Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الحجرات 49:1 – الذاريات 51:60

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الحجرات 49:1
  2. الحجرات 49:2
  3. الحجرات 49:3
  4. الحجرات 49:4
  5. الحجرات 49:5
  6. الحجرات 49:6
  7. الحجرات 49:7
  8. الحجرات 49:8
  9. الحجرات 49:9
  10. الحجرات 49:10
  11. الحجرات 49:11
  12. الحجرات 49:12
  13. الحجرات 49:13
  14. الحجرات 49:14
  15. الحجرات 49:15
  16. الحجرات 49:16
  17. الحجرات 49:17
  18. الحجرات 49:18
  19. ق 50:1
  20. ق 50:2
  21. ق 50:3
  22. ق 50:4
  23. ق 50:5
  24. ق 50:6
  25. ق 50:7
  26. ق 50:8
  27. ق 50:9
  28. ق 50:10
  29. ق 50:11
  30. ق 50:12
  31. ق 50:13
  32. ق 50:14
  33. ق 50:15
  34. ق 50:16
  35. ق 50:17
  36. ق 50:18
  37. ق 50:19
  38. ق 50:20
  39. ق 50:21
  40. ق 50:22
  41. ق 50:23
  42. ق 50:24
  43. ق 50:25
  44. ق 50:26
  45. ق 50:27
  46. ق 50:28
  47. ق 50:29
  48. ق 50:30
  49. ق 50:31
  50. ق 50:32
  51. ق 50:33
  52. ق 50:34
  53. ق 50:35
  54. ق 50:36
  55. ق 50:37
  56. ق 50:38
  57. ق 50:39
  58. ق 50:40
  59. ق 50:41
  60. ق 50:42
  61. ق 50:43
  62. ق 50:44
  63. ق 50:45
  64. الذاريات 51:1
  65. الذاريات 51:2
  66. الذاريات 51:3
  67. الذاريات 51:4
  68. الذاريات 51:5
  69. الذاريات 51:6
  70. الذاريات 51:7
  71. الذاريات 51:8
  72. الذاريات 51:9
  73. الذاريات 51:10
  74. الذاريات 51:11
  75. الذاريات 51:12
  76. الذاريات 51:13
  77. الذاريات 51:14
  78. الذاريات 51:15
  79. الذاريات 51:16
  80. الذاريات 51:17
  81. الذاريات 51:18
  82. الذاريات 51:19
  83. الذاريات 51:20
  84. الذاريات 51:21
  85. الذاريات 51:22
  86. الذاريات 51:23
  87. الذاريات 51:24
  88. الذاريات 51:25
  89. الذاريات 51:26
  90. الذاريات 51:27
  91. الذاريات 51:28
  92. الذاريات 51:29
  93. الذاريات 51:30
  94. الذاريات 51:31
  95. الذاريات 51:32
  96. الذاريات 51:33
  97. الذاريات 51:34
  98. الذاريات 51:35
  99. الذاريات 51:36
  100. الذاريات 51:37
  101. الذاريات 51:38
  102. الذاريات 51:39
  103. الذاريات 51:40
  104. الذاريات 51:41
  105. الذاريات 51:42
  106. الذاريات 51:43
  107. الذاريات 51:44
  108. الذاريات 51:45
  109. الذاريات 51:46
  110. الذاريات 51:47
  111. الذاريات 51:48
  112. الذاريات 51:49
  113. الذاريات 51:50
  114. الذاريات 51:51
  115. الذاريات 51:52
  116. الذاريات 51:53
  117. الذاريات 51:54
  118. الذاريات 51:55
  119. الذاريات 51:56
  120. الذاريات 51:57
  121. الذاريات 51:58
  122. الذاريات 51:59
  123. الذاريات 51:60

الحجرات 49:1

(p-٥٤٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحُجُراتِ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِدَلالَةِ آيَتِها عَلى سَلْبِ إنْسانِيَّةِ مَن لا يُعَظِّمُ رَسُولَ اللَّهِ غايَةَ التَّعْظِيمِ، ولا يَحْتَرِمُهُ غايَةَ الِاحْتِرامِ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَمانِ عَشْرَةَ. وقَدِ انْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِآدابٍ جَلِيلَةٍ، أدَّبَ اللَّهُ بِها عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُعامِلُونَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ، مِنَ التَّوْقِيرِ والتَّبْجِيلِ. (p-٥٤٣٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ أقَرُّوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، لا تُعَجِّلُوا بِقَضاءِ أمْرٍ في حُرُوبِكم أوْ دِينِكُمْ، قَبْلَ أنْ يَقْضِيَ اللَّهُ لَكم فِيهِ ورَسُولُهُ، فَتَقْضُوا بِخِلافِ أمْرِ اللَّهِ، وأمْرِ رَسُولِهِ. مَحْكِيٌّ عَنِ العَرَبِ: فُلانٌ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ إمامِهِ، بِمَعْنى يُعَجِّلُ الأمْرَ والنَّهْيَ دُونَهُ. انْتَهى. و: ﴿تُقَدِّمُوا﴾ إمّا مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، أوْ أنَّهُ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِعَدَمِ القَصْدِ إلى المَفْعُولِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أوْ هو لازِمٌ، فَإنَّ (قَدَّمَ)، يَرِدُ بِمَعْنى (تَقَدَّمَ) كَبَيَّنَ، فَإنَّهُ مُتَعَدٍّ، ويَكُونُ لازِمًا بِمَعْنى تَبَيَّنَ. وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَجُوُّزانِ: أحَدُهُما- في بَيْنِ اليَدَيْنِ، فَإنَّ حَقِيقَتَهُ ما بَيْنَ العُضْوَيْنِ، فَتَجَوَّزَ بِهِما عَنِ الجِهَتَيْنِ المُقابِلَتَيْنِ لِلْيَمِينِ والشَّمالِ، قَرِيبًا مِنهُ بِإطْلاقِ اليَدَيْنِ عَلى ما يُجاوِرُهُما ويُحاذِيهِما. فَهو مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ الجُمْلَةُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِلْقَطْعِ بِالحُكْمِ بِلا اقْتِداءٍ، ومُتابَعَةٍ لِمَن يَلْزَمُ مُتابَعَتُهُ، تَصْوِيرًا لِهِجْنَتِهِ وشَناعَتِهِ، بِصُورَةِ المَحْسُوسِ، كَتَقَدُّمِ الخادِمِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ في مَسِيرِهِ، فَنُقِلَتِ العِبارَةُ الأُولى، بِما فِيها مِنَ المَجازِ، إلى ما ذُكِرَ، عَلى ما عُرِفَ أمْثالُهُ- هَذا مُحَصَّلُ ما في (الكَشّافِ) و(شُرُوحِهِ). (p-٥٤٣٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُسْرِعُوا في الأشْياءِ قَبْلَهُ، بَلْ كُونُوا تَبَعًا لَهُ في جَمِيعِ الأُمُورِ، حَتّى يَدْخُلَ في عُمُومِ هَذا الأدَبِ حَدِيثُمُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. «قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: «بِمَ تَحْكُمُ؟» قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى. قالَ ﷺ: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟» قالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قالَ ﷺ: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟» قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أجْتَهِدُ رَأْيِي! فَضَرَبَ في صَدْرِهِ وقالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِما يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»» . وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ. والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ أخَّرَ رَأْيَهُ ونَظَرَهُ واجْتِهادَهُ إلى ما بَعْدَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَوْ قَدَّمَهُ قَبْلَ البَحْثِ عَنْهُما، لَكانَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. انْتَهى. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ)، وذُكِرَ (اللَّهُ)؛ لِبَيانِ قُوَّةِ اخْتِصاصِهِ بِهِ تَعالى، ومَنزِلَتِهِ مِنهُ، تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِما بَعْدَهُ. وقَدْ أُيِّدَ هَذا، بِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِإجْلالِهِ ﷺ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِضَمِّ التّاءِ مِن قَوْلِهِ: (لا تُقَدِّمُوا) قَرَأ قِراءَةَ الأمْصارِ، وهي القِراءَةُ الَّتِي لا أسْتُجِيزُ القِراءَةَ بِخِلافِها، لِإجْماعِ الحُجَّةِ مِنَ القُرّاءِ عَلَيْها. وقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ: قَدَّمْتُ في كَذا وتَقَدَّمْتُ في كَذا. فَعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ لَوْ كانَ قِيلَ: لا تَقَدَّمُوا، بِفَتْحِ التّاءِ، كانَ جائِزًا. انْتَهى. وبِهِ قَرَأ يَعْقُوبُ فِيما نُقِلَ عَنْهُ. (p-٥٤٤٠)﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في التَّقْدِيمِ أوْ مُخالَفَةِ الحُكْمِ. والأمْرُ بِالتَّقْوى عَلى أثَرِ ما تَقَدَّمَ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِلْمُقارِفِ بَعْضَ الدَّلائِلِ: لا تَفْعَلْ هَذا، وتَحَفَّظْ مِمّا يُلْصِقُ العارَ بِكَ. فَتَنْهاهُ أوَّلًا عَنْ عَيْنِ ما قارَفَهُ، ثُمَّ تَعُمُّ وتَأْمُرُهُ بِما لَوِ امْتَثَلَ أمْرَكَ فِيهِ، لَمْ يَرْتَكِبْ تِلْكَ الغَفْلَةَ، وكُلَّ ما يُضْرَبُ في طَرِيقِها، ويَتَعَلَّقُ بِسَبَبِها -أشارَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَحَقِيقٌ أنْ يُتَّقى ويُراقَبَ. تَنْبِيهٌ: فِي (الإكْلِيلِ): قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: قِيلَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ ذَبَحُوا قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأمَرَهم أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ. وعُمُومُ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّعْجِيلِ في الأمْرِ والنَّهْيِ، دُونَهُ. ويُحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في اتِّباعِ الشَّرْعِ في كُلِّ شَيْءٍ. ورُبَّما احْتَجَّ بِهِ نُفاةُ القِياسِ، وهو باطِلٌ مِنهم. ويُحْتَجُّ بِهِ في تَقْدِيمِ النَّصِّ عَلى القِياسِ. انْتَهى.

الحجرات 49:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أيْ: إذا نَطَقَ ونَطَقْتُمْ، فَلْتَكُنْ أصْواتُكم قاصِرَةً عَنِ الحَدِّ الَّذِي يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ، لِيَكُونَ عالِيًا لِكَلامِكُمْ، لا أنْ تَغْمُرُوا صَوْتَهُ بِلَغَطِكُمْ، وتُبَلِّغُوا أصْواتَكم إلى أسْماعِ الحاضِرِينَ قَبْلَ صَوْتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن سُوءِ الأدَبِ بِمَكانٍ كَبِيرٍ: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ: بَلْ تَعَمَّدُوا في مُخاطَبَتِهِ القَوْلَ اللَّيِّنَ، القَرِيبَ مِنَ الهَمْسِ، الَّذِي يُضادُّ الجَهْرَ، كَما تَكُونُ مُخاطَبَةُ المَهِيبِ المُعَظَّمِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِنِدائِهِ بِاسْمِهِ، أيْ: لا تُنادُوهُ كَما يُنادِي بَعْضُكم بَعْضًا: يا مُحَمَّدُ! يا مُحَمَّدُ! بَلْ يا نَبِيَّ اللَّهِ! يا رَسُولَ اللَّهِ! ونَظَرَ فِيهِ شُرّاحُ (الكَشّافِ) بِأنْ ذَكَرَ الجَهْرَ حِينَئِذٍ (p-٥٤٤١)لا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ، إذِ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: لا تَجْعَلُوا خِطابَهُ كَخِطابِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] انْتَهى. ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّما أفْرَغَ هَذا المَعْنى المَرْوِيَّ عَنْ مُجاهِدٍ في قالَبِ ذاكَ اللَّفْظِ الكَرِيمِ جَرْيًا عَلى سُنَّةِ التَّنْزِيلِ في إيثارِ أرَقِّ الألْفاظِ والجُمَلِ، وألْطَفِها في ذَلِكَ، فَإنَّ أُسْلُوبَهُ فَوْقَ كُلِّ أُسْلُوبٍ، وقَدْ قالَ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْمُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ أيْ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ، بِرَفْعِ صَوْتِكم فَوْقَ صَوْتِهِ، وجَهْرِكم لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِكم لِبَعْضِكُمْ: ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا تَعْلَمُونَ، ولا تَدْرُونَ بِحُبُوطِها. تَنْبِيهٌ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكَبائِرَ مُحْبِطَةٌ الأعْمالَ، لِأنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ كَبِيرَةٌ مُحْبِطَةٌ ولا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها. ولَمّا كانَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، المُحْبِطُ لِلْأعْمالِ هو الكُفْرُ خاصَّةً، تَأوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّها لِلتَّغْلِيظِ والتَّخْوِيفِ، إذْ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ الكُفْرِ المُحْبِطِ، أوْ هي لِلتَّعْرِيضِ بِالمُنافِقِينَ المُقاصِدِينَ بِالجَهْرِ والرَّفْعُ الِاسْتِهانَةُ، فَإنَّ فِعْلَهم مُحْبَطٌ قَطْعًا. وقالَ النّاصِرُ: المُرادُ في الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلى الإطْلاقِ. ومَعْلُومٌ أنَّ حُكْمَ النَّهْيِ الحَذَرُ مِمّا يُتَوَقَّعُ في ذَلِكَ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والقاعِدَةُ المُخْتارَةُ أنَّ إيذاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَبْلُغُ مَبْلَغَ الكُفْرِ المُحْبِطِ لِلْعَمَلِ بِاتِّفاقٍ. فَوَرَدَ النَّهْيُ عَمّا هو مَظِنَّةٌ لِأذى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَواءٌ وُجِدَ هَذا المَعْنى أوْ لا، حِمايَةً لِلذَّرِيعَةِ، وحَسْمًا لِلْمادَّةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا المَنهِيُّ عَنْهُ -وهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ- مُنْقَسِمًا إلى ما يَبْلُغُ ذَلِكَ المَبْلَغَ أوَّلًا، ولا دَلِيلَ يُمَيِّزُ أحَدَ القِسْمَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لَزِمَ المُكَلَّفُ أنْ يَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وخَوَّفَ أنْ يَقَعَ فِيما هو مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ، وهو البالِغُ حَدَّ الإيذاءِ، إذْ لا دَلِيلَ ظاهِرٌ يُمَيِّزُهُ. وإنْ كانَ، فَلا يَتَّفِقُ تَمْيِيزُهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْيانِ، وإلى التِباسِ أحَدِ القِسْمَيْنِ بِالآخَرِ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وإلّا فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَعْتَقِدُهُ المُعْتَزِلَةُ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ (p-٥٤٤٢)لا تَشْعُرُونَ﴾ مَوْقِعٌ؛ إذِ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ رَفْعُ الصَّوْتِ مُؤْذِيًا، فَيَكُونُ كُفْرًا مُحْبِطًا قَطْعًا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤْذٍ، فَيَكُونُ كَبِيرَةً مُحْبَطَةً عَلى رَأْيِهِمْ قَطْعًا. فَعَلى كِلا حالَيْهِ، الإحْباطُ بِهِ مُحَقَّقٌ، إذَنْ فَلا مَوْقِعَ لِإدْغامِ الكَلامِ بِعَدَمِ الشُّعُورِ، مَعَ أنَّ الشُّعُورَ ثابِتٌ مُطْلَقًا -واللَّهُ أعْلَمُ-. ثُمَّ قالَ: وهَذا التَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَدُورُ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ، كِلْتاهُما صَحِيحَةٌ: إحْداهُما- أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مِن جِنْسِ ما يَحْصُلُ بِهِ الإيذاءُ، وهَذا أمْرٌ يَشْهَدُ بِهِ النَّقْلُ والمُشاهَدَةُ الآنَ، حَتّى إنَّ الشَّيْخَ لَيَتَأذّى بِرَفْعِ التِّلْمِيذِ صَوْتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَكَيْفَ بِرُتْبَةِ النُّبُوَّةِ، وما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الإجْلالِ والإعْظامِ. المُقَدِّمَةُ الأُخْرى -أنَّ إيذاءَ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ. وهَذا أمْرٌ ثابِتٌ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أئِمَّتُنا -يَعْنِي المالِكِيَّةَ- وأفْتَوْا بِقَتْلِ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ كُفْرًا، ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، فَما أتاهُ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وأكْبَرُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الإنْصافَ هو الوُقُوفُ مَعَ ما أوْضَحَهُ النَّصُّ وأبانَهُ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ نُصَّ فِيهِ عَلى الإحْباطِ وجَبَ قَبُولُهُ بِدُونِ تَأْوِيلٍ، وامْتَنَعَ القِياسُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مَقامُ تَوَعُّدٍ وخُسْرانٍ، ولا مَجالَ لِلرَّأْيِ في مِثْلِ ذَلِكَ. هَذا ما أعْتَقِدُهُ وأراهُ. واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

الحجرات 49:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في خَفْضِها: ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ: اصْطَفاها وأخْلَصَها لِلتَّقْوى (p-٥٤٤٣)يَعْنِي لِاتِّقائِهِ بِأداءِ طاعَتِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، كَما يُمْتَحَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ، فَيَخْلُصُ جَيِّدُها، ويَبْطُلُ خَبَثُها: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: ثَوابٌ جَزِيلٌ، وهو الجَنَّةُ.

الحجرات 49:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ﴾ أيْ: يَدْعُونَكَ: ﴿مِن وراءِ﴾ أيْ: خارِجِ: ﴿الحُجُراتِ﴾ أيْ: عِنْدَ كَوْنِكَ فِيها، اسْتِعْجالًا لِخُرُوجِكَ إلَيْهِمْ، ولَوْ بِتَرْكِ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الأشْغالِ: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ إذْ لا يَفْعَلُهُ مُحْتَشِمٌ، ولا يُفْعَلُ لِمُحْتَشِمٍ، فَلا يُراعُونَ حُرْمَةَ أنْفُسِهِمْ، ولا حُرْمَتَكَ، ونُسِبَ إلى الأكْثَرِ، لِأنَّهُ قَدْ يَتْبَعُ عاقِلٌ جَماعَةَ الجُهّالِ، مُوافَقَةً لَهم.

الحجرات 49:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥] ﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: لِأنَّ خُرُوجَهُ بِاسْتِعْجالِهِمْ رُبَّما يُغْضِبُهُ، فَيَفُوتُهم فَوائِدُ رُؤْيَتِهِ وكَلامِهِ. وإنْ صَبَرُوا اسْتَفادُوا فَوائِدَ كَثِيرَةً، مَعَ اتِّصافِهِمْ بِالصَّبْرِ، ورِعايَةِ الحُرْمَةِ لِنَبِيِّهِمْ وأنْفُسِهِمْ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن تابَ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ، بِنِدائِكَ كَذَلِكَ، وراجَعَ أمْرَ اللَّهِ فِيهِ، وفي غَيْرِهِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ ذُكِرَ أنَّها نَزَلَتْ في الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ التَّمِيمِيِّ، فِيما أوْرَدَهُ غَيْرُ واحِدٍ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «عَنِ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ؛ أنَّهُ نادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! يا مُحَمَّدُ! - (وفِي رِوايَةٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ!) - فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقالَ: (p-٥٤٤٤)يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ حَمْدِي لَزَيْنٌ، وإنَّ ذَمِّي لَشَيْنٌ، فَقالَ: «ذاكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ»» . ورَوى ابْنُ إسْحاقَ، في ذِكْرِ سَنَةِ تِسْعٍ، وهي المُسَمّاةُ سَنَةَ الوُفُودِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ، وفَرَغَ مِن تَبُوكَ، وأسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وبايَعَتْ، ضَرَبَتْ إلَيْهِ وُفُودُ العَرَبِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَكانَ مِنهم وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ. فَلَمّا دَخَلُوا المَسْجِدَ نادَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن وراءِ حُجُراتِهِ: أنِ اخْرُجْ إلَيْنا يا مُحَمَّدُ ! فَآذى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن صِياحِهِمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ». ثُمَّ ساقَ ابْنُ إسْحاقَ نَبَأهم مُطَوَّلًا ثُمَّ قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] الثّانِي -: الحُجُراتُ بِضَمَّتَيْنِ، وبِفَتْحِ الجِيمِ، وبِسُكُونِها. وقُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا: جَمْعُ حُجْرَةٍ. وهي الرُّقْعَةُ مِنَ الأرْضِ المَحْجُورَةِ بِحائِطٍ يَحُوطُ عَلَيْها. فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، كالغُرْفَةِ والقُبْضَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ حُجُراتُ نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وكانَتْ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حُجْرَةٌ. ومُناداتُهم مِن ورائِها يَحْتَمِلُ أنَّهم قَدْ تَفَرَّقُوا عَلى الحُجُراتِ، مُتَطَلِّبِينَ لَهُ، فَناداهُ بَعْضٌ مِن وراءِ هَذِهِ، وبَعْضٌ مِن وراءِ تِلْكَ، وأنَّهم قَدْ أتَوْها حُجْرَةً حُجْرَةً، فَنادَوْهُ مِن ورائِها. وأنَّهم نادَوْهُ مِن وراءِ الحُجْرَةِ الَّتِي كانَ فِيها. ولَكِنَّها جُمِعَتْ إجْلالًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِمَكانِ حُرْمَتِهِ. والفِعْلُ -وإنْ كانَ مُسْنَدًا إلى جَمِيعِهِمْ- فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّاهُ بَعْضُهُمْ، وكانَ الباقُونَ راضِينَ، فَكَأنَّهم تَوَلُّوهُ جَمِيعًا. الثّالِثُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وُرُودُ الآيَةِ عَلى النَّمَطِ الَّذِي ورَدَتْ عَلَيْهِ، فِيهِ ما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ مِن بَيِّناتِ إكْبارِ مَحَلِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِهِ. مِنها - مَجِيئُها عَلى النَّظْمِ المُسَجَّلِ عَلى الصّائِحِينَ بِهِ، بِالسَّفَهِ والجَهْلِ، لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ. ومِنها - لَفْظُ: الحُجُراتِ وإيقاعُها، كِنايَةً عَنْ مَوْضِعِ خَلْوَتِهِ ومَقِيلِهِ مَعَ بَعْضِ نِسائِهِ. ومِنها - المُرُورُ عَلى لَفْظِها بِالِاقْتِصارِ عَلى القَدْرِ الَّذِي تَبَيَّنَ بِهِ ما اسْتَنْكَرَ عَلَيْهِمْ. ومِنها - التَّعْرِيفُ بِاللّامِ دُونَ الإضافَةِ. (p-٥٤٤٥)ومِنها- أنْ شَفَعَ ذَمَّهم بِاسْتِجْفائِهِمْ واسْتِرْكاكِ عُقُولِهِمْ، وقِلَّةِ ضَبْطِهِمْ لِمَواضِعِ التَّمْيِيزِ في المُخاطِباتِ، تَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَسْلِيَةً لَهُ، وإماطَةً لِما تَداخَلَهُ مِن إيحاشِ تَعَجْرُفِهِمْ، وسُوءِ أدَبِهِمْ، وهَلُمَّ جَرّا... مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ. فَتَأمَّلْ كَيْفَ ابْتُدِئَ بِإيجابِ أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الَّتِي تَنْتَمِي إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُمُورِ كُلِّها، مِن غَيْرِ حَصْرٍ ولا تَقْيِيدٍ. ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَمّا هو مِن جِنْسِ التَّقْدِيمِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ والجَهْرِ، كَأنَّ الأوَّلَ بِساطُ الثّانِي، ووَطْأً لِذِكْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما هو ثَناءٌ عَلى الَّذِينَ تَحامَوْا ذَلِكَ، فَغَضُّوا أصْواتَهُمْ، دَلالَةً عَلى عَظِيمِ مَوْقِعِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ جِيءَ عَلى عَقِبِ ذَلِكَ بِما هو أطَمُّ، وهُجْنَتُهُ أتَمُّ، مِنَ الصِّياحِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في حالِ خَلْوَتِهِ بِبَعْضِ حُرُماتِهِ مِن وراءِ الجُدُرِ، كَما يُصاحُ بِأهْوَنِ النّاسِ قَدْرًا، لِيُنَبِّهَ عَلى فَظاعَةِ ما أجْرَوْا إلَيْهِ، وجَسَرُوا عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ عَنْ أنْ يُجْهَرَ لَهُ بِالقَوْلِ، حَتّى خاطَبَهُ جِلَّةُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِأخِي السِّرارِ، كانَ صَنِيعُ هَؤُلاءِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي بَلَغَ مِنَ التَّفاحُشِ مَبْلَغًا. ومِن هَذا وأمْثالِهِ يُقْتَطَفُ ثَمَرُ الألْبابِ، وتُقْتَبَسُ مَحاسِنُ الآدابِ، كَما يُحْكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ -ومَكانُهُ مِنَ العِلْمِ والزُّهْدِ وثِقَةِ الرِّوايَةِ ما لا يَخْفى- أنَّهُ قالَ: ما دَقَقْتُ بابًا عَلى عالِمٍ قَطُّ، حَتّى يَخْرُجَ في وقْتِ خُرُوجِهِ. انْتَهى. الرّابِعُ -قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ العُلَماءُ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ ﷺ، كَما كانَ يُكْرَهُ في حَياتِهِ؛ لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ حَيًّا، وفي قَبْرِهِ ﷺ. وقَدْ رُوِّينا عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ رَجُلَيْنِ في مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ قَدِ ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَحَصَبَهُما. ثُمَّ ناداهُما فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُما؟ قالا: مِن أهْلِ الطّائِفِ. قالَ: لَوْ كُنْتُما مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَأوْجَعْتُكُما ضَرْبًا. انْتَهى. الخامِسُ -رَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ عَلى (p-٥٤٤٦)النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أمَرَ القَعْقاعُ بْنُ مَعْبَدٍ، وقالَ عُمَرُ: أمَرَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي! فَقالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ ! فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما. فَنَزَلَ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حَتّى انْقَضَتِ الآيَةُ. وفِي رِوايَةٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] الآيَةَ. قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَما كانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ». وقَدِ انْفَرَدَ بِهاتَيْنِ الرَّوايَتَيْنِ البُخارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ! قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَلامُ جُفاةِ الأعْرابِ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْتُ: لا يُعارِضُ ذَلِكَ هَذا الحَدِيثَ، فَإنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ الشَّيْخَيْنِ في تَخالُفِهِما في التَّأْمِيرِ هو أوَّلُ السُّورَةِ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١] ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِها قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْفَعُوا﴾ [الحجرات: ٢] تَمَسَّكَ عُمَرُ مِنها بِخَفْضِ صَوْتِهِ. وجُفاةُ الأعْرابِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هم مِن بَنِي تَمِيمٍ، والَّذِينَ يَخْتَصُّ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ﴾ [الحجرات: ٤] انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا مِرارًا الجَوابُ عَنْ أمْثالِهِ، بِأنَّ قَوْلَهُمْ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا، قَدْ يَكُونُ المُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادَ عَلى أنَّ مِثْلَهُ مِمّا تَتَناوَلُهُ الآيَةُ، لا أنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِها. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قَوْلُهم نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَذا، يُرادُ بِهِ تارَةً سَبَبُ النُّزُولِ، ويُرادُ بِهِ تارَةً أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في الآيَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ السَّبَبَ. كَما تَقُولُ: عَنى بِهَذِهِ الآيَةِ كَذا. انْتَهى. وبِهِ يُجابُ عَمّا يَرْوِيهِ كَثِيرٌ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ، فاحْفَظْهُ، فَإنَّهُ مِنَ المَضْنُونِ بِهِ عَلى غَيْرِ أهْلِهِ. ولَوْ وقَفَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ لَما ضَعَّفَ رِوايَةَ البُخارِيِّ، ولَما تَمَحَّلَ ابْنُ حَجَرٍ لِتَفْكِيكِ الآياتِ بِجَعْلِ بَعْضِها لِسَبَبٍ. وبَعْضِها لِآخَرَ، في قِصَّةٍ واحِدَةٍ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٤٤٧)

الحجرات 49:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ: فاسْتَظْهِرُوا صِدْقَهُ مِن كَذِبِهِ، بِطَرِيقٍ آخَرَ كَراهَةَ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ أيْ: قَوْمًا بَراءً مِمّا قُذِفُوا بِهِ بُغْيَةَ أذِيَّتِهِمْ بِجَهالَةٍ لِاسْتِحْقاقِهِمْ إيّاها، ثُمَّ يَظْهَرُ لَكم عَدَمُ اسْتِحْقاقِهِمْ: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ أيْ: فَتَنْدَمُوا عَلى إصابَتِكم إيّاها بِالجِنايَةِ الَّتِي تُصِيبُونَهم بِها، وحَقُّ المُؤْمِنِ أنْ يَحْتَرِزَ مِمّا يَخافُ مِنهُ النَّدَمَ في العَواقِبِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى صَدَقاتِ بَنِي المُصْطَلَقِ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِن طُرُقٍ. ومِن أحْسِنِها ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ مِن رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ المُصْطَلَقِ، وهو الحارِثُ بْنُ ضِرارٍ والِدُ جُوَيْرِيَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سابِقٍ، حَدَّثَنا عِيسى بْنُ دِينارٍ، حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ سَمِعَ الحارِثَ بْنَ ضِرارٍ الخُزاعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعانِي إلى الإسْلامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ، وأقْرَرْتُ بِهِ، ودَعانِي إلى الزَّكاةِ، فَأقْرَرْتُ بِها وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أرْجِعُ إلى قَوْمِي فَأدْعُوهم إلى الإسْلامِ، وأداءِ الزَّكاةِ، فَمَنِ اسْتَجابَ لِي جَمَعْتُ زَكاتَهُ، وأرْسِلْ إلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ رَسُولًا إبّانَ كَذا وكَذا لِيَأْتِيَكَ بِما جَمَعْتُ مِنَ الزَّكاةِ. فَلَمّا جَمَعَ الحارِثُ الزَّكاةَ مِمَّنِ اسْتَجابَ لَهُ، وبَلَغَ الإبّانَ الَّذِي أرادَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ، احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، فَلَمْ يَأْتِهِ، وظَنَّ الحارِثُ أنَّهُ قَدْ (p-٥٤٤٨)حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، فَدَعا بِسَرَواتِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ وقَّتَ لِي وقْتًا يُرْسِلُ إلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكاةِ، ولَيْسَ مِن رَسُولِ اللَّهِ الخَلْفُ، ولا أرى حَبْسَ رَسُولِهِ إلّا مِن سَخْطَةٍ، فانْطَلِقُوا فَنَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إلى الحارِثِ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدَهُ مِمّا جَمَعَ مِنَ الزَّكاةِ. فَلَمّا أنْ سارَ الوَلِيدُ حَتّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرِقَ، فَرَجَعَ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ الحارِثَ مَنَعَنِي الزَّكاةَ، وأرادَ قَتْلِي. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَعْثَ إلى الحارِثِ. فَأقْبَلَ الحارِثُ بِأصْحابِهِ، حَتّى إذا اسْتَقْبَلَ البَعْثَ، وفَصَلَ مِنَ المَدِينَةِ، لَقِيَهُمُ الحارِثُ، فَقالُوا: هَذا الحارِثُ! فَلَمّا غَشِيَهم قالَ لَهُمْ: إلى مَن بُعِثْتُمْ؟ قالُوا: إلَيْكَ. قالَ: ولِمَ؟ قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ بَعَثَ إلَيْكَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكاةَ، وأرْدْتَ قَتْلَهُ! قالَ: لا، والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، ما رَأيْتُهُ بَتَّةً، ولا أتانِي. فَلَمّا دَخَلَ الحارِثُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنَعْتَ الزَّكاةَ، وأرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟!» قالَ: لا، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! ما رَأيْتُهُ بَتَّةً! ولا أتانِي! وما أقْبَلْتُ إلّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! خَشِيتُ أنْ تَكُونَ كانَتْ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ. فَنَزَلَتِ الحُجُراتُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨]» وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: «أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إلى بَنِي المُصْطَلَقِ يَتَصَدَّقُهُمْ، فَتَلَقَّوْهُ بِالصَّدَقَةِ، فَرَجَعَ فَقالَ: إنَّ بَنِي المُصْطَلَقِ قَدْ جَمَعَتْ لَكَ لِتُقاتِلَكَ -(زادَ قَتادَةُ -: وإنَّهم قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ)، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَيْهِمْ، وأمَرَهُ أنْ يَتَثَبَّتَ ولا يَعْجَلَ، فانْطَلَقَ حَتّى أتاهم لَيْلًا، فَبَعَثَ عُيُونَهُ، فَلَمّا جاءُوا أخْبَرُوا خالِدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهم مُسْتَمْسِكُونَ بِالإسْلامِ، وسَمِعُوا أذانَهم وصَلاتَهم. فَلَمّا أصْبَحُوا أتاهم خالِدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَأى الَّذِي يُعْجِبُهُ. فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. قالَ قَتادَةُ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ»» . وكَذا ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنهُمُ ابْنُ أبِي لَيْلى، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، (p-٥٤٤٩)وغَيْرُهم في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في (المَعارِفِ): الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطِ بْنِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وهو أخُو عُثْمانَ لِأُمِّهِ أرْوى بِنْتِ كُرَيْزٍ. أسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلَقِ، فَأتاهُ فَقالَ: مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ! وكانَ كاذِبًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ووَلّاهُ عُمَرُ عَلى صَدَقاتِ بَنِي تَغْلِبَ، ووَلّاهُ عُثْمانُ الكُوفَةَ بَعْدَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، فَصَلّى بِأهْلِها صَلاةَ الفَجْرِ، وهو سَكْرانُ، أرْبَعًا، وقالَ: أزِيدُكُمْ؟! فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِشُرْبِ الخَمْرِ عِنْدَ عُثْمانَ، فَعَزَلَهُ وحْدَهُ. ولَمْ يَزَلْ بِالمَدِينَةِ حَتّى بُويِعَ عَلِيٌّ، فَخَرَجَ إلى الرِّقَّةِ فَنَزَلَها، واعْتَزَلَ عَلِيًّا ومُعاوِيَةَ. وماتَ بِناحِيَةِ الرِّقَّةِ. الثّانِي:- في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ رَدُّ خَبَرِ الفاسِقِ، واشْتِراطُ العَدالَةِ في المُخْبِرِ، راوِيًا كانَ، أوْ شاهِدًا، أوْ مُفْتِيًا. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومِن هُنا امْتَنَعَ طَوائِفُ مِنَ العُلَماءِ مِن قَبُولِ رِوايَةِ مَجْهُولِ الحالِ، لِاحْتِمالِ فِسْقِهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وقَبِلَها آخَرُونَ، لِأنّا إنَّما أُمِرْنا بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الفاسِقِ، وهَذا لَيْسَ بِمُحَقَّقِ الفِسْقِ لِأنَّهُ مَجْهُولُ الحالِ. الثّالِثُ:- في قَوْلِهِ تَعالى: فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ فائِدَتانِ: إحْداهُما- تَقْرِيرُ التَّحْذِيرِ وتَأْكِيدُهُ. ووَجْهُهُ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنِّي أصَبْتُ قَوْمًا، فَماذا عَلَيَّ؟ بَلْ عَلَيْكم مِنهُ الهَمُّ الدّائِمُ، والحُزْنُ المُقِيمُ. ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ واجِبٌ الِاحْتِرازُ مِنهُ. والثّانِيَةُ -مَدْحُ المُؤْمِنِينَ: أيْ: لَسْتُمْ، قالَ المَهايِمِيُّ: إذا فَعَلُوا سَيِّئَةً لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها، بَلْ تُصْبِحُونَ نادِمِينَ عَلَيْها -أفادَهُ الرّازِيُّ-. (p-٥٤٥٠)

الحجرات 49:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ . ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ لِأصْحابِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ: واعْلَمُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ، فاتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَقُولُوا الباطِلَ، وتَفْتَرُوا الكَذِبَ، فَإنَّ اللَّهَ يُخْبِرُهُ أخْبارَكُمْ، ويَعْرِفُهُ أنْباءَكُمْ، ويُقَوِّمُهُ عَلى الصَّوابِ في أُمُورِهِ. ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ: لَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَمَلٍ في الأُمُورِ بِآرائِكُمْ، ويَقْبَلُ مِنكم ما تَقُولُونَ لَهُ، فَيُطِيعُكُمْ، لَنالَكم عَنَتٌ -يَعْنِي الشِّدَّةَ والمَشَقَّةَ- في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، بِطاعَتِهِ إيّاكُمْ، لَوْ أطاعَكُمْ، لِأنَّهُ كانَ يُخْطِئُ في أفْعالِهِ، كَما لَوْ قَبِلَ مِنَ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَوْلَهُ في بَنِي المُصْطَلَقِ، أنَّهم قَدِ ارْتَدُّوا ومَنَعُوا الصَّدَقَةَ وجَمَعُوا الجُمُوعَ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَغَزاهم فَقَتَلَ مِنهُمْ، وأصابَ مِن دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، كانَ قَدْ قَتَلَ وقَتَلْتُمْ مَن لا يَحِلُّ لَهُ ولا لَكم قَتْلُهُ، وأخَذْتُمْ مِنَ المالِ ما لا يَحِلُّ لَهُ ولَكم أخْذُهُ مِن أمْوالِ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ، فَنالَكم مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ عَنَتٌ. والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أوِ الهَلاكُ، أوِ الإثْمُ، أوِ الفَسادُ. تَنْبِيهٌ: (أنَّ) بِما في حَيِّزِها سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ: اعْلَمُوا بِاعْتِبارِ ما قُيِّدَ بِهِ مِنَ الحالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ فِي: " فِيكم " المُسْتَتِرِ فِيهِ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيكم كائِنًا عَلى حالَةٍ يَجِبُ تَغْيِيرُها، أوْ كائِنِينَ عَلى حالَةٍ كَذَلِكَ، وهي أنَّكم تَوَدُّونَ أنْ يَتْبَعَكم في كَثِيرٍ (p-٥٤٥١)مِنَ الحَوادِثِ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَوَقَعْتُمْ في الجَهْلِ والهَلاكِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ بَعْضَهم زَيَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقَعَ في بَنِي المُصْطَلَقِ، وأنَّهُ لَمْ يُطِعْ رَأْيَهم هَذا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ مُسْتَأْنِفًا. إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ مَنَعَ هَذا الِاحْتِمالَ، قالَ: لِأدائِهِ إلى تَنافُرِ النَّظْمِ، لِأنَّهُ لَوِ اعْتَبَرَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ إلَخْ كَلامًا بِرَأْسِهِ، لَمْ يَأْخُذِ الكَلامُ بِحَجْزٍ بَعْضٍ، لِأنَّهُ لا فائِدَةَ حِينَئِذٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إذا قُطِعَ عَمّا بَعْدَهُ. وأُجِيبَ بِجَوازِ أنْ يُقْصَدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى جَلالَةِ مَحَلِّهِ ﷺ، وأنَّهم لِجَهْلِهِمْ بِمَكانِهِ مُفَرِّطُونَ فِيما يَجِبُ لَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ، وفي أنَّ شَأْنَهم أنْ يَتَّبِعُوهُ، ولا يَتَّبِعُوا آراءَهُمْ، حَتّى كَأنَّهم جاهِلُونَ بِأنَّهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَوَضَّحَ جَوازَ الِاسْتِئْنافِ، والوَقْفِ عَلى: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَما أجْدَرَكم أنْ تُطِيعُوا رَسُولَ اللَّهِ وتَأْتَمُّوا بِهِ، فَيَقِيكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ مِنَ العَنَتِ فِيما لَوِ اسْتَتْبَعْتُمْ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ لِرَأْيِكُمْ: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ أيْ: بِاللَّهِ: ﴿والفُسُوقَ﴾ يَعْنِي الكَذِبَ: ﴿والعِصْيانَ﴾ أيْ: مُخالَفَةَ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَضْيِيعَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ: أُولَئِكَ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِمَحَبَّةِ الإيمانِ، وتَزَيُّنِهِ في قُلُوبِهِمْ، وكَراهَتِهِمُ المَعاصِيَ: ﴿هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ أيِ: السّالِكُونَ طَرِيقَ الحَقِّ.

الحجرات 49:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨] ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ أيْ: إحْسانًا مِنهُ، ونِعْمَةً أنْعَمَها عَلَيْكم. قالَ القاشانِيُّ: كانَ فَضْلًا بِعِنايَتِهِ بِهِمْ في الأزَلِ، المُقْتَضِيَةِ لِلْهِدايَةِ الرُّوحانِيَّةِ الِاسْتِعْدادِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِهَذِهِ الكَمالاتِ في الأبَدِ. ونِعْمَةٌ بِتَوْفِيقِهِ إيّاهم لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضى تِلْكَ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ، وإعانَتِهِ بِإفاضَةِ الكَمالاتِ المُناسِبَةِ لِاسْتِعْداداتِهِمْ، حَتّى اكْتَسَبُوا مَلَكَةَ العِصْمَةِ المُوجِبَةِ لِكَراهَةِ المَعْصِيَةِ. وهو تَعْلِيلٌ لِـ: (حَبَّبَ)، و(كَرَّهَ)، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: جَرى ذَلِكَ فَضْلًا، أوْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا. (p-٥٤٥٢)﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: ذُو عِلْمٍ بِالمُحْسِنِ، والمُسِيءِ، وحِكْمَةٍ في تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، وتَصْرِيفِهِمْ فِيما شاءَ مِن قَضائِهِ.

الحجرات 49:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩] ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ . ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أيْ: تَقاتَلُوا: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: بِالدُّعاءِ إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ، والرِّضا بِما فِيهِ، لَهُما وعَلَيْهِما، وذَلِكَ هو الإصْلاحُ بَيْنَهُما بِالعَدْلِ. ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ أيْ: فَإنْ أبَتْ إحْدى هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ الإجابَةَ إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ، لَهُ وعَلَيْهِ، وتَعَدَّتْ ما جَعَلَ اللَّهُ عَدْلًا بَيْنَ خَلْقِهِ، وأجابَتِ الأُخْرى مِنهُما ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ أيْ: تَعْتَدِي وتَأْبى الإجابَةَ إلى حُكْمِ اللَّهِ: ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: تَرْجِعَ إلى حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ في كِتابِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ أيْ: رَجَعَتِ الباغِيَةُ، بَعْدَ قِتالِكم إيّاهُمْ، إلى الرِّضا بِحُكْمِ اللَّهِ في كِتابِهِ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ أيْ: بِالإنْصافِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ في كِتابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ عَدْلًا بَيْنَ خَلْقِهِ: ﴿وأقْسِطُوا﴾ أيِ: اعْدِلُوا في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيْ: فَيُجازِيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- قالَ القاشانِيُّ: الِاقْتِتالُ لا يَكُونُ إلّا لِلْمَيْلِ إلى الدُّنْيا، والرُّكُونِ إلى الهَوى، والِانْجِذابِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، والتَّوَجُّهِ إلى المَطالِبِ الجُزْئِيَّةِ. والإصْلاحُ إنَّما يَكُونُ مِن (p-٥٤٥٣)لُزُومِ العَدالَةِ في النَّفْسِ الَّتِي هي ظِلُّ المَحَبَّةِ، الَّتِي هي ظِلُّ الوَحْدَةِ. فَلِذَلِكَ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ المُوَحِّدُونَ بِالإصْلاحِ بَيْنَهُما، عَلى تَقْدِيرِ بَغْيِهِما. والقِتالِ مَعَ الباغِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ بَغْيِ إحْداهُما، حَتّى تَرْجِعَ. لِكَوْنِ الباغِيَةِ مُضادَّةً لِلْحَقِّ، دافِعَةً لَهُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَتَيْنِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ اقْتَتَلَتا في بَعْضِ ما تَنازَعَتا فِيهِ بِالنِّعالِ والأيْدِي، لا بِالسُّيُوفِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتاهم فَحَجَزَ بَيْنَهم وأصْلَحَ. رُوِيَ ذَلِكَ مِن طَرِيقٍ عَدِيدَةٍ، مِمّا يُقَوِّي أنَّ القِتالَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ كانَ حَقِيقِيًّا. ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ أنَّ الِاقْتِتالَ بِمَعْنى الخُصُومَةِ، والقِتالَ بِمَعْنى الدَّفْعِ مَجازًا. قالَ -فِيما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ-: كانَتْ تَكُونُ الخُصُومَةُ بَيْنَ الحَيَّيْنِ، فَيَدْعُوهم إلى الحُكْمِ، فَيَأْبَوْنَ أنْ يُجِيبُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ادْفَعُوا إلى الحُكْمِ، فَكانَ قِتالُهُمُ الدَّفْعَ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ المادَّةَ قَدْ تُحْمَلُ عَلى حَقِيقَتِها ومَجازِها فَتَتَّسِعُ لَهُما. وقَدْ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: لَيْسَ كُلُّ قِتالٍ قَتْلًا. وقَدْ يُفْضِي الخِصامُ إلى القَتْلِ، فَلا مانِعَ أنْ يُرادَ مِنَ الآيَةِ ما هو أعَمُّ، لِتَكُونَ الفائِدَةُ أشْمَلَ -واللَّهُ أعْلَمُ-. الثّانِي:- في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ وُجُوبُ الصُّلْحِ بَيْنَ أهْلِ العَدْلِ والبَغْيِ، وقِتالُ البُغاةِ وهو شامِلٌ لِأهْلِ مَكَّةَ كَغَيْرِهِمْ، وأنَّ مَن رَجَعَ مِنهم وأدْبَرَ لا يُقاتِلُ، لِقَوْلِهِ: حَتّى تَفِيءَ. انْتَهى. وقَدْ رَوى سَعِيدٌ عَنْ مَرْوانَ قالَ: صَرَخَ صارِخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الجَمَلِ: لا يُقْتَلْ مُدْبِرٌ، ولا يُذَفَّفْ عَلى جَرِيحٍ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن ألْقى السِّلاحَ فَهو آمِنٌ. وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى حُرْمَةِ قَتْلِ مُدْبِرِهِمْ وجَرِيحِهِمْ، وأنَّهُ لا يَغْنَمُ لَهم مالٌ، ولا تُسْبى لَهم ذَرِّيَّةٌ، لِأنَّهم لَمْ يَكْفُرُوا بِبَغْيِهِمْ ولا قِتالِهِمْ. وعِصْمَةُ الأمْوالِ تابِعَةٌ لِدِينِهِمْ، ولِذا يَجِبُ رَدُّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ إنْ أُخِذَ مِنهم. ولا يَضْمَنُوا ما أتْلَفُوهُ حالَ الحَرْبِ مِن نَفْسٍ أوْ مالٍ. ومَن قُتِلَ مِن أهْلِ (p-٥٤٥٤)البَغْيِ غُسِّلَ، وكُفِّنَ، وصُلِّيَ عَلَيْهِ، فَإنَّ قُتِلَ العادِلُ كانَ شَهِيدًا، فَلا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلّى عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قُتِلَ في قِتالٍ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، كَشَهِيدِ مَعْرَكَةِ الكُفّارِ. وأنْ أظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الخَوارِجِ. مِثْلَ تَكْفِيرِ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وتَرَكَ الجَماعَةَ، واسْتِحْلالِ دِماءِ المُسْلِمِينَ وأمْوالِهِمْ، ولَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهم. وإنْ جَنَوْا جِنايَةً وأتَوْا حَدًّا، أقامَهُ عَلَيْهِمْ. وإنِ اقْتَتَلَتْ طائِفَتانِ لِعَصَبِيَّةٍ، أوْ طَلَبِ رِئاسَةٍ، فَهُما ظالِمَتانِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما باغِيَةٌ عَلى الأُخْرى، وتَضْمَنُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما ما أتْلَفَ عَلى الأُخْرى. هَذِهِ شَذْرَةٌ مِمّا جاءَ في (الإقْناعِ)، و(شَرْحِهِ) وتَفْصِيلِهِ ثَمَّةَ. الثّالِثُ:- قالَ في (شَرْحِ الإقْناعِ): في الآيَةِ فَوائِدُ: مِنها أنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا بِالبَغْيِ عَنِ الإيمانِ، وأنَّهُ أوْجَبَ قِتالَهُمْ، وأنَّهُ أسْقَطَ عَنْهُمُ التَّبِعَةَ فِيما أتْلَفُوهُ في قِتالِهِمْ. وإجازَةُ كُلِّ مَن مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ. والأحادِيثُ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ: مِنها ما رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ قالَ: «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وأجْمَعَ الصَّحابَةُ عَلى قِتالِهِمْ، فَإنَّ أبا بَكْرٍ قاتَلَ مانِعِي الزَّكاةِ، وعَلِيًّا قاتَلَ أهْلَ الجَمَلِ، وأهْلَ صَفِّينَ. انْتَهى. وتَدُلُّ الآيَةُ أيْضًا عَلى وُجُوبِ مُعاوَنَةِ مَن بَغى عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: فَقاتِلُوا، وعَلى وُجُوبِ تَقْدِيمِ النُّصْحِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ وعَلى السَّعْيِ في المُصالَحَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ. الرّابِعُ:- وجْهُ الجَمْعِ فِي: اقْتَتَلُوا، مَعَ أنَّهُ قَدْ يُقالُ: مُقْتَضى الظّاهِرِ: اقْتَتَلَتا، هو الحَمْلُ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ الطّائِفَتَيْنِ في مَعْنى القَوْمِ والنّاسِ. والنُّكْتَةُ في اعْتِبارِ المَعْنى أوَّلًا. (p-٥٤٥٥)واللَّفْظُ ثانِيًا عَكْسُ المَشْهُورِ في الِاسْتِعْمالِ، ما قِيلَ إنَّهم أوَّلًا في حالِ القِتالِ مُخْتَلِطُونَ مُجْتَمِعُونَ، فَلِذا جَمَعَ أوَّلًا ضَمِيرَهُمْ، وفي حالِ الإصْلاحِ مُتَمَيِّزُونَ مُتَفارِقُونَ، فَلِذا ثَنّى الضَّمِيرَ ثانِيًا وسِرُّ قَرْنِ الإصْلاحِ الثّانِي بِالعَدْلِ، دُونَ الأوَّلِ، لِأنَّ الثّانِيَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ المُقاتَلَةِ مَظِنَّةً لِلتَّحامُلِ عَلَيْهِمْ بِالإساءَةِ، أوْ لِإيهامِ أنَّهم لَمّا أحْوَجُوهم لِلْقِتالِ اسْتَحَقُّوا الحَيْفَ عَلَيْهِمْ. الخامِسُ:- (أقْسَطَ) الرُّباعِيُّ هَمْزَتُهُ لِلسَّلْبِ. أيْ: أزِيلُوا الجَوْرَ، واعْدِلُوا. بِخِلافِ (قَسَطَ) الثُّلاثِيِّ، فَمَعْناهُ جارَ. قالَ تَعالى: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وهَذا هو المَشْهُورُ -خِلافًا لِلزَّجّاجِ - في جَعْلِهِما سَواءً- أفادَهُ الكَرْخِيُّ -. وقَوْلُهُ تَعالى:

الحجرات 49:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ . ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما مِنَ الأمْرِ بِالإصْلاحِ، فَإنَّ مِن لَوازِمِ الأُخُوَّةِ أنْ يَصْطَلِحُوا. قالَ الشِّهابُ: وتَسْمِيَةُ المُشارَكَةِ في الإيمانِ أُخُوَّةً تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ شَبَّهَ المُشارَكَةَ فِيهِ بِالمُشارَكَةِ في أصْلِ التَّوالُدِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أصْلٌ لِلْبَقاءِ، إذِ التَّوالُدُ مَنشَأُ الحَياةِ، والإيمانُ مَنشَأُ البَقاءِ الأبَدِيِّ في الجِنانِ. ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ أيْ: إذا اقْتَتَلا بِأنْ تَحْمِلُوهُما عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وحُكْمِ رَسُولِهِ. قالَ القاشانِيُّ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإيمانَ الَّذِي أقَلُّ مَرْتَبَتِهِ التَّوْحِيدُ والعَمَلُ، يَقْتَضِي الأُخُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِلْمُناسَبَةِ الأصْلِيَّةِ، والقَرابَةِ الفِطْرِيَّةِ، الَّتِي تَزِيدُ عَلى القَرابَةِ الصُّورِيَّةِ، والنِّسْبَةِ الوِلادِيَّةِ، بِما لا يُقاسُ، لِإقْضائِهِ المَحَبَّةَ القَلْبِيَّةَ، لا المَحَبَّةَ النَّفْسانِيَّةَ، المُسَبَّبَةَ عَنِ (p-٥٤٥٦)التَّناسُبِ في اللُّحْمَةِ. فَلا أقَلَّ مِنَ الإصْلاحِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ العَدالَةِ، وأحَدِ خِصالِها، إذْ لَوْ لَمْ يُعَدُّوا عَنِ الفِطْرَةِ، ولَمْ يَتَكَدَّرُوا بِغَواشِي النَّشْأةِ، لَمْ يَتَقاتَلُوا، ولَمْ يَتَخالَفُوا. فَوَجَبَ عَلى أهْلِ الصَّفاءِ، بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ، والرَّأْفَةِ، والشَّفَقَةِ اللّازِمَةِ لِلْأُخُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، الإصْلاحُ بَيْنَهُما، وإعادَتُهُما إلى الصَّفاءِ. انْتَهى. تَنْبِيهٌ: وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مُضافًا إلى المَأْمُورِينَ، لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْرِيرِ والتَّخْصِيصِ. وتَخْصِيصُ الِاثْنَيْنِ بِالذِّكْرِ دُونَ الجَمْعِ، لِأنَّ أقَلَّ مَن يَقَعُ بَيْنَهُمُ الشِّقاقُ اثْنانِ. فَإذا لَزِمَتِ المُصالَحَةُ بَيْنَ الأقَلِّ، كانَتْ بَيْنَ الأكْثَرِ ألْزَمَ، لِأنَّ الفَسادَ في شِقاقِ الجَمْعِ، أكْثَرُ مِنهُ في شِقاقِ الِاثْنَيْنِ -أفادَهُ القاضِي والزَّمَخْشَرِيُّ -. وفِي مَعْنى الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ: كَحَدِيثِ ««المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ»» . وحَدِيثِ ««واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ»» . وحَدِيثِ ««مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَواصُلِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الواحِدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالحُمّى والسَّهَرِ»» . وحَدِيثِ ««المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»» وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ﷺ -وكُلُّها في (الصِّحاحِ)-. (p-٥٤٥٧)﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: خافُوا مُخالَفَةَ حُكْمِهِ، والإهْمالَ فِيهِ، لِيَرْحَمَكم فَيُفْصِحُ عَنْ سالِفِ آثامِكُمْ، ويُثِيبَكَ رِضْوانَهُ.

الحجرات 49:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ أيْ: لا يَهْزَأْ رِجالٌ مِن رِجالٍ، فَيَرَوْا أنْفُسَهم خَيْرًا مِنَ المَسْخُورِ مِنهُمْ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ﴾ أيِ: السّاخِراتُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: فَإنَّ مَناطَ الخَيْرِيَّةِ في الفَرِيقَيْنِ، لَيْسَ ما يَظْهَرُ لِلنّاسِ مِنَ الصُّوَرِ والأشْكالِ والأوْضاعِ والأطْوارِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ السُّخْرِيَةِ غالِبًا. بَلْ إنَّما هو الأُمُورُ الكامِنَةُ في القُلُوبِ، فَلا يَجْتَرِئُ أحَدٌ عَلى اسْتِحْقارِ أحَدٍ، فَلَعَلَّهُ أجْمَعُ مِنهُ، لِما نِيطَ بِهِ مِنَ الخَيْرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَن وقَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، والِاسْتِهانَةِ بِمَن عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. ومِن أهْلِ التَّأْوِيلِ مَن خَصَّ السُّخْرِيَةَ بِما يَقَعُ مِنَ الغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ. وآخَرُونَ بِما يَعْثُرُ مِن أحَدٍ عَلى زَلَّةٍ أوْ هَفْوَةٍ، فَيَسْخَرُ بِهِ مِن أجْلِها. قالَ الطَّبَرِيُّ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ عَمَّ، بِنَهْيِهِ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَسْخَرَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، جَمِيعَ مَعانِي السُّخْرِيَةِ. فَلا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَسْخَرَ مِن مُؤْمِنٍ، لا لِفَقْرِهِ، ولا لِذَنْبٍ رَكِبَهُ، ولا لِغَيْرِ ذَلِكَ. (p-٥٤٥٨)وقَدْ عَدَّ الغَزالِيُّ في (الإحْياءِ) السُّخْرِيَةَ مِن آفاتِ اللِّسانِ، وأوْضَحَ مَعْناها بِما لا مَطْلَبَ وراءَهُ فَنَنْقُلُهُ هُنا تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الآفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ -السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ: وهَذا مُحَرَّمٌ مَهْما كانَ مُؤْذِيًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ الآيَةَ. ومَعْنى السُّخْرِيَةِ: الِاسْتِهانَةُ، والتَّحْقِيرُ، والتَّنْبِيهُ عَلى العُيُوبِ، والنَّقائِصِ، عَلى وجْهٍ يُضْحَكُ مِنهُ. وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالمُحاكاةِ في الفِعْلِ والقَوْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإشارَةِ والإيماءِ، وإذا كانَ بِحَضْرَةِ المُسْتَهْزَأِ بِهِ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ، وفِيهِ مَعْنى الغِيبَةِ. «وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: حاكَيْتُ، فَقالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «واللَّهِ ما أُحِبُّ أنِّي حاكَيْتُ إنْسانًا، ولِي كَذا وكَذا»» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] إنَّ الصَّغِيرَةَ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِ، والكَبِيرَةَ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ. وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الضَّحِكَ عَلى النّاسِ مِن جُمْلَةِ الذُّنُوبِ الكَبائِرِ. وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««مَن عَيَّرَ أخاهُ بِذَنْبٍ قَدْ تابَ مِنهُ، لَمْ يَمُتْ حَتّى يَعْمَلَهُ»» . وكُلُّ هَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِحْقارِ الغَيْرِ، والضَّحِكِ عَلَيْهِ، والِاسْتِهانَةِ بِهِ، والِاسْتِصْغارِ لَهُ. وعَلَيْهِ نَبَّهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ أيْ: لا تَسْتَحْقِرُوهُ اسْتِصْغارًا، فَلَعَلَّهُ خَيْرٌ مِنكَ. وهَذا إنَّما يَحْرُمُ في حَقِّ مَن يَتَأذّى بِهِ. فَأمّا مَن جَعَلَ نَفْسَهُ مَسْخَرَةً، ورُبَّما فَرِحَ مِن أنْ يُسْخَرَ بِهِ، كانَتِ السُّخْرِيَةُ في حَقِّهِ مِن جُمْلَةِ المَزْحِ. ومِنهُ ما يُذَمُّ وما يُمْدَحُ. وإنَّما المُحَرَّمُ اسْتِصْغارٌ يَتَأذّى بِهِ المُسْتَهْزَأُ بِهِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّحْقِيرِ والتَّهاوُنِ، وذَلِكَ تارَةً بِأنْ يَضْحَكَ عَلى كَلامِهِ إذا تَخَبَّطَ فِيهِ ولَمْ يَنْتَظِمْ، أوْ عَلى أفْعالِهِ إذا كانَتْ مُشَوَّشَةً، كالضَّحِكِ عَلى حِفْظِهِ (p-٥٤٥٩)وعَلى صَنْعَتِهِ أوْ عَلى صُورَتِهِ وخِلْقَتِهِ، إذا كانَ قَصِيرًا أوْ ناقِصًا، لِعَيْبٍ مِنَ العُيُوبِ، فالضَّحِكُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ داخِلٌ في السُّخْرِيَةِ المَنهِيِّ عَنْها. انْتَهى. لَطِيفَةٌ: قالَ أبُو السُّعُودِ: القَوْمُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجالِ، لِأنَّهُمُ القُوّامُ عَلى النِّساءِ، (والأحْسَنُ المُهِمّاتُ)، وهو في الأصْلِ إمّا جَمْعُ قائِمٍ كَصُوَّمٍ، وزُوَّرٍ، في جَمْعِ صائِمٍ، وزائِرٍ. أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ فَشاعَ في الجَمْعِ. وأمّا تَعْمِيمُهُ لِلْفَرِيقَيْنِ في مِثْلِ قَوْمِ عادٍ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَإمّا لِلتَّغْلِيبِ، أوْ لِأنَّهُنَّ تَوابِعُ. واخْتِيارُ الجَمْعِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِ السُّخْرِيَةِ في المَجامِعِ. والتَّنْكِيرُ إمّا لِلتَّعْمِيمِ أوْ لِلْقَصْدِ إلى نَهْيِ بَعْضِهِمْ عَنْ سُخْرِيَةِ بَعْضٍ، لِما أنَّها مِمّا يَجْرِي بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ. ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لا يَعِيبُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ولا يَطْعَنُ. قالَ الشِّهابُ: ضَمِيرُ: ﴿تَلْمِزُوا﴾ لِلْجَمْعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ فِيهِ. و: ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِ المُخاطَبِينَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَجَعَلَ ما هو مِن جِنْسِهِمْ بِمَنزِلَةِ أنْفُسِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَأطْلَقَ الأنْفُسَ عَلى الجِنْسِ اسْتِعارَةً. فَفي اللَّفْظِ الكَرِيمِ تَجَوُّزٌ، وتَقْدِيرُ مُضافٍ. والنَّهْيُ عَلى هَذا مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو مُغايِرٌ لِما قَبْلَهُ، وإنْ كانَ مَخْصُوصًا بِالمُؤْمِنِينَ أيْضًا بِحَسَبِ المَفْهُومِ، لِتَغايُرِ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ، فَلا يُقالُ إنَّ الأوَّلَ مُغْنٍ عَنْهُ، إذِ السُّخْرِيَةُ ذِكْرُهُ بِما يَكْرَهُ عَلى وجْهٍ مُضْحِكٍ بِحَضْرَتِهِ، وهَذا ذِكْرُهُ بِما يَكْرَهُ مُطْلَقًا. أوْ هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، كَما يُعْطَفُ العامُّ عَلى الخاصِّ، لِإفادَةِ الشُّمُولِ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن عَطْفِ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، أوِ اللَّمْزُ مَخْصُوصٌ بِما كانَ عَلى وجْهِ الخُفْيَةِ، كالإشارَةِ. أوْ هو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِجَعْلِ الخاصِّ كَجِنْسٍ آخَرَ مُبالَغَةً. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تَفْعَلُوا ما تُلْمَزُونَ بِهِ، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما اسْتَحَقَّ بِهِ اللَّمْزَ، فَقَدَ لَمَزَ نَفْسَهُ. (p-٥٤٦٠)قالَ الشِّهابُ: فَـ: " أنْفُسَكم " عَلى ظاهِرِهِ، والتَّجَوُّزُ في قَوْلِهِ: تَلْمِزُوا. فَهو مَجازٌ ذُكِرَ فِيهِ المُسَبِّبُ، وأُرِيدَ السَّبَبُ. والمُرادُ: لا تَرْتَكِبُوا أمْرًا تُعابُونَ بِهِ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ السِّياقِ، وغَيْرُ مُناسِبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ كَما في (الكَشْفِ)، وكَوْنُهُ مِنَ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ، إذْ أُسْنِدَ فِيهِ ما لِلْمُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ، تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، وكَذا كَوْنُهُ كالتَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، لا يَدْفَعُ كَوْنَهُ مُخالِفًا لِلظّاهِرِ. وكَذا كَوْنُ المُرادِ بِهِ لا تَتَسَبَّبُوا في الطَّعْنِ فِيكُمْ، بِالطَّعْنِ عَلى غَيْرِكُمْ، كَما في الحَدِيثِ ««مِنَ الكَبائِرِ أنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ»»، إذْ فُسِّرَ بِأنَّهُ إذا شَتَمَ والِدَيْ غَيْرِهِ، شَتَمَ الغَيْرُ والِدَيْهِ أيْضًا. ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ أيْ: ولا تَداعَوْا بِالألْقابِ الَّتِي يَكْرَهُ النَّبْزَ بِها المُلَقَّبُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عُنِيَ بِها قَوْمٌ كانَتْ لَهم أسْماءٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسْلَمُوا كانُوا يَغْضَبُونَ مِنَ الدُّعاءِ بِها رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ. وفَسَّرَهُ بَعْضُ السَّلَفِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: يا فاسِقُ، يا مُنافِقُ! وبَعْضٌ بِتَسْمِيَةِ الرَّجُلِ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ، وبِالفُسُوقِ بَعْدَ التَّوْبَةِ. والآيَةُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ -: تَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ قالَ: لِأنَّ التَّنابُزَ بِالألْقابِ هو دُعاءُ المَرْءِ صاحِبَهُ بِما يَكْرَهُهُ مِنِ اسْمٍ أوْ صِفَةٍ. ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْمُ هَهُنا يَعْنِي الذِّكْرَ. مِن قَوْلِهِمْ: طارَ اسْمُهُ في النّاسِ بِالكَرَمِ أوْ بِاللُّؤْمِ، كَما يُقالُ: طارَ ثَناؤُهُ وصِيتُهُ. وحَقِيقَتُهُ ما سَمّاهُ ذِكْرَهُ، وارْتَفَعَ بَيْنَ النّاسِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: أشادَ بِذِكْرِهِ؟ كَأنَّهُ قِيلَ بِئْسَ الذِّكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ارْتِكابِ هَذِهِ الجَرائِرِ، أنْ يُذْكَرُوا بِالفِسْقِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ الإيمانِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: (p-٥٤٦١)أحَدُهُما -اسْتِقْباحُ الجَمْعِ بَيْنَ الإيمانِ وبَيْنَ الفِسْقِ الَّذِي يَأْباهُ الإيمانُ ويَحْظُرُهُ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ الشَّأْنُ بَعْدَ الكَبْرَةِ، الصَّبْوَةُ. والثّانِي- أنَّهُ كانَ في شَتائِمِهِمْ لِمَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ: يا يَهُودِيُّ! يا فاسِقُ! فَنُهُوا عَنْهُ، وقِيلَ لَهُمْ: بِئْسَ الذِّكْرُ، أنْ تَذْكُرُوا الرَّجُلَ بِالفِسْقِ واليَهُودِيَّةِ بَعْدَ إيمانِهِ. والجُمْلَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّنابُزِ. والثّالِثُ- أنْ يُجْعَلَ مِن فِسْقِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ، كَما تَقُولُ لِلْمُتَحَوِّلِ عَنِ التِّجارَةِ إلى الفِلاحَةِ: بِئْسَتِ الحِرْفَةُ، الفِلاحَةُ بَعْدَ التِّجارَةِ. انْتَهى. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ الثّالِثَ، لا ذَهابًا لِرَأْيِ المُعْتَزِلَةِ مِن أنَّ الفاسِقَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، كَما أنَّهُ غَيْرُ كافِرٍ، فَهو في مَنزِلَةٍ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، بَلْ لِأنَّ السِّياقَ يَقْتَضِي خَتْمَ الكَلامِ بِالوَعِيدِ، فَإنَّ التَّلْقِيبَ بِما يَكْرَهُهُ النّاسُ أمْرٌ مَذْمُومٌ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الإيمانِ، فَإنَّهُ شِعارُ الجاهِلِيَّةِ. وعِبارَتَهُ: يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: ومَن فَعَلَ ما نَهَيْنا عَنْهُ، وتَقَدَّمَ عَلى مَعْصِيَتِنا بَعْدَ إيمانِهِ، فَسَخِرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَمَزَ أخاهُ المُؤْمِنَ، ونَبَزَهُ بِالألْقابِ، فَهو فاسِقٌ: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ يَقُولُ: فَلا تَفْعَلُوا فَتَسْتَحِقُّوا، إنْ فَعَلْتُمُوهُ، أنْ تُسَمَّوْا فُسّاقًا، بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ. وتُرِكَ ذِكْرُ ما وصَفْنا مِنَ الكَلامِ، اكْتِفاءً بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ﴾ عَلَيْهِ. ثُمَّ ضَعَّفَ القَوْلَ الثّانِي وقالَ: وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ أوْلى بِالكَلامِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ، فالَّذِي هو أوْلى أنْ يَخْتِمَها بِالوَعِيدِ لِمَن تَقَدَّمَ عَلى بَغْيِهِ، أوْ يُقَبِّحَ رُكُوبَهُ ما رَكِبَ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، لا أنْ يُخْبِرَ عَنْ قُبْحِ ما كانَ التّائِبُ أتاهُ مِن قَبْلِ تَوْبَتِهِ، إذْ كانَتِ الآيَةُ لَمْ تُفْتَتَحْ بِالخَبَرِ عَنْ رُكُوبِهِ ما كانَ رَكِبَ قَبْلَ التَّوْبَةِ مِنَ القَبِيحِ، فَيَخْتِمُ آخِرَها بِالوَعِيدِ عَلَيْهِ، أوِ القَبِيحِ. انْتَهى. (p-٥٤٦٢)﴿ومَن لَمْ يَتُبْ﴾ أيْ: مِن نَبْزِهِ أخاهُ بِما نَهى اللَّهُ عَنْ نَبْزِهِ بِهِ مِنَ الألْقابِ، أوْ لَمْزِهِ إيّاهُ، أوْ سُخْرِيَتِهِ مِنهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأكْسَبُوها العِقابَ بِرُكُوبِهِمْ ما نُهُوا عَنْهُ.

الحجرات 49:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ أيْ: كُونُوا عَلى جانِبٍ مِنهُ. وذَلِكَ بِأنْ تَظُنُّوا بِالنّاسِ سُوءًا؛ فَإنَّ الظّانَّ غَيْرُ مُحَقَّقٍ. وإبْهامُ (الكَثِيرِ) لِإيجابِ الِاحْتِياطِ والتَّوَرُّعِ فِيما يُخالِجُ الأفْئِدَةَ مِن هَواجِسِهِ، إذْ لا داعِيَةَ تَدْعُو المُؤْمِنَ لِلْمَشْيِ وراءَهُ، أوْ صَرْفِ الذِّهْنِ فِيهِ، بَلْ مِن مُقْتَضى الإيمانِ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِأنْفُسِهِمُ الحَسَنَ. قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] نَعَمْ! مَن أظْهَرَ فِسْقَهُ، وهَتَكَ سِتْرَهُ، فَقَدْ أباحَ عِرْضَهُ لِلنّاسِ. ومِنهُ ما رُوِيَ: مَن ألْقى جِلْبابَ الحَياءِ، فَلا غِيبَةَ لَهُ. ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنابُها عَمّا سِواها، أنَّ كُلَّ ما لَمْ تُعْرَفْ لَهُ أمارَةٌ صَحِيحَةٌ، وسَبَبٌ ظاهِرٌ، كانَ حَرامًا واجِبَ الِاجْتِنابِ. وذَلِكَ إذا كانَ المَظْنُونُ بِهِ مِمَّنْ شُوهِدَ مِنَ السَّتْرِ والصَّلاحِ، وأُونِسَتْ مِنهُ الأمانَةُ في الظّاهِرِ، فَظَنُّ الفَسادِ والخِيانَةِ بِهِ مُحَرَّمٌ، بِخِلافِ مَنِ اشْتَهَرَهُ النّاسُ بِتَعاطِي الرَّيْبِ، والمُجاهَرَةِ بِالخَبائِثِ. ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ وهو ظَنُّ المُؤْمِنِ الشَّرُّ، لا الخَيْرُ: ﴿إثْمٌ﴾ أيْ: مُكْسِبٌ لِلْعِقابِ، لِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ ما نُهِيَ عَنْهُ. (p-٥٤٦٣)قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في (الإحْياءِ) في بَيانِ تَحْرِيمِ الغِيبَةِ بِالقَلْبِ: اعْلَمْ أنَّ سُوءَ الظَّنِّ حَرامٌ، مِثْلَ سُوءِ القَوْلِ. فَكَما يَحْرُمُ عَلَيْكَ أنْ تُحَدِّثَ غَيْرَكَ بِلِسانِكَ بِمَساوِئِ الغَيْرِ، فَلَيْسَ لَكَ أنَّ تُحَدِّثَ نَفْسَكَ، وتُسِيءَ الظَّنَّ بِأخِيكَ. قالَ: ولَسْتُ أعْنِي بِهِ إلّا عَقْدَ القَلْبِ، وحُكْمَهُ عَلى غَيْرِهِ بِسُوءِ الظَّنِّ. فَأمّا الخَواطِرُ وحَدِيثُ النَّفْسِ، فَهو مَعْفُوٌّ عَنْهُ، بَلِ الشَّكُّ أيْضًا مَعْفُوٌّ عَنْهُ. ولَكِنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ أنْ يُظَنَّ. والظَّنُّ عِبارَةٌ عَمّا تَرْكَنُ إلَيْهِ النَّفْسُ، ويَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ. فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ قالَ: وسَبَبُ تَحْرِيمِهِ أنَّ أسْرارَ القُلُوبِ لا يَعْلَمُها إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ، فَلَيْسَ لَكَ أنْ تَعْتَقِدَ في غَيْرِكَ سُوءًا إلّا إذا انْكَشَفَتْ لَكَ بِعِيانٍ لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُمْكِنُكَ أنْ لا تَعْتَقِدَ ما عَلِمْتَهُ وشاهَدْتَهُ. وما لَمْ تُشاهِدْهُ بِعَيْنَيْكَ، ولَمْ تَسْمَعْهُ بِأُذُنِكَ، ثُمَّ وقَعَ في قَلْبِكَ، فَإنَّما الشَّيْطانُ يُلْقِيهِ إلَيْكَ، فَيَنْبَغِي أنْ تُكَذِّبَهُ فَإنْ أفْسَقَ الفُسّاقِ. إلى أنْ قالَ: فَلا يُسْتَباحُ ظَنُّ السَّوْءِ إلّا بِما يُسْتَباحُ بِهِ المالُ، وهو بِعَيْنٍ مُشاهِدَةٍ، أوْ بَيِّنَةٍ عادِلَةٍ. انْتَهى. ولَمّا كانَ مِن ثَمَراتِ سُوءِ الظَّنِّ التَّجَسُّسُ، فَإنَّ القَلْبَ لا يَقْنَعُ بِالظَّنِّ، ويَطْلُبُ التَّحْقِيقَ فَيَشْتَغِلُ بِالتَّجَسُّسِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ عَنْهُ، إثْرَ سُوءِ الظَّنِّ لِذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لا يَتْبَعْ بَعْضُكم عَوْرَةَ بَعْضٍ، ولا يَبْحَثْ عَنْ سَرائِرِهِ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ الظُّهُورَ عَلى عُيُوبِهِ، ولَكِنِ اقْنَعُوا بِما ظَهَرَ لَكم مِن أمْرِهِ، وبِهِ فاحْمَدُوا أوْ ذِمُّوا، لا عَلى ما تَعْلَمُونَهُ مِن سَرائِرِهِ. يُقالُ: تَجَسَّسَ الأمْرَ إذا تَطَلَّبَهُ، وبَحَثَ عَنْهُ، كَتَلَمَّسَ. قالَ الشِّهابُ: الجَسُّ (بِالجِيمِ) كاللَّمْسِ، فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ؛ لِأنَّ مَن يَطْلُبُ الشَّيْءَ يَمَسُّهُ ويَجُسُّهُ، فَأُرِيدَ بِهِ ما يَلْزَمُهُ، واسْتُعْمِلَ التَّفَعُّلُ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ. قالَ الغَزالِيُّ: ومَعْنى التَّجَسُّسِ أنْ لا يَتْرُكَ عِبادَ اللَّهِ تَحْتَ سَتْرِ اللَّهِ، فَيَتَوَصَّلُ إلى الِاطِّلاعِ، وهَتْكِ السِّتْرِ، حَتّى يَنْكَشِفَ لَهُ ما هو كانَ مَسْتُورًا عَنْهُ، كانَ أسْلَمَ لِقَلْبِهِ ودِينِهِ. (p-٥٤٦٤)وقَدْ رُوِيَ في مَعْنى الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها حَدِيثُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ حَتّى أسْمَعَ العَواتِقَ في خُدُورِهِنَّ، فَقالَ: «يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بِلِسانِهِ، ولَمْ يَخْلُصِ الإيمانُ في قَلْبِهِ! لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ مَن تَتَبَّعَ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتّى يَفْضَحَهُ، ولَوْ في جَوْفِ بَيْتِهِ»» . وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ: ««لا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا»» . ورَوى أبُو داوُدَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا فُلانٌ، تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا! فَقالَ: إنّا قَدْ نُهِينا عَنِ التَّجَسُّسِ، ولَكِنْ إنْ يَظْهَرْ لَنا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ -والرَّجُلُ سَمّاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في رِوايَتِهِ: الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ. ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّكَ إنِ اتَّبَعْتَ عَوْراتِ النّاسِ أفْسَدْتَهُمْ، أوْ كِدْتَ أنْ تُفْسِدَهم». فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلِمَةً سَمِعَها مُعاوِيَةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ، نَفَعَهُ اللَّهُ بِها». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ دُجَيْنٍ، كاتِبِ عُقْبَةَ، قالَ: لِعُقْبَةَ: إنّا لَنا جِيرانًا يَشْرَبُونَ (p-٥٤٦٥)الخَمْرَ، وأنا داعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ فَيَأْخُذُونَهُمْ! قالَ: لا تَفْعَلْ، ولَكِنْ عِظْهم وتَهَدَّدْهُمْ! قالَ: فَفَعَلَ فَلَمْ يَنْتَهُوا. قالَ: فَجاءَهُ دُجَيْنٌ فَقالَ: إنِّي نَهَيْتُهم فَلَمْ يَنْتَهُوا، وإنِّي داعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ فَتَأْخُذَهُمْ! فَقالَ لَهُ عُقْبَةُ: لا تَفْعَلْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ فَكَأنَّما اسْتَحْيى مَوْؤُودَةً مِن قَبْرِها»» !. ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الأمِيرَ إذا ابْتَغى الرِّيبَةَ في النّاسِ أفْسَدَهم»» . قالَ الأوْزاعِيُّ: ويَدْخُلُ في التَّجَسُّسِ اسْتِماعُ قَوْمٍ وهم لَهُ كارِهُونَ. ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا يَقُلْ بَعْضُكم في بَعْضٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ، ما يَكْرَهُ المَقُولُ فِيهِ ذَلِكَ، أنْ يُقالَ لَهُ في وجْهِهِ. يُقالُ: غابَهُ واغْتابَهُ، كَغالَهُ واغْتالَهُ، إذا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ في غَيْبَتِهِ ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ؟ أيْ: فَلَوْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ، نَفَرَتْ عَنْهُ نُفُوسُكُمْ، وكَرِهْتُمُوهُ. فَلِذا يَنْبَغِي أنْ تَكْرَهُوا الغَيْبَةَ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، مِثْلَ اغْتِيابِ الإنْسانِ لِآخَرَ بِأكْلِ لَحْمِ الأخِ مَيْتًا. لَطائِفُ: الأُولى:- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكُمْ﴾ إلَخْ تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِما يَنالُهُ المُغْتابُ مِن عِرْضِ المُغْتابِ عَلى أفْظَعِ وجْهٍ وأفْحَشِهِ، وفِيهِ مُبالَغاتٌ شَتّى: مِنها -الِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، وهو يُفِيدُ المُبالَغَةَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَقَعُ في كَلامِ مُسْلِمٍ عِنْدَ كُلِّ سامِعٍ، حَقِيقَةً أوْ دُعاءً. ومِنها- جَعْلُ ما هو الغايَةُ مِنَ الكَراهَةِ مَوْصُولًا بِالمَحَبَّةِ. ومِنها- إسْنادُ الفِعْلِ إلى (أحَدِكُمْ)، والإشْعارُ بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأحَدَيْنِ لا يُحِبُّ ذَلِكَ. ومِنها- أنْ لَمْ يَقْتَصِرْ تَمْثِيلُ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ، حَتّى جَعَلَ الإنْسانَ أخًا. ومِنها- أنْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى أكْلِ لَحْمِ الأخِ، حَتّى جُعِلَ مَيْتًا. انْتَهى. (p-٥٤٦٦)وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ) في بَحْثِ الكِنايَةِ: فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكُمْ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَنّى عَنِ الغَيْبَةِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ لَحْمَ إنْسانٍ آخَرَ مِثْلِهِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ حَتّى جَعَلَهُ مَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ ما هو الغايَةُ مِنَ الكَراهَةِ مَوْصُولًا بِالمَحَبَّةِ. فَهَذِهِ أرْبَعُ دَلالاتٍ واقِعَةٍ عَلى ما قُصِدَتْ لَهُ، مُطابَقَةً لِلْمَعْنى الَّذِي ورَدَتْ مِن أجْلِهِ. فَأمّا جَعْلُ الغِيبَةِ كَأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ لَحْمَ إنْسانٍ آخَرَ مِثْلِهِ، فَشَدِيدُ المُناسَبَةِ جِدًّا، لِأنَّ الغِيبَةَ إنَّما هي ذِكْرُ مَثالِبِ النّاسِ، وتَمْزِيقُ أعْراضِهِمْ. وتَمْزِيقُ العِرْضِ مُماثِلٌ لِأكْلِ الإنْسانِ لَحْمَ مَن يَغْتابُهُ، لِأنَّ أكْلَ اللَّحْمِ تَمْزِيقٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وأمّا جَعْلُهُ كَلَحْمِ الأخِ فَلِما في الغِيبَةِ مِنَ الكَراهَةِ، لِأنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ مُجْتَمِعانِ عَلى اسْتِكْراهِها، آمِرانِ بِتَرْكِها، والبُعْدِ عَنْها. ولَمّا كانَتْ كَذَلِكَ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ لَحْمِ الأخِ في كَراهَتِهِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ لَحْمَ الإنْسانِ مُسْتَكْرَهٌ عِنْدَ إنْسانٍ آخَرَ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ مِثْلَ كَراهَةِ لَحْمِ أخِيهِ. فَهَذا القَوْلُ مُبالَغَةٌ في اسْتِكْراهِ الغِيبَةِ. وأمّا جَعْلُهُ ما هو في الغايَةِ مِنَ الكَراهَةِ مَوْصُولًا بِالمَحَبَّةِ، فَلِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ المَيْلِ إلى الغِيبَةِ، والشَّهْوَةِ لَها، مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِها فانْظُرْ أيُّها المُتَأمِّلُ إلى هَذِهِ الكِنايَةِ تَجِدْها مِن أشَدِّ الكِناياتِ شَبَهًا، لِأنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الدَّلالاتِ الأرْبَعِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها، وجَدْتَها مُناسِبَةً لِما قُصِدَتْ لَهُ. انْتَهى. الثّانِيَةُ:- الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. والمَعْنى: إنْ صَحَّ ذَلِكَ، أوْ عَرَضَ عَلَيْكم هَذا، فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ، فَما ذُكِرَ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، وهو ماضٍ فَيُقَدَّرُ مَعَهُ (قَدْ) لِيَصِحَّ دُخُولُ الفاءِ عَلى الجَوابِ الماضِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] وضَمِيرُ: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ لِلْأكْلِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ لِلِاغْتِيابِ المَفْهُومِ مِنهُ. والمَعْنى: فاكْرَهُوهُ كَراهِيَتَكم لِذَلِكَ الأكْلِ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِلْمُبالَغَةِ، فَإذا أُوِّلَ بِما ذُكِرَ يَكُونُ إنْشائِيًّا غَيْرَ مُحْتاجٍ لِتَقْدِيرِ (قَدْ) -أفادَهُ الشِّهابُ -. الثّالِثَةُ:- قالَ ابْنُ الفَرَسِ: يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنْ لا يَجُوزَ لِلْمُضْطَرِّ أكْلُ مَيْتَةِ الآدَمِيِّ (p-٥٤٦٧)لِأنَّهُ ضُرِبَ بِهِ المَثَلُ في تَحْرِيمِ الغِيبَةِ، ولَمْ يُضْرَبْ بِمَيْتَةِ سائِرِ الحَيَوانِ. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ في التَّحْرِيمِ فَوْقَها. ومَن أرادَ اسْتِيفاءَ مَباحِثِ الغِيبَةِ فَعَلَيْهِ (بِالإحْياءِ) لِلْغَزالِيِّ، فَإنَّهُ جَمَعَ فَأوْعى. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: خافُوا عُقُوبَتَهُ بِانْتِهائِكم عَمّا نَهاكم عَنْهُ مِن ظَنِّ السَّوْءِ، والتَّجَسُّسِ عَمّا سَتَرَ والِاغْتِيابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَناهِي، ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَةَ التّائِبِينَ إلَيْهِ، ويَتَكَرَّمُ بِرَحْمَتِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ بَعْدَ مَتابِهِمْ. ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى، بَعْدَ نَهْيِهِ عَنِ الغِيبَةِ واحْتِقارِ النّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، عَلى تَساوِيهِمْ في البَشَرِيَّةِ، كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الحجرات 49:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ . ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ أيْ: مِن آدَمَ وحَوّاءَ، أوْ مِن ماءِ ذَكَرٍ مِنَ الرِّجالِ، وماءِ أُنْثى مِنَ النِّساءِ. أيْ: مِن أبٍ وأُمٍّ، فَما مِنكم أحَدٌ إلّا هو يُدْلِي بِمِثْلِ ما يُدْلِي بِهِ الآخَرُ، سَواءٌ بِسَواءٍ، فَلا وجْهَ لِلتَّفاخُرِ، والتَّفاضُلِ في النَّسَبِ. ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وجَعَلْناكم مُتَناسِبِينَ، فَبَعْضُكم يُناسِبُ بَعْضًا نَسَبًا بَعِيدًا، وبَعْضُكم يُناسِبُ بَعْضًا نَسَبًا قَرِيبًا. لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا في قُرْبِ القَرابَةِ مِنهُ وبُعْدِهِ، لا لِفَضِيلَةٍ لَكم في ذَلِكَ، وقُرْبَةٍ تُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ، بَلْ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ أيْ: أشَدُّكُمُ اتِّقاءً لَهُ، وخَشْيَةً بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لا أعْظَمُكم بَيْتًا، ولا أكْثَرُكم عَشِيرَةً. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أيْ: بِظَواهِرِكم وبَواطِنِكُمْ، وبِالأتْقى والأكْرَمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. (p-٥٤٦٨)تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- حَكى الثَّعالِبِيُّ في (فِقْهِ اللُّغَةِ) في تَدْرِيجِ القَبِيلَةِ مِنَ الكَثْرَةِ إلى القِلَّةِ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِيهِ: أنَّ الشَّعْبَ (بِفَتْحِ الشِّينِ)، أكْبَرُ مِنَ القَبِيلَةِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، (بِكَسْرِ العَيْنِ)، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخْذُ. وعَنْ غَيْرِهِ: الشَّعْبُ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، ثُمَّ العَشِيرَةُ، ثُمَّ الذُّرِّيَّةُ، ثُمَّ العِتْرَةُ، ثُمَّ الأُسْرَةُ. انْتَهى. وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ بَرَّيٍّ: الصَّحِيحُ في هَذا ما رَتَّبَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ وهُوَ: الشَّعْبُ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخْذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، قالَ أبُو أُسامَةَ: هَذِهِ الطَّبَقاتُ عَلى تَرْتِيبِ خَلْقِ الإنْسانِ، فالشَّعْبُ أعْظَمُها، مُشْتَقٌّ مِن شَعْبِ الرَّأْسِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ مِن قَبِيلَةِ الرَّأْسِ لِاجْتِماعِها، ثُمَّ العِمارَةُ وهي الصَّدْرُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخْذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ وهي السّاقُ. وزادَ بَعْضُهُمُ العَشِيرَةَ فَقالَ: ؎أقْصِدُ الشَّعْبَ فَهو أكْثَرُ حَيٍّ عَدَدًا في الحِواءِ ثُمَّ القَبِيلَهْ ؎ثُمَّ يَتْلُوها العِمارَةُ ثُمَّ الـ ∗∗∗ بَطْنُ والفَخْذُ بَعْدَها والفَصِيلَهْ ؎ثُمَّ مِن بَعْدِها العَشِيرَةُ لَكِنْ ∗∗∗ هي في جَنْبِ ما ذَكَرْنا قَلِيلَهْ فَخُزَيْمَةُ شَعْبٌ، وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارَةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وهاشِمٌ فَخْذٌ، والعَبّاسُ فَصِيلَةٌ. وسُمِّيَتِ (الشُّعُوبُ)؛ لِأنَّ القَبائِلَ تَشَعَّبَتْ مِنها. و(الشُّعُوبُ): جَمْعُ شَعْبٍ، بِفَتْحِ الشِّينِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في (شَرْحِ نَوادِرِ أبِي عَلِيٍّ القالِيِّ ): كُلُّ النّاسِ حَكى الشَّعْبَ في القَبِيلَةِ بِالفَتْحِ، وفي الجَبَلِ بِالكَسْرِ، إلّا بُنْدارًا فَإنَّهُ رَواهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بِالعَكْسِ. نَقَلَهُ الزُّبَيْدِيُّ في (تاجِ العَرُوسِ). الثّانِي:- في الآيَةِ الِاعْتِناءُ بِالأنْسابِ، وأنَّها شُرِعَتْ لِلتَّعارُفِ، وذَمِّ التَّفاخُرِ بِها، وأنَّ التَّقِيَّ غَيْرُ النَّسِيبِ، يُقَدَّمُ عَلى النَّسِيبِ غَيْرِ التَّقِيِّ، فَيُقَدَّمُ الأرْوَعُ في الإمامَةِ عَلى النَّسِيبِ غَيْرِهِما. (p-٥٤٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ وهْبٍ قالَ: سَألْتُ مالِكًا عَنْ نِكاحِ المَوالِي العَرَبِيَّةِ فَقالَ: حَلالٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ في الكَفاءَةِ الحُرِّيَّةَ -نَقَلَهُ في (الإكْلِيلِ). وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الكَفاءَةَ في النِّكاحِ لا تُشْتَرَطُ، ولا يُشْتَرَطُ سِوى الدِّينِ. الثّالِثُ:- أفادَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعارَفُوا﴾ حَصْرَ حِكْمَةِ جَعْلِهِمْ شُعُوبًا وقَبائِلَ فِيهِ. أيْ: إنَّما جَعَلْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَتَصِلُوا الأرْحامَ، وتُبَيِّنُوا الأنْسابَ، والتَّوارُثَ، لا لِلتَّفاخُرِ بِالآباءِ والقَبائِلِ. قالَ الشِّهابُ: الحَصْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، والسُّكُوتِ في مَعْرِضِ البَيانِ. وقالَ القاشانِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ لا كَرامَةَ بِالنَّسَبِ، لِتَساوِي الكُلِّ في البَشَرِيَّةِ المُنْتَسِبَةِ إلى ذَكَرٍ وأُنْثى. والِامْتِيازُ بِالشُّعُوبِ والقَبائِلِ إنَّما يَكُونُ لِأجْلِ التَّعارُفِ بِالِانْتِسابِ، لا لِلتَّفاخُرِ، فَإنَّهُ مِنَ الرَّذائِلِ. والكَرامَةُ لا تَكُونُ إلّا بِالِاجْتِنابِ عَنِ الرَّذائِلِ الَّذِي هو أصْلُ التَّقْوى. ثُمَّ كُلَّما كانَتِ التَّقْوى أزْيَدَ رُتْبَةً، كانَ صاحِبُها أكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ، وأجَلَّ قَدْرًا. فالمُتَّقِي عَنِ المَناهِي الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي هي الذُّنُوبُ، في عُرْفِ ظاهِرِ الشَّرْعِ، أكْرَمُ مِنَ الفاجِرِ، وعَنِ الرَّذائِلِ الخُلُقِيَّةِ كالجَهْلِ، والبُخْلِ، والشَّرَهِ، والحِرْصِ، والجُبْنِ، أكْرَمُ مِنَ المُجْتَنِبِ عَنِ المَعاصِي المَوْصُوفِ بِها. انْتَهى. الرّابِعُ:- رُوِيَ في مَعْنى الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيُّ النّاسِ أكْرَمُ؟ قالَ: «أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم». قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ: «فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ». قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: «فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي؟» قالُوا: نَعَمْ. قالَ: «فَخِيارُكم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُكم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا»» . (p-٥٤٧٠)ورَوى مُسْلِمٌ عَنْهُ أيْضًا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم وأمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وأعْمالِكم»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «انْظُرْ فَإنَّكَ لَسْتَ بِخَيْرٍ مِن أحْمَرَ ولا أسْوَدَ، إلّا أنْ تَفْضُلَهُ بِتَقْوى اللَّهِ»» . ورَوى البَزّارُ في مُسْنَدِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««كُلُّكم بَنُو آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ مِن تُرابٍ، ولَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ بِآبائِهِمْ، أوْ لَيَكُونُنَّ أهْوَنَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الجُعْلانِ»» . ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «أيُّها النّاسُ! إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أذْهَبَ عَنْكم عَيْبَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَعَظُّمَها بِآبائِها. فالنّاسُ رَجُلانِ: رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَجُلٌ فاجِرٌ يُتَّقى، هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ الآيَةَ»» . وبَقِيَتْ أحادِيثُ أُخَرُ ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ، فانْظُرْها. ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ النّاسُ: الإذْنُ كُلُّهُ وقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ وقالَ النّاسُ: أكْرَمُكم أعْظَمُكم بَيْتًا. قالَ عَطاءٌ: نَسِيتُ الثّالِثَةَ. ولَمّا كانَتْ طَلِيعَةُ السُّورَةِ في الحَدِيثِ عَنْ جُفاةِ الأعْرابِ، والإنْكارِ عَلى مَساوِئِ أخْلاقِهِمْ، ثُمَّ تَأثُّرِها مِنَ المَناهِي عَنِ المُنْكَراتِ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهِ، ما كانُوا فِيها هُمُ المَقْصُودَ أوَّلًا وبِالذّاتِ، ثُمَّ غَيَّرَهم ثانِيًا، وبِالعَرْضِ خَتَمَها بِتَعْرِيفِ أنَّ مَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ في ارْتِكابِ تِلْكَ المَناهِي، فَهو مِمَّنْ لَمْ يُخامِرْ فُؤادَهُ الإيمانُ، ثُمَّ بَيانِ مَنِ المُؤْمِنُ حَقًّا، لِيَفْقَهُوا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما يَزْعُمُونَ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: (p-٥٤٧١)

الحجرات 49:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤] ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ أيِ: المُحَدَّثُ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿آمَنّا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ، زَعْمًا أنَّ التَّلَفُّظَ بِمادَّةِ الإيمانِ هو عُنْوانُ كُلِّ مَكْرُمَةٍ وإحْسانٍ، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَسْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وإنْ أخْبَرْتُمْ عَنْهُ، لِأنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ، ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ: انْقَدْنا ودَخَلْنا في السِّلْمِ خَوْفَ السِّباءِ والقَتْلِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَوْ حَلَّ الإيمانُ في القُلُوبِ لَتَأثَّرَ مِنهُ البَدَنُ، وظَهَرَ عَلَيْهِ مِصْداقُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، والبُعْدِ مِن رُكُوبِ المَناهِي، فَإنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، ولِكُلِّ دَعْوى شاهِدٌ. فَإنْ قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ شَبَّهَ التَّكْرارَ مِن غَيْرِ اسْتِقْلالٍ بِفائِدَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ؟ والجَوابُ: إنَّ فائِدَةَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ تَكْذِيبُ دَعْواهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ تَوْقِيتٌ لِما أُمِرُوا بِهِ أنْ يَقُولُوهُ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا حِينَ لَمْ تَثْبُتْ مُواطَأةُ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكُمْ؛ لِأنَّهُ كَلامٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: " قُولُوا " . وما فِي: " لَمّا " مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ، دالٌّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنُوا فِيما بَعْدُ، فَلا تَكْرارَ. هَذا ما أشارَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، واخْتارَ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا، لا مُسْتَأْنَفَةً، إخْبارًا مِنهُ تَعالى، فَإنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِما ذُكِرَ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن لَمْ يَرَ الإيمانَ والإسْلامَ مُتَرادِفَيْنِ، بَلْ بَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، لِأنَّ الإسْلامَ الِانْقِيادُ لِلْعَمَلِ ظاهِرًا، والإيمانُ تَصْدِيقُ القَلْبِ كَما قالَ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ انْتَهى. (p-٥٤٧٢)وهَذا الِاسْتِدْلالُ في غايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأنَّ تَرادُفَهُما شَرْعًا لا يَمْنَعُ مِن إطْلاقِهِما بِمَعْناهُما اللُّغَوِيِّ في بَعْضِ المَواضِعِ. وإبانَةُ ذَلِكَ مَوْكُولَةٌ إلى القَرائِنِ، وهي جَلِيَّةٌ، كَما هُنا. وإلّا فَآيَةُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أكْبَرُ مُنادٍ عَلى اتِّحادِهِما. ومِنَ اللَّطائِفِ أنْ يُقالَ في الإيمانِ والإسْلامِ ما قالُوهُ في الفَقِيرِ والمِسْكِينِ، إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا. والإيمانُ والإسْلامُ، وأمْثالُهُما ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ مَحْضَةٌ، ولَمْ يُطْلِقْها الشَّرْعُ إلّا عَلى القَوْلِ والعَمَلِ، كَما أوْضَحَ ذَلِكَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) فانْظُرْهُ. الثّانِي:- قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ رَدٌّ عَلى الكَرّامِيَّةِ في قَوْلِهِمْ إنَّ الإيمانَ هو الإقْرارُ بِاللِّسانِ، دُونَ عَقْدِ القَلْبِ، وهو ظاهِرٌ. وقَدِ اسْتَوْفى الرَّدَّ عَلَيْهِمْ كَغَيْرِهِمُ، الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ)، فَراجِعْهُ. الثّالِثُ:- قِيلَ، مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: قُلْ لا تَقُولُوا آمَنّا، ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا. أوْ: لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ. فَعَدَلَ عَنْهُ إلى هَذا النَّظْمِ احْتِرازًا مِنَ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ والجَزْمِ بِإسْلامِهِمْ، وقَدْ فَقَدْ شَرْطَ اعْتِبارِهِ شَرْعًا. وقِيلَ: إنَّهُ مِن الِاحْتِباكِ، وأصْلُهُ: لَمْ تُؤْمِنُوا فَلا تَقُولُوا آمَنّا، ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ، فَقُولُوا أسْلَمْنا، فَحَذَفَ مِن كُلٍّ مِنهُما نَظِيرَ ما أثْبَتَ في الآخَرِ. والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ فَنُفِيَ عَنْهُمْ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ فَقالَ: دَعَوُا ادِّعاءَ الإيمانِ، وادَّعَوُا الإسْلامَ، فَإنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَنْكم عَلى ما فِيهِ، فَنَفى الإيمانَ، وأثْبَتَ لَهم قَوْلَ الإسْلامِ دُونَ الِاتِّصافِ بِهِ، وهو أبْلَغُ مِمّا ذُكِرَ مِن الِاحْتِباكِ، مَعَ سَلامَتِهِ مِنَ الحَذْفِ بِلا قَرِينَةٍ -هَذا ما في القاضِي وحَواشِيهِ. ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: فَتَأْتَمِرُوا لِأوامِرِهِما، وتَنْتَهُوا عَمّا نَهَياكم عَنْهُ. والخِطابُ لِهَؤُلاءِ الأعْرابِ القائِلِينَ آمَنّا: ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَظْلِمُكم مِن أُجُورِ أعْمالِكم شَيْئًا، ولا يَنْقُصُكم مِن ثَوابِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: (ألَتَهُ السُّلْطانُ حَقَّهُ أشَدَّ الألْتِ. وهي لُغَةُ غَطِفانَ، ولُغَةُ أسَدٍ، (p-٥٤٧٣)وأهْلِ الحِجازِ -لاتَهُ لَيْتًا- وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أُمِّ هِشامٍ السَّلُولِيَّةِ أنَّها قالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا يُفاتُ، ولا يُلاتُ، ولا تَصِمُهُ الأصْواتُ. وقُرِئَ بِاللُّغَتَيْنِ: لا يَلِتْكم ولا يَأْلِتَكم. ونَحْوَهُ في المَعْنى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن أطاعَهُ، وتابَ إلَيْهِ مِن سالِفِ ذُنُوبِهِ، فَأنِيبُوا إلَيْهِ أيُّها الأعْرابُ، وتُوبُوا مِنَ النِّفاقِ، واعْقِدُوا قُلُوبَكم عَلى الإيمانِ، والعَمَلِ بِمُقْتَضَياتِهِ، يَغْفِرُ لَكم ويَرْحَمُكم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الإيمانَ، وما بِهِ يَكُونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِنًا، بِقَوْلِهِ:

الحجرات 49:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ . ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَقَعْ في نُفُوسِهِمْ شَكٌّ فِيما آمَنُوا بِهِ مِن وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ، وألْزَمُوا نُفُوسَهم طاعَةَ اللَّهِ، وطاعَةَ رَسُولِهِ، والعَمَلَ بِما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن فَرائِضِ اللَّهِ بِغَيْرِ شَكٍّ في وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: جاهَدُوا المُشْرِكِينَ بِإنْفاقِ أمْوالِهِمْ، وبَذْلِ مُهَجِهِمْ في جِهادِهِمْ، عَلى ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن جِهادِهِمْ، وذَلِكَ سَبِيلُهُ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ العُلْيا، وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى -قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدَّمْنا مِرارًا أنَّ قَصْرَ سَبِيلِ اللَّهِ عَلى غَزْوِ الكُفّارِ المُعْتَدِينَ، مِن بابِ قَصْرِ العامِّ عَلى أهَمِّ أفْرادِهِ وأعْلاها، وإلّا فَسَبِيلُ اللَّهِ يَعُمُّ العِباداتِ والطّاعاتِ كُلَّها، لِأنَّها في سَبِيلِ وُجْهَتِهِ. (p-٥٤٧٤)قالَ الشِّهابُ: وقَدَّمَ الأمْوالَ، لِحِرْصِ الإنْسانِ عَلَيْها، فَإنَّ مالَهُ شَقِيقُ رُوحِهِ. و: " جاهَدُوا " بِمَعْنى: بَذَلُوا الجُهْدَ. أوْ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ، أيِ: العَدُوُّ، أوِ النَّفْسُ والهَوى. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ صَدَقُوا في ادِّعاءِ الإيمانِ، لِظُهُورِ أثَرِ الصِّدْقِ عَلى جَوارِحِهِمْ، وتَصْدِيقِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ يُكَذِّبُ أُولَئِكَ الأعْرابَ في ادِّعائِهِمُ الإيمانَ وإفادَةٌ لِلْحَضَرِ. أيْ: هُمُ الصّادِقُونَ، لا هَؤُلاءِ، أوْ إيمانُهم إيمانُ صِدْقٍ، وجِدٍّ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأعْمالَ مِنَ الإيمانِ. وقَدَّمْنا أنَّ هَذا ما لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ السَّلَفِ، ولِيُرْجَعْ في ذَلِكَ ما بَسَطَهُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في (الفِصَلِ). الثّانِي:- قالَ القاشانِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى الإيمانِ المُعْتَبَرِ الحَقِيقِيِّ، وهو اليَقِينُ الثّابِتُ في القَلْبِ المُسْتَقِرُّ الَّذِي لا ارْتِيابَ مَعَهُ، لا الَّذِي يَكُونُ عَلى سَبِيلِ الخَطِراتِ، فالمُؤْمِنُونَ هُمُ المُوقِنُونَ الَّذِينَ غَلَّبَتْ مَلَكَةُ اليَقِينِ قُلُوبَهم عَلى نُفُوسِهِمْ، ونَوَّرَتْها بِأنْوارِها، فَتَأصَّلَتْ فِيها مَلَكَةُ القُلُوبِ حَتّى تَأثَّرَتْ بِها الجَوارِحُ، فَلَمْ يُمْكِنْها إلّا الجَرْيُ بِحُكْمِها، والتَّسَخُّرُ لَهَيْئَتِها، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ نَفْيِ الِارْتِيابِ عَنْهُمْ، لِأنَّ بَذْلَ المالِ والنَّفْسِ في طَرِيقِ الحَقِّ هو مُقْتَضى اليَقِينِ الرّاسِخِ، وأثَرُهُ في الظّاهِرِ. انْتَهى. الثّالِثُ:- قالَ في (الكَشّافِ): فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (ثُمَّ) هَهُنا، وهي لِلتَّراخِي. وعَدَمُ الِارْتِيابِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقارَنًا لِلْإيمانِ، لِأنَّهُ وصْفٌ فِيهِ، لِما بَيَّنَتْ مِن إفادَةِ الإيمانِ مَعْنى الثِّقَةِ، والطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي حَقِيقَتُها التَّيَقُّنُ، وانْتِفاءِ الرَّيْبِ؟ قُلْتُ: الجَوابُ عَلى طَرِيقَتَيْنِ: أحَدُهُما- أنَّ مِن وُجِدَ مِنهُ الإيمانُ رُبَّما اعْتَرَضَهُ الشَّيْطانُ، أوْ بَعْضُ المُضِلِّينَ، بَعْدَ ثَلْجِ الصَّدْرِ، فَشَكَّكَهُ وقَذَفَ في قَلْبِهِ ما يَثْلِمُ يَقِينَهُ. أوْ نَظَرَ هو نَظَرًا غَيْرَ سَدِيدٍ يُسْقِطُ بِهِ عَلى الشَّكِّ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّ عَلى ذَلِكَ، راكِبًا رَأْسَهُ، لا يَطْلُبُ لَهُ مَخْرَجًا. فَوُصِفَ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِالبُعْدِ عَنْ هَذِهِ المُوبِقاتِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] (p-٥٤٧٥)والثّانِي:- أنَّ الإيقانَ وزَوالَ الرَّيْبِ، لِما كانَ مِلاكَ الإيمانِ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإيمانِ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِ. وعُطِفَ عَلى الإيمانِ بِكَلِمَةِ التَّراخِي، إشْعارًا بِاسْتِقْرارِهِ في الأزْمَةِ المُتَراخِيَةِ المُتَطاوِلَةِ غَضًّا جَدِيدًا. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ إمّا لِنَفْيِ الشَّكِّ عَنْهم فِيما بَعْدُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم كَما لَمْ يَرْتابُوا أوَّلًا لَمْ تَحْدُثْ لَهم رِيبَةٌ، فالتَّراخِي زَمانِيٌّ لا رَتْبِيٌّ عَلى ما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] أوْ عَطَفَهُ عَلَيْهِ عَطْفَ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِهِ في الإيمانِ، حَتّى كَأنَّهُ شَيْءٌ آخَرُ. فَثَمَّ دَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.

الحجرات 49:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الأعْرابِ القائِلِينَ بِأفْواهِهِمْ: آمَنّا ﴿أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِقَوْلِكُمْ: آمَنّا، بِطاعَتِكم إيّاهُ لِتَكُونُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ، ولا تُبالُونَ بِعِلْمِهِ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ، مِنَ التَّعْلِيمِ، بِمَعْنى الإعْلامِ والإخْبارِ، فَلِذا تَعَدّى لِلثّانِي بِالباءِ. وقِيلَ: تَعَدّى بِها لِتَضْمِينِ مَعْنى الإحاطَةِ أوِ الشُّعُورِ. وفِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم وتَوْبِيخٌ. أيْ: لِأنَّ قَوْلَهُمْ: آمَنّا إنْ كانَ إخْبارًا لِلْخَلْقِ فَلا دَلِيلَ عَلى صِدْقِهِ، وإنْ كانَ لِلْحَقِّ تَعالى فَلا مَعْنى لَهُ، لِأنَّهم كَيْفَ يُعَلِّمُونَهُ، وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا ما تَقَدَّمَ مِنَ اللَّهِ إلى هَؤُلاءِ الأعْرابِ بِالنَّهْيِ عَنْ أنْ يَكْذِبُوا، ويَقُولُوا غَيْرَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِن دِينِهِمْ. يَقُولُ: اللَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ، فاحْذَرُوا أنْ تَقُولُوا خِلافَ ما يَعْلَمُ مِن ضَمائِرِكُمْ، فَيَنالُكم عُقُوبَتُهُ، فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ. ثُمَّ أشارَ إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن جَفائِهِمْ، مَخْتُومًا بِتَوَعُّدِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٤٧٦)

الحجرات 49:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيِ: انْقادُوا وكَثَّرُوا سَوادَ أتْباعِكَ، ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ: بِإسْلامِكُمْ، إذْ لا ثَمَرَةَ مِنهُ إلَيَّ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِكُمْ: آمَنّا لَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ مِن قُلُوبِكم أنَّكم كاذِبُونَ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ، كَما قالَ:

الحجرات 49:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: إنَّ اللَّهَ أيُّها الأعْرابُ لا يَخْفى عَلَيْهِ الصّادِقُ مِنكم مِنَ الكاذِبِ، ومِنَ الدّاخِلِ مِنكم في مِلَّةِ الإسْلامِ رَغْبَةً فِيهِ، ومِنَ الدّاخِلِ فِيهِ رَهْبَةً مِنَ الرَّسُولِ وجُنْدِهِ، فَلا تُعَلِّمُونا دِينَكُمْ، وضَمائِرَ صُدُورِكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في خَبايا السَّماواتِ والأرْضِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَتْ بَنُو أسَدٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! أسْلَمْنا وقاتَلَتْكَ العَرَبُ، ولَمْ نُقاتِلْكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ فِقْهَهم قَلِيلٌ، وإنَّ الشَّيْطانَ يَنْطِقُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ»» - ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ -. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في الأعْرابِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهم (p-٥٤٧٧)فِي آخِرِ السُّورَةِ مِن جُفاةِ الأعْرابِ، غَيْرَ المَعْنِيِّينَ أوَّلَها، وإنَّما ضُمُّوا إلَيْهِمْ لِاشْتِراكِهِمْ مَعَهم في غِلْظَةِ القَوْلِ وخُشُونَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبَأُ لِقَبِيلَةٍ واحِدَةٍ -واللَّهُ أعْلَمُ. الثّانِي:- في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] الآيَةَ، مُلاحَظَةُ المِنَّةِ لِلَّهِ، والفَضْلُ في الهِدايَةِ، والقِيامُ بِواجِبِ شُكْرِها، والِاعْتِرافُ بِها، كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأنْصارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «يا مَعْشَرَ الأنْصارِ! ألَمْ أجِدْكم ضُلّالًا فَهَداكُمُ اللَّهُ بِي، وكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وكُنْتُمْ عالَةً فَأغْناكُمُ اللَّهُ بِي» ؟ - كُلَّما قالَ شَيْئًا، قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ». وما ألْطَفَ قَوْلَ أبِي إسْحاقَ الصّابِيِّ في طَلِيعَةِ كِتابٍ لَهُ، بَعْدَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى: وبَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم يَهْدُونَهم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والفَوْزِ العَظِيمِ، ويَعْدِلُونَ بِهِمْ عَنِ المَسْلَكِ الذَّمِيمِ، والمَوْرِدِ الوَخِيمِ، فَكانَ آخِرَهم في الدُّنْيا عَصْرًا، وأوَّلَهم يَوْمَ الدِّينِ ذِكْرًا، وأرْجَحَهم عِنْدَ اللَّهِ مِيزانًا، وأوْضَحَهم حُجَّةً وبُرْهانًا، وأبْعَدَهم في الفَضْلِ غايَةً، وأبْهَرَهم مُعْجِزَةً وآيَةً، مُحَمَّدٌ ﷺ تَسْلِيمًا، الَّذِي اتَّخَذَهُ صَفِيًّا وحَبِيبًا، وأرْسَلَهُ إلى عِبادِهِ بَشِيرًا ونَذِيرًا، عَلى حِينِ ذَهابٍ مِنهم مَعَ الشَّيْطانِ، وصُدُوفٍ عَنِ الرَّحْمَنِ، وتَقْطِيعٍ لِلْأرْحامِ، وسَفْكٍ لِلدِّماءِ الحَرامِ، واقْتِرافٍ لِلْجَرائِمِ، واسْتِحْلالٍ لِلْمَآثِمِ. أُنُوفُهم في المَعاصِي حَمِيَّةٌ، ونُفُوسُهم في غَيْرِ ذاتِ اللَّهِ أبِيَّةٌ، يَدْعُونَ مَعَهُ الشُّرَكاءَ، ويُضِيفُونَ إلَيْهِ الأكْفاءَ، ويَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. فَلَمْ يَزَلْ ﷺ يَقْذِفُ في أسْماعِهِمْ فَضائِلَ الإيمانِ، ويَقْرَأُ عَلى قُلُوبِهِمْ قَوارِعَ القُرْآنِ، ويَدْعُوهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ بِاللُّطْفِ لَمّا كانَ وحِيدًا، وبِالعُنْفِ لَمّا وجَدَ أنْصارًا وجُنُودًا. لا يَرى لِلْكُفْرِ أثَرًا إلّا طَمَسَهُ ومَحاهُ، ولا رَسْمًا إلّا أزالَهُ وعَفّاهُ، ولا حُجَّةً مُمَوَّهَةً إلّا كَشَفَها ودَحَضَها، ولا دِعامَةً مَرْفُوعَةً إلّا حَطَّها ووَضَعَها حَتّى ضَرَبَ الحَقَّ بِجُرّانِهِ، وصَدَعَ بِبُنْيانِهِ، وسَطَعَ بِمِصْباحِهِ، ونَصَعَ بِأوْضاحِهِ، واسْتَنْبَطَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ مِن حَضِيضِ النّارِ، وعَلّاها إلى ذُرْوَةِ الصُّلَحاءِ والأبْرارِ، واتَّصَلَ حَبْلُها بَعْدَ البَتاتِ، (p-٥٤٧٨)والتَأمَ شَمْلُها بَعْدَ الشَّتاتِ، واجْتَمَعَتْ بَعْدَ الفُرْقَةِ، وتَواعَدَتْ بَعْدَ الفِتْنَةِ، فَصَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ صَلاةً زاكِيَةً نامِيَةً، رائِحَةً غادِيَةً، مُنْجِزَةً عِدَتَهُ، رافِعَةً دَرَجَتَهُ. الثّالِثُ:- قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ فِيها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ. وهي إمّا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ مَعَ غَيْرِهِما مِن أبْناءِ الجِنْسِ. وهم عَلى صِنْفَيْنِ؛ لِأنَّهم إمّا أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ، وداخِلِينَ في رُتْبَةِ الطّاعَةِ، أوْ خارِجًا عَنْها، وهو الفاسِقُ. والدّاخِلُ في طائِفَتِهِمُ، السّالِكُ لِطَرِيقَتِهِمْ، إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا عِنْدَهُمْ، أوْ غائِبًا عَنْهُمْ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ: أحَدُها:- يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ. وثانِيها:- بِجانِبِ الرَّسُولِ. وثالِثُها:- بِجانِبِ الفُسّاقِ. ورابِعُها:- بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ. وخامِسُها:- بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ. فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، وأرْشَدَ في كُلِّ مَرَّةٍ إلى مَكْرُمَةٍ مَعَ قِسْمٍ مِنَ الأقْسامِ الخَمْسَةِ. فَقالَ أوَّلًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وذِكْرُ الرَّسُولِ كانَ لِبَيانِ طاعَةِ اللَّهِ، لِأنَّها لا تُعْلَمُ إلّا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ. وقالَ ثانِيًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] لِبَيانِ وُجُوبِ احْتِرامِ النَّبِيِّ ﷺ. وقالَ ثالِثًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ الِاعْتِمادِ عَلى أقْوالِهِمْ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ إلْقاءَ الفِتْنَةِ بَيْنَكُمْ، وبَيَّنَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] (p-٥٤٧٩)وقالَ رابِعًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] وقالَ: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ [الحجرات: ١١] لِبَيانِ وُجُوبِ تَرْكِ إيذاءِ المُؤْمِنِينَ في حُضُورِهِمْ، والإزْراءِ بِحالِهِمْ ومَنصِبِهِمْ. وقالَ خامِسًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ إهانَةِ جانِبِ المُؤْمِنِ حالَ غَيْبَتِهِ، وذَكَرَ ما لَوْ كانَ حاضِرًا لَتَأذّى. وهو في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ التَّرْتِيبِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِنَ قَبْلَ الفاسِقِ لِتَكُونَ المَراتِبُ مُتَدَرِّجَةً. الِابْتِداءُ بِاللَّهِ، ورَسُولِهِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ، ثُمَّ الفاسِقِ؟ نَقُولُ: قَدَّمَ اللَّهُ ما هو الأهَمُّ عَلى ما دُونَهُ، فَذَكَرَ جانِبَ اللَّهِ، ثُمَّ جانِبَ الرَّسُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفْضِي إلى الِاقْتِتالِ بَيْنَ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الإصْغاءِ إلى كَلامِ الفاسِقِ، والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ كُلَّ ما كانَ أشَدَّ نِفارًا لِلصُّدُورِ. وأمّا المُؤْمِنُ الحاضِرُ، أوِ الغائِبُ فَلا يُؤْذِي المُؤْمِنَ إلى حَدٍّ يُفْضِي إلى القِتالِ. ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ نَبَأِ الفاسِقِ، آيَةَ الِاقْتِتالِ فَقالَ: وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا؟ انْتَهى.

ق 50:1

(p-٥٤٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ ق وتُسَمّى سُورَةَ (الباسِقاتِ). وهي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وآيُها خَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ السُّورَةُ هي أوَّلُ الحِزْبِ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ. وأمّا ما يَقُولُهُ العَوامُّ أنَّهُ مِن (عَمَّ) فَلا أصْلَ لَهُ، ولَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ المُعْتَبَرِينَ فِيما نَعْلَمُ. والدَّلِيلُ ما رَواهُ أوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ قالَ: سَألْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُحَزِّبُونَ القُرْآنَ؟ فَقالُوا: ثَلاثٌ، وخَمْسٌ، وسَبْعٌ، وتِسْعٌ، وإحْدى عَشْرَةَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ وحِزْبُ المُفَصَّلِ وحْدَهُ. فَإذا عَدَدْتَ ثَمانِيًا وأرْبَعِينَ سُورَةً فالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ (ق) بَيانُهُ: ثَلاثٌ: البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ والنِّساءُ. وخَمْسٌ: المائِدَةُ والأنْعامُ والأعْرافُ والأنْفالُ وبَراءَةٌ. وسَبْعٌ: يُونُسُ وهُودٌ ويُوسُفُ والرَّعْدُ وإبْراهِيمُ والحِجْرُ والنَّحْلُ. وتِسْعٌ: سُبْحانَ والكَهْفُ ومَرْيَمُ وطَهَ والأنْبِياءُ والحَجُّ والمُؤْمِنُونَ والنُّورُ والفُرْقانُ. وإحْدى عَشْرَةَ: الشُّعَراءُ والنَّمْلُ والقَصَصُ والعَنْكَبُوتُ والرُّومُ ولُقْمانُ وألَم السَّجْدَةَ وسَبَأٌ وفاطِرٌ ويَسَ. وثَلاثَ عَشْرَةَ: الصّافّاتُ وصِّ والزُّمَرُ وغافِرٌ وحَم السَّجْدَةِ وحَم عسق والزُّخْرُفُ والدُّخانُ والجاثِيَةُ والأحْقافُ والقِتالُ والفَتْحُ والحُجُراتُ. (p-٥٤٨١)ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الحِزْبُ المُفَصَّلُ، كَما قالَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ أوَّلَهُ سُورَةُ (ق). ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ أبا واقِدٍ اللَّيْثِيَّ: ما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في العِيدِ؟ قالَ: بِـ (ق) و(اقْتَرَبَتْ)». ورَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، «عَنْ أُمِّ هِشامٍ بِنْتِ حارِثَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَتْ: ما حَفِظْتُ (ق) إلّا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. كانَ يَخْطُبُ بِها كُلَّ جُمُعَةٍ». وفِي رِوايَةٍ: «كانَ يَقْرَؤُها كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ». والقَصْدُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ في المَجامِعِ الكِبارِ، كالعِيدِ والجُمَعِ، لِاشْتِمالِها عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ والبَعْثِ والنُّشُورِ والمَعادِ والقِيامِ والحِسابِ والجَنَّةِ والنّارِ والثَّوابِ والعِقابِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. انْتَهى. (p-٥٤٨٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ هُوَ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي المُفْتَتَحِ بِها أوائِلُ السُّوَرِ، مِثْلَ: ص ون، والم، وحم، ونَحْوَها. عَلَمٌ عَلى السُّورَةِ، عَلى الصَّحِيحِ مِن أقْوالٍ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهم قالُوا: ﴿ق﴾ جَبَلٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأرْضِ يُقالُ لَهُ: جَبَلُ قافٍ. وكَأنَّ هَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- مِن خُرافاتِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّتِي أخَذَها عَنْهم بَعْضُ النّاسِ؛ لِما رَأى مِن جَوازِ الرِّوايَةِ عَنْهم مِمّا لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّبُ. وعِنْدِي أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِنِ اخْتِلاقِ بَعْضِ زَنادِقَتِهِمْ يُلَبِّسُونَ عَلى النّاسِ أمْرَ دِينِهِمْ، كَما افْتُرِيَ في هَذِهِ الأُمَّةِ -مَعَ جَلالَةِ قَدْرِ عُلَمائِها وحُفّاظِها وأئِمَّتِها- أحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما بِالعَهْدِ مَن قَدَمَ، فَكَيْفَ بِأُمَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، مَعَ طُولِ المَدى، وقِلَّةِ الحُفّاظِ والنُّقّادِ فِيهِمْ، وشُرْبِهِمُ الخُمُورَ، وتَحْرِيفِ عُلَمائِهِمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وتَبْدِيلِ كُتُبِ اللَّهِ وآياتِهِ؟! وإنَّما أباحَ الشّارِعُ الرِّوايَةَ عَنْهم في قَوْلِهِ: ««وحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ولا حَرَجَ»» فِيما قَدْ يُجَوِّزُهُ العَقْلُ، فَأمّا فِيما تُحِيلُهُ العُقُولُ ويُحْكَمُ فِيهِ بِالبُطْلانِ ويَغْلِبُ عَلى الظُّنُونِ كَذِبُهُ، فَلَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ. وقَدْ أكْثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ المُفَسِّرِينَ وكَذا طائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الخَلَفِ، مِنَ الحِكايَةِ عَنْ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ تَفْسِيرَ القُرْآنِ المَجِيدِ، ولَيْسَ بِهِمُ احْتِياجٌ إلى أخْبارِهِمْ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ. (p-٥٤٨٣)ثُمَّ رَدَّ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ مِن ﴿ق﴾ قُضِيَ الأمْرُ واللَّهِ! كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافُ أيْ: إنِّي واقِفَةٌ، بِأنَّ في هَذا نَظَرًا؛ لِأنَّ الحَذْفَ في الكَلامِ إنَّما يَكُونُ إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ومِن أيْنَ يُفْهَمُ هَذا مِن ذِكْرِ هَذا الحَرْفِ؟ انْتَهى. ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ أيْ: ذِي المَجْدِ والشَّرَفِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ.

ق 50:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: لَأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِن جِنْسِهِمْ، لا مِن جِنْسِ المَلَكِ، أوْ مِن جَلَدَتِهِمْ، وهو كَما قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والقُرْآنُ المَجِيدُ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ؛ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ، حَسْبَما ورَدَ في صَدْرِ سُورَةِ الأعْرافِ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، جَعَلُوا كُلًّا مِنَ المُنْذِرِ والمُنْذَرِ بِهِ عُرْضَةً لِلنَّكِيرِ والتَّعَجُّبِ، مَعَ كَوْنِهِما أوْفَقَ شَيْءٍ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ، وأقْرَبَهُ إلى التَّلَقِّي بِالقَبُولِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: والقُرْآنُ المَجِيدُ إنَّكَ لَمُنْذِرٌ. ثُمَّ قِيلَ بَعْدَهُ: إنَّهم شَكُّوا فِيهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِالشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَزَمُوا بِالخِلافِ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ. وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَمّا يُفْهَمُ مِن وصْفِ القُرْآنِ بِالمَجِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ سَبَبَ اقْتِناعِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أنَّهُ لا مَجْدَ لَهُ، ولَكِنْ لِجَهْلِهِمْ. ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِتَعَجُّبِهِمْ، وبَيانٌ لِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِغايَةِ الإنْكارِ، مَعَ زِيادَةِ تَفْصِيلٍ لِمَحَلِّ التَّعَجُّبِ. وهَذا إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْذِرًا بِالقُرْآنِ. وإضْمارُهم أوَّلًا لِلْإشْعارِ بِتَعْيُّنِهِمْ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وإظْهارُهم ثانِيًا لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ (p-٥٤٨٤)بِالكُفْرِ بِمُوجِبِهِ، أوْ عَطْفٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثِ، عَلى تَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثَةِ. عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ.

ق 50:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ . ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْجِيبِ وتَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ. والعامِلُ في (إذا) مُضْمَرٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ؛ لِغايَةِ شُهْرَتِهِ، مَعَ دَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، أيْ: أحِينَ نَمُوتُ ونَصِيرُ تُرابًا نَرْجِعُ، كَما يَنْطِقُ بِهِ النَّذِيرُ والمُنْذَرُ بِهِ. مَعَ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَنا وبَيْنَ الحَياةِ، حِينَئِذٍ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَحَلِّ النِّزاعِ، ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: عَنِ الأوْهامِ أوِ العادَةِ أوِ الإمْكانِ.

ق 50:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسامِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ. وهو رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمْ، وإزاحَةٌ لَهُ. فَإنَّ مَن عَمَّ عِلْمُهُ ولَطَفَ حَتّى انْتَهى إلى حَيْثُ عَلِمَ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِن أجْسادِ المَوْتى وتَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ، كَيْفَ يُسْتَبْعَدُ رَجْعُهُ إيّاهم أحْياءً كَما كانُوا! وقِيلَ: المَعْنى ما يَمُوتُ فَيُدْفَنُ في الأرْضِ مِنهم. ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: حافِظٌ لِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها، أوْ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغَيُّرِ. والمُرادُ: إمّا تَمْثِيلُ عِلْمِهِ تَعالى بِكُلِّيّاتِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها، بِعِلْمِ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ مُحِيطٌ يُتَلَقّى مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ. أوْ تَأْكِيدٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِها، بِثُبُوتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ.

ق 50:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ. (p-٥٤٨٥)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إضْرابٌ أتْبَعَ الإضْرابَ الأوَّلَ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم جاؤُوا بِما هو أفْظَعُ مِن تَعَجُّبِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِالحَقِّ، الَّذِي هو النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ، في أوَّلِ وهْلَةٍ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ ولا تَدَبُّرٍ. وكَوْنُهُ أفْظَعَ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ بَعْدَ التَّعَجُّبِ مِنهُ. ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُضْطَرِبٍ، يَعْنِي اخْتِلافَ مَقالَتِهِمْ فِيهِ مِنِ ادِّعاءِ أنَّهُ شِعْرٌ أوْ سِحْرٌ ونَحْوَهُ؛ تَعَنُّتًا وكِبْرًا.

ق 50:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، المُنْكِرُونَ قُدْرَتَنا عَلى إحْيائِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ، ﴿إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ أيْ: رَفَعْناها بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وزَيَّنّاها﴾ أيْ: بِالنُّجُومِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي وما لَها مِن صُدُوعٍ وفُرُوقٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] أيْ: كَلِيلٌ عَنْ أنْ تَرى عَيْبًا أوْ نَقْصًا.

ق 50:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ: بَسَطْناها. ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، حِفْظًا لَها مِنَ الِاضْطِرابِ؛ لِقُوَّةِ الجَيَشانِ في جَوْفِها، ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ أيْ: حَسَنِ المَنظَرِ، يُبْتَهَجُ بِهِ لِحُسْنِهِ. (p-٥٤٨٦)

ق 50:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨] ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: لِتُبْصِرَ وتُذَكِّرَ كُلَّ عَبْدٍ مُنِيبٍ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُفَكِّرٍ في بَدائِعِ صُنْعِهِ. و﴿تَبْصِرَةً﴾ و" ذِكْرى " مَنصُوباتٌ بِالفِعْلِ الأخِيرِ عَلى أنَّهُما مَفْعُولانِ لَهُ، وإنْ كانَتا عِلَّتَيْنِ لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعْنًى. أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا تَبْصِيرًا وتَذْكِيرًا.

ق 50:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩_١٠_١١] ﴿ونَـزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] ﴿ونَـزَّلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنِ ﴿ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَنافِعِ، ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ: أشْجارًا ذَواتِ أثْمارٍ، ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيِ: الزَّرْعَ المَحْصُودَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ وسائِرِ أنْواعِ الحُبُوبِ. وتَخْصِيصُ إنْباتِ حَبِّهِ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ. ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠] أيْ: وأنْبَتْنا بِالماءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ النَّخْلَ طِوالًا، أوْ حَوامِلَ، مِن (أبْسَقَتِ الشّاةُ)، إذا حَمَلَتْ، فَيَكُونُ مِن: (أفْعَلَ) فَهو (فاعِلٌ)، والقِياسُ: (مُفْعِلٌ)، فَهو مِنَ النَّوادِرِ كالطَّوائِحِ واللَّواقِحِ، في أخَواتٍ لَها شاذَّةٍ؛ وإفْرادُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في جَنّاتٍ لِبَيانِ فَضْلِها بِكَثْرَةِ مَنافِعِها. وتَوْسِيطُ الحَبِّ بَيْنَهُما لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِها وامْتِيازِها عَنِ البَقِيَّةِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ. ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] أيْ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١١] أيْ: لِرِزْقِهِمْ، قالَ أبُو السُّعُودِ: عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وفي تَعْلِيلِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ تَعْلِيلِ أنْبَتْنا الأوَّلِ بِالتَّبْصِرَةِ والتَّذْكِيرِ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ انْتِفاعُهُ (p-٥٤٨٧)بِذَلِكَ مِن حَيْثُ التَّذَكُّرُ والِاسْتِبْصارُ، أهَمَّ مِن تَمَتُّعِهِ بِهِ مِن حَيْثُ الرِّزْقُ. وقِيلَ: ﴿رِزْقًا﴾ [ق: ١١] مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أنْبَتْنا لِأنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ. ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ [ق: ١١] أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] أيْ: أرْضًا جَدْبَةً، فَأنْبَتَتْ أنْواعَ النَّباتِ والأزْهارِ. ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] أيْ: خُرُوجُهم أحْياءً مِنَ القُبُورِ. شَبَّهَ بَعْثَ الأمْواتِ ونَشَرَهم بِقُدْرَتِهِ تَعالى بِإخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ وُقُوعِ المَطَرِ عَلَيْها، فَـ " كَذَلِكَ " خَبَرُ الخُرُوجِ، أوْ مُبْتَدَأٌ، فالكافُ بِمَعْنى (مِثْلٍ).

ق 50:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩_١٠_١١] ﴿ونَـزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] ﴿ونَـزَّلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنِ ﴿ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَنافِعِ، ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ: أشْجارًا ذَواتِ أثْمارٍ، ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيِ: الزَّرْعَ المَحْصُودَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ وسائِرِ أنْواعِ الحُبُوبِ. وتَخْصِيصُ إنْباتِ حَبِّهِ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ. ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠] أيْ: وأنْبَتْنا بِالماءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ النَّخْلَ طِوالًا، أوْ حَوامِلَ، مِن (أبْسَقَتِ الشّاةُ)، إذا حَمَلَتْ، فَيَكُونُ مِن: (أفْعَلَ) فَهو (فاعِلٌ)، والقِياسُ: (مُفْعِلٌ)، فَهو مِنَ النَّوادِرِ كالطَّوائِحِ واللَّواقِحِ، في أخَواتٍ لَها شاذَّةٍ؛ وإفْرادُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في جَنّاتٍ لِبَيانِ فَضْلِها بِكَثْرَةِ مَنافِعِها. وتَوْسِيطُ الحَبِّ بَيْنَهُما لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِها وامْتِيازِها عَنِ البَقِيَّةِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ. ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] أيْ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١١] أيْ: لِرِزْقِهِمْ، قالَ أبُو السُّعُودِ: عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وفي تَعْلِيلِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ تَعْلِيلِ أنْبَتْنا الأوَّلِ بِالتَّبْصِرَةِ والتَّذْكِيرِ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ انْتِفاعُهُ (p-٥٤٨٧)بِذَلِكَ مِن حَيْثُ التَّذَكُّرُ والِاسْتِبْصارُ، أهَمَّ مِن تَمَتُّعِهِ بِهِ مِن حَيْثُ الرِّزْقُ. وقِيلَ: ﴿رِزْقًا﴾ [ق: ١١] مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أنْبَتْنا لِأنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ. ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ [ق: ١١] أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] أيْ: أرْضًا جَدْبَةً، فَأنْبَتَتْ أنْواعَ النَّباتِ والأزْهارِ. ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] أيْ: خُرُوجُهم أحْياءً مِنَ القُبُورِ. شَبَّهَ بَعْثَ الأمْواتِ ونَشَرَهم بِقُدْرَتِهِ تَعالى بِإخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ وُقُوعِ المَطَرِ عَلَيْها، فَـ " كَذَلِكَ " خَبَرُ الخُرُوجِ، أوْ مُبْتَدَأٌ، فالكافُ بِمَعْنى (مِثْلٍ).

ق 50:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩_١٠_١١] ﴿ونَـزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] ﴿ونَـزَّلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنِ ﴿ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَنافِعِ، ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ: أشْجارًا ذَواتِ أثْمارٍ، ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيِ: الزَّرْعَ المَحْصُودَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ وسائِرِ أنْواعِ الحُبُوبِ. وتَخْصِيصُ إنْباتِ حَبِّهِ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ. ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠] أيْ: وأنْبَتْنا بِالماءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ النَّخْلَ طِوالًا، أوْ حَوامِلَ، مِن (أبْسَقَتِ الشّاةُ)، إذا حَمَلَتْ، فَيَكُونُ مِن: (أفْعَلَ) فَهو (فاعِلٌ)، والقِياسُ: (مُفْعِلٌ)، فَهو مِنَ النَّوادِرِ كالطَّوائِحِ واللَّواقِحِ، في أخَواتٍ لَها شاذَّةٍ؛ وإفْرادُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في جَنّاتٍ لِبَيانِ فَضْلِها بِكَثْرَةِ مَنافِعِها. وتَوْسِيطُ الحَبِّ بَيْنَهُما لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِها وامْتِيازِها عَنِ البَقِيَّةِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ. ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] أيْ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١١] أيْ: لِرِزْقِهِمْ، قالَ أبُو السُّعُودِ: عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وفي تَعْلِيلِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ تَعْلِيلِ أنْبَتْنا الأوَّلِ بِالتَّبْصِرَةِ والتَّذْكِيرِ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ انْتِفاعُهُ (p-٥٤٨٧)بِذَلِكَ مِن حَيْثُ التَّذَكُّرُ والِاسْتِبْصارُ، أهَمَّ مِن تَمَتُّعِهِ بِهِ مِن حَيْثُ الرِّزْقُ. وقِيلَ: ﴿رِزْقًا﴾ [ق: ١١] مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أنْبَتْنا لِأنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ. ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ [ق: ١١] أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] أيْ: أرْضًا جَدْبَةً، فَأنْبَتَتْ أنْواعَ النَّباتِ والأزْهارِ. ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] أيْ: خُرُوجُهم أحْياءً مِنَ القُبُورِ. شَبَّهَ بَعْثَ الأمْواتِ ونَشَرَهم بِقُدْرَتِهِ تَعالى بِإخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ وُقُوعِ المَطَرِ عَلَيْها، فَـ " كَذَلِكَ " خَبَرُ الخُرُوجِ، أوْ مُبْتَدَأٌ، فالكافُ بِمَعْنى (مِثْلٍ).

ق 50:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢_١٣_١٤] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ حَقِيقَةِ البَعْثِ، بِبَيانِ اتِّفاقِ كافَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْها، وتَعْذِيبِ مُنْكِرِيها. ﴿وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ وهو بِئْرٌ كانُوا عِنْدَهُ. يُقالُ: إنَّهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُقالُ غَيْرُ ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿وثَمُودُ﴾ وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوا صالِحًا، وقَتَلُوا النّاقَةَ. ﴿وعادٌ﴾ [ق: ١٣] وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوا هُودًا في أصْنامِهِمْ. ﴿وفِرْعَوْنُ﴾ [ق: ١٣] وهو الَّذِي جادَلَ مُوسى فِيما أُرْسِلَ بِهِ. قالَ الرّازِيُّ: ولَمْ يَقُلْ: (وقَوْمُ فِرْعَوْنَ)؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ هو المُغْتَرَّ المُسْتَخِفَّ بِقَوْمِهِ والمُسْتَبِدَّ بِأمْرِهِ. ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوهُ في إتْيانِ الرِّجالِ. ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ [ق: ١٤] أيِ: الغَيْضَةِ مِنَ الشَّجَرِ، المُجادِلُونَ شُعَيْبًا في الكَيْلِ والوَزْنِ. ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١٤] قالَ المَهايِمِيُّ: المُجادِلُونَ إمامَهم وعُلَماءَهم في الدِّينِ. ومَضى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الحِجْرِ والدُّخانِ. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ق: ١٤] أيْ: كُلٌّ مِن هَذِهِ الأُمَمِ وهَؤُلاءِ القُرُونِ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ، (p-٥٤٨٨)ومَن كَذَّبَ رَسُولًا فَكَأنَّما كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما جاءَهم رَسُولٌ واحِدٌ، فَهم في نَفْسِ الأمْرِ، لَوْ جاءَهم جَمِيعُ الرُّسُلِ كَذَّبُوهُمْ، أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وهو تَوْجِيهٌ لِجَمْعِ الرُّسُلِ. وإفْرادُ ضَمِيرِ كَذَّبَ مُراعاةً لِلَفْظِ " كُلٌّ " فَإنَّهُ مُفْرَدٌ وإنْ كانَ جَمْعًا مَعْنًى. ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] أيْ: فَوَجَبَ لَهُمُ الوَعِيدُ الَّذِي وعَدَ بِهِ مَن كَفَرَ، وهو العَذابُ والنِّقْمَةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما وصَفَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وصَفَ مِن إحْلالِهِ عُقُوبَتَهُ بِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الرُّسُلَ؛ تَرْهِيبًا مِنهُ بِذَلِكَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وإعْلامًا مِنهُ لَهم أنَّهم إنْ لَمْ يُنِيبُوا مِن تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ مُحِلٌ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِثْلَ الَّذِي أحَلَّ بِهِمْ. أيْ: فَهو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَهْدِيدٌ لَهم.

ق 50:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢_١٣_١٤] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ حَقِيقَةِ البَعْثِ، بِبَيانِ اتِّفاقِ كافَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْها، وتَعْذِيبِ مُنْكِرِيها. ﴿وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ وهو بِئْرٌ كانُوا عِنْدَهُ. يُقالُ: إنَّهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُقالُ غَيْرُ ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿وثَمُودُ﴾ وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوا صالِحًا، وقَتَلُوا النّاقَةَ. ﴿وعادٌ﴾ [ق: ١٣] وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوا هُودًا في أصْنامِهِمْ. ﴿وفِرْعَوْنُ﴾ [ق: ١٣] وهو الَّذِي جادَلَ مُوسى فِيما أُرْسِلَ بِهِ. قالَ الرّازِيُّ: ولَمْ يَقُلْ: (وقَوْمُ فِرْعَوْنَ)؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ هو المُغْتَرَّ المُسْتَخِفَّ بِقَوْمِهِ والمُسْتَبِدَّ بِأمْرِهِ. ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوهُ في إتْيانِ الرِّجالِ. ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ [ق: ١٤] أيِ: الغَيْضَةِ مِنَ الشَّجَرِ، المُجادِلُونَ شُعَيْبًا في الكَيْلِ والوَزْنِ. ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١٤] قالَ المَهايِمِيُّ: المُجادِلُونَ إمامَهم وعُلَماءَهم في الدِّينِ. ومَضى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الحِجْرِ والدُّخانِ. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ق: ١٤] أيْ: كُلٌّ مِن هَذِهِ الأُمَمِ وهَؤُلاءِ القُرُونِ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ، (p-٥٤٨٨)ومَن كَذَّبَ رَسُولًا فَكَأنَّما كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما جاءَهم رَسُولٌ واحِدٌ، فَهم في نَفْسِ الأمْرِ، لَوْ جاءَهم جَمِيعُ الرُّسُلِ كَذَّبُوهُمْ، أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وهو تَوْجِيهٌ لِجَمْعِ الرُّسُلِ. وإفْرادُ ضَمِيرِ كَذَّبَ مُراعاةً لِلَفْظِ " كُلٌّ " فَإنَّهُ مُفْرَدٌ وإنْ كانَ جَمْعًا مَعْنًى. ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] أيْ: فَوَجَبَ لَهُمُ الوَعِيدُ الَّذِي وعَدَ بِهِ مَن كَفَرَ، وهو العَذابُ والنِّقْمَةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما وصَفَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وصَفَ مِن إحْلالِهِ عُقُوبَتَهُ بِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الرُّسُلَ؛ تَرْهِيبًا مِنهُ بِذَلِكَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وإعْلامًا مِنهُ لَهم أنَّهم إنْ لَمْ يُنِيبُوا مِن تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ مُحِلٌ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِثْلَ الَّذِي أحَلَّ بِهِمْ. أيْ: فَهو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَهْدِيدٌ لَهم.

ق 50:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢_١٣_١٤] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ حَقِيقَةِ البَعْثِ، بِبَيانِ اتِّفاقِ كافَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْها، وتَعْذِيبِ مُنْكِرِيها. ﴿وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ وهو بِئْرٌ كانُوا عِنْدَهُ. يُقالُ: إنَّهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُقالُ غَيْرُ ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿وثَمُودُ﴾ وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوا صالِحًا، وقَتَلُوا النّاقَةَ. ﴿وعادٌ﴾ [ق: ١٣] وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوا هُودًا في أصْنامِهِمْ. ﴿وفِرْعَوْنُ﴾ [ق: ١٣] وهو الَّذِي جادَلَ مُوسى فِيما أُرْسِلَ بِهِ. قالَ الرّازِيُّ: ولَمْ يَقُلْ: (وقَوْمُ فِرْعَوْنَ)؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ هو المُغْتَرَّ المُسْتَخِفَّ بِقَوْمِهِ والمُسْتَبِدَّ بِأمْرِهِ. ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوهُ في إتْيانِ الرِّجالِ. ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ [ق: ١٤] أيِ: الغَيْضَةِ مِنَ الشَّجَرِ، المُجادِلُونَ شُعَيْبًا في الكَيْلِ والوَزْنِ. ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١٤] قالَ المَهايِمِيُّ: المُجادِلُونَ إمامَهم وعُلَماءَهم في الدِّينِ. ومَضى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الحِجْرِ والدُّخانِ. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ق: ١٤] أيْ: كُلٌّ مِن هَذِهِ الأُمَمِ وهَؤُلاءِ القُرُونِ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ، (p-٥٤٨٨)ومَن كَذَّبَ رَسُولًا فَكَأنَّما كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما جاءَهم رَسُولٌ واحِدٌ، فَهم في نَفْسِ الأمْرِ، لَوْ جاءَهم جَمِيعُ الرُّسُلِ كَذَّبُوهُمْ، أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وهو تَوْجِيهٌ لِجَمْعِ الرُّسُلِ. وإفْرادُ ضَمِيرِ كَذَّبَ مُراعاةً لِلَفْظِ " كُلٌّ " فَإنَّهُ مُفْرَدٌ وإنْ كانَ جَمْعًا مَعْنًى. ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] أيْ: فَوَجَبَ لَهُمُ الوَعِيدُ الَّذِي وعَدَ بِهِ مَن كَفَرَ، وهو العَذابُ والنِّقْمَةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما وصَفَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وصَفَ مِن إحْلالِهِ عُقُوبَتَهُ بِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الرُّسُلَ؛ تَرْهِيبًا مِنهُ بِذَلِكَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وإعْلامًا مِنهُ لَهم أنَّهم إنْ لَمْ يُنِيبُوا مِن تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ مُحِلٌ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِثْلَ الَّذِي أحَلَّ بِهِمْ. أيْ: فَهو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَهْدِيدٌ لَهم.

ق 50:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ أيْ: أفَعَجِزْنا عَنِ الإبْداءِ حَتّى نَعْجِزَ عَنِ الإعادَةِ؟! فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قالَ الشِّهابُ: العَيُّ هُنا بِمَعْنى العَجْزِ، لا التَّعَبِ. قالَ الكِسائِيُّ: تَقُولُ: أُعْيِيتُ مِنَ التَّعَبِ، و(عَيِيتُ) مِنِ انْقِطاعِ الحِيلَةِ، والعَجْزِ عَنِ الأمْرِ. وهَذا هو المَعْرُوفُ والأفْصَحُ، وإنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما كَثِيرٌ. و(الخَلْقُ الأوَّلُ) هو الإبْداءُ عَلى ما ذُكِرَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، ويَدُلُّ لَهُ آيَةُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣] الآيَةَ. وقَوْلُهُ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ، (p-٥٤٨٩)كَأنَّهُ قِيلَ: هم مُعْتَرِفُونَ بِالخَلْقِ الأوَّلِ، فَلا وجْهَ لِإنْكارِهِمْ لِلثّانِي، بَلْ هُمُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ والتَبَسَ؛ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ إعادَةَ ما ماتَ وتَفَرَّقَ أجْزاؤُهُ وإعْراضُهم عَنْ سُلْطانِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وسُهُولَةِ ذَلِكَ في المَقْدُوراتِ الرَّبّانِيَّةِ. لَطِيفَةٌ: قالَ النّاصِرُ: في الآيَةِ أسْئِلَةٌ ثَلاثٌ: لِمَ عَرَّفَ الخَلْقَ الأوَّلَ، ونَكَّرَ اللَّبْسَ، والخَلْقَ الجَدِيدَ؟ فاعْلَمْ: أنَّ التَّعْرِيفَ لا غَرَضَ مِنهُ إلّا تَفْخِيمُ ما قُصِدَ تَعْرِيفُهُ وتَعْظِيمُهُ، ومِنهُ تَعْرِيفُ الذُّكُورِ في قَوْلِهِ ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] ولِهَذا المَقْصِدِ عُرِّفَ الخَلْقُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الغَرَضَ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي بِطَرِيقِ الأوْلى، أيْ: إذا لَمْ يَعِيَ تَعالى بِالخَلْقِ الأوَّلِ -عَلى عَظَمَتِهِ- فالخَلْقُ الآخَرُ أوْلى أنْ لا يَعِييَ بِهِ. فَهَذا سِرُّ تَعْرِيفِ الخَلْقِ الأوَّلِ. وأمّا التَّنْكِيرُ فَأمْرُهُ مُنْقَسِمٌ: فَمَرَّةً يُقْصَدُ بِهِ تَفْخِيمُ المُنَكَّرِ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، كَأنَّهُ أفْخَمُ مِن أنْ يُخاطِبَهُ مَعْرِفَةً. ومَرَّةً يُقْصَدُ بِهِ التَّقْلِيلُ مِنَ المُنَكَّرِ والوَضْعِ مِنهُ، وعَلى الأوَّلِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وقَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣] و، ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] وهو أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. والثّانِي: هو الأصْلُ في التَّنْكِيرِ، فَلا يُحْتاجُ إلى تَمْثِيلِهِ، فَتَنْكِيرُ (اللَّبْسِ) مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ قالَ: في لَبْسٍ أيِّ لَبْسٍ. وتَنْكِيرُ (الخَلْقِ الجَدِيدِ)؛ لِلتَّقْلِيلِ مِنهُ والتَّهْوِينِ لِأمْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ الأوَّلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ أمْرٌ أعْظَمُ مِن أنْ يَرْضى الإنْسانُ بِكَوْنِهِ مُلْتَبِسًا عَلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ أوَّلُ ما تُبْصِرُ فِيهِ صِحَّتُهُ. انْتَهى. (p-٥٤٩٠)

ق 50:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ . ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أيْ: تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسُهُ، وهو ما يَخْطُرُ بِالبالِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ المَعْنَوِيِّ بِالصُّورَةِ الحِسِّيَّةِ المُشاهَدَةِ، وقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ القُرْبَ أتَمَّ مِن غايَةِ القُرْبِ الصُّورِيِّ الَّذِي لا اتِّصالَ أشَدَّ مِنهُ في الأجْسامِ؛ إذْ لا مَسافَةَ بَيْنَ الجُزْءِ المُتَّصِلِ بِهِ وبَيْنَهُ. قالَ الشِّهابُ: تَجَوَّزَ بِقُرْبِ الذّاتِ عَنْ قُرْبِ العِلْمِ، لِتَنَزُّهِهِ عَنِ القُرْبِ المَكانِيِّ، إمّا تَمْثِيلًا، وإمّا إطْلاقَ السَّبَبِ وإرادَةَ المُسَبِّبِ؛ لِأنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وبِأحْوالِهِ في العادَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأحْوالِهِ -خَفِيِّها وظاهِرِها- مِن كُلِّ عالِمٍ. وقَدْ ضَرَبَ المَثَلَ في القُرْبِ بِحَبْلِ الوَرِيدِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ المَرْءِ وعُرُوقَهُ مُتَّصِلَةٌ عَلى طَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ، فَهي أشَدُّ مِنِ اتِّصالِ ما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الخارِجِ؛ وخُصَّ هَذا لِأنَّ بِهِ حَياتَهُ، وهو بِحَيْثُ يُشاهِدُهُ كُلُّ أحَدٍ. والحَبْلُ: العِرْقُ؛ شُبِّهَ بِواحِدِ الحِبالِ؛ فَإضافَتُهُ لِلْبَيانِ أوْ لِأُمِّيَّةٍ، مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ. فَإنْ أبْقى الحَبْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَإضافَتُهُ كَلُجَيْنِ الماءِ. تَنْبِيهٌ: تَأوَّلَ ابْنُ كَثِيرٍ الآيَةَ عَلى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ بِجَعْلِ " نَحْنُ " كِنايَةً عَنِ المَلائِكَةِ، وعِبارَتُهُ: يَعْنِي: مَلائِكَتُهُ تَعالى أقْرَبُ إلى الإنْسانِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ إلَيْهِ. قالَ: ومَن تَأوَّلَهُ عَلى العِلْمِ، فَإنَّما فَرَّ لِئَلّا يَلْزَمَ حُلُولٌ أوِ اتِّحادٌ، وهُما مَنفِيّانِ بِالإجْماعِ، تَعالى اللَّهُ وتَقَدَّسَ، ولَكِنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِيهِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ: (وأنا أقْرَبُ إلَيْهِ)، وإنَّما قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ﴾ كَما قالَ في المُحْتَضَرِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] يَعْنِي: مَلائِكَتَهُ. وكَما قالَ (p-٥٤٩١)تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فالمَلائِكَةُ نَزَلَتْ بِالذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكَذَلِكَ المَلائِكَةُ أقْرَبُ إلى الإنْسانِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، بِإقْدارِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا لَهم عَلى ذَلِكَ. فَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ مِنَ الإنْسانِ كَما أنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً؛ ولِذَلِكَ الشَّيْطانُ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ. ثُمَّ أيَّدَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ما ذَكَرَهُ بِما ورَدَ في الآيَةِ بَعْدَها. والوَجْهُ الأوَّلُ أدَقُّ وأقْرَبُ، وفِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ وتَناهِي سِعَةِ العِلْمِ، مَعَ التَّعْرِيفِ بِجَلالَةِ المَقامِ الرَّبّانِيِّ ما لا يَخْفى حُسْنُهُ. ولَيْسَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ بِالعِلْمِ لِلْفِرارِ مِنَ الحُلُولِ والِاتِّحادِ فَقَطْ، بَلْ لَهُ ولِما تَقَدَّمَ أوَّلًا، كَما أنَّ إيثارَ: (نَحْنُ) عَلى: (أنا) لا يَحْسِمُ ما نَفاهُ؛ لِاحْتِمالِ إرادَةِ التَّعْظِيمِ بِـ: (نَحْنُ)، كَما هو شائِعٌ، فَلا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ. نَعَمِ! اللَّفْظُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُ ما ذَكَرَهُ بِأنْ يَكُونَ ورَدَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْمَلَكِ؛ لِأنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى وبِإذْنِهِ، ولَكِنْ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، مَعَ ما عُرِفَ مِن أنَّ الأصْلَ الحَقِيقَةُ. وقَدْ عَنى رَحِمَهُ اللَّهُ بِمَن فَهِمَ الحُلُولَ والِاتِّحادَ مَن قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ - كالقاشانِيِّ - ما مِثالُهُ: وإنَّما كانَ أقْرَبَ مَعَ عَدَمِ المَسافَةِ بَيْنَ الجُزْءِ المُتَّصِلِ بِهِ وبَيْنَهُ؛ لِأنَّ اتِّصالَ الجُزْءِ بِالشَّيْءِ يَشْهَدُ بِالبَيْنُونَةِ والِاثْنَيْنِيَّةِ الرّاجِعَةِ لِلِاتِّحادِ الحَقِيقِيِّ، ومَعِيَّتِهِ وقُرْبِهِ مِن عَبْدِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ هُوِيَّتَهُ وحَقِيقَتَهُ المُنْدَرِجَةَ في هُوِيَّتِهِ وتَحَقُّقِهِ لَيْسَتْ غَيْرَهُ، بَلْ إنَّ وُجُودَهُ المَخْصُوصَ المُعَيَّنَ إنَّما هو بِعَيْنِ حَقِيقَتِهِ الَّتِي هي الوُجُودُ، مِن حَيْثُ هو وُجُودٌ، ولَوْلاهُ لَكانَ عَدَمًا صِرْفًا ولا شَيْئًا مَحْضًا. انْتَهى كَلامُ القاشانِيُّ، ولا يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ حُلُولٌ ولا اتِّحادٌ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ؛ لِأنَّ لِهَؤُلاءِ اصْطِلاحًا مَعْرُوفًا، وهم أوَّلُ مَن يَتَبَرَّأُ مِنَ الحُلُولِ والِاتِّحادِ، كَما أوْضَحْتُ ذَلِكَ مَعَ بُرْهانِ اسْتِحالَتِهِما في كِتابِ (دَلائِلِ التَّوْحِيدِ) الَّذِي طُبِعَ بِحَمْدِ اللَّهِ مِن أمَدٍ قَرِيبٍ، فارْجِعْ إلَيْهِ واسْتَغْفِرْ لِمُصَنِّفِهِ. أقُولُ: رَأيْتُ ابْنَ كَثِيرٍ بَعْدُ، مَسْبُوقًا بِما ذَكَرَهُ شَيْخُهُ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ، فَقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ): لَيْسَ في القُرْآنِ وصْفُ الرَّبِّ تَعالى بِالقُرْبِ (p-٥٤٩٢)مِن كُلِّ شَيْءٍ أصْلًا، بَلْ قُرْبُهُ الَّذِي في القُرْآنِ خاصٌّ لا عامٌّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَهو سُبْحانَهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ دَعاهُ، وكَذَلِكَ ما في الصَّحِيحَيْنِ، «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، أنَّهم كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَكانُوا يَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِالتَّكْبِيرِ فَقالَ: «أيُّها النّاسُ! ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، وإنَّما تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ». فَقالَ: «إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أقْرَبُ إلى أحَدِكم»» لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ قَرِيبٌ إلى كُلِّ مَوْجُودٍ. وكَذَلِكَ قَوْلُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] مَقْرُونٌ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. أرادَ بِهِ، قَرِيبٌ مُجِيبٌ لِاسْتِغْفارِ المُسْتَغْفِرِينَ التّائِبِينَ إلَيْهِ، كَما أنَّهُ رَحِيمٌ ودُودٌ. وقَدْ قُرِنَ القَرِيبُ بِالمُجِيبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُقالُ: مُجِيبٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، وإنَّما الإجابَةُ لِمَن سَألَهُ ودَعاهُ، فَكَذَلِكَ قُرْبُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأسْماءُ اللَّهِ المُطْلَقَةُ -كاسْمِهِ السَّمِيعِ والبَصِيرِ والغَفُورِ والشَّكُورِ والمُجِيبِ والقَرِيبِ- لا يَجِبُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ يَتَعَلَّقُ كُلُّ اسْمٍ بِما يُناسِبُهُ، واسْمُهُ العَلِيمُ لَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا تَعَلَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ فالمُرادُ بِهِ قُرْبُهُ إلَيْهِ بِالمَلائِكَةِ، وهَذا هو المَعْرُوفُ عَنِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ، قالُوا: مَلَكُ المَوْتِ أدْنى إلَيْهِ مِن أهْلِهِ، ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ المَلائِكَةَ. وقَدْ قالَ طائِفَةٌ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ بِالعِلْمِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والرُّؤْيَةِ. وهَذِهِ الأقْوالُ ضَعِيفَةٌ، فَإنَّهُ لَيْسَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وصْفُهُ بِقُرْبٍ عامٍّ مِن كُلِّ مَوْجُودٍ؛ حَتّى يَحْتاجُوا (p-٥٤٩٣)أنْ يَقُولُوا: بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، ولَكِنْ بَعْضُ النّاسِ لَمّا ظَنُّوا أنَّهُ يُوصَفُ بِالقُرْبِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، تَأوَّلُوا ذَلِكَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وكَأنَّهم ظَنُّوا أنَّ لَفْظَ القُرْبِ مِثْلَ لَفْظِ المَعِيَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ السَّلَفِ أنَّهم قالُوا في الآيَةِ ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] هو مَعَهم بِعِلْمِهِ مَعَ عُلُوِّهِ عَلى عَرْشِهِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذا إجْماعٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، لَمْ يُخالِفْهم فِيهِ أحَدٌ. ثُمَّ قالَ: ولَمْ يَأْتِ في لَفْظِ القُرْبِ مِثْلُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: هو فَوْقَ عَرْشِهِ، وهو قَرِيبٌ مِن كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ قالَ: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقالَ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟ «فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآيَةَ». ولا يُقالُ في هَذا: قَرِيبٌ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهم لَمْ يَشُكُّوا في ذَلِكَ ولَمْ يَسْألُوا عَنْهُ، وإنَّما عَنْ قُرْبِهِ إلى مَن يَدْعُوهُ ويُناجِيهِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وطائِفَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ تُفَسِّرُ القُرْبَ في الآيَةِ والحَدِيثِ بِالعِلْمِ؛ لِكَوْنِهِ هو المَقْصُودَ، فَإنَّهُ إذا كانَ يَعْلَمُ ويَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِي حَصَلَ مَقْصُودُهُ، وهَذا هو الَّذِي اقْتَضى أنْ يَقُولَ مَن يَقُولُ بِأنَّهُ قَرِيبٌ مِن كُلِّ شَيْءٍ، بِمَعْنى العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَإنَّ هَذا قَدْ قالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وكَثِيرٌ مِنَ الخَلَفِ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهُمْ: إنَّ نَفْسَ ذاتِهِ قَرِيبٌ مِن كُلِّ مَوْجُودٍ، وهَذا المَعْنى يُقِرُّ بِهِ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، مَن يَقُولُ: إنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ، ومَن يَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ العَرْشِ. ثُمَّ قالَ: وهَؤُلاءِ كُلُّهم مَقْصُودُهم أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّ ذاتَ البارِئِ جَلَّ وعَلا قَرِيبَةٌ مِن (p-٥٤٩٤)ورِيدِ العَبْدِ ومِنَ المَيِّتِ. ولَمّا ظَنُّوا أنَّ المُرادَ قُرْبُهُ وحْدَهُ دُونَ المَلائِكَةِ فَسَّرُوا ذَلِكَ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، كَما في لَفْظِ المَعِيَّةِ. ولا حاجَةَ إلى هَذا، فَإنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] أيْ: بِمَلائِكَتِنا، في الآيَتَيْنِ، وهَذا بِخِلافِ المَعِيَّةِ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ونَحْنُ مَعَهُ، بَلْ جَعَلَ نَفْسَهُ هو الَّذِي مَعَ العِبادِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُنْبِئُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلُوا، وهو نَفْسُهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو نَفْسُهُ الَّذِي اسْتَوى عَلى العَرْشِ؛ فَلا يُجْعَلُ لَفْظٌ مِثْلَ لَفْظٍ، مَعَ تَفْرِيقِ القُرْآنِ بَيْنَهُما. ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ العِلْمِ، فَإنَّ مَن كانَ بِالشَّيْءِ أعْلَمَ مِن غَيْرِهِ لا يُقالُ: إنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن غَيْرِهِ، بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ بِهِ، ولا بِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِما يُسَرُّ مِنَ القَوْلِ وما يُجْهَرُ بِهِ، وعالِمٌ بِأعْمالِهِ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِ حَبْلَ الوَرِيدِ بِمَعْنى أنَّهُ أقْرَبُ إلى العَبْدِ مِنهُ؛ فَإنَّ حَبْلَ الوَرِيدِ قَرِيبٌ إلى القَلْبِ، لَيْسَ قَرِيبًا إلى قَوْلِهِ الظّاهِرِ، وهو يَعْلَمُ ظاهِرَ الإنْسانِ وباطِنَهُ. قالَ تَعالى: يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْبَ لَيْسَ المُرادُ بِهِ العِلْمَ سِياقُ الآيَةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ وسْواسَ نَفْسِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ فَأثْبَتَ العِلْمَ، وأثْبَتَ القُرْبَ، وجَعَلَهُما شَيْئَيْنِ، فَلا يَجْعَلُ أحَدَهُما هو الآخَرُ، وقَيَّدَ القُرْبَ بِقَوْلِهِ ﴿إذْ يَتَلَقّى﴾ [ق: ١٧] الآيَةَ. وأمّا مَن ظَنَّ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ قُرْبُ ذاتِ الرَّبِّ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وأنَّ ذاتَهُ أقْرَبُ إلى المَيِّتِ مِن أهْلِهِ، فَهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ؛ وذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ في كُلِّ مَكانٍ، وإنَّهُ قَرِيبٌ مِن كُلِّ شَيْءٍ بِذاتِهِ، لا يَخُصُّونَ بِذَلِكَ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، ولا يُمْكِنُ مُسْلِمًا أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مِنَ المَيِّتِ دُونَ أهْلِهِ، ولا: إنَّهُ قَرِيبٌ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ دُونَ سائِرِ الأعْضاءِ. وكَيْفَ يَصِحُّ هَذا الكَلامُ عَلى أصْلِهِمْ، وهو عِنْدَهم في جَمِيعِ بَدَنِ الإنْسانِ، وهو في أهْلِ المَيِّتِ، كَما (p-٥٤٩٥)هُوَ في المَيِّتِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أقْرَبَ إلَيْهِ مِنكم إذا كانَ مَعَهُ ومَعَهم عَلى وجْهٍ واحِدٍ؟ وهَلْ يَكُونُ أقْرَبَ إلى نَفْسِهِ مِن نَفْسِهِ، وسِياقُ الآيَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو المَلائِكَةُ!، فَإنَّهُ قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ﴿إذْ يَتَلَقّى﴾ [ق: ١٧] الآيَتَيْنِ. فَقَيَّدَ القُرْبَ بِهَذا الزَّمانِ، وهو زَمانُ تَلَقِّي المُتَلَقِّيَيْنِ، وهُما المَلَكانِ الحافِظانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ، كَما قالَ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ [ق: ١٨] الآيَةَ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْبَ ذاتٍ لَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِهَذا الحالِ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ القَعِيدَيْنِ: الرَّقِيبُ والعَتِيدُ مَعْنًى مُناسِبٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] فَإنَّ هَذا إمّا يُقالُ: إذا كانَ هُناكَ مَن يُجَوِّزُ أنْ يُبْصِرَ في بَعْضِ الأحْوالِ، لَكِنْ نَحْنُ لا نُبْصِرُهُ، والرَّبُّ تَعالى في هَذا الحالِ لا يَراهُ المَلائِكَةُ ولا البَشَرُ. وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] فَأخْبَرَ عَمَّنْ هو أقْرَبُ إلى المُحْتَضَرِ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ عِنْدَهُ في هَذِهِ الحالِ. وذاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا قِيلَ: هي في مَكانٍ، أوْ قِيلَ: قَرِيبَةٌ مِن كُلِّ مَوْجُودٍ، لا يَخْتَصُّ بِهَذا الزَّمانِ والمَكانِ والأحْوالِ، فَلا يَكُونُ أقْرَبَ إلى شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ قُرْبُ الرَّبِّ الخاصُّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَإنَّ ذاكَ إنَّما هو قُرْبُهُ إلى مَن دَعاهُ أوْ عَبَدَهُ، وهَذا المُحْتَضَرُ قَدْ يَكُونُ كافِرًا وفاجِرًا، أوْ مُؤْمِنًا ومُقَرَّبًا؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا المُكَذِّبِ لا يَخُصُّهُ الرَّبُّ بِقُرْبٍ مِنهُ دُونَ مَن حَوْلَهُ، وقَدْ يَكُونُ حَوْلَهُ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ، وإنَّما هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ عِنْدَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] وقالَ (p-٥٤٩٦)تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] وقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ وهَذا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] وقالَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] فَإنَّ مِثْلَ هَذا اللَّفْظِ إذا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بِجُنُودِهِ وأعْوانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ فَإنَّ صِيغَةَ: (نَحْنُ) يَقُولُها المَتْبُوعُ المُطاعُ المُعَظَّمُ الَّذِي لَهُ جُنُودٌ يَتَّبِعُونَ أمْرَهُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ جُنْدٌ يُطِيعُونَهُ كَطاعَةِ المَلائِكَةِ رَبَّهُمْ، وهو خالِقُهم ورَبُّهُمْ؛ فَهو سُبْحانَهُ العالِمُ بِما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، ومَلائِكَتُهُ تَعْلَمُ؛ فَكانَ لَفْظُ: (نَحْنُ) هُنا هو المُناسِبَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ومَلائِكَتُهُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إذا هَمَّ العَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ (p-٥٤٩٧)لَهُ حَسَنَةً، فَإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ، وإذا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، فَإنَّ عَمِلَها كُتِبَتْ سَيِّئَةً واحِدَةً، وإنْ تَرَكَها لِلَّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً»» . فالمَلِكُ يَعْلَمُ ما يَهُمُّ بِهِ العَبْدُ مِن حَسَنَةٍ وسَيِّئَةٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن عِلْمِهِمُ الغَيْبَ الَّذِي اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ وجُنْدَهُ المُوَكَّلِينَ بِذَلِكَ يَعْلَمُونَ ما تُوَسْوِسُ بِهِ لِلْعَبْدِ نَفْسُهُ، كَما قالَ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] فَهو يَسْمَعُ، ومَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ. وأمّا الكِتابَةُ فَرُسُلُهُ يَكْتُبُونَ كَما قالَ هاهُنا: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] وأخْبَرَ بِالكِتابَةِ: (نَحْنُ)؛ لِأنَّ جُنْدَهُ يَكْتُبُونَ بِأمْرِهِ، وفَصَّلَ في تِلْكَ الآيَةِ بَيْنَ السَّماعِ والكِتابَةِ؛ لِأنَّهُ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ. وأمّا كِتابَةُ الأعْمالِ فَتَكُونُ بِأمْرِهِ، والمَلائِكَةُ يَكْتُبُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] لِما كانَتْ مَلائِكَتُهُ مُتَقَرِّبِينَ إلى العَبْدِ بِأمْرِهِ، كَما كانُوا كاتِبِينَ عَمَلَهُ بِأمْرِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ قُرْبُهُ مِن كُلِّ أحَدٍ بِتَوَسُّطِ المَلائِكَةِ، كَتَكْلِيمِهِ عَبْدَهُ بِتَوَسُّطِ الرُّسُلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] فَهَذا تَكْلِيمُهُ لِجَمِيعِ عِبادِهِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، وذاكَ قُرْبُهُ إلَيْهِمْ عِنْدَ الِاحْتِضارِ، وعِنْدَ الأقْوالِ الباطِنَةِ في النَّفْسِ والظّاهِرَةِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٤٩٨)

ق 50:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ . ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ أيْ: ونَحْنُ أقْرَبُ إلى الإنْسانِ مِن ورِيدِ حَلْقِهِ حِينَ يَتَلَقّى المَلَكانِ الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ. فَـ: إذْ ظَرْفٌ (لِأقْرَبَ)، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ اسْتِحْفاظِ المَلَكَيْنِ، فَإنَّهُ أعْلَمُ مِنهُما ومُطَّلِعٌ عَلى ما يَخْفى عَلَيْهِما، لَكِنَّهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ، وهي إلْزامُ الحُجَّةِ في الأُخْرى، والتَّقَدُّمُ إلى ما يُرَغِّبُهُ ويُرَهِّبُهُ في الأُولى. وقالَ القاشانِيُّ: بَيَّنَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أقْرَبِيَّتَهُ لِيَنْتَفِيَ القُرْبُ بِمَعْنى الِاتِّصالِ والمُقارَنَةِ، كَما قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هو مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لا بِمُقارَنَةٍ؛ إذِ الشَّيْءُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وبِدُونِهِ لَيْسَ شَيْئًا حَتّى يُقارِنَهُ. أيْ: يَعْلَمُ حَدِيثَ نَفْسِهِ الَّذِي تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وقْتَ تَلَقِّي المُتَلَقِّيَيْنِ، مَعَ كَوْنِهِ أقْرَبَ إلَيْهِ مِنهُما. وإنَّما تَلَقِّيهِما لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإثْباتُ الأقْوالِ والأعْمالِ في الصَّحائِفِ النُّورِيَّةِ، لِلْجَزاءِ. ثُمَّ قالَ: والمُتَلَقِّي القاعِدُ عَنِ اليَمِينِ، وهو القُوَّةُ العاقِلَةُ العَمَلِيَّةُ المُنْتَقَشَةُ بِصُوَرِ الأعْمالِ الخَيْرِيَّةِ المُرْتَسِمَةِ بِالأقْوالِ الحَسَنَةِ الصّائِبَةِ؛ وإنَّما قَعَدَ عَنْ يَمِينِهِ لِأنَّ اليَمِينَ هي الجِهَةُ القَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ المُبارَكَةُ، وهي جِهَةُ النَّفْسِ الَّتِي تَلِي الحَقَّ. والمُتَلَقِّي القاعِدُ عَنِ الشِّمالِ هو القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ الَّتِي تَنْتَقِشُ بِصُوَرِ الأعْمالِ البَشَرِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبْعِيَّةِ، والآراءِ الشَّيْطانِيَّةِ والوَهْمِيَّةِ، والأقْوالِ الخَبِيثَةِ الفاسِدَةِ؛ وإنَّما قَعَدَ عَنِ الشِّمالِ لِأنَّ الشَّمالَ هي الجِهَةُ الضَّعِيفَةُ الخَسِيسَةُ المَشْؤُومَةُ، وهي الَّتِي تَلِي البَدَنَ، ولِأنَّ الفِطْرَةَ الإنْسانِيَّةَ خَيِّرَةٌ بِالذّاتِ، لِكَوْنِها مِن عالَمِ الأنْوارِ، مُقْتَضِيَةٌ بِذاتِها وغَرِيزَتِها الخَيِّراتِ. والشُّرُورُ إنَّما هي أُمُورٌ عَرَضَتْ لَها مِن جِهَةِ البَدَنِ وآلاتِهِ وهَيْئاتِهِ، يَسْتَوْلِي صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ الشِّمالِ، فَكُلَّما صَدَرَتْ مِنهُ حَسَنَةٌ كَتَبَها لَهُ في الحالِ، وإنْ صَدَرَتْ مِنهُ سَيِّئَةٌ مَنَعَ صاحِبَ الشَّمالِ مِن كِتابَتِها في الحالِ انْتِظارًا لِلتَّسْبِيحِ، أيِ: التَّنْزِيهِ عَنِ الغَواشِي البَدَنِيَّةِ والهَيْئاتِ الطَّبِيعِيَّةِ، بِالرُّجُوعِ إلى مَقَرِّهِ الأصْلِيِّ وسِنْخِهِ (p-٥٤٩٩)الحَقِيقِيِّ وحالِهِ الغَرِيزِيِّ؛ لِيَنْمَحِيَ أثَرُ ذَلِكَ الأمْرِ العارِضِيِّ بِالنُّورِ الأصْلِيِّ والِاسْتِغْفارِ، أيِ: التَّنَوُّرُ بِالأنْوارِ الرُّوحِيَّةِ والتَّوَجُّهُ إلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، لِيَنْمَحِيَ أثَرُ تِلْكَ الظُّلْمَةِ العَرَضِيَّةِ بِالنُّورِ الوارِدِ كَما رُوِيَ ««أنَّ كاتِبَ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ الرَّجُلِ، وكاتِبَ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِهِ، وكاتِبَ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ، فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها مَلَكُ اليَمِينَ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ اليَسارِ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ، لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ»» . انْتَهى. وقَدْ كَثُرَ في كَلامِ القاشانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَأْوِيلُ المَلَكِ بِالقُوَّةِ الحاثَّةِ عَلى الخَيْرِ، والشَّيْطانِ بِالمُغْوِيَةِ عَلى الشَّرِّ. وسَبَقَهُ إلَيْهِ الحُكَماءُ، قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: هَذا الشَّيْءُ الَّذِي أُودِعَ فِينا ونُسَمِّيهِ قُوَّةً وفِكْرًا، وهو في الحَقِيقَةِ مَعْنًى لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ، ورُوحٌ لا تُكْتَنُهُ حَقِيقَتُها، لا يَبْعُدُ أنْ يُسَمِّيَهُ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا ويُسَمِّيَ أسْبابَهُ مَلائِكَةً، أوْ ما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَإنَّ التَّسْمِيَةَ لا حَجْرَ فِيها عَلى النّاسِ، فَكَيْفَ يُحْجَرُ فِيها عَلى صاحِبِ الإرادَةِ المُطْلَقَةِ، والسُّلْطانِ النّافِذِ والعِلْمِ الواسِعِ؟ وقَدْ سَبَقَ الغَزالِيُّ إلى هَذا المَعْنى وعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّبَبِ، وقالَ: إنَّهُ يُسَمّى مَلَكًا، فَإنَّهُ في شَرْحِ عَجائِبِ القَلْبِ مِن كِتابِ (الإحْياءِ) بَعْدَ ما قَسَّمَ الخَواطِرَ إلى مَحْمُودٍ ومَذْمُومٍ، قالَ: وكَذَلِكَ لِأنْوارِ القَلْبِ وظُلْمَتِهِ سَبَبانِ مُخْتَلِفانِ: فَسَبَبُ الخاطِرِ الدّاعِي إلى الخَيْرِ يُسَمّى مَلَكًا، وسَبَبُ الخاطِرِ الدّاعِي إلى الشَّرِّ يُسَمّى شَيْطانًا... إلَخْ. والبَحْثُ كُلُّهُ غُرَرٌ، تَجْدُرُ مُراجَعَتُهُ. لَطِيفَةٌ: ﴿قَعِيدٌ﴾ كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مُجالِسٍ، لَفْظًا ومَعْنًى؛ وإنَّما أُفْرِدَ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ (p-٥٥٠٠)وقِيلَ: يُطْلَقُ (فَعِيلٌ) لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] وضُعِّفَ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ إذا كانَ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ) بِشُرُوطِهِ، وهَذا بِمَعْنى (فاعِلٍ)، فَلا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقِ الحَمْلِ عَلى (فَعِيلٍ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ).

ق 50:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ . ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ عَمَلَهُ، ﴿عَتِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِبْعادَهم لِلْبَعْثِ وأزاحَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، أعْلَمَهم بِأنَّهم يُلاقُونَ ذَلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ونَبَّهَ عَلى اقْتِرابِهِ بِلَفْظِ الماضِي، فَقالَ سُبْحانَهُ:

ق 50:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ . ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ المُحَيِّرَةُ الشّاغِلَةُ لِلْحَواسِّ، المُذْهِلَةُ لِلْعَقْلِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالمَوْعُودِ الحَقِّ والأمْرِ المُحَقَّقِ، وهو المَوْتُ؛ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ. أوْ بِالمَوْعُودِ الحَقِّ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، والثَّوابِ والعِقابِ الَّذِي غَفَلَ عَنْهُ، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: أحْضَرَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ حَقِيقَةَ الأمْرِ، وهي أحْوالُها الباطِنَةُ، وأظْهَرَتْها عَلَيْهِ. قالَ الشِّهابُ: السَّكْرَةُ اسْتُعِيرَتْ لِلشِّدَّةِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُما أنَّ كُلًّا مِنهُما مُذْهِبٌ لِلْعَقْلِ، فالِاسْتِعارَةُ تَصْرِيحِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُشَبِّهَ المَوْتَ بِالشَّرابِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وإثْباتُ السَّكْرَةِ لَها تَخْيِيلٌ. ﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ أيْ: تَفِرُّ. والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: يُقالُ لَهُ وقْتَ المَوْتِ: ذَلِكَ الأمْرُ الَّذِي رَأيْتَهُ هو الَّذِي كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ في حَياتِكَ، فَلَمْ يَنْفَعْكَ الهَرَبُ والفِرارُ. وهَلِ المُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ، الحَقُّ أوِ المَوْتُ؟ (p-٥٥٠١)قالَ الطِّيبِيُّ: إنِ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ إلَخْ، بِقَوْلِهِ: ﴿فِي لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] وما مَعَهُ، فالمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الحَقِّ، والخِطابُ لِلْفاجِرِ، أيْ: جاءَكَ أيُّها الفاجِرُ الحَقُّ الَّذِي أنْكَرْتَهُ، وإنِ اتَّصَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ [ق: ١٦] إلَخْ، فالمُشارُ إلَيْهِ المَوْتُ، والِالتِفاتُ لا يُفارِقُ الوَجْهَيْنِ، والثّانِي هو المُناسِبُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] بَعْدَهُ، وتَفْصِيلُهُ، ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١] انْتَهى.

ق 50:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠_٢١] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ يَعْنِي: نَفْخَةَ البَعْثِ ذَلِكَ أيِ: النَّفْخُ يَوْمُ الوَعِيدِ أيْ: وقْتَ تَحَقُّقِ الوَعِيدِ بِشُهُودِ ما قَدَّمَ مِنَ الأعْمالِ وما أخَّرَ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى اللَّهِ، وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وهَلْ هُما مَلَكانِ، أوْ مَلَكٌ جامِعٌ لِلْوَصْفَيْنِ، أوِ الأوَّلُ مَلَكٌ، والثّانِي الإنْسانُ نَفْسُهُ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ، أوْ سائِقٌ مِن أعْمالِها، إلى مَكانِ جَزائِها، وشَهِيدٌ مِن أجْزائِها؟ أقْوالٌ: وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: سائِقٌ مِن عَمَلِهِ، وشَهِيدٌ مِن عَمَلِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنْجَذِبُ إلى مَحَلِّ نَظَرِهِ، وما اخْتارَهُ بِعَمَلِهِ. والمَيْلُ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ إنَّما نَشَأ مِن شُعُورِهِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وحُكْمِهِ بِمُلاءَمَتِهِ لَهُ، سَواءٌ كانَ أمْرًا سُفْلِيًّا جِسْمانِيًّا بَعَثَهُ عَلَيْهِ هَواهُ وأغْراهُ عَلَيْهِ وهْمُهُ وقَوّاهُ، أوْ أمْرًا عُلْوِيًّا رُوحانِيًّا بَعَثَهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ ومَحَبَّتُهُ الرُّوحانِيَّةُ وحَرَّضَهُ عَلَيْهِ قَلْبُهُ وفِطْرَتُهُ الأصْلِيَّةُ. فالعِلْمُ الغالِبُ عَلَيْهِ سائِقُهُ إلى مَعْلُومِهِ، وشاهِدُهُ بِالمَيْلِ الغالِبِ عَلَيْهِ، والحُبُّ الرّاسِخُ فِيهِ (p-٥٥٠٢)والعَمَلُ المَكْتُوبُ في صَحِيفَتِهِ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِظُهُورِهِ عَلى صُوَرِ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ، ويَنْطِقُ عَلَيْهِ كِتابُهُ بِالحَقِّ، وجَوارِحُهُ بِهَيْئاتِ أعْضائِهِ المُتَشَكِّلَةِ بِأعْمالِهِ. انْتَهى.

ق 50:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠_٢١] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ يَعْنِي: نَفْخَةَ البَعْثِ ذَلِكَ أيِ: النَّفْخُ يَوْمُ الوَعِيدِ أيْ: وقْتَ تَحَقُّقِ الوَعِيدِ بِشُهُودِ ما قَدَّمَ مِنَ الأعْمالِ وما أخَّرَ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى اللَّهِ، وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وهَلْ هُما مَلَكانِ، أوْ مَلَكٌ جامِعٌ لِلْوَصْفَيْنِ، أوِ الأوَّلُ مَلَكٌ، والثّانِي الإنْسانُ نَفْسُهُ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ، أوْ سائِقٌ مِن أعْمالِها، إلى مَكانِ جَزائِها، وشَهِيدٌ مِن أجْزائِها؟ أقْوالٌ: وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: سائِقٌ مِن عَمَلِهِ، وشَهِيدٌ مِن عَمَلِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنْجَذِبُ إلى مَحَلِّ نَظَرِهِ، وما اخْتارَهُ بِعَمَلِهِ. والمَيْلُ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ إنَّما نَشَأ مِن شُعُورِهِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وحُكْمِهِ بِمُلاءَمَتِهِ لَهُ، سَواءٌ كانَ أمْرًا سُفْلِيًّا جِسْمانِيًّا بَعَثَهُ عَلَيْهِ هَواهُ وأغْراهُ عَلَيْهِ وهْمُهُ وقَوّاهُ، أوْ أمْرًا عُلْوِيًّا رُوحانِيًّا بَعَثَهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ ومَحَبَّتُهُ الرُّوحانِيَّةُ وحَرَّضَهُ عَلَيْهِ قَلْبُهُ وفِطْرَتُهُ الأصْلِيَّةُ. فالعِلْمُ الغالِبُ عَلَيْهِ سائِقُهُ إلى مَعْلُومِهِ، وشاهِدُهُ بِالمَيْلِ الغالِبِ عَلَيْهِ، والحُبُّ الرّاسِخُ فِيهِ (p-٥٥٠٢)والعَمَلُ المَكْتُوبُ في صَحِيفَتِهِ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِظُهُورِهِ عَلى صُوَرِ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ، ويَنْطِقُ عَلَيْهِ كِتابُهُ بِالحَقِّ، وجَوارِحُهُ بِهَيْئاتِ أعْضائِهِ المُتَشَكِّلَةِ بِأعْمالِهِ. انْتَهى.

ق 50:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢] ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ . ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً في خِلالِ النَّبَأِ الأُخْرَوِيِّ، تَنْوِيهًا بِمِنَّةِ الإعْلامِ بِذَلِكَ، والتَّعْرِيفِ بِهِ، ثُمَّ شِدَّةِ نُفُوذِ البَصَرِ بِهِ والوُقُوفِ عَلى غَوامِضِهِ بَعْدَ خُلُوِّ الذِّهْنِ عَنْهُ رَأْسًا. والمَعْنى: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْكَ، فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ بِإنْزالِهِ إلَيْكَ؛ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ نافِذٌ قَوِيٌّ، تَرى ما لا يَرَوْنَ، وتَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ. ومِثْلُهُ آيَةُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وثانِيها: أنَّهُ الكافِرُ، وأنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا الَّذِي عايَنْتَ اليَوْمَ مِنَ الأهْوالِ، فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ بِأنْ جَلَيْنا لَكَ ذَلِكَ، وأظْهَرْناهُ لِعَيْنَيْكَ حَتّى رَأيْتَهُ وعايَنْتَهُ، فَزالَتِ الغَفْلَةُ عَنْكَ. ومِثْلُهُ عَنِ الكُفّارِ آيَةُ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] وآيَةُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] وثالِثُها: أنَّهُ الإنْسانُ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١] والمَقْصُودُ أنَّهُ كُشِفَ الغِطاءُ عَنِ البَرِّ والفاجِرِ، ورَأى كُلَّ ما يَصِيرُ إلَيْهِ. (p-٥٥٠٣)وعَوَّلَ ابْنُ جَرِيرٍ في الأوْلَوِيَّةِ عَلى الثّالِثِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتِ الغَفْلَةُ كَأنَّها غِطاءٌ غَطّى بِها جَسَدَهُ كُلَّهُ، أوْ غِشاوَةٌ غَطّى بِها عَيْنَيْهِ، فَهو لا يُبْصِرُ شَيْئًا، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ تَيَقَّظَ وزالَتِ الغَفْلَةُ عَنْهُ وغِطاؤُها، فَيُبْصِرُ ما لَمْ يُبْصِرْهُ مِنَ الحَقِّ. وقالَ القاشانِيُّ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا لِاحْتِجابِكَ بِالحِسِّ والمَحْسُوساتِ وذُهُولِكَ عَنْهُ؛ لِاشْتِغالِكَ بِالظّاهِرِ عَنِ الباطِنِ فَكَشَفْنا عَنْكَ بِالمَوْتِ غِطاءَكَ المادِّيَّ الجُسْمانِيَّ الَّذِي احْتَجَبْتَ بِهِ، ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: إدْراكُكَ لِما ذَهَلْتَ عَنْهُ ولَمْ تُصَدِّقْ بِوُجُودِهِ، قَوِيٌّ تُعايِنُهُ. انْتَهى.

ق 50:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣] ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ ﴿وقالَ قَرِينُهُ﴾ أيْ: قَرِينُ هَذا الإنْسانِ الَّذِي جِيءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَهُ سائِقٌ وشَهِيدٌ، وهو إمّا المَلَكُ المُوَكَّلُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا لِكِتابَةِ أعْمالِهِ، وهو الرَّقِيبُ المُتَقَدِّمُ، أوِ الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ مُقارِنًا يُغْوِيهِ، وهو الأظْهَرُ -كَما اعْتَمَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - لِآيَةِ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧] ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ: هَذا شَيْءٌ لَدَيَّ حاضِرٌ مُعَدٌّ مَحْفُوظٌ. والإشارَةُ عَلى الأوَّلِ لِما في صُحُفِهِ، وعَلى الثّانِي لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ، أيْ: هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ لِجَهَنَّمَ هَيَّأْتُهُ بِإغْوائِي لَها. وقالَ القاشانِيُّ: ﴿وقالَ قَرِينُهُ﴾ أيْ: مِن شَيْطانِ الوَهْمِ الَّذِي غَرَّهُ بِالظَّواهِرِ وحَجَبَهُ عَنِ البَواطِنِ: هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ مُهَيَّأٌ لِجَهَنَّمَ، أيْ: ظَهَرَ تَسْخِيرُ الوَهْمِ إيّاهُ في التَّوَجُّهِ إلى (p-٥٥٠٤)الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، وأنَّهُ مَلَكَهُ واسْتَعْبَدَهُ في طَلَبِ اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، حَتّى هَيَّأهُ لِجَهَنَّمَ في قَعْرِ الطَّبِيعَةِ. انْتَهى.

ق 50:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤] ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ، عَلى أنَّهُما مَلَكانِ، لا مَلَكٌ جامِعٌ لِلْوَصْفَيْنِ، أوْ لِمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ، أوْ لِواحِدٍ؛ وتَثْنِيَةُ الفاعِلِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرُهُ عَلى أنَّهُ أصْلُهُ: ألْقِ، ألْقِ، ثُمَّ حُذِفَ الفِعْلُ الثّانِي، وأُبْقِيَ ضَمِيرُهُ مَعَ الفِعْلِ الأوَّلِ، فَثُنِّيَ الضَّمِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ، أوِ الألِفُ بَدَلٌ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّها تُبَدَّلُ ألِفًا في الوَقْفِ، فَأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْراهُ، -أوْجُهٌ ذَكَرُوها-. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُخْرِجَ الأمْرُ لِلْقَرِينِ -وهُوَ بِلَفْظٍ واحِدٍ- مَخْرَجَ خِطابِ الِاثْنَيْنِ. وفي ذَلِكَ وجْهانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ القَرِينُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ، كالرَّسُولِ، والِاسْمِ الَّذِي يَكُونُ بِلَفْظِ الواحِدِ في الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ. فَرَدَّ قَوْلَهُ: ﴿ألْقِيا﴾ إلى المَعْنى. والثّانِي: أنْ يَكُونَ كَما كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يَقُولُ، وهِيَ: إنَّ العَرَبَ تَأْمُرُ الواحِدَ والجَماعَةَ بِما تَأْمُرُ بِهِ الِاثْنَيْنِ، فَتَقُولُ لِلرَّجُلِ: ويْلَكَ! ارْحَلاها، وازْجُراها، كَما قالَ: ؎فَقُلْتُ لِصاحِبِي لا تَحْبِسانا بِنَزْعِ أُصُولِهِ واجْتَرَّ شِيحًا وقالَ أبُو ثَرْوانَ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا (p-٥٥٠٥)وسَبَبُ ذَلِكَ مِنهم أنَّ الرَّجُلَ أدْنى أعْوانِهِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ اثْنانِ، وكَذَلِكَ الرُّفْقَةُ أدْنى ما تَكُونُ ثَلاثَةٌ؛ فَجَرى كَلامُ الواحِدِ عَلى صاحِبَيْهِ. ألا تَرى الشُّعَراءَ أكْثَرَ شَيْءٍ قِيلًا: يا صاحِبَيْ، يا خَلِيلَيِ. انْتَهى. و(الكَفّارُ) المُبالَغُ في جَحْدِهِ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى وما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. و(العَنِيدُ) المُعانِدُ لِلْحَقِّ وسَبِيلِ الهُدى، لا يَسْمَعُ دَلِيلًا في مُقابَلَةِ كُفْرِهِ، وقَدْ زادَ عَلى العِنادِ بِوَصْفِ:

ق 50:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيِ: الكُلِّيِّ، وهو الإسْلامُ، أوِ المالُ. واسْتَصْوَبَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ هُنا كُلُّ حَقٍّ وجَبَ لِلَّهِ أوْ لِآدَمِيٍّ في مالِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يُخَصَّصْ مِنهُ شَيْءٌ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ كُلُّ خَيْرٍ يُمْكِنُ مَنعُهُ طالِبَهُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزُ الحَدِّ في الِاعْتِداءِ عَلى النّاسِ بِالبَذاءِ والفُحْشِ في المَنطِقِ، وبِيَدِهِ بِالسَّطْوَةِ والبَطْشِ ظُلْمًا، كَما قالَقَتادَةُ: مُعْتَدٍ في مَنطِقِهِ وسِيرَتِهِ وأمْرِهِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: شاكٌّ في الحَقِّ، أوْ مُوقِعٌ صاحِبَهُ في الرَّيْبِ مَعَ كَثْرَةِ الدَّلائِلِ. وقالَ القاشانِيُّ: الخِطابُ في ﴿ألْقِيا﴾ [ق: ٢٤] لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ الَّذَيْنِ يُوبِقانِهِ ويُلْقِيانِهِ ويُهْلِكانِهِ في أسْفَلِ غَياهِبِ مِهْواةِ الهَيُولِيِّ الجُسْمانِيَّةِ، وغَيابَةِ جُبِّ الطَّبِيعَةِ الظُّلْمانِيَّةِ في نِيرانِ الحِرْمانِ. أوْ لِمالِكٍ. والمُرادُ بِتَثْنِيَةِ الفاعِلِ تَكْرارُ الفِعْلِ، كَأنَّما قالَ: ألْقِ، ألْقِ، لِاسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ في الإبْعادِ والإلْقاءِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ. ويُقَوِّي الأوَّلَ: أنَّهُ عَدَّدَ الرَّذائِلَ المُوبِقَةَ الَّتِي أوْجَبَتِ اسْتِحْقاقَهم لِعَذابِ جَهَنَّمَ، ووُقُوعَهم في نِيرانِ الجَحِيمِ، وبَيَّنَ أنَّها مِن بابِ العِلْمِ والعَمَلِ. والكُفْرانُ ومَنعُ الخَيْرِ كِلاهُما مِن إفْراطِ القُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، لِانْهِماكِها في لَذّاتِها، واسْتِعْمالِها نِعَمَ اللَّهِ تَعالى في غَيْرِ مَواضِعِها مِنَ المَعاصِي والِاحْتِجابِ عَنِ المُنْعِمِ بِها، ومِن حَقِّها (p-٥٥٠٦)أنْ تُذَكِّرَهُ وتَبْعَثَ عَلى شُكْرِهِ، ومُكالَبَتِها عَلَيْها لِفَرْطِ وُلُوعِها بِها؛ فَتَمْنَعُها عَنْ مُسْتَحِقِّيها. وذَكَرَهُما عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ؛ لِيَدُلَّ عَلى رُسُوخِ الرَّذِيلَتَيْنِ فِيهِ وغَلَبَتِهِما عَلَيْهِ، وتَعَمُّقِهِ فِيهِما المُوجِبِ لِلسُّقُوطِ عَنْ رُتْبَةِ الفِطْرَةِ في قَعْرِ بِئْرِ الطَّبِيعَةِ. والعُنُودُ والِاعْتِداءُ كِلاهُما مِن إفْراطِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، واسْتِيلائِها لِفَرْطِ الشَّيْطَنَةِ، والخُرُوجِ عَنْ حَدِّ العَدالَةِ. والأرْبَعَةُ مِن بابِ فَسادِ العَمَلِ. والرَّيْبُ والشِّرْكُ كِلاهُما مِن نُقْصانِ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ، وسُقُوطِها عَنِ الفِطْرَةِ بِتَفْرِيطِها في جَنْبِ اللَّهِ، وتَصَوُّرِها عَنْ حَدِّ القُوَّةِ العاقِلَةِ؛ وذَلِكَ مِن بابِ فَسادِ العِلْمِ. انْتَهى.

ق 50:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦] ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ . ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ أيْ: عَبَدَ مَعَهُ مَعْبُودًا آخَرَ مِن خَلْقِهِ، ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ أيْ: عَذابِ جَهَنَّمَ. لَطِيفَةٌ: المَوْصُولُ إمّا مُبْتَدَأٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، وخَبَرُهُ ﴿فَألْقِياهُ﴾ أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿فَألْقِياهُ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾ [ق: ٢٤] فَيَكُونُ ﴿فَألْقِياهُ﴾ تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ. قِيلَ عَلى الأخِيرِ: إنَّهُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي مِن أنَّ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والمُؤَكِّدِ شِدَّةَ اتِّصالٍ تَمْنَعُ مِنَ العَطْفِ. وأُجِيبَ: بِأنَّهُ مِن بابِ: وحَقُّكَ ثُمَّ حَقُّكَ، نَزَّلَ التَّغايُرَ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والمُؤَكِّدِ والمُفَسِّرِ وُالمُفَسَّرِ، مَنزِلَةَ التَّغايُرِ بَيْنَ الذّاتَيْنِ بِوَجْهٍ خِطابِيٍّ. ولَوْ جُعِلَ العَذابُ الشَّدِيدُ نَوْعًا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ ومِن أهْوالِهِ، عَلى أنَّهُ مِن بابِ ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] كانَ حَسَنًا. قالَ الشِّهابُ (بَعْدَ نَقْلِهِ ما ذَكَرَ): قالَ ابْنُ مالِكٍ في (التَّسْهِيلِ): فَصْلُ الجُمْلَتَيْنِ في التَّأْكِيدِ بِـ: (ثُمَّ)، إنْ أُمِنَ اللَّبْسُ، أجْوَدُ مِن وصْلِهِما، وذَكَرَ بَعْضُ النُّحاةِ الفاءَ. وذَكَرَ (p-٥٥٠٧)الزَّمَخْشَرِيُّ في (الجاثِيَةِ) الواوَ أيْضًا، واتَّفَقَ النُّحاةُ عَلى أنَّهُ تَأْكِيدٌ اصْطِلاحِيٌّ، وكَلامُ أهْلِ المَعانِي في إطْلاقِ مَنعِهِ غَيْرُ سَدِيدٍ. انْتَهى.

ق 50:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧] ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ . ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ أيْ: قَرِينُ هَذا الإنْسانِ الكَفّارِ المَنّاعِ لِلْخَيْرِ، وهو شَيْطانُهُ الَّذِي كانَ مُوَكَّلًا بِهِ في الدُّنْيا، مُتَبَرِّئًا مِنهُ ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ أيْ: بِالإرابَةِ ومَنعِ الإسْلامِ وجَعْلِ إلَهٍ آخَرَ مَعَكَ، ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: في طَرِيقٍ جائِرٍ عَنْ سَبِيلِ الهُدى، جَوْرًا بَعِيدًا بِنَفْسِهِ. قالَ القاشانِيُّ: وقَوْلُ الشَّيْطانِ: ﴿ما أطْغَيْتُهُ﴾ إلَخْ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ التَّوْحِيدِ، بَعِيدٍ عَنِ الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، والتَّغَشِّي بِالغَواشِي المُظْلِمَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، لَمْ يَقْبَلْ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ، وقَبِلَ إلْهامَ المَلَكِ؛ فالذَّنْبُ إنَّما يَكُونُ عَلَيْهِ بِالِاحْتِجابِ مِن نُورِ الفِطْرَةِ، واكْتِسابِ الجِنْسِيَّةِ مَعَ الشَّيْطانِ في الظُّلْمَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما أخْبَرَ تَعالى عَنْ قَوْلِ قَرِينِ الكافِرِ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، إعْلامًا مِنهُ عِبادَهُ، تَبَرُّأ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضِ يَوْمَ القِيامَةِ.

ق 50:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٨] ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ أيْ: لا تَخْتَصِمُوا اليَوْمَ في دارِ (p-٥٥٠٨)الجَزاءِ ومَوْقِفِ الحِسابِ؛ فَلا فائِدَةَ في اخْتِصامِكُمْ، وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم في الدُّنْيا بِالوَعِيدِ لِمَن كَفَرَ بِي وعَصانِي وخالَفَ أمْرِي ونَهْيِي في كُتُبِي، وعَلى ألْسُنِ رُسُلِي. قالَ القاشانِيُّ: النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِصامِ لَيْسَ المُرادُ بِهِ انْتِهاءَهُ، بَلْ عَدَمَ فائِدَتِهِ، والِاسْتِماعَ إلَيْهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: لا اخْتِصامَ مَسْمُوعٌ عِنْدِي، وقَدْ ثَبَتَ وصَحَّ تَقْدِيمُ الوَعِيدِ، حَيْثُ أمْكَنَ انْتِفاعُكم بِهِ؛ لِسَلامَةِ الآلاتِ وبَقاءِ الِاسْتِعْدادِ، فَلَمْ تَنْتَفِعُوا بِهِ ولَمْ تَرْفَعُوا لِذَلِكَ رَأْسًا، حَتّى تَرَسَّخَتِ الهَيْئاتُ المُظْلِمَةُ في نُفُوسِكُمْ، ورانَتْ عَلى قُلُوبِكُمْ، وتَحَقَّقَ الحِجابُ، وحَقَّ القَوْلُ بِالعَذابِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.

ق 50:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ما يُغَيَّرُ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُهُ لَكم في الدُّنْيا وهو قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] ولا قَضائِي الَّذِي قَضَيْتُهُ فِيهِمْ فِيها. ﴿وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: فَلا أُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولَكِنْ بِذَنْبِهِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ. وقالَ القاشانِيُّ: ﴿وما أنا بِظَلامٍ﴾ حَيْثُ وهَبْتُ الِاسْتِعْدادَ، وأنْبَأْتُ عَلى الكَمالِ المُناسِبِ لَهُ وهَدَيْتُكم إلى طَرِيقِ اكْتِسابِهِ، بَلْ أنْتُمُ الظَّلّامُونَ أنْفُسَكم بِاكْتِسابِ ما يُنافِيهِ، وإضاعَةِ الِاسْتِعْدادِ بِوَضْعِ النُّورِ في الظُّلْمَةِ، واسْتِبْدالِ ما يَفْنى بِما يَبْقى. (p-٥٥٠٩)تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: ظاهِرُ الآياتِ أنَّ هَذا التَّقاوُلَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ إذْ لا مانِعَ مِنها. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّها مَجازٌ. قالَ القاشانِيُّ: هَذِهِ المُقاوَلاتُ كُلُّها مَعْنَوِيَّةٌ، مُثِّلَتْ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ والتَّصْوِيرِ، لِاسْتِحْكامِ المَعْنى في القَلْبِ، عِنْدَ ارْتِسامِ مِثالِهِ في الخَيالِ، فادِّعاءُ الكافِرِ الإطْغاءَ عَلى الشَّيْطانِ وإنْكارُ الشَّيْطانِ إيّاهُ، عِبارَةٌ عَنِ التَّنازُعِ والتَّجاذُبِ الواقِعِ بَيْنَ قُوَّتَيْهِ: الوَهْمِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، بَلْ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مُتَضادَّتَيْنِ مِن قُواهُ: كالغَضَبِيَّةِ والشَّهْوِيَّةِ مَثَلًا؛ ولِهَذا قالَ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ [ق: ٢٨] ولَمّا كانَ الأمْرانِ في وُجُودِهِ هُما العَقْلِيَّةَ والوَهْمِيَّةَ، كانَ أصْلُ التَّخاصُمِ بَيْنَهُما، وكَذا يَقَعُ التَّخاصُمُ بَيْنَ كُلِّ مُتَحاوِرِينَ مُتَخاوِضِينَ في أمْرٍ، لِتَوَقُّعِ نَفْعٍ أوْ لَذَّةٍ، يَتَوَقَّفانِ ما دامَ مَطْلُوبُهُما حاصِلًا، فَإذا حُرِّما أوْقَعا بِسَعْيِهِما في خُسْرانٍ وعَذابٍ، تَدارَآ، أوْ نَسَبَ كُلٌّ مِنهُما التَّسَبُّبَ في ذَلِكَ إلى الآخَرِ، لِاحْتِجابِهِما عَنِ التَّوْحِيدِ، وتَبَرُّؤِ كُلٍّ مِنهُما عَنْ ذَنْبِهِ لِمَحَبَّةِ نَفْسِهِ؛ ولِذَلِكَ «قالَ حارِثَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ورَأيْتُ أهْلَ النّارِ يَتَعاوَرُونَ. و«صَوَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ»» . انْتَهى. الثّانِي: إنْ قُلْتَ: لِمَ طُرِحَتِ الواوُ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ [ق: ٢٧] وذُكِرَتْ في الأُولى؟ قُلْتُ: لِأنَّها اسْتُؤْنِفَتْ كَما تُسْتَأْنَفُ الجُمَلُ الواقِعَةُ في حِكايَةِ التَّقاوُلِ، كَما رَأيْتَ في حِكايَةِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ. فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ المُقاوَلَةُ؟ قُلْتُ: لَمّا قالَ قَرِينُهُ: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] وتَبِعَهُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧] وتَلاهُ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ [ق: ٢٨] عُلِمَ أنَّ ثَمَّ مُقاوَلَةً مِنَ الكافِرِ، لَكِنَّها طُرِحَتْ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ لَمّا قالَ القَرِينُ: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] قالَ الكافِرُ: رَبِّ هو أطْغانِي، فَلَمّا قالَ الكافِرُ ذَلِكَ، قالَ القَرِينُ: ما أطْغَيْتُهُ، فَلَمّا حَكى قَوْلَ القَرِينِ والكافِرِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] وذِكْرُ الواوِ في الجُمْلَةِ (p-٥٥١٠)الأُولى لِأنَّها أوَّلُ المُقاوَلَةِ، ولا بُدَّ مِن عَطْفِها لِلدَّلالَةِ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ مَعْناها ومَعْنى ما قَبْلَها في الحُصُولِ، أعْنِي مَجِيءَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ المَلَكَيْنِ، وقَوْلَ قَرِينِهِ ما قالَهُ لَهُ، هَذا مُلَخَّصُ ما في (الكَشّافِ). الثّالِثُ: جُوِّزَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً في المَفْعُولِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المَعِيَّةِ، والمَعْنى: قَدَّمْتُ هَذا القَوْلَ مُوعِدًا لَكم بِهِ، أوْ حالَ كَوْنِ القَوْلِ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ، أوْ مِن ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ [ق: ٢٨] عَلى تَأْوِيلِ تَقْدِيمِ الوَعِيدِ بِالعِلْمِ بِهِ، أيْ: لا تَخْتَصِمُوا عالِمِينَ بِهِ؛ وذَلِكَ لِتَصِحَّ الحالِيَّةُ، ويَكُونَ بَيْنَها وبَيْنَ عامِلِها مُقارَنَةٌ عَلى اصْطِلاحِهِمْ. الرّابِعُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ عَلى أنَّهُ لا خَلْفَ في إيعادِ اللَّهِ تَعالى، كَما لا إخْلافَ في مِيعادِ اللَّهِ. وهَذا يَرُدُّ عَلى المُرْجِئَةِ حَيْثُ قالُوا: ما ورَدَ في القُرْآنِ مِنَ الوَعِيدِ فَهو تَخْوِيفٌ لا يُحَقِّقُ اللَّهُ شَيْئًا مِنهُ، وقالُوا: الكَرِيمُ إذا وعَدَ أنْجَزَ ووَفّى، وإذا أوْعَدَ أخْلَفَ وعَفا، أفادَهُ الرّازِيُّ. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما ذَكَرُوهُ لَلَزِمَ تَبْدِيلُ قَوْلِهِ تَعالى، والخَلْفُ في إخْبارِهِ -تَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ- مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الذَّنْبِ تَقْتَضِي العُقُوبَةَ، إلّا أنْ يُتابَ مِنهُ، أوْ يَشاءَ تَعالى العَفْوَ عَنْهُ. الخامِسُ: ذَكَرُوا في سِرِّ المُبالَغَةِ في ﴿بِظَلامٍ﴾ وُجُوهًا: مِنها: أنَّ (فَعّالًا) قَدْ ورَدَ بِمَعْنى (فاعِلٍ)، فَهَذا مِنهُ. ومِنها: اعْتِبارُ كَثْرَةِ الخَلْقِ. ومِنها: أنَّ المَنسُوبَ في المُعْتادِ إلى المُلُوكِ مِنَ الظُّلْمِ تَحْتَ ظُلْمِهِمْ، إنْ عَظِيمًا فَعَظِيمٌ وإنْ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ، فَما كانَ مُلْكُ اللَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَلَكَهُ، قَدَّسَ ذاتَهُ عَمّا يَتَوَهَّمُ مَخْذُولٌ، والعِياذُ بِاللَّهِ، أنَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْهِ مِن ظُلْمٍ تَحْتَ شُمُولِ كُلِّ مَوْجُودٍ. (p-٥٥١١)

ق 50:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠] ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْناهُ: ما مِن مَزِيدٍ. فَعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: وعَدَها اللَّهُ لَيَمْلَأْنَّها فَقالَ: هَلّا وفَّيْتُكِ؟ قالَتْ: وهَلْ مِن مَسْلَكٍ؟!. الثّانِي: مَعْناهُ: زِدْنِي. أيْ: فالِاسْتِفْهامُ عَلى الأوَّلِ إنْكارِيٌّ، مَعْناهُ النَّفْيُ، وأُيِّدَ بِآيَةِ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وعَلى الثّانِي تَقْرِيرِيٌّ، دَلالَةً عَلى سِعَتِها. بِحَيْثُ يَدْخُلُها مَن يَدْخُلُها، وفِيها فَراغٌ وخُلُوٌّ، كَأنَّهُ يَطْلُبُ الزِّيادَةَ. فَإنْ قِيلَ: الوَجْهُ الثّانِي -وهُوَ كَوْنُها فِيها فَراغٌ- مُنافٍ لِصَرِيحِ النَّظْمِ مِن قَوْلِهِ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] الآيَةَ، قُلْتُ: لا مُنافاةَ بَيْنَهُما كَما تَوَهَّمَ؛ لِأنَّ الِامْتِلاءَ قَدْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ لا يَخْلُو طَبَقَةٌ مِنها عَمَّنْ سَكَنَها، وإنْ كانَ فِيها فَراغٌ كَبِيرٌ، كَما يُقالُ: إنَّ البَلْدَةَ مُمْتَلِئَةٌ بِأهْلِها، لَيْسَ فِيها دارٌ خالِيَةٌ، مَعَ ما بَيْنَها مِنَ الأبْنِيَةِ والأفْضِيَةِ. أوْ هَذا بِاعْتِبارِ حالَيْنِ، فالفَراغُ في أوَّلِ دُخُولِ أهْلِها فِيها، ثُمَّ يُساقُ إلَيْها الشَّياطِينُ ونَحْوُهم فَتَمْتَلِئُ. تَنْبِيهٌ: ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ المُقاوَلَةَ في الآيَةِ مَجازٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وأنَّ جَهَنَّمَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وزَفِيرِها وتَهافُتِ الكَفَرَةِ والعُصاةِ وقَذْفِهِمْ فِيها، كَأنَّها طالِبَةٌ لِلزِّيادَةِ. وآخَرُونَ إلى أنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ. (p-٥٥١٢)قالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): إنّا نَعْتَقِدُ أنَّ سُؤالَ جَهَنَّمَ وجَوابَها حَقِيقَةٌ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيها الإدْراكَ بِذَلِكَ بِشَرْطِهِ. وكَيْفَ نَفْرِضُ، وقَدْ ورَدَتِ الأخْبارُ وتَظاهَرَتْ عَلى ذَلِكَ؟ مِنها هَذا، ومِنها ««لَجاجُ الجَنَّةِ والنّارِ»»، ومِنها ««اشْتِكاؤُها إلى رَبِّها، فَأذِنَ لَها في نَفَسَيْنِ»» . وهَذِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ نُصُوصًا، فَظَواهِرُ يَجِبُ حَمْلُها عَلى حَقائِقِها، لِأنّا مُتَعَبِّدُونَ بِاعْتِقادِ الظّاهِرِ، ما لَمْ يَمْنَعْ مانِعٌ، ولا مانِعَ هاهُنا، فَإنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ والعَقْلَ يُجَوِّزُ، والظَّواهِرَ قاضِيَةٌ بِوُقُوعِ ما جَوَّزَهُ العَقْلُ. وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذا قَطْعًا في الدُّنْيا، «كَتَسْلِيمِ الشَّجَرِ، وتَسْبِيحِ الحَصى في كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ وفي يَدِ أصْحابِهِ» ولَوْ فُتِحَ بابُ المَجازِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ في تَفاصِيلِ المَقالَةِ، لاتَّسَعَ الخَرْقُ وضَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الخَلْقِ عَنِ الحَقِّ. ولَيْسَ هَذا كالظَّواهِرِ الوارِدَةِ في الإلَهِيّاتِ مِمّا لَمْ يُجَوِّزِ العَقْلُ اعْتِقادَ ظاهِرِها، فَإنَّ العُدُولَ فِيها عَنْ ظاهِرِ الكَلامِ بِضَرُورَةِ الِانْقِيادِ إلى أدِلَّةِ العَقْلِ المُرْشِدَةِ إلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ. انْتَهى. قالَ الشِّهابُ: وهو كَلامٌ حَسَنٌ، وأُمُورُ الآخِرَةِ لا يَنْبَغِي أنْ تُقاسَ عَلى أُمُورِ الدُّنْيا. انْتَهى. ولا تَنْسَ ما قُلْناهُ مِرارًا مِن أنَّ اللُّغَةَ لا تَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ، وأنَّ أكْثَرَ اللُّغَةِ مَجازٌ لا حَقِيقَةٌ، كَما أوْضَحَهُ السُّيُوطِيُّ في (المُزْهِرِ) والجُرْجانِيُّ في (أسْرارِ البَلاغَةِ). وفي شَواهِدِ العَرَبِ الكَثِيرَةِ ما يُؤَيِّدُ المَجازَ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، عَدا عَنْ كَوْنِهِ أبْلَغَ، كَما قَرَّرُوهُ. وبِالجُمْلَةِ فالنَّظْمُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُها -واللَّهُ أعْلَمُ-. و" يَوْمَ " مَنصُوبٌ بِـ: ظَلّامٍ أوْ بِمُضْمَرٍ، نَحْوَ: اذْكُرْ وأنْذِرْ. و(المَزِيدُ) إمّا مَصْدَرٌ كالمَجِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَبِيعِ.

ق 50:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١] ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ﴾ أيْ: قَرُبَتْ، أوْ دُنِّيَتْ، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم فَخافُوا عُقُوبَتَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، فَهو صِفَةٌ لِلظَّرْفِ قامَ (p-٥٥١٣)مَقامَهُ، أوْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ. وتَذْكِيرُهُ لِأنَّهُ صِفَةُ مُذَكَّرٍ، أيْ: شَيْئًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ تَأْوِيلُ الجَنَّةِ بِالبُسْتانِ، أوْ لِكَوْنِها عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ وأُجْرِيَ مَجْراهُ. وعَلى كُلٍّ فَهو لِلتَّأْكِيدِ، ودَفْعِ التَّجَوُّزِ، فَلا يُقالُ بَعْدَ ذِكْرِ كَوْنِها قَرُبَتْ: لا يَحْتاجُ إلى كَوْنِها غَيْرَ بَعِيدَةٍ.

ق 50:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ ﴿هَذا﴾ أيِ: الثَّوابُ أوِ الإزْلافُ، ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ أيُّها المُتَّقُونَ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾ أيْ: راجِعٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلى طاعَتِهِ، تائِبٍ مِن ذُنُوبِهِ ﴿حَفِيظٍ﴾ أيْ: حافِظٍ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وما ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُحافِظٍ عَلى صَفاءِ فِطْرَتِهِ ونُورِهِ الأصْلِيِّ، كَيْ لا يَتَكَدَّرَ بِظُلْمَةِ النَّفْسِ، و" لِكُلٍ " بَدَلٌ مِن " لِلْمُتَّقِينَ " بِإعادَةِ الجارِّ.

ق 50:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣] ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ أيْ: خافَ اللَّهَ في سِرِّهِ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: مَنِ اتَّصَفَ بِالخَشْيَةِ وصارَتِ الخَشْيَةُ مَقامَهُ. و َ " مَن " بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: هم مَن خَشِيَ. أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ بِتَأْوِيلِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها.... إلَخْ. ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ تائِبٍ مِن ذُنُوبِهِ، راجِعٍ مِمّا يَكْرَهُهُ تَعالى إلى ما يُرْضِيهِ.

ق 50:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٤ - ٣٥] ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا هَذِهِ الجَنَّةَ بِأمانٍ مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ والخَوْفِ. (p-٥٥١٤)﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ [ق: ٣٥] أيْ: مِمّا تَشْتَهِيهِ نُفُوسُهم وتَلَذُّهُ أعْيُنُهُمْ، ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] أيْ: مِمّا لا يَخْطُرُ عَلى بالِهِمْ، مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ.

ق 50:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٤ - ٣٥] ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا هَذِهِ الجَنَّةَ بِأمانٍ مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ والخَوْفِ. (p-٥٥١٤)﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ [ق: ٣٥] أيْ: مِمّا تَشْتَهِيهِ نُفُوسُهم وتَلَذُّهُ أعْيُنُهُمْ، ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] أيْ: مِمّا لا يَخْطُرُ عَلى بالِهِمْ، مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ.

ق 50:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ ﴿مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً، كَعادٍ وفِرْعَوْنَ وثَمُودَ، ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ: فَضَرَبُوا فِيها وسارُوا وطافُوا أقاصِيها. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ كانَ لَهم -بِتَنْقِيبِهِمْ في البِلادِ- بَطْشًا عَنِ الهَلاكِ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ لِتَكْذِيبِهِمُ الحَقَّ. والضَّمِيرُ عَلى هَذا في " نَقَّبُوا " لِلْقَرْنِ الَّذِينَ هم أشَدُّ بَطْشًا، وجُوِّزَ عَوْدُهُ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، أيْ: سارُوا في أسْفارِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ، فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يَتَوَقَّعُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ؟ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَرَأتِ القُرّاءُ قَوْلَهُ ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ القافِ، عَلى وجْهِ (p-٥٥١٥)الخَبَرِ عَنْهم. وذُكِرَ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بِكَسْرِ القافِ، عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: طَوِّفُوا في البِلادِ وتَرَدَّدُوا فِيها، فَإنَّكم لَنْ تَفُوتُونا بِأنْفُسِكم.

ق 50:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٧] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في إهْلاكِ القُرُونِ الَّتِي أُهْلِكَتْ مِن قَبْلِ قُرَيْشٍ لَذِكْرى ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: لَتَذْكِرَةٌ يَتَذَكَّرُ بِها مَن كانَ لَهُ عَقْلٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، فَيَنْتَهِي عَنِ الفِعْلِ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، خَوْفًا مِن أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ. ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيْ: أصْغى لِلْأخْبارِ -عَنْ هَذِهِ القُرُونِ الَّتِي أُهْلِكَتْ- بِسَمْعِهِ. ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ القَلْبِ مُتَفَهِّمٌ لِما يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُمْ، غَيْرُ غافِلٍ ولا ساهٍ. عَلى أنَّ ﴿شَهِيدٌ﴾ مِنَ الشُّهُودِ، وهو الحُضُورُ، والمُرادُ: المُتَفَطِّنُ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُتَفَطِّنِ كالغائِبِ، فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ. أوْ شَهِيدٌ بِمَعْنى شاهِدٍ، وفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: شاهِدٌ ذِهْنُهُ. أوْ هو مِنَ الشَّهادَةِ، والمُرادُ: شاهِدٌ بِصِدْقِهِ، أيْ: مُصَدِّقٌ لَهُ، لِأنَّهُ المُؤْمِنُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ. وهو كِنايَةٌ عَنِ المُؤْمِنِ، نَقَلَهُ الشِّهابُ. لَطِيفَةٌ: قِيلَ: (أوْ)، لِتَقْسِيمِ المُتَذَكِّرِ إلى تالٍ وسامِعٍ، أوْ إلى فَقِيهٍ ومُتَعَلِّمٍ، أوْ إلى عالِمٍ كامِلِ الِاسْتِعْدادِ لا يَحْتاجُ لِغَيْرِ التَّأمُّلِ فِيما عِنْدَهُ، وقاصِرٍ مُحْتاجٍ لِلتَّعَلُّمِ فَيَتَذَكَّرُ إذا أقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ، وأزالَ المَوانِعَ بِأسْرِها. وفي تَنْكِيرِ (القَلْبِ) وإبْهامِهِ، تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّ كُلَّ قَلْبٍ لا يَتَفَكَّرُ ولا يَتَدَبَّرُ، كَلا قَلْبٍ. (p-٥٥١٦)

ق 50:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ أيْ: إعْياءٍ. قالَ قَتادَةُ: كَذَّبَ اللَّهُ اليَهُودَ وأهْلَ الفِرى عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَراحَ يَوْمَ السّابِعِ، وذَلِكَ عِنْدَهم يَوْمُ السَّبْتِ وهم يُسَمُّونَهُ يَوْمَ الرّاحَةِ.

ق 50:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩ - ٤٠] ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ مِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] أيْ: أعْقابَ الصَّلَواتِ. والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ إمّا ظاهِرُهُ، وهو قَرِينُ التَّحْمِيدِ. أوْ هو الصَّلاةُ، مِن إطْلاقِ الجُزْءِ، أوِ اللّازِمِ عَلى الكُلِّ، أوِ المَلْزُومِ. فالصَّلاةُ قَبْلَ الطُّلُوعِ، الصُّبْحُ. وقَبْلَ الغُرُوبِ، الظُّهْرُ والعَصْرُ. ومِنَ اللَّيْلِ، العِشاآنِ والتَّهَجُّدُ. وأدْبارُ السُّجُودِ. النَّوافِلُ بَعْدَ المَكْتُوباتِ. (p-٥٥١٧)

ق 50:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩ - ٤٠] ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ مِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] أيْ: أعْقابَ الصَّلَواتِ. والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ إمّا ظاهِرُهُ، وهو قَرِينُ التَّحْمِيدِ. أوْ هو الصَّلاةُ، مِن إطْلاقِ الجُزْءِ، أوِ اللّازِمِ عَلى الكُلِّ، أوِ المَلْزُومِ. فالصَّلاةُ قَبْلَ الطُّلُوعِ، الصُّبْحُ. وقَبْلَ الغُرُوبِ، الظُّهْرُ والعَصْرُ. ومِنَ اللَّيْلِ، العِشاآنِ والتَّهَجُّدُ. وأدْبارُ السُّجُودِ. النَّوافِلُ بَعْدَ المَكْتُوباتِ. (p-٥٥١٧)

ق 50:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٢] ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ: اسْتَمِعْ، أيْ: لِما أخْبَرَكَ بِهِ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، يَوْمَ يُنادِي مُنادِيها مِن كُلِّ مَكانٍ قَرِيبٍ، بِحَيْثُ يَصِلُ نِداؤُهُ إلى الكُلِّ عَلى السَّواءِ. قالَ القاضِي: ولَعَلَّهُ في الإعادَةِ نَظِيرُ (كُنْ) في الإبْداءِ، أيْ: فَهو تَمْثِيلٌ لِإحْياءِ المَوْتى بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ نِداءٌ وصَوْتٌ. وفِي وُرُودِ الأمْرِ مُطْلَقًا، ثُمَّ تَبْيِينِهِ بِما بَعْدَهُ، تَهْوِيلٌ وتَعْظِيمٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، لِما في الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ المُحَدَّثِ عَنْهُ. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ [ق: ٤٢] أيْ: صَيْحَةَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والحَشْرِ لِلْجَزاءِ بِالحَقِّ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِالأمْرِ بِالإجابَةِ لِلَّهِ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] أيْ: مِنَ القُبُورِ.

ق 50:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٢] ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ: اسْتَمِعْ، أيْ: لِما أخْبَرَكَ بِهِ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، يَوْمَ يُنادِي مُنادِيها مِن كُلِّ مَكانٍ قَرِيبٍ، بِحَيْثُ يَصِلُ نِداؤُهُ إلى الكُلِّ عَلى السَّواءِ. قالَ القاضِي: ولَعَلَّهُ في الإعادَةِ نَظِيرُ (كُنْ) في الإبْداءِ، أيْ: فَهو تَمْثِيلٌ لِإحْياءِ المَوْتى بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ نِداءٌ وصَوْتٌ. وفِي وُرُودِ الأمْرِ مُطْلَقًا، ثُمَّ تَبْيِينِهِ بِما بَعْدَهُ، تَهْوِيلٌ وتَعْظِيمٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، لِما في الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ المُحَدَّثِ عَنْهُ. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ [ق: ٤٢] أيْ: صَيْحَةَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والحَشْرِ لِلْجَزاءِ بِالحَقِّ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِالأمْرِ بِالإجابَةِ لِلَّهِ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] أيْ: مِنَ القُبُورِ.

ق 50:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣] ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِإفاضَةِ نُورِ الحَياةِ أوْ قَطْعِهِ، ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ أيْ: مَصِيرُ الجَمِيعِ يَوْمَ القِيامَةِ.

ق 50:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٤] ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا﴾ أيْ: فَيَخْرُجُونَ مِنها مُسْرِعِينَ، ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ (p-٥٥١٨)عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ أيْ: ذَلِكَ الإخْراجُ لَهم جَمْعٌ في مَوْقِفِ الحِسابِ عَلَيْنا سَهْلٌ بِلا كُلْفَةَ.

ق 50:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، مِن فِرْيَتِهِمْ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإنْكارِهِمْ قُدْرَتَهُ تَعالى عَلى البَعْثِ. وهو تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَهْدِيدٌ لَهم. ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ ومُسَيْطِرٍ تَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: بَلْ إنَّما بُعِثْتَ مُذَكِّرًا ومُبَلِّغًا، فَذَكِّرَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ مَن يَخافُ الوَعِيدَ الَّذِي أُوعِدَ بِهِ مَن عَصى وطَغى، فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ. ومِن دُعاءِ قَتادَةَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ يَخافُ وعِيدَكَ، ويَرْجُو مَوْعِدَكَ، يا بارُّ يا رَحِيمُ.

الذاريات 51:1

(p-٥٥١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الذّارِياتِ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها مَبْدَأُ الخَيْراتِ، فَأشْبَهَتِ العِنايَةَ الإلَهِيَّةَ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتُّونَ. (p-٥٥٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ يَعْنِي: الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو البُخاراتِ ذَرْوًا، أيْ: نَوْعًا مِنَ الذَّرْوِ لِيَعْقِدَها سُحُبًا. أوِ النِّساءُ الوَلُودُ فَإنَّهُنَّ يَذْرِينَ الأوْلادَ، مَجازًا شَبَّهَ تَتابُعَ الأوْلادِ بِما يَتَطايَرُ مِنَ الرِّياحِ. أوِ الأسْبابِ الَّتِي تَذْرِي الخَلائِقَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ، وهو اسْتِعارَةٌ أيْضًا شُبِّهَتِ الأشْياءُ المُعَدَّةُ لِلْبُرُوزِ مِن كُمُونِ العَدَمِ، بِالرِّياحِ المُفَرِّقَةِ لِلْحُبُوبِ ونَحْوِها. والذّارِياتُ اسْمُ فاعِلِ (ذَرا) المُعْتَلِّ بِمَعْنى فَرَّقَ وبَدَّدَ ما رَفَعَهُ عَنْ مَكانِهِ. ويُقالُ: أذْرى أيْضًا. وأمّا (ذَرَأ) المَهْمُوزُ فَبِمَعْنى أنْشَأ وأوْجَدَ.

الذاريات 51:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيِ: السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْأمْطارِ المُنْبِتَةِ لِلزُّرُوعِ والأشْجارِ لِإفادَةِ الحُبُوبِ والثِّمارِ. كَما قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ؎وأسْلَمْتُ نَفَسِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا أوِ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، أوِ النِّساءُ الحَوامِلُ، أوْ أسْبابُ ذَلِكَ. و(الوِقْرُ) بِكَسْرِ الواوِ، كالحِمْلِ وزْنًا ومَعْنًى. وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَحْمُولُ. (p-٥٥٢١)

الذاريات 51:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣ - ٤] ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيِ: السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ سَهْلًا، أوِ الرِّياحِ الجارِيَةِ في مَهابِّها، أوِ الكَواكِبِ الَّتِي تَجْرِي في مَنازِلِها. و﴿يُسْرًا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ جَرْيًا ذا يُسْرٍ. ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] أيِ: المَلائِكَةِ الَّتِي تُقَسِّمُ الأُمُورَ مِنَ الأمْطارِ والأرْزاقِ وغَيْرِهِما، أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِن أسْبابِ القِسْمَةِ، أوِ الرِّياحِ يُقَسِّمْنَ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ الرِّياحِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الأرْبَعَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أُمُورًا مُتَبايِنَةً، وأنْ تَكُونَ أمْرًا لَهُ أرْبَعَةُ اعْتِباراتٍ. والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الذّارِياتِ هي الرِّياحُ، والحامِلاتِ هي السَّحابُ، والجارِياتِ هي السُّفُنُ، والمُقَسِّماتِ هي المَلائِكَةُ. واخْتارَ بَعْضُهم في (الجارِياتِ) أنَّها الكَواكِبُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى فالرِّياحُ فَوْقَها السَّحابُ، والنُّجُومُ فَوْقَ ذَلِكَ، والمَلائِكَةُ فَوْقَ الجَمِيعِ، تَنْزِلُ بِأوامِرِ اللَّهِ الشَّرْعِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ. واسْتَظْهَرَ الرّازِيُّ أنَّ الأقْرَبَ أنْ تَكُونَ صِفاتُ أرْبَعٍ لِلرِّياحِ، وأطالَ في ذَلِكَ. واللَّفْظُ مُتَّسِعٌ بِجَوْهَرِهِ لِلْكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ. الثّانِي: فائِدَةُ (الفاءِ) إنْ قِيلَ: إنَّها صِفاتٌ لِلرِّياحِ، فَلِبَيانِ تَرْتِيبِ الأُمُورِ في الوُجُودِ؛ فَإنَّ الذّارِياتِ تُنْشِئُ السَّحابَ، فَتُقَسِّمُ الأمْطارَ عَلى الأقْطارِ. وإنْ قِيلَ: إنَّها أُمُورٌ أرْبَعَةٌ، فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ أوِ الرَّتْبِيِّ. الثّالِثُ: ذَكَرَ الرّازِيُّ في الحِكْمَةِ في القِسْمِ وُجُوهًا: أحَدُها:- أنَّ الكُفّارَ كانُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ غالِبًا في إقامَةِ (p-٥٥٢٢)الدَّلِيلِ، وكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى المُجادَلَةِ، وإلى أنَّهُ عارِفٌ في نَفْسِهِ بِفَسادِ ما يَقُولُهُ، وأنَّهُ يَغْلِبُنا بِقُوَّةِ الجَدَلِ لا بِصِدْقِ المَقالِ. كَما أنَّ بَعْضَ النّاسِ إذا أقامَ عَلَيْهِ الخَصْمُ الدَّلِيلَ ولَمْ يُبْقِ لَهُ حُجَّةً، يَقُولُ: إنَّهُ غَلَبَنِي لِعِلْمِهِ بِطَرِيقِ الجَدَلِ، وعَجْزِي عَنْ ذَلِكَ. وهو يَعْلَمُ في نَفْسِهِ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي، فَلا يَبْقى لِلْمُتَكَلِّمِ المُبَرْهِنِ طَرِيقٌ غَيْرُ اليَمِينِ، فَيَقُولُ: واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما أقُولُ، ولا أُجادِلُكَ بِالباطِلِ. وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ سَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ مِن ذِكْرِ دَلِيلٍ آخَرَ، فَإذا تَمَّ الدَّلِيلُ الآخَرُ يَقُولُ الخَصْمُ فِيهِ مِثْلَ ما قالَ في الأوَّلِ، إنَّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ بِقُوَّةِ عِلْمِ الجَدَلِ، فَلا يَبْقى إلّا السُّكُوتُ، أوِ التَّمَسُّكُ بِالإيمانِ، وتَرْكُ إقامَةِ البُرْهانِ. ثانِيها:- أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحْتَرِزُ عَنِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ، وتَعْتَقِدُ أنَّها تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ. ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ««أكْثَرَ مِنَ الأيْمانِ بِكُلِّ شَرِيفٍ»»، ولَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلّا رِفْعَةً وثَباتًا. وكانَ يَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّهُ لا يَحْلِفُ بِها كاذِبًا، وإلّا لَأصابَهُ شُؤْمُ الأيْمانِ، ولَنالَهُ المَكْرُوهُ في بَعْضِ الأزْمانِ. ثالِثُها:- أنَّ الأيْمانَ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها كُلُّها دَلائِلُ أخْرَجَها في صُورَةِ الأيْمانِ، مِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ لِمُنْعِمِهِ: وحَقِّ نِعْمَتِكَ الكَثِيرَةِ إنِّي لا أزالُ أشْكُرُكَ. فَيَذْكُرُ النِّعَمَ، وهي سَبَبٌ مُفِيدٌ لِدَوامِ الشُّكْرِ، ويَسْلُكُ مَسْلَكَ القَسَمِ، كَذَلِكَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها دَلِيلٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإعادَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أخْرَجَها مَخْرَجَ الأيْمانِ؟ نَقُولُ: لِأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا شَرَعَ في أوَّلِ كَلامِهِ بِحَلِفٍ يُعْلِمُ السّامِعَ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ عَظِيمٍ، فَيُصْغِي إلَيْهِ أكْثَرَ مِن أنْ يُصْغِيَ إلَيْهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ لَيْسَ بِمُعْتَبِرٍ؛ فَبَدَأ بِالحَلِفِ وأدْرَجَ الدَّلِيلَ في صُورَةِ اليَمِينِ، حَيْثُ أقْبَلَ القَوْلَ عَلى سَماعِهِ، فَخَرَجَ لَهُمُ البُرْهانُ المُبِينُ والتِّبْيانُ المَتِينُ في صُورَةِ اليَمِينِ. انْتَهى.

الذاريات 51:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣ - ٤] ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيِ: السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ سَهْلًا، أوِ الرِّياحِ الجارِيَةِ في مَهابِّها، أوِ الكَواكِبِ الَّتِي تَجْرِي في مَنازِلِها. و﴿يُسْرًا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ جَرْيًا ذا يُسْرٍ. ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] أيِ: المَلائِكَةِ الَّتِي تُقَسِّمُ الأُمُورَ مِنَ الأمْطارِ والأرْزاقِ وغَيْرِهِما، أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِن أسْبابِ القِسْمَةِ، أوِ الرِّياحِ يُقَسِّمْنَ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ الرِّياحِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ:- ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الأرْبَعَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أُمُورًا مُتَبايِنَةً، وأنْ تَكُونَ أمْرًا لَهُ أرْبَعَةُ اعْتِباراتٍ. والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الذّارِياتِ هي الرِّياحُ، والحامِلاتِ هي السَّحابُ، والجارِياتِ هي السُّفُنُ، والمُقَسِّماتِ هي المَلائِكَةُ. واخْتارَ بَعْضُهم في (الجارِياتِ) أنَّها الكَواكِبُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى فالرِّياحُ فَوْقَها السَّحابُ، والنُّجُومُ فَوْقَ ذَلِكَ، والمَلائِكَةُ فَوْقَ الجَمِيعِ، تَنْزِلُ بِأوامِرِ اللَّهِ الشَّرْعِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ. واسْتَظْهَرَ الرّازِيُّ أنَّ الأقْرَبَ أنْ تَكُونَ صِفاتُ أرْبَعٍ لِلرِّياحِ، وأطالَ في ذَلِكَ. واللَّفْظُ مُتَّسِعٌ بِجَوْهَرِهِ لِلْكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ. الثّانِي: فائِدَةُ (الفاءِ) إنْ قِيلَ: إنَّها صِفاتٌ لِلرِّياحِ، فَلِبَيانِ تَرْتِيبِ الأُمُورِ في الوُجُودِ؛ فَإنَّ الذّارِياتِ تُنْشِئُ السَّحابَ، فَتُقَسِّمُ الأمْطارَ عَلى الأقْطارِ. وإنْ قِيلَ: إنَّها أُمُورٌ أرْبَعَةٌ، فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ أوِ الرَّتْبِيِّ. الثّالِثُ: ذَكَرَ الرّازِيُّ في الحِكْمَةِ في القِسْمِ وُجُوهًا: أحَدُها:- أنَّ الكُفّارَ كانُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ غالِبًا في إقامَةِ (p-٥٥٢٢)الدَّلِيلِ، وكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى المُجادَلَةِ، وإلى أنَّهُ عارِفٌ في نَفْسِهِ بِفَسادِ ما يَقُولُهُ، وأنَّهُ يَغْلِبُنا بِقُوَّةِ الجَدَلِ لا بِصِدْقِ المَقالِ. كَما أنَّ بَعْضَ النّاسِ إذا أقامَ عَلَيْهِ الخَصْمُ الدَّلِيلَ ولَمْ يُبْقِ لَهُ حُجَّةً، يَقُولُ: إنَّهُ غَلَبَنِي لِعِلْمِهِ بِطَرِيقِ الجَدَلِ، وعَجْزِي عَنْ ذَلِكَ. وهو يَعْلَمُ في نَفْسِهِ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي، فَلا يَبْقى لِلْمُتَكَلِّمِ المُبَرْهِنِ طَرِيقٌ غَيْرُ اليَمِينِ، فَيَقُولُ: واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما أقُولُ، ولا أُجادِلُكَ بِالباطِلِ. وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ سَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ مِن ذِكْرِ دَلِيلٍ آخَرَ، فَإذا تَمَّ الدَّلِيلُ الآخَرُ يَقُولُ الخَصْمُ فِيهِ مِثْلَ ما قالَ في الأوَّلِ، إنَّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ بِقُوَّةِ عِلْمِ الجَدَلِ، فَلا يَبْقى إلّا السُّكُوتُ، أوِ التَّمَسُّكُ بِالإيمانِ، وتَرْكُ إقامَةِ البُرْهانِ. ثانِيها:- أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحْتَرِزُ عَنِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ، وتَعْتَقِدُ أنَّها تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ. ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ««أكْثَرَ مِنَ الأيْمانِ بِكُلِّ شَرِيفٍ»»، ولَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلّا رِفْعَةً وثَباتًا. وكانَ يَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّهُ لا يَحْلِفُ بِها كاذِبًا، وإلّا لَأصابَهُ شُؤْمُ الأيْمانِ، ولَنالَهُ المَكْرُوهُ في بَعْضِ الأزْمانِ. ثالِثُها:- أنَّ الأيْمانَ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها كُلُّها دَلائِلُ أخْرَجَها في صُورَةِ الأيْمانِ، مِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ لِمُنْعِمِهِ: وحَقِّ نِعْمَتِكَ الكَثِيرَةِ إنِّي لا أزالُ أشْكُرُكَ. فَيَذْكُرُ النِّعَمَ، وهي سَبَبٌ مُفِيدٌ لِدَوامِ الشُّكْرِ، ويَسْلُكُ مَسْلَكَ القَسَمِ، كَذَلِكَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها دَلِيلٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإعادَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أخْرَجَها مَخْرَجَ الأيْمانِ؟ نَقُولُ: لِأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا شَرَعَ في أوَّلِ كَلامِهِ بِحَلِفٍ يُعْلِمُ السّامِعَ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ عَظِيمٍ، فَيُصْغِي إلَيْهِ أكْثَرَ مِن أنْ يُصْغِيَ إلَيْهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ لَيْسَ بِمُعْتَبِرٍ؛ فَبَدَأ بِالحَلِفِ وأدْرَجَ الدَّلِيلَ في صُورَةِ اليَمِينِ، حَيْثُ أقْبَلَ القَوْلَ عَلى سَماعِهِ، فَخَرَجَ لَهُمُ البُرْهانُ المُبِينُ والتِّبْيانُ المَتِينُ في صُورَةِ اليَمِينِ. انْتَهى.

الذاريات 51:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥ - ٦] ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ ومَصْدَرِيَّةٌ. والمَوْعُودُ (p-٥٥٢٣)هُوَ قِيامُ السّاعَةِ، وبَعْثُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. و(صادِقٌ) بِمَعْنى صِدْقٌ؛ فَوَضَعَ الِاسْمَ مَكانَ المَصْدَرِ، أوْ هو مِن بابِ: عِيشَةٍ راضِيَةٍ. ﴿وإنَّ الدِّينَ﴾ [الذاريات: ٦] أيِ: الجَزاءَ عَلى الأعْمالِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ ﴿لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] أيْ: لَحاصِلٌ. قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ.

الذاريات 51:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥ - ٦] ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ ومَصْدَرِيَّةٌ. والمَوْعُودُ (p-٥٥٢٣)هُوَ قِيامُ السّاعَةِ، وبَعْثُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. و(صادِقٌ) بِمَعْنى صِدْقٌ؛ فَوَضَعَ الِاسْمَ مَكانَ المَصْدَرِ، أوْ هو مِن بابِ: عِيشَةٍ راضِيَةٍ. ﴿وإنَّ الدِّينَ﴾ [الذاريات: ٦] أيِ: الجَزاءَ عَلى الأعْمالِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ ﴿لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] أيْ: لَحاصِلٌ. قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ.

الذاريات 51:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ أيِ: الطُّرُقِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي دَوائِرُ سَيْرِ الكَواكِبِ. و(الحُبُكُ) أصْلُ مَعْناها ما يُرى كالطَّرِيقِ في الرَّمْلِ والماءِ، إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ، وكَذَلِكَ حَبَكُ الشَّعَرِ: آثارُ تَثَنِّيهِ وتَكَسُّرِهِ. و(الحُبُكُ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِباكٍ، كَمِثالٍ ومُثُلٍ وكِتابٍ وكُتُبٍ، أوْ حَبِيكَةٍ كَطَرِيقَةٍ وطُرُقٍ. قالَ زُهَيْرٌ يَصِفُ غَدِيرًا: ؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ رِيحٌ خَرِيقٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ (p-٥٥٢٤)ويُقالُ: ما أمْلَحَ حَباكَ هَذِهِ الحَمامَةِ! وهو الخَطُّ الأسْوَدُ عَلى جَناحِها. وعَنِ الحَسَنِ: (ذاتِ الحُبُكِ) أيِ: النُّجُومُ قالَ: حُبِكَتْ بِالخَلْقِ الحَسَنِ: حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تُزَيِّنُ السَّماءَ، كَما يُزَيِّنُ الثَّوْبَ المُوَشّى تَحْبِيكُهُ، فَشُبِّهَتِ النُّجُومُ بِطَرائِقِ الوَشْيِ مَجازًا بِالِاسْتِعارَةِ. وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: الحُبُكُ جَمْعُ حَبِيكَةٍ، بِمَعْنى مَحْبُوكَةٍ، أيْ: مَرْبُوطَةٍ. فَمَعْنى: ذاتِ الحُبُكِ ذاتِ المَجامِيعِ مِنَ الكَواكِبِ المَرْبُوطِ بَعْضُها بِبَعْضٍ بِحِبالٍ مِنَ الجاذِبِيَّةِ، فَإنَّ كُلَّ حَبِيكَةٍ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الكَواكِبِ المُتَجاذِبَةِ؛ فالآيَةُ الشَّرِيفَةُ نَصٌّ عَلى تَعَدُّدِ المَجامِيعِ وعَلى الجاذِبِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُ الإفْرِنْجُ أنَّهم مُكْتَشِفُوها؛ وعَلَيْهِ فَهي إحْدى مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ. انْتَهى. ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أيْ: مُتَخالِفٍ مُتَناقِضٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَتَخَرَّصُونَ يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ، ويَقُولُونَ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ. ﴿يُؤْفَكُ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ ﴿مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: صُرِفَ عَنِ الحَقِّ الصَّرِيحِ الصَّرْفَ التّامَّ؛ إذْ لا صَرْفَ أشَدُّ مِنهُ. وقَدْ ذَكَرَ القاضِي في مُناسَبَةِ المُقْسَمِ بِهِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، هو تَشْبِيهُ أقْوالِهِمْ في اخْتِلافِها، وتَنافِي أغْراضِها بِالطَّرائِقِ لِلسَّماواتِ في تَباعُدِها، واخْتِلافِ غاياتِها. ثُمَّ أشارَ أنَّهم لَمْ يُؤْفَكُوا لِاتِّباعِهِمُ الدَّلائِلَ، بَلْ لِأخْذِهِمْ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الذاريات 51:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ أيِ: الطُّرُقِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي دَوائِرُ سَيْرِ الكَواكِبِ. و(الحُبُكُ) أصْلُ مَعْناها ما يُرى كالطَّرِيقِ في الرَّمْلِ والماءِ، إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ، وكَذَلِكَ حَبَكُ الشَّعَرِ: آثارُ تَثَنِّيهِ وتَكَسُّرِهِ. و(الحُبُكُ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِباكٍ، كَمِثالٍ ومُثُلٍ وكِتابٍ وكُتُبٍ، أوْ حَبِيكَةٍ كَطَرِيقَةٍ وطُرُقٍ. قالَ زُهَيْرٌ يَصِفُ غَدِيرًا: ؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ رِيحٌ خَرِيقٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ (p-٥٥٢٤)ويُقالُ: ما أمْلَحَ حَباكَ هَذِهِ الحَمامَةِ! وهو الخَطُّ الأسْوَدُ عَلى جَناحِها. وعَنِ الحَسَنِ: (ذاتِ الحُبُكِ) أيِ: النُّجُومُ قالَ: حُبِكَتْ بِالخَلْقِ الحَسَنِ: حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تُزَيِّنُ السَّماءَ، كَما يُزَيِّنُ الثَّوْبَ المُوَشّى تَحْبِيكُهُ، فَشُبِّهَتِ النُّجُومُ بِطَرائِقِ الوَشْيِ مَجازًا بِالِاسْتِعارَةِ. وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: الحُبُكُ جَمْعُ حَبِيكَةٍ، بِمَعْنى مَحْبُوكَةٍ، أيْ: مَرْبُوطَةٍ. فَمَعْنى: ذاتِ الحُبُكِ ذاتِ المَجامِيعِ مِنَ الكَواكِبِ المَرْبُوطِ بَعْضُها بِبَعْضٍ بِحِبالٍ مِنَ الجاذِبِيَّةِ، فَإنَّ كُلَّ حَبِيكَةٍ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الكَواكِبِ المُتَجاذِبَةِ؛ فالآيَةُ الشَّرِيفَةُ نَصٌّ عَلى تَعَدُّدِ المَجامِيعِ وعَلى الجاذِبِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُ الإفْرِنْجُ أنَّهم مُكْتَشِفُوها؛ وعَلَيْهِ فَهي إحْدى مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ. انْتَهى. ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أيْ: مُتَخالِفٍ مُتَناقِضٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَتَخَرَّصُونَ يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ، ويَقُولُونَ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ. ﴿يُؤْفَكُ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ ﴿مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: صُرِفَ عَنِ الحَقِّ الصَّرِيحِ الصَّرْفَ التّامَّ؛ إذْ لا صَرْفَ أشَدُّ مِنهُ. وقَدْ ذَكَرَ القاضِي في مُناسَبَةِ المُقْسَمِ بِهِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، هو تَشْبِيهُ أقْوالِهِمْ في اخْتِلافِها، وتَنافِي أغْراضِها بِالطَّرائِقِ لِلسَّماواتِ في تَباعُدِها، واخْتِلافِ غاياتِها. ثُمَّ أشارَ أنَّهم لَمْ يُؤْفَكُوا لِاتِّباعِهِمُ الدَّلائِلَ، بَلْ لِأخْذِهِمْ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الذاريات 51:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ أيِ: الطُّرُقِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي دَوائِرُ سَيْرِ الكَواكِبِ. و(الحُبُكُ) أصْلُ مَعْناها ما يُرى كالطَّرِيقِ في الرَّمْلِ والماءِ، إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ، وكَذَلِكَ حَبَكُ الشَّعَرِ: آثارُ تَثَنِّيهِ وتَكَسُّرِهِ. و(الحُبُكُ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِباكٍ، كَمِثالٍ ومُثُلٍ وكِتابٍ وكُتُبٍ، أوْ حَبِيكَةٍ كَطَرِيقَةٍ وطُرُقٍ. قالَ زُهَيْرٌ يَصِفُ غَدِيرًا: ؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ رِيحٌ خَرِيقٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ (p-٥٥٢٤)ويُقالُ: ما أمْلَحَ حَباكَ هَذِهِ الحَمامَةِ! وهو الخَطُّ الأسْوَدُ عَلى جَناحِها. وعَنِ الحَسَنِ: (ذاتِ الحُبُكِ) أيِ: النُّجُومُ قالَ: حُبِكَتْ بِالخَلْقِ الحَسَنِ: حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تُزَيِّنُ السَّماءَ، كَما يُزَيِّنُ الثَّوْبَ المُوَشّى تَحْبِيكُهُ، فَشُبِّهَتِ النُّجُومُ بِطَرائِقِ الوَشْيِ مَجازًا بِالِاسْتِعارَةِ. وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: الحُبُكُ جَمْعُ حَبِيكَةٍ، بِمَعْنى مَحْبُوكَةٍ، أيْ: مَرْبُوطَةٍ. فَمَعْنى: ذاتِ الحُبُكِ ذاتِ المَجامِيعِ مِنَ الكَواكِبِ المَرْبُوطِ بَعْضُها بِبَعْضٍ بِحِبالٍ مِنَ الجاذِبِيَّةِ، فَإنَّ كُلَّ حَبِيكَةٍ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الكَواكِبِ المُتَجاذِبَةِ؛ فالآيَةُ الشَّرِيفَةُ نَصٌّ عَلى تَعَدُّدِ المَجامِيعِ وعَلى الجاذِبِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُ الإفْرِنْجُ أنَّهم مُكْتَشِفُوها؛ وعَلَيْهِ فَهي إحْدى مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ. انْتَهى. ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أيْ: مُتَخالِفٍ مُتَناقِضٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَتَخَرَّصُونَ يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ، ويَقُولُونَ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ. ﴿يُؤْفَكُ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ ﴿مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: صُرِفَ عَنِ الحَقِّ الصَّرِيحِ الصَّرْفَ التّامَّ؛ إذْ لا صَرْفَ أشَدُّ مِنهُ. وقَدْ ذَكَرَ القاضِي في مُناسَبَةِ المُقْسَمِ بِهِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، هو تَشْبِيهُ أقْوالِهِمْ في اخْتِلافِها، وتَنافِي أغْراضِها بِالطَّرائِقِ لِلسَّماواتِ في تَباعُدِها، واخْتِلافِ غاياتِها. ثُمَّ أشارَ أنَّهم لَمْ يُؤْفَكُوا لِاتِّباعِهِمُ الدَّلائِلَ، بَلْ لِأخْذِهِمْ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الذاريات 51:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠ - ١٣] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] (p-٥٥٢٥)﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أيْ: لُعِنَ الآخِذُونَ بِالتَّخْمِينِ، مَعَ تَرْكِ دَلائِلِ اليَقِينِ. ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: في جَهْلٍ يَغْمُرُهم عَنْ وُجُوبِ اتِّباعِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ وتَرْكِ الشُّبُهاتِ الواهِيَةِ ﴿ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: غافِلُونَ عَمّا أتاهم وعَمّا نَزَلَ إلَيْهِمْ، بِالِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، واسْتِئْثارِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ. ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] أيْ: مَتى يَوْمُ الجَزاءِ، ويَوْمُ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ. ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ: يُحْرَقُونَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ إذابَةُ الجَوْهَرِ لِيَظْهَرَ غِشُّهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّعْذِيبِ والإحْراقِ ونَحْوِهِ. قالَ القاضِي: جَوابٌ لِلسُّؤالِ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ، أوْ هو يَوْمَ هم... إلَخْ، وفَتْحُ يَوْمَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ.

الذاريات 51:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠ - ١٣] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] (p-٥٥٢٥)﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أيْ: لُعِنَ الآخِذُونَ بِالتَّخْمِينِ، مَعَ تَرْكِ دَلائِلِ اليَقِينِ. ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: في جَهْلٍ يَغْمُرُهم عَنْ وُجُوبِ اتِّباعِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ وتَرْكِ الشُّبُهاتِ الواهِيَةِ ﴿ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: غافِلُونَ عَمّا أتاهم وعَمّا نَزَلَ إلَيْهِمْ، بِالِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، واسْتِئْثارِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ. ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] أيْ: مَتى يَوْمُ الجَزاءِ، ويَوْمُ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ. ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ: يُحْرَقُونَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ إذابَةُ الجَوْهَرِ لِيَظْهَرَ غِشُّهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّعْذِيبِ والإحْراقِ ونَحْوِهِ. قالَ القاضِي: جَوابٌ لِلسُّؤالِ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ، أوْ هو يَوْمَ هم... إلَخْ، وفَتْحُ يَوْمَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ.

الذاريات 51:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠ - ١٣] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] (p-٥٥٢٥)﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أيْ: لُعِنَ الآخِذُونَ بِالتَّخْمِينِ، مَعَ تَرْكِ دَلائِلِ اليَقِينِ. ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: في جَهْلٍ يَغْمُرُهم عَنْ وُجُوبِ اتِّباعِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ وتَرْكِ الشُّبُهاتِ الواهِيَةِ ﴿ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: غافِلُونَ عَمّا أتاهم وعَمّا نَزَلَ إلَيْهِمْ، بِالِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، واسْتِئْثارِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ. ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] أيْ: مَتى يَوْمُ الجَزاءِ، ويَوْمُ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ. ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ: يُحْرَقُونَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ إذابَةُ الجَوْهَرِ لِيَظْهَرَ غِشُّهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّعْذِيبِ والإحْراقِ ونَحْوِهِ. قالَ القاضِي: جَوابٌ لِلسُّؤالِ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ، أوْ هو يَوْمَ هم... إلَخْ، وفَتْحُ يَوْمَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ.

الذاريات 51:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠ - ١٣] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] (p-٥٥٢٥)﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أيْ: لُعِنَ الآخِذُونَ بِالتَّخْمِينِ، مَعَ تَرْكِ دَلائِلِ اليَقِينِ. ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: في جَهْلٍ يَغْمُرُهم عَنْ وُجُوبِ اتِّباعِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ وتَرْكِ الشُّبُهاتِ الواهِيَةِ ﴿ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: غافِلُونَ عَمّا أتاهم وعَمّا نَزَلَ إلَيْهِمْ، بِالِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، واسْتِئْثارِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ. ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] أيْ: مَتى يَوْمُ الجَزاءِ، ويَوْمُ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ. ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ: يُحْرَقُونَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ إذابَةُ الجَوْهَرِ لِيَظْهَرَ غِشُّهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّعْذِيبِ والإحْراقِ ونَحْوِهِ. قالَ القاضِي: جَوابٌ لِلسُّؤالِ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ، أوْ هو يَوْمَ هم... إلَخْ، وفَتْحُ يَوْمَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ.

الذاريات 51:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤] ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكم هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أيْ: مَقُولًا لَهُمْ: ذُوقُوا عَذابَكُمُ الَّذِي طَلَبْتُمُوهُ، بَلِ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمُوهُ قَبْلَ وقْتِهِ، كَما قالَ: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: حُصُولَهُ في الدُّنْيا.

الذاريات 51:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ في الدُّنْيا، وبِتَجَنُّبِ (p-٥٥٢٦)القَوْلِ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ في الأُمُورِ الِاعْتِقادِيَّةِ في ﴿جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عامِلِينَ ما أمَرَهم بِهِ رَبُّهُمْ، مُؤَدِّينَ فَرائِضَهُ. وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: قابِلِينَ لِما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ، راضِينَ بِهِ. وهَذا هو الوَجْهُ. ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿آخِذِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] حالٌ مِن قَوْلِهِ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ فالمُتَّقُونَ حالَ كَوْنِهِمْ في الجَنّاتِ والعُيُونِ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: مِنَ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والغِبْطَةِ. ثُمَّ أشارَ إلى سِرِّ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الذاريات: ١٦] يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: قَدْ أحْسَنُوا أعْمالَهم لِغَلَبَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِظُهُورِ آثارِها في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: كانُوا يَهْجَعُونَ هُجُوعًا قَلِيلًا؛ لِتَقْوى نُفُوسُهم عَلى عِبادَتِهِ تَعالى بِنَشاطٍ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ: أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: كانُوا لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ. وعَنْ مُطَرِّفٍ: قَلَّ لَيْلَةٌ أتَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَلَّوْا فِيها مِن أوَّلِها أوْ مِن وسَطِها. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لا يَنامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إلّا أقَلَّهُ، كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ. وقَرَأ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] و" ما " نافِيَةٌ أيْ: لا يَهْجَعُونَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ وتَعَسُّفٌ. (p-٥٥٢٧)لَطِيفَةٌ: فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ الكَرِيمَةِ مُبالَغاتٌ في وصْفِ هَؤُلاءِ بِقِلَّةِ النَّوْمِ وتَرْكِ الِاسْتِراحَةِ، وذَلِكَ ذِكْرُ القَلِيلِ. واللَّيْلُ الَّذِي هو وقْتُ النَّوْمِ، والهُجُوعُ الَّذِي هو الخَفِيفُ مِنَ النَّوْمِ، وزِيادَةُ (ما)؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القِلَّةِ. وبِالجُمْلَةِ فَفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ، وذَمُّ نَوْمِهِ كُلِّهِ، والأحادِيثُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ. ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] قالَ القاضِي: أيْ: أنَّهم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ إذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ. قالَ الرّازِيُّ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَتَهَجَّدُونَ ويَجْتَهِدُونَ، ثُمَّ يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ عَمَلُهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأخْلَصَ مِنهُ؛ فَيَسْتَغْفِرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وهَذا سِيرَةُ الكَرِيمِ: يَأْتِي بِأبْلَغِ وُجُوهِ الكَرَمِ ويَسْتَقِلُّهُ ويَعْتَذِرُ مِنَ التَّقْصِيرِ، واللَّئِيمُ يَأْتِي بِالقَلِيلِ ويَسْتَكْثِرُهُ ويَمُنُّ بِهِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، والهُجُوعُ مُقْتَضى الطَّبْعِ، قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] أيْ: مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ النَّوْمِ القَلِيلِ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نُبَيِّنُها في جَوابِ سُؤالٍ: وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم بِقِلَّةِ الهُجُوعِ ولَمْ يَمْدَحْهم بِكَثْرَةِ السَّهَرِ، وما قالَ: كانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَسْهَرُونَ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ؟ مَعَ أنَّ السَّهَرَ هو الكُلْفَةُ والِاجْتِهادُ، لا الهُجُوعُ؟ نَقُولُ: إشارَةً إلى أنَّ نَوْمَهم عِبادَةٌ، حَيْثُ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هاجِعِينَ قَلِيلًا، وذَلِكَ الهُجُوعُ أوْرَثَهم الِاشْتِغالَ بِعِبادَةٍ أُخْرى، وهو الِاسْتِغْفارُ، في وُجُوهِ الأسْحارِ، ومَنَعَهم مِنَ الإعْجابِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِكْبارِ. ثُمَّ قالَ: والِاسْتِغْفارُ يَحْتَمِلُ طَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِمْ: (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا). وطَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالفِعْلِ أيْ: بِالأسْحارِ، يَأْتُونَ بِفِعْلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْغُفْرانِ، وهو الصَّلاةُ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أشْهَرُ. انْتَهى. ويُؤَيِّدُ الثّانِي الإشارَةُ إلى الزَّكاةِ في الآيَةِ بَعْدَها، والزَّكاةُ قَرِينَةُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وسِرُ التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِالِاسْتِغْفارِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ رُكْنُها المُهِمُّ في التَّهَجُّدِ، بَلْ وفي غَيْرِهِ، (p-٥٥٢٨)فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقَدْ ذَكَرَ في أذْكارِ الصَّلاةِ الِاسْتِغْفارَ في مَواضِعَ مِنها، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وآخِرِ الصَّلاةِ، كَما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ- و««كانَ ﷺ يُطِيلُ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والتَّهَجُّدَ»» لِذَلِكَ. لَطِيفَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (أساسِ البَلاغَةِ): إنَّما سُمِّيَ (السَّحَرُ) اسْتِعارَةً؛ لِأنَّهُ وقْتُ إدْبارِ اللَّيْلِ وإقْبالِ النَّهارِ، فَهو مُتَنَفَّسُ الصُّبْحِ. انْتَهى. ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] أيِ: الفَقِيرُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي يُظَنُّ غَنِيًّا، فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ. قالَ قَتادَةُ: هَذانِ فَقِيرا أهْلِ الإسْلامِ: سائِلٌ يَسْألُ في كَفِّهِ، وفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ، ولِكِلَيْهِما عَلَيْكَ حَقٌّ يا ابْنَ آدَمَ. وفِي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ وأسْنَدَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. ويَدْخُلُ في المَحْرُومِ كُلُّ مَن لا مالَ لَهُ، ومَن هَلَكَ مالُهُ بِآفَةٍ، ومَن حُرِمَ الرِّزْقَ واحْتاجَ، إلّا أنَّ أهَمَّ أفْرادِهِ المُتَعَفِّفُ؛ ولِذا عَوَّلَ عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في أمْوالِهِمْ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ يَصِلُونَ بِها رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِها ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِها كَلًّا. (p-٥٥٢٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى الخَرْصِ والتَّخْمِينِ في بابِ الِاعْتِقاداتِ؛ لِكَثْرَةِ الآياتِ الواضِحَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الذاريات 51:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ في الدُّنْيا، وبِتَجَنُّبِ (p-٥٥٢٦)القَوْلِ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ في الأُمُورِ الِاعْتِقادِيَّةِ في ﴿جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عامِلِينَ ما أمَرَهم بِهِ رَبُّهُمْ، مُؤَدِّينَ فَرائِضَهُ. وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: قابِلِينَ لِما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ، راضِينَ بِهِ. وهَذا هو الوَجْهُ. ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿آخِذِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] حالٌ مِن قَوْلِهِ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ فالمُتَّقُونَ حالَ كَوْنِهِمْ في الجَنّاتِ والعُيُونِ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: مِنَ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والغِبْطَةِ. ثُمَّ أشارَ إلى سِرِّ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الذاريات: ١٦] يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: قَدْ أحْسَنُوا أعْمالَهم لِغَلَبَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِظُهُورِ آثارِها في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: كانُوا يَهْجَعُونَ هُجُوعًا قَلِيلًا؛ لِتَقْوى نُفُوسُهم عَلى عِبادَتِهِ تَعالى بِنَشاطٍ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ: أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: كانُوا لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ. وعَنْ مُطَرِّفٍ: قَلَّ لَيْلَةٌ أتَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَلَّوْا فِيها مِن أوَّلِها أوْ مِن وسَطِها. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لا يَنامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إلّا أقَلَّهُ، كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ. وقَرَأ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] و" ما " نافِيَةٌ أيْ: لا يَهْجَعُونَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ وتَعَسُّفٌ. (p-٥٥٢٧)لَطِيفَةٌ: فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ الكَرِيمَةِ مُبالَغاتٌ في وصْفِ هَؤُلاءِ بِقِلَّةِ النَّوْمِ وتَرْكِ الِاسْتِراحَةِ، وذَلِكَ ذِكْرُ القَلِيلِ. واللَّيْلُ الَّذِي هو وقْتُ النَّوْمِ، والهُجُوعُ الَّذِي هو الخَفِيفُ مِنَ النَّوْمِ، وزِيادَةُ (ما)؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القِلَّةِ. وبِالجُمْلَةِ فَفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ، وذَمُّ نَوْمِهِ كُلِّهِ، والأحادِيثُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ. ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] قالَ القاضِي: أيْ: أنَّهم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ إذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ. قالَ الرّازِيُّ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَتَهَجَّدُونَ ويَجْتَهِدُونَ، ثُمَّ يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ عَمَلُهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأخْلَصَ مِنهُ؛ فَيَسْتَغْفِرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وهَذا سِيرَةُ الكَرِيمِ: يَأْتِي بِأبْلَغِ وُجُوهِ الكَرَمِ ويَسْتَقِلُّهُ ويَعْتَذِرُ مِنَ التَّقْصِيرِ، واللَّئِيمُ يَأْتِي بِالقَلِيلِ ويَسْتَكْثِرُهُ ويَمُنُّ بِهِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، والهُجُوعُ مُقْتَضى الطَّبْعِ، قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] أيْ: مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ النَّوْمِ القَلِيلِ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نُبَيِّنُها في جَوابِ سُؤالٍ: وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم بِقِلَّةِ الهُجُوعِ ولَمْ يَمْدَحْهم بِكَثْرَةِ السَّهَرِ، وما قالَ: كانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَسْهَرُونَ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ؟ مَعَ أنَّ السَّهَرَ هو الكُلْفَةُ والِاجْتِهادُ، لا الهُجُوعُ؟ نَقُولُ: إشارَةً إلى أنَّ نَوْمَهم عِبادَةٌ، حَيْثُ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هاجِعِينَ قَلِيلًا، وذَلِكَ الهُجُوعُ أوْرَثَهم الِاشْتِغالَ بِعِبادَةٍ أُخْرى، وهو الِاسْتِغْفارُ، في وُجُوهِ الأسْحارِ، ومَنَعَهم مِنَ الإعْجابِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِكْبارِ. ثُمَّ قالَ: والِاسْتِغْفارُ يَحْتَمِلُ طَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِمْ: (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا). وطَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالفِعْلِ أيْ: بِالأسْحارِ، يَأْتُونَ بِفِعْلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْغُفْرانِ، وهو الصَّلاةُ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أشْهَرُ. انْتَهى. ويُؤَيِّدُ الثّانِي الإشارَةُ إلى الزَّكاةِ في الآيَةِ بَعْدَها، والزَّكاةُ قَرِينَةُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وسِرُ التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِالِاسْتِغْفارِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ رُكْنُها المُهِمُّ في التَّهَجُّدِ، بَلْ وفي غَيْرِهِ، (p-٥٥٢٨)فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقَدْ ذَكَرَ في أذْكارِ الصَّلاةِ الِاسْتِغْفارَ في مَواضِعَ مِنها، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وآخِرِ الصَّلاةِ، كَما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ- و««كانَ ﷺ يُطِيلُ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والتَّهَجُّدَ»» لِذَلِكَ. لَطِيفَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (أساسِ البَلاغَةِ): إنَّما سُمِّيَ (السَّحَرُ) اسْتِعارَةً؛ لِأنَّهُ وقْتُ إدْبارِ اللَّيْلِ وإقْبالِ النَّهارِ، فَهو مُتَنَفَّسُ الصُّبْحِ. انْتَهى. ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] أيِ: الفَقِيرُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي يُظَنُّ غَنِيًّا، فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ. قالَ قَتادَةُ: هَذانِ فَقِيرا أهْلِ الإسْلامِ: سائِلٌ يَسْألُ في كَفِّهِ، وفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ، ولِكِلَيْهِما عَلَيْكَ حَقٌّ يا ابْنَ آدَمَ. وفِي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ وأسْنَدَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. ويَدْخُلُ في المَحْرُومِ كُلُّ مَن لا مالَ لَهُ، ومَن هَلَكَ مالُهُ بِآفَةٍ، ومَن حُرِمَ الرِّزْقَ واحْتاجَ، إلّا أنَّ أهَمَّ أفْرادِهِ المُتَعَفِّفُ؛ ولِذا عَوَّلَ عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في أمْوالِهِمْ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ يَصِلُونَ بِها رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِها ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِها كَلًّا. (p-٥٥٢٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى الخَرْصِ والتَّخْمِينِ في بابِ الِاعْتِقاداتِ؛ لِكَثْرَةِ الآياتِ الواضِحَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الذاريات 51:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ في الدُّنْيا، وبِتَجَنُّبِ (p-٥٥٢٦)القَوْلِ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ في الأُمُورِ الِاعْتِقادِيَّةِ في ﴿جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عامِلِينَ ما أمَرَهم بِهِ رَبُّهُمْ، مُؤَدِّينَ فَرائِضَهُ. وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: قابِلِينَ لِما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ، راضِينَ بِهِ. وهَذا هو الوَجْهُ. ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿آخِذِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] حالٌ مِن قَوْلِهِ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ فالمُتَّقُونَ حالَ كَوْنِهِمْ في الجَنّاتِ والعُيُونِ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: مِنَ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والغِبْطَةِ. ثُمَّ أشارَ إلى سِرِّ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الذاريات: ١٦] يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: قَدْ أحْسَنُوا أعْمالَهم لِغَلَبَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِظُهُورِ آثارِها في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: كانُوا يَهْجَعُونَ هُجُوعًا قَلِيلًا؛ لِتَقْوى نُفُوسُهم عَلى عِبادَتِهِ تَعالى بِنَشاطٍ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ: أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: كانُوا لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ. وعَنْ مُطَرِّفٍ: قَلَّ لَيْلَةٌ أتَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَلَّوْا فِيها مِن أوَّلِها أوْ مِن وسَطِها. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لا يَنامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إلّا أقَلَّهُ، كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ. وقَرَأ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] و" ما " نافِيَةٌ أيْ: لا يَهْجَعُونَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ وتَعَسُّفٌ. (p-٥٥٢٧)لَطِيفَةٌ: فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ الكَرِيمَةِ مُبالَغاتٌ في وصْفِ هَؤُلاءِ بِقِلَّةِ النَّوْمِ وتَرْكِ الِاسْتِراحَةِ، وذَلِكَ ذِكْرُ القَلِيلِ. واللَّيْلُ الَّذِي هو وقْتُ النَّوْمِ، والهُجُوعُ الَّذِي هو الخَفِيفُ مِنَ النَّوْمِ، وزِيادَةُ (ما)؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القِلَّةِ. وبِالجُمْلَةِ فَفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ، وذَمُّ نَوْمِهِ كُلِّهِ، والأحادِيثُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ. ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] قالَ القاضِي: أيْ: أنَّهم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ إذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ. قالَ الرّازِيُّ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَتَهَجَّدُونَ ويَجْتَهِدُونَ، ثُمَّ يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ عَمَلُهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأخْلَصَ مِنهُ؛ فَيَسْتَغْفِرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وهَذا سِيرَةُ الكَرِيمِ: يَأْتِي بِأبْلَغِ وُجُوهِ الكَرَمِ ويَسْتَقِلُّهُ ويَعْتَذِرُ مِنَ التَّقْصِيرِ، واللَّئِيمُ يَأْتِي بِالقَلِيلِ ويَسْتَكْثِرُهُ ويَمُنُّ بِهِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، والهُجُوعُ مُقْتَضى الطَّبْعِ، قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] أيْ: مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ النَّوْمِ القَلِيلِ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نُبَيِّنُها في جَوابِ سُؤالٍ: وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم بِقِلَّةِ الهُجُوعِ ولَمْ يَمْدَحْهم بِكَثْرَةِ السَّهَرِ، وما قالَ: كانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَسْهَرُونَ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ؟ مَعَ أنَّ السَّهَرَ هو الكُلْفَةُ والِاجْتِهادُ، لا الهُجُوعُ؟ نَقُولُ: إشارَةً إلى أنَّ نَوْمَهم عِبادَةٌ، حَيْثُ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هاجِعِينَ قَلِيلًا، وذَلِكَ الهُجُوعُ أوْرَثَهم الِاشْتِغالَ بِعِبادَةٍ أُخْرى، وهو الِاسْتِغْفارُ، في وُجُوهِ الأسْحارِ، ومَنَعَهم مِنَ الإعْجابِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِكْبارِ. ثُمَّ قالَ: والِاسْتِغْفارُ يَحْتَمِلُ طَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِمْ: (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا). وطَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالفِعْلِ أيْ: بِالأسْحارِ، يَأْتُونَ بِفِعْلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْغُفْرانِ، وهو الصَّلاةُ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أشْهَرُ. انْتَهى. ويُؤَيِّدُ الثّانِي الإشارَةُ إلى الزَّكاةِ في الآيَةِ بَعْدَها، والزَّكاةُ قَرِينَةُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وسِرُ التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِالِاسْتِغْفارِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ رُكْنُها المُهِمُّ في التَّهَجُّدِ، بَلْ وفي غَيْرِهِ، (p-٥٥٢٨)فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقَدْ ذَكَرَ في أذْكارِ الصَّلاةِ الِاسْتِغْفارَ في مَواضِعَ مِنها، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وآخِرِ الصَّلاةِ، كَما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ- و««كانَ ﷺ يُطِيلُ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والتَّهَجُّدَ»» لِذَلِكَ. لَطِيفَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (أساسِ البَلاغَةِ): إنَّما سُمِّيَ (السَّحَرُ) اسْتِعارَةً؛ لِأنَّهُ وقْتُ إدْبارِ اللَّيْلِ وإقْبالِ النَّهارِ، فَهو مُتَنَفَّسُ الصُّبْحِ. انْتَهى. ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] أيِ: الفَقِيرُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي يُظَنُّ غَنِيًّا، فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ. قالَ قَتادَةُ: هَذانِ فَقِيرا أهْلِ الإسْلامِ: سائِلٌ يَسْألُ في كَفِّهِ، وفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ، ولِكِلَيْهِما عَلَيْكَ حَقٌّ يا ابْنَ آدَمَ. وفِي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ وأسْنَدَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. ويَدْخُلُ في المَحْرُومِ كُلُّ مَن لا مالَ لَهُ، ومَن هَلَكَ مالُهُ بِآفَةٍ، ومَن حُرِمَ الرِّزْقَ واحْتاجَ، إلّا أنَّ أهَمَّ أفْرادِهِ المُتَعَفِّفُ؛ ولِذا عَوَّلَ عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في أمْوالِهِمْ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ يَصِلُونَ بِها رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِها ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِها كَلًّا. (p-٥٥٢٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى الخَرْصِ والتَّخْمِينِ في بابِ الِاعْتِقاداتِ؛ لِكَثْرَةِ الآياتِ الواضِحَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الذاريات 51:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ في الدُّنْيا، وبِتَجَنُّبِ (p-٥٥٢٦)القَوْلِ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ في الأُمُورِ الِاعْتِقادِيَّةِ في ﴿جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عامِلِينَ ما أمَرَهم بِهِ رَبُّهُمْ، مُؤَدِّينَ فَرائِضَهُ. وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: قابِلِينَ لِما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ، راضِينَ بِهِ. وهَذا هو الوَجْهُ. ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿آخِذِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] حالٌ مِن قَوْلِهِ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ فالمُتَّقُونَ حالَ كَوْنِهِمْ في الجَنّاتِ والعُيُونِ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: مِنَ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والغِبْطَةِ. ثُمَّ أشارَ إلى سِرِّ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الذاريات: ١٦] يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: قَدْ أحْسَنُوا أعْمالَهم لِغَلَبَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِظُهُورِ آثارِها في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: كانُوا يَهْجَعُونَ هُجُوعًا قَلِيلًا؛ لِتَقْوى نُفُوسُهم عَلى عِبادَتِهِ تَعالى بِنَشاطٍ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ: أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: كانُوا لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ. وعَنْ مُطَرِّفٍ: قَلَّ لَيْلَةٌ أتَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَلَّوْا فِيها مِن أوَّلِها أوْ مِن وسَطِها. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لا يَنامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إلّا أقَلَّهُ، كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ. وقَرَأ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] و" ما " نافِيَةٌ أيْ: لا يَهْجَعُونَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ وتَعَسُّفٌ. (p-٥٥٢٧)لَطِيفَةٌ: فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ الكَرِيمَةِ مُبالَغاتٌ في وصْفِ هَؤُلاءِ بِقِلَّةِ النَّوْمِ وتَرْكِ الِاسْتِراحَةِ، وذَلِكَ ذِكْرُ القَلِيلِ. واللَّيْلُ الَّذِي هو وقْتُ النَّوْمِ، والهُجُوعُ الَّذِي هو الخَفِيفُ مِنَ النَّوْمِ، وزِيادَةُ (ما)؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القِلَّةِ. وبِالجُمْلَةِ فَفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ، وذَمُّ نَوْمِهِ كُلِّهِ، والأحادِيثُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ. ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] قالَ القاضِي: أيْ: أنَّهم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ إذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ. قالَ الرّازِيُّ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَتَهَجَّدُونَ ويَجْتَهِدُونَ، ثُمَّ يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ عَمَلُهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأخْلَصَ مِنهُ؛ فَيَسْتَغْفِرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وهَذا سِيرَةُ الكَرِيمِ: يَأْتِي بِأبْلَغِ وُجُوهِ الكَرَمِ ويَسْتَقِلُّهُ ويَعْتَذِرُ مِنَ التَّقْصِيرِ، واللَّئِيمُ يَأْتِي بِالقَلِيلِ ويَسْتَكْثِرُهُ ويَمُنُّ بِهِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، والهُجُوعُ مُقْتَضى الطَّبْعِ، قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] أيْ: مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ النَّوْمِ القَلِيلِ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نُبَيِّنُها في جَوابِ سُؤالٍ: وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم بِقِلَّةِ الهُجُوعِ ولَمْ يَمْدَحْهم بِكَثْرَةِ السَّهَرِ، وما قالَ: كانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَسْهَرُونَ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ؟ مَعَ أنَّ السَّهَرَ هو الكُلْفَةُ والِاجْتِهادُ، لا الهُجُوعُ؟ نَقُولُ: إشارَةً إلى أنَّ نَوْمَهم عِبادَةٌ، حَيْثُ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هاجِعِينَ قَلِيلًا، وذَلِكَ الهُجُوعُ أوْرَثَهم الِاشْتِغالَ بِعِبادَةٍ أُخْرى، وهو الِاسْتِغْفارُ، في وُجُوهِ الأسْحارِ، ومَنَعَهم مِنَ الإعْجابِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِكْبارِ. ثُمَّ قالَ: والِاسْتِغْفارُ يَحْتَمِلُ طَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِمْ: (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا). وطَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالفِعْلِ أيْ: بِالأسْحارِ، يَأْتُونَ بِفِعْلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْغُفْرانِ، وهو الصَّلاةُ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أشْهَرُ. انْتَهى. ويُؤَيِّدُ الثّانِي الإشارَةُ إلى الزَّكاةِ في الآيَةِ بَعْدَها، والزَّكاةُ قَرِينَةُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وسِرُ التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِالِاسْتِغْفارِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ رُكْنُها المُهِمُّ في التَّهَجُّدِ، بَلْ وفي غَيْرِهِ، (p-٥٥٢٨)فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقَدْ ذَكَرَ في أذْكارِ الصَّلاةِ الِاسْتِغْفارَ في مَواضِعَ مِنها، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وآخِرِ الصَّلاةِ، كَما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ- و««كانَ ﷺ يُطِيلُ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والتَّهَجُّدَ»» لِذَلِكَ. لَطِيفَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (أساسِ البَلاغَةِ): إنَّما سُمِّيَ (السَّحَرُ) اسْتِعارَةً؛ لِأنَّهُ وقْتُ إدْبارِ اللَّيْلِ وإقْبالِ النَّهارِ، فَهو مُتَنَفَّسُ الصُّبْحِ. انْتَهى. ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] أيِ: الفَقِيرُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي يُظَنُّ غَنِيًّا، فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ. قالَ قَتادَةُ: هَذانِ فَقِيرا أهْلِ الإسْلامِ: سائِلٌ يَسْألُ في كَفِّهِ، وفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ، ولِكِلَيْهِما عَلَيْكَ حَقٌّ يا ابْنَ آدَمَ. وفِي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ وأسْنَدَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. ويَدْخُلُ في المَحْرُومِ كُلُّ مَن لا مالَ لَهُ، ومَن هَلَكَ مالُهُ بِآفَةٍ، ومَن حُرِمَ الرِّزْقَ واحْتاجَ، إلّا أنَّ أهَمَّ أفْرادِهِ المُتَعَفِّفُ؛ ولِذا عَوَّلَ عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في أمْوالِهِمْ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ يَصِلُونَ بِها رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِها ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِها كَلًّا. (p-٥٥٢٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى الخَرْصِ والتَّخْمِينِ في بابِ الِاعْتِقاداتِ؛ لِكَثْرَةِ الآياتِ الواضِحَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الذاريات 51:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ في الدُّنْيا، وبِتَجَنُّبِ (p-٥٥٢٦)القَوْلِ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ في الأُمُورِ الِاعْتِقادِيَّةِ في ﴿جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عامِلِينَ ما أمَرَهم بِهِ رَبُّهُمْ، مُؤَدِّينَ فَرائِضَهُ. وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: قابِلِينَ لِما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ، راضِينَ بِهِ. وهَذا هو الوَجْهُ. ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿آخِذِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] حالٌ مِن قَوْلِهِ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ فالمُتَّقُونَ حالَ كَوْنِهِمْ في الجَنّاتِ والعُيُونِ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: مِنَ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والغِبْطَةِ. ثُمَّ أشارَ إلى سِرِّ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الذاريات: ١٦] يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: قَدْ أحْسَنُوا أعْمالَهم لِغَلَبَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِظُهُورِ آثارِها في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: كانُوا يَهْجَعُونَ هُجُوعًا قَلِيلًا؛ لِتَقْوى نُفُوسُهم عَلى عِبادَتِهِ تَعالى بِنَشاطٍ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ: أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: كانُوا لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ. وعَنْ مُطَرِّفٍ: قَلَّ لَيْلَةٌ أتَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَلَّوْا فِيها مِن أوَّلِها أوْ مِن وسَطِها. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لا يَنامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إلّا أقَلَّهُ، كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ. وقَرَأ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] و" ما " نافِيَةٌ أيْ: لا يَهْجَعُونَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ وتَعَسُّفٌ. (p-٥٥٢٧)لَطِيفَةٌ: فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ الكَرِيمَةِ مُبالَغاتٌ في وصْفِ هَؤُلاءِ بِقِلَّةِ النَّوْمِ وتَرْكِ الِاسْتِراحَةِ، وذَلِكَ ذِكْرُ القَلِيلِ. واللَّيْلُ الَّذِي هو وقْتُ النَّوْمِ، والهُجُوعُ الَّذِي هو الخَفِيفُ مِنَ النَّوْمِ، وزِيادَةُ (ما)؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القِلَّةِ. وبِالجُمْلَةِ فَفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ، وذَمُّ نَوْمِهِ كُلِّهِ، والأحادِيثُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ. ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] قالَ القاضِي: أيْ: أنَّهم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ إذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ. قالَ الرّازِيُّ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَتَهَجَّدُونَ ويَجْتَهِدُونَ، ثُمَّ يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ عَمَلُهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأخْلَصَ مِنهُ؛ فَيَسْتَغْفِرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وهَذا سِيرَةُ الكَرِيمِ: يَأْتِي بِأبْلَغِ وُجُوهِ الكَرَمِ ويَسْتَقِلُّهُ ويَعْتَذِرُ مِنَ التَّقْصِيرِ، واللَّئِيمُ يَأْتِي بِالقَلِيلِ ويَسْتَكْثِرُهُ ويَمُنُّ بِهِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، والهُجُوعُ مُقْتَضى الطَّبْعِ، قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] أيْ: مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ النَّوْمِ القَلِيلِ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نُبَيِّنُها في جَوابِ سُؤالٍ: وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم بِقِلَّةِ الهُجُوعِ ولَمْ يَمْدَحْهم بِكَثْرَةِ السَّهَرِ، وما قالَ: كانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَسْهَرُونَ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ؟ مَعَ أنَّ السَّهَرَ هو الكُلْفَةُ والِاجْتِهادُ، لا الهُجُوعُ؟ نَقُولُ: إشارَةً إلى أنَّ نَوْمَهم عِبادَةٌ، حَيْثُ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هاجِعِينَ قَلِيلًا، وذَلِكَ الهُجُوعُ أوْرَثَهم الِاشْتِغالَ بِعِبادَةٍ أُخْرى، وهو الِاسْتِغْفارُ، في وُجُوهِ الأسْحارِ، ومَنَعَهم مِنَ الإعْجابِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِكْبارِ. ثُمَّ قالَ: والِاسْتِغْفارُ يَحْتَمِلُ طَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِمْ: (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا). وطَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالفِعْلِ أيْ: بِالأسْحارِ، يَأْتُونَ بِفِعْلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْغُفْرانِ، وهو الصَّلاةُ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أشْهَرُ. انْتَهى. ويُؤَيِّدُ الثّانِي الإشارَةُ إلى الزَّكاةِ في الآيَةِ بَعْدَها، والزَّكاةُ قَرِينَةُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وسِرُ التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِالِاسْتِغْفارِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ رُكْنُها المُهِمُّ في التَّهَجُّدِ، بَلْ وفي غَيْرِهِ، (p-٥٥٢٨)فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقَدْ ذَكَرَ في أذْكارِ الصَّلاةِ الِاسْتِغْفارَ في مَواضِعَ مِنها، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وآخِرِ الصَّلاةِ، كَما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ- و««كانَ ﷺ يُطِيلُ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والتَّهَجُّدَ»» لِذَلِكَ. لَطِيفَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (أساسِ البَلاغَةِ): إنَّما سُمِّيَ (السَّحَرُ) اسْتِعارَةً؛ لِأنَّهُ وقْتُ إدْبارِ اللَّيْلِ وإقْبالِ النَّهارِ، فَهو مُتَنَفَّسُ الصُّبْحِ. انْتَهى. ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] أيِ: الفَقِيرُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي يُظَنُّ غَنِيًّا، فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ. قالَ قَتادَةُ: هَذانِ فَقِيرا أهْلِ الإسْلامِ: سائِلٌ يَسْألُ في كَفِّهِ، وفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ، ولِكِلَيْهِما عَلَيْكَ حَقٌّ يا ابْنَ آدَمَ. وفِي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ وأسْنَدَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. ويَدْخُلُ في المَحْرُومِ كُلُّ مَن لا مالَ لَهُ، ومَن هَلَكَ مالُهُ بِآفَةٍ، ومَن حُرِمَ الرِّزْقَ واحْتاجَ، إلّا أنَّ أهَمَّ أفْرادِهِ المُتَعَفِّفُ؛ ولِذا عَوَّلَ عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في أمْوالِهِمْ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ يَصِلُونَ بِها رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِها ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِها كَلًّا. (p-٥٥٢٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى الخَرْصِ والتَّخْمِينِ في بابِ الِاعْتِقاداتِ؛ لِكَثْرَةِ الآياتِ الواضِحَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الذاريات 51:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠] ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أيْ: عِبَرٌ وعِظاتٌ لِأهْلِ اليَقِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُودُهُمُ النَّظَرُ إلى ما تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ ويَنْثَلِجُ لَهُ الصَّدْرُ، فَيَرَوْنَ فِيها مِمّا ذَرَأ مِن صُنُوفِ النَّباتِ والحَيَواناتِ، والمِهادِ والجِبالِ والقِفارِ والأنْهارِ والبِحارِ عِبَرًا وآياتٍ عِظامًا، وشَواهِدَ ناطِقَةً بِقُدْرَةِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ، جَلَّ جَلالُهُ.

الذاريات 51:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١] ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: في حالِ ابْتِدائِها وتَنَقُّلِها مِن حالٍ إلى حالٍ، واخْتِلافُ ألْسِنَتِها وألْوانِها، وما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ القُوى والإراداتِ، وما بَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ في العُقُولِ والأفْهامِ، وما في تَراكِيبِ أعْضائِها مِنَ الحُكْمِ في وضْعِ كُلِّ عُضْوٍ مِنها في المَحَلِّ المُفْتَقِرِ إلَيْهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصِيهِ قَلَمُ كاتِبٍ، ولا لِسانُ بَلِيغٍ. أنْشَدَ الحافِظُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِهِ (التَّفْكِيرُ والِاعْتِبارُ) لِشَيْخِهِ أبِي جَعْفَرٍ القُرَشِيِّ: ؎وإذا نَظَرْتَ تُرِيدُ مُعْتَبَرًا فانْظُرْ إلَيْكَ فَفِيكَ مُعْتَبَرُ ؎أنْتَ الَّذِي تُمْسِي وتُصْبِحُ في الـدْ ∗∗∗ دُنْيا وكُلُّ أُمُورِهِ عِبَرُ ؎أنْتَ المُصَرَّفُ كانَ في صِغَرٍ ∗∗∗ ثُمَّ اسْتَقَلَّ بِشَخْصِكَ الكِبَرُ ؎أنْتَ الَّذِي تَنْعاهُ خِلْقَتُهُ ∗∗∗ يَنْعاهُ مِنهُ الشَّعْرُ والبَشَرُ ؎أنْتَ الَّذِي تُعْطى وتُسْلَبُ لا ∗∗∗ يُنْجِيهِ مِن أنْ يُسْلَبَ الحَذَرُ ؎أنْتَ الَّذِي لا شَيْءَ مِنهُ لَهُ ∗∗∗ وأحَقُّ مِنهُ بِما لَهُ القَدَرُ (p-٥٥٣٠)

الذاريات 51:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢] ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ يَعْنِي بِـ (السَّماءِ) المُزْنَ، وبِـ(الرِّزْقِ) المَطَرَ، فَإنَّهُ سَبَبُ الأقْواتِ. والمُرادُ بِـ (ما تُوعَدُونَ) العَذابُ السَّماوِيُّ؛ لِأنَّ مُؤاخِذاتِ المُكَذِّبِينَ الأوَّلِينَ كانَتْ مِن جِهَتِها، والخِطابُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.

الذاريات 51:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣] ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيِ: الَّذِي خَلَقَهُما لِلِاسْتِدْلالِ بِهِما عَلى حَقِيقَةِ ما أخْبَرَ، ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ نُطْقِكُمْ، والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ لِما ذَكَرَ مِن أمْرِ الآياتِ والرِّزْقِ، أوْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إلى ما تُوعَدُونَ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ ما تَأثَّرَهُ مِن أنْباءِ وعِيدِ المُكَذِّبِينَ، وبَدَأ مِنها بِنَبَأِ قَوْمِ لُوطٍ، لِأنَّ قُراهم واقِعَةٌ في مَمَرِّهَمْ إلى فِلَسْطِينَ لِلِاتِّجارِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

الذاريات 51:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] (p-٥٥٣١)﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ ضَيْفٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْحَدِيثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما عَرَفَهُ بِالوَحْيِ. وإكْرامُهم أنَّ إبْراهِيمَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، وأخْدَمَهُمُ امْرَأتَهُ، وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى، أوْ أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُكَرَّمُونَ. ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: سَلامٌ عَلَيْكم ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: أنْتُمْ قَوْمٌ لا أعْرِفُكم. وهو كالسُّؤالِ مِنهُ عَنْ أحْوالِهِمْ لِيَعْرِفَهُمْ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ! في قُوَّةِ قَوْلِكَ: عَرِّفْ لِي نَفْسَكَ وصِفْها. ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ خُفْيَةً مِن ضُيُوفِهِ. ومِن أدَبِ المُضِيفَ أنْ يُخْفِيَ أمْرَهُ، وأنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَّيْفُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يَكُفَّهُ ويَعْذُرَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيَّدَهُ النّاصِرُ بِما حَكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ: أنَّهُ لا يُقالُ: راغَ، إلّا إذا ذَهَبَ عَلى خُفْيَةٍ، وأنَّهُ يُقالُ: رَوَّغَ اللُّقْمَةَ إذا غَمَسَها فَرَوِيَتْ سَمْنًا، قالَ النّاصِرُ: وهو مِن هَذا المَعْنى؛ لِأنَّها تَذْهَبُ مَغْمُوسَةً في السَّمْنِ حَتّى تَخْفى. ومِن مَقْلُوباتِهِ: غَوْرُ الأرْضِ والجُرْحِ، وسائِرُ مَقْلُوباتِهِ قَرِيبَةٌ مِن هَذا المَعْنى. انْتَهى. ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: قَدْ أنْضَجَهُ شَيًّا. ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: بِأنْ وضَعَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: مِنهُ. قالَ القاضِي: وهو مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَنِيذًا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَرْضِ، والحَثِّ عَلى الأكْلِ عَلى طَرِيقَةِ الأدَبِ إنْ قالَهُ أوَّلَ ما وضَعَهُ، ولِلْإنْكارِ إنْ قالَهُ حِينَما رَأى إعْراضَهم. ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: أضْمَرَها لِظَنِّهِ أنَّهم أرادُوا بِهِ سُوءًا، ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: يَبْلُغُ ويُكْمِلُ عِلْمَهُ. ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: صَيْحَةٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: لَطَمَتْ ﴿وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: تَعَجُّبًا عَلى عادَةِ النِّساءِ في كُلِّ غَرِيبٍ عِنْدَهُنَّ (p-٥٥٣٢)﴿وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: عاقِرٌ لَيْسَ لِي ولَدٌ. ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات: ٣٠] أيْ: مِثْلَ الَّذِي قُلْنا وأخْبَرْنا بِهِ قالَ رَبُّكِ، فَإنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ؛ فاقْبَلِي قَوْلَهُ، ولا تَتَوَهَّمِي عَلَيْهِ خِلافَ الحِكْمَةِ ولا الجَهْلَ بِعَدَمِ قَبُولِكِ لِلْوِلادَةِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ.

الذاريات 51:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] (p-٥٥٣١)﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ ضَيْفٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْحَدِيثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما عَرَفَهُ بِالوَحْيِ. وإكْرامُهم أنَّ إبْراهِيمَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، وأخْدَمَهُمُ امْرَأتَهُ، وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى، أوْ أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُكَرَّمُونَ. ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: سَلامٌ عَلَيْكم ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: أنْتُمْ قَوْمٌ لا أعْرِفُكم. وهو كالسُّؤالِ مِنهُ عَنْ أحْوالِهِمْ لِيَعْرِفَهُمْ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ! في قُوَّةِ قَوْلِكَ: عَرِّفْ لِي نَفْسَكَ وصِفْها. ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ خُفْيَةً مِن ضُيُوفِهِ. ومِن أدَبِ المُضِيفَ أنْ يُخْفِيَ أمْرَهُ، وأنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَّيْفُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يَكُفَّهُ ويَعْذُرَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيَّدَهُ النّاصِرُ بِما حَكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ: أنَّهُ لا يُقالُ: راغَ، إلّا إذا ذَهَبَ عَلى خُفْيَةٍ، وأنَّهُ يُقالُ: رَوَّغَ اللُّقْمَةَ إذا غَمَسَها فَرَوِيَتْ سَمْنًا، قالَ النّاصِرُ: وهو مِن هَذا المَعْنى؛ لِأنَّها تَذْهَبُ مَغْمُوسَةً في السَّمْنِ حَتّى تَخْفى. ومِن مَقْلُوباتِهِ: غَوْرُ الأرْضِ والجُرْحِ، وسائِرُ مَقْلُوباتِهِ قَرِيبَةٌ مِن هَذا المَعْنى. انْتَهى. ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: قَدْ أنْضَجَهُ شَيًّا. ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: بِأنْ وضَعَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: مِنهُ. قالَ القاضِي: وهو مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَنِيذًا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَرْضِ، والحَثِّ عَلى الأكْلِ عَلى طَرِيقَةِ الأدَبِ إنْ قالَهُ أوَّلَ ما وضَعَهُ، ولِلْإنْكارِ إنْ قالَهُ حِينَما رَأى إعْراضَهم. ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: أضْمَرَها لِظَنِّهِ أنَّهم أرادُوا بِهِ سُوءًا، ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: يَبْلُغُ ويُكْمِلُ عِلْمَهُ. ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: صَيْحَةٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: لَطَمَتْ ﴿وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: تَعَجُّبًا عَلى عادَةِ النِّساءِ في كُلِّ غَرِيبٍ عِنْدَهُنَّ (p-٥٥٣٢)﴿وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: عاقِرٌ لَيْسَ لِي ولَدٌ. ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات: ٣٠] أيْ: مِثْلَ الَّذِي قُلْنا وأخْبَرْنا بِهِ قالَ رَبُّكِ، فَإنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ؛ فاقْبَلِي قَوْلَهُ، ولا تَتَوَهَّمِي عَلَيْهِ خِلافَ الحِكْمَةِ ولا الجَهْلَ بِعَدَمِ قَبُولِكِ لِلْوِلادَةِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ.

الذاريات 51:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] (p-٥٥٣١)﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ ضَيْفٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْحَدِيثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما عَرَفَهُ بِالوَحْيِ. وإكْرامُهم أنَّ إبْراهِيمَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، وأخْدَمَهُمُ امْرَأتَهُ، وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى، أوْ أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُكَرَّمُونَ. ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: سَلامٌ عَلَيْكم ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: أنْتُمْ قَوْمٌ لا أعْرِفُكم. وهو كالسُّؤالِ مِنهُ عَنْ أحْوالِهِمْ لِيَعْرِفَهُمْ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ! في قُوَّةِ قَوْلِكَ: عَرِّفْ لِي نَفْسَكَ وصِفْها. ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ خُفْيَةً مِن ضُيُوفِهِ. ومِن أدَبِ المُضِيفَ أنْ يُخْفِيَ أمْرَهُ، وأنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَّيْفُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يَكُفَّهُ ويَعْذُرَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيَّدَهُ النّاصِرُ بِما حَكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ: أنَّهُ لا يُقالُ: راغَ، إلّا إذا ذَهَبَ عَلى خُفْيَةٍ، وأنَّهُ يُقالُ: رَوَّغَ اللُّقْمَةَ إذا غَمَسَها فَرَوِيَتْ سَمْنًا، قالَ النّاصِرُ: وهو مِن هَذا المَعْنى؛ لِأنَّها تَذْهَبُ مَغْمُوسَةً في السَّمْنِ حَتّى تَخْفى. ومِن مَقْلُوباتِهِ: غَوْرُ الأرْضِ والجُرْحِ، وسائِرُ مَقْلُوباتِهِ قَرِيبَةٌ مِن هَذا المَعْنى. انْتَهى. ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: قَدْ أنْضَجَهُ شَيًّا. ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: بِأنْ وضَعَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: مِنهُ. قالَ القاضِي: وهو مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَنِيذًا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَرْضِ، والحَثِّ عَلى الأكْلِ عَلى طَرِيقَةِ الأدَبِ إنْ قالَهُ أوَّلَ ما وضَعَهُ، ولِلْإنْكارِ إنْ قالَهُ حِينَما رَأى إعْراضَهم. ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: أضْمَرَها لِظَنِّهِ أنَّهم أرادُوا بِهِ سُوءًا، ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: يَبْلُغُ ويُكْمِلُ عِلْمَهُ. ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: صَيْحَةٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: لَطَمَتْ ﴿وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: تَعَجُّبًا عَلى عادَةِ النِّساءِ في كُلِّ غَرِيبٍ عِنْدَهُنَّ (p-٥٥٣٢)﴿وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: عاقِرٌ لَيْسَ لِي ولَدٌ. ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات: ٣٠] أيْ: مِثْلَ الَّذِي قُلْنا وأخْبَرْنا بِهِ قالَ رَبُّكِ، فَإنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ؛ فاقْبَلِي قَوْلَهُ، ولا تَتَوَهَّمِي عَلَيْهِ خِلافَ الحِكْمَةِ ولا الجَهْلَ بِعَدَمِ قَبُولِكِ لِلْوِلادَةِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ.

الذاريات 51:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] (p-٥٥٣١)﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ ضَيْفٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْحَدِيثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما عَرَفَهُ بِالوَحْيِ. وإكْرامُهم أنَّ إبْراهِيمَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، وأخْدَمَهُمُ امْرَأتَهُ، وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى، أوْ أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُكَرَّمُونَ. ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: سَلامٌ عَلَيْكم ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: أنْتُمْ قَوْمٌ لا أعْرِفُكم. وهو كالسُّؤالِ مِنهُ عَنْ أحْوالِهِمْ لِيَعْرِفَهُمْ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ! في قُوَّةِ قَوْلِكَ: عَرِّفْ لِي نَفْسَكَ وصِفْها. ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ خُفْيَةً مِن ضُيُوفِهِ. ومِن أدَبِ المُضِيفَ أنْ يُخْفِيَ أمْرَهُ، وأنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَّيْفُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يَكُفَّهُ ويَعْذُرَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيَّدَهُ النّاصِرُ بِما حَكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ: أنَّهُ لا يُقالُ: راغَ، إلّا إذا ذَهَبَ عَلى خُفْيَةٍ، وأنَّهُ يُقالُ: رَوَّغَ اللُّقْمَةَ إذا غَمَسَها فَرَوِيَتْ سَمْنًا، قالَ النّاصِرُ: وهو مِن هَذا المَعْنى؛ لِأنَّها تَذْهَبُ مَغْمُوسَةً في السَّمْنِ حَتّى تَخْفى. ومِن مَقْلُوباتِهِ: غَوْرُ الأرْضِ والجُرْحِ، وسائِرُ مَقْلُوباتِهِ قَرِيبَةٌ مِن هَذا المَعْنى. انْتَهى. ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: قَدْ أنْضَجَهُ شَيًّا. ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: بِأنْ وضَعَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: مِنهُ. قالَ القاضِي: وهو مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَنِيذًا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَرْضِ، والحَثِّ عَلى الأكْلِ عَلى طَرِيقَةِ الأدَبِ إنْ قالَهُ أوَّلَ ما وضَعَهُ، ولِلْإنْكارِ إنْ قالَهُ حِينَما رَأى إعْراضَهم. ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: أضْمَرَها لِظَنِّهِ أنَّهم أرادُوا بِهِ سُوءًا، ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: يَبْلُغُ ويُكْمِلُ عِلْمَهُ. ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: صَيْحَةٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: لَطَمَتْ ﴿وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: تَعَجُّبًا عَلى عادَةِ النِّساءِ في كُلِّ غَرِيبٍ عِنْدَهُنَّ (p-٥٥٣٢)﴿وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: عاقِرٌ لَيْسَ لِي ولَدٌ. ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات: ٣٠] أيْ: مِثْلَ الَّذِي قُلْنا وأخْبَرْنا بِهِ قالَ رَبُّكِ، فَإنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ؛ فاقْبَلِي قَوْلَهُ، ولا تَتَوَهَّمِي عَلَيْهِ خِلافَ الحِكْمَةِ ولا الجَهْلَ بِعَدَمِ قَبُولِكِ لِلْوِلادَةِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ.

الذاريات 51:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] (p-٥٥٣١)﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ ضَيْفٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْحَدِيثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما عَرَفَهُ بِالوَحْيِ. وإكْرامُهم أنَّ إبْراهِيمَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، وأخْدَمَهُمُ امْرَأتَهُ، وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى، أوْ أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُكَرَّمُونَ. ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: سَلامٌ عَلَيْكم ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: أنْتُمْ قَوْمٌ لا أعْرِفُكم. وهو كالسُّؤالِ مِنهُ عَنْ أحْوالِهِمْ لِيَعْرِفَهُمْ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ! في قُوَّةِ قَوْلِكَ: عَرِّفْ لِي نَفْسَكَ وصِفْها. ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ خُفْيَةً مِن ضُيُوفِهِ. ومِن أدَبِ المُضِيفَ أنْ يُخْفِيَ أمْرَهُ، وأنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَّيْفُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يَكُفَّهُ ويَعْذُرَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيَّدَهُ النّاصِرُ بِما حَكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ: أنَّهُ لا يُقالُ: راغَ، إلّا إذا ذَهَبَ عَلى خُفْيَةٍ، وأنَّهُ يُقالُ: رَوَّغَ اللُّقْمَةَ إذا غَمَسَها فَرَوِيَتْ سَمْنًا، قالَ النّاصِرُ: وهو مِن هَذا المَعْنى؛ لِأنَّها تَذْهَبُ مَغْمُوسَةً في السَّمْنِ حَتّى تَخْفى. ومِن مَقْلُوباتِهِ: غَوْرُ الأرْضِ والجُرْحِ، وسائِرُ مَقْلُوباتِهِ قَرِيبَةٌ مِن هَذا المَعْنى. انْتَهى. ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: قَدْ أنْضَجَهُ شَيًّا. ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: بِأنْ وضَعَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: مِنهُ. قالَ القاضِي: وهو مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَنِيذًا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَرْضِ، والحَثِّ عَلى الأكْلِ عَلى طَرِيقَةِ الأدَبِ إنْ قالَهُ أوَّلَ ما وضَعَهُ، ولِلْإنْكارِ إنْ قالَهُ حِينَما رَأى إعْراضَهم. ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: أضْمَرَها لِظَنِّهِ أنَّهم أرادُوا بِهِ سُوءًا، ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: يَبْلُغُ ويُكْمِلُ عِلْمَهُ. ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: صَيْحَةٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: لَطَمَتْ ﴿وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: تَعَجُّبًا عَلى عادَةِ النِّساءِ في كُلِّ غَرِيبٍ عِنْدَهُنَّ (p-٥٥٣٢)﴿وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: عاقِرٌ لَيْسَ لِي ولَدٌ. ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات: ٣٠] أيْ: مِثْلَ الَّذِي قُلْنا وأخْبَرْنا بِهِ قالَ رَبُّكِ، فَإنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ؛ فاقْبَلِي قَوْلَهُ، ولا تَتَوَهَّمِي عَلَيْهِ خِلافَ الحِكْمَةِ ولا الجَهْلَ بِعَدَمِ قَبُولِكِ لِلْوِلادَةِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ.

الذاريات 51:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] (p-٥٥٣١)﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ ضَيْفٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْحَدِيثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما عَرَفَهُ بِالوَحْيِ. وإكْرامُهم أنَّ إبْراهِيمَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، وأخْدَمَهُمُ امْرَأتَهُ، وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى، أوْ أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُكَرَّمُونَ. ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: سَلامٌ عَلَيْكم ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: أنْتُمْ قَوْمٌ لا أعْرِفُكم. وهو كالسُّؤالِ مِنهُ عَنْ أحْوالِهِمْ لِيَعْرِفَهُمْ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ! في قُوَّةِ قَوْلِكَ: عَرِّفْ لِي نَفْسَكَ وصِفْها. ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ خُفْيَةً مِن ضُيُوفِهِ. ومِن أدَبِ المُضِيفَ أنْ يُخْفِيَ أمْرَهُ، وأنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَّيْفُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يَكُفَّهُ ويَعْذُرَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيَّدَهُ النّاصِرُ بِما حَكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ: أنَّهُ لا يُقالُ: راغَ، إلّا إذا ذَهَبَ عَلى خُفْيَةٍ، وأنَّهُ يُقالُ: رَوَّغَ اللُّقْمَةَ إذا غَمَسَها فَرَوِيَتْ سَمْنًا، قالَ النّاصِرُ: وهو مِن هَذا المَعْنى؛ لِأنَّها تَذْهَبُ مَغْمُوسَةً في السَّمْنِ حَتّى تَخْفى. ومِن مَقْلُوباتِهِ: غَوْرُ الأرْضِ والجُرْحِ، وسائِرُ مَقْلُوباتِهِ قَرِيبَةٌ مِن هَذا المَعْنى. انْتَهى. ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: قَدْ أنْضَجَهُ شَيًّا. ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: بِأنْ وضَعَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: مِنهُ. قالَ القاضِي: وهو مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَنِيذًا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَرْضِ، والحَثِّ عَلى الأكْلِ عَلى طَرِيقَةِ الأدَبِ إنْ قالَهُ أوَّلَ ما وضَعَهُ، ولِلْإنْكارِ إنْ قالَهُ حِينَما رَأى إعْراضَهم. ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: أضْمَرَها لِظَنِّهِ أنَّهم أرادُوا بِهِ سُوءًا، ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: يَبْلُغُ ويُكْمِلُ عِلْمَهُ. ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: صَيْحَةٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: لَطَمَتْ ﴿وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: تَعَجُّبًا عَلى عادَةِ النِّساءِ في كُلِّ غَرِيبٍ عِنْدَهُنَّ (p-٥٥٣٢)﴿وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: عاقِرٌ لَيْسَ لِي ولَدٌ. ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات: ٣٠] أيْ: مِثْلَ الَّذِي قُلْنا وأخْبَرْنا بِهِ قالَ رَبُّكِ، فَإنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ؛ فاقْبَلِي قَوْلَهُ، ولا تَتَوَهَّمِي عَلَيْهِ خِلافَ الحِكْمَةِ ولا الجَهْلَ بِعَدَمِ قَبُولِكِ لِلْوِلادَةِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ.

الذاريات 51:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] (p-٥٥٣١)﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ ضَيْفٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْحَدِيثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما عَرَفَهُ بِالوَحْيِ. وإكْرامُهم أنَّ إبْراهِيمَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، وأخْدَمَهُمُ امْرَأتَهُ، وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى، أوْ أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُكَرَّمُونَ. ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: سَلامٌ عَلَيْكم ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أيْ: أنْتُمْ قَوْمٌ لا أعْرِفُكم. وهو كالسُّؤالِ مِنهُ عَنْ أحْوالِهِمْ لِيَعْرِفَهُمْ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ! في قُوَّةِ قَوْلِكَ: عَرِّفْ لِي نَفْسَكَ وصِفْها. ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ خُفْيَةً مِن ضُيُوفِهِ. ومِن أدَبِ المُضِيفَ أنْ يُخْفِيَ أمْرَهُ، وأنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَّيْفُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يَكُفَّهُ ويَعْذُرَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيَّدَهُ النّاصِرُ بِما حَكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ: أنَّهُ لا يُقالُ: راغَ، إلّا إذا ذَهَبَ عَلى خُفْيَةٍ، وأنَّهُ يُقالُ: رَوَّغَ اللُّقْمَةَ إذا غَمَسَها فَرَوِيَتْ سَمْنًا، قالَ النّاصِرُ: وهو مِن هَذا المَعْنى؛ لِأنَّها تَذْهَبُ مَغْمُوسَةً في السَّمْنِ حَتّى تَخْفى. ومِن مَقْلُوباتِهِ: غَوْرُ الأرْضِ والجُرْحِ، وسائِرُ مَقْلُوباتِهِ قَرِيبَةٌ مِن هَذا المَعْنى. انْتَهى. ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أيْ: قَدْ أنْضَجَهُ شَيًّا. ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: بِأنْ وضَعَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧] أيْ: مِنهُ. قالَ القاضِي: وهو مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَنِيذًا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَرْضِ، والحَثِّ عَلى الأكْلِ عَلى طَرِيقَةِ الأدَبِ إنْ قالَهُ أوَّلَ ما وضَعَهُ، ولِلْإنْكارِ إنْ قالَهُ حِينَما رَأى إعْراضَهم. ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: أضْمَرَها لِظَنِّهِ أنَّهم أرادُوا بِهِ سُوءًا، ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] أيْ: يَبْلُغُ ويُكْمِلُ عِلْمَهُ. ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: صَيْحَةٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: لَطَمَتْ ﴿وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: تَعَجُّبًا عَلى عادَةِ النِّساءِ في كُلِّ غَرِيبٍ عِنْدَهُنَّ (p-٥٥٣٢)﴿وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أيْ: عاقِرٌ لَيْسَ لِي ولَدٌ. ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات: ٣٠] أيْ: مِثْلَ الَّذِي قُلْنا وأخْبَرْنا بِهِ قالَ رَبُّكِ، فَإنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ؛ فاقْبَلِي قَوْلَهُ، ولا تَتَوَهَّمِي عَلَيْهِ خِلافَ الحِكْمَةِ ولا الجَهْلَ بِعَدَمِ قَبُولِكِ لِلْوِلادَةِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ.

الذاريات 51:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٧] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ لِضَيْفِهِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكم ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] أيْ: مُؤاخَذَتُهُمْ؛ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أيْ: رَجْمًا عَلى فِعْلِهِمُ الفاحِشَةَ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٤] أيْ: مُرْسَلَةً، أوْ مُعَلَّمَةً ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] أيِ: المُتَعَدِّينَ حُدُودَ اللَّهِ، الكافِرِينَ بِهِ. ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها﴾ [الذاريات: ٣٥] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ: بِإيحاءِ الخُرُوجِ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، وهم لُوطٌ وابْنَتاهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] يَعْنِي بَيْتَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: عَلامَةً تَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ الدّالِّ عَلى الأُخْرَوِيِّ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٥٣٣)

الذاريات 51:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٧] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ لِضَيْفِهِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكم ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] أيْ: مُؤاخَذَتُهُمْ؛ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أيْ: رَجْمًا عَلى فِعْلِهِمُ الفاحِشَةَ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٤] أيْ: مُرْسَلَةً، أوْ مُعَلَّمَةً ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] أيِ: المُتَعَدِّينَ حُدُودَ اللَّهِ، الكافِرِينَ بِهِ. ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها﴾ [الذاريات: ٣٥] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ: بِإيحاءِ الخُرُوجِ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، وهم لُوطٌ وابْنَتاهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] يَعْنِي بَيْتَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: عَلامَةً تَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ الدّالِّ عَلى الأُخْرَوِيِّ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٥٣٣)

الذاريات 51:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٧] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ لِضَيْفِهِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكم ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] أيْ: مُؤاخَذَتُهُمْ؛ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أيْ: رَجْمًا عَلى فِعْلِهِمُ الفاحِشَةَ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٤] أيْ: مُرْسَلَةً، أوْ مُعَلَّمَةً ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] أيِ: المُتَعَدِّينَ حُدُودَ اللَّهِ، الكافِرِينَ بِهِ. ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها﴾ [الذاريات: ٣٥] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ: بِإيحاءِ الخُرُوجِ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، وهم لُوطٌ وابْنَتاهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] يَعْنِي بَيْتَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: عَلامَةً تَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ الدّالِّ عَلى الأُخْرَوِيِّ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٥٣٣)

الذاريات 51:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٧] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ لِضَيْفِهِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكم ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] أيْ: مُؤاخَذَتُهُمْ؛ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أيْ: رَجْمًا عَلى فِعْلِهِمُ الفاحِشَةَ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٤] أيْ: مُرْسَلَةً، أوْ مُعَلَّمَةً ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] أيِ: المُتَعَدِّينَ حُدُودَ اللَّهِ، الكافِرِينَ بِهِ. ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها﴾ [الذاريات: ٣٥] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ: بِإيحاءِ الخُرُوجِ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، وهم لُوطٌ وابْنَتاهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] يَعْنِي بَيْتَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: عَلامَةً تَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ الدّالِّ عَلى الأُخْرَوِيِّ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٥٣٣)

الذاريات 51:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٧] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ لِضَيْفِهِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكم ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] أيْ: مُؤاخَذَتُهُمْ؛ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أيْ: رَجْمًا عَلى فِعْلِهِمُ الفاحِشَةَ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٤] أيْ: مُرْسَلَةً، أوْ مُعَلَّمَةً ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] أيِ: المُتَعَدِّينَ حُدُودَ اللَّهِ، الكافِرِينَ بِهِ. ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها﴾ [الذاريات: ٣٥] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ: بِإيحاءِ الخُرُوجِ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، وهم لُوطٌ وابْنَتاهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] يَعْنِي بَيْتَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: عَلامَةً تَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ الدّالِّ عَلى الأُخْرَوِيِّ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٥٣٣)

الذاريات 51:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٧] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ لِضَيْفِهِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكم ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] أيْ: مُؤاخَذَتُهُمْ؛ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أيْ: رَجْمًا عَلى فِعْلِهِمُ الفاحِشَةَ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٤] أيْ: مُرْسَلَةً، أوْ مُعَلَّمَةً ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] أيِ: المُتَعَدِّينَ حُدُودَ اللَّهِ، الكافِرِينَ بِهِ. ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها﴾ [الذاريات: ٣٥] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ: بِإيحاءِ الخُرُوجِ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، وهم لُوطٌ وابْنَتاهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] يَعْنِي بَيْتَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: عَلامَةً تَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ الدّالِّ عَلى الأُخْرَوِيِّ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٥٣٣)

الذاريات 51:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٧] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ لِضَيْفِهِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكم ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] أيْ: مُؤاخَذَتُهُمْ؛ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أيْ: رَجْمًا عَلى فِعْلِهِمُ الفاحِشَةَ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٤] أيْ: مُرْسَلَةً، أوْ مُعَلَّمَةً ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٤] أيِ: المُتَعَدِّينَ حُدُودَ اللَّهِ، الكافِرِينَ بِهِ. ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها﴾ [الذاريات: ٣٥] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ: بِإيحاءِ الخُرُوجِ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، وهم لُوطٌ وابْنَتاهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] يَعْنِي بَيْتَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: عَلامَةً تَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ الدّالِّ عَلى الأُخْرَوِيِّ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] أيْ: في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٥٣٣)

الذاريات 51:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨ - ٤٠] ﴿وفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٤٠] ﴿وفِي مُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى " فِيها " بِإعادَةِ الجارِّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ، أيْ: وتَرَكْنا في قِصَّةِ مُوسى بِإهْلاكِ أعْدائِهِ آيَةً وحُجَّةً تُبَيِّنُ لِمَن رَآها حَقِيقَةَ دَعْواهُ. ﴿إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِبُرْهانٍ ظاهِرٍ. ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩] أيْ: فَأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. والرُّكْنُ: جانِبُ الشَّيْءِ. فَـ(رُكْنُهُ) جانِبُ بَدَنِهِ، فالتَّوَلِّي بِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ. والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ مَعْناهُ ثَنى عِطْفَهُ، أوْ لِلْمُلابَسَةِ، أوِ الرَّكْنُ فِيهِ بِمَعْنى الجَيْشِ؛ لِأنَّهُ يَرْكَنُ إلَيْهِ ويَتَقَوّى بِهِ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ. ﴿وقالَ ساحِرٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] أيْ: هو ساحِرٌ. ﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] أيْ: فَأغْرَقْناهم في البَحْرِ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٤٠] أيْ: آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ.

الذاريات 51:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨ - ٤٠] ﴿وفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٤٠] ﴿وفِي مُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى " فِيها " بِإعادَةِ الجارِّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ، أيْ: وتَرَكْنا في قِصَّةِ مُوسى بِإهْلاكِ أعْدائِهِ آيَةً وحُجَّةً تُبَيِّنُ لِمَن رَآها حَقِيقَةَ دَعْواهُ. ﴿إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِبُرْهانٍ ظاهِرٍ. ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩] أيْ: فَأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. والرُّكْنُ: جانِبُ الشَّيْءِ. فَـ(رُكْنُهُ) جانِبُ بَدَنِهِ، فالتَّوَلِّي بِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ. والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ مَعْناهُ ثَنى عِطْفَهُ، أوْ لِلْمُلابَسَةِ، أوِ الرَّكْنُ فِيهِ بِمَعْنى الجَيْشِ؛ لِأنَّهُ يَرْكَنُ إلَيْهِ ويَتَقَوّى بِهِ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ. ﴿وقالَ ساحِرٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] أيْ: هو ساحِرٌ. ﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] أيْ: فَأغْرَقْناهم في البَحْرِ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٤٠] أيْ: آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ.

الذاريات 51:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨ - ٤٠] ﴿وفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٤٠] ﴿وفِي مُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى " فِيها " بِإعادَةِ الجارِّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ، أيْ: وتَرَكْنا في قِصَّةِ مُوسى بِإهْلاكِ أعْدائِهِ آيَةً وحُجَّةً تُبَيِّنُ لِمَن رَآها حَقِيقَةَ دَعْواهُ. ﴿إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِبُرْهانٍ ظاهِرٍ. ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩] أيْ: فَأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. والرُّكْنُ: جانِبُ الشَّيْءِ. فَـ(رُكْنُهُ) جانِبُ بَدَنِهِ، فالتَّوَلِّي بِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ. والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ مَعْناهُ ثَنى عِطْفَهُ، أوْ لِلْمُلابَسَةِ، أوِ الرَّكْنُ فِيهِ بِمَعْنى الجَيْشِ؛ لِأنَّهُ يَرْكَنُ إلَيْهِ ويَتَقَوّى بِهِ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ. ﴿وقالَ ساحِرٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] أيْ: هو ساحِرٌ. ﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] أيْ: فَأغْرَقْناهم في البَحْرِ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٤٠] أيْ: آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ.

الذاريات 51:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٢] ﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] ﴿وفِي عادٍ﴾ أيْ: وتَرَكْنا في عادٍ -قَوْمِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ- آيَةً ﴿إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ أيِ: الَّتِي لا خَيْرَ فِيها مِن إنْشاءِ المَطَرِ، أوْ إلْقاحِ الشَّجَرِ. وهي رِيحُ الهَلاكِ. ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] أيِ: الشَّيْءِ الهالِكِ. وأصْلُ الرَّمِيمِ: البالِي المُفَتَّتُ مِن عَظْمٍ أوْ نَباتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (p-٥٥٣٤)

الذاريات 51:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٢] ﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] ﴿وفِي عادٍ﴾ أيْ: وتَرَكْنا في عادٍ -قَوْمِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ- آيَةً ﴿إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ أيِ: الَّتِي لا خَيْرَ فِيها مِن إنْشاءِ المَطَرِ، أوْ إلْقاحِ الشَّجَرِ. وهي رِيحُ الهَلاكِ. ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] أيِ: الشَّيْءِ الهالِكِ. وأصْلُ الرَّمِيمِ: البالِي المُفَتَّتُ مِن عَظْمٍ أوْ نَباتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (p-٥٥٣٤)

الذاريات 51:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣ - ٤٥] ﴿وفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥] ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ أيْ: وتَرَكْنا في ثَمُودَ قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ عَقْرِهِمُ النّاقَةَ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: في دارِكم ﴿حَتّى حِينٍ﴾ يَعْنِي: ثَلاثَةَ أيّامٍ، كَما بَيَّنَتْهُ الآيَةُ الأُخْرى. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات: ٤٤] أيْ: فاسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ، ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [الذاريات: ٤٤] يَعْنِي العَذابَ الحالَّ بِهِمُ، المَعْهُودَ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] أيْ: إلَيْها، فَإنَّها نَزَلَتْ بِهِمْ نَهارًا. ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ [الذاريات: ٤٥] أيْ: نُهُوضٍ، فَضْلًا عَنْ دِفاعِ عَذابِ اللَّهِ ﴿وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥] أيْ: مُمْتَنِعِينَ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الذاريات 51:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣ - ٤٥] ﴿وفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥] ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ أيْ: وتَرَكْنا في ثَمُودَ قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ عَقْرِهِمُ النّاقَةَ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: في دارِكم ﴿حَتّى حِينٍ﴾ يَعْنِي: ثَلاثَةَ أيّامٍ، كَما بَيَّنَتْهُ الآيَةُ الأُخْرى. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات: ٤٤] أيْ: فاسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ، ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [الذاريات: ٤٤] يَعْنِي العَذابَ الحالَّ بِهِمُ، المَعْهُودَ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] أيْ: إلَيْها، فَإنَّها نَزَلَتْ بِهِمْ نَهارًا. ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ [الذاريات: ٤٥] أيْ: نُهُوضٍ، فَضْلًا عَنْ دِفاعِ عَذابِ اللَّهِ ﴿وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥] أيْ: مُمْتَنِعِينَ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الذاريات 51:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣ - ٤٥] ﴿وفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥] ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ أيْ: وتَرَكْنا في ثَمُودَ قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ عَقْرِهِمُ النّاقَةَ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: في دارِكم ﴿حَتّى حِينٍ﴾ يَعْنِي: ثَلاثَةَ أيّامٍ، كَما بَيَّنَتْهُ الآيَةُ الأُخْرى. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات: ٤٤] أيْ: فاسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ، ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [الذاريات: ٤٤] يَعْنِي العَذابَ الحالَّ بِهِمُ، المَعْهُودَ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] أيْ: إلَيْها، فَإنَّها نَزَلَتْ بِهِمْ نَهارًا. ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ [الذاريات: ٤٥] أيْ: نُهُوضٍ، فَضْلًا عَنْ دِفاعِ عَذابِ اللَّهِ ﴿وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥] أيْ: مُمْتَنِعِينَ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الذاريات 51:46

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ قُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ [الذاريات: ٤٣] أوِ المَجْرُوراتِ قَبْلُ. وبِالنَّصْبِ مَفْعُولًا لِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ والسِّباقُ، أيْ: وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ، أوْ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ فَأخَذْناهُ أوْ عَلى مَحَلِّ ﴿وفِي مُوسى﴾ [الذاريات: ٣٨] ﴿مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ: مُخالِفِينَ أمْرَ اللَّهِ، خارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ.

الذاريات 51:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٤٨] ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ أيْ: رَفَعْناها بِقُوَّةٍ ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ: لَقادِرُونَ عَلى (p-٥٥٣٥)الإيساعِ، كَما أوْسَعْنا بِناءَها. ﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾ [الذاريات: ٤٨] أيْ: مَهَّدْناها لِيَتَمَتَّعُوا بِها ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] أيْ: لَهم. وفي إيثارِ صِيغَةِ فاعِلٍ مِن: (مَهَدَ) عَلى فَرْشٍ، إشارَةً إلى أنَّ مِنَ المَوادِّ ما تَخْتَلِفُ صِيغَتُهُ في النَّظْمِ فِعْلًا واسِمًا، فَيَكُونُ في أحَدِهِما أرَقَّ وألْطَفَ وأفْصَحَ، فَيُؤْثَرُ عَلى غَيْرِهِ في ظَرْفٍ، ويُؤْثَرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ في آخَرَ، والمَرْجِعُ الذَّوْقُ، كَما بَسَطَهُ ابْنُ خَلْدُونَ وابْنُ الأثِيرِ.

الذاريات 51:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٤٨] ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ أيْ: رَفَعْناها بِقُوَّةٍ ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ: لَقادِرُونَ عَلى (p-٥٥٣٥)الإيساعِ، كَما أوْسَعْنا بِناءَها. ﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾ [الذاريات: ٤٨] أيْ: مَهَّدْناها لِيَتَمَتَّعُوا بِها ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] أيْ: لَهم. وفي إيثارِ صِيغَةِ فاعِلٍ مِن: (مَهَدَ) عَلى فَرْشٍ، إشارَةً إلى أنَّ مِنَ المَوادِّ ما تَخْتَلِفُ صِيغَتُهُ في النَّظْمِ فِعْلًا واسِمًا، فَيَكُونُ في أحَدِهِما أرَقَّ وألْطَفَ وأفْصَحَ، فَيُؤْثَرُ عَلى غَيْرِهِ في ظَرْفٍ، ويُؤْثَرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ في آخَرَ، والمَرْجِعُ الذَّوْقُ، كَما بَسَطَهُ ابْنُ خَلْدُونَ وابْنُ الأثِيرِ.

الذاريات 51:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩] ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: ذَكَرًا وأُنْثى، أوْ نَوْعَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ أزْواجٌ: سَماءٌ وأرْضٌ، لَيْلٌ ونَهارٌ، شَمْسٌ وقَمَرٌ، وبَرٌّ وبَحْرٌ، وضِياءٌ وظَلامٌ، وإيمانٌ وكُفْرٌ، وحَياةٌ ومَوْتٌ، وشَقاءٌ وسَعادَةٌ، وجَنَّةٌ ونارٌ. حَتّى الحَيَواناتُ والنَّباتاتُ. انْتَهى. وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ في تَأْيِيدِ تَفْسِيرِ مُجاهِدٍ، وعِبارَةُ ابْنِ جَرِيرٍ: وأوْلى القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ قَوْلُ مُجاهِدٍ: وهو أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَ لِكُلِّ ما خَلَقَ مِن خَلْقِهِ ثانِيًا لَهُ مُخالِفًا في مَعْناهُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ لِلْآخَرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: (خَلَقْنا زَوْجَيْنِ)، وإنَّما نَبَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ " خَلْقِهِ " عَلى قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ ما يَشاءُ، وأنَّهُ لَيْسَ كالأشْياءِ الَّتِي شَأْنُها فِعْلُ نَوْعٍ واحِدٍ دُونَ خِلافِهِ، إذْ كُلُّ ما صِفَتُهُ فِعْلُ نَوْعٍ واحِدٍ دُونَ ما عَداهُ، كالنّارِ الَّتِي شَأْنُها التَّسْخِينُ ولا تَصْلُحُ لِلتَّبْرِيدِ، وكالثَّلْجِ الَّذِي شَأْنُهُ التَّبْرِيدُ ولا يَصْلُحُ لِلتَّسْخِينِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِالكَمالِ، وإنَّما كَمالُ المَدْحِ لِلْقادِرِ عَلى فِعْلِ كُلِّ ما شاءَ فِعْلَهُ مِنَ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ والمُتَّفِقَةِ. انْتَهى. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لِتَذَكَّرُوا وتَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ، فَتَعْلَمُوا (p-٥٥٣٦)أيُّها المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ أنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ العِبادَةَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ وخِلافِهِ، وابْتِداعِ زَوْجَيْنِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، لا ما لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.

الذاريات 51:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٠] ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: فِرُّوا مِن عِقابِهِ إلى رَحْمَتِهِ بِالإيمانِ بِهِ واتِّباعِ أمْرِهِ والعَمَلِ بِطاعَتِهِ. قالَ الشِّهابُ: الأمْرُ بِالفِرارِ مِنَ العِقابِ، المُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، لِأنَّهُ لِأمْنِهِ مِنَ العِقابِ بِالطّاعَةِ كَأنَّهُ فَرَّ لِمَأْمَنِهِ، فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. ﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: أُنْذِرُكم عِقابَهُ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ الَّذِي أحَلَّهُ بِهَؤُلاءِ الأُمَمِ الَّذِينَ قَصَّ عَلَيْكم قَصَصَهُمْ، والَّذِي هو مُذِيقُهم في الآخِرَةِ.

الذاريات 51:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: قَدْ أبانَ النِّذارَةَ، قالَ أبُو السُّعُودِ: وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِالفِرارِ مِنَ العِقابِ إلَيْهِ تَعالى، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ -كَما قِيلَ- بَلْ بِالنَّهْيِ عَنْ سَبَبِهِ، وإيجابِ الفِرارِ مِنهُ.

الذاريات 51:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٢_٥٣_٥٤] ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما ذَكَرَ مِن تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ ساحِرًا أوْ مَجْنُونًا (p-٥٥٣٧)﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي تَقْلِيدًا لِآبائِهِمْ واقْتِداءً لِآثارِهِمْ، فَمَوْرِدُ جَهالَتِهِمْ مُؤْتَلِفٌ، ومَشْرُوعُ تَعَنُّتِهِمْ مُتَّحِدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ وإجْماعِهِمْ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ، فَضْلًا عَنِ التَّفَوُّهِ بِها، أيْ: أأوْصى بِهَذا القَوْلِ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ مَدارِ اتِّفاقِهِمْ عَلى الشَّرِّ تَواصِيهِمْ بِذَلِكَ، وإثْباتٌ لِكَوْنِهِ أمْرًا أقْبَحَ مِنَ التَّواصِي وأشْنَعَ مِنهُ مِنَ الطُّغْيانِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ، الدّالِّ عَلى أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، بِمُقْتَضى جِبِلَّتِهِ الخَبِيثَةِ، لا بِمُوجِبِ وصِيَّةِ مَن قَبْلَهم بِذَلِكَ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: أعْرِضْ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ بِالأسْوَأِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: في إعْراضِهِمْ، إذْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ولا مُسَيْطِرٍ، وما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ هُنا – ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: فَأعْرِضْ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ، بَعْدَ ما كَرَّرْتَ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةَ- بَعِيدٌ عَنِ المَعْنى بِمَراحِلَ؛ لِأنَّ مُجادَلَتَهم مِمّا كانَ مَأْمُورًا بِها عَلى المَدى، لِأنَّها العامِلُ الأكْبَرُ لِإظْهارِ الحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] وكَذا قَوْلُ البَعْضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: في إعْراضِكَ بَعْدَ ما بَلَّغْتَ، فَإنَّهُ مُنافٍ لِلْأمْرِ بِالذِّكْرى بَعْدُ. فالصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، لِأنَّهُ المُحاكِي لِنَظائِرِها. وأعْقَدُ التَّفاسِيرِ ما كانَ بِالأشْباهِ والنَّظائِرِ -كَما قِيلَ- وخَيْرُ ما فَسَّرْتَهُ بِالوارِدِ. (p-٥٥٣٨)

الذاريات 51:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٢_٥٣_٥٤] ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما ذَكَرَ مِن تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ ساحِرًا أوْ مَجْنُونًا (p-٥٥٣٧)﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي تَقْلِيدًا لِآبائِهِمْ واقْتِداءً لِآثارِهِمْ، فَمَوْرِدُ جَهالَتِهِمْ مُؤْتَلِفٌ، ومَشْرُوعُ تَعَنُّتِهِمْ مُتَّحِدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ وإجْماعِهِمْ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ، فَضْلًا عَنِ التَّفَوُّهِ بِها، أيْ: أأوْصى بِهَذا القَوْلِ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ مَدارِ اتِّفاقِهِمْ عَلى الشَّرِّ تَواصِيهِمْ بِذَلِكَ، وإثْباتٌ لِكَوْنِهِ أمْرًا أقْبَحَ مِنَ التَّواصِي وأشْنَعَ مِنهُ مِنَ الطُّغْيانِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ، الدّالِّ عَلى أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، بِمُقْتَضى جِبِلَّتِهِ الخَبِيثَةِ، لا بِمُوجِبِ وصِيَّةِ مَن قَبْلَهم بِذَلِكَ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: أعْرِضْ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ بِالأسْوَأِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: في إعْراضِهِمْ، إذْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ولا مُسَيْطِرٍ، وما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ هُنا – ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: فَأعْرِضْ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ، بَعْدَ ما كَرَّرْتَ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةَ- بَعِيدٌ عَنِ المَعْنى بِمَراحِلَ؛ لِأنَّ مُجادَلَتَهم مِمّا كانَ مَأْمُورًا بِها عَلى المَدى، لِأنَّها العامِلُ الأكْبَرُ لِإظْهارِ الحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] وكَذا قَوْلُ البَعْضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: في إعْراضِكَ بَعْدَ ما بَلَّغْتَ، فَإنَّهُ مُنافٍ لِلْأمْرِ بِالذِّكْرى بَعْدُ. فالصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، لِأنَّهُ المُحاكِي لِنَظائِرِها. وأعْقَدُ التَّفاسِيرِ ما كانَ بِالأشْباهِ والنَّظائِرِ -كَما قِيلَ- وخَيْرُ ما فَسَّرْتَهُ بِالوارِدِ. (p-٥٥٣٨)

الذاريات 51:54

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٢_٥٣_٥٤] ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما ذَكَرَ مِن تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ ساحِرًا أوْ مَجْنُونًا (p-٥٥٣٧)﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي تَقْلِيدًا لِآبائِهِمْ واقْتِداءً لِآثارِهِمْ، فَمَوْرِدُ جَهالَتِهِمْ مُؤْتَلِفٌ، ومَشْرُوعُ تَعَنُّتِهِمْ مُتَّحِدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ وإجْماعِهِمْ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ، فَضْلًا عَنِ التَّفَوُّهِ بِها، أيْ: أأوْصى بِهَذا القَوْلِ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ مَدارِ اتِّفاقِهِمْ عَلى الشَّرِّ تَواصِيهِمْ بِذَلِكَ، وإثْباتٌ لِكَوْنِهِ أمْرًا أقْبَحَ مِنَ التَّواصِي وأشْنَعَ مِنهُ مِنَ الطُّغْيانِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ، الدّالِّ عَلى أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، بِمُقْتَضى جِبِلَّتِهِ الخَبِيثَةِ، لا بِمُوجِبِ وصِيَّةِ مَن قَبْلَهم بِذَلِكَ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: أعْرِضْ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ بِالأسْوَأِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: في إعْراضِهِمْ، إذْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ولا مُسَيْطِرٍ، وما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ هُنا – ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: فَأعْرِضْ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ، بَعْدَ ما كَرَّرْتَ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةَ- بَعِيدٌ عَنِ المَعْنى بِمَراحِلَ؛ لِأنَّ مُجادَلَتَهم مِمّا كانَ مَأْمُورًا بِها عَلى المَدى، لِأنَّها العامِلُ الأكْبَرُ لِإظْهارِ الحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] وكَذا قَوْلُ البَعْضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] أيْ: في إعْراضِكَ بَعْدَ ما بَلَّغْتَ، فَإنَّهُ مُنافٍ لِلْأمْرِ بِالذِّكْرى بَعْدُ. فالصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، لِأنَّهُ المُحاكِي لِنَظائِرِها. وأعْقَدُ التَّفاسِيرِ ما كانَ بِالأشْباهِ والنَّظائِرِ -كَما قِيلَ- وخَيْرُ ما فَسَّرْتَهُ بِالوارِدِ. (p-٥٥٣٨)

الذاريات 51:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٥] ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْهم ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مَن قَدَّرَ اللَّهُ إيمانَهُ، أوِ الَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ مِنَ الخَلْقِ، لا مِن سِواهُمْ؛ إذْ هُمُ العابِدُونَ.

الذاريات 51:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦] ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ: لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، وهي عِبادَتُهُ تَعالى بِما أمَرَ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ؛ إذْ لا يَتِمُّ صَلاحٌ ولا تُنالُ سَعادَةٌ في الدّارَيْنِ إلّا بِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

الذاريات 51:57

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٥٨] ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] بَيانٌ لِعَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ شَأْنَهُ مَعَ عَبِيدِهِ لا يُقاسُ بِهِ شَأْنُ عَبِيدِ الخَلْقِ مَعَهُمْ، فَإنَّ عَبِيدَهم مَطْلُوبُونَ بِالخِدْمَةِ والتَّكَسُّبِ لِلسّادَةِ، وبِواسِطَةِ كاسِبِ عَبِيدِهِمْ، قَدَّرَ أرْزاقَهم واللَّهُ تَعالى لا يَطْلُبُ مِن عِبادِهِ رِزْقًا ولا إطْعامًا، بَلْ هو الَّذِي يَرْزُقُهُمْ، وإنَّما يَطْلُبُ مِنهم عِبادَتَهُ لِيَصْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ إلى ما خُلِقُوا لِأجْلِهِ.

الذاريات 51:58

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٥٨] ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] بَيانٌ لِعَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ شَأْنَهُ مَعَ عَبِيدِهِ لا يُقاسُ بِهِ شَأْنُ عَبِيدِ الخَلْقِ مَعَهُمْ، فَإنَّ عَبِيدَهم مَطْلُوبُونَ بِالخِدْمَةِ والتَّكَسُّبِ لِلسّادَةِ، وبِواسِطَةِ كاسِبِ عَبِيدِهِمْ، قَدَّرَ أرْزاقَهم واللَّهُ تَعالى لا يَطْلُبُ مِن عِبادِهِ رِزْقًا ولا إطْعامًا، بَلْ هو الَّذِي يَرْزُقُهُمْ، وإنَّما يَطْلُبُ مِنهم عِبادَتَهُ لِيَصْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ إلى ما خُلِقُوا لِأجْلِهِ.

الذاريات 51:59

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٩] ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، (p-٥٥٣٩)والإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ والبَغْيِ والفَسادِ، ﴿ذَنُوبًا﴾ أيْ: نَصِيبًا وافِرًا مِنَ العَذابِ، ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ أيْ: مِثْلَ أنْصِباءِ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَحْكِيَّةِ. وأصْلُ (الذَّنُوبَ) الدَّلْوُ العَظِيمَةُ المُمْتَلِئَةُ ماءً، أوِ القَرِيبَةُ مِن الِامْتِلاءِ. وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، فاسْتُعِيرَتْ لِلنَّصِيبِ مُطْلَقًا، شَرًّا كالنَّصِيبِ مِنَ العَذابِ في الآيَةِ، أوْ خَيْرًا كَما في العَطاءِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ شاسٍ: ؎وفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِن مُقاسَمَةِ السُّقاةِ الماءَ بِالذَّنُوبِ، فَيُعْطى لِهَذا ذَنُوبٌ، ولِآخَرَ مِثْلُهُ. ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ: لا يَطْلُبُوا مِنِّي أنْ أُعَجِّلَ بِهِ قَبْلَ أجَلِهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ آتِيهِمْ، ولَكِنْ في حِينِهِ المُؤَخَّرِ لِحِكْمَةٍ.

الذاريات 51:60

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أيْ: أُوعِدُوا فِيهِ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ، ماذا يَلْقَوْنَ فِيهِ مِنَ البَلاءِ والجُهْدِ. و(اليَوْمُ) إمّا يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ بَدْرٍ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِما في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ الآتِيَةِ. والثّانِي هو الأوْفَقُ لِما قَبْلَهُ، مِن حَيْثُ إنَّهُما مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.