Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الأحقاف 46:1 – الفتح 48:29

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الأحقاف 46:1
  2. الأحقاف 46:2
  3. الأحقاف 46:3
  4. الأحقاف 46:4
  5. الأحقاف 46:5
  6. الأحقاف 46:6
  7. الأحقاف 46:7
  8. الأحقاف 46:8
  9. الأحقاف 46:9
  10. الأحقاف 46:10
  11. الأحقاف 46:11
  12. الأحقاف 46:12
  13. الأحقاف 46:13
  14. الأحقاف 46:14
  15. الأحقاف 46:15
  16. الأحقاف 46:16
  17. الأحقاف 46:17
  18. الأحقاف 46:18
  19. الأحقاف 46:19
  20. الأحقاف 46:20
  21. الأحقاف 46:21
  22. الأحقاف 46:22
  23. الأحقاف 46:23
  24. الأحقاف 46:24
  25. الأحقاف 46:25
  26. الأحقاف 46:26
  27. الأحقاف 46:27
  28. الأحقاف 46:28
  29. الأحقاف 46:29
  30. الأحقاف 46:30
  31. الأحقاف 46:31
  32. الأحقاف 46:32
  33. الأحقاف 46:33
  34. الأحقاف 46:34
  35. الأحقاف 46:35
  36. محمد 47:1
  37. محمد 47:2
  38. محمد 47:3
  39. محمد 47:4
  40. محمد 47:5
  41. محمد 47:6
  42. محمد 47:7
  43. محمد 47:8
  44. محمد 47:9
  45. محمد 47:10
  46. محمد 47:11
  47. محمد 47:12
  48. محمد 47:13
  49. محمد 47:14
  50. محمد 47:15
  51. محمد 47:16
  52. محمد 47:17
  53. محمد 47:18
  54. محمد 47:19
  55. محمد 47:20
  56. محمد 47:21
  57. محمد 47:22
  58. محمد 47:23
  59. محمد 47:24
  60. محمد 47:25
  61. محمد 47:26
  62. محمد 47:27
  63. محمد 47:28
  64. محمد 47:29
  65. محمد 47:30
  66. محمد 47:31
  67. محمد 47:32
  68. محمد 47:33
  69. محمد 47:34
  70. محمد 47:35
  71. محمد 47:36
  72. محمد 47:37
  73. محمد 47:38
  74. الفتح 48:1
  75. الفتح 48:2
  76. الفتح 48:3
  77. الفتح 48:4
  78. الفتح 48:5
  79. الفتح 48:6
  80. الفتح 48:7
  81. الفتح 48:8
  82. الفتح 48:9
  83. الفتح 48:10
  84. الفتح 48:11
  85. الفتح 48:12
  86. الفتح 48:13
  87. الفتح 48:14
  88. الفتح 48:15
  89. الفتح 48:16
  90. الفتح 48:17
  91. الفتح 48:18
  92. الفتح 48:19
  93. الفتح 48:20
  94. الفتح 48:21
  95. الفتح 48:22
  96. الفتح 48:23
  97. الفتح 48:24
  98. الفتح 48:25
  99. الفتح 48:26
  100. الفتح 48:27
  101. الفتح 48:28
  102. الفتح 48:29

الأحقاف 46:1

(p-٥٣٣٦)سُورَةُ الأحْقافِ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِأنَّ مَكانَها مِن حَيْثُ قَبُولُهُ سُرْعَةَ تَأْثِيرِ رِيحِ العَذابِ فِيهِ. كالدَّلِيلِ عَلى إنْذارِهِ. فَفِيهِ إشْعارٌ عَلى أنَّ إنْذاراتِ القُرْآنِ كالدَّلائِلِ عَلى أنْفُسِها. ثُمَّ في قِصَّتِهِمُ اتِّساقُ الإنْذارِ إلى صَيْرُورَةِ المَرْجُوِّ مُخَوِّفًا. فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إنْذاراتِ القُرْآنِ مِمّا يُخافُ مِنها صَيْرُورَةُ ما يَرْجُوهُ الجُهّالُ مُخَوِّفًا عَلَيْهِمْ. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. انْتَهى. وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَتَيْنِ. وقَوْلَهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةَ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] الأرْبَعَ الآياتِ. ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةَ، فَهي مَدَنِيَّةٌ- كَذا قِيلَ. وتَقَدَّمَ في طَلِيعَةِ سُورَةِ الجاثِيَةِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ. وآيُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ. (p-٥٣٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] . ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣] أيِ: الحِكْمَةِ ولِإقامَةِ العَدْلِ في الخُلُقِ ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُعَيَّنٍ لِكُلٍّ مِنها، يُفْنِيهِ إذا هو بَلَغَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ.

الأحقاف 46:2

(p-٥٣٣٦)سُورَةُ الأحْقافِ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِأنَّ مَكانَها مِن حَيْثُ قَبُولُهُ سُرْعَةَ تَأْثِيرِ رِيحِ العَذابِ فِيهِ. كالدَّلِيلِ عَلى إنْذارِهِ. فَفِيهِ إشْعارٌ عَلى أنَّ إنْذاراتِ القُرْآنِ كالدَّلائِلِ عَلى أنْفُسِها. ثُمَّ في قِصَّتِهِمُ اتِّساقُ الإنْذارِ إلى صَيْرُورَةِ المَرْجُوِّ مُخَوِّفًا. فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إنْذاراتِ القُرْآنِ مِمّا يُخافُ مِنها صَيْرُورَةُ ما يَرْجُوهُ الجُهّالُ مُخَوِّفًا عَلَيْهِمْ. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. انْتَهى. وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَتَيْنِ. وقَوْلَهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةَ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] الأرْبَعَ الآياتِ. ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةَ، فَهي مَدَنِيَّةٌ- كَذا قِيلَ. وتَقَدَّمَ في طَلِيعَةِ سُورَةِ الجاثِيَةِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ. وآيُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ. (p-٥٣٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] . ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣] أيِ: الحِكْمَةِ ولِإقامَةِ العَدْلِ في الخُلُقِ ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُعَيَّنٍ لِكُلٍّ مِنها، يُفْنِيهِ إذا هو بَلَغَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ.

الأحقاف 46:3

(p-٥٣٣٦)سُورَةُ الأحْقافِ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِأنَّ مَكانَها مِن حَيْثُ قَبُولُهُ سُرْعَةَ تَأْثِيرِ رِيحِ العَذابِ فِيهِ. كالدَّلِيلِ عَلى إنْذارِهِ. فَفِيهِ إشْعارٌ عَلى أنَّ إنْذاراتِ القُرْآنِ كالدَّلائِلِ عَلى أنْفُسِها. ثُمَّ في قِصَّتِهِمُ اتِّساقُ الإنْذارِ إلى صَيْرُورَةِ المَرْجُوِّ مُخَوِّفًا. فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إنْذاراتِ القُرْآنِ مِمّا يُخافُ مِنها صَيْرُورَةُ ما يَرْجُوهُ الجُهّالُ مُخَوِّفًا عَلَيْهِمْ. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. انْتَهى. وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَتَيْنِ. وقَوْلَهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةَ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] الأرْبَعَ الآياتِ. ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةَ، فَهي مَدَنِيَّةٌ- كَذا قِيلَ. وتَقَدَّمَ في طَلِيعَةِ سُورَةِ الجاثِيَةِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ. وآيُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ. (p-٥٣٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٣] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] . ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣] أيِ: الحِكْمَةِ ولِإقامَةِ العَدْلِ في الخُلُقِ ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُعَيَّنٍ لِكُلٍّ مِنها، يُفْنِيهِ إذا هو بَلَغَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ.

الأحقاف 46:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ الأوْثانِ الَّتِي تَعْبُدُونَها ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ أيْ: أرُونِي ما تَأْثِيرُ ما تَعْبُدُونَهُ في شَيْءٍ أرْضِيٍّ بِالِاسْتِقْلالِ، أوْ شَيْءٍ سَماوِيٍّ بِالشَّرِكَةِ، حَتّى تَسْتَحِقَّ العِبادَةَ ﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ نَقْلِيٍّ، بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِالتَّعْجِيزِ (p-٥٣٣٨)عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ عَقْلِيٍّ. أيِ: ائْتُونِي بِكِتابٍ إلَهِيٍّ مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ النّاطِقِ بِالتَّوْحِيدِ، وإبْطالِ الشِّرْكِ، دالٍّ عَلى صِحَّةِ دِينِكم ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: أوْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ بَقِيَتْ عَلَيْكم مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، شاهِدَةٍ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعِبادَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْواكُمْ، فَإنَّها لا تَكادُ تَصِحُّ، ما لَمْ يَقُمْ عَلَيْها بُرْهانٌ عَقْلِيٌّ، أوْ سُلْطانٌ نَقْلِيٌّ. وحَيْثُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْها شَيْءٌ مِنهُما، وقَدْ قامَتْ عَلى خِلافِها أدِلَّةُ العَقْلِ والنَّقْلِ، تَبَيَّنَ بُطْلانُها.

الأحقاف 46:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥] ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ . ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ لِعَجْزِهِ عَنْها: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ أيْ: لِأنَّهم إمّا جَماداتٌ، وإمّا مُسَخَّرُونَ مَشْغُولُونَ بِأحْوالِهِمْ. و(الغَفْلَةُ): مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الفائِدَةِ فِيها، أوْ هو تَغْلِيبٌ لِمَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الغَفْلَةُ عَلى غَيْرِهِ. لَطِيفَةٌ: قالَ النّاصِرُ: في قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ. وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ يَوْمَ القِيامَةِ غايَةً لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، ومِن شَأْنِ الغايَةِ انْتِهاءُ المُغَيّا عِنْدَها، لَكِنَّ عَدَمَ الِاسْتِجابَةِ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ هَذِهِ الغايَةِ؛ لِأنَّهم في القِيامَةِ أيْضًا لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم. فالوَجْهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- أنَّها مِنَ الغاياتِ المُشْعِرَةِ بِأنَّ ما بَعْدَها، وإنْ وافَقَ ما قَبْلَها، إلّا أنَّهُ أزْيَدُ مِنهُ زِيادَةً بَيِّنَةً تُلْحِقُهُ بِالثّانِي، حَتّى كَأنَّ الحالَتَيْنِ، وإنْ كانَتا نَوْعًا واحِدًا لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما، كالشَّيْءِ وضِدِّهِ، وذَلِكَ أنَّ الحالَةَ الأُولى الَّتِي جُعِلَتْ غايَتُها القِيامَةَ، لا تَزِيدُ عَلى عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ. والحالَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي في القِيامَةِ، زادَتْ عَلى عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ بِالعَداوَةِ، وبِالكُفْرِ بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم. فَهو مِن وادِي ما تَقَدَّمَ آنِفًا (p-٥٣٣٩)فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] انْتَهى.

الأحقاف 46:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ . ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ﴾ أيْ: جُمِعُوا يَوْمَ القِيامَةِ لِمَوْقِفِ الحِسابِ: ﴿كانُوا﴾ أيْ: آلِهَتُهُمْ: ﴿لَهم أعْداءً﴾ أيْ: لِتَبَرُّئِهِمْ مِنهم. قالَ الشِّهابُ: " أعْداءً " اسْتِعارَةٌ، أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلضّارِّ ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وكانَتْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها في الدُّنْيا، بِعِبادَتِهِمْ جاحِدِينَ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ: ما أمَرْناهم بِعِبادَتِنا، ولا شَعَرْنا بِعِبادَتِهِمْ إيّانا، تَبَرَّأْنا إلَيْكَ مِنهُمْ، يا رَبَّنا! أيْ: فالتَّكْذِيبُ بِلِسانِ المَقالِ، قَصْدًا إلى بَيانِ أنَّ مَعْبُودَهم في الحَقِيقَةِ الشَّياطِينُ، وأهْواؤُهم. وقالَ القاشانِيُّ: كانُوا أعْداءً، لِأنَّ عِبادَةَ أهْلِ الدُّنْيا لِسادَتِهِمْ وخِدْمَتِهِمْ إيّاهُمْ، لا تَكُونُ إلّا لِغَرَضٍ نَفْسانِيٍّ. وكَذا اسْتِعْبادُ المَوالِي لِخَدَمِهِمْ، فَإذا ارْتَفَعَتِ الأغْراضُ، وزالَتِ العِلَلُ والأسْبابُ، كانُوا لَهم أعْداءً، وأنْكَرُوا عِبادَتَهُمْ، ويَقُولُنَّ: ما خَدَمْتُمُونا، ولَكِنْ خَدَمْتُمْ أنْفُسَكم. كَما قِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] انْتَهى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي: " كانُوا " في المَوْضِعَيْنِ، لِلْعابِدِينَ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكُ. وفِيهِ نَظَرٌ: لِأنَّهُ اخْتِلافُ المُتَبادِرِ مِنَ السِّياقِ؛ إذْ هو لِبَيانِ حالِ الآلِهَةِ مَعَهُمْ، لا عَكْسُهُ، ولِأنَّ كُفْرَهم (p-٥٣٤٠)حِينَئِذٍ إنْكارٌ لِعِبادَتِهِمْ. وتَسْمِيَتُهُ كُفْرًا، خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا. وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ آيَةُ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

الأحقاف 46:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: بادَهُوهُ بِالجُحُودِ أوَّلَ ما سَمِعُوهُ، مِن غَيْرِ إجالَةِ فِكْرٍ، ولا إعْمالِ رُؤْيَةٍ. واللّامُ فِي: " لِلْحَقِّ " لامُ الأجَلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " قاْلَ " وقِيلَ: بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: ﴿كَفَرُوا﴾ وعُدِّيَ الكُفْرُ بِاللّامِ حَمْلًا عَلى نَقِيضِهِ، وهو الإيمانُ؛ فَإنَّهُ يُعَدّى بِها نَحْوَ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١]

الأحقاف 46:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لا تَقْدِرُونَ أنْ تَدْفَعُوا عَنِّي سُوءًا، إنْ أصابَنِي بِهِ. و(أمْ) -عَلى ما قالُوا- مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ: (بَلِ)، الإضْرابِيَّةِ وهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، المُتَجَوِّزِ بِهِ عَنِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، ووَجْهُ كَوْنِ الِافْتِراءِ أشْنَعَ مِنَ السِّحْرِ، حَتّى أضْرَبَ عَنْهُ، أنَّ الكَذِبَ خُصُوصًا عَلى اللَّهِ مُتَّفَقٌ عَلى قُبْحِهِ، حَتّى تَرى كُلَّ أحَدٍ يَشْمَئِزُّ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِ بِخِلافِ السِّحْرِ، فَإنَّهُ، وإنْ قَبُحَ، فَلَيْسَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ، حَتّى تَكادَ تُعَدُّ مَعْرِفَتُهُ مِنَ السِّماتِ المَرْغُوبَةِ. (p-٥٣٤١)وقالَ النّاصِرُ: هَذا الإضْرابُ في بابِهِ مِثْلُ الغايَةِ الَّتِي قَدَّمْتُها آنِفًا في بابِها، فَإنَّهُ انْتِقالٌ إلى مُوافِقٍ، لَكِنَّهُ أزْيَدُ مِنَ الأوَّلِ، فَنَزَلَ لِزِيادَتِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما تَقَدَّمَهُ مِمّا يَنْقُصُ عَنْهُ، مَنزِلَةُ المُتَنافِيَيْنِ، كالنَّفْيِ والإثْباتِ اللَّذَيْنِ يُضْرِبُ عَنْ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، وذَلِكَ أنَّ نِسْبَتَهم لِلْآياتِ إلى أنَّها مُفْتَرَياتٌ، أشَدُّ وأبْعَدُ مِن نِسْبَتِها إلى أنَّها سِحْرٌ. فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ الأوَّلِ إلى ما ذَكَرَ ما هو أغْرَبُ مِنهُ. انْتَهى. ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَخُوضُونَ في حَقِّهِ مِن أنَّهُ سِحْرٌ أوْ إفْكٌ: ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: يَشْهَدُ لِي بِالصِّدْقِ بِما يُؤَيِّدُنِي بِهِ مِن آياتِهِ، وصِدْقِ مَواعِيدِهِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: لِمَن راجَعَ مِنكُمُ الكُفْرَ، وتابَ، وآمَنَ.

الأحقاف 46:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩] ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ أوَّلَ رُسُلِ اللَّهِ الَّتِي أرْسَلَها إلى خَلْقِهِ. قَدْ كانَ مِن قَبْلِي لَهُ رُسُلٌ كَثِيرَةٌ أُرْسِلَتْ إلى أُمَمٍ قَبْلَكُمْ، فَلِمَ تَسْتَنْكِرُونَ بَعْثَتِي، وتَسْتَبْعِدُونَ رِسالَتِي، كَقَوْلِهِ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] و(البِدْعُ): كالبَدِيعِ، بِمَعْنى الجَدِيدِ المُبْتَدَأِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومِنَ البِدَعِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎فَلاْ أناْ بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسى وأسْعُدِ (p-٥٣٤٢)ومِنَ البَدِيعِ قَوْلُ الأحْوَصِ: ؎فَخَرَتْ فانْتَمَتْ فَقُلْتُ: ذَرِينِي ∗∗∗ لَيْسَ جَهْلٌ أُتِيتِهِ بِبِدِيعِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُصِيبُنا فِيما يَسْتَقْبِلُ مِنَ الزَّمانِ، مِن أفْعالِهِ تَعالى، وماذا يُقَدِّرُ لَنا مِن قَضاياهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي، وأمْرُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ هو الدِّرايَةَ المُفَصَّلَةَ. والأظْهَرُ أنَّ (ما) عِبارَةٌ عَمّا لَيْسَ عِلْمُهُ مِن وظائِفِ النُّبُوَّةِ مِنَ الحَوادِثِ والواقِعاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، دُونَ ما سَيَقَعُ في الآخِرَةِ، فَإنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن وظائِفِ النُّبُوَّةِ، وقَدْ ورَدَ بِهِ الوَحْيُ النّاطِقُ بِتَفاصِيلِ ما يُفْعَلُ بِالجانِبَيْنِ. انْتَهى. وهَذا الأظْهَرُ يَقْرُبُ مِن قَوْلِ الحَسَنِ. وهو ما عَوَّلَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: بَلْ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ. كَيْفَ؟ وهو ﷺ جازِمٌ بِأنَّهُ صائِرٌ إلى الجَنَّةِ، هو ومَنِ اتَّبَعَهُ بِإحْسانٍ. وأمّا في الدُّنْيا، فَلَمْ يَدْرِ ما كانَ يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، وأمْرُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، أيُؤْمِنُونَ، أمْ يَكْفُرُونَ فَيُعَذَّبُونَ فَيُسْتَأْصَلُونَ بِكُفْرِهِمْ. فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُمِّ العَلاءِ، وكانَتْ بايَعَتِ (p-٥٣٤٣)النَّبِيَّ ﷺ، قالَتْ: («طارَ لَنا في السُّكْنى، حِينَ اقْتَرَعَتِ الأنْصارُ عَلى سُكْنى المُهاجِرِينَ، عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فاشْتَكى عُثْمانُ عِنْدَنا، فَمَرَّضْناهُ. حَتّى إذا تُوُفِّيَ أدْرَجْناهُ في أثْوابِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، أبا السّائِبِ ! شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ، وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ. واللَّهِ! ما أدْرِي -وأنا رَسُولُ اللَّهِ- ما يُفْعَلُ بِي!» قالَتْ: فَقُلْتُ: واللَّهِ! لا أُزَكِّي أحَدًا بَعْدَهُ أبَدًا وأحْزَنَنِي ذَلِكَ. فَنِمْتُ، فَرَأيْتُ لِعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذاكَ عَمَلُهُ») فَقَدِ انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ البُخارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ، وفي لَفْظٍ لَهُ: «ما أدْرِي -وأنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- ما يُفْعَلُ بِهِ»» . وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ هو المَحْفُوظَ، بِدَلِيلِ قَوْلِها: فَأحْزَنَنِي ذَلِكَ. وفي هَذا وأمْثالِهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُقْطَعُ لِمُعَيَّنٍ بِالجَنَّةِ، إلّا الَّذِي نَصَّ الشّارِعُ عَلى تَعْيِينِهِمْ، كالعَشَرَةِ، وابْنِ سَلامٍ، والعُمَيْصاءِ، وبِلالٍ، وسُراقَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ، (والِدِ جابِرٍ)، والقُرّاءِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وجَعْفَرٍ، وابْنِ رَواحَةَ، وما أشْبَهَ هَؤُلاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. وقالَ المَهايِمِيُّ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ: فِيما لَمْ يُوحَ إلَيَّ. والوَحْيُ بِبَعْضِ الأُمُورِ لا يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِالباقِي. ولَمْ يَكُنْ لِي أنْ أضُمَّ إلى الوَحْيِ كَذِبًا مِن عِنْدِي. ﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ أيْ: في تَقْرِيرِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ: إلّا ما يُوحى إلَيَّ ﴿وما أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ عِقابِ اللَّهِ عَلى كُفْرِكم بِهِ، أبانَ لَكم إنْذارُهُ، وأبانَ لَكم دُعاءَهُ إلى ما فِيهِ صَلاحُكُمْ، وسَعادَتُكم.

الأحقاف 46:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . (p-٥٣٤٤)﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيِ: القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِن لَدُنْهِ، عَلَيَّ. لا سِحْرًا، ولا مُفْتَرًى كَما تَزْعُمُونَ: ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: مِنَ الواقِفِينَ عَلى أسْرارِ الوَحْيِ بِما أُوتُوا مِنَ التَّوْراةِ: ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ أيْ: مِثْلِ القُرْآنِ، وهو ما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ المُصَدِّقَةِ لِلْقُرْآنِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، وهو ما يَتْبَعُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وقَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، أوْ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. أوْ عَلى مِثْلِ شَهادَةِ القُرْآنِ، فَجَعَلَ شَهادَتَهُ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، شَهادَةً عَلى مِثْلِ شَهادَةِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ بِإعْجازِهِ كَأنَّهُ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوِ (المِثْلُ) صِلَةٌ و(الفاءُ)، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سارَعَ إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ، لِما عَلِمَ أنَّهُ مِن جِنْسِ الوَحْيِ النّاطِقِ بِالحَقِّ: ﴿واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ هَذِهِ الشَّهادَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُشْعِرٌ بِأنَّ كُفْرَهُمْ، لِضَلالِهِمُ المُسَبَّبِ عَنْ ظُلْمِهِمْ، ودَلِيلٌ عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ. مِثْلَ: (ألَسْتُمْ ظالِمِينَ). أوْ (فَمَنَ أضَلُّ مِنكُمْ). وذَلِكَ عَدَمُ الهِدايَةِ مِمّا يُنْبِئُ عَنِ الضَّلالِ قَطْعًا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] قالَ أبُو السُّعُودِ: ووَصَفَهم بِالظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ تَرْكَهُ تَعالى لِهِدايَتِهِمْ، لِظُلْمِهِمْ. تَنْبِيهٌ: رُوِيَ أنَّ الشّاهِدَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً مُسْتَثْناةً مِنَ السُّورَةِ، كَما ذَكَرَهُ الكَواشِيُّ؛ لِأنَّ إسْلامَهُ كانَ بِالمَدِينَةِ. وأُجِيبَ: بِأنْ لا حاجَةَ لِلِاسْتِثْناءِ، وأنَّ الآيَةَ مِن بابِ الإخْبارِ قَبْلَ الوُقُوعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ [الأعراف: ٤٨] ويُرَشِّحُهُ أنَّ: شَهِدَ مَعْطُوفٌ عَلى الشَّرْطِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الماضِي مُسْتَقْبَلًا، فَلا ضَيْرَ في شَهادَةِ الشّاهِدِ (p-٥٣٤٥)بَعْدَ نُزُولِها، ويَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِهِ بَيانًا لِلْواقِعِ، لا عَلى أنَّهُ مُرادٌ بِخُصُوصِهِ مِنها. هَذا ما حَقَّقُوهُ. ويَقْرُبُ مِمّا نَذْكُرُهُ كَثِيرًا مِنَ المُرادِ مِن سَبَبِ النُّزُولِ في مِثْلِ هَذا، وأنَّهُ اسْتِشْهادٌ عَلى ما يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ الكَرِيمُ. ثُمَّ أشارَ إلى حِكايَةِ نَوْعٍ مِن أباطِيلِهِمْ في التَّنْزِيلِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

الأحقاف 46:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ . ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ﴾ أيِ: الإيمانُ، أوْ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ: ﴿خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكُنّا أوْلى بِهِ، كَسائِرِ الخَيْراتِ مِنَ المالِ، والجاهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنُونَ بِلالًا، وعَمّارًا، وصُهَيْبًا، وخَبّابًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وأشْباهَهُمْ، وأضْرابَهْمُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، والعَبِيدِ، والإماءِ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أنَّ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وجاهَةً، ولَهُ بِهِمْ عِنايَةٌ. وقَدْ غَلِطُوا في ذَلِكَ غَلَطًا فاحِشًا، وأخْطَأُوا خَطَأً بَيِّنًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] أيْ: يَتَعَجَّبُونَ كَيْفَ اهْتَدى هَؤُلاءِ دُونَنا، ولِهَذا قالُوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَيَقُولُونَ في كُلِّ فِعْلٍ، وقَوْلٍ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: هو بِدْعَةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَيْرًا لَسَبَقُونا إلَيْهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا خَصْلَةً مِن خِصالِ الخَيْرِ إلّا وقَدْ بادَرُوا إلَيْها. انْتَهى، ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أيْ: كَذِبٌ قَدِيمٌ، كَما قالُوا: " أساطِيرُ الأوَّلِينَ " . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَيَتَنَقَّصُونَ القُرْآنَ وأهْلَهُ، وهَذا هو الكِبْرُ الَّذِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ»» . (p-٥٣٤٦)

الأحقاف 46:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾ أيْ: قُدْوَةً يُؤْتَمُ بِهِ في دِينِ اللَّهِ، وشَرائِعِهِ، ورَحْمَةً لِمَن آمَنَ بِهِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ ﴿وهَذا﴾ أيِ: الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ ما يَقُولُونَ: ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ أيْ: لِكِتابِ مُوسى مِن غَيْرِ تَعَلُّمِ مَن أنْزَلَ عَلَيْهِ إيّاهُ: ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ: بَيِّنًا واضِحًا، وفي تَقْيِيدِ الكِتابِ بِذَلِكَ، مَعَ أنَّ عَرَبِيَّتَهُ أمْرٌ مَعْلُومُ الدَّلالَةِ، عَلى أنَّ تَصْدِيقَهُ لَها بِاتِّحادِ مَعْناهُ مَعَها، وهي غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ. ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مِمَّنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ اللِّسانَ بِغَيْرِ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾

الأحقاف 46:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣ - ١٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ: عَلى العَمَلِ الصّالِحِ. قالَ القاضِي: أيْ: جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو خُلاصَةُ العِلْمِ، والِاسْتِقامَةِ في الأُمُورِ، الَّتِي هي مُنْتَهى العَمَلِ. و: " ثُمَّ " لِلدَّلالَةِ عَلى تَأْخِيرِ رُتْبَةِ العَمَلِ، وتَوَقُّفِ اعْتِبارِهِ عَلى التَّوْحِيدِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: لا يُحْزِنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] (p-٥٣٤٧)

الأحقاف 46:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣ - ١٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ: عَلى العَمَلِ الصّالِحِ. قالَ القاضِي: أيْ: جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو خُلاصَةُ العِلْمِ، والِاسْتِقامَةِ في الأُمُورِ، الَّتِي هي مُنْتَهى العَمَلِ. و: " ثُمَّ " لِلدَّلالَةِ عَلى تَأْخِيرِ رُتْبَةِ العَمَلِ، وتَوَقُّفِ اعْتِبارِهِ عَلى التَّوْحِيدِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: لا يُحْزِنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] (p-٥٣٤٧)

الأحقاف 46:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ . ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ وقُرِئَ: (حُسْنًا)، وهَذا تَمْهِيدٌ لِمَن عَقَّهُما وعَصاهُما في الإيمانِ المَذْكُورِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أيْ: ذاتُ كُرْهٍ، أوْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ، وهو المَشَقَّةُ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾ أيْ: حَمْلُهُ جَنِينًا في بَطْنِها، وفِطامُهُ مِنَ الرِّضاعِ: ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أيْ: تَمْضِي عَلَيْها بِمُعاناةِ المَشاقِّ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ لِأجْلِهِ، مِمّا يُوجِبُ لِلْأُمِّ مَزِيدَ العِنايَةِ، وأكِيدَ الرِّعايَةِ، لا يُقالُ: بَقِيَ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، لِأنَّ أمَدَ الرِّضاعِ حَوْلانِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الحَوْلَيْنِ أمَدُ مَن أرادَ تَمامَ الأجَلِ، وإلّا فَأصْلُهُ أقَلُّ مِنهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ولَئِنْ سَلَّمَ أنَّهُما أمَدُها، فَيَكُونُ في الآيَةِ الِاكْتِفاءُ بِالعُقُودِ، وحَذْفُ الكُسُورِ، جَرْيًا عَلى عُرْفِهِمْ في ذَلِكَ، كَما ذَكَرُوهُ في حَدِيثِ أنَسٍ في وفاتِهِ ﷺ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، مَعَ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ تُوُفِّيَ عَنْ ثَلاثٍ وسِتِّينَ، كَما بَيَّنَ في شَرْحِ الشَّمائِلِ. قالُوا: إنَّ الرّاوِيَ لِلْأُولى اقْتَصَرَ فِيها عَلى العُقُودِ، وتَرَكَ الكُسُورَ، وسِرُّ ذَلِكَ هو القَصْدُ إلى ذِكْرِ المُهِمِّ، وما يَكْتَفِي بِهِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، لا ضَبْطَ الحِسابِ، وتَدْقِيقَ الأعْدادِ. (p-٥٣٤٨)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَدَلَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّتِي في لُقْمانَ: ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةٌ أشْهُرٍ، وهو اسْتِنْباطٌ قَوِيٌّ صَحِيحٌ، ووافَقَهُ عَلَيْهِ عُثْمانُ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيِ: اسْتَحْكَمَ قُوَّتَهُ، وعَقْلَهُ: ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ: ألْهَمَنِي: ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ: بِالهِدايَةِ لِلتَّوْحِيدِ، والعَمَلِ بِطاعَتِكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: واجْعَلِ الصَّلاحَ سارِيًا في ذُرِّيَّتِي، راسِخًا فِيهِمْ: ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ أيْ: مِن ذُنُوبِي الَّتِي سَلَفَتْ مِنِّي: ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِكَ ونَهْيِكَ، المُنْقادِينَ لِحُكْمِكَ.

الأحقاف 46:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ . ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِقامَةِ: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ فَنُجازِيهِمْ عَلَيْها: ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: فَلا نُعاقِبُهم عَلَيْها لِتَوْبَتِهِمْ: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أيْ: مَعْدُودِينَ في زُمْرَتِهِمْ ثَوابًا ومَقامًا. قالَ الشِّهابُ: والظّاهِرُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ: وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ لِيَدُلَّ عَلى المُبالَغَةِ بِعُلُوِّ مَنزِلَتِهِمْ فِيها؛ إذْ قَوْلُكَ: (فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ). أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: (عالِمٌ). ولَمْ يُبَيِّنُوهُ هَهُنا، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا قالَ (فِي) بِمَعْنى (مَعَ). انْتَهى. (p-٥٣٤٩)﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أيْ: وعَدَهم تَعالى هَذا الوَعْدَ، وعْدَ الحَقِّ في الدُّنْيا، وهو مُوَفِّيهِ لَهم في الآخِرَةِ، كَما قالَ: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَعْتَ مَن عَصى ما وصّى بِهِ مِنَ الإحْسانِ لِوالِدَيْهِ، مِن كُلِّ ولَدٍ عاقٍّ كافِرٍ، وما لَهُ في مَآلِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الأحقاف 46:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ أيْ: حِينَ دَعَواهُ إلى الإيمانِ والِاسْتِقامَةِ: ﴿أُفٍّ لَكُما﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الدَّعْوَةِ: ﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ أيْ: أُبْعَثَ مِن قَبْرِي بَعْدَ فَنائِي: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ أيْ: هَلَكَتْ ولَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهُمْ: ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ أيْ: يَطْلُبانِ الغِياثَ بِاللَّهِ مِنهُ. والمُرادُ إنْكارُ قَوْلِهِ، واسْتِعْظامُهُ، كَأنَّهُما لَجَآ إلى اللَّهِ في دَفْعِهِ، كَما يُقالُ: العِياذُ بِاللَّهِ ! أوِ المَعْنى: يَطْلُبانِ أنْ يُغِيثَهُ اللَّهُ بِالتَّوْفِيقِ، حَتّى يَرْجِعَ عَمّا هو عَلَيْهِ: ﴿ويْلَكَ آمِن﴾ أيْ: صَدِّقْ بِوَعْدِ اللَّهِ، وأقِرَّ أنَّكَ مَبْعُوثٌ بَعْدَ مَوْتِكَ. و: ﴿ويْلَكَ﴾ في الأصْلِ مَعْناهُ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ، فَأُقِيمَ مَقامَ الحَثِّ عَلى فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ، لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُرْتَكِبَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُطْلَبَ لَهُ الهَلاكُ، فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ تَرَكَ ما هو فِيهِ، وأخَذَ ما يَنْجَعُهُ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: إنَّ وعْدَهُ تَعالى لِخَلْقِهِ، بِأنَّهُ يَبْعَثُهم مِن قُبُورِهِمْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، لِمُجازاتِهِمْ بِأعْمالِهِمْ، حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ: ﴿فَيَقُولُ﴾ أيْ: مُجِيبًا لِوالِدَيْهِ، ورادًّا عَلَيْهِما نَصِيحَتَهُما، وتَكْذِيبًا بِوَعْدِ اللَّهِ: ﴿ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: أباطِيلُهُمُ الَّتِي كَتَبُوها. (p-٥٣٥٠)

الأحقاف 46:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ . ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيِ: الإلَهِيُّ، وهو العَذابُ: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ، وعَتَوْا عَنْ أمْرِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ أيْ: بِبَيْعِهِمُ الهُدى بِالضَّلالِ، والباقِي بِالفانِي.

الأحقاف 46:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . ﴿ولِكُلٍّ﴾ أيْ: مِنَ الفَرِيقَيْنِ: ﴿دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: مَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِن صالِحٍ وسَيِّئٍ: ﴿ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَها: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: يَنْقُصُ ثَوابٌ، ولا زِيادَةُ عِقابٍ. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، قالَ لِأبَوَيْهِ -وهُما أبُو بَكْرٍ وأُمُّ رُومانَ، وكانا قَدْ أسْلَما، وأبى هو أنْ يُسْلِمَ، فَكانا يَأْمُرانِهِ بِالإسْلامِ، فَكانَ يَرُدُّ عَلَيْهِما ويُكَذِّبُهُما ويَقُولُ: فَأيْنَ فُلانٌ، وأيْنَ فُلانٌ؟ يَعْنِي مَشايِخَ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قَدْ ماتَ. فَأسْلَمَ بَعْدُ، فَحَسُنَ إسْلامُهُ - فَنَزَلَتْ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنَّ نَفْيَ عائِشَةَ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ وآلِ بَيْتِهِ، أصَحُّ إسْنادًا وأوْلى بِالقَبُولِ؛ وذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ، والإسْماعِيلِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى «أنَّ مَرْوانَ (p-٥٣٥١)كانَ عامِلًا عَلى المَدِينَةِ، فَأرادَ مُعاوِيَةُ أنْ يَسْتَخْلِفَ يَزِيدَ، فَكَتَبَ إلى مَرْوانَ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ مَرْوانُ النّاسَ فَخَطَبَهُمْ، فَذَكَرَ يَزِيدَ، ودَعا إلى بَيْعَتِهِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ أرى أمِيرَ المُؤْمِنِينَ في يَزِيدَ رَأْيًا حَسَنًا، وإنْ يَسْتَخْلِفْهُ، فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ما هي إلّا هِرَقْلِيَّةٌ! فَقالَ مَرْوانُ: سُنَّةُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هِرَقْلِيَّةٌ! إنَّ أبا بَكْرٍ، واللَّهِ! ما جَعَلَها في أحَدٍ مِن ولَدِهِ، ولا في أهْلِ بَيْتِهِ، وما جَعَلَها مُعاوِيَةُ إلّا كَرامَةً لِوَلَدِهِ ! فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ. فَدَخَلَ بَيْتَ عائِشَةَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ. فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فَقالَتْ عائِشَةُ مِن وراءِ الحِجابِ: ما أنْزَلَ اللَّهُ فِينا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، إلّا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عُذْرِي. ولَوْ شِئْتَ أنْ أُسَمِّيَ مَن نَزَلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ، ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ لَعَنَ أبا مَرْوانَ، ومَرْوانُ في صُلْبِهِ». ومِمّا يُؤَيِّدُهُ أنَّ: الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ هُمُ المُخَلَّدُونَ في النّارِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ كانَ مِن أفاضِلِ المُسْلِمِينَ، وسَرَواتِهِمْ، وحاوَلَ بَعْضُهم عَدَمَ التَّنافِي بِأنْ يَقَعَ مِنهُ ذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِهِ، ثُمَّ يُسْلِمُ بَعْدَ ذَلِكَ. ومَعْلُومٌ أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وأنَّ مَعْنى الوَعِيدِ في الآيَةِ إنَّما هو لِلْمُصِرِّينَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لَمْ يُقْلِعُوا، لِكَثْرَةِ ما ورَدَ في العَفْوِ عَنِ التّائِبِينَ، وقَدْ نَزَلَ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ في أوَّلِ البَعْثَةِ آياتٌ لا تُحْصى، وكُلُّها تَنْعى عَلى مَن كانَ مُشْرِكًا آنَئِذٍ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِشُمُولِها لَهم بَعْدَ إيمانِهِمْ، أوْ أنَّ فِيها ما يَحُطُّ مِن أقْدارِهِمْ، ويَجْعَلُها مَغْمَزًا لَهُمْ، إلّا أنَّ مَرْوانَ لَمْ يَجِدْ لِمُقاوَمَةِ ما ألْقَمَهُ إلّا الشَّغَبَ، وشَغَلَ النّاسَ عَنْ باطِلِهِ بِنَغْمَةٍ يَطْرَبُ لَها الجَهَلَةُ، وقالَةٍ يَلُوكُها الرُّعاعُ، وهُمُ الَّذِينَ يُهِمُّهُ أمْرُهم. ويَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ! فَقَدْ شَفى الغُلَّةَ، وصَدَعَ بِالحَقِّ، في حِينِ أنَّ لا ظَهِيرَ لَهُ، ولا نَصِيرَ -واللَّهُ أعْلَمُ-. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في (المَعارِفِ): أرْبَعَةٌ رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في نَسَقٍ: أبُو قُحافَةَ، وابْنُهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، وابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وقالَ أيْضًا: قِيلَ: كانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفْضَلِ قُرَيْشٍ، ويُكَنّى أبا مُحَمَّدٍ، ولَهُ عَقِبٌ بِالمَدِينَةِ، (p-٥٣٥٢)ولَيْسُوا بِالكَثِيرِ، ماتَ فَجْأةً سَنَةَ ثَلاثٍ وخَمْسِينَ بِجَبَلٍ يَقْرُبُ مِن مَكَّةَ، فَأدْخَلَتْهُ عائِشَةُ الحَرَمَ ودَفَنَتْهُ وأعْتَقَتْ عَنْهُ. انْتَهى. وفِي دِمَشْقَ في مَقْبَرَةِ بابِ الفَرادِيسِ، المُسَمّاةِ بِالدَّحْداحِ، مَزارٌ يُقالُ إنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، نُسِبَ إلَيْهِ زُورًا. وما أكْثَرَ المُزَوِّراتِ في المَزاراتِ، كَما يَعْلَمُهُ مَن دَقَّقَ في الوَفِيّاتِ.

الأحقاف 46:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ . ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم أذَهَبْتُمْ: ﴿طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ﴾ أيْ: فَما بَقِيَ لَكم مِنَ اللَّذائِذِ شَيْءٌ لِاسْتِيفائِكم إيّاها: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ: الهَوانِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِغَيْرِ ما أباحَ لَكم وأذِنَ: ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أيْ: عَنْ طاعَتِهِ، فَأبْعَدَكم عَنْ كَرامَتِهِ.

الأحقاف 46:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ يَعْنِي هُودًا: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ المُسْتَطِيلُ المُرْتَفِعُ. قالَ قَتادَةُ ذُكِرَ لَنا أنَّ عادًا كانُوا حَيًّا بِاليَمَنِ، أهْلَ رَمْلٍ، مُشْرِفِينَ عَلى البَحْرِ ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ: وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ بِإنْذارِ أُمَمِها قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، مُتَّفِقِينَ عَلى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ أيْ: لا تُشْرِكُوا مَعَ اللَّهِ شَيْئًا (p-٥٣٥٣)فِي عِبادَتِكم إيّاهُ. وقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: بِمِقْدارِ هَتْكِهِمْ، عَذابَ اللَّهِ بِالشِّرْكِ.

الأحقاف 46:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢_٢٣] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] . ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾ أيْ: لِتَصْرِفَنا: ﴿عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ عَلى عِبادَتِنا إيّاها: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في وعْدِكَ أنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣] أيْ: إنِّي، وإنْ عَلِمْتُ إتْيانَهُ قَطْعًا، فَلا أعْلَمُ وقْتَ مَجِيئِهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِهِ عِنْدَهُ تَعالى، فَيَأْتِيكم بِهِ في وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ: ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ: مَواضِعَ حُظُوظِ أنْفُسِكُمْ، فَلا تَعْرِفُونَ ما عَلَيْها مِنَ المُضِرَّةِ بِعِبادَتِكم غَيْرَ اللَّهِ، وفي اسْتِعْجالِ عَذابِهِ.

الأحقاف 46:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢_٢٣] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] . ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾ أيْ: لِتَصْرِفَنا: ﴿عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ عَلى عِبادَتِنا إيّاها: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في وعْدِكَ أنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣] أيْ: إنِّي، وإنْ عَلِمْتُ إتْيانَهُ قَطْعًا، فَلا أعْلَمُ وقْتَ مَجِيئِهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِهِ عِنْدَهُ تَعالى، فَيَأْتِيكم بِهِ في وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ: ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ: مَواضِعَ حُظُوظِ أنْفُسِكُمْ، فَلا تَعْرِفُونَ ما عَلَيْها مِنَ المُضِرَّةِ بِعِبادَتِكم غَيْرَ اللَّهِ، وفي اسْتِعْجالِ عَذابِهِ.

الأحقاف 46:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤_٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] . ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَهم عَذابُ اللَّهِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، (p-٥٣٥٤)فَرَأوْهُ عارِضًا في ناحِيَةٍ مِن نَواحِي السَّماءِ، مُتَّجِهًا نَحْوَ مَزارِعِهِمْ: ﴿قالُوا هَذا عارِضٌ﴾ أيْ: سَحابٌ عارِضٌ: ﴿مُمْطِرُنا﴾ أيْ: بِغَيْثٍ نَحْيا بِهِ: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ: قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ: ﴿ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ: ﴿رِيحٌ﴾ أيْ: هي رِيحٌ، أوْ بَدَلٌ مِن (ما): ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: تُهْلِكُ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: مِن أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ: ﴿بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: إذْنِهِ الَّذِي لا يُعارَضُ، فَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهم آلِهَتُهُمْ، بَلْ دَمَّرَتْهُمْ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: بُيُوتُهم. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا لا يَقْتَصِرُ عَلى عادٍ، بَلْ يَنْتَظِرُ لِمَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وغَيْرِها، بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيِ: الكافِرِينَ إذا تَمادَوْا في غَيِّهِمْ، وطَغَوْا عَلى رَبِّهِمْ.

الأحقاف 46:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤_٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] . ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَهم عَذابُ اللَّهِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، (p-٥٣٥٤)فَرَأوْهُ عارِضًا في ناحِيَةٍ مِن نَواحِي السَّماءِ، مُتَّجِهًا نَحْوَ مَزارِعِهِمْ: ﴿قالُوا هَذا عارِضٌ﴾ أيْ: سَحابٌ عارِضٌ: ﴿مُمْطِرُنا﴾ أيْ: بِغَيْثٍ نَحْيا بِهِ: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ: قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ: ﴿ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ: ﴿رِيحٌ﴾ أيْ: هي رِيحٌ، أوْ بَدَلٌ مِن (ما): ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: تُهْلِكُ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: مِن أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ: ﴿بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: إذْنِهِ الَّذِي لا يُعارَضُ، فَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهم آلِهَتُهُمْ، بَلْ دَمَّرَتْهُمْ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: بُيُوتُهم. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا لا يَقْتَصِرُ عَلى عادٍ، بَلْ يَنْتَظِرُ لِمَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وغَيْرِها، بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيِ: الكافِرِينَ إذا تَمادَوْا في غَيِّهِمْ، وطَغَوْا عَلى رَبِّهِمْ.

الأحقاف 46:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ أيْ: مَكَّنّا عادًا، وآتَيْناهم مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ وقُوَّةِ الأجْسامِ، فِيما لَمْ نُمَكِّنْكم فِيهِ مِنَ الدُّنْيا، عَلى أنَّ: (إنْ) نافِيَةٌ، أُوثِرَتْ عَلى (ما) لِئَلّا تُوجِبَ شِبْهَ التَّكْرِيرِ الثَّقِيلِ. وقِيلَ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ. والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي، أوْ في شَيْءٍ، إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ كانَ بَغْيُكم أكْثَرَ. وقِيلَ: هي صِلَةٌ كَما في قَوْلِهِ: ؎يُرَجّى المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ويَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ (p-٥٣٥٥)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والوَجْهُ هو الأوَّلُ. ولَقَدْ جاءَ عَلَيْهِ في غَيْرِ آيَةٍ في القُرْآنِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢] وهو أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ، وأدْخَلُ في الحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ. قالَ النّاصِرُ: واخْتَصَّ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وقَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] أيْ: والأصْلُ تَوافِقُ المَعانِي في الآيِ الوارِدَةِ في نَبَأٍ واحِدٍ. عَلى ما فِيهِ أيْضًا مِن سَلامَةِ الحَذْفِ، والزِّيادَةِ. ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ: جَعَلْنا لَهم سَمْعًا يَسْمَعُونَ بِهِ مَواعِظَ رَبِّهِمْ، وأبْصارًا يُبْصِرُونَ بِها حُجَجَ اللَّهِ، وأفْئِدَةً يَعْقِلُونَ بِها ما يَضُرُّهُمْ، ويَنْفَعُهم ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لِأنَّهم لَمْ يَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ، بَلْ في خِلافِهِ: ﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وهَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثَناؤُهُ، لِقُرَيْشٍ. يَقُولُ لَهُمْ: فاحْذَرُوا أنْ (p-٥٣٥٦)يَحِلَّ بِكم مِنَ العَذابِ عَلى كُفْرِكم بِاللَّهِ، وتَكْذِيبِكم رُسُلَهُ، ما حَلَّ بِعادٍ، وبادَرُوا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ النِّقْمَةِ. لَطِيفَةٌ: قالَ الشِّهابُ: أفْرَدَ السَّمْعَ في النَّظْمِ، وجَمَعَ غَيْرَهُ، لِاتِّحادِ المُدْرِكِ بِهِ، وهو الأصْواتُ، وتَعَدَّدَتْ مُدْرِكاتُ غَيْرِهِ، ولِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وأيْضًا مَسْمُوعُهم مِنَ الرُّسُلِ مُتَّحِدٌ.

الأحقاف 46:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ﴾ أيْ: ما حَوْلَ قَرْيَتِكم يا أهْلَ مَكَّةَ: ﴿مِنَ القُرى﴾ أيْ: كَحِجْرِ ثَمُودَ، وأرْضِ سَدُومَ، ومَأْرَبَ ونَحْوِها، فَأنْذَرْنا أهْلَها بِالمُثُلاتِ، وخَرَّبْنا دِيارَها، فَجَعَلْناها خاوِيَةً عَلى عُرُوشِها: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾ أيْ: وعَظْناهم بِأنْواعِ العِظاتِ، وبَيَّنّا لَهم ضُرُوبًا مِنَ الحُجَجِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وفي الكَلامِ مَتْرُوكٌ، تُرِكَ ذِكْرُهُ اسْتِغْناءً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهُوَ: فَأبَوْا إلّا الإقامَةَ عَلى كُفْرِهِمْ، والتَّمادِي عَلى غَيِّهِمْ، فَأهْلَكْناهُمْ، فَلَمْ يَنْصُرْهم مِنّا ناصِرٌ.

الأحقاف 46:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٨] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ: فَهَلّا نَصَرَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أهْلَكْناهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ قَبْلَهُمْ، أوْثانُهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوا عِبادَتَها قُرْبانًا يَتَقَرَّبُونَ بِها، فِيما زَعَمُوا، إلى رَبِّهِمْ إذْ جاءَهم بَأْسُنا، فَتُنْقِذُهم مِن عَذابِنا، إنْ كانَتْ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ، كَما قالُوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] (p-٥٣٥٧)﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ: غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ، وامْتَنَعَ أنْ يَسْتَمِدُّوا بِهِمُ، امْتِناعَ الِاسْتِمْدادِ بِالضّالِّ فَفِي: ﴿ضَلُّوا﴾ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ: ﴿وذَلِكَ إفْكُهُمْ﴾ أيْ: ضَياعُ آلِهَتِهِمْ عَنْهُمْ، وامْتِناعُ نَصْرِهِمْ إثْرَ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: وإثْرُ افْتِرائِهِمْ في أنَّها شُفَعاؤُهم.

الأحقاف 46:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣٢] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] . ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ: أمَّلْناهم إلَيْكَ، وأقْبَلْنا بِهِمْ نَحْوَكَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ: لِيَتِمَّ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أيْ: فَرَغَ مِن قِراءَتِهِ، كَمُلَ تَأْثِيرُهم بِهِ، فَأرادُوا التَّأْثِيرَ بِهِ، لِذَلِكَ: ﴿ولَّوْا﴾ أيْ: رَجَعُوا: ﴿إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيْ: عَمّا هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيِ: المُتَّفَقُ عَلى تَعْظِيمِ كِتابِهِ. أيْ: وقَدْ عَلِمْنا صِدْقَهُ لِكَوْنِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: مِن هَذِهِ الكُتُبِ كُلِّها، وقَدْ فُضِّلَ عَلَيْها إذْ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ: ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: لا عِوَجَ فِيهِ، وهو الإسْلامُ. (p-٥٣٥٨)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: يَهْدِي إلى الحَقِّ في الِاعْتِقادِ والأخْبارِ، وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ في الأعْمالِ. فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى شَيْئَيْنِ: خَبَرٍ وطَلَبٍ. فَخَبَرُهُ صِدْقٌ، وطَلَبُهُ عَدْلٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٨] فالهُدى هو العِلْمُ النّافِعُ. ودِينُ الحَقِّ هو العَمَلُ الصّالِحُ. وهَكَذا قالَتِ الجِنُّ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] في الِاعْتِقاداتِ، ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: في العَمَلِيّاتِ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] أيْ: رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا إلى ما يَدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ ﴿وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: بِمُعْجِزِ رَبِّهِ، بِهَرَبِهِ إذا أرادَ تَعالى عُقُوبَتَهُ؛ لِأنَّهُ في قَبْضَتِهِ وسُلْطانِهِ، أنّى اتَّجَهَ ﴿ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: نُصَراءُ يَنْصُرُونَهُ مِنَ اللَّهِ إذا عاقَبَهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: أُخِذَ عَلى غَيْرِ اسْتِقامَةٍ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ -رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ شَهِدَ أحَدٌ مِنكم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ؟ قالَ: لا، ولَكِنّا كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْناهُ، فالتَمَسْناهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ، فَقِيلَ: اسْتُطِيرَ، اغْتِيلَ! قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ فِيها قَوْمٌ. فَلَمّا أصْبَحْنا إذا هو جاءَ مِن قِبَلِ حِراءَ. قالَ: فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَدْناكَ فَطَلَبْناكَ فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ. فَقالَ: «أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ» قالَ: فانْطَلَقَ بِنا، فَأرانا آثارَهم». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ، (p-٥٣٥٩)فَيَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ، فَيَزِيدُونَ فِيها عَشْرًا. فَيَكُونُ ما سَمِعُوا حَقًّا، وما زادُوا باطِلًا. وكانَتِ النُّجُومُ لا يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ أحَدُهم لا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إلّا رُمِيَ بِشِهابٍ يَحْرُقُ ما أصابَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ، فَقالَ: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَبَثَّ جُنُودَهُ، فَإذا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلِيِّ نَخْلَةٍ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ». ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في كِتابَيِ التَّفْسِيرِ مِن سُنَنَيْهِما. وهَكَذا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهُ ﷺ ما شَعَرَ بِأمْرِهِمْ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِخَبَرِهِمْ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قِصَّةَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الطّائِفِ، ودُعائِهِ إيّاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإبائِهِمْ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِطُولِها، ثُمَّ قالَ: فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ، باتَ بِنَخْلَةٍ، فَقَرَأ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ القُرْآنِ، فاسْتَمَعَتْهُ الجِنُّ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا صَحِيحٌ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ الجِنَّ كانَ اسْتِماعُهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ). فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّ الجِنَّ كانَ اسْتِماعُهم في ابْتِداءِ الإيحاءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما المَذْكُورُ. وخُرُوجُهُ ﷺ إلى الطّائِفِ كانَ بَعْدَ مَوْتِ عَمِّهِ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ أوْ سَنَتَيْنِ، كَما قَرَّرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «هَبَطُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَهَذا مَعَ الأوَّلِ مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَقْتَضِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِحُضُورِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ، وإنَّما اسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدُوا إلَيْهِ أرْسالًا: قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ، وفَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. (p-٥٣٦٠)فَأمّا ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَألْتُ مَسْرُوقًا: «مَن آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ؟ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُوكَ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ،» فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في المَرَّةِ الأُولى، ويَكُونُ إثْباتًا مُقَدَّمًا عَلى نَفْيِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الأُولى، ولَكِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حالَ اسْتِماعِهِمْ حَتّى آذَنَتْهُ بِهِمُ الشَّجَرَةُ، أيْ: أعْلَمَتْهُ بِاجْتِماعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في بَعْضِ المَرّاتِ المُتَأخِّراتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ: وهَذا الَّذِي حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّما هو أوَّلُ ما سَمِعَتِ الجِنُّ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلِمَتْ حالَهُ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَرَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أتاهُ داعِي الجِنِّ، فَقَرَأ، عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، ودَعاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ -كَما رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأمّا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حالَ مُخاطَبَتِهِ لِلْجِنِّ، ودُعائِهِ إيّاهُمْ، وإنَّما كانَ بَعِيدًا مِنهُ، ولَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أحَدٌ سِواهُ، ومَعَ هَذا، لَمْ يَشْهَدْ حالَ المُخاطَبَةِ. هَذِهِ طَرِيقَةُ البَيْهَقِيِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أوَّلَ مَرَّةٍ خَرَجَ إلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ﷺ ابْنُ مَسْعُودٍ ولا غَيْرُهُ، كَما هو ظاهِرُ سِياقِ الرِّوايَةِ الأُولى مِن طَرِيقِ الإمامِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرى -واللَّهُ أعْلَمُ- كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ: أمّا الجِنُّ الَّذِينَ لَقُوهُ بِنَخْلَةَ فَجِنُّ نِينَوى، وأمّا الجِنُّ الَّذِينَ لَقُوهُ بِمَكَّةَ، فَجِنُّ نَصِيبِينَ. وتَأوَّلَ البَيْهَقِيُّ قَوْلَهُ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ. عَلى غَيْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِهِ ﷺ إلى الجِنِّ، وهو مُحْتَمَلٌ، عَلى بُعْدٍ، (p-٥٣٦١)وبِالجُمْلَةِ، فَقَدْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى تَكْرارِ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَيْرُ ما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا مِن وجْهٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى القِصَّتَيْنِ. وذَكَرَ أبُو حَمْزَةَ الثَّمّالِيُّ أنَّ هَذا الحَيَّ مِنَ الجِنِّ كانُوا أكْثَرَ الجِنِّ عَدَدًا، وأشْرَفَهم نَسَبًا. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم كانُوا تِسْعَةً. ويُرْوى أنَّهم كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ، ورُوِيَ سِتِّينَ، ورُوِيَ ثَلاثَمِائَةٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَلَعَلَّ هَذا الِاخْتِلافَ دَلِيلٌ عَلى تَكَرُّرِ وِفادَتِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ما سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِشَيْءٍ قَطُّ يَقُولُ: إنِّي لَأظُنُّهُ هَكَذا، إلّا كانَ كَما يَظُنُّ. بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ جالِسٌ، إذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقالَ: لَقَدْ أخْطَأ ظَنِّي، أوْ إنَّ هَذا عَلى دِينِهِ في الجاهِلِيَّةِ، أوْ لَقَدْ كانَ كاهِنَهم. عَلَيَّ الرَّجُلَ. فَدُعِيَ لَهُ، فَقالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ. قالَ: فَإنِّي أعْزِمُ عَلَيْكَ إلّا ما أخْبَرْتَنِي! قالَ: كُنْتُ كاهِنَهم في الجاهِلِيَّةِ. قالَ: فَما أعْجَبَ ما جاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قالَ: بَيْنا أنا يَوْمًا في السُّوقِ، جاءَتْنِي أعْرِفُ فِيها الفَزَعُ، فَقالَتْ: ألَمْ تَرَ الجِنَّ وإبْلاسَها ويَأْسَها مِن بَعْدِ إنْكاسِها، ولُحُوقِها بِالقِلاصِ وأحْلاسِها؟ قالَ عُمَرُ: صَدَقَ! بَيْنَما أنا نائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إذْ جاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صارِخٌ، لَمْ أسْمَعْ صارِخًا قَطُّ أشَدَّ صَوْتًا مِنهُ، يَقُولُ: يا جَلِيحُ! أمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ فَوَثَبَ القَوْمُ. فَقُلْتُ: لا أبْرَحُ حَتّى أعْلَمَ ما وراءَ هَذا. ثُمَّ نادى: يا جَلِيحُ ! أمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقُمْتُ، فَما نَشَبْنا أنْ قِيلَ: هَذا نَبِيٌّ -هَذا سِياقُ البُخارِيِّ - وقَدْ رَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ وهْبٍ بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ: وظاهِرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ يُوهِمُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ سَمِعَ الصّارِخَ يَصْرُخُ مِنَ العِجْلِ (p-٥٣٦٢)الَّذِي ذُبِحَ. وكَذَلِكَ هو صَرِيحٌ في رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وسائِرُ الرِّواياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكاهِنَ هو الَّذِي أخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وسَماعِهِ -واللَّهُ أعْلَمُ-. وهَذا الرَّجُلُ هو سَوادُ بْنُ قارِبٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ: وسَوادُ بْنُ قارِبٍ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هو الكاهِنَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ثُمَّ رَوى بِسَنَدِهِ عَنِ البَراءِ قالَ: «بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَخْطُبُ النّاسَ عَلى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قالَ: أيُّها النّاسُ! أفِيكم سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ تِلْكَ السَّنَةَ. فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ المُقْبِلَةُ قالَ أيُّها النّاسُ! أفِيكم سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! وما سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ سَوادَ بْنَ قارِبٍ كانَ بَدْءُ إسْلامِهِ شَيْئًا عَجِيبًا! قالَ: فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ، إذْ طَلَعَ سَوادُ بْنُ قارِبٍ. قالَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا سَوادُ ! حَدِّثْنا بِبَدْءِ إسْلامِكَ كَيْفَ كانَ؟ قالَ سَوادٌ: فَإنِّي كُنْتُ نازِلًا بِالهِنْدِ، وكانَ لِي رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ. قالَ: فَبَيْنا أنا ذاتَ لَيْلَةٍ نائِمٌ إذْ جاءَنِي في مَنامِي ذَلِكَ، قالَ: قُمْ فافْهَمْ، واعْقِلْ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ ! قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَحْساسِها وشَدِّها العِيسَ بِأحْلاسِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما خَيِّرُ الجِنِّ كَأنْجاسِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى راسِها قالَ: ثُمَّ أنْبَهَنِي فَأفْزَعَنِي وقالَ: يا سَوادُ بْنَ قارِبٍ ! إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ نَبِيًّا، فانْهَضْ إلَيْهِ تَهْتَدِ وتَرْشُدْ. فَلَمّا كانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ، أتانِي فَأنْبَهَنِي، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَطْلابِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأقْتابِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ولَيْسَ قُدْماها كَأذْنابِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى قابِها فَلَمّا كانَ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، أتانِي فَأنْبَهَنِي، ثُمَّ قالَ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَخْبارِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأكْوارِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ولَيْسَ ذَوُو الشَّرِّ كَأخْيارِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها (p-٥٣٦٣)قالَ: فَلَمّا سَمِعَهُ تَكَرَّرَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، وقَعَ في قَلْبِي حُبُّ الإسْلامِ مِن أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ. قالَ: فانْطَلَقْتُ إلى رَحْلِي، فَشَدَدْتُهُ عَلى راحِلَتِي، فَما حَلَلْتُ نَسْعَةً، ولا عَقَدْتُ أُخْرى، حَتّى أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو بِالمَدِينَةِ -يَعْنِي مَكَّةَ - والنّاسُ عَلَيْهِ كَعُرْفِ الفَرَسِ، فَلَمّا رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ قالَ: «مَرْحَبًا بِكَ يا سَوادُ بْنَ قارِبٍ، قَدْ عَلِمْنا ما جاءَ بِكَ». قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ قُلْتُ شِعْرًا، فاسْمَعْهُ مِنِّي! قالَ ﷺ: «قُلْ يا سَوادُ»، فَقُلْتُ: ؎أتانِي رَئِيِّي بَعْدَ لَيْلٍ وهَجْعَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَكُ فِيما قَدْ بَلَوْتُ بِكاذِبِ ؎ثَلاثَ لَيالٍ، قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ: ∗∗∗ أتاكَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ ؎فَشَمَّرْتُ عَنْ ساْقِي الإزارَ ووَسَّطَتْ ∗∗∗ بِي الدِّعْلِبُ الوَجْناءُ بَيْنَ السَّباسِبِ ؎فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ∗∗∗ وأنَّكَ مَأْمُونٌ عَلى كُلِّ غائِبِ ؎وأنَّكَ أدْنى المُرْسَلِينَ وسِيلَةً ∗∗∗ إلى اللَّهِ، يا ابْنَ الأكْرَمِينَ الأطايِبِ ؎فَمُرْنا بِما يَأْتِيكَ يا خَيْرَ مُرْسَلٍ ∗∗∗ وإنْ كانَ فِيما جاءَ شَيْبَ الذَّوائِبِ ؎وكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ سِواكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوادِ بْنِ قاْرِبِ قالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، وقالَ لِي: أفْلَحْتَ يا سَوادُ ! فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ يَأْتِيكَ رِئِيُّكَ الآنَ؟ فَقالَ: مُنْذُ قَرَأْتُ القُرْآنَ لَمْ يَأْتِنِي، ونِعْمَ العِوَضُ كِتابُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الجِنِّ». ثُمَّ أسْنَدَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ ساقَهُ الإمامُ الماوَرْدِيُّ في (أعْلامِ النُّبُوَّةِ) مَعَ نَظائِرَ لَهُ، في البابِ السّادِسَ عَشَرَ، في هُتُوفِ الجِنِّ، ثُمَّ قالَ: ولَئِنْ كانَتْ هَذِهِ الهُتُوفُ أخْبارَ آحادٍ، عَمَّنْ لا يَرى شَخْصَهُ، ولا يَحُجُّ قَوْلُهُ، فَخُرُوجُهُ عَنِ العادَةِ نَذِيرٌ، وتَأْثِيرُهُ في النُّفُوسِ بَشِيرٌ، وقَدْ قَبِلَها السّامِعُونَ. وقَبُولُ الأخْبارِ يُؤَكِّدُ صِحَّتَها، ويُؤَيِّدُ حُجَّتَها. فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَتْ هُتُوفُ الجِنِّ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، (p-٥٣٦٤)جازَ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ الكِهانَةِ، فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ دَلائِلَ النُّبُوَّةِ غَيْرُها، وإنَّما هي مِنَ البَشائِرِ بِها، وفَرَّقَ بَيْنَ الدَّلالَةِ والبِشارَةِ إخْبارًا. والثّانِي: أنَّ الكِهانَةَ عَنْ مُغَيَّبٍ، والبِشارَةَ عَنْ مُعَيَّنٍ، فالعَيانُ مَعْلُومٌ، والغائِبُ مَوْهُومٌ. انْتَهى. التَّنْبِيهُ الثّانِي: قالَ الماوَرْدِيُّ: في صَرْفِ الجِنِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- أنَّهم صَرَفُوا عَنِ اسْتِراقِ سَمْعِ السَّماءِ، بِرُجُومِ الشُّهُبِ، ولَمْ يَصْرِفُوا عَنْهُ بَعْدَ عِيسى إلّا بَعْدَ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما هَذا الحادِثُ في السَّماءِ، إلّا لِحادِثٍ في الأرْضِ، وتَخَيَّلُوا بِهِ تَجْدِيدَ النُّبُوَّةِ، فَجابُوا الأرْضَ، حَتّى وقَفُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَطْنِ مَكَّةَ عامِدًا إلى عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي الفَجْرَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ، ورَأوْهُ كَيْفَ يُصَلِّي، ويَقْتَدِي بِهِ أصْحابُهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ لِهَذا الحادِثِ، صُرِفُوا عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِرُجُومِ الشِّهابِ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. أقُولُ: وعَلَيْهِ فَتَكُونُ (إلى) -فِي (إلَيْكَ)- بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ. وذُكِرَ في (المُغْنِي) أنَّها تَأْتِي مُرادِفَةً اللّامَ، نَحْوَ: والأمْرُ إلَيْكِ. وفِيهِ تَكَلُّفٌ وبُعْدٌ؛ لِنُبُوِّهِ عَمّا يَقْتَضِيهِ سِياقُ بَقِيَّةِ الآيَةِ. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: (p-٥٣٦٥)وحَكى عِكْرِمَةُ أنَّ السُّورَةَ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] أقُولُ: سَيَأْتِي مَرْفُوعًا عَنْ جابِرٍ أنَّها سُورَةُ الرَّحْمَنِ. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: والوَجْهُ الثّانِي:- أنَّهم صُرِفُوا عَنْ بِلادِهِمْ بِالتَّوْفِيقِ، هِدايَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، حَتّى أتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَهُ بِوُفُودِ الجِنِّ، وأمْرِهِ بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ومَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، حَتّى جاءَ الحَجُونَ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَخَطَّ عَلِيَّ خَطًّا وقالَ: لا تُجاوِزْهُ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتّى أتَوْهُ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي، أعْلَمَهُ جِبْرِيلُ قَبْلَ إتْيانِهِمْ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في رُؤْيَتِهِ لَهُمْ، وقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ. فَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرَهُمْ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، وإنَّما سَمِعُوا قِراءَتَهُ حِينَ مَرُّوا بِهِ مُصَلِّيًا. وحَكى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَآهم. وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. أقُولُ: تَقَدَّمَ لِابْنِ كَثِيرٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ-. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- فَلَمّا حَضَرُوا قِراءَتَهُ القُرْآنَ، قالُوا: أنْصِتُوا لِسَماعِهِ. والوَجْهُ الثّانِي: فَلَمّا حَضَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: أنْصِتُوا لِسَماعِ قَوْلِهِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا -أيْ: قَوْلُهم أنْصِتُوا- أدَبٌ مِنهم. وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: «ما لِي أراكم سُكُوتًا؟ لَلْجِنُّ كانُوا أحْسَنَ مِنكم رَدًّا؛ ما قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِن مَرَّةٍ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، إلّا قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن آلائِكَ أوْ نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ»» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرٍ. الثّالِثُ:- دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ عامَّ الرِّسالَةِ إلى الإنْسِ والجِنِّ. (p-٥٣٦٦)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِأنَّهُ دَعا الجِنَّ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَلَيْهِمُ السُّورَةَ الَّتِي فِيها خِطابُ الفَرِيقَيْنِ، وتَكْلِيفُهُمْ، ووَعْدُهُمْ، ووَعِيدُهُمْ، وهي سُورَةُ الرَّحْمَنِ، ولِهَذا قالَ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] قالَ الماوَرْدِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مِنَ الإنْسِ، واخْتَلَفُوا في جَوازِ بِعْثَةِ رَسُولٍ مِنهُمْ، فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ومَنَعَ آخَرُونَ مِنهُ. وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَهم مِن ولَدِ إبْلِيسَ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] عَلى الَّذِينَ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ، ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. انْتَهى. أقُولُ: ونَظِيرُهُ تَسْمِيَةُ رُسُلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُسُلًا في آيَةِ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] الرّابِعُ:- اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] مَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الجِنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وإنَّما جَزاءُ صالِحِيهِمْ أنْ يُجارُوا مِن عَذابِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ لَهم جَزاءٌ عَلى الإيمانِ أعْلى مِن هَذا، لَأوْشَكَ أنْ يَذْكُرُوهُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا كُفّارُهم فَيَدْخُلُونَ النّارَ، وأمّا مُؤْمِنُوهُمْ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا في دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ثَوابًا عَلى إيمانِهِمْ. فَقالَ الضَّحّاكُ: ومَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ رُسُلُهم مِنهُمْ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ. وحَكى سُفْيانُ عَنْ لَيْثٍ أنَّهم يُثابُونَ عَلى الإيمانِ بِأنْ يُجازَوْا عَلى النّارِ خَلاصًا مِنها، ثُمَّ يُقالُ: لَهُمْ: كُونُوا تُرابًا كالبَهائِمِ. انْتَهى. والحَقُّ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - أنَّ مُؤْمِنَهم كَمُؤْمِنِ الإنْسِ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَما هو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِهَذا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ نَظَرٌ، وأحْسَنَ مِنهُ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ (p-٥٣٦٧)رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] فَقَدِ امْتَنَّ تَعالى عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ. وقَدْ قابَلَتِ الجِنُّ هَذِهِ الآيَةَ بِالشُّكْرِ القَوْلِيِّ أبْلَغَ مِنَ الإنْسِ، فَقالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ. فَلَمْ يَكُنْ تَعالى لِيَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِجَزاءٍ لا يَحْصُلُ لَهم. وأيْضًا، فَإنَّهُ إذا كانَ يُجازِي كافِرَهم بِالنّارِ، وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَلَأنْ يُجازِيَ مُؤْمِنَهم بِالجَنَّةِ، وهو مَقامُ فَضْلٍ، بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا عَلى عُمُومِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧] وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وما ذَكَرُوهُ هَهُنا مِنَ الجَزاءِ عَلى الإيمانِ، مِن تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ، والإجارَةِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، هو يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا الجَنَّةُ أوِ النّارُ. فَمَن أُجِيرَ مِنَ النّارِ دَخَلَ الجَنَّةَ لا مَحالَةَ، ولَمْ يَرِدْ مَعَنا نَصٌّ صَرِيحٌ، ولا ظاهِرٌ عَنِ الشّارِعِ، أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وإنْ أُجِيرُوا مِنَ النّارِ، ولَوْ صَحَّ لَقُلْنا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَذا نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] ولا خِلافَ أنَّ مُؤْمِنِي قَوْمِهِ في الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ. وقَدْ حُكِيَ فِيهِمْ أقْوالٌ غَرِيبَةٌ. فَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّما يَكُونُونَ في رُبْضِها، وحَوْلَها، وفي أرْجائِها. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهم في الجَنَّةِ يَراهم بَنُو آدَمَ، ولا يَرَوْنَ بَنِي آدَمَ بِعَكْسِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدّارِ الدُّنْيا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَأْكُلُونَ في الجَنَّةِ ولا يَشْرَبُونَ، وإنَّما يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ، والتَّحْمِيدَ، والتَّقْدِيسَ، عِوَضًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، كالمَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ فِيها نَظَرٌ، ولا دَلِيلَ عَلَيْها. انْتَهى. الخامِسُ: - قِيلَ: سِرُّ التَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] أنَّ مِنَ العَذابِ ما لا يُغْفَرُ بِالإيمانِ، كَذُنُوبِ المَظالِمِ، أيْ: حُقُوقُ العِبادِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الحَرْبِيَّ لَوْ نَهَبَ الأمْوالَ المَصُونَةَ، وسَفَكَ الدِّماءَ المَحْقُونَةَ، ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ، جَبَّ الإسْلامُ عَنْهُ إثْمَ ما تَقَدَّمَ، بِلا إشْكالٍ. (p-٥٣٦٨)ويُقالُ: إنَّهُ ما وعَدَ المَغْفِرَةَ لِلْكافِرِ عَلى تَقْدِيرِ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا مُبَعَّضَةً، والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَقامَ الكافِرِ قَبْضٌ لا بَسْطٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُبْسَطْ رَجاؤُهُ كَما في حَقِّ المُؤْمِنِ -أفادَهُ النّاصِرُ -. السّادِسُ: - قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: جَمَعُوا في دَعْواهم قَوْمَهم بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ولِهَذا نَجَعَ في كَثِيرٍ مِنهُمْ، وجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُفُودًا وُفُودًا، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. السّابِعُ:- قالَ الماوَرْدِيُّ: الجِنُّ مِنَ العالَمِ النّاطِقِ المُمَيِّزِ، يَأْكُلُونَ، ويَتَناكَحُونَ، ويَتَناسَلُونَ، ويَمُوتُونَ، وأشْخاصُهم مَحْجُوبَةٌ عَنِ الأبْصارِ، وإنْ تَمَيَّزُوا بِأفْعالٍ وآثارٍ، إلّا أنَّ اللَّهَ يَخُصُّ بِرُؤْيَتِهِمْ مَن يَشاءُ، وإنَّما عَرَفَهُمُ الإنْسُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وما تَخَيَّلُوهُ مِن آثارِهِمُ الخَفِيَّةِ. وقالَ القاشانِيُّ: الجِنُّ نُفُوسٌ أرْضِيَّةٌ تَجَسَّدَتْ في أبْدانٍ لَطِيفَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِن لَطائِفِ العَناصِرِ، سَمّاها حُكَماءُ الفُرْسِ: (الصُّوَرُ المُعَلَّقَةُ). ولِكَوْنِها أرْضِيَّةً مُتَجَسِّدَةً في أبْدانٍ عُنْصُرِيَّةٍ، ومُشارَكَتِها الإنْسَ في ذَلِكَ، سُمِّيا (ثَقَلَيْنِ). وكَما أمْكَنَ النّاسُ التَّهَدِّي بِالقُرْآنِ أمْكَنَهُمْ، وحِكاياتُهم مِنَ المُحَقِّقِينَ وغَيْرِهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ يُمْكِنَ رَدُّ الجَمِيعِ، وأوْضَحُ مِن أنْ يَقْبَلَ التَّأْوِيلَ. انْتَهى.

الأحقاف 46:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣٢] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] . ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ: أمَّلْناهم إلَيْكَ، وأقْبَلْنا بِهِمْ نَحْوَكَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ: لِيَتِمَّ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أيْ: فَرَغَ مِن قِراءَتِهِ، كَمُلَ تَأْثِيرُهم بِهِ، فَأرادُوا التَّأْثِيرَ بِهِ، لِذَلِكَ: ﴿ولَّوْا﴾ أيْ: رَجَعُوا: ﴿إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيْ: عَمّا هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيِ: المُتَّفَقُ عَلى تَعْظِيمِ كِتابِهِ. أيْ: وقَدْ عَلِمْنا صِدْقَهُ لِكَوْنِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: مِن هَذِهِ الكُتُبِ كُلِّها، وقَدْ فُضِّلَ عَلَيْها إذْ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ: ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: لا عِوَجَ فِيهِ، وهو الإسْلامُ. (p-٥٣٥٨)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: يَهْدِي إلى الحَقِّ في الِاعْتِقادِ والأخْبارِ، وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ في الأعْمالِ. فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى شَيْئَيْنِ: خَبَرٍ وطَلَبٍ. فَخَبَرُهُ صِدْقٌ، وطَلَبُهُ عَدْلٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٨] فالهُدى هو العِلْمُ النّافِعُ. ودِينُ الحَقِّ هو العَمَلُ الصّالِحُ. وهَكَذا قالَتِ الجِنُّ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] في الِاعْتِقاداتِ، ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: في العَمَلِيّاتِ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] أيْ: رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا إلى ما يَدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ ﴿وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: بِمُعْجِزِ رَبِّهِ، بِهَرَبِهِ إذا أرادَ تَعالى عُقُوبَتَهُ؛ لِأنَّهُ في قَبْضَتِهِ وسُلْطانِهِ، أنّى اتَّجَهَ ﴿ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: نُصَراءُ يَنْصُرُونَهُ مِنَ اللَّهِ إذا عاقَبَهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: أُخِذَ عَلى غَيْرِ اسْتِقامَةٍ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ -رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ شَهِدَ أحَدٌ مِنكم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ؟ قالَ: لا، ولَكِنّا كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْناهُ، فالتَمَسْناهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ، فَقِيلَ: اسْتُطِيرَ، اغْتِيلَ! قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ فِيها قَوْمٌ. فَلَمّا أصْبَحْنا إذا هو جاءَ مِن قِبَلِ حِراءَ. قالَ: فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَدْناكَ فَطَلَبْناكَ فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ. فَقالَ: «أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ» قالَ: فانْطَلَقَ بِنا، فَأرانا آثارَهم». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ، (p-٥٣٥٩)فَيَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ، فَيَزِيدُونَ فِيها عَشْرًا. فَيَكُونُ ما سَمِعُوا حَقًّا، وما زادُوا باطِلًا. وكانَتِ النُّجُومُ لا يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ أحَدُهم لا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إلّا رُمِيَ بِشِهابٍ يَحْرُقُ ما أصابَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ، فَقالَ: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَبَثَّ جُنُودَهُ، فَإذا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلِيِّ نَخْلَةٍ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ». ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في كِتابَيِ التَّفْسِيرِ مِن سُنَنَيْهِما. وهَكَذا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهُ ﷺ ما شَعَرَ بِأمْرِهِمْ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِخَبَرِهِمْ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قِصَّةَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الطّائِفِ، ودُعائِهِ إيّاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإبائِهِمْ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِطُولِها، ثُمَّ قالَ: فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ، باتَ بِنَخْلَةٍ، فَقَرَأ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ القُرْآنِ، فاسْتَمَعَتْهُ الجِنُّ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا صَحِيحٌ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ الجِنَّ كانَ اسْتِماعُهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ). فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّ الجِنَّ كانَ اسْتِماعُهم في ابْتِداءِ الإيحاءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما المَذْكُورُ. وخُرُوجُهُ ﷺ إلى الطّائِفِ كانَ بَعْدَ مَوْتِ عَمِّهِ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ أوْ سَنَتَيْنِ، كَما قَرَّرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «هَبَطُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَهَذا مَعَ الأوَّلِ مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَقْتَضِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِحُضُورِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ، وإنَّما اسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدُوا إلَيْهِ أرْسالًا: قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ، وفَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. (p-٥٣٦٠)فَأمّا ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَألْتُ مَسْرُوقًا: «مَن آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ؟ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُوكَ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ،» فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في المَرَّةِ الأُولى، ويَكُونُ إثْباتًا مُقَدَّمًا عَلى نَفْيِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الأُولى، ولَكِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حالَ اسْتِماعِهِمْ حَتّى آذَنَتْهُ بِهِمُ الشَّجَرَةُ، أيْ: أعْلَمَتْهُ بِاجْتِماعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في بَعْضِ المَرّاتِ المُتَأخِّراتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ: وهَذا الَّذِي حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّما هو أوَّلُ ما سَمِعَتِ الجِنُّ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلِمَتْ حالَهُ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَرَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أتاهُ داعِي الجِنِّ، فَقَرَأ، عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، ودَعاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ -كَما رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأمّا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حالَ مُخاطَبَتِهِ لِلْجِنِّ، ودُعائِهِ إيّاهُمْ، وإنَّما كانَ بَعِيدًا مِنهُ، ولَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أحَدٌ سِواهُ، ومَعَ هَذا، لَمْ يَشْهَدْ حالَ المُخاطَبَةِ. هَذِهِ طَرِيقَةُ البَيْهَقِيِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أوَّلَ مَرَّةٍ خَرَجَ إلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ﷺ ابْنُ مَسْعُودٍ ولا غَيْرُهُ، كَما هو ظاهِرُ سِياقِ الرِّوايَةِ الأُولى مِن طَرِيقِ الإمامِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرى -واللَّهُ أعْلَمُ- كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ: أمّا الجِنُّ الَّذِينَ لَقُوهُ بِنَخْلَةَ فَجِنُّ نِينَوى، وأمّا الجِنُّ الَّذِينَ لَقُوهُ بِمَكَّةَ، فَجِنُّ نَصِيبِينَ. وتَأوَّلَ البَيْهَقِيُّ قَوْلَهُ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ. عَلى غَيْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِهِ ﷺ إلى الجِنِّ، وهو مُحْتَمَلٌ، عَلى بُعْدٍ، (p-٥٣٦١)وبِالجُمْلَةِ، فَقَدْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى تَكْرارِ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَيْرُ ما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا مِن وجْهٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى القِصَّتَيْنِ. وذَكَرَ أبُو حَمْزَةَ الثَّمّالِيُّ أنَّ هَذا الحَيَّ مِنَ الجِنِّ كانُوا أكْثَرَ الجِنِّ عَدَدًا، وأشْرَفَهم نَسَبًا. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم كانُوا تِسْعَةً. ويُرْوى أنَّهم كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ، ورُوِيَ سِتِّينَ، ورُوِيَ ثَلاثَمِائَةٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَلَعَلَّ هَذا الِاخْتِلافَ دَلِيلٌ عَلى تَكَرُّرِ وِفادَتِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ما سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِشَيْءٍ قَطُّ يَقُولُ: إنِّي لَأظُنُّهُ هَكَذا، إلّا كانَ كَما يَظُنُّ. بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ جالِسٌ، إذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقالَ: لَقَدْ أخْطَأ ظَنِّي، أوْ إنَّ هَذا عَلى دِينِهِ في الجاهِلِيَّةِ، أوْ لَقَدْ كانَ كاهِنَهم. عَلَيَّ الرَّجُلَ. فَدُعِيَ لَهُ، فَقالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ. قالَ: فَإنِّي أعْزِمُ عَلَيْكَ إلّا ما أخْبَرْتَنِي! قالَ: كُنْتُ كاهِنَهم في الجاهِلِيَّةِ. قالَ: فَما أعْجَبَ ما جاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قالَ: بَيْنا أنا يَوْمًا في السُّوقِ، جاءَتْنِي أعْرِفُ فِيها الفَزَعُ، فَقالَتْ: ألَمْ تَرَ الجِنَّ وإبْلاسَها ويَأْسَها مِن بَعْدِ إنْكاسِها، ولُحُوقِها بِالقِلاصِ وأحْلاسِها؟ قالَ عُمَرُ: صَدَقَ! بَيْنَما أنا نائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إذْ جاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صارِخٌ، لَمْ أسْمَعْ صارِخًا قَطُّ أشَدَّ صَوْتًا مِنهُ، يَقُولُ: يا جَلِيحُ! أمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ فَوَثَبَ القَوْمُ. فَقُلْتُ: لا أبْرَحُ حَتّى أعْلَمَ ما وراءَ هَذا. ثُمَّ نادى: يا جَلِيحُ ! أمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقُمْتُ، فَما نَشَبْنا أنْ قِيلَ: هَذا نَبِيٌّ -هَذا سِياقُ البُخارِيِّ - وقَدْ رَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ وهْبٍ بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ: وظاهِرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ يُوهِمُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ سَمِعَ الصّارِخَ يَصْرُخُ مِنَ العِجْلِ (p-٥٣٦٢)الَّذِي ذُبِحَ. وكَذَلِكَ هو صَرِيحٌ في رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وسائِرُ الرِّواياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكاهِنَ هو الَّذِي أخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وسَماعِهِ -واللَّهُ أعْلَمُ-. وهَذا الرَّجُلُ هو سَوادُ بْنُ قارِبٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ: وسَوادُ بْنُ قارِبٍ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هو الكاهِنَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ثُمَّ رَوى بِسَنَدِهِ عَنِ البَراءِ قالَ: «بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَخْطُبُ النّاسَ عَلى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قالَ: أيُّها النّاسُ! أفِيكم سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ تِلْكَ السَّنَةَ. فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ المُقْبِلَةُ قالَ أيُّها النّاسُ! أفِيكم سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! وما سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ سَوادَ بْنَ قارِبٍ كانَ بَدْءُ إسْلامِهِ شَيْئًا عَجِيبًا! قالَ: فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ، إذْ طَلَعَ سَوادُ بْنُ قارِبٍ. قالَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا سَوادُ ! حَدِّثْنا بِبَدْءِ إسْلامِكَ كَيْفَ كانَ؟ قالَ سَوادٌ: فَإنِّي كُنْتُ نازِلًا بِالهِنْدِ، وكانَ لِي رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ. قالَ: فَبَيْنا أنا ذاتَ لَيْلَةٍ نائِمٌ إذْ جاءَنِي في مَنامِي ذَلِكَ، قالَ: قُمْ فافْهَمْ، واعْقِلْ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ ! قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَحْساسِها وشَدِّها العِيسَ بِأحْلاسِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما خَيِّرُ الجِنِّ كَأنْجاسِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى راسِها قالَ: ثُمَّ أنْبَهَنِي فَأفْزَعَنِي وقالَ: يا سَوادُ بْنَ قارِبٍ ! إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ نَبِيًّا، فانْهَضْ إلَيْهِ تَهْتَدِ وتَرْشُدْ. فَلَمّا كانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ، أتانِي فَأنْبَهَنِي، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَطْلابِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأقْتابِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ولَيْسَ قُدْماها كَأذْنابِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى قابِها فَلَمّا كانَ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، أتانِي فَأنْبَهَنِي، ثُمَّ قالَ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَخْبارِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأكْوارِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ولَيْسَ ذَوُو الشَّرِّ كَأخْيارِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها (p-٥٣٦٣)قالَ: فَلَمّا سَمِعَهُ تَكَرَّرَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، وقَعَ في قَلْبِي حُبُّ الإسْلامِ مِن أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ. قالَ: فانْطَلَقْتُ إلى رَحْلِي، فَشَدَدْتُهُ عَلى راحِلَتِي، فَما حَلَلْتُ نَسْعَةً، ولا عَقَدْتُ أُخْرى، حَتّى أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو بِالمَدِينَةِ -يَعْنِي مَكَّةَ - والنّاسُ عَلَيْهِ كَعُرْفِ الفَرَسِ، فَلَمّا رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ قالَ: «مَرْحَبًا بِكَ يا سَوادُ بْنَ قارِبٍ، قَدْ عَلِمْنا ما جاءَ بِكَ». قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ قُلْتُ شِعْرًا، فاسْمَعْهُ مِنِّي! قالَ ﷺ: «قُلْ يا سَوادُ»، فَقُلْتُ: ؎أتانِي رَئِيِّي بَعْدَ لَيْلٍ وهَجْعَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَكُ فِيما قَدْ بَلَوْتُ بِكاذِبِ ؎ثَلاثَ لَيالٍ، قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ: ∗∗∗ أتاكَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ ؎فَشَمَّرْتُ عَنْ ساْقِي الإزارَ ووَسَّطَتْ ∗∗∗ بِي الدِّعْلِبُ الوَجْناءُ بَيْنَ السَّباسِبِ ؎فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ∗∗∗ وأنَّكَ مَأْمُونٌ عَلى كُلِّ غائِبِ ؎وأنَّكَ أدْنى المُرْسَلِينَ وسِيلَةً ∗∗∗ إلى اللَّهِ، يا ابْنَ الأكْرَمِينَ الأطايِبِ ؎فَمُرْنا بِما يَأْتِيكَ يا خَيْرَ مُرْسَلٍ ∗∗∗ وإنْ كانَ فِيما جاءَ شَيْبَ الذَّوائِبِ ؎وكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ سِواكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوادِ بْنِ قاْرِبِ قالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، وقالَ لِي: أفْلَحْتَ يا سَوادُ ! فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ يَأْتِيكَ رِئِيُّكَ الآنَ؟ فَقالَ: مُنْذُ قَرَأْتُ القُرْآنَ لَمْ يَأْتِنِي، ونِعْمَ العِوَضُ كِتابُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الجِنِّ». ثُمَّ أسْنَدَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ ساقَهُ الإمامُ الماوَرْدِيُّ في (أعْلامِ النُّبُوَّةِ) مَعَ نَظائِرَ لَهُ، في البابِ السّادِسَ عَشَرَ، في هُتُوفِ الجِنِّ، ثُمَّ قالَ: ولَئِنْ كانَتْ هَذِهِ الهُتُوفُ أخْبارَ آحادٍ، عَمَّنْ لا يَرى شَخْصَهُ، ولا يَحُجُّ قَوْلُهُ، فَخُرُوجُهُ عَنِ العادَةِ نَذِيرٌ، وتَأْثِيرُهُ في النُّفُوسِ بَشِيرٌ، وقَدْ قَبِلَها السّامِعُونَ. وقَبُولُ الأخْبارِ يُؤَكِّدُ صِحَّتَها، ويُؤَيِّدُ حُجَّتَها. فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَتْ هُتُوفُ الجِنِّ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، (p-٥٣٦٤)جازَ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ الكِهانَةِ، فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ دَلائِلَ النُّبُوَّةِ غَيْرُها، وإنَّما هي مِنَ البَشائِرِ بِها، وفَرَّقَ بَيْنَ الدَّلالَةِ والبِشارَةِ إخْبارًا. والثّانِي: أنَّ الكِهانَةَ عَنْ مُغَيَّبٍ، والبِشارَةَ عَنْ مُعَيَّنٍ، فالعَيانُ مَعْلُومٌ، والغائِبُ مَوْهُومٌ. انْتَهى. التَّنْبِيهُ الثّانِي: قالَ الماوَرْدِيُّ: في صَرْفِ الجِنِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- أنَّهم صَرَفُوا عَنِ اسْتِراقِ سَمْعِ السَّماءِ، بِرُجُومِ الشُّهُبِ، ولَمْ يَصْرِفُوا عَنْهُ بَعْدَ عِيسى إلّا بَعْدَ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما هَذا الحادِثُ في السَّماءِ، إلّا لِحادِثٍ في الأرْضِ، وتَخَيَّلُوا بِهِ تَجْدِيدَ النُّبُوَّةِ، فَجابُوا الأرْضَ، حَتّى وقَفُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَطْنِ مَكَّةَ عامِدًا إلى عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي الفَجْرَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ، ورَأوْهُ كَيْفَ يُصَلِّي، ويَقْتَدِي بِهِ أصْحابُهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ لِهَذا الحادِثِ، صُرِفُوا عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِرُجُومِ الشِّهابِ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. أقُولُ: وعَلَيْهِ فَتَكُونُ (إلى) -فِي (إلَيْكَ)- بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ. وذُكِرَ في (المُغْنِي) أنَّها تَأْتِي مُرادِفَةً اللّامَ، نَحْوَ: والأمْرُ إلَيْكِ. وفِيهِ تَكَلُّفٌ وبُعْدٌ؛ لِنُبُوِّهِ عَمّا يَقْتَضِيهِ سِياقُ بَقِيَّةِ الآيَةِ. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: (p-٥٣٦٥)وحَكى عِكْرِمَةُ أنَّ السُّورَةَ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] أقُولُ: سَيَأْتِي مَرْفُوعًا عَنْ جابِرٍ أنَّها سُورَةُ الرَّحْمَنِ. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: والوَجْهُ الثّانِي:- أنَّهم صُرِفُوا عَنْ بِلادِهِمْ بِالتَّوْفِيقِ، هِدايَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، حَتّى أتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَهُ بِوُفُودِ الجِنِّ، وأمْرِهِ بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ومَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، حَتّى جاءَ الحَجُونَ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَخَطَّ عَلِيَّ خَطًّا وقالَ: لا تُجاوِزْهُ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتّى أتَوْهُ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي، أعْلَمَهُ جِبْرِيلُ قَبْلَ إتْيانِهِمْ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في رُؤْيَتِهِ لَهُمْ، وقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ. فَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرَهُمْ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، وإنَّما سَمِعُوا قِراءَتَهُ حِينَ مَرُّوا بِهِ مُصَلِّيًا. وحَكى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَآهم. وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. أقُولُ: تَقَدَّمَ لِابْنِ كَثِيرٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ-. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- فَلَمّا حَضَرُوا قِراءَتَهُ القُرْآنَ، قالُوا: أنْصِتُوا لِسَماعِهِ. والوَجْهُ الثّانِي: فَلَمّا حَضَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: أنْصِتُوا لِسَماعِ قَوْلِهِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا -أيْ: قَوْلُهم أنْصِتُوا- أدَبٌ مِنهم. وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: «ما لِي أراكم سُكُوتًا؟ لَلْجِنُّ كانُوا أحْسَنَ مِنكم رَدًّا؛ ما قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِن مَرَّةٍ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، إلّا قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن آلائِكَ أوْ نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ»» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرٍ. الثّالِثُ:- دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ عامَّ الرِّسالَةِ إلى الإنْسِ والجِنِّ. (p-٥٣٦٦)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِأنَّهُ دَعا الجِنَّ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَلَيْهِمُ السُّورَةَ الَّتِي فِيها خِطابُ الفَرِيقَيْنِ، وتَكْلِيفُهُمْ، ووَعْدُهُمْ، ووَعِيدُهُمْ، وهي سُورَةُ الرَّحْمَنِ، ولِهَذا قالَ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] قالَ الماوَرْدِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مِنَ الإنْسِ، واخْتَلَفُوا في جَوازِ بِعْثَةِ رَسُولٍ مِنهُمْ، فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ومَنَعَ آخَرُونَ مِنهُ. وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَهم مِن ولَدِ إبْلِيسَ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] عَلى الَّذِينَ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ، ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. انْتَهى. أقُولُ: ونَظِيرُهُ تَسْمِيَةُ رُسُلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُسُلًا في آيَةِ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] الرّابِعُ:- اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] مَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الجِنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وإنَّما جَزاءُ صالِحِيهِمْ أنْ يُجارُوا مِن عَذابِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ لَهم جَزاءٌ عَلى الإيمانِ أعْلى مِن هَذا، لَأوْشَكَ أنْ يَذْكُرُوهُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا كُفّارُهم فَيَدْخُلُونَ النّارَ، وأمّا مُؤْمِنُوهُمْ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا في دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ثَوابًا عَلى إيمانِهِمْ. فَقالَ الضَّحّاكُ: ومَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ رُسُلُهم مِنهُمْ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ. وحَكى سُفْيانُ عَنْ لَيْثٍ أنَّهم يُثابُونَ عَلى الإيمانِ بِأنْ يُجازَوْا عَلى النّارِ خَلاصًا مِنها، ثُمَّ يُقالُ: لَهُمْ: كُونُوا تُرابًا كالبَهائِمِ. انْتَهى. والحَقُّ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - أنَّ مُؤْمِنَهم كَمُؤْمِنِ الإنْسِ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَما هو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِهَذا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ نَظَرٌ، وأحْسَنَ مِنهُ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ (p-٥٣٦٧)رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] فَقَدِ امْتَنَّ تَعالى عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ. وقَدْ قابَلَتِ الجِنُّ هَذِهِ الآيَةَ بِالشُّكْرِ القَوْلِيِّ أبْلَغَ مِنَ الإنْسِ، فَقالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ. فَلَمْ يَكُنْ تَعالى لِيَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِجَزاءٍ لا يَحْصُلُ لَهم. وأيْضًا، فَإنَّهُ إذا كانَ يُجازِي كافِرَهم بِالنّارِ، وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَلَأنْ يُجازِيَ مُؤْمِنَهم بِالجَنَّةِ، وهو مَقامُ فَضْلٍ، بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا عَلى عُمُومِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧] وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وما ذَكَرُوهُ هَهُنا مِنَ الجَزاءِ عَلى الإيمانِ، مِن تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ، والإجارَةِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، هو يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا الجَنَّةُ أوِ النّارُ. فَمَن أُجِيرَ مِنَ النّارِ دَخَلَ الجَنَّةَ لا مَحالَةَ، ولَمْ يَرِدْ مَعَنا نَصٌّ صَرِيحٌ، ولا ظاهِرٌ عَنِ الشّارِعِ، أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وإنْ أُجِيرُوا مِنَ النّارِ، ولَوْ صَحَّ لَقُلْنا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَذا نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] ولا خِلافَ أنَّ مُؤْمِنِي قَوْمِهِ في الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ. وقَدْ حُكِيَ فِيهِمْ أقْوالٌ غَرِيبَةٌ. فَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّما يَكُونُونَ في رُبْضِها، وحَوْلَها، وفي أرْجائِها. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهم في الجَنَّةِ يَراهم بَنُو آدَمَ، ولا يَرَوْنَ بَنِي آدَمَ بِعَكْسِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدّارِ الدُّنْيا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَأْكُلُونَ في الجَنَّةِ ولا يَشْرَبُونَ، وإنَّما يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ، والتَّحْمِيدَ، والتَّقْدِيسَ، عِوَضًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، كالمَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ فِيها نَظَرٌ، ولا دَلِيلَ عَلَيْها. انْتَهى. الخامِسُ: - قِيلَ: سِرُّ التَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] أنَّ مِنَ العَذابِ ما لا يُغْفَرُ بِالإيمانِ، كَذُنُوبِ المَظالِمِ، أيْ: حُقُوقُ العِبادِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الحَرْبِيَّ لَوْ نَهَبَ الأمْوالَ المَصُونَةَ، وسَفَكَ الدِّماءَ المَحْقُونَةَ، ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ، جَبَّ الإسْلامُ عَنْهُ إثْمَ ما تَقَدَّمَ، بِلا إشْكالٍ. (p-٥٣٦٨)ويُقالُ: إنَّهُ ما وعَدَ المَغْفِرَةَ لِلْكافِرِ عَلى تَقْدِيرِ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا مُبَعَّضَةً، والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَقامَ الكافِرِ قَبْضٌ لا بَسْطٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُبْسَطْ رَجاؤُهُ كَما في حَقِّ المُؤْمِنِ -أفادَهُ النّاصِرُ -. السّادِسُ: - قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: جَمَعُوا في دَعْواهم قَوْمَهم بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ولِهَذا نَجَعَ في كَثِيرٍ مِنهُمْ، وجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُفُودًا وُفُودًا، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. السّابِعُ:- قالَ الماوَرْدِيُّ: الجِنُّ مِنَ العالَمِ النّاطِقِ المُمَيِّزِ، يَأْكُلُونَ، ويَتَناكَحُونَ، ويَتَناسَلُونَ، ويَمُوتُونَ، وأشْخاصُهم مَحْجُوبَةٌ عَنِ الأبْصارِ، وإنْ تَمَيَّزُوا بِأفْعالٍ وآثارٍ، إلّا أنَّ اللَّهَ يَخُصُّ بِرُؤْيَتِهِمْ مَن يَشاءُ، وإنَّما عَرَفَهُمُ الإنْسُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وما تَخَيَّلُوهُ مِن آثارِهِمُ الخَفِيَّةِ. وقالَ القاشانِيُّ: الجِنُّ نُفُوسٌ أرْضِيَّةٌ تَجَسَّدَتْ في أبْدانٍ لَطِيفَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِن لَطائِفِ العَناصِرِ، سَمّاها حُكَماءُ الفُرْسِ: (الصُّوَرُ المُعَلَّقَةُ). ولِكَوْنِها أرْضِيَّةً مُتَجَسِّدَةً في أبْدانٍ عُنْصُرِيَّةٍ، ومُشارَكَتِها الإنْسَ في ذَلِكَ، سُمِّيا (ثَقَلَيْنِ). وكَما أمْكَنَ النّاسُ التَّهَدِّي بِالقُرْآنِ أمْكَنَهُمْ، وحِكاياتُهم مِنَ المُحَقِّقِينَ وغَيْرِهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ يُمْكِنَ رَدُّ الجَمِيعِ، وأوْضَحُ مِن أنْ يَقْبَلَ التَّأْوِيلَ. انْتَهى.

الأحقاف 46:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣٢] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] . ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ: أمَّلْناهم إلَيْكَ، وأقْبَلْنا بِهِمْ نَحْوَكَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ: لِيَتِمَّ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أيْ: فَرَغَ مِن قِراءَتِهِ، كَمُلَ تَأْثِيرُهم بِهِ، فَأرادُوا التَّأْثِيرَ بِهِ، لِذَلِكَ: ﴿ولَّوْا﴾ أيْ: رَجَعُوا: ﴿إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيْ: عَمّا هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيِ: المُتَّفَقُ عَلى تَعْظِيمِ كِتابِهِ. أيْ: وقَدْ عَلِمْنا صِدْقَهُ لِكَوْنِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: مِن هَذِهِ الكُتُبِ كُلِّها، وقَدْ فُضِّلَ عَلَيْها إذْ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ: ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: لا عِوَجَ فِيهِ، وهو الإسْلامُ. (p-٥٣٥٨)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: يَهْدِي إلى الحَقِّ في الِاعْتِقادِ والأخْبارِ، وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ في الأعْمالِ. فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى شَيْئَيْنِ: خَبَرٍ وطَلَبٍ. فَخَبَرُهُ صِدْقٌ، وطَلَبُهُ عَدْلٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٨] فالهُدى هو العِلْمُ النّافِعُ. ودِينُ الحَقِّ هو العَمَلُ الصّالِحُ. وهَكَذا قالَتِ الجِنُّ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] في الِاعْتِقاداتِ، ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: في العَمَلِيّاتِ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] أيْ: رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا إلى ما يَدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ ﴿وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: بِمُعْجِزِ رَبِّهِ، بِهَرَبِهِ إذا أرادَ تَعالى عُقُوبَتَهُ؛ لِأنَّهُ في قَبْضَتِهِ وسُلْطانِهِ، أنّى اتَّجَهَ ﴿ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: نُصَراءُ يَنْصُرُونَهُ مِنَ اللَّهِ إذا عاقَبَهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: أُخِذَ عَلى غَيْرِ اسْتِقامَةٍ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ -رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ شَهِدَ أحَدٌ مِنكم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ؟ قالَ: لا، ولَكِنّا كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْناهُ، فالتَمَسْناهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ، فَقِيلَ: اسْتُطِيرَ، اغْتِيلَ! قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ فِيها قَوْمٌ. فَلَمّا أصْبَحْنا إذا هو جاءَ مِن قِبَلِ حِراءَ. قالَ: فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَدْناكَ فَطَلَبْناكَ فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ. فَقالَ: «أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ» قالَ: فانْطَلَقَ بِنا، فَأرانا آثارَهم». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ، (p-٥٣٥٩)فَيَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ، فَيَزِيدُونَ فِيها عَشْرًا. فَيَكُونُ ما سَمِعُوا حَقًّا، وما زادُوا باطِلًا. وكانَتِ النُّجُومُ لا يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ أحَدُهم لا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إلّا رُمِيَ بِشِهابٍ يَحْرُقُ ما أصابَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ، فَقالَ: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَبَثَّ جُنُودَهُ، فَإذا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلِيِّ نَخْلَةٍ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ». ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في كِتابَيِ التَّفْسِيرِ مِن سُنَنَيْهِما. وهَكَذا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهُ ﷺ ما شَعَرَ بِأمْرِهِمْ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِخَبَرِهِمْ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قِصَّةَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الطّائِفِ، ودُعائِهِ إيّاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإبائِهِمْ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِطُولِها، ثُمَّ قالَ: فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ، باتَ بِنَخْلَةٍ، فَقَرَأ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ القُرْآنِ، فاسْتَمَعَتْهُ الجِنُّ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا صَحِيحٌ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ الجِنَّ كانَ اسْتِماعُهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ). فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّ الجِنَّ كانَ اسْتِماعُهم في ابْتِداءِ الإيحاءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما المَذْكُورُ. وخُرُوجُهُ ﷺ إلى الطّائِفِ كانَ بَعْدَ مَوْتِ عَمِّهِ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ أوْ سَنَتَيْنِ، كَما قَرَّرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «هَبَطُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَهَذا مَعَ الأوَّلِ مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَقْتَضِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِحُضُورِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ، وإنَّما اسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدُوا إلَيْهِ أرْسالًا: قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ، وفَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. (p-٥٣٦٠)فَأمّا ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَألْتُ مَسْرُوقًا: «مَن آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ؟ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُوكَ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ،» فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في المَرَّةِ الأُولى، ويَكُونُ إثْباتًا مُقَدَّمًا عَلى نَفْيِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الأُولى، ولَكِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حالَ اسْتِماعِهِمْ حَتّى آذَنَتْهُ بِهِمُ الشَّجَرَةُ، أيْ: أعْلَمَتْهُ بِاجْتِماعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في بَعْضِ المَرّاتِ المُتَأخِّراتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ: وهَذا الَّذِي حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّما هو أوَّلُ ما سَمِعَتِ الجِنُّ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلِمَتْ حالَهُ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَرَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أتاهُ داعِي الجِنِّ، فَقَرَأ، عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، ودَعاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ -كَما رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأمّا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حالَ مُخاطَبَتِهِ لِلْجِنِّ، ودُعائِهِ إيّاهُمْ، وإنَّما كانَ بَعِيدًا مِنهُ، ولَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أحَدٌ سِواهُ، ومَعَ هَذا، لَمْ يَشْهَدْ حالَ المُخاطَبَةِ. هَذِهِ طَرِيقَةُ البَيْهَقِيِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أوَّلَ مَرَّةٍ خَرَجَ إلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ﷺ ابْنُ مَسْعُودٍ ولا غَيْرُهُ، كَما هو ظاهِرُ سِياقِ الرِّوايَةِ الأُولى مِن طَرِيقِ الإمامِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرى -واللَّهُ أعْلَمُ- كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ: أمّا الجِنُّ الَّذِينَ لَقُوهُ بِنَخْلَةَ فَجِنُّ نِينَوى، وأمّا الجِنُّ الَّذِينَ لَقُوهُ بِمَكَّةَ، فَجِنُّ نَصِيبِينَ. وتَأوَّلَ البَيْهَقِيُّ قَوْلَهُ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ. عَلى غَيْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِهِ ﷺ إلى الجِنِّ، وهو مُحْتَمَلٌ، عَلى بُعْدٍ، (p-٥٣٦١)وبِالجُمْلَةِ، فَقَدْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى تَكْرارِ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَيْرُ ما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا مِن وجْهٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى القِصَّتَيْنِ. وذَكَرَ أبُو حَمْزَةَ الثَّمّالِيُّ أنَّ هَذا الحَيَّ مِنَ الجِنِّ كانُوا أكْثَرَ الجِنِّ عَدَدًا، وأشْرَفَهم نَسَبًا. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم كانُوا تِسْعَةً. ويُرْوى أنَّهم كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ، ورُوِيَ سِتِّينَ، ورُوِيَ ثَلاثَمِائَةٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَلَعَلَّ هَذا الِاخْتِلافَ دَلِيلٌ عَلى تَكَرُّرِ وِفادَتِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ما سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِشَيْءٍ قَطُّ يَقُولُ: إنِّي لَأظُنُّهُ هَكَذا، إلّا كانَ كَما يَظُنُّ. بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ جالِسٌ، إذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقالَ: لَقَدْ أخْطَأ ظَنِّي، أوْ إنَّ هَذا عَلى دِينِهِ في الجاهِلِيَّةِ، أوْ لَقَدْ كانَ كاهِنَهم. عَلَيَّ الرَّجُلَ. فَدُعِيَ لَهُ، فَقالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ. قالَ: فَإنِّي أعْزِمُ عَلَيْكَ إلّا ما أخْبَرْتَنِي! قالَ: كُنْتُ كاهِنَهم في الجاهِلِيَّةِ. قالَ: فَما أعْجَبَ ما جاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قالَ: بَيْنا أنا يَوْمًا في السُّوقِ، جاءَتْنِي أعْرِفُ فِيها الفَزَعُ، فَقالَتْ: ألَمْ تَرَ الجِنَّ وإبْلاسَها ويَأْسَها مِن بَعْدِ إنْكاسِها، ولُحُوقِها بِالقِلاصِ وأحْلاسِها؟ قالَ عُمَرُ: صَدَقَ! بَيْنَما أنا نائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إذْ جاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صارِخٌ، لَمْ أسْمَعْ صارِخًا قَطُّ أشَدَّ صَوْتًا مِنهُ، يَقُولُ: يا جَلِيحُ! أمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ فَوَثَبَ القَوْمُ. فَقُلْتُ: لا أبْرَحُ حَتّى أعْلَمَ ما وراءَ هَذا. ثُمَّ نادى: يا جَلِيحُ ! أمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقُمْتُ، فَما نَشَبْنا أنْ قِيلَ: هَذا نَبِيٌّ -هَذا سِياقُ البُخارِيِّ - وقَدْ رَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ وهْبٍ بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ: وظاهِرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ يُوهِمُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ سَمِعَ الصّارِخَ يَصْرُخُ مِنَ العِجْلِ (p-٥٣٦٢)الَّذِي ذُبِحَ. وكَذَلِكَ هو صَرِيحٌ في رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وسائِرُ الرِّواياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكاهِنَ هو الَّذِي أخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وسَماعِهِ -واللَّهُ أعْلَمُ-. وهَذا الرَّجُلُ هو سَوادُ بْنُ قارِبٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ: وسَوادُ بْنُ قارِبٍ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هو الكاهِنَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ثُمَّ رَوى بِسَنَدِهِ عَنِ البَراءِ قالَ: «بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَخْطُبُ النّاسَ عَلى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قالَ: أيُّها النّاسُ! أفِيكم سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ تِلْكَ السَّنَةَ. فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ المُقْبِلَةُ قالَ أيُّها النّاسُ! أفِيكم سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! وما سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ سَوادَ بْنَ قارِبٍ كانَ بَدْءُ إسْلامِهِ شَيْئًا عَجِيبًا! قالَ: فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ، إذْ طَلَعَ سَوادُ بْنُ قارِبٍ. قالَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا سَوادُ ! حَدِّثْنا بِبَدْءِ إسْلامِكَ كَيْفَ كانَ؟ قالَ سَوادٌ: فَإنِّي كُنْتُ نازِلًا بِالهِنْدِ، وكانَ لِي رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ. قالَ: فَبَيْنا أنا ذاتَ لَيْلَةٍ نائِمٌ إذْ جاءَنِي في مَنامِي ذَلِكَ، قالَ: قُمْ فافْهَمْ، واعْقِلْ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ ! قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَحْساسِها وشَدِّها العِيسَ بِأحْلاسِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما خَيِّرُ الجِنِّ كَأنْجاسِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى راسِها قالَ: ثُمَّ أنْبَهَنِي فَأفْزَعَنِي وقالَ: يا سَوادُ بْنَ قارِبٍ ! إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ نَبِيًّا، فانْهَضْ إلَيْهِ تَهْتَدِ وتَرْشُدْ. فَلَمّا كانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ، أتانِي فَأنْبَهَنِي، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَطْلابِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأقْتابِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ولَيْسَ قُدْماها كَأذْنابِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى قابِها فَلَمّا كانَ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، أتانِي فَأنْبَهَنِي، ثُمَّ قالَ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَخْبارِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأكْوارِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ولَيْسَ ذَوُو الشَّرِّ كَأخْيارِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها (p-٥٣٦٣)قالَ: فَلَمّا سَمِعَهُ تَكَرَّرَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، وقَعَ في قَلْبِي حُبُّ الإسْلامِ مِن أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ. قالَ: فانْطَلَقْتُ إلى رَحْلِي، فَشَدَدْتُهُ عَلى راحِلَتِي، فَما حَلَلْتُ نَسْعَةً، ولا عَقَدْتُ أُخْرى، حَتّى أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو بِالمَدِينَةِ -يَعْنِي مَكَّةَ - والنّاسُ عَلَيْهِ كَعُرْفِ الفَرَسِ، فَلَمّا رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ قالَ: «مَرْحَبًا بِكَ يا سَوادُ بْنَ قارِبٍ، قَدْ عَلِمْنا ما جاءَ بِكَ». قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ قُلْتُ شِعْرًا، فاسْمَعْهُ مِنِّي! قالَ ﷺ: «قُلْ يا سَوادُ»، فَقُلْتُ: ؎أتانِي رَئِيِّي بَعْدَ لَيْلٍ وهَجْعَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَكُ فِيما قَدْ بَلَوْتُ بِكاذِبِ ؎ثَلاثَ لَيالٍ، قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ: ∗∗∗ أتاكَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ ؎فَشَمَّرْتُ عَنْ ساْقِي الإزارَ ووَسَّطَتْ ∗∗∗ بِي الدِّعْلِبُ الوَجْناءُ بَيْنَ السَّباسِبِ ؎فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ∗∗∗ وأنَّكَ مَأْمُونٌ عَلى كُلِّ غائِبِ ؎وأنَّكَ أدْنى المُرْسَلِينَ وسِيلَةً ∗∗∗ إلى اللَّهِ، يا ابْنَ الأكْرَمِينَ الأطايِبِ ؎فَمُرْنا بِما يَأْتِيكَ يا خَيْرَ مُرْسَلٍ ∗∗∗ وإنْ كانَ فِيما جاءَ شَيْبَ الذَّوائِبِ ؎وكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ سِواكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوادِ بْنِ قاْرِبِ قالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، وقالَ لِي: أفْلَحْتَ يا سَوادُ ! فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ يَأْتِيكَ رِئِيُّكَ الآنَ؟ فَقالَ: مُنْذُ قَرَأْتُ القُرْآنَ لَمْ يَأْتِنِي، ونِعْمَ العِوَضُ كِتابُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الجِنِّ». ثُمَّ أسْنَدَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ ساقَهُ الإمامُ الماوَرْدِيُّ في (أعْلامِ النُّبُوَّةِ) مَعَ نَظائِرَ لَهُ، في البابِ السّادِسَ عَشَرَ، في هُتُوفِ الجِنِّ، ثُمَّ قالَ: ولَئِنْ كانَتْ هَذِهِ الهُتُوفُ أخْبارَ آحادٍ، عَمَّنْ لا يَرى شَخْصَهُ، ولا يَحُجُّ قَوْلُهُ، فَخُرُوجُهُ عَنِ العادَةِ نَذِيرٌ، وتَأْثِيرُهُ في النُّفُوسِ بَشِيرٌ، وقَدْ قَبِلَها السّامِعُونَ. وقَبُولُ الأخْبارِ يُؤَكِّدُ صِحَّتَها، ويُؤَيِّدُ حُجَّتَها. فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَتْ هُتُوفُ الجِنِّ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، (p-٥٣٦٤)جازَ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ الكِهانَةِ، فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ دَلائِلَ النُّبُوَّةِ غَيْرُها، وإنَّما هي مِنَ البَشائِرِ بِها، وفَرَّقَ بَيْنَ الدَّلالَةِ والبِشارَةِ إخْبارًا. والثّانِي: أنَّ الكِهانَةَ عَنْ مُغَيَّبٍ، والبِشارَةَ عَنْ مُعَيَّنٍ، فالعَيانُ مَعْلُومٌ، والغائِبُ مَوْهُومٌ. انْتَهى. التَّنْبِيهُ الثّانِي: قالَ الماوَرْدِيُّ: في صَرْفِ الجِنِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- أنَّهم صَرَفُوا عَنِ اسْتِراقِ سَمْعِ السَّماءِ، بِرُجُومِ الشُّهُبِ، ولَمْ يَصْرِفُوا عَنْهُ بَعْدَ عِيسى إلّا بَعْدَ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما هَذا الحادِثُ في السَّماءِ، إلّا لِحادِثٍ في الأرْضِ، وتَخَيَّلُوا بِهِ تَجْدِيدَ النُّبُوَّةِ، فَجابُوا الأرْضَ، حَتّى وقَفُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَطْنِ مَكَّةَ عامِدًا إلى عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي الفَجْرَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ، ورَأوْهُ كَيْفَ يُصَلِّي، ويَقْتَدِي بِهِ أصْحابُهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ لِهَذا الحادِثِ، صُرِفُوا عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِرُجُومِ الشِّهابِ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. أقُولُ: وعَلَيْهِ فَتَكُونُ (إلى) -فِي (إلَيْكَ)- بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ. وذُكِرَ في (المُغْنِي) أنَّها تَأْتِي مُرادِفَةً اللّامَ، نَحْوَ: والأمْرُ إلَيْكِ. وفِيهِ تَكَلُّفٌ وبُعْدٌ؛ لِنُبُوِّهِ عَمّا يَقْتَضِيهِ سِياقُ بَقِيَّةِ الآيَةِ. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: (p-٥٣٦٥)وحَكى عِكْرِمَةُ أنَّ السُّورَةَ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] أقُولُ: سَيَأْتِي مَرْفُوعًا عَنْ جابِرٍ أنَّها سُورَةُ الرَّحْمَنِ. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: والوَجْهُ الثّانِي:- أنَّهم صُرِفُوا عَنْ بِلادِهِمْ بِالتَّوْفِيقِ، هِدايَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، حَتّى أتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَهُ بِوُفُودِ الجِنِّ، وأمْرِهِ بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ومَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، حَتّى جاءَ الحَجُونَ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَخَطَّ عَلِيَّ خَطًّا وقالَ: لا تُجاوِزْهُ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتّى أتَوْهُ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي، أعْلَمَهُ جِبْرِيلُ قَبْلَ إتْيانِهِمْ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في رُؤْيَتِهِ لَهُمْ، وقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ. فَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرَهُمْ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، وإنَّما سَمِعُوا قِراءَتَهُ حِينَ مَرُّوا بِهِ مُصَلِّيًا. وحَكى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَآهم. وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. أقُولُ: تَقَدَّمَ لِابْنِ كَثِيرٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ-. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- فَلَمّا حَضَرُوا قِراءَتَهُ القُرْآنَ، قالُوا: أنْصِتُوا لِسَماعِهِ. والوَجْهُ الثّانِي: فَلَمّا حَضَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: أنْصِتُوا لِسَماعِ قَوْلِهِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا -أيْ: قَوْلُهم أنْصِتُوا- أدَبٌ مِنهم. وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: «ما لِي أراكم سُكُوتًا؟ لَلْجِنُّ كانُوا أحْسَنَ مِنكم رَدًّا؛ ما قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِن مَرَّةٍ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، إلّا قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن آلائِكَ أوْ نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ»» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرٍ. الثّالِثُ:- دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ عامَّ الرِّسالَةِ إلى الإنْسِ والجِنِّ. (p-٥٣٦٦)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِأنَّهُ دَعا الجِنَّ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَلَيْهِمُ السُّورَةَ الَّتِي فِيها خِطابُ الفَرِيقَيْنِ، وتَكْلِيفُهُمْ، ووَعْدُهُمْ، ووَعِيدُهُمْ، وهي سُورَةُ الرَّحْمَنِ، ولِهَذا قالَ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] قالَ الماوَرْدِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مِنَ الإنْسِ، واخْتَلَفُوا في جَوازِ بِعْثَةِ رَسُولٍ مِنهُمْ، فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ومَنَعَ آخَرُونَ مِنهُ. وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَهم مِن ولَدِ إبْلِيسَ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] عَلى الَّذِينَ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ، ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. انْتَهى. أقُولُ: ونَظِيرُهُ تَسْمِيَةُ رُسُلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُسُلًا في آيَةِ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] الرّابِعُ:- اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] مَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الجِنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وإنَّما جَزاءُ صالِحِيهِمْ أنْ يُجارُوا مِن عَذابِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ لَهم جَزاءٌ عَلى الإيمانِ أعْلى مِن هَذا، لَأوْشَكَ أنْ يَذْكُرُوهُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا كُفّارُهم فَيَدْخُلُونَ النّارَ، وأمّا مُؤْمِنُوهُمْ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا في دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ثَوابًا عَلى إيمانِهِمْ. فَقالَ الضَّحّاكُ: ومَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ رُسُلُهم مِنهُمْ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ. وحَكى سُفْيانُ عَنْ لَيْثٍ أنَّهم يُثابُونَ عَلى الإيمانِ بِأنْ يُجازَوْا عَلى النّارِ خَلاصًا مِنها، ثُمَّ يُقالُ: لَهُمْ: كُونُوا تُرابًا كالبَهائِمِ. انْتَهى. والحَقُّ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - أنَّ مُؤْمِنَهم كَمُؤْمِنِ الإنْسِ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَما هو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِهَذا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ نَظَرٌ، وأحْسَنَ مِنهُ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ (p-٥٣٦٧)رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] فَقَدِ امْتَنَّ تَعالى عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ. وقَدْ قابَلَتِ الجِنُّ هَذِهِ الآيَةَ بِالشُّكْرِ القَوْلِيِّ أبْلَغَ مِنَ الإنْسِ، فَقالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ. فَلَمْ يَكُنْ تَعالى لِيَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِجَزاءٍ لا يَحْصُلُ لَهم. وأيْضًا، فَإنَّهُ إذا كانَ يُجازِي كافِرَهم بِالنّارِ، وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَلَأنْ يُجازِيَ مُؤْمِنَهم بِالجَنَّةِ، وهو مَقامُ فَضْلٍ، بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا عَلى عُمُومِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧] وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وما ذَكَرُوهُ هَهُنا مِنَ الجَزاءِ عَلى الإيمانِ، مِن تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ، والإجارَةِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، هو يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا الجَنَّةُ أوِ النّارُ. فَمَن أُجِيرَ مِنَ النّارِ دَخَلَ الجَنَّةَ لا مَحالَةَ، ولَمْ يَرِدْ مَعَنا نَصٌّ صَرِيحٌ، ولا ظاهِرٌ عَنِ الشّارِعِ، أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وإنْ أُجِيرُوا مِنَ النّارِ، ولَوْ صَحَّ لَقُلْنا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَذا نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] ولا خِلافَ أنَّ مُؤْمِنِي قَوْمِهِ في الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ. وقَدْ حُكِيَ فِيهِمْ أقْوالٌ غَرِيبَةٌ. فَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّما يَكُونُونَ في رُبْضِها، وحَوْلَها، وفي أرْجائِها. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهم في الجَنَّةِ يَراهم بَنُو آدَمَ، ولا يَرَوْنَ بَنِي آدَمَ بِعَكْسِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدّارِ الدُّنْيا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَأْكُلُونَ في الجَنَّةِ ولا يَشْرَبُونَ، وإنَّما يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ، والتَّحْمِيدَ، والتَّقْدِيسَ، عِوَضًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، كالمَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ فِيها نَظَرٌ، ولا دَلِيلَ عَلَيْها. انْتَهى. الخامِسُ: - قِيلَ: سِرُّ التَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] أنَّ مِنَ العَذابِ ما لا يُغْفَرُ بِالإيمانِ، كَذُنُوبِ المَظالِمِ، أيْ: حُقُوقُ العِبادِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الحَرْبِيَّ لَوْ نَهَبَ الأمْوالَ المَصُونَةَ، وسَفَكَ الدِّماءَ المَحْقُونَةَ، ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ، جَبَّ الإسْلامُ عَنْهُ إثْمَ ما تَقَدَّمَ، بِلا إشْكالٍ. (p-٥٣٦٨)ويُقالُ: إنَّهُ ما وعَدَ المَغْفِرَةَ لِلْكافِرِ عَلى تَقْدِيرِ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا مُبَعَّضَةً، والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَقامَ الكافِرِ قَبْضٌ لا بَسْطٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُبْسَطْ رَجاؤُهُ كَما في حَقِّ المُؤْمِنِ -أفادَهُ النّاصِرُ -. السّادِسُ: - قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: جَمَعُوا في دَعْواهم قَوْمَهم بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ولِهَذا نَجَعَ في كَثِيرٍ مِنهُمْ، وجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُفُودًا وُفُودًا، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. السّابِعُ:- قالَ الماوَرْدِيُّ: الجِنُّ مِنَ العالَمِ النّاطِقِ المُمَيِّزِ، يَأْكُلُونَ، ويَتَناكَحُونَ، ويَتَناسَلُونَ، ويَمُوتُونَ، وأشْخاصُهم مَحْجُوبَةٌ عَنِ الأبْصارِ، وإنْ تَمَيَّزُوا بِأفْعالٍ وآثارٍ، إلّا أنَّ اللَّهَ يَخُصُّ بِرُؤْيَتِهِمْ مَن يَشاءُ، وإنَّما عَرَفَهُمُ الإنْسُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وما تَخَيَّلُوهُ مِن آثارِهِمُ الخَفِيَّةِ. وقالَ القاشانِيُّ: الجِنُّ نُفُوسٌ أرْضِيَّةٌ تَجَسَّدَتْ في أبْدانٍ لَطِيفَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِن لَطائِفِ العَناصِرِ، سَمّاها حُكَماءُ الفُرْسِ: (الصُّوَرُ المُعَلَّقَةُ). ولِكَوْنِها أرْضِيَّةً مُتَجَسِّدَةً في أبْدانٍ عُنْصُرِيَّةٍ، ومُشارَكَتِها الإنْسَ في ذَلِكَ، سُمِّيا (ثَقَلَيْنِ). وكَما أمْكَنَ النّاسُ التَّهَدِّي بِالقُرْآنِ أمْكَنَهُمْ، وحِكاياتُهم مِنَ المُحَقِّقِينَ وغَيْرِهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ يُمْكِنَ رَدُّ الجَمِيعِ، وأوْضَحُ مِن أنْ يَقْبَلَ التَّأْوِيلَ. انْتَهى.

الأحقاف 46:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣٢] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] . ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ: أمَّلْناهم إلَيْكَ، وأقْبَلْنا بِهِمْ نَحْوَكَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ: لِيَتِمَّ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أيْ: فَرَغَ مِن قِراءَتِهِ، كَمُلَ تَأْثِيرُهم بِهِ، فَأرادُوا التَّأْثِيرَ بِهِ، لِذَلِكَ: ﴿ولَّوْا﴾ أيْ: رَجَعُوا: ﴿إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيْ: عَمّا هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيِ: المُتَّفَقُ عَلى تَعْظِيمِ كِتابِهِ. أيْ: وقَدْ عَلِمْنا صِدْقَهُ لِكَوْنِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: مِن هَذِهِ الكُتُبِ كُلِّها، وقَدْ فُضِّلَ عَلَيْها إذْ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ: ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: لا عِوَجَ فِيهِ، وهو الإسْلامُ. (p-٥٣٥٨)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: يَهْدِي إلى الحَقِّ في الِاعْتِقادِ والأخْبارِ، وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ في الأعْمالِ. فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى شَيْئَيْنِ: خَبَرٍ وطَلَبٍ. فَخَبَرُهُ صِدْقٌ، وطَلَبُهُ عَدْلٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٨] فالهُدى هو العِلْمُ النّافِعُ. ودِينُ الحَقِّ هو العَمَلُ الصّالِحُ. وهَكَذا قالَتِ الجِنُّ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] في الِاعْتِقاداتِ، ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] أيْ: في العَمَلِيّاتِ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] أيْ: رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا إلى ما يَدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ ﴿وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: بِمُعْجِزِ رَبِّهِ، بِهَرَبِهِ إذا أرادَ تَعالى عُقُوبَتَهُ؛ لِأنَّهُ في قَبْضَتِهِ وسُلْطانِهِ، أنّى اتَّجَهَ ﴿ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: نُصَراءُ يَنْصُرُونَهُ مِنَ اللَّهِ إذا عاقَبَهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أيْ: أُخِذَ عَلى غَيْرِ اسْتِقامَةٍ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ -رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ شَهِدَ أحَدٌ مِنكم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ؟ قالَ: لا، ولَكِنّا كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْناهُ، فالتَمَسْناهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ، فَقِيلَ: اسْتُطِيرَ، اغْتِيلَ! قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ فِيها قَوْمٌ. فَلَمّا أصْبَحْنا إذا هو جاءَ مِن قِبَلِ حِراءَ. قالَ: فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَدْناكَ فَطَلَبْناكَ فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ. فَقالَ: «أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ» قالَ: فانْطَلَقَ بِنا، فَأرانا آثارَهم». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ، (p-٥٣٥٩)فَيَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ، فَيَزِيدُونَ فِيها عَشْرًا. فَيَكُونُ ما سَمِعُوا حَقًّا، وما زادُوا باطِلًا. وكانَتِ النُّجُومُ لا يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ أحَدُهم لا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إلّا رُمِيَ بِشِهابٍ يَحْرُقُ ما أصابَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ، فَقالَ: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَبَثَّ جُنُودَهُ، فَإذا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلِيِّ نَخْلَةٍ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ». ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في كِتابَيِ التَّفْسِيرِ مِن سُنَنَيْهِما. وهَكَذا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهُ ﷺ ما شَعَرَ بِأمْرِهِمْ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِخَبَرِهِمْ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قِصَّةَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الطّائِفِ، ودُعائِهِ إيّاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإبائِهِمْ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِطُولِها، ثُمَّ قالَ: فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ، باتَ بِنَخْلَةٍ، فَقَرَأ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ القُرْآنِ، فاسْتَمَعَتْهُ الجِنُّ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا صَحِيحٌ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ الجِنَّ كانَ اسْتِماعُهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ). فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّ الجِنَّ كانَ اسْتِماعُهم في ابْتِداءِ الإيحاءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما المَذْكُورُ. وخُرُوجُهُ ﷺ إلى الطّائِفِ كانَ بَعْدَ مَوْتِ عَمِّهِ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ أوْ سَنَتَيْنِ، كَما قَرَّرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «هَبَطُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَهَذا مَعَ الأوَّلِ مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَقْتَضِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِحُضُورِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ، وإنَّما اسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدُوا إلَيْهِ أرْسالًا: قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ، وفَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. (p-٥٣٦٠)فَأمّا ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَألْتُ مَسْرُوقًا: «مَن آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ؟ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُوكَ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ،» فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في المَرَّةِ الأُولى، ويَكُونُ إثْباتًا مُقَدَّمًا عَلى نَفْيِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الأُولى، ولَكِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حالَ اسْتِماعِهِمْ حَتّى آذَنَتْهُ بِهِمُ الشَّجَرَةُ، أيْ: أعْلَمَتْهُ بِاجْتِماعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في بَعْضِ المَرّاتِ المُتَأخِّراتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ: وهَذا الَّذِي حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّما هو أوَّلُ ما سَمِعَتِ الجِنُّ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلِمَتْ حالَهُ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَرَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أتاهُ داعِي الجِنِّ، فَقَرَأ، عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، ودَعاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ -كَما رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأمّا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حالَ مُخاطَبَتِهِ لِلْجِنِّ، ودُعائِهِ إيّاهُمْ، وإنَّما كانَ بَعِيدًا مِنهُ، ولَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أحَدٌ سِواهُ، ومَعَ هَذا، لَمْ يَشْهَدْ حالَ المُخاطَبَةِ. هَذِهِ طَرِيقَةُ البَيْهَقِيِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أوَّلَ مَرَّةٍ خَرَجَ إلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ﷺ ابْنُ مَسْعُودٍ ولا غَيْرُهُ، كَما هو ظاهِرُ سِياقِ الرِّوايَةِ الأُولى مِن طَرِيقِ الإمامِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرى -واللَّهُ أعْلَمُ- كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ: أمّا الجِنُّ الَّذِينَ لَقُوهُ بِنَخْلَةَ فَجِنُّ نِينَوى، وأمّا الجِنُّ الَّذِينَ لَقُوهُ بِمَكَّةَ، فَجِنُّ نَصِيبِينَ. وتَأوَّلَ البَيْهَقِيُّ قَوْلَهُ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ. عَلى غَيْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِهِ ﷺ إلى الجِنِّ، وهو مُحْتَمَلٌ، عَلى بُعْدٍ، (p-٥٣٦١)وبِالجُمْلَةِ، فَقَدْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى تَكْرارِ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَيْرُ ما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا مِن وجْهٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى القِصَّتَيْنِ. وذَكَرَ أبُو حَمْزَةَ الثَّمّالِيُّ أنَّ هَذا الحَيَّ مِنَ الجِنِّ كانُوا أكْثَرَ الجِنِّ عَدَدًا، وأشْرَفَهم نَسَبًا. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم كانُوا تِسْعَةً. ويُرْوى أنَّهم كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ، ورُوِيَ سِتِّينَ، ورُوِيَ ثَلاثَمِائَةٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَلَعَلَّ هَذا الِاخْتِلافَ دَلِيلٌ عَلى تَكَرُّرِ وِفادَتِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ما سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِشَيْءٍ قَطُّ يَقُولُ: إنِّي لَأظُنُّهُ هَكَذا، إلّا كانَ كَما يَظُنُّ. بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ جالِسٌ، إذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقالَ: لَقَدْ أخْطَأ ظَنِّي، أوْ إنَّ هَذا عَلى دِينِهِ في الجاهِلِيَّةِ، أوْ لَقَدْ كانَ كاهِنَهم. عَلَيَّ الرَّجُلَ. فَدُعِيَ لَهُ، فَقالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ. قالَ: فَإنِّي أعْزِمُ عَلَيْكَ إلّا ما أخْبَرْتَنِي! قالَ: كُنْتُ كاهِنَهم في الجاهِلِيَّةِ. قالَ: فَما أعْجَبَ ما جاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قالَ: بَيْنا أنا يَوْمًا في السُّوقِ، جاءَتْنِي أعْرِفُ فِيها الفَزَعُ، فَقالَتْ: ألَمْ تَرَ الجِنَّ وإبْلاسَها ويَأْسَها مِن بَعْدِ إنْكاسِها، ولُحُوقِها بِالقِلاصِ وأحْلاسِها؟ قالَ عُمَرُ: صَدَقَ! بَيْنَما أنا نائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إذْ جاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صارِخٌ، لَمْ أسْمَعْ صارِخًا قَطُّ أشَدَّ صَوْتًا مِنهُ، يَقُولُ: يا جَلِيحُ! أمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ فَوَثَبَ القَوْمُ. فَقُلْتُ: لا أبْرَحُ حَتّى أعْلَمَ ما وراءَ هَذا. ثُمَّ نادى: يا جَلِيحُ ! أمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقُمْتُ، فَما نَشَبْنا أنْ قِيلَ: هَذا نَبِيٌّ -هَذا سِياقُ البُخارِيِّ - وقَدْ رَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ وهْبٍ بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ: وظاهِرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ يُوهِمُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ سَمِعَ الصّارِخَ يَصْرُخُ مِنَ العِجْلِ (p-٥٣٦٢)الَّذِي ذُبِحَ. وكَذَلِكَ هو صَرِيحٌ في رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وسائِرُ الرِّواياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكاهِنَ هو الَّذِي أخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وسَماعِهِ -واللَّهُ أعْلَمُ-. وهَذا الرَّجُلُ هو سَوادُ بْنُ قارِبٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ: وسَوادُ بْنُ قارِبٍ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هو الكاهِنَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ثُمَّ رَوى بِسَنَدِهِ عَنِ البَراءِ قالَ: «بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَخْطُبُ النّاسَ عَلى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قالَ: أيُّها النّاسُ! أفِيكم سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ تِلْكَ السَّنَةَ. فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ المُقْبِلَةُ قالَ أيُّها النّاسُ! أفِيكم سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! وما سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟ قالَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ سَوادَ بْنَ قارِبٍ كانَ بَدْءُ إسْلامِهِ شَيْئًا عَجِيبًا! قالَ: فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ، إذْ طَلَعَ سَوادُ بْنُ قارِبٍ. قالَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا سَوادُ ! حَدِّثْنا بِبَدْءِ إسْلامِكَ كَيْفَ كانَ؟ قالَ سَوادٌ: فَإنِّي كُنْتُ نازِلًا بِالهِنْدِ، وكانَ لِي رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ. قالَ: فَبَيْنا أنا ذاتَ لَيْلَةٍ نائِمٌ إذْ جاءَنِي في مَنامِي ذَلِكَ، قالَ: قُمْ فافْهَمْ، واعْقِلْ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ ! قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَحْساسِها وشَدِّها العِيسَ بِأحْلاسِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما خَيِّرُ الجِنِّ كَأنْجاسِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى راسِها قالَ: ثُمَّ أنْبَهَنِي فَأفْزَعَنِي وقالَ: يا سَوادُ بْنَ قارِبٍ ! إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ نَبِيًّا، فانْهَضْ إلَيْهِ تَهْتَدِ وتَرْشُدْ. فَلَمّا كانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ، أتانِي فَأنْبَهَنِي، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَطْلابِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأقْتابِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ولَيْسَ قُدْماها كَأذْنابِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى قابِها فَلَمّا كانَ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، أتانِي فَأنْبَهَنِي، ثُمَّ قالَ: ؎عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتَخْبارِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأكْوارِها ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ولَيْسَ ذَوُو الشَّرِّ كَأخْيارِها ؎فانْهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها (p-٥٣٦٣)قالَ: فَلَمّا سَمِعَهُ تَكَرَّرَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، وقَعَ في قَلْبِي حُبُّ الإسْلامِ مِن أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ. قالَ: فانْطَلَقْتُ إلى رَحْلِي، فَشَدَدْتُهُ عَلى راحِلَتِي، فَما حَلَلْتُ نَسْعَةً، ولا عَقَدْتُ أُخْرى، حَتّى أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو بِالمَدِينَةِ -يَعْنِي مَكَّةَ - والنّاسُ عَلَيْهِ كَعُرْفِ الفَرَسِ، فَلَمّا رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ قالَ: «مَرْحَبًا بِكَ يا سَوادُ بْنَ قارِبٍ، قَدْ عَلِمْنا ما جاءَ بِكَ». قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ قُلْتُ شِعْرًا، فاسْمَعْهُ مِنِّي! قالَ ﷺ: «قُلْ يا سَوادُ»، فَقُلْتُ: ؎أتانِي رَئِيِّي بَعْدَ لَيْلٍ وهَجْعَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَكُ فِيما قَدْ بَلَوْتُ بِكاذِبِ ؎ثَلاثَ لَيالٍ، قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ: ∗∗∗ أتاكَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ ؎فَشَمَّرْتُ عَنْ ساْقِي الإزارَ ووَسَّطَتْ ∗∗∗ بِي الدِّعْلِبُ الوَجْناءُ بَيْنَ السَّباسِبِ ؎فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ∗∗∗ وأنَّكَ مَأْمُونٌ عَلى كُلِّ غائِبِ ؎وأنَّكَ أدْنى المُرْسَلِينَ وسِيلَةً ∗∗∗ إلى اللَّهِ، يا ابْنَ الأكْرَمِينَ الأطايِبِ ؎فَمُرْنا بِما يَأْتِيكَ يا خَيْرَ مُرْسَلٍ ∗∗∗ وإنْ كانَ فِيما جاءَ شَيْبَ الذَّوائِبِ ؎وكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ سِواكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوادِ بْنِ قاْرِبِ قالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، وقالَ لِي: أفْلَحْتَ يا سَوادُ ! فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ يَأْتِيكَ رِئِيُّكَ الآنَ؟ فَقالَ: مُنْذُ قَرَأْتُ القُرْآنَ لَمْ يَأْتِنِي، ونِعْمَ العِوَضُ كِتابُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الجِنِّ». ثُمَّ أسْنَدَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ ساقَهُ الإمامُ الماوَرْدِيُّ في (أعْلامِ النُّبُوَّةِ) مَعَ نَظائِرَ لَهُ، في البابِ السّادِسَ عَشَرَ، في هُتُوفِ الجِنِّ، ثُمَّ قالَ: ولَئِنْ كانَتْ هَذِهِ الهُتُوفُ أخْبارَ آحادٍ، عَمَّنْ لا يَرى شَخْصَهُ، ولا يَحُجُّ قَوْلُهُ، فَخُرُوجُهُ عَنِ العادَةِ نَذِيرٌ، وتَأْثِيرُهُ في النُّفُوسِ بَشِيرٌ، وقَدْ قَبِلَها السّامِعُونَ. وقَبُولُ الأخْبارِ يُؤَكِّدُ صِحَّتَها، ويُؤَيِّدُ حُجَّتَها. فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَتْ هُتُوفُ الجِنِّ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، (p-٥٣٦٤)جازَ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ الكِهانَةِ، فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ دَلائِلَ النُّبُوَّةِ غَيْرُها، وإنَّما هي مِنَ البَشائِرِ بِها، وفَرَّقَ بَيْنَ الدَّلالَةِ والبِشارَةِ إخْبارًا. والثّانِي: أنَّ الكِهانَةَ عَنْ مُغَيَّبٍ، والبِشارَةَ عَنْ مُعَيَّنٍ، فالعَيانُ مَعْلُومٌ، والغائِبُ مَوْهُومٌ. انْتَهى. التَّنْبِيهُ الثّانِي: قالَ الماوَرْدِيُّ: في صَرْفِ الجِنِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- أنَّهم صَرَفُوا عَنِ اسْتِراقِ سَمْعِ السَّماءِ، بِرُجُومِ الشُّهُبِ، ولَمْ يَصْرِفُوا عَنْهُ بَعْدَ عِيسى إلّا بَعْدَ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما هَذا الحادِثُ في السَّماءِ، إلّا لِحادِثٍ في الأرْضِ، وتَخَيَّلُوا بِهِ تَجْدِيدَ النُّبُوَّةِ، فَجابُوا الأرْضَ، حَتّى وقَفُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَطْنِ مَكَّةَ عامِدًا إلى عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي الفَجْرَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ، ورَأوْهُ كَيْفَ يُصَلِّي، ويَقْتَدِي بِهِ أصْحابُهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ لِهَذا الحادِثِ، صُرِفُوا عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِرُجُومِ الشِّهابِ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. أقُولُ: وعَلَيْهِ فَتَكُونُ (إلى) -فِي (إلَيْكَ)- بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ. وذُكِرَ في (المُغْنِي) أنَّها تَأْتِي مُرادِفَةً اللّامَ، نَحْوَ: والأمْرُ إلَيْكِ. وفِيهِ تَكَلُّفٌ وبُعْدٌ؛ لِنُبُوِّهِ عَمّا يَقْتَضِيهِ سِياقُ بَقِيَّةِ الآيَةِ. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: (p-٥٣٦٥)وحَكى عِكْرِمَةُ أنَّ السُّورَةَ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] أقُولُ: سَيَأْتِي مَرْفُوعًا عَنْ جابِرٍ أنَّها سُورَةُ الرَّحْمَنِ. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: والوَجْهُ الثّانِي:- أنَّهم صُرِفُوا عَنْ بِلادِهِمْ بِالتَّوْفِيقِ، هِدايَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، حَتّى أتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَهُ بِوُفُودِ الجِنِّ، وأمْرِهِ بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ومَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، حَتّى جاءَ الحَجُونَ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَخَطَّ عَلِيَّ خَطًّا وقالَ: لا تُجاوِزْهُ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتّى أتَوْهُ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي، أعْلَمَهُ جِبْرِيلُ قَبْلَ إتْيانِهِمْ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في رُؤْيَتِهِ لَهُمْ، وقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ. فَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرَهُمْ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، وإنَّما سَمِعُوا قِراءَتَهُ حِينَ مَرُّوا بِهِ مُصَلِّيًا. وحَكى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَآهم. وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. أقُولُ: تَقَدَّمَ لِابْنِ كَثِيرٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ-. ثُمَّ قالَ الماوَرْدِيُّ: وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- فَلَمّا حَضَرُوا قِراءَتَهُ القُرْآنَ، قالُوا: أنْصِتُوا لِسَماعِهِ. والوَجْهُ الثّانِي: فَلَمّا حَضَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: أنْصِتُوا لِسَماعِ قَوْلِهِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا -أيْ: قَوْلُهم أنْصِتُوا- أدَبٌ مِنهم. وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: «ما لِي أراكم سُكُوتًا؟ لَلْجِنُّ كانُوا أحْسَنَ مِنكم رَدًّا؛ ما قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِن مَرَّةٍ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، إلّا قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن آلائِكَ أوْ نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ»» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرٍ. الثّالِثُ:- دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ عامَّ الرِّسالَةِ إلى الإنْسِ والجِنِّ. (p-٥٣٦٦)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِأنَّهُ دَعا الجِنَّ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَلَيْهِمُ السُّورَةَ الَّتِي فِيها خِطابُ الفَرِيقَيْنِ، وتَكْلِيفُهُمْ، ووَعْدُهُمْ، ووَعِيدُهُمْ، وهي سُورَةُ الرَّحْمَنِ، ولِهَذا قالَ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] قالَ الماوَرْدِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مِنَ الإنْسِ، واخْتَلَفُوا في جَوازِ بِعْثَةِ رَسُولٍ مِنهُمْ، فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ومَنَعَ آخَرُونَ مِنهُ. وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَهم مِن ولَدِ إبْلِيسَ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] عَلى الَّذِينَ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ، ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. انْتَهى. أقُولُ: ونَظِيرُهُ تَسْمِيَةُ رُسُلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُسُلًا في آيَةِ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] الرّابِعُ:- اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] مَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الجِنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وإنَّما جَزاءُ صالِحِيهِمْ أنْ يُجارُوا مِن عَذابِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ لَهم جَزاءٌ عَلى الإيمانِ أعْلى مِن هَذا، لَأوْشَكَ أنْ يَذْكُرُوهُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا كُفّارُهم فَيَدْخُلُونَ النّارَ، وأمّا مُؤْمِنُوهُمْ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا في دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ثَوابًا عَلى إيمانِهِمْ. فَقالَ الضَّحّاكُ: ومَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ رُسُلُهم مِنهُمْ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ. وحَكى سُفْيانُ عَنْ لَيْثٍ أنَّهم يُثابُونَ عَلى الإيمانِ بِأنْ يُجازَوْا عَلى النّارِ خَلاصًا مِنها، ثُمَّ يُقالُ: لَهُمْ: كُونُوا تُرابًا كالبَهائِمِ. انْتَهى. والحَقُّ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - أنَّ مُؤْمِنَهم كَمُؤْمِنِ الإنْسِ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَما هو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِهَذا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ نَظَرٌ، وأحْسَنَ مِنهُ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ (p-٥٣٦٧)رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] فَقَدِ امْتَنَّ تَعالى عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ. وقَدْ قابَلَتِ الجِنُّ هَذِهِ الآيَةَ بِالشُّكْرِ القَوْلِيِّ أبْلَغَ مِنَ الإنْسِ، فَقالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ. فَلَمْ يَكُنْ تَعالى لِيَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِجَزاءٍ لا يَحْصُلُ لَهم. وأيْضًا، فَإنَّهُ إذا كانَ يُجازِي كافِرَهم بِالنّارِ، وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَلَأنْ يُجازِيَ مُؤْمِنَهم بِالجَنَّةِ، وهو مَقامُ فَضْلٍ، بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا عَلى عُمُومِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧] وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وما ذَكَرُوهُ هَهُنا مِنَ الجَزاءِ عَلى الإيمانِ، مِن تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ، والإجارَةِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، هو يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا الجَنَّةُ أوِ النّارُ. فَمَن أُجِيرَ مِنَ النّارِ دَخَلَ الجَنَّةَ لا مَحالَةَ، ولَمْ يَرِدْ مَعَنا نَصٌّ صَرِيحٌ، ولا ظاهِرٌ عَنِ الشّارِعِ، أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وإنْ أُجِيرُوا مِنَ النّارِ، ولَوْ صَحَّ لَقُلْنا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَذا نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] ولا خِلافَ أنَّ مُؤْمِنِي قَوْمِهِ في الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ. وقَدْ حُكِيَ فِيهِمْ أقْوالٌ غَرِيبَةٌ. فَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّما يَكُونُونَ في رُبْضِها، وحَوْلَها، وفي أرْجائِها. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهم في الجَنَّةِ يَراهم بَنُو آدَمَ، ولا يَرَوْنَ بَنِي آدَمَ بِعَكْسِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدّارِ الدُّنْيا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَأْكُلُونَ في الجَنَّةِ ولا يَشْرَبُونَ، وإنَّما يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ، والتَّحْمِيدَ، والتَّقْدِيسَ، عِوَضًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، كالمَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ فِيها نَظَرٌ، ولا دَلِيلَ عَلَيْها. انْتَهى. الخامِسُ: - قِيلَ: سِرُّ التَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] أنَّ مِنَ العَذابِ ما لا يُغْفَرُ بِالإيمانِ، كَذُنُوبِ المَظالِمِ، أيْ: حُقُوقُ العِبادِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الحَرْبِيَّ لَوْ نَهَبَ الأمْوالَ المَصُونَةَ، وسَفَكَ الدِّماءَ المَحْقُونَةَ، ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ، جَبَّ الإسْلامُ عَنْهُ إثْمَ ما تَقَدَّمَ، بِلا إشْكالٍ. (p-٥٣٦٨)ويُقالُ: إنَّهُ ما وعَدَ المَغْفِرَةَ لِلْكافِرِ عَلى تَقْدِيرِ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا مُبَعَّضَةً، والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَقامَ الكافِرِ قَبْضٌ لا بَسْطٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُبْسَطْ رَجاؤُهُ كَما في حَقِّ المُؤْمِنِ -أفادَهُ النّاصِرُ -. السّادِسُ: - قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: جَمَعُوا في دَعْواهم قَوْمَهم بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ولِهَذا نَجَعَ في كَثِيرٍ مِنهُمْ، وجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُفُودًا وُفُودًا، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. السّابِعُ:- قالَ الماوَرْدِيُّ: الجِنُّ مِنَ العالَمِ النّاطِقِ المُمَيِّزِ، يَأْكُلُونَ، ويَتَناكَحُونَ، ويَتَناسَلُونَ، ويَمُوتُونَ، وأشْخاصُهم مَحْجُوبَةٌ عَنِ الأبْصارِ، وإنْ تَمَيَّزُوا بِأفْعالٍ وآثارٍ، إلّا أنَّ اللَّهَ يَخُصُّ بِرُؤْيَتِهِمْ مَن يَشاءُ، وإنَّما عَرَفَهُمُ الإنْسُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وما تَخَيَّلُوهُ مِن آثارِهِمُ الخَفِيَّةِ. وقالَ القاشانِيُّ: الجِنُّ نُفُوسٌ أرْضِيَّةٌ تَجَسَّدَتْ في أبْدانٍ لَطِيفَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِن لَطائِفِ العَناصِرِ، سَمّاها حُكَماءُ الفُرْسِ: (الصُّوَرُ المُعَلَّقَةُ). ولِكَوْنِها أرْضِيَّةً مُتَجَسِّدَةً في أبْدانٍ عُنْصُرِيَّةٍ، ومُشارَكَتِها الإنْسَ في ذَلِكَ، سُمِّيا (ثَقَلَيْنِ). وكَما أمْكَنَ النّاسُ التَّهَدِّي بِالقُرْآنِ أمْكَنَهُمْ، وحِكاياتُهم مِنَ المُحَقِّقِينَ وغَيْرِهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ يُمْكِنَ رَدُّ الجَمِيعِ، وأوْضَحُ مِن أنْ يَقْبَلَ التَّأْوِيلَ. انْتَهى.

الأحقاف 46:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ: بِإعادَةِ الرُّوحِ إلى الجَسَدِ، بَعْدَ مُفارَقَتِها إيّاهُ، وإخْراجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ كَهَيْئَتِهِمْ قَبْلَ وفاتِهِمْ. وفِي ابْنِ جَرِيرٍ بَحْثٌ نَحْوِيٌّ في دُخُولِ الباءِ فِي: ﴿بِقادِرٍ﴾ بَدِيعٌ. ويُذْكَرُ في مَباحِثِ زِيادَةِ الباءِ، في مُطَوَّلاتِ العَرَبِيَّةِ. ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: مِن إعادَةِ المَعْدُومِ، ولَوْ فَنِيَ الجَسَدُ وغَيْرُهُ.

الأحقاف 46:34

(p-٥٣٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٤_٣٥] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] . ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا﴾ أيْ: عَلى الإحْياءِ إحْياءً: ﴿بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ: ﴿كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: أُولُو الثَّباتِ والجِدِّ مِنهُمْ، فَإنَّكَ مِنهم. والعَزْمُ -فِي اللُّغَةِ- كالعَزِيمَةِ، ما عَقَدْتَ قَلْبَكَ عَلَيْهِ مِن أمْرٍ. والعَزْمُ أيْضًا القُوَّةُ عَلى الشَّيْءِ والصَّبْرُ عَلَيْهِ. فالمُرادُ بِهِ هُنا المُجْتَهِدُونَ، المُجِدُّونَ، أوِ الصّابِرُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ فِيما عَهِدَهُ إلَيْهِمْ، وقَدَّرَهُ وقَضاهُ عَلَيْهِمْ. ومُطْلَقُ الجِدِّ، والجُهْدِ، والصَّبْرِ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الرُّسُلِ، بَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَثِيرٍ مِنَ الأوْلِياءِ. فَلِذا ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ، وأنَّ (مِن) بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، فَكُلُّ رَسُولٍ مِن أُولِي العَزْمِ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى مَخْصُوصٌ بِبَعْضِهِمْ، فَلا بُدَّ مِن بَيانِهِ لِيَظْهَرَ وجْهُ التَّخْصِيصِ. ومَنشَأُ الِاخْتِلافِ في عَدَدِهِمْ إلى أقْوالٍ: أحَدُها - أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ. والثّانِي - أنَّهم أرْبَعَةٌ: نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى ومُحَمَّدٌ. والثّالِثُ - أنَّهم خَمْسَةٌ بِزِيادَةِ عِيسى، كَما قِيلَ: ؎أُولِي العَزْمِ نُوحٌ والخَلِيلُ المُمَجَّدُ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيُّ مُحَمَّدُ والرّابِعُ -أنَّهم سِتَّةٌ، بِزِيادَةِ هارُونَ أوْ داوُدَ. والخامِسُ -أنَّهم سَبْعَةٌ بِزِيادَةِ آدَمَ. والسّادِسُ -أنَّهم تِسْعَةٌ، بِزِيادَةِ إسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ويُوسُفَ. وقَدْ يُزادُ ويُنْقَصُ. (p-٥٣٧٠)وتَوْجِيهُ التَّخْصِيصِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن لَهُ جِدٌّ وجُهْدٌ تامٌّ في دَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ، وذَبَّهُ عَنْ حَرِيمِ التَّوْحِيدِ، وحِمى الشَّرِيعَةِ، بِحَيْثُ يَصْبِرُ عَلى ما لا يُطِيقُهُ سِواهُ مِن عَوارِضِهِ النَّفْسِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ، وأُمُورِهِ الخارِجِيَّةِ، كَمُبارَزَةِ كُلِّ أهْلِ عَصْرِهِ، كَما كانَ لِنُوحٍ، أوْ لِمَلِكٍ جَبّارٍ في عَصْرِهِ، وانْتِصارِهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ عِدَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، كَنُمْرُوذَ إبْراهِيمَ، وجالُوتَ داوُدَ، وفِرْعَوْنَ مُوسى، ولِكُلِّ مُوسى فِرْعَوْنُ، ولِكُلِّ مُحَمَّدٍ أبُو جَهْلٍ. وكالِابْتِلاءِ بِأُمُورٍ لا يَصْبِرُ عَلَيْها البَشَرُ بِدُونِ قُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ، ونَفْسٍ رَبّانِيَّةٍ، كَما وقَعَ لِأيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومِن هُنا كُشِفَ بُرْقُعُ الخَفاءِ عَنْ وجْهِ التَّخْصِيصِ، وهَذا مِمّا كَشَفَ بَرَكاتِهِمْ سِرُّهُ -أفادَهُ الشِّهابُ -. ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: ولا تَسْتَعْجِلْ بِمُساءَلَتِكَ رَبَّكَ العَذابَ لَهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وإنِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ الأمْرُ مِن جِهَتِهِمْ ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ، ونَكالِهِ، وخِزْيِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: لِأنَّهُ يُنْسِيهِمْ شِدَّةَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ، قَدْرَ ما كانُوا في الدُّنْيا لَبِثُوا، ومَبْلَغَ ما فِيها مَكَثُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما -أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (ذَلِكَ لَبْثُ بَلاغٍ)، بِمَعْنى: ذَلِكَ بَلاغٌ لَهم في الدُّنْيا إلى أجَلِهِمْ، ثُمَّ حَذَفَ: ذَلِكَ لَبْثٌ، وهي مُرادَةٌ في الكَلامِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الكَلامِ عَلَيْها. والآخَرُ -أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: هَذا القُرْآنُ والتَّذْكِيرُ بَلاغٌ لَهم وكِفايَةٌ، إنْ فَكَّرُوا واعْتَبَرُوا، فَتَذَكَّرُوا. انْتَهى. وأشارَ المَهايِمِيُّ إلى مَعْنًى آخَرَ فَقالَ: لَيْسَ مِن حَقِّ الرُّسُلِ الِاسْتِعْجالُ، بَلْ حَقُّهم بَلاغٌ. ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: بِعَذابِ اللَّهِ إذا أنْزَلَهُ بِمُقْتَضى العَدْلِ، والحِكْمَةِ: ﴿إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيِ: الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَهُ، وخَرَجُوا مِن طاعَتِهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ، وألِيمِ عِقابِهِ.

الأحقاف 46:35

(p-٥٣٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٤_٣٥] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] . ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا﴾ أيْ: عَلى الإحْياءِ إحْياءً: ﴿بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ: ﴿كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: أُولُو الثَّباتِ والجِدِّ مِنهُمْ، فَإنَّكَ مِنهم. والعَزْمُ -فِي اللُّغَةِ- كالعَزِيمَةِ، ما عَقَدْتَ قَلْبَكَ عَلَيْهِ مِن أمْرٍ. والعَزْمُ أيْضًا القُوَّةُ عَلى الشَّيْءِ والصَّبْرُ عَلَيْهِ. فالمُرادُ بِهِ هُنا المُجْتَهِدُونَ، المُجِدُّونَ، أوِ الصّابِرُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ فِيما عَهِدَهُ إلَيْهِمْ، وقَدَّرَهُ وقَضاهُ عَلَيْهِمْ. ومُطْلَقُ الجِدِّ، والجُهْدِ، والصَّبْرِ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الرُّسُلِ، بَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَثِيرٍ مِنَ الأوْلِياءِ. فَلِذا ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ، وأنَّ (مِن) بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، فَكُلُّ رَسُولٍ مِن أُولِي العَزْمِ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى مَخْصُوصٌ بِبَعْضِهِمْ، فَلا بُدَّ مِن بَيانِهِ لِيَظْهَرَ وجْهُ التَّخْصِيصِ. ومَنشَأُ الِاخْتِلافِ في عَدَدِهِمْ إلى أقْوالٍ: أحَدُها - أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ. والثّانِي - أنَّهم أرْبَعَةٌ: نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى ومُحَمَّدٌ. والثّالِثُ - أنَّهم خَمْسَةٌ بِزِيادَةِ عِيسى، كَما قِيلَ: ؎أُولِي العَزْمِ نُوحٌ والخَلِيلُ المُمَجَّدُ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيُّ مُحَمَّدُ والرّابِعُ -أنَّهم سِتَّةٌ، بِزِيادَةِ هارُونَ أوْ داوُدَ. والخامِسُ -أنَّهم سَبْعَةٌ بِزِيادَةِ آدَمَ. والسّادِسُ -أنَّهم تِسْعَةٌ، بِزِيادَةِ إسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ويُوسُفَ. وقَدْ يُزادُ ويُنْقَصُ. (p-٥٣٧٠)وتَوْجِيهُ التَّخْصِيصِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن لَهُ جِدٌّ وجُهْدٌ تامٌّ في دَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ، وذَبَّهُ عَنْ حَرِيمِ التَّوْحِيدِ، وحِمى الشَّرِيعَةِ، بِحَيْثُ يَصْبِرُ عَلى ما لا يُطِيقُهُ سِواهُ مِن عَوارِضِهِ النَّفْسِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ، وأُمُورِهِ الخارِجِيَّةِ، كَمُبارَزَةِ كُلِّ أهْلِ عَصْرِهِ، كَما كانَ لِنُوحٍ، أوْ لِمَلِكٍ جَبّارٍ في عَصْرِهِ، وانْتِصارِهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ عِدَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، كَنُمْرُوذَ إبْراهِيمَ، وجالُوتَ داوُدَ، وفِرْعَوْنَ مُوسى، ولِكُلِّ مُوسى فِرْعَوْنُ، ولِكُلِّ مُحَمَّدٍ أبُو جَهْلٍ. وكالِابْتِلاءِ بِأُمُورٍ لا يَصْبِرُ عَلَيْها البَشَرُ بِدُونِ قُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ، ونَفْسٍ رَبّانِيَّةٍ، كَما وقَعَ لِأيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومِن هُنا كُشِفَ بُرْقُعُ الخَفاءِ عَنْ وجْهِ التَّخْصِيصِ، وهَذا مِمّا كَشَفَ بَرَكاتِهِمْ سِرُّهُ -أفادَهُ الشِّهابُ -. ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: ولا تَسْتَعْجِلْ بِمُساءَلَتِكَ رَبَّكَ العَذابَ لَهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وإنِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ الأمْرُ مِن جِهَتِهِمْ ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ، ونَكالِهِ، وخِزْيِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: لِأنَّهُ يُنْسِيهِمْ شِدَّةَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ، قَدْرَ ما كانُوا في الدُّنْيا لَبِثُوا، ومَبْلَغَ ما فِيها مَكَثُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما -أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (ذَلِكَ لَبْثُ بَلاغٍ)، بِمَعْنى: ذَلِكَ بَلاغٌ لَهم في الدُّنْيا إلى أجَلِهِمْ، ثُمَّ حَذَفَ: ذَلِكَ لَبْثٌ، وهي مُرادَةٌ في الكَلامِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الكَلامِ عَلَيْها. والآخَرُ -أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: هَذا القُرْآنُ والتَّذْكِيرُ بَلاغٌ لَهم وكِفايَةٌ، إنْ فَكَّرُوا واعْتَبَرُوا، فَتَذَكَّرُوا. انْتَهى. وأشارَ المَهايِمِيُّ إلى مَعْنًى آخَرَ فَقالَ: لَيْسَ مِن حَقِّ الرُّسُلِ الِاسْتِعْجالُ، بَلْ حَقُّهم بَلاغٌ. ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: بِعَذابِ اللَّهِ إذا أنْزَلَهُ بِمُقْتَضى العَدْلِ، والحِكْمَةِ: ﴿إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيِ: الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَهُ، وخَرَجُوا مِن طاعَتِهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ، وألِيمِ عِقابِهِ.

محمد 47:1

(p-٥٣٧١)٤٧- سُورَةُ مُحَمَّدٍ سُمِّيَتْ بِهِ، لِما فِيها مِن أنَّ الإيمانَ بِما نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ مُتَفَرِّقًا، أعْظَمُ مِنَ الإيمانِ بِما نَزَلَ مَجْمُوعًا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وتُسَمّى سُورَةَ (القِتالِ)، لِدَلالَتِها عَلى ارْتِفاعِ حُرْمَةِ نُفُوسِ الكُفّارِ المانِعَةِ مِن قِتالِهِمْ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى القِتالِ وكَثْرَةِ فَوائِدِهِ- قالَهُ المَهايِمِيُّ -. وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. وحَكى النَّسَفِيُّ قَوْلًا غَرِيبًا، أنَّها مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَمانٍ وثَلاثُونَ. (p-٥٣٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ . ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ، وعَبَدُوا غَيْرَهُ: ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْرَضُوا وامْتَنَعُوا عَنِ الإقْرارِ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، ولِنَبِيِّهِ بِالرِّسالَةِ. أوْ صَدُّوا غَيْرَهم عَنْ ذَلِكَ ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَعَلَها عَلى غَيْرِ هُدًى ورَشادٍ.

محمد 47:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُـزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ . ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ: الطّاعاتِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وآمَنُوا بِما نُـزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ أيْ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ بِهِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وإنَّما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، مَعَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَعْلِيمًا؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ ولا يَتِمُّ إلّا بِهِ؛ إذْ يُفِيدُ بِعَطْفِهِ أنَّهُ أعْظَمُ أرْكانِهِ، لِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ. وقَدْ تَأكَّدَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ: الثّابِتُ بِالواقِعِ، ونَفْسُ الأمْرِ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: سَتَرَ بِإيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ، ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لِرُجُوعِهِمْ عَنْها وتَوْبَتِهِمْ: ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم وشَأْنَهُمْ، وعَمَلَهم في الدُّنْيا بِالتَّأْيِيدِ والتَّوْفِيقِ. قالَ الشِّهابُ: (البالُ) يَكُونُ بِمَعْنى الحالِ والشَّأْنِ، وقَدْ يَخُصُّ بِالشَّأْنِ العَظِيمِ، كَقَوْلِهِ ﷺ ««كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ»» . ويَكُونُ بِمَعْنى الخاطِرِ القَلْبِيِّ، ويَتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ القَلْبِ، ولَوْ فُسِّرَ بِهِ (p-٥٣٧٣)هُنا كانَ حَسَنًا أيْضًا. وقَدْ فَسَّرَهُ السَّفاقِسِيُّ بِالفِكْرِ؛ لِأنَّهُ إذا صَلَحَ قَلْبُهُ وفِكْرُهُ، صَلَحَتْ عَقِيدَتُهُ وأعْمالُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: البالُ كالمَصْدَرِ، مِثْلُ الشَّأْنِ، لا يُعْرَفُ مِنهُ فِعْلٌ، ولا تَكادُ العَرَبُ تَجْمَعُهُ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، فَإذا جَمَعُوهُ قالُوا: (بالاتٌ).

محمد 47:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ . ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورُ مِن فِعْلِهِ تَعالى بِالفَرِيقَيْنِ ما فَعَلَهُ كائِنٌ: ﴿بِأنَّ الَّذِينَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ الَّذِينَ: ﴿كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: يُشَبِّهُ لَهُمُ الأشْباهَ، فَيَلْحَقُ بِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ الأمْثالِ أشْكالًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ ضَرْبُ الأمْثالِ؟ قُلْتُ: في أنْ جَعَلَ اتِّباعَ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكُفّارِ، واتِّباعَ الحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ المُؤْمِنِينَ. أوْ في أنْ جَعَلَ الإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَةِ الكُفّارِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى.

محمد 47:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ . ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لِما كانَ طَلِيعَةُ هَذِهِ السُّورَةِ تَمْهِيدًا لِجِهادِ المُشْرِكِينَ السّاعِينَ في الأرْضِ بِالفَسادِ، الصّادِّينَ عَنْ مَنهَجِ الرَّشادِ، وبَعْثًا عَلى الصِّدْقِ (p-٥٣٧٤)فِي قِتالِهِمْ، كَسْحًا لِعَقَبَةِ باطِلِهِمْ، عَمَلًا بِما يُوجِبُهُ الإيمانُ ويَفْرِضُهُ الإيقانُ، وتَمْيِيزًا لِأوْلِياءِ الرَّحْمَنِ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ، تَأثُّرُ تِلْكَ الطَّلِيعَةِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ. ولِذا قالَ أبُو السُّعُودِ: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما في حَيِّزِها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ ضَلالَ أعْمالِ الكَفَرَةِ وخُبْثَهُمْ، وصَلاحَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحَهُمْ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يُرَتِّبَ عَلى كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ؛ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم في المُحارَبَةِ، فَضَرْبَ الرِّقابِ. وأصْلُهُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. فَحُذِفَ الفِعْلُ، وقُدِّمَ المَصْدَرُ، وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ. وفِيهِ اخْتِصارٌ وتَأْكِيدٌ بَلِيغٌ. والتَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ القَتْلِ، تَصْوِيرٌ لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ، وتَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وإرْشادٌ لِلْغُزاةِ إلى أيْسَرِ ما يَكُونُ مِنهُ: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: غَلَبْتُمُوهُمْ، وقَهَرْتُمْ مَن لَمْ تَضْرِبُوا رَقَبَتَهُ مِنهُمْ، فَصارُوا في أيْدِيكم أسْرى: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ بِفَتْحِ الواوِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها. وهو ما يُوثَقُ بِهِ، أيْ: يُرْبَطُ ويُشَدُّ، كالقَيْدِ والحَبْلِ. أيْ: فَأمْسِكُوهم بِهِ كَيْلا يَقْتُلُوكم فَيَهْرُبُوا مِنكُمْ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ: فَإمّا تَمُنُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَتُطْلِقُونَهم بِغَيْرِ عِوَضٍ، لِزَوالِ سَبْعِيَّتِهِمْ، وإمّا تَفْدُونَ فِداءً، فَتُطْلِقُونَهم بِعِوَضِ مالٍ، أوْ مُسْلِمٍ أسَرُوهُ فَيَتَقَوّى بِهِ المُسْلِمُونَ، أوْ يَتَخَلَّصُ أسِيرُهم. قالَ المَهايِمِيُّ: ولَمْ يُذْكَرِ القَتْلُ اكْتِفاءً بِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وذَلِكَ فِيمَن يَرى فِيهِ الإمامُ بَقاءَ السَّبْعِيَّةِ بِالكَمالِ، ولَمْ يُذْكَرْ الِاسْتِرْقاقُ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْتِدامَةِ الأسْرِ، وذَلِكَ فِيمَن يَرى فِيهِ نَوْعَ سَبْعِيَّةٍ، ولا تَزالُوا كَذَلِكَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أيْ: إلى انْقِضاءِ الحَرْبِ. و(الأوْزارُ): كالأحْمالِ وزْنًا ومَعْنًى، اسْتُعِيرَ لِآلاتِ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها، اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً أوْ مَكْنِيَّةً، بِتَشْبِيهِها بِإنْسانٍ يَحْمِلُ حِمْلًا عَلى رَأْسِهِ أوْ ظَهْرِهِ، وأثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ تَخْيِيلًا، وقَدْ جاءَ ذِكْرُها في قَوْلِ الأعْشى: ؎وأعْدَدْتَ لِلْحَرْبِ أوْزارَها رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا (p-٥٣٧٥)وقِيلَ: أوْزارُها آثامُها. يَعْنِي: حَتّى يَتْرُكَ أهْلُ الحَرْبِ -وهُمُ المُشْرِكُونَ- شِرْكَهم ومَعاصِيَهم بِأنْ يُسَلِّمُوا. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ - قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الجِهادِ. الثّانِي - لِلسَّلَفِ قَوْلانِ في أنَّ الآيَةَ: مَنسُوخَةٌ، أوْ مُحْكَمَةٌ. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالُوا: فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ عَهْدٌ ولا ذِمَّةٌ بَعْدَ بَراءَةٍ، وانْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، وأنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُ الأسِيرِ، وإنَّما لَهُ المَنُّ أوِ الفِداءُ. ووَجْهُ مَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ تَعارُضُ الآيَتَيْنِ عِنْدَهُ بادِئَ بَدْءٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القَوْلُ بِإحْداهُما وهي المُطْلَقَةُ. ومَدْرَكُ الثّانِي أنَّ الأمْرَ بِقَتْلِهِمُ المُجْمَلِ في آياتٍ، مَحْمُولٌ عَلى المُفَصَّلِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: إنَّ القَتْلَ عِنْدَ اللِّقاءِ، ثُمَّ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ المَنُّ أوِ الفِداءُ لا غَيْرُ، إلّا أنْ تَبْدُوَ مَصْلَحَةٌ في القَتْلِ، فَتِلْكَ مِن بابٍ آخَرَ. وثُمَّ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو كَوْنُ الآيَةِ مُحْكَمَةً مَعَ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى الإمامِ، وأنَّ ذِكْرَ المَنِّ والفِداءِ لا يُنافِي جَوازَ القَتْلِ، لِعِلْمِهِ مِن آياتٍ أُخَرَ، لا سِيَّما ومَرْجِعُ الأمْرِ إلى المَصْلَحَةِ. وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي أخْتارُهُ، وإذا دارَ الأمْرُ في الآيِ بَيْنَ الإحْكامِ والنَّسْخِ، فالأوَّلُ هو المُرَجَّحُ. وقَدْ لا يَتَعارَضُ قَوْلُ مَن قالَ بِالنَّسْخِ مَعَ الذّاهِبِ إلى الإحْكامِ، لِما قَدَّمْناهُ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ، مِن تَغايُرِ اصْطِلاحِ السَّلَفِ، والأُصُولِيِّينَ في النَّسْخِ. (p-٥٣٧٦)ثُمَّ رَأيْتُ ابْنَ جَرِيرٍ سَبَقَنِي في تَرْجِيحِ ذَلِكَ، وعِبارَتُهُ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ عِنْدَنا في ذَلِكَ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ. وذَلِكَ أنَّ صِفَةَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، أنَّهُ ما لَمْ يَجُزِ اجْتِماعُ حُكْمَيْهِما في حالٍ واحِدَةٍ، أوْ ما قامَتِ الحُجَّةُ بِأنَّ أحَدَهُما ناسِخٌ الآخَرَ، وغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الخِيارِ في المَنِّ، والفِداءِ، والقَتْلِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وإلى القائِمِينَ بَعْدَهُ بِأمْرِ الأُمَّةِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ القَتْلُ مَذْكُورًا في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدْ أذِنَ بِقَتْلِهِمْ في آيَةٍ أُخْرى، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآيَةَ. بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ كانَ يَفْعَلُ فِيمَن صارَ أسِيرًا في يَدِهِ مِن أهْلِ الحَرْبِ، فَيَقْتُلُ بَعْضًا، ويُفادِي بِبَعْضٍ، ويَمُنُّ عَلى بَعْضٍ، مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ: قَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، وقَدْ أُتِيَ بِهِ أسِيرًا. وقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ وقَدْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، وصارُوا في يَدِهِ سَلَمًا، وهو عَلى فِدائِهِمْ والمَنِّ عَلَيْهِمْ قادِرٌ، وفادى بِجَماعَةٍ، أُسارى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُسِرُوا بِبَدْرٍ، ومَنَّ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أثالٍ الحَنَفِيُّ، وهو أسِيرٌ في يَدِهِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ ثابِتًا مِن سَيْرِهِ في أهْلِ الحَرْبِ، مِن لَدُنْ أذِنَ اللَّهُ لَهُ بِحَرْبِهِمْ، إلى أنْ قَبَضَهُ إلَيْهِ ﷺ دائِمًا ذَلِكَ فِيهِمْ. وإنَّما ذَكَرَ جَلَّ ثَناؤُهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَنَّ والفِداءَ في الأُسارى، فَخَصَّ ذِكْرَهُما فِيها، لِأنَّ الأمْرَ بِقَتْلِهِمْ والإذْنَ مِنهُ بِذَلِكَ، قَدْ كانَ تَقَدَّمَ في سائِرِ آيِ تَنْزِيلِهِ مُكَرَّرًا، فَأعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المَنِّ والفِداءِ، ما لَهُ فِيهِمْ مَعَ القَتْلِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ جَرِيرٍ. الثّالِثُ -مِن فَوائِدِ الآيَةِ أيْضًا جَوازُ تَخْلِيَةِ سَبِيلِ المُشْرِكِينَ، إذا ضَعُفَتْ شَوْكَتُهُمْ، وأمِنَتْ مَفْسَدَتُهم، لِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ المَنِّ، وقَبُولِ الفِداءِ، والقَوْلُ بِإبادَةِ خَضْرائِهِمْ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٌ، يُنافِيهِ نَصُّ هَذِهِ الآيَةِ، وقَبُولُ النَّبِيِّ ﷺ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ وهم مُشْرِكُونَ، فَتَفَهَّمْ. (p-٥٣٧٧)وبِالجُمْلَةِ، فالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ المُحَقِّقُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أنَّ الأمِيرَ يُخَيَّرُ، بَعْدَ الظَّفْرِ تَخْيِيرَ مُصْلَحَةٍ لا شَهْوَةٍ في الأُسَراءِ المُقاتِلِينَ، بَيْنَ قِتالٍ واسْتِرْقاقٍ، ومَنٍّ وفِداءٍ. ويَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيارُ الأصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهم عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُ ما فِيهِ الحَظُّ، كَوَلِيِّ اليَتِيمِ، لِأنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ قَدْ تَكُونُ أصْلَحَ في بَعْضِ الأسْرى. فَإنَّ مِنهم مَن لَهُ قُوَّةٌ ونِكايَةٌ في المُسْلِمِينَ، فَقَتْلُهُ أصْلَحُ. ومِنهُمُ الضَّعِيفُ ذُو المالِ الكَثِيرِ، فَفِداؤُهُ أصْلَحُ، ومِنهم حَسَنُ الرَّأْيِ في المُسْلِمِينَ، يُرْجى إسْلامُهُ، فالمَنُّ عَلَيْهِ أوْلى، ومَن يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ، ويُؤْمَنُ شَرُّهُ، اسْتِرْقاقُهُ أصْلَحُ -كَما في (شَرْحِ الإقْناعِ). الرّابِعُ -تُسَنُّ دَعْوَةُ الكُفّارِ إلى الإسْلامِ قَبْلَ القِتالِ لِمَن بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، قَطْعًا لِحُجَّتِهِ. ويَحْرُمُ القِتالُ قَبْلَها لِمَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الحَصِيبِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا بَعَثَ أمِيرًا عَلى سَرِيَّةٍ أوْ جَيْشٍ، أمَرَهُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وبِمَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقالَ: «إذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهم إلى إحْدى ثَلاثٍ، فَإنْ هم أجابُوكَ إلَيْها فاقْبَلْ مِنهُمْ، وكُفَّ عَنْهُمُ: ادْعُهم إلى الإسْلامِ، فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهُمْ، وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ هم أبَوْا فادْعُهم إعْطاءَ الجِزْيَةِ، فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهُمْ، وكُفَّ عَنْهم. فَإنْ أبَوْا فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وقاتِلْهم»» رَواهُ مُسْلِمٌ. وقَيَّدَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ واسْتِحْبابَها، بِما قَصَدَهُمُ المُسْلِمُونَ. أمّا إذا كانَ الكُفّارُ قاصِدِينَ المُسْلِمِينَ بِالقِتالِ، فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتالُهم مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ، دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ، وحَرِيمِهِمْ، وأمْرُ الجِهادِ مَوْكُولٌ إلى الإمامِ واجْتِهادِهِ، لِأنَّهُ أعْرَفُ بِحالِ النّاسِ، وبِحالِ العَدُوِّ، ونِكايَتِهِمْ، وقُرْبِهِمْ، وبُعْدِهِمْ - كَما في (شَرْحِ الإقْناعِ). وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. أوْ مَفْعُولٌ لِمُقَدَّرٍ: ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ أيْ: لانْتَقَمَ مِنهم بِعُقُوبَةٍ عاجِلَةٍ، وكَفاكم ذَلِكَ كُلَّهُ. ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَ (p-٥٣٧٨)بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَكم بِهِمْ، فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ فَيُثِيبَهُمْ، ويَبْلُوهم بِكُمْ، فَيُعاقِبُ بِأيْدِيكم مَن شاءَ مِنهم حَتّى يُنِيبَ إلى الحَقِّ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ أيِ: اسْتُشْهِدُوا. وقُرِئَ: قاتَلُوا: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾

محمد 47:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥_٦] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] . ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] أيْ: بَيَّنَها لَهم في كَثِيرٍ مِن آياتِهِ، تَعْرِيفًا يُشَوِّقُ كُلَّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْعى لَها.

محمد 47:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥_٦] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] . ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] أيْ: بَيَّنَها لَهم في كَثِيرٍ مِن آياتِهِ، تَعْرِيفًا يُشَوِّقُ كُلَّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْعى لَها.

محمد 47:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ أيِ: الظَّفَرُ والتَّمْكِينُ في الأرْضِ، وإرْثُ دِيارِ العَدُوِّ.

محمد 47:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ٩] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] . ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أيْ: خِزْيًا وشَقاءً. وأصْلُهُ مِنَ السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ، كالكَبِّ ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَعَلَها عَلى غَيْرِ هُدًى واسْتِقامَةٍ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٩] أيْ: مِنَ الحَقِّ، وشايَعُوا ما ألَّفُوهُ مِنَ الباطِلِ ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] كَعِبادَتِهِمْ لِأوْثانِهِمْ، حَيْثُ لَمْ تَنْفَعْهُمْ، بَلْ أوْبَقَهم بِها فَأصْلاهم سَعِيرًا. (p-٥٣٧٩)

محمد 47:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ٩] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] . ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أيْ: خِزْيًا وشَقاءً. وأصْلُهُ مِنَ السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ، كالكَبِّ ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَعَلَها عَلى غَيْرِ هُدًى واسْتِقامَةٍ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٩] أيْ: مِنَ الحَقِّ، وشايَعُوا ما ألَّفُوهُ مِنَ الباطِلِ ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] كَعِبادَتِهِمْ لِأوْثانِهِمْ، حَيْثُ لَمْ تَنْفَعْهُمْ، بَلْ أوْبَقَهم بِها فَأصْلاهم سَعِيرًا. (p-٥٣٧٩)

محمد 47:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ . ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها، الرّادَّةِ نَصائِحَها ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: ما اخْتُصَّ بِهِمْ، وكانَ لَهُمْ، يُقالُ: دَمَّرَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ودَمَّرَهُ عَلَيْهِ: أهْلَكَ ما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ المالِ والنَّفْسِ. فالثّانِي أبْلَغُ، لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، لِجَعْلِ مَفْعُولِهِ نَسْيًا مَنسِيًّا، فَيَتَناوَلُ نَفْسَهُ، وكُلَّ ما يَخْتَصُّ بِهِ. والإتْيانُ بِـ: (عَلى)؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (أطْبَقَ عَلَيْهِ)، أيْ: أوْقَعَهُ عَلَيْهِمْ مُحِيطًا بِهِمْ، أوْ هَجَمَ الهَلاكُ عَلَيْهِمْ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ﴿أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ عاقِبَةِ تَكْذِيبِ الأُمَمِ السّالِفَةِ.

محمد 47:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] . ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ: لا ناصِرَ لَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، إذا حاقَ بِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ [محمد: ١٢] أيْ: غَيْرُ مُفَكِّرِينَ في المَعادِ، ولا مُعْتَبِرِينَ بِسُنَّةِ اللَّهِ، كَغَفْلَةِ الأنْعامِ عَنِ النَّحْرِ والذَّبْحِ، فَلا هم لَهم إلّا الِاعْتِلافُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] أيْ: مَأْواهم بَعْدَ مَماتِهِمْ. (p-٥٣٨٠)

محمد 47:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] . ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ: لا ناصِرَ لَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، إذا حاقَ بِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ [محمد: ١٢] أيْ: غَيْرُ مُفَكِّرِينَ في المَعادِ، ولا مُعْتَبِرِينَ بِسُنَّةِ اللَّهِ، كَغَفْلَةِ الأنْعامِ عَنِ النَّحْرِ والذَّبْحِ، فَلا هم لَهم إلّا الِاعْتِلافُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] أيْ: مَأْواهم بَعْدَ مَماتِهِمْ. (p-٥٣٨٠)

محمد 47:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣_١٤] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] . ﴿وكَأيِّنْ﴾ أيْ: وكَمْ: ﴿مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [محمد: ١٤] أيْ: عَلى بُرْهانٍ، وحُجَّةٍ، وبَيانٍ مِن أمْرِ رَبِّهِ، والعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، فَهو يَعْبُدُهُ عَلى بَصِيرَةٍ مِنهُ ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤] أيْ: فَأراهُ إيّاهُ الشَّيْطانُ حَسَنًا، فَهو مُقِيمٌ عَلَيْهِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤]

محمد 47:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣_١٤] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] . ﴿وكَأيِّنْ﴾ أيْ: وكَمْ: ﴿مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [محمد: ١٤] أيْ: عَلى بُرْهانٍ، وحُجَّةٍ، وبَيانٍ مِن أمْرِ رَبِّهِ، والعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، فَهو يَعْبُدُهُ عَلى بَصِيرَةٍ مِنهُ ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤] أيْ: فَأراهُ إيّاهُ الشَّيْطانُ حَسَنًا، فَهو مُقِيمٌ عَلَيْهِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤]

محمد 47:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ . ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أيْ: مُتَغَيِّرِ الرِّيحِ: ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أيْ: مِنَ القَذى، وما يُوجَدُ مِن عَسَلِ الدُّنْيا: ﴿ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ أيْ: مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ. (p-٥٣٨١)لَطِيفَةٌ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ إنْكارِ ومُضافٍ؛ أيْ: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَثَلِ مَن هو خالِدٌ. أوْ أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ. فَلَفْظُ الآيَةِ، وإنْ كانَ في صُورَةِ الإثْباتِ، هو في مَعْنى الإنْكارِ والنَّفْيِ، لِانْطِوائِهِ تَحْتَ حُكْمِ كَلامٍ مُصَدَّرٍ بِحَرْفِ الإنْكارِ، وانْسِحابِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ﴾ [محمد: ١٤] إلَخْ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ قَرِينَةٌ عَلى هَذا، وإنَّما هو مِنَ السِّياقِ، وإنَّ فِيهِ جَزالَةَ المَعْنى، وثَمَّ أعارِيبُ أُخَرُ، هَذا أمْتَنُها.

محمد 47:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ . ﴿ومِنهُمْ﴾ أيْ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ: ﴿مَن﴾ أيْ: كافِرٌ مُنافِقٌ: ﴿يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مِنَ الصَّحابَةِ، اسْتِهْزاءٌ بِما سَمِعُوهُ مِنَ المَتْلُوِّ، وتَهاوُنًا بِهِ: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيِ: السّاعَةَ. هَلْ فِيهِ هُدًى؟ فَإنْ بَيَّنُوهُ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنهُ شَيْئًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَلا يَدْخُلُها الهُدى لِإبائِهِمْ عَنْهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: آراءَهُمْ، لا ما يَدْعُو إلَيْهِ البُرْهانُ.

محمد 47:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ . ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ أيْ: بِاتِّباعِ الحَقِّ، والمَشْيِ مَعَ الحُجَّةِ: ﴿زادَهم هُدًى﴾ أيْ: بَيانًا لِحَقِيقَةِ ما جاءَهُمْ: ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أيْ: أعانَهم عَلَيْها. أوْ آتاهم جَزاءَ تَقْواهُمْ، أوْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ. (p-٥٣٨٢)

محمد 47:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ . ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: أماراتُ اقْتِرابِها، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] وكَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] فَبَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّهُ خاتَمُ الرُّسُلِ، الَّذِي أكْمَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الدِّينَ، وأقامَ بِهِ الحُجَّةَ عَلى العالَمِينَ. وقَدْ أخْبَرَ ﷺ بِأماراتِ السّاعَةِ وأشْراطِها، وأبانَ عَنْ ذَلِكَ وأوْضَحَهُ، بِما لَمْ يُؤْتَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، كَما هو مَبْسُوطٌ في مَوْضِعِهِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وهو كَما قالَ، ولِهَذا جاءَ في أسْمائِهِ ﷺ أنَّهُ نَبِيُّ التَّوْبَةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ، والحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمَيْهِ، والعاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ. رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ بِإصْبَعَيْهِ هَكَذا -بِالوُسْطى، والَّتِي تَلِيها-: «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ». ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ أيْ: ذِكْرى ما قَدْ ضَيَّعُوا وفَرَّطُوا فِيهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ. يَعْنِي: أنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ يَنْفَعُهم فِيهِ التَّذَكُّرُ والنَّدَمُ؛ لِأنَّهُ وقْتُ مُجازاةٍ، لا وقْتُ اسْتِعْتابٍ واسْتِعْمالٍ. (p-٥٣٨٣)

محمد 47:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ . ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فاعْلَمْ يا مُحَمَّدُ أنَّهُ لا مَعْبُودَ تَنْبَغِي أوْ تَصْلُحُ لَهُ الأُلُوهِيَّةُ ويَجُوزُ لَكَ ولِلْخَلْقِ عِبادَتُهُ، إلّا اللَّهُ الَّذِي هو خالِقُ الخَلْقِ، ومالِكُ كُلِّ شَيْءٍ. يَدِينُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ كُلُّ ما دُونَهُ. والفاءُ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَعْلُومٍ، مِمّا مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ، وإبْطالِ التَّقْلِيدِ في العَقائِدِ، ومَن قالَ بِأنَّ أوَّلَ الواجِباتِ، المَعْرِفَةُ قَبْلَ الإقْرارِ. ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وسَلْ رَبَّكَ غُفْرانَ سالِفِ ذُنُوبِكَ وحادِثِها، وذُنُوبِ أهْلِ الإيمانِ بِكَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. قالَ الشِّهابُ: وإنَّما أُعِيدَ الجارُّ؛ لِأنَّ ذُنُوبَهم جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ ذَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّ ذُنُوبَهم مَعاصٍ كَبائِرُ وصَغائِرُ، وذَنْبَهُ تَرْكُ الأوْلى. وقالَ السُّيُوطِيُّ: اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أجازَ الصَّغائِرَ عَلى الأنْبِياءِ. انْتَهى. والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ بِأقْوالِها، وما لَها وما عَلَيْها في (الفَصْلِ) لِابْنِ حَزْمٍ، فارْجِعْ إلَيْهِ. وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وجَهْلِي، وإسْرافِي (p-٥٣٨٤)فِي أمْرِي، وما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي، وجِدِّي، وخَطايايَ، وعَمْدِي، وكُلَّ ذَلِكَ عِنْدِي»» . وفِي الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ في آخِرِ الصَّلاةِ: ««اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، وما أسْرَفْتُ، وما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. أنْتَ إلَهِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ»» . وفِي الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: ««يا أيُّها النّاسُ! تُوبُوا إلى رَبِّكُمْ، فَإنِّي أسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً»» . ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ أيْ: مُتَصَرَّفَكم فِيما تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، وإقامَتَكم عَلى ما تُقِيمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ، فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

محمد 47:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأوْلى لَهُمْ﴾ . ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ: تَأْمُرُنا بِجِهادِ أعْداءِ اللَّهِ مِنَ الكُفّارِ ﴿فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ أيْ: مُبَيِّنَةٌ لا تَقْبَلُ نَسْخًا ولا تَأْوِيلًا وذُكِرَ فِيها القِتالُ أيِ الأمْرُ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ: ﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ في الدِّينِ، وضَعْفٌ في اليَقِينِ: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ: مِن فَزَعِهِمْ، ورُعْبِهِمْ، وجُبْنِهِمْ مِن لِقاءِ الأعْداءِ. شَبَّهَ نَظَرَهم بِنَظَرِ المُحْتَضِرِ الَّذِي لا يَطْرِفُ بَصَرُهُ: (p-٥٣٨٥)﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ قالَ الشِّهابُ: اخْتُلِفَ فِيهِ، بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ التَّهْدِيدُ، والوَعِيدُ، عَلى أقْوالِ: فَذَهَبَ الأصْمَعِيُّ إلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى قارَبَ. وقِيلَ: قَرَّبَ بِالتَّشْدِيدِ، فَفاعِلُهُ ضَمِيرُ يَرْجِعُ لِما عَلِمَ مِنهُ، أيْ: قارَبَ هَلاكُهم. والأكْثَرُ أنَّهُ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الوَلِيِّ، بِمَعْنى القُرْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّهُ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الوَيْلِ. والأصْلُ (أوْيَلُ)، فَقُلِبَ، فَوَزْنُهُ أفْلَعُ. ورُدَّ بِأنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وأنَّ القَلْبَ خِلافُ الأصْلِ، وفِيهِ نَظَرٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ فَعْلى، مِن آلَ يَؤُولُ. وقالَ الرَّضِيُّ: إنَّهُ عَلِمَ لِلْوَعِيدِ، وهو مُبْتَدَأٌ، و(لَهُمْ) خَبَرُهُ. وقَدْ سَمِعَ فِيهِ (أُولاةٌ) بِتاءِ تَأْنِيثِ. وهو كَما قِيلَ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأفْعَلِ تَفْضِيلٍ، ولا أفْعَلِ فُعْلى، وأنَّهُ عَلَمٌ ولَيْسَ بِفِعْلٍ، بَلْ مِثْلُ أرْمَلَ وأرْمَلَةٍ، إذا سُمِّيَ بِهِما، فَلِذا لَمْ يَنْصَرِفْ. ولا اسْمَ فِعْلٍ؛ لِأنَّهُ سَمِعَ فِيهِ (أُولاةٌ) مُعْرَبًا مَرْفُوعًا، ولَوْ كانَ اسْمَ فِعْلٍ بُنِيَ. وفِيهِ أنْ لا مانِعَ مِن كَوْنِ (أُولاةٍ)، لَفْظًا آخَرَ بِمَعْناهُ، فَلا يَرِدُ شَيْءٌ مِنهُ عَلَيْهِمْ أصْلًا، كَما جاءَ (أوَّلُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، واسْمُ ظَرْفٍ كَـ: (قَبِلَ)، وسُمِعَ فِيهِ (أُولَةٌ) -كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ- فَلا يَرِدُ النَّقْصُ بِهِ كَما لا يَخْفى. انْتَهى. قالَ السَّمِينُ: إذا قُلْنا بِاسْمِيَّتِهِ. فَفِيهِ أوْجُهٌ: أحَدُهُما -أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(لَهُمْ) خَبَرُهُ، تَقْدِيرُهُ: فالهَلاكُ لَهم. والثّانِي -أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: العِقابُ أوِ الهَلاكُ أوْلى لَهُمْ، أيْ: أقْرَبُ وأدْنى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى الباءِ. أيْ: أوْلى وأحَقُّ لَهم. الثّالِثُ -أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(لَهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، واللّامُ بِمَعْنى الباءِ، و(طاعَةٌ) خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَأوْلى بِهِمْ طاعَةً دُونَ غَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى:

محمد 47:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ . ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فِيهِ أوْجُهٌ: (p-٥٣٨٦)أحَدُها:- أنَّهُ خَبَرُ (أوْلى) عَلى ما تَقَدَّمَ. الثّانِي:- أنَّها صِفَةُ السُّورَةِ. أيْ: فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ طاعَةً، أيْ: ذاتُ طاعَةٍ، أوْ مُطاعَةٍ. ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ. وفِيهِ بُعْدٌ، لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ. الثّالِثُ:- أنَّها مُبْتَدَأٌ، و(قَوْلٌ) عُطِفَ عَلَيْها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ. تَقْدِيرُهُ: أمْثَلُ بِكم مِن غَيْرِهِما. وقَدَّرَهُ مَكِّيٌّ: مِنّا طاعَةٌ، فَقَدَّرَهُ مُقَدَّمًا. الرّابِعُ:- أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ. الخامِسُ:- أنَّ (لَهُمْ): خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(طاعَةٌ): مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. والوَقْفُ والِابْتِداءُ يُعْرَفانِ مِمّا قَدَّمْتُهُ، فَتَأمَّلْ -أفادَهُ السَّمِينُ-. ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أيْ: جَدَّ الحالُ، وحَضَرَ القِتالُ: قالَ أبُو السُّعُودِ: أسْنَدَ العَزْمَ، وهو الجِدُّ إلى الأمْرِ، وهو لِأصْحابِهِ، مَجازًا. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] وعامِلُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ. أيْ: خالَفُوا وتَخَلَّفُوا. وقِيلَ ناقَضُوا. وقِيلَ: كَرِهُوا. وقِيلَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: إذا حَضَرَنِي طَعامٌ، فَلَوْ جِئْتَنِي لَأطْعَمْتُكَ. أيْ: فَلَوْ صَدَقُوهُ تَعالى فَيَمَلُّ قالُوهُ مِنَ الكَلامِ المُنْبِئِ عَنِ الحِرْصِ عَلى الجِهادِ، بِالجَرْيِ عَلى مُوجِبِهِ: ﴿لَكانَ﴾ أيِ: الصِّدْقُ: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: في عاجِلِ دُنْياهُمْ، وآجِلِ مَعادِهِمْ. قِيلَ: فَلَوْ صَدَقُوهُ في الإيمانِ، وواطَأتْ قُلُوبُهم في ذَلِكَ ألْسِنَتَهم. وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

محمد 47:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢] ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ . ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنْ تَنْزِيلِ اللَّهِ تَعالى، وفارَقْتُمْ أحْكامَ كِتابِهِ، وما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ: ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: بِالتَّغاوُرِ والتَّناهُبِ: ﴿وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ (p-٥٣٨٧)أيْ: تَعُودُوا لِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكم مِنَ التَّشَتُّتِ والتَّفَرُّقِ، بَعْدَ ما جَمَعَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ، وألَّفَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، وأمَرَكم بِالإصْلاحِ في الأرْضِ، وصِلَةِ الأرْحامِ. وهو الإحْسانُ إلى الأقارِبِ في المَقالِ والأفْعالِ، وبَذْلِ الأمْوالِ. وقَدْ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا مِنَ الأحادِيثِ في صِلَةِ الرَّحِمِ لُبابَ اللُّبابِ.

محمد 47:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ . ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهُمْ﴾ أيْ: عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ لِتَصامِّهِمْ عَنْهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ: ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ أيْ: لِتَعامِيهِمْ عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآياتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ، والآفاقِ.

محمد 47:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤] ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ . ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أفَلا يَتَدَبَّرُ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مَواعِظَ اللَّهِ الَّتِي يَعِظُهم بِها في آيِ القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَتَفَكَّرُونَ في حُجَجِهِ الَّتِي بَيَّنَها لَهم في تَنْزِيلِهِ، فَيَعْلَمُوا بِها خَطَأ ما هم عَلَيْهِ مُقِيمُونَ ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ أيْ: فَلا يَصِلُ إلَيْها ذِكْرٌ، ولا يَنْكَشِفُ لَها أمْرٌ. وتَنْكِيرُ (القُلُوبِ) لِلْإشْعارِ بِفَرْطِ جَهالَتِها ونُكْرِها، كَأنَّها مُبْهَمَةٌ مَنكُورَةٌ. و(الأقْفالُ) مَجازٌ عَمّا يَمْنَعُ الوُصُولَ. وإضافَتُها إلى القُلُوبِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ المُمَيِّزِ لَها عَمّا عَداها، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّها لا تُشْبِهُ الأقْفالَ المَعْرُوفَةَ؛ إذْ لا يُمْكِنُ فَتْحُها أبَدًا. (p-٥٣٨٨)

محمد 47:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: عادُوا لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيِ: الحَقُّ بِواضِحِ الحُجَّةِ: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أيْ: زَيَّنَّ لَهُمُ ارْتِدادَهم وحَمَلَهم عَلَيْهِ: ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ أيْ: ومَدٌّ لَهم في الآمالِ والأمانِي، أوْ أمْهَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَمَدَّ في آجالِهِمْ، ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ. والمَعْنى: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ، واللَّهُ أمْلى لَهم.

محمد 47:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَـزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ . ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنِ ارْتِدادِهِمْ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُمْ: ﴿قالُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ: ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَـزَّلَ اللَّهُ﴾ أيْ: لِلْيَهُودِ الكارِهِينَ لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ أيْ: بَعْضِ أُمُورِكُمْ، أوْ ما تَأْمُرُونَ بِهِ كالقُعُودِ عَنِ الجِهادِ، والتَّظاهُرِ عَلى الرَّسُولِ، أوِ الخُرُوجِ مَعَهم إنْ أُخْرِجُوا، كَما أوْضَحَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] وهم بَنُو قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ الَّذِينَ كانُوا يُوالُونَهم ويُوادُّونَهم ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ أيْ: إخْفاءَهم لِما يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ. (p-٥٣٨٩)

محمد 47:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧_٢٨] ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] . ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ويَدْفَعُونَ ضَرَرَ الرِّدَّةِ عَلَيْهِمْ: ﴿إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي ولَّوْها عَنِ اللَّهِ إلى أعْدائِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي ولَّوْها عَنِ الأعْداءِ إلى اللَّهِ ﴿ذَلِكَ﴾ [محمد: ٢٨] أيِ: التَّوَفِّي الهائِلُ: ﴿بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] أيْ: مِن إطاعَةِ أعْدائِهِ ﴿وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] أيْ: في مُعاداتِهِمْ، فَأدّى بِهِمْ إلى الرِّدَّةِ: ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] أيِ: الَّتِي كانَتْ تُفِيدُهُمُ النَّجاةَ مِن ذَلِكَ الضَّرْبِ، ومِنَ الفَضائِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

محمد 47:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧_٢٨] ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] . ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ويَدْفَعُونَ ضَرَرَ الرِّدَّةِ عَلَيْهِمْ: ﴿إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي ولَّوْها عَنِ اللَّهِ إلى أعْدائِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي ولَّوْها عَنِ الأعْداءِ إلى اللَّهِ ﴿ذَلِكَ﴾ [محمد: ٢٨] أيِ: التَّوَفِّي الهائِلُ: ﴿بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] أيْ: مِن إطاعَةِ أعْدائِهِ ﴿وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] أيْ: في مُعاداتِهِمْ، فَأدّى بِهِمْ إلى الرِّدَّةِ: ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] أيِ: الَّتِي كانَتْ تُفِيدُهُمُ النَّجاةَ مِن ذَلِكَ الضَّرْبِ، ومِنَ الفَضائِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

محمد 47:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ . ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: نِفاقٌ تَفَرَّعَ مِنهُ أضْغانٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ: ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ﴾ أيْ: يُظْهِرَ: ﴿اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ أيْ: أحْقادَهم لِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَتَبْقى أُمُورُهم مَسْتُورَةً. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاحْتِمالِ.

محمد 47:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠_٣١] ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهم بِدَلائِلَ تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ مَعْرِفَةً مُتاخِمَةً لِلرُّؤْيَةِ: (p-٥٣٩٠)﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي نَسِمُهم بِها: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيْ: أُسْلُوبِهِ وما يَرْمُونَ مِن غَيْرِ إيضاحٍ بِهِ. قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن جَعَلَ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم بِحَسَبِ قَصْدِكم ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] أيْ: أهْلَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] أيْ: أفانِينَ أقْوالِكُمْ، وضُرُوبَ بَياناتِكُمْ، وأعْمالَ قُوَّةِ ألْسِنَتِكم في نَشْرِ الحَقِّ، والصَّدْعِ بِهِ، والدَّأْبِ عَلَيْهِ، هَلْ هو مُتَمَحِّضٌ لِذَلِكَ، أمْ فِيهِ ما فِيهِ مِنَ المُحاباةِ خِيفَةَ لَوْمِ اللّائِمِ. قالَ القاشانِيُّ: عِلْمُ اللَّهِ تَعالى قِسْمانِ: سابِقٌ عَلى مَعْلُوماتِهِ إجْمالًا في لَوْحِ القَضاءِ، وتَفْصِيلًا في لَوْحِ القَدَرِ، وتابَعَ إيّاها في المَظاهِرِ التَّفْصِيلِيَّةِ مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، والنُّفُوسِ السَّماوِيَّةِ الجُزْئِيَّةِ. فَمَعْنى: ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] حَتّى يَظْهَرَ عِلْمُنا التَّفْصِيلِيُّ في المَظاهِرِ المَلَكُوتِيَّةِ والإنْسِيَّةِ، الَّتِي يَثْبُتُ بِها الجَزاءُ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

محمد 47:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠_٣١] ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهم بِدَلائِلَ تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ مَعْرِفَةً مُتاخِمَةً لِلرُّؤْيَةِ: (p-٥٣٩٠)﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي نَسِمُهم بِها: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيْ: أُسْلُوبِهِ وما يَرْمُونَ مِن غَيْرِ إيضاحٍ بِهِ. قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن جَعَلَ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم بِحَسَبِ قَصْدِكم ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] أيْ: أهْلَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] أيْ: أفانِينَ أقْوالِكُمْ، وضُرُوبَ بَياناتِكُمْ، وأعْمالَ قُوَّةِ ألْسِنَتِكم في نَشْرِ الحَقِّ، والصَّدْعِ بِهِ، والدَّأْبِ عَلَيْهِ، هَلْ هو مُتَمَحِّضٌ لِذَلِكَ، أمْ فِيهِ ما فِيهِ مِنَ المُحاباةِ خِيفَةَ لَوْمِ اللّائِمِ. قالَ القاشانِيُّ: عِلْمُ اللَّهِ تَعالى قِسْمانِ: سابِقٌ عَلى مَعْلُوماتِهِ إجْمالًا في لَوْحِ القَضاءِ، وتَفْصِيلًا في لَوْحِ القَدَرِ، وتابَعَ إيّاها في المَظاهِرِ التَّفْصِيلِيَّةِ مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، والنُّفُوسِ السَّماوِيَّةِ الجُزْئِيَّةِ. فَمَعْنى: ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] حَتّى يَظْهَرَ عِلْمُنا التَّفْصِيلِيُّ في المَظاهِرِ المَلَكُوتِيَّةِ والإنْسِيَّةِ، الَّتِي يَثْبُتُ بِها الجَزاءُ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

محمد 47:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: فَتَذْهَبُ سُدًى، لا تُثْمِرُ لَهم نَفْعًا.

محمد 47:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣_٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ (p-٥٣٩١)﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤] أيْ: لَكِنْ يُعَذِّبُهم ويُعاقِبُهم.

محمد 47:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣_٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ (p-٥٣٩١)﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤] أيْ: لَكِنْ يُعَذِّبُهم ويُعاقِبُهم.

محمد 47:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٥] ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ . ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: فَلا تَضْعُفُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَنْ جِهادِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا عَلَيْكُمْ، وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ أيِ: الصُّلْحِ والمُسالَمَةِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيِ: الأغْلَبُونَ، فَإنَّ كَسْحَ الضَّلالِ مِن طَرِيقِ الحَقِّ لا مُنْتَدَحَ عَنْهُ، ما تَيَسَّرَتْ أسْبابُهُ، وقُهِرَتْ أرْبابُهُ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِنَصْرِهِ ما تَمَسَّكْتُمْ بِحَبْلِهِ: ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم ثَوابُها ويُضَيِّعَها.

محمد 47:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦] ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكم ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ . ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ أيْ: فَلا تَدْعُكُمُ الرَّغْبَةُ في الحَياةِ إلى تَرْكِ الجِهادِ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: ثَوابُ إيمانِكم وتَقْواكُمْ: ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، وإنَّما يُرِيدُ مِنكُمُ التَّوْحِيدَ، ونَبْذَ الأوْثانِ، والطّاعَةَ لِما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ. (p-٥٣٩٢)قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أيْ: لا يَسْألْكم جَمِيعَ أمْوالِكُمْ، بَلْ يَقْتَصِرُ مِنكم عَلى جُزْءٍ يَسِيرٍ، كَرُبُعِ العُشْرِ وعُشْرِهِ. إشارَةٌ إلى إفادَةِ الجَمْعِ المُضافِ لِلْمَعْلُومِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الجَزاءِ. والمَعْنى: إنْ تُؤْمِنُوا لا يَسْألْكُمُ الجَمِيعَ، أيْ: لا يَأْخُذْهُ مِنكُمْ، كَما يَأْخُذُ مِنَ الكُفّارِ جَمِيعَ أمْوالِهِمْ. ولا يَخْفى حُسْنُ مُقابَلَتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: يُعْطِكم كُلَّ الأُجُورِ، ويَسْألْكم بَعْضَ المالِ -هَذا ما قالَهُ الشِّهابُ -. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بَيانُ غِناهُ تَعالى عَنْ عِبادِهِ، وأنَّ طَلَبَ إنْفاقِ الأمْوالِ مِنهُمْ، لِعَوْدِ نَفْعِهِ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِ، لِاسْتِغْنائِهِ المُطْلَقِ، فَإنَّ في الصَّدَقاتِ دَفْعَ أحْقادِ صُدُورِ الفُقَراءِ عَنْهُمْ، وفي بَذْلِهِ لِلْجِهادِ دَفْعَ غائِلَةِ الشُّرُورِ والفَسادِ، وكُلُّهُ مِمّا يَعُودُ ثَمَرَتُهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى حِكْمَتِهِ، ورَحْمَتِهِ في عَدَمِ سُؤالِهِ إنْفاقَ أمْوالِهِمْ كُلِّها، بِقَوْلِهِ:

محمد 47:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٧] ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ . ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا﴾ أيْ: فَيُجْهِدَكم بِالمَسْألَةِ، ويُلِحَّ عَلَيْكم بِطَلَبِها مِنكُمْ، تَبْخَلُوا بِها وتَمْنَعُوها، ضَنًّا مِنكم بِها، ولَكِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ مِنكُمْ، ومِن ضِيقِ أنْفُسِكُمْ، فَلَمْ يَسْألْكُمُوها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإحْفاءُ المُبالَغَةُ، وبُلُوغُ الغايَةِ في كُلِّ شَيْءٍ. يُقالُ: (أحْفاهُ في المَسْألَةِ)، إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الإلْحاحِ، و(أحْفى شارِبَهُ)، إذا اسْتَأْصَلَهُ. ﴿ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ أيْ: أحْقادَكُمْ، وكَراهَتَكم لِدَيْنٍ يَذْهَبُ بِأمْوالِكم. وضَمِيرُ (يَخْرُجُ) لِلَّهِ تَعالى، ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِنُونِ العَظَمَةِ. أوْ لِلْبُخْلِ لِأنَّهُ سَبَبُ الأضْغانِ. وقُرِئَ (يَخْرُجُ) مِنَ الخُرُوجِ، بِالياءِ والتّاءِ، مُسْنَدًا إلى الأضْغانِ.

محمد 47:38

(p-٥٣٩٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨] ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ . ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في جِهادِ أعْدائِهِ، ونُصْرَةِ دِينِهِ: ﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ أيْ: بِالنَّفَقَةِ فِيهِ ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: يُمْسِكُهُ عَنْها، لِأنَّهُ يَحْرِمُها الأجْرَ، ويُكْسِبُها الوِزْرَ: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ أيْ: عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلِّ شَيْءٍ فَقِيرٍ إلَيْهِ. ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ أيْ: بِالذّاتِ إلَيْهِ. فَوَصْفُهُ بِالغِنى وصْفٌ لازِمٌ لَهُ، ووَصْفُ الخَلْقِ بِالفَقْرِ وصْفٌ لازِمٌ لَهُمْ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، أيْ: وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّما حَضُّكم في النَّفَقَةِ في سَبِيلِهِ لِيَكْسِبَكم بِذَلِكَ، الجَزِيلَ مِن ثَوابِهِ. ولِيَعْلَمَ أنَّ سَبِيلَ اللَّهِ يَشْمَلُ كُلَّ ما فِيهِ نَفْعٌ وخَيْرٌ، وفائِدَةٌ، وقُرْبَةٌ، ومَثُوبَةٌ. وإنَّما اقْتَصَرَ المُفَسِّرُونَ عَلى الجِهادِ لِأنَّهُ فَرَدُهُ الأشْهُرُ، وجُزْئِيُّهُ الأهَمُّ، وقْتَ نُزُولِ الآياتِ، وإلّا فَلا يَنْحَصِرُ فِيهِ. ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَمّا جاءَكم بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يُهْلِكُكم ثُمَّ يَأْتِي بِقَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِكُمْ، بَدَلًا مِنكُمْ، يُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَعْمَلُونَ بِشَرائِعِهِ. ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ أيْ: لا يَبْخَلُوا بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا يُضَيِّعُونَ شَيْئًا مِن حُدُودِ دِينِهِمْ، ولَكِنَّهم يَقُومُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، عَلى ما يُؤْمَرُونَ بِهِ.

الفتح 48:1

(p-٥٣٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَتْحِ سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَتِها عَلى فَتْحِ البِلادِ والحُجَجِ والمُعْجِزاتِ والحَقائِقِ، وقَدْ تَرَتَّبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها المَغْفِرَةُ وإتْمامُ النِّعْمَةِ والهِدايَةُ والنَّصْرُ العَزِيزُ. وكُلُّ هَذِهِ أُمُورٌ جَلِيلَةٌ -إفادَةُ المَهايِمِيِّ-. وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. نَزَلَتْ مَرْجِعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، عِدَةً لَهُ بِالفَتْحِ. قالَ أنَسٌ: لَمّا رَجَعْنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ نُسُكِنا، فَنَحْنُ بَيْنَ الحُزْنِ والكَآبَةِ، فَنَزَلَتْ. واخْتُلِفَ في المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، فَوَقَعَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ (بِضَجْنانَ) وهي بِفَتْحِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الجِيمِ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. وعِنْدَ الحاكِمِ في -الإكْلِيلِ- بِكُراعِ الغَمِيمِ. وعَنْ أبِي مَعْشَرٍ (بِالجُحْفَةِ). قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: والأماكِنُ الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ. ورَوى البُخارِيُّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ -وهُوَ في بَعْضِ أسْفارِهِ- لِعُمَرَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ، لَهي أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ». وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: «قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الفَتْحِ، فَرَجَّعَ فِيها» (p-٥٣٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ . ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قالَ الرّازِيُّ: في الفَتْحِ وُجُوهٌ: أحَدُها - فَتْحُ مَكَّةَ، وهو ظاهِرٌ. وثانِيها -فَتْحُ الرُّومِ وغَيْرِها. وثالِثُها -المُرادُ مِنَ الفَتْحِ، صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ. ورابِعُها -فَتْحُ الإسْلامِ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، والسَّيْفِ والسِّنانِ. وخامِسُها -المُرادُ مِنهُ الحُكْمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٢٦] انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ كُلَّها، مِمّا يُصَدَّقُ عَلَيْها الفَتْحُ الرَّبّانِيُّ، وجَمِيعُها مِمّا تَحَقَّقَ مِصْداقُهُ. إلّا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ، الَّذِي حَفِظَ الثِّقاتُ زَمَنَهُ، يُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ الفَتْحِ بَيانًا لا خِلافَ مَعَهُ، وهو أنَّهُ الوَجْهُ الثّالِثُ المَذْكُورُ. قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ لِما رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، في ذِي القِعْدَةِ مِن سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ عَنِ الوُصُولِ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَقْضِيَ عُمْرَتَهُ فِيهِ، وحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، ثُمَّ مالُوا إلى المُصالَحَةِ والمُهادَنَةِ، وأنْ يَرْجِعَ عامَهُ هَذا، ثُمَّ يَأْتِي مِن قابِلٍ، فَأجابَهم إلى ذَلِكَ، عَلى تَكَرُّهٍ مِن جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كَما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ في مَوْضِعِهِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. فَلَمّا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ ورَجَعَ، أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٣٩٦)هَذِهِ السُّورَةَ، فِيما كانَ مِن أمْرِهِ وأمْرِهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ الصُّلْحَ فَتْحًا، بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وما آلَ الأمْرُ إلَيْهِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إنَّكم تَعُدُّونَ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ. وعَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما كُنّا نَعُدُّ الفَتْحَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ. رَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: تَعُدُّونَ أنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] مَرْجِعَهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَلى الأرْضِ»، ثُمَّ قَرَأها عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ -» أخْرَجاهُ في (الصَّحِيحَيْنِ) مِن رِوايَةِ قَتادَةَ بِهِ -. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وكانَ أحَدَ القُرّاءِ الَّذِينَ قَرَأُوا القُرْآنَ- قالَ: «شَهِدْنا الحُدَيْبِيَةَ، فَلَمّا انْصَرَفْنا عَنْها، إذا النّاسُ، يَنْفِرُونَ الأباعِرَ. فَقالَ النّاسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما لِلنّاسِ؟ قالُوا: أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجْنا مَعَ النّاسِ نَرْجُفُ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى راحِلَتِهِ عِنْدَ كَراعِ الغَمِيمِ، فاجْتَمَعَ النّاسُ عَلَيْهِ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قالَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ! أوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قالَ ﷺ: أيْ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إنَّهُ لَفَتْحٌ». ورَواهُ أبُو داوُدَ في الجِهادِ. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ -أيْ: بَيِّنًا ظاهِرًا- هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِهِ خَيْرٌ جَزِيلٌ، وأمِنَ النّاسُ، واجْتَمَعَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وتَكَلَّمَ المُؤْمِنُ مَعَ الكافِرِ، وانْتَشَرَ العِلْمُ النّافِعُ والإيمانُ. انْتَهى. (p-٥٣٩٧)وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) في الكَلامِ عَلى ما في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الفِقْهِ واللَّطائِفِ، ما مِثالُهُ: كانَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ مُقَدِّمَةً وتَوْطِئَةً بَيْنَ يَدَيْ هَذا الفَتْحِ العَظِيمِ، أمِنَ النّاسُ بِهِ، وكَلَّمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وناظَرَهُ في الإسْلامِ، وتَمَكَّنَ مَنِ اخْتَفى مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ دِينِهِ، والدَّعْوَةِ إلَيْهِ، والمُناظَرَةِ عَلَيْهِ، ودَخَلَ بِسَبَبِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ في الإسْلامِ؛ ولِهَذا سَمّاهُ اللَّهُ فَتْحًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ نَزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قالَ: نَعَمْ. وأعادَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ كَوْنِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا. وهَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ أنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مُقَدِّماتٌ تَكُونُ كالمَدْخَلِ إلَيْها، المُنْبِئَةِ لَها وعَلَيْها، كَما قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ قِصَّةِ المَسِيحِ، وخَلْقِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، قِصَّةَ زَكَرِيّا، وخَلْقَ الوَلَدِ لَهُ، مَعَ كَوْنِهِ كَبِيرًا، لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ. وكَما قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَسْخِ القِبْلَةِ، قِصَّةَ البَيْتِ، وبِنائِهِ، وتَعْظِيمِهِ، والتَّنْوِيهِ بِهِ، وذِكْرِ بانِيهِ، وتَعْظِيمِهِ ومَدْحِهِ. ووَطَّأ قَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِذِكْرِ النَّسْخِ، وحِكْمَتِهِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ، وقُدْرَتِهِ الشّامِلَةِ لَهُ. وهَكَذا ما قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن قِصَّةِ الفِيلِ، وبِشاراتِ الكُهّانِ بِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وكَذَلِكَ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيِ الوَحْيِ في اليَقَظَةِ. وكَذَلِكَ الهِجْرَةُ، كانَتْ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيِ الأمْرِ بِالجِهادِ. ومَن تَأمَّلَ أسْرارَ الشَّرْعِ والقَدَرِ، رَأى مِن ذَلِكَ ما تَبْهَرُ حِكْمَتُهُ أُولِي الألْبابِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

الفتح 48:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: غايَةٌ لِلْفَتْحِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى سَعْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، بِمُكابَدَةِ مَشاقِّ الحُرُوفِ، واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ (p-٥٣٩٨)﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ أيْ: جَمِيعُ ما فَرَطَ مِنكَ، مِن تَرْكِ الأوْلى. وتَسْمِيَتِهِ ذَنْبًا، بِالنَّظَرِ إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مِن خَصائِصِهِ ﷺ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، ولَيْسَ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ في ثَوابِ الأعْمالِ كَغَيْرِهِ، غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ. وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلى الطّاعَةِ والبِرِّ والِاسْتِقامَةِ الَّتِي لَمْ يَنَلْها بَشَرٌ سِواهُ، لا مِنَ الأوَّلِينَ، ولا مِنَ الآخَرِينَ. وهو ﷺ أكْمَلُ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، وسَيِّدُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ولَمّا كانَ أطْوَعَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لِلَّهِ، وأشَدَّهم تَعْظِيمًا لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، قالَ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ النّاقَةُ: «حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ» . ثُمَّ قالَ ﷺ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لا يَسْألُونِي اليَوْمَ شَيْئًا يُعَظِّمُونَ بِهِ حُرُماتِ اللَّهِ إلّا أجَبْتُهم إلَيْها،» فَلَمّا أطاعَ اللَّهَ في ذَلِكَ، وأجابَ إلى الصُّلْحِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] الآياتِ» . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أيْ: بِإظْهارِهِ إيّاكَ عَلى عَدُوِّكَ، ورَفْعِهِ ذِكْرَكَ ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: ويُرْشِدَكَ طَرِيقًا مِنَ الدِّينِ لا عِوَجَ فِيهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أصْلُ الِاسْتِقامَةِ، وإنْ كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ الفَتْحِ، لَكِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ اتِّضاحِ سَبِيلِ الحَقِّ، واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ، ما لَمْ يَكُنْ حاصِلًا قَبْلُ.

الفتح 48:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣] ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ . ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أيْ: قَوِيًّا مَنِيعًا، لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، ولا يَدْفَعُهُ دافِعٌ، لِلْبَأْسِ الَّذِي يُؤَيِّدُكَ اللَّهُ بِهِ، والظَّفَرُ الَّذِي يَمُدُّكَ بِهِ. (p-٥٣٩٩)

الفتح 48:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: السُّكُونَ، والطُّمَأْنِينَةَ إلى الإيمانِ، والحَقِّ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ أيْ: يَقِينًا مُنْضَمًّا إلى يَقِينِهِمْ. قالَ القاشانِيُّ: السَّكِينَةُ نُورٌ في القَلْبِ يَسْكُنُ بِهِ إلى شاهِدِهِ ويَطْمَئِنُّ. وهو مِن مَبادِئِ عَيْنِ اليَقِينِ، بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ، كَأنَّهُ وِجْدانٌ يَقِينِيٌّ مَعَهُ لَذَّةٌ وسُرُورٌ. ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَنْتَقِمُ بِهِمْ مِمَّنْ يَشاءُ مِن أعْدائِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ.

الفتح 48:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥] ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، نَحْوَ: أمَرَ بِالجِهادِ لِيُدْخِلَ... إلَخْ. أوْ دَبَّرَ ما دَبَّرَ مِمّا ذَكَرَ لِذَلِكَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿فَتَحْنا﴾ [الفتح: ١] عَلى تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ مُطْلَقًا، وهَذا مُقَيَّدًا، أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَزْدادُوا﴾ [الفتح: ٤] ﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

الفتح 48:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ . (p-٥٤٠٠)﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أيْ: ظَنَّ الأمْرِ السُّوءِ، وهو أنْ لا يَنْصُرَ تَعالى رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ: بِالتَّعْذِيبِ في الدُّنْيا بِأنْواعِ الوَقائِعِ، كالقَتْلِ، والإهانَةِ، والإذْلالِ. وقُرِئَ: ﴿دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ مِن (ساءَ) كالكُرْهِ والكَرْهِ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِالقَهْرِ، والحَجْبِ: ﴿ولَعَنَهُمْ﴾ أيْ: بِالطَّرْدِ، والإبْعادِ في الآخِرَةِ: ﴿وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾

الفتح 48:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ قِيلَ في سِرِّ التَّكْرِيرِ: إنَّهُ ذُكِرَ سابِقًا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّهُ المُدَبِّرُ لِأمْرِ المَخْلُوقاتِ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، فَلِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤] وهُنا أُرِيدَ بِهِ التَّهْدِيدُ بِأنَّهم في قَبْضَةِ قُدْرَةِ المُنْتَقِمِ، فَلِذا ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فَلا تَكْرارَ. وقِيلَ: إنَّ الجُنُودَ جُنُودُ رَحْمَةٍ، وجُنُودُ عَذابٍ، وأنَّ المُرادَ هُنا الثّانِي، ولِذا تَعَرَّضَ لِوَصْفِ العِزَّةِ. وقالَ القاشانِيُّ: كَرَّرَها لِيُفِيدَ تَغْلِيبَ الجُنُودِ الأرْضِيَّةِ عَلى السَّماوِيَّةِ في المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، بِعَكْسِ ما فَعَلَ بِالمُؤْمِنِينَ. وبَدَّلَ: " عَلِيمًا " بِقَوْلِهِ: " عَزِيزًا " لِيُفِيدَ مَعْنى القَهْرِ والقَمْعِ؛ لِأنَّ العِلْمَ مِن بابِ اللُّطْفِ، والعِزَّةَ مِن بابِ القَهْرِ.

الفتح 48:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨] ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ . ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ أيْ: عَلى أُمَّتِكَ بِما أجابُوكَ فِيما دَعَوْتَهم إلَيْهِ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ أيْ: لِمَنِ اسْتَجابَ لَكَ بِالجَنَّةِ: ﴿ونَذِيرًا﴾ أيْ: لِمَن خالَفَكَ بِالنّارِ. (p-٥٤٠١)

الفتح 48:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩] ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ . ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ﴾ أيْ: تُؤَيِّدُوا دِينَهُ، وتُقِرُّوهُ: ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ أيْ: تُعَظِّمُوهُ: ﴿وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ: غَدْوَةً وعَشِيًّا -عَلى ظاهِرِهِ- أوْ دائِمًا، بِجَعْلِ طَرَفَيِ النَّهارِ كِنايَةً عَنِ الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: شَرْقًا وغَرْبًا، لِجَمِيعِ الدُّنْيا. والضَّمائِرُ كُلُّها -عَلى ما ذَكَرْنا- لِلَّهِ، وجَوَّزَ إعادَةَ الأوَّلِينَ لِلرَّسُولِ، والأخِيرِ لِلَّهِ إلّا أنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا.

الفتح 48:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ أيْ: عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وأنْ لا يَفِرُّوا عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، ولا يُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ أيْ: لِأنَّ عَقْدَ المِيثاقِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، كَعَقْدِهِ مَعَ اللَّهِ، مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن تَوْثِيقِ العَهْدِ مُراعاةُ أوامِرِهِ تَعالى، ونَواهِيهِ، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ: أنَّ يَدَ اللَّهِ عِنْدَ البَيْعَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ، كَأنَّهم يُبايِعُونَ اللَّهَ بِبَيْعَتِهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: قُدْرَتُهُ البارِزَةُ في يَدِ الرَّسُولِ، فَوْقَ قُدْرَتِهِمُ البارِزَةِ في صُوَرِ أيْدِيهِمْ، فَيَضُرُّهم عِنْدَ النَّكْثِ، ويَنْفَعُهم عِنْدَ الوَفاءِ. ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ عَهْدَهُ: ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: لِعَوْدِ ضَرَرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ خاصَّةً، ﴿ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجَنَّةُ. تَنْبِيهٌ: هَذِهِ البَيْعَةُ هي بَيْعَةُ الرِّضْوانِ. وكانَتْ تَحْتَ شَجَرَةِ سُمْرَةٍ بِالحُدَيْبِيَةِ. وكانَ الصَّحابَةُ الَّذِينَ (p-٥٤٠٢)بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ: وثَلاثَمِائَةٍ، وقِيلَ: خَمْسُمِائَةٍ. والأوَّلُ أصَحُّ -عَلى ما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - وقَدِ اقْتَصَّ سِيرَتَها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الجَلِيلَةُ كُلُّها في شَأْنِها، لَزِمَ إيرادُها مُفَصَّلَةً. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ في ذِي القِعْدَةِ مُعْتَمِرًا، لا يُرِيدُ حَرْبًا. واسْتَنْفَرَ العَرَبَ، ومَن حَوْلَهُ مِن أهْلِ البَوادِي مِنَ الأعْرابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، وهو يَخْشى مِن قُرَيْشٍ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ، أوْ يَصُدُّوهُ عَنِ البَيْتِ. فَأبْطَأ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الأعْرابِ. وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ومَن لَحِقَ بِهِ مِنَ العَرَبِ، وساقَ مَعَهُ الهَدْيَ، وأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ لِيَأْمَنَ النّاسُ مِن حَرْبِهِ، ولِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّهُ إنَّما خَرَجَ زائِرًا لِهَذا البَيْتِ، ومُعَظِّمًا لَهُ». وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ: قِصَّةُ الحُدَيْبِيَةِ كانَتْ سَنَةَ سِتٍّ في ذِي القِعْدَةِ. وكانَ مَعَهُ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ. هَكَذا في (الصَّحِيحَيْنِ) عَنْ جابِرٍ. وفِيهِما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: «كُنّا ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ. وعَنْ جابِرٍ فِيهِما: كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ -والقَلْبُ إلى هَذا أمْيَلُ- وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، ومَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ، وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ. ثُمَّ لَمّا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الهَدْيَ، وأشْعَرَ، وأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ، وبَعَثَ عَيْنًا لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن خُزاعَةَ، يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ، حَتّى إذا كانَ قَرِيبًا مِن عَسْفانَ، أتاهُ عَيْنُهُ فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، قَدْ جَمَعُوا لَكَ الأحابِيشَ، وجَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وهم مُقاتِلُوكَ، وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ. واسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ وقالَ: «أتَرَوْنَ أنْ نَمِيلَ إلى ذَرارِيِّ هَؤُلاءِ (p-٥٤٠٣)الَّذِينَ أعانُوهم فَنُصِيبُهُمْ، فَإنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْزُونِينَ، وإنْ نَجَوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَها اللَّهُ؟ أمْ تَرَوْنَ أنْ نَؤُمَّ البَيْتَ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ؟» قالَ أبُو بَكْرٍ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! إنَّما جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، ولَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ. ولَكِنْ مَن حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ قاتَلْناهُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَرَوِّحُوا إذَنْ». فَراحُوا، حَتّى إذا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالغَمِيمِ، في خَيْلِ قُرَيْشٍ، فَخُذُوا ذاتَ اليَمِينِ» فَواللَّهِ! ما شَعَرَ بِهِمْ خالِدٌ حَتّى إذا هو بِقِتْرَةِ الجَيْشِ. فانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ. وسارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى إذا كانَ بِالثَّنْيَةِ الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ، بَرَكَتْ راحِلَتُهُ. فَقالَ النّاسُ: حَلْ حَلْ، فَألَحَّتْ: فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ ! خَلَأتِ القَصْواءُ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما خَلَأتِ القَصْواءُ، وما ذاكَ لَها بِخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ! ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يَسْألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرُماتِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُمُوها». ثُمَّ زَجَرَها فَوَثَبَتْ بِهِ، فَعَدَلَ حَتّى نَزَلَ بِأقْصى الحُدَيْبِيَةِ عَلى ثَمْدٍ قَلِيلِ الماءِ إنَّما يَتَبَرَّضُهُ النّاسُ نَبْرَضًا، فَلَمْ يَلْبَثِ النّاسُ أنْ نَزَحُوهُ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَطَشَ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ، ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوها فِيهِ. قالَ: فَواللَّهِ! ما زالَ يَجِيشُ لَهم بِالرَّيِّ، حَتّى صَدَّرُوا عَنْهُ. وفَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ، فَأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، فَدَعا عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لِيَبْعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَيْسَ بِمَكَّةَ أحَدٌ مِن بَنِي كَعْبٍ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيتُ، فَأرْسِلْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَإنَّ عَشِيرَتَهُ بِها، وإنَّهُ مُبَلِّغٌ ما أرَدْتَ، فَدَعا (p-٥٤٠٤)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَأرْسَلَهُ إلى قُرَيْشٍ وقالَ: «أخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْنا عُمّارًا، وادْعُهم إلى الإسْلامِ. -وأمَرَهُ أنْ يَأْتِيَ رِجالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ -ويُبَشِّرُهم بِالفَتْحِ، ويُخْبِرُهم أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُظْهِرٌ دِينَهُ بِمَكَّةَ، حَتّى لا يَسْتَخْفِيَ فِيها بِالإيمانِ». فانْطَلَقَ عُثْمانُ، فَمَرَّ عَلى قُرَيْشٍ بِبَلْدَحٍ، فَقالُوا: أيْنَ تُرِيدُ؟ فَقالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أدْعُوكم إلى اللَّهِ والإسْلامِ، ونُخْبِرُكم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْنا عُمّارًا. فَقالُوا: قَدْ سَمِعْنا ما تَقُولُ، فانْفُذْ لِحاجَتِكَ. وقامَ إلَيْهِ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، فَرَحَّبَ بِهِ، وأسْرَجَ فَرَسَهُ. فَحَمَلَ عُثْمانَ عَلى الفَرَسِ وأجارَهُ، وأرْدَفَهُ أبانٌ حَتّى جاءَ مَكَّةَ. وقالَ المُسْلِمُونَ قَبْلَ أنْ يَرْجِعَ عُثْمانُ: خَلَصَ عُثْمانُ قَبْلَنا إلى البَيْتِ وطافَ بِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أظُنُّهُ طافَ بِالبَيْتِ ونَحْنُ مَحْصُورُونَ!» فَقالُوا: وما يَمْنَعُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، وقَدْ خَلَصَ؟ قالَ: «ذاكَ ظَنِّي بِهِ أنْ لا يَطُوفَ بِالكَعْبَةِ حَتّى نَطُوفَ مَعًا» واخْتَلَطَ المُسْلِمُونَ بِالمُشْرِكِينَ في أمْرِ الصُّلْحِ، فَرَمى رَجُلٌ مِن أحَدِ الفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنَ الآخَرِ، وكانَتْ مَعْرَكَةً، وتَرامَوْا بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ، وصاحَ الفَرِيقانِ كِلاهُما، وارْتَهَنَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِمَن فِيهِمْ. وبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ. فَدَعا إلى البَيْعَةِ، فَثارَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَبايَعُوهُ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا. فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ نَفْسِهِ وقالَ: «هَذِهِ عَنْ عُثْمانَ». ولَمّا تَمَّتِ البَيْعَةُ رَجَعَ عُثْمانُ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: اشْتَفَيْتَ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الطَّوافِ بِالبَيْتِ؟ فَقالَ: بِئْسَ ما ظَنَنْتُمْ بِي! والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ مَكَثْتُ بِها سَنَةً، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِيمٌ بِالحُدَيْبِيَةِ، ما طُفْتُ بِها، حَتّى يَطُوفَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ولَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إلى الطَّوافِ بِالبَيْتِ فَأبَيْتُ! فَقالَ المُسْلِمُونَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ أعْلَمَنا بِاللَّهِ! وأحْسَنَنا ظَنًّا. وكانَ عُمَرُ أخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْبَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَبايَعَهُ المُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ، إلّا الجِدَّ بْنَ قَيْسٍ، (p-٥٤٠٥)وكانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ آخِذًا بِغُصْنِها يَرْفَعُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وكانَ أوَّلَ مَن بايَعَهُ أبُو سِنانٍ الأسَدِيُّ، وبايَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، في أوَّلِ النّاسِ وأوْسَطِهِمْ وآخِرِهِمْ. فَبَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ جاءَ بُدَيْلُ بْنُ ورْقاءَ الخُزاعِيُّ في نَفَرٍ مِن خُزاعَةَ، وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ تِهامَةَ فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وعامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أعْدادَ مِياهِ الحُدَيْبِيَةِ، مَعَهُمُ العُوذُ المَطافِيلُ، وهم مُقاتِلُوكَ، وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّا لَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ، ولَكِنْ جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأضَرَّتْ بِهِمْ: فَإنْ شاؤُوا أُمادِدْهم ويُخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ النّاسِ. وإنْ شاؤُوا أنْ يَدْخُلُوا فِيما دَخَلَ فِيهِ النّاسُ فَعَلُوا، وإلّا فَقَدَ جَمُّوا. وإنْ أبَوْا إلّا القِتالَ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَأُقاتِلَنَّهم عَلى أمْرِي هَذا حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي، أوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أمْرَهُ». قالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تَقُولُ. فانْطَلَقَ حَتّى أتى قُرَيْشًا فَقالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكم مِن عِنْدِ هَذا الرَّجُلِ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإنْ شِئْتُمْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكم. فَقالَ سُفَهاؤُهُمْ: لا حاجَةَ لَنا أنْ تُحَدِّثَنا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وقالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنهُمْ: هاتِ ما سَمِعْتَهُ. قالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذا وكَذا. فَقالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ: إنَّ هَذا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها، ودَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَأتاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِن قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ. فَقالَ لَهُ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أيْ مُحَمَّدُ! أرَأيْتَ لَوِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتاحَ أهْلَهُ قَبْلَكَ؟ وإنْ تَكُنْ أُخْرى، فَواللَّهِ إنِّي لَأرى وُجُوهًا، وأرى أوْشابًا مِنَ النّاسِ، خَلِيقًا أنْ يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ! فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ ونَدَعُهُ! قالَ: مَن ذا؟ قالُوا: أبُو بَكْرٍ. قالَ: أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَوْلا يَدٌ كانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ ! وجَعَلَ يُكَلِّمُ (p-٥٤٠٦)النَّبِيَّ ﷺ، وكُلَّما كَلَّمَهُ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ. والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ السَّيْفُ، وعَلَيْهِ المِغْفَرُ. فَكُلَّما أهْوى عُرْوَةُ إلى لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وقالَ: أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ وقالَ: مَن ذا؟ قالَ: المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقالَ: أيْ غُدَرُ! أوَلَسْتُ أسْعى في غُدْرَتِكَ؟ وكانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا في الجاهِلِيَّةِ. فَقَتَلَهُمْ، وأخَذَ أمْوالَهُمْ، ثُمَّ جاءَ فَأسْلَمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أمّا الإسْلامُ فَأقْبَلُ، وأمّا المالُ فَلَسْتُ مِنهُ في شَيْءٍ». ثُمَّ إنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَواللَّهِ! ما تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخامَةً إلّا وقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَدَلَّكَ بِها جِلْدَهُ ووَجْهَهُ، وإذا أمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا إلى أمْرِهِ، وإذا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلى وُضُوئِهِ، وإذا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهم عِنْدَهُ، وما يَحُدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ. فَرَجَعَ عُرْوَةُ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: أيْ قَوْمُ! لَقَدْ وفَدْتُ عَلى المُلُوكِ: عَلى كِسْرى وقَيْصَرَ والنَّجاشِيِّ، واللَّهِ ما رَأيْتُ مَلِكًا يُعَظِّمُهُ أصْحابُهُ ما يُعَظِّمُ أصْحابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا. واللَّهِ! إنْ تَنَخَّمَ نُخامَةً إلّا وقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنهم فَدَلَّكَ بِها وجْهَهُ وجِلْدَهُ، وإذا أمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وإذا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلى وُضُوئِهِ، وإذا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهم عِنْدَهُ، وما يَحُدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ. وقَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها. فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَلَمّا أشْرَفَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذا فُلانٌ، وهو مِن قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ، فابْعَثُوها لَهُ» فَبَعَثُوها لَهُ، واسْتَقْبَلَهُ القَوْمُ يُلَبُّونَ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ! ما يَنْبَغِي لِهَؤُلاءِ أنْ يَصُدُّوا عَنِ البَيْتِ، فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: رَأيْتُ البُدْنَ قَدْ قَلَّدَتْ وأشْعَرَتْ، وما أرى أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. فَقامَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَقالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَلَمّا أشْرَفَ عَلَيْهِمْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذا مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وهو رَجُلٌ فاجِرٌ» فَجَعَلَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنا هو يُكَلِّمُهُ، إذْ جاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (p-٥٤٠٧)«قَدْ سَهَّلَ لَكم مِن أمْرِكم» فَقالَ: هاتِ اكْتُبْ بَيْنَنا وبَيْنَكم كِتابًا. فَدَعا الكاتِبَ، فَقالَ: «اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». فَقالَ سُهَيْلٌ: أمّا الرَّحْمَنُ فَواللَّهِ ما نَدْرِي ما هُوَ، ولَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، كَما كُنْتَ تَكْتُبُ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: واللَّهِ لا نَكْتُبُها إلّا بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ». ثُمَّ قالَ: «اكْتُبْ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقالَ سُهَيْلٌ: فَواللَّهِ! لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ ولا قاتَلْناكَ، ولَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنِّي رَسُولُ اللَّهِ وإنْ كَذَّبْتُمُونِي! اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ». فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلى أنْ تُخَلُّوا بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفُ بِهِ» فَقالَ سُهَيْلٌ: واللَّهِ! لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّنا أُخِذْنا ضَغْطَةً، ولَكِنْ لَكَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فَكَتَبَ فَقالَ سُهَيْلٌ: عَلى أنْ لا يَأْتِيَكَ مِنّا رَجُلٌ، وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ، إلّا رَدَدْتَهُ إلَيْنا. فَقالَ المُسْلِمُونَ سُبْحانَ اللَّهُ! كَيْفَ يُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ، وقَدْ جاءَ مُسْلِمًا؟! فَبَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ جاءَ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ يَرْسُفُ في قُيُودِهِ، قَدْ خَرَجَ مِن أسْفَلِ مَكَّةَ، حَتّى رَمى بِنَفْسِهِ بَيْنَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ. فَقالَ سُهَيْلٌ: هَذا يا مُحَمَّدُ أوَّلُ مَن قاضَيْتُكَ عَلَيْهِ أنْ تَرُدَّهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنّا لَمْ نَقْضِ الكِتابَ بَعْدُ» فَقالَ: فَواللَّهِ! إذَنْ لا أُصالِحُكَ عَلى شَيْءٍ أبَدًا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأجِزْهُ لِي» قالَ: ما أنا بِمُجِيزِهِ لَكَ، قالَ: «بَلى، فافْعَلْ». قالَ: ما أنا بِفاعِلٍ. قالَ مِكْرَزٌ: قَدْ أجَزْناهُ لَكَ. فَقالَ أبُو جَنْدَلٍ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! أُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، ألا تَرَوْنَ ما لَقِيتُ -وكانَ قَدْ عُذِّبَ عَذابًا شَدِيدًا في اللَّهِ-. قالَ عُمْرُ بْنُ الخَطّابِ: واللَّهِ! ما شَكَكْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ! ألَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: «بَلى !» قُلْتُ: ألَسْنا عَلى الحَقِّ، وعَدُوُّنا عَلى الباطِلِ؟ قالَ: «بَلى !» فَقُلْتُ: عَلى ما نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا، ونَرْجِعُ ولَمّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَ أعْدائِنا؟ فَقالَ: «إنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وهو ناصِرِي، ولَسْتُ أعْصِيهِ». قُلْتُ: أوَلَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنَأْتِي البَيْتَ ونَطُوفُ بِهِ؟ قالَ: «بَلى ! أفَأخْبَرْتُكَ أنَّكَ تَأْتِيهِ العامَ؟» قُلْتُ: لا ! قالَ: «فَإنَّكَ آتِيهِ، وتَطُوفُ بِهِ!» قالَ فَأتَيْتُ أبا بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ كَما قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَدَّ عَلَيْهِ أبُو بَكْرٍ كَما رَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَواءٌ، وزادَ: فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ حَتّى تَمُوتَ (p-٥٤٠٨)فَواللَّهِ ! إنَّهُ لَعَلى الحَقِّ. قالَ عُمَرُ فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أعْمالًا. فَلَمّا فَرَغَ مِن قَضِيَّةِ الكِتابِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُومُوا وانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا». فَواللَّهِ ! ما قامَ مِنهم رَجُلٌ حَتّى قالَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا لَمْ يَقُمْ مِنهم أحَدٌ قامَ فَدَخَلَ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَها ما لَقِيَ مِنَ النّاسِ، فَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا كَلِمَةً حَتّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حالِقَكَ فَيَحْلِقُ لَكَ. فَقامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا مِنهُمْ، حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ؛ نَحَرَ بُدْنَهُ، ودَعا حالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمّا رَأى النّاسُ ذَلِكَ قامُوا فَنَحَرُوا، وجَعَلَ بَعْضُهم يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتّى كادَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. ثُمَّ جاءَتْ نِسْوَةٌ مُؤْمِناتٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] حَتّى بَلَغَ: ﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأتَيْنِ كانَتا لَهُ في الشِّرْكِ. فَتَزَوَّجَ إحْداهُما مُعاوِيَةُ، والأُخْرى صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، وفي مَرْجِعِهِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] الآياتِ. فَقالَ عُمَرُ: أفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «نَعَمْ!» فَقالَ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ! فَما لَنا! فَأنْزَلَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] الآيَةَ. ولَمّا رَجَعَ إلى المَدِينَةِ جاءَهُ أبُو بَصِيرٍ -رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ - مُسْلِمًا، فَأرْسَلُوا في طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، وقالُوا: العَهْدُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا! فَدَفَعَهُ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجا بِهِ، حَتّى بَلَغا ذا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِن تَمْرٍ لَهُمْ، فَقالَ أبُو بَصِيرٍ لِأحَدِ الرَّجُلَيْنِ: واللَّهِ إنِّي لَأرى سَيْفَكَ هَذا جَيِّدًا، فاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقالَ: أجَلْ! واللَّهِ إنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقالَ أبُو بَصِيرٍ أرِنِي أنْظُرُ إلَيْهِ، فَأمْكَنَهُ مِنهُ، فَضَرَبَهُ حَتّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ يَعْدُو، حَتّى بَلَغَ المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: «لَقَدْ رَأى هَذا زُعْرًا». فَلَمّا انْتَهى إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: قُتِلَ واللَّهِ! صاحِبِي، وإنِّي لَمَقْتُولٌ. وجاءَ أبُو بَصِيرٍ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! قَدْ أوْفى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، وقَدْ رَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ، فَأنْجانِي اللَّهُ مِنهم. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (p-٥٤٠٩)«ويْلَ أُمِّهِ ! مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كانَ لَهُ أحَدٌ». فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَرُدُّهُ إلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتّى أتى سَيْفَ البَحْرِ، وتَفَلَّتَ مِنهم أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأبِي بَصِيرٍ، فَلا يَخْرُجُ مِن قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أسْلَمَ إلّا لَحِقَ بِأبِي بَصِيرٍ حَتّى اجْتَمَعَتْ مِنهم عِصابَةٌ. فَواللَّهِ! لا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ خَرَجَتْ إلى الشّامِ إلّا اعْتَرَضُوا لَها فَقَتَلُوهُمْ، وأخَذُوا أمْوالَهم. وأرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ تُناشِدُهُ اللَّهَ والرَّحِمَ لِما أرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَمَن أتاهُ فَهو آمِنٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآيَةَ. وجَرى الصُّلْحُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وأهْلِ مَكَّةَ عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، وأنْ يَأْمَنَ النّاسُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وأنْ يَرْجِعَ عَنْهم عامَهم ذَلِكَ، حَتّى إذا كانَ العامَ المُقْبِلَ، قَدَّمَها، وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ، فَأقامَ بِها ثَلاثًا، وأنَّهُ لا يَدْخُلُها إلّا سِلاحُ الرّاكِبِ، والسُّيُوفُ في القُرْبِ، وأنَّ مَن أتانا مِن أصْحابِكم لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، ومَن أتاكَ مِن أصْحابِنا رَدَدْتَهُ عَلَيْنا، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وأنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! نُعْطِيهِمْ هَذا؟ فَقالَ: مَن أتاهم مِنّا، فَأبْعَدَهُ اللَّهُ، ومَن أتانا مِنهم فَرَدَدْناهُ إلَيْهِمْ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا». هَذا ولْيُنْظَرْ تَتِمَّةُ ما في فَوائِدِ هَذِهِ الغَزْوَةِ ولَطائِفِها في (زادِ المَعادِ).

الفتح 48:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا فاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هم أعْرابُ المَدِينَةِ، كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ، اسْتَتْبَعَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ، فَقالُوا: نَذْهَبُ مَعَهُ إلى قَوْمٍ قَدْ جاؤُوهُ، فَقَتَلُوا أصْحابَهُ، فَنُقاتِلُهم. فاعْتَلُّوا بِالشَّغْلِ. أيْ: سَيَقُولُونَ لَكَ (p-٥٤١٠)إذا عاتَبْتَهم عَلى التَّخَلُّفِ عَنْكَ: شَغَلَنا عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ مُعالَجَةُ أمْوالِنا، وإصْلاحُ مَعايِشِنا، والخَوْفُ عَلى أهْلِنا مِنَ الضَّيْعَةِ، فاسْتَغْفِرْ لَنا رَبَّنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ تَكْذِيبٌ لَهم في اعْتِذارِهِمْ، وأنَّ الَّذِي خَلَّفَهم لَيْسَ بِما يَقُولُونَ، وإنَّما هو الشَّكُّ في اللَّهِ، والنِّفاقُ. وكَذا طَلَبَهم لِلِاسْتِغْفارِ أيْضًا، لَيْسَ بِصادِرٍ عَنْ حَقِيقَةٍ؛ لِأنَّهُ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ مِنهُمْ، ولا نَدَمٍ عَلى ما سَلَفَ مِنهم مِن مَعْصِيَةِ التَّخَلُّفِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ اللِّسانَ لا عِبْرَةَ بِهِ، ما لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمًا عَنْ الِاعْتِقادِ الحَقِّ. ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ أيْ: لا أحَدَ يَمْنَعُهُ تَعالى مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يُغالِبُهُ غالِبٌ. إشارَةٌ إلى عَدَمِ فائِدَةِ اسْتِغْفارِهِ لَهُمْ، مَعَ بَقائِهِمْ عَلى كَذِبِهِمْ ونِفاقِهِمْ، ولِذا هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. لَطِيفَةٌ: قالَ النّاصِرُ: لا تَخْلُو الآيَةُ مِنَ الفَنِّ المَعْرُوفِ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ بِاللَّفِّ. وكانَ الأصْلُ -واللَّهُ أعْلَمُ-: فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا، ومَن يَحْرِمُكُمُ النَّفْعَ إنْ أرادَ بِكم نَفْعًا؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ النُّظُمِ يُسْتَعْمَلُ في الضُّرِّ. وكَذَلِكَ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ مُطَّرِدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٨] ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ في بَعْضِ الحَدِيثِ: ««إنِّي لا أمْلِكُ لَكم شَيْئًا»» - يُخاطِبُ عَشِيرَتَهُ- وأمْثالُهُ كَثِيرَةٌ. وسِرُّ اخْتِصاصِهِ بِدَفْعِ المُضِرَّةِ أنَّ المَلِكَ مُضافٌ في هَذِهِ المَواضِعِ بِاللّامِ، ودَفْعُ المُضِرَّةِ نَفْعٌ يُضافُ لِلْمَدْفُوعِ عَنْهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حِرْمانُ (p-٥٤١١)المَنفَعَةِ، فَإنَّهُ ضَرَرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ، لا لَهُ. فَإذا ظَهَرَ ذَلِكَ، فَإنَّما انْتَظَمَتِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّ القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما نُفِيَ لِدَفْعِ المُقَدَّرِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَلَمّا تَقارَبا أدْرَجَهُما في عِبارَةٍ واحِدَةٍ، وخَصَّ عِبارَةَ دَفْعِ الضُّرِّ؛ لِأنَّهُ هو المُتَوَقَّعُ لِهَؤُلاءِ؛ إذِ الآيَةُ في سِياقِ التَّهْدِيدِ، أوِ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وهي نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧] فَإنَّ العِصْمَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ السُّوءِ لا مِنَ الرَّحْمَةِ. فَهاتانِ الآيَتانِ يُرامانِ في التَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

الفتح 48:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢_١٣] ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣] . ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ أيِ: اعْتَقَدْتُمْ أنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ: ﴿الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ أيْ: بَلْ تَسْتَأْصِلُهم قُرَيْشٌ ﴿وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: حَسَّنَ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وصَحَّحَهُ، حَتّى حُبِّبَ لَكُمُ التَّخَلُّفُ وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وهو عَدَمُ نَصْرِ الرَّسُولِ، وعَدَمُ رُجُوعِهِمْ مِن سَفَرِهِمْ هَذا ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ هالِكِينَ، مُسْتَوْجَبِينَ لِسُخْطِ اللَّهِ، أوْ فاسِدِينَ في أعْمالِكم ونِيّاتِكم ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣] أيْ: مِنَ النّارِ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ. (p-٥٤١٢)

الفتح 48:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢_١٣] ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣] . ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ أيِ: اعْتَقَدْتُمْ أنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ: ﴿الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ أيْ: بَلْ تَسْتَأْصِلُهم قُرَيْشٌ ﴿وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: حَسَّنَ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وصَحَّحَهُ، حَتّى حُبِّبَ لَكُمُ التَّخَلُّفُ وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وهو عَدَمُ نَصْرِ الرَّسُولِ، وعَدَمُ رُجُوعِهِمْ مِن سَفَرِهِمْ هَذا ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ هالِكِينَ، مُسْتَوْجَبِينَ لِسُخْطِ اللَّهِ، أوْ فاسِدِينَ في أعْمالِكم ونِيّاتِكم ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣] أيْ: مِنَ النّارِ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ. (p-٥٤١٢)

الفتح 48:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ حَثٌّ لِهَؤُلاءِ الأعْرابِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلى التَّوْبَةِ، والمُراجَعَةِ إلى أمْرِ اللَّهِ، في طاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ. يَقُولُ لَهُمْ: بادِرُوا بِالتَّوْبَةِ مِن تَخَلُّفِكم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِلتّائِبِينَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَزَلْ ذا عَفْوٍ عَنْ عُقُوبَةِ التّائِبِينَ إلَيْهِ مِن ذُنُوبِهِمْ، ومَعاصِيهِمْ مِن عِبادِهِ، وذا رَحْمَةٍ بِهِمْ أنْ يُعاقِبَهم عَلى ذُنُوبِهِمْ بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنها.

الفتح 48:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلا﴾ . ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ أيْ: بِعُذْرِ الِاشْتِغالِ بِأمْوالِهِمْ، وأهْلِيهِمْ بَعْدَ طَلَبِهِمْ الِاسْتِغْفارَ لَهُمْ: ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ أيْ: قَصَدْتُمُ السَّيْرَ: ﴿إلى مَغانِمَ﴾ أيْ: أماكِنِها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ مِن غَنائِمِ خَيْبَرَ: ﴿ذَرُونا﴾ أيِ: اتْرُكُونا في الِانْطِلاقِ إلَيْها: ﴿نَتَّبِعْكُمْ﴾ أيْ: نَشْهَدْ مَعَكم قِتالَ أهْلِها: ﴿يُرِيدُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُهُورِ كَذِبِهِمْ في الِاعْتِذارِ، وطَلَبِ الِاسْتِغْفارِ: ﴿أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وعْدُ اللَّهِ الَّذِي وعَدَ (p-٥٤١٣)أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ غَنائِمَ خَيْبَرَ لَهُمْ، ووَعَدَهم ذَلِكَ عِوَضًا مِن غَنائِمِ أهْلِ مَكَّةَ؛ إذِ انْصَرَفُوا عَنْهم عَلى صُلْحٍ، ولَمْ يُصِيبُوا مِنهم شَيْئًا. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ إرادَتَهُمُ الخُرُوجَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ:﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ، وأقامَ بِالمَدِينَةِ بَقِيَّتَها وأوائِلَ المُحَرَّمِ، ثُمَّ غَزا خَيْبَرَ بِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، فَفَتَحَها وغَنِمَ أمْوالًا كَثِيرَةً، فَخَصَّها بِهِمْ. قالَ الشُّرّاحُ: وكانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ. ثُمَّ كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وبَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أيْضًا. وفي مُنْصَرَفِهِ مِن تَبُوكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣] الآيَةَ. فَكَيْفَ يَحْمِلُ عَلى ما كانَ في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ نَزَلَ بَعْدَها بِكَثِيرٍ؟ -واللَّهُ أعْلَمُ- ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ أيْ: إلى خَيْبَرَ إذا أرَدْنا السَّيْرَ إلَيْها. وهو نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ. قالَ الشِّهابُ: فالخَبَرُ مَجازٌ عَنِ النَّهْيِ الإنْشائِيِّ، وهو أبْلَغُ. ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن قَبْلِ مَرْجِعِنا إلَيْكم. إنَّ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ مَعَنا، ولَسْتُمْ مِمَّنْ شَهِدَها، فَلَيْسَ لَكم أنْ تَتْبَعُونا إلى خَيْبَرَ، لِأنَّ غَنِيمَتَها لِغَيْرِكُمْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أيْ: أنْ نُصِيبَ مَعَكم مَغْنَمًا إنْ نَحْنُ شَهِدْنا مَعَكُمْ، فَلِذَلِكَ تَمْنَعُونَنا مِنَ الخُرُوجِ مَعَكم. قالَ الشِّهابُ: وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ. أيْ: بَلْ إنَّما ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم حَسَدًا. ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: عَنِ اللَّهِ تَعالى ما لَهم وما عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ الدِّينِ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ (p-٥٤١٤)أيْ: فَهْمًا قَلِيلًا، وهو ما كانَ في أُمُورِ الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ تَعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا.

الفتح 48:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ . ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ: عَنِ المَسِيرِ مَعَكَ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: يَفُوقُ قِتالَ مَن أُقاتِلُهُمْ، بِحَيْثُ لا دَخْلَ لِلصُّلْحِ والأمْنِ فِيهِ، بَلْ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ أيْ: يَدْخُلُونَ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ حَرْبٍ ولا قِتالٍ. وقُرِئَ شاذًّا: " أوْ يُسَلِّمُوا " بِمَعْنى إلّا أنْ يُسَلِّمُوا، أوْ حَتّى يُسَلِّمُوا، ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ يَعْنِي الغَنِيمَةَ في الدُّنْيا، والجَنَّةَ في الآخِرَةِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: عَنِ الحُدَيْبِيَةِ: ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: لِتَضاعُفِ جُرْمِكم. ثُمَّ خَصَّ مِن هَذا الوَعِيدِ أصْحابَ الأعْذارِ، وإنْ حَدَثَتْ بَعْدَ التَّخَلُّفِ الأوَّلِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الفتح 48:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ . ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: وإنْ أمْكَنَهُ القِتالُ بِإحْساسِ صَوْتِ مَشْيِ (p-٥٤١٥)العَدُوِّ، ومَشْيِ فَرَسِهِ، لَكِنْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ حِفْظُ نَفْسِهِ عَنْهُ ﴿ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ﴾ أيْ: وإنْ أمْكَنَهُ القِتالُ قاعِدًا، لَكِنْ لا يُمْكِنُهُ الكَرُّ والفَرُّ، ولا يَقْوى قُوَّةَ القائِمِ: ﴿ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أيْ: فَإنَّهُ وإنْ أمْكَنَهُ الإبْصارُ والقِيامُ، فَلا قُوَّةَ لَهُ في دَفْعِ العَدُوِّ، فَضْلًا عَنِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ هَؤُلاءِ، وإنْ فاتَهُمُ الجِهادُ، لا يَنْقُصُ ثَوابُهم إذا أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ عَنْ إطاعَتِهِما، وإنْ كانَ أعْمى، أوْ أعْرَجَ، أوْ مَرِيضًا: ﴿يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: بِالمَذَلَّةِ دُنْيا، والنّارِ أُخْرى. تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ هم (أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ)- عَلى أقْوالٍ: أحَدُها- أنَّهم هَوازِنُ. الثّانِي - ثَقِيفٌ، وكِلاهُما غَزاهُ النَّبِيُّ ﷺ. الثّالِثُ- بَنُو حَنِيفَةَ الَّذِينَ تابَعُوا مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ، وغَزاهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. الرّابِعُ - أهْلُ فارِسَ والرُّومُ، الَّذِينَ غَزاهم عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ومَثارُ الخِلافِ هو عُمُومُ ظاهِرِ الآيَةِ، وشُمُولُ مِصْداقِها لِكُلِّ الغَزَواتِ المَذْكُورَةِ. ولَوْ عُدَّ مِنَ الأوْجُهِ كُفّارُ مَكَّةَ، لَمْ يَبْعُدْ، بَلْ عِنْدِي هو الأقْرَبُ، لِأنَّ السِّينَ لِلِاسْتِقْبالِ القَرِيبِ؛ فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عِدَةً بِفَتْحِ مَكَّةَ، مُنْصَرَفَهُ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وعَلى أثَرِها كانَتْ غَزْوَةُ الفَتْحِ الأعْظَمِ، الَّتِي لَمْ يَتَخَلَّفُ عَنْها مِنَ القَبائِلِ الشَّهِيرَةِ أحَدٌ، إذْ دَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِتالِ قُرَيْشٍ أوْ يُسَلِّمُوا، فَكانَ ما كانَ مِن إسْلامِهِمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا -واللَّهُ أعْلَمُ-. (p-٥٤١٦)

الفتح 48:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْـزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ . ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، حِينَ بايَعُوهُ عَلى مُناجَزَةِ قُرَيْشٍ الحَرْبَ، وعَلى أنْ لا يَفِرُّوا، ولا يُوَلُّوهُمُ الدُّبُرَ، تَحْتَ شَجَرَةٍ هُناكَ. وقَدْ أجْمَعَ الرُّواةُ في (الصِّحاحِ) عَلى أنَّ الشَّجَرَةَ لَمْ تُعْلَمْ بَعْدُ. فَفي (الصَّحِيحَيْنِ) مِن حَدِيثِ أبِي عَوانَةَ عَنْ طارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ أبِي مِمَّنْ بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. قالَ: فانْطَلَقْنا مِن قابِلٍ حاجِّينَ، فَخَفِيَ عَلَيْنا مَكانُها، وإنْ كانَتْ بَيَّنَتْ لَكُمْ، فَأنْتُمْ أعْلَمُ. وفِيهِما أيْضًا عَنْ سُفْيانَ قالَ: إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مَوْضِعِها. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ جَدِّي يُقالُ لَهُ حَزْنٌ، وكانَ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَأتَيْناها مِن قابِلٍ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْنا. ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وزَعَمُوا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ بِذَلِكَ المَكانِ بَعْدَ أنْ ذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ فَقالَ: أيْنَ كانَتْ؟ فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ: هُنا، وبَعْضُهم يَقُولُ: ها هُنا! فَلَمّا كَثُرَ اخْتِلافُهم قالَ: سِيرُوا، هَذا التَّكَلُّفُ، فَذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ، وكانَتْ سُمْرَةً، إمّا ذَهَبَ بِها سَيْلٌ، وإمّا شَيْءٌ سِوى ذَلِكَ. انْتَهى. (p-٥٤١٧)وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): رَوى ابْنُ سَعْدٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ نافِعٍ أنَّ عُمَرَ بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ، فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَتَوَعَّدَهُمْ، ثُمَّ أمَرَ بِقَطْعِها، فَقُطِعَتْ!. ولا يُنافِي ما تَقَدَّمَ، لِاحْتِمالِ أنَّ هَؤُلاءِ عَلِمُوا مَكانَها، أوْ تَوَهَّمُوها، فاتَّخَذُوها مَسْجِدًا، ومَكانًا مُقَدَّسًا، فَقَطَعَها عُمَرُ حالَتَئِذٍ، صَوْنًا لِعَقِيدَتِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ، لِأنَّ الِاجْتِماعَ عَلى العِبادَةِ حَوْلَها يُفْضِي إلى عِبادَتِها بَعْدُ، كَما أفْضى نَصْبُ الأوْثانِ إلى عِبادَتِها، وكانَ أوَّلُ أمْرِها لِتَعْظِيمِ مُسَمَّياتِها، وإجْلالِ مِثالِ أصْحابِها. وقالَ في (الفَتْحِ) أيْضًا في شَرْحِ ابْنِ عُمَرَ، وقَوْلُهُ: رَجَعْنا مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فَما اجْتَمَعَ مِنّا اثْنانِ عَلى الشَّجَرَةِ الَّتِي بايَعْنا تَحْتَها. كانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، ما مِثالُهُ: وقَدْ وافَقَ المُسَيِّبُ بْنُ حَزَنٍ، والِدُ سَعِيدٍ، ما قالَهُ ابْنُ عُمَرَ مِن خَفاءِ الشَّجَرَةِ. والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ لا يَحْصُلَ بِها افْتِنانٌ، لِما وقَعَ تَحْتَها مِنَ الخَيْرِ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَما أمِنَ تَعْظِيمَ بَعْضِ الجُهّالِ لَها، حَتّى رُبَّما أفْضى بِهِمْ إلى اعْتِقادِ أنَّ لَها قُوَّةَ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، كَما نَراهُ الآنَ مُشاهَدًا فِيما هو دُونَها. وإلى ذَلِكَ أشارَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ (كانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ). أيْ: كانَ خَفاؤُها عَلَيْهِمْ، بَعْدَ ذَلِكَ، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وهَذِهِ البَيْعَةُ تُسَمّى بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، سُمِّيَتْ لِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُها مُفَصَّلَةً. ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والعَزِيمَةِ عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ: ﴿فَأنْـزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في الصَّبْرِ والطُّمَأْنِينَةِ والوَقارِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وعَوَّضَهم في العاجِلِ مِمّا رَجَوُا الظَّفَرَ بِهِ مِن غَنائِمِ أهْلِ مَكَّةَ، بِقِتالِهِمْ أهْلَها فَتْحًا قَرِيبًا، وذَلِكَ -فِيما قِيلَ- فَتْحُ خَيْبَرَ. (p-٥٤١٨)

الفتح 48:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ وهي مَغانِمُ خَيْبَرَ، وكانَتْ أرْضًا ذاتَ عَقّارٍ وأمْوالٍ، فَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ خاصَّةً ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أيْ: ذا عِزَّةٍ في انْتِقامِهِ مِن أعْدائِهِ، وحُكْمِهِ في تَدْبِيرِ خَلْقِهِ.

الفتح 48:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠] ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ يَعْنِي ما يَفِيءُ عَلَيْهِمْ مِن غَنائِمِ الكُفّارِ في سَبِيلِ الجِهادِ ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ يَعْنِي غَنائِمَ خَيْبَرَ. وأمّا الغَنائِمُ المُؤَخَّرَةُ فَسائِرُ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ، إلى قِيامِ السّاعَةِ. وقِيلَ: المُعَجَّلَةُ هي صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ. والصَّوابُ هو الأوَّلُ، كَما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَغْنَمُوا بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ غَنِيمَةً، ولَمْ يَفْتَحُوا فَتْحًا أقْرَبَ مِن بَيْعَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ إلَيْها، مِن فَتْحِ خَيْبَرَ وغَنائِمِها ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أيْ: أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ، فانْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، أوْ أيْدِيَ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ عَنْكم في الحُدَيْبِيَةِ. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ الأوَّلَ. قالَ: لِأنَّ الثّانِيَ سَيُذْكَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآيَةَ. أيْ: والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ. ولَكَ أنْ تَقُولَ: لا مانِعَ مِنَ التَّأْكِيدِ، لا سِيَّما في مَقامِ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِها. وتَكُونُ الآيَةُ الثّانِيَةُ بِمَثابَةِ التَّفْسِيرِ لِلْأُولى، والتَّبْيِينِ لِمُطْلَقِها -واللَّهُ أعْلَمُ- ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ولِتَكُونَ تِلْكَ الكِفَّةُ أوِ الغَنِيمَةُ عِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، (p-٥٤١٩)يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ، وأنَّهُ ضامِنُ نَصْرِهِمْ، والفَتْحِ لَهم ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: ويَزِيدُكم بَصِيرَةً ويَقِينًا وثِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الفتح 48:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١] ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ . ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: " هَذِهِ " أيْ: فَيَجْعَلَ لَكم هَذِهِ المَغانِمَ، ومَغانِمَ أُخْرى، وهي مَغانِمُ هَوازِنَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى ما تَقَدَّمَ مُحاوَلَةً لَها. وقالَ الحَسَنُ: هي فارِسُ والرُّومُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وكَوْنُها مُعَجَّلَةً، وإنْ كانَتْ لَمْ تَحْصُلْ إلّا في عَهْدِ عُمَرَ، بِالنِّسْبَةِ لِما بَعْدَها مِنَ الغَنائِمِ الإسْلامِيَّةِ. وعَنْ قَتادَةَ: هي مَكَّةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ قَتادَةُ، أشْبَهَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ التَّنْزِيلِ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أنَّهُ مُحِيطٌ بِقَرْيَةٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، ومَعْقُولٌ أنَّهُ لا يُقالُ لِقَوْمٍ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلى هَذِهِ المَدِينَةِ، إلّا أنْ يَكُونُوا قَدْ رامُوها فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ. فَأمّا وهم لَمْ يَرْمُوها فَتَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ، فَلا يُقالُ إنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها. فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وكانَ مَعْلُومًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، خَيْبَرَ لِحَرْبٍ، ولا وجَّهَ إلَيْها لِقِتالِ أهْلِها جَيْشًا ولا سَرِيَّةً، عُلِمَ أنَّ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ غَيْرُها، وأنَّها هي الَّتِي عالَجَها ورامَها فَتَعَذَّرَتْ، فَكانَتْ مَكَّةُ وأهْلُها كَذَلِكَ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ، أنَّهُ أحاطَ بِها وبِأهْلِها، وأنَّهُ فاتِحُها عَلَيْهِمُ. انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْنى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ: أعَدَّها لَكُمْ، فَهي كالشَّيْءِ الَّذِي أُحِيطَ بِهِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، فَهو مَحْصُورٌ لا يَفُوتُ. فَأنْتُمْ، وإنْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها في الحالِ، فَهي مَحْبُوسَةٌ (p-٥٤٢٠)عَلَيْكم لا تَفُوتُكم. وقِيلَ: ﴿أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ عَلِمَ أنَّها سَتَكُونُ لَكُمْ، كَما قالَ: وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقِيلَ: حَفِظَها اللَّهُ عَلَيْكُمْ، لِيَكُونَ فَتْحُها لَكُمُ. انْتَهى. وقَدْ جَوَّزَ فِي: " أُخْرى " أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى: مَغانِمَ المَنصُوبِ بِـ: " وعَدَكم " وأنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً بِالِابْتِداءِ و: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ صِفَتُها و: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ خَبَرٌ. وأوْجُهٌ أُخَرُ. ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ أيْ: لا يَبْعُدُ عَلَيْهِ إذا شاءَهُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَبْشِيرِ أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالظَّفَرِ، والنَّصْرِ المُسْتَمِرِّ، لِصِدْقِ إيمانِهِمْ، وإخْلاصِهِمْ في ثَباتِهِمْ، وإيثارِهِمْ مَرْضاةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلى كُلِّ مَحْبُوبٍ، بِقَوْلِهِ:

الفتح 48:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٣ ] ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣] . ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا الفَتْحِ، والنَّصْرِ المُعَجَّلِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ أيْ ولَّوْهم أعْجازَهم في الحَرْبِ، فِعْلَ المُنْهَزِمِ مِن قَرْنِهِ في الحَرْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: مَن يُوالِيهِمْ عَلى حَرْبِكُمْ، ويَنْصُرُهم عَلَيْكم ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣] أيْ: مَضَتْ في كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ مُؤْمِنِيها ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣] أيْ: تَغْيِيرًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بَلْ ذَلِكَ دائِمٌ. لِلْإحْسانِ جَزاؤُهُ مِنَ الإحْسانِ، ولِلْإساءَةِ، والكُفْرِ العِقابُ، والنَّكالُ. (p-٥٤٢١)

الفتح 48:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٣ ] ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣] . ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا الفَتْحِ، والنَّصْرِ المُعَجَّلِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ أيْ ولَّوْهم أعْجازَهم في الحَرْبِ، فِعْلَ المُنْهَزِمِ مِن قَرْنِهِ في الحَرْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: مَن يُوالِيهِمْ عَلى حَرْبِكُمْ، ويَنْصُرُهم عَلَيْكم ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣] أيْ: مَضَتْ في كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ مُؤْمِنِيها ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣] أيْ: تَغْيِيرًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بَلْ ذَلِكَ دائِمٌ. لِلْإحْسانِ جَزاؤُهُ مِنَ الإحْسانِ، ولِلْإساءَةِ، والكُفْرِ العِقابُ، والنَّكالُ. (p-٥٤٢١)

الفتح 48:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ . ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: قَضى بَيْنَهم وبَيْنَكُمُ المُكافَّةَ والمُحاجَزَةَ، بَعْدَ ما خَوَّلَكُمُ الظَّفَرَ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةَ، إشارَةٌ إلى مِنَّةِ الصُّلْحِ ونِعْمَتِهِ في الحُدَيْبِيَةِ، وأنَّ ذَلِكَ عِنايَةٌ مِنهُ تَعالى بِما حَفِظَ مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، ولَطَفَ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لِما ادَّخَرَ لَهم بَعْدَهُ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ عَنى بِهَذا الكَفِّ، ما كانَ يَوْمَ الفَتْحِ، ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَهُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي مَن لا أتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا كانُوا بَعَثُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا مِنهم أوْ خَمْسِينَ، وأمَرُوهم أنْ يَطُوفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُصِيبُوا مِن أصْحابِهِ أخْذًا، فَأخَذُوا أخْذًا. فَأتى بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعَفا عَنْهُمْ، وخَلّى سَبِيلَهم. وقَدْ كانُوا رَمَوْا في عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحِجارَةِ والنَّبْلِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَفي ذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «أقْبَلَ مُعْتَمِرًا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ. فَأخَذَ أصْحابُهُ ناسًا مِن أهْلِ الحَرَمِ غافِلِينَ، فَأرْسَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ». فَذَلِكَ الإظْفارُ بِبَطْنِ مَكَّةَ. قالَ قَتادَةُ: بَطْنُ مَكَّةَ، الحُدَيْبِيَةُ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. (p-٥٤٢٢)

الفتح 48:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ . ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ، هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ: ﴿وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ﴾ أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ أيْضًا، وهو ما يُهْدى إلى مَكَّةَ مِنَ النِّعَمِ: ﴿مَعْكُوفًا﴾ أيْ: مَحْبُوسًا. قالَ السَّمِينُ: يُقالُ: عَكَفْتُ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ إذا حَبَسْتَهُ عَنْها. وأنْكَرَ الفارِسِيُّ تَعْدِيَةَ (عَكَفَ) بِنَفْسِهِ، وأثْبَتَها ابْنُ سِيدَهْ، والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ، لِبِناءِ اسْمِ المَفْعُولِ مِنهُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مَحَلَّ نَحْرِهِ. وذَلِكَ دُخُولُ الحَرَمِ، والمَوْضِعِ الَّذِي إذا صارَ إلَيْهِ حَلَّ نَحْرُهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساقَ مَعَهُ حِينَ خَرَجَ إلى مَكَّةَ في سَفْرَتِهِ تِلْكَ، سَبْعِينَ بَدَنَةً. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَحَلَّ ذَبْحِ الهَدْيِ، الحَرَمُ. ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ أيْ: مَوْجُودُونَ بِمَكَّةَ مَعَ الكُفّارِ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أيْ: بِصِفَةِ الإيمانِ وهم بِمَكَّةَ، حَبَسَهُمُ المُشْرِكُونَ بِها عَنْكُمْ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ ذَلِكَ الخُرُوجَ إلَيْكم ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ أيْ: تَقْتُلُوهم مَعَ الكُفّارِ، لَوْ أُذِنَ لَكم في الفَتْحِ بَدَلَ الصُّلْحِ. قالَ السَّمِينُ: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن رِجالٍ ونِساءٍ، غَلَّبَ الذُّكُورَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مَفْعُولِ: ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾ فالتَّقْدِيرُ عَلى الأوَّلِ: (ولَوْلا وطْءُ (p-٥٤٢٣)رِجالٍ ونِساءٍ غَيْرِ مَعْلُومِينَ). وتَقْدِيرُ الثّانِي: (لَمْ تَعْلَمُوا وطْأهُمْ)، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: (ولَوْلا رِجالٌ ونِساءٌ مَوْجُودُونَ، أوْ بِالحَضْرَةِ). انْتَهى. ﴿فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ﴾ أيْ: إثْمٌ وغَرامَةٌ. مِن عَرَّهُ إذا عَراهُ ما يَكْرَهُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ فِي: ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ أيْ: تَطَؤُوهم غَيْرَ عالِمِينَ بِهِمْ. وفي جَوابِ: لَوْلا أقْوالٌ: أحَدُها:- أنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ولَوْلا كَراهَةُ أنْ تُهْلِكُوا ناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهْرانِي المُشْرِكِينَ، وأنْتُمْ غَيْرُ عارِفِينَ بِهِمْ، فَيُصِيبُكم بِإهْلاكِهِمْ مَكْرُوهٌ ومَشَقَّةٌ، لَما كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهُمْ، ولَأذِنَ لَكم في دُخُولِ مَكَّةَ مُقاتِلِيهِمْ. والثّانِي:- أنَّهُ مَذْكُورٌ، وهُوَ: ﴿لَعَذَّبْنا﴾ وجَوابُ (لَوْ) هو المَحْذُوفُ. فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي، ومِنَ الثّانِي لِدَلالَةِ الأوَّلِ. والثّالِثُ:-أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَذَّبْنا﴾ جَوابُهُما مَعًا، وهو بَعِيدٌ إنْ أُرِيدَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا فَإنَّهُ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: لَوْ تَزَيَّلُوا كالتَّكْرِيرِ لِـ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ لِمَرْجِعِهِما لِمَعْنًى واحِدٍ، ويَكُونُ: ﴿لَعَذَّبْنا﴾ هو الجَوابُ. ومَنَعَ الشَّيْخُ رُجُوعَهُما لِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ: لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الأوَّلُ غَيْرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ الثّانِي -أفادَهُ السَّمِينُ-. وأجابَ النّاصِرُ بِقَوْلِهِ: وإنَّما كانَ مَرْجِعُهُما هَهُنا واحِدًا، وإنْ كانَتْ (لَوْلا) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، و(لَوْ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ. وبَيْنَ هَذَيْنِ تَنافٍ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ (لَوْلا) هَهُنا دَخَلَتْ عَلى وُجُودٍ، و(لَوْ) دَخَلَتْ عَلى قَوْلِهِ: تَزَيَّلُوا وهو راجِعٌ إلى عَدَمِ وُجُودِهِمْ. وامْتِناعُ عَدَمِ الوُجُودِ وُجُودٌ. فَآلا إلى أمْرٍ واحِدٍ مِن هَذا الوَجْهِ. قالَ: وكانَ جَدِّي رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْتارُ هَذا الوَجْهَ الثّانِيَ، ويُسَمِّيهِ تَطْرِيَةً. وأكْثَرُ ما تَكُونُ إذا تَطاوَلَ الكَلامُ، وبَعْدَ عَهْدِ أوَّلِهِ، واحْتِيجَ إلى رَدِّ الآخَرِ عَلى الأوَّلِ، فَمَرَّةً يُطْرِي بِلَفْظِهِ، ومَرَّةً بِلَفْظٍ آخَرَ يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ وقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُما أمْثالٌ. (p-٥٤٢٤)تَنْبِيهٌ: فَسَّرَ ابْنُ إسْحاقَ (المَعَرَّةَ) بِالدِّيَةِ، ذَهابًا إلى أنَّ دارَ الحَرْبِ لا تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّها تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، حَيْثُ قالَ: (المَعَرَّةُ) هي كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَأِ، وذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لِمَن أطاقَ ذَلِكَ، ومَن لَمْ يُطِقْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ. قالَ: وإنَّما اخْتَرْتُ هَذا القَوْلَ، دُونَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أوْجَبَ عَلى قاتِلِ المُؤْمِنِ في دارِ الحَرْبِ -إذا لَمْ يَكُنْ هاجَرَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ قاتِلُهُ عَلِمَ إيمانَهُ- الكَفّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] لَمْ يُوجِبْ عَلى قاتِلِهِ خَطَأً دِيَتَهُ، فَلِذَلِكَ قُلْنا: عَنى بِالمَعَرَّةِ في هَذا المَوْضِعِ الكَفّارَةَ. انْتَهى. ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَوابُ المَحْذُوفُ، كَأنَّهُ قِيلَ عَقِيبَهُ: لَكِنْ كَفَّها عَنْهُمْ، ولَمْ يَأْذَنْ لَكم في مُقاتَلَتِهِمْ، لِيُدْخِلَكم في رَحْمَتِهِ الكامِلَةِ بِحِفْظِكم مِنَ المَعَرَّةِ. وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ: " مَن يَشاءُ " عِبارَةً عَمَّنْ رَغِبَ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، قالَ: أيْ: لِيُدْخِلَ اللَّهُ في الإسْلامِ مِن أهْلِ مَكَّةَ مَن يَشاءُ، قَبْلَ أنْ تَدْخُلُوها. وناقَشَ فِيهِ أبُو السُّعُودِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ مِن فَرْضِ التَّنْزِيلِ، وتَرْتِيبِ التَّعْذِيبِ عَلَيْهِ، يَأْباهُ. ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أيْ: لَوْ تَمَيَّزَ مُشْرِكُو مَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ، والنِّساءِ المُؤْمِناتِ، الَّذِينَ لَمْ تَعْلَمُوهم مِنهُمْ: ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ، أوِ الأسْرِ، أوْ نَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ الآجِلِ. تَنْبِيهٌ: قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَرْقُ سَفِينَةِ الكُفّارِ، إذا كانَ فِيهِمْ أسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ رَمْيُ الحُصُونِ إذا كانُوا بِها، والكُفّارُ إذا تَتَرَّسُوا بِهِمْ. (p-٥٤٢٥)

الفتح 48:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦] ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ . ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ حِينَ جَعَلَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو في قَلْبِهِ الحَمِيَّةَ، فامْتَنَعَ أنْ يَكْتُبَ في كِتابِ المُقاضاةِ الَّذِي كَتَبَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُشْرِكِينَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأنْ يَكْتُبَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وامْتَنَعَ هو وقَوْمُهُ مِن دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَهُ ذَلِكَ. والعامِلُ في الظَّرْفِ إمّا (لَعَذَّبْنا)، أوْ (صَدُّوكُمْ)، أوِ (اذْكُرْ) مُقَدَّرًا، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ. و(الحَمِيَّةُ) الأنَفَةُ، وهي الِاسْتِكْبارُ والِاسْتِنْكافُ، مَصْدَرٌ مِن (حَمى مِن كَذا) حَمِيَّةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَنوِيٍّ. أيْ: فَهَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ، ويُقاتِلُوا عَلَيْهِمْ، ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: الوَقارَ والتَّثْبِيتَ، حَتّى صالَحُوهم عَلى أنْ يَعُودُوا مِن قابِلٍ، وعَلى ما تَقَدَّمَ. ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ أيِ: اخْتارَها لَهُمْ، فالإلْزامُ مَجازٌ عَمّا ذَكَرَ مِنِ اخْتِيارِها لَهُمْ، وأمَرَهَمْ بِها: ﴿وكانُوا أحَقَّ بِها﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: مُتَّصِفِينَ بِمَزِيدِ اسْتِحْقاقٍ لَها. عَلى أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا. وقِيلَ: أحَقُّ بِها مِنَ الكُفّارِ ﴿وأهْلَها﴾ أيِ: المُسْتَأْهِلَ لَها، ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ فَيَعْلَمُ حَقَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَيَسُوقُهُ إلى مُسْتَحِقِّهِ. (p-٥٤٢٦)

الفتح 48:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧] ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ . ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا رُؤْياهُ الَّتِي أراها إيّاهُ أنَّهُ يَدْخُلُ هو وأصْحابُهُ بَيْتَ اللَّهِ الحَرامَ آمِنِينَ، لا يَخافُونَ أهْلَ الشِّرْكِ، مُقَصِّرًا بَعْضُهم رَأْسَهُ، ومُحَلِّقًا بَعْضُهم. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أُرِيَ بِالحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ وأصْحابَهُ مُحَلِّقِينَ، فَقالَ أصْحابُهُ حِينَ نَحَرَ بِالحُدَيْبِيَةِ: أيْنَ رُؤْيا مُحَمَّدٍ ﷺ؟ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: «قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ أنَّكم سَتَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكم ومُقَصِّرِينَ، فَلَمّا نَزَلَ بِالحُدَيْبِيَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ العامَ، طَعَنَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ فَقالُوا: أيْنَ رُؤْياهُ؟ فَقالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، إنِّي لَمْ أرَهُ يَدْخُلُها هَذا العامَ، ولَيَكُونَنَّ ذَلِكَ». و: الرُّؤْيا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: صَدَقَهُ في رُؤْياهُ. أيْ: حَقَّقَ صِدْقَها عِنْدَهُ، كَما هو عادَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمْ يَجْعَلْها أضْغاثَ أحْلامٍ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وهو ما قالَهُ الكِرْمانِيُّ، وعِبارَتُهُ: (كَذَبَ)، يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: كَذَبَنِي الحَدِيثَ، وكَذا (صَدَقَ)، كَما في الآيَةِ. وهو غَرِيبٌ لِتَعَدِّي المُثَقَّلِ لِواحِدٍ، والمُخَفَّفِ لِمَفْعُولَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِنَ الرُّؤْيا؛ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالحَقِّ، لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ أضْغاثِ الأحْلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ! لَتَدْخُلُنَّ. (p-٥٤٢٧)وقَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَّةِ بِالمَشِيئَةِ، لِتَعْلِيمِ العِبادِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم لا يَدْخُلُ، فَهو في مَعْنى: لَيَدْخُلُنَّهُ مَن شاءَ اللَّهُ دُخُولَهُ مِنكم. أوْ حِكايَةٌ لِما قالَهُ مَلِكُ الرُّؤْيا، أوِ النَّبِيُّ ﷺ لِأصْحابِهِ. وقَوْلُهُ: مُحَلِّقِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، لِأنَّ الدُّخُولَ في حالِ الإحْرامِ، لا في حالِ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ. وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ، أوْ هو مِن نِسْبَةِ ما لِلْجُزْءِ إلى الكُلِّ. والمَعْنى: مُحَلِّقًا بَعْضُكُمْ، ومُقَصِّرًا آخَرُونَ. والقَرِينَةُ عَلَيْهِ: أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الحَلْقُ والتَّقْصِيرُ، فَلا بُدَّ مِن نِسْبَةِ كُلٍّ مِنهُما لِبَعْضٍ مِنهم. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ!» قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ؟» قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ!» قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ ! قالَ: «والمُقَصِّرِينَ!»» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُونَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: " آمِنِينَ " أوْ مُؤَسِّسَةٌ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ لِلْحالِ والمُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، فَيَكُونُ أثْبَتَ لَهُمُ الأمْنَ حالَ الدُّخُولِ. ونَفى عَنْهُمُ الخَوْفَ حالَ اسْتِقْرارِهِمْ في البَلَدِ، لا يَخافُونَ مِن أحَدٍ. قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كانَ في عُمْرَةِ القَضاءِ، في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، فَإنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القِعْدَةِ، رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَأقامَ بِها ذا الحِجَّةِ ومُحَرَّمَ، وخَرَجَ في صَفَرَ إلى خَيْبَرَ، فَفَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ، بَعْضَها عَنْوَةً، وبَعْضَها صُلْحًا، وهي إقْلِيمٌ عَظِيمٌ، كَثِيرُ النَّخْلِ والزُّرُوعِ، فاسْتَخْدَمَ مَن فِيها مِنَ اليَهُودِ عَلَيْها، عَلى الشَّطْرِ، وقَسَمَها بَيْنَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وحْدَهُمْ، ولَمْ يَشْهَدْها أحَدٌ غَيْرُهُمْ، إلّا الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ: جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأصْحابُهُ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولَمْ يَغِبْ مِنهم أحَدٌ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلّا أبا دُجانَةَ سِماكَ بْنَ خَرَشَةَ، كَما هو مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ. ثُمَّ رَجَعَ المَدِينَةَ، (p-٥٤٢٨)فَلَمّا كانَ في ذِي القِعْدَةِ مِن سَنَةِ سَبْعٍ، خَرَجَ ﷺ إلى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، هو وأهْلُ الحُدَيْبِيَةِ، فَأحْرَمَ مِن ذِي الحُلَيْفَةِ، ساقَ مَعَهُ الهَدْيَ. قِيلَ: كانَ سِتِّينَ بَدَنَةً. فَلَبّى، وسارَ وأصْحابُهُ يُلَبُّونَ، قَرِيبًا مِن مَرِّ الظَّهْرانِ، بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ بِالخَيْلِ والسِّلاحِ أمامَهُ، فَلَمّا رَآهُ المُشْرِكُونَ رَعَبُوا رُعْبًا شَدِيدًا، وظَنُّوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَغْزُوهُمْ، وأنَّهُ قَدْ نَكَثَ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ، مِن وضْعِ القِتالِ عَشْرَ سِنِينَ، فَذَهَبُوا فَأخْبَرُوا أهْلَ مَكَّةَ. فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، حَيْثُ يَنْظُرُ إلى أنْصابِ الحَرَمِ، بَعَثَ السِّلاحَ مِنَ القِسِيِّ، والنَّبْلِ، والرِّماحِ إلى بَطْنِ يَأْجُجَ، وسارَ بِالسُّيُوفِ إلى مَكَّةَ مُغْمَدَةً في قِرَبِها، كَما شارَطَهم عَلَيْهِ. فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ، بَعَثَتْ قُرَيْشٌ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! ما عَرَفْناكَ تَنْقُضُ العَهْدَ! فَقالَ ﷺ: «وما ذاكَ؟» قالَ: دَخَلْتَ عَلَيْنا بِالسِّلاحِ، القِسِيِّ والرِّماحِ! فَقالَ ﷺ: «لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، وقَدْ بَعَثْنا بِهِ إلى يَأْجُجَ؟» فَقالَ: بِهَذا عَرَفْناكَ، بِالبَرِّ والوَفاءِ. وخَرَجَتْ رُؤُوسُ الكُفّارِ مِن مَكَّةَ، لِئَلّا يَنْظُرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، غَيْظًا وحَنَقًا. وأمّا بَقِيَّةُ أهْلِ مَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ، والنِّساءِ، والوِلْدانِ فَجَلَسُوا في الطُّرُقِ، وعَلى البُيُوتِ، يَنْظُرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأصْحابِهِ، فَدَخَلَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أصْحابُهُ يُلَبُّونَ، والهَدْيُ قَدْ بَعَثَهُ إلى ذِي طِوى، وهو راكِبٌ ناقَتَهُ القَصْواءَ، الَّتِي كانَ راكِبَها يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ الأنْصارِيُّ آخِذٌ بِزِمامِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَقُولُ: ؎بِاسْمِ الَّذِي لا دِينَ إلّا دِينُهُ بِاسْمِ الَّذِيِ مُحَمَّدٌ رَسُولُهُ ؎خَلُّوا بَنِي الكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ؎اليَوْمَ نَضْرِبُكم عَلى تَأْوِيلِهِ ؎كَما ضَرَبْناكم عَلى تَنْزِيلِهِ ؎ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ؎ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ ؎قَدْ أنْزَلَ الرَّحْمَنُ في تَنْزِيلِهِ ؎فِي صُحُفٍ تُتْلى عَلى رَسُولِهِ ؎بِأنَّ خَيْرَ القَتْلِ في سَبِيلِهِ ؎يا رَبِّ! إنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ » (p-٥٤٢٩)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ في عُمْرَتِهِ، بَلَغَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ قُرَيْشًا تَقُولُ: ما يَتَباعَثُونَ مِنَ العَجْفِ؟ فَقالَ أصْحابُهُ: لَوِ انْتَحَرْنا، مِن ظَهْرِنا، فَأكَلْنا مِن لَحْمِهِ، وحَسَوْنا مِن مَرَقِهِ، وأصْبَحْنا غَدًا حِينَ نَدْخُلُ عَلى القَوْمِ، وبِنا جَمامَةٌ. قالَ ﷺ: «لا تَفْعَلُوا، ولَكِنِ اجْمَعُوا لِي مِن أزْوادِكم» فَجَمَعُوا لَهُ، وبَسَطُوا الأنْطاعَ، فَأكَلُوا حَتّى تَوَلَّوْا، وحَثا كُلُّ واحِدٍ مِنهم في جِرابِهِ. ثُمَّ أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى دَخَلَ المَسْجِدَ، وقَعَدَتْ قُرَيْشٌ نَحْوَ الحِجْرِ فاضْطَبَعَ ﷺ بِرِدائِهِ، ثُمَّ قالَ: «لا يَرى القَوْمُ فِيكم غَمِيزَةً» فاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ دَخَلَ حَتّى إذا تَغَيَّبَ بِالرُّكْنِ اليَمانِيِّ مَشى إلى الرُّكْنِ الأسْوَدِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما يَرْضَوْنَ بِالمَشْيِ إنَّهم لَيَنْقُزُونَ نَقْزَ الظِّباءِ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أطْوافٍ، فَكانَتْ سُنَّةً». قالَ أبُو الطُّفَيْلِ: فَأخْبَرَنِي ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ. ورَوى أحْمَدُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ مَكَّةَ، وقَدْ وهَنَتْهم حُمّى يَثْرِبَ، ولَقُوا مِنها سُوءًا، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكم قَوْمٌ قَدْ وهَنَتْهم حُمّى يَثْرِبَ، ولَقُوا مِنها شَرًّا، وجَلَسَ المُشْرِكُونَ مِنَ النّاحِيَةِ الَّتِي تَلِي الحِجْرَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ما قالُوا، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلاثَةَ، لِيَرى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم. قالَ، فَرَمَلُوا ثَلاثَةَ أشْواطٍ، وأمَرَهم أنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، حَيْثُ لا يَراهُمُ المُشْرِكُونَ. وفي رِوايَةٍ: ولَمْ يَمْنَعِ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَأْمُرَهم أنْ يَرْمُلُوا الأشْواطَ كُلَّها إلّا الإبْقاءُ عَلَيْهِمْ». (p-٥٤٣٠)وفِي ابْنِ كَثِيرٍ زِيادَةٌ مِنَ الأحادِيثِ في هَذا البابِ، فَلْيُراجِعْها مَن أحَبَّ الزِّيادَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أيْ: مِنَ الخِيَرَةِ، والمَصْلَحَةِ في صَرْفِكم عَنْ مَكَّةَ، ودُخُولِكم إلَيْها، عامَكم ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ عِلْمُهُ تَعالى ذِكْرُهُ بِما بِمَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ، والنِّساءِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَعْلَمْهُمُ المُؤْمِنُونَ، ولَوْ دَخَلُوها في ذَلِكَ العامِ لَوَطِئُوهم بِالخَيْلِ والرَّجْلِ، فَأصابَهم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَرَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْ مَكَّةَ مِن أجْلِ ذَلِكَ. ولِيُدْخِلَ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يُرِيدُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: قَبْلَ دُخُولِكُمُ الَّذِي وُعِدْتُمْ بِهِ في رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي جَرى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، أوْ فَتَحَ خَيْبَرَ، لِتَسْتَرْوِحَ إلَيْهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، إلى أنْ يَتَيَسَّرَ الفَتْحُ المَوْعُودُ. وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ، قالَ: يَعْنِي صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ. وما فُتِحَ في الإسْلامِ فَتْحٌ كانَ أعْظَمَ مِنهُ، إنَّما كانَ القِتالُ حَيْثُ التَقى النّاسُ. فَلَمّا كانَتِ الهُدْنَةُ، وُضِعَتِ الحَرْبُ، وأمَّنَ النّاسُ كُلُّهم بَعْضُهم بَعْضًا، فالتَقَوْا، فَتَفاوَضُوا في الحَدِيثِ والمُنازَعَةِ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدٌ بِالإسْلامِ، يَعْقِلُ شَيْئًا، إلّا دَخَلَ فِيهِ. فَلَقَدْ دَخَلَ في تِينِكَ السَّنَتَيْنِ في الإسْلامِ مِثْلُ مَن كانَ في الإسْلامِ قَبْلَ ذَلِكَ وأكْثَرُ. ووافَقَهُ مُجاهِدٌ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ أنْ يَعُمَّ فَيُقالُ: جَعَلَ اللَّهُ مِن دُونِ ذَلِكَ كِلَيْهِما.

الفتح 48:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٨] ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيِ: البَيانِ الواضِحِ: ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ: الإسْلامِ. (p-٥٤٣١)وقالَ المَهايِمِيُّ: " بِالهُدى " أيِ: الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ: " ودِينِ الحَقِّ " أيْ: الِاعْتِقاداتِ الصّائِبَةِ المُطابِقَةِ لِما هو الواقِعُ أشَدَّ مُطابَقَةً. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: بِالعِلْمِ النّافِعِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّ الشَّرِيعَةَ تَشْتَمِلُ عَلى شَيْئَيْنِ: عِلْمٍ وعَمَلٍ. فالعِلْمُ الشَّرْعِيُّ صَحِيحٌ، والعَمَلُ الشَّرْعِيُّ مَقْبُولٌ، فَإخْباراتُها حَقٌّ، وإنْشاءاتُها عَدْلٌ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ: لِيُعْلِيَهُ: ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لِيُبْطِلَ بِهِ المِلَلَ كُلَّها، حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ سِواهُ. وذَلِكَ حِينَ يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ الأدْيانُ كُلُّها، غَيْرَ دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، ويُظْهِرُ الإسْلامَ عَلى الأدْيانِ كُلِّها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وحُجَّةً، وبَيانًا عَلى كُلِّ دِينٍ، كَما أظْهَرَهُ قُوَّةً ونَصْرًا وتَأْيِيدًا، وقَدِ امْتَلَأتِ الأرْضُ مِنهُ، ومِن أُمَّتِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ، ومَغارِبِها، وسُلْطانُهم دائِمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُزِيلَهُ، كَما زالَ مُلْكُ اليَهُودِ، وزالَ مُلْكُ مَن بَعْدَهم عَنْ خِيارِ الأرْضِ، وأوْسَطِها. انْتَهى. ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: عَلى أنَّ ما وعَدَهُ مِن إظْهارِ دِينِهِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، أوِ الفَتْحِ أوِ المَغانِمِ كائِنٌ. قالَ الحَسَنُ: شَهِدَ لَكَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَكَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، والَّذِينَ كَرِهُوا الصُّلْحَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ مِن أصْحابِهِ أنَّ اللَّهَ فاتِحٌ عَلَيْهِمْ مَكَّةَ، وغَيْرَها مِنَ البُلْدانِ، مُسَلِّيهِمْ بِذَلِكَ عَمّا نالَهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ، بِانْصِرافِهِمْ عَنْ مَكَّةَ قَبْلَ دُخُولِها، وقَبْلَ طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ.

الفتح 48:29

(p-٥٤٣٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ . ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ: أصْحابُهُ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لَهم شِدَّةٌ وغِلْظَةٌ عَلى الكُفّارِ المُحارِبِينَ لَهُمُ، الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وعِنْدَهم تَراحُمٌ فِيما بَيْنَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] لَطائِفُ: الأُولى:- جُوِّزَ فِي: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ أنْ يَكُونا مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وأنْ يَكُونَ: " رَسُولُ اللَّهِ " صِفَةً، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، أوْ بَدَلًا ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَبَرُهُما: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ الثّانِيَةُ:- قالَ الشِّهابُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ تَكْمِيلٌ، لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّهم لِاعْتِيادِهِمُ الشِّدَّةَ عَلى الكُفّارِ قَدْ صارَ ذَلِكَ لَهم سَجِيَّةً في كُلِّ حالٍ، وعَلى كُلِّ أحَدٍ. فَلَمّا قِيلَ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ انْدَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ، فَهو تَكْمِيلٌ واحْتِراسٌ، كَما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] رُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَفْهُومَ القَيْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وأنَّهم مَوْصُوفُونَ (p-٥٤٣٣)بِالذُّلِّ دائِمًا، وعِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فَدَفَعَ بِقَوْلِهِ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] فَهو كَقَوْلِهِ: ؎حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَهُ عَلىْ أنَّهُ عِنْدَ العَدُوِّ مَهِيبُ الثّالِثَةُ:- قالَ المَهايِمِيُّ: تُفِيدُ الآيَةُ أنَّ دِينَ الحَقِّ قَدْ ظَهَرَ في أصْحابِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، إذِ اعْتَدَلَتْ قُوَّتُهُمُ الغَضَبِيَّةُ! بِتَبَعِيَّةِ اعْتِدالِ المُفَكِّرَةِ والشَّهَوِيَّةِ؛ إذْ هم أشِدّاءُ عَلى الكَفّارِ، لِرُسُوخِهِمْ في صِحَّةِ الِاعْتِقادِ، بِحَيْثُ يَغارُونَ عَلى مَن لَمْ يَصِحَّ اعْتِقادُهُ، ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ لِعَدَمِ مَيْلِهِمْ إلى الشَّهَواتِ. هَذا بِاعْتِبارِ الأخْلاقِ، وأمّا بِاعْتِبارِ الأعْمالِ، فَأنْتَ: ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وصَفَهم بِكَثْرَةِ العَمَلِ، وكَثْرَةِ الصَّلاةِ، وهي خَيْرُ الأعْمالِ. ووَصَفَهم بِالإخْلاصِ فِيها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والِاحْتِسابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَزِيلَ الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو سَعَةُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ ورِضاهُ تَعالى عَنْهُمْ! وهو أكْبَرُ مِنَ الأُولى، كَما قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] انْتَهى. ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيْ: عَلامَتُهم كائِنَةٌ فِيها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ بَيانٌ لِلسِّيما، كَأنَّهُ قِيلَ: سِيماهُمُ الَّتِي هي أثَرُ السُّجُودِ، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في وُجُوهِهِمْ. قالَ الشِّهابُ: وهي عَلى ما قَبْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ: هي مِن أثَرِ السُّجُودِ. انْتَهى. وهَلِ الوُجُوهُ مَجازٌ عَنِ الذَّواتِ، أوْ حَقِيقَةٌ؟ في مَعْناها تَأْوِيلانِ لِلسَّلَفِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ﴾ يَعْنِي السَّمْتَ الحَسَنَ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُ واحِدٍ، يَعْنِي الخُشُوعَ والتَّواضُعَ. وقالَ مَنصُورٌ لِمُجاهِدٍ: ما كُنْتُ أراهُ إلّا هَذا الأثَرَ في الوَجْهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، رُبَّما كانَ بَيْنَ عَيْنَيْ مَن هو أقْسى قَلْبًا مِن فِرْعَوْنَ. وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ» . وقَدْ رَفَعَهُ ابْنُ ماجَهْ. والصَّحِيحُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ لِلْحَسَنَةِ لَنُورًا في القَلْبِ، (p-٥٤٣٤)وضِياءً في الوَجْهِ، وسِعَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ النّاسِ. وقالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أسَرَّ أحَدٌ سَرِيرَةً إلّا أبْداها اللَّهُ تَعالى عَلى صَفَحاتِ وجْهِهِ، وفَلَتاتِ لِسانِهِ. ورَوى الطَّبَرانِيُّ مَرْفُوعًا: ««ما أسَرَّ أحَدٌ سَرِيرَةً إلّا ألْبَسَهُ اللَّهُ تَعالى رِداءَها، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ»» وإسْنادُهُ واهٍ؛ لِأنَّ فِيهِ العَزْرَمِيَّ وهو مَتْرُوكٌ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ، لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ»» . وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الهُدى الصّالِحَ، والسَّمْتَ الصّالِحَ والِاقْتِصادَ، جُزْءٌ مِن خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ أيْضًا. والتَّأْوِيلُ الثّانِي في الآيَةِ، أنَّ ذَلِكَ آثارٌ تُرى في الوَجْهِ مِن ثَرى الأرْضِ، أوْ نَدى الطَّهُورِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ. وقَدْ كانَ ذَلِكَ في العَهْدِ النَّبَوِيِّ، حَيْثُ لا فِراشَ لِلْمَسْجِدِ إلّا تُرابُهُ وحَصْباؤُهُ. وكُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ مِن (سِيماهُمْ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الوَصْفُ: ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ أيْ: صِفَتُهُمُ العَجِيبَةُ فِيها: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ أيْ: فِراخَهُ، أوْ سُنْبُلَهُ، أوْ نَباتَهُ: ﴿فَآزَرَهُ﴾ أيْ: قَوّاهُ: ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ أيْ: فَغَلِظَ الزَّرْعُ واشْتَدَّ. فالسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ في الغِلَظِ، أوْ صارَ مِنَ الدِّقَّةِ إلى الغِلَظِ: ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ أيِ: اسْتَقامَ عَلى قَصَبِهِ. و(السُّوقُ) جَمْعُ ساقٍ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ أيْ: يُعْجِبُ هَذا الزَّرْعُ الَّذِي اسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ في تَمامِهِ، وحُسْنِ نَباتِهِ، وبُلُوغِهِ وانْتِهائِهِ، الَّذِينَ زَرَعُوهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ تَشْبِيهُهم بِالزَّرْعِ مِن نَمائِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما قَوّاهم وكَثَّرَهم لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ. (p-٥٤٣٥)لَطائِفُ: الأُولى:ـ يَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما:- أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ﴿كَزَرْعٍ﴾ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: " في التَّوْراةِ " فَهُما مَثَلانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي:- أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى: " مَثَلُهُمُ " الأوَّلِ، فَيَكُونُ مَثَلًا واحِدًا في الكِتابَيْنِ، ويُوقَفُ حِينَئِذٍ عَلى: في الإنْجِيلِ، وإلَيْهِ نَحا مُجاهِدٌ والفَرّاءُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿كَزَرْعٍ﴾ في هَذا فِيهِ أوْجُهٌ: أحَدُهُما:- أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ. أيْ: مَثَلُهم كَزَرْعٍ، فُسِّرَ بِهِ المَثَلُ المَذْكُورُ في الإنْجِيلِ. الثّانِي:- أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: " مَثَلُهم " أيْ: مُماثِلِينَ زَرْعًا هَذِهِ صِفَتُهُ. الثّالِثُ:- أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْثِيلًا كَزَرْعٍ -ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ-. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: " ذَلِكَ " إشارَةً مُبْهَمَةً أُوضِحَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَزَرْعٍ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ﴾ [الحجر: ٦٦] -أفادَهُ السَّمِينُ-. الثّانِيَةُ:- قالَ السَّمِينُ: الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِي: ﴿فَآزَرَهُ﴾ لِلزَّرْعِ، والبارِزُ لِلشَّطْءِ. وعَكَسَ النَّسَفِيُّ، فَجَعَلَ المُسْتَتِرَ لِلشَّطِّ، والبارِزَ لِلزَّرْعِ. أيْ: فَقَوِيَ الشَّطْءُ بِكَثافَةِ الزَّرْعِ، وكَثافَتُهُ كَثْرَةُ فُرُوعِهِ وأوْراقِهِ. قالَ الجَمَلُ: وما صَنَعَهُ النَّسَفِيُّ أنْسَبُ؛ فَإنَّ العادَةَ أنَّ الأصْلَ يَتَقَوّى بِفُرُوعِهِ، فَهي تُعِينُهُ وتُقَوِّيهِ. الثّالِثَةُ:- قالَ السَّمِينُ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ حالٌ. أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُعْجِبًا، وهُنا تَمَّ المَثَلُ. الرّابِعَةُ:- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِبَدْءِ أمْرِ الإسْلامِ، وتَرَقِّيهِ في الزِّيادَةِ، إلى أنْ قَوِيَ واسْتَحْكَمَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ وحْدَهُ، ثُمَّ قَوّاهُ اللَّهُ بِمَن آمَنَ مَعَهُ، كَما يُقَوِّي الطّاقَةَ الأُولى مِنَ الزَّرْعِ، ما يَحْتَفُ بِها مِمّا يَتَوَلَّدُ مِنها حَتّى يُعْجِبَ الزُّرّاعَ. (p-٥٤٣٦)وهَذا ما قالَهُ البَغَوِيُّ مِن أنَّ (الزَّرْعَ): مُحَمَّدٌ، و(الشَّطْءَ): أصْحابُهُ والمُؤْمِنُونَ، فَجَعَلا التَّمْثِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ. وأمّا القاضِي فَجَعَلَهُ مِثالًا لِلصَّحابَةِ فَقَطْ. وعِبارَتُهُ: وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلصَّحابَةِ، قَلُّوا في بَدْءِ الإسْلامِ، ثُمَّ كَثُرُوا واسْتَحْكَمُوا، فَتَرَقّى أمْرُهُمْ، بِحَيْثُ أعْجَبَ النّاسَ. قالَ الشِّهابُ: ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ. الخامِسَةُ:- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مِن هَذِهِ الآيَةِ انْتَزَعَ الإمامُ مالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، في رِوايَةٍ عَنْهُ، تَكْفِيرَ الرَّوافِضِ الَّذِينَ يَبْغَضُونَ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. قالَ: لِأنَّهم يَغِيظُونَهُمْ، ومَن غاظَ الصَّحابَةَ، فَهو كافِرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ. ووافَقَهُ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى ذَلِكَ -انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ -. ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذا خِلافُ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ مِن أنَّهُ لا يَكْفُرُ أحَدٌ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، كَما بُسِطَ في كِتابِ العَقائِدِ، وأوْضَحَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ (مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ )، وقَبْلَهُ الإمامُ الغَزالِيُّ في كِتابِهِ (فَيْصَلُ التَّفْرِقَةِ). وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ البَلاءِ في القُرُونِ الوُسْطى التَّسَرُّعُ مِنَ الفُقَهاءِ بِالتَّكْفِيرِ والزَّنْدَقَةِ. وكَمْ أُرِيقَتْ دِماءٌ في سَبِيلِ التَّعَصُّبِ لِذَلِكَ، كَما يَمُرُّ كَثِيرٌ مِنهم بِقارِئِ التّارِيخِ. عَلى أنَّ كَلِمَةَ الأُصُولِيِّينَ اتَّفَقَتْ عَلى أنَّ المُجْتَهِدَ كَيْفَما كانَ، مَأْجُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، ناهِيكَ بِمَسْألَةِ عَدالَتِهِمُ المُتَعَدِّدَةِ أقْوالُها، حَتّى في أصْغَرِ كِتابٍ في الأُصُولِ كَمَثَلِ (جَمْعِ الجَوامِعِ). نَعَمْ، إنَّ التَّطَرُّفَ والغُلُوَّ في المَباحِثِ لَيْسَ مِن شَأْنِ الحُكَماءِ المُنْصِفِينَ. وإذا اشْتَدَّ البَياضُ صارَ بَرَصًا. ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً﴾ أيْ: عَفْوًا عَمّا مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ، وسَيِّئِ أعْمالِهِمْ بِحُسْنِها ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ثَوابًا جَزِيلًا، وهو الجَنَّةُ.