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. وأرادَ بِمُظاهَرَتِهِمْ، إمّا صُحْبَةَ فِرْعَوْنِ وانْتِظامَهُ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ، وإمّا مُظاهَرَةَ مَن أدَّتْ مُظاهَرَتُهُ إلى الجُرْمِ والإثْمِ، كَمُظاهَرَةِ الإسْرائِيلِيِّ المُؤَدِّيَةِ إلى القَتْلِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ: لَقَدْ تَبَرَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَظِيمٍ. لِأنَّ ظَهِيرَ المُجْرِمِينَ شَرِيكُهم فِيما هم بِصَدَدِهِ. (p-٤٧٠٠)ويُرْوى أنَّهُ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الظَّلَمَةُ وأعْوانُ الظَّلَمَةِ؟ فَيُؤْتى بِهِمْ حَتّى بِمَن لاقَ لَهم لِيقَةً، أوْ بَرى لَهم قَلَمًا، فَيُجْعَلُونَ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ ويُلْقى بِهِمْ في النّارِ.
القصص 28:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٧] ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ. و(المَراضِعُ) جَمْعُ مُرْضِعٍ (p-٤٦٩٩)بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ. وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ. وتَرَكَ (التّاءَ) لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ. أوْ جَمْعُ (مَرْضِعٍ) بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، جَمْعٌ لِتَعَدُّدِ مَوادِّهِ. أوِ اسْمُ مَوْضِعِ الرِّضاعِ، وهو الثَّدْيُ: ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: في رِضاعِهِ وتَرْبِيَتِهِ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِرُؤْيَتِهِ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِفِراقِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: كَمالَ قُوَّتِهِ ﴿واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أيِ: اعْتَدَلَ مِزاجُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: في أعْمالِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن نَبَئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَدَرَّجَ بِهِ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِصْرَ آتِيًا مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ: ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ [القصص: ١٥] قِيلَ وقْتَ القَيْلُولَةِ. وقِيلَ بَيْنَ العِشائَيْنِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: يَتَنازَعانِ: ﴿هَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الواحِدُ: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِمَّنْ يُشايِعُهُ عَلى دِينِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿وهَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الآخَرُ: ﴿مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مَن خالَفَهُ في دِينِهِ وهُمُ القِبْطُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: سَألَهُ الإغاثَةَ: ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ مَظْلُومًا: ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ ظالِمًا. وإغاثَةُ المَظْلُومِ واجِبَةٌ فَوَجَبَتْ إغاثَتُهُ مِن جِهَتَيْنِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ [القصص: ١٥] أيْ: ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ: ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: فَقَتَلَهُ: ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] يُشِيرُ إلى تَأسُّفِهِ عَلى ما أفْضى وكْزُهُ، مِن قَتْلِهِ. وسَمّاهُ ظُلْمًا واسْتَغْفَرَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ، لَأتُوبَنَّ ولا أُظاهِرُ المُجْرِمِينَ. وأنْ يَكُونَ اسْتِعْطافًا كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ! اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ. فَلَنْ أكُونَ، إنْ عَصَمْتَنِي، ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. وأرادَ بِمُظاهَرَتِهِمْ، إمّا صُحْبَةَ فِرْعَوْنِ وانْتِظامَهُ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ، وإمّا مُظاهَرَةَ مَن أدَّتْ مُظاهَرَتُهُ إلى الجُرْمِ والإثْمِ، كَمُظاهَرَةِ الإسْرائِيلِيِّ المُؤَدِّيَةِ إلى القَتْلِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ: لَقَدْ تَبَرَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَظِيمٍ. لِأنَّ ظَهِيرَ المُجْرِمِينَ شَرِيكُهم فِيما هم بِصَدَدِهِ. (p-٤٧٠٠)ويُرْوى أنَّهُ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الظَّلَمَةُ وأعْوانُ الظَّلَمَةِ؟ فَيُؤْتى بِهِمْ حَتّى بِمَن لاقَ لَهم لِيقَةً، أوْ بَرى لَهم قَلَمًا، فَيُجْعَلُونَ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ ويُلْقى بِهِمْ في النّارِ.
القصص 28:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٧] ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ. و(المَراضِعُ) جَمْعُ مُرْضِعٍ (p-٤٦٩٩)بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ. وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ. وتَرَكَ (التّاءَ) لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ. أوْ جَمْعُ (مَرْضِعٍ) بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، جَمْعٌ لِتَعَدُّدِ مَوادِّهِ. أوِ اسْمُ مَوْضِعِ الرِّضاعِ، وهو الثَّدْيُ: ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: في رِضاعِهِ وتَرْبِيَتِهِ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِرُؤْيَتِهِ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِفِراقِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: كَمالَ قُوَّتِهِ ﴿واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أيِ: اعْتَدَلَ مِزاجُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: في أعْمالِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن نَبَئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَدَرَّجَ بِهِ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِصْرَ آتِيًا مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ: ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ [القصص: ١٥] قِيلَ وقْتَ القَيْلُولَةِ. وقِيلَ بَيْنَ العِشائَيْنِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: يَتَنازَعانِ: ﴿هَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الواحِدُ: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِمَّنْ يُشايِعُهُ عَلى دِينِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿وهَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الآخَرُ: ﴿مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مَن خالَفَهُ في دِينِهِ وهُمُ القِبْطُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: سَألَهُ الإغاثَةَ: ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ مَظْلُومًا: ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ ظالِمًا. وإغاثَةُ المَظْلُومِ واجِبَةٌ فَوَجَبَتْ إغاثَتُهُ مِن جِهَتَيْنِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ [القصص: ١٥] أيْ: ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ: ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: فَقَتَلَهُ: ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] يُشِيرُ إلى تَأسُّفِهِ عَلى ما أفْضى وكْزُهُ، مِن قَتْلِهِ. وسَمّاهُ ظُلْمًا واسْتَغْفَرَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ، لَأتُوبَنَّ ولا أُظاهِرُ المُجْرِمِينَ. وأنْ يَكُونَ اسْتِعْطافًا كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ! اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ. فَلَنْ أكُونَ، إنْ عَصَمْتَنِي، ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. وأرادَ بِمُظاهَرَتِهِمْ، إمّا صُحْبَةَ فِرْعَوْنِ وانْتِظامَهُ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ، وإمّا مُظاهَرَةَ مَن أدَّتْ مُظاهَرَتُهُ إلى الجُرْمِ والإثْمِ، كَمُظاهَرَةِ الإسْرائِيلِيِّ المُؤَدِّيَةِ إلى القَتْلِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ: لَقَدْ تَبَرَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَظِيمٍ. لِأنَّ ظَهِيرَ المُجْرِمِينَ شَرِيكُهم فِيما هم بِصَدَدِهِ. (p-٤٧٠٠)ويُرْوى أنَّهُ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الظَّلَمَةُ وأعْوانُ الظَّلَمَةِ؟ فَيُؤْتى بِهِمْ حَتّى بِمَن لاقَ لَهم لِيقَةً، أوْ بَرى لَهم قَلَمًا، فَيُجْعَلُونَ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ ويُلْقى بِهِمْ في النّارِ.
القصص 28:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٧] ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ. و(المَراضِعُ) جَمْعُ مُرْضِعٍ (p-٤٦٩٩)بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ. وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ. وتَرَكَ (التّاءَ) لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ. أوْ جَمْعُ (مَرْضِعٍ) بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، جَمْعٌ لِتَعَدُّدِ مَوادِّهِ. أوِ اسْمُ مَوْضِعِ الرِّضاعِ، وهو الثَّدْيُ: ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: في رِضاعِهِ وتَرْبِيَتِهِ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِرُؤْيَتِهِ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِفِراقِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: كَمالَ قُوَّتِهِ ﴿واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أيِ: اعْتَدَلَ مِزاجُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: في أعْمالِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن نَبَئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَدَرَّجَ بِهِ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِصْرَ آتِيًا مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ: ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ [القصص: ١٥] قِيلَ وقْتَ القَيْلُولَةِ. وقِيلَ بَيْنَ العِشائَيْنِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: يَتَنازَعانِ: ﴿هَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الواحِدُ: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِمَّنْ يُشايِعُهُ عَلى دِينِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿وهَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الآخَرُ: ﴿مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مَن خالَفَهُ في دِينِهِ وهُمُ القِبْطُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: سَألَهُ الإغاثَةَ: ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ مَظْلُومًا: ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ ظالِمًا. وإغاثَةُ المَظْلُومِ واجِبَةٌ فَوَجَبَتْ إغاثَتُهُ مِن جِهَتَيْنِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ [القصص: ١٥] أيْ: ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ: ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: فَقَتَلَهُ: ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] يُشِيرُ إلى تَأسُّفِهِ عَلى ما أفْضى وكْزُهُ، مِن قَتْلِهِ. وسَمّاهُ ظُلْمًا واسْتَغْفَرَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ، لَأتُوبَنَّ ولا أُظاهِرُ المُجْرِمِينَ. وأنْ يَكُونَ اسْتِعْطافًا كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ! اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ. فَلَنْ أكُونَ، إنْ عَصَمْتَنِي، ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. وأرادَ بِمُظاهَرَتِهِمْ، إمّا صُحْبَةَ فِرْعَوْنِ وانْتِظامَهُ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ، وإمّا مُظاهَرَةَ مَن أدَّتْ مُظاهَرَتُهُ إلى الجُرْمِ والإثْمِ، كَمُظاهَرَةِ الإسْرائِيلِيِّ المُؤَدِّيَةِ إلى القَتْلِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ: لَقَدْ تَبَرَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَظِيمٍ. لِأنَّ ظَهِيرَ المُجْرِمِينَ شَرِيكُهم فِيما هم بِصَدَدِهِ. (p-٤٧٠٠)ويُرْوى أنَّهُ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الظَّلَمَةُ وأعْوانُ الظَّلَمَةِ؟ فَيُؤْتى بِهِمْ حَتّى بِمَن لاقَ لَهم لِيقَةً، أوْ بَرى لَهم قَلَمًا، فَيُجْعَلُونَ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ ويُلْقى بِهِمْ في النّارِ.
القصص 28:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٧] ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ. و(المَراضِعُ) جَمْعُ مُرْضِعٍ (p-٤٦٩٩)بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ. وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ. وتَرَكَ (التّاءَ) لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ. أوْ جَمْعُ (مَرْضِعٍ) بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، جَمْعٌ لِتَعَدُّدِ مَوادِّهِ. أوِ اسْمُ مَوْضِعِ الرِّضاعِ، وهو الثَّدْيُ: ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: في رِضاعِهِ وتَرْبِيَتِهِ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِرُؤْيَتِهِ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣] أيْ: بِفِراقِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: كَمالَ قُوَّتِهِ ﴿واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أيِ: اعْتَدَلَ مِزاجُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] أيْ: في أعْمالِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن نَبَئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَدَرَّجَ بِهِ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِصْرَ آتِيًا مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ: ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ [القصص: ١٥] قِيلَ وقْتَ القَيْلُولَةِ. وقِيلَ بَيْنَ العِشائَيْنِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: يَتَنازَعانِ: ﴿هَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الواحِدُ: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مِمَّنْ يُشايِعُهُ عَلى دِينِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿وهَذا﴾ [القصص: ١٥] أيِ: الآخَرُ: ﴿مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: مَن خالَفَهُ في دِينِهِ وهُمُ القِبْطُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: سَألَهُ الإغاثَةَ: ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ مَظْلُومًا: ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] لِكَوْنِهِ ظالِمًا. وإغاثَةُ المَظْلُومِ واجِبَةٌ فَوَجَبَتْ إغاثَتُهُ مِن جِهَتَيْنِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ [القصص: ١٥] أيْ: ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ: ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أيْ: فَقَتَلَهُ: ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] يُشِيرُ إلى تَأسُّفِهِ عَلى ما أفْضى وكْزُهُ، مِن قَتْلِهِ. وسَمّاهُ ظُلْمًا واسْتَغْفَرَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ، لَأتُوبَنَّ ولا أُظاهِرُ المُجْرِمِينَ. وأنْ يَكُونَ اسْتِعْطافًا كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ! اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ. فَلَنْ أكُونَ، إنْ عَصَمْتَنِي، ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. وأرادَ بِمُظاهَرَتِهِمْ، إمّا صُحْبَةَ فِرْعَوْنِ وانْتِظامَهُ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ، وإمّا مُظاهَرَةَ مَن أدَّتْ مُظاهَرَتُهُ إلى الجُرْمِ والإثْمِ، كَمُظاهَرَةِ الإسْرائِيلِيِّ المُؤَدِّيَةِ إلى القَتْلِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ: لَقَدْ تَبَرَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَظِيمٍ. لِأنَّ ظَهِيرَ المُجْرِمِينَ شَرِيكُهم فِيما هم بِصَدَدِهِ. (p-٤٧٠٠)ويُرْوى أنَّهُ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الظَّلَمَةُ وأعْوانُ الظَّلَمَةِ؟ فَيُؤْتى بِهِمْ حَتّى بِمَن لاقَ لَهم لِيقَةً، أوْ بَرى لَهم قَلَمًا، فَيُجْعَلُونَ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ ويُلْقى بِهِمْ في النّارِ.
القصص 28:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٣] ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: الِاسْتِقادَةَ أوِ الأجْنادَ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ اسْتَعانَهُ فَقَتَلَ مِن أجْلِهِ مُنازِعَهُ القِبْطِيَّ: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُهُ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بِمُخاصَمَتِكَ النّاسَ مَعَ عَجْزِكَ، (p-٤٧٠١)وجَرِّكَ إلَيْهِمْ ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ [القصص: ١٩] أيْ: لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ، وهو القِبْطِيُّ: ﴿قالَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: ذَلِكَ العَدُوُّ وهو القِبْطِيُّ، لا الإسْرائِيلِيُّ كَما وهِمَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: بَيْنَ النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ بِظُلْمٍ، لا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يُسْرِعُ لِفَرْطِ حُبِّهِ لِمُوسى: ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ: ﴿لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: مِن حَدِّ مَمْلَكَتِهِمْ: ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] أيْ: لُحُوقَ الطّالِبِينَ: ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: جَعَلَ وجْهَهُ: ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: فَلا يَلْحَقُنِي فِيهِ الطّالِبُونَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: جَماعَةً كَثِيفَةً: ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: مَواشِيَهُمْ: ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: تَمْنَعانِ مَواشِيَهُما عَنِ الماءِ، لِوُجُودِ مَن هو أقْوى مِنهُما عِنْدَهُ، فَلا تَتَمَكَّنانِ مِنَ السَّقْيِ: ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: ما شَأْنُكُما في الذَّوْدِ: ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عاداتُنا أنْ لا نَسْقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم عَنِ الماءِ، عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ، وحَذَرًا مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ: ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: فَيَعْجِزُ عَنِ الخُرُوجِ والسَّقْيِ. أيْ: ما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ إلّا هُوَ، وقَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ، فاضْطَرَّنا الحالُ إلى ما تَرى.
القصص 28:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٣] ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: الِاسْتِقادَةَ أوِ الأجْنادَ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ اسْتَعانَهُ فَقَتَلَ مِن أجْلِهِ مُنازِعَهُ القِبْطِيَّ: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُهُ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بِمُخاصَمَتِكَ النّاسَ مَعَ عَجْزِكَ، (p-٤٧٠١)وجَرِّكَ إلَيْهِمْ ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ [القصص: ١٩] أيْ: لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ، وهو القِبْطِيُّ: ﴿قالَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: ذَلِكَ العَدُوُّ وهو القِبْطِيُّ، لا الإسْرائِيلِيُّ كَما وهِمَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: بَيْنَ النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ بِظُلْمٍ، لا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يُسْرِعُ لِفَرْطِ حُبِّهِ لِمُوسى: ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ: ﴿لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: مِن حَدِّ مَمْلَكَتِهِمْ: ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] أيْ: لُحُوقَ الطّالِبِينَ: ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: جَعَلَ وجْهَهُ: ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: فَلا يَلْحَقُنِي فِيهِ الطّالِبُونَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: جَماعَةً كَثِيفَةً: ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: مَواشِيَهُمْ: ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: تَمْنَعانِ مَواشِيَهُما عَنِ الماءِ، لِوُجُودِ مَن هو أقْوى مِنهُما عِنْدَهُ، فَلا تَتَمَكَّنانِ مِنَ السَّقْيِ: ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: ما شَأْنُكُما في الذَّوْدِ: ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عاداتُنا أنْ لا نَسْقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم عَنِ الماءِ، عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ، وحَذَرًا مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ: ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: فَيَعْجِزُ عَنِ الخُرُوجِ والسَّقْيِ. أيْ: ما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ إلّا هُوَ، وقَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ، فاضْطَرَّنا الحالُ إلى ما تَرى.
القصص 28:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٣] ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: الِاسْتِقادَةَ أوِ الأجْنادَ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ اسْتَعانَهُ فَقَتَلَ مِن أجْلِهِ مُنازِعَهُ القِبْطِيَّ: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُهُ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بِمُخاصَمَتِكَ النّاسَ مَعَ عَجْزِكَ، (p-٤٧٠١)وجَرِّكَ إلَيْهِمْ ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ [القصص: ١٩] أيْ: لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ، وهو القِبْطِيُّ: ﴿قالَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: ذَلِكَ العَدُوُّ وهو القِبْطِيُّ، لا الإسْرائِيلِيُّ كَما وهِمَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: بَيْنَ النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ بِظُلْمٍ، لا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يُسْرِعُ لِفَرْطِ حُبِّهِ لِمُوسى: ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ: ﴿لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: مِن حَدِّ مَمْلَكَتِهِمْ: ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] أيْ: لُحُوقَ الطّالِبِينَ: ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: جَعَلَ وجْهَهُ: ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: فَلا يَلْحَقُنِي فِيهِ الطّالِبُونَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: جَماعَةً كَثِيفَةً: ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: مَواشِيَهُمْ: ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: تَمْنَعانِ مَواشِيَهُما عَنِ الماءِ، لِوُجُودِ مَن هو أقْوى مِنهُما عِنْدَهُ، فَلا تَتَمَكَّنانِ مِنَ السَّقْيِ: ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: ما شَأْنُكُما في الذَّوْدِ: ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عاداتُنا أنْ لا نَسْقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم عَنِ الماءِ، عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ، وحَذَرًا مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ: ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: فَيَعْجِزُ عَنِ الخُرُوجِ والسَّقْيِ. أيْ: ما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ إلّا هُوَ، وقَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ، فاضْطَرَّنا الحالُ إلى ما تَرى.
القصص 28:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٣] ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: الِاسْتِقادَةَ أوِ الأجْنادَ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ اسْتَعانَهُ فَقَتَلَ مِن أجْلِهِ مُنازِعَهُ القِبْطِيَّ: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُهُ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بِمُخاصَمَتِكَ النّاسَ مَعَ عَجْزِكَ، (p-٤٧٠١)وجَرِّكَ إلَيْهِمْ ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ [القصص: ١٩] أيْ: لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ، وهو القِبْطِيُّ: ﴿قالَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: ذَلِكَ العَدُوُّ وهو القِبْطِيُّ، لا الإسْرائِيلِيُّ كَما وهِمَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: بَيْنَ النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ بِظُلْمٍ، لا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يُسْرِعُ لِفَرْطِ حُبِّهِ لِمُوسى: ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ: ﴿لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: مِن حَدِّ مَمْلَكَتِهِمْ: ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] أيْ: لُحُوقَ الطّالِبِينَ: ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: جَعَلَ وجْهَهُ: ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: فَلا يَلْحَقُنِي فِيهِ الطّالِبُونَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: جَماعَةً كَثِيفَةً: ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: مَواشِيَهُمْ: ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: تَمْنَعانِ مَواشِيَهُما عَنِ الماءِ، لِوُجُودِ مَن هو أقْوى مِنهُما عِنْدَهُ، فَلا تَتَمَكَّنانِ مِنَ السَّقْيِ: ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: ما شَأْنُكُما في الذَّوْدِ: ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عاداتُنا أنْ لا نَسْقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم عَنِ الماءِ، عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ، وحَذَرًا مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ: ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: فَيَعْجِزُ عَنِ الخُرُوجِ والسَّقْيِ. أيْ: ما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ إلّا هُوَ، وقَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ، فاضْطَرَّنا الحالُ إلى ما تَرى.
القصص 28:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٣] ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: الِاسْتِقادَةَ أوِ الأجْنادَ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ اسْتَعانَهُ فَقَتَلَ مِن أجْلِهِ مُنازِعَهُ القِبْطِيَّ: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُهُ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بِمُخاصَمَتِكَ النّاسَ مَعَ عَجْزِكَ، (p-٤٧٠١)وجَرِّكَ إلَيْهِمْ ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ [القصص: ١٩] أيْ: لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ، وهو القِبْطِيُّ: ﴿قالَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: ذَلِكَ العَدُوُّ وهو القِبْطِيُّ، لا الإسْرائِيلِيُّ كَما وهِمَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: بَيْنَ النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ بِظُلْمٍ، لا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يُسْرِعُ لِفَرْطِ حُبِّهِ لِمُوسى: ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ: ﴿لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: مِن حَدِّ مَمْلَكَتِهِمْ: ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] أيْ: لُحُوقَ الطّالِبِينَ: ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: جَعَلَ وجْهَهُ: ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: فَلا يَلْحَقُنِي فِيهِ الطّالِبُونَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: جَماعَةً كَثِيفَةً: ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: مَواشِيَهُمْ: ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: تَمْنَعانِ مَواشِيَهُما عَنِ الماءِ، لِوُجُودِ مَن هو أقْوى مِنهُما عِنْدَهُ، فَلا تَتَمَكَّنانِ مِنَ السَّقْيِ: ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: ما شَأْنُكُما في الذَّوْدِ: ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عاداتُنا أنْ لا نَسْقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم عَنِ الماءِ، عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ، وحَذَرًا مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ: ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: فَيَعْجِزُ عَنِ الخُرُوجِ والسَّقْيِ. أيْ: ما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ إلّا هُوَ، وقَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ، فاضْطَرَّنا الحالُ إلى ما تَرى.
القصص 28:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٣] ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: الِاسْتِقادَةَ أوِ الأجْنادَ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ اسْتَعانَهُ فَقَتَلَ مِن أجْلِهِ مُنازِعَهُ القِبْطِيَّ: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُهُ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بِمُخاصَمَتِكَ النّاسَ مَعَ عَجْزِكَ، (p-٤٧٠١)وجَرِّكَ إلَيْهِمْ ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ [القصص: ١٩] أيْ: لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ، وهو القِبْطِيُّ: ﴿قالَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: ذَلِكَ العَدُوُّ وهو القِبْطِيُّ، لا الإسْرائِيلِيُّ كَما وهِمَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] أيْ: بَيْنَ النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ بِظُلْمٍ، لا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يُسْرِعُ لِفَرْطِ حُبِّهِ لِمُوسى: ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ: ﴿لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] أيْ: مِن حَدِّ مَمْلَكَتِهِمْ: ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] أيْ: لُحُوقَ الطّالِبِينَ: ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: جَعَلَ وجْهَهُ: ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أيْ: فَلا يَلْحَقُنِي فِيهِ الطّالِبُونَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: جَماعَةً كَثِيفَةً: ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: مَواشِيَهُمْ: ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: تَمْنَعانِ مَواشِيَهُما عَنِ الماءِ، لِوُجُودِ مَن هو أقْوى مِنهُما عِنْدَهُ، فَلا تَتَمَكَّنانِ مِنَ السَّقْيِ: ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: ما شَأْنُكُما في الذَّوْدِ: ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عاداتُنا أنْ لا نَسْقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم عَنِ الماءِ، عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ، وحَذَرًا مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ: ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: فَيَعْجِزُ عَنِ الخُرُوجِ والسَّقْيِ. أيْ: ما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ إلّا هُوَ، وقَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ، فاضْطَرَّنا الحالُ إلى ما تَرى.
القصص 28:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤ - ٢٥] ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥]
(p-٤٧٠٢)﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ: فَسَقى غَنَمَهُما، لِأجْلِهِما مِن غَيْرِ أجْرٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: الَّذِي كانَ هُناكَ، مِن شِدَّةِ الحَرِّ: ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ. والخَيْرُ أعَمُّ مِنَ المالِ أوِ القُوَّةِ أوِ الطَّعامِ. وعَلى الأخِيرِ حَمَلَهُ الأكْثَرُونَ بِمَعُونَةِ المَقامِ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥] أيْ: أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما جَرى عَلَيْهِ إلى خُرُوجِهِ لَمّا تَآمَرُوا بِقَتْلِهِ: ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] أيْ: بِالخُرُوجِ عِنْدَ حَدِّ وِلايَتِهِمْ، إذْ لا سُلْطانَ لَهم بِأرْضِنا.
القصص 28:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤ - ٢٥] ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥]
(p-٤٧٠٢)﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ: فَسَقى غَنَمَهُما، لِأجْلِهِما مِن غَيْرِ أجْرٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: الَّذِي كانَ هُناكَ، مِن شِدَّةِ الحَرِّ: ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ. والخَيْرُ أعَمُّ مِنَ المالِ أوِ القُوَّةِ أوِ الطَّعامِ. وعَلى الأخِيرِ حَمَلَهُ الأكْثَرُونَ بِمَعُونَةِ المَقامِ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥] أيْ: أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما جَرى عَلَيْهِ إلى خُرُوجِهِ لَمّا تَآمَرُوا بِقَتْلِهِ: ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] أيْ: بِالخُرُوجِ عِنْدَ حَدِّ وِلايَتِهِمْ، إذْ لا سُلْطانَ لَهم بِأرْضِنا.
القصص 28:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٨] ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]
﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيِ: اجْعَلْهُ أجِيرَكَ لِيَرْعى غَنَمَكَ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ أيْ: خَيْرَ مَن أرَدْتَ جَعْلَهُ أجِيرًا، القَوِيُّ عَلى العَمَلِ المُؤْتَمَنُ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُها: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ. لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ هاتانِ الخَصْلَتانِ، أعْنِي الكِفايَةَ والأمانَةَ في القائِمِ بِأمْرِكَ، (p-٤٧٠٣)فَقَدْ فَرَغَ بالُكَ وتَمَّ مُرادُكَ. وقَدِ اسْتَغْنَتْ بِإرْسالِ هَذا الكَلامِ الَّذِي سِياقُهُ سِياقُ المَثَلِ والحِكْمَةِ، أنْ تَقُولَ: اسْتَأْجِرْهُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: وهو أيْضًا أجْمَلُ في مَدْحِ النِّساءِ لِلرِّجالِ، مِنَ المَدْحِ الخاصِّ. وأبْقى لِلْحِشْمَةِ. وخُصُوصًا إنْ كانَتْ فَهِمَتْ أنَّ غَرَضَ أبِيها عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ. وما أحْسَنَ ما أخَذَ الفارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذا المَعْنى فَقالَ: أشْكُو إلى اللَّهِ ضَعْفَ الأمِينِ وخِيانَةَ القَوِيِّ. فَفي مَضْمُونِ الشِّكايَةِ سُؤالُ اللَّهِ تَعالى أنْ يُتْحِفَهُ بِمَن جَمَعَ الوَصْفَيْنِ، فَكانَ قَوِيًّا وأمِينًا: يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى ما كانَ بِصَدَدِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: لِقُوَّتِكَ وأمانَتِكَ، ما يُقَوِّي المَوَدَّةَ ويَجْذِبُ القُلُوبَ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرِي لِرَعْيِ المَواشِي بِأُجْرَةٍ عَلى ابْنَتِي، هي مَهْرُها عَلَيْكَ، ثَمانِي سِنِينَ: ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: فَهو مِن عِنْدِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: بِإلْزامِ أتَمِّ الأجَلَيْنِ وإيجابِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ: ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: ذاكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي عَلَيْهِ، لا نَخْرُجُ عَنْهُ جَمِيعًا: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: أتْمَمْتُ: ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ثَمانٍ، أوِ الخُرُوجِ بِالأهْلِ قَبْلَ عَشْرٍ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: شاهِدٌ وحَفِيظٌ.
القصص 28:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٨] ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]
﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيِ: اجْعَلْهُ أجِيرَكَ لِيَرْعى غَنَمَكَ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ أيْ: خَيْرَ مَن أرَدْتَ جَعْلَهُ أجِيرًا، القَوِيُّ عَلى العَمَلِ المُؤْتَمَنُ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُها: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ. لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ هاتانِ الخَصْلَتانِ، أعْنِي الكِفايَةَ والأمانَةَ في القائِمِ بِأمْرِكَ، (p-٤٧٠٣)فَقَدْ فَرَغَ بالُكَ وتَمَّ مُرادُكَ. وقَدِ اسْتَغْنَتْ بِإرْسالِ هَذا الكَلامِ الَّذِي سِياقُهُ سِياقُ المَثَلِ والحِكْمَةِ، أنْ تَقُولَ: اسْتَأْجِرْهُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: وهو أيْضًا أجْمَلُ في مَدْحِ النِّساءِ لِلرِّجالِ، مِنَ المَدْحِ الخاصِّ. وأبْقى لِلْحِشْمَةِ. وخُصُوصًا إنْ كانَتْ فَهِمَتْ أنَّ غَرَضَ أبِيها عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ. وما أحْسَنَ ما أخَذَ الفارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذا المَعْنى فَقالَ: أشْكُو إلى اللَّهِ ضَعْفَ الأمِينِ وخِيانَةَ القَوِيِّ. فَفي مَضْمُونِ الشِّكايَةِ سُؤالُ اللَّهِ تَعالى أنْ يُتْحِفَهُ بِمَن جَمَعَ الوَصْفَيْنِ، فَكانَ قَوِيًّا وأمِينًا: يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى ما كانَ بِصَدَدِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: لِقُوَّتِكَ وأمانَتِكَ، ما يُقَوِّي المَوَدَّةَ ويَجْذِبُ القُلُوبَ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرِي لِرَعْيِ المَواشِي بِأُجْرَةٍ عَلى ابْنَتِي، هي مَهْرُها عَلَيْكَ، ثَمانِي سِنِينَ: ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: فَهو مِن عِنْدِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: بِإلْزامِ أتَمِّ الأجَلَيْنِ وإيجابِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ: ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: ذاكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي عَلَيْهِ، لا نَخْرُجُ عَنْهُ جَمِيعًا: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: أتْمَمْتُ: ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ثَمانٍ، أوِ الخُرُوجِ بِالأهْلِ قَبْلَ عَشْرٍ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: شاهِدٌ وحَفِيظٌ.
القصص 28:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٨] ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]
﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيِ: اجْعَلْهُ أجِيرَكَ لِيَرْعى غَنَمَكَ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ أيْ: خَيْرَ مَن أرَدْتَ جَعْلَهُ أجِيرًا، القَوِيُّ عَلى العَمَلِ المُؤْتَمَنُ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُها: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ. لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ هاتانِ الخَصْلَتانِ، أعْنِي الكِفايَةَ والأمانَةَ في القائِمِ بِأمْرِكَ، (p-٤٧٠٣)فَقَدْ فَرَغَ بالُكَ وتَمَّ مُرادُكَ. وقَدِ اسْتَغْنَتْ بِإرْسالِ هَذا الكَلامِ الَّذِي سِياقُهُ سِياقُ المَثَلِ والحِكْمَةِ، أنْ تَقُولَ: اسْتَأْجِرْهُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: وهو أيْضًا أجْمَلُ في مَدْحِ النِّساءِ لِلرِّجالِ، مِنَ المَدْحِ الخاصِّ. وأبْقى لِلْحِشْمَةِ. وخُصُوصًا إنْ كانَتْ فَهِمَتْ أنَّ غَرَضَ أبِيها عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ. وما أحْسَنَ ما أخَذَ الفارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذا المَعْنى فَقالَ: أشْكُو إلى اللَّهِ ضَعْفَ الأمِينِ وخِيانَةَ القَوِيِّ. فَفي مَضْمُونِ الشِّكايَةِ سُؤالُ اللَّهِ تَعالى أنْ يُتْحِفَهُ بِمَن جَمَعَ الوَصْفَيْنِ، فَكانَ قَوِيًّا وأمِينًا: يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى ما كانَ بِصَدَدِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: لِقُوَّتِكَ وأمانَتِكَ، ما يُقَوِّي المَوَدَّةَ ويَجْذِبُ القُلُوبَ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرِي لِرَعْيِ المَواشِي بِأُجْرَةٍ عَلى ابْنَتِي، هي مَهْرُها عَلَيْكَ، ثَمانِي سِنِينَ: ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: فَهو مِن عِنْدِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: بِإلْزامِ أتَمِّ الأجَلَيْنِ وإيجابِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ: ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: ذاكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي عَلَيْهِ، لا نَخْرُجُ عَنْهُ جَمِيعًا: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: أتْمَمْتُ: ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ثَمانٍ، أوِ الخُرُوجِ بِالأهْلِ قَبْلَ عَشْرٍ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] أيْ: شاهِدٌ وحَفِيظٌ.
القصص 28:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩ - ٣١] ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] (p-٤٧٠٤)﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]
﴿فَلَمّا قَضى﴾ أيْ: أتَمَّ: ﴿مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ أيْ: مِنَ الطَّرِيقِ، مِن ضَوْئِها، أوْ مِمَّنْ عِنْدَها: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ مُثَلَّثَةُ الجِيمِ، وقَدْ قُرِئَ بِها كُلِّها، أيْ: عَوْدٌ فِيهِ شَيْءٌ: ﴿مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ [القصص: ٣٠] أيْ: قَرُبَ مِنها: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ﴾ [القصص: ٣٠] أيْ: جانِبِ: ﴿الوادِ الأيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠] أيِ: المُبارَكِ. يُقالُ: يَمُنَ فَهو مَيْمُونٌ وأيْمَنُ. وتَفْسِيرُهُ بِخِلافِ الأيْسَرِ بَعِيدٌ، لِأنَّ ألْفاظَ التَّنْزِيلِ وآيَهُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. وقَدْ جاءَ في غَيْرِ آيَةٍ تَوْصِيفُ الوادِي بِالمُقَدَّسِ، وبُقْعَتِهِ بِالمُبارَكَةِ، والمَعْنى واحِدٌ. وإنْ أدْهَشَ التَّفَنُّنُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِبَدِيعِ تِلْكَ المَبانِي: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] أيِ: الَّتِي بُورِكَ مَكانُها بِالتَّجَلِّي الإلَهِيِّ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: تَتَحَرَّكُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: حَيَّةٌ صَغِيرَةٌ، في سُرْعَةِ الحَرَكَةِ: ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ [القصص: ٣١] أيْ: أعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْها. جاعِلًا ظَهْرَهُ إلَيْها: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: لَمْ يَرْجِعْ: ﴿يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: مِنَ المَخاوِفِ.
القصص 28:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩ - ٣١] ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] (p-٤٧٠٤)﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]
﴿فَلَمّا قَضى﴾ أيْ: أتَمَّ: ﴿مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ أيْ: مِنَ الطَّرِيقِ، مِن ضَوْئِها، أوْ مِمَّنْ عِنْدَها: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ مُثَلَّثَةُ الجِيمِ، وقَدْ قُرِئَ بِها كُلِّها، أيْ: عَوْدٌ فِيهِ شَيْءٌ: ﴿مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ [القصص: ٣٠] أيْ: قَرُبَ مِنها: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ﴾ [القصص: ٣٠] أيْ: جانِبِ: ﴿الوادِ الأيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠] أيِ: المُبارَكِ. يُقالُ: يَمُنَ فَهو مَيْمُونٌ وأيْمَنُ. وتَفْسِيرُهُ بِخِلافِ الأيْسَرِ بَعِيدٌ، لِأنَّ ألْفاظَ التَّنْزِيلِ وآيَهُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. وقَدْ جاءَ في غَيْرِ آيَةٍ تَوْصِيفُ الوادِي بِالمُقَدَّسِ، وبُقْعَتِهِ بِالمُبارَكَةِ، والمَعْنى واحِدٌ. وإنْ أدْهَشَ التَّفَنُّنُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِبَدِيعِ تِلْكَ المَبانِي: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] أيِ: الَّتِي بُورِكَ مَكانُها بِالتَّجَلِّي الإلَهِيِّ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: تَتَحَرَّكُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: حَيَّةٌ صَغِيرَةٌ، في سُرْعَةِ الحَرَكَةِ: ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ [القصص: ٣١] أيْ: أعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْها. جاعِلًا ظَهْرَهُ إلَيْها: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: لَمْ يَرْجِعْ: ﴿يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: مِنَ المَخاوِفِ.
القصص 28:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩ - ٣١] ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] (p-٤٧٠٤)﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]
﴿فَلَمّا قَضى﴾ أيْ: أتَمَّ: ﴿مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ أيْ: مِنَ الطَّرِيقِ، مِن ضَوْئِها، أوْ مِمَّنْ عِنْدَها: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ مُثَلَّثَةُ الجِيمِ، وقَدْ قُرِئَ بِها كُلِّها، أيْ: عَوْدٌ فِيهِ شَيْءٌ: ﴿مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ [القصص: ٣٠] أيْ: قَرُبَ مِنها: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ﴾ [القصص: ٣٠] أيْ: جانِبِ: ﴿الوادِ الأيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠] أيِ: المُبارَكِ. يُقالُ: يَمُنَ فَهو مَيْمُونٌ وأيْمَنُ. وتَفْسِيرُهُ بِخِلافِ الأيْسَرِ بَعِيدٌ، لِأنَّ ألْفاظَ التَّنْزِيلِ وآيَهُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. وقَدْ جاءَ في غَيْرِ آيَةٍ تَوْصِيفُ الوادِي بِالمُقَدَّسِ، وبُقْعَتِهِ بِالمُبارَكَةِ، والمَعْنى واحِدٌ. وإنْ أدْهَشَ التَّفَنُّنُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِبَدِيعِ تِلْكَ المَبانِي: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] أيِ: الَّتِي بُورِكَ مَكانُها بِالتَّجَلِّي الإلَهِيِّ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: تَتَحَرَّكُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: حَيَّةٌ صَغِيرَةٌ، في سُرْعَةِ الحَرَكَةِ: ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ [القصص: ٣١] أيْ: أعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْها. جاعِلًا ظَهْرَهُ إلَيْها: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: لَمْ يَرْجِعْ: ﴿يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١] أيْ: مِنَ المَخاوِفِ.
القصص 28:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٥] ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] (p-٤٧٠٥)﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]
﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: أدْخِلْها فِيهِ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَكَ: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيِ: الخَوْفِ. قُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ، وضَمَّتَيْنِ، وفَتْحٍ وسُكُونٍ، وضَمٍّ وسُكُونٍ. قالَ ابْنُ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ: مِمّا حَصَلَ لَكَ مِن خَوْفِكَ مِنَ الحَيَّةِ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أعَمُّ مِن هَذا. وهو أنَّهُ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذا خافَ مِن شَيْءٍ، أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ يَدَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُهُ مِنَ الخَوْفِ. ورُبَّما اسْتَعْمَلَ أحَدٌ ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ الِاقْتِداءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ، فَإنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ ما يَجِدُ أوْ يَخِفُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وبِهِ الثِّقَةُ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ: ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: فَيَكُونُ أحْسَنَ بَيانًا. ولا يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ ما لَمْ يُكَلَّفْ بِمِثْلِ ما كُلِّفْتُ بِهِ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: مُعِينًا: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: لِنَشاطِ قَلْبِي: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: يَتَّفِقُوا عَلى تَكْذِيبِي المُؤَدِّي إلى أنْواعِ الأذِيّاتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: تَصْدِيقُ أخِيهِ، ما الفائِدَةُ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَيْسَ الغَرَضُ بِتَصْدِيقِهِ أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، أوْ يَقُولُ لِلنّاسِ: صَدَقَ مُوسى، وإنَّما هو أنْ يُلَخِّصَ بِلِسانِهِ الحَقَّ ويَبْسُطَ القَوْلَ فِيهِ ويُجادِلَ بِهِ الكُفّارَ، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ المِنطِيقُ ذُو العارِضَةِ. فَذَلِكَ جارٍ مَجْرى التَّصْدِيقِ المُفِيدِ، كَما يُصَدِّقُ القَوْلَ بِالبُرْهانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤] وفَضْلُ الفَصاحَةِ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ لِذَلِكَ. لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ. فَإنْ سَحْبانَ وباقِلا يَسْتَوِيانِ فِيهِ. أوْ يَصِلُ جَناحَ كَلامِهِ بِالبَيانِ حَتّى يُصَدِّقَهُ الَّذِي يَخافُ تَكْذِيبَهُ. فَأسْنَدَ التَّصْدِيقَ إلى هارُونَ لِأنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، إسْنادًا مَجازِيًّا. انْتَهى ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ ونُعِينُكَ.
(p-٤٧٠٦)قالَ الشِّهابُ: والشَّدُّ التَّقْوِيَةُ، والعَضُدُ مِنَ اليَدِ مَعْرُوفٌ. فَهو إمّا كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ، لِأنَّ اليَدَ تَشُدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ، والجُمْلَةُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ اليَدِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَقِيقَةِ كَما تَوَهَّمَ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. شَبَّهَ حالَ مُوسى في تَقْوِيَتِهِ بِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، بِحالِ اليَدِ في تَقْوِيَتِها بِيَدٍ شَدِيدَةٍ ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: غَلَبَةً ومَهابَةً في قُلُوبِهِمْ أوْ حُجَّةً: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: بِإيذاءٍ، فَضْلًا عَنِ القَتْلِ: ﴿بِآياتِنا﴾ [القصص: ٣٥] مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْهَبا بِآياتِنا. أوْ بِـ(نَجْعَلُ) أيْ: نُسَلِّطُكُما بِها أوْ بِمَعْنى: (لا يَصِلُونَ) أيْ: تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها. أوْ قَسَمٌ، جَوابُهُ (لا يَصِلُونَ) مُقَدَّرٌ. أوْ صِلَةٌ لِـ(الغالِبُونَ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وتَقَدُّمُهُ، إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ. أيِ: الغالِبُونَ عَلَيْهِمْ، وإنْ غَلَبُوكم وغَلَبُوا العالَمِينَ قَبْلَكم.
القصص 28:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٥] ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] (p-٤٧٠٥)﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]
﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: أدْخِلْها فِيهِ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَكَ: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيِ: الخَوْفِ. قُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ، وضَمَّتَيْنِ، وفَتْحٍ وسُكُونٍ، وضَمٍّ وسُكُونٍ. قالَ ابْنُ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ: مِمّا حَصَلَ لَكَ مِن خَوْفِكَ مِنَ الحَيَّةِ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أعَمُّ مِن هَذا. وهو أنَّهُ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذا خافَ مِن شَيْءٍ، أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ يَدَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُهُ مِنَ الخَوْفِ. ورُبَّما اسْتَعْمَلَ أحَدٌ ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ الِاقْتِداءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ، فَإنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ ما يَجِدُ أوْ يَخِفُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وبِهِ الثِّقَةُ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ: ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: فَيَكُونُ أحْسَنَ بَيانًا. ولا يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ ما لَمْ يُكَلَّفْ بِمِثْلِ ما كُلِّفْتُ بِهِ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: مُعِينًا: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: لِنَشاطِ قَلْبِي: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: يَتَّفِقُوا عَلى تَكْذِيبِي المُؤَدِّي إلى أنْواعِ الأذِيّاتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: تَصْدِيقُ أخِيهِ، ما الفائِدَةُ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَيْسَ الغَرَضُ بِتَصْدِيقِهِ أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، أوْ يَقُولُ لِلنّاسِ: صَدَقَ مُوسى، وإنَّما هو أنْ يُلَخِّصَ بِلِسانِهِ الحَقَّ ويَبْسُطَ القَوْلَ فِيهِ ويُجادِلَ بِهِ الكُفّارَ، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ المِنطِيقُ ذُو العارِضَةِ. فَذَلِكَ جارٍ مَجْرى التَّصْدِيقِ المُفِيدِ، كَما يُصَدِّقُ القَوْلَ بِالبُرْهانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤] وفَضْلُ الفَصاحَةِ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ لِذَلِكَ. لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ. فَإنْ سَحْبانَ وباقِلا يَسْتَوِيانِ فِيهِ. أوْ يَصِلُ جَناحَ كَلامِهِ بِالبَيانِ حَتّى يُصَدِّقَهُ الَّذِي يَخافُ تَكْذِيبَهُ. فَأسْنَدَ التَّصْدِيقَ إلى هارُونَ لِأنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، إسْنادًا مَجازِيًّا. انْتَهى ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ ونُعِينُكَ.
(p-٤٧٠٦)قالَ الشِّهابُ: والشَّدُّ التَّقْوِيَةُ، والعَضُدُ مِنَ اليَدِ مَعْرُوفٌ. فَهو إمّا كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ، لِأنَّ اليَدَ تَشُدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ، والجُمْلَةُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ اليَدِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَقِيقَةِ كَما تَوَهَّمَ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. شَبَّهَ حالَ مُوسى في تَقْوِيَتِهِ بِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، بِحالِ اليَدِ في تَقْوِيَتِها بِيَدٍ شَدِيدَةٍ ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: غَلَبَةً ومَهابَةً في قُلُوبِهِمْ أوْ حُجَّةً: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: بِإيذاءٍ، فَضْلًا عَنِ القَتْلِ: ﴿بِآياتِنا﴾ [القصص: ٣٥] مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْهَبا بِآياتِنا. أوْ بِـ(نَجْعَلُ) أيْ: نُسَلِّطُكُما بِها أوْ بِمَعْنى: (لا يَصِلُونَ) أيْ: تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها. أوْ قَسَمٌ، جَوابُهُ (لا يَصِلُونَ) مُقَدَّرٌ. أوْ صِلَةٌ لِـ(الغالِبُونَ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وتَقَدُّمُهُ، إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ. أيِ: الغالِبُونَ عَلَيْهِمْ، وإنْ غَلَبُوكم وغَلَبُوا العالَمِينَ قَبْلَكم.
القصص 28:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٥] ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] (p-٤٧٠٥)﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]
﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: أدْخِلْها فِيهِ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَكَ: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيِ: الخَوْفِ. قُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ، وضَمَّتَيْنِ، وفَتْحٍ وسُكُونٍ، وضَمٍّ وسُكُونٍ. قالَ ابْنُ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ: مِمّا حَصَلَ لَكَ مِن خَوْفِكَ مِنَ الحَيَّةِ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أعَمُّ مِن هَذا. وهو أنَّهُ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذا خافَ مِن شَيْءٍ، أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ يَدَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُهُ مِنَ الخَوْفِ. ورُبَّما اسْتَعْمَلَ أحَدٌ ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ الِاقْتِداءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ، فَإنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ ما يَجِدُ أوْ يَخِفُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وبِهِ الثِّقَةُ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ: ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: فَيَكُونُ أحْسَنَ بَيانًا. ولا يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ ما لَمْ يُكَلَّفْ بِمِثْلِ ما كُلِّفْتُ بِهِ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: مُعِينًا: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: لِنَشاطِ قَلْبِي: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: يَتَّفِقُوا عَلى تَكْذِيبِي المُؤَدِّي إلى أنْواعِ الأذِيّاتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: تَصْدِيقُ أخِيهِ، ما الفائِدَةُ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَيْسَ الغَرَضُ بِتَصْدِيقِهِ أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، أوْ يَقُولُ لِلنّاسِ: صَدَقَ مُوسى، وإنَّما هو أنْ يُلَخِّصَ بِلِسانِهِ الحَقَّ ويَبْسُطَ القَوْلَ فِيهِ ويُجادِلَ بِهِ الكُفّارَ، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ المِنطِيقُ ذُو العارِضَةِ. فَذَلِكَ جارٍ مَجْرى التَّصْدِيقِ المُفِيدِ، كَما يُصَدِّقُ القَوْلَ بِالبُرْهانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤] وفَضْلُ الفَصاحَةِ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ لِذَلِكَ. لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ. فَإنْ سَحْبانَ وباقِلا يَسْتَوِيانِ فِيهِ. أوْ يَصِلُ جَناحَ كَلامِهِ بِالبَيانِ حَتّى يُصَدِّقَهُ الَّذِي يَخافُ تَكْذِيبَهُ. فَأسْنَدَ التَّصْدِيقَ إلى هارُونَ لِأنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، إسْنادًا مَجازِيًّا. انْتَهى ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ ونُعِينُكَ.
(p-٤٧٠٦)قالَ الشِّهابُ: والشَّدُّ التَّقْوِيَةُ، والعَضُدُ مِنَ اليَدِ مَعْرُوفٌ. فَهو إمّا كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ، لِأنَّ اليَدَ تَشُدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ، والجُمْلَةُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ اليَدِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَقِيقَةِ كَما تَوَهَّمَ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. شَبَّهَ حالَ مُوسى في تَقْوِيَتِهِ بِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، بِحالِ اليَدِ في تَقْوِيَتِها بِيَدٍ شَدِيدَةٍ ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: غَلَبَةً ومَهابَةً في قُلُوبِهِمْ أوْ حُجَّةً: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: بِإيذاءٍ، فَضْلًا عَنِ القَتْلِ: ﴿بِآياتِنا﴾ [القصص: ٣٥] مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْهَبا بِآياتِنا. أوْ بِـ(نَجْعَلُ) أيْ: نُسَلِّطُكُما بِها أوْ بِمَعْنى: (لا يَصِلُونَ) أيْ: تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها. أوْ قَسَمٌ، جَوابُهُ (لا يَصِلُونَ) مُقَدَّرٌ. أوْ صِلَةٌ لِـ(الغالِبُونَ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وتَقَدُّمُهُ، إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ. أيِ: الغالِبُونَ عَلَيْهِمْ، وإنْ غَلَبُوكم وغَلَبُوا العالَمِينَ قَبْلَكم.
القصص 28:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٥] ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] (p-٤٧٠٥)﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]
﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: أدْخِلْها فِيهِ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَكَ: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيِ: الخَوْفِ. قُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ، وضَمَّتَيْنِ، وفَتْحٍ وسُكُونٍ، وضَمٍّ وسُكُونٍ. قالَ ابْنُ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ: مِمّا حَصَلَ لَكَ مِن خَوْفِكَ مِنَ الحَيَّةِ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أعَمُّ مِن هَذا. وهو أنَّهُ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذا خافَ مِن شَيْءٍ، أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ يَدَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُهُ مِنَ الخَوْفِ. ورُبَّما اسْتَعْمَلَ أحَدٌ ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ الِاقْتِداءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ، فَإنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ ما يَجِدُ أوْ يَخِفُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وبِهِ الثِّقَةُ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ: ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: فَيَكُونُ أحْسَنَ بَيانًا. ولا يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ ما لَمْ يُكَلَّفْ بِمِثْلِ ما كُلِّفْتُ بِهِ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: مُعِينًا: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: لِنَشاطِ قَلْبِي: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: يَتَّفِقُوا عَلى تَكْذِيبِي المُؤَدِّي إلى أنْواعِ الأذِيّاتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: تَصْدِيقُ أخِيهِ، ما الفائِدَةُ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَيْسَ الغَرَضُ بِتَصْدِيقِهِ أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، أوْ يَقُولُ لِلنّاسِ: صَدَقَ مُوسى، وإنَّما هو أنْ يُلَخِّصَ بِلِسانِهِ الحَقَّ ويَبْسُطَ القَوْلَ فِيهِ ويُجادِلَ بِهِ الكُفّارَ، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ المِنطِيقُ ذُو العارِضَةِ. فَذَلِكَ جارٍ مَجْرى التَّصْدِيقِ المُفِيدِ، كَما يُصَدِّقُ القَوْلَ بِالبُرْهانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤] وفَضْلُ الفَصاحَةِ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ لِذَلِكَ. لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ. فَإنْ سَحْبانَ وباقِلا يَسْتَوِيانِ فِيهِ. أوْ يَصِلُ جَناحَ كَلامِهِ بِالبَيانِ حَتّى يُصَدِّقَهُ الَّذِي يَخافُ تَكْذِيبَهُ. فَأسْنَدَ التَّصْدِيقَ إلى هارُونَ لِأنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، إسْنادًا مَجازِيًّا. انْتَهى ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ ونُعِينُكَ.
(p-٤٧٠٦)قالَ الشِّهابُ: والشَّدُّ التَّقْوِيَةُ، والعَضُدُ مِنَ اليَدِ مَعْرُوفٌ. فَهو إمّا كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ، لِأنَّ اليَدَ تَشُدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ، والجُمْلَةُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ اليَدِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَقِيقَةِ كَما تَوَهَّمَ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. شَبَّهَ حالَ مُوسى في تَقْوِيَتِهِ بِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، بِحالِ اليَدِ في تَقْوِيَتِها بِيَدٍ شَدِيدَةٍ ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: غَلَبَةً ومَهابَةً في قُلُوبِهِمْ أوْ حُجَّةً: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: بِإيذاءٍ، فَضْلًا عَنِ القَتْلِ: ﴿بِآياتِنا﴾ [القصص: ٣٥] مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْهَبا بِآياتِنا. أوْ بِـ(نَجْعَلُ) أيْ: نُسَلِّطُكُما بِها أوْ بِمَعْنى: (لا يَصِلُونَ) أيْ: تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها. أوْ قَسَمٌ، جَوابُهُ (لا يَصِلُونَ) مُقَدَّرٌ. أوْ صِلَةٌ لِـ(الغالِبُونَ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وتَقَدُّمُهُ، إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ. أيِ: الغالِبُونَ عَلَيْهِمْ، وإنْ غَلَبُوكم وغَلَبُوا العالَمِينَ قَبْلَكم.
القصص 28:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٣٨] ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]
﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: مُبْتَدَعٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ نَظِيرٌ. أوْ تَفْتَرِيَهُ عَلى اللَّهِ بِنِسْبَتِهِ لَهُ، وأنْتَ تَعَلَّمْتَهُ مِن غَيْرِكَ، فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ أوِ الكَذِبِ: ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيِ: السِّحْرِ أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ بِأنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا يُرْسِلُ الرُّسُلَ (p-٤٧٠٧)بِالآياتِ: ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كائِنًا في أيّامِهِمْ. قالَ الشِّهابُ: وهَذا إمّا تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ وعِنادٌ بِإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْ كانَ عَهْدُ يُوسُفَ قَرِيبًا مِنهم. أوْ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أيْضًا: ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [القصص: ٣٧] قالَ المَهايِمِيُّ: مَعْناهُ: كَفى دَلِيلًا عَلى كَوْنِها آياتٍ، أنَّها خَوارِقُ ولَمْ يَسْبِقْ لَها نَظِيرٌ. مَعَ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ هُدًى. والسّاحِرُ لا يَدْعُو في العُمُومِ إلى هُدًى. فَإنْ لَمْ تَعْتَرِفُوا بِكَوْنِهِ هُدًى، فَرَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ، ويَعْلَمُ ذَلِكَ بِالعاقِبَةِ،
فَإنَّ اللَّهَ يُحْسِنُ عاقِبَةَ أهْلِ الهُدى لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ يَعْلَمُ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ. وهي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. والمُرادُ بِـ(الدّارِ): الدُّنْيا. وعاقِبَتُها وعُقْباها: أنْ يُخْتَمَ لِلْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ. وتُلْقِي المَلائِكَةُ بِالبُشْرى عِنْدَ المَوْتِ. وهَذِهِ لا تَكُونُ لِلسّاحِرِ إذا ادَّعى النُّبُوَّةَ، لِأنَّهُ ظالِمٌ، فَلا يُفْلِحُ بِالعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] أيْ: بِالدّارِ وإنْ وجَدُوا بَعْضَ مَقاصِدِهِمْ أوَّلًا اسْتِدْراجًا، فَلا يَفُوزُونَ بِالعُقْبى الحَمِيدَةِ. وإنَّما غايَةُ أمْرِهِمُ انْقِطاعُ أثَرِهِمْ وسُوءُ ذِكْرِهِمْ. وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ هَذا الوَعْدَ فَجَعَلَ عاقِبَةَ قَوْمِ مُوسى رَفِيعَةً. ونِهايَةَ أعْدائِهِ وضِيعَةً: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] هَذا حِكايَةٌ لِتَمَرُّدِهِ وعُتُوِّهِ وطُغْيانِهِ في تَفَوُّهِهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ. كَما واجَهَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِها في قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وكَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] يَعْنِي أنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ ونادى فِيهِمْ مُعْلِنًا بِذَلِكَ. فانْتَقَمَ مِنهُ بِما جَعَلَهُ عِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ: ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: نارًا، فَأتَّخِذُ مِنهُ آجُرًّا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يَقُلِ: (اطْبُخْ لِي الآجُرَّ واتَّخِذْهُ)، لِأنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أحْسَنُ طِباقًا لِفَصاحَةِ القُرْآنِ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ، وأشْبَهُ بِكَلامِ الجَبابِرَةِ. وهامانُ وزِيرُهُ ومُدَبِّرُ رَعِيَّتِهِ: ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: مِنَ الآجُرِّ: ﴿صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: قَصْرًا رَفِيعًا إلى السَّماءِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨] (p-٤٧٠٨)يَعْنِي العَلِيَّ الأعْلى، تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: في دَعْواهُ الأُلُوهِيَّةَ، والعُلُوَّ لِبارِي الأرْضِ والسَّماواتِ.
القصص 28:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٣٨] ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]
﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: مُبْتَدَعٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ نَظِيرٌ. أوْ تَفْتَرِيَهُ عَلى اللَّهِ بِنِسْبَتِهِ لَهُ، وأنْتَ تَعَلَّمْتَهُ مِن غَيْرِكَ، فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ أوِ الكَذِبِ: ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيِ: السِّحْرِ أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ بِأنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا يُرْسِلُ الرُّسُلَ (p-٤٧٠٧)بِالآياتِ: ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كائِنًا في أيّامِهِمْ. قالَ الشِّهابُ: وهَذا إمّا تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ وعِنادٌ بِإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْ كانَ عَهْدُ يُوسُفَ قَرِيبًا مِنهم. أوْ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أيْضًا: ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [القصص: ٣٧] قالَ المَهايِمِيُّ: مَعْناهُ: كَفى دَلِيلًا عَلى كَوْنِها آياتٍ، أنَّها خَوارِقُ ولَمْ يَسْبِقْ لَها نَظِيرٌ. مَعَ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ هُدًى. والسّاحِرُ لا يَدْعُو في العُمُومِ إلى هُدًى. فَإنْ لَمْ تَعْتَرِفُوا بِكَوْنِهِ هُدًى، فَرَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ، ويَعْلَمُ ذَلِكَ بِالعاقِبَةِ،
فَإنَّ اللَّهَ يُحْسِنُ عاقِبَةَ أهْلِ الهُدى لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ يَعْلَمُ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ. وهي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. والمُرادُ بِـ(الدّارِ): الدُّنْيا. وعاقِبَتُها وعُقْباها: أنْ يُخْتَمَ لِلْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ. وتُلْقِي المَلائِكَةُ بِالبُشْرى عِنْدَ المَوْتِ. وهَذِهِ لا تَكُونُ لِلسّاحِرِ إذا ادَّعى النُّبُوَّةَ، لِأنَّهُ ظالِمٌ، فَلا يُفْلِحُ بِالعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] أيْ: بِالدّارِ وإنْ وجَدُوا بَعْضَ مَقاصِدِهِمْ أوَّلًا اسْتِدْراجًا، فَلا يَفُوزُونَ بِالعُقْبى الحَمِيدَةِ. وإنَّما غايَةُ أمْرِهِمُ انْقِطاعُ أثَرِهِمْ وسُوءُ ذِكْرِهِمْ. وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ هَذا الوَعْدَ فَجَعَلَ عاقِبَةَ قَوْمِ مُوسى رَفِيعَةً. ونِهايَةَ أعْدائِهِ وضِيعَةً: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] هَذا حِكايَةٌ لِتَمَرُّدِهِ وعُتُوِّهِ وطُغْيانِهِ في تَفَوُّهِهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ. كَما واجَهَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِها في قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وكَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] يَعْنِي أنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ ونادى فِيهِمْ مُعْلِنًا بِذَلِكَ. فانْتَقَمَ مِنهُ بِما جَعَلَهُ عِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ: ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: نارًا، فَأتَّخِذُ مِنهُ آجُرًّا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يَقُلِ: (اطْبُخْ لِي الآجُرَّ واتَّخِذْهُ)، لِأنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أحْسَنُ طِباقًا لِفَصاحَةِ القُرْآنِ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ، وأشْبَهُ بِكَلامِ الجَبابِرَةِ. وهامانُ وزِيرُهُ ومُدَبِّرُ رَعِيَّتِهِ: ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: مِنَ الآجُرِّ: ﴿صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: قَصْرًا رَفِيعًا إلى السَّماءِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨] (p-٤٧٠٨)يَعْنِي العَلِيَّ الأعْلى، تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: في دَعْواهُ الأُلُوهِيَّةَ، والعُلُوَّ لِبارِي الأرْضِ والسَّماواتِ.
القصص 28:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٣٨] ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]
﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: مُبْتَدَعٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ نَظِيرٌ. أوْ تَفْتَرِيَهُ عَلى اللَّهِ بِنِسْبَتِهِ لَهُ، وأنْتَ تَعَلَّمْتَهُ مِن غَيْرِكَ، فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ أوِ الكَذِبِ: ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيِ: السِّحْرِ أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ بِأنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا يُرْسِلُ الرُّسُلَ (p-٤٧٠٧)بِالآياتِ: ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كائِنًا في أيّامِهِمْ. قالَ الشِّهابُ: وهَذا إمّا تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ وعِنادٌ بِإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْ كانَ عَهْدُ يُوسُفَ قَرِيبًا مِنهم. أوْ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أيْضًا: ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [القصص: ٣٧] قالَ المَهايِمِيُّ: مَعْناهُ: كَفى دَلِيلًا عَلى كَوْنِها آياتٍ، أنَّها خَوارِقُ ولَمْ يَسْبِقْ لَها نَظِيرٌ. مَعَ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ هُدًى. والسّاحِرُ لا يَدْعُو في العُمُومِ إلى هُدًى. فَإنْ لَمْ تَعْتَرِفُوا بِكَوْنِهِ هُدًى، فَرَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ، ويَعْلَمُ ذَلِكَ بِالعاقِبَةِ،
فَإنَّ اللَّهَ يُحْسِنُ عاقِبَةَ أهْلِ الهُدى لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ يَعْلَمُ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ. وهي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. والمُرادُ بِـ(الدّارِ): الدُّنْيا. وعاقِبَتُها وعُقْباها: أنْ يُخْتَمَ لِلْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ. وتُلْقِي المَلائِكَةُ بِالبُشْرى عِنْدَ المَوْتِ. وهَذِهِ لا تَكُونُ لِلسّاحِرِ إذا ادَّعى النُّبُوَّةَ، لِأنَّهُ ظالِمٌ، فَلا يُفْلِحُ بِالعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] أيْ: بِالدّارِ وإنْ وجَدُوا بَعْضَ مَقاصِدِهِمْ أوَّلًا اسْتِدْراجًا، فَلا يَفُوزُونَ بِالعُقْبى الحَمِيدَةِ. وإنَّما غايَةُ أمْرِهِمُ انْقِطاعُ أثَرِهِمْ وسُوءُ ذِكْرِهِمْ. وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ هَذا الوَعْدَ فَجَعَلَ عاقِبَةَ قَوْمِ مُوسى رَفِيعَةً. ونِهايَةَ أعْدائِهِ وضِيعَةً: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] هَذا حِكايَةٌ لِتَمَرُّدِهِ وعُتُوِّهِ وطُغْيانِهِ في تَفَوُّهِهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ. كَما واجَهَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِها في قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وكَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] يَعْنِي أنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ ونادى فِيهِمْ مُعْلِنًا بِذَلِكَ. فانْتَقَمَ مِنهُ بِما جَعَلَهُ عِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ: ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: نارًا، فَأتَّخِذُ مِنهُ آجُرًّا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يَقُلِ: (اطْبُخْ لِي الآجُرَّ واتَّخِذْهُ)، لِأنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أحْسَنُ طِباقًا لِفَصاحَةِ القُرْآنِ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ، وأشْبَهُ بِكَلامِ الجَبابِرَةِ. وهامانُ وزِيرُهُ ومُدَبِّرُ رَعِيَّتِهِ: ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: مِنَ الآجُرِّ: ﴿صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: قَصْرًا رَفِيعًا إلى السَّماءِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨] (p-٤٧٠٨)يَعْنِي العَلِيَّ الأعْلى، تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: في دَعْواهُ الأُلُوهِيَّةَ، والعُلُوَّ لِبارِي الأرْضِ والسَّماواتِ.
القصص 28:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ - ٤٣] ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣]
﴿واسْتَكْبَرَ هُوَ﴾ أيْ: بِدَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لِنَفْسِهِ، ونَفْيِها عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَصْدِ الِاطِّلاعِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وادِّعاءِ العَمَلِ الكُلِّيِّ لِنَفْسِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِرَبِّهِ: ﴿وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بَلْ بِالفَسادِ ورَدِّ الحَقِّ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها قِراءَتانِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: يَلْعَنُهم كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُهُمْ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: مِنَ المَطْرُودِينَ، المُبْعَدِينَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: أنْوارًا لِلْقُلُوبِ: ﴿وهُدًى﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: إلى الِاعْتِقاداتِ الصَّحِيحَةِ ودَلائِلِها: ﴿ورَحْمَةً﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: بِالإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِسَبَبِهِ.
(p-٤٧٠٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ وحْيًا مِن عَلّامِ الغُيُوبِ، بِبَيانِ أنَّهُ ما فُصِّلَ مِن هَذِهِ الأنْباءِ لا يَتَسَنّى إلّا بِالمُشاهَدَةِ أوِ التَّعَلُّمِ، وكِلاهُما مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ، فَتَحَقَّقَ صِدْقُ الإيحاءِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
القصص 28:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ - ٤٣] ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣]
﴿واسْتَكْبَرَ هُوَ﴾ أيْ: بِدَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لِنَفْسِهِ، ونَفْيِها عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَصْدِ الِاطِّلاعِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وادِّعاءِ العَمَلِ الكُلِّيِّ لِنَفْسِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِرَبِّهِ: ﴿وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بَلْ بِالفَسادِ ورَدِّ الحَقِّ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها قِراءَتانِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: يَلْعَنُهم كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُهُمْ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: مِنَ المَطْرُودِينَ، المُبْعَدِينَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: أنْوارًا لِلْقُلُوبِ: ﴿وهُدًى﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: إلى الِاعْتِقاداتِ الصَّحِيحَةِ ودَلائِلِها: ﴿ورَحْمَةً﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: بِالإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِسَبَبِهِ.
(p-٤٧٠٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ وحْيًا مِن عَلّامِ الغُيُوبِ، بِبَيانِ أنَّهُ ما فُصِّلَ مِن هَذِهِ الأنْباءِ لا يَتَسَنّى إلّا بِالمُشاهَدَةِ أوِ التَّعَلُّمِ، وكِلاهُما مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ، فَتَحَقَّقَ صِدْقُ الإيحاءِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
القصص 28:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ - ٤٣] ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣]
﴿واسْتَكْبَرَ هُوَ﴾ أيْ: بِدَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لِنَفْسِهِ، ونَفْيِها عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَصْدِ الِاطِّلاعِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وادِّعاءِ العَمَلِ الكُلِّيِّ لِنَفْسِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِرَبِّهِ: ﴿وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بَلْ بِالفَسادِ ورَدِّ الحَقِّ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها قِراءَتانِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: يَلْعَنُهم كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُهُمْ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: مِنَ المَطْرُودِينَ، المُبْعَدِينَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: أنْوارًا لِلْقُلُوبِ: ﴿وهُدًى﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: إلى الِاعْتِقاداتِ الصَّحِيحَةِ ودَلائِلِها: ﴿ورَحْمَةً﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: بِالإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِسَبَبِهِ.
(p-٤٧٠٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ وحْيًا مِن عَلّامِ الغُيُوبِ، بِبَيانِ أنَّهُ ما فُصِّلَ مِن هَذِهِ الأنْباءِ لا يَتَسَنّى إلّا بِالمُشاهَدَةِ أوِ التَّعَلُّمِ، وكِلاهُما مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ، فَتَحَقَّقَ صِدْقُ الإيحاءِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
القصص 28:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ - ٤٣] ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣]
﴿واسْتَكْبَرَ هُوَ﴾ أيْ: بِدَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لِنَفْسِهِ، ونَفْيِها عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَصْدِ الِاطِّلاعِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وادِّعاءِ العَمَلِ الكُلِّيِّ لِنَفْسِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِرَبِّهِ: ﴿وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بَلْ بِالفَسادِ ورَدِّ الحَقِّ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها قِراءَتانِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: يَلْعَنُهم كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُهُمْ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: مِنَ المَطْرُودِينَ، المُبْعَدِينَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: أنْوارًا لِلْقُلُوبِ: ﴿وهُدًى﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: إلى الِاعْتِقاداتِ الصَّحِيحَةِ ودَلائِلِها: ﴿ورَحْمَةً﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: بِالإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِسَبَبِهِ.
(p-٤٧٠٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ وحْيًا مِن عَلّامِ الغُيُوبِ، بِبَيانِ أنَّهُ ما فُصِّلَ مِن هَذِهِ الأنْباءِ لا يَتَسَنّى إلّا بِالمُشاهَدَةِ أوِ التَّعَلُّمِ، وكِلاهُما مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ، فَتَحَقَّقَ صِدْقُ الإيحاءِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
القصص 28:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ - ٤٣] ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣]
﴿واسْتَكْبَرَ هُوَ﴾ أيْ: بِدَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لِنَفْسِهِ، ونَفْيِها عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَصْدِ الِاطِّلاعِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وادِّعاءِ العَمَلِ الكُلِّيِّ لِنَفْسِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِرَبِّهِ: ﴿وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بَلْ بِالفَسادِ ورَدِّ الحَقِّ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها قِراءَتانِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: يَلْعَنُهم كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُهُمْ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: مِنَ المَطْرُودِينَ، المُبْعَدِينَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: أنْوارًا لِلْقُلُوبِ: ﴿وهُدًى﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: إلى الِاعْتِقاداتِ الصَّحِيحَةِ ودَلائِلِها: ﴿ورَحْمَةً﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: بِالإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِسَبَبِهِ.
(p-٤٧٠٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ وحْيًا مِن عَلّامِ الغُيُوبِ، بِبَيانِ أنَّهُ ما فُصِّلَ مِن هَذِهِ الأنْباءِ لا يَتَسَنّى إلّا بِالمُشاهَدَةِ أوِ التَّعَلُّمِ، وكِلاهُما مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ، فَتَحَقَّقَ صِدْقُ الإيحاءِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
القصص 28:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٦] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]
﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ أيِ: الوادِي الغَرْبِيِّ الَّذِي كُوشِفَ فِيهِ مُوسى عَنِ المُناجاةِ: ﴿إذْ قَضَيْنا﴾ أيْ: قَدَّرْنا وأنْهَيْنا: ﴿إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ الإرْسالِ والإنْباءِ: ﴿وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: بَيْنَ زَمانِكَ وزَمانِ مُوسى: ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: أمَدُ انْقِطاعِ الوَحْيِ، وانْدَرَسَتْ مَعالِمُ الهُدى، وعَمَّ الضَّلالُ والبَغْيُ والرَّدى، فاقْتَضَتْ رَحْمَتُنا إرْسالَكَ لِنُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: مُقِيمًا: ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: لَكَ، ومُوحِينَ إلَيْكَ تِلْكَ الآياتِ. أيْ: ما كانَ الإنْباءُ بِها إلّا وحْيًا مَصْدَرُهُ الرِّسالَةُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: وقْتَ نِدائِنا مُوسى: ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِما ذَكَرَ وبِغَيْرِهِ، لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: مِن نَذِيرٍ في زَمانِ الفَتْرَةِ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ.
القصص 28:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٦] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]
﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ أيِ: الوادِي الغَرْبِيِّ الَّذِي كُوشِفَ فِيهِ مُوسى عَنِ المُناجاةِ: ﴿إذْ قَضَيْنا﴾ أيْ: قَدَّرْنا وأنْهَيْنا: ﴿إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ الإرْسالِ والإنْباءِ: ﴿وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: بَيْنَ زَمانِكَ وزَمانِ مُوسى: ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: أمَدُ انْقِطاعِ الوَحْيِ، وانْدَرَسَتْ مَعالِمُ الهُدى، وعَمَّ الضَّلالُ والبَغْيُ والرَّدى، فاقْتَضَتْ رَحْمَتُنا إرْسالَكَ لِنُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: مُقِيمًا: ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: لَكَ، ومُوحِينَ إلَيْكَ تِلْكَ الآياتِ. أيْ: ما كانَ الإنْباءُ بِها إلّا وحْيًا مَصْدَرُهُ الرِّسالَةُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: وقْتَ نِدائِنا مُوسى: ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِما ذَكَرَ وبِغَيْرِهِ، لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: مِن نَذِيرٍ في زَمانِ الفَتْرَةِ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ.
القصص 28:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٦] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]
﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ أيِ: الوادِي الغَرْبِيِّ الَّذِي كُوشِفَ فِيهِ مُوسى عَنِ المُناجاةِ: ﴿إذْ قَضَيْنا﴾ أيْ: قَدَّرْنا وأنْهَيْنا: ﴿إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ الإرْسالِ والإنْباءِ: ﴿وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: بَيْنَ زَمانِكَ وزَمانِ مُوسى: ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: أمَدُ انْقِطاعِ الوَحْيِ، وانْدَرَسَتْ مَعالِمُ الهُدى، وعَمَّ الضَّلالُ والبَغْيُ والرَّدى، فاقْتَضَتْ رَحْمَتُنا إرْسالَكَ لِنُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: مُقِيمًا: ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: لَكَ، ومُوحِينَ إلَيْكَ تِلْكَ الآياتِ. أيْ: ما كانَ الإنْباءُ بِها إلّا وحْيًا مَصْدَرُهُ الرِّسالَةُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: وقْتَ نِدائِنا مُوسى: ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِما ذَكَرَ وبِغَيْرِهِ، لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: مِن نَذِيرٍ في زَمانِ الفَتْرَةِ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ.
القصص 28:47
(p-٤٧١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٨] ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]
﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: عُقُوبَةٌ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِها. وجَوابُ: ﴿لَوْلا﴾ الأُولى مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ. أيْ: ما أرْسَلْناكَ. لَكِنَّ قَوْلَهم هَذا عِنْدَ عُقُوبَتِهِمْ مُحَقَّقٌ. ولِذا أرْسَلْناكَ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِالأيْدِي، جُعِلَ كُلُّ عَمَلٍ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِاجْتِراحِ الأيْدِي، وتَقْدِيمِ الأيْدِي، وإنْ كانَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ. وهَذا مِن الِاتِّساعِ في الكَلامِ، وتَصْيِيرِ الأقَلِّ تابِعًا لِلْأكْثَرِ، وتَغْلِيبِ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وفَلْقِ البَحْرِ، وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ. تَعَنُّتًا وعِنادًا، كَما قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ٤٨] رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وإظْهارٌ لِكَوْنِ ما قالُوهُ تَعَنُّتًا مَحْضًا، لا طَلَبًا لِما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ. أيْ: أوَ لَمْ يَكْفُرْ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، ومَن مَذْهَبُهم مَذْهَبُهُمْ، وعِنادُهم عِنادُهم وهُمُ القِبْطُ، بِما أُوتِيَ مُوسى مِنَ الكِتابِ: ﴿قالُوا﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: في مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: تَعاوَنا. وقُرِئَ: "سِحْرانِ" أيْ: ذَوا سِحْرَيْنِ؛ أوْ جَعَلُوهُما (p-٤٧١١)سِحْرَيْنِ مُبالَغَةً: ﴿وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ الآيَةَ العُظْمى لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، هي الآياتُ النَّفْسِيَّةُ العِلْمِيَّةُ، لا الكَوْنِيَّةُ الآفاقِيَّةُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِهِ، جَرْيًا عَلى سُنَّةِ الِارْتِقاءِ. فَإنَّ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ كانَ، لَمّا جاءَ الإسْلامُ قَدِ اسْتَعَدَّ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ بِالبُرْهانِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ. وكانَ لا بُدَّ لَهُ في هَذا الطَّوْرِ مِن مُعَلِّمٍ ومُرْشِدٍ، كَما في الأطْوارِ الأُخْرى، أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ رَسُولًا يَهْدِيهِ إلى طُرُقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَرْفُضَ التَّقْلِيدَ البَحْتَ والتَّسْلِيمَ الأعْمى. وأنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا إلّا بِدَلِيلٍ وبُرْهانٍ، يُوصِلُ إلى العِلْمِ. فَكانَتْ عُمْدَتُهُ ﷺ في الِاسْتِدْلالِ عَلى نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وما جاءَ بِهِ مِنَ النُّورِ والهُدى، كالطَّبِيبِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ عَلى إتْقانِهِ صِناعَةَ الطِّبِّ، بِما يُبْدِيهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ النّاجِحِ فِيها. وقَدْ بُسِطَ هَذا في مَواضِعِهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
القصص 28:48
(p-٤٧١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٨] ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]
﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: عُقُوبَةٌ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِها. وجَوابُ: ﴿لَوْلا﴾ الأُولى مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ. أيْ: ما أرْسَلْناكَ. لَكِنَّ قَوْلَهم هَذا عِنْدَ عُقُوبَتِهِمْ مُحَقَّقٌ. ولِذا أرْسَلْناكَ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِالأيْدِي، جُعِلَ كُلُّ عَمَلٍ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِاجْتِراحِ الأيْدِي، وتَقْدِيمِ الأيْدِي، وإنْ كانَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ. وهَذا مِن الِاتِّساعِ في الكَلامِ، وتَصْيِيرِ الأقَلِّ تابِعًا لِلْأكْثَرِ، وتَغْلِيبِ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وفَلْقِ البَحْرِ، وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ. تَعَنُّتًا وعِنادًا، كَما قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ٤٨] رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وإظْهارٌ لِكَوْنِ ما قالُوهُ تَعَنُّتًا مَحْضًا، لا طَلَبًا لِما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ. أيْ: أوَ لَمْ يَكْفُرْ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، ومَن مَذْهَبُهم مَذْهَبُهُمْ، وعِنادُهم عِنادُهم وهُمُ القِبْطُ، بِما أُوتِيَ مُوسى مِنَ الكِتابِ: ﴿قالُوا﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: في مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: تَعاوَنا. وقُرِئَ: "سِحْرانِ" أيْ: ذَوا سِحْرَيْنِ؛ أوْ جَعَلُوهُما (p-٤٧١١)سِحْرَيْنِ مُبالَغَةً: ﴿وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ الآيَةَ العُظْمى لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، هي الآياتُ النَّفْسِيَّةُ العِلْمِيَّةُ، لا الكَوْنِيَّةُ الآفاقِيَّةُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِهِ، جَرْيًا عَلى سُنَّةِ الِارْتِقاءِ. فَإنَّ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ كانَ، لَمّا جاءَ الإسْلامُ قَدِ اسْتَعَدَّ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ بِالبُرْهانِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ. وكانَ لا بُدَّ لَهُ في هَذا الطَّوْرِ مِن مُعَلِّمٍ ومُرْشِدٍ، كَما في الأطْوارِ الأُخْرى، أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ رَسُولًا يَهْدِيهِ إلى طُرُقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَرْفُضَ التَّقْلِيدَ البَحْتَ والتَّسْلِيمَ الأعْمى. وأنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا إلّا بِدَلِيلٍ وبُرْهانٍ، يُوصِلُ إلى العِلْمِ. فَكانَتْ عُمْدَتُهُ ﷺ في الِاسْتِدْلالِ عَلى نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وما جاءَ بِهِ مِنَ النُّورِ والهُدى، كالطَّبِيبِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ عَلى إتْقانِهِ صِناعَةَ الطِّبِّ، بِما يُبْدِيهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ النّاجِحِ فِيها. وقَدْ بُسِطَ هَذا في مَواضِعِهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
القصص 28:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] (p-٤٧١٢)﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ: قَدْ مَضى دَوْرُ الخَوارِقِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها، ونَسَخَ تَعالى مِن تِلْكَ الآياتِ بِما أتى بِخَيْرٍ مِنها، وهو آيَةُ الهِدايَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بِها قُلُوبُ العالَمِينَ. والذِّكْرى الَّتِي تَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّرِّ، وتَحْمِلُها عَلى الخَيْرِ. بِحَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُها الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ، ويَحِقُّ الشَّقاءُ عَلى الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ. فَإنْ يَكُ هَذا سِحْرًا، ولَدَيْكم ما هو أهْدى: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: ولا أُعانِدُكم مِثْلَ ما تُعانِدُونَنِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلِقانِ. أوْ في أنَّهُ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أهْدى مِنهُما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومِثْلَ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يُدْلِ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ. لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ، أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ. فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. انْتَهى. أيْ: لا لِلشَّكِّ والتَّرَدُّدِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا جَوابٌ عَمّا يُقالُ أنَّ عَدَمَ إتْيانِهِمْ بِهِ مَعْلُومٌ. وهَذا كَما يَقُولُ المُدِلُّ: إنْ كُنْتُ صَدِيقَكَ القَدِيمَ، فَعامِلْنِي بِالجَهْلِ. وكَذا في إيرادِ كَلِمَةِ إنَّ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ، نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] أيْ: فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ الكِتابِ، ولَمْ يُتابِعُوا الكِتابَيْنِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ. أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ. كَيْفَ لا؟ وهو أظْلَمُ الظَّلَمَةِ. بِتَقْدِيمِ هَواهُ عَلى هُدى اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.
(p-٤٧١٣)قالَ الرّازِيُّ: وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. انْتَهى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مُتَواصِلًا، بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ، وعْدًا ووَعِيدًا، وقِصَصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إرادَةَ أنْ يَتَذَكَّرُوا فَيُفْلِحُوا. وقُرِئَ (وصَّلْنا) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] أيِ: القُرْآنِ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وأوْلِياؤُهُمْ: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] أيِ: القُرْآنُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، لِما عِنْدَنا مِنَ المُبَشِّراتِ بِهِ. أوْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وهو إخْلاصُ الوَجْهِ لَهُ تَعالى بِدُونِ شِرْكٍ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [القصص: ٥٤] أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ: ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] يَعْنِي مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ. أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ. أوْ عَلى أذى مَن نابَذَهُمْ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: يَدْفَعُونَ: ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِالحِكْمَةِ الطَّيِّبَةِ، ما يَسُوؤُهُمْ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: لِلْبُؤَساءِ والفُقَراءِ، وفي سَبِيلِ البِرِّ والخَيْرِ، فِرارًا عَنْ وصْمَةِ الشُّحِّ، وتَنَبُّهًا لِآفاتِهِ.
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: مِنَ الجُهّالِ. وهو كُلُّ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ: ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: تَكْرِيمًا لِلنَّفْسِ عَنْ مُلابَسَةِ الأدْنِياءِ، وتَشْرِيفًا لِلسَّمْعِ عَنْ سَقْطِ باطِلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لَهُمْ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: بِطَرِيقِ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ حِلْمِ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُجازاتَهم بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. وهو بَعِيدٌ. لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ. وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبْعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ. بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ. (p-٤٧١٤)فَلَمّا قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] حَتّى خَتَمَها. فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وأسْلَمُوا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): ثُمَّ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أوْ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّصارى، حِينَ بَلَغَهم خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ في المَسْجِدِ. فَجَلَسُوا إلَيْهِ وكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ. ورِجالٌ مِن قُرَيْشٍ في أنْدِيَتِهِمْ. حَوْلَ الكَعْبَةِ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مُساءَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا أرادُوا، دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ فاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ وعَرَفُوا مِنهُ ما كانَ يُوصَفُ لَهم في كِتابِهِمْ مِن أمْرِهِ. فَلَمّا قامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهم أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ. فَقالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ. بَعَثَكم مَن وراءَكم مِن أهْلِ دِينِكم تَرْتادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهم بِخَيْرِ الرَّجُلِ. فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجالِسُكم عِنْدَهُ حَتّى فارَقْتُمْ دِينَكم وصَدَّقْتُمُوهُ فِيما قالَ. ما نَعْلَمُ رَكْبًا أحْمَقَ مِنكم. أوْ كَما قالُوا لَهم. فَقالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم. لا نُجاهِلُكم. لَنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكم ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا خَيْرًا.
قالَ: ويُقالُ إنَّ النَّفَرَ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ. فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
قالَ: ويُقالُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
قالَ: وسَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الآياتِ فِيمَن نَزَلَتْ؟ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ مِن عُلَمائِنا أنَّهُنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والآياتُ اللّاتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
القصص 28:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] (p-٤٧١٢)﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ: قَدْ مَضى دَوْرُ الخَوارِقِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها، ونَسَخَ تَعالى مِن تِلْكَ الآياتِ بِما أتى بِخَيْرٍ مِنها، وهو آيَةُ الهِدايَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بِها قُلُوبُ العالَمِينَ. والذِّكْرى الَّتِي تَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّرِّ، وتَحْمِلُها عَلى الخَيْرِ. بِحَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُها الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ، ويَحِقُّ الشَّقاءُ عَلى الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ. فَإنْ يَكُ هَذا سِحْرًا، ولَدَيْكم ما هو أهْدى: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: ولا أُعانِدُكم مِثْلَ ما تُعانِدُونَنِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلِقانِ. أوْ في أنَّهُ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أهْدى مِنهُما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومِثْلَ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يُدْلِ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ. لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ، أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ. فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. انْتَهى. أيْ: لا لِلشَّكِّ والتَّرَدُّدِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا جَوابٌ عَمّا يُقالُ أنَّ عَدَمَ إتْيانِهِمْ بِهِ مَعْلُومٌ. وهَذا كَما يَقُولُ المُدِلُّ: إنْ كُنْتُ صَدِيقَكَ القَدِيمَ، فَعامِلْنِي بِالجَهْلِ. وكَذا في إيرادِ كَلِمَةِ إنَّ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ، نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] أيْ: فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ الكِتابِ، ولَمْ يُتابِعُوا الكِتابَيْنِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ. أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ. كَيْفَ لا؟ وهو أظْلَمُ الظَّلَمَةِ. بِتَقْدِيمِ هَواهُ عَلى هُدى اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.
(p-٤٧١٣)قالَ الرّازِيُّ: وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. انْتَهى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مُتَواصِلًا، بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ، وعْدًا ووَعِيدًا، وقِصَصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إرادَةَ أنْ يَتَذَكَّرُوا فَيُفْلِحُوا. وقُرِئَ (وصَّلْنا) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] أيِ: القُرْآنِ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وأوْلِياؤُهُمْ: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] أيِ: القُرْآنُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، لِما عِنْدَنا مِنَ المُبَشِّراتِ بِهِ. أوْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وهو إخْلاصُ الوَجْهِ لَهُ تَعالى بِدُونِ شِرْكٍ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [القصص: ٥٤] أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ: ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] يَعْنِي مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ. أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ. أوْ عَلى أذى مَن نابَذَهُمْ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: يَدْفَعُونَ: ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِالحِكْمَةِ الطَّيِّبَةِ، ما يَسُوؤُهُمْ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: لِلْبُؤَساءِ والفُقَراءِ، وفي سَبِيلِ البِرِّ والخَيْرِ، فِرارًا عَنْ وصْمَةِ الشُّحِّ، وتَنَبُّهًا لِآفاتِهِ.
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: مِنَ الجُهّالِ. وهو كُلُّ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ: ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: تَكْرِيمًا لِلنَّفْسِ عَنْ مُلابَسَةِ الأدْنِياءِ، وتَشْرِيفًا لِلسَّمْعِ عَنْ سَقْطِ باطِلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لَهُمْ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: بِطَرِيقِ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ حِلْمِ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُجازاتَهم بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. وهو بَعِيدٌ. لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ. وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبْعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ. بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ. (p-٤٧١٤)فَلَمّا قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] حَتّى خَتَمَها. فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وأسْلَمُوا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): ثُمَّ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أوْ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّصارى، حِينَ بَلَغَهم خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ في المَسْجِدِ. فَجَلَسُوا إلَيْهِ وكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ. ورِجالٌ مِن قُرَيْشٍ في أنْدِيَتِهِمْ. حَوْلَ الكَعْبَةِ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مُساءَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا أرادُوا، دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ فاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ وعَرَفُوا مِنهُ ما كانَ يُوصَفُ لَهم في كِتابِهِمْ مِن أمْرِهِ. فَلَمّا قامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهم أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ. فَقالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ. بَعَثَكم مَن وراءَكم مِن أهْلِ دِينِكم تَرْتادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهم بِخَيْرِ الرَّجُلِ. فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجالِسُكم عِنْدَهُ حَتّى فارَقْتُمْ دِينَكم وصَدَّقْتُمُوهُ فِيما قالَ. ما نَعْلَمُ رَكْبًا أحْمَقَ مِنكم. أوْ كَما قالُوا لَهم. فَقالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم. لا نُجاهِلُكم. لَنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكم ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا خَيْرًا.
قالَ: ويُقالُ إنَّ النَّفَرَ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ. فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
قالَ: ويُقالُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
قالَ: وسَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الآياتِ فِيمَن نَزَلَتْ؟ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ مِن عُلَمائِنا أنَّهُنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والآياتُ اللّاتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
القصص 28:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] (p-٤٧١٢)﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ: قَدْ مَضى دَوْرُ الخَوارِقِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها، ونَسَخَ تَعالى مِن تِلْكَ الآياتِ بِما أتى بِخَيْرٍ مِنها، وهو آيَةُ الهِدايَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بِها قُلُوبُ العالَمِينَ. والذِّكْرى الَّتِي تَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّرِّ، وتَحْمِلُها عَلى الخَيْرِ. بِحَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُها الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ، ويَحِقُّ الشَّقاءُ عَلى الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ. فَإنْ يَكُ هَذا سِحْرًا، ولَدَيْكم ما هو أهْدى: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: ولا أُعانِدُكم مِثْلَ ما تُعانِدُونَنِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلِقانِ. أوْ في أنَّهُ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أهْدى مِنهُما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومِثْلَ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يُدْلِ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ. لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ، أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ. فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. انْتَهى. أيْ: لا لِلشَّكِّ والتَّرَدُّدِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا جَوابٌ عَمّا يُقالُ أنَّ عَدَمَ إتْيانِهِمْ بِهِ مَعْلُومٌ. وهَذا كَما يَقُولُ المُدِلُّ: إنْ كُنْتُ صَدِيقَكَ القَدِيمَ، فَعامِلْنِي بِالجَهْلِ. وكَذا في إيرادِ كَلِمَةِ إنَّ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ، نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] أيْ: فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ الكِتابِ، ولَمْ يُتابِعُوا الكِتابَيْنِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ. أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ. كَيْفَ لا؟ وهو أظْلَمُ الظَّلَمَةِ. بِتَقْدِيمِ هَواهُ عَلى هُدى اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.
(p-٤٧١٣)قالَ الرّازِيُّ: وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. انْتَهى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مُتَواصِلًا، بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ، وعْدًا ووَعِيدًا، وقِصَصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إرادَةَ أنْ يَتَذَكَّرُوا فَيُفْلِحُوا. وقُرِئَ (وصَّلْنا) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] أيِ: القُرْآنِ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وأوْلِياؤُهُمْ: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] أيِ: القُرْآنُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، لِما عِنْدَنا مِنَ المُبَشِّراتِ بِهِ. أوْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وهو إخْلاصُ الوَجْهِ لَهُ تَعالى بِدُونِ شِرْكٍ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [القصص: ٥٤] أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ: ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] يَعْنِي مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ. أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ. أوْ عَلى أذى مَن نابَذَهُمْ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: يَدْفَعُونَ: ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِالحِكْمَةِ الطَّيِّبَةِ، ما يَسُوؤُهُمْ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: لِلْبُؤَساءِ والفُقَراءِ، وفي سَبِيلِ البِرِّ والخَيْرِ، فِرارًا عَنْ وصْمَةِ الشُّحِّ، وتَنَبُّهًا لِآفاتِهِ.
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: مِنَ الجُهّالِ. وهو كُلُّ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ: ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: تَكْرِيمًا لِلنَّفْسِ عَنْ مُلابَسَةِ الأدْنِياءِ، وتَشْرِيفًا لِلسَّمْعِ عَنْ سَقْطِ باطِلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لَهُمْ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: بِطَرِيقِ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ حِلْمِ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُجازاتَهم بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. وهو بَعِيدٌ. لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ. وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبْعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ. بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ. (p-٤٧١٤)فَلَمّا قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] حَتّى خَتَمَها. فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وأسْلَمُوا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): ثُمَّ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أوْ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّصارى، حِينَ بَلَغَهم خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ في المَسْجِدِ. فَجَلَسُوا إلَيْهِ وكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ. ورِجالٌ مِن قُرَيْشٍ في أنْدِيَتِهِمْ. حَوْلَ الكَعْبَةِ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مُساءَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا أرادُوا، دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ فاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ وعَرَفُوا مِنهُ ما كانَ يُوصَفُ لَهم في كِتابِهِمْ مِن أمْرِهِ. فَلَمّا قامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهم أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ. فَقالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ. بَعَثَكم مَن وراءَكم مِن أهْلِ دِينِكم تَرْتادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهم بِخَيْرِ الرَّجُلِ. فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجالِسُكم عِنْدَهُ حَتّى فارَقْتُمْ دِينَكم وصَدَّقْتُمُوهُ فِيما قالَ. ما نَعْلَمُ رَكْبًا أحْمَقَ مِنكم. أوْ كَما قالُوا لَهم. فَقالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم. لا نُجاهِلُكم. لَنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكم ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا خَيْرًا.
قالَ: ويُقالُ إنَّ النَّفَرَ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ. فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
قالَ: ويُقالُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
قالَ: وسَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الآياتِ فِيمَن نَزَلَتْ؟ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ مِن عُلَمائِنا أنَّهُنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والآياتُ اللّاتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
القصص 28:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] (p-٤٧١٢)﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ: قَدْ مَضى دَوْرُ الخَوارِقِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها، ونَسَخَ تَعالى مِن تِلْكَ الآياتِ بِما أتى بِخَيْرٍ مِنها، وهو آيَةُ الهِدايَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بِها قُلُوبُ العالَمِينَ. والذِّكْرى الَّتِي تَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّرِّ، وتَحْمِلُها عَلى الخَيْرِ. بِحَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُها الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ، ويَحِقُّ الشَّقاءُ عَلى الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ. فَإنْ يَكُ هَذا سِحْرًا، ولَدَيْكم ما هو أهْدى: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: ولا أُعانِدُكم مِثْلَ ما تُعانِدُونَنِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلِقانِ. أوْ في أنَّهُ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أهْدى مِنهُما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومِثْلَ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يُدْلِ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ. لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ، أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ. فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. انْتَهى. أيْ: لا لِلشَّكِّ والتَّرَدُّدِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا جَوابٌ عَمّا يُقالُ أنَّ عَدَمَ إتْيانِهِمْ بِهِ مَعْلُومٌ. وهَذا كَما يَقُولُ المُدِلُّ: إنْ كُنْتُ صَدِيقَكَ القَدِيمَ، فَعامِلْنِي بِالجَهْلِ. وكَذا في إيرادِ كَلِمَةِ إنَّ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ، نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] أيْ: فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ الكِتابِ، ولَمْ يُتابِعُوا الكِتابَيْنِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ. أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ. كَيْفَ لا؟ وهو أظْلَمُ الظَّلَمَةِ. بِتَقْدِيمِ هَواهُ عَلى هُدى اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.
(p-٤٧١٣)قالَ الرّازِيُّ: وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. انْتَهى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مُتَواصِلًا، بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ، وعْدًا ووَعِيدًا، وقِصَصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إرادَةَ أنْ يَتَذَكَّرُوا فَيُفْلِحُوا. وقُرِئَ (وصَّلْنا) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] أيِ: القُرْآنِ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وأوْلِياؤُهُمْ: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] أيِ: القُرْآنُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، لِما عِنْدَنا مِنَ المُبَشِّراتِ بِهِ. أوْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وهو إخْلاصُ الوَجْهِ لَهُ تَعالى بِدُونِ شِرْكٍ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [القصص: ٥٤] أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ: ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] يَعْنِي مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ. أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ. أوْ عَلى أذى مَن نابَذَهُمْ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: يَدْفَعُونَ: ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِالحِكْمَةِ الطَّيِّبَةِ، ما يَسُوؤُهُمْ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: لِلْبُؤَساءِ والفُقَراءِ، وفي سَبِيلِ البِرِّ والخَيْرِ، فِرارًا عَنْ وصْمَةِ الشُّحِّ، وتَنَبُّهًا لِآفاتِهِ.
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: مِنَ الجُهّالِ. وهو كُلُّ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ: ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: تَكْرِيمًا لِلنَّفْسِ عَنْ مُلابَسَةِ الأدْنِياءِ، وتَشْرِيفًا لِلسَّمْعِ عَنْ سَقْطِ باطِلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لَهُمْ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: بِطَرِيقِ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ حِلْمِ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُجازاتَهم بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. وهو بَعِيدٌ. لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ. وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبْعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ. بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ. (p-٤٧١٤)فَلَمّا قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] حَتّى خَتَمَها. فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وأسْلَمُوا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): ثُمَّ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أوْ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّصارى، حِينَ بَلَغَهم خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ في المَسْجِدِ. فَجَلَسُوا إلَيْهِ وكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ. ورِجالٌ مِن قُرَيْشٍ في أنْدِيَتِهِمْ. حَوْلَ الكَعْبَةِ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مُساءَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا أرادُوا، دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ فاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ وعَرَفُوا مِنهُ ما كانَ يُوصَفُ لَهم في كِتابِهِمْ مِن أمْرِهِ. فَلَمّا قامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهم أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ. فَقالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ. بَعَثَكم مَن وراءَكم مِن أهْلِ دِينِكم تَرْتادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهم بِخَيْرِ الرَّجُلِ. فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجالِسُكم عِنْدَهُ حَتّى فارَقْتُمْ دِينَكم وصَدَّقْتُمُوهُ فِيما قالَ. ما نَعْلَمُ رَكْبًا أحْمَقَ مِنكم. أوْ كَما قالُوا لَهم. فَقالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم. لا نُجاهِلُكم. لَنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكم ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا خَيْرًا.
قالَ: ويُقالُ إنَّ النَّفَرَ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ. فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
قالَ: ويُقالُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
قالَ: وسَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الآياتِ فِيمَن نَزَلَتْ؟ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ مِن عُلَمائِنا أنَّهُنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والآياتُ اللّاتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
القصص 28:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] (p-٤٧١٢)﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ: قَدْ مَضى دَوْرُ الخَوارِقِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها، ونَسَخَ تَعالى مِن تِلْكَ الآياتِ بِما أتى بِخَيْرٍ مِنها، وهو آيَةُ الهِدايَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بِها قُلُوبُ العالَمِينَ. والذِّكْرى الَّتِي تَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّرِّ، وتَحْمِلُها عَلى الخَيْرِ. بِحَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُها الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ، ويَحِقُّ الشَّقاءُ عَلى الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ. فَإنْ يَكُ هَذا سِحْرًا، ولَدَيْكم ما هو أهْدى: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: ولا أُعانِدُكم مِثْلَ ما تُعانِدُونَنِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلِقانِ. أوْ في أنَّهُ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أهْدى مِنهُما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومِثْلَ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يُدْلِ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ. لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ، أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ. فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. انْتَهى. أيْ: لا لِلشَّكِّ والتَّرَدُّدِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا جَوابٌ عَمّا يُقالُ أنَّ عَدَمَ إتْيانِهِمْ بِهِ مَعْلُومٌ. وهَذا كَما يَقُولُ المُدِلُّ: إنْ كُنْتُ صَدِيقَكَ القَدِيمَ، فَعامِلْنِي بِالجَهْلِ. وكَذا في إيرادِ كَلِمَةِ إنَّ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ، نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] أيْ: فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ الكِتابِ، ولَمْ يُتابِعُوا الكِتابَيْنِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ. أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ. كَيْفَ لا؟ وهو أظْلَمُ الظَّلَمَةِ. بِتَقْدِيمِ هَواهُ عَلى هُدى اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.
(p-٤٧١٣)قالَ الرّازِيُّ: وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. انْتَهى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مُتَواصِلًا، بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ، وعْدًا ووَعِيدًا، وقِصَصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إرادَةَ أنْ يَتَذَكَّرُوا فَيُفْلِحُوا. وقُرِئَ (وصَّلْنا) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] أيِ: القُرْآنِ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وأوْلِياؤُهُمْ: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] أيِ: القُرْآنُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، لِما عِنْدَنا مِنَ المُبَشِّراتِ بِهِ. أوْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وهو إخْلاصُ الوَجْهِ لَهُ تَعالى بِدُونِ شِرْكٍ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [القصص: ٥٤] أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ: ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] يَعْنِي مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ. أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ. أوْ عَلى أذى مَن نابَذَهُمْ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: يَدْفَعُونَ: ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِالحِكْمَةِ الطَّيِّبَةِ، ما يَسُوؤُهُمْ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: لِلْبُؤَساءِ والفُقَراءِ، وفي سَبِيلِ البِرِّ والخَيْرِ، فِرارًا عَنْ وصْمَةِ الشُّحِّ، وتَنَبُّهًا لِآفاتِهِ.
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: مِنَ الجُهّالِ. وهو كُلُّ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ: ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: تَكْرِيمًا لِلنَّفْسِ عَنْ مُلابَسَةِ الأدْنِياءِ، وتَشْرِيفًا لِلسَّمْعِ عَنْ سَقْطِ باطِلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لَهُمْ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: بِطَرِيقِ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ حِلْمِ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُجازاتَهم بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. وهو بَعِيدٌ. لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ. وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبْعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ. بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ. (p-٤٧١٤)فَلَمّا قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] حَتّى خَتَمَها. فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وأسْلَمُوا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): ثُمَّ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أوْ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّصارى، حِينَ بَلَغَهم خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ في المَسْجِدِ. فَجَلَسُوا إلَيْهِ وكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ. ورِجالٌ مِن قُرَيْشٍ في أنْدِيَتِهِمْ. حَوْلَ الكَعْبَةِ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مُساءَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا أرادُوا، دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ فاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ وعَرَفُوا مِنهُ ما كانَ يُوصَفُ لَهم في كِتابِهِمْ مِن أمْرِهِ. فَلَمّا قامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهم أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ. فَقالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ. بَعَثَكم مَن وراءَكم مِن أهْلِ دِينِكم تَرْتادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهم بِخَيْرِ الرَّجُلِ. فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجالِسُكم عِنْدَهُ حَتّى فارَقْتُمْ دِينَكم وصَدَّقْتُمُوهُ فِيما قالَ. ما نَعْلَمُ رَكْبًا أحْمَقَ مِنكم. أوْ كَما قالُوا لَهم. فَقالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم. لا نُجاهِلُكم. لَنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكم ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا خَيْرًا.
قالَ: ويُقالُ إنَّ النَّفَرَ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ. فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
قالَ: ويُقالُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
قالَ: وسَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الآياتِ فِيمَن نَزَلَتْ؟ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ مِن عُلَمائِنا أنَّهُنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والآياتُ اللّاتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
القصص 28:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] (p-٤٧١٢)﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ: قَدْ مَضى دَوْرُ الخَوارِقِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها، ونَسَخَ تَعالى مِن تِلْكَ الآياتِ بِما أتى بِخَيْرٍ مِنها، وهو آيَةُ الهِدايَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بِها قُلُوبُ العالَمِينَ. والذِّكْرى الَّتِي تَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّرِّ، وتَحْمِلُها عَلى الخَيْرِ. بِحَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُها الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ، ويَحِقُّ الشَّقاءُ عَلى الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ. فَإنْ يَكُ هَذا سِحْرًا، ولَدَيْكم ما هو أهْدى: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: ولا أُعانِدُكم مِثْلَ ما تُعانِدُونَنِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلِقانِ. أوْ في أنَّهُ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أهْدى مِنهُما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومِثْلَ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يُدْلِ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ. لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ، أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ. فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. انْتَهى. أيْ: لا لِلشَّكِّ والتَّرَدُّدِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا جَوابٌ عَمّا يُقالُ أنَّ عَدَمَ إتْيانِهِمْ بِهِ مَعْلُومٌ. وهَذا كَما يَقُولُ المُدِلُّ: إنْ كُنْتُ صَدِيقَكَ القَدِيمَ، فَعامِلْنِي بِالجَهْلِ. وكَذا في إيرادِ كَلِمَةِ إنَّ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ، نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] أيْ: فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ الكِتابِ، ولَمْ يُتابِعُوا الكِتابَيْنِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ. أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ. كَيْفَ لا؟ وهو أظْلَمُ الظَّلَمَةِ. بِتَقْدِيمِ هَواهُ عَلى هُدى اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.
(p-٤٧١٣)قالَ الرّازِيُّ: وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. انْتَهى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مُتَواصِلًا، بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ، وعْدًا ووَعِيدًا، وقِصَصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إرادَةَ أنْ يَتَذَكَّرُوا فَيُفْلِحُوا. وقُرِئَ (وصَّلْنا) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] أيِ: القُرْآنِ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وأوْلِياؤُهُمْ: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] أيِ: القُرْآنُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، لِما عِنْدَنا مِنَ المُبَشِّراتِ بِهِ. أوْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وهو إخْلاصُ الوَجْهِ لَهُ تَعالى بِدُونِ شِرْكٍ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [القصص: ٥٤] أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ: ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] يَعْنِي مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ. أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ. أوْ عَلى أذى مَن نابَذَهُمْ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: يَدْفَعُونَ: ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِالحِكْمَةِ الطَّيِّبَةِ، ما يَسُوؤُهُمْ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: لِلْبُؤَساءِ والفُقَراءِ، وفي سَبِيلِ البِرِّ والخَيْرِ، فِرارًا عَنْ وصْمَةِ الشُّحِّ، وتَنَبُّهًا لِآفاتِهِ.
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: مِنَ الجُهّالِ. وهو كُلُّ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ: ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: تَكْرِيمًا لِلنَّفْسِ عَنْ مُلابَسَةِ الأدْنِياءِ، وتَشْرِيفًا لِلسَّمْعِ عَنْ سَقْطِ باطِلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لَهُمْ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: بِطَرِيقِ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ حِلْمِ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُجازاتَهم بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. وهو بَعِيدٌ. لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ. وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبْعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ. بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ. (p-٤٧١٤)فَلَمّا قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] حَتّى خَتَمَها. فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وأسْلَمُوا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): ثُمَّ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أوْ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّصارى، حِينَ بَلَغَهم خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ في المَسْجِدِ. فَجَلَسُوا إلَيْهِ وكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ. ورِجالٌ مِن قُرَيْشٍ في أنْدِيَتِهِمْ. حَوْلَ الكَعْبَةِ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مُساءَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا أرادُوا، دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ فاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ وعَرَفُوا مِنهُ ما كانَ يُوصَفُ لَهم في كِتابِهِمْ مِن أمْرِهِ. فَلَمّا قامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهم أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ. فَقالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ. بَعَثَكم مَن وراءَكم مِن أهْلِ دِينِكم تَرْتادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهم بِخَيْرِ الرَّجُلِ. فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجالِسُكم عِنْدَهُ حَتّى فارَقْتُمْ دِينَكم وصَدَّقْتُمُوهُ فِيما قالَ. ما نَعْلَمُ رَكْبًا أحْمَقَ مِنكم. أوْ كَما قالُوا لَهم. فَقالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم. لا نُجاهِلُكم. لَنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكم ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا خَيْرًا.
قالَ: ويُقالُ إنَّ النَّفَرَ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ. فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
قالَ: ويُقالُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
قالَ: وسَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الآياتِ فِيمَن نَزَلَتْ؟ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ مِن عُلَمائِنا أنَّهُنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والآياتُ اللّاتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
القصص 28:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] (p-٤٧١٢)﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ: قَدْ مَضى دَوْرُ الخَوارِقِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها، ونَسَخَ تَعالى مِن تِلْكَ الآياتِ بِما أتى بِخَيْرٍ مِنها، وهو آيَةُ الهِدايَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بِها قُلُوبُ العالَمِينَ. والذِّكْرى الَّتِي تَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّرِّ، وتَحْمِلُها عَلى الخَيْرِ. بِحَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُها الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ، ويَحِقُّ الشَّقاءُ عَلى الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ. فَإنْ يَكُ هَذا سِحْرًا، ولَدَيْكم ما هو أهْدى: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: ولا أُعانِدُكم مِثْلَ ما تُعانِدُونَنِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلِقانِ. أوْ في أنَّهُ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أهْدى مِنهُما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومِثْلَ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يُدْلِ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ. لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ، أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ. فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. انْتَهى. أيْ: لا لِلشَّكِّ والتَّرَدُّدِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا جَوابٌ عَمّا يُقالُ أنَّ عَدَمَ إتْيانِهِمْ بِهِ مَعْلُومٌ. وهَذا كَما يَقُولُ المُدِلُّ: إنْ كُنْتُ صَدِيقَكَ القَدِيمَ، فَعامِلْنِي بِالجَهْلِ. وكَذا في إيرادِ كَلِمَةِ إنَّ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ، نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] أيْ: فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ الكِتابِ، ولَمْ يُتابِعُوا الكِتابَيْنِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ. أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ. كَيْفَ لا؟ وهو أظْلَمُ الظَّلَمَةِ. بِتَقْدِيمِ هَواهُ عَلى هُدى اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.
(p-٤٧١٣)قالَ الرّازِيُّ: وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. انْتَهى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مُتَواصِلًا، بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ، وعْدًا ووَعِيدًا، وقِصَصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إرادَةَ أنْ يَتَذَكَّرُوا فَيُفْلِحُوا. وقُرِئَ (وصَّلْنا) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] أيِ: القُرْآنِ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وأوْلِياؤُهُمْ: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] أيِ: القُرْآنُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، لِما عِنْدَنا مِنَ المُبَشِّراتِ بِهِ. أوْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وهو إخْلاصُ الوَجْهِ لَهُ تَعالى بِدُونِ شِرْكٍ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [القصص: ٥٤] أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ: ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] يَعْنِي مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ. أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ. أوْ عَلى أذى مَن نابَذَهُمْ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: يَدْفَعُونَ: ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِالحِكْمَةِ الطَّيِّبَةِ، ما يَسُوؤُهُمْ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: لِلْبُؤَساءِ والفُقَراءِ، وفي سَبِيلِ البِرِّ والخَيْرِ، فِرارًا عَنْ وصْمَةِ الشُّحِّ، وتَنَبُّهًا لِآفاتِهِ.
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: مِنَ الجُهّالِ. وهو كُلُّ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ: ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: تَكْرِيمًا لِلنَّفْسِ عَنْ مُلابَسَةِ الأدْنِياءِ، وتَشْرِيفًا لِلسَّمْعِ عَنْ سَقْطِ باطِلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لَهُمْ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: بِطَرِيقِ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ حِلْمِ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُجازاتَهم بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. وهو بَعِيدٌ. لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ. وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبْعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ. بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ. (p-٤٧١٤)فَلَمّا قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] حَتّى خَتَمَها. فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وأسْلَمُوا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): ثُمَّ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أوْ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّصارى، حِينَ بَلَغَهم خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ في المَسْجِدِ. فَجَلَسُوا إلَيْهِ وكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ. ورِجالٌ مِن قُرَيْشٍ في أنْدِيَتِهِمْ. حَوْلَ الكَعْبَةِ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مُساءَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا أرادُوا، دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ فاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ وعَرَفُوا مِنهُ ما كانَ يُوصَفُ لَهم في كِتابِهِمْ مِن أمْرِهِ. فَلَمّا قامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهم أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ. فَقالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ. بَعَثَكم مَن وراءَكم مِن أهْلِ دِينِكم تَرْتادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهم بِخَيْرِ الرَّجُلِ. فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجالِسُكم عِنْدَهُ حَتّى فارَقْتُمْ دِينَكم وصَدَّقْتُمُوهُ فِيما قالَ. ما نَعْلَمُ رَكْبًا أحْمَقَ مِنكم. أوْ كَما قالُوا لَهم. فَقالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم. لا نُجاهِلُكم. لَنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكم ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا خَيْرًا.
قالَ: ويُقالُ إنَّ النَّفَرَ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ. فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
قالَ: ويُقالُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
قالَ: وسَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الآياتِ فِيمَن نَزَلَتْ؟ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ مِن عُلَمائِنا أنَّهُنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والآياتُ اللّاتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
القصص 28:56
(p-٤٧١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦ - ٥٨] ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]
﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَ في الإسْلامِ كُلَّ مَن أحْبَبْتَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مِن قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أنْ يَهْدِيَهُ فَيُدْخِلَهُ في الإسْلامِ بِعِنايَتِهِ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيِ: القابِلِينَ لِلْهِدايَةِ. لِاطِّلاعِهِ عَلى اسْتِعْدادِهِمْ وكَوْنِهِمْ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عَلى قُلُوبِهِمْ.
تَنْبِيهٌ:
رَوى البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أبا جَهْلٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ. فَقالَ: أيْ: عَمَّ! قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عَلَيْهِ، (p-٤٧١٦)ويُعِيدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، حَتّى قالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وأبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واللَّهِ! لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ، فَقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسانَ عَنْ أبِي حازِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. والإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا، وهَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامُ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): لَمْ تَخْتَلِفِ النَّقَلَةُ في أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ. انْتَهى. وقَدَّمْنا مِرارًا مَعْنى قَوْلِهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا. فانْظُرِ المُقَدِّمَةَ، وغَيْرَ مَوْضِعٍ بَعْدَها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن تَعَنُّتِهِمْ، شُبْهَةً اسْتَرْوَحَ بِها الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ، قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: ونُخالِفُ العَرَبَ: ﴿نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: مَكَّةَ. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: ألَمْ نَعْصِمْهم مِن عَدُوِّهِمْ ونَجْعَلْ مَكانَهم حَرَمًا ذا أمْنٍ، لِحُرْمَةِ البَيْتِ الحَرامِ، الَّذِي تَتَناجَزُ العَرَبُ حَوْلَهُ وهم آمِنُونَ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: جَهَلَةٌ لا يَتَفَكَّرُونَ. ولَوْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لَعَلِمُوا أنَّ الخَوْفَ والأمْنَ مِن عِنْدِهِ، ولَما خافُوا التَّخَطُّفَ إذْ آمَنُوا بِهِ وخَلَعُوا أنْدادَهُ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] أيْ: كَفَرَتْ بِها فَلَمْ تَحْفَظْ حَقَّ اللَّهِ فِيها فَدُمِّرَتْ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم (p-٤٧١٧)لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] أيْ: مِنهم. إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم. ومَوْصُوفٌ (قَلِيلًا) المُسْتَثْنى، إمّا (زَمانٌ) أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. وإمّا (مَكانٌ) أيْ: إلّا مَكانًا قَلِيلًا يَصِحُّ لِسُكْنى البَعْضِ، وانْدَثَرَ الباقِي. أوْ (مَصْدَرٌ) أيْ: سَكَنًا قَلِيلًا مِن شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ.
القصص 28:57
(p-٤٧١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦ - ٥٨] ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]
﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَ في الإسْلامِ كُلَّ مَن أحْبَبْتَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مِن قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أنْ يَهْدِيَهُ فَيُدْخِلَهُ في الإسْلامِ بِعِنايَتِهِ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيِ: القابِلِينَ لِلْهِدايَةِ. لِاطِّلاعِهِ عَلى اسْتِعْدادِهِمْ وكَوْنِهِمْ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عَلى قُلُوبِهِمْ.
تَنْبِيهٌ:
رَوى البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أبا جَهْلٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ. فَقالَ: أيْ: عَمَّ! قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عَلَيْهِ، (p-٤٧١٦)ويُعِيدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، حَتّى قالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وأبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واللَّهِ! لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ، فَقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسانَ عَنْ أبِي حازِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. والإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا، وهَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامُ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): لَمْ تَخْتَلِفِ النَّقَلَةُ في أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ. انْتَهى. وقَدَّمْنا مِرارًا مَعْنى قَوْلِهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا. فانْظُرِ المُقَدِّمَةَ، وغَيْرَ مَوْضِعٍ بَعْدَها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن تَعَنُّتِهِمْ، شُبْهَةً اسْتَرْوَحَ بِها الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ، قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: ونُخالِفُ العَرَبَ: ﴿نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: مَكَّةَ. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: ألَمْ نَعْصِمْهم مِن عَدُوِّهِمْ ونَجْعَلْ مَكانَهم حَرَمًا ذا أمْنٍ، لِحُرْمَةِ البَيْتِ الحَرامِ، الَّذِي تَتَناجَزُ العَرَبُ حَوْلَهُ وهم آمِنُونَ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: جَهَلَةٌ لا يَتَفَكَّرُونَ. ولَوْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لَعَلِمُوا أنَّ الخَوْفَ والأمْنَ مِن عِنْدِهِ، ولَما خافُوا التَّخَطُّفَ إذْ آمَنُوا بِهِ وخَلَعُوا أنْدادَهُ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] أيْ: كَفَرَتْ بِها فَلَمْ تَحْفَظْ حَقَّ اللَّهِ فِيها فَدُمِّرَتْ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم (p-٤٧١٧)لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] أيْ: مِنهم. إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم. ومَوْصُوفٌ (قَلِيلًا) المُسْتَثْنى، إمّا (زَمانٌ) أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. وإمّا (مَكانٌ) أيْ: إلّا مَكانًا قَلِيلًا يَصِحُّ لِسُكْنى البَعْضِ، وانْدَثَرَ الباقِي. أوْ (مَصْدَرٌ) أيْ: سَكَنًا قَلِيلًا مِن شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ.
القصص 28:58
(p-٤٧١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦ - ٥٨] ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]
﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَ في الإسْلامِ كُلَّ مَن أحْبَبْتَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مِن قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أنْ يَهْدِيَهُ فَيُدْخِلَهُ في الإسْلامِ بِعِنايَتِهِ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيِ: القابِلِينَ لِلْهِدايَةِ. لِاطِّلاعِهِ عَلى اسْتِعْدادِهِمْ وكَوْنِهِمْ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عَلى قُلُوبِهِمْ.
تَنْبِيهٌ:
رَوى البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أبا جَهْلٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ. فَقالَ: أيْ: عَمَّ! قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عَلَيْهِ، (p-٤٧١٦)ويُعِيدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، حَتّى قالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وأبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واللَّهِ! لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ، فَقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسانَ عَنْ أبِي حازِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. والإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا، وهَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامُ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): لَمْ تَخْتَلِفِ النَّقَلَةُ في أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ. انْتَهى. وقَدَّمْنا مِرارًا مَعْنى قَوْلِهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا. فانْظُرِ المُقَدِّمَةَ، وغَيْرَ مَوْضِعٍ بَعْدَها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن تَعَنُّتِهِمْ، شُبْهَةً اسْتَرْوَحَ بِها الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ، قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: ونُخالِفُ العَرَبَ: ﴿نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: مَكَّةَ. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: ألَمْ نَعْصِمْهم مِن عَدُوِّهِمْ ونَجْعَلْ مَكانَهم حَرَمًا ذا أمْنٍ، لِحُرْمَةِ البَيْتِ الحَرامِ، الَّذِي تَتَناجَزُ العَرَبُ حَوْلَهُ وهم آمِنُونَ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: جَهَلَةٌ لا يَتَفَكَّرُونَ. ولَوْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لَعَلِمُوا أنَّ الخَوْفَ والأمْنَ مِن عِنْدِهِ، ولَما خافُوا التَّخَطُّفَ إذْ آمَنُوا بِهِ وخَلَعُوا أنْدادَهُ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] أيْ: كَفَرَتْ بِها فَلَمْ تَحْفَظْ حَقَّ اللَّهِ فِيها فَدُمِّرَتْ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم (p-٤٧١٧)لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] أيْ: مِنهم. إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم. ومَوْصُوفٌ (قَلِيلًا) المُسْتَثْنى، إمّا (زَمانٌ) أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. وإمّا (مَكانٌ) أيْ: إلّا مَكانًا قَلِيلًا يَصِحُّ لِسُكْنى البَعْضِ، وانْدَثَرَ الباقِي. أوْ (مَصْدَرٌ) أيْ: سَكَنًا قَلِيلًا مِن شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ.
القصص 28:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩ - ٦٢] ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]
﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيِ: النّاطِقَةَ بِالحَقِّ. ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. وذَلِكَ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ بِالآياتِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ سَعْيًا بِالفَسادِ، وإباءً عَنْ سَبِيلِ الصَّلاحِ والرَّشادِ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: فَهو مِمّا يُتَمَتَّعُ ويُتَزَيَّنُ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ. وهي مُدَّةُ الحَياةِ المُقْتَضِيَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: مَتاعًا وزِينَةً في نَفْسِهِ، لِخُلُوِّهِ عَنْ شَوائِبِ الألَمِ: ﴿وأبْقى﴾ [القصص: ٦٠] لِأنَّهُ أبَدِيٌّ لا يَزُولُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القصص: ٦١] أيْ: بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ: ﴿فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ (p-٤٧١٨)الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا لِلْحِسابِ أوْ لِلنّارِ أوِ العَذابِ.
قالَ الشِّهابُ: وقَدْ غَلَبَ لَفْظُ (المُحْضَرِ) في القُرْآنِ في المُعَذَّبِ. وإلَيْهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وصَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]
القصص 28:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩ - ٦٢] ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]
﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيِ: النّاطِقَةَ بِالحَقِّ. ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. وذَلِكَ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ بِالآياتِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ سَعْيًا بِالفَسادِ، وإباءً عَنْ سَبِيلِ الصَّلاحِ والرَّشادِ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: فَهو مِمّا يُتَمَتَّعُ ويُتَزَيَّنُ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ. وهي مُدَّةُ الحَياةِ المُقْتَضِيَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: مَتاعًا وزِينَةً في نَفْسِهِ، لِخُلُوِّهِ عَنْ شَوائِبِ الألَمِ: ﴿وأبْقى﴾ [القصص: ٦٠] لِأنَّهُ أبَدِيٌّ لا يَزُولُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القصص: ٦١] أيْ: بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ: ﴿فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ (p-٤٧١٨)الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا لِلْحِسابِ أوْ لِلنّارِ أوِ العَذابِ.
قالَ الشِّهابُ: وقَدْ غَلَبَ لَفْظُ (المُحْضَرِ) في القُرْآنِ في المُعَذَّبِ. وإلَيْهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وصَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]
القصص 28:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩ - ٦٢] ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]
﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيِ: النّاطِقَةَ بِالحَقِّ. ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. وذَلِكَ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ بِالآياتِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ سَعْيًا بِالفَسادِ، وإباءً عَنْ سَبِيلِ الصَّلاحِ والرَّشادِ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: فَهو مِمّا يُتَمَتَّعُ ويُتَزَيَّنُ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ. وهي مُدَّةُ الحَياةِ المُقْتَضِيَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: مَتاعًا وزِينَةً في نَفْسِهِ، لِخُلُوِّهِ عَنْ شَوائِبِ الألَمِ: ﴿وأبْقى﴾ [القصص: ٦٠] لِأنَّهُ أبَدِيٌّ لا يَزُولُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القصص: ٦١] أيْ: بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ: ﴿فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ (p-٤٧١٨)الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا لِلْحِسابِ أوْ لِلنّارِ أوِ العَذابِ.
قالَ الشِّهابُ: وقَدْ غَلَبَ لَفْظُ (المُحْضَرِ) في القُرْآنِ في المُعَذَّبِ. وإلَيْهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وصَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]
القصص 28:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩ - ٦٢] ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]
﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيِ: النّاطِقَةَ بِالحَقِّ. ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. وذَلِكَ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ بِالآياتِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ سَعْيًا بِالفَسادِ، وإباءً عَنْ سَبِيلِ الصَّلاحِ والرَّشادِ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: فَهو مِمّا يُتَمَتَّعُ ويُتَزَيَّنُ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ. وهي مُدَّةُ الحَياةِ المُقْتَضِيَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: مَتاعًا وزِينَةً في نَفْسِهِ، لِخُلُوِّهِ عَنْ شَوائِبِ الألَمِ: ﴿وأبْقى﴾ [القصص: ٦٠] لِأنَّهُ أبَدِيٌّ لا يَزُولُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القصص: ٦١] أيْ: بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ: ﴿فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ (p-٤٧١٨)الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا لِلْحِسابِ أوْ لِلنّارِ أوِ العَذابِ.
قالَ الشِّهابُ: وقَدْ غَلَبَ لَفْظُ (المُحْضَرِ) في القُرْآنِ في المُعَذَّبِ. وإلَيْهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وصَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]
القصص 28:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ - ٦٨] ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وجَبَ وثَبَتَ مُقْتَضاهُ. وهو لُحُوقُ الوَعِيدِ بِهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ، رُؤَساءُ الضَّلالِ، وقادَةُ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِالإشارَةِ، بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم. وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم بِالوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، كَما ضَلَلْنا بِاخْتِيارِنا، وإيثارِ ما يَفْنى عَلى ما يَبْقى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والمَعاصِي. أوْ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-٤٧١٩)أهْواءَهم وشَهَواتِهِمْ: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤] لِيَشْفَعُوا لَكُمْ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] أيْ: تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيُنْقَذُوا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] أيِ: الدّاعِينَ إلى الهِدايَةِ وإصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعُمْيِ عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ لَكِنَّهُ عُكِسَ مُبالَغَةً. قالَ الشِّهابُ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ. اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَهم لا يَهْتَدُونَ لِلْأنْباءِ. ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ. فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وضَمِنَ مَعْنى الخَفاءِ. فَعُدِّيَ بِـ(عَلى). فَفِيهِ أنْواعٌ مِنَ البَلاغَةِ. الِاسْتِعارَةُ والقَلْبُ والتَّضْمِينُ. والمُرادُ بِالأنْباءِ ما أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ. أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرُها مُنَكَّلُ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ، لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ. أوْ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ في العَجْزِ عَنِ الجَوابِ. أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النُّطْقِ وكَوْنِهِمْ مَخْتُومًا عَلى أفْواهِهِمْ. ثُمَّ إنَّ هَذا الوَعِيدَ لاحِقٌ لِلْمُصِرِّ: ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: أنْ يُفْلِحَ عِنْدَ اللَّهِ. و(عَسى) مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ. كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ أنْ يُفْلِحَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وعِنايَتِهِ، ما يُرِيدُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: في ذَلِكَ. بَلِ الخِيَرَةُ لَهُ في أفْعالِهِ وهو أعْلَمُ بِوُجُوهِ الحِكْمَةِ فِيها، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِيَرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وهو التَّخَيُّرُ، وبِمَعْنى المُتَخَيِّرِ. كَقَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ خِيرَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وحْدَهُ. ولِذا قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ شَيْئًا ولا تَخْتارُ.
تَنْبِيهٌ:
لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (زادِ المَعادِ) مَقالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ تُؤْثَرَ (p-٤٧٢٠)عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وبَعْدُ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ولَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالِاخْتِيارِ، الإرادَةَ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وهو سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا هَذا المَعْنى. وهَذا الِاخْتِيارُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ" فَإنَّهُ لا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيارِهِ. وداخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "ما يَشاءُ" فَإنَّ المَشِيئَةَ هي الِاخْتِيارُ. وإنَّما المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا الِاجْتِباءُ والِاصْطِفاءُ. فَهو اخْتِيارٌ بَعْدَ الخَلْقِ. والِاخْتِيارُ العامُّ اخْتِيارٌ قَبْلَ الخَلْقِ. فَهو أعَمُّ وأسْبَقُ. وهَذا أخَصُّ وهو مُتَأخِّرٌ. فَهو اخْتِيارٌ مِنَ الخَلْقِ والأوَّلُ اخْتِيارٌ لِلْخَلْقِ. وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ويَكُونُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] نَفْيًا. أيْ: لَيْسَ هَذا الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ، بَلْ هو إلى الخالِقِ وحْدَهُ. فَكَما أنَّهُ هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ، فَهو المُتَفَرِّدُ بِالِاخْتِيارِ مِنهُ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْلُقَ ولا يَخْتارَ سِواهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ ومَحالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُحُ لِلِاخْتِيارِ مِمّا لا يَصْلُحُ لَهُ. وغَيْرُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ. وذَهَبَ بَعْضُ مَن لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ولا تَحْصِيلَ، إلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ (يَخْتارُ) أيْ: ويَخْتارُ الَّذِي لَهُمُ الخِيَرَةُ. وهَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الصِّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنَ العائِدِ. لِأنَّ الخِيَرَةَ مَرْفُوعٌ بِأنَّهُ اسْمُ (كانَ) و(لَهُمْ) خَبَرُهُ. فَيَصِيرُ المَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ الخِيَرَةُ لَهم. وهَذا التَّرْكِيبُ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأنْ يَكُونَ العائِدُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيهِ. أيْ: ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ في اخْتِيارِهِ. قِيلَ: هَذا يَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ. وهو أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها حَذْفُ العائِدِ. فَإنَّهُ إنَّما يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذا جُرَّ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِمِثْلِهِ، مَعَ اتِّحادِ المَعْنى نَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ونَظائِرُهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، ورَأيْتُ الَّذِي رَغِبْتُ، ونَحْوَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَنُصِبَ (الخِيَرَةُ) وشُغِلَ فِعْلُ الصِّلَةِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ (p-٤٧٢١)الخِيَرَةُ. أيِ: الَّذِي كانَ هو عَيْنَ الخِيَرَةِ لَهم. وهَذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ البَتَّةَ. مَعَ أنَّهُ كانَ وجْهُ الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْكِي عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَهم في الِاخْتِيارِ وإرادَتَهم أنْ يَكُونَ الخِيَرَةُ لَهم. ثُمَّ يَنْفِي هَذا سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، ويُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ بِالِاخْتِيارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ. بَلْ إلى الَّذِي قَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومَدَّدَ آجالَهم. وكَذَلِكَ هو الَّذِي يُقَسِّمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ، عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ. وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ. وقَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ. فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ. بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ كَما قالَ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، دُونَ غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَمّا اقْتَضاهُ شِرْكُهم مِنِ اقْتِراحِهِمْ واخْتِيارِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ولَمْ يَكُنْ شِرْكُهم مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ خالِقٍ سِواهُ، حَتّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ في غايَةِ اللُّطْفِ.
الخامِسُ: إنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ (p-٤٧٢٢)المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في القَصَصِ: ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] ونَظِيرُ قَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فَأخْبَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ المُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحالَّ اخْتِيارِهِ، بِما خَصَّصَها بِهِ بِعِلْمِهِ، بِأنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَتَقْدِيرُ السِّياقِ في هَذِهِ الآياتِ تَجِدُهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذا المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
السّادِسُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] فَكَما خَلَقَهم وحْدَهُ سُبْحانَهُ، اخْتارَ مِنهم مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكانُوا صَفْوَتَهُ مِن عِبادِهِ، وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، وكانَ هَذا الِاخْتِيارُ راجِعًا إلى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ، لِمَن هو أهْلٌ لَهُ. لا إلى اخْتِيارِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ واقْتِراحِهِمْ. فَسُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: (فَصْلٌ) فَإذا تَأمَّلْتَ أحْوالَ هَذا الخَلْقِ رَأيْتَ هَذا الِاخْتِيارَ والتَّخْصِيصَ فِيهِ، دالًّا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، ويَخْتارُ كاخْتِيارِهِ، ويُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ. فَهَذا الِاخْتِيارُ والتَّدْبِيرُ والتَّخْصِيصُ، المَشْهُورُ أثَرُهُ في هَذا العالَمِ، مِن أعْظَمِ آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وأكْبَرُ شَواهِدِ وحْدانِيَّتِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ. فَنُشِيرُ مِنهُ إلى شَيْءٍ يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ، دالًّا عَلى ما سِواهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ سَبْعًا. فاخْتارَ العُلْيا مِنها فَجَعَلَها مُسْتَقَرَّ المُقَرَّبِينَ مِن مَلائِكَتِهِ واخْتَصَّها بِالقُرْبِ مِن كُرْسِيِّهِ ومِن عَرْشِهِ. وأسْكَنَها مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ. فَلَها مَزِيَّةٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ السَّماواتِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُها مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وهَذا التَّفْضِيلُ والتَّخْصِيصُ، مَعَ تَساوِي (p-٤٧٢٣)مادَّةِ السَّماواتِ، مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ سُبْحانَهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ عَلى سائِرِ الجِنانِ، وتَخْصِيصُها بِأنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَها. وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَرَسَها بِيَدِهِ واخْتارَها لِخِيرَتِهِ مِن خَلْقِهِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، المُصْطَفَيْنَ مِنهم عَلى سائِرِهِمْ. كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ. وكَذَلِكَ اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ لِلْأنْبِياءِ مِن ولَدِ آدَمَ. واخْتِيارُ الرُّسُلِ مِنهم واخْتِيارُهُ أُولِي العَزْمِ مِنهم. واخْتِيارُهُ مِنهُمُ الخَلِيلَيْنِ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ ولَدَ إسْماعِيلَ مِن أجْناسِ أنْواعِ بَنِي آدَمَ. ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ اخْتارَ مِن ولَدِ كِنانَةَ قُرَيْشًا. ثُمَّ اخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. ثُمَّ اخْتارَ مِن بَنِي هاشِمٍ، سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وكَذَلِكَ اخْتارَ أصْحابَهُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ. واخْتارَ مِنهُمُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. واخْتارَ مِنهم أهْلَ بَدْرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. واخْتارَ لَهم مِنَ الدِّينِ أكْمَلَهُ، ومِنَ الشَّرائِعِ أفْضَلَها، ومِنَ الأخْلاقِ أزْكاها وأطْيَبَها وأطْهَرَها. واخْتارَ أُمَّتَهُ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها. وهي البَلَدُ الحَرامُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ. وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، كاشِفِي رُؤُوسِهِمْ، مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا. وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعَضَّدُ بِهِ شَجَرَةٌ، ولا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمَلُّكِ. بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ. فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ. وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ كَما في (السُّنَنِ). وأفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ. وعَشْرُهُ الأخِيرُ أفْضَلُ اللَّيالِي. ولَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. ويَوْمُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيّامِ العامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
وقَدْ أوْسَعَ المَقالَ وُجُودُ الِاسْتِدْلالِ. فَرَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ عَنْهُ وأرْضاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ الَّذِي لا يُزاحِمُ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ: ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
القصص 28:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ - ٦٨] ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وجَبَ وثَبَتَ مُقْتَضاهُ. وهو لُحُوقُ الوَعِيدِ بِهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ، رُؤَساءُ الضَّلالِ، وقادَةُ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِالإشارَةِ، بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم. وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم بِالوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، كَما ضَلَلْنا بِاخْتِيارِنا، وإيثارِ ما يَفْنى عَلى ما يَبْقى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والمَعاصِي. أوْ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-٤٧١٩)أهْواءَهم وشَهَواتِهِمْ: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤] لِيَشْفَعُوا لَكُمْ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] أيْ: تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيُنْقَذُوا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] أيِ: الدّاعِينَ إلى الهِدايَةِ وإصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعُمْيِ عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ لَكِنَّهُ عُكِسَ مُبالَغَةً. قالَ الشِّهابُ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ. اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَهم لا يَهْتَدُونَ لِلْأنْباءِ. ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ. فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وضَمِنَ مَعْنى الخَفاءِ. فَعُدِّيَ بِـ(عَلى). فَفِيهِ أنْواعٌ مِنَ البَلاغَةِ. الِاسْتِعارَةُ والقَلْبُ والتَّضْمِينُ. والمُرادُ بِالأنْباءِ ما أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ. أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرُها مُنَكَّلُ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ، لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ. أوْ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ في العَجْزِ عَنِ الجَوابِ. أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النُّطْقِ وكَوْنِهِمْ مَخْتُومًا عَلى أفْواهِهِمْ. ثُمَّ إنَّ هَذا الوَعِيدَ لاحِقٌ لِلْمُصِرِّ: ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: أنْ يُفْلِحَ عِنْدَ اللَّهِ. و(عَسى) مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ. كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ أنْ يُفْلِحَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وعِنايَتِهِ، ما يُرِيدُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: في ذَلِكَ. بَلِ الخِيَرَةُ لَهُ في أفْعالِهِ وهو أعْلَمُ بِوُجُوهِ الحِكْمَةِ فِيها، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِيَرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وهو التَّخَيُّرُ، وبِمَعْنى المُتَخَيِّرِ. كَقَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ خِيرَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وحْدَهُ. ولِذا قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ شَيْئًا ولا تَخْتارُ.
تَنْبِيهٌ:
لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (زادِ المَعادِ) مَقالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ تُؤْثَرَ (p-٤٧٢٠)عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وبَعْدُ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ولَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالِاخْتِيارِ، الإرادَةَ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وهو سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا هَذا المَعْنى. وهَذا الِاخْتِيارُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ" فَإنَّهُ لا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيارِهِ. وداخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "ما يَشاءُ" فَإنَّ المَشِيئَةَ هي الِاخْتِيارُ. وإنَّما المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا الِاجْتِباءُ والِاصْطِفاءُ. فَهو اخْتِيارٌ بَعْدَ الخَلْقِ. والِاخْتِيارُ العامُّ اخْتِيارٌ قَبْلَ الخَلْقِ. فَهو أعَمُّ وأسْبَقُ. وهَذا أخَصُّ وهو مُتَأخِّرٌ. فَهو اخْتِيارٌ مِنَ الخَلْقِ والأوَّلُ اخْتِيارٌ لِلْخَلْقِ. وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ويَكُونُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] نَفْيًا. أيْ: لَيْسَ هَذا الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ، بَلْ هو إلى الخالِقِ وحْدَهُ. فَكَما أنَّهُ هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ، فَهو المُتَفَرِّدُ بِالِاخْتِيارِ مِنهُ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْلُقَ ولا يَخْتارَ سِواهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ ومَحالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُحُ لِلِاخْتِيارِ مِمّا لا يَصْلُحُ لَهُ. وغَيْرُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ. وذَهَبَ بَعْضُ مَن لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ولا تَحْصِيلَ، إلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ (يَخْتارُ) أيْ: ويَخْتارُ الَّذِي لَهُمُ الخِيَرَةُ. وهَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الصِّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنَ العائِدِ. لِأنَّ الخِيَرَةَ مَرْفُوعٌ بِأنَّهُ اسْمُ (كانَ) و(لَهُمْ) خَبَرُهُ. فَيَصِيرُ المَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ الخِيَرَةُ لَهم. وهَذا التَّرْكِيبُ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأنْ يَكُونَ العائِدُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيهِ. أيْ: ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ في اخْتِيارِهِ. قِيلَ: هَذا يَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ. وهو أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها حَذْفُ العائِدِ. فَإنَّهُ إنَّما يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذا جُرَّ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِمِثْلِهِ، مَعَ اتِّحادِ المَعْنى نَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ونَظائِرُهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، ورَأيْتُ الَّذِي رَغِبْتُ، ونَحْوَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَنُصِبَ (الخِيَرَةُ) وشُغِلَ فِعْلُ الصِّلَةِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ (p-٤٧٢١)الخِيَرَةُ. أيِ: الَّذِي كانَ هو عَيْنَ الخِيَرَةِ لَهم. وهَذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ البَتَّةَ. مَعَ أنَّهُ كانَ وجْهُ الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْكِي عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَهم في الِاخْتِيارِ وإرادَتَهم أنْ يَكُونَ الخِيَرَةُ لَهم. ثُمَّ يَنْفِي هَذا سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، ويُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ بِالِاخْتِيارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ. بَلْ إلى الَّذِي قَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومَدَّدَ آجالَهم. وكَذَلِكَ هو الَّذِي يُقَسِّمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ، عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ. وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ. وقَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ. فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ. بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ كَما قالَ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، دُونَ غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَمّا اقْتَضاهُ شِرْكُهم مِنِ اقْتِراحِهِمْ واخْتِيارِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ولَمْ يَكُنْ شِرْكُهم مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ خالِقٍ سِواهُ، حَتّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ في غايَةِ اللُّطْفِ.
الخامِسُ: إنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ (p-٤٧٢٢)المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في القَصَصِ: ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] ونَظِيرُ قَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فَأخْبَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ المُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحالَّ اخْتِيارِهِ، بِما خَصَّصَها بِهِ بِعِلْمِهِ، بِأنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَتَقْدِيرُ السِّياقِ في هَذِهِ الآياتِ تَجِدُهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذا المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
السّادِسُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] فَكَما خَلَقَهم وحْدَهُ سُبْحانَهُ، اخْتارَ مِنهم مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكانُوا صَفْوَتَهُ مِن عِبادِهِ، وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، وكانَ هَذا الِاخْتِيارُ راجِعًا إلى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ، لِمَن هو أهْلٌ لَهُ. لا إلى اخْتِيارِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ واقْتِراحِهِمْ. فَسُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: (فَصْلٌ) فَإذا تَأمَّلْتَ أحْوالَ هَذا الخَلْقِ رَأيْتَ هَذا الِاخْتِيارَ والتَّخْصِيصَ فِيهِ، دالًّا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، ويَخْتارُ كاخْتِيارِهِ، ويُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ. فَهَذا الِاخْتِيارُ والتَّدْبِيرُ والتَّخْصِيصُ، المَشْهُورُ أثَرُهُ في هَذا العالَمِ، مِن أعْظَمِ آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وأكْبَرُ شَواهِدِ وحْدانِيَّتِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ. فَنُشِيرُ مِنهُ إلى شَيْءٍ يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ، دالًّا عَلى ما سِواهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ سَبْعًا. فاخْتارَ العُلْيا مِنها فَجَعَلَها مُسْتَقَرَّ المُقَرَّبِينَ مِن مَلائِكَتِهِ واخْتَصَّها بِالقُرْبِ مِن كُرْسِيِّهِ ومِن عَرْشِهِ. وأسْكَنَها مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ. فَلَها مَزِيَّةٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ السَّماواتِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُها مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وهَذا التَّفْضِيلُ والتَّخْصِيصُ، مَعَ تَساوِي (p-٤٧٢٣)مادَّةِ السَّماواتِ، مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ سُبْحانَهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ عَلى سائِرِ الجِنانِ، وتَخْصِيصُها بِأنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَها. وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَرَسَها بِيَدِهِ واخْتارَها لِخِيرَتِهِ مِن خَلْقِهِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، المُصْطَفَيْنَ مِنهم عَلى سائِرِهِمْ. كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ. وكَذَلِكَ اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ لِلْأنْبِياءِ مِن ولَدِ آدَمَ. واخْتِيارُ الرُّسُلِ مِنهم واخْتِيارُهُ أُولِي العَزْمِ مِنهم. واخْتِيارُهُ مِنهُمُ الخَلِيلَيْنِ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ ولَدَ إسْماعِيلَ مِن أجْناسِ أنْواعِ بَنِي آدَمَ. ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ اخْتارَ مِن ولَدِ كِنانَةَ قُرَيْشًا. ثُمَّ اخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. ثُمَّ اخْتارَ مِن بَنِي هاشِمٍ، سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وكَذَلِكَ اخْتارَ أصْحابَهُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ. واخْتارَ مِنهُمُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. واخْتارَ مِنهم أهْلَ بَدْرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. واخْتارَ لَهم مِنَ الدِّينِ أكْمَلَهُ، ومِنَ الشَّرائِعِ أفْضَلَها، ومِنَ الأخْلاقِ أزْكاها وأطْيَبَها وأطْهَرَها. واخْتارَ أُمَّتَهُ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها. وهي البَلَدُ الحَرامُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ. وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، كاشِفِي رُؤُوسِهِمْ، مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا. وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعَضَّدُ بِهِ شَجَرَةٌ، ولا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمَلُّكِ. بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ. فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ. وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ كَما في (السُّنَنِ). وأفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ. وعَشْرُهُ الأخِيرُ أفْضَلُ اللَّيالِي. ولَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. ويَوْمُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيّامِ العامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
وقَدْ أوْسَعَ المَقالَ وُجُودُ الِاسْتِدْلالِ. فَرَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ عَنْهُ وأرْضاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ الَّذِي لا يُزاحِمُ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ: ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
القصص 28:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ - ٦٨] ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وجَبَ وثَبَتَ مُقْتَضاهُ. وهو لُحُوقُ الوَعِيدِ بِهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ، رُؤَساءُ الضَّلالِ، وقادَةُ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِالإشارَةِ، بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم. وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم بِالوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، كَما ضَلَلْنا بِاخْتِيارِنا، وإيثارِ ما يَفْنى عَلى ما يَبْقى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والمَعاصِي. أوْ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-٤٧١٩)أهْواءَهم وشَهَواتِهِمْ: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤] لِيَشْفَعُوا لَكُمْ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] أيْ: تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيُنْقَذُوا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] أيِ: الدّاعِينَ إلى الهِدايَةِ وإصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعُمْيِ عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ لَكِنَّهُ عُكِسَ مُبالَغَةً. قالَ الشِّهابُ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ. اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَهم لا يَهْتَدُونَ لِلْأنْباءِ. ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ. فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وضَمِنَ مَعْنى الخَفاءِ. فَعُدِّيَ بِـ(عَلى). فَفِيهِ أنْواعٌ مِنَ البَلاغَةِ. الِاسْتِعارَةُ والقَلْبُ والتَّضْمِينُ. والمُرادُ بِالأنْباءِ ما أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ. أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرُها مُنَكَّلُ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ، لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ. أوْ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ في العَجْزِ عَنِ الجَوابِ. أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النُّطْقِ وكَوْنِهِمْ مَخْتُومًا عَلى أفْواهِهِمْ. ثُمَّ إنَّ هَذا الوَعِيدَ لاحِقٌ لِلْمُصِرِّ: ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: أنْ يُفْلِحَ عِنْدَ اللَّهِ. و(عَسى) مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ. كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ أنْ يُفْلِحَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وعِنايَتِهِ، ما يُرِيدُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: في ذَلِكَ. بَلِ الخِيَرَةُ لَهُ في أفْعالِهِ وهو أعْلَمُ بِوُجُوهِ الحِكْمَةِ فِيها، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِيَرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وهو التَّخَيُّرُ، وبِمَعْنى المُتَخَيِّرِ. كَقَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ خِيرَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وحْدَهُ. ولِذا قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ شَيْئًا ولا تَخْتارُ.
تَنْبِيهٌ:
لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (زادِ المَعادِ) مَقالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ تُؤْثَرَ (p-٤٧٢٠)عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وبَعْدُ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ولَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالِاخْتِيارِ، الإرادَةَ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وهو سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا هَذا المَعْنى. وهَذا الِاخْتِيارُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ" فَإنَّهُ لا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيارِهِ. وداخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "ما يَشاءُ" فَإنَّ المَشِيئَةَ هي الِاخْتِيارُ. وإنَّما المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا الِاجْتِباءُ والِاصْطِفاءُ. فَهو اخْتِيارٌ بَعْدَ الخَلْقِ. والِاخْتِيارُ العامُّ اخْتِيارٌ قَبْلَ الخَلْقِ. فَهو أعَمُّ وأسْبَقُ. وهَذا أخَصُّ وهو مُتَأخِّرٌ. فَهو اخْتِيارٌ مِنَ الخَلْقِ والأوَّلُ اخْتِيارٌ لِلْخَلْقِ. وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ويَكُونُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] نَفْيًا. أيْ: لَيْسَ هَذا الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ، بَلْ هو إلى الخالِقِ وحْدَهُ. فَكَما أنَّهُ هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ، فَهو المُتَفَرِّدُ بِالِاخْتِيارِ مِنهُ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْلُقَ ولا يَخْتارَ سِواهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ ومَحالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُحُ لِلِاخْتِيارِ مِمّا لا يَصْلُحُ لَهُ. وغَيْرُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ. وذَهَبَ بَعْضُ مَن لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ولا تَحْصِيلَ، إلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ (يَخْتارُ) أيْ: ويَخْتارُ الَّذِي لَهُمُ الخِيَرَةُ. وهَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الصِّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنَ العائِدِ. لِأنَّ الخِيَرَةَ مَرْفُوعٌ بِأنَّهُ اسْمُ (كانَ) و(لَهُمْ) خَبَرُهُ. فَيَصِيرُ المَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ الخِيَرَةُ لَهم. وهَذا التَّرْكِيبُ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأنْ يَكُونَ العائِدُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيهِ. أيْ: ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ في اخْتِيارِهِ. قِيلَ: هَذا يَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ. وهو أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها حَذْفُ العائِدِ. فَإنَّهُ إنَّما يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذا جُرَّ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِمِثْلِهِ، مَعَ اتِّحادِ المَعْنى نَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ونَظائِرُهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، ورَأيْتُ الَّذِي رَغِبْتُ، ونَحْوَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَنُصِبَ (الخِيَرَةُ) وشُغِلَ فِعْلُ الصِّلَةِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ (p-٤٧٢١)الخِيَرَةُ. أيِ: الَّذِي كانَ هو عَيْنَ الخِيَرَةِ لَهم. وهَذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ البَتَّةَ. مَعَ أنَّهُ كانَ وجْهُ الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْكِي عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَهم في الِاخْتِيارِ وإرادَتَهم أنْ يَكُونَ الخِيَرَةُ لَهم. ثُمَّ يَنْفِي هَذا سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، ويُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ بِالِاخْتِيارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ. بَلْ إلى الَّذِي قَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومَدَّدَ آجالَهم. وكَذَلِكَ هو الَّذِي يُقَسِّمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ، عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ. وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ. وقَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ. فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ. بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ كَما قالَ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، دُونَ غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَمّا اقْتَضاهُ شِرْكُهم مِنِ اقْتِراحِهِمْ واخْتِيارِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ولَمْ يَكُنْ شِرْكُهم مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ خالِقٍ سِواهُ، حَتّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ في غايَةِ اللُّطْفِ.
الخامِسُ: إنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ (p-٤٧٢٢)المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في القَصَصِ: ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] ونَظِيرُ قَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فَأخْبَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ المُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحالَّ اخْتِيارِهِ، بِما خَصَّصَها بِهِ بِعِلْمِهِ، بِأنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَتَقْدِيرُ السِّياقِ في هَذِهِ الآياتِ تَجِدُهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذا المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
السّادِسُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] فَكَما خَلَقَهم وحْدَهُ سُبْحانَهُ، اخْتارَ مِنهم مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكانُوا صَفْوَتَهُ مِن عِبادِهِ، وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، وكانَ هَذا الِاخْتِيارُ راجِعًا إلى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ، لِمَن هو أهْلٌ لَهُ. لا إلى اخْتِيارِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ واقْتِراحِهِمْ. فَسُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: (فَصْلٌ) فَإذا تَأمَّلْتَ أحْوالَ هَذا الخَلْقِ رَأيْتَ هَذا الِاخْتِيارَ والتَّخْصِيصَ فِيهِ، دالًّا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، ويَخْتارُ كاخْتِيارِهِ، ويُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ. فَهَذا الِاخْتِيارُ والتَّدْبِيرُ والتَّخْصِيصُ، المَشْهُورُ أثَرُهُ في هَذا العالَمِ، مِن أعْظَمِ آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وأكْبَرُ شَواهِدِ وحْدانِيَّتِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ. فَنُشِيرُ مِنهُ إلى شَيْءٍ يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ، دالًّا عَلى ما سِواهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ سَبْعًا. فاخْتارَ العُلْيا مِنها فَجَعَلَها مُسْتَقَرَّ المُقَرَّبِينَ مِن مَلائِكَتِهِ واخْتَصَّها بِالقُرْبِ مِن كُرْسِيِّهِ ومِن عَرْشِهِ. وأسْكَنَها مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ. فَلَها مَزِيَّةٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ السَّماواتِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُها مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وهَذا التَّفْضِيلُ والتَّخْصِيصُ، مَعَ تَساوِي (p-٤٧٢٣)مادَّةِ السَّماواتِ، مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ سُبْحانَهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ عَلى سائِرِ الجِنانِ، وتَخْصِيصُها بِأنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَها. وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَرَسَها بِيَدِهِ واخْتارَها لِخِيرَتِهِ مِن خَلْقِهِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، المُصْطَفَيْنَ مِنهم عَلى سائِرِهِمْ. كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ. وكَذَلِكَ اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ لِلْأنْبِياءِ مِن ولَدِ آدَمَ. واخْتِيارُ الرُّسُلِ مِنهم واخْتِيارُهُ أُولِي العَزْمِ مِنهم. واخْتِيارُهُ مِنهُمُ الخَلِيلَيْنِ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ ولَدَ إسْماعِيلَ مِن أجْناسِ أنْواعِ بَنِي آدَمَ. ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ اخْتارَ مِن ولَدِ كِنانَةَ قُرَيْشًا. ثُمَّ اخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. ثُمَّ اخْتارَ مِن بَنِي هاشِمٍ، سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وكَذَلِكَ اخْتارَ أصْحابَهُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ. واخْتارَ مِنهُمُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. واخْتارَ مِنهم أهْلَ بَدْرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. واخْتارَ لَهم مِنَ الدِّينِ أكْمَلَهُ، ومِنَ الشَّرائِعِ أفْضَلَها، ومِنَ الأخْلاقِ أزْكاها وأطْيَبَها وأطْهَرَها. واخْتارَ أُمَّتَهُ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها. وهي البَلَدُ الحَرامُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ. وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، كاشِفِي رُؤُوسِهِمْ، مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا. وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعَضَّدُ بِهِ شَجَرَةٌ، ولا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمَلُّكِ. بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ. فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ. وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ كَما في (السُّنَنِ). وأفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ. وعَشْرُهُ الأخِيرُ أفْضَلُ اللَّيالِي. ولَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. ويَوْمُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيّامِ العامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
وقَدْ أوْسَعَ المَقالَ وُجُودُ الِاسْتِدْلالِ. فَرَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ عَنْهُ وأرْضاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ الَّذِي لا يُزاحِمُ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ: ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
القصص 28:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ - ٦٨] ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وجَبَ وثَبَتَ مُقْتَضاهُ. وهو لُحُوقُ الوَعِيدِ بِهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ، رُؤَساءُ الضَّلالِ، وقادَةُ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِالإشارَةِ، بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم. وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم بِالوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، كَما ضَلَلْنا بِاخْتِيارِنا، وإيثارِ ما يَفْنى عَلى ما يَبْقى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والمَعاصِي. أوْ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-٤٧١٩)أهْواءَهم وشَهَواتِهِمْ: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤] لِيَشْفَعُوا لَكُمْ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] أيْ: تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيُنْقَذُوا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] أيِ: الدّاعِينَ إلى الهِدايَةِ وإصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعُمْيِ عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ لَكِنَّهُ عُكِسَ مُبالَغَةً. قالَ الشِّهابُ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ. اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَهم لا يَهْتَدُونَ لِلْأنْباءِ. ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ. فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وضَمِنَ مَعْنى الخَفاءِ. فَعُدِّيَ بِـ(عَلى). فَفِيهِ أنْواعٌ مِنَ البَلاغَةِ. الِاسْتِعارَةُ والقَلْبُ والتَّضْمِينُ. والمُرادُ بِالأنْباءِ ما أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ. أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرُها مُنَكَّلُ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ، لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ. أوْ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ في العَجْزِ عَنِ الجَوابِ. أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النُّطْقِ وكَوْنِهِمْ مَخْتُومًا عَلى أفْواهِهِمْ. ثُمَّ إنَّ هَذا الوَعِيدَ لاحِقٌ لِلْمُصِرِّ: ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: أنْ يُفْلِحَ عِنْدَ اللَّهِ. و(عَسى) مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ. كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ أنْ يُفْلِحَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وعِنايَتِهِ، ما يُرِيدُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: في ذَلِكَ. بَلِ الخِيَرَةُ لَهُ في أفْعالِهِ وهو أعْلَمُ بِوُجُوهِ الحِكْمَةِ فِيها، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِيَرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وهو التَّخَيُّرُ، وبِمَعْنى المُتَخَيِّرِ. كَقَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ خِيرَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وحْدَهُ. ولِذا قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ شَيْئًا ولا تَخْتارُ.
تَنْبِيهٌ:
لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (زادِ المَعادِ) مَقالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ تُؤْثَرَ (p-٤٧٢٠)عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وبَعْدُ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ولَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالِاخْتِيارِ، الإرادَةَ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وهو سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا هَذا المَعْنى. وهَذا الِاخْتِيارُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ" فَإنَّهُ لا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيارِهِ. وداخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "ما يَشاءُ" فَإنَّ المَشِيئَةَ هي الِاخْتِيارُ. وإنَّما المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا الِاجْتِباءُ والِاصْطِفاءُ. فَهو اخْتِيارٌ بَعْدَ الخَلْقِ. والِاخْتِيارُ العامُّ اخْتِيارٌ قَبْلَ الخَلْقِ. فَهو أعَمُّ وأسْبَقُ. وهَذا أخَصُّ وهو مُتَأخِّرٌ. فَهو اخْتِيارٌ مِنَ الخَلْقِ والأوَّلُ اخْتِيارٌ لِلْخَلْقِ. وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ويَكُونُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] نَفْيًا. أيْ: لَيْسَ هَذا الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ، بَلْ هو إلى الخالِقِ وحْدَهُ. فَكَما أنَّهُ هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ، فَهو المُتَفَرِّدُ بِالِاخْتِيارِ مِنهُ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْلُقَ ولا يَخْتارَ سِواهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ ومَحالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُحُ لِلِاخْتِيارِ مِمّا لا يَصْلُحُ لَهُ. وغَيْرُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ. وذَهَبَ بَعْضُ مَن لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ولا تَحْصِيلَ، إلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ (يَخْتارُ) أيْ: ويَخْتارُ الَّذِي لَهُمُ الخِيَرَةُ. وهَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الصِّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنَ العائِدِ. لِأنَّ الخِيَرَةَ مَرْفُوعٌ بِأنَّهُ اسْمُ (كانَ) و(لَهُمْ) خَبَرُهُ. فَيَصِيرُ المَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ الخِيَرَةُ لَهم. وهَذا التَّرْكِيبُ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأنْ يَكُونَ العائِدُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيهِ. أيْ: ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ في اخْتِيارِهِ. قِيلَ: هَذا يَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ. وهو أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها حَذْفُ العائِدِ. فَإنَّهُ إنَّما يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذا جُرَّ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِمِثْلِهِ، مَعَ اتِّحادِ المَعْنى نَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ونَظائِرُهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، ورَأيْتُ الَّذِي رَغِبْتُ، ونَحْوَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَنُصِبَ (الخِيَرَةُ) وشُغِلَ فِعْلُ الصِّلَةِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ (p-٤٧٢١)الخِيَرَةُ. أيِ: الَّذِي كانَ هو عَيْنَ الخِيَرَةِ لَهم. وهَذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ البَتَّةَ. مَعَ أنَّهُ كانَ وجْهُ الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْكِي عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَهم في الِاخْتِيارِ وإرادَتَهم أنْ يَكُونَ الخِيَرَةُ لَهم. ثُمَّ يَنْفِي هَذا سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، ويُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ بِالِاخْتِيارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ. بَلْ إلى الَّذِي قَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومَدَّدَ آجالَهم. وكَذَلِكَ هو الَّذِي يُقَسِّمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ، عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ. وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ. وقَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ. فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ. بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ كَما قالَ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، دُونَ غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَمّا اقْتَضاهُ شِرْكُهم مِنِ اقْتِراحِهِمْ واخْتِيارِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ولَمْ يَكُنْ شِرْكُهم مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ خالِقٍ سِواهُ، حَتّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ في غايَةِ اللُّطْفِ.
الخامِسُ: إنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ (p-٤٧٢٢)المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في القَصَصِ: ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] ونَظِيرُ قَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فَأخْبَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ المُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحالَّ اخْتِيارِهِ، بِما خَصَّصَها بِهِ بِعِلْمِهِ، بِأنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَتَقْدِيرُ السِّياقِ في هَذِهِ الآياتِ تَجِدُهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذا المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
السّادِسُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] فَكَما خَلَقَهم وحْدَهُ سُبْحانَهُ، اخْتارَ مِنهم مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكانُوا صَفْوَتَهُ مِن عِبادِهِ، وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، وكانَ هَذا الِاخْتِيارُ راجِعًا إلى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ، لِمَن هو أهْلٌ لَهُ. لا إلى اخْتِيارِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ واقْتِراحِهِمْ. فَسُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: (فَصْلٌ) فَإذا تَأمَّلْتَ أحْوالَ هَذا الخَلْقِ رَأيْتَ هَذا الِاخْتِيارَ والتَّخْصِيصَ فِيهِ، دالًّا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، ويَخْتارُ كاخْتِيارِهِ، ويُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ. فَهَذا الِاخْتِيارُ والتَّدْبِيرُ والتَّخْصِيصُ، المَشْهُورُ أثَرُهُ في هَذا العالَمِ، مِن أعْظَمِ آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وأكْبَرُ شَواهِدِ وحْدانِيَّتِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ. فَنُشِيرُ مِنهُ إلى شَيْءٍ يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ، دالًّا عَلى ما سِواهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ سَبْعًا. فاخْتارَ العُلْيا مِنها فَجَعَلَها مُسْتَقَرَّ المُقَرَّبِينَ مِن مَلائِكَتِهِ واخْتَصَّها بِالقُرْبِ مِن كُرْسِيِّهِ ومِن عَرْشِهِ. وأسْكَنَها مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ. فَلَها مَزِيَّةٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ السَّماواتِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُها مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وهَذا التَّفْضِيلُ والتَّخْصِيصُ، مَعَ تَساوِي (p-٤٧٢٣)مادَّةِ السَّماواتِ، مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ سُبْحانَهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ عَلى سائِرِ الجِنانِ، وتَخْصِيصُها بِأنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَها. وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَرَسَها بِيَدِهِ واخْتارَها لِخِيرَتِهِ مِن خَلْقِهِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، المُصْطَفَيْنَ مِنهم عَلى سائِرِهِمْ. كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ. وكَذَلِكَ اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ لِلْأنْبِياءِ مِن ولَدِ آدَمَ. واخْتِيارُ الرُّسُلِ مِنهم واخْتِيارُهُ أُولِي العَزْمِ مِنهم. واخْتِيارُهُ مِنهُمُ الخَلِيلَيْنِ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ ولَدَ إسْماعِيلَ مِن أجْناسِ أنْواعِ بَنِي آدَمَ. ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ اخْتارَ مِن ولَدِ كِنانَةَ قُرَيْشًا. ثُمَّ اخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. ثُمَّ اخْتارَ مِن بَنِي هاشِمٍ، سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وكَذَلِكَ اخْتارَ أصْحابَهُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ. واخْتارَ مِنهُمُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. واخْتارَ مِنهم أهْلَ بَدْرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. واخْتارَ لَهم مِنَ الدِّينِ أكْمَلَهُ، ومِنَ الشَّرائِعِ أفْضَلَها، ومِنَ الأخْلاقِ أزْكاها وأطْيَبَها وأطْهَرَها. واخْتارَ أُمَّتَهُ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها. وهي البَلَدُ الحَرامُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ. وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، كاشِفِي رُؤُوسِهِمْ، مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا. وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعَضَّدُ بِهِ شَجَرَةٌ، ولا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمَلُّكِ. بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ. فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ. وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ كَما في (السُّنَنِ). وأفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ. وعَشْرُهُ الأخِيرُ أفْضَلُ اللَّيالِي. ولَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. ويَوْمُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيّامِ العامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
وقَدْ أوْسَعَ المَقالَ وُجُودُ الِاسْتِدْلالِ. فَرَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ عَنْهُ وأرْضاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ الَّذِي لا يُزاحِمُ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ: ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
القصص 28:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ - ٦٨] ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وجَبَ وثَبَتَ مُقْتَضاهُ. وهو لُحُوقُ الوَعِيدِ بِهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ، رُؤَساءُ الضَّلالِ، وقادَةُ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِالإشارَةِ، بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم. وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم بِالوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، كَما ضَلَلْنا بِاخْتِيارِنا، وإيثارِ ما يَفْنى عَلى ما يَبْقى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والمَعاصِي. أوْ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-٤٧١٩)أهْواءَهم وشَهَواتِهِمْ: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤] لِيَشْفَعُوا لَكُمْ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] أيْ: تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيُنْقَذُوا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] أيِ: الدّاعِينَ إلى الهِدايَةِ وإصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعُمْيِ عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ لَكِنَّهُ عُكِسَ مُبالَغَةً. قالَ الشِّهابُ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ. اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَهم لا يَهْتَدُونَ لِلْأنْباءِ. ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ. فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وضَمِنَ مَعْنى الخَفاءِ. فَعُدِّيَ بِـ(عَلى). فَفِيهِ أنْواعٌ مِنَ البَلاغَةِ. الِاسْتِعارَةُ والقَلْبُ والتَّضْمِينُ. والمُرادُ بِالأنْباءِ ما أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ. أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرُها مُنَكَّلُ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ، لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ. أوْ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ في العَجْزِ عَنِ الجَوابِ. أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النُّطْقِ وكَوْنِهِمْ مَخْتُومًا عَلى أفْواهِهِمْ. ثُمَّ إنَّ هَذا الوَعِيدَ لاحِقٌ لِلْمُصِرِّ: ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: أنْ يُفْلِحَ عِنْدَ اللَّهِ. و(عَسى) مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ. كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ أنْ يُفْلِحَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وعِنايَتِهِ، ما يُرِيدُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: في ذَلِكَ. بَلِ الخِيَرَةُ لَهُ في أفْعالِهِ وهو أعْلَمُ بِوُجُوهِ الحِكْمَةِ فِيها، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِيَرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وهو التَّخَيُّرُ، وبِمَعْنى المُتَخَيِّرِ. كَقَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ خِيرَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وحْدَهُ. ولِذا قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ شَيْئًا ولا تَخْتارُ.
تَنْبِيهٌ:
لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (زادِ المَعادِ) مَقالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ تُؤْثَرَ (p-٤٧٢٠)عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وبَعْدُ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ولَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالِاخْتِيارِ، الإرادَةَ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وهو سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا هَذا المَعْنى. وهَذا الِاخْتِيارُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ" فَإنَّهُ لا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيارِهِ. وداخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "ما يَشاءُ" فَإنَّ المَشِيئَةَ هي الِاخْتِيارُ. وإنَّما المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا الِاجْتِباءُ والِاصْطِفاءُ. فَهو اخْتِيارٌ بَعْدَ الخَلْقِ. والِاخْتِيارُ العامُّ اخْتِيارٌ قَبْلَ الخَلْقِ. فَهو أعَمُّ وأسْبَقُ. وهَذا أخَصُّ وهو مُتَأخِّرٌ. فَهو اخْتِيارٌ مِنَ الخَلْقِ والأوَّلُ اخْتِيارٌ لِلْخَلْقِ. وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ويَكُونُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] نَفْيًا. أيْ: لَيْسَ هَذا الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ، بَلْ هو إلى الخالِقِ وحْدَهُ. فَكَما أنَّهُ هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ، فَهو المُتَفَرِّدُ بِالِاخْتِيارِ مِنهُ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْلُقَ ولا يَخْتارَ سِواهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ ومَحالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُحُ لِلِاخْتِيارِ مِمّا لا يَصْلُحُ لَهُ. وغَيْرُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ. وذَهَبَ بَعْضُ مَن لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ولا تَحْصِيلَ، إلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ (يَخْتارُ) أيْ: ويَخْتارُ الَّذِي لَهُمُ الخِيَرَةُ. وهَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الصِّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنَ العائِدِ. لِأنَّ الخِيَرَةَ مَرْفُوعٌ بِأنَّهُ اسْمُ (كانَ) و(لَهُمْ) خَبَرُهُ. فَيَصِيرُ المَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ الخِيَرَةُ لَهم. وهَذا التَّرْكِيبُ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأنْ يَكُونَ العائِدُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيهِ. أيْ: ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ في اخْتِيارِهِ. قِيلَ: هَذا يَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ. وهو أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها حَذْفُ العائِدِ. فَإنَّهُ إنَّما يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذا جُرَّ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِمِثْلِهِ، مَعَ اتِّحادِ المَعْنى نَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ونَظائِرُهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، ورَأيْتُ الَّذِي رَغِبْتُ، ونَحْوَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَنُصِبَ (الخِيَرَةُ) وشُغِلَ فِعْلُ الصِّلَةِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ (p-٤٧٢١)الخِيَرَةُ. أيِ: الَّذِي كانَ هو عَيْنَ الخِيَرَةِ لَهم. وهَذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ البَتَّةَ. مَعَ أنَّهُ كانَ وجْهُ الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْكِي عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَهم في الِاخْتِيارِ وإرادَتَهم أنْ يَكُونَ الخِيَرَةُ لَهم. ثُمَّ يَنْفِي هَذا سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، ويُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ بِالِاخْتِيارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ. بَلْ إلى الَّذِي قَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومَدَّدَ آجالَهم. وكَذَلِكَ هو الَّذِي يُقَسِّمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ، عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ. وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ. وقَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ. فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ. بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ كَما قالَ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، دُونَ غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَمّا اقْتَضاهُ شِرْكُهم مِنِ اقْتِراحِهِمْ واخْتِيارِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ولَمْ يَكُنْ شِرْكُهم مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ خالِقٍ سِواهُ، حَتّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ في غايَةِ اللُّطْفِ.
الخامِسُ: إنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ (p-٤٧٢٢)المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في القَصَصِ: ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] ونَظِيرُ قَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فَأخْبَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ المُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحالَّ اخْتِيارِهِ، بِما خَصَّصَها بِهِ بِعِلْمِهِ، بِأنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَتَقْدِيرُ السِّياقِ في هَذِهِ الآياتِ تَجِدُهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذا المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
السّادِسُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] فَكَما خَلَقَهم وحْدَهُ سُبْحانَهُ، اخْتارَ مِنهم مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكانُوا صَفْوَتَهُ مِن عِبادِهِ، وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، وكانَ هَذا الِاخْتِيارُ راجِعًا إلى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ، لِمَن هو أهْلٌ لَهُ. لا إلى اخْتِيارِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ واقْتِراحِهِمْ. فَسُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: (فَصْلٌ) فَإذا تَأمَّلْتَ أحْوالَ هَذا الخَلْقِ رَأيْتَ هَذا الِاخْتِيارَ والتَّخْصِيصَ فِيهِ، دالًّا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، ويَخْتارُ كاخْتِيارِهِ، ويُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ. فَهَذا الِاخْتِيارُ والتَّدْبِيرُ والتَّخْصِيصُ، المَشْهُورُ أثَرُهُ في هَذا العالَمِ، مِن أعْظَمِ آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وأكْبَرُ شَواهِدِ وحْدانِيَّتِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ. فَنُشِيرُ مِنهُ إلى شَيْءٍ يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ، دالًّا عَلى ما سِواهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ سَبْعًا. فاخْتارَ العُلْيا مِنها فَجَعَلَها مُسْتَقَرَّ المُقَرَّبِينَ مِن مَلائِكَتِهِ واخْتَصَّها بِالقُرْبِ مِن كُرْسِيِّهِ ومِن عَرْشِهِ. وأسْكَنَها مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ. فَلَها مَزِيَّةٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ السَّماواتِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُها مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وهَذا التَّفْضِيلُ والتَّخْصِيصُ، مَعَ تَساوِي (p-٤٧٢٣)مادَّةِ السَّماواتِ، مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ سُبْحانَهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ عَلى سائِرِ الجِنانِ، وتَخْصِيصُها بِأنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَها. وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَرَسَها بِيَدِهِ واخْتارَها لِخِيرَتِهِ مِن خَلْقِهِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، المُصْطَفَيْنَ مِنهم عَلى سائِرِهِمْ. كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ. وكَذَلِكَ اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ لِلْأنْبِياءِ مِن ولَدِ آدَمَ. واخْتِيارُ الرُّسُلِ مِنهم واخْتِيارُهُ أُولِي العَزْمِ مِنهم. واخْتِيارُهُ مِنهُمُ الخَلِيلَيْنِ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ ولَدَ إسْماعِيلَ مِن أجْناسِ أنْواعِ بَنِي آدَمَ. ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ اخْتارَ مِن ولَدِ كِنانَةَ قُرَيْشًا. ثُمَّ اخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. ثُمَّ اخْتارَ مِن بَنِي هاشِمٍ، سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وكَذَلِكَ اخْتارَ أصْحابَهُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ. واخْتارَ مِنهُمُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. واخْتارَ مِنهم أهْلَ بَدْرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. واخْتارَ لَهم مِنَ الدِّينِ أكْمَلَهُ، ومِنَ الشَّرائِعِ أفْضَلَها، ومِنَ الأخْلاقِ أزْكاها وأطْيَبَها وأطْهَرَها. واخْتارَ أُمَّتَهُ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها. وهي البَلَدُ الحَرامُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ. وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، كاشِفِي رُؤُوسِهِمْ، مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا. وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعَضَّدُ بِهِ شَجَرَةٌ، ولا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمَلُّكِ. بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ. فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ. وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ كَما في (السُّنَنِ). وأفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ. وعَشْرُهُ الأخِيرُ أفْضَلُ اللَّيالِي. ولَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. ويَوْمُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيّامِ العامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
وقَدْ أوْسَعَ المَقالَ وُجُودُ الِاسْتِدْلالِ. فَرَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ عَنْهُ وأرْضاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ الَّذِي لا يُزاحِمُ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ: ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
القصص 28:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ - ٦٨] ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وجَبَ وثَبَتَ مُقْتَضاهُ. وهو لُحُوقُ الوَعِيدِ بِهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ، رُؤَساءُ الضَّلالِ، وقادَةُ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِالإشارَةِ، بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم. وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم بِالوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، كَما ضَلَلْنا بِاخْتِيارِنا، وإيثارِ ما يَفْنى عَلى ما يَبْقى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والمَعاصِي. أوْ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-٤٧١٩)أهْواءَهم وشَهَواتِهِمْ: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤] لِيَشْفَعُوا لَكُمْ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] أيْ: تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيُنْقَذُوا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] أيِ: الدّاعِينَ إلى الهِدايَةِ وإصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعُمْيِ عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ لَكِنَّهُ عُكِسَ مُبالَغَةً. قالَ الشِّهابُ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ. اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَهم لا يَهْتَدُونَ لِلْأنْباءِ. ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ. فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وضَمِنَ مَعْنى الخَفاءِ. فَعُدِّيَ بِـ(عَلى). فَفِيهِ أنْواعٌ مِنَ البَلاغَةِ. الِاسْتِعارَةُ والقَلْبُ والتَّضْمِينُ. والمُرادُ بِالأنْباءِ ما أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ. أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرُها مُنَكَّلُ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ، لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ. أوْ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ في العَجْزِ عَنِ الجَوابِ. أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النُّطْقِ وكَوْنِهِمْ مَخْتُومًا عَلى أفْواهِهِمْ. ثُمَّ إنَّ هَذا الوَعِيدَ لاحِقٌ لِلْمُصِرِّ: ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: أنْ يُفْلِحَ عِنْدَ اللَّهِ. و(عَسى) مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ. كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ أنْ يُفْلِحَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وعِنايَتِهِ، ما يُرِيدُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: في ذَلِكَ. بَلِ الخِيَرَةُ لَهُ في أفْعالِهِ وهو أعْلَمُ بِوُجُوهِ الحِكْمَةِ فِيها، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِيَرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وهو التَّخَيُّرُ، وبِمَعْنى المُتَخَيِّرِ. كَقَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ خِيرَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وحْدَهُ. ولِذا قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ شَيْئًا ولا تَخْتارُ.
تَنْبِيهٌ:
لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (زادِ المَعادِ) مَقالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ تُؤْثَرَ (p-٤٧٢٠)عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وبَعْدُ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ولَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالِاخْتِيارِ، الإرادَةَ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وهو سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا هَذا المَعْنى. وهَذا الِاخْتِيارُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ" فَإنَّهُ لا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيارِهِ. وداخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "ما يَشاءُ" فَإنَّ المَشِيئَةَ هي الِاخْتِيارُ. وإنَّما المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا الِاجْتِباءُ والِاصْطِفاءُ. فَهو اخْتِيارٌ بَعْدَ الخَلْقِ. والِاخْتِيارُ العامُّ اخْتِيارٌ قَبْلَ الخَلْقِ. فَهو أعَمُّ وأسْبَقُ. وهَذا أخَصُّ وهو مُتَأخِّرٌ. فَهو اخْتِيارٌ مِنَ الخَلْقِ والأوَّلُ اخْتِيارٌ لِلْخَلْقِ. وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ويَكُونُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] نَفْيًا. أيْ: لَيْسَ هَذا الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ، بَلْ هو إلى الخالِقِ وحْدَهُ. فَكَما أنَّهُ هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ، فَهو المُتَفَرِّدُ بِالِاخْتِيارِ مِنهُ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْلُقَ ولا يَخْتارَ سِواهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ ومَحالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُحُ لِلِاخْتِيارِ مِمّا لا يَصْلُحُ لَهُ. وغَيْرُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ. وذَهَبَ بَعْضُ مَن لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ولا تَحْصِيلَ، إلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ (يَخْتارُ) أيْ: ويَخْتارُ الَّذِي لَهُمُ الخِيَرَةُ. وهَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الصِّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنَ العائِدِ. لِأنَّ الخِيَرَةَ مَرْفُوعٌ بِأنَّهُ اسْمُ (كانَ) و(لَهُمْ) خَبَرُهُ. فَيَصِيرُ المَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ الخِيَرَةُ لَهم. وهَذا التَّرْكِيبُ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأنْ يَكُونَ العائِدُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيهِ. أيْ: ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ في اخْتِيارِهِ. قِيلَ: هَذا يَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ. وهو أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها حَذْفُ العائِدِ. فَإنَّهُ إنَّما يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذا جُرَّ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِمِثْلِهِ، مَعَ اتِّحادِ المَعْنى نَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ونَظائِرُهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، ورَأيْتُ الَّذِي رَغِبْتُ، ونَحْوَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَنُصِبَ (الخِيَرَةُ) وشُغِلَ فِعْلُ الصِّلَةِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ (p-٤٧٢١)الخِيَرَةُ. أيِ: الَّذِي كانَ هو عَيْنَ الخِيَرَةِ لَهم. وهَذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ البَتَّةَ. مَعَ أنَّهُ كانَ وجْهُ الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْكِي عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَهم في الِاخْتِيارِ وإرادَتَهم أنْ يَكُونَ الخِيَرَةُ لَهم. ثُمَّ يَنْفِي هَذا سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، ويُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ بِالِاخْتِيارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ. بَلْ إلى الَّذِي قَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومَدَّدَ آجالَهم. وكَذَلِكَ هو الَّذِي يُقَسِّمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ، عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ. وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ. وقَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ. فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ. بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ كَما قالَ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، دُونَ غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَمّا اقْتَضاهُ شِرْكُهم مِنِ اقْتِراحِهِمْ واخْتِيارِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ولَمْ يَكُنْ شِرْكُهم مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ خالِقٍ سِواهُ، حَتّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ في غايَةِ اللُّطْفِ.
الخامِسُ: إنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ (p-٤٧٢٢)المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في القَصَصِ: ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] ونَظِيرُ قَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فَأخْبَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ المُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحالَّ اخْتِيارِهِ، بِما خَصَّصَها بِهِ بِعِلْمِهِ، بِأنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَتَقْدِيرُ السِّياقِ في هَذِهِ الآياتِ تَجِدُهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذا المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
السّادِسُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] فَكَما خَلَقَهم وحْدَهُ سُبْحانَهُ، اخْتارَ مِنهم مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكانُوا صَفْوَتَهُ مِن عِبادِهِ، وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، وكانَ هَذا الِاخْتِيارُ راجِعًا إلى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ، لِمَن هو أهْلٌ لَهُ. لا إلى اخْتِيارِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ واقْتِراحِهِمْ. فَسُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: (فَصْلٌ) فَإذا تَأمَّلْتَ أحْوالَ هَذا الخَلْقِ رَأيْتَ هَذا الِاخْتِيارَ والتَّخْصِيصَ فِيهِ، دالًّا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، ويَخْتارُ كاخْتِيارِهِ، ويُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ. فَهَذا الِاخْتِيارُ والتَّدْبِيرُ والتَّخْصِيصُ، المَشْهُورُ أثَرُهُ في هَذا العالَمِ، مِن أعْظَمِ آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وأكْبَرُ شَواهِدِ وحْدانِيَّتِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ. فَنُشِيرُ مِنهُ إلى شَيْءٍ يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ، دالًّا عَلى ما سِواهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ سَبْعًا. فاخْتارَ العُلْيا مِنها فَجَعَلَها مُسْتَقَرَّ المُقَرَّبِينَ مِن مَلائِكَتِهِ واخْتَصَّها بِالقُرْبِ مِن كُرْسِيِّهِ ومِن عَرْشِهِ. وأسْكَنَها مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ. فَلَها مَزِيَّةٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ السَّماواتِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُها مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وهَذا التَّفْضِيلُ والتَّخْصِيصُ، مَعَ تَساوِي (p-٤٧٢٣)مادَّةِ السَّماواتِ، مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ سُبْحانَهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ عَلى سائِرِ الجِنانِ، وتَخْصِيصُها بِأنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَها. وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَرَسَها بِيَدِهِ واخْتارَها لِخِيرَتِهِ مِن خَلْقِهِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، المُصْطَفَيْنَ مِنهم عَلى سائِرِهِمْ. كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ. وكَذَلِكَ اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ لِلْأنْبِياءِ مِن ولَدِ آدَمَ. واخْتِيارُ الرُّسُلِ مِنهم واخْتِيارُهُ أُولِي العَزْمِ مِنهم. واخْتِيارُهُ مِنهُمُ الخَلِيلَيْنِ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ ولَدَ إسْماعِيلَ مِن أجْناسِ أنْواعِ بَنِي آدَمَ. ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ اخْتارَ مِن ولَدِ كِنانَةَ قُرَيْشًا. ثُمَّ اخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. ثُمَّ اخْتارَ مِن بَنِي هاشِمٍ، سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وكَذَلِكَ اخْتارَ أصْحابَهُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ. واخْتارَ مِنهُمُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. واخْتارَ مِنهم أهْلَ بَدْرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. واخْتارَ لَهم مِنَ الدِّينِ أكْمَلَهُ، ومِنَ الشَّرائِعِ أفْضَلَها، ومِنَ الأخْلاقِ أزْكاها وأطْيَبَها وأطْهَرَها. واخْتارَ أُمَّتَهُ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها. وهي البَلَدُ الحَرامُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ. وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، كاشِفِي رُؤُوسِهِمْ، مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا. وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعَضَّدُ بِهِ شَجَرَةٌ، ولا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمَلُّكِ. بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ. فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ. وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ كَما في (السُّنَنِ). وأفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ. وعَشْرُهُ الأخِيرُ أفْضَلُ اللَّيالِي. ولَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. ويَوْمُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيّامِ العامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
وقَدْ أوْسَعَ المَقالَ وُجُودُ الِاسْتِدْلالِ. فَرَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ عَنْهُ وأرْضاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ الَّذِي لا يُزاحِمُ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ: ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]
القصص 28:69
(p-٤٧٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٩ - ٧١] ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]
﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ﴾ أيْ: تُخْفِي: ﴿صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: وهو المُسْتَحِقُّ لِلْأُلُوهِيَّةِ والعِبادَةِ وحْدَهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: لِأنَّهُ المَوْلى لِلنِّعَمِ كُلِّها في الدّارَيْنِ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ [القصص: ٧٠] أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في كُلِّ شَيْءٍ. يَقْهَرُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ. ويَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ إرادَتِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] أيْ: هَذا الكَلامَ الحَقَّ، سَماعَ تَدَبُّرٍ.
القصص 28:70
(p-٤٧٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٩ - ٧١] ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]
﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ﴾ أيْ: تُخْفِي: ﴿صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: وهو المُسْتَحِقُّ لِلْأُلُوهِيَّةِ والعِبادَةِ وحْدَهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: لِأنَّهُ المَوْلى لِلنِّعَمِ كُلِّها في الدّارَيْنِ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ [القصص: ٧٠] أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في كُلِّ شَيْءٍ. يَقْهَرُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ. ويَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ إرادَتِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] أيْ: هَذا الكَلامَ الحَقَّ، سَماعَ تَدَبُّرٍ.
القصص 28:71
(p-٤٧٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٩ - ٧١] ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]
﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ﴾ أيْ: تُخْفِي: ﴿صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: وهو المُسْتَحِقُّ لِلْأُلُوهِيَّةِ والعِبادَةِ وحْدَهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: لِأنَّهُ المَوْلى لِلنِّعَمِ كُلِّها في الدّارَيْنِ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ [القصص: ٧٠] أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في كُلِّ شَيْءٍ. يَقْهَرُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ. ويَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ إرادَتِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] أيْ: هَذا الكَلامَ الحَقَّ، سَماعَ تَدَبُّرٍ.
القصص 28:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢ - ٧٦] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] (p-٤٧٢٥)﴿ونَـزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ المَنفَعَةَ فَتَقُومُوا بِشُكْرِها: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في اللَّيْلِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في النَّهارِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: نِعَمَهُ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ، والجُسْمانِيَّةَ والرُّوحانِيَّةَ، بِاسْتِعْمالِها فِيما وجَبَ مِن طاعَتِهِ. وذَلِكَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] ﴿ونَـزَعْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: وأخْرَجْنا: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: نَبِيًّا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] ﴿فَقُلْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. أحَقٌّ هو أمْ لا؟ فَعَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وظَهَرَ بُرْهانُ النَّبِيِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: في الأُلُوهِيَّةِ، لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ: ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الضّائِعِ: ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: مِنَ الباطِلِ والمَذاهِبِ المُخْتَلِفَةِ، والطُّرُقِ المُتَشَعِّبَةِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِن شاكِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ. وقَوْمُ مُوسى، جَماعَتُهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وهُمُ القِبْطُ وطاغِيَتُهم فِرْعَوْنُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِالكِبْرِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الحِرْصُ ومَحَبَّةُ الدُّنْيا، لِغُرُورِهِ وتَعَزُّزِهِ بِرُؤْيَةِ زِينَةِ نَفْسِهِ:﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِنَ الأمْوالِ (p-٤٧٢٦)المُدَّخَرَةِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مَفاتِيحَ صَنادِيقِهِ. عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أوِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ. وقِيلَ خَزائِنُهُ: ﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: تَثْقُلُ: ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] أيِ: الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ البِغالِ: ﴿أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِزَخارِفِ الدُّنْيا فَرَحًا يَشْغَلُكَ عَنِ الشُّكْرِ فِيها والقِيامِ بِحَقِّها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: هَذا الفَرَحَ، لِما فِيهِ مِن إيثارِها عَنِ الآخِرَةِ، والرِّضا بِها عَنْها، والإخْلادِ إلَيْها. وذَلِكَ أصْلُ كُلِّ شَرٍّ ومَبْعَثُ كُلِّ فَسادٍ.
القصص 28:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢ - ٧٦] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] (p-٤٧٢٥)﴿ونَـزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ المَنفَعَةَ فَتَقُومُوا بِشُكْرِها: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في اللَّيْلِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في النَّهارِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: نِعَمَهُ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ، والجُسْمانِيَّةَ والرُّوحانِيَّةَ، بِاسْتِعْمالِها فِيما وجَبَ مِن طاعَتِهِ. وذَلِكَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] ﴿ونَـزَعْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: وأخْرَجْنا: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: نَبِيًّا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] ﴿فَقُلْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. أحَقٌّ هو أمْ لا؟ فَعَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وظَهَرَ بُرْهانُ النَّبِيِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: في الأُلُوهِيَّةِ، لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ: ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الضّائِعِ: ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: مِنَ الباطِلِ والمَذاهِبِ المُخْتَلِفَةِ، والطُّرُقِ المُتَشَعِّبَةِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِن شاكِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ. وقَوْمُ مُوسى، جَماعَتُهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وهُمُ القِبْطُ وطاغِيَتُهم فِرْعَوْنُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِالكِبْرِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الحِرْصُ ومَحَبَّةُ الدُّنْيا، لِغُرُورِهِ وتَعَزُّزِهِ بِرُؤْيَةِ زِينَةِ نَفْسِهِ:﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِنَ الأمْوالِ (p-٤٧٢٦)المُدَّخَرَةِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مَفاتِيحَ صَنادِيقِهِ. عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أوِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ. وقِيلَ خَزائِنُهُ: ﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: تَثْقُلُ: ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] أيِ: الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ البِغالِ: ﴿أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِزَخارِفِ الدُّنْيا فَرَحًا يَشْغَلُكَ عَنِ الشُّكْرِ فِيها والقِيامِ بِحَقِّها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: هَذا الفَرَحَ، لِما فِيهِ مِن إيثارِها عَنِ الآخِرَةِ، والرِّضا بِها عَنْها، والإخْلادِ إلَيْها. وذَلِكَ أصْلُ كُلِّ شَرٍّ ومَبْعَثُ كُلِّ فَسادٍ.
القصص 28:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢ - ٧٦] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] (p-٤٧٢٥)﴿ونَـزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ المَنفَعَةَ فَتَقُومُوا بِشُكْرِها: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في اللَّيْلِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في النَّهارِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: نِعَمَهُ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ، والجُسْمانِيَّةَ والرُّوحانِيَّةَ، بِاسْتِعْمالِها فِيما وجَبَ مِن طاعَتِهِ. وذَلِكَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] ﴿ونَـزَعْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: وأخْرَجْنا: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: نَبِيًّا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] ﴿فَقُلْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. أحَقٌّ هو أمْ لا؟ فَعَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وظَهَرَ بُرْهانُ النَّبِيِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: في الأُلُوهِيَّةِ، لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ: ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الضّائِعِ: ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: مِنَ الباطِلِ والمَذاهِبِ المُخْتَلِفَةِ، والطُّرُقِ المُتَشَعِّبَةِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِن شاكِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ. وقَوْمُ مُوسى، جَماعَتُهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وهُمُ القِبْطُ وطاغِيَتُهم فِرْعَوْنُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِالكِبْرِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الحِرْصُ ومَحَبَّةُ الدُّنْيا، لِغُرُورِهِ وتَعَزُّزِهِ بِرُؤْيَةِ زِينَةِ نَفْسِهِ:﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِنَ الأمْوالِ (p-٤٧٢٦)المُدَّخَرَةِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مَفاتِيحَ صَنادِيقِهِ. عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أوِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ. وقِيلَ خَزائِنُهُ: ﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: تَثْقُلُ: ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] أيِ: الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ البِغالِ: ﴿أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِزَخارِفِ الدُّنْيا فَرَحًا يَشْغَلُكَ عَنِ الشُّكْرِ فِيها والقِيامِ بِحَقِّها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: هَذا الفَرَحَ، لِما فِيهِ مِن إيثارِها عَنِ الآخِرَةِ، والرِّضا بِها عَنْها، والإخْلادِ إلَيْها. وذَلِكَ أصْلُ كُلِّ شَرٍّ ومَبْعَثُ كُلِّ فَسادٍ.
القصص 28:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢ - ٧٦] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] (p-٤٧٢٥)﴿ونَـزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ المَنفَعَةَ فَتَقُومُوا بِشُكْرِها: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في اللَّيْلِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في النَّهارِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: نِعَمَهُ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ، والجُسْمانِيَّةَ والرُّوحانِيَّةَ، بِاسْتِعْمالِها فِيما وجَبَ مِن طاعَتِهِ. وذَلِكَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] ﴿ونَـزَعْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: وأخْرَجْنا: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: نَبِيًّا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] ﴿فَقُلْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. أحَقٌّ هو أمْ لا؟ فَعَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وظَهَرَ بُرْهانُ النَّبِيِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: في الأُلُوهِيَّةِ، لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ: ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الضّائِعِ: ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: مِنَ الباطِلِ والمَذاهِبِ المُخْتَلِفَةِ، والطُّرُقِ المُتَشَعِّبَةِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِن شاكِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ. وقَوْمُ مُوسى، جَماعَتُهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وهُمُ القِبْطُ وطاغِيَتُهم فِرْعَوْنُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِالكِبْرِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الحِرْصُ ومَحَبَّةُ الدُّنْيا، لِغُرُورِهِ وتَعَزُّزِهِ بِرُؤْيَةِ زِينَةِ نَفْسِهِ:﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِنَ الأمْوالِ (p-٤٧٢٦)المُدَّخَرَةِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مَفاتِيحَ صَنادِيقِهِ. عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أوِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ. وقِيلَ خَزائِنُهُ: ﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: تَثْقُلُ: ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] أيِ: الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ البِغالِ: ﴿أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِزَخارِفِ الدُّنْيا فَرَحًا يَشْغَلُكَ عَنِ الشُّكْرِ فِيها والقِيامِ بِحَقِّها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: هَذا الفَرَحَ، لِما فِيهِ مِن إيثارِها عَنِ الآخِرَةِ، والرِّضا بِها عَنْها، والإخْلادِ إلَيْها. وذَلِكَ أصْلُ كُلِّ شَرٍّ ومَبْعَثُ كُلِّ فَسادٍ.
القصص 28:76
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢ - ٧٦] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] (p-٤٧٢٥)﴿ونَـزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ المَنفَعَةَ فَتَقُومُوا بِشُكْرِها: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في اللَّيْلِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: في النَّهارِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] أيْ: نِعَمَهُ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ، والجُسْمانِيَّةَ والرُّوحانِيَّةَ، بِاسْتِعْمالِها فِيما وجَبَ مِن طاعَتِهِ. وذَلِكَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤] ﴿ونَـزَعْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: وأخْرَجْنا: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: نَبِيًّا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] ﴿فَقُلْنا﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. أحَقٌّ هو أمْ لا؟ فَعَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وظَهَرَ بُرْهانُ النَّبِيِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: في الأُلُوهِيَّةِ، لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ: ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الضّائِعِ: ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] أيْ: مِنَ الباطِلِ والمَذاهِبِ المُخْتَلِفَةِ، والطُّرُقِ المُتَشَعِّبَةِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِن شاكِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ. وقَوْمُ مُوسى، جَماعَتُهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وهُمُ القِبْطُ وطاغِيَتُهم فِرْعَوْنُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِالكِبْرِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الحِرْصُ ومَحَبَّةُ الدُّنْيا، لِغُرُورِهِ وتَعَزُّزِهِ بِرُؤْيَةِ زِينَةِ نَفْسِهِ:﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مِنَ الأمْوالِ (p-٤٧٢٦)المُدَّخَرَةِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: مَفاتِيحَ صَنادِيقِهِ. عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أوِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ. وقِيلَ خَزائِنُهُ: ﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: تَثْقُلُ: ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] أيِ: الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ البِغالِ: ﴿أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: بِزَخارِفِ الدُّنْيا فَرَحًا يَشْغَلُكَ عَنِ الشُّكْرِ فِيها والقِيامِ بِحَقِّها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ: هَذا الفَرَحَ، لِما فِيهِ مِن إيثارِها عَنِ الآخِرَةِ، والرِّضا بِها عَنْها، والإخْلادِ إلَيْها. وذَلِكَ أصْلُ كُلِّ شَرٍّ ومَبْعَثُ كُلِّ فَسادٍ.
القصص 28:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ - ٧٨] ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ﴾ أيِ: اطْلُبْ مِنَ الغَنِيِّ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ، بَعْدَ الفاقَةِ: ﴿الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: بِأنْ تَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ الخَيْرِ مِن أصْنافِ الواجِبِ والمَندُوبِ. وتَجْعَلُهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ وهو أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يُصْلِحُكَ ويُرَفِّهُكَ: ﴿وأحْسِنْ﴾ أيْ: إلى النّاسِ. أوِ افْعَلِ الإحْسانَ مِن وُجُوهِهِ المَعْرُوفَةِ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِهَذا المالِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبَ صَلاحِها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] أيْ: بِطُرُقِ التِّجارَةِ أوِ المَكاسِبِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ [القصص: ٧٨] أيْ: مِمّا سَمِعَ بِالتَّواتُرِ: ﴿أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ﴾ [القصص: ٧٨] أيِ: الكَثِيرَةِ، بِحَيْثُ صارَتْ سُنَّةً لَهُ: ﴿مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] أيْ: بِالأمْوالِ والأتْباعِ: ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ (p-٤٧٢٧)المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] أيْ: لا يَتَوَقَّفُ إهْلاكُهُ إيّاهم عَلى سُؤالٍ، لِيَعْتَذِرُوا عَنْها. بَلْ مَتى حَقَّ عَلَيْها القَوْلُ بِفِسْقِهِمْ، أهْلَكَهم بَغْتَةً بِلا مُعاتَبَةٍ وطَلَبِ عُذْرٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ قارُونَ لَمْ يَعْتَبِرْ بِذَلِكَ، ولا بِنَصِيحَةِ قَوْمِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القصص 28:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ - ٧٨] ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ﴾ أيِ: اطْلُبْ مِنَ الغَنِيِّ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ، بَعْدَ الفاقَةِ: ﴿الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: بِأنْ تَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ الخَيْرِ مِن أصْنافِ الواجِبِ والمَندُوبِ. وتَجْعَلُهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ وهو أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يُصْلِحُكَ ويُرَفِّهُكَ: ﴿وأحْسِنْ﴾ أيْ: إلى النّاسِ. أوِ افْعَلِ الإحْسانَ مِن وُجُوهِهِ المَعْرُوفَةِ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِهَذا المالِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبَ صَلاحِها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] أيْ: بِطُرُقِ التِّجارَةِ أوِ المَكاسِبِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ [القصص: ٧٨] أيْ: مِمّا سَمِعَ بِالتَّواتُرِ: ﴿أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ﴾ [القصص: ٧٨] أيِ: الكَثِيرَةِ، بِحَيْثُ صارَتْ سُنَّةً لَهُ: ﴿مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] أيْ: بِالأمْوالِ والأتْباعِ: ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ (p-٤٧٢٧)المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] أيْ: لا يَتَوَقَّفُ إهْلاكُهُ إيّاهم عَلى سُؤالٍ، لِيَعْتَذِرُوا عَنْها. بَلْ مَتى حَقَّ عَلَيْها القَوْلُ بِفِسْقِهِمْ، أهْلَكَهم بَغْتَةً بِلا مُعاتَبَةٍ وطَلَبِ عُذْرٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ قارُونَ لَمْ يَعْتَبِرْ بِذَلِكَ، ولا بِنَصِيحَةِ قَوْمِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القصص 28:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩ - ٨٢] ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]
﴿فَخَرَجَ﴾ أيْ: قارُونُ باغِيًا: ﴿عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ أيْ: مُغْتَرًّا بِالنَّظَرِ فِيها: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: جَرْيًا عَلى سُنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، مِنَ الرَّغْبَةِ في السِّعَةِ واليَسارِ: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ: ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي فاهَ بِها الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ. أوِ الجَنَّةُ. أوِ السِّيرَةُ والطَّرِيقَةُ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ: ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: عَلى الطّاعاتِ عَنِ الشَّهَواتِ، وعَلى زِمامِ النَّفْسِ أنْ (p-٤٧٢٨)تَجْرِيَ في أعْقابِ المُزَخْرَفاتِ. و(ويْلَكَ) في الأصْلِ دُعاءٌ بِالهَلاكِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الزَّجْرُ عَنْ هَذا التَّمَنِّي، مَجازًا. وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ﴾ [القصص: ٨١] أيِ: المُشْتَمِلَةِ عَلى أمْوالِهِ: ﴿الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨١] أيْ: بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] أيْ: بِقُوَّةِ نَفْسِهِ ومالِهِ: ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: مِن شَقِيٍّ وسَعِيدٍ: ﴿ويَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: يَقْبِضُ. فَلا دَلالَةَ في البَسْطِ عَلى السَّعادَةِ. ولا في القَبْضِ عَلى الشَّقاوَةِ. بَلْ يَفْعَلُ سُبْحانَهُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ، ولا لِهَوانٍ يَقْتَضِي القَبْضَ: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: بِعَدَمِ إيتائِهِ مُتَمَنّانا: ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: كَما خَسَفَ بِهِ: ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: لِنِعْمَةِ اللَّهِ في صَرْفِها في غَيْرِ سَبِيلِها. أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ اغْتِرارًا بِزَخارِفِهِمْ.
فائِدَةً:
فِي ﴿ويْكَأنَّ﴾ [القصص: ٨٢] مَذاهِبُ:
الأوَّلُ: أنَّ (ويْ) كَلِمَةٌ بِرَأْسِها. وهي اسْمُ فِعْلٍ، مَعْناها أعْجَبُ. أيْ: أنا. والكافُ لِلتَّعْلِيلِ. و(أنَّ) وما في حَيِّزِها مَجْرُورَةٌ بِها. أيْ: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ إلَخْ. وقِياسُ هَذا القَوْلِ أنْ يُوقَفَ عَلى (ويْ) وحْدَها، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن (ويْ) لِلتَّعَجُّبِ (وكَأنَّ) لِلتَّشْبِيهِ. والمَعْنى: ما أشْبَهَ الأمْرَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ. أيْ: ما أشْبَهَ أمْرَ الدُّنْيا والنّاسِ مُطْلَقًا إلى آخِرِ أمْرِ قارُونَ وما شُوهِدَ مِن قِصَّتِهِ. والأمْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّمِيرِ. فَإنَّهُ لِلشَّأْنِ. والمُرادُ مِن تَشْبِيهِ الحالِ بِهَذِهِ الحالِ، أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ وشُهْرَتِهِ، يَصْلُحُ أنْ يُشَبَّهَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ. كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشْفِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهُمْ: (كَأنَّ) هُنا لِلتَّشْبِيهِ. إلّا أنَّهُ ذَهَبَ مِنها مَعْناهُ. وصارَتْ لِلْخَبَرِ واليَقِينِ. وهَذا أيْضًا يُناسِبُهُ الوَقْفُ عَلى (ويْ).
(p-٤٧٢٩)الرّابِعُ: زَعَمَ الهَمْدانِيُّ في (الفَرائِدِ) أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّ (ويْ) لِلتَّنَدُّمِ. و(كَأنَّ) لِلتَّعَجُّبِ. والمَعْنى: نَدِمُوا مُتَعَجِّبِينَ في أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ إلَخْ.
قالَ الشِّهابُ: وكَوْنُ (كَأنَّ) لِلتَّعَجُّبِ، لَمْ يُعْهَدْ.
الخامِسُ: ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن (ويْكَ) بِمَعْنى (ويْلَكَ) فَخُفِّفَ بِحَذْفِ اللّامِ. والعامِلُ في (أنِ) اعْلَمِ، المُقَدَّرُ. والكافُ عَلى هَذا ضَمِيرٌ في مَحَلِّ جَرٍّ. وهَذا يُناسِبُ الوَقْفَ عَلى الكافِ. وقَدْ فَعَلَهُ أبُو عَمْرٍو.
السّادِسُ: أنَّ (ويْكَ) كَلِمَةٌ بِرَأْسِها. والكافُ حَرْفُ خِطابٍ. ويُقَرِّبُ هَذا مِمّا قَبْلَهُ. قالَ أبُو البَقاءِ: وهو ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ مَعْنى الخِطابِ هُنا بَعِيدٌ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ (ويِ) اعْلَمْ، لا نَظِيرَ لَهُ، وهو غَيْرُ سائِغٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ. انْتَهى.
السّابِعُ: أنَّ (ويْكَأنَّ) كُلَّها كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَسِيطَةٌ. ومَعْناها ألَمْ تَرَ. ورُبَّما نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ أنَّها بِمَعْنى: (أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ)، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّها بِمَعْنى: (رَحْمَةٌ لَكَ) في لُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمْ يُرْسَمْ في القُرْآنِ إلّا (ويْكَأنَّ) و(ويْكَأنَّهُ) مُتَّصِلَةٌ في المَوْضِعَيْنِ. فَعامَّةُ القُرّاءِ اتَّبَعُوا الرَّسْمَ. والكِسائِيُّ وقَفَ عَلى (ويْ) وأبُو عَمْرٍو عَلى (ويْكَ).
وهَذا ما يُسْتَفادُ مِن حَواشِي القاضِي والسَّمِينِ. وعِنْدِي أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (ويْ) لِلتَّعَجُّبِ و(كَأنَّ) الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ وهي أحَدُ مَعانِيها المَعْرُوفَةِ. والوَقْفُ عَلى (ويْ). ولا يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ كِتابَتُها في المَصاحِفِ مُتَّصِلَةً، لِأنَّ الكِتابَةَ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - أمْرٌ وضْعِيٌّ اصْطِلاحِيٌّ، والمَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ العَرَبِيِّ.
وقَدِ اتَّفَقَ اللُّغَوِيُّونَ عَلى أنَّ (ويْ) كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ. يُقالُ (ويْكَ) و(ويْ لِزَيْدٍ )، وتَدْخُلُ عَلى (كَأنِ) المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ، ومِن شَواهِدِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سالَتانِي الطَّلاقَ. أنْ رَأتانِي قَلَّ مالِي. قَدْ جِئْتُمانِي بِنُكْرِ
؎ويْ كَأنْ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
وهَذا البَيْتُ مِمّا يَدُلُّ عَلى ما اسْتَظْهَرَتْهُ، بَلَهَ الِاسْتِعْمالِ إلى هَذِهِ الأجْيالِ.
(p-٤٧٣٠)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ذُكِرَ هَهُنا إسْرائِيلِيّاتٌ، أضْرَبْنا عَنْها صَفْحًا. ونَحْنُ تَأسَّيْنا بِهِ، بَلْ فُقْناهُ في الإضْرابِ عَنْ كَثِيرٍ مِن مَرْوِيِّهِ، المَوْقُوفِ والضَّعِيفِ الَّذِي سُوِّدَتْ بِهِ الصُّحُفُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مُقابِلِ حالِ قارُونَ، مِن حالِ خُلَّصِ عِبادِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القصص 28:80
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩ - ٨٢] ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]
﴿فَخَرَجَ﴾ أيْ: قارُونُ باغِيًا: ﴿عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ أيْ: مُغْتَرًّا بِالنَّظَرِ فِيها: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: جَرْيًا عَلى سُنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، مِنَ الرَّغْبَةِ في السِّعَةِ واليَسارِ: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ: ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي فاهَ بِها الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ. أوِ الجَنَّةُ. أوِ السِّيرَةُ والطَّرِيقَةُ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ: ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: عَلى الطّاعاتِ عَنِ الشَّهَواتِ، وعَلى زِمامِ النَّفْسِ أنْ (p-٤٧٢٨)تَجْرِيَ في أعْقابِ المُزَخْرَفاتِ. و(ويْلَكَ) في الأصْلِ دُعاءٌ بِالهَلاكِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الزَّجْرُ عَنْ هَذا التَّمَنِّي، مَجازًا. وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ﴾ [القصص: ٨١] أيِ: المُشْتَمِلَةِ عَلى أمْوالِهِ: ﴿الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨١] أيْ: بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] أيْ: بِقُوَّةِ نَفْسِهِ ومالِهِ: ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: مِن شَقِيٍّ وسَعِيدٍ: ﴿ويَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: يَقْبِضُ. فَلا دَلالَةَ في البَسْطِ عَلى السَّعادَةِ. ولا في القَبْضِ عَلى الشَّقاوَةِ. بَلْ يَفْعَلُ سُبْحانَهُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ، ولا لِهَوانٍ يَقْتَضِي القَبْضَ: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: بِعَدَمِ إيتائِهِ مُتَمَنّانا: ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: كَما خَسَفَ بِهِ: ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: لِنِعْمَةِ اللَّهِ في صَرْفِها في غَيْرِ سَبِيلِها. أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ اغْتِرارًا بِزَخارِفِهِمْ.
فائِدَةً:
فِي ﴿ويْكَأنَّ﴾ [القصص: ٨٢] مَذاهِبُ:
الأوَّلُ: أنَّ (ويْ) كَلِمَةٌ بِرَأْسِها. وهي اسْمُ فِعْلٍ، مَعْناها أعْجَبُ. أيْ: أنا. والكافُ لِلتَّعْلِيلِ. و(أنَّ) وما في حَيِّزِها مَجْرُورَةٌ بِها. أيْ: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ إلَخْ. وقِياسُ هَذا القَوْلِ أنْ يُوقَفَ عَلى (ويْ) وحْدَها، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن (ويْ) لِلتَّعَجُّبِ (وكَأنَّ) لِلتَّشْبِيهِ. والمَعْنى: ما أشْبَهَ الأمْرَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ. أيْ: ما أشْبَهَ أمْرَ الدُّنْيا والنّاسِ مُطْلَقًا إلى آخِرِ أمْرِ قارُونَ وما شُوهِدَ مِن قِصَّتِهِ. والأمْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّمِيرِ. فَإنَّهُ لِلشَّأْنِ. والمُرادُ مِن تَشْبِيهِ الحالِ بِهَذِهِ الحالِ، أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ وشُهْرَتِهِ، يَصْلُحُ أنْ يُشَبَّهَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ. كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشْفِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهُمْ: (كَأنَّ) هُنا لِلتَّشْبِيهِ. إلّا أنَّهُ ذَهَبَ مِنها مَعْناهُ. وصارَتْ لِلْخَبَرِ واليَقِينِ. وهَذا أيْضًا يُناسِبُهُ الوَقْفُ عَلى (ويْ).
(p-٤٧٢٩)الرّابِعُ: زَعَمَ الهَمْدانِيُّ في (الفَرائِدِ) أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّ (ويْ) لِلتَّنَدُّمِ. و(كَأنَّ) لِلتَّعَجُّبِ. والمَعْنى: نَدِمُوا مُتَعَجِّبِينَ في أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ إلَخْ.
قالَ الشِّهابُ: وكَوْنُ (كَأنَّ) لِلتَّعَجُّبِ، لَمْ يُعْهَدْ.
الخامِسُ: ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن (ويْكَ) بِمَعْنى (ويْلَكَ) فَخُفِّفَ بِحَذْفِ اللّامِ. والعامِلُ في (أنِ) اعْلَمِ، المُقَدَّرُ. والكافُ عَلى هَذا ضَمِيرٌ في مَحَلِّ جَرٍّ. وهَذا يُناسِبُ الوَقْفَ عَلى الكافِ. وقَدْ فَعَلَهُ أبُو عَمْرٍو.
السّادِسُ: أنَّ (ويْكَ) كَلِمَةٌ بِرَأْسِها. والكافُ حَرْفُ خِطابٍ. ويُقَرِّبُ هَذا مِمّا قَبْلَهُ. قالَ أبُو البَقاءِ: وهو ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ مَعْنى الخِطابِ هُنا بَعِيدٌ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ (ويِ) اعْلَمْ، لا نَظِيرَ لَهُ، وهو غَيْرُ سائِغٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ. انْتَهى.
السّابِعُ: أنَّ (ويْكَأنَّ) كُلَّها كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَسِيطَةٌ. ومَعْناها ألَمْ تَرَ. ورُبَّما نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ أنَّها بِمَعْنى: (أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ)، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّها بِمَعْنى: (رَحْمَةٌ لَكَ) في لُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمْ يُرْسَمْ في القُرْآنِ إلّا (ويْكَأنَّ) و(ويْكَأنَّهُ) مُتَّصِلَةٌ في المَوْضِعَيْنِ. فَعامَّةُ القُرّاءِ اتَّبَعُوا الرَّسْمَ. والكِسائِيُّ وقَفَ عَلى (ويْ) وأبُو عَمْرٍو عَلى (ويْكَ).
وهَذا ما يُسْتَفادُ مِن حَواشِي القاضِي والسَّمِينِ. وعِنْدِي أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (ويْ) لِلتَّعَجُّبِ و(كَأنَّ) الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ وهي أحَدُ مَعانِيها المَعْرُوفَةِ. والوَقْفُ عَلى (ويْ). ولا يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ كِتابَتُها في المَصاحِفِ مُتَّصِلَةً، لِأنَّ الكِتابَةَ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - أمْرٌ وضْعِيٌّ اصْطِلاحِيٌّ، والمَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ العَرَبِيِّ.
وقَدِ اتَّفَقَ اللُّغَوِيُّونَ عَلى أنَّ (ويْ) كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ. يُقالُ (ويْكَ) و(ويْ لِزَيْدٍ )، وتَدْخُلُ عَلى (كَأنِ) المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ، ومِن شَواهِدِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سالَتانِي الطَّلاقَ. أنْ رَأتانِي قَلَّ مالِي. قَدْ جِئْتُمانِي بِنُكْرِ
؎ويْ كَأنْ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
وهَذا البَيْتُ مِمّا يَدُلُّ عَلى ما اسْتَظْهَرَتْهُ، بَلَهَ الِاسْتِعْمالِ إلى هَذِهِ الأجْيالِ.
(p-٤٧٣٠)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ذُكِرَ هَهُنا إسْرائِيلِيّاتٌ، أضْرَبْنا عَنْها صَفْحًا. ونَحْنُ تَأسَّيْنا بِهِ، بَلْ فُقْناهُ في الإضْرابِ عَنْ كَثِيرٍ مِن مَرْوِيِّهِ، المَوْقُوفِ والضَّعِيفِ الَّذِي سُوِّدَتْ بِهِ الصُّحُفُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مُقابِلِ حالِ قارُونَ، مِن حالِ خُلَّصِ عِبادِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القصص 28:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩ - ٨٢] ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]
﴿فَخَرَجَ﴾ أيْ: قارُونُ باغِيًا: ﴿عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ أيْ: مُغْتَرًّا بِالنَّظَرِ فِيها: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: جَرْيًا عَلى سُنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، مِنَ الرَّغْبَةِ في السِّعَةِ واليَسارِ: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ: ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي فاهَ بِها الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ. أوِ الجَنَّةُ. أوِ السِّيرَةُ والطَّرِيقَةُ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ: ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: عَلى الطّاعاتِ عَنِ الشَّهَواتِ، وعَلى زِمامِ النَّفْسِ أنْ (p-٤٧٢٨)تَجْرِيَ في أعْقابِ المُزَخْرَفاتِ. و(ويْلَكَ) في الأصْلِ دُعاءٌ بِالهَلاكِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الزَّجْرُ عَنْ هَذا التَّمَنِّي، مَجازًا. وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ﴾ [القصص: ٨١] أيِ: المُشْتَمِلَةِ عَلى أمْوالِهِ: ﴿الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨١] أيْ: بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] أيْ: بِقُوَّةِ نَفْسِهِ ومالِهِ: ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: مِن شَقِيٍّ وسَعِيدٍ: ﴿ويَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: يَقْبِضُ. فَلا دَلالَةَ في البَسْطِ عَلى السَّعادَةِ. ولا في القَبْضِ عَلى الشَّقاوَةِ. بَلْ يَفْعَلُ سُبْحانَهُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ، ولا لِهَوانٍ يَقْتَضِي القَبْضَ: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: بِعَدَمِ إيتائِهِ مُتَمَنّانا: ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: كَما خَسَفَ بِهِ: ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: لِنِعْمَةِ اللَّهِ في صَرْفِها في غَيْرِ سَبِيلِها. أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ اغْتِرارًا بِزَخارِفِهِمْ.
فائِدَةً:
فِي ﴿ويْكَأنَّ﴾ [القصص: ٨٢] مَذاهِبُ:
الأوَّلُ: أنَّ (ويْ) كَلِمَةٌ بِرَأْسِها. وهي اسْمُ فِعْلٍ، مَعْناها أعْجَبُ. أيْ: أنا. والكافُ لِلتَّعْلِيلِ. و(أنَّ) وما في حَيِّزِها مَجْرُورَةٌ بِها. أيْ: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ إلَخْ. وقِياسُ هَذا القَوْلِ أنْ يُوقَفَ عَلى (ويْ) وحْدَها، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن (ويْ) لِلتَّعَجُّبِ (وكَأنَّ) لِلتَّشْبِيهِ. والمَعْنى: ما أشْبَهَ الأمْرَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ. أيْ: ما أشْبَهَ أمْرَ الدُّنْيا والنّاسِ مُطْلَقًا إلى آخِرِ أمْرِ قارُونَ وما شُوهِدَ مِن قِصَّتِهِ. والأمْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّمِيرِ. فَإنَّهُ لِلشَّأْنِ. والمُرادُ مِن تَشْبِيهِ الحالِ بِهَذِهِ الحالِ، أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ وشُهْرَتِهِ، يَصْلُحُ أنْ يُشَبَّهَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ. كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشْفِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهُمْ: (كَأنَّ) هُنا لِلتَّشْبِيهِ. إلّا أنَّهُ ذَهَبَ مِنها مَعْناهُ. وصارَتْ لِلْخَبَرِ واليَقِينِ. وهَذا أيْضًا يُناسِبُهُ الوَقْفُ عَلى (ويْ).
(p-٤٧٢٩)الرّابِعُ: زَعَمَ الهَمْدانِيُّ في (الفَرائِدِ) أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّ (ويْ) لِلتَّنَدُّمِ. و(كَأنَّ) لِلتَّعَجُّبِ. والمَعْنى: نَدِمُوا مُتَعَجِّبِينَ في أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ إلَخْ.
قالَ الشِّهابُ: وكَوْنُ (كَأنَّ) لِلتَّعَجُّبِ، لَمْ يُعْهَدْ.
الخامِسُ: ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن (ويْكَ) بِمَعْنى (ويْلَكَ) فَخُفِّفَ بِحَذْفِ اللّامِ. والعامِلُ في (أنِ) اعْلَمِ، المُقَدَّرُ. والكافُ عَلى هَذا ضَمِيرٌ في مَحَلِّ جَرٍّ. وهَذا يُناسِبُ الوَقْفَ عَلى الكافِ. وقَدْ فَعَلَهُ أبُو عَمْرٍو.
السّادِسُ: أنَّ (ويْكَ) كَلِمَةٌ بِرَأْسِها. والكافُ حَرْفُ خِطابٍ. ويُقَرِّبُ هَذا مِمّا قَبْلَهُ. قالَ أبُو البَقاءِ: وهو ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ مَعْنى الخِطابِ هُنا بَعِيدٌ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ (ويِ) اعْلَمْ، لا نَظِيرَ لَهُ، وهو غَيْرُ سائِغٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ. انْتَهى.
السّابِعُ: أنَّ (ويْكَأنَّ) كُلَّها كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَسِيطَةٌ. ومَعْناها ألَمْ تَرَ. ورُبَّما نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ أنَّها بِمَعْنى: (أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ)، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّها بِمَعْنى: (رَحْمَةٌ لَكَ) في لُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمْ يُرْسَمْ في القُرْآنِ إلّا (ويْكَأنَّ) و(ويْكَأنَّهُ) مُتَّصِلَةٌ في المَوْضِعَيْنِ. فَعامَّةُ القُرّاءِ اتَّبَعُوا الرَّسْمَ. والكِسائِيُّ وقَفَ عَلى (ويْ) وأبُو عَمْرٍو عَلى (ويْكَ).
وهَذا ما يُسْتَفادُ مِن حَواشِي القاضِي والسَّمِينِ. وعِنْدِي أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (ويْ) لِلتَّعَجُّبِ و(كَأنَّ) الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ وهي أحَدُ مَعانِيها المَعْرُوفَةِ. والوَقْفُ عَلى (ويْ). ولا يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ كِتابَتُها في المَصاحِفِ مُتَّصِلَةً، لِأنَّ الكِتابَةَ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - أمْرٌ وضْعِيٌّ اصْطِلاحِيٌّ، والمَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ العَرَبِيِّ.
وقَدِ اتَّفَقَ اللُّغَوِيُّونَ عَلى أنَّ (ويْ) كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ. يُقالُ (ويْكَ) و(ويْ لِزَيْدٍ )، وتَدْخُلُ عَلى (كَأنِ) المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ، ومِن شَواهِدِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سالَتانِي الطَّلاقَ. أنْ رَأتانِي قَلَّ مالِي. قَدْ جِئْتُمانِي بِنُكْرِ
؎ويْ كَأنْ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
وهَذا البَيْتُ مِمّا يَدُلُّ عَلى ما اسْتَظْهَرَتْهُ، بَلَهَ الِاسْتِعْمالِ إلى هَذِهِ الأجْيالِ.
(p-٤٧٣٠)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ذُكِرَ هَهُنا إسْرائِيلِيّاتٌ، أضْرَبْنا عَنْها صَفْحًا. ونَحْنُ تَأسَّيْنا بِهِ، بَلْ فُقْناهُ في الإضْرابِ عَنْ كَثِيرٍ مِن مَرْوِيِّهِ، المَوْقُوفِ والضَّعِيفِ الَّذِي سُوِّدَتْ بِهِ الصُّحُفُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مُقابِلِ حالِ قارُونَ، مِن حالِ خُلَّصِ عِبادِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القصص 28:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩ - ٨٢] ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]
﴿فَخَرَجَ﴾ أيْ: قارُونُ باغِيًا: ﴿عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ أيْ: مُغْتَرًّا بِالنَّظَرِ فِيها: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: جَرْيًا عَلى سُنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، مِنَ الرَّغْبَةِ في السِّعَةِ واليَسارِ: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ: ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي فاهَ بِها الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ. أوِ الجَنَّةُ. أوِ السِّيرَةُ والطَّرِيقَةُ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ: ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] أيْ: عَلى الطّاعاتِ عَنِ الشَّهَواتِ، وعَلى زِمامِ النَّفْسِ أنْ (p-٤٧٢٨)تَجْرِيَ في أعْقابِ المُزَخْرَفاتِ. و(ويْلَكَ) في الأصْلِ دُعاءٌ بِالهَلاكِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الزَّجْرُ عَنْ هَذا التَّمَنِّي، مَجازًا. وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ﴾ [القصص: ٨١] أيِ: المُشْتَمِلَةِ عَلى أمْوالِهِ: ﴿الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨١] أيْ: بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] أيْ: بِقُوَّةِ نَفْسِهِ ومالِهِ: ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: مِن شَقِيٍّ وسَعِيدٍ: ﴿ويَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: يَقْبِضُ. فَلا دَلالَةَ في البَسْطِ عَلى السَّعادَةِ. ولا في القَبْضِ عَلى الشَّقاوَةِ. بَلْ يَفْعَلُ سُبْحانَهُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ، ولا لِهَوانٍ يَقْتَضِي القَبْضَ: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: بِعَدَمِ إيتائِهِ مُتَمَنّانا: ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: كَما خَسَفَ بِهِ: ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢] أيْ: لِنِعْمَةِ اللَّهِ في صَرْفِها في غَيْرِ سَبِيلِها. أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ اغْتِرارًا بِزَخارِفِهِمْ.
فائِدَةً:
فِي ﴿ويْكَأنَّ﴾ [القصص: ٨٢] مَذاهِبُ:
الأوَّلُ: أنَّ (ويْ) كَلِمَةٌ بِرَأْسِها. وهي اسْمُ فِعْلٍ، مَعْناها أعْجَبُ. أيْ: أنا. والكافُ لِلتَّعْلِيلِ. و(أنَّ) وما في حَيِّزِها مَجْرُورَةٌ بِها. أيْ: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ إلَخْ. وقِياسُ هَذا القَوْلِ أنْ يُوقَفَ عَلى (ويْ) وحْدَها، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن (ويْ) لِلتَّعَجُّبِ (وكَأنَّ) لِلتَّشْبِيهِ. والمَعْنى: ما أشْبَهَ الأمْرَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ. أيْ: ما أشْبَهَ أمْرَ الدُّنْيا والنّاسِ مُطْلَقًا إلى آخِرِ أمْرِ قارُونَ وما شُوهِدَ مِن قِصَّتِهِ. والأمْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّمِيرِ. فَإنَّهُ لِلشَّأْنِ. والمُرادُ مِن تَشْبِيهِ الحالِ بِهَذِهِ الحالِ، أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ وشُهْرَتِهِ، يَصْلُحُ أنْ يُشَبَّهَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ. كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشْفِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهُمْ: (كَأنَّ) هُنا لِلتَّشْبِيهِ. إلّا أنَّهُ ذَهَبَ مِنها مَعْناهُ. وصارَتْ لِلْخَبَرِ واليَقِينِ. وهَذا أيْضًا يُناسِبُهُ الوَقْفُ عَلى (ويْ).
(p-٤٧٢٩)الرّابِعُ: زَعَمَ الهَمْدانِيُّ في (الفَرائِدِ) أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّ (ويْ) لِلتَّنَدُّمِ. و(كَأنَّ) لِلتَّعَجُّبِ. والمَعْنى: نَدِمُوا مُتَعَجِّبِينَ في أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ إلَخْ.
قالَ الشِّهابُ: وكَوْنُ (كَأنَّ) لِلتَّعَجُّبِ، لَمْ يُعْهَدْ.
الخامِسُ: ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن (ويْكَ) بِمَعْنى (ويْلَكَ) فَخُفِّفَ بِحَذْفِ اللّامِ. والعامِلُ في (أنِ) اعْلَمِ، المُقَدَّرُ. والكافُ عَلى هَذا ضَمِيرٌ في مَحَلِّ جَرٍّ. وهَذا يُناسِبُ الوَقْفَ عَلى الكافِ. وقَدْ فَعَلَهُ أبُو عَمْرٍو.
السّادِسُ: أنَّ (ويْكَ) كَلِمَةٌ بِرَأْسِها. والكافُ حَرْفُ خِطابٍ. ويُقَرِّبُ هَذا مِمّا قَبْلَهُ. قالَ أبُو البَقاءِ: وهو ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ مَعْنى الخِطابِ هُنا بَعِيدٌ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ (ويِ) اعْلَمْ، لا نَظِيرَ لَهُ، وهو غَيْرُ سائِغٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ. انْتَهى.
السّابِعُ: أنَّ (ويْكَأنَّ) كُلَّها كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَسِيطَةٌ. ومَعْناها ألَمْ تَرَ. ورُبَّما نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ أنَّها بِمَعْنى: (أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ)، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّها بِمَعْنى: (رَحْمَةٌ لَكَ) في لُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمْ يُرْسَمْ في القُرْآنِ إلّا (ويْكَأنَّ) و(ويْكَأنَّهُ) مُتَّصِلَةٌ في المَوْضِعَيْنِ. فَعامَّةُ القُرّاءِ اتَّبَعُوا الرَّسْمَ. والكِسائِيُّ وقَفَ عَلى (ويْ) وأبُو عَمْرٍو عَلى (ويْكَ).
وهَذا ما يُسْتَفادُ مِن حَواشِي القاضِي والسَّمِينِ. وعِنْدِي أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (ويْ) لِلتَّعَجُّبِ و(كَأنَّ) الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ وهي أحَدُ مَعانِيها المَعْرُوفَةِ. والوَقْفُ عَلى (ويْ). ولا يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ كِتابَتُها في المَصاحِفِ مُتَّصِلَةً، لِأنَّ الكِتابَةَ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - أمْرٌ وضْعِيٌّ اصْطِلاحِيٌّ، والمَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ العَرَبِيِّ.
وقَدِ اتَّفَقَ اللُّغَوِيُّونَ عَلى أنَّ (ويْ) كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ. يُقالُ (ويْكَ) و(ويْ لِزَيْدٍ )، وتَدْخُلُ عَلى (كَأنِ) المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ، ومِن شَواهِدِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سالَتانِي الطَّلاقَ. أنْ رَأتانِي قَلَّ مالِي. قَدْ جِئْتُمانِي بِنُكْرِ
؎ويْ كَأنْ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
وهَذا البَيْتُ مِمّا يَدُلُّ عَلى ما اسْتَظْهَرَتْهُ، بَلَهَ الِاسْتِعْمالِ إلى هَذِهِ الأجْيالِ.
(p-٤٧٣٠)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ذُكِرَ هَهُنا إسْرائِيلِيّاتٌ، أضْرَبْنا عَنْها صَفْحًا. ونَحْنُ تَأسَّيْنا بِهِ، بَلْ فُقْناهُ في الإضْرابِ عَنْ كَثِيرٍ مِن مَرْوِيِّهِ، المَوْقُوفِ والضَّعِيفِ الَّذِي سُوِّدَتْ بِهِ الصُّحُفُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مُقابِلِ حالِ قارُونَ، مِن حالِ خُلَّصِ عِبادِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القصص 28:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣ - ٨٤] ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: غَلَبَةً وتَسَلُّطًا بِسُوءٍ وتَكَبُّرٍ: ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: بِظُلْمٍ وعُدْوانٍ وصَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ﴾ أيِ: النِّهايَةُ الحَمِيدَةُ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ ما لا يَرْضاهُ تَعالى مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: لَمْ يُعَلَّقِ المَوْعِدُ بِتَرْكِ العُلُوِّ والفَسادِ. ولَكِنْ بِتَرْكِ إرادَتِهِما، ومَيْلِ القُلُوبِ إلَيْهِما. كَما قالَ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] فَعَلَّقَ الوَعِيدَ بِالرُّكُونِ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ. فَيَدْخُلُ تَحْتَها.
وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِي هاهُنا. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ. ومِنَ الطُّمّاعِ مَن يَجْعَلُ العُلُوَّ لِفِرْعَوْنَ، والفَسادَ لِقارُونَ، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ [القصص: ٧٧] ويَقُولُ: مَن لَمْ يَكُنْ (p-٤٧٣١)مِثْلَ فِرْعَوْنَ وقارُونَ، فَلَهُ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ. ولا يَتَدَبَّرُ قَوْلَهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما تَدَبَّرَهُ عَلِيٌّ والفُضَيْلُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤] مَعْناهُ: فَلا يُجْزَوْنَ إلّا.. إلَخْ. فَوُضِعَ فِيهِ المَوْصُولُ والظّاهِرُ، مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، لِتَهْجِينِ حالِهِمْ بِتَكْرِيرِ إسْنادِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ، والزِّيادَةُ تَبْغِيضُ السَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤] أيْ: مِثْلَهُ. وهَذا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ وكَرَمِهِ الواسِعِ، أنْ لا يَجْزِيَ السَّيِّئَةَ إلّا بِمِثْلِها. ويَجْزِيَ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها وسَبْعِمِائَةٍ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ [القصص: ٨٤] كَذا في الكَشّافِ.
القصص 28:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣ - ٨٤] ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: غَلَبَةً وتَسَلُّطًا بِسُوءٍ وتَكَبُّرٍ: ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: بِظُلْمٍ وعُدْوانٍ وصَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ﴾ أيِ: النِّهايَةُ الحَمِيدَةُ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ ما لا يَرْضاهُ تَعالى مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: لَمْ يُعَلَّقِ المَوْعِدُ بِتَرْكِ العُلُوِّ والفَسادِ. ولَكِنْ بِتَرْكِ إرادَتِهِما، ومَيْلِ القُلُوبِ إلَيْهِما. كَما قالَ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] فَعَلَّقَ الوَعِيدَ بِالرُّكُونِ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ. فَيَدْخُلُ تَحْتَها.
وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِي هاهُنا. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ. ومِنَ الطُّمّاعِ مَن يَجْعَلُ العُلُوَّ لِفِرْعَوْنَ، والفَسادَ لِقارُونَ، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ [القصص: ٧٧] ويَقُولُ: مَن لَمْ يَكُنْ (p-٤٧٣١)مِثْلَ فِرْعَوْنَ وقارُونَ، فَلَهُ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ. ولا يَتَدَبَّرُ قَوْلَهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما تَدَبَّرَهُ عَلِيٌّ والفُضَيْلُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤] مَعْناهُ: فَلا يُجْزَوْنَ إلّا.. إلَخْ. فَوُضِعَ فِيهِ المَوْصُولُ والظّاهِرُ، مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، لِتَهْجِينِ حالِهِمْ بِتَكْرِيرِ إسْنادِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ، والزِّيادَةُ تَبْغِيضُ السَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤] أيْ: مِثْلَهُ. وهَذا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ وكَرَمِهِ الواسِعِ، أنْ لا يَجْزِيَ السَّيِّئَةَ إلّا بِمِثْلِها. ويَجْزِيَ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها وسَبْعِمِائَةٍ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ [القصص: ٨٤] كَذا في الكَشّافِ.
القصص 28:85
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ - ٨٦] ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ عَلى النّاسِ، وتَبْلِيغَهُ إلَيْهِمْ، وصَدَعَهم بِهِ: ﴿لَرادُّكَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ أيْ: مَرْجِعٍ عَظِيمٍ. وهو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي وعَدَكَ أنْ يَبْعَثَكَ فِيهِ. فَتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، ووَجْهُهُ -كَما في (العِنايَةِ)- أنَّ المَعادَ صارَ كالحَقِيقَةِ في المَحْشَرِ. لِأنَّهُ ابْتِداءُ العَوْدِ إلى الحَياةِ، ورَدُّهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ مَعادَهُ عَظِيمًا لِعَظَمَةِ مَقامِهِ فِيهِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المَعادُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. يَسْألُهُ عَمّا اسْتَرْعاهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ (p-٤٧٣٢)اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقالَ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِواياتٌ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ. إلى المَوْتِ. إلى الجَنَّةِ أُخْرِجَتْ عَنْهُ مِن طُرُقٍ. كَما أسْنَدَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
والَّذِي رَواهُ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَرادُّكَ إلى مَكَّةَ كَما أخْرَجَكَ مِنها. وعَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ فَبَلَغَ الجُحْفَةَ، اشْتاقَ إلى مَكَّةَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَ مَجْمُوعُ السُّورَةِ مَكِّيًّا، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ: ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ فَسَّرَ ذَلِكَ تارَةً بِرُجُوعِهِ إلى مَكَّةَ، وهو الفَتْحُ، الَّذِي هو عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى اقْتِرابِ أجَلِ النَّبِيِّ ﷺ. كَما فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ سُورَةَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] أنَّهُ أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُعِيَ إلَيْهِ، وكانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ووافَقَهُ عُمَرُ عَلى ذَلِكَ، وقالَ: لا أعْلَمُ مِنها غَيْرَ الَّذِي تَعْلَمُ. ولِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ تارَةً أُخْرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ بِالمَوْتِ. وتارَةً بِيَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو بَعْدَ المَوْتِ. وتارَةً بِالجَنَّةِ الَّتِي هي جَزاؤُهُ عَلى أدائِهِ رِسالَةَ اللَّهِ وإبْلاغِها إلى الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ. ولِأنَّهُ أكْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ. انْتَهى.
﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ. أيْ: بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ المَثُوبَةِ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ. أيْ: بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ. والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ السّابِقِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ [القصص: ٨٦] أيْ: ما كُنْتَ تَظُنُّ، قَبْلَ إنْزالِ الوَحْيِ إلَيْكَ، أنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ عَلَيْكَ: ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] أيْ: ولَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ أُلْقِيَ إلَيْكَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦] أيْ: مُعِينًا لَهم. ولَكِنْ نابِذْهم وخالِفْهم. وحَكى الكِرْمانِيُّ في (الغَرائِبِ) أنَّ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ.
القصص 28:86
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ - ٨٦] ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ عَلى النّاسِ، وتَبْلِيغَهُ إلَيْهِمْ، وصَدَعَهم بِهِ: ﴿لَرادُّكَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ أيْ: مَرْجِعٍ عَظِيمٍ. وهو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي وعَدَكَ أنْ يَبْعَثَكَ فِيهِ. فَتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، ووَجْهُهُ -كَما في (العِنايَةِ)- أنَّ المَعادَ صارَ كالحَقِيقَةِ في المَحْشَرِ. لِأنَّهُ ابْتِداءُ العَوْدِ إلى الحَياةِ، ورَدُّهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ مَعادَهُ عَظِيمًا لِعَظَمَةِ مَقامِهِ فِيهِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المَعادُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. يَسْألُهُ عَمّا اسْتَرْعاهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ (p-٤٧٣٢)اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقالَ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِواياتٌ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ. إلى المَوْتِ. إلى الجَنَّةِ أُخْرِجَتْ عَنْهُ مِن طُرُقٍ. كَما أسْنَدَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
والَّذِي رَواهُ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَرادُّكَ إلى مَكَّةَ كَما أخْرَجَكَ مِنها. وعَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ فَبَلَغَ الجُحْفَةَ، اشْتاقَ إلى مَكَّةَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَ مَجْمُوعُ السُّورَةِ مَكِّيًّا، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ: ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ فَسَّرَ ذَلِكَ تارَةً بِرُجُوعِهِ إلى مَكَّةَ، وهو الفَتْحُ، الَّذِي هو عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى اقْتِرابِ أجَلِ النَّبِيِّ ﷺ. كَما فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ سُورَةَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] أنَّهُ أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُعِيَ إلَيْهِ، وكانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ووافَقَهُ عُمَرُ عَلى ذَلِكَ، وقالَ: لا أعْلَمُ مِنها غَيْرَ الَّذِي تَعْلَمُ. ولِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ تارَةً أُخْرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ بِالمَوْتِ. وتارَةً بِيَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو بَعْدَ المَوْتِ. وتارَةً بِالجَنَّةِ الَّتِي هي جَزاؤُهُ عَلى أدائِهِ رِسالَةَ اللَّهِ وإبْلاغِها إلى الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ. ولِأنَّهُ أكْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ. انْتَهى.
﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ. أيْ: بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ المَثُوبَةِ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ. أيْ: بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ. والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ السّابِقِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ [القصص: ٨٦] أيْ: ما كُنْتَ تَظُنُّ، قَبْلَ إنْزالِ الوَحْيِ إلَيْكَ، أنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ عَلَيْكَ: ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] أيْ: ولَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ أُلْقِيَ إلَيْكَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦] أيْ: مُعِينًا لَهم. ولَكِنْ نابِذْهم وخالِفْهم. وحَكى الكِرْمانِيُّ في (الغَرائِبِ) أنَّ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ.
القصص 28:87
(p-٤٧٣٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٧ - ٨٨] ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْـزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْـزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: عَنْ تَبْلِيغِها بَعْدَ إنْزالِها، والأمْرُ بِالصَّدْعِ بِها لِضِيقِ صَدْرِكَ مِن مَكْرِهِمْ. فَإنَّ اللَّهَ مَعَكَ، ومُعْلٍ كَلِمَتَكَ ومُؤَيِّدٌ دِينَكَ. ولِذا قالَ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨]
قالَ القاضِي: هَذا وما قَبْلَهُ لِلتَّهْيِيجِ وقَطْعِ أطْماعِ المُشْرِكِينَ مِن مُساعَدَتِهِ لَهم. أيْ: لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ ذَلِكَ حَتّى يَنْهى عَنْهُ. فَكَأنَّهُ لَمّا نَهاهُ عَنْ مُظاهَرَتِهِمْ ومُداراتِهِمْ، قالَ إنَّ ذَلِكَ مَبْغُوضٌ لِي كالشِّرْكِ. فَلا تَكُنْ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ. أوِ المُرادُ نَهْيُ أُمَّتِهِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لَهُ ﷺ. كَذا في (العِنايَةِ).
﴿لا إلَهَ إلا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ: إيّاهُ و(الوَجْهُ) يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذّاتِ كَما قالَ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨] وُجُوهٌ: حَمْلُهُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، أوْ هو عُرْضَةٌ لِلْهَلاكِ والعَدَمِ، أوْ هالِكٌ في حَدِّ ذاتِهِ، لِأنَّ وُجُودَهُ لَيْسَ ذاتِيًّا بَلْ لِاسْتِنادِهِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، فَهو بِالقُوَّةِ وبِالذّاتِ مَعْدُومٌ حالًا. والمُرادُ بِالمَعْدُومِ ما لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ ذاتِيٌّ. لِأنَّ وُجُودَ غَيْرِهِ كَلا وُجُودٍ. إذْ هو في كُلِّ آنٍ قابِلٌ لِلْعَدَمِ. وعَنْ مُجاهِدٍ والثَّوْرِيِّ: (إلّا وجْهَهُ) أيْ: ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ. حَكاهُ البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ).
(p-٤٧٣٤)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويَسْتَشْهِدُ مَن قالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا، لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبُّ العِبادِ، إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ لا يُنافِي القَوْلَ الأوَّلَ. فَإنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ كُلِّ الأعْمالِ، بِأنَّها باطِلَةٌ، إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المُطابِقَةِ لِلشَّرِيعَةِ. انْتَهى.
وفِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ يُذْهِبُ رَوْنَقَ النَّظْمِ، وماءَ الفَصاحَةِ. لا سِيَّما وآيُ التَّنْزِيلِ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. والآيَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي ذَكَرْناها بِمَعْنى هَذِهِ. وتِلْكَ لا تَحْتَمِلُ ذاكَ المَعْنى، فَكَذا هَذِهِ: ﴿لَهُ الحُكْمُ﴾ [القصص: ٨٨] أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في الخَلْقِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ: يَوْمَ مَعادِكم فَيَجْزِيكم بِأعْمالِكُمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
القصص 28:88
(p-٤٧٣٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٧ - ٨٨] ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْـزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْـزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: عَنْ تَبْلِيغِها بَعْدَ إنْزالِها، والأمْرُ بِالصَّدْعِ بِها لِضِيقِ صَدْرِكَ مِن مَكْرِهِمْ. فَإنَّ اللَّهَ مَعَكَ، ومُعْلٍ كَلِمَتَكَ ومُؤَيِّدٌ دِينَكَ. ولِذا قالَ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨]
قالَ القاضِي: هَذا وما قَبْلَهُ لِلتَّهْيِيجِ وقَطْعِ أطْماعِ المُشْرِكِينَ مِن مُساعَدَتِهِ لَهم. أيْ: لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ ذَلِكَ حَتّى يَنْهى عَنْهُ. فَكَأنَّهُ لَمّا نَهاهُ عَنْ مُظاهَرَتِهِمْ ومُداراتِهِمْ، قالَ إنَّ ذَلِكَ مَبْغُوضٌ لِي كالشِّرْكِ. فَلا تَكُنْ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ. أوِ المُرادُ نَهْيُ أُمَّتِهِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لَهُ ﷺ. كَذا في (العِنايَةِ).
﴿لا إلَهَ إلا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ: إيّاهُ و(الوَجْهُ) يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذّاتِ كَما قالَ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨] وُجُوهٌ: حَمْلُهُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، أوْ هو عُرْضَةٌ لِلْهَلاكِ والعَدَمِ، أوْ هالِكٌ في حَدِّ ذاتِهِ، لِأنَّ وُجُودَهُ لَيْسَ ذاتِيًّا بَلْ لِاسْتِنادِهِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، فَهو بِالقُوَّةِ وبِالذّاتِ مَعْدُومٌ حالًا. والمُرادُ بِالمَعْدُومِ ما لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ ذاتِيٌّ. لِأنَّ وُجُودَ غَيْرِهِ كَلا وُجُودٍ. إذْ هو في كُلِّ آنٍ قابِلٌ لِلْعَدَمِ. وعَنْ مُجاهِدٍ والثَّوْرِيِّ: (إلّا وجْهَهُ) أيْ: ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ. حَكاهُ البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ).
(p-٤٧٣٤)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويَسْتَشْهِدُ مَن قالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا، لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبُّ العِبادِ، إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ لا يُنافِي القَوْلَ الأوَّلَ. فَإنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ كُلِّ الأعْمالِ، بِأنَّها باطِلَةٌ، إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المُطابِقَةِ لِلشَّرِيعَةِ. انْتَهى.
وفِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ يُذْهِبُ رَوْنَقَ النَّظْمِ، وماءَ الفَصاحَةِ. لا سِيَّما وآيُ التَّنْزِيلِ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. والآيَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي ذَكَرْناها بِمَعْنى هَذِهِ. وتِلْكَ لا تَحْتَمِلُ ذاكَ المَعْنى، فَكَذا هَذِهِ: ﴿لَهُ الحُكْمُ﴾ [القصص: ٨٨] أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في الخَلْقِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ: يَوْمَ مَعادِكم فَيَجْزِيكم بِأعْمالِكُمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.