Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الزخرف 43:1 – الجاثية 45:37
المحتويات
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الزخرف 43:73
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
الزخرف 43:1
(p-٥٢٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزُّخْرُفِ
سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ آيَتِهِ عَلى أنَّ الدُّنْيا في غايَةِ الخِسَّةِ في نَفْسِها، وغايَةِ العَداوَةِ مَعَ رَبِّها بِحَيْثُ لا تَلِيقُ بِالأصالَةِ إلّا لِأعْدائِهِ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. قِيلَ: إلّا آيَةَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ [الزخرف: ٤٥]
وآيُها تِسْعٌ وثَمانُونَ.
(p-٥٢٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]
أيْ: مَعانِيَهُ ومَواعِظَهُ.
الزخرف 43:2
(p-٥٢٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزُّخْرُفِ
سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ آيَتِهِ عَلى أنَّ الدُّنْيا في غايَةِ الخِسَّةِ في نَفْسِها، وغايَةِ العَداوَةِ مَعَ رَبِّها بِحَيْثُ لا تَلِيقُ بِالأصالَةِ إلّا لِأعْدائِهِ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. قِيلَ: إلّا آيَةَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ [الزخرف: ٤٥]
وآيُها تِسْعٌ وثَمانُونَ.
(p-٥٢٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]
أيْ: مَعانِيَهُ ومَواعِظَهُ.
الزخرف 43:3
(p-٥٢٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزُّخْرُفِ
سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ آيَتِهِ عَلى أنَّ الدُّنْيا في غايَةِ الخِسَّةِ في نَفْسِها، وغايَةِ العَداوَةِ مَعَ رَبِّها بِحَيْثُ لا تَلِيقُ بِالأصالَةِ إلّا لِأعْدائِهِ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. قِيلَ: إلّا آيَةَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ [الزخرف: ٤٥]
وآيُها تِسْعٌ وثَمانُونَ.
(p-٥٢٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]
أيْ: مَعانِيَهُ ومَواعِظَهُ.
الزخرف 43:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤] ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .
﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ﴾ أيْ: رَفِيعُ القَدْرِ، بِحَيْثُ لا رِفْعَةَ وراءَها: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: ذُو الحِكْمَةِ الجامِعَةِ.
الزخرف 43:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥] ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ .
﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أيْ: أنُهْمِلُكم ونَصْرِفُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ لِإسْرافِكم. وإنَّما كانَتِ الحاجَةُ إلى الذِّكْرِ لِلْإسْرافِ؛ إذْ لَوْ كانُوا عَلى السِّيرَةِ العادِلَةِ والطَّرِيقَةِ الوُسْطى لَما احْتِيجَ إلى التَّذْكِيرِ، بَلِ التَّذْكِيرُ يَجِبُ عِنْدَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. ولِهَذا بَعَثَ الأنْبِياءَ في زَمانِ الفَتْرَةِ. قالَهُ القاشانِيُّ.
الزخرف 43:6
(p-٥٢٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨] ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧] ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] .
﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧] ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] أيْ: قُوَّةً: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنهُ، ذِكْرُ قِصَّتِهِمْ وحالِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ وما مَثَّلْناهُ لَهُمْ؛ أيْ: فَلْيَتَوَقَّعْ هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئُونَ مِنَ العُقُوبَةِ مِثْلَ ما حَلَّ بِسَلَفِهِمْ.
الزخرف 43:7
(p-٥٢٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨] ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧] ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] .
﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧] ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] أيْ: قُوَّةً: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنهُ، ذِكْرُ قِصَّتِهِمْ وحالِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ وما مَثَّلْناهُ لَهُمْ؛ أيْ: فَلْيَتَوَقَّعْ هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئُونَ مِنَ العُقُوبَةِ مِثْلَ ما حَلَّ بِسَلَفِهِمْ.
الزخرف 43:8
(p-٥٢٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨] ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧] ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] .
﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧] ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] أيْ: قُوَّةً: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنهُ، ذِكْرُ قِصَّتِهِمْ وحالِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ وما مَثَّلْناهُ لَهُمْ؛ أيْ: فَلْيَتَوَقَّعْ هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئُونَ مِنَ العُقُوبَةِ مِثْلَ ما حَلَّ بِسَلَفِهِمْ.
الزخرف 43:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩، ١٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] .
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ١٠] أيْ: مِهادًا تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ [الزخرف: ١٠] أيْ: طَرَقا تَتَطَرَّقُونَها مِن بَلْدَةٍ إلى بَلْدَةٍ، لِمَعايِشِكم ومَتاجِرِكُمْ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] أيْ: بِتِلْكَ السُّبُلِ إلى حَيْثُ أرَدْتُمْ مِنَ القُرى والأمْصارِ.
الزخرف 43:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩، ١٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] .
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ١٠] أيْ: مِهادًا تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ [الزخرف: ١٠] أيْ: طَرَقا تَتَطَرَّقُونَها مِن بَلْدَةٍ إلى بَلْدَةٍ، لِمَعايِشِكم ومَتاجِرِكُمْ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] أيْ: بِتِلْكَ السُّبُلِ إلى حَيْثُ أرَدْتُمْ مِنَ القُرى والأمْصارِ.
الزخرف 43:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١] ﴿والَّذِي نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ .
﴿والَّذِي نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِمِقْدارِ الحاجَةِ إلَيْهِ. فَلَمْ يَجْعَلْهُ طُوفانًا يُهْلِكُ، (p-٥٢٦٠)ولا رَذاذًا لا يُنْبِتُ، بَلْ غَيْثًا مُغِيثًا: ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا مِنَ النَّباتِ، قَدْ دَرَسَتْ مِنَ الجَدْبِ، وعَفَتْ مِنَ القَحْطِ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ فَنائِكُمْ، ومَصِيرِكم بِالأرْضِ.
الزخرف 43:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ - ١٤] ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] .
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَزَوَّجَهُ، فَجَعَلَ مِنهُ الذَّكَرَ والأُنْثى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أيْ: مِنَ السُّفُنِ والبَهائِمِ ما تَرْكَبُونَهُ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أيْ: مُطِيقِينَ: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] أيْ: لَصائِرُونَ إلَيْهِ، وراجِعُونَ بَعْدَ مَماتِنا.
تَنْبِيهٌ:
فِي (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ اسْتِحْبابُ هَذا الذِّكْرِ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ والسَّفِينَةِ، «وكانَ ﷺ يَقُولُهُ كُلَّما اسْتَوى عَلى راحِلَتِهِ أوْ دابَّتِهِ» .
الزخرف 43:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ - ١٤] ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] .
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَزَوَّجَهُ، فَجَعَلَ مِنهُ الذَّكَرَ والأُنْثى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أيْ: مِنَ السُّفُنِ والبَهائِمِ ما تَرْكَبُونَهُ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أيْ: مُطِيقِينَ: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] أيْ: لَصائِرُونَ إلَيْهِ، وراجِعُونَ بَعْدَ مَماتِنا.
تَنْبِيهٌ:
فِي (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ اسْتِحْبابُ هَذا الذِّكْرِ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ والسَّفِينَةِ، «وكانَ ﷺ يَقُولُهُ كُلَّما اسْتَوى عَلى راحِلَتِهِ أوْ دابَّتِهِ» .
الزخرف 43:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ - ١٤] ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] .
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَزَوَّجَهُ، فَجَعَلَ مِنهُ الذَّكَرَ والأُنْثى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أيْ: مِنَ السُّفُنِ والبَهائِمِ ما تَرْكَبُونَهُ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أيْ: مُطِيقِينَ: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] أيْ: لَصائِرُونَ إلَيْهِ، وراجِعُونَ بَعْدَ مَماتِنا.
تَنْبِيهٌ:
فِي (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ اسْتِحْبابُ هَذا الذِّكْرِ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ والسَّفِينَةِ، «وكانَ ﷺ يَقُولُهُ كُلَّما اسْتَوى عَلى راحِلَتِهِ أوْ دابَّتِهِ» .
الزخرف 43:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥] ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ أيْ: جَعَلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ لِلَّهِ مِن خَلْقِهِ نَصِيبًا، وذَلِكَ (p-٥٢٦١)قَوْلُهم لِلْمَلائِكَةِ: (هم بَناتُ اللَّهِ). قالَ القاشانِيُّ: أيِ: اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومُبْدِعُهُما وفاطِرُهُما. وقَدْ جَسَّمُوهُ وجَزَّأُوهُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لَهُ، الَّذِي هو بَعْضٌ مِنَ الوالِدِ، مُماثِلٌ لَهُ في النَّوْعِ، لِكَوْنِهِمْ ظاهِرِيِّينَ جُسْمانِيِّينَ، لا يَتَجاوَزُونَ عَنْ رُتْبَةِ الحِسِّ والخَيالِ، ولا يَتَجَرَّدُونَ عَنْ مَلابِسِ الجُسْمانِيّاتِ، فَيُدْرِكُونَ الحَقائِقَ المُجَرَّدَةَ، والذَّواتَ المُقَدَّسَةَ، فَضْلًا عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى. فَكُلُّ ما تَصَوَّرُوا وتَخَيَّلُوا، كانَ شَيْئًا جُسْمانِيًّا. ولِهَذا كَذَّبُوا الأنْبِياءَ في إثْباتِ الآخِرَةِ، والبَعْثِ، والنُّشُورِ، وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعادِ؛ إذْ لا يَتَعَدّى إدْراكُهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا، وعُقُولُهُمُ المَحْجُوبَةُ عَنْ نُورِ الهِدايَةِ، أُمُورَ المَعاشِ. فَلا مُناسَبَةَ أصْلًا بَيْنَ ذَواتِهِمْ وذَواتِ الأنْبِياءِ، إلّا في ظاهِرِ البَشَرِيَّةِ. فَلا حاجَةَ إلى ما وراءَها. انْتَهى.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: لَجَحُودٌ نِعَمَ رَبِّهِ، الَّتِي أنْعَمَها عَلَيْهِ، يَبِينُ كُفْرانُهُ لِمَن تَدَبَّرَ حالَهُ.
الزخرف 43:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦] ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ .
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ أيْ: بَلِ اتَّخَذَ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ تَجْهِيلًا لَهُمْ، وتَعْجِيبًا مِن شَأْنِهِمْ، حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا بِأنْ جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الجُزْءَ شَرَّ الجُزْأيْنِ؛ وهو الإناثُ دُونَ الذُّكُورِ. عَلى أنَّهم أنْفَرُ خَلْقِ اللَّهِ عَنِ الإناثِ، وأمْقُتُهم لَهُنَّ، ولَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ المَقْتُ إلى أنْ وأدُوهُنَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَبُوا أنَّ إضافَةَ اتِّخاذِ الوَلَدِ إلَيْهِ جائِزَةٌ، فَرْضًا وتَمْثِيلًا، أما تَسْتَحْيُونَ مِنَ الشَّطَطِ في القِسْمَةِ، ومِنَ ادِّعائِكم أنَّهُ آثَرَكم عَلى نَفْسِهِ بِخَيْرِ الجُزْأيْنِ وأعْلاهُما، وتَرَكَ لَهُ شَرَّهُما وأدْناهُما؟ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
الزخرف 43:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧] ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ .
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا﴾ أيْ: مِنَ البَناتِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: مِنَ الكَآبَةِ والغَمِّ والحُزْنِ: ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: مَمْلُوءٌ قَلْبُهُ مِنَ الكَرْبِ.
الزخرف 43:18
(p-٥٢٦٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨] ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ أيْ: تَرَبّى في الزِّينَةِ، يَعْنِي البَناتِ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ﴾ أيْ: في المُجادَلَةِ: ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أيْ: لِمَن خاصَمَهُ بِبُرْهانٍ وحُجَّةٍ؛ لِعَجْزِهِ وضَعْفِهِ. والمَعْنى: أوَمَن كانَ كَذَلِكَ جَعَلْتُمُوهُ جُزْءًا لِلَّهِ مِن خَلْقِهِ، وزَعَمْتُمْ أنَّهُ نَصِيبٌ مِنهُمْ؟
تَنْبِيهٌ:
قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى إباحَةِ الحُلِيِّ لِلنِّساءِ. وسُئِلَ أبُو العالِيَةِ عَنِ الذَّهَبِ لِلنِّساءِ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
الزخرف 43:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩] ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ .
﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ أيْ: جَعَلُوا مَلائِكَةَ اللَّهِ الَّذِينَ هم عِنْدَهُ، يُسَبِّحُونَهُ، ويُقَدِّسُونَهُ، إناثًا. فَقالُوا: (هم بَناتُ اللَّهِ). جَهْلًا مِنهم بِحَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وجَراءَةً مِنهم عَلى قِيلِ الكَذِبِ.
قالَ القاشانِيُّ: لَمّا سَمِعُوا مِن أسْلافِهِمْ قَوْلَ الأوائِلِ مِنَ الحُكَماءِ في إثْباتِ النُّفُوسِ المَلَكِيَّةِ وتَأْنِيثِهِمْ إيّاها، إمّا بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وإمّا بِاعْتِبارِ تَأثُّرِها وانْفِعالِها عَنِ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ العَقْلِيَّةِ، مَعَ وصْفِهِمْ إيّاها بِالقُرْبِ مِنَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ- تَوَهَّمُوا أُنُوثَتَها في الحَقِيقَةِ، الَّتِي هي بِإزاءِ الذُّكُورَةِ في الحَيَوانِ مَعَ اخْتِصامِها بِاللَّهِ. فَجَعَلُوها بَناتٍ. وقَلَّما يَعْتَقِدُها العامِّيُّ إلّا صُوَرًا إنْسِيَّةً لَطِيفَةً في غايَةِ الحُسْنِ. انْتَهى.
﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَوَصَفُوهم بِذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِهِمْ وبِرُؤْيَتِهِمْ إيّاهُمْ؟ وهو تَجْهِيلٌ لَهُمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ أيْ: عَلى المَلائِكَةِ بِما هم مُبَرَّءُونَ عَنْهُ: ﴿ويُسْألُونَ﴾ أيْ: عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ، بِأنْ (p-٥٢٦٣)يَأْتُوا بِبُرْهانٍ عَلى حَقِيقَتِها، ولَنْ يَجِدُوا إلى ذَلِكَ سَبِيلًا، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ما فِيهِ؛ لِأنَّ كِتابَتَها والسُّؤالَ عَنْها يَقْتَضِي العِقابَ والمُجازاةَ عَلَيْها، وهو المُرادُ.
الزخرف 43:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠، ٢١] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] .
هَذا بَيانٌ لِضَلالٍ لَهم آخَرَ، في جَدَلِهِمْ وخِصامِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ. وقَدِ اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِظاهِرِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ الشُّرُورَ والمَعاصِيَ. وأهْلُ السُّنَّةِ تَأوَّلُوا الآيَةَ بِما يُلاقِي العَقْدَ الصَّحِيحَ. وهو عُمُومُ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ، النّاطِقُ بِهِ غَيْرُ ما آيَةٍ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وأخَواتُها مِن مَعارِكِ الأنْظارِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، آثَرْتُ أنْ أنْقُلَ هُنا ما لِمُحَقِّقِي المُفَسِّرِينَ، جَرْيًا عَلى قاعِدَتِنا في التِقاطِ نَفائِسِ ما لِلْمُتَقَدِّمِ، وتَحْلِيَةِ مُصَنَّفاتِنا بِها، فَنَقُولُ: قالَ القاشانِيُّ: لَمّا سَمِعُوا مِنَ الأنْبِياءِ تَعْلِيقَ الأشْياءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، افْتَرَضُوهُ وجَعَلُوهُ ذَرِيعَةً في الإنْكارِ. وقالُوا ذَلِكَ لا عَنْ عِلْمٍ وإيقانٍ، بَلْ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والإفْحامِ. ولِهَذا رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ إذْ لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا مُوَحِّدِينَ، لا يَنْسُبُونَ التَّأْثِيرَ إلّا إلى اللَّهِ. فَلا يَسَعُهم إلّا عِبادَتُهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ إذْ لا يَرَوْنَ حِينَئِذٍ لِغَيْرِهِ نَفْعًا ولا ضُرًّا ﴿إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْفُسَهم في هَذا القَوْلِ بِالفِعْلِ، حِينَ عَظَّمُوهم وخافُوهم وخافُوهم وخَوَّفُوا أنْبِياءَهم مِن بَطْشِهِمْ، كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] ولَمّا خَوَّفُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْدَهُمْ، أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠] (p-٥٢٦٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام: ٨١] انْتَهى.
وفِي البَيْضاوِيِّ وحَواشِيهِ: إنَّ هَذا القَوْلَ اسْتِدْلالٌ مِنهم عَلى امْتِناعِ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى أوْ عَلى حُسْنِها. يَعْنُونَ أنَّ عِبادَتَهُمُ المَلائِكَةَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى. فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِها أوْ حَسَنَةً. ويَمْتَنِعُ كَوْنُها مَنهِيًّا عَنْها أوْ قَبِيحَةً. وهَذا الِاسْتِدْلالُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ لا تَسْتَلْزِمُ الأمْرَ أوِ الحُسْنَ، لِأنَّها تَرْجِيحُ بَعْضِ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ حَسَنًا كانَ أوْ قَبِيحًا. ولِذَلِكَ جَهَّلَهم في اسْتِدْلالِهِمْ هَذا. والحاصِلُ أنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى جَعْلِهِمْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى امْتِناعِ النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِمْ، أوْ عَلى حُسْنِها: لا إلى هَذا القَوْلِ، فَإنَّهُ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ. انْتَهى.
وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): نَحْنُ مَعاشِرَ أهْلِ السُّنَّةِ نَقُولُ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، حَتّى الضَّلالَةُ والهُدى، اتِّباعًا لِدَلِيلِ العَقْلِ، وتَصْدِيقًا لِنَصِّ النَّقْلِ. في أمْثالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣] وآيَةُ الزُّخْرُفِ هَذِهِ لا تَزِيدُ هَذا المُعْتَقَدَ الصَّحِيحَ إلّا تَمْهِيدًا، ولا تُفِيدُهُ إلّا تَصْوِيبًا وتَسْدِيدًا. فَنَقُولُ: إذا قالَ الكافِرُ: (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما كَفَرْتُ) فَهَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أرادَ بِها باطِلًا، أمّا كَوْنُها كَلِمَةَ حَقٍّ، فَلِما مَهَّدْناهُ. وأمّا كَوْنُها أرادَ بِها باطِلًا، فَمُرادُ الكافِرِ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَهُ الحُجَّةُ عَلى اللَّهِ، تَوَهُّمًا أنَّهُ يَلْزَمُ مِن مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِضَلالَةِ مَن ضَلَّ، أنْ لا يُعاقِبَهُ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ فَعَلَ مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ.
ثُمَّ قالَ: فَإذا وضَحَ ما قُلْناهُ، فَإنَّما رَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَقالَتَهم هَذِهِ؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّها حُجَّةٌ عَلى اللَّهِ. فَدَحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُمْ، وأكْذَبَ أُمْنِيَتَهُمْ، وبَيَّنَ أنَّ مَقالَتَهم صادِرَةٌ عَنْ ظَنٍّ كاذِبٍ وتَخَرُّصٍ مَحْضٍ، فَقالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ و﴿إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقَدْ أفْصَحَتْ أُخْتُ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ هَذا التَّقْدِيرِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى (p-٥٢٦٥)فِي سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الحامِلَ لِهَؤُلاءِ عَلى التَّكْذِيبِ بِالرُّسُلِ، والإشْراكِ بِاللَّهِ، اغْتِرارُهم بِأنَّ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَشَبَّهَ تَعالى حالَهم في الِاعْتِمادِ عَلى هَذا الخَيالِ، بِحالِ أوائِلِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُعْتَقَدٌ نَشَأ عَنْ ظَنٍّ خُلَّبٍ وخَيالٍ مُكَذِّبٍ، فَقالَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ثُمَّ لَمّا أبْطَلَ أنْ يَكُونَ لَهم في مَقالَتِهِمْ حُجَّةٌ عَلى اللَّهِ، أثْبَتَ تَعالى الحُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ثُمَّ أوْضَحَ أنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ لَيْسَ إلّا في احْتِجاجِهِمْ عَلى اللَّهِ بِذَلِكَ. لا لِأنَّ المَقالَةَ في نَفْسِها كَذِبٌ. فَقالَ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] مِن حَيْثُ إنَّ: { لَوْ } مُقْتَضاها امْتِناعُ الهِدايَةِ لِامْتِناعِ المَشِيئَةِ. فَدَلَّتِ الآيَةُ الأخِيرَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَشَأْ هِدايَتَهُمْ، بَلْ شاءَ ضَلالَتَهم. ولَوْ شاءَ هِدايَتَهم لَما ضَلُّوا، فَهَذا هو الدِّينُ القَوِيمُ، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، والنُّورُ اللّائِحُ والمَنهَجُ الواضِحُ. والَّذِي يُدْحَضُ بِهِ حُجَّةُ هَؤُلاءِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ وُقُوعَ الضَّلالَةِ مِنهُمْ، هو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لِلْعَبْدِ تَأتِّيًا وتَيَسُّرًا لِلْهِدايَةِ وغَيْرِها، مِنَ الأفْعالِ الكَسْبِيَّةِ، حَتّى صارَتِ الأفْعالُ الصّادِرَةُ مِنهُ مَناطَ التَّكْلِيفِ؛ لِأنَّها اخْتِيارِيَّةٌ يُفَرَّقُ بِالضَّرُورَةِ بَيْنَها وبَيْنَ العَوارِضِ القَسْرِيَّةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ أقامَتِ الحُجَّةَ ووَضَّحَتْ لِمَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلْمُعْتَقَداتِ الصَّحِيحَةِ المَحَجَّةَ، ولَمّا كانَتْ تَفْرِقَةً دَقِيقَةً لَمْ تَنْتَظِمْ في سِلْكِ الأفْهامِ الكَثِيفَةِ فَلا جَرَمَ أنَّ أفْهامَهم تَبَدَّدَتْ وأفْكارَهم تَبَدَّلَتْ فَغَلَتْ طائِفَةُ القَدَرِيَّةِ واعْتَقَدَتْ أنَّ العَبْدَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ رَبِّهِ وجارَتِ الجَبْرِيَّةُ فاعْتَقَدَتْ أنْ لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ البَتَّةَ ولا اخْتِيارَ وأنَّ جَمِيعَ الأفْعالِ صادِرَةٌ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرابِ، أمّا أهْلُ الحَقِّ فَمَنَحَهُمُ اللَّهُ مِن هِدايَتِهِ قِسْطًا (p-٥٢٦٦)وأرْشَدَهم إلى الطَّرِيقِ الوُسْطى فانْتَهَجُوا سُبُلَ السَّلامِ وسارُوا ورائِدُ التَّوْفِيقِ لَهم إمامٌ، مُسْتَضِيئِينَ بِأنْوارِ العُقُولِ المُرْشِدَةِ إلى أنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ ولَمْ يَغِبْ عَنْ أفْهامِهِمْ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأفْعالِ لِلْعَبْدِ مَقْدُورَةً لِما وجَدُوهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الِاخْتِيارِيَّةِ والقَسْرِيَّةِ بِالضَّرُورَةِ لَكِنَّها قُدْرَةٌ تُقارِنُ بِلا تَأْثِيرٍ وتَمَيُّزٍ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ والِاخْتِيارِيِّ في التَّصْوِيرِ فَهَذا هو التَّحْقِيقُ، واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ. انْتَهى.
وقَدْ سَبَقَ في آيَةِ [ الأنْعامِ] نُقُولٌ عَنِ الأئِمَّةِ في الآيَةِ مُسْهَبَةٌ: فَراجِعْها إنْ شِئْتَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ [الزخرف: ٢١] أيْ مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ ويَدِينُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيْكَ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] يَعْنِي بِالعِلْمِ كِتابًا مُوحًى في ذَلِكَ.
الزخرف 43:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠، ٢١] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] .
هَذا بَيانٌ لِضَلالٍ لَهم آخَرَ، في جَدَلِهِمْ وخِصامِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ. وقَدِ اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِظاهِرِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ الشُّرُورَ والمَعاصِيَ. وأهْلُ السُّنَّةِ تَأوَّلُوا الآيَةَ بِما يُلاقِي العَقْدَ الصَّحِيحَ. وهو عُمُومُ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ، النّاطِقُ بِهِ غَيْرُ ما آيَةٍ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وأخَواتُها مِن مَعارِكِ الأنْظارِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، آثَرْتُ أنْ أنْقُلَ هُنا ما لِمُحَقِّقِي المُفَسِّرِينَ، جَرْيًا عَلى قاعِدَتِنا في التِقاطِ نَفائِسِ ما لِلْمُتَقَدِّمِ، وتَحْلِيَةِ مُصَنَّفاتِنا بِها، فَنَقُولُ: قالَ القاشانِيُّ: لَمّا سَمِعُوا مِنَ الأنْبِياءِ تَعْلِيقَ الأشْياءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، افْتَرَضُوهُ وجَعَلُوهُ ذَرِيعَةً في الإنْكارِ. وقالُوا ذَلِكَ لا عَنْ عِلْمٍ وإيقانٍ، بَلْ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والإفْحامِ. ولِهَذا رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ إذْ لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا مُوَحِّدِينَ، لا يَنْسُبُونَ التَّأْثِيرَ إلّا إلى اللَّهِ. فَلا يَسَعُهم إلّا عِبادَتُهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ إذْ لا يَرَوْنَ حِينَئِذٍ لِغَيْرِهِ نَفْعًا ولا ضُرًّا ﴿إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْفُسَهم في هَذا القَوْلِ بِالفِعْلِ، حِينَ عَظَّمُوهم وخافُوهم وخافُوهم وخَوَّفُوا أنْبِياءَهم مِن بَطْشِهِمْ، كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] ولَمّا خَوَّفُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْدَهُمْ، أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠] (p-٥٢٦٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام: ٨١] انْتَهى.
وفِي البَيْضاوِيِّ وحَواشِيهِ: إنَّ هَذا القَوْلَ اسْتِدْلالٌ مِنهم عَلى امْتِناعِ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى أوْ عَلى حُسْنِها. يَعْنُونَ أنَّ عِبادَتَهُمُ المَلائِكَةَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى. فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِها أوْ حَسَنَةً. ويَمْتَنِعُ كَوْنُها مَنهِيًّا عَنْها أوْ قَبِيحَةً. وهَذا الِاسْتِدْلالُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ لا تَسْتَلْزِمُ الأمْرَ أوِ الحُسْنَ، لِأنَّها تَرْجِيحُ بَعْضِ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ حَسَنًا كانَ أوْ قَبِيحًا. ولِذَلِكَ جَهَّلَهم في اسْتِدْلالِهِمْ هَذا. والحاصِلُ أنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى جَعْلِهِمْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى امْتِناعِ النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِمْ، أوْ عَلى حُسْنِها: لا إلى هَذا القَوْلِ، فَإنَّهُ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ. انْتَهى.
وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): نَحْنُ مَعاشِرَ أهْلِ السُّنَّةِ نَقُولُ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، حَتّى الضَّلالَةُ والهُدى، اتِّباعًا لِدَلِيلِ العَقْلِ، وتَصْدِيقًا لِنَصِّ النَّقْلِ. في أمْثالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣] وآيَةُ الزُّخْرُفِ هَذِهِ لا تَزِيدُ هَذا المُعْتَقَدَ الصَّحِيحَ إلّا تَمْهِيدًا، ولا تُفِيدُهُ إلّا تَصْوِيبًا وتَسْدِيدًا. فَنَقُولُ: إذا قالَ الكافِرُ: (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما كَفَرْتُ) فَهَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أرادَ بِها باطِلًا، أمّا كَوْنُها كَلِمَةَ حَقٍّ، فَلِما مَهَّدْناهُ. وأمّا كَوْنُها أرادَ بِها باطِلًا، فَمُرادُ الكافِرِ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَهُ الحُجَّةُ عَلى اللَّهِ، تَوَهُّمًا أنَّهُ يَلْزَمُ مِن مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِضَلالَةِ مَن ضَلَّ، أنْ لا يُعاقِبَهُ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ فَعَلَ مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ.
ثُمَّ قالَ: فَإذا وضَحَ ما قُلْناهُ، فَإنَّما رَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَقالَتَهم هَذِهِ؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّها حُجَّةٌ عَلى اللَّهِ. فَدَحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُمْ، وأكْذَبَ أُمْنِيَتَهُمْ، وبَيَّنَ أنَّ مَقالَتَهم صادِرَةٌ عَنْ ظَنٍّ كاذِبٍ وتَخَرُّصٍ مَحْضٍ، فَقالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ و﴿إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقَدْ أفْصَحَتْ أُخْتُ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ هَذا التَّقْدِيرِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى (p-٥٢٦٥)فِي سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الحامِلَ لِهَؤُلاءِ عَلى التَّكْذِيبِ بِالرُّسُلِ، والإشْراكِ بِاللَّهِ، اغْتِرارُهم بِأنَّ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَشَبَّهَ تَعالى حالَهم في الِاعْتِمادِ عَلى هَذا الخَيالِ، بِحالِ أوائِلِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُعْتَقَدٌ نَشَأ عَنْ ظَنٍّ خُلَّبٍ وخَيالٍ مُكَذِّبٍ، فَقالَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ثُمَّ لَمّا أبْطَلَ أنْ يَكُونَ لَهم في مَقالَتِهِمْ حُجَّةٌ عَلى اللَّهِ، أثْبَتَ تَعالى الحُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ثُمَّ أوْضَحَ أنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ لَيْسَ إلّا في احْتِجاجِهِمْ عَلى اللَّهِ بِذَلِكَ. لا لِأنَّ المَقالَةَ في نَفْسِها كَذِبٌ. فَقالَ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] مِن حَيْثُ إنَّ: { لَوْ } مُقْتَضاها امْتِناعُ الهِدايَةِ لِامْتِناعِ المَشِيئَةِ. فَدَلَّتِ الآيَةُ الأخِيرَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَشَأْ هِدايَتَهُمْ، بَلْ شاءَ ضَلالَتَهم. ولَوْ شاءَ هِدايَتَهم لَما ضَلُّوا، فَهَذا هو الدِّينُ القَوِيمُ، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، والنُّورُ اللّائِحُ والمَنهَجُ الواضِحُ. والَّذِي يُدْحَضُ بِهِ حُجَّةُ هَؤُلاءِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ وُقُوعَ الضَّلالَةِ مِنهُمْ، هو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لِلْعَبْدِ تَأتِّيًا وتَيَسُّرًا لِلْهِدايَةِ وغَيْرِها، مِنَ الأفْعالِ الكَسْبِيَّةِ، حَتّى صارَتِ الأفْعالُ الصّادِرَةُ مِنهُ مَناطَ التَّكْلِيفِ؛ لِأنَّها اخْتِيارِيَّةٌ يُفَرَّقُ بِالضَّرُورَةِ بَيْنَها وبَيْنَ العَوارِضِ القَسْرِيَّةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ أقامَتِ الحُجَّةَ ووَضَّحَتْ لِمَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلْمُعْتَقَداتِ الصَّحِيحَةِ المَحَجَّةَ، ولَمّا كانَتْ تَفْرِقَةً دَقِيقَةً لَمْ تَنْتَظِمْ في سِلْكِ الأفْهامِ الكَثِيفَةِ فَلا جَرَمَ أنَّ أفْهامَهم تَبَدَّدَتْ وأفْكارَهم تَبَدَّلَتْ فَغَلَتْ طائِفَةُ القَدَرِيَّةِ واعْتَقَدَتْ أنَّ العَبْدَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ رَبِّهِ وجارَتِ الجَبْرِيَّةُ فاعْتَقَدَتْ أنْ لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ البَتَّةَ ولا اخْتِيارَ وأنَّ جَمِيعَ الأفْعالِ صادِرَةٌ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرابِ، أمّا أهْلُ الحَقِّ فَمَنَحَهُمُ اللَّهُ مِن هِدايَتِهِ قِسْطًا (p-٥٢٦٦)وأرْشَدَهم إلى الطَّرِيقِ الوُسْطى فانْتَهَجُوا سُبُلَ السَّلامِ وسارُوا ورائِدُ التَّوْفِيقِ لَهم إمامٌ، مُسْتَضِيئِينَ بِأنْوارِ العُقُولِ المُرْشِدَةِ إلى أنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ ولَمْ يَغِبْ عَنْ أفْهامِهِمْ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأفْعالِ لِلْعَبْدِ مَقْدُورَةً لِما وجَدُوهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الِاخْتِيارِيَّةِ والقَسْرِيَّةِ بِالضَّرُورَةِ لَكِنَّها قُدْرَةٌ تُقارِنُ بِلا تَأْثِيرٍ وتَمَيُّزٍ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ والِاخْتِيارِيِّ في التَّصْوِيرِ فَهَذا هو التَّحْقِيقُ، واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ. انْتَهى.
وقَدْ سَبَقَ في آيَةِ [ الأنْعامِ] نُقُولٌ عَنِ الأئِمَّةِ في الآيَةِ مُسْهَبَةٌ: فَراجِعْها إنْ شِئْتَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ [الزخرف: ٢١] أيْ مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ ويَدِينُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيْكَ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] يَعْنِي بِالعِلْمِ كِتابًا مُوحًى في ذَلِكَ.
الزخرف 43:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: لا حُجَّةَ لَهم إلّا تَقْلِيدُ آبائِهِمْ الجَهَلَةِ مِثْلِهِمْ.
الزخرف 43:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ .
﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن دِفاعِ الحُجَّةِ بِالتَّقْلِيدِ، فَعَلَ مَن قَبْلَهم مِن أهْلِ الكُفْرِ بِاللَّهِ.
(p-٥٢٦٧)قالَ القاضِي: وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ في نَحْوِ ذَلِكَ ضَلالٌ قَدِيمٌ، وأنَّ مُقَلِّدِيهِمْ أيْضًا لَمْ يَكُنْ لَهم سَنَدٌ مَنظُورٌ فِيهِ. وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ، إشْعارٌ بِأنَّ النِّعَمَ، وحُبَّ البِطالَةِ، صَرَفَهم عَنِ النَّظَرِ إلى التَّقْلِيدِ.
الزخرف 43:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ .
﴿قالَ﴾ وقُرِئَ: "قُلْ": ﴿أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ مُنْكِرُونَ، وإنْ كانَ أهْدى، إقْناطًا لِلنَّذِيرِ مِن أنْ يَنْظُرُوا، أوْ يَتَفَكَّرُوا فِيهِ.
الزخرف 43:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِهِمْ، مِمّا أصْبَحَ مَثَلًا وعِبْرَةً.
الزخرف 43:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ .
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ قالَ القاضِي: أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ هَذا، لِيَرَوْا كَيْفَ تَبَرَّأ عَنِ التَّقْلِيدِ وتَمَسَّكَ بِالدَّلِيلِ، أوْ لِيُقَلِّدُوهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم بُدٌّ مِنَ التَّقْلِيدِ؛ فَإنَّهُ أشْرَفُ آبائِهِمْ: ﴿لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: بَرِيءٌ مِن عِبادَتِكم أوْ مَعْبُودِكم. و: ﴿بَراءٌ﴾ بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ كَما هو قِراءَةُ العامَّةِ، مَصْدَرٌ كالطَّلاقِ والعَتاقِ، أُرِيدَ بِهِ مَعْنى الوَصْفِ مُبالَغَةً. فَلِذا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ. وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ صِفَةُ مُبالَغَةٍ، كَطُوالٍ وكُرامٍ، بِضَمِّ الطّاءِ والكافِ. وقَوْلُهُ:
الزخرف 43:27
(p-٥٢٦٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧] ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ .
﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ (ما) يَعُمُّ أُولِي الأمْرِ وغَيْرَهُمْ، وأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ والأصْنامَ، أوْ (إلّا) بِمَعْنى (غَيْرٍ) صِفَةً لِ: (ما)؛ أيْ: إنَّنِي بَرِيءٌ مِن آلِهَةٍ تَعْبُدُونَها غَيْرَ الَّذِي فَطَرَنِي؛ أيْ: خَلَقَنِي: ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أيْ: لِلدِّينِ الحَقِّ، واتِّباعِ سَبِيلِ الرُّشْدِ. والسِّينُ إمّا لِلتَّأْكِيدِ، ويُؤَيِّدُهُ آيَةُ الشُّعَراءِ: ﴿يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] بِدُونِها. والقِصَّةُ واحِدَةٌ، والمُضارِعُ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاسْتِمْرارِ، وإمّا لِلتَّسْوِيفِ والِاسْتِقْبالِ، والمُرادُ هِدايَةٌ زائِدَةٌ عَلى ما كانَ لَهُ أوَّلًا، فَيَتَغايَرُ ما في الآيَتَيْنِ مِنَ الحِكايَةِ أوِ المَحْكِيِّ، بِناءً عَلى تَكَرُّرِ قِصَّتِهِ.
الزخرف 43:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ .
﴿وجَعَلَها﴾ أيْ: شَهادَةَ التَّوْحِيدِ: ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ أيْ: مُوصًى بِها، مَوْرُوثَةً مُتَداوَلَةً مَحْفُوظَةً. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَرْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ، ويَلْجَئُوا إلى تَوْحِيدِهِ في سائِرِ شُؤُونِهِمْ، أوْ لَعَلَّ مَن أشْرَكَ مِنهم يَرْجِعُ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ مِنهم.
الزخرف 43:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ: ﴿وآباءَهُمْ﴾ أيْ: مَن قَبْلَهم بِالحَياةِ، فَلَمْ أُعاجِلْهم عَلى كُفْرِهِمْ: ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنُ: ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الرِّسالَةِ بِالآياتِ والحُجَجِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِها عَلَيْهِمْ في دَعْوى رِسالَتِهِ.
الزخرف 43:30
(p-٥٢٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ .
﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فازْدادُوا في ضَلالِهِمْ، لِضَمِّهِمْ إلى شِرْكِهِمْ، مُعانَدَةَ الحَقِّ.
الزخرف 43:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١] ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ .
﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ﴾ أيْ: مِن إحْداهُما، مَكَّةَ والطّائِفِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ: ﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ: بِالجاهِ والمالِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِعَظِيمٍ عِنْدَهُمْ، قالَ القاضِي: ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّها رُتْبَةٌ رُوحانِيَّةٌ، تَسْتَدْعِي عَظِيمَ النَّفْسِ، بِالتَّحَلِّي بِالفَضائِلِ، والكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، لا التَّزَخْرُفَ بِالزَّخارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الزخرف 43:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ .
﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ إنْكارٌ، فِيهِ تَجْهِيلٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَحَكُّمِهِمْ فِيما لا يَتَوَلّاهُ إلّا هو تَعالى. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَجَعَلْنا بَعْضَهم غَنِيًّا وبَعْضَهم فَقِيرًا: ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ﴾ أيْ: بِالغِنى: ﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ﴾ يَعْنِي الغَنِيَّ: ﴿بَعْضًا﴾ يَعْنِي الفَقِيرَ: ﴿سُخْرِيًّا﴾ أيْ: مُسَخَّرًا في العَمَلِ، وما بِهِ قِوامُ المَعايِشِ، والوُصُولُ إلى النّافِعِ، لا لِكَمالٍ في المُوَسَّعِ عَلَيْهِ، ولا لِنَقْصٍ في المُقَتَّرِ عَلَيْهِ بَلْ لِحاجَةِ التَّضامِّ والتَّآلُفِ، الَّتِي بِها يَنْتَظِمُ شَمْلُهم. وأمّا النَّفَحاتُ الرَّبّانِيَّةُ، والعُلُومُ اللَّدُنْيَّةُ، (p-٥٢٧٠)فَلَيْسَتْ مِمّا يَسْتَدْعِي سِعَةً ويَسارًا؛ لِأنَّها اخْتِصاصٌ إلَهِيٌّ، وفَيْضٌ رَحْمانِيٌّ، يَمُنُّ بِهِ عَلى أنْفُسِ مُسْتَعَدِّيهِ، وأرْواحِ قابِلِيهِ.
و(السُّخْرِيُّ): بِالضَّمِّ مَنسُوبٌ إلى السُّخْرَةِ بِوَزْنِ (غُرْفَةٍ)، وهي الِاسْتِخْدامُ والقَهْرُ عَلى العَمَلِ.
﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ النُّبُوَّةَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الحُطامِ الفانِي؛ أيْ: والعَظِيمُ مَن أُعْطِيَها وحازَها، وهو النَّبِيُّ ﷺ؛ لا مَن حازَ الكَثِيرَ مِنَ الشَّهَواتِ المَحْبُوبَةِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى حَقارَةِ الدُّنْيا عِنْدَهُ، بِقَوْلِهِ:
الزخرف 43:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] .
﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُتَّفِقَةً عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ أيْ: لَوْلا كَراهَةُ ذَلِكَ: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ أيْ: لِتَكْثِيرِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، مَعَ كُفْرِهِ بِالمُنْعِمِ فَيَزْدادُ عَذابًا: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن: { لِمَن ﴿سُقُفًا﴾ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ، وبِضَمِّهِما، جَمْعًا: ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾ أيْ: مَصاعِدَ مِن فِضَّةٍ: ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أيْ: يَرْتَقُونَ: ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا﴾ [الزخرف: ٣٤] أيْ: مِن فِضَّةٍ: ﴿وسُرُرًا﴾ [الزخرف: ٣٤] أيْ: مِن فِضَّةٍ: ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: ولَجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أيْ: زِينَةً مِن ذَهَبٍ وجَواهِرَ فَوْقَ الفِضَّةِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنْ لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى فَضِيلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: وما كَلُّ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي ذُكِرَتْ، مِنَ السُّقُفِ مِنَ الفِضَّةِ، والمَعارِجِ، والأبْوابِ، والسُّرُرِ مِنَ الفِضَّةِ، والزُّخْرُفِ، إلّا مَتاعٌ يَسْتَمْتِعُ بِهِ أهْلُ الدُّنْيا في الدُّنْيا: ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: وزَيَّنَ الدّارَ (p-٥٢٧١)الآخِرَةَ، وبَهاؤُها عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ، أيِ: الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّهَ فَخافُوا عِقابَهُ، فَجَدُّوا في طاعَتِهِ وحَذِرُوا مَعاصِيَهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ. قالَ المَهايِمِيُّ: يَعْنِي لا خُصُوصِيَّةَ في ذَلِكَ المَتاعِ، بِحَيْثُ يَدُلُّ عَدَمُهُ عَلى عَدَمِ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَدَمُهُ عَلى عَدَمِ النُّبُوَّةِ، التَّقْوى. فالنُّبُوَّةُ إنَّما تَكُونُ لِمَن كَمُلَ تَقْواهُ، سَواءٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمْ لا، وإنَّما كانَتِ الزِّينَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ أحَقَّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّها تُثِيرُ ظَلَمَةَ الأهْوِيَةِ المانِعَةِ مِن رُؤْيَةِ الحَقِّ، بِحَيْثُ يَصِيرُ صاحِبُها أعْشى. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ مَعْنى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى تَقْدِيرِ: (لَوْلا كَراهَةُ ذَلِكَ). وإنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اجْتِماعُهم عَلى أمْرٍ واحِدٍ وهو الكُفْرُ، أيْ: أنَّ كَراهَةَ الِاجْتِماعِ عَلى الكُفْرِ هي المانِعَةُ مِن تَمْتِيعِ الكافِرِ بِها عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ- هو ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. فَوَرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَ لَمْ يُوَسِّعْ عَلى الكافِرِينَ لِلْفِتْنَةِ الَّتِي كانَ يُؤَدِّي إلَيْها التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مِن إطْباقِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ لِحُبِّهِمُ الدُّنْيا وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها، فَهَلّا وسَّعَ عَلى المُسْلِمِينَ لِيُطْبِقَ النّاسُ عَلى الإسْلامِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ مَفْسَدَةٌ أيْضًا؛ لِما تُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ لِأجْلِ الدُّنْيا. والدُّخُولُ في الدِّينِ لِأجْلِ الدُّنْيا مِن دِينِ المُنافِقِينَ فَكانَتِ الحِكْمَةُ فِيما دَبَّرَ؛ حَيْثُ جَعَلَ في الفَرِيقَيْنِ أغْنِياءَ وفُقَراءَ، وغَلَبَ الفَقْرُ عَلى الغِنى، هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وعِنْدِي أنْ لا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ الكَراهَةِ، وأنَّ مَعْنى الآيَةِ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا لِيَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، لِلتَّرافُدِ، والتَّعاوُنِ، والتَّضامِّ، وما بِهِ قِوامُ حَياتِهِمْ كالجِسْمِ الواحِدِ، لَجَعَلْنا لِلنّاسِ ما ذُكِرَ مِنَ الزَّيْنِ والحُلِيِّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْحِكْمَةِ ومُخَرِّبٌ لِنِظامِ الوُجُودِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النّاسِ بِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، رِعايَةً لِلْأكْثَرِ وهُمُ الكُفّارُ؛ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ طَبَّقُوا ظَهْرَ الأرْضِ، ومَلَئُوا وجْهَها، وحَطًّا لِقَدْرِ الدُّنْيا وتَصْغِيرًا لِشَأْنِها، بِأنْ تُؤْتى لِمَن هو الأدْنى مَنزِلَةً، والأخَسِّ قَدْرًا.
وخُلاصَةُ المَعْنى: أنَّ خَلْقَهم (p-٥٢٧٢)أُمَّةً واحِدَةً مَدَنِيِّينَ بِالطَّبْعِ، مانِعٌ مِن بَسْطِ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ. وهَذا هو مَعْنى (لَوْلا) المُطَّرِدُ، أنَّ ما بَعْدَها أبَدًا مانِعٌ مِن جَوابِها؛ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: (حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ).
فَلَيْسَ المَعْنى عَلى ما ذَكَرُوهُ أبَدًا كَما يَظْهَرُ واضِحًا لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ. وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ هَذِهِ تَتِمَّةٌ لِما قَبْلَها، في جَوابِ أُولَئِكَ الظّانِّينَ، أنَّ العَظَمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ تَسْتَتْبِعُ النُّبُوَّةَ.
فَبَيَّنَ تَعالى حِكْمَتَهُ في تَفاوُتِ الخَلْقِ في الآيَةِ الأُولى، وهي التَّسْخِيرُ. وفي الثّانِيَةِ حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ، وأنَّهُ لَوْلا التَّسْخِيرُ لَآتاها أحَطَّ الخَلْقِ وأبْعَدِهِمْ مِنهُ، مُبالَغَةً في الإعْلامِ بِضِعَتِها، وهَذا مِصْداقُ ما ورَدَ مِن أنَّ الدُّنْيا لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ ما عِنْدَهُ خَيْرٌ وأبْقى.
الزخرف 43:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] .
﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُتَّفِقَةً عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ أيْ: لَوْلا كَراهَةُ ذَلِكَ: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ أيْ: لِتَكْثِيرِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، مَعَ كُفْرِهِ بِالمُنْعِمِ فَيَزْدادُ عَذابًا: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن: { لِمَن ﴿سُقُفًا﴾ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ، وبِضَمِّهِما، جَمْعًا: ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾ أيْ: مَصاعِدَ مِن فِضَّةٍ: ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أيْ: يَرْتَقُونَ: ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا﴾ [الزخرف: ٣٤] أيْ: مِن فِضَّةٍ: ﴿وسُرُرًا﴾ [الزخرف: ٣٤] أيْ: مِن فِضَّةٍ: ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: ولَجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أيْ: زِينَةً مِن ذَهَبٍ وجَواهِرَ فَوْقَ الفِضَّةِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنْ لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى فَضِيلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: وما كَلُّ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي ذُكِرَتْ، مِنَ السُّقُفِ مِنَ الفِضَّةِ، والمَعارِجِ، والأبْوابِ، والسُّرُرِ مِنَ الفِضَّةِ، والزُّخْرُفِ، إلّا مَتاعٌ يَسْتَمْتِعُ بِهِ أهْلُ الدُّنْيا في الدُّنْيا: ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: وزَيَّنَ الدّارَ (p-٥٢٧١)الآخِرَةَ، وبَهاؤُها عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ، أيِ: الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّهَ فَخافُوا عِقابَهُ، فَجَدُّوا في طاعَتِهِ وحَذِرُوا مَعاصِيَهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ. قالَ المَهايِمِيُّ: يَعْنِي لا خُصُوصِيَّةَ في ذَلِكَ المَتاعِ، بِحَيْثُ يَدُلُّ عَدَمُهُ عَلى عَدَمِ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَدَمُهُ عَلى عَدَمِ النُّبُوَّةِ، التَّقْوى. فالنُّبُوَّةُ إنَّما تَكُونُ لِمَن كَمُلَ تَقْواهُ، سَواءٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمْ لا، وإنَّما كانَتِ الزِّينَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ أحَقَّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّها تُثِيرُ ظَلَمَةَ الأهْوِيَةِ المانِعَةِ مِن رُؤْيَةِ الحَقِّ، بِحَيْثُ يَصِيرُ صاحِبُها أعْشى. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ مَعْنى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى تَقْدِيرِ: (لَوْلا كَراهَةُ ذَلِكَ). وإنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اجْتِماعُهم عَلى أمْرٍ واحِدٍ وهو الكُفْرُ، أيْ: أنَّ كَراهَةَ الِاجْتِماعِ عَلى الكُفْرِ هي المانِعَةُ مِن تَمْتِيعِ الكافِرِ بِها عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ- هو ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. فَوَرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَ لَمْ يُوَسِّعْ عَلى الكافِرِينَ لِلْفِتْنَةِ الَّتِي كانَ يُؤَدِّي إلَيْها التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مِن إطْباقِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ لِحُبِّهِمُ الدُّنْيا وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها، فَهَلّا وسَّعَ عَلى المُسْلِمِينَ لِيُطْبِقَ النّاسُ عَلى الإسْلامِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ مَفْسَدَةٌ أيْضًا؛ لِما تُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ لِأجْلِ الدُّنْيا. والدُّخُولُ في الدِّينِ لِأجْلِ الدُّنْيا مِن دِينِ المُنافِقِينَ فَكانَتِ الحِكْمَةُ فِيما دَبَّرَ؛ حَيْثُ جَعَلَ في الفَرِيقَيْنِ أغْنِياءَ وفُقَراءَ، وغَلَبَ الفَقْرُ عَلى الغِنى، هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وعِنْدِي أنْ لا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ الكَراهَةِ، وأنَّ مَعْنى الآيَةِ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا لِيَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، لِلتَّرافُدِ، والتَّعاوُنِ، والتَّضامِّ، وما بِهِ قِوامُ حَياتِهِمْ كالجِسْمِ الواحِدِ، لَجَعَلْنا لِلنّاسِ ما ذُكِرَ مِنَ الزَّيْنِ والحُلِيِّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْحِكْمَةِ ومُخَرِّبٌ لِنِظامِ الوُجُودِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النّاسِ بِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، رِعايَةً لِلْأكْثَرِ وهُمُ الكُفّارُ؛ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ طَبَّقُوا ظَهْرَ الأرْضِ، ومَلَئُوا وجْهَها، وحَطًّا لِقَدْرِ الدُّنْيا وتَصْغِيرًا لِشَأْنِها، بِأنْ تُؤْتى لِمَن هو الأدْنى مَنزِلَةً، والأخَسِّ قَدْرًا.
وخُلاصَةُ المَعْنى: أنَّ خَلْقَهم (p-٥٢٧٢)أُمَّةً واحِدَةً مَدَنِيِّينَ بِالطَّبْعِ، مانِعٌ مِن بَسْطِ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ. وهَذا هو مَعْنى (لَوْلا) المُطَّرِدُ، أنَّ ما بَعْدَها أبَدًا مانِعٌ مِن جَوابِها؛ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: (حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ).
فَلَيْسَ المَعْنى عَلى ما ذَكَرُوهُ أبَدًا كَما يَظْهَرُ واضِحًا لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ. وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ هَذِهِ تَتِمَّةٌ لِما قَبْلَها، في جَوابِ أُولَئِكَ الظّانِّينَ، أنَّ العَظَمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ تَسْتَتْبِعُ النُّبُوَّةَ.
فَبَيَّنَ تَعالى حِكْمَتَهُ في تَفاوُتِ الخَلْقِ في الآيَةِ الأُولى، وهي التَّسْخِيرُ. وفي الثّانِيَةِ حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ، وأنَّهُ لَوْلا التَّسْخِيرُ لَآتاها أحَطَّ الخَلْقِ وأبْعَدِهِمْ مِنهُ، مُبالَغَةً في الإعْلامِ بِضِعَتِها، وهَذا مِصْداقُ ما ورَدَ مِن أنَّ الدُّنْيا لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ ما عِنْدَهُ خَيْرٌ وأبْقى.
الزخرف 43:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] .
﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُتَّفِقَةً عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ أيْ: لَوْلا كَراهَةُ ذَلِكَ: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ أيْ: لِتَكْثِيرِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، مَعَ كُفْرِهِ بِالمُنْعِمِ فَيَزْدادُ عَذابًا: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن: { لِمَن ﴿سُقُفًا﴾ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ، وبِضَمِّهِما، جَمْعًا: ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾ أيْ: مَصاعِدَ مِن فِضَّةٍ: ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أيْ: يَرْتَقُونَ: ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا﴾ [الزخرف: ٣٤] أيْ: مِن فِضَّةٍ: ﴿وسُرُرًا﴾ [الزخرف: ٣٤] أيْ: مِن فِضَّةٍ: ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: ولَجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أيْ: زِينَةً مِن ذَهَبٍ وجَواهِرَ فَوْقَ الفِضَّةِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنْ لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى فَضِيلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: وما كَلُّ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي ذُكِرَتْ، مِنَ السُّقُفِ مِنَ الفِضَّةِ، والمَعارِجِ، والأبْوابِ، والسُّرُرِ مِنَ الفِضَّةِ، والزُّخْرُفِ، إلّا مَتاعٌ يَسْتَمْتِعُ بِهِ أهْلُ الدُّنْيا في الدُّنْيا: ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: وزَيَّنَ الدّارَ (p-٥٢٧١)الآخِرَةَ، وبَهاؤُها عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ، أيِ: الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّهَ فَخافُوا عِقابَهُ، فَجَدُّوا في طاعَتِهِ وحَذِرُوا مَعاصِيَهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ. قالَ المَهايِمِيُّ: يَعْنِي لا خُصُوصِيَّةَ في ذَلِكَ المَتاعِ، بِحَيْثُ يَدُلُّ عَدَمُهُ عَلى عَدَمِ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَدَمُهُ عَلى عَدَمِ النُّبُوَّةِ، التَّقْوى. فالنُّبُوَّةُ إنَّما تَكُونُ لِمَن كَمُلَ تَقْواهُ، سَواءٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمْ لا، وإنَّما كانَتِ الزِّينَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ أحَقَّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّها تُثِيرُ ظَلَمَةَ الأهْوِيَةِ المانِعَةِ مِن رُؤْيَةِ الحَقِّ، بِحَيْثُ يَصِيرُ صاحِبُها أعْشى. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ مَعْنى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى تَقْدِيرِ: (لَوْلا كَراهَةُ ذَلِكَ). وإنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اجْتِماعُهم عَلى أمْرٍ واحِدٍ وهو الكُفْرُ، أيْ: أنَّ كَراهَةَ الِاجْتِماعِ عَلى الكُفْرِ هي المانِعَةُ مِن تَمْتِيعِ الكافِرِ بِها عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ- هو ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. فَوَرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَ لَمْ يُوَسِّعْ عَلى الكافِرِينَ لِلْفِتْنَةِ الَّتِي كانَ يُؤَدِّي إلَيْها التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مِن إطْباقِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ لِحُبِّهِمُ الدُّنْيا وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها، فَهَلّا وسَّعَ عَلى المُسْلِمِينَ لِيُطْبِقَ النّاسُ عَلى الإسْلامِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ مَفْسَدَةٌ أيْضًا؛ لِما تُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ لِأجْلِ الدُّنْيا. والدُّخُولُ في الدِّينِ لِأجْلِ الدُّنْيا مِن دِينِ المُنافِقِينَ فَكانَتِ الحِكْمَةُ فِيما دَبَّرَ؛ حَيْثُ جَعَلَ في الفَرِيقَيْنِ أغْنِياءَ وفُقَراءَ، وغَلَبَ الفَقْرُ عَلى الغِنى، هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وعِنْدِي أنْ لا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ الكَراهَةِ، وأنَّ مَعْنى الآيَةِ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا لِيَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، لِلتَّرافُدِ، والتَّعاوُنِ، والتَّضامِّ، وما بِهِ قِوامُ حَياتِهِمْ كالجِسْمِ الواحِدِ، لَجَعَلْنا لِلنّاسِ ما ذُكِرَ مِنَ الزَّيْنِ والحُلِيِّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْحِكْمَةِ ومُخَرِّبٌ لِنِظامِ الوُجُودِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النّاسِ بِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، رِعايَةً لِلْأكْثَرِ وهُمُ الكُفّارُ؛ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ طَبَّقُوا ظَهْرَ الأرْضِ، ومَلَئُوا وجْهَها، وحَطًّا لِقَدْرِ الدُّنْيا وتَصْغِيرًا لِشَأْنِها، بِأنْ تُؤْتى لِمَن هو الأدْنى مَنزِلَةً، والأخَسِّ قَدْرًا.
وخُلاصَةُ المَعْنى: أنَّ خَلْقَهم (p-٥٢٧٢)أُمَّةً واحِدَةً مَدَنِيِّينَ بِالطَّبْعِ، مانِعٌ مِن بَسْطِ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ. وهَذا هو مَعْنى (لَوْلا) المُطَّرِدُ، أنَّ ما بَعْدَها أبَدًا مانِعٌ مِن جَوابِها؛ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: (حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ).
فَلَيْسَ المَعْنى عَلى ما ذَكَرُوهُ أبَدًا كَما يَظْهَرُ واضِحًا لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ. وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ هَذِهِ تَتِمَّةٌ لِما قَبْلَها، في جَوابِ أُولَئِكَ الظّانِّينَ، أنَّ العَظَمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ تَسْتَتْبِعُ النُّبُوَّةَ.
فَبَيَّنَ تَعالى حِكْمَتَهُ في تَفاوُتِ الخَلْقِ في الآيَةِ الأُولى، وهي التَّسْخِيرُ. وفي الثّانِيَةِ حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ، وأنَّهُ لَوْلا التَّسْخِيرُ لَآتاها أحَطَّ الخَلْقِ وأبْعَدِهِمْ مِنهُ، مُبالَغَةً في الإعْلامِ بِضِعَتِها، وهَذا مِصْداقُ ما ورَدَ مِن أنَّ الدُّنْيا لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ ما عِنْدَهُ خَيْرٌ وأبْقى.
الزخرف 43:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ .
﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ: يُعْرِضْ عَنْهُ، فَلَمْ يَخَفْ سَطْوَتَهُ، ولَمْ يَخْشَ عِقابَهُ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ أيْ: نَجْعَلْ لَهُ شَيْطانًا يُغْوِيهِ، ويُضِلُّهُ عَنِ السَّبِيلِ القَوِيمِ دائِمًا، لِمُقارَنَتِهِ لَهُ.
قالَ القاشانِيُّ: قُرِئَ: (يُعْشُ)، بِضَمِّ الشِّينِ، وفَتْحِها، والفَرْقُ أنَّ عَشا يُسْتَعْمَلُ إذا نَظَرَ نَظَرَ العَشى لِعارِضٍ أوْ مُتَعَمَّدًا، مِن غَيْرِ آفَةٍ في بَصَرِهِ. وعَشِيَ إذا إيفَ بَصَرُهُ. فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: ومَن كانَ لَهُ اسْتِعْدادٌ صافٍ وفِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ لِإدْراكِ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ، أيِ: القُرْآنَ النّازِلَ مِن عِنْدِهِ وفَهِمَ مَعْناهُ. وعَلِمَ كَوْنَهُ حَقًّا، فَتَعامى عَنْهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ وبَغْيٍ وحَسَدٍ، أوْ لَمْ يَفْهَمْهُ ولَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ، لِاحْتِجابِهِ بِالغَواشِي الطَّبِيعِيَّةِ، واشْتِغالِهِ بِاللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ عَنْهُ، أوْ لِاغْتِرازِهِ بِدِينِهِ وما هو عَلَيْهِ مِنَ اعْتِقادِهِ، ومَذْهَبِهِ الباطِلِ.
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ جِنِّيًّا فَيُغْوِيهِ بِالتَّسْوِيلِ والتَّزْيِينِ لِما انْهَمَكَ فِيهِ مِنَ اللَّذّاتِ، وحَرَصَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّخارِفِ، أوْ بِالشُّبَهِ والأباطِيلِ المُغْوِيَةِ لِما اعْتَكَفَ عَلَيْهِ بِهَواهُ مِن دِينِهِ، أوْ إنْسِيًّا يُغْوِيهِ، ويُشارِكُهُ في أمْرِهِ، ويُجانِسُهُ في طَرِيقِهِ، ويُبْعِدُهُ عَنِ الحَقِّ. وعَلى الثّانِي مَعْناهُ: ومَن إيفَ اسْتِعْدادُهُ في الأصْلِ، وشَقِيَ في الأزَلِ بِمَعْنى القَلْبِ عَنْ إدْراكِ حَقائِقِ الذِّكْرِ، وقَصَرَ عَنْ فَهْمِ مَعْناهُ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ مِن نَفْسِهِ أوْ جِنْسِهِ، يُقارِنُهُ في ضَلالَتِهِ وغَوايَتِهِ. انْتَهى.
الزخرف 43:37
(p-٥٢٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وإنَّ الشَّياطِينَ لِيَصُدُّونِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْشُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، فَيُزَيِّنُونَ لَهُمُ الضَّلالَةَ، ويَكْرَهُونَ لَهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ، والعَمَلَ بِطاعَتِهِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: يَظُنُّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، بِتَزْيِينِ الشَّياطِينِ لَهم ما هم عَلَيْهِ، أنَّهم عَلى الصَّوابِ والهُدى.
الزخرف 43:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ .
﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ أيِ: العاشِي: ﴿قالَ﴾ أيْ: لِشَيْطانِهِ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ بُعْدَ المَشْرِقِ مِنَ المَغْرِبِ. فَغَلَّبَ المَشْرِقَ عَلى المَغْرِبِ، ثُمَّ ثَنّى. وقِيلَ: المُرادُ مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ. والتَّقْدِيرُ مِنَ المَغْرِبَيْنِ، فاخْتَصَرَ.
﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: حَتّى إذا حَضَرَ عِقابُنا اللّازِمُ لِاعْتِقادِهِ وأعْمالِهِ، والعَذابُ المُسْتَحِقُّ لِمَذْهَبِهِ ودِينِهِ، تَمَنّى غايَةَ البُعْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْطانِهِ الَّذِي أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ، وزَيَّنَ لَهُ ما وقَعَ بِسَبَبِهِ في العَذابِ، واسْتَوْحَشَ مِن قَرِينِهِ واسْتَذَمَّهُ، لِعَدَمِ الوَصْلَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، أوِ انْقِطاعِ الأسْبابِ بَيْنَهُما بِفَسادِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ.
الزخرف 43:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ .
﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ التَّمَنِّي وقْتَ حُلُولِ العَذابِ واسْتِحْقاقِ العِقابِ، إذا ثَبَتَ وصَحَّ ظُلْمُكم في الدُّنْيا، وتَبَيَّنَ عاقِبَتُهُ، وكُشِفَ عَنْ حالِهِ؛ لِأنَّكم مُشْتَرِكُونَ في العَذابِ لِاشْتِراكِكم في سَبَبِهِ، (p-٥٢٧٤)أوْ ولَنْ يَنْفَعَكم كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ مَن شِدَّتِهِ وإيلامِهِ؛ أيْ: كَما يَنْفَعُ الواقِعِينَ في أمْرٍ صَعْبٍ، مُعاوَنَتُهم في تَحَمُّلِ أعْبائِهِ.
الزخرف 43:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إنْكارُ تَعْجِيبٍ مِن أنْ يَكُونَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ. وأرادَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ مِنهم إلّا هو وحْدَهُ تَعالى. وقَدْ تَكَرَّرَ في التَّنْزِيلِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالصُّمِّ العُمْيِ الضُّلّالِ؛ لِأنَّهُ لا أجْمَعَ مِن ذَلِكَ لِشَرْحِ حالِهِمْ، ولا أبْلَغَ مِنهُ؛ إذْ سُلِبُوا اسْتِماعَ حُجَجِ اللَّهِ وهُداهُ، كالأصَمِّ، وإبْصارَ آياتِ اللَّهِ والِاعْتِبارَ بِها، كالأعْمى. وقَصْدَ السَّبِيلِ الأمَمِ، كالضّالِّ الحائِرِ.
الزخرف 43:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ .
﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أيْ: نَقْبِضُكَ قَبْلَ أنْ نُظْهِرَكَ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الأُخْرَوِيِّ.
الزخرف 43:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ .
﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] وفي تَعْبِيرِهِ بِالوَعْدِ، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ، إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو الواقِعُ. وهَكَذا كانَ؛ إذْ لَمْ يَفْلِتْ أحَدٌ مِن صَنادِيدِهِمْ، إلّا مَن تَحَصَّنَ بِالإيمانِ.
الزخرف 43:43
(p-٥٢٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي دِينَ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ وهو الإسْلامُ؛ فَإنَّهُ كامِلُ الِاسْتِقامَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. قالَ الشِّهابُ: هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ وأمْرٌ لِأُمَّتِهِ أوْ لَهُ، بِالدَّوامِ عَلى التَّمَسُّكِ. والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. أيْ: إذا كانَ أحَدُ هَذَيْنِ واقِعًا لا مَحالَةَ، فاسْتَمْسِكْ بِهِ.
الزخرف 43:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ .
﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: وإنَّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ لَشَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ مِن قُرَيْشٍ؛ لِما خَصَّهم بِهِ مِن نُزُولِهِ بِلِسانِهِمْ. أوِ المُرادُ بِقَوْمِهِ، أتْباعُهُ؛ أيْ: تَنْوِيهٌ بِقَدْرِكَ وبِقَدْرِ أُمَّتِكَ، لِما أعْطاهُ لَهم بِسَبَبِهِ مِنَ العُلُومِ، والمَزايا، والخَصائِصِ، والشَّرائِعِ المُلائِمَةِ لِسائِرِ الأحْوالِ، والأزْمانِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ المَوْعِظَةُ: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ أيْ: عَمّا عَمِلْتُمْ فِيهِ، مِنَ ائْتِمارِكم بِأوامِرِهِ، وانْتِهائِكم عَنْ نَواهِيهِ.
الزخرف 43:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ .
﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أيْ: هَلْ حَكَمْنا بِعِبادَةِ الأوْثانِ؟ وهَلْ جاءَتْ في مِلَّةٍ مِن مِلَلِهِمْ؟ قالَ القاضِي: والمُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادُ بِإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلى التَّوْحِيدِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدَعٍ ابْتَدَعَهُ، فَيُكَذَّبُ ويُعادى لَهُ. انْتَهى.
(p-٥٢٧٦)والَّذِينَ أُمِرَ بِمَسْألَتِهِمُ الرَّسُولُ ﷺ، هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابَيْنِ: التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ. فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: أُمَمِهِمُ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَجْعَلُ سُؤالَهم بِمَنزِلَةِ سُؤالِ أنْبِيائِهِمْ؛ لِأنَّهم إنَّما يُخْبِرُونَهُ عَنْ كُتُبِ الرُّسُلِ، فَإذا سَألَهم فَكَأنَّهُ سَألَ الأنْبِياءَ.
الزخرف 43:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ أيِ: المُصَدِّقَةِ لَهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ لِيَنْهاهُ عَنِ الِاسْتِعْبادِ: ﴿ومَلَئِهِ﴾ أيْ: لِيَنْهاهم عَنِ التَّعَبُّدِ لَهُ: ﴿فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: فَأبانَ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ تَعالى، وأنْ لَيْسَ لِأحَدٍ سِواهُ اسْتِعْبادٌ، لِأنَّها حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ المُطْلَقَةِ.
الزخرف 43:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ .
﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فَلَمّا أتاهم بِالحُجَجِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ؛ إذا فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَضْحَكُونَ؛ أيْ: كَما أنَّ قَوْمَكَ، مِمّا جِئْتَهم بِهِ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ، يَسْخَرُونَ. وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ، عَمّا كانَ يَلْقى مِن مُشْرِكِي قَوْمِهِ، وإعْلامٌ مِنهُ لَهُ أنَّ قَوْمَهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ، لَنْ يَعْدُوا أنْ يَكُونُوا كَسائِرِ الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا عَلى مِنهاجِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، ونَدْبٌ مِنهُ نَبِيَّهُ ﷺ إلى الِاسْتِنانِ بِهِمْ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ، بِسُنَنِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وإخْبارٌ مِنهُ لَهُ أنَّ عُقْبى مَرَدَّتِهِمْ إلى البَوارِ والهَلاكِ. كَسُنَّتِهِ في المُتَمَرِّدِينَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهُ، وإظْفارِهِ بِهِمْ، وإعْلائِهِ أمْرَهُ. كالَّذِي فُعِلَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْمِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ. مِن إظْهارِهِمْ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. أفادَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
(p-٥٢٧٧)ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ مُوجِبَ الهُزْءِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِعِنادٍ، لا لِقُصُورِها، بِقَوْلِهِ:
الزخرف 43:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨ - ٥٠] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] .
﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أيِ: السّابِقَةِ عَلَيْها: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيِ: الدُّنْيَوِيِّ كالسِّنِينَ، مِمّا يُلْجِئُ إلى الرُّجُوعِ، ولا أقَلَّ مِن رَجائِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] أيْ: مِن أنَّهُ لا يُعَذِّبُ مَن آمَنَ بِكَ لِيَكْشِفَ عَنّا العَذابَ: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] أيْ: بِما تَزْعُمُ أنَّهُ الهِدايَةُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] أيِ: العَهْدَ الَّذِي عاهَدُوا عَلَيْهِ، ويَتَمادَوْنَ في غَيِّهِمْ.
الزخرف 43:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨ - ٥٠] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] .
﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أيِ: السّابِقَةِ عَلَيْها: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيِ: الدُّنْيَوِيِّ كالسِّنِينَ، مِمّا يُلْجِئُ إلى الرُّجُوعِ، ولا أقَلَّ مِن رَجائِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] أيْ: مِن أنَّهُ لا يُعَذِّبُ مَن آمَنَ بِكَ لِيَكْشِفَ عَنّا العَذابَ: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] أيْ: بِما تَزْعُمُ أنَّهُ الهِدايَةُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] أيِ: العَهْدَ الَّذِي عاهَدُوا عَلَيْهِ، ويَتَمادَوْنَ في غَيِّهِمْ.
الزخرف 43:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨ - ٥٠] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] .
﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أيِ: السّابِقَةِ عَلَيْها: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيِ: الدُّنْيَوِيِّ كالسِّنِينَ، مِمّا يُلْجِئُ إلى الرُّجُوعِ، ولا أقَلَّ مِن رَجائِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] أيْ: مِن أنَّهُ لا يُعَذِّبُ مَن آمَنَ بِكَ لِيَكْشِفَ عَنّا العَذابَ: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] أيْ: بِما تَزْعُمُ أنَّهُ الهِدايَةُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] أيِ: العَهْدَ الَّذِي عاهَدُوا عَلَيْهِ، ويَتَمادَوْنَ في غَيِّهِمْ.
الزخرف 43:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٣] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] .
﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي أنْهارَ النِّيلِ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ما أنا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والخَيْرِ، وما فِيهِ مُوسى مِنَ الفَقْرِ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيْ: ضَعِيفٌ لا شَيْءَ لَهُ مِنَ المُلْكِ، (p-٥٢٧٨)والأمْوالِ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيِ: الكَلامَ، لِمُخالَفَةِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ اللُّغَةَ القِبْطِيَّةَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] أيْ: يُعِينُونَهُ ويُصَدِّقُونَهُ.
الزخرف 43:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٣] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] .
﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي أنْهارَ النِّيلِ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ما أنا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والخَيْرِ، وما فِيهِ مُوسى مِنَ الفَقْرِ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيْ: ضَعِيفٌ لا شَيْءَ لَهُ مِنَ المُلْكِ، (p-٥٢٧٨)والأمْوالِ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيِ: الكَلامَ، لِمُخالَفَةِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ اللُّغَةَ القِبْطِيَّةَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] أيْ: يُعِينُونَهُ ويُصَدِّقُونَهُ.
الزخرف 43:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٣] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] .
﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي أنْهارَ النِّيلِ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ما أنا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والخَيْرِ، وما فِيهِ مُوسى مِنَ الفَقْرِ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيْ: ضَعِيفٌ لا شَيْءَ لَهُ مِنَ المُلْكِ، (p-٥٢٧٨)والأمْوالِ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيِ: الكَلامَ، لِمُخالَفَةِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ اللُّغَةَ القِبْطِيَّةَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] أيْ: يُعِينُونَهُ ويُصَدِّقُونَهُ.
الزخرف 43:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤، ٥٥] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] .
﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ أيْ: فاسْتَفَزَّهم بِهَذِهِ المُغالَطاتِ، وحَمَلَهم عَلى أنْ يَخِفُّوا لَهُ ويُصَدِّقُوهُ: ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ: أغْضَبُونا بِطاعَةِ عَدُوِّنا وقَبُولِ مُغالَطاتِهِ بِلا دَلِيلٍ، وتَكْذِيبِ مُوسى وآياتِهِ، ونِدائِهِ بِالسّاحِرِ، ونَكْثِ العُهُودِ: ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] وذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِمْ في بَحْرِ الضَّلالِ، الأجْيالَ الطِّوالَ، وعَدَمِ نَفْعِ العِظَةِ مَعَهم بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
الزخرف 43:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤، ٥٥] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] .
﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ أيْ: فاسْتَفَزَّهم بِهَذِهِ المُغالَطاتِ، وحَمَلَهم عَلى أنْ يَخِفُّوا لَهُ ويُصَدِّقُوهُ: ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ: أغْضَبُونا بِطاعَةِ عَدُوِّنا وقَبُولِ مُغالَطاتِهِ بِلا دَلِيلٍ، وتَكْذِيبِ مُوسى وآياتِهِ، ونِدائِهِ بِالسّاحِرِ، ونَكْثِ العُهُودِ: ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] وذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِمْ في بَحْرِ الضَّلالِ، الأجْيالَ الطِّوالَ، وعَدَمِ نَفْعِ العِظَةِ مَعَهم بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
الزخرف 43:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦، ٥٨] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] .
﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ أيْ: حُجَّةً لِلْهالِكِينَ بَعْدَهُمْ: ﴿ومَثَلا﴾ أيْ: عِبْرَةً: ﴿لِلآخِرِينَ﴾ أيِ: النّاجِينَ: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: في كَوْنِهِ كَآدَمَ، كَما أشارَتْ لَهُ آيَةُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] والمَعْنى: لِما بَيْنَ وصْفِهِ الحَقِّ مِن أنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، عِبادَتُهُ كُفْرُ، ودُعاؤُهُ شِرْكٌ، إذْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: مِن مَثَلِهِ المَضْرُوبِ ووَصْفِهِ المُبَيَّنِ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: يُعْرِضُونَ، ولا يَعُونَ: ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] يَعْنُونَ بِآلِهَتِهِمُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عَبَدُوهُمْ، (p-٥٢٧٩)زَعْمًا مِنهم أنَّهم بَناتُ اللَّهِ تَعالى، كَما ذُكِرَ عَنْهم ذَلِكَ في أوَّلِ السُّورَةِ. أيْ: أنَّهم خَيْرٌ مِن عِيسى وأفْضَلُ؛ لِأنَّهم مِنَ المَلَأِ الأعْلى والنَّوْعِ الأسْمى، فَإذا جازَتْ عِبادَةُ المَفْضُولِ وهو عِيسى، فَبِالأوْلى عِبادَةُ الأفْضَلِ وهُمُ المَلائِكَةُ. كَأنَّهم يُقِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ أُصُولًا صَحِيحَةً، ويَبْنُونَ عَلى تَمَسُّكِهِمْ أقْيِسَةً صَرِيحَةً، وغَفَلُوا، لِجَهْلِهِمْ، عَنْ بُطْلانِ المَقِيسِ والمَقِيسِ عَلَيْهِ، وأنَّ البُرْهانَ الصّادِعَ قامَ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى، وعَلى اسْتِحالَةِ التَّوالُدِ في ذاتِهِ العَلِيَّةِ.
وإذا اتَّضَحَ الهُدى فَما وراءَهُ إلّا الضَّلالُ، والمُشاغَبَةُ بِالجِدالِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾ [الزخرف: ٥٨] أيْ: ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا القَوْلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والخُصُومَةِ، لا عَنِ اعْتِقادٍ، لِظُهُورِ بُطْلانِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] أيْ: شَدِيدُو الخُصُومَةِ بِالباطِلِ تَمْوِيهًا وتَلْبِيسًا. وفي الحَدِيثِ: ««ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ»» وما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، هو الجَلِيُّ الواضِحُ، لِدَلالَةِ السِّياقِ والسِّباقِ فَقابِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما حَكاهُ الغَيْرُ وأنْصِفْ. ثُمَّ جَلّى شَأْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِما يَرْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الزخرف 43:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦، ٥٨] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] .
﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ أيْ: حُجَّةً لِلْهالِكِينَ بَعْدَهُمْ: ﴿ومَثَلا﴾ أيْ: عِبْرَةً: ﴿لِلآخِرِينَ﴾ أيِ: النّاجِينَ: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: في كَوْنِهِ كَآدَمَ، كَما أشارَتْ لَهُ آيَةُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] والمَعْنى: لِما بَيْنَ وصْفِهِ الحَقِّ مِن أنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، عِبادَتُهُ كُفْرُ، ودُعاؤُهُ شِرْكٌ، إذْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: مِن مَثَلِهِ المَضْرُوبِ ووَصْفِهِ المُبَيَّنِ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: يُعْرِضُونَ، ولا يَعُونَ: ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] يَعْنُونَ بِآلِهَتِهِمُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عَبَدُوهُمْ، (p-٥٢٧٩)زَعْمًا مِنهم أنَّهم بَناتُ اللَّهِ تَعالى، كَما ذُكِرَ عَنْهم ذَلِكَ في أوَّلِ السُّورَةِ. أيْ: أنَّهم خَيْرٌ مِن عِيسى وأفْضَلُ؛ لِأنَّهم مِنَ المَلَأِ الأعْلى والنَّوْعِ الأسْمى، فَإذا جازَتْ عِبادَةُ المَفْضُولِ وهو عِيسى، فَبِالأوْلى عِبادَةُ الأفْضَلِ وهُمُ المَلائِكَةُ. كَأنَّهم يُقِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ أُصُولًا صَحِيحَةً، ويَبْنُونَ عَلى تَمَسُّكِهِمْ أقْيِسَةً صَرِيحَةً، وغَفَلُوا، لِجَهْلِهِمْ، عَنْ بُطْلانِ المَقِيسِ والمَقِيسِ عَلَيْهِ، وأنَّ البُرْهانَ الصّادِعَ قامَ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى، وعَلى اسْتِحالَةِ التَّوالُدِ في ذاتِهِ العَلِيَّةِ.
وإذا اتَّضَحَ الهُدى فَما وراءَهُ إلّا الضَّلالُ، والمُشاغَبَةُ بِالجِدالِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾ [الزخرف: ٥٨] أيْ: ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا القَوْلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والخُصُومَةِ، لا عَنِ اعْتِقادٍ، لِظُهُورِ بُطْلانِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] أيْ: شَدِيدُو الخُصُومَةِ بِالباطِلِ تَمْوِيهًا وتَلْبِيسًا. وفي الحَدِيثِ: ««ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ»» وما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، هو الجَلِيُّ الواضِحُ، لِدَلالَةِ السِّياقِ والسِّباقِ فَقابِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما حَكاهُ الغَيْرُ وأنْصِفْ. ثُمَّ جَلّى شَأْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِما يَرْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الزخرف 43:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦، ٥٨] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] .
﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ أيْ: حُجَّةً لِلْهالِكِينَ بَعْدَهُمْ: ﴿ومَثَلا﴾ أيْ: عِبْرَةً: ﴿لِلآخِرِينَ﴾ أيِ: النّاجِينَ: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: في كَوْنِهِ كَآدَمَ، كَما أشارَتْ لَهُ آيَةُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] والمَعْنى: لِما بَيْنَ وصْفِهِ الحَقِّ مِن أنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، عِبادَتُهُ كُفْرُ، ودُعاؤُهُ شِرْكٌ، إذْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: مِن مَثَلِهِ المَضْرُوبِ ووَصْفِهِ المُبَيَّنِ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: يُعْرِضُونَ، ولا يَعُونَ: ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] يَعْنُونَ بِآلِهَتِهِمُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عَبَدُوهُمْ، (p-٥٢٧٩)زَعْمًا مِنهم أنَّهم بَناتُ اللَّهِ تَعالى، كَما ذُكِرَ عَنْهم ذَلِكَ في أوَّلِ السُّورَةِ. أيْ: أنَّهم خَيْرٌ مِن عِيسى وأفْضَلُ؛ لِأنَّهم مِنَ المَلَأِ الأعْلى والنَّوْعِ الأسْمى، فَإذا جازَتْ عِبادَةُ المَفْضُولِ وهو عِيسى، فَبِالأوْلى عِبادَةُ الأفْضَلِ وهُمُ المَلائِكَةُ. كَأنَّهم يُقِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ أُصُولًا صَحِيحَةً، ويَبْنُونَ عَلى تَمَسُّكِهِمْ أقْيِسَةً صَرِيحَةً، وغَفَلُوا، لِجَهْلِهِمْ، عَنْ بُطْلانِ المَقِيسِ والمَقِيسِ عَلَيْهِ، وأنَّ البُرْهانَ الصّادِعَ قامَ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى، وعَلى اسْتِحالَةِ التَّوالُدِ في ذاتِهِ العَلِيَّةِ.
وإذا اتَّضَحَ الهُدى فَما وراءَهُ إلّا الضَّلالُ، والمُشاغَبَةُ بِالجِدالِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾ [الزخرف: ٥٨] أيْ: ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا القَوْلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والخُصُومَةِ، لا عَنِ اعْتِقادٍ، لِظُهُورِ بُطْلانِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] أيْ: شَدِيدُو الخُصُومَةِ بِالباطِلِ تَمْوِيهًا وتَلْبِيسًا. وفي الحَدِيثِ: ««ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ»» وما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، هو الجَلِيُّ الواضِحُ، لِدَلالَةِ السِّياقِ والسِّباقِ فَقابِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما حَكاهُ الغَيْرُ وأنْصِفْ. ثُمَّ جَلّى شَأْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِما يَرْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الزخرف 43:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩] ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ: ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ، بِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ، مِمّا أيَّدَ نَبُّوتَهُ، ورِسالَتَهُ، وصَدَّقَ دَعْواهُ.
الزخرف 43:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ .
﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ أيْ: بَدَلَكُمْ: ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أيْ: يَكُونُونَ مَكانَكم. إيعادٌ لَهم بِأنَّهم في قَبْضَةِ المَشِيئَةِ في إهْلاكِهِمْ، وإبْدالِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.
(p-٥٢٨٠)كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقِيلَ مَعْنى: ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم مَلائِكَةً، كَما ولَّدْنا عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ، لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ. واللَّفْظُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُهُ، إلّا أنَّ الأظْهَرَ هو الأوَّلُ، لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ التَّنْزِيلِ، مِن خَواتِمِ أمْثالِ ما تَقَدَّمَ، بِنَظائِرِ هَذا الوَعِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الزخرف 43:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١، ٦٢] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢]
﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْقُرْآنِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ، أيْ: وإنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يَعْلَمُ بِالسّاعَةِ ويُخْبِرُ عَنْها وعَنْ أهْوالِها، وفي جَعْلِهِ عَيْنَ العِلْمِ، مُبالَغَةٌ. والعِلْمُ بِمَعْنى العَلامَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: إنَّ ظُهُورَهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ. ونُزُولَهُ إلى الأرْضِ في آخِرِ الزَّمانِ دَلِيلٌ عَلى فَناءِ الدُّنْيا. وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ أنَّ عِيسى سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِها. فَإنَّهُ هو ومُعْجِزاتُهُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ. فالآيَةُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَلاقَتُهُ المُسَبَّبِيَّةُ؛ إذْ أطْلَقَ المُسَبِّبَ وهو العِلْمُ، وأرادَ السَّبَبَ وهو عِيسى ومُعْجِزاتُهُ. كَقَوْلِكَ: (أمْطَرَتِ السَّماءُ نَباتًا)؛ أيْ: مَطَرًا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ النَّباتُ.
وقُرِئَ: "وإنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسّاعَةِ" بِفَتْحَتَيْنِ. أيْ: أنَّهُ كالجَبَلِ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ ونَحْوِهِ؛ فَبِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُهْتَدى إلى طَرِيقَةِ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى إمْكانِ السّاعَةِ وكَيْفِيَّةِ حُصُولِها. انْتَهى. وهو جَيِّدٌ.
﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ﴾ أيِ: اتَّبِعُوا هُدايَ، أوْ شَرْعِي، أوْ رَسُولِي، أوْ هو أمْرٌ لِلرَّسُولِ أنْ يَقُولَهُ. ﴿هَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ، أوْ ما أدْعُوكم إلَيْهِ: ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الزخرف: ٦٢] أيْ: عَنِ الِاتِّباعِ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢]
الزخرف 43:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١، ٦٢] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢]
﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْقُرْآنِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ، أيْ: وإنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يَعْلَمُ بِالسّاعَةِ ويُخْبِرُ عَنْها وعَنْ أهْوالِها، وفي جَعْلِهِ عَيْنَ العِلْمِ، مُبالَغَةٌ. والعِلْمُ بِمَعْنى العَلامَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: إنَّ ظُهُورَهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ. ونُزُولَهُ إلى الأرْضِ في آخِرِ الزَّمانِ دَلِيلٌ عَلى فَناءِ الدُّنْيا. وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ أنَّ عِيسى سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِها. فَإنَّهُ هو ومُعْجِزاتُهُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ. فالآيَةُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَلاقَتُهُ المُسَبَّبِيَّةُ؛ إذْ أطْلَقَ المُسَبِّبَ وهو العِلْمُ، وأرادَ السَّبَبَ وهو عِيسى ومُعْجِزاتُهُ. كَقَوْلِكَ: (أمْطَرَتِ السَّماءُ نَباتًا)؛ أيْ: مَطَرًا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ النَّباتُ.
وقُرِئَ: "وإنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسّاعَةِ" بِفَتْحَتَيْنِ. أيْ: أنَّهُ كالجَبَلِ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ ونَحْوِهِ؛ فَبِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُهْتَدى إلى طَرِيقَةِ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى إمْكانِ السّاعَةِ وكَيْفِيَّةِ حُصُولِها. انْتَهى. وهو جَيِّدٌ.
﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ﴾ أيِ: اتَّبِعُوا هُدايَ، أوْ شَرْعِي، أوْ رَسُولِي، أوْ هو أمْرٌ لِلرَّسُولِ أنْ يَقُولَهُ. ﴿هَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ، أوْ ما أدْعُوكم إلَيْهِ: ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الزخرف: ٦٢] أيْ: عَنِ الِاتِّباعِ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢]
الزخرف 43:63
(p-٥٢٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣، ٦٤] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] .
﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أيْ: مِن أحْكامِ التَّوْراةِ وغَيْرِها. كاخْتِلافِ اليَهُودِ في القِيامَةِ، لِعَدَمِ صَراحَتِها في كُتُبِهِمْ. وقَدْ جاءَ في نَحْوِها آيَةُ: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] وقَدْ وضَعَ عَنِ اليَهُودِ شَيْئًا مِن إصْرِ التَّوْراةِ، وأغْلالِ النّامُوسِ، كَما فَعَلَ في يَوْمِ السَّبْتِ، خَفَّفَ شِدَّةَ حُكْمِهِ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ولِأُبَيِّنَ لَكم كُلَّ ما تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ. بَلْ تَرَكَ بَيانَ كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، كالفَسادِ الَّذِي دَخَلَ في أغْلَبِ كُتُبِهِمْ لِلْفارْقِلِيطِ (مُحَمَّدٍ ﷺ) - الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، لِعَدَمِ اسْتِعْدادِ النّاسِ في زَمَنِهِ لِقَبُولِ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ. كَما قالَ هو نَفْسُهُ فِي: (إنْجِيلِ يُوحَنّا)، في الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ، وخُصُوصًا إذا تَعَرَّضَ لِلطَّعْنِ في كُتُبِهِمْ، وهي رَأْسُ مالِهِمُ الوَحِيدُ وتُراثُ أجْدادِهِمْ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَشَكَّ فِيهِ الكَثِيرُونَ مِنهم وكَذَّبُوهُ، ولَما اتَّبَعَهُ إلّا الأقَلُّونَ أوِ النّادِرُونَ، فَتَضِيعُ الفائِدَةُ مِن بَعْثَتِهِ الَّتِي بَيَّنّاها في المَتْنِ، وهي الَّتِي بُعِثَ مِن أجْلِها.
وأمّا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى عَنْ لِسانِهِ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [آل عمران: ٥٠] فالمُرادُ بِمِثْلِ هَذا التَّعْبِيرِ، أنَّهُ بِمَجِيئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَقَّقَتْ نُبُوّاتُ التَّوْراةِ عَنْهُ، وبِهِ صَحَّتْ وصَدَقَتْ. وكَلِمَةُ (التَّوْراةِ)، تُطْلَقُ عَلى كِتابِ العَهْدِ القَدِيمِ؛ فالمَعْنى أنَّ مَجِيءَ عِيسى كانَ وفْقَ ما أنْبَأ بِهِ النَّبِيُّونَ عَنْهُ مِن قَبْلُ. ولَوْلاهُ لَما صَدَقَتْ تِلْكَ النُّبُوّاتُ؛ فَإنَّها لا تَنْطَبِقُ إلّا عَلَيْهِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ (p-٥٢٨٢)عِيسى يُقِرُّ كُلَّ ما في التَّوْراةِ، كَما يَتَوَهَّمُ النَّصارى الآنَ مِن مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وإلّا لَما قالَ بَعْدَها مُباشَرَةً: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] فَكَيْفَ يُقِرُّها وهو قَدْ جاءَ ناسِخًا لِبَعْضِ ما فِيها؟ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ ولا تَكُنْ كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَهْرِفُونَ بِما لا يَعْرِفُونَ، ويُفَسِّرُونَ ما لا يَفْهَمُونَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو وجِيهٌ جِدًّا.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ [الزخرف: ٦٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ اللَّهَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ عَلَيْنا إفْرادَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ وإخْلاصَ الطّاعَةِ لَهُ، رَبِّي ورَبُّكم جَمِيعًا. فاعْبُدُوهُ وحْدَهُ لا تُشْرِكُوا مَعَهُ في عِبادَتِهِ شَيْئًا؛ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ ولا يَنْبَغِي أنَّ يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ.
﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] أيْ: هَذا الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ، مِنَ اتِّقاءِ اللَّهِ وطاعَتِي، وإفْرادِ اللَّهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، هو الطَّرِيقُ القَوِيمُ. وإذا كانَ هَذا قَوْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ المُلْحِدِينَ فِيهِ والمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. ثُمَّ أشارَ إلى وعِيدِ مَن خالَفَ الحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
الزخرف 43:64
(p-٥٢٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣، ٦٤] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] .
﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أيْ: مِن أحْكامِ التَّوْراةِ وغَيْرِها. كاخْتِلافِ اليَهُودِ في القِيامَةِ، لِعَدَمِ صَراحَتِها في كُتُبِهِمْ. وقَدْ جاءَ في نَحْوِها آيَةُ: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] وقَدْ وضَعَ عَنِ اليَهُودِ شَيْئًا مِن إصْرِ التَّوْراةِ، وأغْلالِ النّامُوسِ، كَما فَعَلَ في يَوْمِ السَّبْتِ، خَفَّفَ شِدَّةَ حُكْمِهِ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ولِأُبَيِّنَ لَكم كُلَّ ما تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ. بَلْ تَرَكَ بَيانَ كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، كالفَسادِ الَّذِي دَخَلَ في أغْلَبِ كُتُبِهِمْ لِلْفارْقِلِيطِ (مُحَمَّدٍ ﷺ) - الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، لِعَدَمِ اسْتِعْدادِ النّاسِ في زَمَنِهِ لِقَبُولِ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ. كَما قالَ هو نَفْسُهُ فِي: (إنْجِيلِ يُوحَنّا)، في الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ، وخُصُوصًا إذا تَعَرَّضَ لِلطَّعْنِ في كُتُبِهِمْ، وهي رَأْسُ مالِهِمُ الوَحِيدُ وتُراثُ أجْدادِهِمْ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَشَكَّ فِيهِ الكَثِيرُونَ مِنهم وكَذَّبُوهُ، ولَما اتَّبَعَهُ إلّا الأقَلُّونَ أوِ النّادِرُونَ، فَتَضِيعُ الفائِدَةُ مِن بَعْثَتِهِ الَّتِي بَيَّنّاها في المَتْنِ، وهي الَّتِي بُعِثَ مِن أجْلِها.
وأمّا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى عَنْ لِسانِهِ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [آل عمران: ٥٠] فالمُرادُ بِمِثْلِ هَذا التَّعْبِيرِ، أنَّهُ بِمَجِيئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَقَّقَتْ نُبُوّاتُ التَّوْراةِ عَنْهُ، وبِهِ صَحَّتْ وصَدَقَتْ. وكَلِمَةُ (التَّوْراةِ)، تُطْلَقُ عَلى كِتابِ العَهْدِ القَدِيمِ؛ فالمَعْنى أنَّ مَجِيءَ عِيسى كانَ وفْقَ ما أنْبَأ بِهِ النَّبِيُّونَ عَنْهُ مِن قَبْلُ. ولَوْلاهُ لَما صَدَقَتْ تِلْكَ النُّبُوّاتُ؛ فَإنَّها لا تَنْطَبِقُ إلّا عَلَيْهِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ (p-٥٢٨٢)عِيسى يُقِرُّ كُلَّ ما في التَّوْراةِ، كَما يَتَوَهَّمُ النَّصارى الآنَ مِن مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وإلّا لَما قالَ بَعْدَها مُباشَرَةً: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] فَكَيْفَ يُقِرُّها وهو قَدْ جاءَ ناسِخًا لِبَعْضِ ما فِيها؟ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ ولا تَكُنْ كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَهْرِفُونَ بِما لا يَعْرِفُونَ، ويُفَسِّرُونَ ما لا يَفْهَمُونَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو وجِيهٌ جِدًّا.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ [الزخرف: ٦٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ اللَّهَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ عَلَيْنا إفْرادَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ وإخْلاصَ الطّاعَةِ لَهُ، رَبِّي ورَبُّكم جَمِيعًا. فاعْبُدُوهُ وحْدَهُ لا تُشْرِكُوا مَعَهُ في عِبادَتِهِ شَيْئًا؛ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ ولا يَنْبَغِي أنَّ يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ.
﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] أيْ: هَذا الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ، مِنَ اتِّقاءِ اللَّهِ وطاعَتِي، وإفْرادِ اللَّهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، هو الطَّرِيقُ القَوِيمُ. وإذا كانَ هَذا قَوْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ المُلْحِدِينَ فِيهِ والمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. ثُمَّ أشارَ إلى وعِيدِ مَن خالَفَ الحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
الزخرف 43:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ .
﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ أيِ: الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ اخْتِلافًا نَشَأ: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيْ: لا مِن قَوْلِهِ تَعالى، ولا مِن قَوْلِ عِيسى. بَلْ ظُلْمًا وعِنادًا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: مُؤْلِمٍ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ، وكَثْرَةِ الفَضائِحِ، وظُلْمِهِمْ بِتَرْكِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
الزخرف 43:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦، ٦٧] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .
(p-٥٢٨٣)﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ: ﴿إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيِ: المُتَخالُّونَ عَلى المَعاصِي والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيْ: مُعادٍ، يَتَبَرَّأُ كُلٌّ مِن صاحِبِهِ: ﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيِ: المُتَصادِقِينَ في طاعَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: الخُلَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ خَيْرِيَّةً، أوْ لا. والخَيْرِيَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ في اللَّهِ أوْ لِلَّهِ ومَحَبَّتِهِ. وغَيْرُ الخَيْرِيَّةِ إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُها اللَّذَّةَ النَّفْسانِيَّةَ أوِ النَّفْعَ العَقْلِيَّ.
والقِسْمُ الأوَّلُ هو المَحَبَّةُ الرُّوحانِيَّةُ الذّاتِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَناسُبِ الأرْواحِ في الأزَلِ، الَّتِي قالَ فِيها: ««فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ»» فَهم إذا بَرَزُوا في هَذِهِ النَّشْأةِ، وتَوَجَّهُوا إلى الحَقِّ، وتَجَدَّدُوا عَنْ مَوادِّ الرِّجْسِ، فَلَمّا تَلاقَوْا تَعارَفُوا، وإذا تَعارَفُوا تَحابُّوا، لِتَجانُسِهِمُ الأصْلِيِّ، وتَوافُقِهِمْ في الوُجْهَةِ والطَّرِيقَةِ، وتَشابُهِهِمْ في السِّيرَةِ والغَرِيزَةِ، وتَجَرُّدِهِمْ عَنِ الأغْراضِ الفاسِدَةِ والأعْراضِ الذّاتِيَّةِ، الَّتِي هي سَبَبُ العَداوَةِ.
وانْتَفَعَ كُلٌّ مِنهم بِالآخَرِ في سُلُوكِهِ وعِرْفانِهِ. والتَذَّ بِلِقائِهِ، وتَصَفّى بِصَفائِهِ، وتَعاوَنُوا في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَهي الخُلَّةُ التّامَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي لا تَزُولُ أبَدًا كَمَحَبَّةِ الأنْبِياءِ، والأصْفِياءِ، والأوْلِياءِ، والشُّهَداءِ.
والقِسْمُ الثّانِي هو المَحَبَّةُ القَلْبِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَناسُبِ الأوْصافِ، والأخْلاقِ، والسِّيَرِ الفاضِلَةِ، ونَشْأتُهُ الِاعْتِقاداتُ، والأعْمالُ الصّالِحَةُ. كَمَحَبَّةِ الصُّلَحاءِ والأبْرارِ فِيما بَيْنَهُمْ، ومَحَبَّةِ العُرَفاءِ والأوْلِياءِ إيّاهم. ومَحَبَّةِ الأنْبِياءِ أُمَمَهم.
والقِسْمُ الثّالِثُ هو المَحَبَّةُ النَّفْسانِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، والأعْراضِ الجُزْئِيَّةِ. كَمَحَبَّةِ الأزْواجِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةِ الفُجّارِ والفُسّاقِ المُتَعاوِنِينَ في اكْتِسابِ الشَّهَواتِ، واسْتِلابِ الأمْوالِ.
والقِسْمُ الرّابِعُ هو المَحَبَّةُ العَقْلِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَسْهِيلِ أسْبابِ المَعاشِ، وتَيْسِيرِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَمَحَبَّةِ التُّجّارِ والصُّنّاعِ، ومَحَبَّةِ المُحْسَنِ إلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ. فَكُلُّ ما اسْتَنَدَ إلى غَرَضٍ فانٍ، وسَبَبٍ زائِلٍ، زالَ (p-٥٢٨٤)بِزَوالِهِ، وانْقَلَبَ عِنْدَ فِقْدانِهِ عَداوَةً. لِتَوَقُّعِ كُلٍّ مِنَ المُتَحابِّينَ ما اعْتادَ مِن صاحِبِهِ، مِنَ اللَّذَّةِ المَعْهُودَةِ، والنَّفْعِ المَأْلُوفِ، وامْتِناعِهِ لِزَوالِ سَبَبِهِ، ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ أحَدُ القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ، أطْلَقَ الكَلامَ، وقالَ: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] لِانْقِطاعِ أسْبابِ الوَصْلَةِ بَيْنَهُمْ، وانْتِفاءِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ عَنْهُمْ، وامْتِناعِ حُصُولِ اللَّذَّةِ الحِسِّيَّةِ، والنَّفْعِ الجُسْمانِيِّ، وانْقِلابِهِما حَسَراتٍ وآلامًا وضَرَرًا وخُسْرانًا. قَدْ زالَتِ اللَّذّاتُ والشَّهَواتُ، وبَقِيَتِ العُقُوباتُ والتَّبِعاتُ، فَكُلٌّ يَمْقُتُ صاحِبَهُ ويُبْغِضُهُ؛ لِأنَّهُ يَرى ما بِهِ مِنَ العَذابِ، مِنهُ وبِسَبَبِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى المُتَّقِينَ المُتَناوِلِينَ لِلْقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ لِقِلَّتِهِمْ، كَما لَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ولَعَمْرِي، إنَّ القِسْمَ الأوَّلَ أعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ؛ وهُمُ الكامِلُونَ في التَّقْوى، البالِغُونَ إلى نِهايَتِها، الفائِزُونَ بِجَمِيعِ مَراتِبِها. ويَلِيهِمُ القِسْمُ الثّانِي، وكِلا القِسْمَيْنِ، لِاشْتِراكِهِما في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، وطَلَبِ ثَوابِهِ، واجْتِنابِ سُخْطِهِ، وعِقابِهِ، نَسَبَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ:
الزخرف 43:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦، ٦٧] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .
(p-٥٢٨٣)﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ: ﴿إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيِ: المُتَخالُّونَ عَلى المَعاصِي والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيْ: مُعادٍ، يَتَبَرَّأُ كُلٌّ مِن صاحِبِهِ: ﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيِ: المُتَصادِقِينَ في طاعَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: الخُلَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ خَيْرِيَّةً، أوْ لا. والخَيْرِيَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ في اللَّهِ أوْ لِلَّهِ ومَحَبَّتِهِ. وغَيْرُ الخَيْرِيَّةِ إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُها اللَّذَّةَ النَّفْسانِيَّةَ أوِ النَّفْعَ العَقْلِيَّ.
والقِسْمُ الأوَّلُ هو المَحَبَّةُ الرُّوحانِيَّةُ الذّاتِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَناسُبِ الأرْواحِ في الأزَلِ، الَّتِي قالَ فِيها: ««فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ»» فَهم إذا بَرَزُوا في هَذِهِ النَّشْأةِ، وتَوَجَّهُوا إلى الحَقِّ، وتَجَدَّدُوا عَنْ مَوادِّ الرِّجْسِ، فَلَمّا تَلاقَوْا تَعارَفُوا، وإذا تَعارَفُوا تَحابُّوا، لِتَجانُسِهِمُ الأصْلِيِّ، وتَوافُقِهِمْ في الوُجْهَةِ والطَّرِيقَةِ، وتَشابُهِهِمْ في السِّيرَةِ والغَرِيزَةِ، وتَجَرُّدِهِمْ عَنِ الأغْراضِ الفاسِدَةِ والأعْراضِ الذّاتِيَّةِ، الَّتِي هي سَبَبُ العَداوَةِ.
وانْتَفَعَ كُلٌّ مِنهم بِالآخَرِ في سُلُوكِهِ وعِرْفانِهِ. والتَذَّ بِلِقائِهِ، وتَصَفّى بِصَفائِهِ، وتَعاوَنُوا في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَهي الخُلَّةُ التّامَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي لا تَزُولُ أبَدًا كَمَحَبَّةِ الأنْبِياءِ، والأصْفِياءِ، والأوْلِياءِ، والشُّهَداءِ.
والقِسْمُ الثّانِي هو المَحَبَّةُ القَلْبِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَناسُبِ الأوْصافِ، والأخْلاقِ، والسِّيَرِ الفاضِلَةِ، ونَشْأتُهُ الِاعْتِقاداتُ، والأعْمالُ الصّالِحَةُ. كَمَحَبَّةِ الصُّلَحاءِ والأبْرارِ فِيما بَيْنَهُمْ، ومَحَبَّةِ العُرَفاءِ والأوْلِياءِ إيّاهم. ومَحَبَّةِ الأنْبِياءِ أُمَمَهم.
والقِسْمُ الثّالِثُ هو المَحَبَّةُ النَّفْسانِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، والأعْراضِ الجُزْئِيَّةِ. كَمَحَبَّةِ الأزْواجِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةِ الفُجّارِ والفُسّاقِ المُتَعاوِنِينَ في اكْتِسابِ الشَّهَواتِ، واسْتِلابِ الأمْوالِ.
والقِسْمُ الرّابِعُ هو المَحَبَّةُ العَقْلِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَسْهِيلِ أسْبابِ المَعاشِ، وتَيْسِيرِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَمَحَبَّةِ التُّجّارِ والصُّنّاعِ، ومَحَبَّةِ المُحْسَنِ إلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ. فَكُلُّ ما اسْتَنَدَ إلى غَرَضٍ فانٍ، وسَبَبٍ زائِلٍ، زالَ (p-٥٢٨٤)بِزَوالِهِ، وانْقَلَبَ عِنْدَ فِقْدانِهِ عَداوَةً. لِتَوَقُّعِ كُلٍّ مِنَ المُتَحابِّينَ ما اعْتادَ مِن صاحِبِهِ، مِنَ اللَّذَّةِ المَعْهُودَةِ، والنَّفْعِ المَأْلُوفِ، وامْتِناعِهِ لِزَوالِ سَبَبِهِ، ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ أحَدُ القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ، أطْلَقَ الكَلامَ، وقالَ: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] لِانْقِطاعِ أسْبابِ الوَصْلَةِ بَيْنَهُمْ، وانْتِفاءِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ عَنْهُمْ، وامْتِناعِ حُصُولِ اللَّذَّةِ الحِسِّيَّةِ، والنَّفْعِ الجُسْمانِيِّ، وانْقِلابِهِما حَسَراتٍ وآلامًا وضَرَرًا وخُسْرانًا. قَدْ زالَتِ اللَّذّاتُ والشَّهَواتُ، وبَقِيَتِ العُقُوباتُ والتَّبِعاتُ، فَكُلٌّ يَمْقُتُ صاحِبَهُ ويُبْغِضُهُ؛ لِأنَّهُ يَرى ما بِهِ مِنَ العَذابِ، مِنهُ وبِسَبَبِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى المُتَّقِينَ المُتَناوِلِينَ لِلْقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ لِقِلَّتِهِمْ، كَما لَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ولَعَمْرِي، إنَّ القِسْمَ الأوَّلَ أعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ؛ وهُمُ الكامِلُونَ في التَّقْوى، البالِغُونَ إلى نِهايَتِها، الفائِزُونَ بِجَمِيعِ مَراتِبِها. ويَلِيهِمُ القِسْمُ الثّانِي، وكِلا القِسْمَيْنِ، لِاشْتِراكِهِما في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، وطَلَبِ ثَوابِهِ، واجْتِنابِ سُخْطِهِ، وعِقابِهِ، نَسَبَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ:
الزخرف 43:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ .
﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ: لِأمْنِهِمْ مِنَ العَذابِ: ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أيْ: عَلى فَواتِ لَذّاتِ الدُّنْيا؛ لِكَوْنِهِمْ عَلى ألَذَّ مِنها وأبْهَجَ، وأحْسَنَ حالًا وأجْمَلَ.
الزخرف 43:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: صَدَّقُوا بِكِتابِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وعَمِلُوا بِما جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهُمْ: ﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: أهْلَ خُضُوعٍ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ، وقَبُولٍ مِنهم لِما جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم عَنْ رَبِّهِمْ، عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حُنَفاءَ، لا يَهُودَ، ولا نَصارى، ولا أهْلَ أوْثانٍ.
الزخرف 43:70
(p-٥٢٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ .
﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ أيْ: تُسَرَّوْنَ سُرُورًا يَظْهَرُ حِبارُهُ، أيْ: أثَرُهُ عَلى وُجُوهِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]
الزخرف 43:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١، ٧٢] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] .
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ الصِّحافُ جَمْعُ (صَفْحَةٍ)، وهي آنِيَةُ الأكْلِ. والأكْوابُ جَمْعُ (كُوبٍ)، وهو ما يُشْرَبُ مِنهُ كالكُوزِ، إلّا أنَّ الكُوبَ ما لا عُرْوَةَ لَهُ. قالَ الشِّهابُ: العُرْوَةُ ما يُمْسَكُ مِنهُ ويُسَمّى أُذُنًا. ولِذا قالَ مَن ألْغَزَ فِيهِ:
؎وذِي أُذُنٍ بِلا سَمْعٍ لَهُ قَلْبٌ بِلا قَلْبِ
؎إذا اسْتَوْلى عَلى صَبٍّ ∗∗∗ فَقُلْ ما شِئْتَ في الصَّبِّ
ومِنَ اللَّطائِفِ هُنا ما قِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَتْ أوانِي المَأْكُولاتِ أكْثَرَ بِالنِّسْبَةِ لِأوانِي المَشْرُوبِ عادَةً، جَمَعَ الأوَّلَ جَمْعَ كَثْرَةٍ، والثّانِيَ جَمْعَ قِلَّةٍ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ أيْ: بِمُشاهَدَتِهِ: ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] أيْ: مِنَ الخَيْراتِ، والأعْمالِ الصّالِحاتِ. وقَدْ شَبَّهَ ما اسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها الباقِي لَهُمْ، بِما يُخَلِّفُهُ المَرْءُ لِوُرّاثِهِ مِنَ الأمْلاكِ والأرْزاقِ. ويَلْزَمُهُ تَشْبِيهُ العَمَلِ نَفْسِهِ بِالمُورِثِ، (عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ)، فَهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ.
الزخرف 43:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١، ٧٢] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] .
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ الصِّحافُ جَمْعُ (صَفْحَةٍ)، وهي آنِيَةُ الأكْلِ. والأكْوابُ جَمْعُ (كُوبٍ)، وهو ما يُشْرَبُ مِنهُ كالكُوزِ، إلّا أنَّ الكُوبَ ما لا عُرْوَةَ لَهُ. قالَ الشِّهابُ: العُرْوَةُ ما يُمْسَكُ مِنهُ ويُسَمّى أُذُنًا. ولِذا قالَ مَن ألْغَزَ فِيهِ:
؎وذِي أُذُنٍ بِلا سَمْعٍ لَهُ قَلْبٌ بِلا قَلْبِ
؎إذا اسْتَوْلى عَلى صَبٍّ ∗∗∗ فَقُلْ ما شِئْتَ في الصَّبِّ
ومِنَ اللَّطائِفِ هُنا ما قِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَتْ أوانِي المَأْكُولاتِ أكْثَرَ بِالنِّسْبَةِ لِأوانِي المَشْرُوبِ عادَةً، جَمَعَ الأوَّلَ جَمْعَ كَثْرَةٍ، والثّانِيَ جَمْعَ قِلَّةٍ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ أيْ: بِمُشاهَدَتِهِ: ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] أيْ: مِنَ الخَيْراتِ، والأعْمالِ الصّالِحاتِ. وقَدْ شَبَّهَ ما اسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها الباقِي لَهُمْ، بِما يُخَلِّفُهُ المَرْءُ لِوُرّاثِهِ مِنَ الأمْلاكِ والأرْزاقِ. ويَلْزَمُهُ تَشْبِيهُ العَمَلِ نَفْسِهِ بِالمُورِثِ، (عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ)، فَهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ.
الزخرف 43:73
(p-٥٢٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ .
﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: ما اشْتَهَيْتُمْ، و(مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، ورُجِّحَ بِدَلالَتِهِ عَلى كَثْرَةِ النِّعَمِ، وأنَّها غَيْرُ مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ، وأنَّها مُزَيَّنَةٌ بِالثِّمارِ أبَدًا، مُوقَرَةٌ بِها.
الزخرف 43:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤، ٧٥] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] .
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ، والمَعاصِيَ في الدُّنْيا: ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيْ: لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيْ: مُسْتَسْلِمُونَ يائِسُونَ.
الزخرف 43:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤، ٧٥] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] .
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ، والمَعاصِيَ في الدُّنْيا: ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيْ: لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيْ: مُسْتَسْلِمُونَ يائِسُونَ.
الزخرف 43:76
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ .
﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: بِهَذا العَذابِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِكُفْرِهِمُ اللَّهَ، وجُحُودِهِمْ تَوْحِيدَهُ.
الزخرف 43:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧، ٧٨] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] .
﴿ونادَوْا﴾ أيْ: بَعْدَ إدْخالِهِمْ جَهَنَّمَ: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا. أيْ: سَلْهُ أنْ يَفْعَلَ بِنا ذَلِكَ. تُمَنَّوْا تَعَطُّلَ الحَواسِّ وعَدَمَ الإحْساسِ، لِشِدَّةِ التَّألُّمِ بِالعَذابِ الجُسْمانِيِّ (p-٥٢٨٧)﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ أيْ: لابِثُونَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] أيْ: لا تَقْبَلُونَهُ وتَنْفِرُونَ مِنهُ، وعَبَّرَ (بِالأكْثَرِ)؛ لِأنَّ مِنَ الأتْباعِ مَن يَكْفُرُ تَقْلِيدًا.
لَطِيفَةٌ:
قالَ القاشانِيُّ: سُمِّيَ خازِنُ النّارِ (مالِكًا) لِاخْتِصاصِهِ بِمَن مَلَكَ الدُّنْيا وآثَرَها. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ [النازعات: ٣٧] ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النازعات: ٣٨] ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] كَما سُمِّيَ خازِنُ الجَنَّةِ (رِضْوانًا) لِاخْتِصاصِهِ بِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ورَضُوا عَنْهُ.
الزخرف 43:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧، ٧٨] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] .
﴿ونادَوْا﴾ أيْ: بَعْدَ إدْخالِهِمْ جَهَنَّمَ: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا. أيْ: سَلْهُ أنْ يَفْعَلَ بِنا ذَلِكَ. تُمَنَّوْا تَعَطُّلَ الحَواسِّ وعَدَمَ الإحْساسِ، لِشِدَّةِ التَّألُّمِ بِالعَذابِ الجُسْمانِيِّ (p-٥٢٨٧)﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ أيْ: لابِثُونَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] أيْ: لا تَقْبَلُونَهُ وتَنْفِرُونَ مِنهُ، وعَبَّرَ (بِالأكْثَرِ)؛ لِأنَّ مِنَ الأتْباعِ مَن يَكْفُرُ تَقْلِيدًا.
لَطِيفَةٌ:
قالَ القاشانِيُّ: سُمِّيَ خازِنُ النّارِ (مالِكًا) لِاخْتِصاصِهِ بِمَن مَلَكَ الدُّنْيا وآثَرَها. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ [النازعات: ٣٧] ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النازعات: ٣٨] ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] كَما سُمِّيَ خازِنُ الجَنَّةِ (رِضْوانًا) لِاخْتِصاصِهِ بِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ورَضُوا عَنْهُ.
الزخرف 43:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ .
﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ أيْ: أمْ أبْرَمَ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا فَأحْكَمُوهُ، يَكِيدُونَ بِهِ الحَقَّ الَّذِي جاءَهُمْ، فَإنّا مُحْكِمُونَ لَهم ما يُخْزِيهِمْ ويُذِلُّهُمْ، مِنَ النَّكالِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]
الزخرف 43:80
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٠] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ .
﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ: ما أخْفَوْهُ مِن تَناجِيهِمْ بِما يَمْكُرُونَ، فَلا نُجازِيهِمْ عَلَيْهِ لِخَفائِهِ عَلَيْنا: ﴿بَلى﴾ أيْ: نَسْمَعُهُما ونَطَّلِعُ عَلَيْهِما: ﴿ورُسُلُنا﴾ يَعْنِي الحَفَظَةَ: ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أيْ: ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَفَظُوا مِن قَوْلٍ، ثُمَّ أشارَ إلى رَدِّ إفْكِهِمْ في أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، خَتْمًا لِلسُّورَةِ مِمّا بُدِئَتْ بِهِ، المُسَمّى عِنْدَ البَدِيعِيِّينَ: (رَدَّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ). فَقالَ سُبْحانَهُ:
الزخرف 43:81
(p-٥٢٨٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨١] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ .
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ: لِذَلِكَ الوَلَدِ. والأوَّلِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ، لا لِمَن تَقَدَّمَهم. قالَ الشِّهابُ: ولَوْ أُبْقِيَ عَلى إطْلاقِهِ، عَلى أنَّ المُرادَ إظْهارُ الرَّغْبَةِ والمُسارَعَةِ، جازَ. انْتَهى.
الزخرف 43:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٢] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .
﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ عَلى نَفْيِ التّالِي. وهو عِبادَةُ الوَلَدِ؛ أيْ: أُوَحِّدُهُ وأُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا يَصِفُونَهُ مَن كَوْنِهِ مُماثِلًا لِشَيْءٍ، لِكَوْنِهِ رَبًّا خالِقًا لِلْأجْسامِ كُلِّها، فَلا يَكُونُ مِن جِنْسِها، فَيُفِيدُ انْتِقاءُ الوَلَدِ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ. وأمّا دَلالَتُهُ عَلى الثّانِي، فَإذا جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ﴾ إلَخْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا مِن كَلامِ الرَّسُولِ؛ أيْ: (نَزِّهْ رَبَّ السَّماواتِ عَمّا يَصِفُونَهُ)، فَيَكُونُ نَفْيًا لِلْمُتَقَدِّمِ ويَكُونُ تَعْلِيقُ عِبادَةِ الرَّسُولِ مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، والمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَحْوى بِدَلالَةِ المَفْهُومِ، أبْلَغُ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ مِن دَلالَةِ المَنطُوقِ. كَما قالَ في اسْتِبْعادِ الرُّؤْيَةِ: ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] انْتَهى.
الزخرف 43:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا﴾ أيْ: في باطِلِهِمْ: ﴿ويَلْعَبُوا﴾ أيْ: في دُنْياهُمْ: ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (p-٥٢٨٩)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ يَوْمُ يُصْلِيهِمُ اللَّهُ بِفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ جَهَنَّمَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
الزخرف 43:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٤] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ .
﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ أيِ: المَعْبُودُ فِيهِما بِلا شَرِيكٍ. ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ أيْ: في تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، وتَسْخِيرِهِمْ لِما يَشاءُ بِمَصالِحِهِمْ.
الزخرف 43:85
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥، ٨٦] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]
﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيِ: الشَّفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، كَما زَعَمُوا أنَّ أنْدادَهم شُفَعاءُ: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيْ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ، وأقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ، وهم يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ تَوْحِيدِهِ؛ أيْ: وحَّدُوهُ، وأخْلَصُوا لَهُ عَلى عِلْمٍ مِنهم ويَقِينٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ عَلى بَصِيرَةٍ وعِلْمٍ، فَإنَّهُ تَنْفَعُ شَفاعَتُهُ عِنْدَهُ، بِإذْنِهِ لَهُ. ا ه
(p-٥٢٩٠)تَنْبِيهٌ:
قالَ الشِّهابُ: اسْتَدَلَّ الفُقَهاءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ لا تَكُونُ إلّا عَنْ عِلْمٍ، وأنَّها تَجُوزُ وإنْ لَمْ يَشْهَدْ.
وفِي (الإكْلِيلِ) قالَ الكِيا: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ غَيْرُ نافِعَةٍ إلّا مَعَ العِلْمِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ لا يُغْنِي مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِصِحَّةِ المَقالَةِ. والثّانِي: أنَّ شَرْطَ الشَّهاداتِ في الحُقُوقِ وغَيْرِها، أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ عالِمًا بِها.
الزخرف 43:86
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥، ٨٦] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]
﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيِ: الشَّفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، كَما زَعَمُوا أنَّ أنْدادَهم شُفَعاءُ: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيْ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ، وأقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ، وهم يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ تَوْحِيدِهِ؛ أيْ: وحَّدُوهُ، وأخْلَصُوا لَهُ عَلى عِلْمٍ مِنهم ويَقِينٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ عَلى بَصِيرَةٍ وعِلْمٍ، فَإنَّهُ تَنْفَعُ شَفاعَتُهُ عِنْدَهُ، بِإذْنِهِ لَهُ. ا ه
(p-٥٢٩٠)تَنْبِيهٌ:
قالَ الشِّهابُ: اسْتَدَلَّ الفُقَهاءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ لا تَكُونُ إلّا عَنْ عِلْمٍ، وأنَّها تَجُوزُ وإنْ لَمْ يَشْهَدْ.
وفِي (الإكْلِيلِ) قالَ الكِيا: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ غَيْرُ نافِعَةٍ إلّا مَعَ العِلْمِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ لا يُغْنِي مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِصِحَّةِ المَقالَةِ. والثّانِي: أنَّ شَرْطَ الشَّهاداتِ في الحُقُوقِ وغَيْرِها، أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ عالِمًا بِها.
الزخرف 43:87
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَنا لِتَعَذُّرِ المُكابَرَةِ فِيهِ مِن فَرْطِ ظُهُورِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ.
الزخرف 43:88
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٨] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿وقِيلِهِ﴾ أيْ: قِيلُ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، شاكِيًا إلى رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وما يَتَلَقّى مِنهُمْ: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أمَرْتَنِي بِإنْذارِهِمْ، وأرْسَلْتَنِي إلَيْهِمْ لِدُعائِهِمْ إلَيْكَ: ﴿قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ واليَوْمِ الآخِرِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]
الزخرف 43:89
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٩] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٢٩١)﴿فاصْفَحْ﴾ أيْ: أعْرِضْ: ﴿عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ أيْ: لَكُمْ، أوْ عَلَيْكُمْ، أوْ أمْرِي سَلامٌ؛ أيْ: مُتارَكَةٌ فَهو سَلامُ مُتارَكَةٍ لا تَحِيَّةٍ.
وقالَ الرّازِيُّ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ السَّلامُ عَلى الكافِرِ. ثُمَّ قالَ: إنْ صَحَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ فَإنَّهُ يُوجِبُ الِاقْتِصارَ عَلى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ: (سَلامٌ). وأنْ يُقالَ لِلْمُؤْمِنِ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ). والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى التَّحِيَّةِ الَّتِي تُذْكَرُ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. اهـ
وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ جُمُودٌ عَلى الظّاهِرِ البَحْتِ هُنا، والغَفْلَةُ عَنْ نَظائِرِهِ. مِن نَحْوِ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وآيَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] عَلى أنَّ الأكْثَرَ عَلى أنَّ الخَبَرَ هُنا مَحْذُوفٌ، أيْ: عَلَيْكم والمُقَدَّرُ كالمَذْكُورِ، والمَحْذُوفُ لِعِلَّةٍ كالثّابِتِ، فالصَّوابُ أنَّ السَّلامَ لِلْمُتارَكَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: حَقِّيَّةَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، بِسُمُوِّ الحَقِّ، وزَهُوقِ الباطِلِ.
تَنْبِيهٌ:
قُرِئَ: "وقِيلَهُ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى، (سِرَّهم ونَجْواهُمْ). وضُعِّفَ بِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، أوْ عَلى مَحَلِّ (السّاعَةِ)؛ لِأنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلِهِ؛ أيْ: وقالَ قِيلَهُ.
وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (السّاعَةِ)، أوِ الواوُ لِلْقَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أُرِيدُ، أوْ مَذْكُورٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨]
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (عِلْمُ السّاعَةِ)، بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: وعِنْدَهُ عِلْمُ قِيلِهِ، أوْ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ: (يا رَبِّ) إلَخْ هو الخَبَرُ. أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وقِيلُهُ كَيْتَ وكَيْتَ، مَسْمُوعٌ أوْ مُتَقَبَّلٌ. وفي (الحَواشِي) مَجازِيّاتٌ جَدَلِيَّةٌ، فازْدَدْ بِمُراجَعَتِها عِلْمًا.
الدخان 44:1
(p-٥٢٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الدُّخانِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ آيَتِهِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ غِشْيانِ أدْخِنَةِ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ، بَصائِرَ قُلُوبِ أهْلِها وأرْواحِهِمْ. ولِذَلِكَ رَأوُا الدَّلائِلَ شُبَهاتِ الشَّياطِينِ.
وجَعَلُوا المُمَيِّزَ بَيْنَهُما مَجْنُونًا. وإنَّ القُرْآنَ كاشِفٌ عَنْهُ كَكَشْفِ الدُّخانِ المَحْسُوسِ عَنْهُمْ، وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها خَمْسُونَ وتِسْعٌ.
رَوى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ [ حم الدُّخانِ] في لَيْلَةٍ، أصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ» .
ثُمَّ قالَ: غَرِيبٌ. وعَمْرُو بْنُ أبِي خَثْعَمٍ راوِيهِ، يُضَعَّفُ. قالَ البُخارِيُّ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
(p-٥٢٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣]
يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي قَدَّرَ فِيها سُبْحانَهُ إنْزالَ ذِكْرِهِ الحَكِيمِ. وكانَتْ في رَمَضانَ. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومَن قالَ: إنَّها لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ؛ فَإنَّ نَصَّ القُرْآنِ أنَّها في رَمَضانَ. وما رُوِيَ مِنَ الآثارِ في فَضْلِها، فَمِثْلُهُ لا تُعارَضُ بِهِ النُّصُوصُ. هَذا عَلى فَرْضِ صِحَّتِها. وإلّا فَهي ما بَيْنَ مُرْسَلٍ وضَعِيفٍ. والبَرَكَةُ اليُمْنُ. ولا رَيْبَ أنَّها كانَتْ أبْرَكَ لَيْلَةٍ وأيْمَنَها عَلى العالَمِينَ، بِتَنْزِيلِ ما فِيهِ الحِكْمَةُ والهُدى، والنَّجاةُ مِنَ الضَّلالِ والرَّدى. قالَ القاشانِيُّ: ووَصَفَها بِالمُبارَكَةِ، لِظُهُورِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ، والهِدايَةِ والعَدالَةِ في العالَمِ بِسَبَبِها. وازْدِيادِ رُتْبَتِهِ ﷺ وكَمالِهِ بِها. كَما سَمّاها (لَيْلَةَ القَدْرِ) لِأنَّ قَدْرَهُ وكَمالَهُ إنَّما ظَهَرَ بِها.
﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] أيْ: مَن خالَفَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ وقُوَّةَ الدَّلائِلِ، واخْتارَ المَذامَّ وتَذَلَّلَ لِلْهَوى ولَمْ يَكْتَفِ بِهِدايَةِ اللَّهِ، ولَمْ يُقِتْ رُوحَهُ بِقُوتِ مَعارِفِهِ، وذَلِكَ لِتَقُومَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ.
الدخان 44:2
(p-٥٢٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الدُّخانِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ آيَتِهِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ غِشْيانِ أدْخِنَةِ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ، بَصائِرَ قُلُوبِ أهْلِها وأرْواحِهِمْ. ولِذَلِكَ رَأوُا الدَّلائِلَ شُبَهاتِ الشَّياطِينِ.
وجَعَلُوا المُمَيِّزَ بَيْنَهُما مَجْنُونًا. وإنَّ القُرْآنَ كاشِفٌ عَنْهُ كَكَشْفِ الدُّخانِ المَحْسُوسِ عَنْهُمْ، وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها خَمْسُونَ وتِسْعٌ.
رَوى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ [ حم الدُّخانِ] في لَيْلَةٍ، أصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ» .
ثُمَّ قالَ: غَرِيبٌ. وعَمْرُو بْنُ أبِي خَثْعَمٍ راوِيهِ، يُضَعَّفُ. قالَ البُخارِيُّ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
(p-٥٢٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣]
يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي قَدَّرَ فِيها سُبْحانَهُ إنْزالَ ذِكْرِهِ الحَكِيمِ. وكانَتْ في رَمَضانَ. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومَن قالَ: إنَّها لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ؛ فَإنَّ نَصَّ القُرْآنِ أنَّها في رَمَضانَ. وما رُوِيَ مِنَ الآثارِ في فَضْلِها، فَمِثْلُهُ لا تُعارَضُ بِهِ النُّصُوصُ. هَذا عَلى فَرْضِ صِحَّتِها. وإلّا فَهي ما بَيْنَ مُرْسَلٍ وضَعِيفٍ. والبَرَكَةُ اليُمْنُ. ولا رَيْبَ أنَّها كانَتْ أبْرَكَ لَيْلَةٍ وأيْمَنَها عَلى العالَمِينَ، بِتَنْزِيلِ ما فِيهِ الحِكْمَةُ والهُدى، والنَّجاةُ مِنَ الضَّلالِ والرَّدى. قالَ القاشانِيُّ: ووَصَفَها بِالمُبارَكَةِ، لِظُهُورِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ، والهِدايَةِ والعَدالَةِ في العالَمِ بِسَبَبِها. وازْدِيادِ رُتْبَتِهِ ﷺ وكَمالِهِ بِها. كَما سَمّاها (لَيْلَةَ القَدْرِ) لِأنَّ قَدْرَهُ وكَمالَهُ إنَّما ظَهَرَ بِها.
﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] أيْ: مَن خالَفَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ وقُوَّةَ الدَّلائِلِ، واخْتارَ المَذامَّ وتَذَلَّلَ لِلْهَوى ولَمْ يَكْتَفِ بِهِدايَةِ اللَّهِ، ولَمْ يُقِتْ رُوحَهُ بِقُوتِ مَعارِفِهِ، وذَلِكَ لِتَقُومَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ.
الدخان 44:3
(p-٥٢٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الدُّخانِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ آيَتِهِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ غِشْيانِ أدْخِنَةِ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ، بَصائِرَ قُلُوبِ أهْلِها وأرْواحِهِمْ. ولِذَلِكَ رَأوُا الدَّلائِلَ شُبَهاتِ الشَّياطِينِ.
وجَعَلُوا المُمَيِّزَ بَيْنَهُما مَجْنُونًا. وإنَّ القُرْآنَ كاشِفٌ عَنْهُ كَكَشْفِ الدُّخانِ المَحْسُوسِ عَنْهُمْ، وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها خَمْسُونَ وتِسْعٌ.
رَوى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ [ حم الدُّخانِ] في لَيْلَةٍ، أصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ» .
ثُمَّ قالَ: غَرِيبٌ. وعَمْرُو بْنُ أبِي خَثْعَمٍ راوِيهِ، يُضَعَّفُ. قالَ البُخارِيُّ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
(p-٥٢٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣]
يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي قَدَّرَ فِيها سُبْحانَهُ إنْزالَ ذِكْرِهِ الحَكِيمِ. وكانَتْ في رَمَضانَ. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومَن قالَ: إنَّها لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ؛ فَإنَّ نَصَّ القُرْآنِ أنَّها في رَمَضانَ. وما رُوِيَ مِنَ الآثارِ في فَضْلِها، فَمِثْلُهُ لا تُعارَضُ بِهِ النُّصُوصُ. هَذا عَلى فَرْضِ صِحَّتِها. وإلّا فَهي ما بَيْنَ مُرْسَلٍ وضَعِيفٍ. والبَرَكَةُ اليُمْنُ. ولا رَيْبَ أنَّها كانَتْ أبْرَكَ لَيْلَةٍ وأيْمَنَها عَلى العالَمِينَ، بِتَنْزِيلِ ما فِيهِ الحِكْمَةُ والهُدى، والنَّجاةُ مِنَ الضَّلالِ والرَّدى. قالَ القاشانِيُّ: ووَصَفَها بِالمُبارَكَةِ، لِظُهُورِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ، والهِدايَةِ والعَدالَةِ في العالَمِ بِسَبَبِها. وازْدِيادِ رُتْبَتِهِ ﷺ وكَمالِهِ بِها. كَما سَمّاها (لَيْلَةَ القَدْرِ) لِأنَّ قَدْرَهُ وكَمالَهُ إنَّما ظَهَرَ بِها.
﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] أيْ: مَن خالَفَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ وقُوَّةَ الدَّلائِلِ، واخْتارَ المَذامَّ وتَذَلَّلَ لِلْهَوى ولَمْ يَكْتَفِ بِهِدايَةِ اللَّهِ، ولَمْ يُقِتْ رُوحَهُ بِقُوتِ مَعارِفِهِ، وذَلِكَ لِتَقُومَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ.
الدخان 44:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤] ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أيْ: يُفْصَلُ ويُبَيَّنُ كُلُّ أمْرٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، عَلى (p-٥٢٩٤)وجْهٍ مَتِينٍ مَحْمُودٍ عِنْدَ الكُمَّلِ تَقْتاتُ بِهِ أرْواحُهُمْ، وتُرْحَمُ بِهِ نُفُوسُهم. وقَوْلُهُ تَعالى:
الدخان 44:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥، ٦] ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الدخان: ٦] .
﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا عَلى مُقْتَضى حُكْمِنا. وهو بَيانٌ لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ، بَعْدَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٦] أيْ: مُرْسِلِينَ إلى النّاسِ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، ويُزَكِّيهِمْ، ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ، رَحْمَةً مِنهُ تَعالى بِهِمْ، لِمَسِيسِ الحاجَةِ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وجُوِّزَ كَوْنُ (رَحْمَةً) عِلَّةً لِلْإنْزالِ. أيْ: رَحْمَةً تامَّةً كامِلَةً عَلى العالَمِينَ بِإنْزالِهِ، لِاسْتِقامَةِ أُمُورِهِمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وصَلاحِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، وظُهُورِ الخَيْرِ والكَمالِ والبَرَكَةِ والرَّشادِ فِيهِمْ بِسَبَبِهِ.
والوَجْهُ هو الأوَّلُ، وهو كَوْنُهُ غايَةً لِلْإرْسالِ؛ لِإفْصاحِ تِلْكَ الآيَةِ عَنْهُ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ [الدخان: ٦] أيْ: لِدَعْوَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ بِمُقْتَضَياتِها: ﴿العَلِيمُ﴾ [الدخان: ٦] أيْ: بِمَقادِيرِ قابِلِيّاتِها، فَلا يَبْعُدُ عَلَيْهِ الإرْسالُ والإنْزالُ، قالَهُ المَهايِمِيُّ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيِ السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الصّادِرَةِ عَنْ أهْوائِهِمْ، (العَلِيمُ): أيْ: بِعَقائِدِهِمُ الباطِلَةِ، وآرائِهِمُ الفاسِدَةِ، وأُمُورِهِمُ المُخْتَلِفَةِ، ومَعايِشِهِمْ غَيْرِ المُنْتَظِمَةِ. فَلِذَلِكَ رَحِمَهم بِإرْسالِ الرَّسُولِ الهادِي إلى الحَقِّ في أمْرِ الدِّينِ، النّاظِمِ لِمَصالِحِهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا، المُرْشِدِ إلى الصَّوابِ فِيهِما، بِتَوْضِيحِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ بِالبُرْهانِ، وتَقْنِينِ الشَّرائِعِ وسُنَنِ الأحْكامِ لِضَبْطِ النِّظامِ.
الدخان 44:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥، ٦] ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الدخان: ٦] .
﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا عَلى مُقْتَضى حُكْمِنا. وهو بَيانٌ لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ، بَعْدَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٦] أيْ: مُرْسِلِينَ إلى النّاسِ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، ويُزَكِّيهِمْ، ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ، رَحْمَةً مِنهُ تَعالى بِهِمْ، لِمَسِيسِ الحاجَةِ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وجُوِّزَ كَوْنُ (رَحْمَةً) عِلَّةً لِلْإنْزالِ. أيْ: رَحْمَةً تامَّةً كامِلَةً عَلى العالَمِينَ بِإنْزالِهِ، لِاسْتِقامَةِ أُمُورِهِمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وصَلاحِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، وظُهُورِ الخَيْرِ والكَمالِ والبَرَكَةِ والرَّشادِ فِيهِمْ بِسَبَبِهِ.
والوَجْهُ هو الأوَّلُ، وهو كَوْنُهُ غايَةً لِلْإرْسالِ؛ لِإفْصاحِ تِلْكَ الآيَةِ عَنْهُ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ [الدخان: ٦] أيْ: لِدَعْوَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ بِمُقْتَضَياتِها: ﴿العَلِيمُ﴾ [الدخان: ٦] أيْ: بِمَقادِيرِ قابِلِيّاتِها، فَلا يَبْعُدُ عَلَيْهِ الإرْسالُ والإنْزالُ، قالَهُ المَهايِمِيُّ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيِ السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الصّادِرَةِ عَنْ أهْوائِهِمْ، (العَلِيمُ): أيْ: بِعَقائِدِهِمُ الباطِلَةِ، وآرائِهِمُ الفاسِدَةِ، وأُمُورِهِمُ المُخْتَلِفَةِ، ومَعايِشِهِمْ غَيْرِ المُنْتَظِمَةِ. فَلِذَلِكَ رَحِمَهم بِإرْسالِ الرَّسُولِ الهادِي إلى الحَقِّ في أمْرِ الدِّينِ، النّاظِمِ لِمَصالِحِهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا، المُرْشِدِ إلى الصَّوابِ فِيهِما، بِتَوْضِيحِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ بِالبُرْهانِ، وتَقْنِينِ الشَّرائِعِ وسُنَنِ الأحْكامِ لِضَبْطِ النِّظامِ.
الدخان 44:7
(p-٥٢٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٩] ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] .
﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ؛ أيْ: يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِما تُقِرُّونَ بِهِ، مِن أنَّهُ رَبُّ الجَمِيعِ وخالِقُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] أيْ: بَلْ لَيْسُوا بِمُوقِنِينَ في إقْرارِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ؛ لِأنَّ الإيقانَ يَسْتَتْبِعُ قَبُولَ البُرْهانِ، وإنَّما هو قَوْلٌ مَمْزُوجٌ بِلَعِبٍ، لِغِشْيانِ أدْخِنَةِ أهْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ، بَصائِرَ قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ.
الدخان 44:8
(p-٥٢٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٩] ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] .
﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ؛ أيْ: يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِما تُقِرُّونَ بِهِ، مِن أنَّهُ رَبُّ الجَمِيعِ وخالِقُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] أيْ: بَلْ لَيْسُوا بِمُوقِنِينَ في إقْرارِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ؛ لِأنَّ الإيقانَ يَسْتَتْبِعُ قَبُولَ البُرْهانِ، وإنَّما هو قَوْلٌ مَمْزُوجٌ بِلَعِبٍ، لِغِشْيانِ أدْخِنَةِ أهْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ، بَصائِرَ قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ.
الدخان 44:9
(p-٥٢٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٩] ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] .
﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ؛ أيْ: يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِما تُقِرُّونَ بِهِ، مِن أنَّهُ رَبُّ الجَمِيعِ وخالِقُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] أيْ: بَلْ لَيْسُوا بِمُوقِنِينَ في إقْرارِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ؛ لِأنَّ الإيقانَ يَسْتَتْبِعُ قَبُولَ البُرْهانِ، وإنَّما هو قَوْلٌ مَمْزُوجٌ بِلَعِبٍ، لِغِشْيانِ أدْخِنَةِ أهْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ، بَصائِرَ قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ.
الدخان 44:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٢] ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] .
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] أيِ انْتَظِرْ لِمُجازاتِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ الهائِلَ، ولا يُسْتَعْمَلُ (الِارْتِقابُ) إلّا في أمْرٍ مَكْرُوهٍ. ولِلسَّلَفِ في مَعْنى الدُّخانِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ ذَلِكَ حِينَ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى قُرَيْشٍ أنْ يُؤْخَذُوا بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأُخِذُوا بِالمَجاعَةِ. قالُوا: وعَنى بِالدُّخانِ ما كانَ يُصِيبُهم حِينَئِذٍ في أبْصارِهِمْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، (p-٥٢٩٦)مِنَ الظُّلْمَةِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ، رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا وهو مُضْطَجِعٌ بَيْنَنا. فَأتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنْ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ ويَزْعُمُ أنَّ آيَةَ الدُّخانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأنْفاسِ الكُفّارِ، ويَأْخُذُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ! اتَّقُوا اللَّهَ. فَمَن عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِما يَعْلَمُ، ومَن لا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ: (اللَّهُ أعْلَمُ)؛ فَإنَّهُ أعْلَمُ لِأحَدِكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ (اللَّهُ أعْلَمُ). وما عَلى أحَدِكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ: (لا أعْلَمُ)؛ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى مِنَ النّاسِ إدْبارًا قالَ: ««اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ»» . فَأخَذَتْهم سَنَةٌ حَصَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ، والمَيْتَةَ والجِيَفَ. يَنْظُرُ أحَدُهم إلى السَّماءِ فَيَرى دُخانًا مِنَ الجُوعِ.
فَأتاهُ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُنا بِالطّاعَةِ وبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فادْعُ اللَّهَ لَهم. قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] قالَ: فَكُشِفَ عَنْهُمْ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] فالبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. وقَدْ مَضَتْ آيَةُ الرُّومِ، وآيَةُ الدُّخانِ، والبَطْشَةُ واللِّزامُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ مُخَرَّجٌ في "الصَّحِيحَيْنِ"، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في "مُسْنَدِهِ" (p-٥٢٩٧)وهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ في "تَفْسِيرِهِما"، وعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وقَدْ وافَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى تَفْسِيرِ الآيَةِ بِهَذا، وأنَّ الدُّخانَ مَضى، جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ كَمُجاهِدٍ، وأبِي العالِيَةِ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، والضَّحّاكِ، وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، وهو اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): والظّاهِرُ أنَّ مَجِيءَ أبِي سُفْيانَ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (ثُمَّ عادُوا). ولَمْ يُنْقَلْ أنَّ أبا سُفْيانَ قَدِمَ المَدِينَةَ قَبْلَ بَدْرٍ. وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُو طالِبٍ كانَ حاضِرًا ذَلِكَ. فَلِذَلِكَ قالَ:
؎وأبْيَضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ
لَكِنْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القِصَّةَ المَذْكُورَةَ وقَعَتْ بِالمَدِينَةِ، فَإنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى التَّعَدُّدِ، وإلّا فَهو مُشْكِلٌ جِدًّا. واللَّهُ المُسْتَعانُ. انْتَهى.
وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ عَلى هَذا مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ في سَنَةِ القَحْطِ يَعْظُمُ يَبَسُ الأرْضِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ المَطَرِ، ويَرْتَفِعُ الغُبارُ الكَثِيرُ، ويُظْلِمُ الهَواءُ. وذَلِكَ يُشْبِهُ الدُّخانَ ولِهَذا يُقالُ لِسَنَةِ المَجاعَةِ: (الغَبْراءُ).
ثانِيهِما: أنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ الشَّرَّ الغالِبَ بِالدُّخانِ، فَيَقُولُونَ: (كانَ بَيْنَنا أمْرٌ ارْتَفِعْ لَهُ دُخانٌ). والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أوْ ضَعْفُهُ، أظْلَمَتْ عَيْناهُ، فَيَرى الدُّنْيا كالمَمْلُوءَةِ مِنَ الدُّخانِ. انْتَهى.
وقالَ الشِّهابُ: الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ الدُّخانَ مِمّا يُتَأذّى بِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ مُؤْذٍ يُشْبِهُهُ، أوْ عَلى ما يَلْزَمُهُ، ولِذا قِيلَ:
؎تُرِيدُ مُهَذَّبًا لا عَيْبَ فِيهِ ∗∗∗ وهَلْ عُودٌ يَفُوحُ بِلا دُخانِ
(p-٥٢٩٨)الوَجْهُ الثّانِي في الآيَةِ: أنَّهُ دُخانٌ يَظْهَرُ في العالَمِ، وهو إحْدى عَلاماتِ القِيامَةِ، ولَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وهو آتٍ وهو قَوْلُ حُذَيْفَةَ. ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وجَمْعٍ مِنَ التّابِعِينَ. قالَ الرّازِيُّ: واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُودَ دُخانٍ تَأْتِي بِهِ السَّماءُ. وما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ في العَيْنِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الجُوعِ، فَذاكَ لَيْسَ بِدُخانٍ أتَتْ بِهِ السَّماءُ. فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ، لا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّها عارِضَةٌ تَعْرِضُ لِبَعْضِ النّاسِ في أدْمِغَتِهِمْ، ومِثْلُ هَذا لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ دُخانًا مُبِينًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِأنَّهُ يَغْشى النّاسَ. وهَذا إنَّما يَصْدُقُ إذا وصَلَ ذَلِكَ الدُّخانُ إلَيْهِمْ واتَّصَلَ بِهِمْ، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لا تَغْشى النّاسَ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العُدُولَ مِنَ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
الرّابِعُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عَدِّهِ الدُّخانَ مِنَ الآياتِ المُنْتَظَرَةِ. أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ قِيامِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ مُمْتَنِعٌ، والقَوْمُ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ، فَكانَ المَصِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ مُشْكِلًا جِدًّا، فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] وهَذا إذا حَمَلْناهُ عَلى القَحْطِ الَّذِي وقَعَ بِمَكَّةَ، اسْتَقامَ. فَإنَّهُ نُقِلَ أنَّ التَّقَحُّطَ لَمّا اشْتَدَّ بِمَكَّةَ مَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ وناشَدَهُ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ، ووَعَدَهُ أنَّهُ إنْ دَعا لَهم وأزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ البَلِيَّةَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ. فَلَمّا أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ.
أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ظُهُورُ عَلامَةٍ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ عَلاماتِ القِيامَةِ. لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ولَمْ يَصِحَّ أيْضًا أنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ هَذِهِ العَلامَةِ جارِيًا مَجْرى (p-٥٢٩٩)ظُهُورِ سائِرِ عَلاماتِ القِيامَةِ، في أنَّهُ لا يُوجِبُ انْقِطاعَ التَّكْلِيفِ، فَتَحْدُثُ هَذِهِ الحالَةُ. ثُمَّ إنَّ النّاسَ يَخافُونَ جِدًّا فَيَتَضَرَّعُونَ. فَإذا زالَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ عادُوا إلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا، فَقَدْ سَقَطَ ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ.
وهَكَذا رَجَّحَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ الوَجْهَ الثّانِيَ، ذَهابًا إلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، تُرْجُمانِ القُرْآنِ ومَن وافَقَهُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ، مَعَ الأحادِيثِ المَرْفُوعَةِ الصِّحاحِ، والحِسانِ وغَيْرِهِما، الَّتِي أوْرَدُوها، مِمّا فِيهِ مَقْنَعُ ودَلالَةٌ ظاهِرَةٌ، عَلى أنَّ الدُّخانَ مِنَ الآياتِ المُنْتَظَرَةِ. مَعَ أنَّهُ ظاهِرُ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بَيِّنٍ واضِحٍ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ. وعَلى ما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إنَّما هو خَيالٌ رَأوْهُ في أعْيُنِهِمْ مِن شَدَّةِ الجُوعِ والجُهْدِ. وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ [الدخان: ١١] أيْ: يَتَغَشّاهم ويَعُمُّهم. ولَوْ كانَ أمْرًا خَيالِيًّا يَخُصُّ أهْلَ مَكَّةَ المُشْرِكِينَ لَما قِيلَ فِيهِ: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ [الدخان: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا. كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أوْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] أيْ: يَقُولُ الكافِرُونَ إذا عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ، سائِلِينَ رَفْعَهُ وكَشْفَهُ عَنْهُمْ، كَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] وكَذا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وهَكَذا قالَ جَلَّ جَلالُهُ.
الدخان 44:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٢] ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] .
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] أيِ انْتَظِرْ لِمُجازاتِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ الهائِلَ، ولا يُسْتَعْمَلُ (الِارْتِقابُ) إلّا في أمْرٍ مَكْرُوهٍ. ولِلسَّلَفِ في مَعْنى الدُّخانِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ ذَلِكَ حِينَ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى قُرَيْشٍ أنْ يُؤْخَذُوا بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأُخِذُوا بِالمَجاعَةِ. قالُوا: وعَنى بِالدُّخانِ ما كانَ يُصِيبُهم حِينَئِذٍ في أبْصارِهِمْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، (p-٥٢٩٦)مِنَ الظُّلْمَةِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ، رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا وهو مُضْطَجِعٌ بَيْنَنا. فَأتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنْ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ ويَزْعُمُ أنَّ آيَةَ الدُّخانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأنْفاسِ الكُفّارِ، ويَأْخُذُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ! اتَّقُوا اللَّهَ. فَمَن عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِما يَعْلَمُ، ومَن لا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ: (اللَّهُ أعْلَمُ)؛ فَإنَّهُ أعْلَمُ لِأحَدِكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ (اللَّهُ أعْلَمُ). وما عَلى أحَدِكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ: (لا أعْلَمُ)؛ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى مِنَ النّاسِ إدْبارًا قالَ: ««اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ»» . فَأخَذَتْهم سَنَةٌ حَصَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ، والمَيْتَةَ والجِيَفَ. يَنْظُرُ أحَدُهم إلى السَّماءِ فَيَرى دُخانًا مِنَ الجُوعِ.
فَأتاهُ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُنا بِالطّاعَةِ وبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فادْعُ اللَّهَ لَهم. قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] قالَ: فَكُشِفَ عَنْهُمْ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] فالبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. وقَدْ مَضَتْ آيَةُ الرُّومِ، وآيَةُ الدُّخانِ، والبَطْشَةُ واللِّزامُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ مُخَرَّجٌ في "الصَّحِيحَيْنِ"، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في "مُسْنَدِهِ" (p-٥٢٩٧)وهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ في "تَفْسِيرِهِما"، وعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وقَدْ وافَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى تَفْسِيرِ الآيَةِ بِهَذا، وأنَّ الدُّخانَ مَضى، جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ كَمُجاهِدٍ، وأبِي العالِيَةِ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، والضَّحّاكِ، وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، وهو اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): والظّاهِرُ أنَّ مَجِيءَ أبِي سُفْيانَ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (ثُمَّ عادُوا). ولَمْ يُنْقَلْ أنَّ أبا سُفْيانَ قَدِمَ المَدِينَةَ قَبْلَ بَدْرٍ. وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُو طالِبٍ كانَ حاضِرًا ذَلِكَ. فَلِذَلِكَ قالَ:
؎وأبْيَضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ
لَكِنْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القِصَّةَ المَذْكُورَةَ وقَعَتْ بِالمَدِينَةِ، فَإنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى التَّعَدُّدِ، وإلّا فَهو مُشْكِلٌ جِدًّا. واللَّهُ المُسْتَعانُ. انْتَهى.
وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ عَلى هَذا مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ في سَنَةِ القَحْطِ يَعْظُمُ يَبَسُ الأرْضِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ المَطَرِ، ويَرْتَفِعُ الغُبارُ الكَثِيرُ، ويُظْلِمُ الهَواءُ. وذَلِكَ يُشْبِهُ الدُّخانَ ولِهَذا يُقالُ لِسَنَةِ المَجاعَةِ: (الغَبْراءُ).
ثانِيهِما: أنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ الشَّرَّ الغالِبَ بِالدُّخانِ، فَيَقُولُونَ: (كانَ بَيْنَنا أمْرٌ ارْتَفِعْ لَهُ دُخانٌ). والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أوْ ضَعْفُهُ، أظْلَمَتْ عَيْناهُ، فَيَرى الدُّنْيا كالمَمْلُوءَةِ مِنَ الدُّخانِ. انْتَهى.
وقالَ الشِّهابُ: الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ الدُّخانَ مِمّا يُتَأذّى بِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ مُؤْذٍ يُشْبِهُهُ، أوْ عَلى ما يَلْزَمُهُ، ولِذا قِيلَ:
؎تُرِيدُ مُهَذَّبًا لا عَيْبَ فِيهِ ∗∗∗ وهَلْ عُودٌ يَفُوحُ بِلا دُخانِ
(p-٥٢٩٨)الوَجْهُ الثّانِي في الآيَةِ: أنَّهُ دُخانٌ يَظْهَرُ في العالَمِ، وهو إحْدى عَلاماتِ القِيامَةِ، ولَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وهو آتٍ وهو قَوْلُ حُذَيْفَةَ. ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وجَمْعٍ مِنَ التّابِعِينَ. قالَ الرّازِيُّ: واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُودَ دُخانٍ تَأْتِي بِهِ السَّماءُ. وما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ في العَيْنِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الجُوعِ، فَذاكَ لَيْسَ بِدُخانٍ أتَتْ بِهِ السَّماءُ. فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ، لا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّها عارِضَةٌ تَعْرِضُ لِبَعْضِ النّاسِ في أدْمِغَتِهِمْ، ومِثْلُ هَذا لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ دُخانًا مُبِينًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِأنَّهُ يَغْشى النّاسَ. وهَذا إنَّما يَصْدُقُ إذا وصَلَ ذَلِكَ الدُّخانُ إلَيْهِمْ واتَّصَلَ بِهِمْ، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لا تَغْشى النّاسَ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العُدُولَ مِنَ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
الرّابِعُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عَدِّهِ الدُّخانَ مِنَ الآياتِ المُنْتَظَرَةِ. أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ قِيامِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ مُمْتَنِعٌ، والقَوْمُ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ، فَكانَ المَصِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ مُشْكِلًا جِدًّا، فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] وهَذا إذا حَمَلْناهُ عَلى القَحْطِ الَّذِي وقَعَ بِمَكَّةَ، اسْتَقامَ. فَإنَّهُ نُقِلَ أنَّ التَّقَحُّطَ لَمّا اشْتَدَّ بِمَكَّةَ مَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ وناشَدَهُ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ، ووَعَدَهُ أنَّهُ إنْ دَعا لَهم وأزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ البَلِيَّةَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ. فَلَمّا أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ.
أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ظُهُورُ عَلامَةٍ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ عَلاماتِ القِيامَةِ. لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ولَمْ يَصِحَّ أيْضًا أنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ هَذِهِ العَلامَةِ جارِيًا مَجْرى (p-٥٢٩٩)ظُهُورِ سائِرِ عَلاماتِ القِيامَةِ، في أنَّهُ لا يُوجِبُ انْقِطاعَ التَّكْلِيفِ، فَتَحْدُثُ هَذِهِ الحالَةُ. ثُمَّ إنَّ النّاسَ يَخافُونَ جِدًّا فَيَتَضَرَّعُونَ. فَإذا زالَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ عادُوا إلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا، فَقَدْ سَقَطَ ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ.
وهَكَذا رَجَّحَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ الوَجْهَ الثّانِيَ، ذَهابًا إلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، تُرْجُمانِ القُرْآنِ ومَن وافَقَهُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ، مَعَ الأحادِيثِ المَرْفُوعَةِ الصِّحاحِ، والحِسانِ وغَيْرِهِما، الَّتِي أوْرَدُوها، مِمّا فِيهِ مَقْنَعُ ودَلالَةٌ ظاهِرَةٌ، عَلى أنَّ الدُّخانَ مِنَ الآياتِ المُنْتَظَرَةِ. مَعَ أنَّهُ ظاهِرُ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بَيِّنٍ واضِحٍ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ. وعَلى ما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إنَّما هو خَيالٌ رَأوْهُ في أعْيُنِهِمْ مِن شَدَّةِ الجُوعِ والجُهْدِ. وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ [الدخان: ١١] أيْ: يَتَغَشّاهم ويَعُمُّهم. ولَوْ كانَ أمْرًا خَيالِيًّا يَخُصُّ أهْلَ مَكَّةَ المُشْرِكِينَ لَما قِيلَ فِيهِ: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ [الدخان: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا. كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أوْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] أيْ: يَقُولُ الكافِرُونَ إذا عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ، سائِلِينَ رَفْعَهُ وكَشْفَهُ عَنْهُمْ، كَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] وكَذا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وهَكَذا قالَ جَلَّ جَلالُهُ.
الدخان 44:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٢] ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] .
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] أيِ انْتَظِرْ لِمُجازاتِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ الهائِلَ، ولا يُسْتَعْمَلُ (الِارْتِقابُ) إلّا في أمْرٍ مَكْرُوهٍ. ولِلسَّلَفِ في مَعْنى الدُّخانِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ ذَلِكَ حِينَ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى قُرَيْشٍ أنْ يُؤْخَذُوا بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأُخِذُوا بِالمَجاعَةِ. قالُوا: وعَنى بِالدُّخانِ ما كانَ يُصِيبُهم حِينَئِذٍ في أبْصارِهِمْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، (p-٥٢٩٦)مِنَ الظُّلْمَةِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ، رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا وهو مُضْطَجِعٌ بَيْنَنا. فَأتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنْ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ ويَزْعُمُ أنَّ آيَةَ الدُّخانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأنْفاسِ الكُفّارِ، ويَأْخُذُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ! اتَّقُوا اللَّهَ. فَمَن عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِما يَعْلَمُ، ومَن لا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ: (اللَّهُ أعْلَمُ)؛ فَإنَّهُ أعْلَمُ لِأحَدِكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ (اللَّهُ أعْلَمُ). وما عَلى أحَدِكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ: (لا أعْلَمُ)؛ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى مِنَ النّاسِ إدْبارًا قالَ: ««اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ»» . فَأخَذَتْهم سَنَةٌ حَصَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ، والمَيْتَةَ والجِيَفَ. يَنْظُرُ أحَدُهم إلى السَّماءِ فَيَرى دُخانًا مِنَ الجُوعِ.
فَأتاهُ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُنا بِالطّاعَةِ وبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فادْعُ اللَّهَ لَهم. قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] قالَ: فَكُشِفَ عَنْهُمْ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] فالبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. وقَدْ مَضَتْ آيَةُ الرُّومِ، وآيَةُ الدُّخانِ، والبَطْشَةُ واللِّزامُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ مُخَرَّجٌ في "الصَّحِيحَيْنِ"، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في "مُسْنَدِهِ" (p-٥٢٩٧)وهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ في "تَفْسِيرِهِما"، وعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وقَدْ وافَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى تَفْسِيرِ الآيَةِ بِهَذا، وأنَّ الدُّخانَ مَضى، جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ كَمُجاهِدٍ، وأبِي العالِيَةِ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، والضَّحّاكِ، وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، وهو اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): والظّاهِرُ أنَّ مَجِيءَ أبِي سُفْيانَ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (ثُمَّ عادُوا). ولَمْ يُنْقَلْ أنَّ أبا سُفْيانَ قَدِمَ المَدِينَةَ قَبْلَ بَدْرٍ. وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُو طالِبٍ كانَ حاضِرًا ذَلِكَ. فَلِذَلِكَ قالَ:
؎وأبْيَضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ
لَكِنْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القِصَّةَ المَذْكُورَةَ وقَعَتْ بِالمَدِينَةِ، فَإنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى التَّعَدُّدِ، وإلّا فَهو مُشْكِلٌ جِدًّا. واللَّهُ المُسْتَعانُ. انْتَهى.
وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ عَلى هَذا مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ في سَنَةِ القَحْطِ يَعْظُمُ يَبَسُ الأرْضِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ المَطَرِ، ويَرْتَفِعُ الغُبارُ الكَثِيرُ، ويُظْلِمُ الهَواءُ. وذَلِكَ يُشْبِهُ الدُّخانَ ولِهَذا يُقالُ لِسَنَةِ المَجاعَةِ: (الغَبْراءُ).
ثانِيهِما: أنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ الشَّرَّ الغالِبَ بِالدُّخانِ، فَيَقُولُونَ: (كانَ بَيْنَنا أمْرٌ ارْتَفِعْ لَهُ دُخانٌ). والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أوْ ضَعْفُهُ، أظْلَمَتْ عَيْناهُ، فَيَرى الدُّنْيا كالمَمْلُوءَةِ مِنَ الدُّخانِ. انْتَهى.
وقالَ الشِّهابُ: الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ الدُّخانَ مِمّا يُتَأذّى بِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ مُؤْذٍ يُشْبِهُهُ، أوْ عَلى ما يَلْزَمُهُ، ولِذا قِيلَ:
؎تُرِيدُ مُهَذَّبًا لا عَيْبَ فِيهِ ∗∗∗ وهَلْ عُودٌ يَفُوحُ بِلا دُخانِ
(p-٥٢٩٨)الوَجْهُ الثّانِي في الآيَةِ: أنَّهُ دُخانٌ يَظْهَرُ في العالَمِ، وهو إحْدى عَلاماتِ القِيامَةِ، ولَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وهو آتٍ وهو قَوْلُ حُذَيْفَةَ. ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وجَمْعٍ مِنَ التّابِعِينَ. قالَ الرّازِيُّ: واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُودَ دُخانٍ تَأْتِي بِهِ السَّماءُ. وما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ في العَيْنِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الجُوعِ، فَذاكَ لَيْسَ بِدُخانٍ أتَتْ بِهِ السَّماءُ. فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ، لا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّها عارِضَةٌ تَعْرِضُ لِبَعْضِ النّاسِ في أدْمِغَتِهِمْ، ومِثْلُ هَذا لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ دُخانًا مُبِينًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِأنَّهُ يَغْشى النّاسَ. وهَذا إنَّما يَصْدُقُ إذا وصَلَ ذَلِكَ الدُّخانُ إلَيْهِمْ واتَّصَلَ بِهِمْ، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لا تَغْشى النّاسَ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العُدُولَ مِنَ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
الرّابِعُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عَدِّهِ الدُّخانَ مِنَ الآياتِ المُنْتَظَرَةِ. أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ قِيامِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ مُمْتَنِعٌ، والقَوْمُ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ، فَكانَ المَصِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ مُشْكِلًا جِدًّا، فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] وهَذا إذا حَمَلْناهُ عَلى القَحْطِ الَّذِي وقَعَ بِمَكَّةَ، اسْتَقامَ. فَإنَّهُ نُقِلَ أنَّ التَّقَحُّطَ لَمّا اشْتَدَّ بِمَكَّةَ مَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ وناشَدَهُ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ، ووَعَدَهُ أنَّهُ إنْ دَعا لَهم وأزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ البَلِيَّةَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ. فَلَمّا أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ.
أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ظُهُورُ عَلامَةٍ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ عَلاماتِ القِيامَةِ. لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ولَمْ يَصِحَّ أيْضًا أنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ هَذِهِ العَلامَةِ جارِيًا مَجْرى (p-٥٢٩٩)ظُهُورِ سائِرِ عَلاماتِ القِيامَةِ، في أنَّهُ لا يُوجِبُ انْقِطاعَ التَّكْلِيفِ، فَتَحْدُثُ هَذِهِ الحالَةُ. ثُمَّ إنَّ النّاسَ يَخافُونَ جِدًّا فَيَتَضَرَّعُونَ. فَإذا زالَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ عادُوا إلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا، فَقَدْ سَقَطَ ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ.
وهَكَذا رَجَّحَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ الوَجْهَ الثّانِيَ، ذَهابًا إلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، تُرْجُمانِ القُرْآنِ ومَن وافَقَهُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ، مَعَ الأحادِيثِ المَرْفُوعَةِ الصِّحاحِ، والحِسانِ وغَيْرِهِما، الَّتِي أوْرَدُوها، مِمّا فِيهِ مَقْنَعُ ودَلالَةٌ ظاهِرَةٌ، عَلى أنَّ الدُّخانَ مِنَ الآياتِ المُنْتَظَرَةِ. مَعَ أنَّهُ ظاهِرُ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بَيِّنٍ واضِحٍ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ. وعَلى ما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إنَّما هو خَيالٌ رَأوْهُ في أعْيُنِهِمْ مِن شَدَّةِ الجُوعِ والجُهْدِ. وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ [الدخان: ١١] أيْ: يَتَغَشّاهم ويَعُمُّهم. ولَوْ كانَ أمْرًا خَيالِيًّا يَخُصُّ أهْلَ مَكَّةَ المُشْرِكِينَ لَما قِيلَ فِيهِ: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ [الدخان: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا. كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أوْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] أيْ: يَقُولُ الكافِرُونَ إذا عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ، سائِلِينَ رَفْعَهُ وكَشْفَهُ عَنْهُمْ، كَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] وكَذا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وهَكَذا قالَ جَلَّ جَلالُهُ.
الدخان 44:13
(p-٥٣٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣، ١٤] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] .
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] أيْ: كَيْفَ لَهم بِالتَّذَكُّرِ، وقَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رَسُولًا بَيِّنَ الرِّسالَةِ والنِّذارَةِ. ومَعَ هَذا تَوَلَّوْا عَنْهُ وما وافَقُوهُ. بَلْ كَذَّبُوهُ وقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ. وهَذا كَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] الآيَةَ. وكَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبإ: ٥١] إلى آخِرِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الدخان 44:14
(p-٥٣٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣، ١٤] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] .
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] أيْ: كَيْفَ لَهم بِالتَّذَكُّرِ، وقَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رَسُولًا بَيِّنَ الرِّسالَةِ والنِّذارَةِ. ومَعَ هَذا تَوَلَّوْا عَنْهُ وما وافَقُوهُ. بَلْ كَذَّبُوهُ وقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ. وهَذا كَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] الآيَةَ. وكَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبإ: ٥١] إلى آخِرِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الدخان 44:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥] ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ .
﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَقُولُ تَعالى ولَوْ كَشَفْنا عَنْكُمُ العَذابَ، ورَجَعْناكم إلى الدّارِ الدُّنْيا، لَعُدْتُمْ إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] وكَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنّا مُؤَخِّرُو العَذابِ عَنْكم قَلِيلًا بَعْدَ انْعِقادِ أسْبابِهِ، ووُصُولِهِ إلَيْكُمْ، وأنْتُمْ مُسْتَمِرُّونَ فِيما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الطُّغْيانِ والضَّلالِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الكَشْفِ عَنْهم أنْ يَكُونَ باشَرَهم. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] ولَمْ يَكُنِ العَذابُ باشَرَهم واتَّصَلَ بِهِمْ. (p-٥٣٠١)بَلْ كانُوا قَدِ انْعَقَدَ سَبَبُهُ عَلَيْهِمْ، ولا يَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَكُونُوا قَدْ أقْلَعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ ثُمَّ عادُوا إلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى -إخْبارًا عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ- أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ حِينَ قالُوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨] ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ [الأعراف: ٨٩] وشُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلى مِلَّتِهِمْ وطَرِيقَتِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ إلى عَذابِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
الدخان 44:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ .
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِمَّنْ وافَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى تَفْسِيرِهِ الدُّخانَ بِما تَقَدَّمَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، مِن رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنْهُ. وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وجَماعَةٍ عَنْهُ، وهو مُحْتَمَلٌ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنْ كانَ يَوْمُ بَدْرٍ يَوْمَ بَطْشَةٍ أيْضًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ. حَدَّثَنا ابْنُ عُلَيَّةَ. حَدَّثَنا خالِدٌ الحَذّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: البَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمَ بَدْرٍ. وأنا أقُولُ هي يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ عَنْهُ. وبِهِ يَقُولُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنُ كَثِيرٍ.
فَصْلٌ:
ومِمَّنْ رَجَّحَ الوَجْهَ الأوَّلَ، وهو أنَّ المُرادَ بِالدُّخانِ يَوْمُ المَجاعَةِ والشِّدَّةِ مَجازًا، بِذِكْرِ المُسَبِّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ. أوْ بِالِاسْتِعارَةِ، العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ حَيْثُ قالَ: والأوَّلُ هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ (p-٥٣٠٢)مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ قَطْعًا؛ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٣] إلَخْ، رَدٌّ لِكَلامِهِمْ، واسْتِدْعائِهِمُ الكَشْفَ، وتَكْذِيبٌ لَهم في الوَعْدِ بِالإيمانِ، المُنْبِئِ عَنِ التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ بِما اعْتَراهم مِنَ الدّاهِيَةِ، أيْ: كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ؟ أوْ مِن أيْنَ يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ ويَفُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهُمْ؟ ﴿وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] أيْ: والحالُ أنَّهم شاهَدُوا مِن دَواعِي التَّذَكُّرِ، ومُوجِباتِ الِاتِّعاظِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ في إيجابِها. حَيْثُ جاءَهم رَسُولٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، وبَيَّنَ لَهم مَناهِجَ الحَقِّ، بِإظْهارِ آياتٍ ظاهِرَةٍ ومُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ، تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ.
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان: ١٤] عَنْ ذَلِكَ الرَّسُولِ وهو هُوَ، رَيْثَما يُشاهِدُونَ مِنهُ ما شاهَدُوهُ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقْتَنِعُوا بِالتَّوَلِّي. ﴿وقالُوا﴾ [الدخان: ١٤] في حَقِّهِ: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] أيْ: قالُوا تارَةً: يُعَلِّمُهُ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ ثَقِيفٍ. وأُخْرى مَجْنُونٌ، أوْ يَقُولُ بَعْضُهم كَذا وآخَرُونَ كَذا. فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِن قَوْمٍ هَذِهِ صِفاتُهم أنْ يَتَأثَّرُوا بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ؟ وما مَثَلُهم إلّا كَمَثَلِ الكَلْبِ إذا جاعَ ضَعُفَ، وإذا شَبِعَ طَغى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِمَزِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. أيْ:: إنّا نَكْشِفُ العَذابَ المَعْهُودَ عَنْكم كَشْفًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا. إنَّكم تَعُودُونَ إثْرَ ذَلِكَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وتَنْسَوْنَ هَذِهِ الحالَةَ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: { قَلِيلًا } الدَّلالَةُ عَلى زِيادَةِ خُبْثِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا عادُوا قَبْلَ تَمامِ الِانْكِشافِ، كانُوا بَعْدَهُ أسْرَعَ إلى العَوْدِ. وصِيغَةُ الفاعِلِ في الفِعْلَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما لا مَحالَةَ، ولَقَدْ وقَعَ كِلاهُما حَيْثُ كَشَفَهُ اللَّهُ تَعالى، بِدُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَما لَبِثُوا أنْ عادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ. انْتَهى ما قالَهُ أبُو السُّعُودِ بِزِيادَةٍ.
فَصْلٌ:
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ في الآيَةِ، قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أُبَيٌّ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُسافِرٍ. (p-٥٣٠٣)حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَسّانَ. حَدَّثَنا ابْنُ مَهْيَعَةَ. حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قالَ: كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ غَرِيبٌ جِدًّا. بَلْ مُنْكَرٌ. انْتَهى.
أيْ: لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ مَرْفُوعًا ولا مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، تُرْجُمانِ القُرْآنِ، أوْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحْبِ، إلّا أنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ مَأْثُورًا لا يُنافِي احْتِمالَ لَفْظِ الآيَةِ لَهُ، وصِدْقَها عَلَيْهِ، لاسِيَّما، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] مِمّا هو وعْدٌ بِظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ. وحِينَئِذٍ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ﴾ [الدخان: ١٥] أيْ: ما يَنْزِلُ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، بِرَفْعِ القَتْلِ والأسْرِ عَنْهم. ومَعْنى: ﴿عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] أيْ: إلى لِقاءِ اللَّهِ ومُجازاتِهِ.
فَصْلٌ:
يَظْهَرُ مِمّا نَقَلْناهُ عَنِ السَّلَفِ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الآيِ اللّاتِي أُخِذَتْ مِنَ الصَّحْبِ، عَلَيْهِمُ الرِّضْوانُ، اهْتِمامًا في مَعْناها، وعِنايَةً في البَحْثِ عَنِ المُرادِ مِنها. حَتّى كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مُصِرًّا عَلى وجْهٍ، وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةُ عَلى وجْهٍ آخَرَ. عَلى ما أُسْنِدَ عَنْهم مِن طُرُقٍ، ولَعَمْرُ الحَقِّ! إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَجَدِيرَةٌ بِزِيادَةِ العِنايَةِ. وهَكَذا كُلُّ ما كانَ مِن مَعارِكِ الأنْظارِ لِلْأئِمَّةِ الكِبارِ. وسَبَبُ الِاخْتِلافِ هو إيجازُ الأُسْلُوبِ الكَرِيمِ، وإيثارُهُ مِنَ الألْفاظِ أرَقَّها، وأوْجَزَها. مِمّا يَصْدُقُ لِبَلاغَتِهِ حَقِيقَةً تارَةً ومَجازًا أُخْرى. هَذا أوَّلًا.
وثانِيًا: لَمّا كانَ كَثِيرٌ مِنَ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ تَتَشابَهُ مَعَ الآياتِ، كانَ ذَلِكَ مِمّا يُقَرِّبُ بَيْنَهُما، ويَدْعُو إلى اتِّحادِ المُرادِ مِنهُما. لِما تَقَرَّرَ مِن شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْكِتابِ، وهَذا ما دَرَجَ عَلَيْهِ المُحَدِّثُونَ قاطِبَةً. فَتَرى أحَدَهم إذا رَأى في خَبَرٍ ما يُشِيرُ إلى آيَةٍ، قَطَعَ بِأنَّهُ تَفْسِيرُها ووَقَفَ عِنْدَهُ ولَمْ يَتَعَدَّهُ. وأمّا مَن فَتَحَ لِلتَّدَبُّرِ بابًا، ومَهَّدَ لِلنَّظَرِ مَجالًا، ورَأى أنَّ الأثَرَ قَدْ يَكُونُ مِن مَحْمُولاتِ الآيَةِ وما صَدَقاتِها، وأنَّها أعَمُّ وأشْمَلُ، أوْ إنَّ حَمْلَ الخَبَرِ عَلَيْها اشْتِباهٌ أفْضى إلَيْهِ التَّشابُهُ، (p-٥٣٠٤)فَذاكَ وسَّعَ لِلسّالِكِ المَسالِكَ، وفَتَحَ لِلْمُرِيدِ المَدارِكَ، ورَقّاهُ مِن حَظِيرَةِ النَّقْلِ إلى فَضاءِ العَقْلِ. ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ.
إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، رَأيْتَ أنَّ مَن فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَجاعَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِقُرَيْشٍ، أمْكَنَهُ تَطْبِيقُ الآيَةِ عَلَيْها مَجازًا في بَعْضِ مُفْرَداتِها، وحَقِيقَةً في بَقِيَّتِها وفي وُقُوعِ مِصْداقِها، في رَأْيِهِ. ومَن فَسَّرَها بِالدُّخّانِ المُنْتَظَرِ، المَرْوِيِّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وقَفَ مَعَ المَرْوِيِّ ورَأى أنَّهُ تَفْسِيرُها؛ لِأنَّ الأصْلَ التَّوافُقُ والحَمْلُ عَلى المَعْهُودِ؛ لِأنَّهُ الأقْرَبُ خُطُورًا والأسْبَقُ حُضُورًا، ومَن فَسَّرَها بِالظُّهُورِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، رَأى أنَّها مِن بَلِيغِ المَجازِ وبَدِيعِ الكِنايَةِ في ذَلِكَ، وأنَّ الوَعْدَ بِالِارْتِقابِ. كَثُرَ أشْباهُهُ ونَظائِرُهُ في غَيْرِ ما آيَةٍ، مُرادًا بِهِ الفَتْحُ. كَآيَةِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠]
فَهَذا وأمْثالُهُ يُبَيِّنُ مَآخِذَ الأئِمَّةِ، ومَدارِكَهم في التَّأْوِيلِ. وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ أطْرافَ المَدارِكِ قَدْ تَتَجاذَبُ اللَّفْظَ فَتَسْتَوْقِفُ الرَّأْيَ عَنِ التَّشَيُّعِ لِمُدْرِكٍ دُونَ آخَرَ. ما لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ ما يُرَشِّحُ أحَدَها وقَدْ يَظُنُّ الواقِفُ عَلى كَلامِ الرّازِيِّ المُتَقَدِّمِ، واحْتِجاجِهِ لِلْوَجْهِ الثّانِي بِما أطالَ بِهِ، أنْ لا مُنْتَدَحَ، بَعْدُ، عَنْهُ. مَعَ أنَّ لِلذّاهِبِ إلى غَيْرِهِ أنْ يُجِيبَ عَنِ احْتِجاجِهِ بِما أسْلَفْنا مِن صِحَّةِ المَجازِ. بَلْ وقُوَّتُهُ هُنا؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إنْذارٍ وإيعادٍ، والذَّوْقُ أكْبَرُ حاكِمٍ وإلَيْهِ مَرَدُّ البَلاغَةِ. ولا يَلْزَمُ المُتَأوِّلَ نُكْرانُهُ لِلدُّخانِ المُنْتَظَرِ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ. بَلْ يَتَعَرَّفُ بِأنَّهُ آيَةٌ آتِيَةٌ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ، ويَنْقَلِبُ هَذا النِّظامُ إلى نَشْأةٍ ثانِيَةٍ، وأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الِاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ اتِّحادُ المَتْلُوِّ والمَرْوِيِّ.
وبِالجُمْلَةِ، فاللَّفْظُ الكَرِيمُ يَتَناوَلُ المَعانِيَ الثَّلاثَةَ. وسَبَبُهُ تَحَقُّقُ مِصْداقِ الجَمِيعِ. وأمّا تَعْيِينُ واحِدٍ مِنها لِلْمُرادِ، فَصَعْبٌ جِدًّا فِيما أراهُ، لاسِيَّما ولَمْ يَتَّفِقِ الصَّحْبُ عَلى رَأْيٍ فِيها. هَذا ما نَقُولُهُ الآنَ. واللَّهُ العَلِيمُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الدخان 44:17
(p-٥٣٠٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ .
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: ابْتُلِينا، قَبْلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ، بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا. فاخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ: ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: عَلى اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ، أوْ في نَفْسِهِ. فَعَلى الأوَّلِ كَرِيمٌ بِمَعْنى مُكْرَمٍ أيْ: مُعَظَّمٍ. وعَلى الثّانِي، مِنَ الكَرَمِ بِمَعْنى الِاتِّصافِ بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ، حَسَبًا ونَسَبًا.
الدخان 44:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ .
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أيْ: أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ، لِأسِيرَ بِهِمْ إلى بِلادِنا الأُولى، وأطْلِقُوهم مِن أسْرِكم وحَبْسِكُمْ؛ فَإنَّهم قَوْمٌ أحْرارٌ، أبَوْا -لِلضَّيْمِ- هَذِهِ الدِّيارَ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ، الَّتِي حَمَّلَنِيها إلَيْكُمْ؛ لِأُنْذِرَكم بَأْسَهُ إنْ عَصَيْتُمْ.
الدخان 44:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: بِإنْكارِ رُبُوبِيَّتِهِ، ودَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وغَضَبِ عِبادِهِ: ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ عَلى رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، ونَفْيِ رُبُوبِيَّتِكُمْ، وعَلى رِسالَتِي، وعَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عِبادُهُ الخاصَّةُ.
الدخان 44:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ .
﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ أيِ: اعْتَصَمْتُ بِهِ مِن رَجْمِكُمْ؛ يَعْنِي القَتْلَ، فَعَصَمَنِي، فَلا يَنالُنِي مِنكم مَكْرُوهٌ، مَعَ أنَّهُ لا يُعْصَمُ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ، وقَصَدَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، (p-٥٣٠٦)إظْهارَ مَزِيدِ شَجاعَتِهِ وثَباتِهِ في مَوْقِفٍ تَضْطَرِبُ فِيهِ الأفْئِدَةُ، وتَزِلُّ الأقْدامُ، خَوْفًا ورُعْبًا، وما ذاكَ إلّا لِإيوائِهِ إلى عِصْمَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ.
الدخان 44:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: فَكُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنِّي. فَلَسْتُ بِمَوالٍ مِنكم أحَدًا.
الدخان 44:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ .
﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ أيْ: لَمّا تابُوا عَنْ إجابَتِهِ: ﴿أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ أيْ: مُشْرِكُونَ مُفْسِدُونَ.
الدخان 44:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ .
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا﴾ أيْ: فَأجابَ دُعاءَهُ، وأوْحى إلَيْهِ بِأنْ سِرْ بِقَوْمِكَ لَيْلًا: ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: إنَّ فِرْعَوْنَ، وقَوْمَهُ مِنَ القِبْطِ مُتَّبِعُوكُمْ، إذا شَخَصْتُمْ عَنْ بَلَدِهِمْ وأرْضِهِمْ لِيُرْجِعُوكم.
الدخان 44:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤، ٢٥] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] .
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ: فَإذا قَطَعْتَ البَحْرَ أنْتَ وأصْحابُكَ، فاتْرُكْهُ ساكِنًا عَلى حالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها حِينَ دَخَلْتَهُ، ولا تَضْرِبْهُ بِعَصاكَ لِيَدْخُلَهُ القِبْطُ فَيَغْرَقُوا: ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ [الدخان: ٢٥] أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ بِالغَرَقِ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] أيْ: بَساتِينَ وعُيُونٍ يُسْقى مِنها، ويُتَنَعَّمُ بِالنَّظَرِ فِيها، هَذا في التَّفَكُّهِ والتَّنَزُّهِ.
الدخان 44:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤، ٢٥] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] .
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ: فَإذا قَطَعْتَ البَحْرَ أنْتَ وأصْحابُكَ، فاتْرُكْهُ ساكِنًا عَلى حالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها حِينَ دَخَلْتَهُ، ولا تَضْرِبْهُ بِعَصاكَ لِيَدْخُلَهُ القِبْطُ فَيَغْرَقُوا: ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ [الدخان: ٢٥] أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ بِالغَرَقِ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] أيْ: بَساتِينَ وعُيُونٍ يُسْقى مِنها، ويُتَنَعَّمُ بِالنَّظَرِ فِيها، هَذا في التَّفَكُّهِ والتَّنَزُّهِ.
الدخان 44:26
(p-٥٣٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ .
﴿وزُرُوعٍ﴾ أيْ: قائِمَةٍ مَزارِعُهم لِلْقُوتِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: مَحافِلَ مُزَيَّنَةٍ، ومَنازِلَ مُزَخْرَفَةٍ.
الدخان 44:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ .
﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ أيْ: مُتَنَعِّمِينَ مِن نِساءٍ وأمْوالٍ وحَشَمٍ، وما لا يُحْصى مِنَ المُشْتَهِياتِ.
الدخان 44:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ .
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ هَذا الإخْراجِ. فالكافُ، أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَفْهُومٍ مِنَ التَّرْكِ. أوْ هو خَبَرٌ مَحْذُوفٌ؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ. والمُرادُ بِهِ التَّأْكِيدُ والتَّقْرِيرُ.
﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ يَعْنِي مَن خَلْفَهم بَعْدَ مَهْلَكِهِمْ.
الدخان 44:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ .
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا ماتَ رَجُلٌ خَطِيرٌ، قالَتِ العَرَبُ في تَعْظِيمِ مَهْلَكِهِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎تُبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ والقَمَرا
(p-٥٣٠٨)وقالَتِ الخارِجِيَّةُ:
؎أيا شَجَرَ الخابُورِ ما لَكَ مُورِقًا ∗∗∗ كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَرِيفِ
وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ. مُبالَغَةً في وُجُوبِ الجَزَعِ والبُكاءِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِن بُكاءِ مُصَلّى المُؤْمِنِ، وآثارِهِ في الأرْضِ، ومَصاعِدِ عَمَلِهِ، ومَهابِطِ رِزْقِهِ في السَّماءِ: تَمْثِيلٌ. ونَفْيُ ذَلِكَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ فِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِحالِهِمْ، المُنافِيَةِ لِحالِ مَن يَعْظُمُ فَقْدُهُ، فَيُقالُ فِيهِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وعَنِ الحَسَنِ: فَما بَكى عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. يَعْنِي: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ: ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: مُؤَخَّرِينَ بِالعُقُوبَةِ. بَلْ عُوجِلُوا بِها، زِيادَةَ سُخْطٍ عَلَيْهِمْ.
الدخان 44:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ .
﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ يَعْنِي اسْتِعْبادَ فِرْعَوْنَ، وقَتْلَهُ أبْناءَهم.
الدخان 44:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ .
﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ العَذابِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ جَعَلَهُ عَذابًا مُبالَغَةً لِإفْراطِهِ في التَّعْذِيبِ، أوْ حالٌ مِن (المُهِينِ)، بِمَعْنى واقِعًا مِن جِهَتِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ أيْ: مُتَكَبِّرًا عَلى النّاسِ: ﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيِ: المُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، في العُتُوِّ والشَّرِّ.
الدخان 44:32
(p-٥٣٠٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ .
﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: فَضَّلْناهم لِأجْلِ عِلْمٍ مَعَهُمْ، عَلى عالَمَيْ زَمانِهِمْ. أوْ عالِمِينَ بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُخْتارُوا ويُؤْثَرُوا.
الدخان 44:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿وآتَيْناهُمْ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى اخْتِبارِهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ والكَراماتِ: ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهم حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى أعْدائِهِمْ.
الدخان 44:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤، ٣٥] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] .
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] أيِ: المُتَعَقِّبَةُ لِلْحَياةِ، كَأنَّهم أرادُوا إلّا مَوْتَتَنا هَذِهِ. ولَيْسَ القَصْدُ إلى إثْباتِ ثانِيَةٍ. قالَ الإسْنَوِيُّ في (التَّمْهِيدِ): الأوَّلُ في اللُّغَةِ ابْتِداءُ الشَّيْءِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ، وقَدْ لا يَكُونُ. كَما تَقُولُ: هَذا أوَّلُ ما اكْتَسَبْتُهُ. فَقَدْ تَكْتَسِبُ بَعْدَهُ شَيْئًا، وقَدْ لا تَكْتَسِبُ. كَذا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ، والزَّجّاجُ. ومِن فُرُوعِ المَسْألَةِ، ما لَوْ قالَ: إنْ كانَ أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأنْتِ طالِقٌ، تَطْلُقُ إذا ولَدَتْهُ، وإنْ لَمْ تَلِدْ غَيْرَهُ، بِالِاتِّفاقِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: اتَّفِقُوا عَلى أنْ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ أوَّلًا، أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ آخِرٌ. وإنَّما الشَّرْطُ أنْ لا تُقَدِّمَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ. انْتَهى.
وما ذُكِرَ أظْهَرُ مِمّا لِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] أيْ: مَبْعُوثِينَ.
الدخان 44:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤، ٣٥] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] .
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] أيِ: المُتَعَقِّبَةُ لِلْحَياةِ، كَأنَّهم أرادُوا إلّا مَوْتَتَنا هَذِهِ. ولَيْسَ القَصْدُ إلى إثْباتِ ثانِيَةٍ. قالَ الإسْنَوِيُّ في (التَّمْهِيدِ): الأوَّلُ في اللُّغَةِ ابْتِداءُ الشَّيْءِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ، وقَدْ لا يَكُونُ. كَما تَقُولُ: هَذا أوَّلُ ما اكْتَسَبْتُهُ. فَقَدْ تَكْتَسِبُ بَعْدَهُ شَيْئًا، وقَدْ لا تَكْتَسِبُ. كَذا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ، والزَّجّاجُ. ومِن فُرُوعِ المَسْألَةِ، ما لَوْ قالَ: إنْ كانَ أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأنْتِ طالِقٌ، تَطْلُقُ إذا ولَدَتْهُ، وإنْ لَمْ تَلِدْ غَيْرَهُ، بِالِاتِّفاقِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: اتَّفِقُوا عَلى أنْ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ أوَّلًا، أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ آخِرٌ. وإنَّما الشَّرْطُ أنْ لا تُقَدِّمَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ. انْتَهى.
وما ذُكِرَ أظْهَرُ مِمّا لِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] أيْ: مَبْعُوثِينَ.
الدخان 44:36
(p-٥٣١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في بَعْثِنا بَعْدَ بَلائِنا في قُبُورِنا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ حُجَّةٌ باطِلَةٌ، وشُبْهَةٌ فاسِدَةٌ؛ فَإنَّ المَعادَ إنَّما هو يَوْمُ القِيامَةِ، لا في دارِ الدُّنْيا. بَلْ بَعْدَ انْقِضائِها وذَهابِها وفَراغِها، يُعِيدُ اللَّهُ العالَمِينَ خَلْقًا جَدِيدًا، ويَجْعَلُ الظّالِمِينَ لِنارِ جَهَنَّمَ وقُودًا، ثُمَّ أنْذَرَهم تَعالى بَأْسَهُ الَّذِي لا يُرَدُّ، كَما حَلَّ بِأشْباهِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الدخان 44:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .
﴿أهم خَيْرٌ﴾ أيْ: في القُوَّةِ والمَنَعَةِ: ﴿أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِجُرْمِهِمْ، وهو كُفْرُهم وفَسادُهم. وهم ما هم. فَما بالُ قُرَيْشٍ لا تَخافُ أنْ يُصِيبَها ما أصابَهُمْ؟ وقَوْمُ تُبَّعٍ هم حِمْيَرُ وأهْلُ سَبَأٍ. أهْلَكَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وفَرَّقَهم في البِلادِ شَذَرَ مَذَرَ. كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ [ سَبَأٍ] . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ كانُوا عَرَبًا مِن قَحْطانَ. كَما أنَّ هَؤُلاءِ عَرَبٌ مِن عَدْنانَ، وكانَتْ حِمْيَرُ كُلَّما مَلَكَ فِيهِمْ رَجُلٌ سَمَّوْهُ تُبَّعًا. كَما يُقالُ: (كِسْرى)، لِمَن مَلَكَ الفُرْسَ. و(قَيْصَرُ)، لِمَن مَلَكَ الرُّومَ. و(فِرْعَوْنُ)، لِمَن مَلَكَ مِصْرَ كافِرًا. و(النَّجاشِيُّ)، لِمَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أعْلامِ الأجْناسِ.
لَكِنِ اتُّفِقَ أنَّ بَعْضَ تَبابِعَتِهِمْ خَرَجَ مِنَ اليَمَنِ، وسارَ في البِلادِ حَتّى وصَلَ إلى سَمَرْقَنْدَ، واشْتَدَّ مُلْكُهُ، وعَظُمَ سُلْطانُهُ وجَيْشُهُ، واتَّسَعَتْ مَمْلَكَتُهُ، وبِلادُهُ، وكَثُرَتْ رَعاياهُ، وهو الَّذِي مَصَّرَ الحِيرَةَ، فاتَّفَقَ أنَّهُ مَرَّ بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وذَلِكَ في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَأرادَ قِتالَ أهْلِها فَمانَعُوهُ، وقاتَلُوهُ بِالنَّهارِ، وجَعَلُوا يَقْرُونَهُ بِاللَّيْلِ. فاسْتَحْيا مِنهم وكَفَّ عَنْهُمْ، واسْتَصْحَبَ مَعَهُ حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ يَهُودَ، كانا قَدْ نَصَحاهُ، وأخْبَراهُ أنْ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى هَذِهِ البَلْدَةِ. فَإنَّها مُهاجَرُ نَبِيٍّ يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ. فَرَجَعَ عَنْها، وأخَذَهُما مَعَهُ إلى بِلادِ اليَمَنِ. فَلَمّا اجْتازَ بِمَكَّةَ أرادَ هَدْمَ الكَعْبَةِ. فَنَهَياهُ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا. وأخْبَراهُ بِعَظَمَةِ (p-٥٣١١)هَذا البَيْتِ، وأنَّهُ مِن بِناءِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ عَلى يَدَيْ ذَلِكَ النَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، فَعَظَّمَها وطافَ بِها، وكَساها المُلاءَ والوَصائِلَ والحِبَرَ. ثُمَّ كَرَّ راجِعًا إلى اليَمَنِ، ودَعا أهْلَها إلى التَّهَوُّدِ مَعَهُ. وكانَ إذْ ذاكَ دِينُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فِيهِ مَن يَكُونُ عَلى الهِدايَةِ قَبْلَ بَعْثَةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَتَهَوَّدَ مَعَهُ عامَّةُ أهْلِ اليَمَنِ.
وقَدْ ذَكَرَ القِصَّةَ بِطُولِها الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في كِتابِهِ: (السِّيرَةُ). وتَرْجَمَهُ الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في (تارِيخِهِ) تَرْجَمَةً حافِلَةً، وذَكَرَ أنَّهُ مَلَكَ دِمَشْقَ. وساقَ ما رُوِيَ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ ولَعْنِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَأنَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. كانَ كافِرًا ثُمَّ أسْلَمَ، وتابَعَ دِينَ الكَلِيمِ عَلى يَدَيْ مَن كانَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ في ذَلِكَ الزَّمانِ عَلى الحَقِّ قَبْلَ بَعْثَةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَجَّ البَيْتَ في زَمَنِ الجُرْهُمِيِّينَ وكَساهُ المُلاءَ، والوَصائِلَ مِنَ الحَرِيرِ والحِبَرِ، ونَحَرَ عِنْدِهِ سِتَّةَ آلافِ بَدَنَةٍ، وعَظَمَّهُ وأكْرَمَهُ، ثُمَّ عادَ إلى اليَمَنِ، وقَدْ ساقَ قِصَّتَهُ بِطُولِها الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُطَوَّلَةٍ مَبْسُوطَةٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وإلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أيْضًا، وهو أثْبَتُ وأكْبَرُ وأعْلَمُ. وكَذا رَوى قِصَّتَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ) كَما هو مَشْهُورٌ فِيها. وقَدِ اخْتَلَطَ عَلى الحافِظِ ابْنِ عَساكِرَ في بَعْضِ السِّياقاتِ، تَرْجَمَةُ تُبَّعٍ هَذا، بِتَرْجَمَةِ آخَرَ مُتَأخِّرٍ عَنْهُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ؛ فَإنَّ تُبَّعًا هَذا المُشارَ إلَيْهِ في القُرْآنِ أسْلَمَ قَوْمُهُ عَلى يَدَيْهِ، ثُمَّ لَمّا تُوُفِّيَ عادُوا بَعْدَهُ إلى عِبادَةِ الثِّيرانِ والأصْنامِ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، كَما ذَكَرَهُ في سُورَةِ سَبَأٍ.
وتُبَّعٌ هَذا هو تُبَّعٌ الأوْسَطُ. واسْمُهُ أسْعَدُ أبُو كَرِبَ. ولَمْ يَكُنْ في حِمْيَرَ أطْوَلُ مُدَّةً مِنهُ. وتُوُفِّيَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوٍ مِن سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وذَكَرُوا أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ لَهُ الحَبْرانِ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ، أنَّ هَذِهِ البَلْدَةَ مُهاجَرُ نَبِيٍّ في آخِرِ الزَّمانِ اسْمُهُ أحْمَدُ، قالَ في ذَلِكَ شِعْرًا، واسْتَوْدَعَهُ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ. فَكانُوا يَتَوارَثُونَهُ ويَرْوُونَهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وكانَ مِمَّنْ يَحْفَظُهُ أبُو أيُّوبَ خالِدُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، الَّذِي نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في دارِهِ، وهُوَ:(p-٥٣١٢)
؎شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بارِي النَّسَمْ
؎فَلَوْ مَدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنَ عَمْ
؎وجاهَدْتُ بِالسَّيْفِ أعْداءَهُ ∗∗∗ وفَرَّجْتُ عَنْ صَدْرِهِ كُلَّ غَمْ
ثُمَّ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ آثارًا في النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ، وبِالجُمْلَةِ فَإنَّ قِصَّتَهُ المَذْكُورَةَ، والمَرْوِيَّ في شَأْنِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَنَدُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، إلّا إنَّ ذَلِكَ مِمّا يَتَحَمَّلُ التَّوَسُّعَ فِيهِ، لِكَوْنِهِ نَبَأً مَحْضًا مُجَرَّدًا عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. نَعَمْ، لا يُشَكُّ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَعْلَمُ مِن فَخامَةِ نَبَئِهِ المَرْوِيِّ لَها بِالتَّواتُرِ، ما فِيهِ أكْبَرُ مَوْعِظَةٍ لَها، ولِذا طَوى نَبَأهُ، إحالَةً عَلى ما تَعْرِفُهُ مِن أمْرِهِ، وما تَسَمَّرَ بِهِ مِن شَأْنِهِ. وما القَصْدُ إلّا العِظَةُ والِاعْتِبارُ، لا قَصَّ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ الأخْبارِ، وسَمَرًا مِنَ الأسْمارِ، كَما هو السِّرُّ في أمْثالِ نَبَئِهِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الدخان 44:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨، ٣٩] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] .
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] أيِ: الِاسْتِدْلالِ عَلى خالِقِهِما، لِعِبادَتِهِ وطاعَتِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] أيْ: حِكْمَةَ خَلْقِها، فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ.
الدخان 44:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨، ٣٩] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] .
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] أيِ: الِاسْتِدْلالِ عَلى خالِقِهِما، لِعِبادَتِهِ وطاعَتِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] أيْ: حِكْمَةَ خَلْقِها، فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ.
الدخان 44:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ - ٤٢] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] .
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أيْ: فَصْلِ اللَّهِ بَيْنَ الخَلائِقِ وقَضائِهِ عَلَيْهِمْ، لِيَجْزِيَهم بِما أسْلَفُوا (p-٥٣١٣)مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ: ﴿مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١] أيْ مِن إثابَةٍ، أوْ تَحَمُّلِ عِقابٍ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيْ: بِأنْ وفَّقَهُ لِلْإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيِ: الغالِبُ في انْتِقامِهِ مِن أعْدائِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ.
الدخان 44:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ - ٤٢] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] .
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أيْ: فَصْلِ اللَّهِ بَيْنَ الخَلائِقِ وقَضائِهِ عَلَيْهِمْ، لِيَجْزِيَهم بِما أسْلَفُوا (p-٥٣١٣)مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ: ﴿مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١] أيْ مِن إثابَةٍ، أوْ تَحَمُّلِ عِقابٍ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيْ: بِأنْ وفَّقَهُ لِلْإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيِ: الغالِبُ في انْتِقامِهِ مِن أعْدائِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ.
الدخان 44:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ - ٤٢] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] .
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أيْ: فَصْلِ اللَّهِ بَيْنَ الخَلائِقِ وقَضائِهِ عَلَيْهِمْ، لِيَجْزِيَهم بِما أسْلَفُوا (p-٥٣١٣)مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ: ﴿مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١] أيْ مِن إثابَةٍ، أوْ تَحَمُّلِ عِقابٍ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيْ: بِأنْ وفَّقَهُ لِلْإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيِ: الغالِبُ في انْتِقامِهِ مِن أعْدائِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ.
الدخان 44:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣] ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ .
﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ أيِ: الَّتِي هي أخْبَثُ شَجَرَةٍ مَعْرُوفَةٍ في البادِيَةِ.
الدخان 44:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ .
﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ أيِ: الفاجِرِ الكَثِيرِ الآثامِ.
الدخان 44:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥، ٤٦] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] .
﴿كالمُهْلِ﴾ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، أيْ: عَكِرُهُ في قَعْرِهِ: ﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾ أيْ: يَضْطَرِبُ فِيها مِن شِدَّةِ الحَرارَةِ فَيُقْلِقُ القُلُوبَ ويُحْرِقُها. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] أيِ: الماءِ الحارِّ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُطُونِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ الصّافّاتِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُـزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]
الدخان 44:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥، ٤٦] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] .
﴿كالمُهْلِ﴾ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، أيْ: عَكِرُهُ في قَعْرِهِ: ﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾ أيْ: يَضْطَرِبُ فِيها مِن شِدَّةِ الحَرارَةِ فَيُقْلِقُ القُلُوبَ ويُحْرِقُها. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] أيِ: الماءِ الحارِّ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُطُونِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ الصّافّاتِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُـزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]
الدخان 44:47
(p-٥٣١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ .
﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ أيِ: ادْفَعُوهُ بِعُنْفٍ: ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: وسَطِها ومُعْظَمِها.
الدخان 44:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ .
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ أيْ: لِتَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ أجْزاءِ بَدَنِهِ تُصِيبُها.
الدخان 44:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ .
﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزُؤِ والتَّهَكُّمِ، فَيَتِمُّ لَهُ، مَعَ العَذابِ الأوَّلِ -وهُوَ الحِسِّيُّ- العَذابُ العَقْلِيُّ.
الدخان 44:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٠] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ .
﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ: العَذابَ أوِ الأمْرَ: ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ، مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِهِ، أوْ تَتَمارَوْنَ وتَتَلاحَقُونَ.
الدخان 44:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ .
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيْ: يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِنَ الخَوْفِ والفَزَعِ.
الدخان 44:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢، ٥٣] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] .
(p-٥٣١٥)﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الدخان: ٥٣] أيْ: ما رَقَّ مِنَ الحَرِيرِ وكَثُفَ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] أيْ: في مَجالِسِهِمْ، أوْ أماكِنِهِمْ؛ لِحُسْنِ تَرْتِيبِ الغُرَفِ، وتَصْفِيفِ مَنازِلِهِمْ.
الدخان 44:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢، ٥٣] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] .
(p-٥٣١٥)﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الدخان: ٥٣] أيْ: ما رَقَّ مِنَ الحَرِيرِ وكَثُفَ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] أيْ: في مَجالِسِهِمْ، أوْ أماكِنِهِمْ؛ لِحُسْنِ تَرْتِيبِ الغُرَفِ، وتَصْفِيفِ مَنازِلِهِمْ.
الدخان 44:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ .
﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: قَرَنّاهم بِما فِيهِ قُرَّةِ أعْيُنِهِمْ، واسْتِئْناسِ قُلُوبِهِمْ، لِوُصُولِهِمْ بِمَحْبُوبِهِمْ، وحُصُولِهِمْ عَلى كَمالِ مُرادِهِمْ.
الدخان 44:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ .
﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ ويَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ، آمِنِينَ مِن كُلِّ ضَرَرٍ.
الدخان 44:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦ - ٥٩] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] .
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لا يَذُوقُ هَؤُلاءِ المُتَّقُونَ في الجَنَّةِ، المَوْتَ بَعْدَ المَوْتَةِ الأُولى، الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا.
(p-٥٣١٦)وكانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ: { إلّا } هُنا بِمَعْنى (سِوى)؛ أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. انْتَهى.
يَعْنِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا: ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [الدخان: ٥٨] أيْ: سَهَّلْناهُ حَيْثُ أنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ، وهو فَذْلَكَةٌ لِلسُّورَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] أيْ: يَتَّعِظُونَ بِعِبَرِهِ وعِظاتِهِ وحُجَجِهِ، فَيُنِيبُوا إلى طاعَةِ رَبِّهِمْ ويُذْعِنُوا لِلْحَقِّ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ [الدخان: ٥٩] أيْ: ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن زُهُوقِ باطِلِهِمْ: ﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] أيْ: مُنْتَظِرُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ غَلَبَتَكَ، أوْ هو قَوْلُهُمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وهَذا وعْدٌ لَهُ ﷺ بِالنُّصْرَةِ والفَتْحِ عَلَيْهِمْ، وتَسْلِيَةٌ ووَعِيدٌ لَهم. وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]
الدخان 44:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦ - ٥٩] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] .
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لا يَذُوقُ هَؤُلاءِ المُتَّقُونَ في الجَنَّةِ، المَوْتَ بَعْدَ المَوْتَةِ الأُولى، الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا.
(p-٥٣١٦)وكانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ: { إلّا } هُنا بِمَعْنى (سِوى)؛ أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. انْتَهى.
يَعْنِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا: ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [الدخان: ٥٨] أيْ: سَهَّلْناهُ حَيْثُ أنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ، وهو فَذْلَكَةٌ لِلسُّورَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] أيْ: يَتَّعِظُونَ بِعِبَرِهِ وعِظاتِهِ وحُجَجِهِ، فَيُنِيبُوا إلى طاعَةِ رَبِّهِمْ ويُذْعِنُوا لِلْحَقِّ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ [الدخان: ٥٩] أيْ: ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن زُهُوقِ باطِلِهِمْ: ﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] أيْ: مُنْتَظِرُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ غَلَبَتَكَ، أوْ هو قَوْلُهُمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وهَذا وعْدٌ لَهُ ﷺ بِالنُّصْرَةِ والفَتْحِ عَلَيْهِمْ، وتَسْلِيَةٌ ووَعِيدٌ لَهم. وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]
الدخان 44:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦ - ٥٩] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] .
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لا يَذُوقُ هَؤُلاءِ المُتَّقُونَ في الجَنَّةِ، المَوْتَ بَعْدَ المَوْتَةِ الأُولى، الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا.
(p-٥٣١٦)وكانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ: { إلّا } هُنا بِمَعْنى (سِوى)؛ أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. انْتَهى.
يَعْنِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا: ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [الدخان: ٥٨] أيْ: سَهَّلْناهُ حَيْثُ أنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ، وهو فَذْلَكَةٌ لِلسُّورَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] أيْ: يَتَّعِظُونَ بِعِبَرِهِ وعِظاتِهِ وحُجَجِهِ، فَيُنِيبُوا إلى طاعَةِ رَبِّهِمْ ويُذْعِنُوا لِلْحَقِّ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ [الدخان: ٥٩] أيْ: ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن زُهُوقِ باطِلِهِمْ: ﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] أيْ: مُنْتَظِرُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ غَلَبَتَكَ، أوْ هو قَوْلُهُمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وهَذا وعْدٌ لَهُ ﷺ بِالنُّصْرَةِ والفَتْحِ عَلَيْهِمْ، وتَسْلِيَةٌ ووَعِيدٌ لَهم. وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]
الدخان 44:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦ - ٥٩] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] .
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لا يَذُوقُ هَؤُلاءِ المُتَّقُونَ في الجَنَّةِ، المَوْتَ بَعْدَ المَوْتَةِ الأُولى، الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا.
(p-٥٣١٦)وكانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ: { إلّا } هُنا بِمَعْنى (سِوى)؛ أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. انْتَهى.
يَعْنِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا: ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [الدخان: ٥٨] أيْ: سَهَّلْناهُ حَيْثُ أنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ، وهو فَذْلَكَةٌ لِلسُّورَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] أيْ: يَتَّعِظُونَ بِعِبَرِهِ وعِظاتِهِ وحُجَجِهِ، فَيُنِيبُوا إلى طاعَةِ رَبِّهِمْ ويُذْعِنُوا لِلْحَقِّ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ [الدخان: ٥٩] أيْ: ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن زُهُوقِ باطِلِهِمْ: ﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] أيْ: مُنْتَظِرُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ غَلَبَتَكَ، أوْ هو قَوْلُهُمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وهَذا وعْدٌ لَهُ ﷺ بِالنُّصْرَةِ والفَتْحِ عَلَيْهِمْ، وتَسْلِيَةٌ ووَعِيدٌ لَهم. وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]
الجاثية 45:1
(p-٥٣١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الجاثِيَةِ
سُمِّيَتْ بِها لِتَضَمُّنِ آيِها بَيانَ سَبَبِ تَأْخِيرِ البَعْثِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأجْلِ اجْتِماعِ الأُمَمِ مُحاكَمَةً إلى اللَّهِ تَعالى، وفَصْلِهِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهي مِنَ المَطالِبِ الشَّرِيفَةِ في القُرْآنِ. وتُسَمّى: (سُورَةَ الشَّرِيعَةِ) لِتَضَمُّنِ آيِها وجْهَ نَسْخِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، سائِرَ الشَّرائِعِ، وفَضْلَها عَلَيْها. وهو أيْضًا مِنَ المَطالِبِ العَزِيزَةِ فِيهِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] فَإنَّهُ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ في شَأْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَما سَيَأْتِي، وآياتُها سَبْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً.
(p-٥٣١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١، ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢] قالَ المَهايِمِيُّ: فَعِزَّتُهُ تَقْتَضِي إفاضَةَ الحُجَجِ الَّتِي بِها الغَلَبَةُ عَلى الخُصُومِ، وإفاضَةُ الكَمالاتِ الَّتِي يَعْسُرُ الوُصُولُ إلَيْها. وأنْواعُ السِّعاداتِ، وحِدَّةُ النَّظَرِ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي مَحْوَ الشُّبَهِ وإزالَةَ النَّقائِصِ وإحْراقَ الشَّقاوَةِ وتَمْهِيدَ الفِكْرِ. وقَدْ نَزَّلَهُ مِن مَقامِ عَزَّتِهِ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، لِتَكْمِيلِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةِ، مِنَ الإيمانِ، والإيقانِ، والعَقْلِ، وذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى أنْواعِ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْحُجَجِ، ورَفْعِ الشُّبَهِ؛ فَمِنها آياتُ الأجْسامِ.
الجاثية 45:2
(p-٥٣١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الجاثِيَةِ
سُمِّيَتْ بِها لِتَضَمُّنِ آيِها بَيانَ سَبَبِ تَأْخِيرِ البَعْثِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأجْلِ اجْتِماعِ الأُمَمِ مُحاكَمَةً إلى اللَّهِ تَعالى، وفَصْلِهِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهي مِنَ المَطالِبِ الشَّرِيفَةِ في القُرْآنِ. وتُسَمّى: (سُورَةَ الشَّرِيعَةِ) لِتَضَمُّنِ آيِها وجْهَ نَسْخِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، سائِرَ الشَّرائِعِ، وفَضْلَها عَلَيْها. وهو أيْضًا مِنَ المَطالِبِ العَزِيزَةِ فِيهِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] فَإنَّهُ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ في شَأْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَما سَيَأْتِي، وآياتُها سَبْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً.
(p-٥٣١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١، ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢] قالَ المَهايِمِيُّ: فَعِزَّتُهُ تَقْتَضِي إفاضَةَ الحُجَجِ الَّتِي بِها الغَلَبَةُ عَلى الخُصُومِ، وإفاضَةُ الكَمالاتِ الَّتِي يَعْسُرُ الوُصُولُ إلَيْها. وأنْواعُ السِّعاداتِ، وحِدَّةُ النَّظَرِ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي مَحْوَ الشُّبَهِ وإزالَةَ النَّقائِصِ وإحْراقَ الشَّقاوَةِ وتَمْهِيدَ الفِكْرِ. وقَدْ نَزَّلَهُ مِن مَقامِ عَزَّتِهِ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، لِتَكْمِيلِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةِ، مِنَ الإيمانِ، والإيقانِ، والعَقْلِ، وذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى أنْواعِ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْحُجَجِ، ورَفْعِ الشُّبَهِ؛ فَمِنها آياتُ الأجْسامِ.
الجاثية 45:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٥] ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] .
﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥] أيْ: مَطَرٍ. سُمِّيَ رِزْقًا لِأنَّهُ سَبَبُهُ: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] أيْ: عَنِ اللَّهِ، ما وعَظَهم بِهِ ودُعائِهِمْ إلَيْهِ.
الجاثية 45:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٥] ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] .
﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥] أيْ: مَطَرٍ. سُمِّيَ رِزْقًا لِأنَّهُ سَبَبُهُ: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] أيْ: عَنِ اللَّهِ، ما وعَظَهم بِهِ ودُعائِهِمْ إلَيْهِ.
الجاثية 45:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٥] ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] .
﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥] أيْ: مَطَرٍ. سُمِّيَ رِزْقًا لِأنَّهُ سَبَبُهُ: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] أيْ: عَنِ اللَّهِ، ما وعَظَهم بِهِ ودُعائِهِمْ إلَيْهِ.
الجاثية 45:6
(p-٥٣١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ أيِ: الدّالَّةُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وإرادَتِهِ: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ آياتِهِ، ودَلائِلِهِ الباهِرَةِ، وتَقْدِيمُ اسْمِ اللَّهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِكَ: (أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ).
الجاثية 45:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧] ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ .
﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ﴾ أيْ: كَذّابٍ يَتَكَلَّمُ في حَقِّ اللَّهِ وصِفاتِهِ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ: ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ، لاسِيَّما إذا لَمْ يَتْرُكْ عَنْ غَفْلَةٍ، بَلْ مَعَ كَوْنِهِ:
الجاثية 45:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ - ١٢] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] .
(p-٥٣٢٠)﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا بِالإخْبارِ عَنْها بِالغَيْبِ، بَلْ: ﴿تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ: عَلى إنْكارِها: ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: عَنْ قَبُولِها، لا يَتَأثَّرُ بِها أصْلًا: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٩] اسْتِهانَةً بِها: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن بَعْدِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، عَذابُها: ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ: ﴿شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ: ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ [الجاثية: ١٠] يَعْنِي آلِهَتَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها، أوْ رُؤَساءَهُمُ الَّذِينَ أطاعُوهم في الكُفْرِ، واتَّخَذُوهم نُصَراءَ في الدُّنْيا: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا﴾ [الجاثية: ١١] أيِ: القُرْآنُ: ﴿هُدًى﴾ [الجاثية: ١١] أيْ: بَيانٌ ودَلِيلٌ عَلى الحَقِّ، يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مَنِ اتَّبَعَهُ، وعَمِلَ بِما فِيهِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِتَسْخِيرِهِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِاسْتِفادَةِ عِلْمٍ وتِجارَةٍ وأمْتِعَةٍ غَرِيبَةٍ وجِهادٍ وهِدايَةٍ وغَوْصٍ فِيهِ؛ لِاسْتِخْراجِ لِآلِيهِ، وصَيْدٍ مِنهُ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: نِعْمَةَ هَذا التَّسْخِيرِ، فَتَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، وتَصْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، إلى ما خُلِقْتُمْ لَهُ.
الجاثية 45:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ - ١٢] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] .
(p-٥٣٢٠)﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا بِالإخْبارِ عَنْها بِالغَيْبِ، بَلْ: ﴿تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ: عَلى إنْكارِها: ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: عَنْ قَبُولِها، لا يَتَأثَّرُ بِها أصْلًا: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٩] اسْتِهانَةً بِها: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن بَعْدِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، عَذابُها: ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ: ﴿شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ: ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ [الجاثية: ١٠] يَعْنِي آلِهَتَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها، أوْ رُؤَساءَهُمُ الَّذِينَ أطاعُوهم في الكُفْرِ، واتَّخَذُوهم نُصَراءَ في الدُّنْيا: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا﴾ [الجاثية: ١١] أيِ: القُرْآنُ: ﴿هُدًى﴾ [الجاثية: ١١] أيْ: بَيانٌ ودَلِيلٌ عَلى الحَقِّ، يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مَنِ اتَّبَعَهُ، وعَمِلَ بِما فِيهِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِتَسْخِيرِهِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِاسْتِفادَةِ عِلْمٍ وتِجارَةٍ وأمْتِعَةٍ غَرِيبَةٍ وجِهادٍ وهِدايَةٍ وغَوْصٍ فِيهِ؛ لِاسْتِخْراجِ لِآلِيهِ، وصَيْدٍ مِنهُ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: نِعْمَةَ هَذا التَّسْخِيرِ، فَتَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، وتَصْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، إلى ما خُلِقْتُمْ لَهُ.
الجاثية 45:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ - ١٢] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] .
(p-٥٣٢٠)﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا بِالإخْبارِ عَنْها بِالغَيْبِ، بَلْ: ﴿تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ: عَلى إنْكارِها: ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: عَنْ قَبُولِها، لا يَتَأثَّرُ بِها أصْلًا: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٩] اسْتِهانَةً بِها: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن بَعْدِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، عَذابُها: ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ: ﴿شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ: ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ [الجاثية: ١٠] يَعْنِي آلِهَتَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها، أوْ رُؤَساءَهُمُ الَّذِينَ أطاعُوهم في الكُفْرِ، واتَّخَذُوهم نُصَراءَ في الدُّنْيا: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا﴾ [الجاثية: ١١] أيِ: القُرْآنُ: ﴿هُدًى﴾ [الجاثية: ١١] أيْ: بَيانٌ ودَلِيلٌ عَلى الحَقِّ، يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مَنِ اتَّبَعَهُ، وعَمِلَ بِما فِيهِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِتَسْخِيرِهِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِاسْتِفادَةِ عِلْمٍ وتِجارَةٍ وأمْتِعَةٍ غَرِيبَةٍ وجِهادٍ وهِدايَةٍ وغَوْصٍ فِيهِ؛ لِاسْتِخْراجِ لِآلِيهِ، وصَيْدٍ مِنهُ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: نِعْمَةَ هَذا التَّسْخِيرِ، فَتَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، وتَصْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، إلى ما خُلِقْتُمْ لَهُ.
الجاثية 45:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ - ١٢] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] .
(p-٥٣٢٠)﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا بِالإخْبارِ عَنْها بِالغَيْبِ، بَلْ: ﴿تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ: عَلى إنْكارِها: ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: عَنْ قَبُولِها، لا يَتَأثَّرُ بِها أصْلًا: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٩] اسْتِهانَةً بِها: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن بَعْدِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، عَذابُها: ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ: ﴿شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ: ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ [الجاثية: ١٠] يَعْنِي آلِهَتَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها، أوْ رُؤَساءَهُمُ الَّذِينَ أطاعُوهم في الكُفْرِ، واتَّخَذُوهم نُصَراءَ في الدُّنْيا: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا﴾ [الجاثية: ١١] أيِ: القُرْآنُ: ﴿هُدًى﴾ [الجاثية: ١١] أيْ: بَيانٌ ودَلِيلٌ عَلى الحَقِّ، يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مَنِ اتَّبَعَهُ، وعَمِلَ بِما فِيهِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِتَسْخِيرِهِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِاسْتِفادَةِ عِلْمٍ وتِجارَةٍ وأمْتِعَةٍ غَرِيبَةٍ وجِهادٍ وهِدايَةٍ وغَوْصٍ فِيهِ؛ لِاسْتِخْراجِ لِآلِيهِ، وصَيْدٍ مِنهُ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: نِعْمَةَ هَذا التَّسْخِيرِ، فَتَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، وتَصْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، إلى ما خُلِقْتُمْ لَهُ.
الجاثية 45:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ - ١٢] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] .
(p-٥٣٢٠)﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا بِالإخْبارِ عَنْها بِالغَيْبِ، بَلْ: ﴿تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ: عَلى إنْكارِها: ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: عَنْ قَبُولِها، لا يَتَأثَّرُ بِها أصْلًا: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٩] اسْتِهانَةً بِها: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن بَعْدِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، عَذابُها: ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ: ﴿شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٠] أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ: ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ [الجاثية: ١٠] يَعْنِي آلِهَتَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها، أوْ رُؤَساءَهُمُ الَّذِينَ أطاعُوهم في الكُفْرِ، واتَّخَذُوهم نُصَراءَ في الدُّنْيا: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿هَذا﴾ [الجاثية: ١١] أيِ: القُرْآنُ: ﴿هُدًى﴾ [الجاثية: ١١] أيْ: بَيانٌ ودَلِيلٌ عَلى الحَقِّ، يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مَنِ اتَّبَعَهُ، وعَمِلَ بِما فِيهِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِتَسْخِيرِهِ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: بِاسْتِفادَةِ عِلْمٍ وتِجارَةٍ وأمْتِعَةٍ غَرِيبَةٍ وجِهادٍ وهِدايَةٍ وغَوْصٍ فِيهِ؛ لِاسْتِخْراجِ لِآلِيهِ، وصَيْدٍ مِنهُ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢] أيْ: نِعْمَةَ هَذا التَّسْخِيرِ، فَتَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، وتَصْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، إلى ما خُلِقْتُمْ لَهُ.
الجاثية 45:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣] ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: في آياتِ اللَّهِ وحُجَجِهِ وأدِلَّتِهِ، فَيَعْتَبِرُونَ بِها ويَتَفَكَّرُونَ. قالَ المَهايِمِيُّ: مِنها أنَّ رَبْطَ بَعْضِ العالَمِ بِالبَعْضِ دَلِيلُ تَوْحِيدِهِ، وجَعَلَ البَعْضُ سَبَبَ البَعْضِ، دَلِيلَ حِكْمَتِهِ، وجَعَلَ الكُلَّ مُسَخَّرًا لِلْإنْسانِ، دَلِيلَ كَمالِ جُودِهِ. فَمَن أنْكَرَ هَذِهِ الآياتِ، ولَمْ يَشْكُرْ هَذِهِ النِّعَمَ، اسْتَوْجَبَ أعْظَمَ وُجُوهِ الِانْتِقامِ.
الجاثية 45:14
(p-٥٣٢١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَّقُوا بِاللَّهِ واتَّبَعُوكَ: ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ بَأْسَ اللَّهِ ونِقَمَهُ، ووَقائِعَهُ بِأعْدائِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِن عِلْمِهِمْ. ومِنهُ العَفْوُ، والتَّجاوُزُ عَنْ بَعْضِ ما يُؤْذِي ويُوحِشُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ شَتَمَهُ رَجُلٌ مِن غِفارٍ، فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً. قِيلَ: يُؤَيِّدُهُ ما أُورِدَ عَلى كَوْنِها مَكِّيَّةً. مِن أنَّ مَن أسْلَمَ بِها كانُوا مَقْهُورِينَ فَلا يُمْكِنُهُمُ الِانْتِصارُ مِنهُمْ، والعاجِزُ لا يُؤْمَرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ، لِيُثابَ عَلَيْهِ. مَعَ أنَّ دَوامَ عَجْزِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم غَيْرُ مَعْلُومٍ. فالصَّوابُ أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ كالسُّورَةِ. ومَعْنى نُزُولِها في عُمَرَ -إنْ صَحَّ- صِدْقُها عَلى قَضِيَّتِهِ، والِاسْتِشْهادُ بِها لِسَماحِهِ. كَما حَقَّقْنا المُرادَ مِنَ النُّزُولِ، غَيْرَ ما مَرَّةٍ.
الجاثية 45:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ .
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: لِكَوْنِهِ افْتَكَّها مِنَ العَذابِ: ﴿ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ أيْ: أساءَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةِ رَبِّهِ، فَعَلى نَفْسِهِ جَنى؛ لِأنَّهُ أوْبَقَها بِذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ. فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
الجاثية 45:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ .
(p-٥٣٢٢)﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ: ﴿والحُكْمَ﴾ أيِ: الفَهْمَ بِالكِتابِ والعِلْمَ بِالسُّنَنِ الَّتِي تَنْزِلُ بِالكِتابِ: ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ أيْ: جَعَلْنا مِنهم أنْبِياءَ، ورُسُلًا إلى الخَلْقِ: ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ يَعْنِي المَنَّ والسَّلْوى: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: عالَمِي أهْلِ زَمانِهِمْ، بِإيتائِهِمْ ما لَمْ يُؤْتِ غَيْرَهم. كَما قالَ تَعالى:
الجاثية 45:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧] ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: حُجَجًا وبَراهِينَ، وأدِلَّةً قاطِعاتٍ، تَأْبى الِاخْتِلافَ، ولَكِنْ أبَوْا إلّا الِاخْتِلافَ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: ظُلْمًا وتَعَدِّيًا مِنهُمْ، لِطَلَبِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: بِالمُؤاخَذَةِ والمُجازاةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا فِيهِ تَحْذِيرٌ لِهَذِهِ الأمَةِ، أنْ تَسْلُكَ مَسْلَكَهُمْ، وأنْ تَقْصِدَ مَنهَجَهُمْ؛ ولِهَذا قالَ جَلَّ وعَلا:
الجاثية 45:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨] ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقَةٍ وسُنَّةٍ ومِنهاجٍ مِن أمْرِ الدِّينِ، الَّذِي أمَرْنا بِهِ مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا: ﴿فاتَّبِعْها﴾ أيْ: تِلْكَ الشَّرِيعَةَ الثّابِتَةَ بِالدَّلائِلِ والحُجَجِ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وما هم عَلَيْهِ مِنَ الأهْواءِ الَّتِي لا حُجَّةَ عَلَيْها.
الجاثية 45:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩] ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ .
(p-٥٣٢٣)﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لَنْ يَدْفَعُوا عَنْكَ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ شَيْئًا ما. ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: أعْوانٌ وأنْصارٌ عَلى المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الطّاعَةِ، أوْ في التَّحَزُّبِ والتَّقَوِّي، ولَكِنْ ماذا تُغْنِيهِمْ وِلايَتُهم لِبَعْضِهِمْ، وقَدْ تَخَلَّتْ عِنايَةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ عَنْهُمْ؟ ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: مَنِ اتَّقاهُ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وخَشْيَتِهِ بِكِفايَتِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ، وكادَهُ بِسُوءٍ. والأظْهَرُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِآيَةِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]
الجاثية 45:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ - ٢١] ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
﴿هَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ: ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ويَعْرِفُونَ بِهِ سَبِيلَ الرَّشادِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ ما فِيهِ مِن مَعالِمِ الدِّينِ والشَّرائِعِ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ كَما جُعِلَ رُوحًا وحَياةً، أيْ: فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ: ﴿وهُدًى﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ لِمَن آمَنَ وأيْقَنَ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ اليَقِينَ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] أيِ: اكْتَسَبُوا سَيِّئاتِ الأعْمالِ: ﴿أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] أيْ: مِن عَدَمِ التَّفاوُتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَسْتَوِيَ المُسِيئُونَ والمُحْسِنُونَ مَحْيًا، وأنْ يَسْتَوُوا مَماتًا، لِافْتِراقِ أحْوالِهِمْ أحْياءً حَيْثُ عاشَ هَؤُلاءِ عَلى القِيامِ بِالطّاعاتِ، وأُولَئِكَ عَلى رُكُوبِ المَعاصِي، ومَماتًا حَيْثُ ماتَ هَؤُلاءِ عَلى البُشْرى بِالرَّحْمَةِ، والوُصُولِ إلى ثَوابِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ، وأُولَئِكَ عَلى اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والوُصُولِ إلى هَوْلِ ما أُعِدَّ لَهم. انْتَهى.
(p-٥٣٢٤)وزِدْ عَلَيْهِ: حَيْثُ عاشَ هَؤُلاءِ عَلى الهُدى، والعِلْمِ بِاللَّهِ، وسُنَنِ الرَّشادِ، وطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وأُولَئِكَ عَلى الضَّلالِ والجَهْلِ، والعَبَثِ بِالفَسادِ، واضْطِرابِ القَلْبِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ المَخْرَجِ المُشارِ إلَيْهِ بِآيَةِ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]
الجاثية 45:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ - ٢١] ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
﴿هَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ: ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ويَعْرِفُونَ بِهِ سَبِيلَ الرَّشادِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ ما فِيهِ مِن مَعالِمِ الدِّينِ والشَّرائِعِ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ كَما جُعِلَ رُوحًا وحَياةً، أيْ: فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ: ﴿وهُدًى﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ لِمَن آمَنَ وأيْقَنَ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ اليَقِينَ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] أيِ: اكْتَسَبُوا سَيِّئاتِ الأعْمالِ: ﴿أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] أيْ: مِن عَدَمِ التَّفاوُتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَسْتَوِيَ المُسِيئُونَ والمُحْسِنُونَ مَحْيًا، وأنْ يَسْتَوُوا مَماتًا، لِافْتِراقِ أحْوالِهِمْ أحْياءً حَيْثُ عاشَ هَؤُلاءِ عَلى القِيامِ بِالطّاعاتِ، وأُولَئِكَ عَلى رُكُوبِ المَعاصِي، ومَماتًا حَيْثُ ماتَ هَؤُلاءِ عَلى البُشْرى بِالرَّحْمَةِ، والوُصُولِ إلى ثَوابِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ، وأُولَئِكَ عَلى اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والوُصُولِ إلى هَوْلِ ما أُعِدَّ لَهم. انْتَهى.
(p-٥٣٢٤)وزِدْ عَلَيْهِ: حَيْثُ عاشَ هَؤُلاءِ عَلى الهُدى، والعِلْمِ بِاللَّهِ، وسُنَنِ الرَّشادِ، وطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وأُولَئِكَ عَلى الضَّلالِ والجَهْلِ، والعَبَثِ بِالفَسادِ، واضْطِرابِ القَلْبِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ المَخْرَجِ المُشارِ إلَيْهِ بِآيَةِ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]
الجاثية 45:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢] ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ والصَّوابِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لِلْعَدْلِ والحَقِّ، لا لِما حَسِبَ هَؤُلاءِ الجاهِلُونَ بِاللَّهِ، مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأبْرارِ والفُجّارِ؛ لِأنَّهُ خِلافُ العَدْلِ والإنْصافِ: ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى (بِالحَقِّ)؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، أوْ عَلى مُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ والأرْضَ لِيَدُلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ، ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: في جَزاءِ أعْمالِهِمْ.
الجاثية 45:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣، ٢٤] ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] .
﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ أيْ: مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ الهُدى إلى مُتابَعَةِ الهَوى، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ، فَجَعَلَهُ إلَهًا؛ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أوِ اسْتِعارَةٌ. قالَ القاشانِيُّ: الإلَهُ المَعْبُودُ، ولَمّا أطاعُوا الهَوى فَقَدْ عَبَدُوهُ وجَعَلُوهُ إلَهًا؛ إذْ كَلُّ ما يَعْبُدُهُ الإنْسانُ بِمَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، فَهو إلَهُهُ لَوْ كانَ (p-٥٣٢٥)حَجَرًا! ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عالِمًا بِحالِهِ، مِن زَوالِ اسْتِعْدادِهِ، وانْقِلابِ وجْهِهِ، إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، أوْ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ العابِدِ لِلْهَوى عالِمًا بِعِلْمِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ في الدِّينِ، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ فِي: " أضَلَّهُ اللَّهُ " لا مِنَ الفاعِلِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الإخْلالُ لِمُحالَفَتِهِ عِلْمَهُ بِالعَمَلِ، وتَخْتَلِفُ القَدَمُ عَنِ النَّظَرِ؛ لِتَشَرُّبِ قَلْبِهِ بِمَحَبَّةِ النَّفْسِ وغَلَبَةِ الهَوى، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنهُ غَيْرِ نافِعٍ؛ لِكَوْنِهِ مِن بابِ الفُضُولِ، لَيْسَ فِيهِ إلى الحَقِّ سُلُوكٌ ووُصُولٌ: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ أيْ: بِالطَّرْدِ مِن بابِ الهُدى، والإبْعادِ عَنْ مَحَلِّ سَماعِ كَلامِ الحَقِّ وفَهْمِهِ، لِمَكانِ الرَّيْنِ، وغِلَظِ الحِجابِ، فَلا يَعْقِلُ مِنهُ شَيْئًا: ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أيْ: عَنْ رُؤْيَةِ حُجَجِ اللَّهِ وآياتِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَمَن يُوَفِّقُهُ لِإصابَةِ الحَقِّ بَعْدَ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: ما الحَياةُ، أوِ الحالُ غَيْرُ حَياتِنا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ فِيها: ﴿نَمُوتُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: بِالمَوْتِ البَدَنِيِّ الطَّبِيعِيِّ ﴿ونَحْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] أيِ: الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ الحِسِّيَّةَ، لا مَوْتَ ولا حَياةَ غَيْرُهُما: ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: مَرُّ اللَّيالِي والأيّامِ وطُولُ العُمْرِ: ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: وما يَقُولُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، ولَكِنْ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ. و: { ذَلِكَ } إشارَةً إلى نِسْبَةِ الحَوادِثِ إلى الدَّهْرِ، أوْ إلى إنْكارِ البَعْثِ، أوْ إلى كِلَيْهِما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مُرُورَ الأيّامِ، واللَّيالِي هو المُؤَثِّرُ في هَلاكِ الأنْفُسِ، ويُنْكِرُونَ مَلَكَ المَوْتِ، وقَبَضَهُ الأرْواحَ بِأمْرِ اللَّهِ، وكانُوا يُضِيفُونَ كُلَّ حادِثَةٍ وحَدَثٍ إلى الدَّهْرِ والزَّمانِ، وتَرى أشْعارَهم ناطِقَةً بِشَكْوى الزَّمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ ««لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ»» أيْ: فَإنَّ اللَّهَ هو الآتِي بِالحَوادِثِ لا الدَّهْرُ. انْتَهى.
وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ أنا صاحِبُ الدَّهْرِ، ومُدَبِّرُ الأُمُورِ الَّتِي تَنْسُبُونَها إلى الدَّهْرِ. فَمَن سَبَّ الدَّهْرَ مِن أجْلِ أنَّهُ فاعِلُ هَذِهِ الأُمُورِ عادَ سَبُّهُ إلى رَبِّهِ الَّذِي هو فاعِلُها. وإنَّما الدَّهْرُ (p-٥٣٢٦)زَمانٌ جُعِلَ ظَرْفًا لِمَواقِعِ الأُمُورِ. وكانَ عادَتُهم إذا أصابَهم مَكْرُوهٌ أضافُوهُ إلى الدَّهْرِ فَقالُوا: (بُؤْسًا لِلدَّهْرِ)، و(تَبًّا لِلدَّهْرِ). انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ غَلِطَ ابْنُ حَزْمٍ. ومَن نَحا نَحْوَهُ مِنَ الظّاهِرِيَّةِ في عَدِّهِمُ الدَّهْرَ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ أخْذًا مِن هَذا الحَدِيثِ. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى الدَّهْرِيَّةِ، وهُمُ المُعَطِّلَةُ بِأنَّ مُتَمَسَّكَهم ظَنٌّ وتَخْمِينٌ. لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ اليَقِينِ. وما هَذا سَبِيلُهُ، فَبابُ القَبُولِ في وجْهِهِ مَسْدُودٌ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]
قالَ الشِّهْرِسْتانِيُّ في مُعَطِّلَةِ العَرَبِ: فَصِنْفٌ مِنهم أنْكَرُوا الخالِقَ والبَعْثَ والإعادَةَ، وقالُوا بِالطَّبْعِ المُحْيِي والدَّهْرِ المُفْنِي، وهُمُ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهُمُ القُرْآنُ المَجِيدُ: ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] إشارَةً إلى الطَّبائِعِ المَحْسُوسَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ، وقِصَرِ الحَياةِ والمَوْتِ عَلى تَرَكُّبِها وتَحَلُّلِها.
فالجامِعُ هو الطَّبْعُ، والمُهْلِكُ هو الدَّهْرُ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] فاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِضَرُوراتٍ فِكْرِيَّةٍ، وآياتٍ فِطْرِيَّةٍ، في كَمْ آيَةٍ وسُورَةٍ فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ [النحل: ٤٨] وقالَ: ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] فَثَبَتَتِ الدَّلالَةُ الضَّرُورِيَّةُ مِنَ الخَلْقِ عَلى الخالِقِ. فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى الكَمالِ، إبْداءً وإعادَةً. انْتَهى.
ولِي في الرَّدِّ عَلى الدَّهْرِيِّينَ -وهُمُ المادِّيُّونَ والطَّبِيعِيُّونَ- كِتابٌ وسَمْتُهُ: "دَلائِلُ التَّوْحِيدِ" فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ المُرِيدُ، فَلَيْسَ وراءَهُ -بِحَمْدِهِ تَعالى- مِن مَزِيدٍ.
الجاثية 45:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣، ٢٤] ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] .
﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ أيْ: مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ الهُدى إلى مُتابَعَةِ الهَوى، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ، فَجَعَلَهُ إلَهًا؛ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أوِ اسْتِعارَةٌ. قالَ القاشانِيُّ: الإلَهُ المَعْبُودُ، ولَمّا أطاعُوا الهَوى فَقَدْ عَبَدُوهُ وجَعَلُوهُ إلَهًا؛ إذْ كَلُّ ما يَعْبُدُهُ الإنْسانُ بِمَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، فَهو إلَهُهُ لَوْ كانَ (p-٥٣٢٥)حَجَرًا! ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عالِمًا بِحالِهِ، مِن زَوالِ اسْتِعْدادِهِ، وانْقِلابِ وجْهِهِ، إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، أوْ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ العابِدِ لِلْهَوى عالِمًا بِعِلْمِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ في الدِّينِ، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ فِي: " أضَلَّهُ اللَّهُ " لا مِنَ الفاعِلِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الإخْلالُ لِمُحالَفَتِهِ عِلْمَهُ بِالعَمَلِ، وتَخْتَلِفُ القَدَمُ عَنِ النَّظَرِ؛ لِتَشَرُّبِ قَلْبِهِ بِمَحَبَّةِ النَّفْسِ وغَلَبَةِ الهَوى، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنهُ غَيْرِ نافِعٍ؛ لِكَوْنِهِ مِن بابِ الفُضُولِ، لَيْسَ فِيهِ إلى الحَقِّ سُلُوكٌ ووُصُولٌ: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ أيْ: بِالطَّرْدِ مِن بابِ الهُدى، والإبْعادِ عَنْ مَحَلِّ سَماعِ كَلامِ الحَقِّ وفَهْمِهِ، لِمَكانِ الرَّيْنِ، وغِلَظِ الحِجابِ، فَلا يَعْقِلُ مِنهُ شَيْئًا: ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أيْ: عَنْ رُؤْيَةِ حُجَجِ اللَّهِ وآياتِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَمَن يُوَفِّقُهُ لِإصابَةِ الحَقِّ بَعْدَ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: ما الحَياةُ، أوِ الحالُ غَيْرُ حَياتِنا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ فِيها: ﴿نَمُوتُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: بِالمَوْتِ البَدَنِيِّ الطَّبِيعِيِّ ﴿ونَحْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] أيِ: الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ الحِسِّيَّةَ، لا مَوْتَ ولا حَياةَ غَيْرُهُما: ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: مَرُّ اللَّيالِي والأيّامِ وطُولُ العُمْرِ: ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: وما يَقُولُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، ولَكِنْ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ. و: { ذَلِكَ } إشارَةً إلى نِسْبَةِ الحَوادِثِ إلى الدَّهْرِ، أوْ إلى إنْكارِ البَعْثِ، أوْ إلى كِلَيْهِما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مُرُورَ الأيّامِ، واللَّيالِي هو المُؤَثِّرُ في هَلاكِ الأنْفُسِ، ويُنْكِرُونَ مَلَكَ المَوْتِ، وقَبَضَهُ الأرْواحَ بِأمْرِ اللَّهِ، وكانُوا يُضِيفُونَ كُلَّ حادِثَةٍ وحَدَثٍ إلى الدَّهْرِ والزَّمانِ، وتَرى أشْعارَهم ناطِقَةً بِشَكْوى الزَّمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ ««لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ»» أيْ: فَإنَّ اللَّهَ هو الآتِي بِالحَوادِثِ لا الدَّهْرُ. انْتَهى.
وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ أنا صاحِبُ الدَّهْرِ، ومُدَبِّرُ الأُمُورِ الَّتِي تَنْسُبُونَها إلى الدَّهْرِ. فَمَن سَبَّ الدَّهْرَ مِن أجْلِ أنَّهُ فاعِلُ هَذِهِ الأُمُورِ عادَ سَبُّهُ إلى رَبِّهِ الَّذِي هو فاعِلُها. وإنَّما الدَّهْرُ (p-٥٣٢٦)زَمانٌ جُعِلَ ظَرْفًا لِمَواقِعِ الأُمُورِ. وكانَ عادَتُهم إذا أصابَهم مَكْرُوهٌ أضافُوهُ إلى الدَّهْرِ فَقالُوا: (بُؤْسًا لِلدَّهْرِ)، و(تَبًّا لِلدَّهْرِ). انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ غَلِطَ ابْنُ حَزْمٍ. ومَن نَحا نَحْوَهُ مِنَ الظّاهِرِيَّةِ في عَدِّهِمُ الدَّهْرَ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ أخْذًا مِن هَذا الحَدِيثِ. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى الدَّهْرِيَّةِ، وهُمُ المُعَطِّلَةُ بِأنَّ مُتَمَسَّكَهم ظَنٌّ وتَخْمِينٌ. لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ اليَقِينِ. وما هَذا سَبِيلُهُ، فَبابُ القَبُولِ في وجْهِهِ مَسْدُودٌ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]
قالَ الشِّهْرِسْتانِيُّ في مُعَطِّلَةِ العَرَبِ: فَصِنْفٌ مِنهم أنْكَرُوا الخالِقَ والبَعْثَ والإعادَةَ، وقالُوا بِالطَّبْعِ المُحْيِي والدَّهْرِ المُفْنِي، وهُمُ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهُمُ القُرْآنُ المَجِيدُ: ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] إشارَةً إلى الطَّبائِعِ المَحْسُوسَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ، وقِصَرِ الحَياةِ والمَوْتِ عَلى تَرَكُّبِها وتَحَلُّلِها.
فالجامِعُ هو الطَّبْعُ، والمُهْلِكُ هو الدَّهْرُ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] فاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِضَرُوراتٍ فِكْرِيَّةٍ، وآياتٍ فِطْرِيَّةٍ، في كَمْ آيَةٍ وسُورَةٍ فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ [النحل: ٤٨] وقالَ: ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] فَثَبَتَتِ الدَّلالَةُ الضَّرُورِيَّةُ مِنَ الخَلْقِ عَلى الخالِقِ. فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى الكَمالِ، إبْداءً وإعادَةً. انْتَهى.
ولِي في الرَّدِّ عَلى الدَّهْرِيِّينَ -وهُمُ المادِّيُّونَ والطَّبِيعِيُّونَ- كِتابٌ وسَمْتُهُ: "دَلائِلُ التَّوْحِيدِ" فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ المُرِيدُ، فَلَيْسَ وراءَهُ -بِحَمْدِهِ تَعالى- مِن مَزِيدٍ.
الجاثية 45:25
(p-٥٣٢٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: بِأنَّ اللَّهَ باعِثُ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيِ: انْشُرُوهم أحْياءً، حَتّى نُصَدِّقَ بِبَعْثِنا أحْياءً بَعْدَ مَماتِنا، وإطْلاقُ الحُجَّةِ عَلى ذَلِكَ، إمّا حَقِيقَةٌ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ، فَإنَّهم ساقُوهُ مَساقَ الحُجَّةِ، أوْ هو مَجازٌ تَهَكُّمًا بِهِمْ. كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ حُجَّتَهم إلّا ما لَيْسَ بِحُجَّةٍ. بِمَعْنى أنْ لا حُجَّةَ لَهُمُ البَتَّةَ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ لِتَنْزِيلِ التَّضادِّ مَنزِلَةَ التَّجانُسِ.
الجاثية 45:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦] ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: قُلْ لَهم في جَوابِ قَوْلِهِمْ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، لا الدَّهْرُ. لِما عُرِفَ مِن وُجُوبِ رُجُوعِ العالَمِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، هو سَبَبُ الأسْبابِ، ومَصْدَرُ الكائِناتِ، أوْ قُلْ لَهُمْ: (فِي جَوابِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ): بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإبْداءِ، قَدَرَ عَلى الإعادَةِ، والحِكْمَةُ اقْتَضَتِ الجَمْعَ لِلْمُجازاةِ، عَلى ما مَرَّ مِرارًا.
الجاثية 45:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ .
﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: فَلا مالِكَ غَيْرُهُ، ولا مَعْبُودَ سِواهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أتَوْا بِالباطِلِ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وهم عَبَدَةُ غَيْرِهِ تَعالى.
الجاثية 45:28
(p-٥٣٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ - ٣١] ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] .
﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أيْ: بارِكَةً، مُسْتَوْفِرَةً عَلى الرُّكَبِ لا حَراكَ بِها. شَأْنَ الخائِفِ المُنْتَظِرِ لِما يَكْرَهُ وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ أوْ في المَوْقِفِ الأوَّلِ، وقْتَ البَعْثِ قَبْلَ الجَزاءِ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ أيِ: اللَّوْحِ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُهُمْ، ويُعْطى بِيَمِينٍ مَن كانَ سَعِيدًا، وشِمالٍ مَن كانَ شَقِيًّا. ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، وإنَّما أضافَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ إلى نَفْسِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ أمَرَ الكَتَبَةَ أنْ يَكْتُبُوا فِيها أعْمالَهُمْ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ: نَسْتَكْتِبُ المَلائِكَةَ: ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٣٠] أيْ: ما صَلَحَ بِهِ حالُهم في المَعادِ الجُسْمانِيِّ: ﴿فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠] أيْ: في جَنَّتِهِ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الجاثية: ٣١] أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] أيْ: بِكَسْبِ الآثامِ، والكُفْرِ بِاللَّهِ، وعَدَمِ التَّصْدِيقِ بِمَعادِهِ، ولا الإيمانِ بِثَوابٍ وعِقابٍ.
الجاثية 45:29
(p-٥٣٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ - ٣١] ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] .
﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أيْ: بارِكَةً، مُسْتَوْفِرَةً عَلى الرُّكَبِ لا حَراكَ بِها. شَأْنَ الخائِفِ المُنْتَظِرِ لِما يَكْرَهُ وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ أوْ في المَوْقِفِ الأوَّلِ، وقْتَ البَعْثِ قَبْلَ الجَزاءِ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ أيِ: اللَّوْحِ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُهُمْ، ويُعْطى بِيَمِينٍ مَن كانَ سَعِيدًا، وشِمالٍ مَن كانَ شَقِيًّا. ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، وإنَّما أضافَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ إلى نَفْسِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ أمَرَ الكَتَبَةَ أنْ يَكْتُبُوا فِيها أعْمالَهُمْ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ: نَسْتَكْتِبُ المَلائِكَةَ: ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٣٠] أيْ: ما صَلَحَ بِهِ حالُهم في المَعادِ الجُسْمانِيِّ: ﴿فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠] أيْ: في جَنَّتِهِ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الجاثية: ٣١] أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] أيْ: بِكَسْبِ الآثامِ، والكُفْرِ بِاللَّهِ، وعَدَمِ التَّصْدِيقِ بِمَعادِهِ، ولا الإيمانِ بِثَوابٍ وعِقابٍ.
الجاثية 45:30
(p-٥٣٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ - ٣١] ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] .
﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أيْ: بارِكَةً، مُسْتَوْفِرَةً عَلى الرُّكَبِ لا حَراكَ بِها. شَأْنَ الخائِفِ المُنْتَظِرِ لِما يَكْرَهُ وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ أوْ في المَوْقِفِ الأوَّلِ، وقْتَ البَعْثِ قَبْلَ الجَزاءِ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ أيِ: اللَّوْحِ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُهُمْ، ويُعْطى بِيَمِينٍ مَن كانَ سَعِيدًا، وشِمالٍ مَن كانَ شَقِيًّا. ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، وإنَّما أضافَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ إلى نَفْسِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ أمَرَ الكَتَبَةَ أنْ يَكْتُبُوا فِيها أعْمالَهُمْ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ: نَسْتَكْتِبُ المَلائِكَةَ: ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٣٠] أيْ: ما صَلَحَ بِهِ حالُهم في المَعادِ الجُسْمانِيِّ: ﴿فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠] أيْ: في جَنَّتِهِ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الجاثية: ٣١] أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] أيْ: بِكَسْبِ الآثامِ، والكُفْرِ بِاللَّهِ، وعَدَمِ التَّصْدِيقِ بِمَعادِهِ، ولا الإيمانِ بِثَوابٍ وعِقابٍ.
الجاثية 45:31
(p-٥٣٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ - ٣١] ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] .
﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أيْ: بارِكَةً، مُسْتَوْفِرَةً عَلى الرُّكَبِ لا حَراكَ بِها. شَأْنَ الخائِفِ المُنْتَظِرِ لِما يَكْرَهُ وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ أوْ في المَوْقِفِ الأوَّلِ، وقْتَ البَعْثِ قَبْلَ الجَزاءِ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ أيِ: اللَّوْحِ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُهُمْ، ويُعْطى بِيَمِينٍ مَن كانَ سَعِيدًا، وشِمالٍ مَن كانَ شَقِيًّا. ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، وإنَّما أضافَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ إلى نَفْسِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ أمَرَ الكَتَبَةَ أنْ يَكْتُبُوا فِيها أعْمالَهُمْ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ: نَسْتَكْتِبُ المَلائِكَةَ: ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٣٠] أيْ: ما صَلَحَ بِهِ حالُهم في المَعادِ الجُسْمانِيِّ: ﴿فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠] أيْ: في جَنَّتِهِ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الجاثية: ٣١] أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] أيْ: بِكَسْبِ الآثامِ، والكُفْرِ بِاللَّهِ، وعَدَمِ التَّصْدِيقِ بِمَعادِهِ، ولا الإيمانِ بِثَوابٍ وعِقابٍ.
الجاثية 45:32
(p-٥٣٢٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢] ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ .
﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هِيَ؟ أيْ: لا نَسْتَيْقِنُ بِها: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: إنَّها كائِنَةٌ وآتِيَةٌ.
الجاثية 45:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] .
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي الجَزاءَ: ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الجاثية: ٣٤] أيْ: نَتْرُكُكم في العَذابِ تَرْكَ ما يُنْسى، كَما تَرَكْتُمُ التَّأهُّبَ لَهُ. فَ: ﴿نَنْساكُمْ﴾ [الجاثية: ٣٤] اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ: ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: خَدَعَتْكم حَتّى آثَرْتُمُوها عَلى الآخِرَةِ وزَعَمْتُمْ أنْ لا حَياةَ سِواها: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: مِنَ النّارِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: ولا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَعْتِبُوا رَبَّهم أيْ: يُرْضُوهُ، مِنَ (الإعْتابِ)، وهو إزالَةُ العَتَبِ. كِنايَةٌ عَنِ الإرْضاءِ، أوْ: لا هم يُرَدُّونَ إلى الدُّنْيا لِيَتُوبُوا ويُراجِعُوا الإنابَةَ، فَما بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ.
الجاثية 45:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] .
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي الجَزاءَ: ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الجاثية: ٣٤] أيْ: نَتْرُكُكم في العَذابِ تَرْكَ ما يُنْسى، كَما تَرَكْتُمُ التَّأهُّبَ لَهُ. فَ: ﴿نَنْساكُمْ﴾ [الجاثية: ٣٤] اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ: ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: خَدَعَتْكم حَتّى آثَرْتُمُوها عَلى الآخِرَةِ وزَعَمْتُمْ أنْ لا حَياةَ سِواها: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: مِنَ النّارِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: ولا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَعْتِبُوا رَبَّهم أيْ: يُرْضُوهُ، مِنَ (الإعْتابِ)، وهو إزالَةُ العَتَبِ. كِنايَةٌ عَنِ الإرْضاءِ، أوْ: لا هم يُرَدُّونَ إلى الدُّنْيا لِيَتُوبُوا ويُراجِعُوا الإنابَةَ، فَما بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ.
الجاثية 45:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] .
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي الجَزاءَ: ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الجاثية: ٣٤] أيْ: نَتْرُكُكم في العَذابِ تَرْكَ ما يُنْسى، كَما تَرَكْتُمُ التَّأهُّبَ لَهُ. فَ: ﴿نَنْساكُمْ﴾ [الجاثية: ٣٤] اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ: ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: خَدَعَتْكم حَتّى آثَرْتُمُوها عَلى الآخِرَةِ وزَعَمْتُمْ أنْ لا حَياةَ سِواها: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: مِنَ النّارِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] أيْ: ولا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَعْتِبُوا رَبَّهم أيْ: يُرْضُوهُ، مِنَ (الإعْتابِ)، وهو إزالَةُ العَتَبِ. كِنايَةٌ عَنِ الإرْضاءِ، أوْ: لا هم يُرَدُّونَ إلى الدُّنْيا لِيَتُوبُوا ويُراجِعُوا الإنابَةَ، فَما بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ.
الجاثية 45:36
(p-٥٣٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦، ٣٧] ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧] .
﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ أيِ: الثَّناءُ الكامِلُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَلِلَّهِ الحَمْدُ عَلى نِعَمِهِ، وأيادِيهِ عِنْدَ خَلْقِهِ، فَإيّاهُ فاحْمَدُوا أيُّها النّاسُ، فَإنَّ كُلَّ ما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنهُ، دُونَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، مِن آلِهَةٍ ووَثَنٍ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧] أيِ: الِاسْتِعْلاءُ ونِهايَةُ التَّرَفُّعِ والكِبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وغايَةُ العُلُوِّ والعَظَمَةِ بِاسْتِغْنائِهِ عَنْهُ، وافْتِقارِهِ إلَيْهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الجاثية: ٣٧] أيِ: القَوِيُّ القاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ: ﴿الحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧] قالَ القاشانِيُّ: أيِ: المُرَتِّبُ لِاسْتِعْدادِ كُلِّ شَيْءٍ، بِلُطْفِ تَدْبِيرِهِ، المُهَيِّئُ لِقَبُولِهِ، لِما أرادَ مِنهُ مِن صِفاتِهِ، بِدَقِيقِ صَنْعَتِهِ، وخَفِيِّ حِكْمَتِهِ، (لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العالَمِينَ) .
وافَقَ الفَراغُ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ قُبَيْلَ ظُهْرِ الِاثْنَيْنِ رابِعَ عَشَرَ جُمادى الآخِرَةِ عامَ ١٣٢٦ بِمَنزِلِنا بِدِمَشْقِ الشّامِ. بِقَلَمِ جامِعِهِ جَمالِ الدِّينِ القاسِمِيِّ.
الجاثية 45:37
(p-٥٣٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦، ٣٧] ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧] .
﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ أيِ: الثَّناءُ الكامِلُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَلِلَّهِ الحَمْدُ عَلى نِعَمِهِ، وأيادِيهِ عِنْدَ خَلْقِهِ، فَإيّاهُ فاحْمَدُوا أيُّها النّاسُ، فَإنَّ كُلَّ ما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنهُ، دُونَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، مِن آلِهَةٍ ووَثَنٍ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧] أيِ: الِاسْتِعْلاءُ ونِهايَةُ التَّرَفُّعِ والكِبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وغايَةُ العُلُوِّ والعَظَمَةِ بِاسْتِغْنائِهِ عَنْهُ، وافْتِقارِهِ إلَيْهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الجاثية: ٣٧] أيِ: القَوِيُّ القاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ: ﴿الحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧] قالَ القاشانِيُّ: أيِ: المُرَتِّبُ لِاسْتِعْدادِ كُلِّ شَيْءٍ، بِلُطْفِ تَدْبِيرِهِ، المُهَيِّئُ لِقَبُولِهِ، لِما أرادَ مِنهُ مِن صِفاتِهِ، بِدَقِيقِ صَنْعَتِهِ، وخَفِيِّ حِكْمَتِهِ، (لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العالَمِينَ) .
وافَقَ الفَراغُ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ قُبَيْلَ ظُهْرِ الِاثْنَيْنِ رابِعَ عَشَرَ جُمادى الآخِرَةِ عامَ ١٣٢٦ بِمَنزِلِنا بِدِمَشْقِ الشّامِ. بِقَلَمِ جامِعِهِ جَمالِ الدِّينِ القاسِمِيِّ.