Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الطور 52:1 – النجم 53:62
المحتويات
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:8
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:11
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:3
- النجم 53:4
- النجم 53:5
- النجم 53:6
- النجم 53:7
- النجم 53:8
- النجم 53:9
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:15
- النجم 53:16
- النجم 53:17
- النجم 53:18
- النجم 53:19
- النجم 53:20
- النجم 53:21
- النجم 53:22
- النجم 53:23
- النجم 53:24
- النجم 53:25
- النجم 53:26
- النجم 53:27
- النجم 53:28
- النجم 53:29
- النجم 53:30
- النجم 53:31
- النجم 53:32
- النجم 53:33
- النجم 53:34
- النجم 53:35
- النجم 53:36
- النجم 53:37
- النجم 53:38
- النجم 53:39
- النجم 53:40
- النجم 53:41
- النجم 53:42
- النجم 53:43
- النجم 53:44
- النجم 53:45
- النجم 53:46
- النجم 53:47
- النجم 53:48
- النجم 53:49
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:52
- النجم 53:53
- النجم 53:54
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- النجم 53:58
- النجم 53:59
- النجم 53:60
- النجم 53:61
- النجم 53:62
الطور 52:1
(p-٥٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ تَعْظِيمَ مَهْبِطِ الوَحْيِ، فالوَحْيُ أوْلى بِالتَّعْظِيمِ، فَيَعْظُمُ الِاهْتِمامُ بِالعَمَلِ، لا سِيَّما وقَدْ عَظُمَ مِصْعَدُ العَمَلِ وثَمَرَتُهُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعٌ وأرْبَعُونَ.
رَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطَّوْرِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ».
ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «شَكَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أشْتَكِي! فَقالَ: طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ. فَطُفْتُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ».
(p-٥٥٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] .
﴿والطُّورِ﴾ أيْ: طُورِ سِينِينَ: جَبَلٌ بِمَدْيَنَ، سَمِعَ فِيهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وانْدَكَّ بِنُورِ تَجَلِّيهِ تَعالى.
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: مَكْتُوبٍ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ.
﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: وكِتابٌ سُطِّرَ في ورَقٍ مَنشُورٍ يُقْرَأُ عَلى النّاسِ جِهارًا، و(الرَّقُّ) الصَّحِيفَةُ أوِ الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ.
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] أيِ: الَّذِي يُعْمَرُ بِكَثْرَةِ غاشِيَتِهِ، وهو الكَعْبَةُ المَعْمُورَةُ بِالحُجّاجِ والعُمّارِ والطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والمُجاوِرِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ بِحِيالِ الكَعْبَةِ مِنَ الأرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبْدًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ يُناسِبُ ما جاءَ في سُورَةِ (التِّينِ) مِن عَطْفِ البَلَدِ الأمِينِ عَلى طُورِ سِينِينَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِتَشابُهِ آياتِهِ وتَماثُلِها كَثِيرًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ بَلاغَةُ الأُسْلُوبِ.
(p-٥٥٤٢)قالَ المَهايِمِيُّ: أوْرَدَهُ بَعْدَ الكِتابِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ أعْظَمِ الأعْمالِ المَقْصُودَةِ مِنهُ، ولِأنَّهُ مَظْهَرُ الوَحْيِ ومَصْدَرُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُهْداةِ لِلْعالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ أجَلُّ الآياتِ وأكْبَرُها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وآياتٌ أُخَرُ.
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يَعْنِي السَّماءَ؛ وجَعَلَها سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كَسَماءِ البَيْتِ الَّذِي هو سَقْفُهُ.
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أيِ: المَمْلُوءِ، أوِ الَّذِي يُوقَدُ أيْ: يَصِيرُ نارًا. كَقَوْلِهِ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، أعْنِي: أنَّ مَعْناهُ البَحْرُ المَمْلُوءُ المَجْمُوعُ ماؤُهُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ مَعانِي (السَّجْرِ) الإيقادُ أوْ الِامْتِلاءُ، فَإذا كانَ البَحْرُ غَيْرَ مُوقَدٍ اليَوْمَ، ثَبَتَتْ لَهُ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهو الِامْتِلاءُ، لِأنَّهُ كُلَّ وقْتٍ مُمْتَلِئٌ، ولا تَنْسَ ما قَدَّمْناهُ في أوائِلِ (الذّارِياتِ) مِن أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ كُلَّها دَلائِلُ أُخْرِجَتْ في صُورَةِ الإيمانِ.
الطور 52:2
(p-٥٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ تَعْظِيمَ مَهْبِطِ الوَحْيِ، فالوَحْيُ أوْلى بِالتَّعْظِيمِ، فَيَعْظُمُ الِاهْتِمامُ بِالعَمَلِ، لا سِيَّما وقَدْ عَظُمَ مِصْعَدُ العَمَلِ وثَمَرَتُهُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعٌ وأرْبَعُونَ.
رَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطَّوْرِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ».
ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «شَكَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أشْتَكِي! فَقالَ: طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ. فَطُفْتُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ».
(p-٥٥٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] .
﴿والطُّورِ﴾ أيْ: طُورِ سِينِينَ: جَبَلٌ بِمَدْيَنَ، سَمِعَ فِيهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وانْدَكَّ بِنُورِ تَجَلِّيهِ تَعالى.
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: مَكْتُوبٍ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ.
﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: وكِتابٌ سُطِّرَ في ورَقٍ مَنشُورٍ يُقْرَأُ عَلى النّاسِ جِهارًا، و(الرَّقُّ) الصَّحِيفَةُ أوِ الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ.
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] أيِ: الَّذِي يُعْمَرُ بِكَثْرَةِ غاشِيَتِهِ، وهو الكَعْبَةُ المَعْمُورَةُ بِالحُجّاجِ والعُمّارِ والطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والمُجاوِرِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ بِحِيالِ الكَعْبَةِ مِنَ الأرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبْدًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ يُناسِبُ ما جاءَ في سُورَةِ (التِّينِ) مِن عَطْفِ البَلَدِ الأمِينِ عَلى طُورِ سِينِينَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِتَشابُهِ آياتِهِ وتَماثُلِها كَثِيرًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ بَلاغَةُ الأُسْلُوبِ.
(p-٥٥٤٢)قالَ المَهايِمِيُّ: أوْرَدَهُ بَعْدَ الكِتابِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ أعْظَمِ الأعْمالِ المَقْصُودَةِ مِنهُ، ولِأنَّهُ مَظْهَرُ الوَحْيِ ومَصْدَرُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُهْداةِ لِلْعالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ أجَلُّ الآياتِ وأكْبَرُها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وآياتٌ أُخَرُ.
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يَعْنِي السَّماءَ؛ وجَعَلَها سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كَسَماءِ البَيْتِ الَّذِي هو سَقْفُهُ.
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أيِ: المَمْلُوءِ، أوِ الَّذِي يُوقَدُ أيْ: يَصِيرُ نارًا. كَقَوْلِهِ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، أعْنِي: أنَّ مَعْناهُ البَحْرُ المَمْلُوءُ المَجْمُوعُ ماؤُهُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ مَعانِي (السَّجْرِ) الإيقادُ أوْ الِامْتِلاءُ، فَإذا كانَ البَحْرُ غَيْرَ مُوقَدٍ اليَوْمَ، ثَبَتَتْ لَهُ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهو الِامْتِلاءُ، لِأنَّهُ كُلَّ وقْتٍ مُمْتَلِئٌ، ولا تَنْسَ ما قَدَّمْناهُ في أوائِلِ (الذّارِياتِ) مِن أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ كُلَّها دَلائِلُ أُخْرِجَتْ في صُورَةِ الإيمانِ.
الطور 52:3
(p-٥٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ تَعْظِيمَ مَهْبِطِ الوَحْيِ، فالوَحْيُ أوْلى بِالتَّعْظِيمِ، فَيَعْظُمُ الِاهْتِمامُ بِالعَمَلِ، لا سِيَّما وقَدْ عَظُمَ مِصْعَدُ العَمَلِ وثَمَرَتُهُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعٌ وأرْبَعُونَ.
رَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطَّوْرِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ».
ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «شَكَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أشْتَكِي! فَقالَ: طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ. فَطُفْتُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ».
(p-٥٥٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] .
﴿والطُّورِ﴾ أيْ: طُورِ سِينِينَ: جَبَلٌ بِمَدْيَنَ، سَمِعَ فِيهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وانْدَكَّ بِنُورِ تَجَلِّيهِ تَعالى.
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: مَكْتُوبٍ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ.
﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: وكِتابٌ سُطِّرَ في ورَقٍ مَنشُورٍ يُقْرَأُ عَلى النّاسِ جِهارًا، و(الرَّقُّ) الصَّحِيفَةُ أوِ الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ.
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] أيِ: الَّذِي يُعْمَرُ بِكَثْرَةِ غاشِيَتِهِ، وهو الكَعْبَةُ المَعْمُورَةُ بِالحُجّاجِ والعُمّارِ والطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والمُجاوِرِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ بِحِيالِ الكَعْبَةِ مِنَ الأرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبْدًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ يُناسِبُ ما جاءَ في سُورَةِ (التِّينِ) مِن عَطْفِ البَلَدِ الأمِينِ عَلى طُورِ سِينِينَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِتَشابُهِ آياتِهِ وتَماثُلِها كَثِيرًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ بَلاغَةُ الأُسْلُوبِ.
(p-٥٥٤٢)قالَ المَهايِمِيُّ: أوْرَدَهُ بَعْدَ الكِتابِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ أعْظَمِ الأعْمالِ المَقْصُودَةِ مِنهُ، ولِأنَّهُ مَظْهَرُ الوَحْيِ ومَصْدَرُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُهْداةِ لِلْعالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ أجَلُّ الآياتِ وأكْبَرُها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وآياتٌ أُخَرُ.
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يَعْنِي السَّماءَ؛ وجَعَلَها سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كَسَماءِ البَيْتِ الَّذِي هو سَقْفُهُ.
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أيِ: المَمْلُوءِ، أوِ الَّذِي يُوقَدُ أيْ: يَصِيرُ نارًا. كَقَوْلِهِ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، أعْنِي: أنَّ مَعْناهُ البَحْرُ المَمْلُوءُ المَجْمُوعُ ماؤُهُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ مَعانِي (السَّجْرِ) الإيقادُ أوْ الِامْتِلاءُ، فَإذا كانَ البَحْرُ غَيْرَ مُوقَدٍ اليَوْمَ، ثَبَتَتْ لَهُ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهو الِامْتِلاءُ، لِأنَّهُ كُلَّ وقْتٍ مُمْتَلِئٌ، ولا تَنْسَ ما قَدَّمْناهُ في أوائِلِ (الذّارِياتِ) مِن أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ كُلَّها دَلائِلُ أُخْرِجَتْ في صُورَةِ الإيمانِ.
الطور 52:4
(p-٥٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ تَعْظِيمَ مَهْبِطِ الوَحْيِ، فالوَحْيُ أوْلى بِالتَّعْظِيمِ، فَيَعْظُمُ الِاهْتِمامُ بِالعَمَلِ، لا سِيَّما وقَدْ عَظُمَ مِصْعَدُ العَمَلِ وثَمَرَتُهُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعٌ وأرْبَعُونَ.
رَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطَّوْرِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ».
ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «شَكَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أشْتَكِي! فَقالَ: طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ. فَطُفْتُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ».
(p-٥٥٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] .
﴿والطُّورِ﴾ أيْ: طُورِ سِينِينَ: جَبَلٌ بِمَدْيَنَ، سَمِعَ فِيهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وانْدَكَّ بِنُورِ تَجَلِّيهِ تَعالى.
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: مَكْتُوبٍ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ.
﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: وكِتابٌ سُطِّرَ في ورَقٍ مَنشُورٍ يُقْرَأُ عَلى النّاسِ جِهارًا، و(الرَّقُّ) الصَّحِيفَةُ أوِ الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ.
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] أيِ: الَّذِي يُعْمَرُ بِكَثْرَةِ غاشِيَتِهِ، وهو الكَعْبَةُ المَعْمُورَةُ بِالحُجّاجِ والعُمّارِ والطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والمُجاوِرِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ بِحِيالِ الكَعْبَةِ مِنَ الأرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبْدًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ يُناسِبُ ما جاءَ في سُورَةِ (التِّينِ) مِن عَطْفِ البَلَدِ الأمِينِ عَلى طُورِ سِينِينَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِتَشابُهِ آياتِهِ وتَماثُلِها كَثِيرًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ بَلاغَةُ الأُسْلُوبِ.
(p-٥٥٤٢)قالَ المَهايِمِيُّ: أوْرَدَهُ بَعْدَ الكِتابِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ أعْظَمِ الأعْمالِ المَقْصُودَةِ مِنهُ، ولِأنَّهُ مَظْهَرُ الوَحْيِ ومَصْدَرُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُهْداةِ لِلْعالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ أجَلُّ الآياتِ وأكْبَرُها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وآياتٌ أُخَرُ.
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يَعْنِي السَّماءَ؛ وجَعَلَها سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كَسَماءِ البَيْتِ الَّذِي هو سَقْفُهُ.
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أيِ: المَمْلُوءِ، أوِ الَّذِي يُوقَدُ أيْ: يَصِيرُ نارًا. كَقَوْلِهِ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، أعْنِي: أنَّ مَعْناهُ البَحْرُ المَمْلُوءُ المَجْمُوعُ ماؤُهُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ مَعانِي (السَّجْرِ) الإيقادُ أوْ الِامْتِلاءُ، فَإذا كانَ البَحْرُ غَيْرَ مُوقَدٍ اليَوْمَ، ثَبَتَتْ لَهُ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهو الِامْتِلاءُ، لِأنَّهُ كُلَّ وقْتٍ مُمْتَلِئٌ، ولا تَنْسَ ما قَدَّمْناهُ في أوائِلِ (الذّارِياتِ) مِن أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ كُلَّها دَلائِلُ أُخْرِجَتْ في صُورَةِ الإيمانِ.
الطور 52:5
(p-٥٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ تَعْظِيمَ مَهْبِطِ الوَحْيِ، فالوَحْيُ أوْلى بِالتَّعْظِيمِ، فَيَعْظُمُ الِاهْتِمامُ بِالعَمَلِ، لا سِيَّما وقَدْ عَظُمَ مِصْعَدُ العَمَلِ وثَمَرَتُهُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعٌ وأرْبَعُونَ.
رَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطَّوْرِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ».
ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «شَكَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أشْتَكِي! فَقالَ: طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ. فَطُفْتُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ».
(p-٥٥٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] .
﴿والطُّورِ﴾ أيْ: طُورِ سِينِينَ: جَبَلٌ بِمَدْيَنَ، سَمِعَ فِيهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وانْدَكَّ بِنُورِ تَجَلِّيهِ تَعالى.
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: مَكْتُوبٍ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ.
﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: وكِتابٌ سُطِّرَ في ورَقٍ مَنشُورٍ يُقْرَأُ عَلى النّاسِ جِهارًا، و(الرَّقُّ) الصَّحِيفَةُ أوِ الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ.
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] أيِ: الَّذِي يُعْمَرُ بِكَثْرَةِ غاشِيَتِهِ، وهو الكَعْبَةُ المَعْمُورَةُ بِالحُجّاجِ والعُمّارِ والطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والمُجاوِرِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ بِحِيالِ الكَعْبَةِ مِنَ الأرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبْدًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ يُناسِبُ ما جاءَ في سُورَةِ (التِّينِ) مِن عَطْفِ البَلَدِ الأمِينِ عَلى طُورِ سِينِينَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِتَشابُهِ آياتِهِ وتَماثُلِها كَثِيرًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ بَلاغَةُ الأُسْلُوبِ.
(p-٥٥٤٢)قالَ المَهايِمِيُّ: أوْرَدَهُ بَعْدَ الكِتابِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ أعْظَمِ الأعْمالِ المَقْصُودَةِ مِنهُ، ولِأنَّهُ مَظْهَرُ الوَحْيِ ومَصْدَرُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُهْداةِ لِلْعالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ أجَلُّ الآياتِ وأكْبَرُها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وآياتٌ أُخَرُ.
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يَعْنِي السَّماءَ؛ وجَعَلَها سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كَسَماءِ البَيْتِ الَّذِي هو سَقْفُهُ.
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أيِ: المَمْلُوءِ، أوِ الَّذِي يُوقَدُ أيْ: يَصِيرُ نارًا. كَقَوْلِهِ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، أعْنِي: أنَّ مَعْناهُ البَحْرُ المَمْلُوءُ المَجْمُوعُ ماؤُهُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ مَعانِي (السَّجْرِ) الإيقادُ أوْ الِامْتِلاءُ، فَإذا كانَ البَحْرُ غَيْرَ مُوقَدٍ اليَوْمَ، ثَبَتَتْ لَهُ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهو الِامْتِلاءُ، لِأنَّهُ كُلَّ وقْتٍ مُمْتَلِئٌ، ولا تَنْسَ ما قَدَّمْناهُ في أوائِلِ (الذّارِياتِ) مِن أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ كُلَّها دَلائِلُ أُخْرِجَتْ في صُورَةِ الإيمانِ.
الطور 52:6
(p-٥٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ تَعْظِيمَ مَهْبِطِ الوَحْيِ، فالوَحْيُ أوْلى بِالتَّعْظِيمِ، فَيَعْظُمُ الِاهْتِمامُ بِالعَمَلِ، لا سِيَّما وقَدْ عَظُمَ مِصْعَدُ العَمَلِ وثَمَرَتُهُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعٌ وأرْبَعُونَ.
رَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطَّوْرِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ».
ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «شَكَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أشْتَكِي! فَقالَ: طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ. فَطُفْتُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ».
(p-٥٥٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] .
﴿والطُّورِ﴾ أيْ: طُورِ سِينِينَ: جَبَلٌ بِمَدْيَنَ، سَمِعَ فِيهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وانْدَكَّ بِنُورِ تَجَلِّيهِ تَعالى.
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: مَكْتُوبٍ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ.
﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: وكِتابٌ سُطِّرَ في ورَقٍ مَنشُورٍ يُقْرَأُ عَلى النّاسِ جِهارًا، و(الرَّقُّ) الصَّحِيفَةُ أوِ الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ.
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] أيِ: الَّذِي يُعْمَرُ بِكَثْرَةِ غاشِيَتِهِ، وهو الكَعْبَةُ المَعْمُورَةُ بِالحُجّاجِ والعُمّارِ والطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والمُجاوِرِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ بِحِيالِ الكَعْبَةِ مِنَ الأرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبْدًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ يُناسِبُ ما جاءَ في سُورَةِ (التِّينِ) مِن عَطْفِ البَلَدِ الأمِينِ عَلى طُورِ سِينِينَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِتَشابُهِ آياتِهِ وتَماثُلِها كَثِيرًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ بَلاغَةُ الأُسْلُوبِ.
(p-٥٥٤٢)قالَ المَهايِمِيُّ: أوْرَدَهُ بَعْدَ الكِتابِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ أعْظَمِ الأعْمالِ المَقْصُودَةِ مِنهُ، ولِأنَّهُ مَظْهَرُ الوَحْيِ ومَصْدَرُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُهْداةِ لِلْعالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ أجَلُّ الآياتِ وأكْبَرُها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وآياتٌ أُخَرُ.
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يَعْنِي السَّماءَ؛ وجَعَلَها سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كَسَماءِ البَيْتِ الَّذِي هو سَقْفُهُ.
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أيِ: المَمْلُوءِ، أوِ الَّذِي يُوقَدُ أيْ: يَصِيرُ نارًا. كَقَوْلِهِ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، أعْنِي: أنَّ مَعْناهُ البَحْرُ المَمْلُوءُ المَجْمُوعُ ماؤُهُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ مَعانِي (السَّجْرِ) الإيقادُ أوْ الِامْتِلاءُ، فَإذا كانَ البَحْرُ غَيْرَ مُوقَدٍ اليَوْمَ، ثَبَتَتْ لَهُ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهو الِامْتِلاءُ، لِأنَّهُ كُلَّ وقْتٍ مُمْتَلِئٌ، ولا تَنْسَ ما قَدَّمْناهُ في أوائِلِ (الذّارِياتِ) مِن أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ كُلَّها دَلائِلُ أُخْرِجَتْ في صُورَةِ الإيمانِ.
الطور 52:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
الطور 52:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الفَواكِهِ الكَثِيرَةِ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] جَمْعُ عَيْناءَ وهي الواسِعَةُ العَيْنِ، في حُسْنٍ.
الطور 52:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الفَواكِهِ الكَثِيرَةِ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] جَمْعُ عَيْناءَ وهي الواسِعَةُ العَيْنِ، في حُسْنٍ.
الطور 52:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الفَواكِهِ الكَثِيرَةِ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] جَمْعُ عَيْناءَ وهي الواسِعَةُ العَيْنِ، في حُسْنٍ.
الطور 52:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الفَواكِهِ الكَثِيرَةِ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] جَمْعُ عَيْناءَ وهي الواسِعَةُ العَيْنِ، في حُسْنٍ.
الطور 52:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾
﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ أيِ: اقْتَفَتْ آثارَهم في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ: في الجَنّاتِ والنَّعِيمِ، والخِطابِ، لِما كانَ مَعَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وهم واثِقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ، تَمَّمَ لَهُمُ البِشارَةَ بِالمَوْعُودِ بِهِ، بِأنَّهُ يَنالُ ذُرِّيَّتَهم أيْضًا، إنِ اتَّبَعُوا آباءَهم بِإحْسانٍ، هَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ. وأمّا مَن قالَ في مَعْناها: إنَّ المُؤْمِنَ تُرْفَعُ لَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَيَلْحَقُونَ بِهِ، إنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ، فَلا تَقْتَضِيهِ الآيَةُ تَصْرِيحًا ولا تَلْوِيحًا، ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وما نَقَصْناهم مِن ثَوابِ عَمَلِهِمْ شَيْئًا ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مُرْتَهِنٌ بِهِ، لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وإنَّما يُعاقَبُ بِذَنْبِ نَفْسِهِ.
(p-٥٥٤٥)
الطور 52:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]
﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ: زِدْناهم وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، ما ذُكِرَ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: يَتَعاطَوْنَ فِيها كَأْسَ الشَّرابِ ويَتَجاذَبُونَها ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: لا يَتَكَلَّمُونَ في أثْناءِ الشُّرْبِ بِسَقْطِ الحَدِيثِ وباطِلِهِ، ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ، كَما كانَ في الدُّنْيا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] أيْ: مَصُونٌ في كِنٍّ، فَهو أنْقى لَهُ، وأصْفى لِبَياضِهِ.
الطور 52:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]
﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ: زِدْناهم وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، ما ذُكِرَ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: يَتَعاطَوْنَ فِيها كَأْسَ الشَّرابِ ويَتَجاذَبُونَها ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: لا يَتَكَلَّمُونَ في أثْناءِ الشُّرْبِ بِسَقْطِ الحَدِيثِ وباطِلِهِ، ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ، كَما كانَ في الدُّنْيا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] أيْ: مَصُونٌ في كِنٍّ، فَهو أنْقى لَهُ، وأصْفى لِبَياضِهِ.
الطور 52:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]
﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ: زِدْناهم وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، ما ذُكِرَ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: يَتَعاطَوْنَ فِيها كَأْسَ الشَّرابِ ويَتَجاذَبُونَها ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: لا يَتَكَلَّمُونَ في أثْناءِ الشُّرْبِ بِسَقْطِ الحَدِيثِ وباطِلِهِ، ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ، كَما كانَ في الدُّنْيا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] أيْ: مَصُونٌ في كِنٍّ، فَهو أنْقى لَهُ، وأصْفى لِبَياضِهِ.
الطور 52:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٨] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَتَجاذَبُونَ أطْرافَ الحَدِيثِ المُفْضِيَةِ إلى شُكْرِ المُنْعِمِ، والتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وذَلِكَ في مُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَمّا مَضى لَهم في الدُّنْيا.
﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] أيْ: خائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] يَعْنِي: عَذابَ النّارِ. وأصْلُ السَّمُومِ الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ؛ فَسُمِّيَتْ بِها نارُ جَهَنَّمَ لِمُشابَهَتِها لَها، وإنْ كانَ وجْهُ الشَّبَهِ في النّارِ أقْوى، لَكِنَّهُ (p-٥٥٤٦)فِي رِيحِ السَّمُومِ لِمُشاهَدَتِهِ في الدُّنْيا أعْرَفُ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: نَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ [الطور: ٢٨] أيِ: المُحْسِنُ بِمَن دَعاهُ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: لِمَن عَبَدَهُ وخافَهُ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ.
الطور 52:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٨] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَتَجاذَبُونَ أطْرافَ الحَدِيثِ المُفْضِيَةِ إلى شُكْرِ المُنْعِمِ، والتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وذَلِكَ في مُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَمّا مَضى لَهم في الدُّنْيا.
﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] أيْ: خائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] يَعْنِي: عَذابَ النّارِ. وأصْلُ السَّمُومِ الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ؛ فَسُمِّيَتْ بِها نارُ جَهَنَّمَ لِمُشابَهَتِها لَها، وإنْ كانَ وجْهُ الشَّبَهِ في النّارِ أقْوى، لَكِنَّهُ (p-٥٥٤٦)فِي رِيحِ السَّمُومِ لِمُشاهَدَتِهِ في الدُّنْيا أعْرَفُ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: نَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ [الطور: ٢٨] أيِ: المُحْسِنُ بِمَن دَعاهُ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: لِمَن عَبَدَهُ وخافَهُ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ.
الطور 52:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٨] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَتَجاذَبُونَ أطْرافَ الحَدِيثِ المُفْضِيَةِ إلى شُكْرِ المُنْعِمِ، والتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وذَلِكَ في مُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَمّا مَضى لَهم في الدُّنْيا.
﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] أيْ: خائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] يَعْنِي: عَذابَ النّارِ. وأصْلُ السَّمُومِ الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ؛ فَسُمِّيَتْ بِها نارُ جَهَنَّمَ لِمُشابَهَتِها لَها، وإنْ كانَ وجْهُ الشَّبَهِ في النّارِ أقْوى، لَكِنَّهُ (p-٥٥٤٦)فِي رِيحِ السَّمُومِ لِمُشاهَدَتِهِ في الدُّنْيا أعْرَفُ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: نَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ [الطور: ٢٨] أيِ: المُحْسِنُ بِمَن دَعاهُ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: لِمَن عَبَدَهُ وخافَهُ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ.
الطور 52:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٨] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَتَجاذَبُونَ أطْرافَ الحَدِيثِ المُفْضِيَةِ إلى شُكْرِ المُنْعِمِ، والتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وذَلِكَ في مُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَمّا مَضى لَهم في الدُّنْيا.
﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] أيْ: خائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] يَعْنِي: عَذابَ النّارِ. وأصْلُ السَّمُومِ الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ؛ فَسُمِّيَتْ بِها نارُ جَهَنَّمَ لِمُشابَهَتِها لَها، وإنْ كانَ وجْهُ الشَّبَهِ في النّارِ أقْوى، لَكِنَّهُ (p-٥٥٤٦)فِي رِيحِ السَّمُومِ لِمُشاهَدَتِهِ في الدُّنْيا أعْرَفُ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: نَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ [الطور: ٢٨] أيِ: المُحْسِنُ بِمَن دَعاهُ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: لِمَن عَبَدَهُ وخافَهُ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ.
الطور 52:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ وعِظْهُمْ، ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ﴾ أيْ: تَتَكَهَّنُ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ ﴿ولا مَجْنُونٍ﴾ أيْ: لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُ عَنْهُ قَوْمَهُ ما أخْبَرَ عَنْهُ، كَما يَعْتَقِدُهُ العَرَبُ في بَعْضِهِمْ، ولَكِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا.
الطور 52:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣١] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١]
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ أيْ: حَوادِثَ الدَّهْرِ أوِ المَوْتَ؛ لِأنَّ المَنُونَ قَدْ يُرادُ بِهِ الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: صُرُوفُهُ. وقَدْ يُرادُ بِهِ المَوْتُ، ورَيْبُهُ نُزُولُهُ.
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] أيْ: حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ فِيكم. والأمْرُ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ والتَّهْدِيدِ.
الطور 52:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣١] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١]
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ أيْ: حَوادِثَ الدَّهْرِ أوِ المَوْتَ؛ لِأنَّ المَنُونَ قَدْ يُرادُ بِهِ الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: صُرُوفُهُ. وقَدْ يُرادُ بِهِ المَوْتُ، ورَيْبُهُ نُزُولُهُ.
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] أيْ: حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ فِيكم. والأمْرُ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ والتَّهْدِيدِ.
الطور 52:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٤] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ: عُقُولُهم بِهَذا التَّناقُضِ في القَوْلِ، أمْ أيْ: بَلْ (p-٥٥٤٧)﴿هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ: مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ، مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣] أيِ: اخْتَلَقَ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] أيْ: لا يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا حَسَدًا وتَقْلِيدًا، فَلِذَلِكَ يَرْمُونَهُ بِتِلْكَ الفِرى.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في الهِدايَةِ بِذاكَ الأُسْلُوبِ الَّذِي مَلَكَ ناصِيَةَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ﴾ [القصص: ٤٩] ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في زَعْمِهِمْ، فَإنَّهم مِن أهْلِ لِسانِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مُضاهاةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في مَيْدانِ التَّساجُلِ والتَّراسُلِ.
الطور 52:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٤] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ: عُقُولُهم بِهَذا التَّناقُضِ في القَوْلِ، أمْ أيْ: بَلْ (p-٥٥٤٧)﴿هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ: مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ، مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣] أيِ: اخْتَلَقَ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] أيْ: لا يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا حَسَدًا وتَقْلِيدًا، فَلِذَلِكَ يَرْمُونَهُ بِتِلْكَ الفِرى.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في الهِدايَةِ بِذاكَ الأُسْلُوبِ الَّذِي مَلَكَ ناصِيَةَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ﴾ [القصص: ٤٩] ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في زَعْمِهِمْ، فَإنَّهم مِن أهْلِ لِسانِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مُضاهاةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في مَيْدانِ التَّساجُلِ والتَّراسُلِ.
الطور 52:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٤] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ: عُقُولُهم بِهَذا التَّناقُضِ في القَوْلِ، أمْ أيْ: بَلْ (p-٥٥٤٧)﴿هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ: مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ، مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣] أيِ: اخْتَلَقَ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] أيْ: لا يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا حَسَدًا وتَقْلِيدًا، فَلِذَلِكَ يَرْمُونَهُ بِتِلْكَ الفِرى.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في الهِدايَةِ بِذاكَ الأُسْلُوبِ الَّذِي مَلَكَ ناصِيَةَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ﴾ [القصص: ٤٩] ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في زَعْمِهِمْ، فَإنَّهم مِن أهْلِ لِسانِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مُضاهاةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في مَيْدانِ التَّساجُلِ والتَّراسُلِ.
الطور 52:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
الطور 52:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾
﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ هَذا جَوابٌ لِمُشْرِكِي (p-٥٥٤٩)قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، ويَقْتَرِحُونَ الآياتِ كَقَوْلِهِمْ:
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ أنَّهم لِشِدَّةِ طُغْيانِهِمْ وعِنادِهِمْ، لَوْ أسْقَطْناهُ عَلَيْهِمْ لَقالُوا: ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، يُمْطِرُنا، ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهُ كِسَفٌ ساقِطٌ لِلْعَذابِ.
الطور 52:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥-٤٦ ] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦]
﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا، ويُلْهِهِمُ الأمَلُ، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيْ: يَمُوتُونَ. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [الطور: ٤٦] أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْهم مَكْرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦]
الطور 52:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥-٤٦ ] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦]
﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا، ويُلْهِهِمُ الأمَلُ، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيْ: يَمُوتُونَ. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [الطور: ٤٦] أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْهم مَكْرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦]
الطور 52:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو إمّا عَذابُ القَبْرِ، أوِ القَحْطُ، أوِ النَّوازِلُ الَّتِي تَذْهَبُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ -أقْوالٌ لِلسَّلَفِ- واللَّفْظُ صادِقٌ بِالجَمِيعِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: سُنَّةَ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ مِنَ الفَجَرَةِ.
الطور 52:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ: الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وامْضِ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وبَلِّغْ رِسالاتِهِ.
(p-٥٥٥٠)﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: بِمَرْأى مِنّا، نَراكَ ونَرى عَمَلَكَ، ونَحْنُ نَحُوطُكَ ونَحْفَظُكَ، فَلا يَصِلُ إلَيْكَ مَن أرادَكَ بِسُوءٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أنَّ العَيْنَ، لَمّا كانَ بِها مِنَ الحِفْظِ والحِراسَةِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ، ولِلْحافِظِ نَفْسِهِ، كَما تُسَمّى (الرَّبِيئَةُ) عَيْنًا، وهو اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ مَشْهُورٌ. ونُكْتَةُ جَمْعِ (العَيْنِ) هُنا وإفْرادِها في قِصَّةِ الكَلِيمِ، عَدا عَنْ أنَّهُ جُمِعَ هُنا لِما أُضِيفَ لِضَمِيرِ الجَمْعِ، ووُحِّدَ ثَمَّةَ لِإضافَتِهِ لِضَمِيرِ الواحِدِ، هو المُبالَغَةُ في الحِفْظِ، حَتّى كَأنَّ مَعَهُ جَماعَةً حَفَظَةً لَهُ بِأعْيُنِهِمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَصْبِيرُ حَبِيبِهِ عَلى المَكايِدِ ومَشاقِّ التَّكالِيفِ والطّاعَةِ؛ فَناسَبَ الجَمْعَ، لِأنَّها أفْعالٌ كَثِيرَةٌ، يَحْتاجُ كُلٌّ مِنهُما إلى حارِسٍ بَلْ حُرّاسٍ. بِخِلافِ ما ذُكِرَ هُناكَ مِن كِلاءَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ: مِن مَنامِكَ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن تَعارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. ثُمَّ قالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي -أوْ قالَ: ثُمَّ دَعا- اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإنْ عَزَمَ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى، قُبِلَتْ صَلاتُهُ»» . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ وأهْلُ السُّنَنِ.
ووَرَدَ مِن أذْكارِ الِاسْتِيقاظِ مِنَ النَّوْمِ قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ القُدُّوسِ. و: لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أسْتَغْفِرُ لِذَنْبِي، وأسْألُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، ولا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنِي، وهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ.
وقِيلَ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ، رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ فِي: (p-٥٥٥١)ابْتِداءِ الصَّلاةِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ، ورَواهُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وغَيْرِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ كانَ «يَقُولُ ذَلِكَ». وعَنْ مُجاهِدٍ: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ. وكَذا قالَ عَطاءٌ وأبُو الأحْوَصِ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ». فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى؟ ! قالَ: «كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ»» !
وقَدْ أفْرَدَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ لِهَذا الحَدِيثِ جُزْءًا عَلى حِدَةٍ، ذَكَرَ فِيهِ طُرُقَهُ وألْفاظَهُ وعِلَلَهُ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ.
ولا يَخْفى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَصْدُقُ بِالمَواضِعِ المَذْكُورَةِ كُلِّها، وتَدُلُّ الأحادِيثُ المَذْكُورَةُ عَلى الأخْذِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ السُّنَّةَ بَيانٌ لِلْكِتابِ الكَرِيمِ.
الطور 52:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أيِ: اذْكُرْهُ واعْبُدْهُ بِالتِّلاوَةِ والصَّلاةِ بِاللَّيْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]
(p-٥٥٥٢)وقَدْ رُوِيَ في أذْكارِ اللَّيْلِ مِنَ التَّسابِيحِ ما هو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ. وقَدْ جَمَعْتُ ذَلِكَ مُعَرًّى عَنْ أسانِيدِها في كِتابِي (الأوْرادُ المَأْثُورَةُ).
﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ: وسَبِّحْهُ وقْتَ إدْبارِها، وذَلِكَ بِمَيْلِها إلى الغُرُوبِ عَنِ الأُفُقِ، بِانْتِشارِ ضَوْءِ الصُّبْحِ، وقَدْ عَنى ذَلِكَ إمّا فَرِيضَةَ الفَجْرِ أوْ نافِلَتَهُ، أوْ ما يَشْمَلُها. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُما الرَّكْعَتانِ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ. وقَدْ ثَبَتَ في (الصَّحِيحَيْنِ) عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: ««لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى شَيْءٍ مِنَ النَّوافِلِ، أشَدَّ تَعاهُدًا مِنهُ عَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ»» . وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ: ««رَكْعَتا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها»» .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: ﴿وأدْبارَ﴾ [ق: ٤٠] بِالفَتْحِ، بِمَعْنى في أعْقابِ النُّجُومِ وآثارِها إذا غَرَبَتْ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في (الإكْلِيلِ) عَنِ الكِرْمانِيِّ: إنَّ بَعْضَ الفُقَهاءِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الإسْفارَ بِصَلاةِ الصُّبْحِ أفْضَلُ لِأنَّ النُّجُومَ لا إدْبارَ لَها، وإنَّما ذَلِكَ بِالِاسْتِتارِ عَنِ العُيُونِ. انْتَهى.
وهُوَ اسْتِدْلالٌ مَتِينٌ.
النجم 53:1
(p-٥٥٥٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّجْمِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَنْتانِ وسِتُّونَ آيَةً.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ ﴿والنَّجْمِ﴾ قالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وسَجَدَ مَن خَلْفَهُ، إلّا رَجُلًا رَأيْتُهُ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابٍ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كافِرًا، وهو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ».
ووَقَعَ في رِوايَةِ غَيْرِهِ، تَسْمِيَةُ غَيْرِ أُمَيَّةَ -كَما بَسَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ)-.
(p-٥٥٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢ ] ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢]
﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ أيْ: إذا غَرَبَ وغابَ عَنِ الأبْصارِ، أوِ انْتَثَرَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ انْقَضَّ.
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢] يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ. والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، أيْ: ما حادَ عَنِ الحَقِّ، ولا زالَ عَنْهُ.
﴿وما غَوى﴾ [النجم: ٢] أيْ: ما صارَ غَوِيًّا، ولَكِنَّهُ عَلى اسْتِقامَةٍ وسَدادٍ ورُشْدٍ وهُدًى. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أهْلُ الضَّلالِ والغَيِّ. وذِكْرُهُ ﷺ بِعُنْوانِ (صاحِبُكُمْ) لِلْإعْلامِ بِوُقُوفِهِمْ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِهِ الشَّرِيفَةِ، وإحاطَتِهِمْ بِمَحاسِنِ شُؤُونِهِ المُنِيفَةِ؛ فَهو تَبْكِيتٌ لَهم عَلى وجْهٍ أبْلَغَ مِن أنْ يُصَرَّحَ بِاسْمِهِ.
النجم 53:2
(p-٥٥٥٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّجْمِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَنْتانِ وسِتُّونَ آيَةً.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ ﴿والنَّجْمِ﴾ قالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وسَجَدَ مَن خَلْفَهُ، إلّا رَجُلًا رَأيْتُهُ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابٍ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كافِرًا، وهو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ».
ووَقَعَ في رِوايَةِ غَيْرِهِ، تَسْمِيَةُ غَيْرِ أُمَيَّةَ -كَما بَسَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ)-.
(p-٥٥٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢ ] ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢]
﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ أيْ: إذا غَرَبَ وغابَ عَنِ الأبْصارِ، أوِ انْتَثَرَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ انْقَضَّ.
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢] يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ. والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، أيْ: ما حادَ عَنِ الحَقِّ، ولا زالَ عَنْهُ.
﴿وما غَوى﴾ [النجم: ٢] أيْ: ما صارَ غَوِيًّا، ولَكِنَّهُ عَلى اسْتِقامَةٍ وسَدادٍ ورُشْدٍ وهُدًى. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أهْلُ الضَّلالِ والغَيِّ. وذِكْرُهُ ﷺ بِعُنْوانِ (صاحِبُكُمْ) لِلْإعْلامِ بِوُقُوفِهِمْ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِهِ الشَّرِيفَةِ، وإحاطَتِهِمْ بِمَحاسِنِ شُؤُونِهِ المُنِيفَةِ؛ فَهو تَبْكِيتٌ لَهم عَلى وجْهٍ أبْلَغَ مِن أنْ يُصَرَّحَ بِاسْمِهِ.
النجم 53:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤]
﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: وما يَنْطِقُ بِهَذا القُرْآنِ عَنْ هَواهُ ورَأْيِهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ أيْضًا، ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا وحْيٌ مِنَ اللَّهِ يُوحِيهِ إلَيْهِ. وجُمْلَةُ " يُوحى " صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ ﴿وحْيٌ﴾ [النجم: ٤] رافِعَةٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ، مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.
والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، لِفَهْمِهِ مِنَ السِّياقِ، ولِأنَّ كَلامَ المُنْكِرِينَ كانَ في شَأْنِهِ. وأرْجَعَهُ بَعْضُهم إلى ما يَنْطِقُ بِهِ مُطْلَقًا. واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ السُّنَنَ القَوْلِيَّةَ مِنَ الوَحْيِ، وقَوّاهُ بِما في (مَراسِيلِ) أبِي داوُدَ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسُّنَّةِ، كَما يَنْزِلُ عَلَيْهِ (p-٥٥٥٥)بِالقُرْآنِ، ويُعَلِّمُهُ إيّاها، كَما يُعَلِّمُهُ القُرْآنَ،» واسْتَدَلَّ أيْضًا عَلى مَنعِ الِاجْتِهادِ لَهُ ﷺ . والصَّوابُ هو الأوَّلُ، أعْنِي: كَوْنَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ لِلْقُرْآنِ، لِما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ افْتَراهُ والقَرِينَةُ مِن أكْبَرِ المُخَصَّصاتِ. وجَلِيٌّ أنَّهُ ﷺ، كَثِيرًا ما يَقُولُ بِالرَّأْيِ في أُمُورِ الحَرْبِ، وأُمُورٍ أُخْرى؛ فَلا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ قَطْعًا، وبِأنَّهُ لا قُوَّةَ في المَراسِيلِ، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. وبِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى مَنعِ الِاجْتِهادِ المَذْكُورِ، ولَوْ أُعِيدَ الضَّمِيرُ لَما يَنْطِقُ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا سَوَّغَ لَهُ الِاجْتِهادَ، كانَ الِاجْتِهادُ وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ كُلُّهُ وحْيًا، لا نُطْقًا عَنِ الهَوى؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: مَتى ما ظَنَنْتَ كَذا فَهو حُكْمِي، أيْ: كُلُّ ما ألْقَيْتُهُ في قَلْبِكَ فَهو مُرادِي، فَيَكُونُ وحْيًا حَقِيقَةً، لِانْدِراجِهِ تَحْتَ الإذْنِ المَذْكُورِ، لِأنَّهُ مِن أفْرادِهِ. فَما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ الوَحْيَ الكَلامُ الخَفِيُّ المُدْرَكُ بِسُرْعَةٍ، فَلا يَنْدَرِجُ فِيهِ الحُكْمُ الِاجْتِهادِيُّ إلّا بِعُمُومِ المَجازِ، مَعَ أنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِ، بَعْدَما عَرَفْتَ مِن تَقْرِيرِهِ- نَقَلَهُ في (العِنايَةِ) عَنِ (الكَشْفِ) وتَفْصِيلُ المَسْألَةِ في مُطَوَّلاتِ الأُصُولِ.
النجم 53:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤]
﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: وما يَنْطِقُ بِهَذا القُرْآنِ عَنْ هَواهُ ورَأْيِهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ أيْضًا، ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا وحْيٌ مِنَ اللَّهِ يُوحِيهِ إلَيْهِ. وجُمْلَةُ " يُوحى " صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ ﴿وحْيٌ﴾ [النجم: ٤] رافِعَةٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ، مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.
والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، لِفَهْمِهِ مِنَ السِّياقِ، ولِأنَّ كَلامَ المُنْكِرِينَ كانَ في شَأْنِهِ. وأرْجَعَهُ بَعْضُهم إلى ما يَنْطِقُ بِهِ مُطْلَقًا. واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ السُّنَنَ القَوْلِيَّةَ مِنَ الوَحْيِ، وقَوّاهُ بِما في (مَراسِيلِ) أبِي داوُدَ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسُّنَّةِ، كَما يَنْزِلُ عَلَيْهِ (p-٥٥٥٥)بِالقُرْآنِ، ويُعَلِّمُهُ إيّاها، كَما يُعَلِّمُهُ القُرْآنَ،» واسْتَدَلَّ أيْضًا عَلى مَنعِ الِاجْتِهادِ لَهُ ﷺ . والصَّوابُ هو الأوَّلُ، أعْنِي: كَوْنَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ لِلْقُرْآنِ، لِما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ افْتَراهُ والقَرِينَةُ مِن أكْبَرِ المُخَصَّصاتِ. وجَلِيٌّ أنَّهُ ﷺ، كَثِيرًا ما يَقُولُ بِالرَّأْيِ في أُمُورِ الحَرْبِ، وأُمُورٍ أُخْرى؛ فَلا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ قَطْعًا، وبِأنَّهُ لا قُوَّةَ في المَراسِيلِ، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. وبِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى مَنعِ الِاجْتِهادِ المَذْكُورِ، ولَوْ أُعِيدَ الضَّمِيرُ لَما يَنْطِقُ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا سَوَّغَ لَهُ الِاجْتِهادَ، كانَ الِاجْتِهادُ وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ كُلُّهُ وحْيًا، لا نُطْقًا عَنِ الهَوى؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: مَتى ما ظَنَنْتَ كَذا فَهو حُكْمِي، أيْ: كُلُّ ما ألْقَيْتُهُ في قَلْبِكَ فَهو مُرادِي، فَيَكُونُ وحْيًا حَقِيقَةً، لِانْدِراجِهِ تَحْتَ الإذْنِ المَذْكُورِ، لِأنَّهُ مِن أفْرادِهِ. فَما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ الوَحْيَ الكَلامُ الخَفِيُّ المُدْرَكُ بِسُرْعَةٍ، فَلا يَنْدَرِجُ فِيهِ الحُكْمُ الِاجْتِهادِيُّ إلّا بِعُمُومِ المَجازِ، مَعَ أنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِ، بَعْدَما عَرَفْتَ مِن تَقْرِيرِهِ- نَقَلَهُ في (العِنايَةِ) عَنِ (الكَشْفِ) وتَفْصِيلُ المَسْألَةِ في مُطَوَّلاتِ الأُصُولِ.
النجم 53:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ أيْ: عَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ مَلَكٌ شَدِيدٌ قُواهُ، يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. كَما قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] و(القُوى) جَمْعُ قُوَّةٍ، بِضَمِّ القافِ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُها كالرِّشا بِكَسْرِ الرّاءِ في جَمْعِ رُشْوَةٍ بِضَمِّها والحِبا في جَمْعِ حُبْوَةٍ، نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
(p-٥٥٥٦)
النجم 53:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ٧] ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧]
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ، أيْ: مَتابَةٍ وإحْكامٍ في عِلْمِهِ، لا يُمْكِنُ تَغَيُّرُهُ ونِسْيانُهُ. والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ قَوِيِّ العَقْلِ والرَّأْيِ: (ذُو مِرَّةٍ) مِن أمْرَرْتُ الحَبْلَ، إذا أحْكَمْتَ فَتْلَهُ.
﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاسْتَقامَ عَلى صُورَةِ نَفْسِهِ الحَقِيقَةِ، دُونَ الصُّورَةِ الَّتِي كانَ يَتَمَثَّلُ بِها، كُلَّما هَبَطَ بِالوَحْيِ. وكانَ يَنْزِلُ في صُورَةِ دِحْيَةَ. فالفاءُ -كَما قالَ شُرّاحُهُ- سَبَبِيَّةٌ، لِأنَّ تَشَكُّلَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ قُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى الخَوارِقِ. أوْ عاطِفَةٌ عَلى " عَلَّمَهُ " أيْ: عَلَّمَهُ عَلى غَيْرِ صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَوى عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ.
وقِيلَ: (اسْتَوى) بِمَعْنى (اسْتَوْلى) بِقُوَّتِهِ عَلى ما أُمِرَ بِمُباشَرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ، حَكاهُ القاضِي.
قالَ الشِّهابُ: الأُفُقُ النّاحِيَةُ، وجَمْعُهُ آفاقٌ. والمُرادُ الجِهَةُ العُلْيا مِنَ السَّماءِ المُقابِلَةُ لِلنّاظِرِ، لا مُصْطَلَحُ أهْلِ الهَيْئَةِ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: " فاسْتَوى " يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] يَعْنِي جِبْرِيلَ اسْتَوى في الأُفُقِ الأعْلى، قالَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُ واحِدٍ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ هاهُنا قَوْلًا لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، ولا حَكاهُ هو عَنْ أحَدٍ، وحاصِلُهُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى فاسْتَوى، أيْ: هَذا الشَّدِيدُ القَوِيُّ وصاحِبُكم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالأُفُقِ الأعْلى، أيِ: اسْتَوَيا جَمِيعًا بِالأُفُقِ الأعْلى، وذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، كَذا قالَ، ولَمْ يُوافِقْهُ أحَدٌ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ شَرَعَ يُوَجِّهُ ما قالَهُ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا (p-٥٥٥٧)وآباؤُنا﴾ [النمل: ٦٧] فَعَطَفَ بِالآباءِ عَلى المَكْنِيِّ في كُنّا مِن غَيْرِ إظْهارِ (نَحْنُ)، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " فاسْتَوى "، وهو قالَ: وذَكَرَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ أنْشَدَهُ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ولا يَسْتَوِي والخِرْوَعُ المُتَقَصِّفُ
وهَذا الَّذِي قالَهُ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ مُتَّجِهٌ، ولَكِنْ لا يُساعِدُهُ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةَ الإسْراءِ، بَلْ قَبْلَها، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَدَلّى إلَيْهِ، فاقْتَرَبَ مِنهُ وهو عَلى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، يَعْنِي لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ الأُولى في أوائِلِ البَعْثَةِ، بَعْدَ ما جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ مَرَّةً، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ صَدْرَ سُورَةِ (اقْرَأْ)، ثُمَّ فَتْرَةُ الوَحْيِ فَتْرَةٌ ««ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها مِرارًا لِيَتَرَدّى مِن رُؤُوسِ الجِبالِ»، فَكُلَّما هَمَّ بِذَلِكَ ناداهُ جِبْرِيلُ مِنَ الهَواءِ: يا مُحَمَّدُ ! أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وأنا جِبْرِيلُ، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وتَقَرُّ عَيْنُهُ. وكُلَّما طالَ عَلَيْهِ الأمْرُ، عادَ لِمِثْلِها حَتّى تَبَدّى لَهُ جِبْرِيلُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأبْطَحِ في صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، قَدْ سَدَّ عِظَمُ خَلْقِهِ الأُفُقَ، فاقْتَرَبَ مِنهُ، وأوْحى إلَيْهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما أمَرَهُ بِهِ، فَعَرَفَ عِنْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ المَلَكِ الَّذِي جاءَهُ بِالرِّسالَةِ، وجَلالَةَ قَدْرِهِ، وعُلُوَّ مَكانَتِهِ عِنْدَ خالِقِهِ الَّذِي بَعَثَهُ إلَيْهِ». انْتَهى.
أقُولُ: قَدْ وافَقَ القاشانِيُّ ابْنَ جَرِيرٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِبارَتُهُ:
فاسْتَوى فاسْتَقامَ عَلى صُورَتِهِ الذّاتِيَّةِ، والنَّبِيُّ بِالأُفُقِ الأعْلى، لِأنَّهُ حِينَ كَوْنِ النَّبِيِّ بِالأُفُقِ المُبِينِ لا يَنْزِلُ عَلى صُورَتِهِ، لِاسْتِحالَةِ تَشَكُّلِ الرُّوحِ المُجَرَّدِ في مَقامِ القَلْبِ، إلّا بِصُورَةٍ تُناسِبُ الصُّوَرَ المُتَمَثِّلَةَ في مَقامِهِ، ولِهَذا كانَ يَتَمَثَّلُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وكانَ مِن أحْسَنِ النّاسِ صُورَةً، وأحَبِّهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إذْ لَمْ يَتَمَثَّلْ بِصُورَةٍ يُمْكِنُ انْطِباعُها في الصَّدْرِ، لَمْ يَفْهَمِ القَلْبُ كَلامَهُ، ولَمْ يَرَ صُورَتَهُ. وأمّا صُورَتُهُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها فَلَمْ تَظْهَرْ لِلنَّبِيِّ ﷺ إلّا مَرَّتَيْنِ: عِنْدَ عُرُوجِهِ إلى الحَضْرَةِ الأحَدِيَّةِ ووُصُولِهِ بِمَقامِ الرُّوحِ في التَّرَقِّي، وعِنْدَ نُزُولِهِ عَنْها ورُجُوعِهِ إلى المَقامِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في التَّدَلِّي. انْتَهى.
(p-٥٥٥٨)وكَذا المَهايِمِيُّ وافَقَهُما وعِبارَتُهُ:
فاسْتَوى وهو أيْ: صاحِبُكم عِنْدَ اسْتِواءِ نَفْسِهِ، صارَ بِالأُفُقِ الأعْلى الرُّوحانِيِّ. انْتَهى.
وكَذا الفَخْرُ الرّازِيُّ وعِبارَتُهُ: المَشْهُورُ أنَّ هو ضَمِيرُ جِبْرِيلَ، وتَقْدِيرُهُ اسْتَوى كَما خَلَقَهُ اللَّهُ بِالأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، فَسَدَّ المَشْرِقَ لِعَظَمَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ، مَعْناهُ: اسْتَوى بِمَكانٍ، وهو بِالمَكانِ العالِي رُتْبَةً ومَنزِلَةً في رِفْعَةِ القَدْرِ، لا حَقِيقَةً في الحُصُولِ في المَكانِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ هَذا واللَّهُ تَعالى يَقُولُ:
﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] إشارَةً إلى أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ المُبِينِ؟ نَقُولُ: وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ أيْضًا نَقُولُ كَما قُلْنا هاهُنا، أنَّهُ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ المُبِينِ. يَقُولُ القائِلُ: رَأيْتُ الهِلالَ، فَيُقالُ لَهُ: أيْنَ رَأيْتَهُ؟ فَيَقُولُ: فَوْقَ السَّطْحِ، أيْ: إنَّ الرّائِيَ فَوْقَ السَّطْحِ، لا المَرْئِيَّ. و(المُبِينُ) هو الفارِقُ، مِن (أبانَ) الإنْسانُ، أيْ: هو بِالأُفُقِ الفارِقِ بَيْنَ دَرَجَةِ الإنْسانِ، ومَنزِلَةِ المَلَكِ، فَإنَّهُ ﷺ انْتَهى وبَلَغَ الغايَةَ وصارَ نَبِيًّا، كَما صارَ بَعْضُ الأنْبِياءِ نَبِيًّا يَأْتِيهِ الوَحْيُ في نَوْمِهِ وعَلى هَيْئَتِهِ، وهو واصِلٌ إلى الأُفُقِ الأعْلى، والأُفُقِ الفارِقِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: ما بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما تَذْهَبُ إلَيْهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرْتُهُ؟ نَقُولُ: سَنُبَيِّنُ مُوافَقَتَهُ لِما ذَكَرْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعِهِ، عِنْدَ ذِكْرِ تَفْسِيرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: الأحادِيثُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرْتُهُ، حَيْثُ ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرى النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ عَلى صُورَتِهِ، فَسَدَّ المَشْرِقَ؟ فَنَقُولُ: نَحْنُ ما قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ (p-٥٥٥٩)ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الحِكايَةَ، حَتّى يَلْزَمَ مُحالَفَةُ الحَدِيثِ، وإنَّما نَقُولُ: إنَّجِبْرِيلَ أرى النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ مَرَّتَيْنِ، وبَسَطَ جَناحَيْهِ، وقَدْ سَتَرَ الجانِبَ الشَّرْقِيَّ وسَدَّهُ، ولَكِنَّ الآيَةَ لَمْ تَرِدْ لِبَيانِ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ.
وفِي القُرْطُبِيِّ حِكايَةُ أقْوالٍ أُخَرَ، وعِبارَتُهُ:
" فاسْتَوى " أيِ: ارْتَفَعَ جِبْرِيلُ وعَلا إلى مَكانَةٍ في السَّماءِ، بَعْدَ أنْ عَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وابْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ:
" فاسْتَوى " أيْ: قامَ وظَهَرَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها.
وقَوْلٌ ثالِثٌ: إنَّ مَعْنى " فاسْتَوى " أيِ: اسْتَوى القُرْآنُ في صَدْرِهِ. وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ:
أحَدُهُما:- في صَدْرِ جِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الثّانِي:- في صَدْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ.
وقَوْلٌ رابِعٌ: إنَّ مَعْنى " فاسْتَوى " فاعْتَدَلَ، يَعْنِي مُحَمَّدًا في قُوَّتِهِ، والثّانِي في رِسالَتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ تَمامُ الكَلامِ ذُو مِرَّةٍ، وعَلى الثّانِي شَدِيدُ القُوى.
وقَوْلٌ خامِسٌ: إنَّ مَعْناهُ فارْتَفَعَ، وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ:
أحَدُهُما:- أنَّهُ جِبْرِيلُ ارْتَفَعَ إلى مَكانِهِ، عَلى ما ذَكَرْناهُ آنِفًا.
الثّانِي:- أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ارْتَفَعَ بِالمِعْراجِ.
وقَوْلٌ سادِسٌ:
" فاسْتَوى " يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، أيِ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ، عَلى قَوْلِ الحُسَيْنِ. انْتَهى.
هَذا ما وقَفْنا عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ، وسَيَأْتِي في أوَّلِ التَّنْبِيهاتِ إيضاحُ ما اخْتَرْناهُ مِنها، وإنَّما أخَّرْنا ذِكْرَهُ لِارْتِباطِهِ بِالآياتِ الآتِيَةِ.
(p-٥٥٦٠)
النجم 53:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ٧] ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧]
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ، أيْ: مَتابَةٍ وإحْكامٍ في عِلْمِهِ، لا يُمْكِنُ تَغَيُّرُهُ ونِسْيانُهُ. والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ قَوِيِّ العَقْلِ والرَّأْيِ: (ذُو مِرَّةٍ) مِن أمْرَرْتُ الحَبْلَ، إذا أحْكَمْتَ فَتْلَهُ.
﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاسْتَقامَ عَلى صُورَةِ نَفْسِهِ الحَقِيقَةِ، دُونَ الصُّورَةِ الَّتِي كانَ يَتَمَثَّلُ بِها، كُلَّما هَبَطَ بِالوَحْيِ. وكانَ يَنْزِلُ في صُورَةِ دِحْيَةَ. فالفاءُ -كَما قالَ شُرّاحُهُ- سَبَبِيَّةٌ، لِأنَّ تَشَكُّلَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ قُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى الخَوارِقِ. أوْ عاطِفَةٌ عَلى " عَلَّمَهُ " أيْ: عَلَّمَهُ عَلى غَيْرِ صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَوى عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ.
وقِيلَ: (اسْتَوى) بِمَعْنى (اسْتَوْلى) بِقُوَّتِهِ عَلى ما أُمِرَ بِمُباشَرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ، حَكاهُ القاضِي.
قالَ الشِّهابُ: الأُفُقُ النّاحِيَةُ، وجَمْعُهُ آفاقٌ. والمُرادُ الجِهَةُ العُلْيا مِنَ السَّماءِ المُقابِلَةُ لِلنّاظِرِ، لا مُصْطَلَحُ أهْلِ الهَيْئَةِ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: " فاسْتَوى " يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] يَعْنِي جِبْرِيلَ اسْتَوى في الأُفُقِ الأعْلى، قالَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُ واحِدٍ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ هاهُنا قَوْلًا لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، ولا حَكاهُ هو عَنْ أحَدٍ، وحاصِلُهُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى فاسْتَوى، أيْ: هَذا الشَّدِيدُ القَوِيُّ وصاحِبُكم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالأُفُقِ الأعْلى، أيِ: اسْتَوَيا جَمِيعًا بِالأُفُقِ الأعْلى، وذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، كَذا قالَ، ولَمْ يُوافِقْهُ أحَدٌ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ شَرَعَ يُوَجِّهُ ما قالَهُ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا (p-٥٥٥٧)وآباؤُنا﴾ [النمل: ٦٧] فَعَطَفَ بِالآباءِ عَلى المَكْنِيِّ في كُنّا مِن غَيْرِ إظْهارِ (نَحْنُ)، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " فاسْتَوى "، وهو قالَ: وذَكَرَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ أنْشَدَهُ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ولا يَسْتَوِي والخِرْوَعُ المُتَقَصِّفُ
وهَذا الَّذِي قالَهُ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ مُتَّجِهٌ، ولَكِنْ لا يُساعِدُهُ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةَ الإسْراءِ، بَلْ قَبْلَها، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَدَلّى إلَيْهِ، فاقْتَرَبَ مِنهُ وهو عَلى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، يَعْنِي لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ الأُولى في أوائِلِ البَعْثَةِ، بَعْدَ ما جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ مَرَّةً، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ صَدْرَ سُورَةِ (اقْرَأْ)، ثُمَّ فَتْرَةُ الوَحْيِ فَتْرَةٌ ««ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها مِرارًا لِيَتَرَدّى مِن رُؤُوسِ الجِبالِ»، فَكُلَّما هَمَّ بِذَلِكَ ناداهُ جِبْرِيلُ مِنَ الهَواءِ: يا مُحَمَّدُ ! أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وأنا جِبْرِيلُ، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وتَقَرُّ عَيْنُهُ. وكُلَّما طالَ عَلَيْهِ الأمْرُ، عادَ لِمِثْلِها حَتّى تَبَدّى لَهُ جِبْرِيلُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأبْطَحِ في صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، قَدْ سَدَّ عِظَمُ خَلْقِهِ الأُفُقَ، فاقْتَرَبَ مِنهُ، وأوْحى إلَيْهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما أمَرَهُ بِهِ، فَعَرَفَ عِنْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ المَلَكِ الَّذِي جاءَهُ بِالرِّسالَةِ، وجَلالَةَ قَدْرِهِ، وعُلُوَّ مَكانَتِهِ عِنْدَ خالِقِهِ الَّذِي بَعَثَهُ إلَيْهِ». انْتَهى.
أقُولُ: قَدْ وافَقَ القاشانِيُّ ابْنَ جَرِيرٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِبارَتُهُ:
فاسْتَوى فاسْتَقامَ عَلى صُورَتِهِ الذّاتِيَّةِ، والنَّبِيُّ بِالأُفُقِ الأعْلى، لِأنَّهُ حِينَ كَوْنِ النَّبِيِّ بِالأُفُقِ المُبِينِ لا يَنْزِلُ عَلى صُورَتِهِ، لِاسْتِحالَةِ تَشَكُّلِ الرُّوحِ المُجَرَّدِ في مَقامِ القَلْبِ، إلّا بِصُورَةٍ تُناسِبُ الصُّوَرَ المُتَمَثِّلَةَ في مَقامِهِ، ولِهَذا كانَ يَتَمَثَّلُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وكانَ مِن أحْسَنِ النّاسِ صُورَةً، وأحَبِّهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إذْ لَمْ يَتَمَثَّلْ بِصُورَةٍ يُمْكِنُ انْطِباعُها في الصَّدْرِ، لَمْ يَفْهَمِ القَلْبُ كَلامَهُ، ولَمْ يَرَ صُورَتَهُ. وأمّا صُورَتُهُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها فَلَمْ تَظْهَرْ لِلنَّبِيِّ ﷺ إلّا مَرَّتَيْنِ: عِنْدَ عُرُوجِهِ إلى الحَضْرَةِ الأحَدِيَّةِ ووُصُولِهِ بِمَقامِ الرُّوحِ في التَّرَقِّي، وعِنْدَ نُزُولِهِ عَنْها ورُجُوعِهِ إلى المَقامِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في التَّدَلِّي. انْتَهى.
(p-٥٥٥٨)وكَذا المَهايِمِيُّ وافَقَهُما وعِبارَتُهُ:
فاسْتَوى وهو أيْ: صاحِبُكم عِنْدَ اسْتِواءِ نَفْسِهِ، صارَ بِالأُفُقِ الأعْلى الرُّوحانِيِّ. انْتَهى.
وكَذا الفَخْرُ الرّازِيُّ وعِبارَتُهُ: المَشْهُورُ أنَّ هو ضَمِيرُ جِبْرِيلَ، وتَقْدِيرُهُ اسْتَوى كَما خَلَقَهُ اللَّهُ بِالأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، فَسَدَّ المَشْرِقَ لِعَظَمَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ، مَعْناهُ: اسْتَوى بِمَكانٍ، وهو بِالمَكانِ العالِي رُتْبَةً ومَنزِلَةً في رِفْعَةِ القَدْرِ، لا حَقِيقَةً في الحُصُولِ في المَكانِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ هَذا واللَّهُ تَعالى يَقُولُ:
﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] إشارَةً إلى أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ المُبِينِ؟ نَقُولُ: وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ أيْضًا نَقُولُ كَما قُلْنا هاهُنا، أنَّهُ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ المُبِينِ. يَقُولُ القائِلُ: رَأيْتُ الهِلالَ، فَيُقالُ لَهُ: أيْنَ رَأيْتَهُ؟ فَيَقُولُ: فَوْقَ السَّطْحِ، أيْ: إنَّ الرّائِيَ فَوْقَ السَّطْحِ، لا المَرْئِيَّ. و(المُبِينُ) هو الفارِقُ، مِن (أبانَ) الإنْسانُ، أيْ: هو بِالأُفُقِ الفارِقِ بَيْنَ دَرَجَةِ الإنْسانِ، ومَنزِلَةِ المَلَكِ، فَإنَّهُ ﷺ انْتَهى وبَلَغَ الغايَةَ وصارَ نَبِيًّا، كَما صارَ بَعْضُ الأنْبِياءِ نَبِيًّا يَأْتِيهِ الوَحْيُ في نَوْمِهِ وعَلى هَيْئَتِهِ، وهو واصِلٌ إلى الأُفُقِ الأعْلى، والأُفُقِ الفارِقِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: ما بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما تَذْهَبُ إلَيْهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرْتُهُ؟ نَقُولُ: سَنُبَيِّنُ مُوافَقَتَهُ لِما ذَكَرْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعِهِ، عِنْدَ ذِكْرِ تَفْسِيرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: الأحادِيثُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرْتُهُ، حَيْثُ ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرى النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ عَلى صُورَتِهِ، فَسَدَّ المَشْرِقَ؟ فَنَقُولُ: نَحْنُ ما قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ (p-٥٥٥٩)ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الحِكايَةَ، حَتّى يَلْزَمَ مُحالَفَةُ الحَدِيثِ، وإنَّما نَقُولُ: إنَّجِبْرِيلَ أرى النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ مَرَّتَيْنِ، وبَسَطَ جَناحَيْهِ، وقَدْ سَتَرَ الجانِبَ الشَّرْقِيَّ وسَدَّهُ، ولَكِنَّ الآيَةَ لَمْ تَرِدْ لِبَيانِ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ.
وفِي القُرْطُبِيِّ حِكايَةُ أقْوالٍ أُخَرَ، وعِبارَتُهُ:
" فاسْتَوى " أيِ: ارْتَفَعَ جِبْرِيلُ وعَلا إلى مَكانَةٍ في السَّماءِ، بَعْدَ أنْ عَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وابْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ:
" فاسْتَوى " أيْ: قامَ وظَهَرَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها.
وقَوْلٌ ثالِثٌ: إنَّ مَعْنى " فاسْتَوى " أيِ: اسْتَوى القُرْآنُ في صَدْرِهِ. وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ:
أحَدُهُما:- في صَدْرِ جِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الثّانِي:- في صَدْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ.
وقَوْلٌ رابِعٌ: إنَّ مَعْنى " فاسْتَوى " فاعْتَدَلَ، يَعْنِي مُحَمَّدًا في قُوَّتِهِ، والثّانِي في رِسالَتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ تَمامُ الكَلامِ ذُو مِرَّةٍ، وعَلى الثّانِي شَدِيدُ القُوى.
وقَوْلٌ خامِسٌ: إنَّ مَعْناهُ فارْتَفَعَ، وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ:
أحَدُهُما:- أنَّهُ جِبْرِيلُ ارْتَفَعَ إلى مَكانِهِ، عَلى ما ذَكَرْناهُ آنِفًا.
الثّانِي:- أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ارْتَفَعَ بِالمِعْراجِ.
وقَوْلٌ سادِسٌ:
" فاسْتَوى " يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، أيِ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ، عَلى قَوْلِ الحُسَيْنِ. انْتَهى.
هَذا ما وقَفْنا عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ، وسَيَأْتِي في أوَّلِ التَّنْبِيهاتِ إيضاحُ ما اخْتَرْناهُ مِنها، وإنَّما أخَّرْنا ذِكْرَهُ لِارْتِباطِهِ بِالآياتِ الآتِيَةِ.
(p-٥٥٦٠)
النجم 53:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩]
﴿ثُمَّ دَنا﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ اسْتِوائِهِ اقْتَرَبَ جِبْرِيلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَتَدَلّى﴾ أيْ: إلَيْهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وإنَّما هو ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ حَسُنَ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: ﴿دَنا﴾ إذْ كانَ الدُّنُوُّ يَدُلُّ عَلى التَّدَلِّي، والتَّدَلِّي عَلى الدُّنُوِّ. كَما يُقالُ: زارَنِي فُلانٌ فَأحْسَنَ إلَيَّ فَزارَنِي.
وقالَ الشِّهابُ: التَّدَلِّي مَجازٌ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ الدُّنُوِّ مِنهُ، لا بِمَعْنى التَّنَزُّلِ مِن عُلُوٍّ، كَما هو المَشْهُورُ. أوْ هو دُنُوٌّ بِحالَةِ التَّعَلُّقِ، فَلا قَلْبَ ولا تَأْوِيلَ بِـ: أرادَ الدُّنُوَّ، كَما في (الإيضاحِ).
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] أيْ: كانَ مَسافَةُ ما بَيْنَهُما مِقْدارَ قَوْسَيْنِ. أيْ: بِقَدْرِهِما إذا مُدّا أوْ أقْرَبُ. أوِ الضَّمِيرُ لِجِبْرِيلَ، أيْ: كَأنَّهُ قَرَّبَهُ قَدْرَ ذَلِكَ.
قالَ الشِّهابُ: وقابَ القَوْسَ وقَيَّبَهُ: ما بَيْنَ الوَتْرِ ومِقْبَضِهِ، والمُرادُ بِهِ المِقْدارُ، فَإنَّهُ يُقَدَّرُ بِالقَوْسِ، كالذِّراعِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَقْلُوبٌ، أيْ: قابَيْ قَوْسٍ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ؛ فَإنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَفْعَلُهُ، إذا تَحالَفُوا أخْرَجُوا قَوْسَيْنِ، ويُلْصِقُونَ إحْداهُما بِالأُخْرى، فَيَكُونُ القابُ مُلاصِقًا لِلْآخَرِ، حَتّى كَأنَّهُما ذَوا قابٍ واحِدٍ، ثُمَّ يَنْزِعانِهِما مَعًا ويَرْمِيانِ بِهِما سَهْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ رِضا أحَدِهِما رِضا الآخَرِ، وسُخْطَهُ سُخْطُهُ، لا يُمْكِنُ خِلافُهُ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وارْتَضاهُ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى.
(p-٥٥٦١)قالَ السَّمِينُ: وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] كَقَوْلِهِ: أوْ يَزِيدُونَ، لِأنَّ المَعْنى: فَكانَ بِأحَدِ هَذَيْنِ المِقْدارَيْنِ في رَأْيِ الرّائِي، أيْ: لِتَقارُبِ ما بَيْنَهُما، يَشُكُّ الرّائِي في ذَلِكَ. فَهو تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ القُرْبِ، وتَحْقِيقِ اسْتِماعِهِ لِما أوْحى إلَيْهِ بِأنَّهُ في رَأْيِ العَيْنِ، ورَأْيِ الواقِفِ عَلَيْهِ، كَما مَرَّ في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] فَإنَّ المَعْنى: إذا رَآهُمُ الرّائِي يَقُولُ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ.
وقِيلَ: (أوْ) بِمَعْنى (بَلْ)، أيْ: بَلْ أدْنى.
و(أدْنى) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ. أيْ: أوْ أدْنى مِن قابِ قَوْسَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النجم 53:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩]
﴿ثُمَّ دَنا﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ اسْتِوائِهِ اقْتَرَبَ جِبْرِيلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَتَدَلّى﴾ أيْ: إلَيْهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وإنَّما هو ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ حَسُنَ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: ﴿دَنا﴾ إذْ كانَ الدُّنُوُّ يَدُلُّ عَلى التَّدَلِّي، والتَّدَلِّي عَلى الدُّنُوِّ. كَما يُقالُ: زارَنِي فُلانٌ فَأحْسَنَ إلَيَّ فَزارَنِي.
وقالَ الشِّهابُ: التَّدَلِّي مَجازٌ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ الدُّنُوِّ مِنهُ، لا بِمَعْنى التَّنَزُّلِ مِن عُلُوٍّ، كَما هو المَشْهُورُ. أوْ هو دُنُوٌّ بِحالَةِ التَّعَلُّقِ، فَلا قَلْبَ ولا تَأْوِيلَ بِـ: أرادَ الدُّنُوَّ، كَما في (الإيضاحِ).
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] أيْ: كانَ مَسافَةُ ما بَيْنَهُما مِقْدارَ قَوْسَيْنِ. أيْ: بِقَدْرِهِما إذا مُدّا أوْ أقْرَبُ. أوِ الضَّمِيرُ لِجِبْرِيلَ، أيْ: كَأنَّهُ قَرَّبَهُ قَدْرَ ذَلِكَ.
قالَ الشِّهابُ: وقابَ القَوْسَ وقَيَّبَهُ: ما بَيْنَ الوَتْرِ ومِقْبَضِهِ، والمُرادُ بِهِ المِقْدارُ، فَإنَّهُ يُقَدَّرُ بِالقَوْسِ، كالذِّراعِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَقْلُوبٌ، أيْ: قابَيْ قَوْسٍ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ؛ فَإنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَفْعَلُهُ، إذا تَحالَفُوا أخْرَجُوا قَوْسَيْنِ، ويُلْصِقُونَ إحْداهُما بِالأُخْرى، فَيَكُونُ القابُ مُلاصِقًا لِلْآخَرِ، حَتّى كَأنَّهُما ذَوا قابٍ واحِدٍ، ثُمَّ يَنْزِعانِهِما مَعًا ويَرْمِيانِ بِهِما سَهْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ رِضا أحَدِهِما رِضا الآخَرِ، وسُخْطَهُ سُخْطُهُ، لا يُمْكِنُ خِلافُهُ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وارْتَضاهُ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى.
(p-٥٥٦١)قالَ السَّمِينُ: وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] كَقَوْلِهِ: أوْ يَزِيدُونَ، لِأنَّ المَعْنى: فَكانَ بِأحَدِ هَذَيْنِ المِقْدارَيْنِ في رَأْيِ الرّائِي، أيْ: لِتَقارُبِ ما بَيْنَهُما، يَشُكُّ الرّائِي في ذَلِكَ. فَهو تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ القُرْبِ، وتَحْقِيقِ اسْتِماعِهِ لِما أوْحى إلَيْهِ بِأنَّهُ في رَأْيِ العَيْنِ، ورَأْيِ الواقِفِ عَلَيْهِ، كَما مَرَّ في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] فَإنَّ المَعْنى: إذا رَآهُمُ الرّائِي يَقُولُ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ.
وقِيلَ: (أوْ) بِمَعْنى (بَلْ)، أيْ: بَلْ أدْنى.
و(أدْنى) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ. أيْ: أوْ أدْنى مِن قابِ قَوْسَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النجم 53:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾
﴿فَأوْحى﴾ أيْ: جِبْرِيلُ إلى عَبْدِهِ أيْ: عَبْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو النَّبِيُّ ﷺ؛ وإنَّما أُضْمِرَ اسْمُهُ تَعالى لِعَدَمِ اللَّبْسِ، وغايَةِ ظُهُورِهِ، أوْ: فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ الَّذِي تَدَلّى إلَيْهِ، ﴿ما أوْحى﴾ أيْ: مِمّا أمَرَهُ بِهِ. وفِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُوحى بِهِ؛ إذِ الإبْهامُ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ، كَأنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ بَيانٌ.
النجم 53:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾
﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ أيْ: ما كَذَّبَ فُؤادُ مُحَمَّدٍ ﷺ ما رَآهُ مِنَ المَلَكِ الَّذِي جاءَهُ بِالوَحْيِ مِن رَبِّهِ. يَعْنِي: أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وتَيَقُّنِهِ بِقَلْبٍ، ولَمْ يَشُكَّ في أنَّ ما رَآهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، وقُرِئَ: (ما كَذَّبَ) بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: صَدَّقَهُ ولَمْ يَشُكَّ أنَّهُ مَلَكٌ رَبّانِيٌّ، لا خَيالٌ شَيْطانِيٌّ، كَما قالَ: وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ في أوائِلِ البَعْثَةِ، كَما تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُ.
(p-٥٥٦٢)
النجم 53:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾
﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أيْ: أفَتُجادِلُونَهُ وتُلاحُونَهُ عَلى ما يَراهُ مُعايَنَةً مِن رُؤْيَةِ المَلَكِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: أفَتُخاصِمُونَهُ عَلى شَيْءٍ لا تَفْهَمُونَهُ ولا يُمْكِنُكم مَعْرِفَتُهُ وتَصَوُّرُهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ؟ وإنَّما المُخاصَمَةُ حَيْثُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ الأمْرِ المُخْتَلَفِ فِيهِ، ثُمَّ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ، فَحَيْثُ لا تَصَوُّرَ، فَلا مُخاصَمَةَ حَقِيقِيَّةٌ. انْتَهى. وذَلِكَ لِأنَّ رُؤْيَةَ المَلَكِ وتَنَزُّلَهُ حالَةٌ خاصَّةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ وإخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لا يُمْكِنُ لِغَيْرِهِمُ اكْتِناهُها، وإنَّما عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِها والإذْعانُ لَها، لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْها. وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ أنَّهُ لا يَصِحُّ المُجادَلَةُ في المَرْئِيِّ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الجِدالُ في المَحْسُوساتِ، لا سِيَّما إذا تَعَدَّدَتِ المُشاهَدَةُ لَها كَما قالَ:
النجم 53:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨]
﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ: مَرَّةً أُخْرى مِنَ النُّزُولِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنِ الرُّؤْيَةِ (p-٥٥٦٣)الثّانِيَةِ هَذِهِ، لِنَفْيِ الرِّيبَةِ والشَّكِّ عَنْها أيْضًا، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها التِباسٌ واشْتِباهٌ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] أيْ: مَوْضِعِ الِانْتِهاءِ. فَـ المُنْتَهى: اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ. وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّها ««شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَّماءِ السّابِعَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وما يَهْبِطُ بِهِ مِن فَوْقِها، فَيُقْبَضُ مِنها»» .
قالَ القاضِي: ولَعَلَّها شُبِّهَتْ بِالسِّدْرَةِ، وهي شَجَرَةُ النَّبْقِ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ في ظِلِّها، يَعْنِي أنَّ شَجَرَ النَّبْقِ يَجْتَمِعُ النّاسُ في ظِلِّهِ، وهَذِهِ يَجْتَمِعُ عِنْدَها المَلائِكَةُ، فَشُبِّهَتْ بِها، وسُمِّيَتْ سِدْرَةً لِذَلِكَ. فَإطْلاقُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، لَكِنْ ورَدَ في الحَدِيثِ ««أنَّ كُلَّ نَبْقَةٍ فِيها كَقُلَّةٍ مِن قِلالِ هَجَرَ»»، فَهي عَلى هَذا حَقِيقِيَّةٌ، وهو الأظْهَرُ، قالَهُ الشِّهابُ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] أيِ: الَّتِي يَأْوِي إلَيْها أرْواحُ المُقَرَّبِينَ.
﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مِن جَلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ. مَعْناهُ أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى حِينَما كانَتِ الأرْواحُ والمَلائِكَةُ تَغْشاها، وتَهْبِطُ عَلَيْها، وتَحُفُّ مِن حَوْلِها.
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا رَآهُ.
﴿وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما تَجاوَزَ مَرْئِيَّةِ المَقْصُودِ لَهُ، بَلْ أثْبَتَ ما رَآهُ إثْباتًا مُسْتَيْقِنًا صَحِيحًا لا شُبْهَةَ فِيهِ. وفِيهِ وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ وتَمَكُّنِهِ، إذْ لَمْ يَتَجاوَزْ ما أُمِرَ بِرُؤْيَتِهِ.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] يَعْنِي المَلَكَ الَّذِي عايَنَهُ وأخْبَرَهُ بِرِسالَتِهِ. وفِيهِ غايَةُ التَّفْخِيمِ لِمَقامِهِ، وأنَّهُ مِنَ الآياتِ الكُبَرِ.
قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ " الكُبْرى " صِفَةً لِآياتٍ، ويَكُونُ المَرْئِيُّ مَحْذُوفًا لِتَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى أُمُورًا عِظامًا لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ. والحَذْفُ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ وأهْوَلُ.
(p-٥٥٦٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأقْوالِ العَدِيدَةِ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِها مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، كَتَوْجِيهِ ابْنِ جَرِيرٍ والرّازِيِّ ومَن وافَقَهُما، وبَعْضِ أقْوالٍ حَكاها القُرْطُبِيُّ. والأقْرَبُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ، كَما نَقَلْناهُ عَنْهُ، لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيما يُفَسِّرُها بِذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ في تَأْيِيدِهِ: إنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِتَشابُهِ آياتِهِ الكَرِيمَةِ وتَماثُلِها. والآيَةُ هَذِهِ مُشابِهَةٌ لِما في سُورَةِ التَّكْوِيرِ تَمامَ المُشابَهَةِ، فَقَدْ قالَ تَعالى ثَمَّةَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] فَتَرى هَذِهِ الآياتِ مُشابِهَةً لِلْآياتِ هُنا، وإنْ كانَ فِيما هُنا زِيادَةُ رُؤْيَةٍ، وبَيانُ دُنُوٍّ واقْتِرابٍ لَمْ يُذْكَرْ في (التَّكْوِيرِ). وسِرُّ الزِّيادَةِ هو ارْتِقاءُ النَّبِيِّ ﷺ في مَعارِجِ الكَمالاتِ وقْتًا فَوَقْتًا، وسُورَةُ النَّجْمِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، كَما حَكاهُ في (الإتْقانِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فَلِذَلِكَ كانَ في (النَّجْمِ) زِيادَةُ هَذا التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ. وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ مِن هَذا القُرْآنِ لَيْسَ عَنْ هَواهُ، وإنَّما هو وحْيٌ عَلَّمَهُ إيّاهُ مَلَكٌ كَرِيمٌ، جَمُّ المَناقِبِ، لِأنَّهُ شَدِيدُ القُوى، ذُو مِرَّةٍ، رَفِيعُ المَكانَةِ بِالأُفُقِ الأعْلى. ثُمَّ لَمّا شاءَ تَعالى إنْزالَ وحْيِهِ عَلى نَبِيِّهِ تَنَزَّلَ مِنَ الأُفُقِ ودَنا إلَيْهِ، وكانَ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ، والتَّمَكُّنِ مِن رُؤْيَتِهِ، وتَلَقِّي الوَحْيِ عَنْهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ. وكَيْفَ يُمارِي مَن يَرى بِبَصَرِهِ ما يُصَدِّقُهُ فُؤادُهُ فِيهِ ولا يُكَذِّبُهُ، لا سِيَّما ولَمْ تَكُنْ رُؤْياهُ لَهُ مَرَّةً واحِدَةً، بَلْ رَآهُ نَزْلَةً ثانِيَةً، نَزَلَ إلَيْهِ بِالوَحْيِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ لا يُشْتَبَهُ عَلى رائِيهِ، وهو سِدْرَةُ المُنْتَهى. وبِالجُمْلَةِ، فَتَوافُقُ هَذِهِ الآياتِ لِآياتِ (التَّكْوِيرِ) مِن تَفْسِيرِ بَعْضِها بَعْضًا، أمْرٌ لا خَفاءَ بِهِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِ، وكُلُّهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ، وإقْسامٌ عَلى حَقِيقَةِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وصِدْقُ ما يُخْبِرُ بِهِ، لا سِيَّما وهو صادِقٌ عِنْدَهم لا يُكَذِّبُونَهُ. فَما بَقِيَ بَعْدَ التَّعَنُّتِ (p-٥٥٦٥)والجَحْدِ إلّا انْتِظارُ سُنَّةِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الجاحِدَةِ، كَما أشارَ لَهُ في آخِرِ السُّورَةِ.
هَذا مُلَخَّصُ مَعْنى الآياتِ، وما عَداهُ فَتَوَسُّعٌ وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما تُجَوِّزُهُ مادَّتُهُ. وكُلُّ ما يَتَّسِعُ لَهُ اللَّفْظُ هو المُرادُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الثّانِي:- ما قَدَّمْناهُ مِن رُجُوعِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] إلَخْ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ أيَّدْناهُ بِما رَأيْتَ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجْمِ هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ -كَما قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ- والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيِ: القُوَّةِ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وهو الَّذِي رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى. انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ ﷺ ««رَأى جِبْرِيلَ، ولَمْ يَرَهُ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، ومَرَّةً في جِيادٍ -مَكانٍ بِمَكَّةَ- لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، قَدْ سَدَّ الأُفُقَ»» .
وأمّا ما وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ: ««دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى، (p-٥٥٦٦)حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى»»، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن زِيادَةِ شَرِيكٍ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، فَهو دُنُوٌّ وتَدُلُّ غَيْرُ ما في سُورَةِ النَّجْمِ، نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلَيْهِ تَعالى، كَسائِرِ الصِّفاتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في رِوايَةِ شَرِيكٍ، فَإنْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى وقْتٍ آخَرَ، وقِصَّةٍ أُخْرى، لا أنَّها تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ، لا لَيْلَةَ الإسْراءِ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى، فَهَذِهِ هي لَيْلَةُ الإسْراءِ، والأُولى كانَتْ في الأرْضِ. انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في الإسْراءِ زِيادَةٌ عَلى مَذْهَبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ ﷺ رَأى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في حَمْلِهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ، أصَحُّ.
قالَ العِمادُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو الحَقُّ، «فَإنَّ أبا ذَرٍّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: «نُورٌ أنّى أراهُ»» . وفي رِوايَةٍ: «رَأيْتُ نُورًا» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وقَوْلُهُ:
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وكَذَلِكَ هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولا يُعْرَفُ لَهم (p-٥٥٦٧)مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذا بِهَذا. انْتَهى.
وقالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، وصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وصَحَّ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: ««نُورٌ أنّى أراهُ»» أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما في لَفْظٍ آخَرَ: «رَأيْتُ نُورًا» .
وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتِّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَآهُ مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى»»، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتَبَسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ. وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ»» فَإنَّهُ حَدِيثٌ إسْنادُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِن حَدِيثِ المَنامِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أتانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ في أحْسَنِ صُورَةٍ –(أحْسَبُهُ، يَعْنِي في النَّوْمِ)- فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ (p-٥٥٦٨)قالَ قُلْتُ: لا. فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتّى وجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ -أوْ قالَ نَحْرِي- فَعَلِمْتُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ! يَخْتَصِمُونَ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ. قالَ وما الكَفّاراتُ؟ قالَ: قُلْتُ: المُكْثُ في المَساجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، والمَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإبْلاغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ! مَن فَعَلَ ذَلِكَ عاشَ بِخَيْرٍ، وماتَ بِخَيْرٍ. وكانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ. وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إذا صَلَّيْتَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المَساكِينِ، وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً، أنْ تَقْبِضَنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ»» .
قالَ: ««والدَّرَجاتُ بَذْلُ الطَّعامِ، وإفْشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ»» .
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] أيِ: الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا، وبِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، أنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ولَوْ كانَ رَأى لَأخْبَرَ بِذَلِكَ، ولَقالَ ذَلِكَ لِلنّاسِ. انْتَهى.
الثّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ لِإثْباتِ المِعْراجِ النَّبَوِيِّ، أعْنِي: عُرُوجَهُ ﷺ، وصُعُودَهُ وارْتِقاءَهُ إلى ما فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ، كَما ذَكَرَ في أحادِيثِ المِعْراجِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَوْقَ السَّماواتِ، ومُشاهَدَةِ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ.
قالَ القَلْيُوبِيُّ: لَمّا كانَ الإسْراءُ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ عَلى المِعْراجِ، لِأنَّهُ كالوَسِيلَةِ والبُرْهانِ، إذْ يَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِخَوارِقِ العادَةِ فِيهِ، التَّصْدِيقُ بِالمِعْراجِ وما فِيهِ. وكانَ ما في المِعْراجِ مِنَ الخَوارِقِ أعْظَمَ وأكْثَرَ، صَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقَسَمِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ ثُبُوتِهِ، والرَّدِّ عَلى مُنْكِرِيهِ والطّاعِنِينَ فِيهِ، واسْتَطْرَدَ مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلى مَن نَسَبَ إلَيْهِ ﷺ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] إلَخِ. انْتَهى.
(p-٥٥٦٩)ومِمّا قَدَّمْنا يَظْهَرُ أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ لِتَأْيِيدِ الرِّسالَةِ النَّبَوِيَّةِ، وتَحْقِيقِ الوَحْيِ، بِأنَّهُ تَعْلِيمُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، مَرْئِيٍّ لِلْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ رُؤْيَةً تَدْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، لا لِإثْباتِ المِعْراجِ.
ثُمَّ مِنَ الغَرائِبِ أيْضًا هُنا، قَوْلُ بَعْضِهِمْ مُحاوِلًا سِرَّ إفْرادِ الإسْراءِ عَنِ المِعْراجِ، وذِكْرِ كُلٍّ في سُورَةٍ، ما مِثالُهُ: إنَّ الإسْراءَ أُنْزِلَ أوَّلًا وحْدَهُ، حَمْلًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَسْلِيمِ ما وضَحَ صِدْقُهُ ﷺ فِيهِ، تَوَصُّلًا لِلتَّصْدِيقِ بِما وراءَهُ فَإنَّهُ ﷺ أرْشَدَ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا بِالإسْراءِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، لِأنَّ قُرَيْشًا تَعْرِفُهُ، فَيَسْألُونَهُ عَنْهُ فَيُخْبِرُهم بِما يَعْرِفُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ قَطُّ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وكَذَلِكَ وقَعَ، كَما ذَكَرَ في الرِّواياتِ. وعَلى أثَرِ هَذا الإخْبارِ أُنْزِلَ بَيانُ الإسْراءِ، ثُمَّ أُلْهِمَ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالمِعْراجِ إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ، ورُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ في سُورَةِ النَّجْمِ. انْتَهى. فَكُلُّ هَذا مِمّا لا سَنَدَ لَهُ، نَعَمْ! رَوى البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ في حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ، أنَّهُ ﷺ أصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِالأعاجِيبِ: ««إنِّي أتَيْتُ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِي إلى السَّماءِ ورَأيْتُ كَذا وكَذا»» إلّا أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن مَرْوِيّاتِ الصَّحِيحَيْنِ، ولا حُجَّةَ في الأخْبارِ إلّا مَرْوِيُّهُما. وبِالجُمْلَةِ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو أنَّ المِعْراجَ لَمْ يَرِدْ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ مُطْلَقًا، وما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ التَّكْوِيرِ، فَلا عَلاقَةَ لَهُ بِالمِعْراجِ، وإنَّما هي رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِجِبْرِيلَ مِنَ الأرْضِ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا المِعْراجُ فَإنَّما كانَ رُؤْيا مَنامِيَّةً رُوحانِيَّةً؛ لِصَرِيحِ حَدِيثِ البُخارِيِّ في ذَلِكَ مِن طُرُقِهِ الَّتِي عَنْ أنَسٍ ومالِكِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ. قالَ بَعْضُهم ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ في حَدِيثِ المِعْراجِ، بِحَسَبِ رِوايَةِ البُخارِيِّ الَّتِي هي مِن أصَحِّ الرِّواياتِ بِالإجْماعِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سارَ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، بَلِ المَذْكُورُ فِيهِ أنَّهُ سارَ مُباشَرَةً مِن مَكَّةَ إلى السَّماءِ الأُولى، وكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ فارَقَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلِ المَذْكُورُ أنَّهُ كانَ مُصاحِبًا لَهُ مِن أوَّلِ المِعْراجِ إلى آخِرِهِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِمّا وقَعَ يَقَظَةً، هو غَيْرُ ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، مِمّا وقَعَ مَنامًا في وقْتٍ آخَرَ، (p-٥٥٧٠)وإلّا لَذُكِرا مَعًا في سِياقٍ واحِدٍ، إمّا في القُرْآنِ، وإمّا في أصَحِّ الأحادِيثِ، وهو الأمْرُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ إلّا في بَعْضِ رِواياتٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وهي مِن خَلْطِ بَعْضِ الرُّواةِ الحَوادِثَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. انْتَهى واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى مُنْكِرًا عَلى المُشْرِكِينَ عِبادَتَهُمُ الأوْثانَ، واتِّخاذَهم لَها البُيُوتَ، مُضاهاةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بَناها خَلِيلُ الرَّحْمَنِ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ:
النجم 53:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨]
﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ: مَرَّةً أُخْرى مِنَ النُّزُولِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنِ الرُّؤْيَةِ (p-٥٥٦٣)الثّانِيَةِ هَذِهِ، لِنَفْيِ الرِّيبَةِ والشَّكِّ عَنْها أيْضًا، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها التِباسٌ واشْتِباهٌ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] أيْ: مَوْضِعِ الِانْتِهاءِ. فَـ المُنْتَهى: اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ. وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّها ««شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَّماءِ السّابِعَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وما يَهْبِطُ بِهِ مِن فَوْقِها، فَيُقْبَضُ مِنها»» .
قالَ القاضِي: ولَعَلَّها شُبِّهَتْ بِالسِّدْرَةِ، وهي شَجَرَةُ النَّبْقِ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ في ظِلِّها، يَعْنِي أنَّ شَجَرَ النَّبْقِ يَجْتَمِعُ النّاسُ في ظِلِّهِ، وهَذِهِ يَجْتَمِعُ عِنْدَها المَلائِكَةُ، فَشُبِّهَتْ بِها، وسُمِّيَتْ سِدْرَةً لِذَلِكَ. فَإطْلاقُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، لَكِنْ ورَدَ في الحَدِيثِ ««أنَّ كُلَّ نَبْقَةٍ فِيها كَقُلَّةٍ مِن قِلالِ هَجَرَ»»، فَهي عَلى هَذا حَقِيقِيَّةٌ، وهو الأظْهَرُ، قالَهُ الشِّهابُ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] أيِ: الَّتِي يَأْوِي إلَيْها أرْواحُ المُقَرَّبِينَ.
﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مِن جَلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ. مَعْناهُ أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى حِينَما كانَتِ الأرْواحُ والمَلائِكَةُ تَغْشاها، وتَهْبِطُ عَلَيْها، وتَحُفُّ مِن حَوْلِها.
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا رَآهُ.
﴿وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما تَجاوَزَ مَرْئِيَّةِ المَقْصُودِ لَهُ، بَلْ أثْبَتَ ما رَآهُ إثْباتًا مُسْتَيْقِنًا صَحِيحًا لا شُبْهَةَ فِيهِ. وفِيهِ وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ وتَمَكُّنِهِ، إذْ لَمْ يَتَجاوَزْ ما أُمِرَ بِرُؤْيَتِهِ.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] يَعْنِي المَلَكَ الَّذِي عايَنَهُ وأخْبَرَهُ بِرِسالَتِهِ. وفِيهِ غايَةُ التَّفْخِيمِ لِمَقامِهِ، وأنَّهُ مِنَ الآياتِ الكُبَرِ.
قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ " الكُبْرى " صِفَةً لِآياتٍ، ويَكُونُ المَرْئِيُّ مَحْذُوفًا لِتَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى أُمُورًا عِظامًا لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ. والحَذْفُ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ وأهْوَلُ.
(p-٥٥٦٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأقْوالِ العَدِيدَةِ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِها مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، كَتَوْجِيهِ ابْنِ جَرِيرٍ والرّازِيِّ ومَن وافَقَهُما، وبَعْضِ أقْوالٍ حَكاها القُرْطُبِيُّ. والأقْرَبُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ، كَما نَقَلْناهُ عَنْهُ، لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيما يُفَسِّرُها بِذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ في تَأْيِيدِهِ: إنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِتَشابُهِ آياتِهِ الكَرِيمَةِ وتَماثُلِها. والآيَةُ هَذِهِ مُشابِهَةٌ لِما في سُورَةِ التَّكْوِيرِ تَمامَ المُشابَهَةِ، فَقَدْ قالَ تَعالى ثَمَّةَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] فَتَرى هَذِهِ الآياتِ مُشابِهَةً لِلْآياتِ هُنا، وإنْ كانَ فِيما هُنا زِيادَةُ رُؤْيَةٍ، وبَيانُ دُنُوٍّ واقْتِرابٍ لَمْ يُذْكَرْ في (التَّكْوِيرِ). وسِرُّ الزِّيادَةِ هو ارْتِقاءُ النَّبِيِّ ﷺ في مَعارِجِ الكَمالاتِ وقْتًا فَوَقْتًا، وسُورَةُ النَّجْمِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، كَما حَكاهُ في (الإتْقانِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فَلِذَلِكَ كانَ في (النَّجْمِ) زِيادَةُ هَذا التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ. وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ مِن هَذا القُرْآنِ لَيْسَ عَنْ هَواهُ، وإنَّما هو وحْيٌ عَلَّمَهُ إيّاهُ مَلَكٌ كَرِيمٌ، جَمُّ المَناقِبِ، لِأنَّهُ شَدِيدُ القُوى، ذُو مِرَّةٍ، رَفِيعُ المَكانَةِ بِالأُفُقِ الأعْلى. ثُمَّ لَمّا شاءَ تَعالى إنْزالَ وحْيِهِ عَلى نَبِيِّهِ تَنَزَّلَ مِنَ الأُفُقِ ودَنا إلَيْهِ، وكانَ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ، والتَّمَكُّنِ مِن رُؤْيَتِهِ، وتَلَقِّي الوَحْيِ عَنْهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ. وكَيْفَ يُمارِي مَن يَرى بِبَصَرِهِ ما يُصَدِّقُهُ فُؤادُهُ فِيهِ ولا يُكَذِّبُهُ، لا سِيَّما ولَمْ تَكُنْ رُؤْياهُ لَهُ مَرَّةً واحِدَةً، بَلْ رَآهُ نَزْلَةً ثانِيَةً، نَزَلَ إلَيْهِ بِالوَحْيِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ لا يُشْتَبَهُ عَلى رائِيهِ، وهو سِدْرَةُ المُنْتَهى. وبِالجُمْلَةِ، فَتَوافُقُ هَذِهِ الآياتِ لِآياتِ (التَّكْوِيرِ) مِن تَفْسِيرِ بَعْضِها بَعْضًا، أمْرٌ لا خَفاءَ بِهِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِ، وكُلُّهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ، وإقْسامٌ عَلى حَقِيقَةِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وصِدْقُ ما يُخْبِرُ بِهِ، لا سِيَّما وهو صادِقٌ عِنْدَهم لا يُكَذِّبُونَهُ. فَما بَقِيَ بَعْدَ التَّعَنُّتِ (p-٥٥٦٥)والجَحْدِ إلّا انْتِظارُ سُنَّةِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الجاحِدَةِ، كَما أشارَ لَهُ في آخِرِ السُّورَةِ.
هَذا مُلَخَّصُ مَعْنى الآياتِ، وما عَداهُ فَتَوَسُّعٌ وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما تُجَوِّزُهُ مادَّتُهُ. وكُلُّ ما يَتَّسِعُ لَهُ اللَّفْظُ هو المُرادُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الثّانِي:- ما قَدَّمْناهُ مِن رُجُوعِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] إلَخْ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ أيَّدْناهُ بِما رَأيْتَ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجْمِ هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ -كَما قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ- والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيِ: القُوَّةِ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وهو الَّذِي رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى. انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ ﷺ ««رَأى جِبْرِيلَ، ولَمْ يَرَهُ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، ومَرَّةً في جِيادٍ -مَكانٍ بِمَكَّةَ- لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، قَدْ سَدَّ الأُفُقَ»» .
وأمّا ما وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ: ««دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى، (p-٥٥٦٦)حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى»»، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن زِيادَةِ شَرِيكٍ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، فَهو دُنُوٌّ وتَدُلُّ غَيْرُ ما في سُورَةِ النَّجْمِ، نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلَيْهِ تَعالى، كَسائِرِ الصِّفاتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في رِوايَةِ شَرِيكٍ، فَإنْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى وقْتٍ آخَرَ، وقِصَّةٍ أُخْرى، لا أنَّها تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ، لا لَيْلَةَ الإسْراءِ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى، فَهَذِهِ هي لَيْلَةُ الإسْراءِ، والأُولى كانَتْ في الأرْضِ. انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في الإسْراءِ زِيادَةٌ عَلى مَذْهَبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ ﷺ رَأى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في حَمْلِهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ، أصَحُّ.
قالَ العِمادُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو الحَقُّ، «فَإنَّ أبا ذَرٍّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: «نُورٌ أنّى أراهُ»» . وفي رِوايَةٍ: «رَأيْتُ نُورًا» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وقَوْلُهُ:
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وكَذَلِكَ هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولا يُعْرَفُ لَهم (p-٥٥٦٧)مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذا بِهَذا. انْتَهى.
وقالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، وصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وصَحَّ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: ««نُورٌ أنّى أراهُ»» أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما في لَفْظٍ آخَرَ: «رَأيْتُ نُورًا» .
وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتِّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَآهُ مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى»»، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتَبَسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ. وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ»» فَإنَّهُ حَدِيثٌ إسْنادُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِن حَدِيثِ المَنامِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أتانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ في أحْسَنِ صُورَةٍ –(أحْسَبُهُ، يَعْنِي في النَّوْمِ)- فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ (p-٥٥٦٨)قالَ قُلْتُ: لا. فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتّى وجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ -أوْ قالَ نَحْرِي- فَعَلِمْتُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ! يَخْتَصِمُونَ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ. قالَ وما الكَفّاراتُ؟ قالَ: قُلْتُ: المُكْثُ في المَساجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، والمَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإبْلاغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ! مَن فَعَلَ ذَلِكَ عاشَ بِخَيْرٍ، وماتَ بِخَيْرٍ. وكانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ. وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إذا صَلَّيْتَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المَساكِينِ، وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً، أنْ تَقْبِضَنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ»» .
قالَ: ««والدَّرَجاتُ بَذْلُ الطَّعامِ، وإفْشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ»» .
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] أيِ: الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا، وبِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، أنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ولَوْ كانَ رَأى لَأخْبَرَ بِذَلِكَ، ولَقالَ ذَلِكَ لِلنّاسِ. انْتَهى.
الثّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ لِإثْباتِ المِعْراجِ النَّبَوِيِّ، أعْنِي: عُرُوجَهُ ﷺ، وصُعُودَهُ وارْتِقاءَهُ إلى ما فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ، كَما ذَكَرَ في أحادِيثِ المِعْراجِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَوْقَ السَّماواتِ، ومُشاهَدَةِ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ.
قالَ القَلْيُوبِيُّ: لَمّا كانَ الإسْراءُ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ عَلى المِعْراجِ، لِأنَّهُ كالوَسِيلَةِ والبُرْهانِ، إذْ يَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِخَوارِقِ العادَةِ فِيهِ، التَّصْدِيقُ بِالمِعْراجِ وما فِيهِ. وكانَ ما في المِعْراجِ مِنَ الخَوارِقِ أعْظَمَ وأكْثَرَ، صَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقَسَمِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ ثُبُوتِهِ، والرَّدِّ عَلى مُنْكِرِيهِ والطّاعِنِينَ فِيهِ، واسْتَطْرَدَ مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلى مَن نَسَبَ إلَيْهِ ﷺ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] إلَخِ. انْتَهى.
(p-٥٥٦٩)ومِمّا قَدَّمْنا يَظْهَرُ أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ لِتَأْيِيدِ الرِّسالَةِ النَّبَوِيَّةِ، وتَحْقِيقِ الوَحْيِ، بِأنَّهُ تَعْلِيمُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، مَرْئِيٍّ لِلْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ رُؤْيَةً تَدْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، لا لِإثْباتِ المِعْراجِ.
ثُمَّ مِنَ الغَرائِبِ أيْضًا هُنا، قَوْلُ بَعْضِهِمْ مُحاوِلًا سِرَّ إفْرادِ الإسْراءِ عَنِ المِعْراجِ، وذِكْرِ كُلٍّ في سُورَةٍ، ما مِثالُهُ: إنَّ الإسْراءَ أُنْزِلَ أوَّلًا وحْدَهُ، حَمْلًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَسْلِيمِ ما وضَحَ صِدْقُهُ ﷺ فِيهِ، تَوَصُّلًا لِلتَّصْدِيقِ بِما وراءَهُ فَإنَّهُ ﷺ أرْشَدَ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا بِالإسْراءِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، لِأنَّ قُرَيْشًا تَعْرِفُهُ، فَيَسْألُونَهُ عَنْهُ فَيُخْبِرُهم بِما يَعْرِفُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ قَطُّ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وكَذَلِكَ وقَعَ، كَما ذَكَرَ في الرِّواياتِ. وعَلى أثَرِ هَذا الإخْبارِ أُنْزِلَ بَيانُ الإسْراءِ، ثُمَّ أُلْهِمَ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالمِعْراجِ إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ، ورُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ في سُورَةِ النَّجْمِ. انْتَهى. فَكُلُّ هَذا مِمّا لا سَنَدَ لَهُ، نَعَمْ! رَوى البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ في حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ، أنَّهُ ﷺ أصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِالأعاجِيبِ: ««إنِّي أتَيْتُ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِي إلى السَّماءِ ورَأيْتُ كَذا وكَذا»» إلّا أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن مَرْوِيّاتِ الصَّحِيحَيْنِ، ولا حُجَّةَ في الأخْبارِ إلّا مَرْوِيُّهُما. وبِالجُمْلَةِ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو أنَّ المِعْراجَ لَمْ يَرِدْ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ مُطْلَقًا، وما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ التَّكْوِيرِ، فَلا عَلاقَةَ لَهُ بِالمِعْراجِ، وإنَّما هي رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِجِبْرِيلَ مِنَ الأرْضِ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا المِعْراجُ فَإنَّما كانَ رُؤْيا مَنامِيَّةً رُوحانِيَّةً؛ لِصَرِيحِ حَدِيثِ البُخارِيِّ في ذَلِكَ مِن طُرُقِهِ الَّتِي عَنْ أنَسٍ ومالِكِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ. قالَ بَعْضُهم ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ في حَدِيثِ المِعْراجِ، بِحَسَبِ رِوايَةِ البُخارِيِّ الَّتِي هي مِن أصَحِّ الرِّواياتِ بِالإجْماعِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سارَ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، بَلِ المَذْكُورُ فِيهِ أنَّهُ سارَ مُباشَرَةً مِن مَكَّةَ إلى السَّماءِ الأُولى، وكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ فارَقَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلِ المَذْكُورُ أنَّهُ كانَ مُصاحِبًا لَهُ مِن أوَّلِ المِعْراجِ إلى آخِرِهِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِمّا وقَعَ يَقَظَةً، هو غَيْرُ ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، مِمّا وقَعَ مَنامًا في وقْتٍ آخَرَ، (p-٥٥٧٠)وإلّا لَذُكِرا مَعًا في سِياقٍ واحِدٍ، إمّا في القُرْآنِ، وإمّا في أصَحِّ الأحادِيثِ، وهو الأمْرُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ إلّا في بَعْضِ رِواياتٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وهي مِن خَلْطِ بَعْضِ الرُّواةِ الحَوادِثَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. انْتَهى واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى مُنْكِرًا عَلى المُشْرِكِينَ عِبادَتَهُمُ الأوْثانَ، واتِّخاذَهم لَها البُيُوتَ، مُضاهاةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بَناها خَلِيلُ الرَّحْمَنِ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ:
النجم 53:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨]
﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ: مَرَّةً أُخْرى مِنَ النُّزُولِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنِ الرُّؤْيَةِ (p-٥٥٦٣)الثّانِيَةِ هَذِهِ، لِنَفْيِ الرِّيبَةِ والشَّكِّ عَنْها أيْضًا، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها التِباسٌ واشْتِباهٌ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] أيْ: مَوْضِعِ الِانْتِهاءِ. فَـ المُنْتَهى: اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ. وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّها ««شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَّماءِ السّابِعَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وما يَهْبِطُ بِهِ مِن فَوْقِها، فَيُقْبَضُ مِنها»» .
قالَ القاضِي: ولَعَلَّها شُبِّهَتْ بِالسِّدْرَةِ، وهي شَجَرَةُ النَّبْقِ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ في ظِلِّها، يَعْنِي أنَّ شَجَرَ النَّبْقِ يَجْتَمِعُ النّاسُ في ظِلِّهِ، وهَذِهِ يَجْتَمِعُ عِنْدَها المَلائِكَةُ، فَشُبِّهَتْ بِها، وسُمِّيَتْ سِدْرَةً لِذَلِكَ. فَإطْلاقُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، لَكِنْ ورَدَ في الحَدِيثِ ««أنَّ كُلَّ نَبْقَةٍ فِيها كَقُلَّةٍ مِن قِلالِ هَجَرَ»»، فَهي عَلى هَذا حَقِيقِيَّةٌ، وهو الأظْهَرُ، قالَهُ الشِّهابُ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] أيِ: الَّتِي يَأْوِي إلَيْها أرْواحُ المُقَرَّبِينَ.
﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مِن جَلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ. مَعْناهُ أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى حِينَما كانَتِ الأرْواحُ والمَلائِكَةُ تَغْشاها، وتَهْبِطُ عَلَيْها، وتَحُفُّ مِن حَوْلِها.
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا رَآهُ.
﴿وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما تَجاوَزَ مَرْئِيَّةِ المَقْصُودِ لَهُ، بَلْ أثْبَتَ ما رَآهُ إثْباتًا مُسْتَيْقِنًا صَحِيحًا لا شُبْهَةَ فِيهِ. وفِيهِ وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ وتَمَكُّنِهِ، إذْ لَمْ يَتَجاوَزْ ما أُمِرَ بِرُؤْيَتِهِ.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] يَعْنِي المَلَكَ الَّذِي عايَنَهُ وأخْبَرَهُ بِرِسالَتِهِ. وفِيهِ غايَةُ التَّفْخِيمِ لِمَقامِهِ، وأنَّهُ مِنَ الآياتِ الكُبَرِ.
قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ " الكُبْرى " صِفَةً لِآياتٍ، ويَكُونُ المَرْئِيُّ مَحْذُوفًا لِتَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى أُمُورًا عِظامًا لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ. والحَذْفُ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ وأهْوَلُ.
(p-٥٥٦٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأقْوالِ العَدِيدَةِ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِها مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، كَتَوْجِيهِ ابْنِ جَرِيرٍ والرّازِيِّ ومَن وافَقَهُما، وبَعْضِ أقْوالٍ حَكاها القُرْطُبِيُّ. والأقْرَبُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ، كَما نَقَلْناهُ عَنْهُ، لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيما يُفَسِّرُها بِذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ في تَأْيِيدِهِ: إنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِتَشابُهِ آياتِهِ الكَرِيمَةِ وتَماثُلِها. والآيَةُ هَذِهِ مُشابِهَةٌ لِما في سُورَةِ التَّكْوِيرِ تَمامَ المُشابَهَةِ، فَقَدْ قالَ تَعالى ثَمَّةَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] فَتَرى هَذِهِ الآياتِ مُشابِهَةً لِلْآياتِ هُنا، وإنْ كانَ فِيما هُنا زِيادَةُ رُؤْيَةٍ، وبَيانُ دُنُوٍّ واقْتِرابٍ لَمْ يُذْكَرْ في (التَّكْوِيرِ). وسِرُّ الزِّيادَةِ هو ارْتِقاءُ النَّبِيِّ ﷺ في مَعارِجِ الكَمالاتِ وقْتًا فَوَقْتًا، وسُورَةُ النَّجْمِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، كَما حَكاهُ في (الإتْقانِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فَلِذَلِكَ كانَ في (النَّجْمِ) زِيادَةُ هَذا التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ. وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ مِن هَذا القُرْآنِ لَيْسَ عَنْ هَواهُ، وإنَّما هو وحْيٌ عَلَّمَهُ إيّاهُ مَلَكٌ كَرِيمٌ، جَمُّ المَناقِبِ، لِأنَّهُ شَدِيدُ القُوى، ذُو مِرَّةٍ، رَفِيعُ المَكانَةِ بِالأُفُقِ الأعْلى. ثُمَّ لَمّا شاءَ تَعالى إنْزالَ وحْيِهِ عَلى نَبِيِّهِ تَنَزَّلَ مِنَ الأُفُقِ ودَنا إلَيْهِ، وكانَ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ، والتَّمَكُّنِ مِن رُؤْيَتِهِ، وتَلَقِّي الوَحْيِ عَنْهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ. وكَيْفَ يُمارِي مَن يَرى بِبَصَرِهِ ما يُصَدِّقُهُ فُؤادُهُ فِيهِ ولا يُكَذِّبُهُ، لا سِيَّما ولَمْ تَكُنْ رُؤْياهُ لَهُ مَرَّةً واحِدَةً، بَلْ رَآهُ نَزْلَةً ثانِيَةً، نَزَلَ إلَيْهِ بِالوَحْيِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ لا يُشْتَبَهُ عَلى رائِيهِ، وهو سِدْرَةُ المُنْتَهى. وبِالجُمْلَةِ، فَتَوافُقُ هَذِهِ الآياتِ لِآياتِ (التَّكْوِيرِ) مِن تَفْسِيرِ بَعْضِها بَعْضًا، أمْرٌ لا خَفاءَ بِهِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِ، وكُلُّهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ، وإقْسامٌ عَلى حَقِيقَةِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وصِدْقُ ما يُخْبِرُ بِهِ، لا سِيَّما وهو صادِقٌ عِنْدَهم لا يُكَذِّبُونَهُ. فَما بَقِيَ بَعْدَ التَّعَنُّتِ (p-٥٥٦٥)والجَحْدِ إلّا انْتِظارُ سُنَّةِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الجاحِدَةِ، كَما أشارَ لَهُ في آخِرِ السُّورَةِ.
هَذا مُلَخَّصُ مَعْنى الآياتِ، وما عَداهُ فَتَوَسُّعٌ وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما تُجَوِّزُهُ مادَّتُهُ. وكُلُّ ما يَتَّسِعُ لَهُ اللَّفْظُ هو المُرادُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الثّانِي:- ما قَدَّمْناهُ مِن رُجُوعِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] إلَخْ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ أيَّدْناهُ بِما رَأيْتَ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجْمِ هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ -كَما قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ- والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيِ: القُوَّةِ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وهو الَّذِي رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى. انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ ﷺ ««رَأى جِبْرِيلَ، ولَمْ يَرَهُ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، ومَرَّةً في جِيادٍ -مَكانٍ بِمَكَّةَ- لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، قَدْ سَدَّ الأُفُقَ»» .
وأمّا ما وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ: ««دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى، (p-٥٥٦٦)حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى»»، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن زِيادَةِ شَرِيكٍ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، فَهو دُنُوٌّ وتَدُلُّ غَيْرُ ما في سُورَةِ النَّجْمِ، نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلَيْهِ تَعالى، كَسائِرِ الصِّفاتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في رِوايَةِ شَرِيكٍ، فَإنْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى وقْتٍ آخَرَ، وقِصَّةٍ أُخْرى، لا أنَّها تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ، لا لَيْلَةَ الإسْراءِ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى، فَهَذِهِ هي لَيْلَةُ الإسْراءِ، والأُولى كانَتْ في الأرْضِ. انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في الإسْراءِ زِيادَةٌ عَلى مَذْهَبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ ﷺ رَأى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في حَمْلِهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ، أصَحُّ.
قالَ العِمادُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو الحَقُّ، «فَإنَّ أبا ذَرٍّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: «نُورٌ أنّى أراهُ»» . وفي رِوايَةٍ: «رَأيْتُ نُورًا» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وقَوْلُهُ:
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وكَذَلِكَ هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولا يُعْرَفُ لَهم (p-٥٥٦٧)مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذا بِهَذا. انْتَهى.
وقالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، وصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وصَحَّ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: ««نُورٌ أنّى أراهُ»» أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما في لَفْظٍ آخَرَ: «رَأيْتُ نُورًا» .
وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتِّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَآهُ مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى»»، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتَبَسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ. وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ»» فَإنَّهُ حَدِيثٌ إسْنادُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِن حَدِيثِ المَنامِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أتانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ في أحْسَنِ صُورَةٍ –(أحْسَبُهُ، يَعْنِي في النَّوْمِ)- فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ (p-٥٥٦٨)قالَ قُلْتُ: لا. فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتّى وجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ -أوْ قالَ نَحْرِي- فَعَلِمْتُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ! يَخْتَصِمُونَ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ. قالَ وما الكَفّاراتُ؟ قالَ: قُلْتُ: المُكْثُ في المَساجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، والمَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإبْلاغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ! مَن فَعَلَ ذَلِكَ عاشَ بِخَيْرٍ، وماتَ بِخَيْرٍ. وكانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ. وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إذا صَلَّيْتَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المَساكِينِ، وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً، أنْ تَقْبِضَنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ»» .
قالَ: ««والدَّرَجاتُ بَذْلُ الطَّعامِ، وإفْشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ»» .
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] أيِ: الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا، وبِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، أنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ولَوْ كانَ رَأى لَأخْبَرَ بِذَلِكَ، ولَقالَ ذَلِكَ لِلنّاسِ. انْتَهى.
الثّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ لِإثْباتِ المِعْراجِ النَّبَوِيِّ، أعْنِي: عُرُوجَهُ ﷺ، وصُعُودَهُ وارْتِقاءَهُ إلى ما فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ، كَما ذَكَرَ في أحادِيثِ المِعْراجِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَوْقَ السَّماواتِ، ومُشاهَدَةِ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ.
قالَ القَلْيُوبِيُّ: لَمّا كانَ الإسْراءُ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ عَلى المِعْراجِ، لِأنَّهُ كالوَسِيلَةِ والبُرْهانِ، إذْ يَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِخَوارِقِ العادَةِ فِيهِ، التَّصْدِيقُ بِالمِعْراجِ وما فِيهِ. وكانَ ما في المِعْراجِ مِنَ الخَوارِقِ أعْظَمَ وأكْثَرَ، صَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقَسَمِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ ثُبُوتِهِ، والرَّدِّ عَلى مُنْكِرِيهِ والطّاعِنِينَ فِيهِ، واسْتَطْرَدَ مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلى مَن نَسَبَ إلَيْهِ ﷺ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] إلَخِ. انْتَهى.
(p-٥٥٦٩)ومِمّا قَدَّمْنا يَظْهَرُ أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ لِتَأْيِيدِ الرِّسالَةِ النَّبَوِيَّةِ، وتَحْقِيقِ الوَحْيِ، بِأنَّهُ تَعْلِيمُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، مَرْئِيٍّ لِلْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ رُؤْيَةً تَدْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، لا لِإثْباتِ المِعْراجِ.
ثُمَّ مِنَ الغَرائِبِ أيْضًا هُنا، قَوْلُ بَعْضِهِمْ مُحاوِلًا سِرَّ إفْرادِ الإسْراءِ عَنِ المِعْراجِ، وذِكْرِ كُلٍّ في سُورَةٍ، ما مِثالُهُ: إنَّ الإسْراءَ أُنْزِلَ أوَّلًا وحْدَهُ، حَمْلًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَسْلِيمِ ما وضَحَ صِدْقُهُ ﷺ فِيهِ، تَوَصُّلًا لِلتَّصْدِيقِ بِما وراءَهُ فَإنَّهُ ﷺ أرْشَدَ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا بِالإسْراءِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، لِأنَّ قُرَيْشًا تَعْرِفُهُ، فَيَسْألُونَهُ عَنْهُ فَيُخْبِرُهم بِما يَعْرِفُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ قَطُّ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وكَذَلِكَ وقَعَ، كَما ذَكَرَ في الرِّواياتِ. وعَلى أثَرِ هَذا الإخْبارِ أُنْزِلَ بَيانُ الإسْراءِ، ثُمَّ أُلْهِمَ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالمِعْراجِ إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ، ورُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ في سُورَةِ النَّجْمِ. انْتَهى. فَكُلُّ هَذا مِمّا لا سَنَدَ لَهُ، نَعَمْ! رَوى البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ في حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ، أنَّهُ ﷺ أصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِالأعاجِيبِ: ««إنِّي أتَيْتُ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِي إلى السَّماءِ ورَأيْتُ كَذا وكَذا»» إلّا أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن مَرْوِيّاتِ الصَّحِيحَيْنِ، ولا حُجَّةَ في الأخْبارِ إلّا مَرْوِيُّهُما. وبِالجُمْلَةِ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو أنَّ المِعْراجَ لَمْ يَرِدْ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ مُطْلَقًا، وما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ التَّكْوِيرِ، فَلا عَلاقَةَ لَهُ بِالمِعْراجِ، وإنَّما هي رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِجِبْرِيلَ مِنَ الأرْضِ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا المِعْراجُ فَإنَّما كانَ رُؤْيا مَنامِيَّةً رُوحانِيَّةً؛ لِصَرِيحِ حَدِيثِ البُخارِيِّ في ذَلِكَ مِن طُرُقِهِ الَّتِي عَنْ أنَسٍ ومالِكِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ. قالَ بَعْضُهم ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ في حَدِيثِ المِعْراجِ، بِحَسَبِ رِوايَةِ البُخارِيِّ الَّتِي هي مِن أصَحِّ الرِّواياتِ بِالإجْماعِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سارَ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، بَلِ المَذْكُورُ فِيهِ أنَّهُ سارَ مُباشَرَةً مِن مَكَّةَ إلى السَّماءِ الأُولى، وكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ فارَقَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلِ المَذْكُورُ أنَّهُ كانَ مُصاحِبًا لَهُ مِن أوَّلِ المِعْراجِ إلى آخِرِهِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِمّا وقَعَ يَقَظَةً، هو غَيْرُ ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، مِمّا وقَعَ مَنامًا في وقْتٍ آخَرَ، (p-٥٥٧٠)وإلّا لَذُكِرا مَعًا في سِياقٍ واحِدٍ، إمّا في القُرْآنِ، وإمّا في أصَحِّ الأحادِيثِ، وهو الأمْرُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ إلّا في بَعْضِ رِواياتٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وهي مِن خَلْطِ بَعْضِ الرُّواةِ الحَوادِثَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. انْتَهى واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى مُنْكِرًا عَلى المُشْرِكِينَ عِبادَتَهُمُ الأوْثانَ، واتِّخاذَهم لَها البُيُوتَ، مُضاهاةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بَناها خَلِيلُ الرَّحْمَنِ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ:
النجم 53:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨]
﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ: مَرَّةً أُخْرى مِنَ النُّزُولِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنِ الرُّؤْيَةِ (p-٥٥٦٣)الثّانِيَةِ هَذِهِ، لِنَفْيِ الرِّيبَةِ والشَّكِّ عَنْها أيْضًا، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها التِباسٌ واشْتِباهٌ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] أيْ: مَوْضِعِ الِانْتِهاءِ. فَـ المُنْتَهى: اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ. وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّها ««شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَّماءِ السّابِعَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وما يَهْبِطُ بِهِ مِن فَوْقِها، فَيُقْبَضُ مِنها»» .
قالَ القاضِي: ولَعَلَّها شُبِّهَتْ بِالسِّدْرَةِ، وهي شَجَرَةُ النَّبْقِ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ في ظِلِّها، يَعْنِي أنَّ شَجَرَ النَّبْقِ يَجْتَمِعُ النّاسُ في ظِلِّهِ، وهَذِهِ يَجْتَمِعُ عِنْدَها المَلائِكَةُ، فَشُبِّهَتْ بِها، وسُمِّيَتْ سِدْرَةً لِذَلِكَ. فَإطْلاقُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، لَكِنْ ورَدَ في الحَدِيثِ ««أنَّ كُلَّ نَبْقَةٍ فِيها كَقُلَّةٍ مِن قِلالِ هَجَرَ»»، فَهي عَلى هَذا حَقِيقِيَّةٌ، وهو الأظْهَرُ، قالَهُ الشِّهابُ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] أيِ: الَّتِي يَأْوِي إلَيْها أرْواحُ المُقَرَّبِينَ.
﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مِن جَلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ. مَعْناهُ أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى حِينَما كانَتِ الأرْواحُ والمَلائِكَةُ تَغْشاها، وتَهْبِطُ عَلَيْها، وتَحُفُّ مِن حَوْلِها.
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا رَآهُ.
﴿وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما تَجاوَزَ مَرْئِيَّةِ المَقْصُودِ لَهُ، بَلْ أثْبَتَ ما رَآهُ إثْباتًا مُسْتَيْقِنًا صَحِيحًا لا شُبْهَةَ فِيهِ. وفِيهِ وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ وتَمَكُّنِهِ، إذْ لَمْ يَتَجاوَزْ ما أُمِرَ بِرُؤْيَتِهِ.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] يَعْنِي المَلَكَ الَّذِي عايَنَهُ وأخْبَرَهُ بِرِسالَتِهِ. وفِيهِ غايَةُ التَّفْخِيمِ لِمَقامِهِ، وأنَّهُ مِنَ الآياتِ الكُبَرِ.
قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ " الكُبْرى " صِفَةً لِآياتٍ، ويَكُونُ المَرْئِيُّ مَحْذُوفًا لِتَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى أُمُورًا عِظامًا لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ. والحَذْفُ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ وأهْوَلُ.
(p-٥٥٦٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأقْوالِ العَدِيدَةِ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِها مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، كَتَوْجِيهِ ابْنِ جَرِيرٍ والرّازِيِّ ومَن وافَقَهُما، وبَعْضِ أقْوالٍ حَكاها القُرْطُبِيُّ. والأقْرَبُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ، كَما نَقَلْناهُ عَنْهُ، لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيما يُفَسِّرُها بِذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ في تَأْيِيدِهِ: إنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِتَشابُهِ آياتِهِ الكَرِيمَةِ وتَماثُلِها. والآيَةُ هَذِهِ مُشابِهَةٌ لِما في سُورَةِ التَّكْوِيرِ تَمامَ المُشابَهَةِ، فَقَدْ قالَ تَعالى ثَمَّةَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] فَتَرى هَذِهِ الآياتِ مُشابِهَةً لِلْآياتِ هُنا، وإنْ كانَ فِيما هُنا زِيادَةُ رُؤْيَةٍ، وبَيانُ دُنُوٍّ واقْتِرابٍ لَمْ يُذْكَرْ في (التَّكْوِيرِ). وسِرُّ الزِّيادَةِ هو ارْتِقاءُ النَّبِيِّ ﷺ في مَعارِجِ الكَمالاتِ وقْتًا فَوَقْتًا، وسُورَةُ النَّجْمِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، كَما حَكاهُ في (الإتْقانِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فَلِذَلِكَ كانَ في (النَّجْمِ) زِيادَةُ هَذا التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ. وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ مِن هَذا القُرْآنِ لَيْسَ عَنْ هَواهُ، وإنَّما هو وحْيٌ عَلَّمَهُ إيّاهُ مَلَكٌ كَرِيمٌ، جَمُّ المَناقِبِ، لِأنَّهُ شَدِيدُ القُوى، ذُو مِرَّةٍ، رَفِيعُ المَكانَةِ بِالأُفُقِ الأعْلى. ثُمَّ لَمّا شاءَ تَعالى إنْزالَ وحْيِهِ عَلى نَبِيِّهِ تَنَزَّلَ مِنَ الأُفُقِ ودَنا إلَيْهِ، وكانَ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ، والتَّمَكُّنِ مِن رُؤْيَتِهِ، وتَلَقِّي الوَحْيِ عَنْهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ. وكَيْفَ يُمارِي مَن يَرى بِبَصَرِهِ ما يُصَدِّقُهُ فُؤادُهُ فِيهِ ولا يُكَذِّبُهُ، لا سِيَّما ولَمْ تَكُنْ رُؤْياهُ لَهُ مَرَّةً واحِدَةً، بَلْ رَآهُ نَزْلَةً ثانِيَةً، نَزَلَ إلَيْهِ بِالوَحْيِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ لا يُشْتَبَهُ عَلى رائِيهِ، وهو سِدْرَةُ المُنْتَهى. وبِالجُمْلَةِ، فَتَوافُقُ هَذِهِ الآياتِ لِآياتِ (التَّكْوِيرِ) مِن تَفْسِيرِ بَعْضِها بَعْضًا، أمْرٌ لا خَفاءَ بِهِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِ، وكُلُّهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ، وإقْسامٌ عَلى حَقِيقَةِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وصِدْقُ ما يُخْبِرُ بِهِ، لا سِيَّما وهو صادِقٌ عِنْدَهم لا يُكَذِّبُونَهُ. فَما بَقِيَ بَعْدَ التَّعَنُّتِ (p-٥٥٦٥)والجَحْدِ إلّا انْتِظارُ سُنَّةِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الجاحِدَةِ، كَما أشارَ لَهُ في آخِرِ السُّورَةِ.
هَذا مُلَخَّصُ مَعْنى الآياتِ، وما عَداهُ فَتَوَسُّعٌ وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما تُجَوِّزُهُ مادَّتُهُ. وكُلُّ ما يَتَّسِعُ لَهُ اللَّفْظُ هو المُرادُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الثّانِي:- ما قَدَّمْناهُ مِن رُجُوعِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] إلَخْ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ أيَّدْناهُ بِما رَأيْتَ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجْمِ هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ -كَما قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ- والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيِ: القُوَّةِ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وهو الَّذِي رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى. انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ ﷺ ««رَأى جِبْرِيلَ، ولَمْ يَرَهُ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، ومَرَّةً في جِيادٍ -مَكانٍ بِمَكَّةَ- لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، قَدْ سَدَّ الأُفُقَ»» .
وأمّا ما وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ: ««دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى، (p-٥٥٦٦)حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى»»، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن زِيادَةِ شَرِيكٍ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، فَهو دُنُوٌّ وتَدُلُّ غَيْرُ ما في سُورَةِ النَّجْمِ، نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلَيْهِ تَعالى، كَسائِرِ الصِّفاتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في رِوايَةِ شَرِيكٍ، فَإنْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى وقْتٍ آخَرَ، وقِصَّةٍ أُخْرى، لا أنَّها تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ، لا لَيْلَةَ الإسْراءِ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى، فَهَذِهِ هي لَيْلَةُ الإسْراءِ، والأُولى كانَتْ في الأرْضِ. انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في الإسْراءِ زِيادَةٌ عَلى مَذْهَبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ ﷺ رَأى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في حَمْلِهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ، أصَحُّ.
قالَ العِمادُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو الحَقُّ، «فَإنَّ أبا ذَرٍّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: «نُورٌ أنّى أراهُ»» . وفي رِوايَةٍ: «رَأيْتُ نُورًا» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وقَوْلُهُ:
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وكَذَلِكَ هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولا يُعْرَفُ لَهم (p-٥٥٦٧)مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذا بِهَذا. انْتَهى.
وقالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، وصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وصَحَّ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: ««نُورٌ أنّى أراهُ»» أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما في لَفْظٍ آخَرَ: «رَأيْتُ نُورًا» .
وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتِّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَآهُ مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى»»، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتَبَسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ. وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ»» فَإنَّهُ حَدِيثٌ إسْنادُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِن حَدِيثِ المَنامِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أتانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ في أحْسَنِ صُورَةٍ –(أحْسَبُهُ، يَعْنِي في النَّوْمِ)- فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ (p-٥٥٦٨)قالَ قُلْتُ: لا. فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتّى وجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ -أوْ قالَ نَحْرِي- فَعَلِمْتُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ! يَخْتَصِمُونَ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ. قالَ وما الكَفّاراتُ؟ قالَ: قُلْتُ: المُكْثُ في المَساجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، والمَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإبْلاغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ! مَن فَعَلَ ذَلِكَ عاشَ بِخَيْرٍ، وماتَ بِخَيْرٍ. وكانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ. وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إذا صَلَّيْتَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المَساكِينِ، وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً، أنْ تَقْبِضَنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ»» .
قالَ: ««والدَّرَجاتُ بَذْلُ الطَّعامِ، وإفْشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ»» .
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] أيِ: الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا، وبِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، أنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ولَوْ كانَ رَأى لَأخْبَرَ بِذَلِكَ، ولَقالَ ذَلِكَ لِلنّاسِ. انْتَهى.
الثّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ لِإثْباتِ المِعْراجِ النَّبَوِيِّ، أعْنِي: عُرُوجَهُ ﷺ، وصُعُودَهُ وارْتِقاءَهُ إلى ما فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ، كَما ذَكَرَ في أحادِيثِ المِعْراجِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَوْقَ السَّماواتِ، ومُشاهَدَةِ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ.
قالَ القَلْيُوبِيُّ: لَمّا كانَ الإسْراءُ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ عَلى المِعْراجِ، لِأنَّهُ كالوَسِيلَةِ والبُرْهانِ، إذْ يَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِخَوارِقِ العادَةِ فِيهِ، التَّصْدِيقُ بِالمِعْراجِ وما فِيهِ. وكانَ ما في المِعْراجِ مِنَ الخَوارِقِ أعْظَمَ وأكْثَرَ، صَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقَسَمِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ ثُبُوتِهِ، والرَّدِّ عَلى مُنْكِرِيهِ والطّاعِنِينَ فِيهِ، واسْتَطْرَدَ مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلى مَن نَسَبَ إلَيْهِ ﷺ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] إلَخِ. انْتَهى.
(p-٥٥٦٩)ومِمّا قَدَّمْنا يَظْهَرُ أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ لِتَأْيِيدِ الرِّسالَةِ النَّبَوِيَّةِ، وتَحْقِيقِ الوَحْيِ، بِأنَّهُ تَعْلِيمُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، مَرْئِيٍّ لِلْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ رُؤْيَةً تَدْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، لا لِإثْباتِ المِعْراجِ.
ثُمَّ مِنَ الغَرائِبِ أيْضًا هُنا، قَوْلُ بَعْضِهِمْ مُحاوِلًا سِرَّ إفْرادِ الإسْراءِ عَنِ المِعْراجِ، وذِكْرِ كُلٍّ في سُورَةٍ، ما مِثالُهُ: إنَّ الإسْراءَ أُنْزِلَ أوَّلًا وحْدَهُ، حَمْلًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَسْلِيمِ ما وضَحَ صِدْقُهُ ﷺ فِيهِ، تَوَصُّلًا لِلتَّصْدِيقِ بِما وراءَهُ فَإنَّهُ ﷺ أرْشَدَ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا بِالإسْراءِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، لِأنَّ قُرَيْشًا تَعْرِفُهُ، فَيَسْألُونَهُ عَنْهُ فَيُخْبِرُهم بِما يَعْرِفُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ قَطُّ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وكَذَلِكَ وقَعَ، كَما ذَكَرَ في الرِّواياتِ. وعَلى أثَرِ هَذا الإخْبارِ أُنْزِلَ بَيانُ الإسْراءِ، ثُمَّ أُلْهِمَ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالمِعْراجِ إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ، ورُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ في سُورَةِ النَّجْمِ. انْتَهى. فَكُلُّ هَذا مِمّا لا سَنَدَ لَهُ، نَعَمْ! رَوى البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ في حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ، أنَّهُ ﷺ أصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِالأعاجِيبِ: ««إنِّي أتَيْتُ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِي إلى السَّماءِ ورَأيْتُ كَذا وكَذا»» إلّا أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن مَرْوِيّاتِ الصَّحِيحَيْنِ، ولا حُجَّةَ في الأخْبارِ إلّا مَرْوِيُّهُما. وبِالجُمْلَةِ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو أنَّ المِعْراجَ لَمْ يَرِدْ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ مُطْلَقًا، وما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ التَّكْوِيرِ، فَلا عَلاقَةَ لَهُ بِالمِعْراجِ، وإنَّما هي رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِجِبْرِيلَ مِنَ الأرْضِ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا المِعْراجُ فَإنَّما كانَ رُؤْيا مَنامِيَّةً رُوحانِيَّةً؛ لِصَرِيحِ حَدِيثِ البُخارِيِّ في ذَلِكَ مِن طُرُقِهِ الَّتِي عَنْ أنَسٍ ومالِكِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ. قالَ بَعْضُهم ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ في حَدِيثِ المِعْراجِ، بِحَسَبِ رِوايَةِ البُخارِيِّ الَّتِي هي مِن أصَحِّ الرِّواياتِ بِالإجْماعِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سارَ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، بَلِ المَذْكُورُ فِيهِ أنَّهُ سارَ مُباشَرَةً مِن مَكَّةَ إلى السَّماءِ الأُولى، وكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ فارَقَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلِ المَذْكُورُ أنَّهُ كانَ مُصاحِبًا لَهُ مِن أوَّلِ المِعْراجِ إلى آخِرِهِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِمّا وقَعَ يَقَظَةً، هو غَيْرُ ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، مِمّا وقَعَ مَنامًا في وقْتٍ آخَرَ، (p-٥٥٧٠)وإلّا لَذُكِرا مَعًا في سِياقٍ واحِدٍ، إمّا في القُرْآنِ، وإمّا في أصَحِّ الأحادِيثِ، وهو الأمْرُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ إلّا في بَعْضِ رِواياتٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وهي مِن خَلْطِ بَعْضِ الرُّواةِ الحَوادِثَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. انْتَهى واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى مُنْكِرًا عَلى المُشْرِكِينَ عِبادَتَهُمُ الأوْثانَ، واتِّخاذَهم لَها البُيُوتَ، مُضاهاةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بَناها خَلِيلُ الرَّحْمَنِ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ:
النجم 53:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨]
﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ: مَرَّةً أُخْرى مِنَ النُّزُولِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنِ الرُّؤْيَةِ (p-٥٥٦٣)الثّانِيَةِ هَذِهِ، لِنَفْيِ الرِّيبَةِ والشَّكِّ عَنْها أيْضًا، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها التِباسٌ واشْتِباهٌ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] أيْ: مَوْضِعِ الِانْتِهاءِ. فَـ المُنْتَهى: اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ. وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّها ««شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَّماءِ السّابِعَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وما يَهْبِطُ بِهِ مِن فَوْقِها، فَيُقْبَضُ مِنها»» .
قالَ القاضِي: ولَعَلَّها شُبِّهَتْ بِالسِّدْرَةِ، وهي شَجَرَةُ النَّبْقِ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ في ظِلِّها، يَعْنِي أنَّ شَجَرَ النَّبْقِ يَجْتَمِعُ النّاسُ في ظِلِّهِ، وهَذِهِ يَجْتَمِعُ عِنْدَها المَلائِكَةُ، فَشُبِّهَتْ بِها، وسُمِّيَتْ سِدْرَةً لِذَلِكَ. فَإطْلاقُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، لَكِنْ ورَدَ في الحَدِيثِ ««أنَّ كُلَّ نَبْقَةٍ فِيها كَقُلَّةٍ مِن قِلالِ هَجَرَ»»، فَهي عَلى هَذا حَقِيقِيَّةٌ، وهو الأظْهَرُ، قالَهُ الشِّهابُ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] أيِ: الَّتِي يَأْوِي إلَيْها أرْواحُ المُقَرَّبِينَ.
﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مِن جَلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ. مَعْناهُ أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى حِينَما كانَتِ الأرْواحُ والمَلائِكَةُ تَغْشاها، وتَهْبِطُ عَلَيْها، وتَحُفُّ مِن حَوْلِها.
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا رَآهُ.
﴿وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما تَجاوَزَ مَرْئِيَّةِ المَقْصُودِ لَهُ، بَلْ أثْبَتَ ما رَآهُ إثْباتًا مُسْتَيْقِنًا صَحِيحًا لا شُبْهَةَ فِيهِ. وفِيهِ وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ وتَمَكُّنِهِ، إذْ لَمْ يَتَجاوَزْ ما أُمِرَ بِرُؤْيَتِهِ.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] يَعْنِي المَلَكَ الَّذِي عايَنَهُ وأخْبَرَهُ بِرِسالَتِهِ. وفِيهِ غايَةُ التَّفْخِيمِ لِمَقامِهِ، وأنَّهُ مِنَ الآياتِ الكُبَرِ.
قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ " الكُبْرى " صِفَةً لِآياتٍ، ويَكُونُ المَرْئِيُّ مَحْذُوفًا لِتَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى أُمُورًا عِظامًا لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ. والحَذْفُ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ وأهْوَلُ.
(p-٥٥٦٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأقْوالِ العَدِيدَةِ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِها مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، كَتَوْجِيهِ ابْنِ جَرِيرٍ والرّازِيِّ ومَن وافَقَهُما، وبَعْضِ أقْوالٍ حَكاها القُرْطُبِيُّ. والأقْرَبُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ، كَما نَقَلْناهُ عَنْهُ، لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيما يُفَسِّرُها بِذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ في تَأْيِيدِهِ: إنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِتَشابُهِ آياتِهِ الكَرِيمَةِ وتَماثُلِها. والآيَةُ هَذِهِ مُشابِهَةٌ لِما في سُورَةِ التَّكْوِيرِ تَمامَ المُشابَهَةِ، فَقَدْ قالَ تَعالى ثَمَّةَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] فَتَرى هَذِهِ الآياتِ مُشابِهَةً لِلْآياتِ هُنا، وإنْ كانَ فِيما هُنا زِيادَةُ رُؤْيَةٍ، وبَيانُ دُنُوٍّ واقْتِرابٍ لَمْ يُذْكَرْ في (التَّكْوِيرِ). وسِرُّ الزِّيادَةِ هو ارْتِقاءُ النَّبِيِّ ﷺ في مَعارِجِ الكَمالاتِ وقْتًا فَوَقْتًا، وسُورَةُ النَّجْمِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، كَما حَكاهُ في (الإتْقانِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فَلِذَلِكَ كانَ في (النَّجْمِ) زِيادَةُ هَذا التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ. وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ مِن هَذا القُرْآنِ لَيْسَ عَنْ هَواهُ، وإنَّما هو وحْيٌ عَلَّمَهُ إيّاهُ مَلَكٌ كَرِيمٌ، جَمُّ المَناقِبِ، لِأنَّهُ شَدِيدُ القُوى، ذُو مِرَّةٍ، رَفِيعُ المَكانَةِ بِالأُفُقِ الأعْلى. ثُمَّ لَمّا شاءَ تَعالى إنْزالَ وحْيِهِ عَلى نَبِيِّهِ تَنَزَّلَ مِنَ الأُفُقِ ودَنا إلَيْهِ، وكانَ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ، والتَّمَكُّنِ مِن رُؤْيَتِهِ، وتَلَقِّي الوَحْيِ عَنْهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ. وكَيْفَ يُمارِي مَن يَرى بِبَصَرِهِ ما يُصَدِّقُهُ فُؤادُهُ فِيهِ ولا يُكَذِّبُهُ، لا سِيَّما ولَمْ تَكُنْ رُؤْياهُ لَهُ مَرَّةً واحِدَةً، بَلْ رَآهُ نَزْلَةً ثانِيَةً، نَزَلَ إلَيْهِ بِالوَحْيِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ لا يُشْتَبَهُ عَلى رائِيهِ، وهو سِدْرَةُ المُنْتَهى. وبِالجُمْلَةِ، فَتَوافُقُ هَذِهِ الآياتِ لِآياتِ (التَّكْوِيرِ) مِن تَفْسِيرِ بَعْضِها بَعْضًا، أمْرٌ لا خَفاءَ بِهِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِ، وكُلُّهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ، وإقْسامٌ عَلى حَقِيقَةِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وصِدْقُ ما يُخْبِرُ بِهِ، لا سِيَّما وهو صادِقٌ عِنْدَهم لا يُكَذِّبُونَهُ. فَما بَقِيَ بَعْدَ التَّعَنُّتِ (p-٥٥٦٥)والجَحْدِ إلّا انْتِظارُ سُنَّةِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الجاحِدَةِ، كَما أشارَ لَهُ في آخِرِ السُّورَةِ.
هَذا مُلَخَّصُ مَعْنى الآياتِ، وما عَداهُ فَتَوَسُّعٌ وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما تُجَوِّزُهُ مادَّتُهُ. وكُلُّ ما يَتَّسِعُ لَهُ اللَّفْظُ هو المُرادُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الثّانِي:- ما قَدَّمْناهُ مِن رُجُوعِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] إلَخْ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ أيَّدْناهُ بِما رَأيْتَ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجْمِ هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ -كَما قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ- والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيِ: القُوَّةِ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وهو الَّذِي رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى. انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ ﷺ ««رَأى جِبْرِيلَ، ولَمْ يَرَهُ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، ومَرَّةً في جِيادٍ -مَكانٍ بِمَكَّةَ- لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، قَدْ سَدَّ الأُفُقَ»» .
وأمّا ما وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ: ««دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى، (p-٥٥٦٦)حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى»»، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن زِيادَةِ شَرِيكٍ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، فَهو دُنُوٌّ وتَدُلُّ غَيْرُ ما في سُورَةِ النَّجْمِ، نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلَيْهِ تَعالى، كَسائِرِ الصِّفاتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في رِوايَةِ شَرِيكٍ، فَإنْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى وقْتٍ آخَرَ، وقِصَّةٍ أُخْرى، لا أنَّها تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ، لا لَيْلَةَ الإسْراءِ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى، فَهَذِهِ هي لَيْلَةُ الإسْراءِ، والأُولى كانَتْ في الأرْضِ. انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في الإسْراءِ زِيادَةٌ عَلى مَذْهَبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ ﷺ رَأى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في حَمْلِهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ، أصَحُّ.
قالَ العِمادُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو الحَقُّ، «فَإنَّ أبا ذَرٍّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: «نُورٌ أنّى أراهُ»» . وفي رِوايَةٍ: «رَأيْتُ نُورًا» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وقَوْلُهُ:
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وكَذَلِكَ هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولا يُعْرَفُ لَهم (p-٥٥٦٧)مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذا بِهَذا. انْتَهى.
وقالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، وصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وصَحَّ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: ««نُورٌ أنّى أراهُ»» أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما في لَفْظٍ آخَرَ: «رَأيْتُ نُورًا» .
وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتِّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَآهُ مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى»»، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتَبَسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ. وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ»» فَإنَّهُ حَدِيثٌ إسْنادُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِن حَدِيثِ المَنامِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أتانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ في أحْسَنِ صُورَةٍ –(أحْسَبُهُ، يَعْنِي في النَّوْمِ)- فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ (p-٥٥٦٨)قالَ قُلْتُ: لا. فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتّى وجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ -أوْ قالَ نَحْرِي- فَعَلِمْتُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ! يَخْتَصِمُونَ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ. قالَ وما الكَفّاراتُ؟ قالَ: قُلْتُ: المُكْثُ في المَساجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، والمَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإبْلاغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ! مَن فَعَلَ ذَلِكَ عاشَ بِخَيْرٍ، وماتَ بِخَيْرٍ. وكانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ. وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إذا صَلَّيْتَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المَساكِينِ، وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً، أنْ تَقْبِضَنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ»» .
قالَ: ««والدَّرَجاتُ بَذْلُ الطَّعامِ، وإفْشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ»» .
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] أيِ: الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا، وبِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، أنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ولَوْ كانَ رَأى لَأخْبَرَ بِذَلِكَ، ولَقالَ ذَلِكَ لِلنّاسِ. انْتَهى.
الثّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ لِإثْباتِ المِعْراجِ النَّبَوِيِّ، أعْنِي: عُرُوجَهُ ﷺ، وصُعُودَهُ وارْتِقاءَهُ إلى ما فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ، كَما ذَكَرَ في أحادِيثِ المِعْراجِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَوْقَ السَّماواتِ، ومُشاهَدَةِ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ.
قالَ القَلْيُوبِيُّ: لَمّا كانَ الإسْراءُ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ عَلى المِعْراجِ، لِأنَّهُ كالوَسِيلَةِ والبُرْهانِ، إذْ يَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِخَوارِقِ العادَةِ فِيهِ، التَّصْدِيقُ بِالمِعْراجِ وما فِيهِ. وكانَ ما في المِعْراجِ مِنَ الخَوارِقِ أعْظَمَ وأكْثَرَ، صَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقَسَمِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ ثُبُوتِهِ، والرَّدِّ عَلى مُنْكِرِيهِ والطّاعِنِينَ فِيهِ، واسْتَطْرَدَ مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلى مَن نَسَبَ إلَيْهِ ﷺ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] إلَخِ. انْتَهى.
(p-٥٥٦٩)ومِمّا قَدَّمْنا يَظْهَرُ أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ لِتَأْيِيدِ الرِّسالَةِ النَّبَوِيَّةِ، وتَحْقِيقِ الوَحْيِ، بِأنَّهُ تَعْلِيمُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، مَرْئِيٍّ لِلْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ رُؤْيَةً تَدْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، لا لِإثْباتِ المِعْراجِ.
ثُمَّ مِنَ الغَرائِبِ أيْضًا هُنا، قَوْلُ بَعْضِهِمْ مُحاوِلًا سِرَّ إفْرادِ الإسْراءِ عَنِ المِعْراجِ، وذِكْرِ كُلٍّ في سُورَةٍ، ما مِثالُهُ: إنَّ الإسْراءَ أُنْزِلَ أوَّلًا وحْدَهُ، حَمْلًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَسْلِيمِ ما وضَحَ صِدْقُهُ ﷺ فِيهِ، تَوَصُّلًا لِلتَّصْدِيقِ بِما وراءَهُ فَإنَّهُ ﷺ أرْشَدَ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا بِالإسْراءِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، لِأنَّ قُرَيْشًا تَعْرِفُهُ، فَيَسْألُونَهُ عَنْهُ فَيُخْبِرُهم بِما يَعْرِفُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ قَطُّ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وكَذَلِكَ وقَعَ، كَما ذَكَرَ في الرِّواياتِ. وعَلى أثَرِ هَذا الإخْبارِ أُنْزِلَ بَيانُ الإسْراءِ، ثُمَّ أُلْهِمَ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالمِعْراجِ إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ، ورُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ في سُورَةِ النَّجْمِ. انْتَهى. فَكُلُّ هَذا مِمّا لا سَنَدَ لَهُ، نَعَمْ! رَوى البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ في حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ، أنَّهُ ﷺ أصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِالأعاجِيبِ: ««إنِّي أتَيْتُ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِي إلى السَّماءِ ورَأيْتُ كَذا وكَذا»» إلّا أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن مَرْوِيّاتِ الصَّحِيحَيْنِ، ولا حُجَّةَ في الأخْبارِ إلّا مَرْوِيُّهُما. وبِالجُمْلَةِ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو أنَّ المِعْراجَ لَمْ يَرِدْ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ مُطْلَقًا، وما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ التَّكْوِيرِ، فَلا عَلاقَةَ لَهُ بِالمِعْراجِ، وإنَّما هي رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِجِبْرِيلَ مِنَ الأرْضِ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا المِعْراجُ فَإنَّما كانَ رُؤْيا مَنامِيَّةً رُوحانِيَّةً؛ لِصَرِيحِ حَدِيثِ البُخارِيِّ في ذَلِكَ مِن طُرُقِهِ الَّتِي عَنْ أنَسٍ ومالِكِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ. قالَ بَعْضُهم ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ في حَدِيثِ المِعْراجِ، بِحَسَبِ رِوايَةِ البُخارِيِّ الَّتِي هي مِن أصَحِّ الرِّواياتِ بِالإجْماعِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سارَ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، بَلِ المَذْكُورُ فِيهِ أنَّهُ سارَ مُباشَرَةً مِن مَكَّةَ إلى السَّماءِ الأُولى، وكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ فارَقَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلِ المَذْكُورُ أنَّهُ كانَ مُصاحِبًا لَهُ مِن أوَّلِ المِعْراجِ إلى آخِرِهِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِمّا وقَعَ يَقَظَةً، هو غَيْرُ ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، مِمّا وقَعَ مَنامًا في وقْتٍ آخَرَ، (p-٥٥٧٠)وإلّا لَذُكِرا مَعًا في سِياقٍ واحِدٍ، إمّا في القُرْآنِ، وإمّا في أصَحِّ الأحادِيثِ، وهو الأمْرُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ إلّا في بَعْضِ رِواياتٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وهي مِن خَلْطِ بَعْضِ الرُّواةِ الحَوادِثَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. انْتَهى واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى مُنْكِرًا عَلى المُشْرِكِينَ عِبادَتَهُمُ الأوْثانَ، واتِّخاذَهم لَها البُيُوتَ، مُضاهاةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بَناها خَلِيلُ الرَّحْمَنِ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ:
النجم 53:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨]
﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ: مَرَّةً أُخْرى مِنَ النُّزُولِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنِ الرُّؤْيَةِ (p-٥٥٦٣)الثّانِيَةِ هَذِهِ، لِنَفْيِ الرِّيبَةِ والشَّكِّ عَنْها أيْضًا، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها التِباسٌ واشْتِباهٌ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] أيْ: مَوْضِعِ الِانْتِهاءِ. فَـ المُنْتَهى: اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ. وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّها ««شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَّماءِ السّابِعَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وما يَهْبِطُ بِهِ مِن فَوْقِها، فَيُقْبَضُ مِنها»» .
قالَ القاضِي: ولَعَلَّها شُبِّهَتْ بِالسِّدْرَةِ، وهي شَجَرَةُ النَّبْقِ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ في ظِلِّها، يَعْنِي أنَّ شَجَرَ النَّبْقِ يَجْتَمِعُ النّاسُ في ظِلِّهِ، وهَذِهِ يَجْتَمِعُ عِنْدَها المَلائِكَةُ، فَشُبِّهَتْ بِها، وسُمِّيَتْ سِدْرَةً لِذَلِكَ. فَإطْلاقُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، لَكِنْ ورَدَ في الحَدِيثِ ««أنَّ كُلَّ نَبْقَةٍ فِيها كَقُلَّةٍ مِن قِلالِ هَجَرَ»»، فَهي عَلى هَذا حَقِيقِيَّةٌ، وهو الأظْهَرُ، قالَهُ الشِّهابُ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] أيِ: الَّتِي يَأْوِي إلَيْها أرْواحُ المُقَرَّبِينَ.
﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مِن جَلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ. مَعْناهُ أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى حِينَما كانَتِ الأرْواحُ والمَلائِكَةُ تَغْشاها، وتَهْبِطُ عَلَيْها، وتَحُفُّ مِن حَوْلِها.
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا رَآهُ.
﴿وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] أيْ: ما تَجاوَزَ مَرْئِيَّةِ المَقْصُودِ لَهُ، بَلْ أثْبَتَ ما رَآهُ إثْباتًا مُسْتَيْقِنًا صَحِيحًا لا شُبْهَةَ فِيهِ. وفِيهِ وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ وتَمَكُّنِهِ، إذْ لَمْ يَتَجاوَزْ ما أُمِرَ بِرُؤْيَتِهِ.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] يَعْنِي المَلَكَ الَّذِي عايَنَهُ وأخْبَرَهُ بِرِسالَتِهِ. وفِيهِ غايَةُ التَّفْخِيمِ لِمَقامِهِ، وأنَّهُ مِنَ الآياتِ الكُبَرِ.
قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ " الكُبْرى " صِفَةً لِآياتٍ، ويَكُونُ المَرْئِيُّ مَحْذُوفًا لِتَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى أُمُورًا عِظامًا لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ. والحَذْفُ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ وأهْوَلُ.
(p-٥٥٦٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأقْوالِ العَدِيدَةِ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِها مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، كَتَوْجِيهِ ابْنِ جَرِيرٍ والرّازِيِّ ومَن وافَقَهُما، وبَعْضِ أقْوالٍ حَكاها القُرْطُبِيُّ. والأقْرَبُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ، كَما نَقَلْناهُ عَنْهُ، لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيما يُفَسِّرُها بِذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ في تَأْيِيدِهِ: إنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِتَشابُهِ آياتِهِ الكَرِيمَةِ وتَماثُلِها. والآيَةُ هَذِهِ مُشابِهَةٌ لِما في سُورَةِ التَّكْوِيرِ تَمامَ المُشابَهَةِ، فَقَدْ قالَ تَعالى ثَمَّةَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] فَتَرى هَذِهِ الآياتِ مُشابِهَةً لِلْآياتِ هُنا، وإنْ كانَ فِيما هُنا زِيادَةُ رُؤْيَةٍ، وبَيانُ دُنُوٍّ واقْتِرابٍ لَمْ يُذْكَرْ في (التَّكْوِيرِ). وسِرُّ الزِّيادَةِ هو ارْتِقاءُ النَّبِيِّ ﷺ في مَعارِجِ الكَمالاتِ وقْتًا فَوَقْتًا، وسُورَةُ النَّجْمِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، كَما حَكاهُ في (الإتْقانِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فَلِذَلِكَ كانَ في (النَّجْمِ) زِيادَةُ هَذا التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ. وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ مِن هَذا القُرْآنِ لَيْسَ عَنْ هَواهُ، وإنَّما هو وحْيٌ عَلَّمَهُ إيّاهُ مَلَكٌ كَرِيمٌ، جَمُّ المَناقِبِ، لِأنَّهُ شَدِيدُ القُوى، ذُو مِرَّةٍ، رَفِيعُ المَكانَةِ بِالأُفُقِ الأعْلى. ثُمَّ لَمّا شاءَ تَعالى إنْزالَ وحْيِهِ عَلى نَبِيِّهِ تَنَزَّلَ مِنَ الأُفُقِ ودَنا إلَيْهِ، وكانَ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ، والتَّمَكُّنِ مِن رُؤْيَتِهِ، وتَلَقِّي الوَحْيِ عَنْهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ. وكَيْفَ يُمارِي مَن يَرى بِبَصَرِهِ ما يُصَدِّقُهُ فُؤادُهُ فِيهِ ولا يُكَذِّبُهُ، لا سِيَّما ولَمْ تَكُنْ رُؤْياهُ لَهُ مَرَّةً واحِدَةً، بَلْ رَآهُ نَزْلَةً ثانِيَةً، نَزَلَ إلَيْهِ بِالوَحْيِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ لا يُشْتَبَهُ عَلى رائِيهِ، وهو سِدْرَةُ المُنْتَهى. وبِالجُمْلَةِ، فَتَوافُقُ هَذِهِ الآياتِ لِآياتِ (التَّكْوِيرِ) مِن تَفْسِيرِ بَعْضِها بَعْضًا، أمْرٌ لا خَفاءَ بِهِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِ، وكُلُّهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ، وإقْسامٌ عَلى حَقِيقَةِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وصِدْقُ ما يُخْبِرُ بِهِ، لا سِيَّما وهو صادِقٌ عِنْدَهم لا يُكَذِّبُونَهُ. فَما بَقِيَ بَعْدَ التَّعَنُّتِ (p-٥٥٦٥)والجَحْدِ إلّا انْتِظارُ سُنَّةِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الجاحِدَةِ، كَما أشارَ لَهُ في آخِرِ السُّورَةِ.
هَذا مُلَخَّصُ مَعْنى الآياتِ، وما عَداهُ فَتَوَسُّعٌ وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما تُجَوِّزُهُ مادَّتُهُ. وكُلُّ ما يَتَّسِعُ لَهُ اللَّفْظُ هو المُرادُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الثّانِي:- ما قَدَّمْناهُ مِن رُجُوعِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] إلَخْ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ أيَّدْناهُ بِما رَأيْتَ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجْمِ هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ -كَما قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ- والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيِ: القُوَّةِ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وهو الَّذِي رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى. انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ ﷺ ««رَأى جِبْرِيلَ، ولَمْ يَرَهُ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، ومَرَّةً في جِيادٍ -مَكانٍ بِمَكَّةَ- لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، قَدْ سَدَّ الأُفُقَ»» .
وأمّا ما وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ: ««دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى، (p-٥٥٦٦)حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى»»، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن زِيادَةِ شَرِيكٍ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، فَهو دُنُوٌّ وتَدُلُّ غَيْرُ ما في سُورَةِ النَّجْمِ، نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلَيْهِ تَعالى، كَسائِرِ الصِّفاتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في رِوايَةِ شَرِيكٍ، فَإنْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى وقْتٍ آخَرَ، وقِصَّةٍ أُخْرى، لا أنَّها تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ، لا لَيْلَةَ الإسْراءِ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى، فَهَذِهِ هي لَيْلَةُ الإسْراءِ، والأُولى كانَتْ في الأرْضِ. انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ في الإسْراءِ زِيادَةٌ عَلى مَذْهَبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ ﷺ رَأى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في حَمْلِهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ، أصَحُّ.
قالَ العِمادُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو الحَقُّ، «فَإنَّ أبا ذَرٍّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: «نُورٌ أنّى أراهُ»» . وفي رِوايَةٍ: «رَأيْتُ نُورًا» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وقَوْلُهُ:
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وكَذَلِكَ هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولا يُعْرَفُ لَهم (p-٥٥٦٧)مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذا بِهَذا. انْتَهى.
وقالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، وصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وصَحَّ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: ««نُورٌ أنّى أراهُ»» أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما في لَفْظٍ آخَرَ: «رَأيْتُ نُورًا» .
وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتِّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَآهُ مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى»»، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتَبَسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ. وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ»» فَإنَّهُ حَدِيثٌ إسْنادُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِن حَدِيثِ المَنامِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أتانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ في أحْسَنِ صُورَةٍ –(أحْسَبُهُ، يَعْنِي في النَّوْمِ)- فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ (p-٥٥٦٨)قالَ قُلْتُ: لا. فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتّى وجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ -أوْ قالَ نَحْرِي- فَعَلِمْتُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ! يَخْتَصِمُونَ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ. قالَ وما الكَفّاراتُ؟ قالَ: قُلْتُ: المُكْثُ في المَساجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، والمَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإبْلاغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ! مَن فَعَلَ ذَلِكَ عاشَ بِخَيْرٍ، وماتَ بِخَيْرٍ. وكانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ. وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إذا صَلَّيْتَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المَساكِينِ، وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً، أنْ تَقْبِضَنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ»» .
قالَ: ««والدَّرَجاتُ بَذْلُ الطَّعامِ، وإفْشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ»» .
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] أيِ: الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا، وبِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، أنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ولَوْ كانَ رَأى لَأخْبَرَ بِذَلِكَ، ولَقالَ ذَلِكَ لِلنّاسِ. انْتَهى.
الثّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ لِإثْباتِ المِعْراجِ النَّبَوِيِّ، أعْنِي: عُرُوجَهُ ﷺ، وصُعُودَهُ وارْتِقاءَهُ إلى ما فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ، كَما ذَكَرَ في أحادِيثِ المِعْراجِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَوْقَ السَّماواتِ، ومُشاهَدَةِ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ.
قالَ القَلْيُوبِيُّ: لَمّا كانَ الإسْراءُ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ عَلى المِعْراجِ، لِأنَّهُ كالوَسِيلَةِ والبُرْهانِ، إذْ يَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِخَوارِقِ العادَةِ فِيهِ، التَّصْدِيقُ بِالمِعْراجِ وما فِيهِ. وكانَ ما في المِعْراجِ مِنَ الخَوارِقِ أعْظَمَ وأكْثَرَ، صَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقَسَمِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ ثُبُوتِهِ، والرَّدِّ عَلى مُنْكِرِيهِ والطّاعِنِينَ فِيهِ، واسْتَطْرَدَ مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلى مَن نَسَبَ إلَيْهِ ﷺ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] إلَخِ. انْتَهى.
(p-٥٥٦٩)ومِمّا قَدَّمْنا يَظْهَرُ أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ لِتَأْيِيدِ الرِّسالَةِ النَّبَوِيَّةِ، وتَحْقِيقِ الوَحْيِ، بِأنَّهُ تَعْلِيمُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، مَرْئِيٍّ لِلْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ رُؤْيَةً تَدْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، لا لِإثْباتِ المِعْراجِ.
ثُمَّ مِنَ الغَرائِبِ أيْضًا هُنا، قَوْلُ بَعْضِهِمْ مُحاوِلًا سِرَّ إفْرادِ الإسْراءِ عَنِ المِعْراجِ، وذِكْرِ كُلٍّ في سُورَةٍ، ما مِثالُهُ: إنَّ الإسْراءَ أُنْزِلَ أوَّلًا وحْدَهُ، حَمْلًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَسْلِيمِ ما وضَحَ صِدْقُهُ ﷺ فِيهِ، تَوَصُّلًا لِلتَّصْدِيقِ بِما وراءَهُ فَإنَّهُ ﷺ أرْشَدَ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا بِالإسْراءِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، لِأنَّ قُرَيْشًا تَعْرِفُهُ، فَيَسْألُونَهُ عَنْهُ فَيُخْبِرُهم بِما يَعْرِفُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ قَطُّ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وكَذَلِكَ وقَعَ، كَما ذَكَرَ في الرِّواياتِ. وعَلى أثَرِ هَذا الإخْبارِ أُنْزِلَ بَيانُ الإسْراءِ، ثُمَّ أُلْهِمَ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالمِعْراجِ إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ، ورُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ في سُورَةِ النَّجْمِ. انْتَهى. فَكُلُّ هَذا مِمّا لا سَنَدَ لَهُ، نَعَمْ! رَوى البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ في حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ، أنَّهُ ﷺ أصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِالأعاجِيبِ: ««إنِّي أتَيْتُ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِي إلى السَّماءِ ورَأيْتُ كَذا وكَذا»» إلّا أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن مَرْوِيّاتِ الصَّحِيحَيْنِ، ولا حُجَّةَ في الأخْبارِ إلّا مَرْوِيُّهُما. وبِالجُمْلَةِ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو أنَّ المِعْراجَ لَمْ يَرِدْ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ مُطْلَقًا، وما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ التَّكْوِيرِ، فَلا عَلاقَةَ لَهُ بِالمِعْراجِ، وإنَّما هي رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِجِبْرِيلَ مِنَ الأرْضِ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا المِعْراجُ فَإنَّما كانَ رُؤْيا مَنامِيَّةً رُوحانِيَّةً؛ لِصَرِيحِ حَدِيثِ البُخارِيِّ في ذَلِكَ مِن طُرُقِهِ الَّتِي عَنْ أنَسٍ ومالِكِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ. قالَ بَعْضُهم ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ في حَدِيثِ المِعْراجِ، بِحَسَبِ رِوايَةِ البُخارِيِّ الَّتِي هي مِن أصَحِّ الرِّواياتِ بِالإجْماعِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سارَ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، بَلِ المَذْكُورُ فِيهِ أنَّهُ سارَ مُباشَرَةً مِن مَكَّةَ إلى السَّماءِ الأُولى، وكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ فارَقَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلِ المَذْكُورُ أنَّهُ كانَ مُصاحِبًا لَهُ مِن أوَّلِ المِعْراجِ إلى آخِرِهِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِمّا وقَعَ يَقَظَةً، هو غَيْرُ ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، مِمّا وقَعَ مَنامًا في وقْتٍ آخَرَ، (p-٥٥٧٠)وإلّا لَذُكِرا مَعًا في سِياقٍ واحِدٍ، إمّا في القُرْآنِ، وإمّا في أصَحِّ الأحادِيثِ، وهو الأمْرُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ إلّا في بَعْضِ رِواياتٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وهي مِن خَلْطِ بَعْضِ الرُّواةِ الحَوادِثَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. انْتَهى واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى مُنْكِرًا عَلى المُشْرِكِينَ عِبادَتَهُمُ الأوْثانَ، واتِّخاذَهم لَها البُيُوتَ، مُضاهاةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بَناها خَلِيلُ الرَّحْمَنِ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ:
النجم 53:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠]
﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هي صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مَنقُوشَةٌ، وعَلَيْها بَيْتٌ بِالطّائِفِ لَهُ أسْتارٌ وسَدَنَةٌ، وحَوْلَهُ فِناءٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَ أهْلِ الطّائِفِ، هم ثَقِيفٌ ومَن تابَعَها، يَفْتَخِرُونَ بِها عَلى مَن عَداهم مِن أحْياءِ العَرَبِ بَعْدَ قُرَيْشٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانُوا قَدِ اشْتَقُّوا اسْمَها مِنِ اسْمِ اللَّهِ، فَقالُوا: اللّاتَ يَعْنُونَ مُؤَنَّثَةً مِن لَفْظِهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، كَما قالُوا: عَمْرٌو وعَمْرَةُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي فَعْلَةٌ مِن (لَوى)؛ لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها، ويَعْكُفُونَ لِلْعِبادَةِ، أوْ يَلْتَوُونَ عَلَيْها، أيْ: يَطُوفُونَ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهم قَرَؤُوا: (اللّاتُّ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وفَسَّرُوهُ بِأنَّهُ كانَ رَجُلًا يَلُتُّ لِلْحَجِيجِ في الجاهِلِيَّةِ السَّوِيقَ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ وعَبَدُوهُ.
والعُزّى وهي شَجَرَةٌ عَلَيْها بِناءٌ وأسْتارٌ بِنَخْلَةَ، وهي بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اشْتَقُّوا اسْمَها مِنِ اسْمِهِ تَعالى (العَزِيزِ)، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُها تَأْنِيثُ الأعَزِّ.
(p-٥٥٧١)﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] وهي صَخْرَةٌ كانَتْ بِالمُشَلَّلِ عِنْدَ قَدِيدٍ، بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ وكانَتْ خُزاعَةُ والأوْسُ والخَزْرَجُ في جاهِلِيَّتِها يُعَظِّمُونَها، ويُهِلُّونَ مِنها لِلْحَجِّ إلى الكَعْبَةِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِكَلامِ العَرَبِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ الثّالِثَةُ، أصْنامٌ مِن حِجارَةٍ كانَتْ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي: (مَناةُ) فَعْلَةٌ، مِن مُناهُ إذا قَطَعَهُ؛ فَإنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَها القَرابِينَ. ومِنهُ سُمِّيَتْ (مِنى)؛ لِأنَّهُ يُمَنّى فِيها القَرابِينُ، أيْ: يُنْحَرُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَأنَّها سُمِّيَتْ (مَناةً)؛ لِأنَّ دِماءَ المَناسِكِ كانَتْ تُمَنّى عِنْدَها، أيْ: تُراقُ. وقُرِئَ: مُناءَةُ مُفْعَلَةٌ مِنَ (النَّوْءِ)، كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ تَبَرُّكًا بِها.
فَإنْ قِيلَ: كَوْنُها ثالِثَةً وأُخْرى مُغايِرَةً لِما تَقَدَّمَها، مَعْلُومٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ.
وأُجِيبَ: بِأنَّهُما صِفَتانِ لِلتَّأْكِيدِ، أوِ الثّالِثَةُ لِلتَّأْكِيدِ، والأُخْرى بَيانٌ لَها، لِأنَّها مُؤَخَّرَةٌ رُتْبَةً عِنْدَهُمْ، عَنِ اللّاتِ والعُزّى.
قالَ النّاصِرُ: الأُخْرى ما يَثْبُتُ آخِرًا، ولا شَكَّ أنَّهُ في الأصْلِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّأْخِيرِ الوُجُودِيِّ، إلّا أنَّ العَرَبَ عَدَلَتْ بِهِ عَنْ الِاسْتِعْمالِ في التَّأْخِيرِ الوُجُودِيِّ إلى الِاسْتِعْمالِ، حَيْثُ يَتَقَدَّمُ ذِكْرٌ مُعايَرٌ لا غَيْرَ حَتّى سَلَبَتْهُ دَلالَتُهُ عَلى المَعْنى الأصْلِيِّ، بِخِلافِ (آخَرَ) و(آخِرَةُ) عَلى وزْنِ فاعِلٍ وفاعِلَةٍ، فَإنَّ إشْعارَها بِالتَّأْخِيرِ الوُجُودِيِّ ثابِتٌ لَمْ يُغَيَّرْ، ومِن ثَمَّ عَدَلُوا عَنْ أنْ يَقُولُوا: رَبِيعُ الآخَرُ، عَلى وزْنِ الأفْعَلِ، وجُمادى الأُخْرى، إلى رَبِيعِ الآخَرِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وجُمادى الآخِرَةِ عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ؛ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَفْهَمُوا التَّأْخِيرَ الوُجُودِيَّ، لِأنَّ (الأفْعَلَ) و(الفُعْلى) مِن هَذا الِاشْتِقاقِ مَسْلُوبٌ لِلدَّلالَةِ عَلى غَرَضِهِمْ، فَعَدَلُوا عَنْها إلى الآخَرِ (p-٥٥٧٢)والآخِرَةُ والتَزَمُوا ذَلِكَ فِيهِما. وهَذا البَحْثُ مِمّا كانَ الشَّيْخُ أبُو عَمْرِو بْنُ الحاجِبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَدْ حَرَّرَهُ آخِرَ مُدَّتِهِ، وهو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ الإشْعارَ بِتَقَدُّمٍ مُغايِرٍ في الذِّكْرِ مَعَ ما نَعْتَقِدُهُ في الوَفاءِ بِفاصِلَةِ رَأْسِ الآيَةِ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَتْ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ وغَيْرِها طَواغِيتُ أُخَرُ تُعَظِّمُها العَرَبُ كَتَعْظِيمِ الكَعْبَةِ، غَيْرَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْها في كِتابِهِ العَزِيزِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْهَرُ مِن غَيْرِها.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): وقَدْ كانَتِ العَرَبُ اتَّخَذَتْ مَعَ الكَعْبَةِ طَواغِيتَ، وهي بُيُوتٌ تُعَظِّمُها كَتَعْظِيمِ الكَعْبَةِ، لَها سَدَنَةٌ وحِجابٌ ويُهْدى لَها كَما يُهْدى لِلْكَعْبَةِ، وتَطُوفُ بِها كَطَوافِها بِها، وتَنْحَرُ عِنْدَها، وهي تَعْرِفُ فَضْلَ الكَعْبَةِ عَلَيْها، أنَّها كانَتْ قَدْ عُرِفَتْ أنَّها بَيْتُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَسْجِدُهُ. فَكانَتْ لِقُرَيْشٍ ولِبَنِي كِنانَةَ (العُزّى) بِنَخْلَةَ وكانَتْ سَدَنَتُها وحُجّابُها بَنِي شَيْبانَ مِن سَلِيمٍ حُلَفاءِ بَنِي هاشِمٍ. وبَعَثَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَهَدَمَها وجَعَلَ يَقُولُ:
؎يا عُزَّ كُفْرانَكِ لا سُبْحانَكِ إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكِ
رَوى النَّسائِيُّ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى نَخْلَةَ، وكانَتْ بِها العُزّى، فَأتاها خالِدٌ، وكانَتْ عَلى ثَلاثِ سَمَراتٍ، فَقَطَعَ السَّمَراتِ، وهَدَمَ البَيْتَ الَّذِي كانَ عَلَيْها، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: «ارْجِعْ، فَإنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا». فَرَجَعَ خالِدٌ فَلَمّا أبْصَرَ السَّدَنَةَ وهم حَجَبَتُها، أمْعَنُوا في الحِيَلِ وهم يَقُولُونَ: يا عَزّى! يا عَزّى! فَأتاها خالِدٌ، فَإذا امْرَأةٌ عُرْيانَةٌ ناشِرَةً شَعْرَها تَحْفِنُ التُّرابَ عَلى رَأْسِها، فَغَمَسَها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتَلَها ثُمَّ رَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: «تِلْكَ العُزّى»» ! قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَتِ اللّاتُ لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ، وكانَ سَدَنَتُها وحُجّابُها بَنِي مُعْتَبٍ، وقَدْ بَعَثَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وأبا سُفْيانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ فَهَدَماها، وجَعَلا مَكانَها مَسْجِدًا بِالطّائِفِ.
(p-٥٥٧٣)قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ مِن أهْلِ يَثْرِبَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، مِن ناحِيَةِ المُشَلَّلِ بِقَدِيدٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْها أبا سُفْيانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ فَهَدَمَها. ويُقالُ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ في وجْهِ الوَقْفِ عَلى اللّاتِ ومَناةَ فَكانَ بَعْضُ نَحْوِيِّ البَصْرَةِ يَقُولُ: إذا سَكَتَ قُلْتُ: اللّاتُ، وكَذَلِكَ: مَناةُ، تَقُولُ: مِنّاتُ. وقالَ: قالَ بَعْضُهُمُ: اللّاتُّ فَجَعَلَهُ مِنَ اللَّتِّ الَّذِي يَلُتُّ. ولُغَةُ العَرَبِ يَسْكُتُونَ عَلى ما فِيهِ الهاءُ بِالتّاءِ، يَقُولُونَ: رَأيْتُ طَلْحَةَ. وكُلُّ شَيْءٍ مَكْتُوبٍ بِالهاءِ فَإنَّها تَقِفُ عَلَيْهِ بِالتّاءِ، نَحْوَ نِعْمَةِ رَبِّكَ، وشَجَرَةٍ. وكانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ يَقِفُ عَلى اللّاتِ بِالهاءِ، وكانَ غَيْرُهُ مِنهم يَقُولُ: الِاخْتِيارُ في كُلِّ ما لَمْ يُضَفْ، أنْ يَكُونَ بِالهاءِ ﴿رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] و﴿شَجَرَةٌ تَخْرُجُ﴾ [الصافات: ٦٤] وما كانَ مُضافًا فَجائِزٌ بِالهاءِ والتّاءِ، فالتّاءُ لِلْإضافَةِ، والهاءُ لِأنَّهُ يُفْرَدُ ويُوقَفُ عَلَيْهِ دُونَ الثّانِي. وهَذا القَوْلُ الثّالِثُ أفْشى اللُّغاتِ وأكْثَرُها في العَرَبِ، وإنْ كانَ لِلْأُخْرى وجْهٌ مَعْرُوفٌ. انْتَهى.
النجم 53:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠]
﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هي صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مَنقُوشَةٌ، وعَلَيْها بَيْتٌ بِالطّائِفِ لَهُ أسْتارٌ وسَدَنَةٌ، وحَوْلَهُ فِناءٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَ أهْلِ الطّائِفِ، هم ثَقِيفٌ ومَن تابَعَها، يَفْتَخِرُونَ بِها عَلى مَن عَداهم مِن أحْياءِ العَرَبِ بَعْدَ قُرَيْشٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانُوا قَدِ اشْتَقُّوا اسْمَها مِنِ اسْمِ اللَّهِ، فَقالُوا: اللّاتَ يَعْنُونَ مُؤَنَّثَةً مِن لَفْظِهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، كَما قالُوا: عَمْرٌو وعَمْرَةُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي فَعْلَةٌ مِن (لَوى)؛ لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها، ويَعْكُفُونَ لِلْعِبادَةِ، أوْ يَلْتَوُونَ عَلَيْها، أيْ: يَطُوفُونَ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهم قَرَؤُوا: (اللّاتُّ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وفَسَّرُوهُ بِأنَّهُ كانَ رَجُلًا يَلُتُّ لِلْحَجِيجِ في الجاهِلِيَّةِ السَّوِيقَ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ وعَبَدُوهُ.
والعُزّى وهي شَجَرَةٌ عَلَيْها بِناءٌ وأسْتارٌ بِنَخْلَةَ، وهي بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اشْتَقُّوا اسْمَها مِنِ اسْمِهِ تَعالى (العَزِيزِ)، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُها تَأْنِيثُ الأعَزِّ.
(p-٥٥٧١)﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] وهي صَخْرَةٌ كانَتْ بِالمُشَلَّلِ عِنْدَ قَدِيدٍ، بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ وكانَتْ خُزاعَةُ والأوْسُ والخَزْرَجُ في جاهِلِيَّتِها يُعَظِّمُونَها، ويُهِلُّونَ مِنها لِلْحَجِّ إلى الكَعْبَةِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِكَلامِ العَرَبِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ الثّالِثَةُ، أصْنامٌ مِن حِجارَةٍ كانَتْ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي: (مَناةُ) فَعْلَةٌ، مِن مُناهُ إذا قَطَعَهُ؛ فَإنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَها القَرابِينَ. ومِنهُ سُمِّيَتْ (مِنى)؛ لِأنَّهُ يُمَنّى فِيها القَرابِينُ، أيْ: يُنْحَرُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَأنَّها سُمِّيَتْ (مَناةً)؛ لِأنَّ دِماءَ المَناسِكِ كانَتْ تُمَنّى عِنْدَها، أيْ: تُراقُ. وقُرِئَ: مُناءَةُ مُفْعَلَةٌ مِنَ (النَّوْءِ)، كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ تَبَرُّكًا بِها.
فَإنْ قِيلَ: كَوْنُها ثالِثَةً وأُخْرى مُغايِرَةً لِما تَقَدَّمَها، مَعْلُومٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ.
وأُجِيبَ: بِأنَّهُما صِفَتانِ لِلتَّأْكِيدِ، أوِ الثّالِثَةُ لِلتَّأْكِيدِ، والأُخْرى بَيانٌ لَها، لِأنَّها مُؤَخَّرَةٌ رُتْبَةً عِنْدَهُمْ، عَنِ اللّاتِ والعُزّى.
قالَ النّاصِرُ: الأُخْرى ما يَثْبُتُ آخِرًا، ولا شَكَّ أنَّهُ في الأصْلِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّأْخِيرِ الوُجُودِيِّ، إلّا أنَّ العَرَبَ عَدَلَتْ بِهِ عَنْ الِاسْتِعْمالِ في التَّأْخِيرِ الوُجُودِيِّ إلى الِاسْتِعْمالِ، حَيْثُ يَتَقَدَّمُ ذِكْرٌ مُعايَرٌ لا غَيْرَ حَتّى سَلَبَتْهُ دَلالَتُهُ عَلى المَعْنى الأصْلِيِّ، بِخِلافِ (آخَرَ) و(آخِرَةُ) عَلى وزْنِ فاعِلٍ وفاعِلَةٍ، فَإنَّ إشْعارَها بِالتَّأْخِيرِ الوُجُودِيِّ ثابِتٌ لَمْ يُغَيَّرْ، ومِن ثَمَّ عَدَلُوا عَنْ أنْ يَقُولُوا: رَبِيعُ الآخَرُ، عَلى وزْنِ الأفْعَلِ، وجُمادى الأُخْرى، إلى رَبِيعِ الآخَرِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وجُمادى الآخِرَةِ عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ؛ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَفْهَمُوا التَّأْخِيرَ الوُجُودِيَّ، لِأنَّ (الأفْعَلَ) و(الفُعْلى) مِن هَذا الِاشْتِقاقِ مَسْلُوبٌ لِلدَّلالَةِ عَلى غَرَضِهِمْ، فَعَدَلُوا عَنْها إلى الآخَرِ (p-٥٥٧٢)والآخِرَةُ والتَزَمُوا ذَلِكَ فِيهِما. وهَذا البَحْثُ مِمّا كانَ الشَّيْخُ أبُو عَمْرِو بْنُ الحاجِبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَدْ حَرَّرَهُ آخِرَ مُدَّتِهِ، وهو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ الإشْعارَ بِتَقَدُّمٍ مُغايِرٍ في الذِّكْرِ مَعَ ما نَعْتَقِدُهُ في الوَفاءِ بِفاصِلَةِ رَأْسِ الآيَةِ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَتْ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ وغَيْرِها طَواغِيتُ أُخَرُ تُعَظِّمُها العَرَبُ كَتَعْظِيمِ الكَعْبَةِ، غَيْرَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْها في كِتابِهِ العَزِيزِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْهَرُ مِن غَيْرِها.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): وقَدْ كانَتِ العَرَبُ اتَّخَذَتْ مَعَ الكَعْبَةِ طَواغِيتَ، وهي بُيُوتٌ تُعَظِّمُها كَتَعْظِيمِ الكَعْبَةِ، لَها سَدَنَةٌ وحِجابٌ ويُهْدى لَها كَما يُهْدى لِلْكَعْبَةِ، وتَطُوفُ بِها كَطَوافِها بِها، وتَنْحَرُ عِنْدَها، وهي تَعْرِفُ فَضْلَ الكَعْبَةِ عَلَيْها، أنَّها كانَتْ قَدْ عُرِفَتْ أنَّها بَيْتُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَسْجِدُهُ. فَكانَتْ لِقُرَيْشٍ ولِبَنِي كِنانَةَ (العُزّى) بِنَخْلَةَ وكانَتْ سَدَنَتُها وحُجّابُها بَنِي شَيْبانَ مِن سَلِيمٍ حُلَفاءِ بَنِي هاشِمٍ. وبَعَثَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَهَدَمَها وجَعَلَ يَقُولُ:
؎يا عُزَّ كُفْرانَكِ لا سُبْحانَكِ إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكِ
رَوى النَّسائِيُّ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى نَخْلَةَ، وكانَتْ بِها العُزّى، فَأتاها خالِدٌ، وكانَتْ عَلى ثَلاثِ سَمَراتٍ، فَقَطَعَ السَّمَراتِ، وهَدَمَ البَيْتَ الَّذِي كانَ عَلَيْها، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: «ارْجِعْ، فَإنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا». فَرَجَعَ خالِدٌ فَلَمّا أبْصَرَ السَّدَنَةَ وهم حَجَبَتُها، أمْعَنُوا في الحِيَلِ وهم يَقُولُونَ: يا عَزّى! يا عَزّى! فَأتاها خالِدٌ، فَإذا امْرَأةٌ عُرْيانَةٌ ناشِرَةً شَعْرَها تَحْفِنُ التُّرابَ عَلى رَأْسِها، فَغَمَسَها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتَلَها ثُمَّ رَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: «تِلْكَ العُزّى»» ! قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَتِ اللّاتُ لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ، وكانَ سَدَنَتُها وحُجّابُها بَنِي مُعْتَبٍ، وقَدْ بَعَثَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وأبا سُفْيانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ فَهَدَماها، وجَعَلا مَكانَها مَسْجِدًا بِالطّائِفِ.
(p-٥٥٧٣)قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ مِن أهْلِ يَثْرِبَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، مِن ناحِيَةِ المُشَلَّلِ بِقَدِيدٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْها أبا سُفْيانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ فَهَدَمَها. ويُقالُ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ في وجْهِ الوَقْفِ عَلى اللّاتِ ومَناةَ فَكانَ بَعْضُ نَحْوِيِّ البَصْرَةِ يَقُولُ: إذا سَكَتَ قُلْتُ: اللّاتُ، وكَذَلِكَ: مَناةُ، تَقُولُ: مِنّاتُ. وقالَ: قالَ بَعْضُهُمُ: اللّاتُّ فَجَعَلَهُ مِنَ اللَّتِّ الَّذِي يَلُتُّ. ولُغَةُ العَرَبِ يَسْكُتُونَ عَلى ما فِيهِ الهاءُ بِالتّاءِ، يَقُولُونَ: رَأيْتُ طَلْحَةَ. وكُلُّ شَيْءٍ مَكْتُوبٍ بِالهاءِ فَإنَّها تَقِفُ عَلَيْهِ بِالتّاءِ، نَحْوَ نِعْمَةِ رَبِّكَ، وشَجَرَةٍ. وكانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ يَقِفُ عَلى اللّاتِ بِالهاءِ، وكانَ غَيْرُهُ مِنهم يَقُولُ: الِاخْتِيارُ في كُلِّ ما لَمْ يُضَفْ، أنْ يَكُونَ بِالهاءِ ﴿رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] و﴿شَجَرَةٌ تَخْرُجُ﴾ [الصافات: ٦٤] وما كانَ مُضافًا فَجائِزٌ بِالهاءِ والتّاءِ، فالتّاءُ لِلْإضافَةِ، والهاءُ لِأنَّهُ يُفْرَدُ ويُوقَفُ عَلَيْهِ دُونَ الثّانِي. وهَذا القَوْلُ الثّالِثُ أفْشى اللُّغاتِ وأكْثَرُها في العَرَبِ، وإنْ كانَ لِلْأُخْرى وجْهٌ مَعْرُوفٌ. انْتَهى.
النجم 53:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٢] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢]
﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ وهَذِهِ الأصْنامَ بَناتُ اللَّهِ، وكانُوا يَعْبُدُونَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ وأْدِهِمُ البَناتِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ إناثٌ، (p-٥٥٧٤)وقَدْ جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ، ومِن شَأْنِكم أنْ تَحْتَقِرُوا الإناثَ، وتَسْتَنْكِفُوا مِن أنْ يُولَدْنَ لَكُمْ، ويُنْسَبْنَ إلَيْكُمْ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ هَؤُلاءِ الإناثَ أنْدادًا لِلَّهِ، وتُسَمُّونَهُنَّ آلِهَةً؟ انْتَهى.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الشِّهابُ: قَدْ مَرَّ مِرارًا الكَلامُ في (أرَأيْتَ) وأنَّها بِمَعْنى (أخْبَرَنِي)، وفي كَيْفِيَّةِ دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ، واخْتِلافِ النُّحاةِ في فِعْلِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ، هَلْ هو بَصَرِيٌّ؟ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بَعْدَها مُسْتَأْنِفَةً لِبَيانِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ. وهو الَّذِي اخْتارَهُ الرَّضِيُّ. أوْ عِلْمِيَّةٌ، فَتَكُونُ في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي، فالرّابِطُ حِينَئِذٍ أنَّها في تَأْوِيلِ: أهِيَ بَناتُ اللَّهِ؟
قالَ السَّمِينُ: وكَأنَّ أصْلَ التَّرْكِيبِ: ألْكُمُ الذَّكَرُ، ولَهُ هُنَّ، أيْ: تِلْكَ الأصْنامُ. وإنَّما أُوثِرَ هَذا الِاسْمُ الظّاهِرُ لِوُقُوعِهِ رَأْسَ فاصِلَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿تِلْكَ﴾ [النجم: ٢٢] إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ ﴿إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] أيْ: جائِرَةٌ، غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ، ناقِصَةٌ غَيْرُ تامَّةٍ، لِأنَّكم جَعَلْتُمْ لِرَبِّكم مِنَ الوَلَدِ والنِّدِّ ما تَكْرَهُونَ لِأنْفُسِكُمْ، وآثَرْتُمْ أنْفُسَكم بِما تَرْضَوْنَهُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تَقُولُ: (ضِزْتُهُ حَقَّهُ) بِكَسْرِ الضّادِ، و(ضُزْتُهُ) بِضَمِّها، فَأنا أضِيزُهُ وأضُوزُهُ، وذَلِكَ إذا نَقَصْتَهُ حَقَّهُ ومَنَعْتَهُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السَّمِينُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ضِئْزى بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، والباقُونَ بِياءٍ مَكانَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ضَيْزى بِفَتْحِ الضّادِ والياءُ ساكِنَةٌ. فَأمّا قِراءَةُ العامَّةِ فَتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن (ضازَهُ يَضِيزُهُ) إذا ضامَهُ وجارَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى (ضِيزى) جائِرَةٌ. وعَلى هَذا فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ صِفَةً عَلى (فُعْلى) بِضَمِّ الفاءِ، وإنَّما كُسِرَتِ الفاءُ لِتَصِحَّ الياءُ (p-٥٥٧٥)كَبَيْضٍ.
فَإنْ قِيلَ: وأيُّ ضَرُورَةٍ إلى أنْ يُقَدَّرَ أصْلُها ضَمَّ الفاءِ، ولِمَ لا قِيلَ (فِعْلى) بِالكَسْرِ؟
فالجَوابُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ حَكى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في الصِّفاتِ (فِعْلى) بِكَسْرِ الفاءِ، وإنَّما ورَدَ بِضَمِّها، نَحْوَ حُبْلى وأُنْثى ورُبّى وما أشْبَهَهُ، إلّا أنَّ غَيْرَهُ حَكى في الصِّفاتِ ذَلِكَ. حَكى ثَعْلَبٌ: مِشْيَةٌ حِيكى، ورَجُلٌ كِيسى. وحَكى غَيْرُهُ: امْرَأةٌ عِزْهى وامْرَأةٌ سِعْلى. وهَذا لا يَنْقَضُّ عَلى سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ في (حِيكى وكِيسى) كَقَوْلِهِ في (ضِيزى) لِتَصِحَّ الياءُ، وأمّا عِزْهى وسِعْلى فالمَشْهُورُ فِيهِما عِزْهاةُ سِعْلاةُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كَذِكْرى. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ ضازَ يَضِيزُ ضِيزى، كَذَكَرَ يَذْكُرُ ذِكْرى. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن (ضَأزَهُ) بِالهَمْزِ كَقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ هَمْزَها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أُصُولِ القُرّاءِ كُلِّهِمْ إبْدالُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ ياءً، لَكِنَّها لُغَةٌ التُزِمَتْ، فَقَرَؤُوا بِها. ومَعْنى ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزَةِ، نَقَصَهُ ظُلْمًا وجَوْرًا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. و(ضِيزى) في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ولا يَكُونُ وصْفًا أصْلِيًّا؛ لِما تَقَدَّمَ عَنْ سِيبَوَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا قِيلَ في (ضِئْزى) بِالكَسْرِ والهَمْزِ، أنَّ أصْلَهُ ضِيزى بِالضَّمِّ فَكُسِرَتِ الفاءُ، لِما قِيلَ فِيها مَعَ الياءِ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لا مُوجِبَ هُنا لِلتَّغْيِيرِ، إذِ الضَّمُّ مَعَ الهَمْزِ لا يُسْتَثْقَلُ اسْتِثْقالَهُ مَعَ الياءِ السّاكِنَةِ وسُمِعَ مِنهُمْ: (ضُؤُزى) بِضَمِّ الضّادِ مَعَ الواوِ والهَمْزَةِ.
وأمّا قِراءَةُ زَيْدٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، كَدَعْوى، وأنْ تَكُونَ صِفَةً كَكِسْرى وعَطْشى. انْتَهى.
(p-٥٥٧٦)
النجم 53:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٢] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢]
﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ وهَذِهِ الأصْنامَ بَناتُ اللَّهِ، وكانُوا يَعْبُدُونَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ وأْدِهِمُ البَناتِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ إناثٌ، (p-٥٥٧٤)وقَدْ جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ، ومِن شَأْنِكم أنْ تَحْتَقِرُوا الإناثَ، وتَسْتَنْكِفُوا مِن أنْ يُولَدْنَ لَكُمْ، ويُنْسَبْنَ إلَيْكُمْ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ هَؤُلاءِ الإناثَ أنْدادًا لِلَّهِ، وتُسَمُّونَهُنَّ آلِهَةً؟ انْتَهى.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الشِّهابُ: قَدْ مَرَّ مِرارًا الكَلامُ في (أرَأيْتَ) وأنَّها بِمَعْنى (أخْبَرَنِي)، وفي كَيْفِيَّةِ دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ، واخْتِلافِ النُّحاةِ في فِعْلِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ، هَلْ هو بَصَرِيٌّ؟ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بَعْدَها مُسْتَأْنِفَةً لِبَيانِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ. وهو الَّذِي اخْتارَهُ الرَّضِيُّ. أوْ عِلْمِيَّةٌ، فَتَكُونُ في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي، فالرّابِطُ حِينَئِذٍ أنَّها في تَأْوِيلِ: أهِيَ بَناتُ اللَّهِ؟
قالَ السَّمِينُ: وكَأنَّ أصْلَ التَّرْكِيبِ: ألْكُمُ الذَّكَرُ، ولَهُ هُنَّ، أيْ: تِلْكَ الأصْنامُ. وإنَّما أُوثِرَ هَذا الِاسْمُ الظّاهِرُ لِوُقُوعِهِ رَأْسَ فاصِلَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿تِلْكَ﴾ [النجم: ٢٢] إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ ﴿إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] أيْ: جائِرَةٌ، غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ، ناقِصَةٌ غَيْرُ تامَّةٍ، لِأنَّكم جَعَلْتُمْ لِرَبِّكم مِنَ الوَلَدِ والنِّدِّ ما تَكْرَهُونَ لِأنْفُسِكُمْ، وآثَرْتُمْ أنْفُسَكم بِما تَرْضَوْنَهُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تَقُولُ: (ضِزْتُهُ حَقَّهُ) بِكَسْرِ الضّادِ، و(ضُزْتُهُ) بِضَمِّها، فَأنا أضِيزُهُ وأضُوزُهُ، وذَلِكَ إذا نَقَصْتَهُ حَقَّهُ ومَنَعْتَهُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السَّمِينُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ضِئْزى بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، والباقُونَ بِياءٍ مَكانَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ضَيْزى بِفَتْحِ الضّادِ والياءُ ساكِنَةٌ. فَأمّا قِراءَةُ العامَّةِ فَتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن (ضازَهُ يَضِيزُهُ) إذا ضامَهُ وجارَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى (ضِيزى) جائِرَةٌ. وعَلى هَذا فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ صِفَةً عَلى (فُعْلى) بِضَمِّ الفاءِ، وإنَّما كُسِرَتِ الفاءُ لِتَصِحَّ الياءُ (p-٥٥٧٥)كَبَيْضٍ.
فَإنْ قِيلَ: وأيُّ ضَرُورَةٍ إلى أنْ يُقَدَّرَ أصْلُها ضَمَّ الفاءِ، ولِمَ لا قِيلَ (فِعْلى) بِالكَسْرِ؟
فالجَوابُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ حَكى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في الصِّفاتِ (فِعْلى) بِكَسْرِ الفاءِ، وإنَّما ورَدَ بِضَمِّها، نَحْوَ حُبْلى وأُنْثى ورُبّى وما أشْبَهَهُ، إلّا أنَّ غَيْرَهُ حَكى في الصِّفاتِ ذَلِكَ. حَكى ثَعْلَبٌ: مِشْيَةٌ حِيكى، ورَجُلٌ كِيسى. وحَكى غَيْرُهُ: امْرَأةٌ عِزْهى وامْرَأةٌ سِعْلى. وهَذا لا يَنْقَضُّ عَلى سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ في (حِيكى وكِيسى) كَقَوْلِهِ في (ضِيزى) لِتَصِحَّ الياءُ، وأمّا عِزْهى وسِعْلى فالمَشْهُورُ فِيهِما عِزْهاةُ سِعْلاةُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كَذِكْرى. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ ضازَ يَضِيزُ ضِيزى، كَذَكَرَ يَذْكُرُ ذِكْرى. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن (ضَأزَهُ) بِالهَمْزِ كَقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ هَمْزَها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أُصُولِ القُرّاءِ كُلِّهِمْ إبْدالُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ ياءً، لَكِنَّها لُغَةٌ التُزِمَتْ، فَقَرَؤُوا بِها. ومَعْنى ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزَةِ، نَقَصَهُ ظُلْمًا وجَوْرًا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. و(ضِيزى) في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ولا يَكُونُ وصْفًا أصْلِيًّا؛ لِما تَقَدَّمَ عَنْ سِيبَوَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا قِيلَ في (ضِئْزى) بِالكَسْرِ والهَمْزِ، أنَّ أصْلَهُ ضِيزى بِالضَّمِّ فَكُسِرَتِ الفاءُ، لِما قِيلَ فِيها مَعَ الياءِ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لا مُوجِبَ هُنا لِلتَّغْيِيرِ، إذِ الضَّمُّ مَعَ الهَمْزِ لا يُسْتَثْقَلُ اسْتِثْقالَهُ مَعَ الياءِ السّاكِنَةِ وسُمِعَ مِنهُمْ: (ضُؤُزى) بِضَمِّ الضّادِ مَعَ الواوِ والهَمْزَةِ.
وأمّا قِراءَةُ زَيْدٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، كَدَعْوى، وأنْ تَكُونَ صِفَةً كَكِسْرى وعَطْشى. انْتَهى.
(p-٥٥٧٦)
النجم 53:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣] ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾
﴿إنْ هِيَ﴾ أيِ: الأصْنامُ المَذْكُورَةُ بِاعْتِبارِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي يَدْعُونَها لَهم ﴿إلا أسْماءٌ﴾ أيْ: مَحْضَةٌ لَيْسَ تَحْتَها مِمّا تُنْبِئُ هي عَنْهُ مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، شَيْءٌ ما أصْلًا. أيْ: لَيْسَ لَها نَصِيبٌ مِنها إلّا إطْلاقَ تِلْكَ الأسْماءِ عَلَيْها.
قالَ الشِّهابُ: والمُرادُ لا نَصِيبَ لَها أصْلًا، ولا وجْهَ لِتَسْمِيَتِها بِذَلِكَ، ولَوْ كانَتِ الأُلُوهِيَّةُ مُتَحَقِّقَةً بِمُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ كانَتْ آلِهَةً، فَهو مِن نَفْيِ الشَّيْءِ بِإثْباتِهِ، أوْ هو ادِّعاءٌ مَحْضٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ.
﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ: جَعَلْتُمُوها أسْماءً مَعَ خُلُوِّها عَنِ المُسَمَّياتِ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ أيْ: بِمُقْتَضى أهْوائِكُمْ، وتَقْلِيدِ التّابِعِ لِلْمَتْبُوعِ، ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ: إلّا تَوَهَّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ، ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ: تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لِأنَّهم لَمْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ عَنْ وحْيٍ جاءَهم مِنَ اللَّهِ، ولا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أخْبَرَهم بِهِ، وإنَّما هو اخْتِلاقٌ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، أوْ أخَذُوهُ عَنْ آبائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ عَلى مِثْلِ ما هم عَلَيْهِ مِنهُ، ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ أيِ: الدَّلِيلُ الواضِحُ، والبَيانُ بِالوَحْيِ، أنَّ عِبادَتَها لا تَنْبَغِي وأنَّهُ لا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لَهُ تَعالى وحْدَهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ يَتَّبِعُونَ أوِ اعْتِراضٌ. وأيًّا ما كانَ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِبُطْلانِ اتِّباعِ الظَّنِّ، وهَوى النَّفْسِ، وزِيادَةِ تَقْبِيحٍ لِحالِهِمْ، فَإنَّ اتِّباعَهُما مِن أيِّ شَخْصٍ كانَ، قَبِيحٌ، ومِمَّنْ هَداهُ اللَّهُ تَعالى بِإرْسالِ الرَّسُولِ ﷺ وإنْزالِ الكُتُبِ، أقْبَحُ.
(p-٥٥٧٧)تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، ووَجْهُهُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى تَسْمِيَةِ بَعْضِ الأشْياءِ بِما سَمَّوْها بِهِ، ولَوْلا أنَّ تَسْمِيَةَ غَيْرِها مِنَ اللَّهِ تَوْقِيفٌ، لَما صَحَّ هَذا الذَّمُّ، لِكَوْنِ الكُلِّ اصْطِلاحًا مِنهم.
واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ إلَخْ عَلى إبْطالِ التَّقْلِيدِ في العَقائِدِ واسْتَدَلَّ بِهِ الظّاهِرِيَّةُ عَلى إبْطالِهِ مُطْلَقًا، أوْ إبْطالِ القِياسِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ قالَ: احْذَرُوا هَذا الرَّأْيَ عَلى الدِّينِ، فَإنَّما كانَ الرَّأْيُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصِيبًا لِأنَّ اللَّهَ كانَ يُرِيهِ، وإنَّما هو مِنّا تَكَلُّفٌ وظَنٌّ، ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . انْتَهى.
النجم 53:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤] ﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾
﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ أيْ: لَيْسَ ما يَشْتَهِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِنها طَمَعُهُ الفارِغُ في شَفاعَةِ الأنْدادِ، وتَعَنُّتُهُ في دِفاعِ اليَقِينِ بِالظَّنِّ، وتَرْكُهُ نَفْسَهُ وهَواها بِلا شَرْعٍ يُقَيِّدُهُ ولا مُهَيْمِنٍ يَزَعُهُ. فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ في نَظَرِ العَقْلِ السَّلِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٣]
النجم 53:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥] ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾
﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ: فَمَصِيرُ الأمْرِ فِيهِما لَهُ تَعالى، لا لِلْإنْسانِ حَسَبَ ما تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، كَما قالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ (p-٥٥٧٨)والأرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] ولِذا أرْسَلَ لَهُ الرُّسُلَ، وأنْزَلَ الكُتُبَ، قَطْعًا لِلْمَعاذِيرِ، ونَبَّهَهُ بِالعَقْلِ عَلى سُبُلِ السَّعادَةِ الَّتِي لا تَخْفى عَلى بَصِيرٍ.
النجم 53:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾
﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ هَذا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعَبَدَةِ الأوْثانِ، بِإقْناطِهِمْ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِن شَفاعَةِ أوْثانِهِمْ، بِأنَّ مَلائِكَتَهُ الكِرامَ لا يَتَفَوَّهُونَ بِالشَّفاعَةِ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ورِضاهُ. فَأنّى لِهَذِهِ الطَّواغِيتِ أنْ تَفْتاتَ عَلى هَذا المَقامِ، ولَها مِنَ الذِّلَّةِ والصِّغارِ ما يُبْعِدُها عَنْهُ بِألْفِ مَنزِلٍ.
ثُمَّ أشارَ إلى طُغْيانٍ آخَرَ لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النجم 53:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ أيْ: تَسْمِيَةَ الإناثِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هم بَناتُ اللَّهِ. فالأُنْثى بِمَعْنى الإناثِ، لِأنَّهُمُ اسْمُ جِنْسٍ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ والقَلِيلَ. وقِيلَ: بِمَعْنى الطّائِفَةِ الأُنْثى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ عَلى التَّشْبِيهِ، فَلا تَمَسُّ الحاجَةُ إلى الجَمْعِيَّةِ. وقِيلَ: أُفْرِدَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ في مَعْنى اسْتِغْراقِ المُفْرَدِ، أيْ: لَيُسَمُّونَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِنْتًا، وهي تَسْمِيَةُ الأُنْثى، عَلى وزْنِ كَسانا الأمِيرُ حُلَّةً، أيْ: كَسا كُلَّ واحِدٍ مِنّا حُلَّةً، والإفْرادُ لِعَدَمِ اللَّبْسِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي تَعْلِيقِها بِعَدَمِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ، إشْعارٌ بِأنَّها في الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ، واسْتِتْباعِ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ، بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْها إلّا مَن لا يُؤْمِنُ بِها رَأْسًا.
(p-٥٥٧٩)
النجم 53:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٢٩] ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩]
﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يُفِيدُ فائِدَتَهُ، ولا يَقُومُ مَقامَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وما هو عَلَيْهِ، إنَّما تُدْرَكُ إدْراكًا مُعْتَدًّا بِهِ، إذا كانَ عَنْ يَقِينٍ، لا عَنْ ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ.
﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] أيْ: مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ غايَةَ سَعادَتِهِمُ التَّنَعُّمَ بِلَذائِذِها، لِقِصَرِ نَظَرِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ. والمُرادُ مِنَ (الإعْراضِ) هَجْرُهم هَجْرًا جَمِيلًا، وتَرْكُ إيذائِهِمْ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ: أعْرِضْ عَنْ دَعْوَةِ مَن رَأيْتَهُ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ... إلَخْ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الصَّدْعَ بِالحَقِّ لا تَسامُحَ فِيهِ، لا سِيَّما والدَّعْوَةُ لِلْمُعْرِضِينَ، وهي تَسْتَلْزِمُ أنْ يُحاجُّوا بِهِ بِمُنْتَهى الطّاقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاصْفَحْ عَنْهم ودَعْ أذاهُمْ، في مُقابَلَةِ ما يَجْهَلُونَ بِهِ عَلَيْكَ، كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
النجم 53:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٢٩] ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩]
﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يُفِيدُ فائِدَتَهُ، ولا يَقُومُ مَقامَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وما هو عَلَيْهِ، إنَّما تُدْرَكُ إدْراكًا مُعْتَدًّا بِهِ، إذا كانَ عَنْ يَقِينٍ، لا عَنْ ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ.
﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] أيْ: مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ غايَةَ سَعادَتِهِمُ التَّنَعُّمَ بِلَذائِذِها، لِقِصَرِ نَظَرِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ. والمُرادُ مِنَ (الإعْراضِ) هَجْرُهم هَجْرًا جَمِيلًا، وتَرْكُ إيذائِهِمْ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ: أعْرِضْ عَنْ دَعْوَةِ مَن رَأيْتَهُ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ... إلَخْ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الصَّدْعَ بِالحَقِّ لا تَسامُحَ فِيهِ، لا سِيَّما والدَّعْوَةُ لِلْمُعْرِضِينَ، وهي تَسْتَلْزِمُ أنْ يُحاجُّوا بِهِ بِمُنْتَهى الطّاقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاصْفَحْ عَنْهم ودَعْ أذاهُمْ، في مُقابَلَةِ ما يَجْهَلُونَ بِهِ عَلَيْكَ، كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
النجم 53:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾
﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ يَعْنِي أمْرَ الدُّنْيا مُنْتَهى عِلْمِهِمْ، لا عِلْمَ لَهم فَوْقَهُ. ومَن كانَ هَذا أقْصى مَعارِفِهِ، فَما عَلى داعِيهِ إلّا الصَّفْحُ عَنْهُ، والصَّبْرُ عَلى جَهْلِهِ.
(p-٥٥٨٠)و(مَبْلَغَ) اسْمُ مَكانٍ مَجازًا، كَأنَّهُ مَحَلٌّ وقَفَ فِيهِ عِلْمُهُمُ ادِّعاءً -كَما حَقَّقَهُ الشِّهابُ - والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن قَصْرِ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالإعْراضِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ: ولا بُدَّ أنْ يُعامِلَهم بِمُوجِبِ عِلْمِهِ فِيهِمْ، فَيَجْزِي كُلًّا بِما يَقْتَضِيهِ عَمَلُهُ، وتَقْدِيمُ العِلْمِ بِمَن ضَلَّ، لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ مِنَ الخِطابِ، والسِّياقُ فِيهِمْ. وقَوْلُهُ:
النجم 53:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى سِعَةِ مُلْكِهِ، وعَظَمَةِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ ما فِيهِما مِن قَبْضَتِهِ، فَلا يُعْجِزُهُ جَزاءُ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ، كَما قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ ثُمَّ بَيَّنَ صِفاتِ هَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النجم 53:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ يَعْنِي ما كَبُرَ الوَعِيدُ عَلَيْهِ مِنَ المَناهِي والفَواحِشِ يَعْنِي ما فَحُشَ مِنها. والعَطْفُ إمّا مِن عَطْفِ أحَدِ المُتَرادِفَيْنِ أوِ الخاصِّ عَلى العامِّ ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ أيِ: الصَّغائِرَ مِنَ الذُّنُوبِ. ومَثَّلَهُ أبُو هُرَيْرَةَ بِالقُبْلَةِ والغَمْزَةِ والنَّظْرَةِ، فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، (p-٥٥٨١)وأصْلُ مَعْناهُ: ما قَلَّ قَدْرُهُ. ومِنهُ: لَمَّةُ الشَّعْرِ، لِأنَّها دُونَ الوَفْرَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ الدُّنُوُّ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ ارْتِكابٍ لَهُ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ عَلى ما ذُكِرَ. وقِيلَ: اللَّمَمُ بِما دُونَ الكَبائِرِ والفَواحِشِ، فَإنَّهُ عَفْوٌ. وقِيلَ: مُتَّصِلٌ، والمُرادُ مُطْلَقُ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: إنَّهُ لا اسْتِثْناءَ فِيهِ أصْلًا. وإلّا صِفَةٌ بِمَعْنى غَيْرَ وتَفْصِيلُهُ في (العِنايَةِ).
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، أنَّ مَعْنى اللَّمَمِ ما قَدْ سَلَفَ لَهم مِمّا ألَمُّوا بِهِ مِنَ الفَواحِشِ والكَبائِرِ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، وغَفَرَها لَهم حِينَ أسْلَمُوا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالفاحِشَةِ ثُمَّ يَتُوبُ ولا يَعُودُ. قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
««إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا»»
وقالَ الحَسَنُ:
﴿اللَّمَمَ﴾ أنْ يَقَعَ الوَقْعَةَ ثُمَّ يَنْتَهِي. وكُلُّ هَذا يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ الكَرِيمُ والأقْوى في مَعْناهُ هو الأوَّلُ؛ ولِذا اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]
﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: واسِعُ عَفْوِهِ لِلْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْ ذُنُوبُهُمُ الفَواحِشَ وكَبائِرَ الإثْمِ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أحْدَثَكم مِنها بِخَلْقِ أبِيكم آدَمَ مِنها ﴿وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أيْ: حَيْثُما يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ، ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: تَشْهَدُوا لَها بِأنَّها زَكِيَّةٌ بَرِيئَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، والمُرادُ بِهِ الثَّناءُ تَمَدُّحًا أوْ رِياءً ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ أيْ: بِمَنِ اتَّقاهُ (p-٥٥٨٢)فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ، واجْتَنَبَ مَعاصِيَهُ وأصْلَحَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٤٩]
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ» مِرارًا «إذا كانَ أحَدُكم مادِحًا صاحِبَهُ لا مَحالَةَ، فَلْيَقُلْ: أحْسَبُ فُلانًا، واللَّهُ حَسِيبُهُ، ولا أُزَكِّي عَلى اللَّهِ أحَدًا، أحْسَبُهُ: كَذا وكَذا إنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ»» .
النجم 53:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٥] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ ﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥]
﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ: عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢]
﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] أيْ: قَطَعَ العَطاءَ بُخْلًا وشُحًّا.
﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] أيْ: يَراهُ حَتّى يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالتَّزْكِيَةِ والنَّجاةِ والفَوْزِ؟
(p-٥٥٨٣)
النجم 53:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٥] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ ﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥]
﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ: عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢]
﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] أيْ: قَطَعَ العَطاءَ بُخْلًا وشُحًّا.
﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] أيْ: يَراهُ حَتّى يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالتَّزْكِيَةِ والنَّجاةِ والفَوْزِ؟
(p-٥٥٨٣)
النجم 53:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٥] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ ﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥]
﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ: عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢]
﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] أيْ: قَطَعَ العَطاءَ بُخْلًا وشُحًّا.
﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] أيْ: يَراهُ حَتّى يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالتَّزْكِيَةِ والنَّجاةِ والفَوْزِ؟
(p-٥٥٨٣)
النجم 53:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٣٧] ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]
﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] أيْ: بالَغَ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]
النجم 53:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٣٧] ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]
﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] أيْ: بالَغَ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]
النجم 53:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨] ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾
﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تُؤاخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ غَيْرِها، بَلْ كُلُّ آثِمَةٍ فَإنَّ إثْمَها عَلَيْها.
قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ العِقابَ يَتَرَتَّبُ عَلى هَيْئاتٍ مُظْلِمَةٍ رَسَخَتْ في النَّفْسِ بِتَكْرارِ الأفاعِيلِ والأقاوِيلِ السَّيِّئَةِ الَّتِي هي الذُّنُوبُ، وكَذَلِكَ الذُّنُوبُ. وكَذَلِكَ الثَّوابُ، إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى أضْدادِها مِن هَيْئاتِ الفَضائِلِ، كَما قالَ تَعالى:
النجم 53:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩] ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾
﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ أيْ: إلّا سَعْيَهُ وكَسْبَهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] الَّذِي (p-٥٥٨٤)ضَمِنَ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ! يَقُولُ: ألَمْ يُخْبِرْ قائِلُ هَذا القَوْلِ، وضامِنُ هَذا الضَّمانِ، بِالَّذِي في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ مَكْتُوبٌ: أنْ لا تَأْثَمَ آثِمَةٌ إثْمَ أُخْرى غَيْرِها، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ أيْ: وأنَّهُ لا يُجازى عامِلٌ إلّا بِعَمَلِهِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. انْتَهى.
وظاهِرُ السِّياقِ يُشْعِرُ بِنُزُولِ الآياتِ رَدًّا عَلى ما كانُوا يَتَخَرَّصُونَهُ ويَتَمَنَّوْنَهُ، ويَتَحَكَّمُونَ فِيهِ عَلى الغَيْبِ لِجاجًا وجَهْلًا. ومَعَ ذَلِكَ فَمَفْهُومُها الشُّمُولِيُّ جَلِيٌّ.
الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ دُخُولِ النِّيابَةِ في العِباداتِ عَنِ الحَيِّ والمَيِّتِ. واسْتَدَلَّ بِهِ الشّافِعِيُّ عَلى أنَّ ثَوابَ القِراءَةِ لا يَلْحَقُ الأمْواتَ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ اسْتَنْبَطَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن تَبِعَهُ، أنَّ القِراءَةَ لا يَصِلُ إهْداءُ ثَوابِها إلى المَوْتى، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن عَمَلِهِمْ ولا كَسْبِهِمْ، ولِهَذا لَمْ يَنْدُبْ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ، ولا حَثَّهم عَلَيْهِ، ولا أرْشَدَهم إلَيْهِ بِنَصٍّ ولا إيماءٍ، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولَوْ كانَ خَيْرًا لَسَبَقُونا إلَيْهِ. وبابُ القُرُباتِ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى النُّصُوصِ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأنْواعِ الأقْيِسَةِ والآراءِ، فَأمّا الدُّعاءُ والصَّدَقَةُ فَذاكَ مُجْمَعٌ عَلى وُصُولِهِما، ومَنصُوصٌ مِنَ الشّارِعِ عَلَيْهِما.
وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا ماتَ الإنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ: مِن ولَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أوْ صَدَقَةٍ جارِيَةٍ مِن بَعْدِهِ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ»» فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ في الحَقِيقَةِ هي مِن سَعْيِهِ وكَدِّهِ وعَمَلِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ««إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ، وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ»»، والصَّدَقَةُ الجارِيَةُ -كالوَقْفِ (p-٥٥٨٥)ونَحْوِهِ- هي مِن آثارِ عَمَلِهِ ووَقْفِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] والعِلْمُ الَّذِي نَشَرَهُ في النّاسِ، فاقْتَدى بِهِ النّاسُ بَعْدَهُ، هو أيْضًا مِن سَعْيِهِ وعَمَلِهِ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ: ««مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ، مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا»» . انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ ثَوابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ بَيانُ كُلِّ عَمَلٍ. نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّها لِكُلِّ عَمَلٍ، فالخَيْرُ مُثابٌ عَلَيْهِ، والشَّرُّ مُعاقَبٌ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لِبَيانِ الخَيْراتِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: " لِلْإنْسانِ " فَإنَّ اللّامَ لِعَوْدِ المَنافِعِ، وعَلى لِعَوْدِ المَضارِّ، تَقُولُ: هَذا لَهُ، وهَذا عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ، ويَشْهَدُ عَلَيْهِ، في المَنافِعِ والمَضارِّ. ولِلْقائِلِ الأوَّلِ أنْ يَقُولَ بِأنَّ الأمْرَيْنِ إذا اجْتَمَعا غَلَبَ الأفْضَلُ، كَجُمُوعِ السَّلامَةِ تُذَكَّرُ، إذا اجْتَمَعَتِ الإناثُ مَعَ الذُّكُورِ. وأيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] و(الأوْفى) لا يَكُونُ إلّا في مُقابَلَةِ الحَسَنَةِ، وأمّا في السَّيِّئَةِ فالمِثْلُ أوْ دُونَهُ، أوِ العَفْوُ بِالكُلِّيَّةِ. انْتَهى.
النجم 53:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠ - ٤١] ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١]
﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ: يَراهُ، ويُعْرَضُ عَلَيْهِ، ويُكْشَفُ لَهُ. مِن (أُرِيتُ الشَّيْءَ)، أوْ يُرى لِلْخَلْقِ ولِلْمَلائِكَةِ؛ فَفِيهِ بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وإفْراحٌ لَهُ، ونِذارَةٌ لِلْكافِرِ، وإرْهابٌ لَهُ، أوْ هو مِن (رَأى) المُجَرَّدِ، أيْ: يَراهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى (p-٥٥٨٦)اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] أيْ: يُجْزى سَعْيَهُ جَزاءً وافِرًا لا يُبْخَسُ مِنهُ شَيْئًا.
قالَ الشِّهابُ: أصْلُهُ يَجْزِي اللَّهُ الإنْسانَ سَعْيَهُ، فَـ (الجَزاءَ) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، و(سَعْيَهُ) هو المَفْعُولُ الثّانِي، وهو يَتَعَدّى لَهُ بِنَفْسِهِ، نَحْوَ: جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا. وجَزاؤُهُ سَعْيُهُ بِمَعْنى جَزائِهِ بِمِثْلِهِ، أوْ هو مَجازٌ. وقِيلَ: المَنصُوبُ بِنَزْعِ الخافِضِ الضَّمِيرُ، والتَّقْدِيرُ: بِسَعْيِهِ أوْ عَلى سَعْيِهِ- كَما في (الكَشّافِ).
النجم 53:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠ - ٤١] ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١]
﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ: يَراهُ، ويُعْرَضُ عَلَيْهِ، ويُكْشَفُ لَهُ. مِن (أُرِيتُ الشَّيْءَ)، أوْ يُرى لِلْخَلْقِ ولِلْمَلائِكَةِ؛ فَفِيهِ بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وإفْراحٌ لَهُ، ونِذارَةٌ لِلْكافِرِ، وإرْهابٌ لَهُ، أوْ هو مِن (رَأى) المُجَرَّدِ، أيْ: يَراهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى (p-٥٥٨٦)اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] أيْ: يُجْزى سَعْيَهُ جَزاءً وافِرًا لا يُبْخَسُ مِنهُ شَيْئًا.
قالَ الشِّهابُ: أصْلُهُ يَجْزِي اللَّهُ الإنْسانَ سَعْيَهُ، فَـ (الجَزاءَ) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، و(سَعْيَهُ) هو المَفْعُولُ الثّانِي، وهو يَتَعَدّى لَهُ بِنَفْسِهِ، نَحْوَ: جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا. وجَزاؤُهُ سَعْيُهُ بِمَعْنى جَزائِهِ بِمِثْلِهِ، أوْ هو مَجازٌ. وقِيلَ: المَنصُوبُ بِنَزْعِ الخافِضِ الضَّمِيرُ، والتَّقْدِيرُ: بِسَعْيِهِ أوْ عَلى سَعْيِهِ- كَما في (الكَشّافِ).
النجم 53:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ - ٤٩] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]
﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءُ الخَلْقِ، ورُجُوعُهم لِمُجازاتِهِمْ. والمُخاطَبُ إمّا عامٌّ، أيْ: أيُّها السّامِعُ أوِ العاقِلُ، فَفِيهِ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، أوْ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن جَفاءِ قَوْمِهِ وجَهْلِهِمْ.
ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ (p-٥٥٨٧)وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] أيْ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، أوْ أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ، أوْ مَن شاءَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أوْ أعَمُّ.
قالَ الرّازِيُّ: اخْتارَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ لا يُعَلَّلانِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أنْ يُبْدِيَ في اخْتِصاصِ الإنْسانِ بِهِما سَبَبًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلْ بِأمْرٍ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وهو اللَّهُ تَعالى، وأطالَ في ذَلِكَ وأطابَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] أيْ: أماتَ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وأحْيى مَن شاءَ، قالَ: ابْنُ جَرِيرٍ وعَنى بِقَوْلِهِ: أحْيا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، فَجَعَلَها حَيَّةً بِتَصْيِيرِهِ الرُّوحَ فِيها.
﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] أيِ: ابْتَدَعَ إنْشاءَهُما مِن نُطْفَةٍ إذا تَدَفَّقَ في الرَّحِمِ.
﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] أيْ: إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ مَماتِهِمْ في نَشْأةٍ أُخْرى لا تُعْلَمُ، كَما قالَ:
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] وذَلِكَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، المُتَرَتِّبِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِالمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ.
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] أيْ: أغْنى مَن شاءَ بِالمالِ. و(أقْناهُ) أيْ: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، وهو ما يَدَّخِرُهُ مِن أشْرَفِ أمْوالِهِ، ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] وهو نَجْمٌ مُضِيءٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وكانَ بَعْضُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يَعْبُدُهُ.
النجم 53:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ - ٤٩] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]
﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءُ الخَلْقِ، ورُجُوعُهم لِمُجازاتِهِمْ. والمُخاطَبُ إمّا عامٌّ، أيْ: أيُّها السّامِعُ أوِ العاقِلُ، فَفِيهِ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، أوْ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن جَفاءِ قَوْمِهِ وجَهْلِهِمْ.
ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ (p-٥٥٨٧)وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] أيْ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، أوْ أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ، أوْ مَن شاءَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أوْ أعَمُّ.
قالَ الرّازِيُّ: اخْتارَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ لا يُعَلَّلانِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أنْ يُبْدِيَ في اخْتِصاصِ الإنْسانِ بِهِما سَبَبًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلْ بِأمْرٍ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وهو اللَّهُ تَعالى، وأطالَ في ذَلِكَ وأطابَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] أيْ: أماتَ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وأحْيى مَن شاءَ، قالَ: ابْنُ جَرِيرٍ وعَنى بِقَوْلِهِ: أحْيا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، فَجَعَلَها حَيَّةً بِتَصْيِيرِهِ الرُّوحَ فِيها.
﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] أيِ: ابْتَدَعَ إنْشاءَهُما مِن نُطْفَةٍ إذا تَدَفَّقَ في الرَّحِمِ.
﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] أيْ: إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ مَماتِهِمْ في نَشْأةٍ أُخْرى لا تُعْلَمُ، كَما قالَ:
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] وذَلِكَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، المُتَرَتِّبِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِالمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ.
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] أيْ: أغْنى مَن شاءَ بِالمالِ. و(أقْناهُ) أيْ: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، وهو ما يَدَّخِرُهُ مِن أشْرَفِ أمْوالِهِ، ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] وهو نَجْمٌ مُضِيءٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وكانَ بَعْضُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يَعْبُدُهُ.
النجم 53:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ - ٤٩] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]
﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءُ الخَلْقِ، ورُجُوعُهم لِمُجازاتِهِمْ. والمُخاطَبُ إمّا عامٌّ، أيْ: أيُّها السّامِعُ أوِ العاقِلُ، فَفِيهِ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، أوْ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن جَفاءِ قَوْمِهِ وجَهْلِهِمْ.
ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ (p-٥٥٨٧)وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] أيْ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، أوْ أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ، أوْ مَن شاءَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أوْ أعَمُّ.
قالَ الرّازِيُّ: اخْتارَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ لا يُعَلَّلانِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أنْ يُبْدِيَ في اخْتِصاصِ الإنْسانِ بِهِما سَبَبًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلْ بِأمْرٍ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وهو اللَّهُ تَعالى، وأطالَ في ذَلِكَ وأطابَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] أيْ: أماتَ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وأحْيى مَن شاءَ، قالَ: ابْنُ جَرِيرٍ وعَنى بِقَوْلِهِ: أحْيا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، فَجَعَلَها حَيَّةً بِتَصْيِيرِهِ الرُّوحَ فِيها.
﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] أيِ: ابْتَدَعَ إنْشاءَهُما مِن نُطْفَةٍ إذا تَدَفَّقَ في الرَّحِمِ.
﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] أيْ: إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ مَماتِهِمْ في نَشْأةٍ أُخْرى لا تُعْلَمُ، كَما قالَ:
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] وذَلِكَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، المُتَرَتِّبِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِالمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ.
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] أيْ: أغْنى مَن شاءَ بِالمالِ. و(أقْناهُ) أيْ: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، وهو ما يَدَّخِرُهُ مِن أشْرَفِ أمْوالِهِ، ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] وهو نَجْمٌ مُضِيءٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وكانَ بَعْضُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يَعْبُدُهُ.
النجم 53:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ - ٤٩] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]
﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءُ الخَلْقِ، ورُجُوعُهم لِمُجازاتِهِمْ. والمُخاطَبُ إمّا عامٌّ، أيْ: أيُّها السّامِعُ أوِ العاقِلُ، فَفِيهِ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، أوْ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن جَفاءِ قَوْمِهِ وجَهْلِهِمْ.
ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ (p-٥٥٨٧)وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] أيْ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، أوْ أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ، أوْ مَن شاءَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أوْ أعَمُّ.
قالَ الرّازِيُّ: اخْتارَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ لا يُعَلَّلانِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أنْ يُبْدِيَ في اخْتِصاصِ الإنْسانِ بِهِما سَبَبًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلْ بِأمْرٍ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وهو اللَّهُ تَعالى، وأطالَ في ذَلِكَ وأطابَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] أيْ: أماتَ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وأحْيى مَن شاءَ، قالَ: ابْنُ جَرِيرٍ وعَنى بِقَوْلِهِ: أحْيا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، فَجَعَلَها حَيَّةً بِتَصْيِيرِهِ الرُّوحَ فِيها.
﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] أيِ: ابْتَدَعَ إنْشاءَهُما مِن نُطْفَةٍ إذا تَدَفَّقَ في الرَّحِمِ.
﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] أيْ: إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ مَماتِهِمْ في نَشْأةٍ أُخْرى لا تُعْلَمُ، كَما قالَ:
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] وذَلِكَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، المُتَرَتِّبِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِالمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ.
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] أيْ: أغْنى مَن شاءَ بِالمالِ. و(أقْناهُ) أيْ: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، وهو ما يَدَّخِرُهُ مِن أشْرَفِ أمْوالِهِ، ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] وهو نَجْمٌ مُضِيءٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وكانَ بَعْضُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يَعْبُدُهُ.
النجم 53:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ - ٤٩] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]
﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءُ الخَلْقِ، ورُجُوعُهم لِمُجازاتِهِمْ. والمُخاطَبُ إمّا عامٌّ، أيْ: أيُّها السّامِعُ أوِ العاقِلُ، فَفِيهِ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، أوْ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن جَفاءِ قَوْمِهِ وجَهْلِهِمْ.
ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ (p-٥٥٨٧)وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] أيْ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، أوْ أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ، أوْ مَن شاءَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أوْ أعَمُّ.
قالَ الرّازِيُّ: اخْتارَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ لا يُعَلَّلانِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أنْ يُبْدِيَ في اخْتِصاصِ الإنْسانِ بِهِما سَبَبًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلْ بِأمْرٍ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وهو اللَّهُ تَعالى، وأطالَ في ذَلِكَ وأطابَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] أيْ: أماتَ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وأحْيى مَن شاءَ، قالَ: ابْنُ جَرِيرٍ وعَنى بِقَوْلِهِ: أحْيا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، فَجَعَلَها حَيَّةً بِتَصْيِيرِهِ الرُّوحَ فِيها.
﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] أيِ: ابْتَدَعَ إنْشاءَهُما مِن نُطْفَةٍ إذا تَدَفَّقَ في الرَّحِمِ.
﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] أيْ: إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ مَماتِهِمْ في نَشْأةٍ أُخْرى لا تُعْلَمُ، كَما قالَ:
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] وذَلِكَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، المُتَرَتِّبِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِالمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ.
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] أيْ: أغْنى مَن شاءَ بِالمالِ. و(أقْناهُ) أيْ: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، وهو ما يَدَّخِرُهُ مِن أشْرَفِ أمْوالِهِ، ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] وهو نَجْمٌ مُضِيءٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وكانَ بَعْضُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يَعْبُدُهُ.
النجم 53:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ - ٤٩] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]
﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءُ الخَلْقِ، ورُجُوعُهم لِمُجازاتِهِمْ. والمُخاطَبُ إمّا عامٌّ، أيْ: أيُّها السّامِعُ أوِ العاقِلُ، فَفِيهِ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، أوْ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن جَفاءِ قَوْمِهِ وجَهْلِهِمْ.
ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ (p-٥٥٨٧)وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] أيْ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، أوْ أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ، أوْ مَن شاءَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أوْ أعَمُّ.
قالَ الرّازِيُّ: اخْتارَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ لا يُعَلَّلانِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أنْ يُبْدِيَ في اخْتِصاصِ الإنْسانِ بِهِما سَبَبًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلْ بِأمْرٍ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وهو اللَّهُ تَعالى، وأطالَ في ذَلِكَ وأطابَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] أيْ: أماتَ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وأحْيى مَن شاءَ، قالَ: ابْنُ جَرِيرٍ وعَنى بِقَوْلِهِ: أحْيا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، فَجَعَلَها حَيَّةً بِتَصْيِيرِهِ الرُّوحَ فِيها.
﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] أيِ: ابْتَدَعَ إنْشاءَهُما مِن نُطْفَةٍ إذا تَدَفَّقَ في الرَّحِمِ.
﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] أيْ: إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ مَماتِهِمْ في نَشْأةٍ أُخْرى لا تُعْلَمُ، كَما قالَ:
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] وذَلِكَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، المُتَرَتِّبِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِالمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ.
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] أيْ: أغْنى مَن شاءَ بِالمالِ. و(أقْناهُ) أيْ: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، وهو ما يَدَّخِرُهُ مِن أشْرَفِ أمْوالِهِ، ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] وهو نَجْمٌ مُضِيءٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وكانَ بَعْضُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يَعْبُدُهُ.
النجم 53:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ - ٤٩] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]
﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءُ الخَلْقِ، ورُجُوعُهم لِمُجازاتِهِمْ. والمُخاطَبُ إمّا عامٌّ، أيْ: أيُّها السّامِعُ أوِ العاقِلُ، فَفِيهِ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، أوْ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن جَفاءِ قَوْمِهِ وجَهْلِهِمْ.
ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ (p-٥٥٨٧)وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] أيْ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، أوْ أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ، أوْ مَن شاءَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أوْ أعَمُّ.
قالَ الرّازِيُّ: اخْتارَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ لا يُعَلَّلانِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أنْ يُبْدِيَ في اخْتِصاصِ الإنْسانِ بِهِما سَبَبًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلْ بِأمْرٍ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وهو اللَّهُ تَعالى، وأطالَ في ذَلِكَ وأطابَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] أيْ: أماتَ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وأحْيى مَن شاءَ، قالَ: ابْنُ جَرِيرٍ وعَنى بِقَوْلِهِ: أحْيا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، فَجَعَلَها حَيَّةً بِتَصْيِيرِهِ الرُّوحَ فِيها.
﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] أيِ: ابْتَدَعَ إنْشاءَهُما مِن نُطْفَةٍ إذا تَدَفَّقَ في الرَّحِمِ.
﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] أيْ: إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ مَماتِهِمْ في نَشْأةٍ أُخْرى لا تُعْلَمُ، كَما قالَ:
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] وذَلِكَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، المُتَرَتِّبِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِالمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ.
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] أيْ: أغْنى مَن شاءَ بِالمالِ. و(أقْناهُ) أيْ: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، وهو ما يَدَّخِرُهُ مِن أشْرَفِ أمْوالِهِ، ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] وهو نَجْمٌ مُضِيءٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وكانَ بَعْضُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يَعْبُدُهُ.
النجم 53:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ - ٤٩] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]
﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءُ الخَلْقِ، ورُجُوعُهم لِمُجازاتِهِمْ. والمُخاطَبُ إمّا عامٌّ، أيْ: أيُّها السّامِعُ أوِ العاقِلُ، فَفِيهِ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، أوْ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن جَفاءِ قَوْمِهِ وجَهْلِهِمْ.
ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ (p-٥٥٨٧)وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] أيْ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، أوْ أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ، أوْ مَن شاءَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أوْ أعَمُّ.
قالَ الرّازِيُّ: اخْتارَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ لا يُعَلَّلانِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أنْ يُبْدِيَ في اخْتِصاصِ الإنْسانِ بِهِما سَبَبًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلْ بِأمْرٍ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وهو اللَّهُ تَعالى، وأطالَ في ذَلِكَ وأطابَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] أيْ: أماتَ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وأحْيى مَن شاءَ، قالَ: ابْنُ جَرِيرٍ وعَنى بِقَوْلِهِ: أحْيا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، فَجَعَلَها حَيَّةً بِتَصْيِيرِهِ الرُّوحَ فِيها.
﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] أيِ: ابْتَدَعَ إنْشاءَهُما مِن نُطْفَةٍ إذا تَدَفَّقَ في الرَّحِمِ.
﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] أيْ: إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ مَماتِهِمْ في نَشْأةٍ أُخْرى لا تُعْلَمُ، كَما قالَ:
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] وذَلِكَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، المُتَرَتِّبِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِالمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ.
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] أيْ: أغْنى مَن شاءَ بِالمالِ. و(أقْناهُ) أيْ: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، وهو ما يَدَّخِرُهُ مِن أشْرَفِ أمْوالِهِ، ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] وهو نَجْمٌ مُضِيءٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وكانَ بَعْضُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يَعْبُدُهُ.
النجم 53:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ - ٥٦] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] (p-٥٥٨٨)﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]
﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ. وسُمِّيَتِ الأُولى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ.
﴿وثَمُودَ﴾ [النجم: ٥١] أيْ: قَوْمَ صالِحٍ، ﴿فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ في كُفْرِهِمْ ﴿وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ طُغْيانًا وعِصْيانًا مِنَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بَعْدَهُمْ، لِتَمَرُّدِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ورَدَّ دَعْوَتَهُ في طُولِ مُدَّتِهِ بَيْنَهُمْ، وهي أطْوَلُ مُدَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ.
﴿أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: أهْواها عَلى أهْلِها ودَمَّرَها.
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] أيْ: مِنَ العَذابِ السَّماوِيِّ الَّذِي صُبَّ عَلَيْها.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: نَعْمائِهِ.
﴿تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: تَرْتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ في أنَّها لَيْسَتْ مِن عِنْدِهِ، وهو الَّذِي أنْعَمَ بِالإغْناءِ والإقْناءِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَهْرِ أعْدائِهِمْ.
﴿هَذا﴾ [النجم: ٥٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] أيْ: إنْذارٌ مِن جِنْسِ الإنْذاراتِ الأُولى الَّتِي أنْذَرَ بِها مَن قَبْلَكم. أوْ هَذا الرَّسُولُ نَذِيرٌ مِن جِنْسِ مَن تَقَدَّمَهُ، لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
النجم 53:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ - ٥٦] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] (p-٥٥٨٨)﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]
﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ. وسُمِّيَتِ الأُولى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ.
﴿وثَمُودَ﴾ [النجم: ٥١] أيْ: قَوْمَ صالِحٍ، ﴿فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ في كُفْرِهِمْ ﴿وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ طُغْيانًا وعِصْيانًا مِنَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بَعْدَهُمْ، لِتَمَرُّدِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ورَدَّ دَعْوَتَهُ في طُولِ مُدَّتِهِ بَيْنَهُمْ، وهي أطْوَلُ مُدَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ.
﴿أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: أهْواها عَلى أهْلِها ودَمَّرَها.
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] أيْ: مِنَ العَذابِ السَّماوِيِّ الَّذِي صُبَّ عَلَيْها.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: نَعْمائِهِ.
﴿تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: تَرْتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ في أنَّها لَيْسَتْ مِن عِنْدِهِ، وهو الَّذِي أنْعَمَ بِالإغْناءِ والإقْناءِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَهْرِ أعْدائِهِمْ.
﴿هَذا﴾ [النجم: ٥٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] أيْ: إنْذارٌ مِن جِنْسِ الإنْذاراتِ الأُولى الَّتِي أنْذَرَ بِها مَن قَبْلَكم. أوْ هَذا الرَّسُولُ نَذِيرٌ مِن جِنْسِ مَن تَقَدَّمَهُ، لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
النجم 53:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ - ٥٦] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] (p-٥٥٨٨)﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]
﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ. وسُمِّيَتِ الأُولى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ.
﴿وثَمُودَ﴾ [النجم: ٥١] أيْ: قَوْمَ صالِحٍ، ﴿فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ في كُفْرِهِمْ ﴿وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ طُغْيانًا وعِصْيانًا مِنَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بَعْدَهُمْ، لِتَمَرُّدِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ورَدَّ دَعْوَتَهُ في طُولِ مُدَّتِهِ بَيْنَهُمْ، وهي أطْوَلُ مُدَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ.
﴿أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: أهْواها عَلى أهْلِها ودَمَّرَها.
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] أيْ: مِنَ العَذابِ السَّماوِيِّ الَّذِي صُبَّ عَلَيْها.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: نَعْمائِهِ.
﴿تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: تَرْتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ في أنَّها لَيْسَتْ مِن عِنْدِهِ، وهو الَّذِي أنْعَمَ بِالإغْناءِ والإقْناءِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَهْرِ أعْدائِهِمْ.
﴿هَذا﴾ [النجم: ٥٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] أيْ: إنْذارٌ مِن جِنْسِ الإنْذاراتِ الأُولى الَّتِي أنْذَرَ بِها مَن قَبْلَكم. أوْ هَذا الرَّسُولُ نَذِيرٌ مِن جِنْسِ مَن تَقَدَّمَهُ، لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
النجم 53:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ - ٥٦] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] (p-٥٥٨٨)﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]
﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ. وسُمِّيَتِ الأُولى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ.
﴿وثَمُودَ﴾ [النجم: ٥١] أيْ: قَوْمَ صالِحٍ، ﴿فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ في كُفْرِهِمْ ﴿وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ طُغْيانًا وعِصْيانًا مِنَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بَعْدَهُمْ، لِتَمَرُّدِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ورَدَّ دَعْوَتَهُ في طُولِ مُدَّتِهِ بَيْنَهُمْ، وهي أطْوَلُ مُدَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ.
﴿أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: أهْواها عَلى أهْلِها ودَمَّرَها.
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] أيْ: مِنَ العَذابِ السَّماوِيِّ الَّذِي صُبَّ عَلَيْها.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: نَعْمائِهِ.
﴿تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: تَرْتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ في أنَّها لَيْسَتْ مِن عِنْدِهِ، وهو الَّذِي أنْعَمَ بِالإغْناءِ والإقْناءِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَهْرِ أعْدائِهِمْ.
﴿هَذا﴾ [النجم: ٥٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] أيْ: إنْذارٌ مِن جِنْسِ الإنْذاراتِ الأُولى الَّتِي أنْذَرَ بِها مَن قَبْلَكم. أوْ هَذا الرَّسُولُ نَذِيرٌ مِن جِنْسِ مَن تَقَدَّمَهُ، لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
النجم 53:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ - ٥٦] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] (p-٥٥٨٨)﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]
﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ. وسُمِّيَتِ الأُولى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ.
﴿وثَمُودَ﴾ [النجم: ٥١] أيْ: قَوْمَ صالِحٍ، ﴿فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ في كُفْرِهِمْ ﴿وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ طُغْيانًا وعِصْيانًا مِنَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بَعْدَهُمْ، لِتَمَرُّدِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ورَدَّ دَعْوَتَهُ في طُولِ مُدَّتِهِ بَيْنَهُمْ، وهي أطْوَلُ مُدَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ.
﴿أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: أهْواها عَلى أهْلِها ودَمَّرَها.
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] أيْ: مِنَ العَذابِ السَّماوِيِّ الَّذِي صُبَّ عَلَيْها.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: نَعْمائِهِ.
﴿تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: تَرْتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ في أنَّها لَيْسَتْ مِن عِنْدِهِ، وهو الَّذِي أنْعَمَ بِالإغْناءِ والإقْناءِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَهْرِ أعْدائِهِمْ.
﴿هَذا﴾ [النجم: ٥٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] أيْ: إنْذارٌ مِن جِنْسِ الإنْذاراتِ الأُولى الَّتِي أنْذَرَ بِها مَن قَبْلَكم. أوْ هَذا الرَّسُولُ نَذِيرٌ مِن جِنْسِ مَن تَقَدَّمَهُ، لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
النجم 53:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ - ٥٦] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] (p-٥٥٨٨)﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]
﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ. وسُمِّيَتِ الأُولى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ.
﴿وثَمُودَ﴾ [النجم: ٥١] أيْ: قَوْمَ صالِحٍ، ﴿فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ في كُفْرِهِمْ ﴿وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ طُغْيانًا وعِصْيانًا مِنَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بَعْدَهُمْ، لِتَمَرُّدِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ورَدَّ دَعْوَتَهُ في طُولِ مُدَّتِهِ بَيْنَهُمْ، وهي أطْوَلُ مُدَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ.
﴿أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: أهْواها عَلى أهْلِها ودَمَّرَها.
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] أيْ: مِنَ العَذابِ السَّماوِيِّ الَّذِي صُبَّ عَلَيْها.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: نَعْمائِهِ.
﴿تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: تَرْتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ في أنَّها لَيْسَتْ مِن عِنْدِهِ، وهو الَّذِي أنْعَمَ بِالإغْناءِ والإقْناءِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَهْرِ أعْدائِهِمْ.
﴿هَذا﴾ [النجم: ٥٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] أيْ: إنْذارٌ مِن جِنْسِ الإنْذاراتِ الأُولى الَّتِي أنْذَرَ بِها مَن قَبْلَكم. أوْ هَذا الرَّسُولُ نَذِيرٌ مِن جِنْسِ مَن تَقَدَّمَهُ، لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
النجم 53:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ - ٥٦] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] (p-٥٥٨٨)﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]
﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ. وسُمِّيَتِ الأُولى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ.
﴿وثَمُودَ﴾ [النجم: ٥١] أيْ: قَوْمَ صالِحٍ، ﴿فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ في كُفْرِهِمْ ﴿وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] أيْ: أشَدَّ طُغْيانًا وعِصْيانًا مِنَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بَعْدَهُمْ، لِتَمَرُّدِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ورَدَّ دَعْوَتَهُ في طُولِ مُدَّتِهِ بَيْنَهُمْ، وهي أطْوَلُ مُدَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ.
﴿أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] أيْ: أهْواها عَلى أهْلِها ودَمَّرَها.
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] أيْ: مِنَ العَذابِ السَّماوِيِّ الَّذِي صُبَّ عَلَيْها.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: نَعْمائِهِ.
﴿تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ: تَرْتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ في أنَّها لَيْسَتْ مِن عِنْدِهِ، وهو الَّذِي أنْعَمَ بِالإغْناءِ والإقْناءِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَهْرِ أعْدائِهِمْ.
﴿هَذا﴾ [النجم: ٥٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] أيْ: إنْذارٌ مِن جِنْسِ الإنْذاراتِ الأُولى الَّتِي أنْذَرَ بِها مَن قَبْلَكم. أوْ هَذا الرَّسُولُ نَذِيرٌ مِن جِنْسِ مَن تَقَدَّمَهُ، لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
النجم 53:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ - ٥٨] ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨]
﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: قَرْبَتِ القِيامَةُ المَوْصُوفَةُ بِالقُرْبِ. فاللّامُ في الآزِفَةِ لِلْعَهْدِ. وقِيلَ: الآزِفَةُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِلسّاعَةِ هُنا، لِئَلّا يَلْزَمَ وصْفُ القَرِيبِ بِالقَرِيبِ.
(p-٥٥٨٩)قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ وصْفَ القَرِيبِ بِالقُرْبِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في قُرْبِهِ، كَما يَدُلُّ عَلى الِافْتِعالِ في ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ [القمر: ١]
﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] أيْ: لَيْسَ لِقِيامِها غَيْرُ اللَّهِ مُبَيِّنٌ لِوَقْتِها، كَقَوْلِهِ:
﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] و﴿كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] صِفَةُ مَحْذُوفٍ، أيْ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ، أوْ حالٌ كاشِفَةٌ أوِ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ. أوْ هو مَصْدَرٌ بُنِيَ عَلى التَّأْنِيثِ و" مِن دُونِ اللَّهِ " بِمَعْنى غَيْرِ اللَّهِ، أوْ إلّا اللَّهُ. وقِيلَ: الكَشْفُ بِمَعْنى الإزالَةِ، أيْ: لَيْسَ لَها نَفْسٌ كاشِفَةٌ إذا وقَعَتْ، إلّا هو تَعالى، مِن (كَشْفِ الغَمّاءِ).
النجم 53:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ - ٥٨] ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨]
﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: قَرْبَتِ القِيامَةُ المَوْصُوفَةُ بِالقُرْبِ. فاللّامُ في الآزِفَةِ لِلْعَهْدِ. وقِيلَ: الآزِفَةُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِلسّاعَةِ هُنا، لِئَلّا يَلْزَمَ وصْفُ القَرِيبِ بِالقَرِيبِ.
(p-٥٥٨٩)قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ وصْفَ القَرِيبِ بِالقُرْبِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في قُرْبِهِ، كَما يَدُلُّ عَلى الِافْتِعالِ في ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ [القمر: ١]
﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] أيْ: لَيْسَ لِقِيامِها غَيْرُ اللَّهِ مُبَيِّنٌ لِوَقْتِها، كَقَوْلِهِ:
﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] و﴿كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] صِفَةُ مَحْذُوفٍ، أيْ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ، أوْ حالٌ كاشِفَةٌ أوِ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ. أوْ هو مَصْدَرٌ بُنِيَ عَلى التَّأْنِيثِ و" مِن دُونِ اللَّهِ " بِمَعْنى غَيْرِ اللَّهِ، أوْ إلّا اللَّهُ. وقِيلَ: الكَشْفُ بِمَعْنى الإزالَةِ، أيْ: لَيْسَ لَها نَفْسٌ كاشِفَةٌ إذا وقَعَتْ، إلّا هو تَعالى، مِن (كَشْفِ الغَمّاءِ).
النجم 53:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩ - ٦٢] ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]
﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي قَصَّ ما تَقَدَّمَ، وأنْذَرَ بِما أخْبَرَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أيْ: تَعَجُّبُ إنْكارٍ مَعَ أنَّ ما حَواهُ مِمّا يُلْجِئُ إلى الإذْعانِ والإقْرارِ، بَلْ مِمّا يَفِيضُ لِحَقِّيَّتِهِ الدَّمْعُ المِدْرارُ، كَما قالَ: ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] أيِ: اسْتِهْزاءً ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] أيْ: مِمّا فِيهِ مِن وعِيدٍ لِلْعُصاةِ، ومِمّا فَرَطَ مِنكم قَبْلَ سَماعِ ذِكْراهُ كَما يَفْعَلُهُ المُوقِنُونَ بِهِ، المُحَدِّثُ عَنْهم في آيَةِ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] أيْ: لاهُونَ عَمّا فِيهِ مِنَ العِبَرِ، مُعْرِضُونَ عَنْ آياتِهِ كِبْرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ غِضابًا مُبَرْطِمِينَ، أيْ: شامِخِينَ.
(p-٥٥٩٠)وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الغِناءُ: كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا، وهي لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ. يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا: تَغَنَّ لَنا. والمَآلُ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ عَنْهُ. ولا رَيْبَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا كانَ يَصْدُرُ عَنِ المُشْرِكِينَ.
قالَ في (الإكْلِيلِ): فِيهِ اسْتِحْبابُ البُكاءِ عِنْدَ القِراءَةِ، وذَمُّ الضَّحِكِ والغِناءِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَفْلَةِ، كَما فُسِّرَ بِالأرْبَعَةِ قَوْلُهُ: ﴿سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] وفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ بِالِاسْتِكْبارِ.
﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] أيْ: واعْبُدُوهُ دُونَ مَن سِواهُ مِنَ الأوْثانِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِبادَةُ إلّا لَهُ، فَلا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِهِ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] «فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» وسَجَدَ مَن خَلْفَهُ» ... الحَدِيثَ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ وداعَةَ قالَ: ««قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ» وسَجَدَ مَن عِنْدَهُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَأبَيْتُ أنْ أسْجُدَ -ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ يَوْمَئِذٍ المُطَّلِبُ - فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَسْمَعُ أحَدًا قَرَأها إلّا سَجَدَ مَعَهُ». ورَواهُ النَّسائِيُّ.
النجم 53:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩ - ٦٢] ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]
﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي قَصَّ ما تَقَدَّمَ، وأنْذَرَ بِما أخْبَرَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أيْ: تَعَجُّبُ إنْكارٍ مَعَ أنَّ ما حَواهُ مِمّا يُلْجِئُ إلى الإذْعانِ والإقْرارِ، بَلْ مِمّا يَفِيضُ لِحَقِّيَّتِهِ الدَّمْعُ المِدْرارُ، كَما قالَ: ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] أيِ: اسْتِهْزاءً ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] أيْ: مِمّا فِيهِ مِن وعِيدٍ لِلْعُصاةِ، ومِمّا فَرَطَ مِنكم قَبْلَ سَماعِ ذِكْراهُ كَما يَفْعَلُهُ المُوقِنُونَ بِهِ، المُحَدِّثُ عَنْهم في آيَةِ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] أيْ: لاهُونَ عَمّا فِيهِ مِنَ العِبَرِ، مُعْرِضُونَ عَنْ آياتِهِ كِبْرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ غِضابًا مُبَرْطِمِينَ، أيْ: شامِخِينَ.
(p-٥٥٩٠)وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الغِناءُ: كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا، وهي لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ. يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا: تَغَنَّ لَنا. والمَآلُ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ عَنْهُ. ولا رَيْبَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا كانَ يَصْدُرُ عَنِ المُشْرِكِينَ.
قالَ في (الإكْلِيلِ): فِيهِ اسْتِحْبابُ البُكاءِ عِنْدَ القِراءَةِ، وذَمُّ الضَّحِكِ والغِناءِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَفْلَةِ، كَما فُسِّرَ بِالأرْبَعَةِ قَوْلُهُ: ﴿سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] وفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ بِالِاسْتِكْبارِ.
﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] أيْ: واعْبُدُوهُ دُونَ مَن سِواهُ مِنَ الأوْثانِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِبادَةُ إلّا لَهُ، فَلا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِهِ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] «فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» وسَجَدَ مَن خَلْفَهُ» ... الحَدِيثَ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ وداعَةَ قالَ: ««قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ» وسَجَدَ مَن عِنْدَهُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَأبَيْتُ أنْ أسْجُدَ -ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ يَوْمَئِذٍ المُطَّلِبُ - فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَسْمَعُ أحَدًا قَرَأها إلّا سَجَدَ مَعَهُ». ورَواهُ النَّسائِيُّ.
النجم 53:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩ - ٦٢] ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]
﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي قَصَّ ما تَقَدَّمَ، وأنْذَرَ بِما أخْبَرَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أيْ: تَعَجُّبُ إنْكارٍ مَعَ أنَّ ما حَواهُ مِمّا يُلْجِئُ إلى الإذْعانِ والإقْرارِ، بَلْ مِمّا يَفِيضُ لِحَقِّيَّتِهِ الدَّمْعُ المِدْرارُ، كَما قالَ: ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] أيِ: اسْتِهْزاءً ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] أيْ: مِمّا فِيهِ مِن وعِيدٍ لِلْعُصاةِ، ومِمّا فَرَطَ مِنكم قَبْلَ سَماعِ ذِكْراهُ كَما يَفْعَلُهُ المُوقِنُونَ بِهِ، المُحَدِّثُ عَنْهم في آيَةِ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] أيْ: لاهُونَ عَمّا فِيهِ مِنَ العِبَرِ، مُعْرِضُونَ عَنْ آياتِهِ كِبْرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ غِضابًا مُبَرْطِمِينَ، أيْ: شامِخِينَ.
(p-٥٥٩٠)وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الغِناءُ: كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا، وهي لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ. يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا: تَغَنَّ لَنا. والمَآلُ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ عَنْهُ. ولا رَيْبَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا كانَ يَصْدُرُ عَنِ المُشْرِكِينَ.
قالَ في (الإكْلِيلِ): فِيهِ اسْتِحْبابُ البُكاءِ عِنْدَ القِراءَةِ، وذَمُّ الضَّحِكِ والغِناءِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَفْلَةِ، كَما فُسِّرَ بِالأرْبَعَةِ قَوْلُهُ: ﴿سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] وفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ بِالِاسْتِكْبارِ.
﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] أيْ: واعْبُدُوهُ دُونَ مَن سِواهُ مِنَ الأوْثانِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِبادَةُ إلّا لَهُ، فَلا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِهِ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] «فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» وسَجَدَ مَن خَلْفَهُ» ... الحَدِيثَ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ وداعَةَ قالَ: ««قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ» وسَجَدَ مَن عِنْدَهُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَأبَيْتُ أنْ أسْجُدَ -ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ يَوْمَئِذٍ المُطَّلِبُ - فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَسْمَعُ أحَدًا قَرَأها إلّا سَجَدَ مَعَهُ». ورَواهُ النَّسائِيُّ.
النجم 53:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩ - ٦٢] ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]
﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي قَصَّ ما تَقَدَّمَ، وأنْذَرَ بِما أخْبَرَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أيْ: تَعَجُّبُ إنْكارٍ مَعَ أنَّ ما حَواهُ مِمّا يُلْجِئُ إلى الإذْعانِ والإقْرارِ، بَلْ مِمّا يَفِيضُ لِحَقِّيَّتِهِ الدَّمْعُ المِدْرارُ، كَما قالَ: ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] أيِ: اسْتِهْزاءً ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] أيْ: مِمّا فِيهِ مِن وعِيدٍ لِلْعُصاةِ، ومِمّا فَرَطَ مِنكم قَبْلَ سَماعِ ذِكْراهُ كَما يَفْعَلُهُ المُوقِنُونَ بِهِ، المُحَدِّثُ عَنْهم في آيَةِ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] أيْ: لاهُونَ عَمّا فِيهِ مِنَ العِبَرِ، مُعْرِضُونَ عَنْ آياتِهِ كِبْرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ غِضابًا مُبَرْطِمِينَ، أيْ: شامِخِينَ.
(p-٥٥٩٠)وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الغِناءُ: كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا، وهي لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ. يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا: تَغَنَّ لَنا. والمَآلُ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ عَنْهُ. ولا رَيْبَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا كانَ يَصْدُرُ عَنِ المُشْرِكِينَ.
قالَ في (الإكْلِيلِ): فِيهِ اسْتِحْبابُ البُكاءِ عِنْدَ القِراءَةِ، وذَمُّ الضَّحِكِ والغِناءِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَفْلَةِ، كَما فُسِّرَ بِالأرْبَعَةِ قَوْلُهُ: ﴿سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] وفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ بِالِاسْتِكْبارِ.
﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] أيْ: واعْبُدُوهُ دُونَ مَن سِواهُ مِنَ الأوْثانِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِبادَةُ إلّا لَهُ، فَلا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِهِ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ ﴿والنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] «فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» وسَجَدَ مَن خَلْفَهُ» ... الحَدِيثَ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ وداعَةَ قالَ: ««قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ» وسَجَدَ مَن عِنْدَهُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَأبَيْتُ أنْ أسْجُدَ -ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ يَوْمَئِذٍ المُطَّلِبُ - فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَسْمَعُ أحَدًا قَرَأها إلّا سَجَدَ مَعَهُ». ورَواهُ النَّسائِيُّ.