Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — غافر 40:1 – الشورى 42:53
المحتويات
- غافر 40:1
- غافر 40:2
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:5
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:9
- غافر 40:10
- غافر 40:11
- غافر 40:12
- غافر 40:13
- غافر 40:14
- غافر 40:15
- غافر 40:16
- غافر 40:17
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:20
- غافر 40:21
- غافر 40:22
- غافر 40:23
- غافر 40:24
- غافر 40:25
- غافر 40:26
- غافر 40:27
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:30
- غافر 40:31
- غافر 40:32
- غافر 40:33
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:38
- غافر 40:39
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:42
- غافر 40:43
- غافر 40:44
- غافر 40:45
- غافر 40:46
- غافر 40:47
- غافر 40:48
- غافر 40:49
- غافر 40:50
- غافر 40:51
- غافر 40:52
- غافر 40:53
- غافر 40:54
- غافر 40:55
- غافر 40:56
- غافر 40:57
- غافر 40:58
- غافر 40:59
- غافر 40:60
- غافر 40:61
- غافر 40:62
- غافر 40:63
- غافر 40:64
- غافر 40:65
- غافر 40:66
- غافر 40:67
- غافر 40:68
- غافر 40:69
- غافر 40:70
- غافر 40:71
- غافر 40:72
- غافر 40:73
- غافر 40:74
- غافر 40:75
- غافر 40:76
- غافر 40:77
- غافر 40:78
- غافر 40:79
- غافر 40:80
- غافر 40:81
- غافر 40:82
- غافر 40:83
- غافر 40:84
- غافر 40:85
- فصلت 41:1
- فصلت 41:2
- فصلت 41:3
- فصلت 41:4
- فصلت 41:5
- فصلت 41:6
- فصلت 41:7
- فصلت 41:8
- فصلت 41:9
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:13
- فصلت 41:14
- فصلت 41:15
- فصلت 41:16
- فصلت 41:17
- فصلت 41:18
- فصلت 41:19
- فصلت 41:20
- فصلت 41:21
- فصلت 41:22
- فصلت 41:23
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:27
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:31
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:52
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
- الشورى 42:1
- الشورى 42:2
- الشورى 42:3
- الشورى 42:4
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:9
- الشورى 42:10
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:16
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:19
- الشورى 42:20
- الشورى 42:21
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
غافر 40:1
(p-٥١٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ غافِرٍ
وسُمِّيَتِ (المُؤْمِنَ) قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى كَلِماتِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، المُتَضَمِّنَةِ دَلائِلَ النُّبُوَّةِ ورَفْعَ الشُّبَهِ عَنْها، والمَواعِظَ والنَّصائِحَ وسَلامَتَهُ عَنْ أعْدائِهِ. وعَمّا أُخِذُوا بِهِ، وهي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وتُسَمّى سُورَةَ غافِرٍ وسُورَةَ الطَّوْلِ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَمانُونَ وخَمْسٌ.
(p-٥١٥٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] الكَلامُ في مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ، وتالِيهِ، كالَّذِي سَلَفَ فِي: (الم السَّجْدَةِ)
غافر 40:2
(p-٥١٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ غافِرٍ
وسُمِّيَتِ (المُؤْمِنَ) قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى كَلِماتِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، المُتَضَمِّنَةِ دَلائِلَ النُّبُوَّةِ ورَفْعَ الشُّبَهِ عَنْها، والمَواعِظَ والنَّصائِحَ وسَلامَتَهُ عَنْ أعْدائِهِ. وعَمّا أُخِذُوا بِهِ، وهي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وتُسَمّى سُورَةَ غافِرٍ وسُورَةَ الطَّوْلِ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَمانُونَ وخَمْسٌ.
(p-٥١٥٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] الكَلامُ في مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ، وتالِيهِ، كالَّذِي سَلَفَ فِي: (الم السَّجْدَةِ)
غافر 40:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣، ٤] ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .
﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ أيِ: المَنِّ والفَضْلِ: ﴿لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ والجَزاءُ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] أيْ: ما يُخاصِمُ في حُجَجِ اللَّهِ، وأدِلَّتِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِالإنْكارِ لَها، إلّا الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَجَّلَ عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ. والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ، مِنَ الطَّعْنِ فِيها، والقَصْدِ إلى إدْحاضِ الحَقِّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ. وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥]
فَأمّا الجِدالُ فِيها، لِإيضاحِ مُلْتَبَسِها وحَلِّ مُشْكِلِها ومُقارَحَةِ أهْلِ العِلْمِ في اسْتِنْباطِ مَعانِيها، ورَدِّ أهْلِ الزَّيْغِ بِها وعَنْها، فَأعْظَمُ جِهادٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ ﷺ ««جِدالٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ»» وإيرادُهُ مُنَكَّرًا، تَمْيِيزٌ (p-٥١٥٦)مِنهُ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ. انْتَهى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] أيْ: لِلتِّجاراتِ، وتَمَتُّعُهم بِالتَّجْوالِ والتَّرْدادِ، فَمَآلُهم إلى الزَّوالِ والنَّفادِ.
غافر 40:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣، ٤] ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .
﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ أيِ: المَنِّ والفَضْلِ: ﴿لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ والجَزاءُ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] أيْ: ما يُخاصِمُ في حُجَجِ اللَّهِ، وأدِلَّتِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِالإنْكارِ لَها، إلّا الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَجَّلَ عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ. والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ، مِنَ الطَّعْنِ فِيها، والقَصْدِ إلى إدْحاضِ الحَقِّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ. وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥]
فَأمّا الجِدالُ فِيها، لِإيضاحِ مُلْتَبَسِها وحَلِّ مُشْكِلِها ومُقارَحَةِ أهْلِ العِلْمِ في اسْتِنْباطِ مَعانِيها، ورَدِّ أهْلِ الزَّيْغِ بِها وعَنْها، فَأعْظَمُ جِهادٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ ﷺ ««جِدالٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ»» وإيرادُهُ مُنَكَّرًا، تَمْيِيزٌ (p-٥١٥٦)مِنهُ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ. انْتَهى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] أيْ: لِلتِّجاراتِ، وتَمَتُّعُهم بِالتَّجْوالِ والتَّرْدادِ، فَمَآلُهم إلى الزَّوالِ والنَّفادِ.
غافر 40:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ، وناصَبُوهُمْ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ سَماعِ أخْبارِهِمْ، ومُشاهَدَةِ أثارِهِمْ: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ، ومِنَ الإيقاعِ بِهِ، وإصابَتِهِ بِما أرادُوا مِن تَعْذِيبٍ، أوْ قَتْلٍ، مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى الأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: قابَلُوا حُجَجَ الرُّسُلِ بِالباطِلِ مِن جِدالِهِمْ: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِهِ الأمْرَ الثّابِتَ بِالحُجَّةِ الصَّحِيحَةِ، لَكِنَّهُ لا يَنْدَحِضُ وإنْ كَثُرَتِ الشُّبَهُ؛ لِما أنَّهُ الثّابِتُ في نَفْسِهِ المُتَقَرِّرُ بِذاتِهِ: ﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾ أيِ: بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ المَعْرُوفِ أخْبارُهُ، المَشْهُودُ آثارُهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: في الدّارِ، فَيُعْتَبَرُ بِهِ عِقابُ تِلْكَ الدّارِ.
غافر 40:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦] ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ .
﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وكَما حَقَّ عَلى الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها، الَّتِي قَصَصْتُ عَلَيْكَ، يا مُحَمَّدُ، قِصَصَها، وحَلَّ بِها عِقابِي. كَذَلِكَ وجَبَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِن قَوْمِكَ، الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم أصْحابُ النّارِ.
ثُمَّ نَوَّهَ بِالمُؤْمِنِينَ، وبِما أعَدَّ لَهُمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
غافر 40:7
(p-٥١٥٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ١٠] ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] .
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. وقَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعْرافِ، كَلامٌ في حَمَلَةِ العَرْشِ، فَراجِعْهُ.
﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: ويُقِرُّونَ بِأنَّهُ لا إلَهَ لَهم سِواهُ، ويَشْهَدُونَ بِذَلِكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِإيمانِهِمْ مَعَ جَلائِهِ، وهو إظْهارُ فَضِيلَةِ الإيمانِ، وإبْرازُ شَرَفِ أهْلِهِ، والإشْعارُ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها، وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ.
وفِي نَظْمِ اسْتِغْفارِهِمْ لَهم في سِلْكِ وظائِفِهِمُ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ، مِن تَسْبِيحِهِمْ، وتَحْمِيدِهِمْ، وإيمانِهِمْ، إيذانٌ بِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِهِ، وإشْعارٌ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى (p-٥١٥٨)فِي مَوْقِعِ القَبُولِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا: ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: شَمِلَتْ رَحْمَتُكَ، وأحاطَ بِالكُلِّ عِلْمُكَ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ بِمُتابَعَةِ نَبِيِّكَ في الأقْوالِ، والأعْمالِ، والأحْوالِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨] أيْ: عَمِلَ صالِحًا مِنهُمْ، لِيَتِمَّ سُرُورُهم بِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] أيْ: عُقُوبَتَها وجَزاءَها: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] أيْ: لِبُغْضِهِ الشَّدِيدِ لَكُمْ، أعْظَمَ مِن بُغْضِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، وتَبَرُّؤِ كُلٍّ مِنَ الآخَرِ، ولَعْنِهِ حِينَ تُعَذَّبُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] أوْ أعْظَمَ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم وذَواتَكُمْ، فَقَدْ يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ تَظْهَرُ لَهم هَيْئاتُها المُظْلِمَةُ، وصِفاتُها المُؤْلِمَةُ، وسَوادُ الوَجْهِ المُوحِشِ، وقُبْحُ المَنظَرِ المُنَفِّرِ: ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] أيْ: تُدْعَوْنَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إلى الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَتَكْفُرُونَ كِبْرًا وعُتُوًّا.
غافر 40:8
(p-٥١٥٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ١٠] ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] .
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. وقَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعْرافِ، كَلامٌ في حَمَلَةِ العَرْشِ، فَراجِعْهُ.
﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: ويُقِرُّونَ بِأنَّهُ لا إلَهَ لَهم سِواهُ، ويَشْهَدُونَ بِذَلِكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِإيمانِهِمْ مَعَ جَلائِهِ، وهو إظْهارُ فَضِيلَةِ الإيمانِ، وإبْرازُ شَرَفِ أهْلِهِ، والإشْعارُ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها، وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ.
وفِي نَظْمِ اسْتِغْفارِهِمْ لَهم في سِلْكِ وظائِفِهِمُ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ، مِن تَسْبِيحِهِمْ، وتَحْمِيدِهِمْ، وإيمانِهِمْ، إيذانٌ بِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِهِ، وإشْعارٌ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى (p-٥١٥٨)فِي مَوْقِعِ القَبُولِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا: ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: شَمِلَتْ رَحْمَتُكَ، وأحاطَ بِالكُلِّ عِلْمُكَ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ بِمُتابَعَةِ نَبِيِّكَ في الأقْوالِ، والأعْمالِ، والأحْوالِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨] أيْ: عَمِلَ صالِحًا مِنهُمْ، لِيَتِمَّ سُرُورُهم بِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] أيْ: عُقُوبَتَها وجَزاءَها: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] أيْ: لِبُغْضِهِ الشَّدِيدِ لَكُمْ، أعْظَمَ مِن بُغْضِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، وتَبَرُّؤِ كُلٍّ مِنَ الآخَرِ، ولَعْنِهِ حِينَ تُعَذَّبُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] أوْ أعْظَمَ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم وذَواتَكُمْ، فَقَدْ يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ تَظْهَرُ لَهم هَيْئاتُها المُظْلِمَةُ، وصِفاتُها المُؤْلِمَةُ، وسَوادُ الوَجْهِ المُوحِشِ، وقُبْحُ المَنظَرِ المُنَفِّرِ: ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] أيْ: تُدْعَوْنَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إلى الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَتَكْفُرُونَ كِبْرًا وعُتُوًّا.
غافر 40:9
(p-٥١٥٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ١٠] ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] .
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. وقَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعْرافِ، كَلامٌ في حَمَلَةِ العَرْشِ، فَراجِعْهُ.
﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: ويُقِرُّونَ بِأنَّهُ لا إلَهَ لَهم سِواهُ، ويَشْهَدُونَ بِذَلِكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِإيمانِهِمْ مَعَ جَلائِهِ، وهو إظْهارُ فَضِيلَةِ الإيمانِ، وإبْرازُ شَرَفِ أهْلِهِ، والإشْعارُ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها، وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ.
وفِي نَظْمِ اسْتِغْفارِهِمْ لَهم في سِلْكِ وظائِفِهِمُ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ، مِن تَسْبِيحِهِمْ، وتَحْمِيدِهِمْ، وإيمانِهِمْ، إيذانٌ بِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِهِ، وإشْعارٌ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى (p-٥١٥٨)فِي مَوْقِعِ القَبُولِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا: ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: شَمِلَتْ رَحْمَتُكَ، وأحاطَ بِالكُلِّ عِلْمُكَ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ بِمُتابَعَةِ نَبِيِّكَ في الأقْوالِ، والأعْمالِ، والأحْوالِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨] أيْ: عَمِلَ صالِحًا مِنهُمْ، لِيَتِمَّ سُرُورُهم بِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] أيْ: عُقُوبَتَها وجَزاءَها: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] أيْ: لِبُغْضِهِ الشَّدِيدِ لَكُمْ، أعْظَمَ مِن بُغْضِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، وتَبَرُّؤِ كُلٍّ مِنَ الآخَرِ، ولَعْنِهِ حِينَ تُعَذَّبُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] أوْ أعْظَمَ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم وذَواتَكُمْ، فَقَدْ يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ تَظْهَرُ لَهم هَيْئاتُها المُظْلِمَةُ، وصِفاتُها المُؤْلِمَةُ، وسَوادُ الوَجْهِ المُوحِشِ، وقُبْحُ المَنظَرِ المُنَفِّرِ: ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] أيْ: تُدْعَوْنَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إلى الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَتَكْفُرُونَ كِبْرًا وعُتُوًّا.
غافر 40:10
(p-٥١٥٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ١٠] ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] .
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. وقَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعْرافِ، كَلامٌ في حَمَلَةِ العَرْشِ، فَراجِعْهُ.
﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: ويُقِرُّونَ بِأنَّهُ لا إلَهَ لَهم سِواهُ، ويَشْهَدُونَ بِذَلِكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِإيمانِهِمْ مَعَ جَلائِهِ، وهو إظْهارُ فَضِيلَةِ الإيمانِ، وإبْرازُ شَرَفِ أهْلِهِ، والإشْعارُ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها، وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ.
وفِي نَظْمِ اسْتِغْفارِهِمْ لَهم في سِلْكِ وظائِفِهِمُ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ، مِن تَسْبِيحِهِمْ، وتَحْمِيدِهِمْ، وإيمانِهِمْ، إيذانٌ بِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِهِ، وإشْعارٌ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى (p-٥١٥٨)فِي مَوْقِعِ القَبُولِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا: ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: شَمِلَتْ رَحْمَتُكَ، وأحاطَ بِالكُلِّ عِلْمُكَ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ بِمُتابَعَةِ نَبِيِّكَ في الأقْوالِ، والأعْمالِ، والأحْوالِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨] أيْ: عَمِلَ صالِحًا مِنهُمْ، لِيَتِمَّ سُرُورُهم بِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] أيْ: عُقُوبَتَها وجَزاءَها: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] أيْ: لِبُغْضِهِ الشَّدِيدِ لَكُمْ، أعْظَمَ مِن بُغْضِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، وتَبَرُّؤِ كُلٍّ مِنَ الآخَرِ، ولَعْنِهِ حِينَ تُعَذَّبُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] أوْ أعْظَمَ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم وذَواتَكُمْ، فَقَدْ يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ تَظْهَرُ لَهم هَيْئاتُها المُظْلِمَةُ، وصِفاتُها المُؤْلِمَةُ، وسَوادُ الوَجْهِ المُوحِشِ، وقُبْحُ المَنظَرِ المُنَفِّرِ: ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] أيْ: تُدْعَوْنَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إلى الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَتَكْفُرُونَ كِبْرًا وعُتُوًّا.
غافر 40:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١] ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ .
﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ أيْ: أنْشَأْتَنا أمْواتًا مَرَّتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا في النَّشْأتَيْنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] قالَ قَتادَةُ: كانُوا أمْواتًا في أصْلابِ آبائِهِمْ، فَأحْياهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، ثُمَّ أماتَهُمُ المَوْتَةَ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، ثُمَّ أحْياهم لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَهُما حَياتانِ ومَوْتَتانِ: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أيْ: فَأقْرَرْنا (p-٥١٥٩)بِما عَمِلْنا مِنَ الذُّنُوبِ في الدُّنْيا، وذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ العِقابِ المُرَتَّبِ عَلَيْها، وامْتِناعِ المَحِيصِ عَنْهُ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: فَهَلْ إلى خُرُوجِنا مِنَ النّارِ، مِن سَبِيلٍ، لِنَرْجِعَ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ والقُنُوطُ. وإنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ تَعَلُّلًا وتَحَيُّرًا. ولِهَذا جاءَ الجَوابُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وهو قَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢، ١٣] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَـزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] .
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، وأنْ لا سَبِيلَ إلى خُرُوجٍ قَطُّ: ﴿بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ إنْكارِكم أنَّ الأُلُوهِيَّةَ لَهُ خالِصَةٌ، وقَوْلِكُمْ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] وإيمانِكم بِالشِّرْكِ: ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ أيْ: فالقَضاءُ لَهُ وحْدَهُ لا لِلْغَيْرِ. فَلا سَبِيلَ إلى النَّجاةِ لِعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ، فَلا يُمْكِنُ لِأحَدٍ رَدُّ حِكْمَتِهِ وعِقابِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ١٣] أيْ: مِنَ الرِّيحِ، والسَّحابِ، والرَّعْدِ، والبَرْقِ، والصَّواعِقِ، ونَحْوِها: ﴿ويُنَـزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] أيْ: مَطَرًا. وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الآياتِ، لِعِظَمِ نَفْعِهِ، وتَسَبُّبِ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ: ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] أيْ: وما يَتَّعِظُ بِآياتِهِ تَعالى، إلّا مَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ.
غافر 40:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢، ١٣] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَـزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] .
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، وأنْ لا سَبِيلَ إلى خُرُوجٍ قَطُّ: ﴿بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ إنْكارِكم أنَّ الأُلُوهِيَّةَ لَهُ خالِصَةٌ، وقَوْلِكُمْ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] وإيمانِكم بِالشِّرْكِ: ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ أيْ: فالقَضاءُ لَهُ وحْدَهُ لا لِلْغَيْرِ. فَلا سَبِيلَ إلى النَّجاةِ لِعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ، فَلا يُمْكِنُ لِأحَدٍ رَدُّ حِكْمَتِهِ وعِقابِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ١٣] أيْ: مِنَ الرِّيحِ، والسَّحابِ، والرَّعْدِ، والبَرْقِ، والصَّواعِقِ، ونَحْوِها: ﴿ويُنَـزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] أيْ: مَطَرًا. وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الآياتِ، لِعِظَمِ نَفْعِهِ، وتَسَبُّبِ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ: ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] أيْ: وما يَتَّعِظُ بِآياتِهِ تَعالى، إلّا مَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ.
غافر 40:14
(p-٥١٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤، ١٥] ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] .
﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: فاعْبُدُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، عَنْ شَوْبِ الشِّرْكِ.
﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ أيْ: غاظَهم ذَلِكَ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ: رَفِيعُ دَرَجاتِ عَرْشِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] وهي مَصاعِدُ المَلائِكَةِ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ. وهي دَلِيلٌ عَلى عِزَّتِهِ ومَلَكُوتِهِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ رِفْعَةِ شَأْنِهِ، وعُلُوِّ سُلْطانِهِ، وكِمالاتِهِ، غَيْرِ المُتَناهِيَةِ: ﴿ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ [غافر: ١٥] أيِ: الوَحْيَ والعِلْمَ اللَّدُنِّيِّ الَّذِي تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيْتَةُ: ﴿مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ: أهْلِ عِنايَتِهِ الأزَلِيَّةِ، واخْتِصاصِهِ لِلرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ الكُبْرى، الَّذِي يَتَلاقى فِيهِ العَبْدُ بِرَبِّهِ لِيُحاسِبَهُ عَلى أعْمالِهِ، أوِ العِبادُ.
غافر 40:15
(p-٥١٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤، ١٥] ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] .
﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: فاعْبُدُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، عَنْ شَوْبِ الشِّرْكِ.
﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ أيْ: غاظَهم ذَلِكَ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ: رَفِيعُ دَرَجاتِ عَرْشِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] وهي مَصاعِدُ المَلائِكَةِ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ. وهي دَلِيلٌ عَلى عِزَّتِهِ ومَلَكُوتِهِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ رِفْعَةِ شَأْنِهِ، وعُلُوِّ سُلْطانِهِ، وكِمالاتِهِ، غَيْرِ المُتَناهِيَةِ: ﴿ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ [غافر: ١٥] أيِ: الوَحْيَ والعِلْمَ اللَّدُنِّيِّ الَّذِي تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيْتَةُ: ﴿مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ: أهْلِ عِنايَتِهِ الأزَلِيَّةِ، واخْتِصاصِهِ لِلرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ الكُبْرى، الَّذِي يَتَلاقى فِيهِ العَبْدُ بِرَبِّهِ لِيُحاسِبَهُ عَلى أعْمالِهِ، أوِ العِبادُ.
غافر 40:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦، ١٧] ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] .
﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ.
﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن أعْمالِهِمْ، وأعْيانِهِمْ، وأحْوالِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يُنادِي بِهِ الحَقُّ سُبْحانَهُ، عِنْدَ فَناءِ الكُلِّ، أوْ وقْتَ التَّلاقِي، والبُرُوزِ، فَيُجِيبُ هو (p-٥١٦١)وحْدَهُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ﴾ أيِ: المُتَفَرِّدِ بِالمُلْكِ: ﴿القَهّارِ﴾ أيِ: الَّذِي قَهَرَ بِالغَلَبَةِ كُلَّ ما سِواهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] أيْ: بِإيصالِ ما يَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنهم إلَيْهِ، مِن تَبِعاتِ سَيِّئاتِهِ، وثَمَراتِ حَسَناتِهِ.
غافر 40:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦، ١٧] ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] .
﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ.
﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن أعْمالِهِمْ، وأعْيانِهِمْ، وأحْوالِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يُنادِي بِهِ الحَقُّ سُبْحانَهُ، عِنْدَ فَناءِ الكُلِّ، أوْ وقْتَ التَّلاقِي، والبُرُوزِ، فَيُجِيبُ هو (p-٥١٦١)وحْدَهُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ﴾ أيِ: المُتَفَرِّدِ بِالمُلْكِ: ﴿القَهّارِ﴾ أيِ: الَّذِي قَهَرَ بِالغَلَبَةِ كُلَّ ما سِواهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] أيْ: بِإيصالِ ما يَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنهم إلَيْهِ، مِن تَبِعاتِ سَيِّئاتِهِ، وثَمَراتِ حَسَناتِهِ.
غافر 40:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ .
﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيِ: الواقِعَةِ القَرِيبَةِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ أيْ: مِن أهْوالِهِ تَرْتَفِعُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها، فَتَصِيرُ لَدى الحُلُوقِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ أيْ: مُمْتَلِئِينَ غَمًّا، بِما أفْرَطُوا مِنَ الظُّلْمِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَهْتَمُّ لِشَأْنِهِمْ، فَيُخَفِّفُ عَنْهم غُمُومَهُمْ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ أيْ: مَن يَشْفَعُ في تَخْفِيفِها عَنْهُمْ؛ إذْ لا تُقْبَلُ شَفاعَةٌ فِيهِمْ.
غافر 40:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ - ٢٥] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] (p-٥١٦٢)﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ أيْ: نَظَراتِها الخائِنَةَ، وهي المُمْتَدَّةُ إلى ما لا يَحِلُّ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ: تُكِنُّهُ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] يَعْنِي حُصُونَهم وقُصُورَهم وعُدَدَهُمْ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: بِآياتِ نُبُوَّتِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: قالُوا: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ، كالَّذِي كانَ أوَّلًا، واسْتَبْقُوا نِساءَهم لِلْخِدْمَةِ: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: وما مَكْرُهم في دَفْعِ ما أرادَ اللَّهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ، إلّا في ضَياعٍ؛ إذْ هو كالغُثاءِ الَّذِي يَقْذِفُهُ تَيّارُ الحَقِّ.
غافر 40:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ - ٢٥] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] (p-٥١٦٢)﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ أيْ: نَظَراتِها الخائِنَةَ، وهي المُمْتَدَّةُ إلى ما لا يَحِلُّ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ: تُكِنُّهُ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] يَعْنِي حُصُونَهم وقُصُورَهم وعُدَدَهُمْ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: بِآياتِ نُبُوَّتِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: قالُوا: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ، كالَّذِي كانَ أوَّلًا، واسْتَبْقُوا نِساءَهم لِلْخِدْمَةِ: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: وما مَكْرُهم في دَفْعِ ما أرادَ اللَّهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ، إلّا في ضَياعٍ؛ إذْ هو كالغُثاءِ الَّذِي يَقْذِفُهُ تَيّارُ الحَقِّ.
غافر 40:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ - ٢٥] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] (p-٥١٦٢)﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ أيْ: نَظَراتِها الخائِنَةَ، وهي المُمْتَدَّةُ إلى ما لا يَحِلُّ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ: تُكِنُّهُ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] يَعْنِي حُصُونَهم وقُصُورَهم وعُدَدَهُمْ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: بِآياتِ نُبُوَّتِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: قالُوا: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ، كالَّذِي كانَ أوَّلًا، واسْتَبْقُوا نِساءَهم لِلْخِدْمَةِ: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: وما مَكْرُهم في دَفْعِ ما أرادَ اللَّهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ، إلّا في ضَياعٍ؛ إذْ هو كالغُثاءِ الَّذِي يَقْذِفُهُ تَيّارُ الحَقِّ.
غافر 40:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ - ٢٥] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] (p-٥١٦٢)﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ أيْ: نَظَراتِها الخائِنَةَ، وهي المُمْتَدَّةُ إلى ما لا يَحِلُّ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ: تُكِنُّهُ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] يَعْنِي حُصُونَهم وقُصُورَهم وعُدَدَهُمْ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: بِآياتِ نُبُوَّتِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: قالُوا: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ، كالَّذِي كانَ أوَّلًا، واسْتَبْقُوا نِساءَهم لِلْخِدْمَةِ: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: وما مَكْرُهم في دَفْعِ ما أرادَ اللَّهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ، إلّا في ضَياعٍ؛ إذْ هو كالغُثاءِ الَّذِي يَقْذِفُهُ تَيّارُ الحَقِّ.
غافر 40:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ - ٢٥] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] (p-٥١٦٢)﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ أيْ: نَظَراتِها الخائِنَةَ، وهي المُمْتَدَّةُ إلى ما لا يَحِلُّ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ: تُكِنُّهُ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] يَعْنِي حُصُونَهم وقُصُورَهم وعُدَدَهُمْ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: بِآياتِ نُبُوَّتِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: قالُوا: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ، كالَّذِي كانَ أوَّلًا، واسْتَبْقُوا نِساءَهم لِلْخِدْمَةِ: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: وما مَكْرُهم في دَفْعِ ما أرادَ اللَّهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ، إلّا في ضَياعٍ؛ إذْ هو كالغُثاءِ الَّذِي يَقْذِفُهُ تَيّارُ الحَقِّ.
غافر 40:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ - ٢٥] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] (p-٥١٦٢)﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ أيْ: نَظَراتِها الخائِنَةَ، وهي المُمْتَدَّةُ إلى ما لا يَحِلُّ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ: تُكِنُّهُ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] يَعْنِي حُصُونَهم وقُصُورَهم وعُدَدَهُمْ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: بِآياتِ نُبُوَّتِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: قالُوا: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ، كالَّذِي كانَ أوَّلًا، واسْتَبْقُوا نِساءَهم لِلْخِدْمَةِ: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: وما مَكْرُهم في دَفْعِ ما أرادَ اللَّهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ، إلّا في ضَياعٍ؛ إذْ هو كالغُثاءِ الَّذِي يَقْذِفُهُ تَيّارُ الحَقِّ.
غافر 40:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ - ٢٥] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] (p-٥١٦٢)﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ أيْ: نَظَراتِها الخائِنَةَ، وهي المُمْتَدَّةُ إلى ما لا يَحِلُّ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ: تُكِنُّهُ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أيْ: لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] يَعْنِي حُصُونَهم وقُصُورَهم وعُدَدَهُمْ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: بِآياتِ نُبُوَّتِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: قالُوا: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ، كالَّذِي كانَ أوَّلًا، واسْتَبْقُوا نِساءَهم لِلْخِدْمَةِ: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أيْ: وما مَكْرُهم في دَفْعِ ما أرادَ اللَّهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ، إلّا في ضَياعٍ؛ إذْ هو كالغُثاءِ الَّذِي يَقْذِفُهُ تَيّارُ الحَقِّ.
غافر 40:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ .
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ (p-٥١٦٣)أيْ: ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: فَسادَ مَمْلَكَتِي؛ إذْ يَتَّفِقُ الكُلُّ عَلى مُتابَعَتِهِ، وإجْراءِ أحْكامِهِ.
غافر 40:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧] ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ .
﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أيِ: التَجَأْتُ إلَيْهِ وتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ، فَهو ناصِرُ دِينِهِ، ومُعِزُّ أهْلِهِ.
غافر 40:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨] ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ .
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أيْ: مِن عَذابِ الدُّنْيا إنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ. وقَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما في طَيِّ هَذا القَوْلِ مِنَ اللَّطائِفِ والأسْرارِ، بِما مُلَخَّصُهُ: إنَّ هَذا المُؤْمِنَ اسْتَدْرَجَهم في الإيمانِ بِاسْتِشْهادِهِ عَلى صِدْقِ مُوسى، بِإحْضارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِنْدِ مَن تُنْسَبُ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةُ، بَيِّناتٍ عِدَّةً لا بَيِّنَةً واحِدَةً، وأتى بِها مُعَرَّفَةً، مَعْناهُ البَيِّناتُ العَظِيمَةُ الَّتِي شَهِدْتُمُوها وعَرَفْتُمُوها عَلى ذَلِكَ، لِيَلِينَ بِذَلِكَ جِماحَهُمْ، ويَكْسِرَ مِن سَوْرَتَهم.
ثُمَّ أخَذَهم (p-٥١٦٤)بِالِاحْتِجاجِ بِطَرِيقِ التَّقْسِيمِ، فَقالَ: لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ صادِقًا أوْ كاذِبًا. فَإنْ يَكْ كاذِبًا فَضَرَرُ كَذِبِهِ عائِدٌ عَلَيْهِ. أوْ صادِقًا فَيُصِبْكُمْ، إنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ، بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم. وإنَّما ذَكَرَ (بَعْضُ)، في تَقْدِيرِ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ، والنَّبِيُّ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ بِهِ؛ لِأنَّهُ سَلَكَ مَعَهم طَرِيقَ المُناصَحَةِ لَهم والمُداراةِ، فَجاءَ بِما هو أقْرَبُ إلى تَسْلِيمِهِمْ، وأدْخَلُ في تَصْدِيقِهِمْ لَهُ، لِيَسْمَعُوا مِنهُ ولا يَرُدُّوا عَلَيْهِ صِحَّتَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَهُ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ. ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، لِيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ حَقَّهُ، وأثْنى عَلَيْهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مُتَعَصِّبًا لَهُ، وتَقْدِيمُ الكاذِبِ عَلى الصّادِقِ مِن هَذا القَبِيلِ.
قالَ النّاصِرُ: ويُناسِبُ تَقْدِيمُ الكاذِبِ عَلى الصّادِقِ هُنا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] فَقَدَّمَ الشّاهِدُ أمارَةَ صِدْقِها عَلى أمارَةِ صِدْقِ يُوسُفَ، وإنْ كانَ الصّادِقُ هو يُوسُفُ، دُونَها، لِرَفْعِ التُّهْمَةِ وإبْعادِ الظَّنِّ، وإدْلالًا بِأنَّ الحَقَّ مَعَهُ، ولا يَضُرُّهُ التَّأْخِيرُ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّصَرُّفِ لِإبْعادِ التُّهْمَةِ، ما في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ أخِيهِ؛ إذْ بَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ. انْتَهى.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ إنْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا، خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، ولَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ أمْرٌ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنهُ، وأنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ، ولَمّا عَضَّدَهُ بِالبَيِّناتِ.
غافر 40:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩] ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلا ما أرى وما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ (p-٥١٦٥)﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ وقاهِرِينَ، فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم عَلى أنْفُسِكم بِأنْفُسِكُمْ، ولا تُعَرِّضُونا لِعَذابِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرَ عَلَيْكم إلّا ما أسْتَصْوِبُهُ مِن قَتْلِهِ؛ إذِ البَأْسُ السَّماوِيُّ مِن أجْلِ قَتْلِهِ، أمْرٌ مُتَوَهَّمٌ. فاتِّباعُهُ غَلَطٌ: ﴿وما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: بِإراءَةِ رَأْيِ قَتْلِهِ: ﴿إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ وهو دَفْعُ تَبَدُّلِ دِينِكُمْ، وإظْهارِ الفَسادِ في الأرْضِ، بِإظْهارِ أحْكامِهِ.
غافر 40:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠، ٣١] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] .
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِن قَتْلِهِ: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ أيِ: الطَّوائِفِ الهالِكَةِ بِالتَّكْذِيبِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١] أيْ: جَزائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ: ﴿وعادٍ﴾ [غافر: ٣١] أيْ: مِنَ الرِّيحِ العَقِيمِ: ﴿وثَمُودَ﴾ [غافر: ٣١] أيِ: الصَّيْحَةِ: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [غافر: ٣١] أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الهَلاكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِأهْلِ التَّكْذِيبِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ آخَرُ يُوجِبُهُ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] أيْ: فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ.
غافر 40:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠، ٣١] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] .
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِن قَتْلِهِ: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ أيِ: الطَّوائِفِ الهالِكَةِ بِالتَّكْذِيبِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١] أيْ: جَزائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ: ﴿وعادٍ﴾ [غافر: ٣١] أيْ: مِنَ الرِّيحِ العَقِيمِ: ﴿وثَمُودَ﴾ [غافر: ٣١] أيِ: الصَّيْحَةِ: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [غافر: ٣١] أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الهَلاكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِأهْلِ التَّكْذِيبِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ آخَرُ يُوجِبُهُ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] أيْ: فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ.
غافر 40:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ .
﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: عَذابَهُ. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما جاءَ في حَدِيثِ: ««أنَّ الأرْضَ إذا زُلْزِلَتْ، وانْشَقَّتْ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وماجَتْ وارْتَجَّتْ، (p-٥١٦٦)فَنَظَرَ النّاسُ إلى ذَلِكَ، ذَهَبُوا هارِبِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا»» أيْ: مِن هَوْلِ فَزَعِ النَّفْخَةِ. وقالَ قَتادَةُ: يُنادى كُلُّ قَوْمٍ بِأعْمالِهِمْ؛ يُنادِي أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ أهْلَ النّارِ. وقِيلَ لِمُناداةِ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] ومُناداةُ أهْلِ النّارِ أهْلَ الجَنَّةِ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] واخْتارَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّهُ سُمِّيَ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ؛ أيْ: لِوُقُوعِ الكُلِّ فِيهِ.
غافر 40:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: ذاهِبِينَ فِرارًا مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ: ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ، مِن مانِعٍ، لِتُقَرَّرَ الحُجَّةُ عَلَيْكُمْ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ: بِزَيْغِهِ عَنْ صِراطِ رَبِّهِ: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مِن حُجَّةٍ، ولا مُرْشِدٍ إلى النَّجاةِ.
غافر 40:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤] ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ .
﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيءِ مُوسى بِالحُجَجِ البَيِّنَةِ (p-٥١٦٧)والبَراهِينِ النَّيِّرَةِ، عَلى وُجُوبِ عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مَعَ ظُهُورِ اسْتِقامَتِهِ الكافِيَةِ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ ما جاءَكم بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَرِّرُها: ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ: ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: يُقَرِّرُ حُجَجَهُ. فَقَطَعْتُمْ مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ، بِعَدَمِ إرْسالِ اللَّهِ الرَّسُولَ، مَعَ الشَّكِّ في إرْسالِ مَن أعْطاهُ البَيِّناتِ، مِن فَرْطِ ضَلالِكُمْ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: في التَّشْكِيكِ عِنْدَ ظُهُورِ البَراهِينِ القَطْعِيَّةِ: ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ مَعَ ظُهُورِ لَوائِحِ اليَقِينِ.
غافر 40:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥] ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ .
﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ: ﴿أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ أيْ: بَطِرٍ لِلْحَقِّ، لا يَقْبَلُ الحُجَّةَ، جَبّارٍ في المُجادَلَةِ، ألَدَّ فَيَصْدُرُ عَنْهُ أمْثالُ ما ذُكِرَ، مِنَ الإسْرافِ، والِارْتِيابِ، والمُجادَلَةِ في الباطِلِ لِطَمْسِ بَصِيرَتِهِ، فَلا يَكادُ يَظْهَرُ لَهُ الحَقُّ.
غافر 40:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦، ٣٧] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] .
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أيْ: قَصْرًا عالِيًا ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ (p-٥١٦٨): ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: طُرُقَها: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: لِأسْألَهُ عَنْ إرْسالِهِ، أوْ لِأقِفَ عَلى كُنْهِهِ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لِأظُنَّ مُوسى كاذِبًا فِيما يَقُولُ ويَدَّعِي، مِن أنَّ لَهُ في السَّماءِ رَبًّا أرْسَلَهُ إلَيْنا: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: سَبِيلِ الرَّشادِ لِما طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ، مِن كِبْرِهِ، وتَجَبُّرِهِ، وإسْرافِهِ، وارْتِيابِهِ: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: خَسارٍ وهَلاكٍ، لِذَهابِ نَفَقَتِهِ عَلى الصَّرْحِ سُدى، وعَدَمِ نَيْلِهِ، مِمّا أرادَهُ مِنَ الِاطِّلاعِ، شَيْئًا.
غافر 40:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦، ٣٧] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] .
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أيْ: قَصْرًا عالِيًا ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ (p-٥١٦٨): ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: طُرُقَها: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: لِأسْألَهُ عَنْ إرْسالِهِ، أوْ لِأقِفَ عَلى كُنْهِهِ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لِأظُنَّ مُوسى كاذِبًا فِيما يَقُولُ ويَدَّعِي، مِن أنَّ لَهُ في السَّماءِ رَبًّا أرْسَلَهُ إلَيْنا: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: سَبِيلِ الرَّشادِ لِما طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ، مِن كِبْرِهِ، وتَجَبُّرِهِ، وإسْرافِهِ، وارْتِيابِهِ: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: خَسارٍ وهَلاكٍ، لِذَهابِ نَفَقَتِهِ عَلى الصَّرْحِ سُدى، وعَدَمِ نَيْلِهِ، مِمّا أرادَهُ مِنَ الِاطِّلاعِ، شَيْئًا.
غافر 40:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: طَرِيقَ الصَّوابِ الَّذِي تُرْشَدُونَ إذا أخَذْتُمْ فِيهِ، واسْتَكْمَلْتُمُوهُ. ثُمَّ أشارَ إلى تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ:
غافر 40:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ .
﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ أيْ: تَمَتُّعٌ يَسِيرٌ، لِسُرْعَةِ زَوالِها: ﴿وإنَّ الآخِرَةَ﴾ الَّتِي يُوَصِّلُ إلَيْها سَبِيلِي: ﴿هِيَ دارُ القَرارِ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارِ، والخُلُودِ.
غافر 40:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو (p-٥١٦٩)مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، ومُوازَنَةٍ بِالعَمَلِ. بَلْ أضْعافًا مُضاعَفَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: { بِغَيْرِ حِسابٍ } واقِعٌ في مُقابَلَةِ: { إلّا مِثْلَها } يَعْنِي أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ لَهُ حِسابٌ وتَقْدِيرٌ؛ لِئَلّا يَزِيدَ عَلى الِاسْتِحْقاقِ، فَأمّا جَزاءُ العَمَلِ الصّالِحِ فَبِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وحِسابٍ، بَلْ ما شِئْتَ مِنَ الزِّيادَةِ والكَثْرَةِ.
غافر 40:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١، ٤٢] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] .
﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر: ٤٢] أيْ: بِوُجُودِهِ عِلْمٌ؛ إذْ لا وُجُودَ لَهُ: ﴿وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ﴾ [غافر: ٤٢] أيِ: الغالِبِ الَّذِي يَقْهَرُ مَن عَصاهُ: ﴿الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] أيِ: الَّذِي يَسْتُرُ ظُلُماتِ نُفُوسِ مَن أطاعَهُ بِأنْوارِهِ.
غافر 40:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١، ٤٢] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] .
﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر: ٤٢] أيْ: بِوُجُودِهِ عِلْمٌ؛ إذْ لا وُجُودَ لَهُ: ﴿وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ﴾ [غافر: ٤٢] أيِ: الغالِبِ الَّذِي يَقْهَرُ مَن عَصاهُ: ﴿الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] أيِ: الَّذِي يَسْتُرُ ظُلُماتِ نُفُوسِ مَن أطاعَهُ بِأنْوارِهِ.
غافر 40:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣، ٤٤] ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] .
﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ أيِ: الَّذِي تَدْعُونِي إلى عِبادَتِهِ، لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا لِدَفْعِ الشَّدائِدِ، والأمْراضِ ونَحْوِها، (p-٥١٧٠)ولا في الآخِرَةِ لِدَفْعِ أهْوالِها، عَلى ما قالَهُ المَهايِمِيُّ. أوْ لا دَعْوَةَ لَهُ في الدّارَيْنِ لِعَدَمِهِ بِنَفْسِهِ، واسْتِحالَةِ وجُودِهِ فِيهِما، عَلى ما قالَهُ القاشانِيُّ. وقالَ الشِّهابُ: عَدَمُ الدَّعْوَةِ عِبارَةٌ عَنْ جَمادِيَّتِها، وأنَّها غَيْرُ مُسْتَحِقَّةٍ لِذَلِكَ.
وسِياقُ: { لا جَرَمَ } عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ (لا) رَدًّا لِما دَعاهُ إلَيْهِ قَوْمُهُ و: (جَرَمَ) بِمَعْنى كَسَبَ؛ أيْ: وكَسَبَ دُعاؤُهم إلَيْهِ بُطْلانَ دَعْوَتِهِ؛ أيْ: ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: { لا جَرَمَ } نَظِيرَ (لابُدَّ) مِنَ الجَرْمِ وهو القَطْعُ. فَكَما أنَّكَ تَقُولُ: (لابُدَّ لَكَ أنْ تَفْعَلَ). والبُدُّ مِنَ التَّبْدِيدِ الَّذِي هو التَّفْرِيقُ، ومَعْناهُ: لا مُفارَقَةَ لَكَ مِن فِعْلِ كَذا، فَكَذَلِكَ: { لا جَرَمَ } مَعْناهُ لا انْقِطاعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ. بَلْ هي باطِلَةٌ أبَدًا. هَذا ما يُسْتَفادُ مِن (الكَشّافِ).
وفِي "الصِّحاحِ": قالَ الفَرّاءُ: { لا جَرَمَ } كَلِمَةٌ كانَتْ في الأصْلِ بِمَنزِلَةِ لا مَحالَةَ ولا بُدَّ فَجَرَتْ عَلى ذَلِكَ، وكَثُرَتْ حَتّى تَحَوَّلَتْ إلى مَعْنى القَسَمِ، وصارَتْ بِمَنزِلَةِ (حَقًّا)، فَلِذَلِكَ يُجابُ عَنْها بِاللّامِ. ألا تَراهم يَقُولُونَ: (لا جَرَمَ لَآتَيْناكَ). وقَدْ حَقَّقَ الكَلامَ فِيها ابْنُ هِشامٍ في (المُغْنِي) في بَحْثٍ، والجَلالُ في (هُمَعِ الهَوامِعِ) أثْناءَ بَحْثِ إنَّ والقَسَمِ، فانْظُرْهُما ﴿وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: في الضَّلالَةِ، والطُّغْيانِ، وسَفْكِ الدِّماءِ: ﴿هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: ٤٤] أيْ: في النُّصْحِ عِنْدَ مُعايَنَةِ الأهْوالِ، وما يَحِيقُ بِكُمْ: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤] أيْ: وأُسَلِّمُ أمْرِي إلَيْهِ، وأجْعَلُهُ لَهُ، وأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ الكافِي مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] أيْ: فَيَعْلَمُ المُطِيعَ مِنهُمْ، والعاصِيَ، ومَن يَسْتَحِقُّ المَثُوبَةَ والعُقُوبَةَ.
غافر 40:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣، ٤٤] ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] .
﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ أيِ: الَّذِي تَدْعُونِي إلى عِبادَتِهِ، لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا لِدَفْعِ الشَّدائِدِ، والأمْراضِ ونَحْوِها، (p-٥١٧٠)ولا في الآخِرَةِ لِدَفْعِ أهْوالِها، عَلى ما قالَهُ المَهايِمِيُّ. أوْ لا دَعْوَةَ لَهُ في الدّارَيْنِ لِعَدَمِهِ بِنَفْسِهِ، واسْتِحالَةِ وجُودِهِ فِيهِما، عَلى ما قالَهُ القاشانِيُّ. وقالَ الشِّهابُ: عَدَمُ الدَّعْوَةِ عِبارَةٌ عَنْ جَمادِيَّتِها، وأنَّها غَيْرُ مُسْتَحِقَّةٍ لِذَلِكَ.
وسِياقُ: { لا جَرَمَ } عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ (لا) رَدًّا لِما دَعاهُ إلَيْهِ قَوْمُهُ و: (جَرَمَ) بِمَعْنى كَسَبَ؛ أيْ: وكَسَبَ دُعاؤُهم إلَيْهِ بُطْلانَ دَعْوَتِهِ؛ أيْ: ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: { لا جَرَمَ } نَظِيرَ (لابُدَّ) مِنَ الجَرْمِ وهو القَطْعُ. فَكَما أنَّكَ تَقُولُ: (لابُدَّ لَكَ أنْ تَفْعَلَ). والبُدُّ مِنَ التَّبْدِيدِ الَّذِي هو التَّفْرِيقُ، ومَعْناهُ: لا مُفارَقَةَ لَكَ مِن فِعْلِ كَذا، فَكَذَلِكَ: { لا جَرَمَ } مَعْناهُ لا انْقِطاعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ. بَلْ هي باطِلَةٌ أبَدًا. هَذا ما يُسْتَفادُ مِن (الكَشّافِ).
وفِي "الصِّحاحِ": قالَ الفَرّاءُ: { لا جَرَمَ } كَلِمَةٌ كانَتْ في الأصْلِ بِمَنزِلَةِ لا مَحالَةَ ولا بُدَّ فَجَرَتْ عَلى ذَلِكَ، وكَثُرَتْ حَتّى تَحَوَّلَتْ إلى مَعْنى القَسَمِ، وصارَتْ بِمَنزِلَةِ (حَقًّا)، فَلِذَلِكَ يُجابُ عَنْها بِاللّامِ. ألا تَراهم يَقُولُونَ: (لا جَرَمَ لَآتَيْناكَ). وقَدْ حَقَّقَ الكَلامَ فِيها ابْنُ هِشامٍ في (المُغْنِي) في بَحْثٍ، والجَلالُ في (هُمَعِ الهَوامِعِ) أثْناءَ بَحْثِ إنَّ والقَسَمِ، فانْظُرْهُما ﴿وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: في الضَّلالَةِ، والطُّغْيانِ، وسَفْكِ الدِّماءِ: ﴿هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: ٤٤] أيْ: في النُّصْحِ عِنْدَ مُعايَنَةِ الأهْوالِ، وما يَحِيقُ بِكُمْ: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤] أيْ: وأُسَلِّمُ أمْرِي إلَيْهِ، وأجْعَلُهُ لَهُ، وأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ الكافِي مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] أيْ: فَيَعْلَمُ المُطِيعَ مِنهُمْ، والعاصِيَ، ومَن يَسْتَحِقُّ المَثُوبَةَ والعُقُوبَةَ.
غافر 40:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥] ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ .
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْ هَذا المُؤْمِنِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، بِإيمانِهِ وتَصْدِيقِ رَسُولِهِ مُوسى، مَكْرُوهَ ما كانَ فِرْعَوْنُ يَنالُ بِهِ أهْلَ الخِلافِ عَلَيْهِ، مِنَ العَذابِ والبَلاءِ، فَنَجّاهُ مِنهُ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: بِفِرْعَوْنَ، وقَوْمِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ يَعْنِي الغَرَقَ، أوِ النّارَ. وعَلى الأوَّلِ فَقَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:46
(p-٥١٧١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦ - ٤٨] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] .
﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، عَلى أنَّ: { النّارُ } مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ: { يُعْرَضُونَ } خَبَرُهُ. وعَلى الثّانِي، فالنّارُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، وهو خَبَرُ العَذابِ السَّيِّئِ، أوْ هي بَدَلٌ مِن: { سُوءُ العَذابِ } . والمُرادُ عَرْضُ أرْواحِهِمْ عَلَيْها دائِمًا. واكْتَفى بِالطَّرَفَيْنِ المُحِيطَيْنِ -الغُدُوِّ والعَشِيِّ- عَنِ الجَمِيعِ، وبِهِ يُسْتَدَلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ والبَرْزَخِ. وقاناهُ اللَّهُ تَعالى بِمَنِّهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي (العَجائِبِ) لِلْكَرْمانِيِّ، في الآيَةِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيْ: هَذا العَرْضُ ما دامَتِ الدُّنْيا، فَإذا قامَتِ السّاعَةُ يُقالُ لَهُمْ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ جَزاءُ شِدَّةِ كُفْرِهِمْ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] أيْ: يَتَخاصَمُونَ فِيها، الأتْباعُ والمَتْبُوعُونَ: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ [غافر: ٤٧] أيْ: أتْباعًا كالمُكْرَهِينَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها﴾ [غافر: ٤٨] أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ. فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكُمْ؟ ولَوْ قَدَرْنا لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] أيْ: بِأنْ أدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلَ النّارِ النّارَ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. أوْ بِأنْ قَدَّرَ عَذابًا لِكُلٍّ مِنّا لا يُدْفَعُ عَنْهُ، ولا يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، قالَ الشِّهابُ: وهَذا أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ.
غافر 40:47
(p-٥١٧١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦ - ٤٨] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] .
﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، عَلى أنَّ: { النّارُ } مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ: { يُعْرَضُونَ } خَبَرُهُ. وعَلى الثّانِي، فالنّارُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، وهو خَبَرُ العَذابِ السَّيِّئِ، أوْ هي بَدَلٌ مِن: { سُوءُ العَذابِ } . والمُرادُ عَرْضُ أرْواحِهِمْ عَلَيْها دائِمًا. واكْتَفى بِالطَّرَفَيْنِ المُحِيطَيْنِ -الغُدُوِّ والعَشِيِّ- عَنِ الجَمِيعِ، وبِهِ يُسْتَدَلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ والبَرْزَخِ. وقاناهُ اللَّهُ تَعالى بِمَنِّهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي (العَجائِبِ) لِلْكَرْمانِيِّ، في الآيَةِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيْ: هَذا العَرْضُ ما دامَتِ الدُّنْيا، فَإذا قامَتِ السّاعَةُ يُقالُ لَهُمْ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ جَزاءُ شِدَّةِ كُفْرِهِمْ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] أيْ: يَتَخاصَمُونَ فِيها، الأتْباعُ والمَتْبُوعُونَ: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ [غافر: ٤٧] أيْ: أتْباعًا كالمُكْرَهِينَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها﴾ [غافر: ٤٨] أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ. فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكُمْ؟ ولَوْ قَدَرْنا لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] أيْ: بِأنْ أدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلَ النّارِ النّارَ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. أوْ بِأنْ قَدَّرَ عَذابًا لِكُلٍّ مِنّا لا يُدْفَعُ عَنْهُ، ولا يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، قالَ الشِّهابُ: وهَذا أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ.
غافر 40:48
(p-٥١٧١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦ - ٤٨] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] .
﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، عَلى أنَّ: { النّارُ } مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ: { يُعْرَضُونَ } خَبَرُهُ. وعَلى الثّانِي، فالنّارُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، وهو خَبَرُ العَذابِ السَّيِّئِ، أوْ هي بَدَلٌ مِن: { سُوءُ العَذابِ } . والمُرادُ عَرْضُ أرْواحِهِمْ عَلَيْها دائِمًا. واكْتَفى بِالطَّرَفَيْنِ المُحِيطَيْنِ -الغُدُوِّ والعَشِيِّ- عَنِ الجَمِيعِ، وبِهِ يُسْتَدَلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ والبَرْزَخِ. وقاناهُ اللَّهُ تَعالى بِمَنِّهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي (العَجائِبِ) لِلْكَرْمانِيِّ، في الآيَةِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيْ: هَذا العَرْضُ ما دامَتِ الدُّنْيا، فَإذا قامَتِ السّاعَةُ يُقالُ لَهُمْ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ جَزاءُ شِدَّةِ كُفْرِهِمْ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] أيْ: يَتَخاصَمُونَ فِيها، الأتْباعُ والمَتْبُوعُونَ: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ [غافر: ٤٧] أيْ: أتْباعًا كالمُكْرَهِينَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها﴾ [غافر: ٤٨] أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ. فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكُمْ؟ ولَوْ قَدَرْنا لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] أيْ: بِأنْ أدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلَ النّارِ النّارَ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. أوْ بِأنْ قَدَّرَ عَذابًا لِكُلٍّ مِنّا لا يُدْفَعُ عَنْهُ، ولا يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، قالَ الشِّهابُ: وهَذا أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ.
غافر 40:49
(p-٥١٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩] ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ .
﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: لَمّا أيِسُوا مِنَ التَّخْفِيفِ عِنْدَ المُحاجَّةِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: يَدْفَعْ عَنّا يَوْمًا مِن أيّامِ العَذابِ، أوْ ألَمِ يَوْمٍ، وشَدَّتِهِ.
غافر 40:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٠] ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ .
﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُتَكاثِرَةِ عَلى صِدْقِهِمْ، المُنْذِرَةِ بِهَذِهِ الشِّدَّةِ: ﴿قالُوا بَلى﴾ أيْ: جاءُوا بِها، وأخْبَرُوا مَعَ البَيِّناتِ: ﴿قالُوا فادْعُوا﴾ أيْ: إنْ كانَ يَنْفَعُكُمْ، وهَيْهاتَ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في ضَياعٍ لا يُجابُ.
غافر 40:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ .
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ أيْ: لِنَنْصُرَهم في الدّارَيْنِ، أمّا في الدُّنْيا، فَبِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ واسْتِئْصالِهِ عاجِلًا، أوْ بِإظْفارِهِمْ بِعَدُوِّهِمْ وإظْهارِهِمْ عَلَيْهِ، وجَعْلِ الدَّوْلَةِ لَهُمْ، والعافِيَةِ لِأتْباعِهِمْ، وأمّا في الآخِرَةِ، فَبِالنَّعِيمِ الأبَدِيِّ، والحُبُورِ السَّرْمَدِيِّ. و: { الأشْهادُ } جَمْعُ شاهِدٍ، وهم مَن يَشْهَدُ عَلى تَبْلِيغِ الرُّسُلِ وتَكْذِيبِهِمْ ظُلْمًا، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ، كَأشْرافٍ وشَرِيفٍ.
غافر 40:52
(p-٥١٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ .
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ذَلِكَ يَوْمُ لا يَنْفَعُ أهْلَ الشِّرْكِ اعْتِذارُهُمْ؛ لِأنَّهم لا يَعْتَذِرُونَ إلّا بِباطِلٍ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أعْذَرَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وتابَعَ عَلَيْهِمُ الحُجَجَ فِيها، فَلا حُجَّةَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا الِاعْتِصامُ بِالكَذِبِ؛ بِأنْ يَقُولُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ولِذا كانَتْ لَهُمُ اللَّعْنَةُ، وهي البُعْدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وشَرُّ ما في الدّارِ الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ.
غافر 40:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ .
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ أيْ: ما يُهْتَدى بِهِ، فَكَذَّبَ بِهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ: ﴿وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ أيْ: وتَرَكْنا عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ مِن ذَلِكَ التَّوْراةَ.
غافر 40:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤] ﴿هُدًى وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ .
﴿هُدًى﴾ أيْ: بَيانًا لِأمْرِ دِينِهِمْ، وما ألْزَمْناهم مِن شَرائِعِها: ﴿وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: لِذَوِي الحِجى، والعُقُولِ مِنهم.
غافر 40:55
(p-٥١٧٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ .
﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ: إذا تَلَوْتَ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ لِلنّاسِ، فاصْبِرْ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، واصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: بِنَصْرِكَ عَلى مَن خالَفَ، لا خُلْفَ لَهُ وهو مُنْجِزُهُ، واذْكُرْ نَبَأ مُوسى وفِرْعَوْنَ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أيْ: سَلْهُ غُفْرانَهُ، وعَفْوَهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]
غافر 40:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ، ويَرُدُّونَ الحُجَجَ الصَّحِيحَةَ بِالشُّبَهِ الفاسِدَةِ، بِلا بُرْهانٍ ولا حُجَّةٍ مِنَ اللَّهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ﴾ أيْ: إلّا تَكَبُّرٌ عَنِ الحَقِّ، وتَعَظُّمٌ عَنِ التَّفَكُّرِ، وغَمْطٌ لِمَن جاءَهم بِهِ، حَسَدًا مِنهم عَلى الفَضْلِ الَّذِي آتاكَ اللَّهُ، والكَرامَةِ الَّتِي أكْرَمَكَ بِها مِنَ النُّبُوَّةِ: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ: الَّذِي حَسَدُوكَ عَلَيْهِ أمْرٌ لَيْسُوا بِمُدْرِكِيهِ ولا نائِلِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ولَيْسَ بِالأمْرِ الَّذِي يُدْرَكُ بِالأمانِي. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْناهُ: إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا عَظَمَةٌ، ما هم بِبالِغِي تِلْكَ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ مُذِلُّهُمْ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ (p-٥١٧٥): أيْ: فاسْتَجِرْ بِاللَّهِ يا مُحَمَّدُ، مِن شَرِّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ، ومِنَ الكِبْرِ أنْ يَعْرِضَ في قَلْبِكَ مِنهُ شَيْءٌ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ: لِما يَقُولُونَ، وبِما يَعْمَلُونَ، فَسَيُجازِيهِمْ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ كَعْبٌ، وأبُو العالِيَةِ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ، وذَلِكَ أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ الدَّجّالَ مِنهُمْ، وأنَّهم يَمْلِكُونَ بِهِ الأرْضَ. فَأُمِرَ ﷺ أنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِن فِتْنَتِهِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وفِيهِ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ. وإنْ كانَ قَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، ولَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَلى ولَعِهِ بِالغَرِيبِ والضَّعِيفِ.
وفِي (الإكْلِيلِ): لَيْسَ في القُرْآنِ الإشارَةُ إلى الدَّجّالِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ.
غافر 40:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٧] ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: لِإنْشائِهِما، وابْتِداعِهِما مِن غَيْرِ شَيْءٍ، أعْظَمُ مِن خَلْقِ البَشَرِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ، ولا يَتَأمَّلُونَ لِغَلَبَةِ الجَهْلِ عَلَيْهِمْ؛ ولِذا يَجْعَلُونَ إعادَةَ الشَّيْءِ أعْظَمَ مِن خَلْقِهِ عَنْ عَدَمٍ، مَعَ أنَّهُ أهْوَنُ وأيْسَرُ.
غافر 40:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ .
﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيْ: ما يَسْتَوِي الأعْمى الَّذِي لا يُبْصِرُ شَيْئًا، وهو (p-٥١٧٦)مَثَلُ الكافِرِ الَّذِي لا يَتَأمَّلُ حُجَجَ اللَّهِ بِعَيْنَيْهِ فَيَتَدَبَّرُها ويَعْتَبِرُ بِها، فَيَعْلَمُ وحْدانِيَّتَهُ وقُدْرَتَهُ عَلى خَلْقِ ما شاءَ، ويُؤْمِنُ بِهِ -والبَصِيرِ الَّذِي يَرى بِعَيْنَيْهِ ما شَخَصَ لَهُما ويُبْصِرُهُ. وذَلِكَ مِثْلَ المُؤْمِنِ الَّذِي يَرى بِعَيْنَيْهِ حُجَجَ اللَّهِ فَيَتَفَكَّرُ فِيها، ويَتَّعِظُ، ويَعْلَمُ ما دَلَّتْ مِن تَوْحِيدِ صانِعِهِ، وعَظِيمِ سُلْطانِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: ولا يَسْتَوِي أيْضًا المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ: ﴿ولا المُسِيءُ﴾ وهو الكافِرُ بِرَبِّهِ، العاصِي لَهُ، المُخالِفُ أمْرَهُ: ﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: حُجَجَهُ تَعالى. فَيَعْتَبِرُونَ ويَتَّعِظُونَ؛ أيْ: لَوْ تَذَكَّرُوا آياتِهِ واعْتَبَرُوا بِها، لَعَرَفُوا خَطَأ ما هم مُقِيمُونَ عَلَيْهِ، مِن إنْكارِ البَعْثِ، ومِن قُبْحِ الشِّرْكِ.
غافر 40:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩] ﴿إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ: فَأيْقَنُوا بِمَجِيئِها، وأنَّكم مَبْعُوثُونَ، ومُجازَوْنَ بِأعْمالِكُمْ، فَتُوبُوا: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ بِمَجِيئِها؛ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.
غافر 40:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠] ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ .
﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أيِ: اعْبُدُونِي أُثِبْكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ أذِلّاءَ. قالَ الشِّهابُ: إطْلاقُ الدُّعاءِ عَلى العِبادَةِ مَجازٌ، لِتَضَمُّنِ العِبادَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ عِبادَةٌ خاصَّةٌ أُرِيدَ بِهِ المُطْلَقُ، وجَعَلَ الإثابَةَ لِتُرَتِّبِها عَلَيْها اسْتِجابَةً، مَجازًا، أوْ مُشاكَلَةً. وإنَّما أُوِّلَ بِهِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. والمَقامُ يُناسِبُهُ (p-٥١٧٧)الأمْرُ بِالعِبادَةِ. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ، والِاسْتِجابَةِ ظاهِرُهُما، ويُرادَ بِالعِبادَةِ الدُّعاءُ مَجازًا؛ لِأنَّهُ بابٌ مِنَ العِبادَةِ عَظِيمٌ، وفَرْدٌ مِن أفْرادِها فَخِيمٌ. قالَ الشِّهابُ: ولَوْ قِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ المُرادُ بِها العَهْدُ هُنا، فَيُفِيدُ ما ذُكِرَ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ - لَكانَ أحْسَنَ. انْتَهى.
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: -وهُوَ أنَّ المُرادَ بِالدُّعاءِ السُّؤالُ- اقْتَصَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قالَ المَهايِمِيُّ: ﴿أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لِأنَّ الدُّعاءَ مِنَ العَبْدِ غايَةٌ في التَّذَلُّلِ لِرَبِّهِ، وهو مَحْبُوبٌ لِرَبِّهِ. فَإذا أتى العَبْدُ بِمَحْبُوبِ الرَّبِّ عَظَّمَهُ بِالِاسْتِجابَةِ، وإذا لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ في الدُّنْيا عَوَّضَهُ في الآخِرَةِ، ولِحُبِّهِ التَّذَلُّلَ أمَرَ العِبادَ بِالعِبادَةِ، فَإنِ اسْتَكْبَرُوا كانَ لَهم غايَةَ الإذْلالِ. وقالَ القاشانِيُّ: الآيَةُ في دُعاءِ الحالِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ بِاللِّسانِ مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِأنَّ المَدْعُوَّ بِهِ خَيْرٌ لَهُ أمْ لا، دُعاءُ المَحْجُوبِينَ، وأمّا الدُّعاءُ الَّذِي لا تَتَخَلَّفُ عَنْهُ الِاسْتِجابَةُ، فَهو دُعاءُ الحالِ بِأنْ يُهَيِّئَ العَبْدُ اسْتِعْدادَهُ لِقَبُولِ ما يَطْلُبُهُ، ولا تَتَخَلَّفُ الِاسْتِجابَةُ عَنْ هَذا الدُّعاءِ. كَمَن طَلَبَ المَغْفِرَةَ، فَتابَ إلى اللَّهِ، وأنابَ بِالزُّهْدِ والطّاعَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ في آيَةِ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَوائِدُ تُناسِبُ هَذا المَقامَ، فَلْتُراجَعْ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ كَيْفَ لا يَلْزَمُ العِبادَ عِبادَتُهُ، وقَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِما يَقْضِي شُكْرَهُ بِالعِبادَةِ، مِمّا أجْلاهُ مَنافِعَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
غافر 40:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١، ٦٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] .
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيِ: اللَّهُ الَّذِي لا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ ولا تَنْبَغِي عِبادَةُ غَيْرِهِ، هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ،فَتَسْتَرِدُّوا بِالرّاحَةِ فِيهِ، (p-٥١٧٨)ما فاتَكم مِنَ القُوى في العَمَلِ بِالنَّهارِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: أنْ يُبْصَرَ فِيهِ، أوْ بِهِ لِتَتَحَرَّكُوا لِتَحْصِيلِ الأكْسابِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، فَقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْكم بِهِما وبِما فِيهِما.
﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ أيْ: لِيَشْكُرُوهُ بِعِبادَتِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] أيْ: عَنْ طاعَتِهِ إلى إثْباتِ الشَّرِيكِ وعِبادَتِهِ.
غافر 40:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١، ٦٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] .
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيِ: اللَّهُ الَّذِي لا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ ولا تَنْبَغِي عِبادَةُ غَيْرِهِ، هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ،فَتَسْتَرِدُّوا بِالرّاحَةِ فِيهِ، (p-٥١٧٨)ما فاتَكم مِنَ القُوى في العَمَلِ بِالنَّهارِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: أنْ يُبْصَرَ فِيهِ، أوْ بِهِ لِتَتَحَرَّكُوا لِتَحْصِيلِ الأكْسابِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، فَقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْكم بِهِما وبِما فِيهِما.
﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ أيْ: لِيَشْكُرُوهُ بِعِبادَتِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] أيْ: عَنْ طاعَتِهِ إلى إثْباتِ الشَّرِيكِ وعِبادَتِهِ.
غافر 40:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣] ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ الهالِكَةِ؛ أيْ: فَسَلَكْتُمْ أنْتُمْ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَسْلَكَهُمْ، ورَكِبْتُمْ مَحَجَّتَهم في الضَّلالِ.
غافر 40:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٤] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ .
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها وتَسْكُنُونَ فَوْقَها: ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ: مَبْنِيَّةً مَرْفُوعَةً فَوْقَكم بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها لِمَصالِحِكُمْ، وقِوامِ دُنْياكم. وقَدْ فُسِّرَ (البِناءُ) بِالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي المَضارِبَ (أبْنِيَةً).
فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وهو إشارَةٌ إلى كُرَوِيَّتِها. قالَ الشِّهابُ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلُ كُلَّ عُضْوٍ في مَكانٍ يَلِيقُ بِهِ، لِيَتِمَّ الِانْتِفاعُ بِها، فَتَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَتِهِ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: لَذِيذاتِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ لِتَشْكُرُوهُ وحْدَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَصْلُحُ الرُّبُوبِيَّةُ إلّا لَهُ.
غافر 40:65
(p-٥١٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥] ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
﴿هُوَ الحَيُّ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الحَياةِ، وكُلُّ شَيْءٍ سِواهُ فَمُنْقَطِعُ الحَياةِ غَيْرُ دائِمِها: ﴿لا إلَهَ إلا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: مُفْرِدِينَ لَهُ الطّاعَةَ، لا تُشْرِكُوا في عِبادَتِهِ شَيْئًا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ: الثَّناءُ والشُّكْرُ لِلَّهِ، مالِكِ جَمِيعِ أجْناسِ الخَلْقِ، لا لِلْأوْثانِ الَّتِي لا تَمْلِكُ شَيْئًا، ولا تَقْدِرُ عَلى ضَرَرٍ ولا نَفْعٍ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَأْمُرُونَ مَن قالَ: { لا إلَهَ إلّا اللَّهُ } أنْ يَتْبَعَ ذَلِكَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تَأوَّلا مِنهم هَذِهِ الآيَةَ، بِأنَّها أمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِقِيلِ ذَلِكَ. ثُمَّ أسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.
غافر 40:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦] ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ الآلِهَةِ والأوْثانِ: ﴿لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ أيِ: الآياتُ الواضِحاتُ مِن عِنْدِهِ، عَلى وُجُوبِ وِحْدَتِهِ، وتَفَرُّدِهِ بِالعِبادَةِ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: لِأخْضَعَ لَهُ بِالطّاعَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ.
غافر 40:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .
(p-٥١٨٠)﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِمّا يَرْجِعُ إلَيْهِ. أوْ خَلَقَ أباكم آدَمَ مِنهُ: ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ أيْ: يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ، فَتَتَكامَلُ قُواكُمْ: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا﴾ أيْ: إذا تَناهى شَبابُكُمْ، وتَمامُ خَلْقِكُمْ: ﴿شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَصِيرَ شَيْخًا: ﴿ولِتَبْلُغُوا﴾ أيْ: ونَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَبْلُغُوا: ﴿أجَلا مُسَمًّى﴾ أيْ: مِيقاتًا مَحْدُودًا لِحَياتِكُمْ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ لِجَزائِكم وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ولِكَيْ تَعْقِلُوا حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْكم بِذَلِكَ، وتَتَدَبَّرُوا آياتِهِ، فَتَعْرِفُوا بِها أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ.
غافر 40:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨] ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: يَكُونُهُ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مُعاناةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في (سُورَةِ البَقَرَةِ) الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ مُطَوَّلًا.
غافر 40:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ - ٧٢] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: عَنِ الرُّشْدِ إلى الغَيِّ (p-٥١٨١): ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ [غافر: ٧٠] أيْ: بِكِتابِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧٢] أيِ: الماءِ الحارِّ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِدَفْعِهِمْ بَرْدَ اليَقِينِ مِن دَلائِلِ الكِتابِ، والسُّنَّةِ: ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] أيْ: يُحْرَقُونَ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِإحْراقِهِمُ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ.
غافر 40:70
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ - ٧٢] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: عَنِ الرُّشْدِ إلى الغَيِّ (p-٥١٨١): ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ [غافر: ٧٠] أيْ: بِكِتابِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧٢] أيِ: الماءِ الحارِّ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِدَفْعِهِمْ بَرْدَ اليَقِينِ مِن دَلائِلِ الكِتابِ، والسُّنَّةِ: ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] أيْ: يُحْرَقُونَ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِإحْراقِهِمُ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ.
غافر 40:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ - ٧٢] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: عَنِ الرُّشْدِ إلى الغَيِّ (p-٥١٨١): ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ [غافر: ٧٠] أيْ: بِكِتابِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧٢] أيِ: الماءِ الحارِّ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِدَفْعِهِمْ بَرْدَ اليَقِينِ مِن دَلائِلِ الكِتابِ، والسُّنَّةِ: ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] أيْ: يُحْرَقُونَ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِإحْراقِهِمُ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ.
غافر 40:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ - ٧٢] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: عَنِ الرُّشْدِ إلى الغَيِّ (p-٥١٨١): ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ [غافر: ٧٠] أيْ: بِكِتابِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧٢] أيِ: الماءِ الحارِّ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِدَفْعِهِمْ بَرْدَ اليَقِينِ مِن دَلائِلِ الكِتابِ، والسُّنَّةِ: ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] أيْ: يُحْرَقُونَ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِإحْراقِهِمُ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ.
غافر 40:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣، ٧٤] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] .
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ [غافر: ٧٤] أيْ: غابُوا فَلَمْ نَعْرِفْ مَكانَهُمْ، وهَذا قَبْلَ أنْ يُقْرَنُوا مَعَهُمْ، أوْ ضَلالَهَمُ اسْتِعارَةً لِعَدَمِ نَفْعِها لَها. فَحُضُورُهم كالعَدَمِ: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] أيْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وكَذَّبُوا لِحَيْرَتِهِمْ واضْطِرابِهِمْ. أوْ بِمَعْنى: تَبَيَّنَ لَنا أنّا لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا. قالَ القاشانِيُّ: لِاطِّلاعِهِمْ عَلى أنَّ ما عَبَدُوهُ، وضَيَّعُوا أعْمارَهم في عِبادَتِهِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَضْلًا عَنْ إغْنائِهِ عَنْهم شَيْئًا: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] أيْ: أهْلَ الكُفْرِ بِهِ، عَنْهُ وعَنْ رَحْمَتِهِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ.
غافر 40:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣، ٧٤] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] .
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ [غافر: ٧٤] أيْ: غابُوا فَلَمْ نَعْرِفْ مَكانَهُمْ، وهَذا قَبْلَ أنْ يُقْرَنُوا مَعَهُمْ، أوْ ضَلالَهَمُ اسْتِعارَةً لِعَدَمِ نَفْعِها لَها. فَحُضُورُهم كالعَدَمِ: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] أيْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وكَذَّبُوا لِحَيْرَتِهِمْ واضْطِرابِهِمْ. أوْ بِمَعْنى: تَبَيَّنَ لَنا أنّا لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا. قالَ القاشانِيُّ: لِاطِّلاعِهِمْ عَلى أنَّ ما عَبَدُوهُ، وضَيَّعُوا أعْمارَهم في عِبادَتِهِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَضْلًا عَنْ إغْنائِهِ عَنْهم شَيْئًا: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] أيْ: أهْلَ الكُفْرِ بِهِ، عَنْهُ وعَنْ رَحْمَتِهِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ.
غافر 40:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥] ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ .
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: العَذابُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ فَرَحِكم في الدُّنْيا، بِغَيْرِ ما أذِنَ اللَّهُ لَكم بِهِ، مِنَ الباطِلِ والمَعاصِي، وبِمَرَحِكم فِيها. و(المَرَحُ) هو الأشَرُ، والبَطَرُ، والخُيَلاءُ. وبَيْنَ (الفَرَحِ) و(المَرَحِ) تَجْنِيسٌ بَدِيعٌ.
غافر 40:76
(p-٥١٨٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦] ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ .
﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ أيْ: مَنزِلَ المُتَعَظِّمِينَ عَنِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ جَهَنَّمَ.
غافر 40:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ .
﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾
﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: فاصْبِرْ عَلى جِدالِ هَؤُلاءِ المُتَكَبِّرِينَ في آياتِ اللَّهِ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ وعْدَ اللَّهِ إيّاكَ بِالظَّفَرِ عَلَيْهِمْ، حَقٌّ ثابِتٌ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ والنِّقْمَةِ: ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما يَحِلُّ: ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: فَنَحْكُمُ بَيْنَهم بِالحَقِّ، وهو الخُلُودُ في النّارِ، لِمُناسَبَةِ نُفُوسِهِمْ الكَدِرَةِ الظُّلْمانِيَّةِ، البَعِيدَةِ عَنِ الحَقِّ، واسْتِحْكامِ مَلَكاتِ رَذائِلِهِمْ.
غافر 40:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ أيْ: لِتَقِفَ عَلى ما وفَيْنا لَهم مِن وعْدِ النَّصْرِ إيّاهم في الدُّنْيا: ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ أيْ: لِمَكانِ الطُّولِ، مَعَ أنَّ في نَبَئِهِمْ ما يُشاكِلُ نَبَأ المَذْكُورِينَ، والشَّيْءُ يُعْتَبَرُ بِشَكْلِهِ: ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ (p-٥١٨٣)أيْ: بِأمْرِهِ. وهَذا رَدٌّ لِمُقْتَرَحِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ في طَلَبِ ما قَصَّ عَنْهم مِن آيَةِ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيَةَ... بِأنَّ الإتْيانَ بِذَلِكَ مَرَدُّهُ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى وإرادَتُهُ بِهِ، وقَدْ شاءَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ العُظْمى تَنْزِيلَهُ، الأكْبَرَ مِن كُلِّ آيَةٍ، والأعْظَمُ مِن كُلِّ خارِقَةٍ. فَهو خَيْرُ الآياتِ، وأحْسَنُها، وأقْوَمُ المُعْجِزاتِ، وأمْتَنُها. كَما قالَ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦] وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٥١] ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: عِنْدَ عَدَمِ الإيمانِ بِالآيَةِ المُقْتَرَحَةِ، بَعْدَ إتْيانِها: ﴿قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مِنَ المُؤاخَذَةِ، بَعْدَ تَقْرِيرِ الحُجَّةِ المُقْتَرَحَةِ لَهُمْ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: في دَعْواهُمُ الشَّرِيكَ، وافْتِرائِهِمُ الكَذِبَ.
غافر 40:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] .
﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ أيْ: مُسَخَّرَةً: (p-٥١٨٤)﴿لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ [غافر: ٨٠] مِنَ الجُلُودِ، والأوْبارِ، والأصْوافِ: ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠] أيْ: بِالمُسافَرَةِ عَلَيْها: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ﴾ [غافر: ٨٠] أيْ: في طَرِيقِ البَحْرِ: ﴿تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١] أيْ: دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى فَرْطِ رَحْمَتِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] أيْ: مِنَ الحُصُونِ، والقُصُورِ، والمَبانِي، والعُدَدِ، والعَدَدِ.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] أيْ: مِمّا لا يُدْفَعُ بِهِ العَذابُ الأرْضِيُّ، ولا السَّماوِيُّ.
غافر 40:80
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] .
﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ أيْ: مُسَخَّرَةً: (p-٥١٨٤)﴿لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ [غافر: ٨٠] مِنَ الجُلُودِ، والأوْبارِ، والأصْوافِ: ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠] أيْ: بِالمُسافَرَةِ عَلَيْها: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ﴾ [غافر: ٨٠] أيْ: في طَرِيقِ البَحْرِ: ﴿تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١] أيْ: دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى فَرْطِ رَحْمَتِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] أيْ: مِنَ الحُصُونِ، والقُصُورِ، والمَبانِي، والعُدَدِ، والعَدَدِ.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] أيْ: مِمّا لا يُدْفَعُ بِهِ العَذابُ الأرْضِيُّ، ولا السَّماوِيُّ.
غافر 40:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] .
﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ أيْ: مُسَخَّرَةً: (p-٥١٨٤)﴿لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ [غافر: ٨٠] مِنَ الجُلُودِ، والأوْبارِ، والأصْوافِ: ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠] أيْ: بِالمُسافَرَةِ عَلَيْها: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ﴾ [غافر: ٨٠] أيْ: في طَرِيقِ البَحْرِ: ﴿تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١] أيْ: دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى فَرْطِ رَحْمَتِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] أيْ: مِنَ الحُصُونِ، والقُصُورِ، والمَبانِي، والعُدَدِ، والعَدَدِ.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] أيْ: مِمّا لا يُدْفَعُ بِهِ العَذابُ الأرْضِيُّ، ولا السَّماوِيُّ.
غافر 40:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] .
﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ أيْ: مُسَخَّرَةً: (p-٥١٨٤)﴿لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ [غافر: ٨٠] مِنَ الجُلُودِ، والأوْبارِ، والأصْوافِ: ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠] أيْ: بِالمُسافَرَةِ عَلَيْها: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ﴾ [غافر: ٨٠] أيْ: في طَرِيقِ البَحْرِ: ﴿تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١] أيْ: دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى فَرْطِ رَحْمَتِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] أيْ: مِنَ الحُصُونِ، والقُصُورِ، والمَبانِي، والعُدَدِ، والعَدَدِ.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] أيْ: مِمّا لا يُدْفَعُ بِهِ العَذابُ الأرْضِيُّ، ولا السَّماوِيُّ.
غافر 40:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣ - ٨٥] ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] .
﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ أيِ: الخالِي عَنْ نُورِ الهِدايَةِ والوَحْيِ، ورَضُوا بِها عَنْ قَبُولِ هِدايَةِ الرُّسُلِ، ومَعارِفِهِمْ، واسْتَهْزَأُوا بِرُسُلِهِمْ لِاسْتِصْغارِهِمْ بِما جاءُوا بِهِ، في جَنْبِ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ الوَهْمِيِّ: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] أيْ: مَضَتْ في خَلْقِهِ، أنْ لا يَقْبَلُ تَوْبَةً، ولا إيمانًا في تِلْكَ الحالِ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] أيْ: وهَلَكَ، عِنْدَ مَجِيءِ بَأْسِهِ تَعالى، الكافِرُونَ بِرَبِّهِمُ الجاحِدُونَ تَوْحِيدَ خالِقِهِمْ، فَفاتَتْهم سَعادَةُ الأبَدِ، والعَيْشُ الرَّغَدُ.
نَسْألُهُ تَعالى المُعافاةَ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ، والمُوافاةَ مَعَ زُمْرَةِ أحْبابِهِ. آمِينَ.
غافر 40:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣ - ٨٥] ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] .
﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ أيِ: الخالِي عَنْ نُورِ الهِدايَةِ والوَحْيِ، ورَضُوا بِها عَنْ قَبُولِ هِدايَةِ الرُّسُلِ، ومَعارِفِهِمْ، واسْتَهْزَأُوا بِرُسُلِهِمْ لِاسْتِصْغارِهِمْ بِما جاءُوا بِهِ، في جَنْبِ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ الوَهْمِيِّ: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] أيْ: مَضَتْ في خَلْقِهِ، أنْ لا يَقْبَلُ تَوْبَةً، ولا إيمانًا في تِلْكَ الحالِ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] أيْ: وهَلَكَ، عِنْدَ مَجِيءِ بَأْسِهِ تَعالى، الكافِرُونَ بِرَبِّهِمُ الجاحِدُونَ تَوْحِيدَ خالِقِهِمْ، فَفاتَتْهم سَعادَةُ الأبَدِ، والعَيْشُ الرَّغَدُ.
نَسْألُهُ تَعالى المُعافاةَ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ، والمُوافاةَ مَعَ زُمْرَةِ أحْبابِهِ. آمِينَ.
غافر 40:85
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣ - ٨٥] ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] .
﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ أيِ: الخالِي عَنْ نُورِ الهِدايَةِ والوَحْيِ، ورَضُوا بِها عَنْ قَبُولِ هِدايَةِ الرُّسُلِ، ومَعارِفِهِمْ، واسْتَهْزَأُوا بِرُسُلِهِمْ لِاسْتِصْغارِهِمْ بِما جاءُوا بِهِ، في جَنْبِ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ الوَهْمِيِّ: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] أيْ: مَضَتْ في خَلْقِهِ، أنْ لا يَقْبَلُ تَوْبَةً، ولا إيمانًا في تِلْكَ الحالِ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] أيْ: وهَلَكَ، عِنْدَ مَجِيءِ بَأْسِهِ تَعالى، الكافِرُونَ بِرَبِّهِمُ الجاحِدُونَ تَوْحِيدَ خالِقِهِمْ، فَفاتَتْهم سَعادَةُ الأبَدِ، والعَيْشُ الرَّغَدُ.
نَسْألُهُ تَعالى المُعافاةَ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ، والمُوافاةَ مَعَ زُمْرَةِ أحْبابِهِ. آمِينَ.
فصلت 41:1
(p-٥١٨٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ فُصِّلَتْ
(حم السَّجْدَةِ) سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى آيَةِ سَجْدَةٍ. تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ المَظاهِرِ بِالكُلِّيَّةِ. وأنَّ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ بِذاتِهِ أجَلَّ العِباداتِ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ.
(p-٥١٨٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١، ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] قالَ أبُو السُّعُودِ: إنْ جُعِلَ: { حم } اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو الأظْهَرُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: { تَنْزِيلٌ } وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وخَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، إنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] مُتَعَلِّقٌ بِهِ، مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ، بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ. أوْ خَبَرٌ آخَرُ. أوْ: { تَنْزِيلٌ } مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، خَبَرُهُ: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ [فصلت: ٣]
فصلت 41:2
(p-٥١٨٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ فُصِّلَتْ
(حم السَّجْدَةِ) سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى آيَةِ سَجْدَةٍ. تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ المَظاهِرِ بِالكُلِّيَّةِ. وأنَّ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ بِذاتِهِ أجَلَّ العِباداتِ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ.
(p-٥١٨٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١، ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] قالَ أبُو السُّعُودِ: إنْ جُعِلَ: { حم } اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو الأظْهَرُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: { تَنْزِيلٌ } وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وخَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، إنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] مُتَعَلِّقٌ بِهِ، مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ، بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ. أوْ خَبَرٌ آخَرُ. أوْ: { تَنْزِيلٌ } مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، خَبَرُهُ: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ [فصلت: ٣]
فصلت 41:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣] ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿كِتابٌ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَدارٌ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، واقِعٌ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ: بُيِّنَتْ بِالِاشْتِمالِ عَلى جَمِيعِ المَطالِبِ الدِّينِيَّةِ، مَعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ يَتَيَسَّرُ فِيهِ مِن جَمِيعِ الفَوائِدِ ما لا يَتَيَسَّرُ في غَيْرِهِ. وانْتِصابُ: { قُرْآنًا } عَلى المَدْحِ، أوِ الحالِيَّةِ مِن: { كِتابٌ } لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ مِن: { آياتُهُ }: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِقْدارَهُ ومَعانِيهِ، أوْ لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ.
فصلت 41:4
(p-٥١٨٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤] ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ .
﴿بَشِيرًا﴾ أيْ: لِلْعامِلِينَ بِهِ، النّاظِرِينَ فِيهِ، والمُسْتَخْرَجِينَ مِنهُ، بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ: ﴿ونَذِيرًا﴾ أيْ: لِلْمُعْرِضِينَ عَنْهُ بِخُلُودِ الأبَدِ في نارِ جَهَنَّمَ: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ القَوْمِ، الَّذِينَ أُنْزِلَ هَذا القُرْآنُ بَشِيرًا ونَذِيرًا لَهُمْ، فَلَمْ يَتَدَبَّرُوهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: لا يَصْغُونَ لَهُ، عُتُوًّا واسْتِكْبارًا.
فصلت 41:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥] ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ .
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: أغْطِيَةٍ مُتَكاثِفَةٍ، لا يَصِلُ إلَيْها شَيْءٌ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، مِنَ التَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ ما في هَذا القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ، والنَّهْيِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ، لا نَسْمَعُ ذَلِكَ، اسْتِثْقالًا لَهُ وكَراهِيَةً: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: فَلا تَواصُلَ ولا تَلاقِيَ عَلى ما نُدْعى إلَيْهِ: ﴿فاعْمَلْ﴾ أيْ: عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، وانْصَبْ لَهُ: ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيْ: عَلى ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا.
فصلت 41:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨] ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] .
(p-٥١٨٨)﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ، مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الباطِلِ، والسُّبُلِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ: بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] أيْ: لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم. بِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ لا يُنْفِقُونَ مِن أمْوالِهِمْ زَكاتَها. وهَذا ما رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ذَهابًا إلى أنَّ ذَلِكَ هو الأشْهَرُ مِن مَعْنى الزَّكاةِ. لاسِيَّما مَعَ ضَمِيمَةِ الإيتاءِ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن أخَصِّ صِفاتِ الكُفّارِ هو مَنعُ الزَّكاةِ، لِيُحَذِّرَ المُؤْمِنُونَ مِنَ ارْتِكابِهِ. وعَنْ قَتادَةَ: إنَّ الزَّكاةَ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ. فَمَن قَطَعَها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عَنْها هَلَكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ كانَ أهْلُ الرِّدَّةِ بَعْدَ نَبِيِّ اللَّهِ، قالُوا: أمّا الصَّلاةُ فَنُصَلِّي. وأمّا الزَّكاةُ، فَواللَّهِ! لا تُغْصَبُ أمْوالُنا. قالَ فَقالَأبُو بَكْرٍ: واللَّهِ! لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ. واللَّهِ! لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا فَرَضَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، لَقاتَلْناهم عَلَيْهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٧] أيْ: بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ لِلْمُجازاةِ: ﴿هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أيْ: عَلَيْهِمْ، أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ، أوْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ.
فصلت 41:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨] ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] .
(p-٥١٨٨)﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ، مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الباطِلِ، والسُّبُلِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ: بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] أيْ: لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم. بِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ لا يُنْفِقُونَ مِن أمْوالِهِمْ زَكاتَها. وهَذا ما رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ذَهابًا إلى أنَّ ذَلِكَ هو الأشْهَرُ مِن مَعْنى الزَّكاةِ. لاسِيَّما مَعَ ضَمِيمَةِ الإيتاءِ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن أخَصِّ صِفاتِ الكُفّارِ هو مَنعُ الزَّكاةِ، لِيُحَذِّرَ المُؤْمِنُونَ مِنَ ارْتِكابِهِ. وعَنْ قَتادَةَ: إنَّ الزَّكاةَ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ. فَمَن قَطَعَها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عَنْها هَلَكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ كانَ أهْلُ الرِّدَّةِ بَعْدَ نَبِيِّ اللَّهِ، قالُوا: أمّا الصَّلاةُ فَنُصَلِّي. وأمّا الزَّكاةُ، فَواللَّهِ! لا تُغْصَبُ أمْوالُنا. قالَ فَقالَأبُو بَكْرٍ: واللَّهِ! لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ. واللَّهِ! لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا فَرَضَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، لَقاتَلْناهم عَلَيْهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٧] أيْ: بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ لِلْمُجازاةِ: ﴿هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أيْ: عَلَيْهِمْ، أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ، أوْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ.
فصلت 41:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨] ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] .
(p-٥١٨٨)﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ، مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الباطِلِ، والسُّبُلِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ: بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] أيْ: لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم. بِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ لا يُنْفِقُونَ مِن أمْوالِهِمْ زَكاتَها. وهَذا ما رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ذَهابًا إلى أنَّ ذَلِكَ هو الأشْهَرُ مِن مَعْنى الزَّكاةِ. لاسِيَّما مَعَ ضَمِيمَةِ الإيتاءِ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن أخَصِّ صِفاتِ الكُفّارِ هو مَنعُ الزَّكاةِ، لِيُحَذِّرَ المُؤْمِنُونَ مِنَ ارْتِكابِهِ. وعَنْ قَتادَةَ: إنَّ الزَّكاةَ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ. فَمَن قَطَعَها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عَنْها هَلَكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ كانَ أهْلُ الرِّدَّةِ بَعْدَ نَبِيِّ اللَّهِ، قالُوا: أمّا الصَّلاةُ فَنُصَلِّي. وأمّا الزَّكاةُ، فَواللَّهِ! لا تُغْصَبُ أمْوالُنا. قالَ فَقالَأبُو بَكْرٍ: واللَّهِ! لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ. واللَّهِ! لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا فَرَضَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، لَقاتَلْناهم عَلَيْهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٧] أيْ: بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ لِلْمُجازاةِ: ﴿هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أيْ: عَلَيْهِمْ، أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ، أوْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ.
فصلت 41:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩، ١٠] ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] .
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: في مِقْدارِهِما (p-٥١٨٩)وعِلْمِهِمْ بِصِلَةِ المَوْصُولِ، أمّا لِما تَلَقَّوْهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، فاسْتَفاضَ بَيْنَهم. أوْ لِما سَمِعُوهُ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، كالتَّوْراةِ، فَأذْعَنَتْ بِذَلِكَ نُفُوسُهُمْ، حَتّى صارَ مَعْهُودًا لَها: ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أكْفاءَ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: أكْثَرَ خَيْرَها: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: مُسْتَوِيَةً بِالِامْتِزاجِ والِاعْتِدالِ، لِلطّالِبِينَ لِلْأقْواتِ والمُعايِشِ؛ أيْ: قَدَّرَها لَهُمْ، أوْ لِمَن سَألَ عَنْ مَبْلَغِ الأجَلِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الأرْضَ، وجَعَلَ فِيها الرَّواسِيَ والبَرَكَةَ، وتَقْدِيرَ الأقْواتِ. فَحَدَّهُ، كَما أخْبَرَ تَعالى، وأنَّهُ أرْبَعَةُ أيّامٍ.
فصلت 41:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩، ١٠] ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] .
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: في مِقْدارِهِما (p-٥١٨٩)وعِلْمِهِمْ بِصِلَةِ المَوْصُولِ، أمّا لِما تَلَقَّوْهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، فاسْتَفاضَ بَيْنَهم. أوْ لِما سَمِعُوهُ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، كالتَّوْراةِ، فَأذْعَنَتْ بِذَلِكَ نُفُوسُهُمْ، حَتّى صارَ مَعْهُودًا لَها: ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أكْفاءَ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: أكْثَرَ خَيْرَها: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: مُسْتَوِيَةً بِالِامْتِزاجِ والِاعْتِدالِ، لِلطّالِبِينَ لِلْأقْواتِ والمُعايِشِ؛ أيْ: قَدَّرَها لَهُمْ، أوْ لِمَن سَألَ عَنْ مَبْلَغِ الأجَلِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الأرْضَ، وجَعَلَ فِيها الرَّواسِيَ والبَرَكَةَ، وتَقْدِيرَ الأقْواتِ. فَحَدَّهُ، كَما أخْبَرَ تَعالى، وأنَّهُ أرْبَعَةُ أيّامٍ.
فصلت 41:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١] ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: قَصَدَ إلى إيجادِهِما. وثُمَّ، لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ في الإحْكامِ وعَدَمِهِ، واخْتِلافِهِما في الجِهَةِ والجَوْهَرِ، لا لِلتَّراخِي في الزَّمانِ؛ إذْ لا زَمانَ هُناكَ. قالَهُ القاشانِيُّ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ثُمَّ ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، أيْ: بِلا تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ: ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: جَوْهَرٌ لَطِيفٌ بِخِلافِ الجَواهِرِ الكَثِيفَةِ الثَّقِيلَةِ الأرْضِيَّةِ. وقالَ القاضِي: (دُخانٌ) أمْرٌ ظُلْمانِيٌّ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ مادَّتَها، أوِ الأجْزاءَ المُصَغَّرَةَ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها، وأصْلُهُ لِلرّازِيِّ حَيْثُ قالَ: لَمّا خَلَقَ تَعالى الأجْزاءَ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ، فَقَبْلَ أنْ خَلَقَ فِيها كَيْفِيَّةَ الضَّوْءِ، كانَتْ مُظْلِمَةً عَدِيمَةَ النُّورِ، ثُمَّ لَمّا رَكَّبَها وجَعَلَها سَماواتٍ، وكَواكِبَ، وشَمْسًا، وقَمَرًا، وأحْدَثَ صِفَةَ (p-٥١٩٠)الضَّوْءِ فِيها، فَحِينَئِذٍ صارَتْ مُسْتَنِيرَةً. فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ، حِينَ قَصَدَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها السَّماواتِ، والشَّمْسَ، والقَمَرَ، كانَتْ مُظْلِمَةً. فَصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالدُّخانِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّخانِ إلّا أجْزاءٌ مُتَفَرِّقَةٌ، غَيْرُ مُتَواصِلَةٍ، عَدِيمَةُ النُّورِ. ثُمَّ قالَ: فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ أيْ: ذَرّاتٌ، أيْ: غازاتٌ؛ أيْ: سَدِيمٌ. ثُمَّ تَجاذَبَتْ كَما يَجْتَمِعُ السَّحابُ فَصارَتْ كُتْلَةً واحِدَةً. مِصْداقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] أيْ: كُتْلَةً واحِدَةً، فَدارَتْ ثُمَّ تَقَطَّعَتْ، وتَفَصَّلَتْ بِالقُوَّةِ الدّافِعَةِ، فَتَكَوَّنَتِ الأرْضُ والسَّماواتُ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] أيْ: فَصَلْناهُما، فَصارَتا كُراتٍ مِنَ الماءِ في يَوْمَيْنِ، أيْ: ألْفَيْ سَنَةٍ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وفي هَذا الوَقْتِ كانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ. أيْ: كانَ مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ عَلى الماءِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعَلَّقَ أمْرُهُ وإرادَتُهُ بِإيجادِهِما، فَوُجِدَتا في الحالِ مَعًا. كالمَأْمُورِ المُطِيعِ، إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ الآمِرِ المُطاعِ لَمْ يَلْبَثْ في امْتِثالِهِ. وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ؛ إذْ لا قَوْلَ ثَمَّةَ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قالَ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ لِلسَّماءِ والأرْضِ: جِيئا بِما خَلَقْتُ فِيكُما. أمّا أنْتَ يا سَماءُ، فَأطْلِعِي ما خَلَقْتُ فِيكِ مِنَ الشَّمْسِ، والقَمَرِ، والنُّجُومِ. وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَأخْرِجِي ما خَلَقْتُ فِيكِ مِنَ الأشْجارِ، والثِّمارِ، والنَّباتِ، وتَشَقَّقِي عَنِ الأنْهارِ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: جِئْنا بِما أحْدَثْتَ فِينا مِن خَلْقِكَ، مُسْتَجِيبِينَ لِأمْرِكَ، لا نَعْصِي أمْرَكَ. انْتَهى.
يَعْنِي أنَّ إثْباتَ المُقاوَلَةِ مَعَ السَّماءِ والأرْضِ مِنَ المَجازِ. إمّا بِالِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. كَما تَقُولُ: (p-٥١٩١)(نَطَقَتِ الحالُ). فَتُجْعَلُ الحالَ كَإنْسانٍ يَتَكَلَّمُ في الدَّلالَةِ، ثُمَّ يُتَخَيَّلُ لَهُ النُّطْقُ الَّذِي هو لازِمُ المُشَبَّهِ بِهِ، ويُنْسَبُ إلَيْهِ. وإمّا بِالِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ شَبَّهَ فِيهِ حالَةَ السَّماءِ والأرْضِ الَّتِي بَيْنَهُما وبَيْنَ خالِقِهِما، في إرادَةِ تَكْوِينِهِما وإيجادِهِما، بِحالَةِ أمِيرٍ ذِي جَبَرُوتٍ لَهُ نَفاذٌ في سُلْطانِهِ، وإطاعَةٌ مِن تَحْتِ تَصَرُّفِهِ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ.
وقَدْ رَدَّ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ في الجَماداتِ تَمْيِيزًا ونُطْقًا عَلى ظاهِرِ أمْثالِ هَذِهِ النُّصُوصِ، مِنهُمُ ابْنُ حَزْمٍ. قالَ في (الفِصَلِ): وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَقَدْ عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ والمُشاهَدَةِ أنَّ القَوْلَ في اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، إنَّما هو دَفْعُ آلاتِ الكَلامِ مِن أنابِيبِ الصَّدْرِ، والحَلْقِ، والحَنَكِ، واللِّسانِ، والشَّفَتَيْنِ، والأضْراسِ، بِهَواءٍ يَصِلُ إلى آذانِ السّامِعِ، فَيَفْهَمُ بِهِ مُراداتِ القائِلِ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا، فَلِكُلِّ مَن لا لِسانَ لَهُ، ولا شَفَتَيْنِ، ولا أضْراسَ، ولا حَنَكَ، ولا حَلْقَ، فَلا يَكُونُ مِنهُ القَوْلُ المَعْهُودُ مِنّا. هَذا مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ ذُو عَقْلٍ. فَإذا هَذا هَكَذا كَما قُلْنا بِالعِيانِ، فَكُلُّ قَوْلٍ ورَدَ بِهِ نَصٌّ ولَفْظٌ مُخْبِرٌ بِهِ عَمَّنْ لَيْسَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ هو القَوْلَ المَعْهُودَ عِنْدَنا. لَكِنَّهُ مَعْنًى آخَرُ. فَإذْ هَذا كَما ذَكَرْنا، فَبِالضَّرُورَةِ صَحَّ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ إنَّما هو عَلى نَفاذِ حُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَصْرِيفِهِ لَهُما. انْتَهى.
وكَذا الحالُ فِي: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ فَإنَّهُما لَمّا نُزِّلا وهُما مِنَ الجَماداتِ- مَنزِلَةَ العُقَلاءِ، إذْ أُمِرا وخُوطِبا عَلى طَرِيقِ المَكْنِيَّةِ، أوِ التَّمْثِيلِيَّةِ، أثْبَتَ لَهُما ما هو مِن صِفاتِ العُقَلاءِ مِنَ الطَّوْعِ والكَرْهِ تَرْشِيحًا. وهُما مُؤَوَّلانِ بِ: (طائِعٍ وكارِهٍ)؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَقَعُ حالًا بِدُونِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ كَوْنُهُما مَفْعُولًا مُطْلَقًا. وإنَّما قالَ: ﴿طائِعِينَ﴾ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ مَعَ اخْتِصاصِهِ بِالعُقَلاءِ الذُّكُورِ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (طائِعاتٍ)، أوْ (طائِعَتَيْنِ) نَظَرًا إلى الخِطابِ، والإجابَةِ، والوَصْفِ بِالطَّوْعِ، والكُرْهِ.
فصلت 41:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
(p-٥١٩٢)﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: أحْكَمَهُنَّ بِإزالَةِ رَخاوَةِ الدُّخانِ. قالَ المَهايِمِيُّ ولَمْ يُجْعَلْ لِمادَّتِها يَوْمًا؛ لِأنَّها كَمادَّةِ الأرْضِ. فَدَخَلَتْ في يَوْمِها: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ أيْ: ما أمَرَ بِهِ فِيها، ودَبَّرَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، والخَلْقِ الَّذِي فِيها، وما لا يُعْلَمُ: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ فَإنَّها كالسَّقْفِ المَرْفُوعِ المُزَيَّنِ بِمَصابِيحَ مُعَلَّقَةٍ بِهِ، ما يَدْعُو إلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى قُدْرَةِ صانِعِها وحِكْمَتِهِ: ﴿وحِفْظًا﴾ أيْ: مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْتَرِقَ أخْبارَها: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾
فصلت 41:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣] ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ .
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ، وعَنِ الإيمانِ بِهَذا العَزِيزِ الغالِبِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي اقْتَضى عِلْمُهُ تَرْتِيبَ بَعْضِ الأُمُورِ: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ لِأنَّكم مِثْلُهُما في العِنادِ، ومِثْلَ عادٍ في الِاسْتِكْبارِ، ومِثْلَ ثَمُودَ في اسْتِحْبابِ العَمى عَلى الهُدى. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ بَيَّنّا فِيما مَضى أنَّ مَعْنى الصّاعِقَةِ كُلُّ ما أفْسَدَهُ الشَّيْءُ، وغَيَّرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ. وقِيلَ في هَذا المَوْضُوعِ: عُنِيَ بِها وقْعَةٌ مِنَ اللَّهِ وعَذابٌ.
فصلت 41:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٦] ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْـزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] .
(p-٥١٩٣)﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ، واجْتَهَدُوا بِهِمْ، وأعْمَلُوا فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ، والإعْراضَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَأُعْلِمَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، وتَقُولُ: (اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ حِيلَةٌ).
وحاصِلُهُ جَعْلُ الجِهَتَيْنِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، عَلى ما عُرِفَ في مِثْلِهِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، بَذْلُ الوُسْعِ في دَعْوَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: جاءُوهم بِالوَعْظِ مِن جِهَةِ الزَّمَنِ الماضِي، وما جَرى فِيهِ عَلى الكُفّارِ، ومِن جِهَةِ المُسْتَقْبَلِ، وما سَيَجْرِي عَلَيْهِمْ. فالمُرادُ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الزَّمَنُ الماضِي، وبِما خَلْفَهُمُ المُسْتَقْبَلُ. ويَجُوزُ فِيهِ العَكْسُ، كَما ذُكِرَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: إرْسالَ رَسُولٍ: ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ بِما تَدْعُونَنا إلَيْهِ: ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ: ﴿كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أيْ: حَتّى نَخافَ عَذابَهُ، لَوْ تَرَكْنا عِبادَتَهُ، أوْ عَبَدْنا مَعَهُ غَيْرَهُ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أيْ: فَيَجِبُ أنْ يُحْذَرَ عِقابُهُ ويُتَّقى عَذابُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا﴾ [فصلت: ١٥] أيِ: الَّتِي هي أقْوى الدَّلائِلِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: لِعُتُوِّهِمْ بِالقُوَّةِ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: شَدِيدَةَ الصَّوْتِ في هُبُوبِها: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: مَشْؤُوماتٍ عَلَيْهِمْ: ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: في الأُخْرى، كَما لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: اسْتَدَلَّ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأيّامِ قَدْ يَكُونُ (p-٥١٩٤)نَحْسًا وبَعْضُها قَدْ يَكُونُ سَعْدًا؛ لِأنَّ النَّحْسَ يُقابِلُهُ السَّعْدُ، والكَدَرُ يُقابِلُهُ الصّافِي. ثُمَّ أطالَ الرّازِيُّ في الجَوابِ والإيرادِ. ولا يَخْفى أنَّ السَّعْدَ والنَّحْسَ إنَّما هو أمْرٌ إضافِيٌّ لا ذاتِيٌّ. وإلّا لَكانَ اليَوْمَ الَّذِي يَراهُ المُنَجِّمُونَ نَحْسًا، مَشْؤُومُ الطّالِعَ عَلى كُلِّ ما أشْرَقَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وكَذا ما يَرَوْنَهُ سَعْدًا، والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ إذِ اليَوْمُ النَّحْسُ عِنْدَ زَيْدٍ، قَدْ يَكُونُ سَعْدًا عِنْدَ بَكْرٍ. بَلِ السّاعَةُ بَلِ الدَّقِيقَةُ. فَأيْنَ تِلْكَ الدَّعْوى؟ والقُرْآنُ أتى عَلى أُسْلُوبِ العَرَبِ البَدِيعِ. ومِن لَطائِفِهِمْ تَسْمِيَةُ وقْتِ الشِّدَّةِ، والبُؤْسِ بِالنَّحْسِ، ومُقابِلِها بِالسَّعْدِ. فالنَّحْسُ نَحْسٌ عَلى صاحِبِهِ، والسَّعْدُ سَعْدٌ عَلى صاحِبِهِ.
فصلت 41:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٦] ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْـزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] .
(p-٥١٩٣)﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ، واجْتَهَدُوا بِهِمْ، وأعْمَلُوا فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ، والإعْراضَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَأُعْلِمَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، وتَقُولُ: (اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ حِيلَةٌ).
وحاصِلُهُ جَعْلُ الجِهَتَيْنِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، عَلى ما عُرِفَ في مِثْلِهِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، بَذْلُ الوُسْعِ في دَعْوَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: جاءُوهم بِالوَعْظِ مِن جِهَةِ الزَّمَنِ الماضِي، وما جَرى فِيهِ عَلى الكُفّارِ، ومِن جِهَةِ المُسْتَقْبَلِ، وما سَيَجْرِي عَلَيْهِمْ. فالمُرادُ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الزَّمَنُ الماضِي، وبِما خَلْفَهُمُ المُسْتَقْبَلُ. ويَجُوزُ فِيهِ العَكْسُ، كَما ذُكِرَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: إرْسالَ رَسُولٍ: ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ بِما تَدْعُونَنا إلَيْهِ: ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ: ﴿كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أيْ: حَتّى نَخافَ عَذابَهُ، لَوْ تَرَكْنا عِبادَتَهُ، أوْ عَبَدْنا مَعَهُ غَيْرَهُ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أيْ: فَيَجِبُ أنْ يُحْذَرَ عِقابُهُ ويُتَّقى عَذابُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا﴾ [فصلت: ١٥] أيِ: الَّتِي هي أقْوى الدَّلائِلِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: لِعُتُوِّهِمْ بِالقُوَّةِ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: شَدِيدَةَ الصَّوْتِ في هُبُوبِها: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: مَشْؤُوماتٍ عَلَيْهِمْ: ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: في الأُخْرى، كَما لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: اسْتَدَلَّ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأيّامِ قَدْ يَكُونُ (p-٥١٩٤)نَحْسًا وبَعْضُها قَدْ يَكُونُ سَعْدًا؛ لِأنَّ النَّحْسَ يُقابِلُهُ السَّعْدُ، والكَدَرُ يُقابِلُهُ الصّافِي. ثُمَّ أطالَ الرّازِيُّ في الجَوابِ والإيرادِ. ولا يَخْفى أنَّ السَّعْدَ والنَّحْسَ إنَّما هو أمْرٌ إضافِيٌّ لا ذاتِيٌّ. وإلّا لَكانَ اليَوْمَ الَّذِي يَراهُ المُنَجِّمُونَ نَحْسًا، مَشْؤُومُ الطّالِعَ عَلى كُلِّ ما أشْرَقَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وكَذا ما يَرَوْنَهُ سَعْدًا، والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ إذِ اليَوْمُ النَّحْسُ عِنْدَ زَيْدٍ، قَدْ يَكُونُ سَعْدًا عِنْدَ بَكْرٍ. بَلِ السّاعَةُ بَلِ الدَّقِيقَةُ. فَأيْنَ تِلْكَ الدَّعْوى؟ والقُرْآنُ أتى عَلى أُسْلُوبِ العَرَبِ البَدِيعِ. ومِن لَطائِفِهِمْ تَسْمِيَةُ وقْتِ الشِّدَّةِ، والبُؤْسِ بِالنَّحْسِ، ومُقابِلِها بِالسَّعْدِ. فالنَّحْسُ نَحْسٌ عَلى صاحِبِهِ، والسَّعْدُ سَعْدٌ عَلى صاحِبِهِ.
فصلت 41:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٦] ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْـزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] .
(p-٥١٩٣)﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ، واجْتَهَدُوا بِهِمْ، وأعْمَلُوا فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ، والإعْراضَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَأُعْلِمَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، وتَقُولُ: (اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ حِيلَةٌ).
وحاصِلُهُ جَعْلُ الجِهَتَيْنِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، عَلى ما عُرِفَ في مِثْلِهِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، بَذْلُ الوُسْعِ في دَعْوَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: جاءُوهم بِالوَعْظِ مِن جِهَةِ الزَّمَنِ الماضِي، وما جَرى فِيهِ عَلى الكُفّارِ، ومِن جِهَةِ المُسْتَقْبَلِ، وما سَيَجْرِي عَلَيْهِمْ. فالمُرادُ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الزَّمَنُ الماضِي، وبِما خَلْفَهُمُ المُسْتَقْبَلُ. ويَجُوزُ فِيهِ العَكْسُ، كَما ذُكِرَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: إرْسالَ رَسُولٍ: ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ بِما تَدْعُونَنا إلَيْهِ: ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ: ﴿كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أيْ: حَتّى نَخافَ عَذابَهُ، لَوْ تَرَكْنا عِبادَتَهُ، أوْ عَبَدْنا مَعَهُ غَيْرَهُ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أيْ: فَيَجِبُ أنْ يُحْذَرَ عِقابُهُ ويُتَّقى عَذابُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا﴾ [فصلت: ١٥] أيِ: الَّتِي هي أقْوى الدَّلائِلِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: لِعُتُوِّهِمْ بِالقُوَّةِ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: شَدِيدَةَ الصَّوْتِ في هُبُوبِها: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: مَشْؤُوماتٍ عَلَيْهِمْ: ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: في الأُخْرى، كَما لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: اسْتَدَلَّ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأيّامِ قَدْ يَكُونُ (p-٥١٩٤)نَحْسًا وبَعْضُها قَدْ يَكُونُ سَعْدًا؛ لِأنَّ النَّحْسَ يُقابِلُهُ السَّعْدُ، والكَدَرُ يُقابِلُهُ الصّافِي. ثُمَّ أطالَ الرّازِيُّ في الجَوابِ والإيرادِ. ولا يَخْفى أنَّ السَّعْدَ والنَّحْسَ إنَّما هو أمْرٌ إضافِيٌّ لا ذاتِيٌّ. وإلّا لَكانَ اليَوْمَ الَّذِي يَراهُ المُنَجِّمُونَ نَحْسًا، مَشْؤُومُ الطّالِعَ عَلى كُلِّ ما أشْرَقَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وكَذا ما يَرَوْنَهُ سَعْدًا، والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ إذِ اليَوْمُ النَّحْسُ عِنْدَ زَيْدٍ، قَدْ يَكُونُ سَعْدًا عِنْدَ بَكْرٍ. بَلِ السّاعَةُ بَلِ الدَّقِيقَةُ. فَأيْنَ تِلْكَ الدَّعْوى؟ والقُرْآنُ أتى عَلى أُسْلُوبِ العَرَبِ البَدِيعِ. ومِن لَطائِفِهِمْ تَسْمِيَةُ وقْتِ الشِّدَّةِ، والبُؤْسِ بِالنَّحْسِ، ومُقابِلِها بِالسَّعْدِ. فالنَّحْسُ نَحْسٌ عَلى صاحِبِهِ، والسَّعْدُ سَعْدٌ عَلى صاحِبِهِ.
فصلت 41:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧] ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الحَقِّ، وطَرِيقَ الرُّشْدِ، ونَهَيْناهم أنْ يَتَّبِعُوا الضَّلالَةَ، وأمَرْناهم أنْ يَقْتَفُوا الهُدى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الآثامِ، بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ.
فصلت 41:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨] ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ويَخافُونَ وعِيدَهُ. وذَلِكَ بِالإيمانِ بِهِ وحْدَهُ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ.
فصلت 41:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩] ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ .
﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ يُجْمَعُ، لِمَزِيدِ الفَضِيحَةِ، (p-٥١٩٥)بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، أعْداءُ اللَّهِ المُشْرِكُونَ والجاحِدُونَ، إلى النّارِ فَيَجِيءُ أوَّلُهم عَلى أخِرِهِمْ، لِيَتِمَّ إلْزامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، فَلا يَبْقى لَهم مَقالٌ لَهُمْ؛ لِأنَّهم لا يَزالُونَ يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
فصلت 41:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠] ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: فَبالَغُوا في إنْكارِ المُخالَفَةِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّهم سَمِعُوا الحُجَجَ فَأعْرَضُوا عَنْها، وسَمِعُوا الشُّبَهَ فاتَّبَعُوها، وسَمِعُوا الفَواحِشَ فاسْتَحْسَنُوها: ﴿وأبْصارُهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّهم رَأوُا الآياتِ فَلَمْ يَعْتَبِرُوها، ورَأوُا القَبائِحَ فاخْتارُوها: ﴿وجُلُودُهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّهم باشَرُوا المَعاصِيَ، فَوَصَلَ أثَرُها إلى القُوَّةِ اللّامِسَةِ مِنهُمْ، فَيَشْهَدُ كُلُّ عُضْوٍ وجُزْءٍ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
فصلت 41:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١] ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾ أيِ: المُدْرِكَةِ ألَمَ العَذابِ الَّذِي لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ والبَصَرُ: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ أيْ: بِما يُوجِبُ إيلامَكُمْ: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ﴾ أيْ: بِهَذِهِ الشَّهادَةِ: ﴿الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ. فَهو مِنَ العامِّ الَّذِي خَصَّهُ العَقْلُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: { واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }، أيْ: كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَقْدُوراتِ. هَذا، عَلى أنَّ النُّطْقَ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ ظُهُورُ عَلاماتٍ عَلى الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى ما كانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِهِ في الدُّنْيا، بِتَغَيُّرِ أشْكالِها ونَحْوِهِ. مِمّا يُلْهِمُ اللَّهُ مَن رَآهُ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ؛ لِارْتِفاعِ الغِطاءِ في الآخِرَةِ. فالنُّطْقُ مَجازٌ (p-٥١٩٦)عَنِ الدَّلالَةِ. قالَ القاشانِيُّ: مَعْنى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] أيْ: غُيِّرَتْ صُوَرُ أعْضائِهِمْ، وصُوِّرَتْ أشْكالُها عَلى هَيْئَةِ الأعْمالِ الَّتِي ارْتَكَبُوها، وبُدِّلَتْ جُلُودُهُمْ، وأبْشارُهم فَتَنْطِقُ بِلِسانِ الحالِ، وتَدُلُّ بِالأشْكالِ عَلى ما كانُوا يَعْمَلُونَ، ولِنُطْقِها بِهَذا اللِّسانِ قالَتْ: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إذْ لا يَخْلُو شَيْءٌ ما مِنَ النُّطْقِ، ولَكِنَّ الغافِلِينَ لا يَفْهَمُونَ. انْتَهى.
لَكِنْ قالَ الرّازِيُّ: تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّهادَةِ، بِظُهُورِ أماراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ، دالَّةٍ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهُمْ، عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ. والأصْلُ عَدَمُهُ.
ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ يَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِها في بَيانِ أنَّ البَيِّنَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، ولا لِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ بِالحَياةِ. فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ العَقْلِ، والقُدْرَةِ، والنُّطْقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِن شَهادَةِ الجُلُودِ شَهادَةُ الفُرُوجِ، وإنَّهُ مِن بابِ الكِناياتِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وأرادَ النِّكاحَ. وقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] والمُرادُ قَضاءُ الحاجَةِ. فَتَكُونُ الآيَةُ وعِيدًا شَدِيدًا في الزِّنى. انْتَهى.
وقَدْ أشارَ الإمامُ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ) إلى تَرْجِيحِ هَذا المَعْنى. حَيْثُ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في التَّرْجِيحِ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، يَدُلُّ عَلَيْهِما لَفْظٌ واحِدٌ، يَكُونُ حَقِيقَةً في أحَدِهِما، مَجازًا في الآخَرِ، وعِبارَتُهُ: الجُلُودُ هَهُنا تُفَسَّرُ حَقِيقَةً ومَجازًا. أمّا الحَقِيقَةُ فَيُرادُ بِها الجُلُودُ مُطْلَقًا، وأمّا المَجازُ فَيُرادُ بِها الفُرُوجُ خاصَّةً، وهَذا هو المانِعُ البَلاغِيُّ الَّذِي يُرَجِّحُ جانِبَ المَجازِ عَلى الحَقِيقَةِ، لِما فِيهِ مِن لُطْفِ الكِنايَةِ عَنِ المُكَنّى عَنْهُ.
وقَدْ يُسْألُ هَهُنا في التَّرْجِيحِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، عَنْ غَيْرِ الجانِبِ البَلاغِيِّ.
(p-٥١٩٧)ويُقالُ: ما بَيانُ هَذا التَّرْجِيحِ؟ فَيُقالُ: طَرِيقَةُ لَفْظِ الجُلُودِ عامٌّ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُرادَ بِهِ الجُلُودُ مُطْلَقًا، أوْ يُرادَ بِهِ الجَوارِحُ الَّتِي هي أدَواتُ الأعْمالِ خاصَّةً، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجُلُودُ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ شَهادَةَ غَيْرِ الجَوارِحِ الَّتِي هي الفاعِلَةُ، شَهادَةٌ باطِلَةٌ؛ إذْ هي شَهادَةُ غَيْرِ شاهِدٍ. والشَّهادَةُ هُنا يُرادُ بِها الإقْرارُ. فَتَقُولُ اليَدُ: أنا فَعَلْتُ كَذا وكَذا. وتَقُولُ الرِّجْلُ: أنا مَشَيْتُ إلى كَذا وكَذا. وكَذَلِكَ الجَوارِحُ الباقِيَةُ تَنْطِقُ مُقِرَّةً بِأعْمالِها. فَتَرَجَّحَ بِهَذا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ شَهادَةَ الجَوارِحِ. وإذا أُرِيدَ بِهِ الجَوارِحُ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُرادَ بِهِ الكُلُّ أوِ البَعْضُ.
فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الكُلُّ، دَخَلَ تَحْتَهُ السَّمْعُ والبَصَرُ، ولَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِما بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ. وإنْ أُرِيدَ بِهِ البَعْضُ، فَهو بِالفَرْجِ أخَصُّ مِنهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الجَوارِحِ؛ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الجَوارِحَ كُلَّها قَدْ ذُكِرَتْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ شاهِدَةً عَلى صاحِبِها بِالمَعْصِيَةِ ما عَدا الفَرْجَ. فَكانَ حَمْلُ الجِلْدِ عَلَيْهِ أوْلى، لِيُسْتَكْمَلَ ذِكْرُ الجَمِيعِ.
الآخَرُ: إنَّهُ لَيْسَ في الجَوارِحِ ما يُكْرَهُ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِهِ إلّا الفَرْجُ، فَكَنّى عَنْهُ بِالجِلْدِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ يُكْرَهُ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِالمُسَمّى عَلى حَقِيقَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ تَخْصِيصَ السَّمْعِ والبَصَرِ بِالذِّكْرِ، مِن بابِ التَّفْصِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] والنَّخْلُ والرُّمّانُ مِنَ الفاكِهَةِ.
قُلْتُ في الجَوابِ: هَذا القَوْلُ عَلَيْكَ لا لَكَ؛ لِأنَّ النَّخْلَ والرُّمّانَ إنَّما ذُكِرا لِتَفْضِيلٍ لَهُما في الشَّكْلِ، أوْ في الطَّعْمِ، والفَضِيلَةُ هَهُنا في ذِكْرِ الشَّهادَةِ، إنَّما هي تَعْظِيمٌ لِأمْرِ المَعْصِيَةِ. وغَيْرُ السَّمْعِ والبَصَرِ أعْظَمُ في المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَعْصِيَةَ السَّمْعِ إنَّما تَكُونُ في سَماعِ غِيبَةٍ، أوْ في سَماعِ صَوْتِ مِزْمارٍ، أوْ وتَرٍ، أوْ ما جَرى هَذا المَجْرى. ومَعْصِيَةُ البَصَرِ إنَّما تَكُونُ في النَّظَرِ إلى مُحَرَّمٍ: وكِلْتا المَعْصِيَتَيْنِ لا حَدَّ فِيها. وأمّا المَعاصِي الَّتِي تُوجَدُ مِن غَيْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، فَأعْظَمُ؛ لِأنَّ مَعْصِيَةَ اليَدِ تُوجِبُ القَطْعَ، ومَعْصِيَةَ الفَرْجِ تُوجِبُ جَلْدَ مِائَةٍ، أوِ الرَّجْمَ. وهَذا أعْظَمُ. فَكانَ يَنْبَغِي أنْ تُخَصَّ بِالذِّكْرِ دُونَ (p-٥١٩٨)السَّمْعِ والبَصَرِ، وإذا ثَبَتَ فَسادُ ما ذَهَبْتَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنِ المُرادُ بِالجُلُودِ إلّا الفُرُوجَ خاصَّةً. انْتَهى كَلامُ ابْنِ الأثِيرِ.
وناقَشَهُ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ في (الفَلَكِ الدّائِرِ) بِما مُحَصَّلُهُ: أنَّ حَمْلَ الجِلْدِ عَلى الفَرْجِ إنَّما يَتَعَيَّنُ إذا كانَ بَيْنَ لَفْظَتِي الجِلْدِ، والفَرْجِ، أوْ مَعْناهُما مُناسَبَةٌ، ولا نَجِدُ مُناسَبَةً إلّا أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ الجِلْدَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّةِ الفَرْجِ. فَعَبَّرَ عَنِ الكُلِّ بِالبَعْضِ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. انْتَهى.
وأقُولُ: مَقْصُودٌ مَن أُثِرَ عَنْهُ إرادَةُ الفُرُوجِ بِالجُلُودِ هو إرادَةُ الفَرْدِ الأهَمِّ والأقْوى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجُلُودَ تَصْدُقُ عَلى ما حَواهُ الجِسْمُ مِنَ الأعْضاءِ والعَضَلاتِ الَّتِي تَكْتَسِبُ الجَرِيمَةَ، ولا يَخْفى أنَّ أهَمَّها بِالعِنايَةِ، وأوْلاها بِالإرادَةِ هو الفَرْجُ؛ لِأنَّ مَعْصِيَتَها تَرْبى عَلى الجَمِيعِ، وقَدْ عُهِدَ في مُفَسِّرِي السَّلَفِ اقْتِصارُهم في التَّأْوِيلِ مِنَ العامِّ عَلى فَرْدِهِ الأهَمِّ؛ كَقَصْرِهِمْ: (سَبِيلَ اللَّهِ) عَلى الجِهادِ، مَعَ أنَّ: (سَبِيلَ اللَّهِ) يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ خَيْرٌ وقُرْبَةٌ، ونَفْعٌ ومَعُونَةٌ، عَلى الطّاعَةِ، إلّا أنَّ أهَمَّ الجَمِيعِ هو جِهادُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ. فَذِكْرُ الجِهادِ لا يَنْفِي غَيْرَهُ. وهَذِهِ فائِدَةٌ يَنْبَغِي أنْ يَحْرِصَ عَلى فَهْمِها كُلُّ مَن لَهُ عِنايَةٌ بِالتَّفْسِيرِ؛ فَإنَّها مِن فَوائِدِهِ الجَلِيلَةِ، ويَنْحَلُّ بِها إشْكالاتٌ لَيْسَتْ بِالقَلِيلَةِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِهِ تَعالى: وعَلى كُلٍّ، فَهو مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، بِأنَّ القادِرَ عَلى الخَلْقِ أوَّلَ مَرَّةٍ، قادِرٌ عَلى إنْطاقِ كُلِّ شَيْءٍ.
فصلت 41:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢] ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ أيْ: وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ عِنْدَ فِعْلِكُمُ الفَواحِشَ والمُنْكَراتِ، مُخالَفَةً أوْ كَراهَةً أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم ما ذُكِرَ. أيْ: لَيْسَ اسْتِتارُهم لِلْخَوْفِ مِمّا ذُكِرَ، بَلْ مِنَ النّاسِ. فَ: ﴿أنْ يَشْهَدَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، (p-٥١٩٩)بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ مِن أنْ يَشْهَدَ، أوْ عَنْ أنْ يَشْهَدَ، أوْ أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الظَّنِّ، فَهو في مَحَلِّ نَصْبٍ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَقَّقَ، أنَّهُ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ حالٌ إلّا وعَلَيْهِ رَقِيبٌ، كَما قالَ أبُو نُواسٍ:
؎إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ خَلَوْتُ. ولَكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ
؎ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ ساعَةً ∗∗∗ ولا أنَّ ما يَخْفى عَلَيْكَ يَغِيبُ
﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ فَيُنْطِقُ الجَوارِحَ ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا، وهو ما عَلِمْتُمْ خُفْيَةً، فَما اسْتَتَرْتُمْ عَنْها واجْتَرَأْتُمْ عَلى المَعاصِي. وإذا كانَ: ﴿أنْ يَشْهَدَ﴾ مَفْعُولًا لَهُ، فالمَعْنى ما اسْتَتَرْتُمْ بِالحَجْبِ، لِخِيفَةِ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكُمُ الجَوارِحُ، فَلِذا ما اسْتَتَرْتُمْ عَنْها، لَكِنْ لِأجْلِ ظَنِّكم أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا، فَلِذا سَعَيْتُمْ في الِاسْتِتارِ عَنِ الخَلْقِ، لا عَنِ الخالِقِ، ولا عَمّا تَنْطِقُ بِهِ الجَوارِحُ.
فصلت 41:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣] ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .
﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكُمْ﴾ أيْ: أهْلَكَكم بِالجَراءَةِ عَلى مُخالَفَتِهِ في الدُّنْيا، ومُجادَلَتِهِ في القِيامَةِ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: لِأعْمالِ النَّجاةِ، والدَّرَجاتِ في الآخِرَةِ.
فصلت 41:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤] ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ .
﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ: ﴿فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مَنزَلٌ ومَسْكَنٌ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا العُتْبى، وهي الرَّجْعَةُ إلى الَّذِينَ يُحِبُّونَ: ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيِ: المُجابِينَ إلَيْهِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ.
فصلت 41:25
(p-٥٢٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥، ٢٦] ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: بَعَثْنا لَهم نُظَراءَ مِنَ الشَّياطِينِ اقْتَرَنُوا بِهِمْ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: حَسَّنُوا لَهم أعْمالَهم كُلَّها، الحاضِرَةَ والمُسْتَقْبَلَةَ. فالطَّرَفانِ كِنايَةٌ عَنِ الجَمِيعِ، أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن جَرائِمِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهم مِنَ التَّكْذِيبِ بِالمَعادِ. قالَ الشِّهابُ: وتَفْسِيرُ أُمُورِ الدُّنْيا بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ، لِحُضُورِها عِنْدَهُمْ، كالشَّيْءِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ تُقَلِّبُهُ كَيْفَ تَشاءُ، والآخِرَةُ بِما خَلْفَهُمْ، لِعَدَمِ مُشاهَدَتِها، كالشَّيْءِ الَّذِي خَلْفَكَ، أوْ لِكَوْنِها سَتَلْحَقُ بِهِمْ، وقَدْ يُعْكَسُ فَيُجْعَلُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآخِرَةَ؛ لِأنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ، وما خَلْفَهُمُ الدُّنْيا لِمُضِيِّها وتَرْكِها كَما مَرَّ قَرِيبًا.
وقالَ القاشانِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أيْ: قَدَّرْنا لَهم أخْدانًا وأقْرانًا مِن شَياطِينِ الإنْسِ أوِ الجِنِّ، مِنَ الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، لِتَباعُدِهِمْ مِنَ المَلَأِ الأعْلى، ومُخالَفَتِهِمْ بِالذّاتِ لِلنُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ المَلَكُوتِيَّةِ، بِانْغِماسِهِمْ في المَوادِّ الهُيُولانِيَّةِ. واحْتِجابُهم بِالصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ، وانْجِذابُهم إلى الأهْواءِ البَدَنِيَّةِ والشَّهَواتِ الطَّبِيعِيَّةِ. فَناسَبُوا النُّفُوسَ الأرْضِيَّةَ الخَبِيثَةَ والكَدِرَةَ المُظْلِمَةَ. وخالَفُوا الجَواهِرَ القُدْسِيَّةَ. فَجُعِلَتِ الشَّياطِينُ أقْرانَهم وحُجِبُوا عَنْ نُورِ المَلَكُوتِ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما بِحَضْرَتِهِمْ مِنَ اللَّذّاتِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ، والشَّهَواتِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي: ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الآمالِ والأمانِي الَّتِي لا يُدْرِكُونَها: ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: في القَضاءِ الإلَهِيِّ. بِالشَّقاءِ الأبَدِيِّ: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ (p-٥٢٠١)بِأنْبِيائِهِمْ، الضّالِّينَ المُضِلِّينَ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: سَتَرُوا زِينَةَ أدِلَّةِ القُرْآنِ عَنْ أتْباعِهِمْ، الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم شُبُهاتِهِمُ الواهِيَةَ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: إذا قَرَأهُ، ولا تَصْغَوْا لَهُ، كَيْلا يُؤْثَرَ عَلَيْكم وعْظُهُ: ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] أيِ: ائْتُوا بِاللَّغْوِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، لِيَخْتَلِطَ. فَلا يُمْكِنُهُ القِراءَةُ. والمُرادُ بِاللَّغْوِ ما لا أصْلَ لَهُ، أوْ ما لا مَعْنى لَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: تَصُدُّونَ مَن أرادَ اسْتِماعَهُ، عَنِ اسْتِماعِهِ، فَلا يَسْمَعُهُ. وإذا لَمْ يَسْمَعْهُ، ولَمْ يَفْهَمْهُ، لَمْ يَتْبَعْهُ. فَتَغْلِبُونَ بِكَيْدِكم هَذا حُجَجَهُ، الَّتِي يَغْلِبُ بِها عُقُولَكم.
فصلت 41:26
(p-٥٢٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥، ٢٦] ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: بَعَثْنا لَهم نُظَراءَ مِنَ الشَّياطِينِ اقْتَرَنُوا بِهِمْ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: حَسَّنُوا لَهم أعْمالَهم كُلَّها، الحاضِرَةَ والمُسْتَقْبَلَةَ. فالطَّرَفانِ كِنايَةٌ عَنِ الجَمِيعِ، أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن جَرائِمِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهم مِنَ التَّكْذِيبِ بِالمَعادِ. قالَ الشِّهابُ: وتَفْسِيرُ أُمُورِ الدُّنْيا بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ، لِحُضُورِها عِنْدَهُمْ، كالشَّيْءِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ تُقَلِّبُهُ كَيْفَ تَشاءُ، والآخِرَةُ بِما خَلْفَهُمْ، لِعَدَمِ مُشاهَدَتِها، كالشَّيْءِ الَّذِي خَلْفَكَ، أوْ لِكَوْنِها سَتَلْحَقُ بِهِمْ، وقَدْ يُعْكَسُ فَيُجْعَلُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآخِرَةَ؛ لِأنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ، وما خَلْفَهُمُ الدُّنْيا لِمُضِيِّها وتَرْكِها كَما مَرَّ قَرِيبًا.
وقالَ القاشانِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أيْ: قَدَّرْنا لَهم أخْدانًا وأقْرانًا مِن شَياطِينِ الإنْسِ أوِ الجِنِّ، مِنَ الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، لِتَباعُدِهِمْ مِنَ المَلَأِ الأعْلى، ومُخالَفَتِهِمْ بِالذّاتِ لِلنُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ المَلَكُوتِيَّةِ، بِانْغِماسِهِمْ في المَوادِّ الهُيُولانِيَّةِ. واحْتِجابُهم بِالصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ، وانْجِذابُهم إلى الأهْواءِ البَدَنِيَّةِ والشَّهَواتِ الطَّبِيعِيَّةِ. فَناسَبُوا النُّفُوسَ الأرْضِيَّةَ الخَبِيثَةَ والكَدِرَةَ المُظْلِمَةَ. وخالَفُوا الجَواهِرَ القُدْسِيَّةَ. فَجُعِلَتِ الشَّياطِينُ أقْرانَهم وحُجِبُوا عَنْ نُورِ المَلَكُوتِ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما بِحَضْرَتِهِمْ مِنَ اللَّذّاتِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ، والشَّهَواتِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي: ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الآمالِ والأمانِي الَّتِي لا يُدْرِكُونَها: ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: في القَضاءِ الإلَهِيِّ. بِالشَّقاءِ الأبَدِيِّ: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ (p-٥٢٠١)بِأنْبِيائِهِمْ، الضّالِّينَ المُضِلِّينَ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: سَتَرُوا زِينَةَ أدِلَّةِ القُرْآنِ عَنْ أتْباعِهِمْ، الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم شُبُهاتِهِمُ الواهِيَةَ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: إذا قَرَأهُ، ولا تَصْغَوْا لَهُ، كَيْلا يُؤْثَرَ عَلَيْكم وعْظُهُ: ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] أيِ: ائْتُوا بِاللَّغْوِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، لِيَخْتَلِطَ. فَلا يُمْكِنُهُ القِراءَةُ. والمُرادُ بِاللَّغْوِ ما لا أصْلَ لَهُ، أوْ ما لا مَعْنى لَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: تَصُدُّونَ مَن أرادَ اسْتِماعَهُ، عَنِ اسْتِماعِهِ، فَلا يَسْمَعُهُ. وإذا لَمْ يَسْمَعْهُ، ولَمْ يَفْهَمْهُ، لَمْ يَتْبَعْهُ. فَتَغْلِبُونَ بِكَيْدِكم هَذا حُجَجَهُ، الَّتِي يَغْلِبُ بِها عُقُولَكم.
فصلت 41:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧، ٢٨] ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] .
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨] أيِ: المُكْثُ الأبَدِيُّ. وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ مِنَ البَدِيعِ، التَّجْرِيدُ، وهو أنْ يُنْتَزَعَ مِن أمْرٍ ذِي صِفَةٍ، آخَرُ مِثْلُهُ، مُبالَغَةً فِيها؛ لِأنَّها نَفْسَها دارُ الخُلْدِ. ويَجْعَلُهُ لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ. مَعَ أنَّ المَذْكُورَ أبْلَغُ. قالَ الشِّهابُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] أيْ: يُنْكِرُونَ أوْ يَلْغُونَ. وذَكَرَ الجَحُودَ الَّذِي هو سَبَبُ اللَّغْوِ.
فصلت 41:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧، ٢٨] ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] .
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨] أيِ: المُكْثُ الأبَدِيُّ. وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ مِنَ البَدِيعِ، التَّجْرِيدُ، وهو أنْ يُنْتَزَعَ مِن أمْرٍ ذِي صِفَةٍ، آخَرُ مِثْلُهُ، مُبالَغَةً فِيها؛ لِأنَّها نَفْسَها دارُ الخُلْدِ. ويَجْعَلُهُ لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ. مَعَ أنَّ المَذْكُورَ أبْلَغُ. قالَ الشِّهابُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] أيْ: يُنْكِرُونَ أوْ يَلْغُونَ. وذَكَرَ الجَحُودَ الَّذِي هو سَبَبُ اللَّغْوِ.
فصلت 41:29
(p-٥٢٠٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ .
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ أيْ: نَدُوسُهُما انْتِقامًا مِنهُما: ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: حَنِقَ المَحْجُوبُونَ واغْتاظُوا عَلى مَن أضَلَّهم مِنَ الفَرِيقَيْنِ، عِنْدَ وُقُوعِ العَذابِ. وتَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا في أشَدِّ مِن عَذابِهِمْ وأسْفَلَ مِن دَرَكاتِهِمْ، لِما لَقُوا مِنَ الهَوانِ، وألَمِ النِّيرانِ، وعَذابِ الحِرْمانِ، والخُسْرانِ، بِسَبَبِهِمْ، وأرادُوا أنْ يَشْفُوا صُدُورَهم بِرُؤْيَتِهِمْ في أسْوَأِ أحْوالِهِمْ، وأنْزَلِ مَراتِبِهِمْ. كَما تَرى مَن وقَعَ في البَلِيَّةِ، بِسَبَبِ رَفِيقٍ أشارَ إلَيْهِ بِما أوْقَعَهُ فِيها، يَتَحَرَّدُ عَلَيْهِ ويَتَغَيَّظُ، ويَكادُ أنْ يَقَعَ فِيهِ، مَعَ غَيْبَتِهِ ويَتَحَرَّقَ. انْتَهى.
فصلت 41:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ أيْ: وحَّدُوهُ بِنَفْيِ غَيْرِهِ، وعَرَفُوهُ بِالإيقانِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ: في أخْلاقِهِمْ، وعَقائِدِهِمْ، وأعْمالِهِمْ. وذَلِكَ بِالسُّلُوكِ في طَرِيقِهِ تَعالى، والثَّباتِ عَلى صِراطِهِ، مُخْلِصِينَ لِأعْمالِهِمْ، عامِلِينَ لِوَجْهِهِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ بِها إلى غَيْرِهِ: ﴿تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: في الدُّنْيا، بِإلْهامِهِمْ، أوْ عِنْدَ المَوْتِ، أوْ حِينَ البَعْثِ.
﴿ألا تَخافُوا﴾ أيْ: ما تُقَدِّمُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَماتِكُمْ: ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ أيْ: عَلى ما خَلَّفْتُمْ مِن دُنْياكُمْ، مِن أهْلٍ ووَلَدٍ. فَإنّا نَخْلُفُكم في ذَلِكَ كُلِّهِ، أوْ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وهَوْلِهِ، فَإنَّكم آمِنُونَ لِآيَةِ: (p-٥٢٠٣)﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] والتَّنْزِيلُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أوِ الآيَتانِ في مَقامَيْنِ، وبِشارَتَيْنِ، وفَضْلُهُ تَعالى أوْسَعُ، وجُودُهُ أعَمُّ وأشْمَلُ.
قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ لِلْمُناسَبَةِ الحَقِيقِيَّةِ بَيْنَهم في التَّوْحِيدِ الحَقِيقِيِّ، والإيمانِ اليَقِينِيِّ، والعَمَلِ الثّابِتِ عَلى مِنهاجِ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ في الطَّرِيقَةِ إلَيْهِ. غَيْرَ ناكِثِينَ في عَزِيمَةٍ، ولا مُنْحَرِفِينَ عَنْ وُجْهَةٍ، ولا زائِغِينَ في عَمَلٍ. كَما ناسَبَتْ نُفُوسَ المَحْجُوبِينَ مِن أهْلِ الرَّذائِلِ الشَّياطِينِ، بِالجَواهِرِ المُظْلِمَةِ، والأعْمالِ الخَبِيثَةِ. فَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمْ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا، حالَ الإيمانِ بِالغَيْبِ.
فصلت 41:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١، ٣٢] ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُـزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ أيْ: أحِبّاؤُكم في الدّارَيْنِ، لِلتَّناسُبِ بَيْنَنا وبَيْنَكم. كَما أنَّ الشَّياطِينَ أوْلِياءُ الكافِرِينَ، لِما بَيْنَهم مِنَ الجِنْسِيَّةِ، والمُشارَكَةِ في الظُّلْمَةِ والكُدُورَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الِاحْتِضارِ: نَحْنُ كُنّا قُرَناءَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، نُسَدِّدُكُمْ، ونُوَفِّقُكُمْ، ونَحْفَظُكم بِأمْرِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ نَكُونُ مَعَكم في الآخِرَةِ، نُؤْنِسُ مِنكُمُ الوَحْشَةَ في القُبُورِ، وعِنْدَ النَّفْخَةِ في الصُّوَرِ، ونُؤَمِّنُكم يَوْمَ البَعْثِ والنُّشُورِ، ونُجاوِزُكُمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ونُوصِلُكم إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ.
وقالَ الرّازِيُّ: مَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلْمُؤْمِنِينَ، أنَّ لِلْمَلائِكَةِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، بِالإلْهاماتِ، والمُكاشَفاتِ اليَقِينِيَّةِ، كَما أنَّ لِلشَّياطِينِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ، بِإلْقاءِ الوَساوِسِ فِيها، وتَخْيِيلِ الأباطِيلِ إلَيْها، وبِالجُمْلَةِ، فَكَوْنُ المَلائِكَةِ أوْلِياءَ لِلْأرْواحِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ، حاصِلٌ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ، لِأرْبابِ (p-٥٢٠٤)المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ. فَهم يَقُولُونَ: كَما أنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الدُّنْيا، فَهي تَكُونُ باقِيَةً في الآخِرَةِ. فَإنَّ تِلْكَ العَلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازِمَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزَّوالِ. بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأبْقى. وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهي كالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، والقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، والتَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ هي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ المَلائِكَةِ. كَما قالَ ﷺ: ««لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ. فَإذا زالَتِ العَلائِقُ الجُسْمانِيَّةُ، والتَّدْبِيراتُ البَدَنِيَّةُ، فَقَدْ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ، فَيَتَّصِلُ الأثَرُ بِالمُؤَثِّرِ، والقَطْرَةُ بِالبَحْرِ، والشُّعْلَةُ بِالشَّمْسِ»» . انْتَهى.
وهُوَ مَشْرَبٌ صُوفِيٌّ ومِنزَعٌ فَلْسَفِيٌّ، فِيهِ شِيَةٌ مِنَ الرِّقَّةِ: ﴿ولَكم فِيها﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الرُّوحِ، والرَّيْحانِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ: تَتَمَنَّوْنَ: ﴿نُـزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] أيْ: إكْرامًا مُعَدًّا لَكُمْ، مِن غَفُورٍ لِذُنُوبِكُمْ، ورَحِيمٍ بِتَفَضُّلِهِ وتَطُّولِهِ.
فصلت 41:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١، ٣٢] ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُـزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ أيْ: أحِبّاؤُكم في الدّارَيْنِ، لِلتَّناسُبِ بَيْنَنا وبَيْنَكم. كَما أنَّ الشَّياطِينَ أوْلِياءُ الكافِرِينَ، لِما بَيْنَهم مِنَ الجِنْسِيَّةِ، والمُشارَكَةِ في الظُّلْمَةِ والكُدُورَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الِاحْتِضارِ: نَحْنُ كُنّا قُرَناءَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، نُسَدِّدُكُمْ، ونُوَفِّقُكُمْ، ونَحْفَظُكم بِأمْرِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ نَكُونُ مَعَكم في الآخِرَةِ، نُؤْنِسُ مِنكُمُ الوَحْشَةَ في القُبُورِ، وعِنْدَ النَّفْخَةِ في الصُّوَرِ، ونُؤَمِّنُكم يَوْمَ البَعْثِ والنُّشُورِ، ونُجاوِزُكُمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ونُوصِلُكم إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ.
وقالَ الرّازِيُّ: مَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلْمُؤْمِنِينَ، أنَّ لِلْمَلائِكَةِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، بِالإلْهاماتِ، والمُكاشَفاتِ اليَقِينِيَّةِ، كَما أنَّ لِلشَّياطِينِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ، بِإلْقاءِ الوَساوِسِ فِيها، وتَخْيِيلِ الأباطِيلِ إلَيْها، وبِالجُمْلَةِ، فَكَوْنُ المَلائِكَةِ أوْلِياءَ لِلْأرْواحِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ، حاصِلٌ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ، لِأرْبابِ (p-٥٢٠٤)المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ. فَهم يَقُولُونَ: كَما أنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الدُّنْيا، فَهي تَكُونُ باقِيَةً في الآخِرَةِ. فَإنَّ تِلْكَ العَلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازِمَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزَّوالِ. بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأبْقى. وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهي كالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، والقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، والتَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ هي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ المَلائِكَةِ. كَما قالَ ﷺ: ««لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ. فَإذا زالَتِ العَلائِقُ الجُسْمانِيَّةُ، والتَّدْبِيراتُ البَدَنِيَّةُ، فَقَدْ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ، فَيَتَّصِلُ الأثَرُ بِالمُؤَثِّرِ، والقَطْرَةُ بِالبَحْرِ، والشُّعْلَةُ بِالشَّمْسِ»» . انْتَهى.
وهُوَ مَشْرَبٌ صُوفِيٌّ ومِنزَعٌ فَلْسَفِيٌّ، فِيهِ شِيَةٌ مِنَ الرِّقَّةِ: ﴿ولَكم فِيها﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الرُّوحِ، والرَّيْحانِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ: تَتَمَنَّوْنَ: ﴿نُـزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] أيْ: إكْرامًا مُعَدًّا لَكُمْ، مِن غَفُورٍ لِذُنُوبِكُمْ، ورَحِيمٍ بِتَفَضُّلِهِ وتَطُّولِهِ.
فصلت 41:33
(p-٥٢٠٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣] ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ .
﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ مَقالًا مِمَّنْ دَعا النّاسَ إلى عِبادَتِهِ تَعالى، وكانَ مِنَ الصّالِحِينَ المُؤْتَمِرِينَ، والمُسْلِمِينَ وُجُوهَهم إلَيْهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ.
لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما قَدَّمَ الدَّعْوَةَ إلى الحَقِّ والتَّكْمِيلِ؛ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ المَراتِبِ، ولِاسْتِلْزامِهِ الكَمالَ العِلْمِيَّ والعَمَلِيَّ، وإلّا لَما صَحَّتِ الدَّعْوَةُ. انْتَهى.
الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى تَرْغِيبِهِ ﷺ في الإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، وعَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ اللَّغْوِ في التَّنْزِيلِ، مِمّا قَصَّهُ تَعالى عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ. وإرْشادُهُ إلى المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ، والدَّعْوَةِ، بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، فَهَذا هو سِرُّ انْتِظامِ هَذِهِ الآيَةِ في إثْرِ ما سَبَقَ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ اثْنانِ: كامِلٌ وأكْمَلُ. أمّا الكامِلُ فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ. فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ، اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى. وهي اكْتِسابُ الأحْوالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوْهَرِها. فَإذا حَصَلَ الفَراغُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وجَبَ الِانْتِقالُ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وهي الِانْتِقالُ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ؛ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا﴾ الآيَةَ...
واعْلَمْ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً، ونَصِيبًا وافِيًا مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ، عَرَفَ أنَّهُ لا تَرْتِيبَ أحْسَنَ ولا أكْمَلَ مِن تَرْتِيبِ آياتِ القُرْآنِ، أفادَهُ الرّازِيُّ.
(p-٥٢٠٦)الثّالِثَةُ: يَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ مَن دَعا إلى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ المَشْرُوعَةِ، وسَبِيلٍ مِنَ السُّبُلِ المَأْثُورَةِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ الصَّحِيحَةَ هي الدَّعْوَةُ النَّبَوِيَّةُ، ثُمَّ ما انْتَهَجَ مَنهَجَها في الصَّدْعِ بِالحَقِّ، وإيثارِهِ عَلى الخَلْقِ.
الرّابِعَةُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى - عَلى ما قَرَّرَهُ الرّازِيُّ - لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ، فَهو واجِبٌ.
الخامِسَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ قَوْلَ:(أنا مُسْلِمٌ). بِدُونِ تَعْلِيقٍ عَلى المَشِيئَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ: إطْلاقُها يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الأوْلى، والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ بَسَطَها الغَزالِيُّ في (الإحْياءِ).
ولِلْإمامِ ابْنِ حَزْمٍ في (الفِصَلِ) تَحْقِيقٌ لَطِيفٌ لا بَأْسَ بِإيرادِهِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِ المُسْلِمِ: (أنا مُؤْمِنٌ). فَرُوِّينا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ الأفاضِلِ، ومَن بَعْدَهُ مِنَ الفُقَهاءِ، أنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ. وكانَ يَقُولُ: (أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ). وقالَ بَعْضُهُمْ: آمَنتُ بِاللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ. وكانُوا يَقُولُونَ: مَن قالَ: أنا مُؤْمِنٌ، فَلْيَقُلْ: إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ حَزْمٍ: والقَوْلُ عِنْدَنا في هَذِهِ المَسْألَةِ، أنَّ هَذِهِ صِفَةٌ يَعْلَمُها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ. فَإنْ كانَ يَدْرِي أنَّهُ مُصَدِّقٌ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِكُلِّ ما أتى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ يُقِرُّ بِلِسانِهِ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ. كَما أمَرَ تَعالى، إذْ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ولا نِعْمَةَ أوْكَدُ، ولا أفْضَلُ، ولا أوْلى بِالشُّكْرِ، مِن نِعْمَةِ الإسْلامِ. فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: (أنا مُسْلِمٌ قَطْعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفي وقْتِي هَذا). ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أنا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: (أنا أسْوَدُ وأنا أبْيَضُ).
وهَكَذا سائِرُ صِفاتِهِ الَّتِي لا يُشَكُّ فِيها. ولَيْسَ هَذا مِن بابِ الِامْتِداحِ، والتَّعَجُّبِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يُحَصِّنَ دَمَهُ بِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ. قالَ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (p-٥٢٠٧)وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَنا صَحِيحٌ؛ لِأنَّ الإسْلامَ والإيمانَ اسْمانِ مَنقُولانِ عَنْ مَوْضُوعِهِما في اللُّغَةِ، إلى جَمِيعِ البِرِّ والطّاعاتِ، فَإنَّما مَنَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ (مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ)، عَلى مَعْنى أنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ. وهَذا صَحِيحٌ. ومَنِ ادَّعى لِنَفْسِهِ هَذا فَقَدْ كَذَبَ بِلا شَكٍّ، وما مَنَعَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنْ يَقُولَ المَرْءُ: (إنِّي مُؤْمِنٌ). بِمَعْنى مُصَدِّقٍ. كَيْفَ؟ وهو يَقُولُ: (قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ). أيْ: صَدَّقْتُ. وأمّا مَن قالَ فَقُلْ: إنَّكَ في الجَنَّةِ، فالجَوابُ أنَّنا نَقُولُ: إنْ مُتْنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ الآنَ، فَلا بُدَّ لَنا مِنَ الجَنَّةِ بِلا شَكٍّ. وبِرِهانُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ، أنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ بِما هو كُفْرٌ، فَإنَّهُ في الجَنَّةِ، إلّا أنَّنا لا نَدْرِي ما يُفْعَلُ بِنا في الدُّنْيا، ولا نَأْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا إضْلالِهِ، ولا كَيْدِ الشَّيْطانِ، ولا نَدْرِي ماذا نَكْسِبُ غَدًا، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخِذْلانِ. انْتَهى.
فصلت 41:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤] ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ أيْ: لِكَوْنِ الأُولى مِن مَقامِ العَقْلِ تَجُرُّ صاحِبَها إلى الجَنَّةِ ومُصاحَبَةِ المَلائِكَةِ. والثّانِيَةُ مِن مَقامِ النَّفْسِ تَجُرُّ صاحِبَها إلى النّارِ ومُقارَنَةِ الشَّياطِينِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيِ: ادْفَعِ السَّيِّئَةَ حَيْثُ اعْتَرَضَتْكَ، بِالَّتِي هي أحْسَنُ مِنها، وهي الحَسَنَةُ. عَلى أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ الزّائِدُ مُطْلَقًا، أوْ بِأحْسَنِ ما يُمْكِنُ دَفْعُها بِهِ مِنَ الحَسَناتِ. وإنَّما عَدَلَ مِن مُقْتَضى الظّاهِرِ وهُوَ: (ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ)، إلى الأبْلَغِ؛ لِأنَّ مَن دَفَعَ بِالأحْسَنِ هانَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ بِما دُونَهُ. وهَذا الكَلامُ أبْلَغُ في الحَمْلِ والحَثِّ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ يُومِئُ إلى أنَّهُ (p-٥٢٠٨)مُهِمٌّ يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ والسُّؤالُ عَنْهُ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: إذا أمْكَنَكَ دَفْعُ السَّيِّئَةِ مِن عَدُوِّكَ بِالحَسَنَةِ، الَّتِي هي أحْسَنُ فَلا تَدْفَعْها بِالحَسَنَةِ الَّتِي دُونَها، فَكَيْفَ بِالسَّيِّئَةِ؟ فَإنَّ السَّيِّئَةَ لا تَنْدَفِعُ بِالسَّيِّئَةِ، بَلْ تَزِيدُ وتَعْلُو ارْتِفاعَ النّارِ بِالحَطَبِ؛ فَإنْ قابَلْتَها بِمِثْلِها كُنْتَ مُنْحَطًّا إلى مَقامِ النَّفْسِ، مُتَّبِعًا لِلشَّيْطانِ، سالِكًا طَرِيقَ النّارِ، مُلْقِيًا لِصاحِبِكَ في الأوْزارِ، وجاعِلًا لَهُ ولِنَفْسِكَ مِن جُمْلَةِ الأشْرارِ، مُتَسَبِّبًا لِازْدِيادِ الشَّرِّ، مُعْرِضًا عَنِ الخَيْرِ. وإنْ دَفَعْتَها بِالحَسَنَةِ، سَكَّنْتَ شَرارَتَهُ، وأزَلْتَ عَداوَتَهُ، وتَثْبُتُ في مَقامِ القَلْبِ عَلى الخَيْرِ، وهُدِيتَ إلى الجَنَّةِ، وطَرَدْتَ الشَّيْطانَ، وأرْضَيْتَ الرَّحْمَنَ، وانْخَرَطْتَ في سِلْكِ المَلَكُوتِ، ومَحَوْتَ ذَنْبَ صاحِبِكَ بِالنَّدامَةِ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عِلَّةِ الأمْرِ وثَمَرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ﴾ أيْ: صَدِيقٌ أوْ قَرِيبٌ: ﴿حَمِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الوَلاءِ. وأصْلُ الحَمِيمِ الماءُ الشَّدِيدُ حَرارَتُهُ. كَنّى بِهِ عَنِ الوَلِيِّ المُخْلِصِ في وِدِّهِ، لِما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِن حَرارَةِ الحُبِّ، والشَّوْقِ، والِاهْتِمامِ نَحْوَ مَوالِيهِ.
فصلت 41:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥] ﴿وما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .
﴿وما يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الخَصْلَةُ الشَّرِيفَةُ، والفَضِيلَةُ العَظِيمَةُ، وهي مُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى تَجَرُّعِ الشَّدائِدِ، أوْ عَلى طاعَتِهِ تَعالى، وأمْرِهِ، تَخَلُّقًا بِالعِلْمِ والعَفْوِ: ﴿وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِنَ الخَيْرِ وكَمالِ النَّفْسِ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِهِ، ومِنَ الثَّوابِ وكَمالِ العَقْلِ.
فصلت 41:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦] ﴿وإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
﴿وإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: وإمّا (p-٥٢٠٩)يُلْقِيَنَّ الشَّيْطانُ في نَفْسِكَ وسْوَسَةً مِن حَدِيثِ النَّفْسِ، إرادَةَ حَمْلِكَ عَلى مُجازاةِ المُسِيءِ بِالإساءَةِ، والِانْتِقامِ مِنهُ، فاسْتَجِرْ بِاللَّهِ واعْتَصِمْ مِن خُطُواتِهِ، بِالرُّجُوعِ إلى جَنابِهِ تَعالى، واللَّجَأِ إلى حَضْرَتِهِ، مِن شَرِّهِ ووَسْوَسَتِهِ ونَزْغِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدَّمْنا أنَّ هَذا المَقامَ لا نَظِيرَ لَهُ في القُرْآنِ إلّا في سُورَةِ الأعْرافِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وفي سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨]
فصلت 41:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧] ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيْ: حُجَجِهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ، ودَلالَتِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وعَظِيمِ سُلْطانِهِ
﴿اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ أيِ: اخْتِلافُهُما، ومُعاقَبَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنها صاحِبَهُ: ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ: نُورُهُما وإشْراقُهُما وتَقْدِيرُ مَنازِلِهِما، واخْتِلافُ سَيْرِهِما في سَمائِهِما، لِبَقاءِ صَلاحِ الكَوْنِ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ لِأنَّهُما مُسَخَّرانِ بِتَسْخِيرِ خالِقٍ قادِرٍ عَلَيْهِمْ، فَهُما مَخْلُوقانِ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: تُفْرِدُونَهُ بِالعِبادَةِ؛ فَإنَّ مِن طاعَتِهِ أنْ تُخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ، ولا تُشْرِكُوا في طاعَتِهِ أحَدًا؛ لِأنَّها لا تَنْبَغِي لِأحَدٍ سِواهُ.
تَنْبِيهٌ:
اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ الشَّيْخُ أبُو إسْحاقَ في (المُهَذَّبِ) عَلى صَلاةِ الكُسُوفِ. قالَ: لِأنَّهُ لا صَلاةَ تَتَعَلَّقُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ غَيْرُها، وأُخِذَ مِن ذَلِكَ تَفْضِيلُها عَلى صَلاةِ الِاسْتِسْقاءِ، لِكَوْنِها في القُرْآنِ، بِخِلافِها. كَذا في (الإكْلِيلِ).
فصلت 41:38
(p-٥٢١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨] ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ .
﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ كِبْرًا وعُتُوًّا: ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ
﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ أيْ: لا يَمَلُّونَ عِبادَتَهُ، لِأنَّها قُرَّةُ أعْيُنِهِمْ، وحَياةُ أنْفُسِهِمْ.
فصلت 41:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ - ٤١] ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] .
﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ أيْ: ساكِنَةً لا حَرَكَةَ لِعُشْبٍ فِيها، ولا نَباتٍ، ولا زَرْعٍ: ﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيِ: اهْتَزَّتْ بِالنَّباتِ وتَحَرَّكَتْ بِزِينَتِهِ، ورَبَتْ بِارْتِفاعِهِ عَلى سَطْحِها، أيْ: صارَتْ رَبْوَةً مُرْتَفِعَةً: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها﴾ أيْ: هَذِهِ الأرْضُ الدّارِسَةُ، فَأخْرَجَ مِنها النَّباتَ، وجَعَلَها تَهْتَزُّ بِالزَّرْعِ مِن بَعْدِ يَبَسِها: ﴿لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] أيْ: يَمِيلُونَ عَنْ حُجَجِنا وأدِلَّتِنا، ويَزِيغُونَ عَنْها تَكْذِيبًا لَها، وجُحُودًا لَها: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠] أيْ: لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِمْ، وكَوْنِهِ بِالمِرْصادِ لَهُمْ، فَسَيَجْزِيهِمْ.
(p-٥٢١١)تَنْبِيهٌ:
شَمِلَتِ الآيَةُ مِن بِضْعِ الكَلامِ في الآياتِ عَلى غَيْرِ مَواضِعِهِ، كَما فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ في (الإكْلِيلِ): فَفِيها الرَّدُّ عَلى مَن تَعاطى تَفْسِيرَ القُرْآنِ بِما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوْهَرُ اللَّفْظِ، كَما يَفْعَلُهُ الباطِنِيَّةُ، والِاتِّحادِيَّةُ، والمَلاحِدَةُ، وغُلاةُ المُتَصَوِّفَةِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: بِهَذا القُرْآنِ: ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: فَهم هالِكُونَ. فالخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أوِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: مَنبَعٌ مَحْمِيٌّ عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وعَنْ مُحاكاتِهِ بِنَظِيرٍ.
فصلت 41:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ - ٤١] ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] .
﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ أيْ: ساكِنَةً لا حَرَكَةَ لِعُشْبٍ فِيها، ولا نَباتٍ، ولا زَرْعٍ: ﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيِ: اهْتَزَّتْ بِالنَّباتِ وتَحَرَّكَتْ بِزِينَتِهِ، ورَبَتْ بِارْتِفاعِهِ عَلى سَطْحِها، أيْ: صارَتْ رَبْوَةً مُرْتَفِعَةً: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها﴾ أيْ: هَذِهِ الأرْضُ الدّارِسَةُ، فَأخْرَجَ مِنها النَّباتَ، وجَعَلَها تَهْتَزُّ بِالزَّرْعِ مِن بَعْدِ يَبَسِها: ﴿لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] أيْ: يَمِيلُونَ عَنْ حُجَجِنا وأدِلَّتِنا، ويَزِيغُونَ عَنْها تَكْذِيبًا لَها، وجُحُودًا لَها: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠] أيْ: لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِمْ، وكَوْنِهِ بِالمِرْصادِ لَهُمْ، فَسَيَجْزِيهِمْ.
(p-٥٢١١)تَنْبِيهٌ:
شَمِلَتِ الآيَةُ مِن بِضْعِ الكَلامِ في الآياتِ عَلى غَيْرِ مَواضِعِهِ، كَما فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ في (الإكْلِيلِ): فَفِيها الرَّدُّ عَلى مَن تَعاطى تَفْسِيرَ القُرْآنِ بِما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوْهَرُ اللَّفْظِ، كَما يَفْعَلُهُ الباطِنِيَّةُ، والِاتِّحادِيَّةُ، والمَلاحِدَةُ، وغُلاةُ المُتَصَوِّفَةِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: بِهَذا القُرْآنِ: ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: فَهم هالِكُونَ. فالخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أوِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: مَنبَعٌ مَحْمِيٌّ عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وعَنْ مُحاكاتِهِ بِنَظِيرٍ.
فصلت 41:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ - ٤١] ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] .
﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ أيْ: ساكِنَةً لا حَرَكَةَ لِعُشْبٍ فِيها، ولا نَباتٍ، ولا زَرْعٍ: ﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيِ: اهْتَزَّتْ بِالنَّباتِ وتَحَرَّكَتْ بِزِينَتِهِ، ورَبَتْ بِارْتِفاعِهِ عَلى سَطْحِها، أيْ: صارَتْ رَبْوَةً مُرْتَفِعَةً: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها﴾ أيْ: هَذِهِ الأرْضُ الدّارِسَةُ، فَأخْرَجَ مِنها النَّباتَ، وجَعَلَها تَهْتَزُّ بِالزَّرْعِ مِن بَعْدِ يَبَسِها: ﴿لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] أيْ: يَمِيلُونَ عَنْ حُجَجِنا وأدِلَّتِنا، ويَزِيغُونَ عَنْها تَكْذِيبًا لَها، وجُحُودًا لَها: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠] أيْ: لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِمْ، وكَوْنِهِ بِالمِرْصادِ لَهُمْ، فَسَيَجْزِيهِمْ.
(p-٥٢١١)تَنْبِيهٌ:
شَمِلَتِ الآيَةُ مِن بِضْعِ الكَلامِ في الآياتِ عَلى غَيْرِ مَواضِعِهِ، كَما فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ في (الإكْلِيلِ): فَفِيها الرَّدُّ عَلى مَن تَعاطى تَفْسِيرَ القُرْآنِ بِما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوْهَرُ اللَّفْظِ، كَما يَفْعَلُهُ الباطِنِيَّةُ، والِاتِّحادِيَّةُ، والمَلاحِدَةُ، وغُلاةُ المُتَصَوِّفَةِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: بِهَذا القُرْآنِ: ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: فَهم هالِكُونَ. فالخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أوِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] أيْ: مَنبَعٌ مَحْمِيٌّ عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وعَنْ مُحاكاتِهِ بِنَظِيرٍ.
فصلت 41:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢] ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْـزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ أيْ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ البُطْلانُ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ.
قالَ القاشانِيُّ: لا مِن جِهَةِ الحَقِّ فَيُبْطِلُهُ بِما هو أبْلَغُ مِنهُ وأشَدُّ إحْكامًا في كَوْنِهِ حَقًّا وصِدْقًا. ولا مِن جِهَةِ الخَلْقِ فَيُبْطِلُونَهُ بِالإلْحادِ في تَأْوِيلِهِ، ويُغَيِّرُونَهُ بِالتَّحْرِيفِ لِكَوْنِهِ ثابِتًا في اللَّوْحِ مَحْفُوظًا مِن جِهَةِ الحَقِّ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وفِيهِ تَمْثِيلٌ لِتَشْبِيهِهِ بِشَخْصٍ حُمِيَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ. فَلا يُمْكِنُ أعْداءَهُ الوُصُولُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ في حِصْنٍ حَصِينٍ مِن حِمايَةِ الحَقِّ المُبِينِ. هَذا عَلى أنَّ ما بَيْنَ يَدَيْهِ وما خَلْفَهُ، كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ. كالصَّباحِ والمَساءِ كِنايَةٌ عَنِ الزَّمانِ كُلِّهِ. أوِ المَعْنى: لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ باطِلٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ مِنَ الأخْبارِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ. والماضِيَةُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ، والآتِيَةُ ما خَلْفَهُ. أوِ العَكْسُ (p-٥٢١٢)كَما مَرَّ.
﴿تَنْـزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ هو تَنْزِيلٌ مِن عِنْدِ ذِي حِكْمَةٍ، بِتَدْبِيرِ عِبادِهِ وصَرْفِهِمْ فِيما فِيهِ مَصالِحُهُمْ، مَحْمُودٌ عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ بِأيادِيهِ عِنْدَهم.
فصلت 41:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣] ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ .
﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: ما يَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ، إلّا مِثْلَ ما قالَ لِلرُّسُلِ كُفّارُ قَوْمِهِمْ، مِنَ الكَلِماتِ المُؤْذِيَةِ، والمَطاعِنِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ أيْ: فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أيْ: لِذُنُوبِ التّائِبِينَ إلَيْهِ مِن ذُنُوبِهِمْ، بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ: ﴿وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: لِمَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ وذُنُوبِهِ، وماتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ مِنها.
فصلت 41:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤] ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ: بُيِّنَتْ أدِلَّتُهُ وما فِيهِ، بِلِسانٍ نَعْرِفُهُ لِنَفْهَمَ ما فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَقُولُونَ: هَلّا نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ؟ فَقِيلَ: لَوْ كانَ كَما يَقْتَرِحُونَ، لَمْ يَتْرُكُوا الِاعْتِراضَ والتَّعَنُّتَ، وقالُوا: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ؟ أيْ: بُيِّنَتْ ولُخِّصَتْ بِلِسانٍ نَفْقَهُهُ: ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ الهَمْزَةُ هَمْزَةُ الإنْكارِ، يَعْنِي: لَأنْكَرُوا وقالُوا: أقُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ؟ أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ؟ والمَعْنى: إنَّ آياتِ اللَّهِ (p-٥٢١٣)عَلى أيِّ طَرِيقَةٍ جاءَتْهُمْ، وجَحَدُوا فِيها مُتَعَنَّتًا؛ لِأنَّ القَوْمَ غَيْرُ طالِبِينَ لِلْحَقِّ، وإنَّما يَتْعَبُونَ أهْواءَهم. انْتَهى.
قالَ الشِّهابُ: والأعْجَمِيُّ أصْلُهُ (أعْجَمُ)، ومَعْناهُ مَن لا يُفْهَمُ كَلامُهُ لِلُكْنَةٍ، أوْ لِغَرابَةِ لُغَتِهِ وزِيدَتِ الياءُ لِلْمُبالَغَةِ. كَما في أحْمَرِيٍّ. ويُطْلَقُ عَلى كَلامِهِ مَجازًا. لَكِنَّهُ اشْتُهِرَ حَتّى أُلْحِقَ بِالحَقِيقَةِ. وأمّا العَجَمِيُّ فالمَنسُوبُ إلى العَجَمِ. وهم مَن عَدا العَرَبَ، وقَدْ يُخَصُّ بِأهْلِ فارِسَ، ولُغَتِهِمُ العَجَمِيَّةِ أيْضًا. فَبَيْنَ الأعْجَمِيِّ والعَجَمِيِّ عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ. انْتَهى.
﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ أيْ: وهو لِلْمُؤْمِنِينَ بِالغَيْبِ هِدايَةٌ تَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، وتُبَصِّرُهم بِالمَعْرِفَةِ، وشِفاءٌ يُزِيلُ أمْراضَ قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَّذائِلِ. كالنِّفاقِ والشَّكِّ، أيْ: تُبَصِّرُهم بِطَرِيقِ النَّظَرِ والعَمَلِ، فَتُعَلِّمُهم وتُزَكِّيهِمْ: ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَهُ ولا يَفْهَمُونَهُ. بَلْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ لِاسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ، وسَدِّ الغِشاواتِ الطَّبِيعِيَّةِ طُرُقَ أسْماعِ قُلُوبِهِمْ وأبْصارِها، فَلا يَنْفُذُ فِيها ولا يَتَنَبَّهُوا بِها ولا يَتَيَقَّظُوا: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: مَثَلُهم في عَدَمِ قَبُولِهِمُ الحَقَّ، واسْتِماعِهِمْ لَهُ، مَثَلُ مَن يُصَيَّحُ بِهِ مِن مَسافَةٍ شاطَّةٍ، لا يُسْمَعُ مِن مِثْلِها الصَّوْتُ، فَلا يُسْمَعُ النِّداءُ. وذَلِكَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَنبَعِ النُّورِ الَّذِي يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ ويُرى. وانْهِماكُهم في ظُلُماتِ الهَيُولى.
قالَ الشِّهابُ: وجَعَلَ النِّداءَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، تَمْثِيلًا لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِما دُعُوا لَهُ. يُقالُ: أنْتَ تُنادى مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، أيْ: لا تَفْهَمُ ما أقُولُ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يُنادُونَ كَذَلِكَ، تَفْضِيحًا لَهم.
فصلت 41:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ .
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فاخْتَلَفَ في العَمَلِ (p-٥٢١٤)بِما فِيهِ الَّذِينَ أُوتَوْهُ مِنَ اليَهُودِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: كُذِّبَ وأُوذِيَ، ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي العِدَةُ بِالقِيامَةِ، وفَصْلُ الخُصُومَةِ حِينَئِذٍ؛ أيْ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى قَدَّرَ الجَزاءَ في الآخِرَةِ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بِتَعْجِيلِ العَذابِ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ [الكهف: ٥٨] ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ لِلرَّيْبِ والِاضْطِرابِ لِأنْفُسِهِمْ وأتْباعِهِمْ، لِعَمى بَصائِرِهِمْ وتَبَلُّدِ عُقُولِهِمْ، وإلّا فالحَقُّ أجْلى مِن أنْ يَخْفى. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وما كانَ تَكْذِيبُهم لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ مِنهُمْ، لَمّا قالُوا. بَلْ كانُوا شاكِّينَ فِيما قالُوهُ، غَيْرَ مُحَقِّقِينَ لِشَيْءٍ كانُوا فِيهِ، هَكَذا وجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وهو مُحْتَمَلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
فصلت 41:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية: ١٥] أيْ: مَن عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ، فائْتَمَرَ لِأمْرِهِ، وانْتَهى عَمّا نَهاهُ، فَلِنَفْسِهِ نَفْعُهُ؛ لِأنَّهُ يُجازى عَلَيْهِ جَزاءَهُ الحَسَنَ: ﴿ومَن أساءَ﴾ [الجاثية: ١٥] أيْ: عَمِلَ السَّيِّئَ وعَصى ﴿فَعَلَيْها﴾ ضُرُّهُ؛ لِأنَّهُ جَنى عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، ما أكْسَبَها سُخْطَ اللَّهِ تَعالى والعِقابَ الألِيمَ و: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا إلّا بِذَنْبِهِ، ولا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْهِ.
فصلت 41:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧] ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ .
(p-٥٢١٥)﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُها إلّا هو. أوِ المَعْنى: إذا سُئِلَ عَنْها يُقالُ: اللَّهُ عالِمٌ بِها. ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ أيْ: أوْعِيَتِها: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ: مَقْرُونًا بِعِلْمِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْلَمُ عَدَدَ أيّامِ الحَمْلِ وساعاتِهِ، وأحْوالَهُ مِنَ الخِداجِ، والتَّمامِ، والذُّكُورَةِ، والأُنُوثَةِ، والحُسْنِ، والقُبْحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيِ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشْرِكُونَهم في عِبادَتِي: ﴿قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ أيْ: أعْلَمْناكَ ما مَنّا مَن يَشْهَدُ لَهم بِالشَّرِكَةِ ويُقِرُّ بِها الآنَ. فَ: { شَهِيدٌ } فَعِيلٌ مِنَ الشَّهادَةِ، ونَفْيُ الشَّهادَةِ كِنايَةٌ عَنِ التَّبَرُّؤِ مِنهُمْ، أوْ هو مِنهم إنْكارٌ لِعِبادَتِها، فَيَكُونُ كَذِبًا، كَقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]
فصلت 41:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨] ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ .
﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَ مِنَ الأوْثانِ، فَلَمْ تَنْفَعْهم ولَمْ تَدْفَعْ عَنْهم شَيْئًا: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: وأيْقَنُوا يَوْمَئِذٍ ما لَهم مِن مَلْجَأٍ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
فصلت 41:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩] ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ .
﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ أيْ: لا يَمَلُّ مِن مَسْألَتِهِ رَبَّهُ بِالخَيْرِ، كالمالِ وصِحَّةِ الجِسْمِ: ﴿وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أيِ: الضُّرُّ في نَفْسِهِ مِن سَقَمٍ أوْ جُهْدٍ في مَعِيشَتِهِ: ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ أيْ: مِن رَوْحِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، ومِن أنْ يَكْشِفَ ما نَزَلَ بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بُولِغَ فِيهِ مِن طَرِيقَيْنِ: مِن طَرِيقِ بِناءِ (فَعُولٍ)، ومِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ. والقَنُوطُ أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ اليَأْسِ فَيَتَضاءَلُ ويَنْكَسِرُ.
فصلت 41:50
(p-٥٢١٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٠] ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ .
﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ أيْ: بِتَفْرِيجِها عَنْهُ: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ أيْ: حَقِّي نِلْتُهُ بِعَمَلِي، لا بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ، جَحْدًا لِلْمُنْعِمِ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أيْ: لَلْحالَةُ الحُسْنى مِنَ الكَرامَةِ، حِرْصًا ورَجْمًا بِالغَيْبِ، وتَلاعُبًا بِما شاءَ الهَوى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: فَلَنُخْبِرَنَّ هَؤُلاءِ المُتَمَنِّينَ عَلى اللَّهِ الأباطِيلَ، بِحَقِيقَةِ أعْمالِهِمْ، ولَنُبَصِّرَنَّهم عَكْسَ ما اعْتَقَدُوا فِيها: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ وهو تَخْلِيدُهم في النّارِ.
فصلت 41:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١] ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ .
﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ: إذا كَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ، ورَزَقْناهُ غِنًى، وصِحَّةً، وسِعَةً، أعْرَضَ عَمّا دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ، وتَكَبَّرَ وشَمَخَ بِأنْفِهِ عَنِ الإجابَةِ ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أيْ: كَثِيرٍ، يُدِيمُ تَضَرُّعَهُ، ويَسْتَغْرِقُ في الِابْتِهالِ أنْفاسَهُ. وقَدِ اسْتُعِيرَ (العَرْضُ) لِكَثْرَةِ الدُّعاءِ. كَما يُسْتَعارُ لَهُ (الطُّولُ) أيْضًا. فَيُقالُ: أطالَ فُلانٌ الدُّعاءَ، إذا أكْثَرَ. وكَذَلِكَ أعْرَضَ دُعاءَهُ.
فصلت 41:52
(p-٥٢١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ .
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾ أيِ: القُرْآنُ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ نَظَرٍ، واتِّباعِ دَلِيلٍ: ﴿مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: مَن أضَلُّ مِنكُمْ، فَوَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الصِّلَةِ، شَرْحًا لِحالِهِمْ وتَعْلِيلًا لِمَزِيدِ ضَلالِهِمْ، والشِّقاقُ الخِلافُ، لِكَوْنِ المُخالِفِ في شِقٍّ وجانِبٍ مِمَّنْ خالَفَهُ. قالَ الشِّهابُ: الآيَةُ رُجُوعٌ لِإلْزامِ الطّاعِنِينَ والمُلْحِدِينَ، وخَتَمَ السُّورَةَ بِما يَلْتَفِتُ لَفْتُ بَدْئِها، وهو مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى التَّأمُّلِ، واسْتِدْراجٌ لِلْإقْرارِ، مَعَ ما فِيهِ مِن سِحْرِ البَيانِ. وحَدِيثُ السّاعَةِ وقَعَ في البَيْنِ تَتْمِيمًا لِلْوَعِيدِ، وتَنْبِيهًا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ البَعِيدِ.
فصلت 41:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣] ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ يَعْنِي وقائِعَ النَّبِيِّ ﷺ بِنَواحِي بَلَدِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وأطْرافِها، وظُهُورِهِ عَلى النّاسِ تَصْدِيقًا لِلْوَعْدِ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: مِن غَلَبَتِهِمْ وقَهْرِهِمْ وكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، وكَما وقَعَ في بَدْرٍ وفَتْحِ مَكَّةَ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ أيْ: أنَّ هَذا القُرْآنَ، بِوَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، هو الحَقُّ الثّابِتُ؛ إذْ لا بُرْهانَ بَعْدَ عِيانٍ، فَقَدْ نَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ وصَحْبَهُ، وخَذَلَ الباطِلَ وحِزْبَهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما، مِمّا يَفْعَلُهُ خَلْقُهُ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
فصلت 41:54
(p-٥٢١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤] ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ .
﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في شَكٍّ عَظِيمٍ مِنَ البَعْثِ بَعْدَ المَماتِ، ومَعادِهِمْ إلى رَبِّهِمْ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ: فَلا يَخْرُجُ عَنْ إحاطَتِهِ شَيْءٌ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]
الشورى 42:1
(p-٥٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشُّورى
سُمِّيَتْ بِالشُّورى، لِإشْعارِ آياتِها بِذِلَّةِ الدُّنْيا وعِزَّةِ الآخِرَةِ، وصِفاتِ طالِبِيها، مَعَ اجْتِماعِ قُلُوبِهِمْ بِكُلِّ حالٍ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ، وهي مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ فِيها مَدَنِيًّا. ومَرَّ مِرارًا تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وآيُها ثَلاثٌ وخَمْسُونَ.
(p-٥٢٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١، ٢] ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] قَدْ رَوى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ها هُنا، في تَفْسِيرِ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] آثارًا واهِيَةً جِدًّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْها. بَلْ هِيَ، كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مُنْكَرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الصَّوابَ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ أوائِلَ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ، أسْماءٌ لَها. و: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] اسْمانِ لِلسُّورَةِ ولِذَلِكَ فُصِلَ بَيْنَهُما، وعَدا آيَتَيْنِ. وقِيلَ: اسْمٌ واحِدٌ، والفَصْلُ لِيُناسِبَ سائِرَ الحَوامِيمِ، فَيَكُونَ آيَةً واحِدَةً. وهو الوَجْهُ عِنْدِي لِاشْتِهارِها بِهِما مَعًا. وقَوْلُهُ تَعالى:
الشورى 42:2
(p-٥٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشُّورى
سُمِّيَتْ بِالشُّورى، لِإشْعارِ آياتِها بِذِلَّةِ الدُّنْيا وعِزَّةِ الآخِرَةِ، وصِفاتِ طالِبِيها، مَعَ اجْتِماعِ قُلُوبِهِمْ بِكُلِّ حالٍ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ، وهي مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ فِيها مَدَنِيًّا. ومَرَّ مِرارًا تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وآيُها ثَلاثٌ وخَمْسُونَ.
(p-٥٢٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١، ٢] ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] قَدْ رَوى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ها هُنا، في تَفْسِيرِ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] آثارًا واهِيَةً جِدًّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْها. بَلْ هِيَ، كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مُنْكَرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الصَّوابَ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ أوائِلَ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ، أسْماءٌ لَها. و: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] اسْمانِ لِلسُّورَةِ ولِذَلِكَ فُصِلَ بَيْنَهُما، وعَدا آيَتَيْنِ. وقِيلَ: اسْمٌ واحِدٌ، والفَصْلُ لِيُناسِبَ سائِرَ الحَوامِيمِ، فَيَكُونَ آيَةً واحِدَةً. وهو الوَجْهُ عِنْدِي لِاشْتِهارِها بِهِما مَعًا. وقَوْلُهُ تَعالى:
الشورى 42:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣] ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وارِدُ التَّحْقِيقِ أنَّ مَضْمُونَ السُّورَةِ مُوافِقٌ لِما في تَضاعِيفِ سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، والإرْشادِ إلى الحَقِّ. أوْ أنَّ إيحاءَها مِثْلُ إيحائِها، بَعْدَ تَنْوِيهِها بِذِكْرِ اسْمِها، والتَّنْبِيهِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِها. والكافُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِ: { يُوحِي } عَلى الأوَّلِ، وعَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ لَهُ عَلى الثّانِي، و(ذَلِكَ) عَلى الأوَّلِ إشارَةٌ إلى ما فِيها، وعَلى الثّانِي إلى إيحائِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ؛ أيْ: مِثْلَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ المَعانِي، أوْحى إلَيْكَ في سائِرِ السُّوَرِ، وإلى مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ في كُتُبِهِمْ. عَلى أنَّ مُناطَ المُماثَلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، والإرْشادِ (p-٥٢٢١)إلى الحَقِّ، وما فِيهِ صَلاحُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ. أوْ مِثْلَ إيحائِها، أوْحى إلَيْكَ عِنْدَ إيحاءِ سائِرِ السُّوَرِ. وإلى سائِرِ الرُّسُلِ عِنْدَ إيحاءِ كُتُبِهِمْ إلَيْهِمْ. لا إيحاءَ مُغايِرًا لَهُ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] الآيَةَ... عَلى أنَّ مَدارَ المِثْلِيَّةِ كَوْنُهُ بِواسِطَةِ المَلَكِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ الوَحْيِ، وأنَّ إيحاءً مِثْلَهُ عادَتُهُ. وفي جَعْلِ مَضْمُونِ السُّورَةِ أوْ إيحاءَها مُشَبَّهًا بِهِ، مِن تَفْخِيمِها ما لا يَخْفى. وكَذا في وصْفِهِ تَعالى بِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ. وتَأْخِيرُ الفاعِلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ. مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ. وقُرِئَ: "يُوحى" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، عَلى أنَّ: { كَذَلِكَ } مُبْتَدَأٌ: و{ يُوحِي } خَبَرُهُ المُسْنَدُ إلى ضَمِيرِهِ، أوْ مَصْدَرُهُ و: { يُوحِي } مُسْنَدٌ إلى: { إلَيْكَ } . و: { اللَّهُ } مُرْتَفِعٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ: { يُوحِي } كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُوحِي؟ فَقِيلَ: اللَّهُ.
{ العَزِيزُ الحَكِيمُ } صِفَتانِ لَهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ، كَما في قِراءَةِ: { نُوحِي }، والعَزِيزُ وما بَعْدَهُ خَبَرانِ لَهُ، أوِ العَزِيزُ الحَكِيمُ صِفَتانِ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الشورى 42:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤] ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ .
﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ خَبَرانِ لَهُ. وعَلى الوُجُوهِ السّابِقَةِ، اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
الشورى 42:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥، ٦] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] .
(p-٥٢٢٢)﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَتَشَقَّقْنَ لِتَأثُّرِهِنَّ مِن تَجَلِّياتِ عَظَمَتِهِ، ويَتَلاشَيْنَ مِن عُلُوِّ قَهْرِهِ وسُلْطَتِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدُ: ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤] أوْ مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَما في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ أيْ: يَسْألُونَ المَغْفِرَةَ لِذُنُوبِ مَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الشورى: ٦] أيْ: شُرَكاءَ وأنْدادًا: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] أيْ: رَقِيبٌ عَلى أفْعالِهِمْ يَحْفَظُ أعْمالَهم لِيُجازِيَهم بِها يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ: بِمُوَكَّلٍ لِحِفْظِ أعْمالِهِمْ، وإنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]
الشورى 42:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥، ٦] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] .
(p-٥٢٢٢)﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَتَشَقَّقْنَ لِتَأثُّرِهِنَّ مِن تَجَلِّياتِ عَظَمَتِهِ، ويَتَلاشَيْنَ مِن عُلُوِّ قَهْرِهِ وسُلْطَتِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدُ: ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤] أوْ مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَما في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ أيْ: يَسْألُونَ المَغْفِرَةَ لِذُنُوبِ مَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الشورى: ٦] أيْ: شُرَكاءَ وأنْدادًا: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] أيْ: رَقِيبٌ عَلى أفْعالِهِمْ يَحْفَظُ أعْمالَهم لِيُجازِيَهم بِها يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ: بِمُوَكَّلٍ لِحِفْظِ أعْمالِهِمْ، وإنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]
الشورى 42:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧] ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ: أهْلَها، وهي مَكَّةُ: ﴿ومَن حَوْلَها﴾ أيْ: مِنَ العَرَبِ وسائِرِ النّاسِ: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الفَضِيحَةُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ الخَلائِقُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ أيْ: مِنهم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ، واتَّبَعُوا ما جاءَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، أيِ: النّارِ المُوقَدَةِ المَسْعُورَةِ عَلى أهْلِها، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وخالَفُوا ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهُ.
الشورى 42:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٢٢٣)﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: أهْلَ دِينٍ واحِدٍ ومِلَّةٍ واحِدَةٍ: ﴿ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَيَجْعَلُهم أُمَّةً واحِدَةً، لِمُنافاةِ ذَلِكَ ما يَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ خَلْقِ الإنْسانِ مِن تَنَوُّعِ أفْرادِهِ المُسْتَلْزِمِ اخْتِلافَ أمْيالِهِمْ ومَشارِبِهِمْ؛ ولِذا شاءَ ما اقْتَضاهُ خَلْقُهم واسْتِعْدادُهم. فَكَلَّفَهم وبَنى أمْرَهم عَلى ما يَخْتارُونَ. فَأدْخَلَ مَن شاءَ في رَحْمَتِهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وفي عَذابِهِ، الكافِرِينَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ولا رَيْبَ في أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى لِكُلٍّ مِنَ الإدْخالَيْنِ، تابِعَةٌ لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِدُخُولِ مُدْخَلِهِ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: والكافِرُونَ بِاللَّهِ ما لَهم مِن ولِيٍّ يَتَوَلّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم مِن عِقابِ اللَّهِ فَيُنْقِذُهم مِن عَذابِهِ؛ لِأنَّهُ يُدْخِلُهم في قَهْرِهِ. وتَوْصِيفُهم بِالظّالِمِينَ، إشارَةٌ إلى عَدْلِ المُؤْمِنِينَ في بابِ الِاعْتِقاداتِ، والأخْلاقِ، والأعْمالِ، والأفْعالِ، وأنَّهُ تَعالى يُوالِيهِمْ، ويَنْصُرُهم.
الشورى 42:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩، ١٠] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] .
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: يَتَوَلَّوْنَهُمْ، مَعَ أنَّهُ لا وِلايَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ؛ إذْ لا قُدْرَةَ ولا قُوَّةَ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ أيْ: هو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُتَوَلّى وحْدَهُ، ويُعْتَقَدَ أنَّهُ المَوْلى والسَّيِّدُ دُونَ غَيْرِهِ، لِتَوَلِّيهِ سُبْحانَهُ كُلَّ شَيْءٍ، وسُلْطانِهِ وحُكْمِهِ. والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ. كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ: إنْ أرادُوا ولِيًّا بِحَقٍّ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ: ﴿وهُوَ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: هو المُحْيِي القادِرُ، (p-٥٢٢٤)فَكَيْفَ تَسْتَقِيمُ وِلايَةُ غَيْرِهِ؟، وقَوْلُهُ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي بَعْدُ، مِنَ الأمْرِ بِإقامَةِ الدِّينِ وعَدَمِ التَّفْرِيقِ فِيهِ، الَّذِي هو وصِيَّةُ اللَّهِ تَعالى لِأنْبِيائِهِ، وشِرْعَتُهُ لِخَلْقِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ خِلافَ مَن خالَفَ مِنَ المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ، إنَّما مَرَدُّهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وحُكْمِهِ، وقَضائِهِ، أنَّهُ لا دِينَ إلّا دِينُهُ، ولا عِبادَةَ إلّا عِبادَتُهُ، ولا حَلالَ إلّا ما أحَلَّهُ، ولا حَرامَ إلّا ما حَرَّمَهُ، والقَصْدُ الرَّدُّ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ وأمْثالِهِمْ، في تَشْرِيعِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، وتَحْكِيمِهِمْ اتِّباعَ الآباءِ وأفانِينِ الأهْواءِ. فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ومَعَ ذَلِكَ، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ ما اخْتَلَفَ فِيهِ المُخْتَلِفُونَ وتَنازَعُوا في شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّحاكُمُ فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنْ لا يُوثَرَ عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةُ غَيْرِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وتَدُلُّ أيْضًا عَلى الرُّجُوعِ إلى المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ. وعَلى تَفْوِيضِ ما لَمْ تَصِلْ إلى دَرْكِهِ العُقُولُ، إلى اللَّهِ تَعالى، بِأنْ يُقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]
وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الشورى: ١٠] بِتَقْدِيرِ: (قُلْ)، أوْ هو حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ. أيِ الَّذِي هَذِهِ الصِّفاتُ صِفاتُهُ، رَبِّي لا آلِهَتُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [الشورى: ١٠] أيْ: في أُمُورِي كُلِّها: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ، أوْ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ في الأُمُورِ المُعْضِلَةِ.
الشورى 42:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩، ١٠] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] .
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: يَتَوَلَّوْنَهُمْ، مَعَ أنَّهُ لا وِلايَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ؛ إذْ لا قُدْرَةَ ولا قُوَّةَ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ أيْ: هو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُتَوَلّى وحْدَهُ، ويُعْتَقَدَ أنَّهُ المَوْلى والسَّيِّدُ دُونَ غَيْرِهِ، لِتَوَلِّيهِ سُبْحانَهُ كُلَّ شَيْءٍ، وسُلْطانِهِ وحُكْمِهِ. والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ. كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ: إنْ أرادُوا ولِيًّا بِحَقٍّ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ: ﴿وهُوَ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: هو المُحْيِي القادِرُ، (p-٥٢٢٤)فَكَيْفَ تَسْتَقِيمُ وِلايَةُ غَيْرِهِ؟، وقَوْلُهُ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي بَعْدُ، مِنَ الأمْرِ بِإقامَةِ الدِّينِ وعَدَمِ التَّفْرِيقِ فِيهِ، الَّذِي هو وصِيَّةُ اللَّهِ تَعالى لِأنْبِيائِهِ، وشِرْعَتُهُ لِخَلْقِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ خِلافَ مَن خالَفَ مِنَ المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ، إنَّما مَرَدُّهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وحُكْمِهِ، وقَضائِهِ، أنَّهُ لا دِينَ إلّا دِينُهُ، ولا عِبادَةَ إلّا عِبادَتُهُ، ولا حَلالَ إلّا ما أحَلَّهُ، ولا حَرامَ إلّا ما حَرَّمَهُ، والقَصْدُ الرَّدُّ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ وأمْثالِهِمْ، في تَشْرِيعِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، وتَحْكِيمِهِمْ اتِّباعَ الآباءِ وأفانِينِ الأهْواءِ. فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ومَعَ ذَلِكَ، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ ما اخْتَلَفَ فِيهِ المُخْتَلِفُونَ وتَنازَعُوا في شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّحاكُمُ فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنْ لا يُوثَرَ عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةُ غَيْرِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وتَدُلُّ أيْضًا عَلى الرُّجُوعِ إلى المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ. وعَلى تَفْوِيضِ ما لَمْ تَصِلْ إلى دَرْكِهِ العُقُولُ، إلى اللَّهِ تَعالى، بِأنْ يُقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]
وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الشورى: ١٠] بِتَقْدِيرِ: (قُلْ)، أوْ هو حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ. أيِ الَّذِي هَذِهِ الصِّفاتُ صِفاتُهُ، رَبِّي لا آلِهَتُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [الشورى: ١٠] أيْ: في أُمُورِي كُلِّها: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ، أوْ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ في الأُمُورِ المُعْضِلَةِ.
الشورى 42:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١] ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ ﴿أزْواجًا﴾ (p-٥٢٢٥)أيْ: نِساءً. ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا مُخْتَلِفَةً، أوْ ذُكُورًا وإناثًا، ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ أيْ: يُكْثِرُكم مِنَ (الذَّرْءِ) وهو البَثُّ. يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، بَثَّهم كَثَّرَهُمْ، وفُسِّرَ بِ: (يَخْلُقُكُمْ)، وضَمِيرُ { فِيهِ } لِلْبَطْنِ أوِ الرَّحِمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا، حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهُمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في (يَذْرَؤُكُمْ) يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ والأنْعامِ مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْبِ مِمّا لا يَعْقِلُ، فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى يَذْرَؤُكم في هَذا التَّدْبِيرِ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. انْتَهى.
وقِيلَ (فِي) مُسْتَعارَةٌ لِلسَّبَبِيَّةِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ، وتَكُونُ الكافُ هي المُدْخَلَةُ في الكَلامِ. انْتَهى.
وبَقِيَ ثالِثٌ؛ وهو أنَّ المِثْلَ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ لَيْسَ كَصِفَتِهِ صِفَةٌ، ورابِعٌ -وهُوَ ما عَوَّلَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ- أنَّ المُرادَ مِن (مِثْلِهِ) ذاتُهُ، كَما في قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، عَلى قَصْدِ المُبالَغَةِ في نَفْيِهِ عَنْهُ، فَإنَّهُ إذا نُفِيَ عَمَّنْ يُناسِبُهُ، كانَ نَفْيُهُ عَنْهُ أوْلى، ثُمَّ سُلِكَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ في شَأْنِ مَن لا مِثْلَ لَهُ سُبْحانَهُ. ووَجْهُ المُبالَغَةِ أنَّ الكِنايَةَ مِن بابِ دَعْوى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ، وقَدْ بُيِّنَتُ الكِنايَةُ في الآيَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ أشارَ إلَيْهِ الشُّمُنِّيُّ، وهو أنَّهُ نَفْيٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْيِ لازِمِهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المَلْزُومِ، كَما يُقالُ: لَيْسَ لِأخِي زَيْدٍ أخٌ. فَأخُو زَيْدٍ مَلْزُومٌ، والأخُ لازِمُهُ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لِأخِي زَيْدٍ مِن أخٍ هو زَيْدٌ، فَنُفِيَ هَذا اللّازِمُ، والمُرادُ نَفْيُ مَلْزُومِهِ، أيْ: لَيْسَ لِزَيْدٍ أخٌ؛ إذْ لَوْ كانَ لَهُ أخٌ لَكانَ لِذَلِكَ الأخِ أخٌ، هو زَيْدٌ. فَكَذا نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِمِثْلِ اللَّهِ مِثْلٌ، والمُرادُ نَفْيُ مِثْلِهِ تَعالى. إذْ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ، لَكانَ هو تَعالى مِثْلَ مِثْلِهِ، لِتَحَقُّقِ المُماثَلَةِ مِنَ الجانِبَيْنِ.
(p-٥٢٢٦)فَلا يَصِحُّ نَفْيُ مِثْلِهِ (أيْ: نَفْيُ مِثْلِ ذَلِكَ المِثْلِ) وبِالجُمْلَةِ، فَأُطْلِقَ نَفْيُ مِثْلِ المِثْلِ، وأُرِيدَ لازِمُهُ مِن نَفْيِ المِثْلِ. قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: طالَما كُنْتُ أجِدُ في نَفْسِي مِن هَذا شَيْئًا. وذَلِكَ أنَّ مُحَصِّلَ هَذا أنَّ نَفْيَ المِثْلِ لازِمٌ لِحَقِيقَةِ الآيَةِ. وقَدْ تَقَرَّرَ أوَّلًا أنَّها تَقْتَضِي إثْباتَهُ. ولِذا أوَّلُوها بِالأوْجُهِ المَذْكُورَةِ. فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنَّ إثْباتَ الشَّيْءِ ونَفْيَهُ يَلْزَمانِ مَعًا لِشَيْءٍ واحِدٍ؟ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأنَّ تَنافِيَ اللَّوازِمِ يَقْتَضِي تَنافِيَ المَلْزُوماتِ، وبِفَرْضِ صِحَّةِ أنَّ كُلًّا مِنهُما لازِمٌ لَها، فَقَصْرُها عَلى هَذا دُونَ ذاكَ تَحَكُّمٌ مَعَ أنَّ القَصْدَ إبْطالُ دَلالَتِها عَلى المُحالِ، ولا يَكْفِي فِيهِ قَوْلُنا إنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ ظَهَرَ أنَّ إثْباتَ المِثْلِ لَيْسَ لازِمًا لِحَقِيقَةِ الآيَةِ قَطْعًا بَلْ هو مُحْتَمَلٌ فَقَطْ، كَما تَحْتَمِلُ نَفْيَهُ وإنْ كانَ الأوَّلُ أقْرَبَ، لَكِنْ عارَضَهُ في خُصُوصِ هَذِهِ المادَّةِ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ إلَخْ. فَبَطَلَ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ مِن أصْلِهِ فالتَّعْوِيلُ في نَفْيِ المِثْلِ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ القَطْعِيَّةِ بِخِلافِ المِثالِ. فافْهَمْ ذَلِكَ.
وقالَ العِصامُ: هَذا -أيْ: كَوْنُ الآيَةِ مِن بابِ الكِنايَةِ- وجْهٌ تَلَقّاهُ الفُحُولُ بِالقَبُولِ، ورَجَّحُوهُ بِأنَّ الكِنايَةَ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، وعَدَمَ الزِّيادَةِ أحَقُّ بِالتَّرْجِيحِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وهو أنَّ نَفْيَ مِثْلِ المِثْلِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المِثْلِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ، بَلِ المِثْلُ المُشارِكُ لِلشَّيْءِ في صِفَةٍ، مَعَ كَوْنِ الشَّيْءِ أقْوى مِنهُ فِيها وبِمَنزِلَةِ الأصْلِ، والمِثْلُ بِمَنزِلِهِ المُلْحَقِ بِهِ المُتَقارِبُ مِنهُ. انْتَهى.
ورَدَّهُ السَّيْلَكُوتِيُّ فَقالَ: ما قِيلَ إنَّ نَفْيَ مِثْلِ المِثْلِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المِثْلِ؛ لِأنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ أضْعَفُ مِنهُ، فَتَوَهُّمٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّ المُماثِلَةَ هي الشَّرِكَةُ في أخَصِّ الصِّفاتِ، والمُساواةُ في جَمِيعِ الوُجُوهِ مِمّا بِهِ المُماثَلَةُ، صَرَّحَ بِهِ في (شَرْحِ العَقائِدِ النَّسَفِيَّةِ) انْتَهى.
ومِثْلُ هَذِهِ اللَّطائِفِ الأدَبِيَّةِ مِمّا تَتَحَلّى بِهِ أجْيادُ الأفْهامِ، وتَتَشَعَّبُ في أوْدِيَةِ بَدائِعِهِ عُيُونُ مَحاسِنِ الكَلامِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُشَبِّهَةِ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجَوْهَرٍ ولا بِجِسْمٍ، ولا عَرَضٍ ولا لَوْنٍ ولا حالٍّ في مَكانٍ ولا زَمانٍ. انْتَهى.
(p-٥٢٢٧)وكانَ حَقُّهُ أنْ يَتِمَّ الِاسْتِنْباطُ، فَكَما أنَّ صَدْرَ الآيَةِ فِيهِ رَدٌّ عَلى المُشَبِّهَةِ، فَكَذا تَتِمَّتُها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رَدٌّ عَلى المُعَطِّلَةِ، ولِذا كانَ أعْدَلُ المَذاهِبِ مَذْهَبَ السَّلَفِ، فَإنَّهم أثْبَتُوا النُّصُوصَ بِالتَّنْزِيهِ مِن غَيْرِ تَعْطِيلٍ ولا تَشْبِيهٍ، وذَلِكَ أنَّ المُعَطِّلِينَ لَمْ يَفْهَمُوا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وصَفاتِهِ إلّا ما هو اللّائِقُ بِالمَخْلُوقِ، ثُمَّ شَرَعُوا في نَفْيِ تِلْكَ المَفْهُوماتِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ التَّمْثِيلِ والتَّعْطِيلِ، فَمَثَّلُوا أوَّلًا وعَطَّلُوا آخِرًا، فَهَذا تَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ مِنهُمْ، لِلْمَفْهُومِ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ تَعالى، بِالمَفْهُومِ مِن أسْماءِ خَلْقِهِ وصِفاتِهِمْ، فَعَطَّلُوا ما يَسْتَحِقُّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، بِخِلافِ سَلَفِ الأُمَّةِ وأجِلّاءِ الأئِمَّةِ، فَإنَّهم يَصِفُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وبِما وصَفَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ، مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَشْبِيهٍ، قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَرَدَّ عَلى المُشَبِّهَةِ بِنَفْيِ المِثْلِيَّةِ، ورَدَّ عَلى المُعَطِّلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ قالَ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلى الإقْرارِ بِالصِّفاتِ الوارِدَةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وحَمْلِها عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ، إلّا أنَّهم لَمْ يُكَيِّفُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وأمّا الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ، فَكُلُّهم يُنْكِرُها ولا يَحْمِلُ مِنها شَيْئًا عَلى الحَقِيقَةِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ مَن أقَرَّ بِها مُشَبِّهٌ، وهم عِنْدَ مَن أقَرَّ بِها نافُونَ لِلْمَعْبُودِ. انْتَهى.
قالَ الذَّهَبِيُّ: صَدَقَ واللَّهِ! فَإنَّ مَن تَأوَّلَ سائِرَ الصِّفاتِ، وحَمَلَ ما ورَدَ مِنها عَلى مَجازِ الكَلامِ، أدّاهُ ذَلِكَ السَّلْبُ إلى تَعْطِيلِ الرَّبِّ وأنْ يُشابِهَ المَعْدُومَ، كَما نُقِلَ عَنْ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: مَثَلُ الجَهْمِيَّةِ كَقَوْمٍ قالُوا: في دارِنا نَخْلَةٌ، قِيلَ: لَها سَعَفٌ؟ قالُوا: لا، قِيلَ: لَها كَرَبٌ؟ قالُوا: لا، قِيلَ: لَها رُطَبٌ؟ قالُوا: لا، قِيلَ: فَلَها ساقٌ؟ قالُوا: لا، قِيلَ: فَما في دارِكم نَخْلَةٌ. قُلْتُ: كَذَلِكَ هَؤُلاءِ النُّفاةُ، قالُوا: إلَهُنا اللَّهُ تَعالى؛ وهو لا في زَمانٍ، ولا في مَكانٍ، ولا يَرى ولا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ ولا يَتَكَلَّمُ، ولا يَرْضى ولا يُرِيدُ، ولا ولا، وقالُوا: سُبْحانَ المُنَزَّهِ عَنِ الصِّفاتِ. بَلْ نَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ المُرِيدِ، الَّذِي كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا، واتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ويَرى في الآخِرَةِ، المُتَّصِفِ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ (p-٥٢٢٨)رُسُلُهُ، المُنَزَّهِ عَنْ سِماتِ المَخْلُوقِينَ وعَنْ جَحْدِ الجاحِدِينَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ.
وقالَ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيْضًا: مَقالُ مُتَأخَّرِي المُتَكَلِّمِينَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ في السَّماءِ، ولا عَلى العَرْشِ ولا عَلى السَّمَواتِ ولا في الأرْضِ، ولا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَ العالَمِ، ولا هو بائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ ولا مُتَّصِلٌ بِهِمْ، وقالُوا: جَمِيعُ هَذِهِ الأشْياءِ صِفاتُ الأجْسامِ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسْمِ، قالَ لَهم أهْلُ السُّنَّةِ والأثَرِ: نَحْنُ لا نَخُوضُ في ذَلِكَ ونَقُولُ ما ذَكَرْناهُ اتِّباعًا لِلنُّصُوصِ ولا نَقُولُ بِقَوْلِكُمْ؛ فَإنَّ هَذِهِ السُّلُوبَ نُعُوتٌ لِلْمَعْدُومِ، تَعالى اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ عَنِ العَدَمِ، بَلْ هو مَوْجُودٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ خَلْقِهِ، مَوْصُوفٌ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، مِن أنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ بِلا كَيْفٍ. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ في (الرِّسالَةِ التَّدْمُرِيَّةِ) في القاعِدَةِ الأُولى: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَوْصُوفٌ بِالإثْباتِ والنَّفْيِ، فالإثْباتُ كَإخْبارِهِ بِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وعَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ونَحْوَ ذَلِكَ، والنَّفْيُ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ النَّفْيَ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ ولا كَمالٌ، إلّا إذا تَضَمَّنَ إثْباتًا، وإلّا فَمُجَرَّدُ النَّفْيِ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ ولا كَمالٌ؛ لِأنَّ النَّفْيَ المَحْضَ عَدَمُ مَحْضٍ، والعَدَمُ المَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وما لَيْسَ بِشَيْءٍ فَهو كَما قِيلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَدْحًا أوْ كَمالًا، ولِأنَّ النَّفْيَ المَحْضَ يُوصَفُ بِهِ المَعْدُومُ والمُمْتَنِعُ، والمَعْدُومُ والمُمْتَنِعُ لا يُوصَفُ بِمَدْحٍ ولا كَمالٍ، فَلِهَذا كانَ عامَّةُ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ النَّفْيِ مُتَضَمِّنًا لِإثْباتِ مَدْحٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَنَفْيُ السِّنَةِ والنَّوْمِ يَتَضَمَّنُ كَمالَ الحَياةِ والقِيامِ، فَهو مُبِينٌ لِكَمالِ أنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] أيْ لا يَكْرِثُهُ ولا يُثْقِلُهُ، وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وتَمامِها، بِخِلافِ المَخْلُوقِ القادِرِ، إذا كانَ يَقْدِرُ عَلى الشَّيْءِ بِنَوْعِ كُلْفَةٍ (p-٥٢٢٩)ومَشَقَّةٍ، فَإنَّ هَذا نَقْصٌ في قُدْرَتِهِ وعَيْبٌ في قُوَّتِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [سبإ: ٣] فَإنَّ نَفْيَ العُزُوبِ مُسْتَلْزِمٌ لِعِلْمِهِ بِكُلِّ ذَرَّةٍ في السَّمَواتِ والأرْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] فَإنَّ نَفْيَ مَسِّ اللُّغُوبِ، الَّذِي هو التَّعَبُ والإعْياءُ دَلَّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونِهايَةِ القُوَّةِ، بِخِلافِ المَخْلُوقِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنَ التَّعَبِ والكَلالِ ما يَلْحَقُهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] إنَّما نَفْيُ الإدْراكِ الَّذِي هو الإحاطَةُ كَما قالَهُ أكْثَرُ العُلَماءِ، ولَمْ يَنْفِ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ المَعْدُومَ لا يُرى، ولَيْسَ في كَوْنِهِ لا يُرى مَدْحٌ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المَعْدُومُ مَمْدُوحًا، وإنَّما المَدْحُ في كَوْنِهِ لا مُحاطَ بِهِ، وإنْ رُئِيَ، كَما أنَّهُ لا يُحاطُ بِهِ وإنْ عُلِمَ، فَكَما أنَّهُ إذا عُلِمَ لا يُحاطُ بِهِ عِلْمًا، فَكَذَلِكَ إذا رُئِيَ لا يُحاطُ بِهِ رُؤْيَةً، فَكانَ في نَفْيِ الإدْراكِ مِن إثْباتِ عَظَمَتِهِ، ما يَكُونُ مَدْحًا وصِفَةَ كَمالٍ، وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى إثْباتِ الرُّؤْيَةِ لا عَلى نَفْيِها، لَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ الرُّؤْيَةِ مَعَ عَدَمِ الإحاطَةِ، وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها، وإذا تَأمَّلْتَ ذَلِكَ وجَدْتَ كُلَّ نَفْيٍ لا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتًا، هو مِمّا لَمْ يَصِفِ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، الَّذِينَ لا يَصِفُونَهُ إلّا بِالسُّلُوبِ، لَمْ يُثْبِتُوا في الحَقِيقَةِ. إلَهًا مَحْمُودًا، بَلْ ولا مَوْجُودًا، وكَذَلِكَ مَن شارَكَهم في بَعْضِ ذَلِكَ، كالَّذِينِ قالُوا: لا يَتَكَلَّمُ أوْ لا يَرى أوْ لَيْسَ فَوْقَ العالَمِ أوْ لَمْ يَسْتَوِ عَلى العَرْشِ، ويَقُولُونَ: لَيْسَ بِداخِلِ العالَمِ ولا خارِجَهُ ولا مُبايِنٍ لِلْعالَمِ ولا مُجانِبٍ لَهُ، إذْ هَذِهِ الصِّفاتُ يُمْكِنُ أنْ يُوصَفَ بِها المَعْدُومُ، ولَيْسَتْ هي صِفَةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ صِفَةَ ثُبُوتٍ، ولِهَذا قالَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ لِمَنِ ادَّعى ذَلِكَ في الخالِقِ: مَيَّزَ لَنا بَيْنَ هَذا الرَّبِّ الَّذِي نُثْبِتُهُ وبَيْنَ المَعْدُومِ، وكَذَلِكَ كَوْنُهُ لا يَتَكَلَّمُ أوْ لا يَنْزِلُ، لَيْسَ في ذَلِكَ صِفَةُ مَدْحٍ ولا كَمالٍ، بَلْ هَذِهِ الصِّفاتُ فِيها تَشْبِيهٌ لَهُ بِالمَنقُوصاتِ أوِ المَعْدُوماتِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ مِنها ما لا يَتَّصِفُ بِهِ إلّا المَعْدُومُ ومِنها ما لا يَتَّصِفُ بِهِ إلّا الجَماداتُ والنّاقِصُ، فَمَن قالَ لا هو مُبايِنٌ لِلْعالَمِ ولا مَداخِلٌ لِلْعالَمِ، فَهو بِمَنزِلَةِ (p-٥٢٣٠)مَن قالَ: لا؛ هو قائِمٌ بِنَفْسِهِ ولا بِغَيْرِهِ ولا قَدِيمٌ ولا مُحْدَثٌ ولا مُتَقَدِّمٌ عَلى العالَمِ ولا مُقارِنٌ لَهُ، ومَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ ولا سَمِيعٍ ولا بَصِيرٍ ولا مُتَكَلِّمٍ، لَزِمَهُ أنْ يَكُونَ مَيِّتًا أصَمَّ أعْمى أبْكَمَ، فَإنْ قالَ: العَمى عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مَن شَأْنُهُ أنْ يَقْبَلَ البَصَرَ، وما لَمْ يَقْبَلِ البَصَرَ كالحائِطِ لا يُقالُ لَهُ أعْمى ولا بَصِيرٌ، قِيلَ لَهُ هَذا اصْطِلاحٌ اصْطَلَحْتُمُوهُ، وإلّا فَما يُوصَفُ بِعَدَمِ الحَياةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالمَوْتِ والعَمى والخَرَسِ والعُجْمَةِ، وأيْضًا فَكُلُّ مَوْجُودٍ يَقْبَلُ الِاتِّصافَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَقائِضِها؛ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى جَعْلِ الجَمادِ حَيًّا كَما جَعَلَ عَصا مُوسى حَيَّةً ابْتَلَعَتِ الحِبالَ والعِصِيَّ، وأيْضًا فالَّذِي لا يَقْبَلُ الِاتِّصافَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أعْظَمُ نَقْصًا مِمّا يَقْبَلُ الِاتِّصافَ مَعَ اتِّصافِهِ بِنَقائِضِها، فالجَمادُ الَّذِي لا يُوصَفُ بِالبَصَرِ ولا العَمى ولا الكَلامِ ولا الخَرَسِ، أعْظَمُ نَقْصًا مِنَ الحَيِّ الأعْمى الأخْرَسِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ البارِئَ لا يُمْكِنُ اتِّصافُهُ بِذَلِكَ، كانَ في ذَلِكَ مِن وصْفِهِ بِالنَّقْصِ أعْظَمَ مِمّا إذا وُصِفَ بِالخَرَسِ والعَمى والصَّمَمِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ إذا جُعِلَ غَيْرَ قابِلٍ لَها كانَ تَشْبِيهًا لَهُ بِالجَمادِ الَّذِي لا يَقْبَلُ الِاتِّصافَ بِواحِدٍ مِنها، وهَذا تَشْبِيهٌ بِالجَماداتِ لا بِالحَيَواناتِ، فَكَيْفَ مَن قالَ ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ مِمّا يَزْعُمُ أنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالحَيِّ، وأيْضًا فَنَفْسُ نَفْيِ هَذِهِ الصِّفاتِ نَقْصٌ، كَما أنَّ إثْباتَها كَمالٌ، فالحَياةُ مِن حَيْثُ هي هِيَ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَعْيِينِ المَوْصُوفِ بِها، صِفَةُ كَمالٍ، وكَذَلِكَ العِلْمُ والقُدْرَةُ والسَّمْعُ والبَصَرُ والكَلامُ والعَقْلُ ونَحْوَ ذَلِكَ، وما كانَ صِفَةَ كَمالٍ فَهو سُبْحانُهُ أحَقُّ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ مَعَ اتِّصافِ المَخْلُوقِ بِهِ، لَكانَ المَخْلُوقُ أكْمَلَ مِنهُ.
الشورى 42:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢، ١٣] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] .
(p-٥٢٣١)﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ الأرْزاقِ وخَزائِنُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ رِزْقَهُ وفَضْلَهُ عَلى مَن يَشاءُ مَن خَلْقِهِ ويُغْنِيهِ، ويَقْتُرُ عَلى آخَرِينَ: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، وهو ما شَرَعَهُ لَهُ ولَهم مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وفي الحَدِيثِ: ««نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أوْلادُ عَلّاتٍ دِينُنا واحِدٌ»» . يَعْنِي: عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهم ومَناهِجُهم. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ الخَمْسَةِ، وهم أُولُو العَزْمِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ. ولِاسْتِمالَةِ قُلُوبِ الكَفَرَةِ، لِاتِّفاقِ الكُلِّ عَلى نُبُوَّةِ بَعْضِهِمْ. وابْتَدَأ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أوَّلُ الرُّسُلِ. والمَعْنى: شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ (p-٥٢٣٢)ما وصّى بِهِ جَمِيعَ الأنْبِياءِ مِن عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى زَمَنِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والتَّعْبِيرُ بِالتَّوْصِيَةِ فِيهِمْ والوَحْيُ لَهُ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شَرِيعَتَهُ ﷺ هي الشَّرِيعَةُ الكامِلَةُ. ولِذا عَبَّرَ فِيهِ بِ: (الَّذِي)، الَّتِي هي أصْلُ المَوْصُولاتِ. وأضافَهُ إلَيْهِ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ، تَخْصِيصًا لَهُ ولِشَرِيعَتِهِ بِالتَّشْرِيفِ وعِظَمِ الشَّأْنِ وكَمالِ الِاعْتِناءِ. وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى ما بَعْدَهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ زَمانًا: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] أيْ: مِن إخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ والبَراءَةِ مِمّا سِواهُ مِنَ الأوْثانِ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٣] وهو مِن صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى ما دُعِيَ إلَيْهِ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] أيْ: يُوَفِّقُ لِلْعَمَلِ لِطاعَتِهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ، مَن يُقْبِلُ إلى طاعَتِهِ، ويَتُوبُ مِن مَعاصِيهِ. ثُمَّ أشارَ إلى أهْلِ الكِتابِ، إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِ:
الشورى 42:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢، ١٣] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] .
(p-٥٢٣١)﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ الأرْزاقِ وخَزائِنُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ رِزْقَهُ وفَضْلَهُ عَلى مَن يَشاءُ مَن خَلْقِهِ ويُغْنِيهِ، ويَقْتُرُ عَلى آخَرِينَ: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، وهو ما شَرَعَهُ لَهُ ولَهم مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وفي الحَدِيثِ: ««نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أوْلادُ عَلّاتٍ دِينُنا واحِدٌ»» . يَعْنِي: عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهم ومَناهِجُهم. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ الخَمْسَةِ، وهم أُولُو العَزْمِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ. ولِاسْتِمالَةِ قُلُوبِ الكَفَرَةِ، لِاتِّفاقِ الكُلِّ عَلى نُبُوَّةِ بَعْضِهِمْ. وابْتَدَأ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أوَّلُ الرُّسُلِ. والمَعْنى: شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ (p-٥٢٣٢)ما وصّى بِهِ جَمِيعَ الأنْبِياءِ مِن عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى زَمَنِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والتَّعْبِيرُ بِالتَّوْصِيَةِ فِيهِمْ والوَحْيُ لَهُ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شَرِيعَتَهُ ﷺ هي الشَّرِيعَةُ الكامِلَةُ. ولِذا عَبَّرَ فِيهِ بِ: (الَّذِي)، الَّتِي هي أصْلُ المَوْصُولاتِ. وأضافَهُ إلَيْهِ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ، تَخْصِيصًا لَهُ ولِشَرِيعَتِهِ بِالتَّشْرِيفِ وعِظَمِ الشَّأْنِ وكَمالِ الِاعْتِناءِ. وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى ما بَعْدَهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ زَمانًا: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] أيْ: مِن إخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ والبَراءَةِ مِمّا سِواهُ مِنَ الأوْثانِ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٣] وهو مِن صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى ما دُعِيَ إلَيْهِ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] أيْ: يُوَفِّقُ لِلْعَمَلِ لِطاعَتِهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ، مَن يُقْبِلُ إلى طاعَتِهِ، ويَتُوبُ مِن مَعاصِيهِ. ثُمَّ أشارَ إلى أهْلِ الكِتابِ، إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِ:
الشورى 42:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ .
﴿وما تَفَرَّقُوا﴾ أيْ: في دِينِهِمْ وصارُوا شِيَعًا: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ الصَّحِيحَةُ، والبَراهِينُ اليَقِينِيَّةُ عَلى حَقِيَةِ ما لَدَيْهِمْ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: ظُلْمًا، وتَعَدِّيًا، وطَلَبًا لِلرِّئاسَةِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو تَأْخِيرُ العَذابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بِاسْتِئْصالِهِمْ، لِاسْتِيجابِ جِناياتِهِمْ لِذَلِكَ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ وهم أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكِتابِ العَزِيزِ: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ لِأتْباعِهِمْ في الشَّكِّ، لِكَثْرَةِ ما يَبُثُّونَهُ مِنَ الوَساوِسِ الصّادَّةِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
الشورى 42:15
(p-٥٢٣٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْـزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ .
﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ﴾ أيْ: فَلِأجَلِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّفَرُّقِ والشَّكِّ المُرِيبِ، فادْعُ النّاسَ كافَّةً إلى إقامَةِ الدِّينِ لِمُقاوَمَةِ الباطِلِ ودَحْرِهِ، وهَتْكِ وساوِسِهِ: ﴿واسْتَقِمْ﴾ أيْ: عَلى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، والصَّدْعِ بِهِ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أيْ: أُوحِيَ إلَيْكَ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْـزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ: أيَّ كِتابٍ كانَ، لا كالَّذِينِ آمَنُوا بِبَعْضٍ، وكَفَرُوا بَعْضٍ. وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وبَيانٌ لِاتِّفاقِ الكُتُبِ في الأُصُولِ، وتَأْلِيفٌ لِقُلُوبِ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وتَعْرِيضٌ بِهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ: لِأُسَوِّيَ بَيْنَكم في دَعْوَةٍ واحِدَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ ما وراءَ الأمْرِ المَذْكُورِ، والتَّبْلِيغِ بِهِ مِنَ الحِسابِ، فَهو إلَيْهِ تَعالى. فَقالَ: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: لا خُصُومَةَ ولا مُحاجَّةَ بَعْدَ هَذا؛ لِأنَّ الحَقَّ قَدْ ظَهَرَ، ولَمْ يَبْقَ لِلْمُحاجَّةِ حاجَةٌ، ولا لِلْمُخالَفَةِ مَحَلٌّ سِوى المُكابَرَةِ. والحُجَّةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الِاحْتِجاجِ. كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ. وتَكُونُ بِمَعْنى الدَّلِيلِ. والمُرادُ هو الأوَّلُ دُونَ الثّانِي. وهو ظاهِرٌ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقْضِي بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفْنا: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَعادُ والمَرْجِعُ لِلْجَزاءِ.
(p-٥٢٣٤)تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: تَفْسِيرُ العَدْلِ بِما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ لاسِيَّما والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ يَكُنْ مَظْهَرُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِها فَصْلَ الخُصُوماتِ والقَضاءَ في الحُكُوماتِ. نَعَمْ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ فَإنَّما وقَفَ مَعَ عُمُومِها. ومِنهُ قَوْلُ قَتادَةَ: «أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَعْدِلَ حَتّى ماتَ» . والعَدْلُ مِيزانُ اللَّهِ في الأرْضِ، بِهِ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ، ولِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ، وبِالعَدْلِ يُصَدِّقُ اللَّهُ الصّادِقَ، ويُكَذِّبُ الكَذّابَ، وبِالعَدْلِ يَرُدُّ المُعْتَدِيَ ويُوَبِّخُهُ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى عَشْرِ كَلِماتٍ مُسْتَقِلّاتٍ. كُلٌّ مِنها مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. حُكْمٌ بِرَأْسِها. قالُوا: ولا نَظِيرَ لَها سِوى آيَةِ الكُرْسِيِّ. فَإنَّها أيْضًا عَشَرَةُ فُصُولٍ كَهَذِهِ. انْتَهى.
الشورى 42:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ .
﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ خاتَمَ أنْبِيائِهِ، وهُمُ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ، المَذْكُورُونَ قَبْلُ، لِيَصُدُّوا عَنِ الهُدى طَمَعًا في عَوْدِ الجاهِلِيَّةِ: ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيِ: اسْتَجابَ لَهُ النّاسُ؛ أيْ: بِالِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ لِدِينِهِ حَسْبَما قادَهم إلَيْهِ العَقْلُ السَّلِيمُ، والنَّظَرُ الصَّحِيحُ، وسِيرَةُ الدّاعِي، وهَدْيُهُ، وحُسْنُ دَعْوَتِهِ، وتَصْدِيقُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ لَهُ، وسَلامَةُ الفِطْرَةِ: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: زائِلَةٌ لِأنَّها في باطِلٍ. والباطِلُ لا بَقاءَ لَهُ مَعَ قُوَّةِ الحَقِّ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وقَضائِهِ وتَقْدِيرِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ أباطِيلِهِمْ بِالحُجَّةِ، مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ: ﴿وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ، لِمُكابَرَتِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ وهو عَذابُ النّارِ.
الشورى 42:17
(p-٥٢٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْـزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ .
﴿اللَّهُ الَّذِي أنْـزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِهِ في أحْكامِهِ وأخْبارِهِ: ﴿والمِيزانَ﴾ أيْ: وأنْزَلَ المِيزانَ، وهو العَدْلُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ الحُقُوقُ، ويُسَوّى بِهِ الخِلافُ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: شَيْءٌ قَرِيبٌ، أوْ قَرِيبٌ مَجِيئُها، أوِ السّاعَةُ بِمَعْنى البَعْثِ. والمَعْنى أنَّها عَلى جَناحِ الإتْيانِ. فاتَّبِعِ الكِتابَ، واعْمَلْ بِهِ، وواظِبْ عَلى العَدْلِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكَ اليَوْمَ الَّذِي تُوزَنُ فِيهِ الأعْمالُ، ويُوَفّى جَزاؤُها.
الشورى 42:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .
﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ أيْ: خائِفُونَ مِنها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لِأنَّهم لا يَدْرُونَ ما اللَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ فِيها: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ أيِ: المُتَحَقِّقُ وُجُودُهُ لا مَحالَةَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: لِإنْكارِهِمْ عَدْلَ اللَّهِ، وحِكْمَتَهُ.
الشورى 42:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩، ٢٠] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
(p-٥٢٣٦)﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ إيصالِ ما يَفْتَقِرُونَ مِن خَيْرِ الدِّينِ والدُّنْيا: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَبْتَغِي بِهِ الفائِدَةَ والزُّكاءَ، حَرْثًا عَلى المَجازِ -أيْ: بِتَشْبِيهِهِ بِالزَّرْعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فائِدَةٌ تَحْصُلُ بِعَمَلِ الدُّنْيا- ولِذَلِكَ قِيلَ: (الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ). وفَرْقٌ بَيْنَ عَمَلِ العامِلِينَ بِأنَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ، وُفِّقَ في عَمَلِهِ وضُوعِفَتْ حَسَناتُهُ. ومَن كانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيا أُعْطِيَ شَيْئًا مِنها، لا ما يُرِيدُهُ ويَبْتَغِيهِ، وهو رِزْقُهُ الَّذِي قُسِمَ لَهُ وفُرِغَ مِنهُ، وما لَهُ نَصِيبٌ قَطُّ في الآخِرَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ في مَعْنى عامِلِ الآخِرَةِ ولَهُ في الدُّنْيا نَصِيبٌ عَلى أنَّ رِزْقَهُ المَقْسُومَ لَهُ، واصِلٌ إلَيْهِ لا مَحالَةَ- لِلِاسْتِهانَةِ بِذَلِكَ إلى جَنْبِ ما هو بِصَدَدِهِ مِن زُكاءِ عَمَلِهِ، وفَوْزِهِ في المَآبِ. انْتَهى.
وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] إلَخْ...
الشورى 42:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩، ٢٠] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
(p-٥٢٣٦)﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ إيصالِ ما يَفْتَقِرُونَ مِن خَيْرِ الدِّينِ والدُّنْيا: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَبْتَغِي بِهِ الفائِدَةَ والزُّكاءَ، حَرْثًا عَلى المَجازِ -أيْ: بِتَشْبِيهِهِ بِالزَّرْعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فائِدَةٌ تَحْصُلُ بِعَمَلِ الدُّنْيا- ولِذَلِكَ قِيلَ: (الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ). وفَرْقٌ بَيْنَ عَمَلِ العامِلِينَ بِأنَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ، وُفِّقَ في عَمَلِهِ وضُوعِفَتْ حَسَناتُهُ. ومَن كانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيا أُعْطِيَ شَيْئًا مِنها، لا ما يُرِيدُهُ ويَبْتَغِيهِ، وهو رِزْقُهُ الَّذِي قُسِمَ لَهُ وفُرِغَ مِنهُ، وما لَهُ نَصِيبٌ قَطُّ في الآخِرَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ في مَعْنى عامِلِ الآخِرَةِ ولَهُ في الدُّنْيا نَصِيبٌ عَلى أنَّ رِزْقَهُ المَقْسُومَ لَهُ، واصِلٌ إلَيْهِ لا مَحالَةَ- لِلِاسْتِهانَةِ بِذَلِكَ إلى جَنْبِ ما هو بِصَدَدِهِ مِن زُكاءِ عَمَلِهِ، وفَوْزِهِ في المَآبِ. انْتَهى.
وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] إلَخْ...
الشورى 42:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٣] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] .
(p-٥٢٣٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ { أمْ }: مُنْقَطِعَةٌ، فِيها مَعْنى (بَلْ والهَمْزَةِ)، ولا بُدَّ مِن سَبْقِ كَلامٍ، خَبَرًا أوْ إنْشاءً، يُضْرَبُ عَنْهُ ويُقَرَّرُ ما بَعْدَهُ. وما سَبَقَ قَوْلُهُ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلَخْ فَهو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وما بَيْنَهُما مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ. والمُرادُ بِشُرَكائِهِمْ، إمّا شَياطِينُهم لِأنَّهم شارَكُوهم في الكُفْرِ وحَمَلُوهم عَلَيْهِ، وإمّا أوْثانُهُمْ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ. وعَلى الثّانِي، فَإسْنادُ الشَّرْعِ إلَيْها، لِأنَّها سَبَبُ ضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ بِما تَدَيَّنُوا بِهِ، أوْ لِأنَّها عَلى صُورَةِ المُشَرِّعِ الَّذِي سَنَّ هَذا الضَّلالَ لَهُمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرِ حِينَئِذٍ لِلْإنْكارِ. أيْ: لَيْسَ لَهم شَرْعٌ ولا شارِعٌ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنبياء: ٤٣] ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: القَضاءِ السّابِقِ بِأنَّ الجَزاءَ في القِيامَةِ لا في الدُّنْيا. أوْ لَوْلا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم ويُبَيِّنُ في الآخِرَةِ. فالفَصْلُ بِمَعْنى البَيانِ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لَفُرِغَ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، بِتَعْجِيلِ العَذابِ لِلْكافِرِينَ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: يَوْمَ البَعْثِ: ﴿مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: مِنَ السَّيِّئاتِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: لا أسْألُكم عَلى دَعايَتِكم إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ، والنَّصِيحَةِ الَّتِي أنْصَحُكُمْ، ثَوابًا وجَزاءً، وعِوَضًا مِن أمْوالِكم تُعْطُونِيهِ: ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: أنْ تَوَدُّونِي في القَرابَةِ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، وتَصِلُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَنا، ولا يَكُنْ غَيْرَكُمْ، يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي ومَوَدَّتِي مِنكم.
قالَ الشِّهابُ: المَوَدَّةُ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِ: (أنْ والفِعْلِ). والقُرْبى مَصْدَرٌ كالقَرابَةِ. و(فِي) (p-٥٢٣٨)لِلسَّبَبِيَّةِ. وهي بِمَعْنى اللّامِ لِتَقارُبِ السَّبَبِ والعِلَّةِ.
والخِطابُ إمّا لِقُرَيْشٍ أوْ لِجَمِيعِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم أقْرِباءُ في الجُمْلَةِ. انْتَهى.
والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. ومَعْناهُ نَفْيُ الأجْرِ أصْلًا؛ لِأنَّ ثَمَرَةَ مَوَدَّتِهِمْ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ؛ لِكَوْنِها سَبَبَ نَجاتِهِمْ. فَلا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ أجْرًا لَهُ. وقِيلَ: المَعْنى أنْ تَوَدُّوا قَرابَتِي الَّذِينَ هم قَرابَتُكم ولا تُؤْذُوهم. وقِيلَ: القُرْبى التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى. أيْ: إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ. ولَمْ يَرْتَضِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، غَيْرَهُ. فَفي البُخارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: القُرْبى آلُ مُحَمَّدٍ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتَ. إنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ. فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ -أيْ: عَنْ مُسْلِمٍ - ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ. وهَكَذا رَوى الشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، والعَوْفِيُّ، ويُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ، وغَيْرُ واحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، مِثْلَهُ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو مالِكٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وغَيْرُهم.
ورَوى الحافِظُ أبُو القاسِمِ الطَّبَرانِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي، لِقَرابَتِي مِنكُمْ، وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا، إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ تَعالى، وأنْ تَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ»» . وهَكَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ مِثْلُهُ.
وأمّا رِوايَةُ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ فِيمَن فاخَرَ (p-٥٢٣٩)العَبّاسَ مِنَ الأنْصارِ، فَإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. عَلى أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. ولَيْسَ يَظْهَرُ بَيْنَ الآيَةِ وتِلْكَ الرِّوايَةِ في هَذا السِّياقِ مُناسَبَةٌ. وكَذا ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِمْ؟ قالَ: «فاطِمَةُ ووَلَدُها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ»» فَإنَّ في إسْنادِهِ مُبْهَمًا لا يُعْرَفُ، عَنْ شَيْخٍ شِيعِيٍّ، وهو حُسَيْنٌ الأشْقَرُ، فَلا يُقْبَلُ خَبَرُهُ في هَذا المَحَلِّ، وذِكْرُ نُزُولِ الآيَةِ في المَدِينَةِ بِعِيدٌ؛ فَإنَّها مَكِّيَّةٌ. ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ لِفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أوْلادٌ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَإنَّها لَمْ تَتَزَوَّجْ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلّا بَعْدَ بَدْرٍ السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ.
والحَقُّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِما فَسَّرَها بِهِ حَبْرُ الأُمَّةِ وتُرْجُمانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، كَما رَواهُ عَنْهُ البُخارِيُّ. ولا نُنْكِرُ الوَصاةَ بِأهْلِ البَيْتِ، والأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ، واحْتِرامَهم، وإكْرامَهُمْ؛ فَإنَّهم مِن ذُرِّيَّةٍ طاهِرَةٍ مِن أشْرَفِ بَيْتٍ وُجِدَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَخْرًا، وحَسَبًا، ونَسَبًا. ولاسِيَّما إذا كانُوا مُتَّبِعِينَ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ الواضِحَةِ الجَلِيَّةِ. كَما كانَ عَلَيْهِ سَلَفَهُمْ، كالعَبّاسِ وبَنِيهِ، وعَلِيٍّ وأهْلِ بَيْتِهِ وذُرِّيَّتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، وقَدْ ثَبَتَ في "الصَّحِيحِ" أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ: ««إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ وعِتْرَتِي. وإنَّهُما لَمْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قُرَيْشًا إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا لَقُوهم بِبِشْرٍ حَسَنٍ، وإذا لَقُونا، لَقُونا بِوُجُوهٍ لا نَعْرِفُها. قالَ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يَدْخُلُ قَلْبَ الرَّجُلِ الإيمانُ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ»» . هَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وسَبَقَهُ في الإيساعِ في ذَلِكَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في (مِنهاجِ السُّنَّةِ) مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ.
قالَ في الوَجْهِ الثّالِثِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الشُّورى. وهي مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ السُّنَّةِ.
(p-٥٢٤٠)بَلْ جَمِيعُ آلِ حم مَكِّيّاتٌ. وكَذَلِكَ آلُ طس. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلِيًّا إنَّما تَزَوَّجَ فاطِمَةَ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ. والحَسَنُ وُلِدَ في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِنَ الهِجْرَةِ. والحُسَيْنُ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ وُجُودِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِسِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ. فَكَيْفَ يُفَسِّرُ النَّبِيُّ ﷺ الآيَةَ بِوُجُوبِ مَوَدَّةِ قَرابَةٍ لا تُعْرَفُ ولَمْ تُخْلَقْ.
ثُمَّ قالَ: الوَجْهُ الرّابِعُ- إنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ الَّذِي في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُناقِضُ ذَلِكَ. فَهَذا ابْنُ عَبّاسٍ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وأعْلَمُ أهْلِ البَيْتِ، بَعْدَ عَلِيٍّ، يَقُولُ: لَيْسَ مَعْناها مَوَدَّةَ ذَوِي القُرْبى. ولَكِنْ مَعْناها لا أسْألُكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، ويا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ أجْرًا، لَكِنْ أسْألُكم أنْ تَصِلُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم. فَهو سَألَ النّاسَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ أوَّلًا، أنْ يَصِلُوا رَحِمَهُ فَلا يَعْتَدُوا عَلَيْهِ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] لَمْ يَقُلْ: إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ولا المَوَدَّةَ لِذَوِي القُرْبى. فَلَوْ أرادَ المَوَدَّةَ لِذَوِي القُرْبى لَقالَ: المَوَدَّةُ لِذَوِي القُرْبى كَما قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الأنفال: ٤١] وقالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الحشر: ٧] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] وهَكَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ. فَجَمِيعُ ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْصِيَةِ بِحُقُوقِ ذَوِي قُرْبى النَّبِيِّ ﷺ، وذَوِي قُرْبى الإنْسانِ، إنَّما قِيلَ فِيها: (ذَوِي القُرْبى). لَمْ يَقُلْ: (فِي القُرْبى). فَلَمّا ذَكَرَ هُنا المَصْدَرَ دُونَ الِاسْمِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ (ذَوِي القُرْبى).
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ المَوَدَّةُ لَهم لَقالَ: المَوَدَّةُ لِذَوِي القُرْبى، ولَمْ يَقُلْ: في القُرْبى، فَإنَّهُ لا يَقُولُ مَن طَلَبَ المَوَدَّةَ لِغَيْرِهِ: أسْألُكَ المَوَدَّةَ في فُلانٍ، ولا في قُرْبى فُلانٍ. ولَكِنْ أسْألُكَ المَوَدَّةَ لِفُلانٍ، والمَحَبَّةَ لِفُلانٍ. فَلَمّا قالَ المَوَدَّةَ في القُرْبى، عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ لِذَوِي القُرْبى.
(p-٥٢٤١)الوَجْهُ السّابِعُ: أنْ يُقالَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَسْألُ عَلى تَبْلِيغِ رِسالَةِ رَبِّهِ أجْرًا البَتَّةَ. بَلْ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ [سبإ: ٤٧] ولَكِنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا مُنْقَطِعٌ، كَما قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٥٧] ولا رَيْبَ أنَّ مَحَبَّةَ أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ واجِبَةٌ. لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُها بِهَذِهِ الآيَةِ، ولا مَحَبَّتُهم أجْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ. بَلْ هو مِمّا أمَرَنا اللَّهُ بِهِ كَما أمَرَنا بِسائِرِ العِباداتِ. وفي "الصَّحِيحِ" عَنْهُ أنَّهُ «خَطَبَ أصْحابَهُ بِغَدِيرٍ يُدْعى (خُمًّا) بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَقالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي»» وفي "السُّنَنِ" عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يُحِبُّوكم لِلَّهِ ولِقَرابَتِي»» فَمَن جَعَلَ مَحَبَّةَ أهْلِ بَيْتِهِ أجْرًا لَهُ يُوَفِّيهِ إيّاهُ، فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً عَظِيمًا. ولَوْ كانَ أجْرًا لَهُ [ لَمْ] نُثَبْ عَلَيْهِ نَحْنُ؛ لِأنّا أعْطَيْناهُ أجْرَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِالرِّسالَةِ. فَهَلْ يَقُولُ مُسْلِمٌ مِثْلَ هَذا؟
الوَجْهُ الثّامِنُ: إنَّ (القُرْبى) مُعَرَّفَةٌ بِاللّامِ. فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: " لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا " وقَدْ ذُكِرَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ، لَمْ يَكُنْ قَدْ خُلِقَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، ولا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ بِفاطِمَةَ. فالقُرْبى الَّتِي كانَ المُخاطَبُونَ يَعْرِفُونَها، يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ. بِخِلافِ القُرْبى الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَإنَّها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهُمْ، كَما تَقُولُ: (لا أسْألُكَ إلّا المَوَدَّةَ في الرَّحِمِ الَّتِي بَيْنَنا). وكَما تَقُولُ: (لا أسْألُكَ إلّا العَدْلَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ). و(لا أسْألُكَ إلّا أنَّ تَتَّقِيَ اللَّهَ في هَذا الأمْرِ). انْتَهى
(p-٥٢٤٢)﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: يَكْتَسِبْ طاعَةً: ﴿نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: بِمُضاعَفَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: لِمَن تابَ وأنابَ: ﴿شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] لِسَعْيِهِمْ بِتَضْعِيفِ جَزاءِ حَسَناتِهِ.
الشورى 42:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٣] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] .
(p-٥٢٣٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ { أمْ }: مُنْقَطِعَةٌ، فِيها مَعْنى (بَلْ والهَمْزَةِ)، ولا بُدَّ مِن سَبْقِ كَلامٍ، خَبَرًا أوْ إنْشاءً، يُضْرَبُ عَنْهُ ويُقَرَّرُ ما بَعْدَهُ. وما سَبَقَ قَوْلُهُ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلَخْ فَهو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وما بَيْنَهُما مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ. والمُرادُ بِشُرَكائِهِمْ، إمّا شَياطِينُهم لِأنَّهم شارَكُوهم في الكُفْرِ وحَمَلُوهم عَلَيْهِ، وإمّا أوْثانُهُمْ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ. وعَلى الثّانِي، فَإسْنادُ الشَّرْعِ إلَيْها، لِأنَّها سَبَبُ ضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ بِما تَدَيَّنُوا بِهِ، أوْ لِأنَّها عَلى صُورَةِ المُشَرِّعِ الَّذِي سَنَّ هَذا الضَّلالَ لَهُمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرِ حِينَئِذٍ لِلْإنْكارِ. أيْ: لَيْسَ لَهم شَرْعٌ ولا شارِعٌ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنبياء: ٤٣] ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: القَضاءِ السّابِقِ بِأنَّ الجَزاءَ في القِيامَةِ لا في الدُّنْيا. أوْ لَوْلا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم ويُبَيِّنُ في الآخِرَةِ. فالفَصْلُ بِمَعْنى البَيانِ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لَفُرِغَ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، بِتَعْجِيلِ العَذابِ لِلْكافِرِينَ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: يَوْمَ البَعْثِ: ﴿مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: مِنَ السَّيِّئاتِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: لا أسْألُكم عَلى دَعايَتِكم إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ، والنَّصِيحَةِ الَّتِي أنْصَحُكُمْ، ثَوابًا وجَزاءً، وعِوَضًا مِن أمْوالِكم تُعْطُونِيهِ: ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: أنْ تَوَدُّونِي في القَرابَةِ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، وتَصِلُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَنا، ولا يَكُنْ غَيْرَكُمْ، يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي ومَوَدَّتِي مِنكم.
قالَ الشِّهابُ: المَوَدَّةُ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِ: (أنْ والفِعْلِ). والقُرْبى مَصْدَرٌ كالقَرابَةِ. و(فِي) (p-٥٢٣٨)لِلسَّبَبِيَّةِ. وهي بِمَعْنى اللّامِ لِتَقارُبِ السَّبَبِ والعِلَّةِ.
والخِطابُ إمّا لِقُرَيْشٍ أوْ لِجَمِيعِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم أقْرِباءُ في الجُمْلَةِ. انْتَهى.
والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. ومَعْناهُ نَفْيُ الأجْرِ أصْلًا؛ لِأنَّ ثَمَرَةَ مَوَدَّتِهِمْ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ؛ لِكَوْنِها سَبَبَ نَجاتِهِمْ. فَلا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ أجْرًا لَهُ. وقِيلَ: المَعْنى أنْ تَوَدُّوا قَرابَتِي الَّذِينَ هم قَرابَتُكم ولا تُؤْذُوهم. وقِيلَ: القُرْبى التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى. أيْ: إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ. ولَمْ يَرْتَضِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، غَيْرَهُ. فَفي البُخارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: القُرْبى آلُ مُحَمَّدٍ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتَ. إنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ. فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ -أيْ: عَنْ مُسْلِمٍ - ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ. وهَكَذا رَوى الشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، والعَوْفِيُّ، ويُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ، وغَيْرُ واحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، مِثْلَهُ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو مالِكٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وغَيْرُهم.
ورَوى الحافِظُ أبُو القاسِمِ الطَّبَرانِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي، لِقَرابَتِي مِنكُمْ، وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا، إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ تَعالى، وأنْ تَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ»» . وهَكَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ مِثْلُهُ.
وأمّا رِوايَةُ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ فِيمَن فاخَرَ (p-٥٢٣٩)العَبّاسَ مِنَ الأنْصارِ، فَإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. عَلى أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. ولَيْسَ يَظْهَرُ بَيْنَ الآيَةِ وتِلْكَ الرِّوايَةِ في هَذا السِّياقِ مُناسَبَةٌ. وكَذا ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِمْ؟ قالَ: «فاطِمَةُ ووَلَدُها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ»» فَإنَّ في إسْنادِهِ مُبْهَمًا لا يُعْرَفُ، عَنْ شَيْخٍ شِيعِيٍّ، وهو حُسَيْنٌ الأشْقَرُ، فَلا يُقْبَلُ خَبَرُهُ في هَذا المَحَلِّ، وذِكْرُ نُزُولِ الآيَةِ في المَدِينَةِ بِعِيدٌ؛ فَإنَّها مَكِّيَّةٌ. ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ لِفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أوْلادٌ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَإنَّها لَمْ تَتَزَوَّجْ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلّا بَعْدَ بَدْرٍ السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ.
والحَقُّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِما فَسَّرَها بِهِ حَبْرُ الأُمَّةِ وتُرْجُمانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، كَما رَواهُ عَنْهُ البُخارِيُّ. ولا نُنْكِرُ الوَصاةَ بِأهْلِ البَيْتِ، والأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ، واحْتِرامَهم، وإكْرامَهُمْ؛ فَإنَّهم مِن ذُرِّيَّةٍ طاهِرَةٍ مِن أشْرَفِ بَيْتٍ وُجِدَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَخْرًا، وحَسَبًا، ونَسَبًا. ولاسِيَّما إذا كانُوا مُتَّبِعِينَ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ الواضِحَةِ الجَلِيَّةِ. كَما كانَ عَلَيْهِ سَلَفَهُمْ، كالعَبّاسِ وبَنِيهِ، وعَلِيٍّ وأهْلِ بَيْتِهِ وذُرِّيَّتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، وقَدْ ثَبَتَ في "الصَّحِيحِ" أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ: ««إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ وعِتْرَتِي. وإنَّهُما لَمْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قُرَيْشًا إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا لَقُوهم بِبِشْرٍ حَسَنٍ، وإذا لَقُونا، لَقُونا بِوُجُوهٍ لا نَعْرِفُها. قالَ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يَدْخُلُ قَلْبَ الرَّجُلِ الإيمانُ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ»» . هَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وسَبَقَهُ في الإيساعِ في ذَلِكَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في (مِنهاجِ السُّنَّةِ) مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ.
قالَ في الوَجْهِ الثّالِثِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الشُّورى. وهي مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ السُّنَّةِ.
(p-٥٢٤٠)بَلْ جَمِيعُ آلِ حم مَكِّيّاتٌ. وكَذَلِكَ آلُ طس. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلِيًّا إنَّما تَزَوَّجَ فاطِمَةَ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ. والحَسَنُ وُلِدَ في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِنَ الهِجْرَةِ. والحُسَيْنُ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ وُجُودِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِسِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ. فَكَيْفَ يُفَسِّرُ النَّبِيُّ ﷺ الآيَةَ بِوُجُوبِ مَوَدَّةِ قَرابَةٍ لا تُعْرَفُ ولَمْ تُخْلَقْ.
ثُمَّ قالَ: الوَجْهُ الرّابِعُ- إنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ الَّذِي في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُناقِضُ ذَلِكَ. فَهَذا ابْنُ عَبّاسٍ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وأعْلَمُ أهْلِ البَيْتِ، بَعْدَ عَلِيٍّ، يَقُولُ: لَيْسَ مَعْناها مَوَدَّةَ ذَوِي القُرْبى. ولَكِنْ مَعْناها لا أسْألُكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، ويا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ أجْرًا، لَكِنْ أسْألُكم أنْ تَصِلُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم. فَهو سَألَ النّاسَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ أوَّلًا، أنْ يَصِلُوا رَحِمَهُ فَلا يَعْتَدُوا عَلَيْهِ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] لَمْ يَقُلْ: إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ولا المَوَدَّةَ لِذَوِي القُرْبى. فَلَوْ أرادَ المَوَدَّةَ لِذَوِي القُرْبى لَقالَ: المَوَدَّةُ لِذَوِي القُرْبى كَما قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الأنفال: ٤١] وقالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الحشر: ٧] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] وهَكَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ. فَجَمِيعُ ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْصِيَةِ بِحُقُوقِ ذَوِي قُرْبى النَّبِيِّ ﷺ، وذَوِي قُرْبى الإنْسانِ، إنَّما قِيلَ فِيها: (ذَوِي القُرْبى). لَمْ يَقُلْ: (فِي القُرْبى). فَلَمّا ذَكَرَ هُنا المَصْدَرَ دُونَ الِاسْمِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ (ذَوِي القُرْبى).
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ المَوَدَّةُ لَهم لَقالَ: المَوَدَّةُ لِذَوِي القُرْبى، ولَمْ يَقُلْ: في القُرْبى، فَإنَّهُ لا يَقُولُ مَن طَلَبَ المَوَدَّةَ لِغَيْرِهِ: أسْألُكَ المَوَدَّةَ في فُلانٍ، ولا في قُرْبى فُلانٍ. ولَكِنْ أسْألُكَ المَوَدَّةَ لِفُلانٍ، والمَحَبَّةَ لِفُلانٍ. فَلَمّا قالَ المَوَدَّةَ في القُرْبى، عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ لِذَوِي القُرْبى.
(p-٥٢٤١)الوَجْهُ السّابِعُ: أنْ يُقالَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَسْألُ عَلى تَبْلِيغِ رِسالَةِ رَبِّهِ أجْرًا البَتَّةَ. بَلْ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ [سبإ: ٤٧] ولَكِنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا مُنْقَطِعٌ، كَما قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٥٧] ولا رَيْبَ أنَّ مَحَبَّةَ أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ واجِبَةٌ. لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُها بِهَذِهِ الآيَةِ، ولا مَحَبَّتُهم أجْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ. بَلْ هو مِمّا أمَرَنا اللَّهُ بِهِ كَما أمَرَنا بِسائِرِ العِباداتِ. وفي "الصَّحِيحِ" عَنْهُ أنَّهُ «خَطَبَ أصْحابَهُ بِغَدِيرٍ يُدْعى (خُمًّا) بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَقالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي»» وفي "السُّنَنِ" عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يُحِبُّوكم لِلَّهِ ولِقَرابَتِي»» فَمَن جَعَلَ مَحَبَّةَ أهْلِ بَيْتِهِ أجْرًا لَهُ يُوَفِّيهِ إيّاهُ، فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً عَظِيمًا. ولَوْ كانَ أجْرًا لَهُ [ لَمْ] نُثَبْ عَلَيْهِ نَحْنُ؛ لِأنّا أعْطَيْناهُ أجْرَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِالرِّسالَةِ. فَهَلْ يَقُولُ مُسْلِمٌ مِثْلَ هَذا؟
الوَجْهُ الثّامِنُ: إنَّ (القُرْبى) مُعَرَّفَةٌ بِاللّامِ. فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: " لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا " وقَدْ ذُكِرَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ، لَمْ يَكُنْ قَدْ خُلِقَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، ولا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ بِفاطِمَةَ. فالقُرْبى الَّتِي كانَ المُخاطَبُونَ يَعْرِفُونَها، يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ. بِخِلافِ القُرْبى الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَإنَّها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهُمْ، كَما تَقُولُ: (لا أسْألُكَ إلّا المَوَدَّةَ في الرَّحِمِ الَّتِي بَيْنَنا). وكَما تَقُولُ: (لا أسْألُكَ إلّا العَدْلَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ). و(لا أسْألُكَ إلّا أنَّ تَتَّقِيَ اللَّهَ في هَذا الأمْرِ). انْتَهى
(p-٥٢٤٢)﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: يَكْتَسِبْ طاعَةً: ﴿نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: بِمُضاعَفَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: لِمَن تابَ وأنابَ: ﴿شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] لِسَعْيِهِمْ بِتَضْعِيفِ جَزاءِ حَسَناتِهِ.
الشورى 42:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٣] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] .
(p-٥٢٣٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ { أمْ }: مُنْقَطِعَةٌ، فِيها مَعْنى (بَلْ والهَمْزَةِ)، ولا بُدَّ مِن سَبْقِ كَلامٍ، خَبَرًا أوْ إنْشاءً، يُضْرَبُ عَنْهُ ويُقَرَّرُ ما بَعْدَهُ. وما سَبَقَ قَوْلُهُ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلَخْ فَهو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وما بَيْنَهُما مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ. والمُرادُ بِشُرَكائِهِمْ، إمّا شَياطِينُهم لِأنَّهم شارَكُوهم في الكُفْرِ وحَمَلُوهم عَلَيْهِ، وإمّا أوْثانُهُمْ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ. وعَلى الثّانِي، فَإسْنادُ الشَّرْعِ إلَيْها، لِأنَّها سَبَبُ ضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ بِما تَدَيَّنُوا بِهِ، أوْ لِأنَّها عَلى صُورَةِ المُشَرِّعِ الَّذِي سَنَّ هَذا الضَّلالَ لَهُمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرِ حِينَئِذٍ لِلْإنْكارِ. أيْ: لَيْسَ لَهم شَرْعٌ ولا شارِعٌ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنبياء: ٤٣] ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: القَضاءِ السّابِقِ بِأنَّ الجَزاءَ في القِيامَةِ لا في الدُّنْيا. أوْ لَوْلا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم ويُبَيِّنُ في الآخِرَةِ. فالفَصْلُ بِمَعْنى البَيانِ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لَفُرِغَ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، بِتَعْجِيلِ العَذابِ لِلْكافِرِينَ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: يَوْمَ البَعْثِ: ﴿مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: مِنَ السَّيِّئاتِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] أيْ: نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: لا أسْألُكم عَلى دَعايَتِكم إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ، والنَّصِيحَةِ الَّتِي أنْصَحُكُمْ، ثَوابًا وجَزاءً، وعِوَضًا مِن أمْوالِكم تُعْطُونِيهِ: ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: أنْ تَوَدُّونِي في القَرابَةِ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، وتَصِلُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَنا، ولا يَكُنْ غَيْرَكُمْ، يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي ومَوَدَّتِي مِنكم.
قالَ الشِّهابُ: المَوَدَّةُ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِ: (أنْ والفِعْلِ). والقُرْبى مَصْدَرٌ كالقَرابَةِ. و(فِي) (p-٥٢٣٨)لِلسَّبَبِيَّةِ. وهي بِمَعْنى اللّامِ لِتَقارُبِ السَّبَبِ والعِلَّةِ.
والخِطابُ إمّا لِقُرَيْشٍ أوْ لِجَمِيعِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم أقْرِباءُ في الجُمْلَةِ. انْتَهى.
والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. ومَعْناهُ نَفْيُ الأجْرِ أصْلًا؛ لِأنَّ ثَمَرَةَ مَوَدَّتِهِمْ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ؛ لِكَوْنِها سَبَبَ نَجاتِهِمْ. فَلا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ أجْرًا لَهُ. وقِيلَ: المَعْنى أنْ تَوَدُّوا قَرابَتِي الَّذِينَ هم قَرابَتُكم ولا تُؤْذُوهم. وقِيلَ: القُرْبى التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى. أيْ: إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ. ولَمْ يَرْتَضِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، غَيْرَهُ. فَفي البُخارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: القُرْبى آلُ مُحَمَّدٍ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتَ. إنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ. فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ -أيْ: عَنْ مُسْلِمٍ - ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ. وهَكَذا رَوى الشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، والعَوْفِيُّ، ويُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ، وغَيْرُ واحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، مِثْلَهُ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو مالِكٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وغَيْرُهم.
ورَوى الحافِظُ أبُو القاسِمِ الطَّبَرانِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي، لِقَرابَتِي مِنكُمْ، وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا، إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ تَعالى، وأنْ تَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ»» . وهَكَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ مِثْلُهُ.
وأمّا رِوايَةُ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ فِيمَن فاخَرَ (p-٥٢٣٩)العَبّاسَ مِنَ الأنْصارِ، فَإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. عَلى أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. ولَيْسَ يَظْهَرُ بَيْنَ الآيَةِ وتِلْكَ الرِّوايَةِ في هَذا السِّياقِ مُناسَبَةٌ. وكَذا ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِمْ؟ قالَ: «فاطِمَةُ ووَلَدُها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ»» فَإنَّ في إسْنادِهِ مُبْهَمًا لا يُعْرَفُ، عَنْ شَيْخٍ شِيعِيٍّ، وهو حُسَيْنٌ الأشْقَرُ، فَلا يُقْبَلُ خَبَرُهُ في هَذا المَحَلِّ، وذِكْرُ نُزُولِ الآيَةِ في المَدِينَةِ بِعِيدٌ؛ فَإنَّها مَكِّيَّةٌ. ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ لِفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أوْلادٌ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَإنَّها لَمْ تَتَزَوَّجْ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلّا بَعْدَ بَدْرٍ السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ.
والحَقُّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِما فَسَّرَها بِهِ حَبْرُ الأُمَّةِ وتُرْجُمانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، كَما رَواهُ عَنْهُ البُخارِيُّ. ولا نُنْكِرُ الوَصاةَ بِأهْلِ البَيْتِ، والأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ، واحْتِرامَهم، وإكْرامَهُمْ؛ فَإنَّهم مِن ذُرِّيَّةٍ طاهِرَةٍ مِن أشْرَفِ بَيْتٍ وُجِدَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَخْرًا، وحَسَبًا، ونَسَبًا. ولاسِيَّما إذا كانُوا مُتَّبِعِينَ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ الواضِحَةِ الجَلِيَّةِ. كَما كانَ عَلَيْهِ سَلَفَهُمْ، كالعَبّاسِ وبَنِيهِ، وعَلِيٍّ وأهْلِ بَيْتِهِ وذُرِّيَّتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، وقَدْ ثَبَتَ في "الصَّحِيحِ" أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ: ««إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ وعِتْرَتِي. وإنَّهُما لَمْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قُرَيْشًا إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا لَقُوهم بِبِشْرٍ حَسَنٍ، وإذا لَقُونا، لَقُونا بِوُجُوهٍ لا نَعْرِفُها. قالَ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يَدْخُلُ قَلْبَ الرَّجُلِ الإيمانُ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ»» . هَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وسَبَقَهُ في الإيساعِ في ذَلِكَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في (مِنهاجِ السُّنَّةِ) مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ.
قالَ في الوَجْهِ الثّالِثِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الشُّورى. وهي مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ السُّنَّةِ.
(p-٥٢٤٠)بَلْ جَمِيعُ آلِ حم مَكِّيّاتٌ. وكَذَلِكَ آلُ طس. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلِيًّا إنَّما تَزَوَّجَ فاطِمَةَ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ. والحَسَنُ وُلِدَ في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِنَ الهِجْرَةِ. والحُسَيْنُ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ وُجُودِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِسِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ. فَكَيْفَ يُفَسِّرُ النَّبِيُّ ﷺ الآيَةَ بِوُجُوبِ مَوَدَّةِ قَرابَةٍ لا تُعْرَفُ ولَمْ تُخْلَقْ.
ثُمَّ قالَ: الوَجْهُ الرّابِعُ- إنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ الَّذِي في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُناقِضُ ذَلِكَ. فَهَذا ابْنُ عَبّاسٍ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وأعْلَمُ أهْلِ البَيْتِ، بَعْدَ عَلِيٍّ، يَقُولُ: لَيْسَ مَعْناها مَوَدَّةَ ذَوِي القُرْبى. ولَكِنْ مَعْناها لا أسْألُكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، ويا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ أجْرًا، لَكِنْ أسْألُكم أنْ تَصِلُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم. فَهو سَألَ النّاسَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ أوَّلًا، أنْ يَصِلُوا رَحِمَهُ فَلا يَعْتَدُوا عَلَيْهِ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] لَمْ يَقُلْ: إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ولا المَوَدَّةَ لِذَوِي القُرْبى. فَلَوْ أرادَ المَوَدَّةَ لِذَوِي القُرْبى لَقالَ: المَوَدَّةُ لِذَوِي القُرْبى كَما قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الأنفال: ٤١] وقالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الحشر: ٧] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] وهَكَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ. فَجَمِيعُ ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْصِيَةِ بِحُقُوقِ ذَوِي قُرْبى النَّبِيِّ ﷺ، وذَوِي قُرْبى الإنْسانِ، إنَّما قِيلَ فِيها: (ذَوِي القُرْبى). لَمْ يَقُلْ: (فِي القُرْبى). فَلَمّا ذَكَرَ هُنا المَصْدَرَ دُونَ الِاسْمِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ (ذَوِي القُرْبى).
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ المَوَدَّةُ لَهم لَقالَ: المَوَدَّةُ لِذَوِي القُرْبى، ولَمْ يَقُلْ: في القُرْبى، فَإنَّهُ لا يَقُولُ مَن طَلَبَ المَوَدَّةَ لِغَيْرِهِ: أسْألُكَ المَوَدَّةَ في فُلانٍ، ولا في قُرْبى فُلانٍ. ولَكِنْ أسْألُكَ المَوَدَّةَ لِفُلانٍ، والمَحَبَّةَ لِفُلانٍ. فَلَمّا قالَ المَوَدَّةَ في القُرْبى، عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ لِذَوِي القُرْبى.
(p-٥٢٤١)الوَجْهُ السّابِعُ: أنْ يُقالَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَسْألُ عَلى تَبْلِيغِ رِسالَةِ رَبِّهِ أجْرًا البَتَّةَ. بَلْ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ [سبإ: ٤٧] ولَكِنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا مُنْقَطِعٌ، كَما قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٥٧] ولا رَيْبَ أنَّ مَحَبَّةَ أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ واجِبَةٌ. لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُها بِهَذِهِ الآيَةِ، ولا مَحَبَّتُهم أجْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ. بَلْ هو مِمّا أمَرَنا اللَّهُ بِهِ كَما أمَرَنا بِسائِرِ العِباداتِ. وفي "الصَّحِيحِ" عَنْهُ أنَّهُ «خَطَبَ أصْحابَهُ بِغَدِيرٍ يُدْعى (خُمًّا) بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَقالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي»» وفي "السُّنَنِ" عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يُحِبُّوكم لِلَّهِ ولِقَرابَتِي»» فَمَن جَعَلَ مَحَبَّةَ أهْلِ بَيْتِهِ أجْرًا لَهُ يُوَفِّيهِ إيّاهُ، فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً عَظِيمًا. ولَوْ كانَ أجْرًا لَهُ [ لَمْ] نُثَبْ عَلَيْهِ نَحْنُ؛ لِأنّا أعْطَيْناهُ أجْرَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِالرِّسالَةِ. فَهَلْ يَقُولُ مُسْلِمٌ مِثْلَ هَذا؟
الوَجْهُ الثّامِنُ: إنَّ (القُرْبى) مُعَرَّفَةٌ بِاللّامِ. فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: " لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا " وقَدْ ذُكِرَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ، لَمْ يَكُنْ قَدْ خُلِقَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، ولا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ بِفاطِمَةَ. فالقُرْبى الَّتِي كانَ المُخاطَبُونَ يَعْرِفُونَها، يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ. بِخِلافِ القُرْبى الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَإنَّها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهُمْ، كَما تَقُولُ: (لا أسْألُكَ إلّا المَوَدَّةَ في الرَّحِمِ الَّتِي بَيْنَنا). وكَما تَقُولُ: (لا أسْألُكَ إلّا العَدْلَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ). و(لا أسْألُكَ إلّا أنَّ تَتَّقِيَ اللَّهَ في هَذا الأمْرِ). انْتَهى
(p-٥٢٤٢)﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: يَكْتَسِبْ طاعَةً: ﴿نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: بِمُضاعَفَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] أيْ: لِمَن تابَ وأنابَ: ﴿شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] لِسَعْيِهِمْ بِتَضْعِيفِ جَزاءِ حَسَناتِهِ.
الشورى 42:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: بِدَعْوى النُّبُوَّةِ والوَحْيِ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لَوِ افْتَرَيْتَ عَلَيْهِ كَذِبًا كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ الجاهِلُونَ، يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ، أيْ: يَطْبَعُ عَلى قَلْبِكَ ويَسْلُبُكَ ما كانَ آتاكَ مِنَ القُرْآنِ. كَقَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] أيْ: لانْتَقَمْنا مِنهُ أشَدَّ الِانْتِقامِ، وما قَدَرَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ أنْ يَحْجِزَ عَنْهُ. انْتَهى.
وهَذا تَفْسِيرٌ بِالأشْباهِ والنَّظائِرِ مِنَ الآياتِ، يُؤْثِرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الأئِمَّةِ، ما وجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا؛ فَإنَّ التَّنْزِيلَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ومَآلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى، كَما أوْضَحَهُ أبُو السُّعُودِ، هو الِاسْتِشْهادُ عَلى بُطْلانِ ما قالُوا، بِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ تَعالى، لَمَنَعَهُ مِن ذَلِكَ قَطْعًا، فَخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ، ولَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ. وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ. بَلْ تَواتَرَ الوَحْيُ حِينًا فَحِينًا، تَبَيَّنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ، حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ؛ فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ. وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وإنَّهُ في البُعْدِ مِثْلَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، والدُّخُولِ في الجُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى (p-٥٢٤٣)قُلُوبِهِمْ. ومِثْلُ هَذا أنْ يُخَوَّنَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي. لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي. وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ رُكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. انْتَهى.
قالَ الشِّهابُ: فَمَعْناهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ كَما فَعَلَ بِهِمْ. فَهو تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَذْكِيرٌ لِإحْسانِهِ إلَيْهِ وإكْرامِهِ، لِيَشْكُرَ بِهِ ويَتَرَحَّمَ عَلى مَن خُتِمَ عَلى قَلْبِهِ، فاسْتَحَقَّ غَضَبَ رَبِّهِ، ولَوْلا ذَلِكَ ما اجْتَرَأ عَلى نِسْبَتِهِ لَما ذُكِرَ؛ ولِذا أتى (بِإنْ)، في مَوْضِعِ (لَوْ)، إرْخاءً لِلْعِنانِ، وتَلْمِيحًا لِلْبُرْهانِ. عَلى أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ وصْفُهُ بِما ذَكَرُوهُ. فالتَّفْرِيعُ بِالنَّظَرِ لِلْمَعْنى المُكَنّى عَنْهُ، وحاصِلُهُ أنَّهم اجْتَرَؤُوا عَلى هَذا المُحالِ؛ لِأنَّهُ مَطْبُوعُونَ عَلى الضَّلالِ. انْتَهى.
﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِنَفْيِ الِافْتِراءِ عَمّا يَقُولُهُ ﷺ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ مُفْتَرًى لَمَحَقَهُ؛ إذْ مِن سُنَّتِهِ تَعالى مَحْوُ الباطِلِ وإثْباتُ الحَقِّ بِوَحْيِهِ.
فَلَيْسَ: (يَمْحُ)، مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى الجَزاءِ، بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ، والكَلامِ السّابِقِ، ولِذا أُعِيدَ لَفْظُ الجَلالَةِ، ورُفِعَ (يُحِقُّ). قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ، وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِن نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
الشورى 42:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ .
﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ رُجُوعَهُ إذا راجَعَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وطاعَتَهُ، مِن بَعْدِ كُفْرِهِ: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: مَعاصِيهِ الَّتِي تابَ مِنها: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ، وهو مُجازِيكم عَلَيْهِ.
الشورى 42:26
(p-٥٢٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦، ٢٧] ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَـزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: يَسْتَجِيبُ لَهم. فَحَذَفَ اللّامَ كَما حَذَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: يُثِيبُهم عَلى طاعَتِهِمْ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى ثَوابِهِمْ، مِنَّةً مِنهُ وطَوْلًا: ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] أيْ: تَجاوَزُوا الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ لَهم إلى غَيْرِهِ، بِرُكُوبِهِمْ ما حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الغِنى مَبْطَرَةٌ مَأْشَرَةٌ: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ﴿ولَكِنْ يُنَـزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] أيْ: ولَكِنْ يُنَزِّلُ مِن رِزْقِهِ ما يَشاؤُهُ بِقَدَرٍ، لِكِفايَتِهِمْ: ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: يَعْرِفُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أحْوالُهُمْ، فَيُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهُمْ، وأقْرَبُ إلى جَمْعِ شَمْلِهِمْ، فَيُفْقِرُ ويُغْنِي، ويَمْنَعُ ويُعْطِي، ويَقْبِضُ ويَبْسُطُ، كَما تُوجِبُهُ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ، ولَوْ أغْناهم جَمِيعًا لَبَغَوْا، ولَوْ أفْقَرَهم لَهَلَكُوا.
الشورى 42:27
(p-٥٢٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦، ٢٧] ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَـزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: يَسْتَجِيبُ لَهم. فَحَذَفَ اللّامَ كَما حَذَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: يُثِيبُهم عَلى طاعَتِهِمْ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى ثَوابِهِمْ، مِنَّةً مِنهُ وطَوْلًا: ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] أيْ: تَجاوَزُوا الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ لَهم إلى غَيْرِهِ، بِرُكُوبِهِمْ ما حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الغِنى مَبْطَرَةٌ مَأْشَرَةٌ: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ﴿ولَكِنْ يُنَـزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] أيْ: ولَكِنْ يُنَزِّلُ مِن رِزْقِهِ ما يَشاؤُهُ بِقَدَرٍ، لِكِفايَتِهِمْ: ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: يَعْرِفُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أحْوالُهُمْ، فَيُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهُمْ، وأقْرَبُ إلى جَمْعِ شَمْلِهِمْ، فَيُفْقِرُ ويُغْنِي، ويَمْنَعُ ويُعْطِي، ويَقْبِضُ ويَبْسُطُ، كَما تُوجِبُهُ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ، ولَوْ أغْناهم جَمِيعًا لَبَغَوْا، ولَوْ أفْقَرَهم لَهَلَكُوا.
الشورى 42:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ .
﴿وهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ: بَرَكاتِ الغَيْثِ، (p-٥٢٤٥)ومَنافِعَهُ، وآثارَهُ مِنَ الخِصْبِ والرَّخاءِ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيِ: الَّذِي يَتَوَلّى الخَلْقَ بِإحْسانِهِ، والمَحْمُودُ عَلى أيادِيهِ عِنْدَهم.
الشورى 42:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ .
﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ أيْ: مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ وإنْ تَفَرَّقَتْ أوْصالُهم.
تَنْبِيهٌ:
ذَهَبَ بَعْضُ الباحِثِينَ في آياتِ القُرْآنِ الفَلَكِيَّةِ، والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ إلى مَعْنًى آخَرَ في هَذِهِ الآيَةِ. وعِبارَتُهُ: يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في السَّماواتِ دَوابَّ، ويُسْتَدَلُّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [النور: ٤٥] أنَّ هَذِهِ الدَّوابَّ لَيْسَتْ مَلائِكَةً كَما قالَ المُفَسِّرُونَ، بَلْ حَيَواناتٍ كَحَيَواناتِ الأرْضِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم حَيَوانٌ عاقِلٌ كالإنْسانِ، ويَلْزَمُ لِحَياةِ تِلْكَ الحَيَواناتِ أنْ يَكُونَ في السَّماواتِ نَباتاتٌ، وأشْجارٌ، وبِحارٌ، وأنْهارٌ كَما تَحَقَّقَ في هَذا العَصْرِ لَدى عُلَماءِ الرَّصْدِ.
ثُمَّ قالَ: لَعَمْرِي، إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ ألْفٍ وثَلاثِمِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، لَآيَةٌ لِأهْلِ هَذا العَصْرِ وأيَّةُ آيَةٍ، آيَةٌ لِأهْلِ العِلْمِ والفَلْسَفَةِ الَّذِينَ يَبْذُلُونَ الأمْوالَ والأرْواحَ بِلا حَدٍّ، ولا حِسابٍ، لِيَتَوَصَّلُوا إلى مَعْرِفَةِ سِرٍّ مِن أسْرارِ الكائِناتِ، ومَعَ هَذا الجِدِّ العَنِيفِ والجُهْدِ المُتَواصِلِ مُنْذُ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلّا بِالظَّنِّ إلى ما أنْبَأتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ.
(p-٥٢٤٦)وجُلُّ ما تَوَصَّلُوا إلَيْهِ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ، إنَّ الأرْضَ أصْغَرُ مِنَ الشَّمْسِ، وأنَّها تَدُورُ حَوْلَها، وإنَّ الكَواكِبَ السَّيّاراتِ كُرَيّاتٌ، وإنَّ النُّجُومَ الثَّوابِتَ شُمُوسٌ، ولَها سَيّاراتٌ تَدُورُ حَوْلَها، ولَمّا ثَبَتَ لَدَيْهِمْ جَمِيعًا وُجُودُ الماءِ والهَواءِ، وحُصُولُ الصَّيْفِ والشِّتاءِ في هَذِهِ السَّيّاراتِ، ظَنُّوا أنَّهُ يُوجَدُ فِيها عالَمٌ كَعالَمِ الأرْضِ.
وبَدَأ البَعْضُ مِنهم يُفَكِّرُونَ بِإيجادِ الوَسائِلِ لِلْمُخابَرَةِ بِالكَهْرَبائِيَّةِ مَعَ سُكّانِ المِرِّيخِ الَّذِي هو أقْرَبُ السَّيّاراتِ إلَيْنا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُسْتَحِيلِ فَنًّا. ويُسْتَدَلُّ عَلى إمْكانِيَّتِهِ مِن آخِرِ الآيَةِ نَفْسِها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَتَخابَرا ويَجْتَمِعا فِكْرًا، إذا لَمْ يَجْتَمِعا جِسْمًا. فَلْيَنْظُرِ الفَلَكِيُّونَ إلى ما حَوَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ المَكْنُوزَةُ في القُرْآنِ. ولْيَعْلَمِ المُعْجَبُونَ مِنّا بِالعُلُومِ العَصْرِيَّةِ، الضّارِبُونَ صَفْحًا عَنِ العُلُومِ الإسْلامِيَّةِ، ما في كِتابِ اللَّهِ مِنَ الحِكْمَةِ والبَيانِ. وقالَ أيْضًا: لا يَخْفى أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ نَزَلَ لِبَيانِ الحَقِّ وتَعْلِيمِ الدِّينِ، أوَّلًا وبِالذّاتِ. لَكِنْ، تَمْهِيدًا لِهَذا السَّبِيلِ، أتى بِشَذَراتٍ مِنَ العُلُومِ الفَلَكِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ، وصَرَفَ بَصائِرَ النّاسِ إلى التَّفْكِيرِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما هُنَّ عَلَيْهِ مِنَ الإبْداعِ، فَوَجَّهَ أبْصارَهم إلى التَّأمُّلِ في خَلْقِ الإنْسانِ، وما عَلَيْهِ مِنَ التَّرْكِيبِ العَجِيبِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الفَلَكِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ في أكْثَرَ مِن ثَلاثِمِائَةِ آيَةٍ.
فالمُفَسِّرُونَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، لَمّا فَسَّرُوا هَذِهِ الآياتِ، شَرَحُوا مَعانِيَها عَلى مِقْدارِ مُحِيطِ عِلْمِهِمْ بِالعُلُومِ الفَلَكِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ، ولا يَخْفى ما كانَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآلاتُ في زَمَنِهِمْ مِنَ النُّقْصانِ، لاسِيَّما عِلْمُ الفَلَكِ. فَهم مَعْذُورُونَ إذا لَمْ يَفْهَمُوا مَعانِيَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي تُحَيِّرُ عُقُولَ فَلاسِفَةِ هَذا العَصْرِ، المُتَضَلِّعِينَ بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ. لِذَلِكَ لَمْ يُفَسِّرُوا هَذِهِ الآياتِ حَقَّ تَفْسِيرِها، بَلْ أوَّلُوها وصَرَفُوا مَعانِيَها عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ أوِ الكِنايَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقالَ عالِمٌ فَلَكِيٌّ أيْضًا: يَقُولُ العُلَماءُ: إنَّهُ مِنَ المُحَقَّقِ أنَّ هَذِهِ السَّيّاراتِ مَسْكُونَةٌ بِحَيَواناتٍ تُشْبِهُ الحَيَواناتِ الَّتِي عَلى أرْضِنا هَذِهِ، ويَكُونُ كُلُّ كَوْكَبٍ مِنها أرْضًا بِالنِّسْبَةِ لِحَيَواناتِهِ، وباقِي الكَواكِبِ سَماواتٌ بِالنِّسْبَةِ لَها.
(p-٥٢٤٧)قالَ: والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ الحَيَواناتِ في هَذِهِ الكَواكِبِ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ويَقُولُ: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]
الشورى 42:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ .
﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: فَبِسَبَبِ مَعاصِيكُمْ، وما اجْتَرَمْتُمْ مِنَ الآثامِ: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها.
الشورى 42:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِمُعْجِزِينَ رَبَّكم إنْ أرادَ عُقُوبَتَكُمْ؛ لِأنَّكم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: إذا أرادَ عَذابَكم. فاتَّقُوهُ واخْشَوْهُ.
الشورى 42:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢، ٣٣] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] .
﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ﴾ أيِ: السُّفُنُ الجارِيَةُ: ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ.
(p-٥٢٤٨)﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: فَيَبْقَيْنَ ثَوابِتَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: في جَرْيِ هَذِهِ الجَوارِي في البَحْرِ، بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى الرِّيحَ لِجَرْيِها: ﴿لآياتٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: لَعِبْرَةً، وعِظَةً، وحُجَّةً بَيِّنَةً عَلى القُدْرَةِ الأزَلِيَّةِ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ. وإنَّما آثَرَ وصْفَيْهِ المَذْكُورَيْنِ، تَذْكِيرًا بِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ مِن وفْرَةِ الصَّبْرِ وكَثْرَةِ الشُّكْرِ؛ إذْ لا يَكْمُلُ الإيمانُ بِدُونِهِما. (والإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ).
الشورى 42:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢، ٣٣] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] .
﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ﴾ أيِ: السُّفُنُ الجارِيَةُ: ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ.
(p-٥٢٤٨)﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: فَيَبْقَيْنَ ثَوابِتَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: في جَرْيِ هَذِهِ الجَوارِي في البَحْرِ، بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى الرِّيحَ لِجَرْيِها: ﴿لآياتٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: لَعِبْرَةً، وعِظَةً، وحُجَّةً بَيِّنَةً عَلى القُدْرَةِ الأزَلِيَّةِ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ. وإنَّما آثَرَ وصْفَيْهِ المَذْكُورَيْنِ، تَذْكِيرًا بِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ مِن وفْرَةِ الصَّبْرِ وكَثْرَةِ الشُّكْرِ؛ إذْ لا يَكْمُلُ الإيمانُ بِدُونِهِما. (والإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ).
الشورى 42:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤، ٣٥] ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] .
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: أوْ يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ: ﴿بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ لِيَنْتَقِمَ مِنهُمْ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ [الشورى: ٣٥] أيْ: يُخاصِمُونَ الرَّسُولَ في آياتِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ أنَّهم ما لَهم مِن مَحِيدٍ عَنْ عَذابِهِ.
الشورى 42:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤، ٣٥] ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] .
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: أوْ يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ: ﴿بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ لِيَنْتَقِمَ مِنهُمْ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ [الشورى: ٣٥] أيْ: يُخاصِمُونَ الرَّسُولَ في آياتِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ أنَّهم ما لَهم مِن مَحِيدٍ عَنْ عَذابِهِ.
الشورى 42:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦، ٣٨] ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] .
(p-٥٢٤٩)﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّهُ مِنَ الشَّهَواتِ: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَهو مَتاعٌ لَكُمْ، تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا، ولَيْسَ مِنَ الآخِرَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن ثَوابِهِ الأُخْرَوِيِّ: ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِخُلُوصِهِ عَنِ الشَّوائِبِ ودَوامِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: في أُمُورِهِمْ وقِيامِهِمْ بِأسْبابِهِمْ: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] أيْ: يَصْفَحُونَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: حِينَما دَعاهم إلى تَوْحِيدِهِ والبَراءَةِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَتَشاوَرُوا ويَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن فَرْطِ تَدَبُّرِهِمْ وتَيَقُّظِهِمْ، وصِدْقِ تَآخِيهِمْ في إيمانِهِمْ وتَحابِّهِمْ في اللَّهِ تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: فَيُؤَدُّونَ ما فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ لِأهْلِها، مِن زَكاةٍ ونَفَقَةٍ. وما نُدِبُوا إلَيْهِ مِن مُواساةٍ وصَدَقَةٍ ومَعُونَةٍ.
الشورى 42:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦، ٣٨] ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] .
(p-٥٢٤٩)﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّهُ مِنَ الشَّهَواتِ: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَهو مَتاعٌ لَكُمْ، تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا، ولَيْسَ مِنَ الآخِرَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن ثَوابِهِ الأُخْرَوِيِّ: ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِخُلُوصِهِ عَنِ الشَّوائِبِ ودَوامِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: في أُمُورِهِمْ وقِيامِهِمْ بِأسْبابِهِمْ: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] أيْ: يَصْفَحُونَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: حِينَما دَعاهم إلى تَوْحِيدِهِ والبَراءَةِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَتَشاوَرُوا ويَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن فَرْطِ تَدَبُّرِهِمْ وتَيَقُّظِهِمْ، وصِدْقِ تَآخِيهِمْ في إيمانِهِمْ وتَحابِّهِمْ في اللَّهِ تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: فَيُؤَدُّونَ ما فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ لِأهْلِها، مِن زَكاةٍ ونَفَقَةٍ. وما نُدِبُوا إلَيْهِ مِن مُواساةٍ وصَدَقَةٍ ومَعُونَةٍ.
الشورى 42:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦، ٣٨] ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] .
(p-٥٢٤٩)﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّهُ مِنَ الشَّهَواتِ: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَهو مَتاعٌ لَكُمْ، تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا، ولَيْسَ مِنَ الآخِرَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن ثَوابِهِ الأُخْرَوِيِّ: ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِخُلُوصِهِ عَنِ الشَّوائِبِ ودَوامِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: في أُمُورِهِمْ وقِيامِهِمْ بِأسْبابِهِمْ: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] أيْ: يَصْفَحُونَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: حِينَما دَعاهم إلى تَوْحِيدِهِ والبَراءَةِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَتَشاوَرُوا ويَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن فَرْطِ تَدَبُّرِهِمْ وتَيَقُّظِهِمْ، وصِدْقِ تَآخِيهِمْ في إيمانِهِمْ وتَحابِّهِمْ في اللَّهِ تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: فَيُؤَدُّونَ ما فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ لِأهْلِها، مِن زَكاةٍ ونَفَقَةٍ. وما نُدِبُوا إلَيْهِ مِن مُواساةٍ وصَدَقَةٍ ومَعُونَةٍ.
الشورى 42:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩] ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ .
﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: بِالعَدالَةِ. احْتِرازًا عَنِ الذِّلَّةِ والِانْظِلامِ، لِكَوْنِهِمْ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ، قائِمِينَ بِالحَقِّ والعَدْلِ الَّذِي ظِلُّهُ في نُفُوسِهِمْ. قالَ القاشانِيُّ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في الباغِي الَّذِي حَمِدَ تَعالى ذِكْرَهُ، المُنْتَصَرِ مِنهُ بَعْدَ بَغْيِهِ عَلَيْهِ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو المُشْرِكُ إذا بَغى عَلى المُسْلِمِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو كُلُّ باغٍ بَغى فَحَمِدَ المُنْتَصِرَ مِنهُ. وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ حَيْثُ قالَ: يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدُوا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا القَوْلُ الثّانِي أوْلى مِن ذَلِكَ بِالصَّوابِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ مِن ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى. بَلْ حَمْدُ كُلِّ مُنْتَصِرٍ بِحَقٍّ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِ.. فَإنْ قالَ قائِلٌ: وما في الِانْتِصارِ (p-٥٢٥٠)مِنَ المَدْحِ؟ قِيلَ: إنَّ في إقامَةِ الظّالِمِ عَلى سَبِيلِ الحَقِّ، وعُقُوبَتِهِ بِما هو لَهُ أهْلٌ، تَقْوِيمًا لَهُ. وفي ذَلِكَ أعْظَمُ المَدْحِ. انْتَهى.
وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: أهم مَحْمُودُونَ في الِانْتِصارِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لِأنَّ مَن أخَذَ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ حَدَّ اللَّهِ وما أمَرَ بِهِ فَلَمْ يُسْرِفْ في القَتْلِ، إنْ كانَ ولِيَّ دَمٍ، أوْ رَدَّ عَلى سَفِيهٍ مُحاماةً عَلى عِرْضِهِ ورَدْعًا لَهُ، فَهو مُطِيعٌ، وكُلُّ مُطِيعٍ مَحْمُودٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، بِقَوْلِهِ:
الشورى 42:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ - ٤٢] ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] .
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أيْ: وجَزاءُ سَيِّئَةِ المُسِيءِ ما ماثَلَها؛ إذِ النُّقْصانُ حَيْفٌ والزِّيادَةُ ظُلْمٌ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ العَفْوَ أوْلى، فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَوابُهُ عَلَيْهِ. وفي إبْهامِهِ، ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِهِ؛ حَيْثُ جُعِلَ حَقًّا عَلى العَظِيمِ الكَرِيمِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: البادِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ، والمُعْتَدِينَ في الِانْتِقامِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] أيْ: بَعْدَ ما ظُلِمَ. فالمَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، أوْ هو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] أيْ: لِلْمُعاقِبِ، ولا لِلْعاتِبِ والعائِبِ؛ لِأنَّهُمُ انْتَصَرُوا مِنهم بِحَقٍّ. ومَن أخَذَ حَقَّهُ مِمَّنْ وجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَتَعَدَّ ولَمْ يَظْلِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؟
﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: يَبْدَءُوهم بِالظُّلْمِ والإضْرارِ، (p-٥٢٥١)أوْ يَعْتَدُونَ في الِانْتِقامِ: ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويُفْسِدُونَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وبَغْيِهِمْ.
الشورى 42:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ - ٤٢] ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] .
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أيْ: وجَزاءُ سَيِّئَةِ المُسِيءِ ما ماثَلَها؛ إذِ النُّقْصانُ حَيْفٌ والزِّيادَةُ ظُلْمٌ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ العَفْوَ أوْلى، فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَوابُهُ عَلَيْهِ. وفي إبْهامِهِ، ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِهِ؛ حَيْثُ جُعِلَ حَقًّا عَلى العَظِيمِ الكَرِيمِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: البادِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ، والمُعْتَدِينَ في الِانْتِقامِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] أيْ: بَعْدَ ما ظُلِمَ. فالمَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، أوْ هو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] أيْ: لِلْمُعاقِبِ، ولا لِلْعاتِبِ والعائِبِ؛ لِأنَّهُمُ انْتَصَرُوا مِنهم بِحَقٍّ. ومَن أخَذَ حَقَّهُ مِمَّنْ وجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَتَعَدَّ ولَمْ يَظْلِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؟
﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: يَبْدَءُوهم بِالظُّلْمِ والإضْرارِ، (p-٥٢٥١)أوْ يَعْتَدُونَ في الِانْتِقامِ: ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويُفْسِدُونَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وبَغْيِهِمْ.
الشورى 42:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ - ٤٢] ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] .
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أيْ: وجَزاءُ سَيِّئَةِ المُسِيءِ ما ماثَلَها؛ إذِ النُّقْصانُ حَيْفٌ والزِّيادَةُ ظُلْمٌ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ العَفْوَ أوْلى، فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَوابُهُ عَلَيْهِ. وفي إبْهامِهِ، ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِهِ؛ حَيْثُ جُعِلَ حَقًّا عَلى العَظِيمِ الكَرِيمِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: البادِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ، والمُعْتَدِينَ في الِانْتِقامِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] أيْ: بَعْدَ ما ظُلِمَ. فالمَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، أوْ هو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] أيْ: لِلْمُعاقِبِ، ولا لِلْعاتِبِ والعائِبِ؛ لِأنَّهُمُ انْتَصَرُوا مِنهم بِحَقٍّ. ومَن أخَذَ حَقَّهُ مِمَّنْ وجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَتَعَدَّ ولَمْ يَظْلِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؟
﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: يَبْدَءُوهم بِالظُّلْمِ والإضْرارِ، (p-٥٢٥١)أوْ يَعْتَدُونَ في الِانْتِقامِ: ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويُفْسِدُونَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وبَغْيِهِمْ.
الشورى 42:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣] ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الأذى: ﴿وغَفَرَ﴾ أيْ: لِمَن ظَلَمَهُ، ولَمْ يَنْتَصِرْ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيِ: الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ عِبادَهُ، وعَزَمَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِها.
تَنْبِيهٌ:
نَقَلَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ" عَنِ الكَيا الهَرّاسِيِّ أنَّهُ قالَ: قَدْ نَدَبَ اللَّهُ إلى العَفْوِ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] أنَّ الِانْتِصارَ أفْضَلُ. قالَ: وهو مَحْمُولٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ؛ لِئَلّا يَتَجَرَّأ الفُسّاقُ عَلى أهْلِ الدِّينِ، وآياتُ العَفْوِ فِيمَن نَدِمَ وأقْلَعَ. انْتَهى.
وعَجِيبٌ فَهْمُهُ الأفْضَلِيَّةَ مِنَ الآيَةِ؛ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، عِبارَةً ولا إشارَةً؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ. وإنَّما بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَهم إذا شاءُوا، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ مَشْرُوعِيَّتَهُ بِشَرْطِ رِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى، وهو الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ الكَلامُ، وتَمَّ بِهِ السِّياقُ. وكَذَلِكَ لا حاجَةَ إلى حَمْلِ الِانْتِصارِ عَلى مَن تَعَدّى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الِانْتِصارَ بِالمِثْلِ مِن فُرُوعِ عِلْمِ العُقُوباتِ، والجَزاءِ المَشْرُوعَةِ لِإقامَةِ الحَقِّ والعَدْلِ، ودَفْعِ الظُّلْمِ عَنِ النَّفْسِ والصَّغارِ، ورَفْعِ الأحْقادِ والأضْغانِ، وأمّا العَفْوُ والصَّفْحُ، فَذاكَ مِن فُرُوعِ عِلْمِ الأخْلاقِ، وتَهْذِيبِ النُّفُوسِ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ المُسامَحَةِ بِالحَقِّ وإسْقاطِ المُسْتَحِقِّ، رَغْبَةً في تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وهَضْمًا لَها وحِرْصًا عَلى خَيْرِ الأمْرَيْنِ، وأوْفَرِ الأجْرَيْنِ، وكِلاهُما مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ، وتَوَسُّطِها بَيْنَ الِاقْتِصاصِ البَتَّةَ، والعَفْوِ كُلِّيًّا؛ لِأنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ يَرى فِيهِما إفْراطًا وتَفْرِيطًا، والدِّينُ دِينُ الفِطْرَةِ، وهي تَتَقاضى القِصاصَ بِالمِثْلِ، وتَراهُ حَقًّا لَها بِجِبِلَّتِها، والقَضاءُ الأدَبِيُّ، والوازِعُ الرَّحْمانِيُّ يُرْشِدُها إلى ما هو أمْثَلُ إنْ شاءَتْ، ويُبَرْهِنُ لَها أمِثْلِيَّتُهُ، (p-٥٢٥٢)مِمّا لا يَبْعُدُ إذا راجَعَتْ نَفْسَها وثابَتْ إلى رُشْدِها، أنْ تُؤْثِرَهُ ولا تُؤْثِرَ عَلَيْهِ. كَيْفَ وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَلى أنَّ الِانْتِصارَ لا يَكادُ يُؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ السَّيِّئَةِ والِاعْتِداءِ، خُصُوصًا في حالِ الحَرْدِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ. فَرُبَّما كانَ المُجازِي مِنَ الظّالِمِينَ وهو لا يَشْعُرُ.
الشورى 42:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤] ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: ومَن خَذَلَهُ عَنِ الرَّشادِ، فَلَيْسَ لَهُ مِن ولِيٍّ يَلِيهِ، فَيَهْدِيهِ لِسَبِيلِ الصَّوابِ، ويُسَدِّدُهُ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: رَجْعَةٍ إلى الدُّنْيا. وذَلِكَ اسْتِعْتابٌ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ.
الشورى 42:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ - ٤٧] ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] .
(p-٥٢٥٣)﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيِ: النّارِ.
﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: مِن طَرْفٍ قَدْ خَفِيَ مِن ذُلِّهِ وصَغارِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ، وتَفْوِيتِ النَّعِيمِ المُؤَبَّدِ. ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: أجِيبُوا أيُّها النّاسُ داعِيَ اللَّهِ، وآمِنُوا بِهِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ فَ: (مِن)، صِلَةُ (مَرَدَّ)، أوْ هي صِلَةُ (يَأْتِيَ)؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ مِنَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ: ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: إنْكارٍ لِما اقْتَرَفْتُمُوهُ؛ لِأنَّهُ مُحْصِي عَلَيْكُمْ، أوْ نَكِيرٌ يُنْكِرُ عَلى اللَّهِ في مُؤاخَذَتِكم.
الشورى 42:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ - ٤٧] ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] .
(p-٥٢٥٣)﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيِ: النّارِ.
﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: مِن طَرْفٍ قَدْ خَفِيَ مِن ذُلِّهِ وصَغارِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ، وتَفْوِيتِ النَّعِيمِ المُؤَبَّدِ. ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: أجِيبُوا أيُّها النّاسُ داعِيَ اللَّهِ، وآمِنُوا بِهِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ فَ: (مِن)، صِلَةُ (مَرَدَّ)، أوْ هي صِلَةُ (يَأْتِيَ)؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ مِنَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ: ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: إنْكارٍ لِما اقْتَرَفْتُمُوهُ؛ لِأنَّهُ مُحْصِي عَلَيْكُمْ، أوْ نَكِيرٌ يُنْكِرُ عَلى اللَّهِ في مُؤاخَذَتِكم.
الشورى 42:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ - ٤٧] ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] .
(p-٥٢٥٣)﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيِ: النّارِ.
﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: مِن طَرْفٍ قَدْ خَفِيَ مِن ذُلِّهِ وصَغارِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ، وتَفْوِيتِ النَّعِيمِ المُؤَبَّدِ. ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: أجِيبُوا أيُّها النّاسُ داعِيَ اللَّهِ، وآمِنُوا بِهِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ فَ: (مِن)، صِلَةُ (مَرَدَّ)، أوْ هي صِلَةُ (يَأْتِيَ)؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ مِنَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ: ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: إنْكارٍ لِما اقْتَرَفْتُمُوهُ؛ لِأنَّهُ مُحْصِي عَلَيْكُمْ، أوْ نَكِيرٌ يُنْكِرُ عَلى اللَّهِ في مُؤاخَذَتِكم.
الشورى 42:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨] ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ .
﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: رَقِيبًا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، وتُحْصِيها: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ أيْ: إبْلاغُهم ما أُرْسِلْتَ بِهِ، فَإذا فَعَلْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ ما عَلَيْكَ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: جَحُودٌ نِعَمَ رَبِّهِ، فَلا يَذْكُرُ إلّا البُؤْسَ والبَلاءَ، ولا يَتَفَكَّرُ إلّا فِيما أُنْزِلَ بِهِ مِنَ الفَسادِ والشَّقاءِ.
الشورى 42:49
(p-٥٢٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩، ٥٠] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠] .
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠] أيْ: إنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ أحْوالَ العِبادِ في الأوْلادِ مُخْتَلِفَةً عَلى مُقْتَضى المَشِيئَةِ، وتَقْدِيمُ الإناثِ؛ إمّا لِأنَّها أكْثَرُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ، أوْ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، تَنْبِيهًا بِأنَّهُنَّ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ مَخْلُوقاتِهِ، فَلا يَجُوزُ الحُزْنُ مِن وِلادَتِهِنَّ وكَراهِيَتُهُنَّ، كَما يُشاهَدُ مِن بَعْضِ الجَهَلَةِ. وقالَ الثَّعالِبِيُّ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما في تَقَدُّمِ وِلادَتِهِنَّ مِنَ اليُمْنِ، (ومِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِأُنْثى).
قالَ الشِّهابُ: والضَّمِيرُ فِي: ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾ [الشورى: ٥٠] لِلْأوْلادِ، وما بَعْدَهُ حالٌ مِنهُ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ إنْ ضُمِّنَ مَعْنى التَّصْيِيرِ، يَعْنِي يَجْعَلُ أوْلادَ مَن يَشاءُ ذُكُورًا وإناثًا مُزْدَوِجِينَ؛ كَما يُفْرِدُ بَعْضَهم بِالذُّكُورِ وبَعْضَهم بِالإناثِ، ويَجْعَلُ بَعْضَهم لا أوْلادَ لَهُ أصْلًا.
الشورى 42:50
(p-٥٢٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩، ٥٠] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠] .
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠] أيْ: إنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ أحْوالَ العِبادِ في الأوْلادِ مُخْتَلِفَةً عَلى مُقْتَضى المَشِيئَةِ، وتَقْدِيمُ الإناثِ؛ إمّا لِأنَّها أكْثَرُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ، أوْ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، تَنْبِيهًا بِأنَّهُنَّ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ مَخْلُوقاتِهِ، فَلا يَجُوزُ الحُزْنُ مِن وِلادَتِهِنَّ وكَراهِيَتُهُنَّ، كَما يُشاهَدُ مِن بَعْضِ الجَهَلَةِ. وقالَ الثَّعالِبِيُّ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما في تَقَدُّمِ وِلادَتِهِنَّ مِنَ اليُمْنِ، (ومِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِأُنْثى).
قالَ الشِّهابُ: والضَّمِيرُ فِي: ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾ [الشورى: ٥٠] لِلْأوْلادِ، وما بَعْدَهُ حالٌ مِنهُ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ إنْ ضُمِّنَ مَعْنى التَّصْيِيرِ، يَعْنِي يَجْعَلُ أوْلادَ مَن يَشاءُ ذُكُورًا وإناثًا مُزْدَوِجِينَ؛ كَما يُفْرِدُ بَعْضَهم بِالذُّكُورِ وبَعْضَهم بِالإناثِ، ويَجْعَلُ بَعْضَهم لا أوْلادَ لَهُ أصْلًا.
الشورى 42:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١] ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .
﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا﴾ أيْ: إلْهامًا وقَذْفًا في القَلْبِ مِنهُ، بِلا واسِطَةٍ. ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: يُكَلِّمُهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلامَهُ ولا يَراهُ، كَما كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ كَجِبْرِيلَ: ﴿فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ، ما يَشاءُ إيحاءَهُ، مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ (p-٥٢٥٥)الإلْقاءِ، والنَّفْثِ في الرُّوعِ، والإلْهامِ، أوِ الهُتافِ، أوِ المَنامِ: ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ﴾ أيْ: مِن أنْ يُواجَهَ، ويُخاطَبَ. بَلْ يَفْنى ويَتَلاشى مَن يُواجِهُهُ، لِعُلُوِّهِ مِن أنْ يَبْقى مَعَهُ غَيْرُهُ، أوْ يَحْتَمِلَ شَيْءٌ حُضُورَهُ. قالَهُ القاشانِيُّ.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: لا يَبْلُغُ البَشَرُ حَدَّ مُكالَمَتِهِ شِفاهًا، ولا يُحْتَمَلُ سَماعُ كَلامِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِ. انْتَهى.
﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: يُدَبِّرُ بِالحِكْمَةِ وُجُوهَ التَّكْلِيمِ، لِيَظْهَرَ عِلْمُهُ في تَفْصِيلِ المَظاهِرِ، ويَكْمُلَ بِهِ عِبادُهُ، ويَهْتَدُوا إلَيْهِ لِيَعْرِفُوهُ. وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: حَكِيمٌ في تَبْلِيغِ كَلامِهِ العَلِيِّ إلى البَشَرِ الضَّعِيفِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّتْ بِالآيَةِ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ رَبَّهُ. واسْتَدَلَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زَيْدًا، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا أوْ كِتابًا، أنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأنَّهُ تَعالى اسْتَثْناهُ مِنَ الكَلامِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِنهُ. انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ؛ إذْ لا يُقالُ لِمَن ألْهَمَهُ اللَّهُ، إنَّهُ كَلَّمَهُ إلّا مَجازًا، فَلا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الشورى 42:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢، ٥٣] ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ عَلى الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ: ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وحْيًا مِن أمَرَنا. وسَمّاهُ رُوحًا لِأنَّهُ تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيْتَةُ. قالَ الشِّهابُ: فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ، لِما فِيهِ مِنَ الهِدايَةِ والعِلْمِ الَّذِي هو كالحَياةِ. وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ
(p-٥٢٥٦)و: { أوْحَيْنا } مُضَمَّنٌ مَعْنى (أرْسَلْنا). والمَعْنى: أرْسَلْناهُ إلَيْكَ بِالوَحْيِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أيِ: الرُّوحَ، أوِ الكِتابَ، أوِ الإيمانَ. ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ أيْ: بِالتَّوْفِيقِ لِلْقَبُولِ والنَّظَرِ فِيهِ. ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] أيْ: في الآخِرَةِ، فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ؛ إذْ لا حاكِمَ سِواهُ، فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ، أوْ عِقابٍ. نَسْألُهُ تَعالى أنْ يُحْسِنَ لَنا المَآبَ. إنَّهُ الكَرِيمُ الوَهّابُ.
الشورى 42:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢، ٥٣] ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ عَلى الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ: ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وحْيًا مِن أمَرَنا. وسَمّاهُ رُوحًا لِأنَّهُ تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيْتَةُ. قالَ الشِّهابُ: فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ، لِما فِيهِ مِنَ الهِدايَةِ والعِلْمِ الَّذِي هو كالحَياةِ. وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ
(p-٥٢٥٦)و: { أوْحَيْنا } مُضَمَّنٌ مَعْنى (أرْسَلْنا). والمَعْنى: أرْسَلْناهُ إلَيْكَ بِالوَحْيِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أيِ: الرُّوحَ، أوِ الكِتابَ، أوِ الإيمانَ. ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ أيْ: بِالتَّوْفِيقِ لِلْقَبُولِ والنَّظَرِ فِيهِ. ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] أيْ: في الآخِرَةِ، فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ؛ إذْ لا حاكِمَ سِواهُ، فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ، أوْ عِقابٍ. نَسْألُهُ تَعالى أنْ يُحْسِنَ لَنا المَآبَ. إنَّهُ الكَرِيمُ الوَهّابُ.