Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — القمر 54:1 – الرحمن 55:73

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. القمر 54:1
  2. القمر 54:2
  3. القمر 54:3
  4. القمر 54:4
  5. القمر 54:5
  6. القمر 54:6
  7. القمر 54:7
  8. القمر 54:8
  9. القمر 54:9
  10. القمر 54:10
  11. القمر 54:11
  12. القمر 54:12
  13. القمر 54:13
  14. القمر 54:14
  15. القمر 54:15
  16. القمر 54:16
  17. القمر 54:17
  18. القمر 54:18
  19. القمر 54:19
  20. القمر 54:20
  21. القمر 54:21
  22. القمر 54:22
  23. القمر 54:23
  24. القمر 54:24
  25. القمر 54:25
  26. القمر 54:26
  27. القمر 54:27
  28. القمر 54:28
  29. القمر 54:29
  30. القمر 54:30
  31. القمر 54:31
  32. القمر 54:32
  33. القمر 54:33
  34. القمر 54:34
  35. القمر 54:35
  36. القمر 54:36
  37. القمر 54:37
  38. القمر 54:38
  39. القمر 54:39
  40. القمر 54:40
  41. القمر 54:41
  42. القمر 54:42
  43. القمر 54:43
  44. القمر 54:44
  45. القمر 54:45
  46. القمر 54:46
  47. القمر 54:47
  48. القمر 54:48
  49. القمر 54:49
  50. القمر 54:50
  51. القمر 54:51
  52. القمر 54:52
  53. القمر 54:53
  54. القمر 54:54
  55. القمر 54:55
  56. الرحمن 55:1
  57. الرحمن 55:2
  58. الرحمن 55:3
  59. الرحمن 55:4
  60. الرحمن 55:5
  61. الرحمن 55:6
  62. الرحمن 55:7
  63. الرحمن 55:8
  64. الرحمن 55:9
  65. الرحمن 55:10
  66. الرحمن 55:11
  67. الرحمن 55:12
  68. الرحمن 55:13
  69. الرحمن 55:14
  70. الرحمن 55:15
  71. الرحمن 55:16
  72. الرحمن 55:17
  73. الرحمن 55:18
  74. الرحمن 55:19
  75. الرحمن 55:20
  76. الرحمن 55:21
  77. الرحمن 55:22
  78. الرحمن 55:23
  79. الرحمن 55:24
  80. الرحمن 55:25
  81. الرحمن 55:26
  82. الرحمن 55:27
  83. الرحمن 55:28
  84. الرحمن 55:29
  85. الرحمن 55:30
  86. الرحمن 55:31
  87. الرحمن 55:32
  88. الرحمن 55:33
  89. الرحمن 55:34
  90. الرحمن 55:35
  91. الرحمن 55:36
  92. الرحمن 55:37
  93. الرحمن 55:38
  94. الرحمن 55:39
  95. الرحمن 55:40
  96. الرحمن 55:41
  97. الرحمن 55:42
  98. الرحمن 55:43
  99. الرحمن 55:44
  100. الرحمن 55:45
  101. الرحمن 55:46
  102. الرحمن 55:47
  103. الرحمن 55:48
  104. الرحمن 55:49
  105. الرحمن 55:50
  106. الرحمن 55:51
  107. الرحمن 55:52
  108. الرحمن 55:53
  109. الرحمن 55:54
  110. الرحمن 55:55
  111. الرحمن 55:56
  112. الرحمن 55:57
  113. الرحمن 55:58
  114. الرحمن 55:59
  115. الرحمن 55:60
  116. الرحمن 55:61
  117. الرحمن 55:62
  118. الرحمن 55:63
  119. الرحمن 55:64
  120. الرحمن 55:65
  121. الرحمن 55:66
  122. الرحمن 55:67
  123. الرحمن 55:68
  124. الرحمن 55:69
  125. الرحمن 55:70
  126. الرحمن 55:71
  127. الرحمن 55:72
  128. الرحمن 55:73

القمر 54:1

(p-٥٥٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَمَرِ وتُسَمّى سُورَةَ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَدَ في حَدِيثِ أبِي واقِدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِـ(قافِ) و(اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . وكانَ يَقْرَأُ بِهِما في المَحافِلِ الكِبارِ، لِاشْتِمالِهِما عَلى ذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وبَدْءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ، والتَّوْحِيدِ، وإثْباتِ النُّبُوّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَقاصِدِ العَظِيمَةِ. (p-٥٥٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أيْ: دَنَتِ السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ. كَما قالَ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقالَ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْذارُهُ لِعِبادِهِ بِدُنُوِّ القِيامَةِ، وقُرْبِ فَناءِ الدُّنْيا، وأمْرٌ لَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِأهْوالِ القِيامَةِ قَبْلَ هُجُومِها عَلَيْهِمْ، وهم عَنْها في غَفْلَةٍ ساهُونَ. ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾

القمر 54:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ ذَلِكَ -فِيما ذُكِرَ- عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ؛ وذَلِكَ «أنَّ كُفّارَ أهْلِ مَكَّةَ سَألُوهُ آيَةً، فَأراهم ﷺ انْشِقاقَ القَمَرِ حُجَّةً عَلى صِدْقِ قَوْلِهِ وحَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ، فَلَمّا أراهم أعْرَضُوا وكَذَّبُوا، وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، سَحَرَنا مُحَمَّدٌ» . ثُمَّ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ التّابِعِينَ. وقالَ القاضِي عِياضٌ في (الشِّفا): أخْبَرَ تَعالى بِوُقُوعِ انْشِقاقِهِ بِلَفْظِ الماضِي، وإعْراضِ الكَفَرَةِ عَنْ آياتِهِ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ السُّنَّةِ عَلى وُقُوعِهِ، ثُمَّ سَرَدَ الآثارَ في ذَلِكَ. (p-٥٥٩٣)وزَعَمَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ أحادِيثَهُ مُتَواتِرَةٌ عامَّةٌ، إلّا أنَّ الشِّهابَ نَقَلَ عَنِ الإمامِ الخَطّابِيِّ أنَّ مُعْجِزاتِهِ ﷺ، غَيْرَ القُرْآنِ، لَمْ تَتَواتَرْ. والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّها لَوْ تَواتَرَتْ كانَتْ عامَّةً، والمُعْجِزَةُ إذا عَمَّتْ أهْلَكَ اللَّهُ مَن كَذَّبَها، كَما جَرَتْ بِهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ. والنَّبِيُّ ﷺ بُعِثَ رَحْمَةً، وأمَّنَ اللَّهُ أُمَّتَهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ. ثُمَّ قالَ: وسَبَبُ تَعَرُّضِهِمْ لِلتَّواتُرِ طَعْنُ بَعْضِ المَلاحِدَةِ بِأنَّ القَمَرَ يُشاهِدُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَلَوِ انْقَسَمَ قِطْعَتَيْنِ تَواتَرَ وشاعَ في جَمِيعِ النّاسِ، ولَمْ يَخْفَ عَلى أحَدٍ، والطَّبائِعُ حَرِيصَةٌ عَلى إشاعَةِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، ولا أغْرَبَ مِن هَذا. مَعَ أنَّ المُلازَمَةَ غَيْرُ لازِمَةٍ، لِأنَّهُ في اللَّيْلِ، وزَمانِ الغَفْلَةِ، ولا يَلْزَمُ امْتِدادُهُ، ولا يُرى إذْ ذاكَ في جَمِيعِ الآفاقِ، لِاخْتِلافِ المَطالِعِ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في (تَأْوِيلِ مُخْتَلَفِ الحَدِيثِ) أنَّ الَّذِي طَعَنَ في تِلْكَ الآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ هو النَّظّامُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ تَأْوِيلَهُ لِلْآيَةِ عَلى رَأْيِهِ، ولَعَلَّهُ هو القَوْلُ الثّانِي الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والبَيْضاوِيُّ، ورَواهُ أبُو السُّعُودِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ المَعْنى: وسَيَنْشَقُّ القَمَرُ، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ وإذا انْكَدَرَتِ النُّجُومُ وانْتَثَرَتْ. والمُرادُ بِالآيَةِ إمّا القُرْآنُ أوْ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَوْ أُجِيبُوا إلى طَلَبِهِ. ومَعْنى " مُسْتَمِرٌّ " دائِمٌ مُطَّرِدٌ، أوْ مُحْكَمٌ قَوِيٌّ، مِن: (مَرَرْتُ الحَبْلَ)، إذا أحْكَمْتَ فَتْلَهُ. أوْ مارٌّ ذاهِبٌ لا يَبْقى، تَعْلِيلًا لِأنْفُسِهِمْ بِالأمانِي الفارِغَةِ. أوْ مَنفُورٌ عَنْهُ لِشِدَّةِ مَرارَتِهِ مَجازًا. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَرَوْا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ. قالَ الشِّهابُ: ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةً -والمَعْنى: أنَّ السّاعَةَ اقْتَرَبَتْ، وانْشَقَّ القَمَرُ فِيها دَنا زَمانُهُ، وظَهَرَتْ آثارُهُ، والحالُ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ -كانَ مُنْتَظِمًا أتَمَّ انْتِظامٍ، ولا ضَيْرَ فِيهِ سِوى مُخالَفَتِهِ لِلْمَنقُولِ عَنِ السَّلَفِ في تَفْسِيرِها، فَتَأمَّلِ. انْتَهى. أقُولُ: ولِي هاهُنا كَلِمَةٌ لا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَيْها، وهِيَ: أنَّ الرَّمْيَ بِالإلْحادِ لِمُنْكِرِ حَدِيثٍ غَيْرِ مُجْمَعٍ عَلى تَواتُرِهِ، جِنايَةٌ كُبْرى وزَلَّةٌ عُظْمى؛ فَإنَّ بابَ التَّكْفِيرِ والتَّضْلِيلِ لَيْسَ بِالأمْرِ (p-٥٥٩٤)القَلِيلِ، ولِأجْلِهِ صَنَّفَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ كِتابَهُ (فَيْصَلُ التَّفْرِقَةِ) ودَمَغَ بِحُجَجِهِ أُولَئِكَ المُتَعَصِّبِينَ الَّذِينَ سَهَّلٌ عَلَيْهِمُ الرَّمْيُ لِمَن خالَفَهم بِالزَّنْدَقَةِ، ولَعَمْرُ الحَقِّ إنَّ هَذا مِمّا فَرَّقَ الكَلِمَةَ، ونَفَّرَ حَمَلَةَ العِلْمِ عَنْ تَعَرُّفِ المَشارِبِ والآراءِ، حَتّى أصْبَحَ بابَ التَّوَسُّعِ في العِلْمِ مُرَتَّجًا، ومُحِيطُهُ بَعْدَ مَدِّهِ مُنْحَسِرًا؛ إذْ هُجِرَتْ كُتُبُ الفِرَقِ الأُخْرى بَلْ أُحْرِقَتْ، وأُهِينَ مَن يَتَأثَّلُها، ورُمِيَ بِالِابْتِداعِ أوِ التَّزَنْدُقِ، كَما يَمُرُّ كَثِيرٌ مِن مِثْلِ هَذا بِمَطالِعِ كُتُبِ التّارِيخِ وطَبَقاتِ الرِّجالِ، فَلا جَرَمَ نُسِيَتِ الأقْوالُ الباقِيَةُ، وعُدَّتْ مِنَ الشّاذِّ غَيْرِ المَقْبُولِ. وإذا أُلْصِقَ اسْمُ الإلْحادِ بِقائِلِها فَماذا يَكُونُ حالُها؟ وهَذا، كَما لا يَخْفاكَ، حَيْفٌ عَلى قَواعِدِ العِلْمِ وغُلٌّ لِلْأفْكارِ، نَعَمْ! تَفَلَّتَ مِنهم عِلْمُ الأُصُولِ، فَلَمْ تَزَلِ الأقْوالُ الغَرِيبَةُ تَتَراءى عَلى صَفَحاتِهِ، وإنْ كانَ مِمّا يُغْمَزُ كَثِيرٌ مِنها، إلّا أنَّها سارَتْ تَلِجُّ آذانَهُمْ، ويُحْتَجُّ بِها عَلَيْهِمْ، وقَدْ تَنَبَّهَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ لِما ذَكَرْنا، وأشارُوا لَهُ في مَواضِعَ، فَقَرَّرُوا في كُتُبِ العَقائِدِ أنَّهُ لا يُكَفَّرُ أحَدٌ مِن أهْلِ القِبْلَةِ. وقالَ العَلّامَةُ الفَنارِيُّ في (فُصُولِ البَدائِعِ): ولا يُضَلَّلُ جاحِدُ الآحادِ. وقالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الصَّوابُ أنَّ مَن رَدَّ الخَبَرَ الصَّحِيحَ، كَما كانَتِ الصَّحابَةُ تَرُدُّهُ، لِاعْتِقادِهِ غَلَطَ النّاقِلِ أوْ كَذِبَهُ، لِاعْتِقادِ الرّادِّ أنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ هَذا، فَإنَّ هَذا لا يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اعْتِقادُهُ مُطابِقًا؛ فَقَدْ رَدَّ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ غَيْرَ واحِدٍ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي هي صَحِيحَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ. انْتَهى. وذَكَرَ الغَزالِيُّ في (الإحْياءِ) في كِتابِ آدابِ تِلاوَةِ القُرْآنِ في البابِ الثّالِثِ في أعْمالِ الباطِنِ في التِّلاوَةِ، أنَّ مِن أرْكانِها التَّخَلِّيَ عَنْ مَوانِعِ الفَهْمِ. قالَ: فَإنَّ أكْثَرَ النّاسِ مُنِعُوا عَنْ فَهْمِ مَعانِي القُرْآنِ لِأسْبابٍ وحُجُبٍ أسْدَلَها الشَّيْطانُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ عَجائِبُ أسْرارِ القُرْآنِ، وحُجُبُ الفَهْمِ أرْبَعَةٌ. إلى أنْ قالَ: وثانِيها: أنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا لِمَذْهَبٍ سَمِعَهُ بِالتَّقْلِيدِ، وجَمُدَ عَلَيْهِ، وثَبَتَ في نَفْسِهِ التَّعَصُّبُ لَهُ بِمُجَرَّدِ الِاتِّباعِ لِلْمَسْمُوعِ مِن غَيْرِ وُصُولٍ إلَيْهِ بِبَصِيرَةٍ ومُشاهَدَةٍ، فَهَذا شَخْصٌ قَيَّدَهُ مُعْتَقَدُهُ (p-٥٥٩٥)عَنْ أنْ يُجاوِزَهُ، فَلا يُمْكِنُهُ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِ غَيْرُ مُعْتَقَدِهِ، فَصارَ نَظَرُهُ مَوْقُوفًا عَلى مَسْمُوعِهِ، حَمَلَ عَلَيْهِ شَيْطانُ التَّقْلِيدِ حَمْلَةً، وقالَ: كَيْفَ يَخْطُرُ هَذا بِبالِكَ، وهو خِلافُ مُعْتَقَدِ آبائِكَ؟ فَيَرى أنَّ ذَلِكَ غُرُورُ الشَّيْطانِ فَيَتَباعَدُ مِنهُ، ويَحْتَرِزُ عَنْ مِثْلِهِ. ثُمَّ قالَ: رابِعُها: أنْ يَكُونَ قَرَأ تَفْسِيرًا ظاهِرًا، واعْتَقَدَ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَلِماتِ القُرْآنِ إلّا ما تَناوَلَهُ النَّقْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما، وأنَّ ما وراءَ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ، وأنَّ مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَقَدْ تَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ، فَهَذا أيْضًا مِنَ الحُجُبِ العَظِيمَةِ. ثُمَّ قالَ: وسَنُبَيِّنُ مَعْنى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يُناقِضُ قَوْلَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إلّا أنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا في القُرْآنِ. وأنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى هو الظّاهِرَ المَنقُولَ، لَما اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ -عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ- أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ يَنْزِلُ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لَهُ في الشَّيْءِ رَأْيٌ، وإلَيْهِ مَيْلٌ مِن طَبْعِهِ وهَواهُ، فَيَتَأوَّلُ القُرْآنَ عَلى وفْقِ رَأْيِهِ وهَواهُ، لِيَحْتَجَّ عَلى تَصْحِيحِ غَرَضِهِ، كالمُحْتَجِّ عَلى تَصْحِيحِ بِدْعَةٍ بِتَأْوِيلٍ يَخْتَرِعُهُ تَلْبِيسًا عَلى خَصْمِهِ، وكالجاهِلِ المُقْتَحِمِ يَتَأوَّلُ ما شاءَ هَواهُ. وثانِيهُما: أنْ يَتَسارَعَ إلى تَأْوِيلٍ بِظاهِرِ العَرَبِيَّةِ مِن غَيْرِ اسْتِظْهارٍ بِالسَّماعِ والنَّقْلِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِغَرائِبِ التَّنْزِيلِ. انْتَهى. ويَأْتِي مِثْلُ البَحْثِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي فَسَّرَها بَعْضُ السَّلَفِ بِشَيْءٍ، أوْ رَوى فِيها ما أنْكَرَهُ غَيْرُهُ لِما قامَ لَدَيْهِ، ولا مَلامَ في مُعْتَرَكِ الأفْهامِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

القمر 54:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣] ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وكَذَّبُوا﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ بَعْدَ ما أتَتْهم حَقِيقَتُها ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: ما زَيَّنَ لَهم مِن دَفْعِ الحَقِّ مِمّا وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: كُلُّ أمْرٍ لا بُدَّ أنْ يَصِيرَ (p-٥٥٩٦)إلى غايَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها. تَعْرِيضٌ بِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ أنْ يَسْتَقِرَّ إلى غايَةٍ، هي الظُّهُورُ والنُّصْرَةُ، وأمْرُ مُكَذِّبِيهِ إلى الخِذْلانِ والشَّقاوَةِ.

القمر 54:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤ - ٥] ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ: عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، والحَقائِقِ الكَوْنِيَّةِ، مِمّا يَسْتَحِيلُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ أُمِّيٌّ غَيْرُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ: مُرْتَدَعٌ عَمّا هم مُقِيمُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والغَفْلَةِ واللَّهْوِ. ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها مِنَ الإحْكامِ والتَّنَزُّهِ عَنِ الخَلَلِ، ومِن الِاشْتِمالِ عَلى البَراهِينِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ، وهو بَدَلٌ مِن: (ما)، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] جَمْعُ نَذِيرٍ. و(ما) نافِيَةٌ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ غِناءٍ تُغْنِي عَنْ قَوْمٍ آثَرُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، فَأعْرَضُوا عَنْهُ، وكَذَّبُوا بِهِ. وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] جُمْلَةً مُسْتَأْنِفَةً لِلتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ، مَعَ ما جاءَهم مِمّا يَقُودُ إلى الإيمانِ بادِئَ بَدْءٍ. وهو ما يُفْهَمُ مِن تَأْوِيلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعِبارَتُهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] أيْ: في هِدايَتِهِ تَعالى لِمَن هَداهُ، وإضْلالِهِ لِمَن أضَلَّهُ ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ عَمَّنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقاوَةَ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ، فَمَن ذا الَّذِي يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ؟ وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] (p-٥٥٩٧)

القمر 54:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤ - ٥] ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ: عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، والحَقائِقِ الكَوْنِيَّةِ، مِمّا يَسْتَحِيلُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ أُمِّيٌّ غَيْرُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ: مُرْتَدَعٌ عَمّا هم مُقِيمُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والغَفْلَةِ واللَّهْوِ. ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها مِنَ الإحْكامِ والتَّنَزُّهِ عَنِ الخَلَلِ، ومِن الِاشْتِمالِ عَلى البَراهِينِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ، وهو بَدَلٌ مِن: (ما)، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] جَمْعُ نَذِيرٍ. و(ما) نافِيَةٌ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ غِناءٍ تُغْنِي عَنْ قَوْمٍ آثَرُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، فَأعْرَضُوا عَنْهُ، وكَذَّبُوا بِهِ. وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] جُمْلَةً مُسْتَأْنِفَةً لِلتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ، مَعَ ما جاءَهم مِمّا يَقُودُ إلى الإيمانِ بادِئَ بَدْءٍ. وهو ما يُفْهَمُ مِن تَأْوِيلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعِبارَتُهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] أيْ: في هِدايَتِهِ تَعالى لِمَن هَداهُ، وإضْلالِهِ لِمَن أضَلَّهُ ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ عَمَّنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقاوَةَ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ، فَمَن ذا الَّذِي يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ؟ وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] (p-٥٥٩٧)

القمر 54:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦ - ٨] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيِ: اصْفَحْ عَنْ أذاهُمْ، وانْتَظِرْ ما يَأْتِيهِمْ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ أيْ: داعِي اللَّهِ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، وهو مَلَكٌ. أوِ الدُّعاءُ تَمْثِيلٌ لِلْإعادَةِ كالأمْرِ في قَوْلِهِ " كُنْ فَيَكُونُ " تَمْثِيلٌ لِلْإبْداءِ، والدّاعِي هو اللَّهُ تَعالى: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أيْ: فَظِيعٌ تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ، وهو مَوْقِفُ الحِسابِ والجَزاءِ والبَلاءِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] أيْ: مِنَ الذُّلِّ والصِّغارِ ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [القمر: ٧] أيْ: قُبُورِهِمْ ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] أيْ: في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ والِانْتِشارِ. الجَرادُ مَثَلٌ في الكَثْرَةِ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨] أيْ: مُسْرِعِينَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْهِ، ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] أيْ: لِشِدَّةِ أهْوالِهِ و﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾ ظَرْفٌ لِـ " يَقُولُ "، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ، وقِيلَ: بِـ " يَخْرُجُونَ " والأوَّلُ أظْهَرُ.

القمر 54:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦ - ٨] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيِ: اصْفَحْ عَنْ أذاهُمْ، وانْتَظِرْ ما يَأْتِيهِمْ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ أيْ: داعِي اللَّهِ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، وهو مَلَكٌ. أوِ الدُّعاءُ تَمْثِيلٌ لِلْإعادَةِ كالأمْرِ في قَوْلِهِ " كُنْ فَيَكُونُ " تَمْثِيلٌ لِلْإبْداءِ، والدّاعِي هو اللَّهُ تَعالى: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أيْ: فَظِيعٌ تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ، وهو مَوْقِفُ الحِسابِ والجَزاءِ والبَلاءِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] أيْ: مِنَ الذُّلِّ والصِّغارِ ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [القمر: ٧] أيْ: قُبُورِهِمْ ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] أيْ: في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ والِانْتِشارِ. الجَرادُ مَثَلٌ في الكَثْرَةِ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨] أيْ: مُسْرِعِينَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْهِ، ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] أيْ: لِشِدَّةِ أهْوالِهِ و﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾ ظَرْفٌ لِـ " يَقُولُ "، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ، وقِيلَ: بِـ " يَخْرُجُونَ " والأوَّلُ أظْهَرُ.

القمر 54:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦ - ٨] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيِ: اصْفَحْ عَنْ أذاهُمْ، وانْتَظِرْ ما يَأْتِيهِمْ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ أيْ: داعِي اللَّهِ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، وهو مَلَكٌ. أوِ الدُّعاءُ تَمْثِيلٌ لِلْإعادَةِ كالأمْرِ في قَوْلِهِ " كُنْ فَيَكُونُ " تَمْثِيلٌ لِلْإبْداءِ، والدّاعِي هو اللَّهُ تَعالى: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أيْ: فَظِيعٌ تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ، وهو مَوْقِفُ الحِسابِ والجَزاءِ والبَلاءِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] أيْ: مِنَ الذُّلِّ والصِّغارِ ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [القمر: ٧] أيْ: قُبُورِهِمْ ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] أيْ: في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ والِانْتِشارِ. الجَرادُ مَثَلٌ في الكَثْرَةِ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨] أيْ: مُسْرِعِينَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْهِ، ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] أيْ: لِشِدَّةِ أهْوالِهِ و﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾ ظَرْفٌ لِـ " يَقُولُ "، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ، وقِيلَ: بِـ " يَخْرُجُونَ " والأوَّلُ أظْهَرُ.

القمر 54:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ أيْ: زُجِرَ عَنِ الإنْذارِ والتَّبْلِيغِ بِشِدَّةٍ وقَساوَةٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ: افْتَعَلَ. قالَ النّاصِرُ: ولَيْسَ قَوْلُهُ " فَكَذَّبُوا " الثّانِي تَكْرارًا، لِأنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، والثّانِي مُقَيَّدٌ. وهو كَقَوْلِهِ في السُّورَةِ ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] فَإنَّ تَعاطِيَهُ هو نَفْسُ عُقْرِهِ، ولَكِنْ ذَكَرَهُ مِن جِهَةِ عُمُومِهِ، ثُمَّ مِن ناحِيَةِ خُصُوصِهِ إسْهابًا، وهو بِمَثابَةِ ذِكْرِهِ مَرَّتَيْنِ. وجَوابٌ آخَرُ هُنا، (p-٥٥٩٨)وهُوَ أنَّ المُكَذِّبَ أوَّلًا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ نُوحٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ نُوحًا، ثُمَّ جاءَ بِتَكْذِيبِهِمْ ثانِيًا مُضافًا إلى قَوْلِهِ " عَبْدَنا " فَوَصَفَ نُوحًا بِخُصُوصِ العُبُودِيَّةِ، وأضافَهُ إلَيْهِ إضافَةَ تَشْرِيفٍ؛ فالتَّكْذِيبُ المُخْبَرُ عَنْهُ ثانِيًا أبْشَعُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَذْكُورِ أوَّلًا، لِتِلْكَ اللَّمْحَةِ. انْتَهى.

القمر 54:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: غَلَبَنِي قَوْمِي تَمَرُّدًا وعُتُوًّا فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنِّي واسْتَحْكَمَ اليَأْسُ مِنهُمْ، فانْتَقِمْ مِنهم بِعَذابٍ تُرْسِلُهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أشارَ إلى اسْتِجابَتِهِ تَعالى دُعاءَهُ: بِالطُّوفانِ الَّذِي هَلَكُوا فِيهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القمر 54:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١ - ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ: مُنْدَفِقٍ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهٍ تَدْفُّقِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِانْصِبابِ أنْهارٍ انْفَتَحَتْ لَها أبْوابُ السَّماءِ، وشُقَّ لَها أدِيمُ الخَضْراءِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] أيْ: وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ تَتَفَجَّرُ، ﴿فالتَقى الماءُ﴾ [القمر: ١٢] (p-٥٥٩٩)أيْ: ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أيْ: عَلى حالٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ وقَضاهُ، وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] يَعْنِي السَّفِينَةَ. أُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها، لِتَأْدِيَتِها مُؤَدّاها، وهو مِن بَدِيعِ الكَلامِ، كَما بَسَطَهُ في (الكَشّافِ). ﴿ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] جَمْعُ دِسارٍ بِكَسْرِ الدّالِ، أوْ دَسْرٍ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ وهي أضْلاعُها، أوْ حِبالُها الَّتِي تُشَدُّ فِيها أوْ مَسامِيرُها. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] أيْ: بِمَرْأى مِنّا. كِنايَةً عَنْ حِفْظِها بِحِفْظِهِ تَعالى وعِنايَتِهِ. ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] أيْ: كَفَرَ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ نُوحٌ وما جاءَ بِهِ، فَهو مِنَ (الكُفْرِ) ضِدِّ الإيمانِ. أوْ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ كَفَرُوها، فَهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، اسْتُعِيرَ لِنُوحٍ النِّعْمَةُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، ونَسْبُ الكُفْرانِ تَخْيِيلًا أوْ حَقِيقَةً. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ [القمر: ١٥] أيْ: قِصَّةَ نُوحٍ ﴿آيَةً﴾ [القمر: ١٥] أيْ: جَعَلْناها عِبْرَةً يُعْتَبَرُ بِها ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ؟ أيْ: مُعْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ. وأصْلُهُ: (مُذْتَكِرٌ). ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] أيْ: عَذابِي لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، قَوْمِ نُوحٍ، وإنْذاراتِي بِما أحْلَلْتُ بِهِمْ، لِيَحْذَرَ أمْثالُهم ويَنْتَهُوا عَمّا يَقْتَرِفُونَهُ.

القمر 54:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١ - ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ: مُنْدَفِقٍ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهٍ تَدْفُّقِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِانْصِبابِ أنْهارٍ انْفَتَحَتْ لَها أبْوابُ السَّماءِ، وشُقَّ لَها أدِيمُ الخَضْراءِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] أيْ: وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ تَتَفَجَّرُ، ﴿فالتَقى الماءُ﴾ [القمر: ١٢] (p-٥٥٩٩)أيْ: ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أيْ: عَلى حالٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ وقَضاهُ، وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] يَعْنِي السَّفِينَةَ. أُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها، لِتَأْدِيَتِها مُؤَدّاها، وهو مِن بَدِيعِ الكَلامِ، كَما بَسَطَهُ في (الكَشّافِ). ﴿ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] جَمْعُ دِسارٍ بِكَسْرِ الدّالِ، أوْ دَسْرٍ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ وهي أضْلاعُها، أوْ حِبالُها الَّتِي تُشَدُّ فِيها أوْ مَسامِيرُها. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] أيْ: بِمَرْأى مِنّا. كِنايَةً عَنْ حِفْظِها بِحِفْظِهِ تَعالى وعِنايَتِهِ. ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] أيْ: كَفَرَ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ نُوحٌ وما جاءَ بِهِ، فَهو مِنَ (الكُفْرِ) ضِدِّ الإيمانِ. أوْ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ كَفَرُوها، فَهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، اسْتُعِيرَ لِنُوحٍ النِّعْمَةُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، ونَسْبُ الكُفْرانِ تَخْيِيلًا أوْ حَقِيقَةً. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ [القمر: ١٥] أيْ: قِصَّةَ نُوحٍ ﴿آيَةً﴾ [القمر: ١٥] أيْ: جَعَلْناها عِبْرَةً يُعْتَبَرُ بِها ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ؟ أيْ: مُعْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ. وأصْلُهُ: (مُذْتَكِرٌ). ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] أيْ: عَذابِي لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، قَوْمِ نُوحٍ، وإنْذاراتِي بِما أحْلَلْتُ بِهِمْ، لِيَحْذَرَ أمْثالُهم ويَنْتَهُوا عَمّا يَقْتَرِفُونَهُ.

القمر 54:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١ - ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ: مُنْدَفِقٍ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهٍ تَدْفُّقِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِانْصِبابِ أنْهارٍ انْفَتَحَتْ لَها أبْوابُ السَّماءِ، وشُقَّ لَها أدِيمُ الخَضْراءِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] أيْ: وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ تَتَفَجَّرُ، ﴿فالتَقى الماءُ﴾ [القمر: ١٢] (p-٥٥٩٩)أيْ: ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أيْ: عَلى حالٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ وقَضاهُ، وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] يَعْنِي السَّفِينَةَ. أُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها، لِتَأْدِيَتِها مُؤَدّاها، وهو مِن بَدِيعِ الكَلامِ، كَما بَسَطَهُ في (الكَشّافِ). ﴿ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] جَمْعُ دِسارٍ بِكَسْرِ الدّالِ، أوْ دَسْرٍ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ وهي أضْلاعُها، أوْ حِبالُها الَّتِي تُشَدُّ فِيها أوْ مَسامِيرُها. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] أيْ: بِمَرْأى مِنّا. كِنايَةً عَنْ حِفْظِها بِحِفْظِهِ تَعالى وعِنايَتِهِ. ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] أيْ: كَفَرَ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ نُوحٌ وما جاءَ بِهِ، فَهو مِنَ (الكُفْرِ) ضِدِّ الإيمانِ. أوْ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ كَفَرُوها، فَهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، اسْتُعِيرَ لِنُوحٍ النِّعْمَةُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، ونَسْبُ الكُفْرانِ تَخْيِيلًا أوْ حَقِيقَةً. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ [القمر: ١٥] أيْ: قِصَّةَ نُوحٍ ﴿آيَةً﴾ [القمر: ١٥] أيْ: جَعَلْناها عِبْرَةً يُعْتَبَرُ بِها ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ؟ أيْ: مُعْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ. وأصْلُهُ: (مُذْتَكِرٌ). ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] أيْ: عَذابِي لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، قَوْمِ نُوحٍ، وإنْذاراتِي بِما أحْلَلْتُ بِهِمْ، لِيَحْذَرَ أمْثالُهم ويَنْتَهُوا عَمّا يَقْتَرِفُونَهُ.

القمر 54:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١ - ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ: مُنْدَفِقٍ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهٍ تَدْفُّقِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِانْصِبابِ أنْهارٍ انْفَتَحَتْ لَها أبْوابُ السَّماءِ، وشُقَّ لَها أدِيمُ الخَضْراءِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] أيْ: وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ تَتَفَجَّرُ، ﴿فالتَقى الماءُ﴾ [القمر: ١٢] (p-٥٥٩٩)أيْ: ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أيْ: عَلى حالٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ وقَضاهُ، وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] يَعْنِي السَّفِينَةَ. أُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها، لِتَأْدِيَتِها مُؤَدّاها، وهو مِن بَدِيعِ الكَلامِ، كَما بَسَطَهُ في (الكَشّافِ). ﴿ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] جَمْعُ دِسارٍ بِكَسْرِ الدّالِ، أوْ دَسْرٍ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ وهي أضْلاعُها، أوْ حِبالُها الَّتِي تُشَدُّ فِيها أوْ مَسامِيرُها. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] أيْ: بِمَرْأى مِنّا. كِنايَةً عَنْ حِفْظِها بِحِفْظِهِ تَعالى وعِنايَتِهِ. ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] أيْ: كَفَرَ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ نُوحٌ وما جاءَ بِهِ، فَهو مِنَ (الكُفْرِ) ضِدِّ الإيمانِ. أوْ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ كَفَرُوها، فَهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، اسْتُعِيرَ لِنُوحٍ النِّعْمَةُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، ونَسْبُ الكُفْرانِ تَخْيِيلًا أوْ حَقِيقَةً. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ [القمر: ١٥] أيْ: قِصَّةَ نُوحٍ ﴿آيَةً﴾ [القمر: ١٥] أيْ: جَعَلْناها عِبْرَةً يُعْتَبَرُ بِها ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ؟ أيْ: مُعْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ. وأصْلُهُ: (مُذْتَكِرٌ). ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] أيْ: عَذابِي لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، قَوْمِ نُوحٍ، وإنْذاراتِي بِما أحْلَلْتُ بِهِمْ، لِيَحْذَرَ أمْثالُهم ويَنْتَهُوا عَمّا يَقْتَرِفُونَهُ.

القمر 54:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١ - ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ: مُنْدَفِقٍ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهٍ تَدْفُّقِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِانْصِبابِ أنْهارٍ انْفَتَحَتْ لَها أبْوابُ السَّماءِ، وشُقَّ لَها أدِيمُ الخَضْراءِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] أيْ: وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ تَتَفَجَّرُ، ﴿فالتَقى الماءُ﴾ [القمر: ١٢] (p-٥٥٩٩)أيْ: ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أيْ: عَلى حالٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ وقَضاهُ، وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] يَعْنِي السَّفِينَةَ. أُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها، لِتَأْدِيَتِها مُؤَدّاها، وهو مِن بَدِيعِ الكَلامِ، كَما بَسَطَهُ في (الكَشّافِ). ﴿ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] جَمْعُ دِسارٍ بِكَسْرِ الدّالِ، أوْ دَسْرٍ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ وهي أضْلاعُها، أوْ حِبالُها الَّتِي تُشَدُّ فِيها أوْ مَسامِيرُها. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] أيْ: بِمَرْأى مِنّا. كِنايَةً عَنْ حِفْظِها بِحِفْظِهِ تَعالى وعِنايَتِهِ. ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] أيْ: كَفَرَ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ نُوحٌ وما جاءَ بِهِ، فَهو مِنَ (الكُفْرِ) ضِدِّ الإيمانِ. أوْ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ كَفَرُوها، فَهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، اسْتُعِيرَ لِنُوحٍ النِّعْمَةُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، ونَسْبُ الكُفْرانِ تَخْيِيلًا أوْ حَقِيقَةً. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ [القمر: ١٥] أيْ: قِصَّةَ نُوحٍ ﴿آيَةً﴾ [القمر: ١٥] أيْ: جَعَلْناها عِبْرَةً يُعْتَبَرُ بِها ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ؟ أيْ: مُعْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ. وأصْلُهُ: (مُذْتَكِرٌ). ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] أيْ: عَذابِي لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، قَوْمِ نُوحٍ، وإنْذاراتِي بِما أحْلَلْتُ بِهِمْ، لِيَحْذَرَ أمْثالُهم ويَنْتَهُوا عَمّا يَقْتَرِفُونَهُ.

القمر 54:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١ - ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ: مُنْدَفِقٍ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهٍ تَدْفُّقِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِانْصِبابِ أنْهارٍ انْفَتَحَتْ لَها أبْوابُ السَّماءِ، وشُقَّ لَها أدِيمُ الخَضْراءِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] أيْ: وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ تَتَفَجَّرُ، ﴿فالتَقى الماءُ﴾ [القمر: ١٢] (p-٥٥٩٩)أيْ: ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أيْ: عَلى حالٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ وقَضاهُ، وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] يَعْنِي السَّفِينَةَ. أُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها، لِتَأْدِيَتِها مُؤَدّاها، وهو مِن بَدِيعِ الكَلامِ، كَما بَسَطَهُ في (الكَشّافِ). ﴿ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] جَمْعُ دِسارٍ بِكَسْرِ الدّالِ، أوْ دَسْرٍ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ وهي أضْلاعُها، أوْ حِبالُها الَّتِي تُشَدُّ فِيها أوْ مَسامِيرُها. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] أيْ: بِمَرْأى مِنّا. كِنايَةً عَنْ حِفْظِها بِحِفْظِهِ تَعالى وعِنايَتِهِ. ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] أيْ: كَفَرَ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ نُوحٌ وما جاءَ بِهِ، فَهو مِنَ (الكُفْرِ) ضِدِّ الإيمانِ. أوْ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ كَفَرُوها، فَهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، اسْتُعِيرَ لِنُوحٍ النِّعْمَةُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، ونَسْبُ الكُفْرانِ تَخْيِيلًا أوْ حَقِيقَةً. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ [القمر: ١٥] أيْ: قِصَّةَ نُوحٍ ﴿آيَةً﴾ [القمر: ١٥] أيْ: جَعَلْناها عِبْرَةً يُعْتَبَرُ بِها ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ؟ أيْ: مُعْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ. وأصْلُهُ: (مُذْتَكِرٌ). ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] أيْ: عَذابِي لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، قَوْمِ نُوحٍ، وإنْذاراتِي بِما أحْلَلْتُ بِهِمْ، لِيَحْذَرَ أمْثالُهم ويَنْتَهُوا عَمّا يَقْتَرِفُونَهُ.

القمر 54:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ لِلِادِّكارِ والِاتِّعاظِ، لِكَثْرَةِ ما ضُرِبَ فِيهِ مِنَ الأمْثالِ الكافِيَةِ الشّافِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: فَيَعْتَبِرُ بِما فِيهِ، ويَثُوبُ إلى رُشْدِهِ.

القمر 54:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨ - ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] (p-٥٦٠٠)﴿تَنْـزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أيْ: نَبِيَّهم هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمِثْلِ ما كَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَدِيدَ الهُبُوبِ، لَها صَرِيرٌ، أوْ بارِدَةٌ، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَرٍّ وشُؤْمٍ عَلَيْهِمْ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أيِ: اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ودامَ حَتّى أهْلَكَهُمْ، أوْ شَدِيدُ المَرارَةِ لِعِظَمِ بَلائِهِ، ﴿تَنْـزِعُ النّاسَ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: تَقْلَعُهم عَنْ أماكِنِهِمْ. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ مِن مَغارِسِهِ. وأصْلُ مُنْقَعِرٍ ما أُخْرِجَ مِنَ القَعْرِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] كَرَّرَهُ لِلتَّهْوِيلِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى فَرْطِ عُتُوِّهِمْ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي لِقَوْمِهِ وإنْذارِي لَهم عَلى لِسانِهِ؟ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ؟

القمر 54:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨ - ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] (p-٥٦٠٠)﴿تَنْـزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أيْ: نَبِيَّهم هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمِثْلِ ما كَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَدِيدَ الهُبُوبِ، لَها صَرِيرٌ، أوْ بارِدَةٌ، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَرٍّ وشُؤْمٍ عَلَيْهِمْ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أيِ: اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ودامَ حَتّى أهْلَكَهُمْ، أوْ شَدِيدُ المَرارَةِ لِعِظَمِ بَلائِهِ، ﴿تَنْـزِعُ النّاسَ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: تَقْلَعُهم عَنْ أماكِنِهِمْ. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ مِن مَغارِسِهِ. وأصْلُ مُنْقَعِرٍ ما أُخْرِجَ مِنَ القَعْرِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] كَرَّرَهُ لِلتَّهْوِيلِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى فَرْطِ عُتُوِّهِمْ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي لِقَوْمِهِ وإنْذارِي لَهم عَلى لِسانِهِ؟ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ؟

القمر 54:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨ - ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] (p-٥٦٠٠)﴿تَنْـزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أيْ: نَبِيَّهم هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمِثْلِ ما كَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَدِيدَ الهُبُوبِ، لَها صَرِيرٌ، أوْ بارِدَةٌ، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَرٍّ وشُؤْمٍ عَلَيْهِمْ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أيِ: اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ودامَ حَتّى أهْلَكَهُمْ، أوْ شَدِيدُ المَرارَةِ لِعِظَمِ بَلائِهِ، ﴿تَنْـزِعُ النّاسَ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: تَقْلَعُهم عَنْ أماكِنِهِمْ. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ مِن مَغارِسِهِ. وأصْلُ مُنْقَعِرٍ ما أُخْرِجَ مِنَ القَعْرِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] كَرَّرَهُ لِلتَّهْوِيلِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى فَرْطِ عُتُوِّهِمْ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي لِقَوْمِهِ وإنْذارِي لَهم عَلى لِسانِهِ؟ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ؟

القمر 54:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨ - ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] (p-٥٦٠٠)﴿تَنْـزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أيْ: نَبِيَّهم هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمِثْلِ ما كَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَدِيدَ الهُبُوبِ، لَها صَرِيرٌ، أوْ بارِدَةٌ، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَرٍّ وشُؤْمٍ عَلَيْهِمْ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أيِ: اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ودامَ حَتّى أهْلَكَهُمْ، أوْ شَدِيدُ المَرارَةِ لِعِظَمِ بَلائِهِ، ﴿تَنْـزِعُ النّاسَ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: تَقْلَعُهم عَنْ أماكِنِهِمْ. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ مِن مَغارِسِهِ. وأصْلُ مُنْقَعِرٍ ما أُخْرِجَ مِنَ القَعْرِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] كَرَّرَهُ لِلتَّهْوِيلِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى فَرْطِ عُتُوِّهِمْ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي لِقَوْمِهِ وإنْذارِي لَهم عَلى لِسانِهِ؟ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ؟

القمر 54:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨ - ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] (p-٥٦٠٠)﴿تَنْـزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أيْ: نَبِيَّهم هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمِثْلِ ما كَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَدِيدَ الهُبُوبِ، لَها صَرِيرٌ، أوْ بارِدَةٌ، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] أيْ: شَرٍّ وشُؤْمٍ عَلَيْهِمْ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أيِ: اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ودامَ حَتّى أهْلَكَهُمْ، أوْ شَدِيدُ المَرارَةِ لِعِظَمِ بَلائِهِ، ﴿تَنْـزِعُ النّاسَ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: تَقْلَعُهم عَنْ أماكِنِهِمْ. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ مِن مَغارِسِهِ. وأصْلُ مُنْقَعِرٍ ما أُخْرِجَ مِنَ القَعْرِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٢١] كَرَّرَهُ لِلتَّهْوِيلِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى فَرْطِ عُتُوِّهِمْ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي لِقَوْمِهِ وإنْذارِي لَهم عَلى لِسانِهِ؟ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] ؟

القمر 54:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (p-٥٦٠١)﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ: بِما أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] أيْ: جُنُونٍ، أوْ عَناءٍ. فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ سَعِيرٍ، كَأنَّهم عَكَسُوا عَلَيْهِ، فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى اتِّباعِهِمْ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالُوا: ﴿أبَشَرًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ يَتَّبِعُوا مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسٍ أعْلى مِن جِنْسِ البَشَرِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالُوا ﴿مِنّا﴾ [القمر: ٢٤] لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى. وقالُوا ﴿واحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا واحِدًا مِن أفْنائِهِمْ لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] يَعْنُونَ: الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ، أيْ: وفِينا مَن هو أحَقُّ بِها عَلى زَعْمِهِمْ، لِكَوْنِهِ أعَزَّ مالًا ونَفَرًا ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أيْ: مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ كِبْرُهُ عَلى اسْتِتْباعِنا لَهُ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] أيْ: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أيِ: المُتَكَبِّرُ عَنِ الحَقِّ، البَطِرُ لَهُ. ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: آيَةً وحُجَّةً لِصالِحٍ عَلى قَوْمِهِ امْتِحانًا لَهم وابْتِلاءً ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أيِ: انْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُوهُ بِها ﴿واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أيْ: عَلى دَعْوَتِهِمْ. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ [القمر: ٢٨] أيِ: الَّذِي يَرِدُونَهُ لِشُرْبِ مَواشِيهِمْ ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أيْ: يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ. و(الشُّرْبُ) النَّصِيبُ مِنَ الماءِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى﴾ [القمر: ٢٩] فَتَناوَلَ النّاقَةَ بِيَدِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] أيْ: فَعَقَرَها وقَتَلَها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ المُتَكَسِّرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ (p-٥٦٠٢)مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِلْغَنَمِ ونَحْوِها، أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمُ مَكانٍ، أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، أوِ الشَّجَرِ المُتَّخَذِ لَها. وهو تَشْبِيهٌ لِإهْلاكِهِمْ وإفْنائِهِمْ، وأنَّهم بادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، وخَمَدُوا وهَمَدُوا كَما يَهْمَدُ ويَيْبَسُ الزَّرْعُ والنَّباتُ بَعْدَ خُضْرَةِ ورَقِهِ وحُسْنِ نَباتِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظارًا عَلى الإبِلِ والمَواشِي مِن يُبْسِ الشَّوْكِ. وعَنْ سُفْيانَ: الهَشِيمُ، إذا ضُرِبَتِ الحَظِيرَةُ بِالعَصا، تَهَشَّمَ ذاكَ الوَرَقُ فَيَسْقُطُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]

القمر 54:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ. ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.

القمر 54:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ. ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.

القمر 54:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ. ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.

القمر 54:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ. ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.

القمر 54:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ. ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.

القمر 54:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ. ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.

القمر 54:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ. ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.

القمر 54:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ. ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.

القمر 54:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٢] ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ، وجَمْعُها لِلتَّعْظِيمِ، أوْ هو جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ [القمر: ٤٢] يَعْنِي الآياتِ التِّسْعَ، أوِ الأدِلَّةَ والحُجَجَ الَّتِي أتَتْهم ناطِقَةً بِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى. ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾ [القمر: ٤٢] أيْ: عاقَبْناهم عُقُوبَةَ شَدِيدٍ لا يُغالَبُ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] أيْ: عَظِيمِ القُدْرَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

القمر 54:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٢] ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ، وجَمْعُها لِلتَّعْظِيمِ، أوْ هو جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ [القمر: ٤٢] يَعْنِي الآياتِ التِّسْعَ، أوِ الأدِلَّةَ والحُجَجَ الَّتِي أتَتْهم ناطِقَةً بِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى. ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾ [القمر: ٤٢] أيْ: عاقَبْناهم عُقُوبَةَ شَدِيدٍ لا يُغالَبُ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] أيْ: عَظِيمِ القُدْرَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

القمر 54:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣ - ٤٤] ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ أيِ: الكُفّارِ المَعْدُودِينَ الَّذِينَ حَلَّتِ النِّقْمَةُ حَتّى يَأْمَنُوا جانِبَها، ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ أيْ: بَراءَةٌ مِن عِقابِهِ تَعالى، وأمانٌ مِنهُ، مَعَ أنَّكم عَلى شاكِلَةِ مَن مَضى نَبَؤُهُمْ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] أيْ: مُمْتَنِعٌ لا يُرامُ، أوْ مُنْتَصِرٌ مِمَّنْ أرادَ حَرْبَنا وتَفْرِيقَ كَلِمَتِنا، أوْ مُتَناصِرٌ، يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا. فالِافْتِعالُ بِمَعْنى التَّفاعُلِ، كالِاخْتِصامِ بِمَعْنى التَّخاصُمِ. وإفْرادُ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] مُراعاةً لِلَّفْظِ " جَمِيعٌ " لِخِفَّةِ الإفْرادِ، ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ. (p-٥٦٠٥)

القمر 54:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣ - ٤٤] ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ أيِ: الكُفّارِ المَعْدُودِينَ الَّذِينَ حَلَّتِ النِّقْمَةُ حَتّى يَأْمَنُوا جانِبَها، ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ أيْ: بَراءَةٌ مِن عِقابِهِ تَعالى، وأمانٌ مِنهُ، مَعَ أنَّكم عَلى شاكِلَةِ مَن مَضى نَبَؤُهُمْ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] أيْ: مُمْتَنِعٌ لا يُرامُ، أوْ مُنْتَصِرٌ مِمَّنْ أرادَ حَرْبَنا وتَفْرِيقَ كَلِمَتِنا، أوْ مُتَناصِرٌ، يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا. فالِافْتِعالُ بِمَعْنى التَّفاعُلِ، كالِاخْتِصامِ بِمَعْنى التَّخاصُمِ. وإفْرادُ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] مُراعاةً لِلَّفْظِ " جَمِيعٌ " لِخِفَّةِ الإفْرادِ، ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ. (p-٥٦٠٥)

القمر 54:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥ - ٤٦] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ يَعْنِي جَمْعُ كُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أيْ: يُوَلُّونَ أدْبارَهُمُ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عِنْدَ انْهِزامِهِمْ. وإفْرادُ الدُّبُرِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ رِعايَةِ الفَواصِلِ، ومُشاكَلَةِ قَرائِنِهِ. وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، فَفِيها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ. ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن أنَّهم لا يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَماتِهِمْ، بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم لِلْبَعْثِ والعِقابِ. ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] أيْ: أعْظَمُ داهِيَةً، وهي الأمْرُ المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ. وأمَرُّ مَذاقًا، أوْ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَزِيمَةِ الَّتِي سَيُهْزَمُونَها، إذا التَقَوْا مَعَ المُؤْمِنِينَ لِلْقِتالِ.

القمر 54:46

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥ - ٤٦] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ يَعْنِي جَمْعُ كُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أيْ: يُوَلُّونَ أدْبارَهُمُ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عِنْدَ انْهِزامِهِمْ. وإفْرادُ الدُّبُرِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ رِعايَةِ الفَواصِلِ، ومُشاكَلَةِ قَرائِنِهِ. وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، فَفِيها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ. ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن أنَّهم لا يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَماتِهِمْ، بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم لِلْبَعْثِ والعِقابِ. ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] أيْ: أعْظَمُ داهِيَةً، وهي الأمْرُ المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ. وأمَرُّ مَذاقًا، أوْ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَزِيمَةِ الَّتِي سَيُهْزَمُونَها، إذا التَقَوْا مَعَ المُؤْمِنِينَ لِلْقِتالِ.

القمر 54:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٤٨] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا ﴿وسُعُرٍ﴾ أيْ: نِيرانٍ في الآخِرَةِ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، لِعَمى قُلُوبِهِمْ بِظُلْمَةِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ. و" سُعُرٍ " أيْ: جُنُونٍ ووَلَهٍ، لِاحْتِجابِ عُقُولِهِمْ عَنْ نُورِ الحَقِّ بِشَوائِبِ الوَهْمِ، وحَيْرَتِها في الباطِلِ. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] أيْ: يُجَرُّونَ عَلَيْها. ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] أيْ: حَرَّها وألَمَها. والِاسْتِعارَةُ في المَسِّ تَحْقِيقِيَّةٌ. أوْ في سَقَرَ مَكْنِيَّةٌ، وفي (المَسِّ) تَخْيِيلِيَّةٌ. (p-٥٦٠٦)أوِ المَسُّ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ لِلْألَمِ. واسْتِعارَةُ الذَّوْقِ مَشْهُورَةٌ، واسْتِعْمالُ الذَّوْقِ في المَصائِبِ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ. و" سَقَرَ " مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها.

القمر 54:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٤٨] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا ﴿وسُعُرٍ﴾ أيْ: نِيرانٍ في الآخِرَةِ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، لِعَمى قُلُوبِهِمْ بِظُلْمَةِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ. و" سُعُرٍ " أيْ: جُنُونٍ ووَلَهٍ، لِاحْتِجابِ عُقُولِهِمْ عَنْ نُورِ الحَقِّ بِشَوائِبِ الوَهْمِ، وحَيْرَتِها في الباطِلِ. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] أيْ: يُجَرُّونَ عَلَيْها. ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] أيْ: حَرَّها وألَمَها. والِاسْتِعارَةُ في المَسِّ تَحْقِيقِيَّةٌ. أوْ في سَقَرَ مَكْنِيَّةٌ، وفي (المَسِّ) تَخْيِيلِيَّةٌ. (p-٥٦٠٦)أوِ المَسُّ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ لِلْألَمِ. واسْتِعارَةُ الذَّوْقِ مَشْهُورَةٌ، واسْتِعْمالُ الذَّوْقِ في المَصائِبِ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ. و" سَقَرَ " مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها.

القمر 54:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩] ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِمِقْدارٍ اسْتَوْفى فِيهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وتَرَتُّبَ الأسْبابِ عَلى مُسَبِّباتِها، ومِنهُ خَلْقُ دارِ العَذابِ، لِما كَسَبَتِ الأيْدِي، وإذاقَةُ ألَمِها جَزاءَ الزَّيْغِ عَنِ الهُدى. وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] وآيَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ قَدَرًا، وهَدى الخَلائِقَ إلَيْهِ. ولا مانِعَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها إلْفاتًا لِعَظَمَتِهِ تَعالى، وكَبِيرِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ مَن كانَتْ لَهُ تِلْكَ النُّعُوتُ المُثْلى لَجَدِيرٌ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ويُرْهَبَ بَأْسُهُ، ويُتَّقى بَطْشُهُ، لا سِيَّما وقَدْ صَدَعَ الدّاعِي بِإنْذارِهِ، ومَن أُنْذِرَ فَقَدْ أُعْذِرَ.

القمر 54:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٠] ﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وما أمْرُنا﴾ أيِ: الَّذِي بِهِ الإيجادُ ﴿إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ أيْ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ يَكُونُ بِها كُلُّ شَيْءٍ، بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ، كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ في السُّرْعَةِ. قالَ القاشانِيُّ: ﴿إلا واحِدَةٌ﴾ أيْ: تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ الأزَلِيَّةِ المُوجِبَةِ لِوُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ في زَمانٍ مُعَيَّنٍ، عَلى وجْهٍ مَعْلُومٍ، ثابِتٍ في لَوْحِ القُدْرَةِ، المُسَمّى في الشَّرْعِ بِـ: (كُنْ)، فَيَجِبُ وُجُودُهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ، عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ دُفْعَةً. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧] (p-٥٦٠٧)

القمر 54:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ. قالَ الشِّهابُ: أصْلُ مَعْنى (الأشْياعِ) جَمْعُ شِيعَةٍ، وهم مَن يَتَقَوّى بِهِمُ المَرْءُ مِنَ الأتْباعِ. ولَمّا كانُوا في الغالِبِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، أُرِيدَ بِهِ ما ذُكِرَ، إمّا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ بِذَلِكَ يَنْزَجِرُ بِهِ.

القمر 54:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٢] ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ أيِ: الكُتُبِ الَّتِي أحْصَتْها الحَفَظَةُ عَلَيْهِمْ.

القمر 54:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣] ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أيْ: مَسْطُورٌ لا يُمْحى ولا يُنْسى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: (p-٥٦٠٨)««يا عائِشَةُ ! إيّاكِ ومُحَقِّراتِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ لَها مِنَ اللَّهِ طالِبًا»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ ماهَكَ المَدَنِيِّ، وثَّقَهُ أحْمَدُ وابْنُ مَعِينٍ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم. وقَدْ رَواهُ الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ هَذا، مِن وجْهٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذا الحَدِيثِ عامِرَ بْنَ هِشامٍ فَقالَ لِي: ويْحَكَ يا سَعِيدُ ! لَقَدْ حَدَّثَنِي سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ أنَّهُ عَمِلَ ذَنْبًا فاسْتَصْغَرَهُ، فَأتاهُ آتٍ في مَنامِهِ، فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ ! ؎لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرًا إنَّ الصَّغِيرَ غَدًا يَعُودُ كَبِيرًا ؎إنَّ الصَّغِيرَ ولَوْ تَقادَمَ عَهْدُهُ ∗∗∗ عِنْدَ الإلَهِ مُسَطَّرٌ تَسْطِيرًا ؎فازْجُرْ هَواكَ عَنِ البِطالَةِ لا تَكُنْ ∗∗∗ صَعْبَ القِيادِ وشَمِّرَنْ تَشْمِيرًا ؎إنَّ المُحِبَّ إذا أحَبَّ إلَهَهُ ∗∗∗ طارَ الفُؤادُ وأُلْهِمَ التَّفْكِيرا ؎فاسْألْ هِدايَتَكَ الإلَهَ فَتَتَّئِدْ ∗∗∗ فَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا

القمر 54:54

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤ - ٥٥] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقابَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ، ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ أيْ: أنْهارٍ. واكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ المُفْرَدِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ، وضَمِّ النُّونِ، وقُرِئَ بِضَمِّهِما. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: في مَجْلِسِ حَقٍّ لا لَغْوَ فِيهِ ولا تَأْثِيمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ مَرْضِيٍّ. قالَ شُرّاحُهُ: فالصِّدْقُ مَجازٌ مُرْسَلٌ في لازِمِهِ، (p-٥٦٠٩)أوِ اسْتِعارَةٌ. وقِيلَ المُرادُ صِدْقُ المُبَشِّرِ بِهِ، وهو اللَّهُ ورَسُولُهُ. أوِ المُرادُ أنَّهُ نالَهُ مَن نالَهُ بِصِدْقِهِ وتَصْدِيقِهِ لِلرُّسُلِ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ [القمر: ٥٥] بِمَعْنى مالِكٍ. قالَ الشِّهابُ: ولَيْسَ إشْباعًا، بَلْ هي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كالمُقْتَدِرِ، ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِ جَمِيعِ ما في مُلْكِهِ عَلى حُكْمِ مَشِيئَتِهِ، وتَسْخِيرِهِ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. قالَ الشِّهابُ: في تَنْكِيرِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُلْكَهُ وقُدْرَتَهُ لا تَدْرِي الأفْهامُ كُنْهَهُما، وأنَّ قُرْبَهم مِنهُ بِمَنزِلَةٍ مِنَ السَّعادَةِ والكَرامَةِ، بِحَيْثُ لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، مِمّا يَجِلُّ عَنِ البَيانِ وتَكِلُّ دُونَهُ الأذْهانُ.

القمر 54:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤ - ٥٥] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقابَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ، ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ أيْ: أنْهارٍ. واكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ المُفْرَدِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ، وضَمِّ النُّونِ، وقُرِئَ بِضَمِّهِما. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: في مَجْلِسِ حَقٍّ لا لَغْوَ فِيهِ ولا تَأْثِيمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ مَرْضِيٍّ. قالَ شُرّاحُهُ: فالصِّدْقُ مَجازٌ مُرْسَلٌ في لازِمِهِ، (p-٥٦٠٩)أوِ اسْتِعارَةٌ. وقِيلَ المُرادُ صِدْقُ المُبَشِّرِ بِهِ، وهو اللَّهُ ورَسُولُهُ. أوِ المُرادُ أنَّهُ نالَهُ مَن نالَهُ بِصِدْقِهِ وتَصْدِيقِهِ لِلرُّسُلِ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ [القمر: ٥٥] بِمَعْنى مالِكٍ. قالَ الشِّهابُ: ولَيْسَ إشْباعًا، بَلْ هي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كالمُقْتَدِرِ، ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِ جَمِيعِ ما في مُلْكِهِ عَلى حُكْمِ مَشِيئَتِهِ، وتَسْخِيرِهِ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. قالَ الشِّهابُ: في تَنْكِيرِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُلْكَهُ وقُدْرَتَهُ لا تَدْرِي الأفْهامُ كُنْهَهُما، وأنَّ قُرْبَهم مِنهُ بِمَنزِلَةٍ مِنَ السَّعادَةِ والكَرامَةِ، بِحَيْثُ لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، مِمّا يَجِلُّ عَنِ البَيانِ وتَكِلُّ دُونَهُ الأذْهانُ.

الرحمن 55:1

(p-٥٦١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّها مَمْلُوءَةٌ بِذِكْرِ الآلاءِ الجَلِيلَةِ، وهي راجِعَةٌ إلى هَذا الِاسْمِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ، عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وآيُها ثَمانٍ وسَبْعُونَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ أنَّ أوَّلَ مُفَصَّلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كانَ الرَّحْمَنَ. (p-٥٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] أيْ: بَصَّرَ بِهِ ما فِيهِ رِضاهُ، وما فِيهِ سَخَطُهُ، بِرَحْمَتِهِ لِيُطاعَ بِاتِّباعِ ما يُرْضِيهِ، وعَمَلِ ما أمَرَ بِهِ، وبِاجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ، فَيُنالُ جَزِيلُ ثَوابِهِ، ويُنَجّى مِن ألِيمِ عِقابِهِ. قالَ القاضِي: لَمّا كانَتِ السُّورَةُ مَقْصُورَةً عَلى تَعْدادِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، صَدَّرَها بِـ: الرَّحْمَنِ وقَدَّمَ ما هو أصْلُ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وأجَلُّها، وهو إنْعامُهُ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيلُهُ وتَعْلِيمُهُ، فَإنَّهُ أساسُ الدِّينِ، ومَنشَأُ الشَّرْعِ، وأعْظَمُ الوَحْيِ، وأعَزُّ الكُتُبِ، إذْ هو بِإعْجازِهِ واشْتِمالِهِ عَلى خُلاصَتِها، مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ، ومِصْداقٌ لَها. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:2

(p-٥٦١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّها مَمْلُوءَةٌ بِذِكْرِ الآلاءِ الجَلِيلَةِ، وهي راجِعَةٌ إلى هَذا الِاسْمِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ، عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وآيُها ثَمانٍ وسَبْعُونَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ أنَّ أوَّلَ مُفَصَّلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كانَ الرَّحْمَنَ. (p-٥٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] أيْ: بَصَّرَ بِهِ ما فِيهِ رِضاهُ، وما فِيهِ سَخَطُهُ، بِرَحْمَتِهِ لِيُطاعَ بِاتِّباعِ ما يُرْضِيهِ، وعَمَلِ ما أمَرَ بِهِ، وبِاجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ، فَيُنالُ جَزِيلُ ثَوابِهِ، ويُنَجّى مِن ألِيمِ عِقابِهِ. قالَ القاضِي: لَمّا كانَتِ السُّورَةُ مَقْصُورَةً عَلى تَعْدادِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، صَدَّرَها بِـ: الرَّحْمَنِ وقَدَّمَ ما هو أصْلُ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وأجَلُّها، وهو إنْعامُهُ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيلُهُ وتَعْلِيمُهُ، فَإنَّهُ أساسُ الدِّينِ، ومَنشَأُ الشَّرْعِ، وأعْظَمُ الوَحْيِ، وأعَزُّ الكُتُبِ، إذْ هو بِإعْجازِهِ واشْتِمالِهِ عَلى خُلاصَتِها، مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ، ومِصْداقٌ لَها. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣ - ٤] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] إيماءٌ بِأنَّ خَلْقَ البَشَرِ، وما تَمَيَّزَ بِهِ عَنْ سائِرِ الحَيَوانِ مِنَ البَيانِ -وهُوَ التَّعْبِيرُ عَمّا في الضَّمِيرِ، وإفْهامُ الغَيْرِ- لِما أدْرَكَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ، وتَعَرُّفِ الحَقِّ، وتَعَلُّمِ الشَّرْعِ، أيْ: فَإذا كانَ خَلْقُهم إنَّما هو في الحَقِيقَةِ لِذَلِكَ اقْتَضى اتِّصالَهُ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيلَهُ الَّذِي هو مَنبَعُهُ، وأساسُ بُنْيانِهِ. (p-٥٦١٢)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإخْلاؤُها مِنَ العاطِفِ لِمَجِيئِها عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أغْناكَ بَعْدَ فَقْرٍ، أعَزَّكَ بَعْدَ ذُلٍّ، كَثَّرَكَ بَعْدَ قِلَّةٍ، فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ، فَما تُنْكِرُ إحْسانَهُ؟ وهَذا -كَما قالَ الشِّهابُ - مُصَحَّحٌ. والمُرَجَّحُ الإشارَةُ إلى أنَّ كُلًّا مِنها رُبَّما مُسْتَقِلَّةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى تَقْصِيرِهِمْ في أدائِهِ. ولَوْ عُطِفَتْ مَعَ شِدَّةِ اتِّصالِها وتَناسُبِهِ، رُبَّما تُوُهِّمَ أنَّها كُلَّها نِعْمَةٌ واحِدَةٌ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ في (الذَّرِيعَةِ): لَمّا كانَ النُّطْقُ أشْرَفَ ما خُصَّ بِهِ الإنْسانُ، فَإنَّ صُورَتَهُ المَعْقُولَةَ الَّتِي بِها بايَنَ سائِرَ الحَيَوانِ، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] ولَمْ يَقُلْ: (وعَلَّمَهُ)؛ إذْ جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَهُ﴾ [الرحمن: ٤] تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ تَنْبِيهًا أنَّ خَلْقَهُ إيّاهُ هو تَخْصِيصُهُ بِالبَيانِ الَّذِي لَوْ تُوُهِّمَ مُرْتَفِعًا لَكانَتِ الإنْسانِيَّةُ مُرْتَفِعَةً، ولِذَلِكَ قِيلَ: ما الإنْسانُ لَوْلا اللِّسانُ إلّا بَهِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ أوْ صُورَةٌ مُمَثِّلَةٌ. وقِيلَ: المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لِسانُ الفَتى نِصْفٌ ونِصْفٌ فُؤادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ أيْ: إذا تُوُهِّمَ ارْتِفاعُ النُّطْقِ الَّذِي هو بِاللِّسانِ، والقُوَّةِ النّاطِقَةِ الَّتِي هي بِالفُؤادِ، لَمْ يَبْقَ إلّا صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ. فَإذا كانَ الإنْسانُ هو اللِّسانَ فَلا شَكَّ أنَّ مَن كانَ أكْثَرَ مِنهُ حَظًّا كانَ أكْثَرَ مِنهُ إنْسانِيَّةً. والصَّمْتُ مِن حَيْثُ ما هو صَمْتٌ مَذْمُومٌ، فَذَلِكَ مِن صِفاتِ الجَماداتِ، فَضْلًا عَنِ الحَيَواناتِ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الحَيَواناتِ بِلا صَوْتٍ، وجَعَلَ لِبَعْضِها صَوْتًا بِلا تَرْكِيبٍ، ومَن مَدَحَ الصَّمْتَ فاعْتِبارًا بِمَن يُسِيءُ في الكَلامِ، فَيَقَعُ مِنهُ جِناياتٌ عَظِيمَةٌ في أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَإذا ما اعْتَبَرا بِأنْفُسِهِما، فَمُحالٌ أنْ يُقالَ في الصَّمْتِ فَضْلٌ، فَضْلًا أنْ يُخايَرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النُّطْقِ. وسُئِلَ حَكِيمٌ عَنْ فَضْلِهِما فَقالَ: الصَّمْتُ أفْضَلُ حَتّى يَحْتاجَ إلى النُّطْقِ. (p-٥٦١٣)وسُئِلَ آخَرُ عَنْ فَضْلِهِما فَقالَ: الصَّمْتُ عَنِ الخَنا أفْضَلُ مِنَ الكَلامِ بِالخَطَأِ. وعَنْهُ أخَذَ الشّاعِرُ: ؎الصَّمْتُ ألْيَقُ بِالفَتى ∗∗∗ مِن مَنطِقٍ في غَيْرِ حِينِهْ انْتَهى. وقَدْ جُوِّزَ -كَما حَكاهُ الشِّهابُ - أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ خَبَرَ مَحْذُوفٍ، أيِ: اللَّهُ الرَّحْمَنُ، وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنِفٌ لِتَعْدِيدِ نِعَمِهِ. ثُمَّ قالَ: و" عَلَّمَ " مِنَ التَّعْلِيمِ، ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ، أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ، لا جِبْرِيلَ أوْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ (مِنَ العَلامَةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ)، كَما قِيلَ، أيْ: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ، لِبُعْدِهِ.

الرحمن 55:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣ - ٤] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] إيماءٌ بِأنَّ خَلْقَ البَشَرِ، وما تَمَيَّزَ بِهِ عَنْ سائِرِ الحَيَوانِ مِنَ البَيانِ -وهُوَ التَّعْبِيرُ عَمّا في الضَّمِيرِ، وإفْهامُ الغَيْرِ- لِما أدْرَكَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ، وتَعَرُّفِ الحَقِّ، وتَعَلُّمِ الشَّرْعِ، أيْ: فَإذا كانَ خَلْقُهم إنَّما هو في الحَقِيقَةِ لِذَلِكَ اقْتَضى اتِّصالَهُ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيلَهُ الَّذِي هو مَنبَعُهُ، وأساسُ بُنْيانِهِ. (p-٥٦١٢)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإخْلاؤُها مِنَ العاطِفِ لِمَجِيئِها عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أغْناكَ بَعْدَ فَقْرٍ، أعَزَّكَ بَعْدَ ذُلٍّ، كَثَّرَكَ بَعْدَ قِلَّةٍ، فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ، فَما تُنْكِرُ إحْسانَهُ؟ وهَذا -كَما قالَ الشِّهابُ - مُصَحَّحٌ. والمُرَجَّحُ الإشارَةُ إلى أنَّ كُلًّا مِنها رُبَّما مُسْتَقِلَّةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى تَقْصِيرِهِمْ في أدائِهِ. ولَوْ عُطِفَتْ مَعَ شِدَّةِ اتِّصالِها وتَناسُبِهِ، رُبَّما تُوُهِّمَ أنَّها كُلَّها نِعْمَةٌ واحِدَةٌ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ في (الذَّرِيعَةِ): لَمّا كانَ النُّطْقُ أشْرَفَ ما خُصَّ بِهِ الإنْسانُ، فَإنَّ صُورَتَهُ المَعْقُولَةَ الَّتِي بِها بايَنَ سائِرَ الحَيَوانِ، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] ولَمْ يَقُلْ: (وعَلَّمَهُ)؛ إذْ جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَهُ﴾ [الرحمن: ٤] تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ تَنْبِيهًا أنَّ خَلْقَهُ إيّاهُ هو تَخْصِيصُهُ بِالبَيانِ الَّذِي لَوْ تُوُهِّمَ مُرْتَفِعًا لَكانَتِ الإنْسانِيَّةُ مُرْتَفِعَةً، ولِذَلِكَ قِيلَ: ما الإنْسانُ لَوْلا اللِّسانُ إلّا بَهِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ أوْ صُورَةٌ مُمَثِّلَةٌ. وقِيلَ: المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لِسانُ الفَتى نِصْفٌ ونِصْفٌ فُؤادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ أيْ: إذا تُوُهِّمَ ارْتِفاعُ النُّطْقِ الَّذِي هو بِاللِّسانِ، والقُوَّةِ النّاطِقَةِ الَّتِي هي بِالفُؤادِ، لَمْ يَبْقَ إلّا صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ. فَإذا كانَ الإنْسانُ هو اللِّسانَ فَلا شَكَّ أنَّ مَن كانَ أكْثَرَ مِنهُ حَظًّا كانَ أكْثَرَ مِنهُ إنْسانِيَّةً. والصَّمْتُ مِن حَيْثُ ما هو صَمْتٌ مَذْمُومٌ، فَذَلِكَ مِن صِفاتِ الجَماداتِ، فَضْلًا عَنِ الحَيَواناتِ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الحَيَواناتِ بِلا صَوْتٍ، وجَعَلَ لِبَعْضِها صَوْتًا بِلا تَرْكِيبٍ، ومَن مَدَحَ الصَّمْتَ فاعْتِبارًا بِمَن يُسِيءُ في الكَلامِ، فَيَقَعُ مِنهُ جِناياتٌ عَظِيمَةٌ في أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَإذا ما اعْتَبَرا بِأنْفُسِهِما، فَمُحالٌ أنْ يُقالَ في الصَّمْتِ فَضْلٌ، فَضْلًا أنْ يُخايَرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النُّطْقِ. وسُئِلَ حَكِيمٌ عَنْ فَضْلِهِما فَقالَ: الصَّمْتُ أفْضَلُ حَتّى يَحْتاجَ إلى النُّطْقِ. (p-٥٦١٣)وسُئِلَ آخَرُ عَنْ فَضْلِهِما فَقالَ: الصَّمْتُ عَنِ الخَنا أفْضَلُ مِنَ الكَلامِ بِالخَطَأِ. وعَنْهُ أخَذَ الشّاعِرُ: ؎الصَّمْتُ ألْيَقُ بِالفَتى ∗∗∗ مِن مَنطِقٍ في غَيْرِ حِينِهْ انْتَهى. وقَدْ جُوِّزَ -كَما حَكاهُ الشِّهابُ - أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ خَبَرَ مَحْذُوفٍ، أيِ: اللَّهُ الرَّحْمَنُ، وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنِفٌ لِتَعْدِيدِ نِعَمِهِ. ثُمَّ قالَ: و" عَلَّمَ " مِنَ التَّعْلِيمِ، ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ، أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ، لا جِبْرِيلَ أوْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ (مِنَ العَلامَةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ)، كَما قِيلَ، أيْ: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ، لِبُعْدِهِ.

الرحمن 55:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥ - ٧] ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أيْ: يَجْرِيانِ بِحِسابٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما، بِهِ تَتَّسِقُ أُمُورُ الكائِناتِ السُّفْلِيَّةِ، وتَخْتَلِفُ الفُصُولُ والأوْقاتُ، ويُعْلَمُ السُّنُونَ والحِسابُ. ﴿والنَّجْمُ﴾ [الرحمن: ٦] أيِ: النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ، أيْ: يَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ. ﴿والشَّجَرُ﴾ [الرحمن: ٦] أيِ: الَّذِي لَهُ ساقٌ ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] أيْ: يَنْقادانِ لِلَّهِ فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبْعًا، انْقِيادَ السّاجِدِ مِنَ المُكَلَّفِينَ طَوْعًا. فَهو اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ جَرْيَهُما عَلى مُقْتَضى طَبِيعَتِهِ، بِانْقِيادِ السّاجِدِ لِخالِقِهِ والجُمْلَةُ -إنْ كانَتْ خَبَرًا عَنِ الرَّحْمَنِ لِعَطْفِها عَلى الخَبَرِ- فالرّابِطُ مَحْذُوفٌ لِوُضُوحِهِ، أيْ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، فالقَطْعُ لِأنَّها مَسُوقَةٌ لِغَرَضٍ آخَرَ. وإدْخالُ العاطِفِ بَيْنَهُما لِما أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ سَماوِيّانِ، والنَّجْمَ والشَّجَرَ أرْضِيّانِ، فَبَيْنَهُما مُناسَبَةٌ بِالتَّقابُلِ، وبِانْقِيادِ الكُلِّ لِإرادَتِهِ. ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] أيْ: خَلَقَها مَرْفُوعَةً. ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] أيِ: العَدْلَ بَيْنَ خَلْقِهِ في الأرْضِ. (p-٥٦١٤)قالَ القاشانِيُّ: أيْ: خَفَضَ مِيزانَ العَدْلِ إلى أرْضِ النَّفْسِ والبَدَنِ، فَإنَّ العَدالَةَ هَيْئَةٌ نَفْسانِيَّةٌ، لَوْلاها لَما حَصَلَتِ الفَضِيلَةُ الإنْسانِيَّةُ. ومِنهُ الِاعْتِدالُ في البَدَنِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لَما وُجِدَ ولَمْ يَبْقَ. ولَمّا اسْتَقامَ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا بِالعَدْلِ واسْتَتَبَّ كَمالُ النَّفْسِ والبَدَنِ بِهِ، بِحَيْثُ لَوْلاهُ لَفَسَدَ أمْرٌ بِمُراعاتِهِ ومُحافَظَتِهِ قَبْلَ تَعْدِيدِ الأُصُولِ بِتَمامِها، لِشِدَّةِ العِنايَةِ بِهِ، وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الرحمن 55:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥ - ٧] ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أيْ: يَجْرِيانِ بِحِسابٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما، بِهِ تَتَّسِقُ أُمُورُ الكائِناتِ السُّفْلِيَّةِ، وتَخْتَلِفُ الفُصُولُ والأوْقاتُ، ويُعْلَمُ السُّنُونَ والحِسابُ. ﴿والنَّجْمُ﴾ [الرحمن: ٦] أيِ: النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ، أيْ: يَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ. ﴿والشَّجَرُ﴾ [الرحمن: ٦] أيِ: الَّذِي لَهُ ساقٌ ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] أيْ: يَنْقادانِ لِلَّهِ فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبْعًا، انْقِيادَ السّاجِدِ مِنَ المُكَلَّفِينَ طَوْعًا. فَهو اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ جَرْيَهُما عَلى مُقْتَضى طَبِيعَتِهِ، بِانْقِيادِ السّاجِدِ لِخالِقِهِ والجُمْلَةُ -إنْ كانَتْ خَبَرًا عَنِ الرَّحْمَنِ لِعَطْفِها عَلى الخَبَرِ- فالرّابِطُ مَحْذُوفٌ لِوُضُوحِهِ، أيْ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، فالقَطْعُ لِأنَّها مَسُوقَةٌ لِغَرَضٍ آخَرَ. وإدْخالُ العاطِفِ بَيْنَهُما لِما أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ سَماوِيّانِ، والنَّجْمَ والشَّجَرَ أرْضِيّانِ، فَبَيْنَهُما مُناسَبَةٌ بِالتَّقابُلِ، وبِانْقِيادِ الكُلِّ لِإرادَتِهِ. ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] أيْ: خَلَقَها مَرْفُوعَةً. ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] أيِ: العَدْلَ بَيْنَ خَلْقِهِ في الأرْضِ. (p-٥٦١٤)قالَ القاشانِيُّ: أيْ: خَفَضَ مِيزانَ العَدْلِ إلى أرْضِ النَّفْسِ والبَدَنِ، فَإنَّ العَدالَةَ هَيْئَةٌ نَفْسانِيَّةٌ، لَوْلاها لَما حَصَلَتِ الفَضِيلَةُ الإنْسانِيَّةُ. ومِنهُ الِاعْتِدالُ في البَدَنِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لَما وُجِدَ ولَمْ يَبْقَ. ولَمّا اسْتَقامَ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا بِالعَدْلِ واسْتَتَبَّ كَمالُ النَّفْسِ والبَدَنِ بِهِ، بِحَيْثُ لَوْلاهُ لَفَسَدَ أمْرٌ بِمُراعاتِهِ ومُحافَظَتِهِ قَبْلَ تَعْدِيدِ الأُصُولِ بِتَمامِها، لِشِدَّةِ العِنايَةِ بِهِ، وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الرحمن 55:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥ - ٧] ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أيْ: يَجْرِيانِ بِحِسابٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما، بِهِ تَتَّسِقُ أُمُورُ الكائِناتِ السُّفْلِيَّةِ، وتَخْتَلِفُ الفُصُولُ والأوْقاتُ، ويُعْلَمُ السُّنُونَ والحِسابُ. ﴿والنَّجْمُ﴾ [الرحمن: ٦] أيِ: النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ، أيْ: يَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ. ﴿والشَّجَرُ﴾ [الرحمن: ٦] أيِ: الَّذِي لَهُ ساقٌ ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] أيْ: يَنْقادانِ لِلَّهِ فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبْعًا، انْقِيادَ السّاجِدِ مِنَ المُكَلَّفِينَ طَوْعًا. فَهو اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ جَرْيَهُما عَلى مُقْتَضى طَبِيعَتِهِ، بِانْقِيادِ السّاجِدِ لِخالِقِهِ والجُمْلَةُ -إنْ كانَتْ خَبَرًا عَنِ الرَّحْمَنِ لِعَطْفِها عَلى الخَبَرِ- فالرّابِطُ مَحْذُوفٌ لِوُضُوحِهِ، أيْ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، فالقَطْعُ لِأنَّها مَسُوقَةٌ لِغَرَضٍ آخَرَ. وإدْخالُ العاطِفِ بَيْنَهُما لِما أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ سَماوِيّانِ، والنَّجْمَ والشَّجَرَ أرْضِيّانِ، فَبَيْنَهُما مُناسَبَةٌ بِالتَّقابُلِ، وبِانْقِيادِ الكُلِّ لِإرادَتِهِ. ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] أيْ: خَلَقَها مَرْفُوعَةً. ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] أيِ: العَدْلَ بَيْنَ خَلْقِهِ في الأرْضِ. (p-٥٦١٤)قالَ القاشانِيُّ: أيْ: خَفَضَ مِيزانَ العَدْلِ إلى أرْضِ النَّفْسِ والبَدَنِ، فَإنَّ العَدالَةَ هَيْئَةٌ نَفْسانِيَّةٌ، لَوْلاها لَما حَصَلَتِ الفَضِيلَةُ الإنْسانِيَّةُ. ومِنهُ الِاعْتِدالُ في البَدَنِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لَما وُجِدَ ولَمْ يَبْقَ. ولَمّا اسْتَقامَ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا بِالعَدْلِ واسْتَتَبَّ كَمالُ النَّفْسِ والبَدَنِ بِهِ، بِحَيْثُ لَوْلاهُ لَفَسَدَ أمْرٌ بِمُراعاتِهِ ومُحافَظَتِهِ قَبْلَ تَعْدِيدِ الأُصُولِ بِتَمامِها، لِشِدَّةِ العِنايَةِ بِهِ، وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الرحمن 55:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ٩] ﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ أيْ: بِالإفْراطِ عَنْ حَدِّ الفَضِيلَةِ والِاعْتِدالِ، فَيَلْزَمُ الجَوْرُ المُوجِبُ لِلْفَسادِ. و(أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، أيْ: لِئَلّا تَطْغَوْا فِيهِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ لِما في وضْعِ المِيزانِ مِن مَعْنى القَوْلِ، لِأنَّهُ بِالوَحْيِ وإعْلامِ الرُّسُلِ. ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] أيْ: الِاسْتِقامَةُ في الطَّرِيقَةِ، ومُلازَمَةُ حَدِّ الفَضِيلَةِ، ونُقْطَةِ الِاعْتِدالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، وكُلِّ القُوى. ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: بِالتَّفْرِيطِ عَنْ حَدِّ الفَضِيلَةِ. قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: العَدْلُ مِيزانُ اللَّهِ تَعالى، وضَعَهُ لِلْخَلْقِ، ونَصَبَهُ لِلْحَقِّ. انْتَهى. ومِمَّنْ فَسَّرَ المِيزانَ في الآيَةِ بِالعَدْلِ مُجاهِدٌ وتَبِعَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وكَذا ابْنُ كَثِيرٍ، ونَظَرَ لِذَلِكَ بِآيَةِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالمِيزانِ ما يُعْرَفُ بِهِ مَقادِيرُ الأشْياءِ مِن مِيزانٍ ومِكْيالٍ ونَحْوِهِما. ومِنهُ قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): فِيهِ وُجُوبُ العَدْلِ في الوَزْنِ، وتَحْرِيمُ البَخْسِ فِيهِ، وعَلَيْهِ فَوَجْهُ اتِّصالِ قَوْلِهِ: ووَضَعَ المِيزانَ بِما قَبْلَهُ، هو أنَّهُ لَمّا وصَفَ السَّماءَ (p-٥٦١٥)بِالرِّفْعَةِ الَّتِي هي مَصْدَرُ القَضايا والأقْدارِ، أرادَ وصْفَ الأرْضِ بِما فِيها، مِمّا يَظْهَرُ بِهِ التَّفاوُتُ، ويُعْرَفُ بِهِ المِقْدارُ، ويُسَوّى بِهِ الحُقُوقُ والمَواجِبُ، كَذا ارْتَآهُ القاضِي، واللَّهُ أعْلَمُ. وفِي الحَقِيقَةِ، الثّانِي مَن أفْرادِ الأوَّلِ، وأخْذُ اللَّفْظِ عامًّا أوْلى وأفْيَدُ. ومِنَ اللَّطائِفِ الَّتِي يَتَّسِعُ لَها نَظْمُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُ الرّازِيِّ: المِيزانُ ذُكِرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، كُلَّ مَرَّةٍ بِمَعْنى، فالأوَّلُ: هو الآلَةُ، والثّانِي: لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى المَصْدَرِ، والثّالِثُ: لِلْمَفْعُولِ. قالَ: وهو كالقُرْآنِ، ذُكِرَ بِمَعْنى المُناسَبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] وبِمَعْنى المَقْرُوءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وبِمَعْنى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ المَقْرُوءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] فَكَأنَّهُ آلَةٌ ومَحَلٌّ لَهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] ثُمَّ قالَ: وبَيْنَ القُرْآنِ والمِيزانِ مُناسَبَةٌ، فَإنَّ القُرْآنَ فِيهِ مِنَ العِلْمِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، والمِيزانَ فِيهِ مِنَ العَدْلِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الآلاتِ. انْتَهى.

الرحمن 55:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ٩] ﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ أيْ: بِالإفْراطِ عَنْ حَدِّ الفَضِيلَةِ والِاعْتِدالِ، فَيَلْزَمُ الجَوْرُ المُوجِبُ لِلْفَسادِ. و(أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، أيْ: لِئَلّا تَطْغَوْا فِيهِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ لِما في وضْعِ المِيزانِ مِن مَعْنى القَوْلِ، لِأنَّهُ بِالوَحْيِ وإعْلامِ الرُّسُلِ. ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] أيْ: الِاسْتِقامَةُ في الطَّرِيقَةِ، ومُلازَمَةُ حَدِّ الفَضِيلَةِ، ونُقْطَةِ الِاعْتِدالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، وكُلِّ القُوى. ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: بِالتَّفْرِيطِ عَنْ حَدِّ الفَضِيلَةِ. قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: العَدْلُ مِيزانُ اللَّهِ تَعالى، وضَعَهُ لِلْخَلْقِ، ونَصَبَهُ لِلْحَقِّ. انْتَهى. ومِمَّنْ فَسَّرَ المِيزانَ في الآيَةِ بِالعَدْلِ مُجاهِدٌ وتَبِعَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وكَذا ابْنُ كَثِيرٍ، ونَظَرَ لِذَلِكَ بِآيَةِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالمِيزانِ ما يُعْرَفُ بِهِ مَقادِيرُ الأشْياءِ مِن مِيزانٍ ومِكْيالٍ ونَحْوِهِما. ومِنهُ قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): فِيهِ وُجُوبُ العَدْلِ في الوَزْنِ، وتَحْرِيمُ البَخْسِ فِيهِ، وعَلَيْهِ فَوَجْهُ اتِّصالِ قَوْلِهِ: ووَضَعَ المِيزانَ بِما قَبْلَهُ، هو أنَّهُ لَمّا وصَفَ السَّماءَ (p-٥٦١٥)بِالرِّفْعَةِ الَّتِي هي مَصْدَرُ القَضايا والأقْدارِ، أرادَ وصْفَ الأرْضِ بِما فِيها، مِمّا يَظْهَرُ بِهِ التَّفاوُتُ، ويُعْرَفُ بِهِ المِقْدارُ، ويُسَوّى بِهِ الحُقُوقُ والمَواجِبُ، كَذا ارْتَآهُ القاضِي، واللَّهُ أعْلَمُ. وفِي الحَقِيقَةِ، الثّانِي مَن أفْرادِ الأوَّلِ، وأخْذُ اللَّفْظِ عامًّا أوْلى وأفْيَدُ. ومِنَ اللَّطائِفِ الَّتِي يَتَّسِعُ لَها نَظْمُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُ الرّازِيِّ: المِيزانُ ذُكِرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، كُلَّ مَرَّةٍ بِمَعْنى، فالأوَّلُ: هو الآلَةُ، والثّانِي: لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى المَصْدَرِ، والثّالِثُ: لِلْمَفْعُولِ. قالَ: وهو كالقُرْآنِ، ذُكِرَ بِمَعْنى المُناسَبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] وبِمَعْنى المَقْرُوءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وبِمَعْنى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ المَقْرُوءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] فَكَأنَّهُ آلَةٌ ومَحَلٌّ لَهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] ثُمَّ قالَ: وبَيْنَ القُرْآنِ والمِيزانِ مُناسَبَةٌ، فَإنَّ القُرْآنَ فِيهِ مِنَ العِلْمِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، والمِيزانَ فِيهِ مِنَ العَدْلِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الآلاتِ. انْتَهى.

الرحمن 55:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠ - ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ أيْ: مَهَّدَها لِلْخَلْقِ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: صُنُوفٌ مِمّا يَتَفَكَّهُ بِهِ ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: أوْعِيَةِ الطَّلْعِ، وهو الَّذِي يَطَّلِعُ فِيهِ العُنْقُودُ، (p-٥٦١٦)ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ العُقُودِ فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا، ثُمَّ يَنْضَجُ ويَتَناهى نَفْعُهُ واسْتِواؤُهُ، وإنَّما مُخْتَلِفَةٌ بِالذِّكْرِ، لِما فِيها مِنَ الفَوائِدِ العَظِيمَةِ، عَلى ما عُرِفَ مِنِ اتِّخاذِ الظُّرُوفِ مِنها، والِانْتِفاعِ بِجُمّارِها وبِالطَّلْعِ والبُسْرِ والرُّطَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَثَمَرَتُها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَأنَّها ثَمَراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهي أتَمُّ نِعْمَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الأشْجارِ، فَلِذا ذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِهِ، وذَكَرَ الفاكِهَةَ دُونَ أشْجارِها، فَإنَّ فَوائِدَ أشْجارِها في عَيْنِ ثِمارِها. ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيْ: وفِيها الحَبُّ، وهو حَبُّ البُرِّ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما ﴿ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ اليابِسِ كالتِّبْنِ ﴿والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ الأخْضَرِ، تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ بِهِ وبِوَرَقِهِ في حالِيَّتِهِ. هَذا عَلى (قِراءَةِ): الرَّيْحانِ بِالجَرِّ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، وهو الزَّرْعُ الأخْضَرُ مُطْلَقًا، سُمِّيَ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِما فِيهِ الرُّوحُ؛ لِأنَّ حَياتَهُ النَّباتِيَّةَ في نَضْرَةِ خُضْرَتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّيْحانُ خُضْرُ الزَّرْعِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الرَّيْحانُ، إمّا فَيْعَلانُ، مِن (رَوَحَ)، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ، أوْ فِعْلانُ، قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّوحانِ، وهو ما لَهُ رُوحٌ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] قالَ أبُو السُّعُودِ: الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلأنامِ﴾ وسَيَنْطَلِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ عَلى فَصْلٍ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ، وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ حَتْمًا. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ. ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِآلائِهِ تَعالى كُفْرُهم بِها، إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ، وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ تَعالى اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا، أوْ دَلالَةً، فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ (p-٥٦١٧)مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها. والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ، لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ، شَهادَةٌ مِنها بِذَلِكَ، فَكُفْرُهم تَكْذِيبٌ بِها لا مَحالَةَ، أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ، فَبِأيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ آلاءِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ الآلاءِ تُكَذِّبانِ، مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِالحَقِّ، شاهِدٌ بِالصِّدْقِ. انْتَهى.

الرحمن 55:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠ - ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ أيْ: مَهَّدَها لِلْخَلْقِ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: صُنُوفٌ مِمّا يَتَفَكَّهُ بِهِ ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: أوْعِيَةِ الطَّلْعِ، وهو الَّذِي يَطَّلِعُ فِيهِ العُنْقُودُ، (p-٥٦١٦)ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ العُقُودِ فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا، ثُمَّ يَنْضَجُ ويَتَناهى نَفْعُهُ واسْتِواؤُهُ، وإنَّما مُخْتَلِفَةٌ بِالذِّكْرِ، لِما فِيها مِنَ الفَوائِدِ العَظِيمَةِ، عَلى ما عُرِفَ مِنِ اتِّخاذِ الظُّرُوفِ مِنها، والِانْتِفاعِ بِجُمّارِها وبِالطَّلْعِ والبُسْرِ والرُّطَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَثَمَرَتُها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَأنَّها ثَمَراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهي أتَمُّ نِعْمَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الأشْجارِ، فَلِذا ذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِهِ، وذَكَرَ الفاكِهَةَ دُونَ أشْجارِها، فَإنَّ فَوائِدَ أشْجارِها في عَيْنِ ثِمارِها. ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيْ: وفِيها الحَبُّ، وهو حَبُّ البُرِّ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما ﴿ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ اليابِسِ كالتِّبْنِ ﴿والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ الأخْضَرِ، تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ بِهِ وبِوَرَقِهِ في حالِيَّتِهِ. هَذا عَلى (قِراءَةِ): الرَّيْحانِ بِالجَرِّ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، وهو الزَّرْعُ الأخْضَرُ مُطْلَقًا، سُمِّيَ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِما فِيهِ الرُّوحُ؛ لِأنَّ حَياتَهُ النَّباتِيَّةَ في نَضْرَةِ خُضْرَتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّيْحانُ خُضْرُ الزَّرْعِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الرَّيْحانُ، إمّا فَيْعَلانُ، مِن (رَوَحَ)، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ، أوْ فِعْلانُ، قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّوحانِ، وهو ما لَهُ رُوحٌ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] قالَ أبُو السُّعُودِ: الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلأنامِ﴾ وسَيَنْطَلِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ عَلى فَصْلٍ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ، وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ حَتْمًا. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ. ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِآلائِهِ تَعالى كُفْرُهم بِها، إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ، وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ تَعالى اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا، أوْ دَلالَةً، فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ (p-٥٦١٧)مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها. والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ، لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ، شَهادَةٌ مِنها بِذَلِكَ، فَكُفْرُهم تَكْذِيبٌ بِها لا مَحالَةَ، أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ، فَبِأيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ آلاءِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ الآلاءِ تُكَذِّبانِ، مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِالحَقِّ، شاهِدٌ بِالصِّدْقِ. انْتَهى.

الرحمن 55:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠ - ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ أيْ: مَهَّدَها لِلْخَلْقِ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: صُنُوفٌ مِمّا يَتَفَكَّهُ بِهِ ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: أوْعِيَةِ الطَّلْعِ، وهو الَّذِي يَطَّلِعُ فِيهِ العُنْقُودُ، (p-٥٦١٦)ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ العُقُودِ فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا، ثُمَّ يَنْضَجُ ويَتَناهى نَفْعُهُ واسْتِواؤُهُ، وإنَّما مُخْتَلِفَةٌ بِالذِّكْرِ، لِما فِيها مِنَ الفَوائِدِ العَظِيمَةِ، عَلى ما عُرِفَ مِنِ اتِّخاذِ الظُّرُوفِ مِنها، والِانْتِفاعِ بِجُمّارِها وبِالطَّلْعِ والبُسْرِ والرُّطَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَثَمَرَتُها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَأنَّها ثَمَراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهي أتَمُّ نِعْمَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الأشْجارِ، فَلِذا ذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِهِ، وذَكَرَ الفاكِهَةَ دُونَ أشْجارِها، فَإنَّ فَوائِدَ أشْجارِها في عَيْنِ ثِمارِها. ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيْ: وفِيها الحَبُّ، وهو حَبُّ البُرِّ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما ﴿ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ اليابِسِ كالتِّبْنِ ﴿والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ الأخْضَرِ، تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ بِهِ وبِوَرَقِهِ في حالِيَّتِهِ. هَذا عَلى (قِراءَةِ): الرَّيْحانِ بِالجَرِّ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، وهو الزَّرْعُ الأخْضَرُ مُطْلَقًا، سُمِّيَ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِما فِيهِ الرُّوحُ؛ لِأنَّ حَياتَهُ النَّباتِيَّةَ في نَضْرَةِ خُضْرَتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّيْحانُ خُضْرُ الزَّرْعِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الرَّيْحانُ، إمّا فَيْعَلانُ، مِن (رَوَحَ)، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ، أوْ فِعْلانُ، قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّوحانِ، وهو ما لَهُ رُوحٌ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] قالَ أبُو السُّعُودِ: الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلأنامِ﴾ وسَيَنْطَلِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ عَلى فَصْلٍ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ، وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ حَتْمًا. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ. ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِآلائِهِ تَعالى كُفْرُهم بِها، إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ، وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ تَعالى اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا، أوْ دَلالَةً، فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ (p-٥٦١٧)مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها. والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ، لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ، شَهادَةٌ مِنها بِذَلِكَ، فَكُفْرُهم تَكْذِيبٌ بِها لا مَحالَةَ، أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ، فَبِأيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ آلاءِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ الآلاءِ تُكَذِّبانِ، مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِالحَقِّ، شاهِدٌ بِالصِّدْقِ. انْتَهى.

الرحمن 55:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠ - ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ أيْ: مَهَّدَها لِلْخَلْقِ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: صُنُوفٌ مِمّا يَتَفَكَّهُ بِهِ ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: أوْعِيَةِ الطَّلْعِ، وهو الَّذِي يَطَّلِعُ فِيهِ العُنْقُودُ، (p-٥٦١٦)ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ العُقُودِ فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا، ثُمَّ يَنْضَجُ ويَتَناهى نَفْعُهُ واسْتِواؤُهُ، وإنَّما مُخْتَلِفَةٌ بِالذِّكْرِ، لِما فِيها مِنَ الفَوائِدِ العَظِيمَةِ، عَلى ما عُرِفَ مِنِ اتِّخاذِ الظُّرُوفِ مِنها، والِانْتِفاعِ بِجُمّارِها وبِالطَّلْعِ والبُسْرِ والرُّطَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَثَمَرَتُها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَأنَّها ثَمَراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهي أتَمُّ نِعْمَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الأشْجارِ، فَلِذا ذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِهِ، وذَكَرَ الفاكِهَةَ دُونَ أشْجارِها، فَإنَّ فَوائِدَ أشْجارِها في عَيْنِ ثِمارِها. ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيْ: وفِيها الحَبُّ، وهو حَبُّ البُرِّ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما ﴿ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ اليابِسِ كالتِّبْنِ ﴿والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ الأخْضَرِ، تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ بِهِ وبِوَرَقِهِ في حالِيَّتِهِ. هَذا عَلى (قِراءَةِ): الرَّيْحانِ بِالجَرِّ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، وهو الزَّرْعُ الأخْضَرُ مُطْلَقًا، سُمِّيَ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِما فِيهِ الرُّوحُ؛ لِأنَّ حَياتَهُ النَّباتِيَّةَ في نَضْرَةِ خُضْرَتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّيْحانُ خُضْرُ الزَّرْعِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الرَّيْحانُ، إمّا فَيْعَلانُ، مِن (رَوَحَ)، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ، أوْ فِعْلانُ، قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّوحانِ، وهو ما لَهُ رُوحٌ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] قالَ أبُو السُّعُودِ: الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلأنامِ﴾ وسَيَنْطَلِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ عَلى فَصْلٍ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ، وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ حَتْمًا. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ. ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِآلائِهِ تَعالى كُفْرُهم بِها، إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ، وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ تَعالى اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا، أوْ دَلالَةً، فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ (p-٥٦١٧)مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها. والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ، لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ، شَهادَةٌ مِنها بِذَلِكَ، فَكُفْرُهم تَكْذِيبٌ بِها لا مَحالَةَ، أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ، فَبِأيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ آلاءِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ الآلاءِ تُكَذِّبانِ، مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِالحَقِّ، شاهِدٌ بِالصِّدْقِ. انْتَهى.

الرحمن 55:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤ - ١٦] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَمْهِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى إخْلالِهِمْ بِمَواجِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. و(الصَّلْصالُ) الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصَلَةٌ، و(الفَخّارُ) الخَزَفُ. وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا. ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَلا تَنافِي بَيْنَ الآيَةِ النّاطِقَةِ بِأحَدِها، وبَيْنَ ما نَطَقَ بِهِ بِأحَدِ الآخَرِينَ. ﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ [الرحمن: ١٥] أيِ: الجِنَّ، أوْ أبا الجِنِّ، ﴿مِن مارِجٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أيْ: لَهَبٍ صافٍ. ﴿مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] أيْ: مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفِ خَلْقِكُما مِن سَوابِغِ النِّعَمِ، ومِمّا أظْهَرَهُ لَكُما بِالقُرْآنِ.

الرحمن 55:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤ - ١٦] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَمْهِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى إخْلالِهِمْ بِمَواجِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. و(الصَّلْصالُ) الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصَلَةٌ، و(الفَخّارُ) الخَزَفُ. وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا. ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَلا تَنافِي بَيْنَ الآيَةِ النّاطِقَةِ بِأحَدِها، وبَيْنَ ما نَطَقَ بِهِ بِأحَدِ الآخَرِينَ. ﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ [الرحمن: ١٥] أيِ: الجِنَّ، أوْ أبا الجِنِّ، ﴿مِن مارِجٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أيْ: لَهَبٍ صافٍ. ﴿مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] أيْ: مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفِ خَلْقِكُما مِن سَوابِغِ النِّعَمِ، ومِمّا أظْهَرَهُ لَكُما بِالقُرْآنِ.

الرحمن 55:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤ - ١٦] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَمْهِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى إخْلالِهِمْ بِمَواجِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. و(الصَّلْصالُ) الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصَلَةٌ، و(الفَخّارُ) الخَزَفُ. وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا. ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَلا تَنافِي بَيْنَ الآيَةِ النّاطِقَةِ بِأحَدِها، وبَيْنَ ما نَطَقَ بِهِ بِأحَدِ الآخَرِينَ. ﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ [الرحمن: ١٥] أيِ: الجِنَّ، أوْ أبا الجِنِّ، ﴿مِن مارِجٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أيْ: لَهَبٍ صافٍ. ﴿مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] أيْ: مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفِ خَلْقِكُما مِن سَوابِغِ النِّعَمِ، ومِمّا أظْهَرَهُ لَكُما بِالقُرْآنِ.

الرحمن 55:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧ - ١٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ أيْ: مَشْرِقَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ومَغْرِبَيْهِما، أوْ مَشْرِقَيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِبَيْهِما. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] أيْ: مِمّا فِيهِما مِنَ النِّعَمِ (p-٥٦١٨)والفَوائِدِ الَّتِي لا تُحْصى، كاخْتِلافِ الفُصُولِ، وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ فِيهِ مِنَ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ الَّتِي بِها قِوامُ العالَمِ.

الرحمن 55:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧ - ١٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ أيْ: مَشْرِقَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ومَغْرِبَيْهِما، أوْ مَشْرِقَيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِبَيْهِما. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] أيْ: مِمّا فِيهِما مِنَ النِّعَمِ (p-٥٦١٨)والفَوائِدِ الَّتِي لا تُحْصى، كاخْتِلافِ الفُصُولِ، وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ فِيهِ مِنَ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ الَّتِي بِها قِوامُ العالَمِ.

الرحمن 55:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩ - ٢١] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: أرْسَلَهُما، مِن مَرَجَ فُلانٌ دابَّتَهُ، إذا خَلّاها وتَرَكَها. والمَعْنى: أرْسَلَ وأجْرى البَحْرَ المِلْحَ، والبَحْرَ العَذْبَ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ: يَتَجاوَرانِ. ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠] أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدِيعِ صُنْعِهِ ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] أيْ: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ، وإبْطالِ الخاصِّيَّةِ. قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أنَّهُما إذا دَخَلَ أحَدُهُما في الآخَرِ قَدْ يُجْرى فِيهِ فَراسِخُ ولا يَتَلاشى ويَضْمَحِلُّ، حَتّى يُغَيِّرَ أحَدُهُما طَعْمَ الآخَرِ ولَوْنَهُ، كَما نُشاهِدُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ، فَإنَّهُما يَلْتَقِيانِ في البَحْرِ المُحِيطِ، وبَيْنَهُما بَرْزَخٌ مِنَ الأرْضِ، لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما بِإغْراقِ ما بَيْنَهُما، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ، قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] الآيَةَ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ عُنِيَ بِهِ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قالَ: يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ إنَّما يَخْرُجُ مِن أصْدافِ بَحْرِ الأرْضِ عَنْ قُطْرِ ماءِ السَّماءِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ بَحْرُ الأرْضِ وبَحْرُ السَّماءِ. انْتَهى. (p-٥٦١٩)وفِيهِ ما في الَّذِي قَبْلَهُ مِن عَدَمِ مُوافَقَتِهِ لِتِلْكَ الآيَةِ، والأصْلُ في الآيِ التَّشابُهُ. زادَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لا يُسَمّى بَرْزَخًا، وحِجْرًا مَحْجُورًا؛ فالأوْلى هو الأوَّلُ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] أيْ: مِمّا في البَحْرَيْنِ وخَلْقِهِما مِنَ الفَوائِدِ، وقَدْ أشارَ إلى بَعْضِهِما بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩ - ٢١] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: أرْسَلَهُما، مِن مَرَجَ فُلانٌ دابَّتَهُ، إذا خَلّاها وتَرَكَها. والمَعْنى: أرْسَلَ وأجْرى البَحْرَ المِلْحَ، والبَحْرَ العَذْبَ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ: يَتَجاوَرانِ. ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠] أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدِيعِ صُنْعِهِ ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] أيْ: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ، وإبْطالِ الخاصِّيَّةِ. قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أنَّهُما إذا دَخَلَ أحَدُهُما في الآخَرِ قَدْ يُجْرى فِيهِ فَراسِخُ ولا يَتَلاشى ويَضْمَحِلُّ، حَتّى يُغَيِّرَ أحَدُهُما طَعْمَ الآخَرِ ولَوْنَهُ، كَما نُشاهِدُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ، فَإنَّهُما يَلْتَقِيانِ في البَحْرِ المُحِيطِ، وبَيْنَهُما بَرْزَخٌ مِنَ الأرْضِ، لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما بِإغْراقِ ما بَيْنَهُما، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ، قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] الآيَةَ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ عُنِيَ بِهِ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قالَ: يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ إنَّما يَخْرُجُ مِن أصْدافِ بَحْرِ الأرْضِ عَنْ قُطْرِ ماءِ السَّماءِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ بَحْرُ الأرْضِ وبَحْرُ السَّماءِ. انْتَهى. (p-٥٦١٩)وفِيهِ ما في الَّذِي قَبْلَهُ مِن عَدَمِ مُوافَقَتِهِ لِتِلْكَ الآيَةِ، والأصْلُ في الآيِ التَّشابُهُ. زادَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لا يُسَمّى بَرْزَخًا، وحِجْرًا مَحْجُورًا؛ فالأوْلى هو الأوَّلُ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] أيْ: مِمّا في البَحْرَيْنِ وخَلْقِهِما مِنَ الفَوائِدِ، وقَدْ أشارَ إلى بَعْضِهِما بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩ - ٢١] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: أرْسَلَهُما، مِن مَرَجَ فُلانٌ دابَّتَهُ، إذا خَلّاها وتَرَكَها. والمَعْنى: أرْسَلَ وأجْرى البَحْرَ المِلْحَ، والبَحْرَ العَذْبَ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ: يَتَجاوَرانِ. ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠] أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدِيعِ صُنْعِهِ ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] أيْ: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ، وإبْطالِ الخاصِّيَّةِ. قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أنَّهُما إذا دَخَلَ أحَدُهُما في الآخَرِ قَدْ يُجْرى فِيهِ فَراسِخُ ولا يَتَلاشى ويَضْمَحِلُّ، حَتّى يُغَيِّرَ أحَدُهُما طَعْمَ الآخَرِ ولَوْنَهُ، كَما نُشاهِدُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ، فَإنَّهُما يَلْتَقِيانِ في البَحْرِ المُحِيطِ، وبَيْنَهُما بَرْزَخٌ مِنَ الأرْضِ، لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما بِإغْراقِ ما بَيْنَهُما، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ، قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] الآيَةَ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ عُنِيَ بِهِ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قالَ: يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ إنَّما يَخْرُجُ مِن أصْدافِ بَحْرِ الأرْضِ عَنْ قُطْرِ ماءِ السَّماءِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ بَحْرُ الأرْضِ وبَحْرُ السَّماءِ. انْتَهى. (p-٥٦١٩)وفِيهِ ما في الَّذِي قَبْلَهُ مِن عَدَمِ مُوافَقَتِهِ لِتِلْكَ الآيَةِ، والأصْلُ في الآيِ التَّشابُهُ. زادَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لا يُسَمّى بَرْزَخًا، وحِجْرًا مَحْجُورًا؛ فالأوْلى هو الأوَّلُ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] أيْ: مِمّا في البَحْرَيْنِ وخَلْقِهِما مِنَ الفَوائِدِ، وقَدْ أشارَ إلى بَعْضِهِما بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢ - ٢٣] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: كِبارُ الدُّرِّ وصِغارُهُ. أوِ (المَرْجانُ): الخَرَزُ الأحْمَرُ المَعْرُوفُ. وإنَّما قِيلَ: مِنهُما مَعَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، وهو المِلْحُ، لِأنَّهُ لِامْتِزاجِهِما يَكُونُ خارِجًا مِنهُما حَقِيقَةً، أوْ أنَّهُ نُسِبَ لَهُما ما هو لِأحَدِهِما، كَما يُسْنَدُ إلى الجَماعَةِ ما صَدَرَ مِن واحِدٍ مِنهم. قالَ النّاصِرُ: وهَذا هو الصَّوابُ، ومِثْلُهُ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وإنَّما أُرِيدَ إحْدى القَرْيَتَيْنِ، وكَما يُقالُ: هو مِن أهْلِ مِصْرَ، وإنَّما هو مِن مَحَلَّةٍ مِنها. انْتَهى. قالَ الشِّهابُ: ولا يَخْفى أنَّ هَذا -وإنِ اشْتُهِرَ- خِلافُ الظّاهِرِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ " مِنهُما " لِبَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ، أوْ يُقالُ: مَعْنى خُرُوجِهِ مِنهُما لَيْسَ أنَّهُ مُتَكَوِّنٌ فِيهِما، بَلْ أنَّهُما يَحْصُلانِ في جانِبٍ مِنَ البِحارِ انْصَبَّتْ إلَيْها المِياهُ العَذْبَةُ. انْتَهى. والخَطْبُ سَهْلٌ. ولَمّا كانَ خُرُوجُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ نِعْمَةً عَلى النّاسِ، لِتَحَلِّيهِمْ بِهِما، كَما تُشِيرُ لَهُ آيَةُ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] (p-٥٦٢٠)

الرحمن 55:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢ - ٢٣] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: كِبارُ الدُّرِّ وصِغارُهُ. أوِ (المَرْجانُ): الخَرَزُ الأحْمَرُ المَعْرُوفُ. وإنَّما قِيلَ: مِنهُما مَعَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، وهو المِلْحُ، لِأنَّهُ لِامْتِزاجِهِما يَكُونُ خارِجًا مِنهُما حَقِيقَةً، أوْ أنَّهُ نُسِبَ لَهُما ما هو لِأحَدِهِما، كَما يُسْنَدُ إلى الجَماعَةِ ما صَدَرَ مِن واحِدٍ مِنهم. قالَ النّاصِرُ: وهَذا هو الصَّوابُ، ومِثْلُهُ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وإنَّما أُرِيدَ إحْدى القَرْيَتَيْنِ، وكَما يُقالُ: هو مِن أهْلِ مِصْرَ، وإنَّما هو مِن مَحَلَّةٍ مِنها. انْتَهى. قالَ الشِّهابُ: ولا يَخْفى أنَّ هَذا -وإنِ اشْتُهِرَ- خِلافُ الظّاهِرِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ " مِنهُما " لِبَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ، أوْ يُقالُ: مَعْنى خُرُوجِهِ مِنهُما لَيْسَ أنَّهُ مُتَكَوِّنٌ فِيهِما، بَلْ أنَّهُما يَحْصُلانِ في جانِبٍ مِنَ البِحارِ انْصَبَّتْ إلَيْها المِياهُ العَذْبَةُ. انْتَهى. والخَطْبُ سَهْلٌ. ولَمّا كانَ خُرُوجُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ نِعْمَةً عَلى النّاسِ، لِتَحَلِّيهِمْ بِهِما، كَما تُشِيرُ لَهُ آيَةُ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] (p-٥٦٢٠)

الرحمن 55:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٢٥] ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ الجَوارِ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ، جُمَعُ جارِيَةٍ ﴿المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ، بِمَعْنى الظّاهِراتِ السَّيْرِ اللّاتِي تُقْبِلْنَ وتُدْبِرْنَ، وبِفَتْحِها بِمَعْنى المَرْفُوعاتِ القِلاعِ اللّاتِي تُقْبِلُ بِهِنَّ وتُدْبِرُ. و(الأعْلامُ) جَمْعُ عَلَمٍ، وهو الجَبَلُ الطَّوِيلُ. ولَمّا كانَتْ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ لِلْمَتاجِرِ والمَكاسِبِ المَنقُولَةِ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وإقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ مِمّا فِيهِ صَلاحٌ لِلنّاسِ في جَلْبِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن سائِرِ أنْواعِ البَضائِعِ، قالَ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] أيْ: نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها في هَذِهِ الجَوارِي. قالَ القاضِي: أيْ: مِن خَلْقِ مَوادِّها، والإرْشادِ إلى أخْذِها، وكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِها وإجْرائِها في البَحْرِ بِأسْبابٍ لا يُقَدِّرُ خَلْقَها وجَمْعَها غَيْرُهُ.

الرحمن 55:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤ - ٢٥] ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ الجَوارِ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ، جُمَعُ جارِيَةٍ ﴿المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ، بِمَعْنى الظّاهِراتِ السَّيْرِ اللّاتِي تُقْبِلْنَ وتُدْبِرْنَ، وبِفَتْحِها بِمَعْنى المَرْفُوعاتِ القِلاعِ اللّاتِي تُقْبِلُ بِهِنَّ وتُدْبِرُ. و(الأعْلامُ) جَمْعُ عَلَمٍ، وهو الجَبَلُ الطَّوِيلُ. ولَمّا كانَتْ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ لِلْمَتاجِرِ والمَكاسِبِ المَنقُولَةِ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وإقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ مِمّا فِيهِ صَلاحٌ لِلنّاسِ في جَلْبِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن سائِرِ أنْواعِ البَضائِعِ، قالَ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] أيْ: نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها في هَذِهِ الجَوارِي. قالَ القاضِي: أيْ: مِن خَلْقِ مَوادِّها، والإرْشادِ إلى أخْذِها، وكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِها وإجْرائِها في البَحْرِ بِأسْبابٍ لا يُقَدِّرُ خَلْقَها وجَمْعَها غَيْرُهُ.

الرحمن 55:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦ - ٢٨] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ أيْ: مَن عَلى ظَهْرِ الأرْضِ هالِكٌ. ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيْ: ذاتُهُ الكَرِيمَةُ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيِ: العَظَمَةِ والعُلُوِّ والكِبْرِياءِ ﴿والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيِ: التَّفَضُّلِ العامِّ، وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (p-٥٦٢١)ولَمّا كانَ فَناءُ الخَلْقِ سَبَبًا لِبَعْثِهِمْ لِلنَّشْأةِ الأُخْرى الَّتِي يَظْهَرُ بِها المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، ويَنْقَلِبُ الأوَّلُ بِالثَّوابِ، ويَبُوءُ الآخَرُ بِالعِقابِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَشْمَلُ فِيها العَدْلُ الإلَهِيُّ المُكَلَّفِينَ، قالَ سُبْحانَهُ:﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] وقَدْ أشارَ الرّازِيُّ إلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ مِنَ الفَوائِدِ، بِقَوْلِهِ: فِيهِ فَوائِدُ: مِنها: الحَثُّ عَلى العِبادَةِ، وصَرْفُ الزَّمانِ اليَسِيرِ إلى الطّاعَةِ. ومِنها: المَنعُ مِنَ الوُثُوقِ بِما يَكُونُ لِلْمَرْءِ، فَلا يَقُولُ -إذا كانَ في نِعْمَةٍ-: إنَّها لَنْ تَذْهَبَ فَيَتْرُكَ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ، مُعْتَمِدًا عَلى مالِهِ ومِلْكِهِ. ومِنها: الأمْرُ بِالصَّبْرِ إنْ كانَ في ضُرٍّ، فَلا يَكْفُرُ بِاللَّهِ مُعْتَمِدًا عَلى أنَّ الأمْرَ ذاهِبٌ، والضَّرَرَ زائِلٌ. ومِنها: تَرْكُ اتِّخاذِ الغَيْرِ مَعْبُودًا، والزَّجْرُ عَنْ الِاغْتِرارِ بِالقُرْبِ مِنَ المَمْلُوكِ، وتَرْكُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ أمْرَهم إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ. ومِنها: حُسْنُ التَّوْحِيدِ، وتَرْكُ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ جَمِيعًا، لِأنَّ الفانِيَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعْبَدَ.

الرحمن 55:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦ - ٢٨] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ أيْ: مَن عَلى ظَهْرِ الأرْضِ هالِكٌ. ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيْ: ذاتُهُ الكَرِيمَةُ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيِ: العَظَمَةِ والعُلُوِّ والكِبْرِياءِ ﴿والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيِ: التَّفَضُّلِ العامِّ، وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (p-٥٦٢١)ولَمّا كانَ فَناءُ الخَلْقِ سَبَبًا لِبَعْثِهِمْ لِلنَّشْأةِ الأُخْرى الَّتِي يَظْهَرُ بِها المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، ويَنْقَلِبُ الأوَّلُ بِالثَّوابِ، ويَبُوءُ الآخَرُ بِالعِقابِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَشْمَلُ فِيها العَدْلُ الإلَهِيُّ المُكَلَّفِينَ، قالَ سُبْحانَهُ:﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] وقَدْ أشارَ الرّازِيُّ إلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ مِنَ الفَوائِدِ، بِقَوْلِهِ: فِيهِ فَوائِدُ: مِنها: الحَثُّ عَلى العِبادَةِ، وصَرْفُ الزَّمانِ اليَسِيرِ إلى الطّاعَةِ. ومِنها: المَنعُ مِنَ الوُثُوقِ بِما يَكُونُ لِلْمَرْءِ، فَلا يَقُولُ -إذا كانَ في نِعْمَةٍ-: إنَّها لَنْ تَذْهَبَ فَيَتْرُكَ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ، مُعْتَمِدًا عَلى مالِهِ ومِلْكِهِ. ومِنها: الأمْرُ بِالصَّبْرِ إنْ كانَ في ضُرٍّ، فَلا يَكْفُرُ بِاللَّهِ مُعْتَمِدًا عَلى أنَّ الأمْرَ ذاهِبٌ، والضَّرَرَ زائِلٌ. ومِنها: تَرْكُ اتِّخاذِ الغَيْرِ مَعْبُودًا، والزَّجْرُ عَنْ الِاغْتِرارِ بِالقُرْبِ مِنَ المَمْلُوكِ، وتَرْكُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ أمْرَهم إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ. ومِنها: حُسْنُ التَّوْحِيدِ، وتَرْكُ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ جَمِيعًا، لِأنَّ الفانِيَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعْبَدَ.

الرحمن 55:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦ - ٢٨] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ أيْ: مَن عَلى ظَهْرِ الأرْضِ هالِكٌ. ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيْ: ذاتُهُ الكَرِيمَةُ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيِ: العَظَمَةِ والعُلُوِّ والكِبْرِياءِ ﴿والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيِ: التَّفَضُّلِ العامِّ، وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (p-٥٦٢١)ولَمّا كانَ فَناءُ الخَلْقِ سَبَبًا لِبَعْثِهِمْ لِلنَّشْأةِ الأُخْرى الَّتِي يَظْهَرُ بِها المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، ويَنْقَلِبُ الأوَّلُ بِالثَّوابِ، ويَبُوءُ الآخَرُ بِالعِقابِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَشْمَلُ فِيها العَدْلُ الإلَهِيُّ المُكَلَّفِينَ، قالَ سُبْحانَهُ:﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] وقَدْ أشارَ الرّازِيُّ إلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ مِنَ الفَوائِدِ، بِقَوْلِهِ: فِيهِ فَوائِدُ: مِنها: الحَثُّ عَلى العِبادَةِ، وصَرْفُ الزَّمانِ اليَسِيرِ إلى الطّاعَةِ. ومِنها: المَنعُ مِنَ الوُثُوقِ بِما يَكُونُ لِلْمَرْءِ، فَلا يَقُولُ -إذا كانَ في نِعْمَةٍ-: إنَّها لَنْ تَذْهَبَ فَيَتْرُكَ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ، مُعْتَمِدًا عَلى مالِهِ ومِلْكِهِ. ومِنها: الأمْرُ بِالصَّبْرِ إنْ كانَ في ضُرٍّ، فَلا يَكْفُرُ بِاللَّهِ مُعْتَمِدًا عَلى أنَّ الأمْرَ ذاهِبٌ، والضَّرَرَ زائِلٌ. ومِنها: تَرْكُ اتِّخاذِ الغَيْرِ مَعْبُودًا، والزَّجْرُ عَنْ الِاغْتِرارِ بِالقُرْبِ مِنَ المَمْلُوكِ، وتَرْكُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ أمْرَهم إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ. ومِنها: حُسْنُ التَّوْحِيدِ، وتَرْكُ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ جَمِيعًا، لِأنَّ الفانِيَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعْبَدَ.

الرحمن 55:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣٠] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَدْعُونَهُ ويَرْغَبُونَ إلَيْهِ، ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ لِفَقْرِهِمُ الذّاتِيِّ، وغِناهُ المُطْلَقِ. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ أيْ: كُلَّ وقْتٍ يُحْدِثُ أُمُورًا، ويُجَدِّدُ أحْوالًا. قالَ مُجاهِدٌ: يُعْطِي سائِلًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويُجِيبُ داعِيًا، ويَشْفِي سَقِيمًا. (p-٥٦٢٢)ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما ذاكَ الشَّأْنُ؟ قالَ: «يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ أقْوامًا، ويَضَعُ آخَرِينَ»» . وقالَ القاشانِيُّ: المُرادُ يَسْألُهُ كُلُّ شَيْءٍ، فَغابَ العُقَلاءُ، وأتى بِلَفْظِ: " مَن " أيْ: كُلُّ شَيْءٍ يَسْألُهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ والِافْتِقارِ دائِمًا كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ بِإفاضَةِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَأْهِلُهُ بِاسْتِعْدادِهِ، فَمَنِ اسْتَعَدَّ بِالتَّصْفِيَةِ والتَّزْكِيَةِ لِلْكَمالاتِ الخَيْرِيَّةِ والأنْوارِ، يَفِيضُها عَلَيْهِ مَعَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ، ومَنِ اسْتَعَدَّ بِتَكْدِيرِ جَوْهَرِ نَفْسِهِ بِالهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ والرَّذائِلِ، ولَوَّثَ العَقائِدَ الفاسِدَةَ، والخَبائِثَ، لِلشُّرُورِ والمَكارِهِ، وأنْواعِ الآلامِ والمَصائِبِ والعَذابِ والوَبالِ: يَفِيضُها عَلَيْهِ مَعَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ. انْتَهى. وقَدْ أخَذَ الآيَةَ عامَّةً مِن حَيْثُ السّائِلُونَ خاصَّةً بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وغَيْرِهِ - كابْنِ كَثِيرٍ والقاضِي - رَآها خاصَّةً بِمَن يَعْقِلُ، عامَّةً بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ. والأقْرَبُ هو ما يَتَبادَرُ بادِئَ بَدْءٍ إلى الفَهْمِ، وهو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] أيْ: مِمّا يُسْعِفُ بِهِ سُؤالَكُما، ويُخْرِجُ لَكُما مِن مَخْبَأِ قَدْرِهِ وخَلْقِهِ آنًا فَآنًا.

الرحمن 55:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣٠] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَدْعُونَهُ ويَرْغَبُونَ إلَيْهِ، ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ لِفَقْرِهِمُ الذّاتِيِّ، وغِناهُ المُطْلَقِ. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ أيْ: كُلَّ وقْتٍ يُحْدِثُ أُمُورًا، ويُجَدِّدُ أحْوالًا. قالَ مُجاهِدٌ: يُعْطِي سائِلًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويُجِيبُ داعِيًا، ويَشْفِي سَقِيمًا. (p-٥٦٢٢)ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما ذاكَ الشَّأْنُ؟ قالَ: «يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ أقْوامًا، ويَضَعُ آخَرِينَ»» . وقالَ القاشانِيُّ: المُرادُ يَسْألُهُ كُلُّ شَيْءٍ، فَغابَ العُقَلاءُ، وأتى بِلَفْظِ: " مَن " أيْ: كُلُّ شَيْءٍ يَسْألُهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ والِافْتِقارِ دائِمًا كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ بِإفاضَةِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَأْهِلُهُ بِاسْتِعْدادِهِ، فَمَنِ اسْتَعَدَّ بِالتَّصْفِيَةِ والتَّزْكِيَةِ لِلْكَمالاتِ الخَيْرِيَّةِ والأنْوارِ، يَفِيضُها عَلَيْهِ مَعَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ، ومَنِ اسْتَعَدَّ بِتَكْدِيرِ جَوْهَرِ نَفْسِهِ بِالهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ والرَّذائِلِ، ولَوَّثَ العَقائِدَ الفاسِدَةَ، والخَبائِثَ، لِلشُّرُورِ والمَكارِهِ، وأنْواعِ الآلامِ والمَصائِبِ والعَذابِ والوَبالِ: يَفِيضُها عَلَيْهِ مَعَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ. انْتَهى. وقَدْ أخَذَ الآيَةَ عامَّةً مِن حَيْثُ السّائِلُونَ خاصَّةً بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وغَيْرِهِ - كابْنِ كَثِيرٍ والقاضِي - رَآها خاصَّةً بِمَن يَعْقِلُ، عامَّةً بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ. والأقْرَبُ هو ما يَتَبادَرُ بادِئَ بَدْءٍ إلى الفَهْمِ، وهو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] أيْ: مِمّا يُسْعِفُ بِهِ سُؤالَكُما، ويُخْرِجُ لَكُما مِن مَخْبَأِ قَدْرِهِ وخَلْقِهِ آنًا فَآنًا.

الرحمن 55:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٢] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: يُقالُ: فَرَغْتُ مِنَ الشَّغْلِ أفْرَغُ فَراغًا وفُرُوغًا، وتَفَرَّغْتُ لِكَذا واسْتَفْرَغْتُ مَجْهُودِي في كَذا أيْ: بَذَلْتُهُ. واللَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ شَغْلٌ يَفْرَغُ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: سَنَقْصِدُ لِمُجازاتِكم أوْ مُحاسَبَتِكُمْ، فَهو وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن يُرِيدُ تَهْدِيدَهُ: إذًا أتَفْرَّغُ لَكَ، أيْ: أقْصِدُكَ. (p-٥٦٢٣)وقالَ الزَّجّاجُ: الفَراغُ في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما الفَراغُ مِنَ الشُّغْلِ، والآخَرُ القَصْدُ لِلشَّيْءِ. والإقْبالُ عَلَيْهِ، كَما هُنا، وهو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، تَقُولُ: قَدْ فَرَغْتُ مِمّا كُنْتُ فِيهِ، أيْ: قَدْ زالَ شَغْلِي بِهِ. وتَقُولُ: سَأفْرَغُ لِفُلانٍ، أيْ: سَأجْعَلُهُ قَصْدِي. فَهو عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، شَبَّهَ تَدْبِيرَهُ تَعالى أمْرَ الآخِرَةِ، مِنَ الأخْذِ في الجَزاءِ، وإيصالِ الثَّوابِ والعِقابِ إلى المُكَلَّفِينَ، بَعْدَ تَدْبِيرِهِ تَعالى لِأمْرِ الدُّنْيا بِالأمْرِ والنَّهْيِ، والإماتَةِ والإحْياءِ، والمَنعِ والإعْطاءِ، وأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، بِحالِ مَن إذا كانَ في شَغْلٍ يَشْغَلُهُ عَنْ شَغْلٍ آخَرَ، إذا فَرَغَ مِن ذَلِكَ الشَّغْلِ، شَرَعَ في آخَرَ. وجازَتْ الِاسْتِعارَةُ التَّصْرِيحِيَّةُ أيْضًا. وقَدْ ألَمَّ بِهِ صاحِبُ (المِفْتاحِ) حَيْثُ قالَ: الفَراغُ الخَلاصُ عَنِ المَهامِّ؛ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وقَعَ مُسْتَعارًا لِلْأخْذِ في الجَزاءِ وحْدَهُ. لَطِيفَةٌ: تُرْسَمُ أيُّها بِغَيْرِ ألِفٍ، وأمّا في النُّطْقِ فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: أيُّها بِالألِفِ في الوَقْفِ، ووَقَفَ الباقُونَ عَلى الرَّسْمِ أيُّها بِتَسْكِينِ الهاءِ، وفي الوَصْلِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ أيُّهُ بِرَفْعِ الهاءِ، والباقُونَ بِنَصْبِها. و﴿الثَّقَلانِ﴾ تَثْنِيَةُ (ثَقَلٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعَلٍ، لِأنَّهُما أثْقَلا الأرْضَ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، لِأنَّهُما أُثْقِلا بِالتَّكالِيفِ. وقالَ الحَسَنُ: لِثِقْلِهِما بِالذُّنُوبِ. والخِطابُ في " لَكم " قِيلَ لِلْمُجْرِمِينَ، لَكِنْ يَأْباهُ قَوْلُهُ: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ نَعَمِ! المَقْصُودُ بِالتَّهْدِيدِ هُمْ، ولا مانِعَ مِن تَهْدِيدِ الجَمِيعِ بِقَوْلِهِ، أفادَهُ الشِّهابُ، ولا يُفْهَمُ مِن هَذا اللَّفْظِ الكَرِيمِ وعِيدٌ بَحْتٌ، بَلْ هو حامِلٌ لِلْوَعْدِ أيْضًا، لِأنَّ المَعْنى: سَنَفْرُغُ لِحِسابِكُمْ، فَنُثِيبُ أهْلَ الطّاعَةِ، ونُعاقِبُ العُصاةَ، وهو جَلِيٌّ؛ ولِذا اعْتَدَّ ذَلِكَ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] أيْ: مِن ثَوابِهِ أهْلَ الطّاعَةِ، وعِقابِهِ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ. (p-٥٦٢٤)

الرحمن 55:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١ - ٣٢] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: يُقالُ: فَرَغْتُ مِنَ الشَّغْلِ أفْرَغُ فَراغًا وفُرُوغًا، وتَفَرَّغْتُ لِكَذا واسْتَفْرَغْتُ مَجْهُودِي في كَذا أيْ: بَذَلْتُهُ. واللَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ شَغْلٌ يَفْرَغُ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: سَنَقْصِدُ لِمُجازاتِكم أوْ مُحاسَبَتِكُمْ، فَهو وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن يُرِيدُ تَهْدِيدَهُ: إذًا أتَفْرَّغُ لَكَ، أيْ: أقْصِدُكَ. (p-٥٦٢٣)وقالَ الزَّجّاجُ: الفَراغُ في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما الفَراغُ مِنَ الشُّغْلِ، والآخَرُ القَصْدُ لِلشَّيْءِ. والإقْبالُ عَلَيْهِ، كَما هُنا، وهو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، تَقُولُ: قَدْ فَرَغْتُ مِمّا كُنْتُ فِيهِ، أيْ: قَدْ زالَ شَغْلِي بِهِ. وتَقُولُ: سَأفْرَغُ لِفُلانٍ، أيْ: سَأجْعَلُهُ قَصْدِي. فَهو عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، شَبَّهَ تَدْبِيرَهُ تَعالى أمْرَ الآخِرَةِ، مِنَ الأخْذِ في الجَزاءِ، وإيصالِ الثَّوابِ والعِقابِ إلى المُكَلَّفِينَ، بَعْدَ تَدْبِيرِهِ تَعالى لِأمْرِ الدُّنْيا بِالأمْرِ والنَّهْيِ، والإماتَةِ والإحْياءِ، والمَنعِ والإعْطاءِ، وأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، بِحالِ مَن إذا كانَ في شَغْلٍ يَشْغَلُهُ عَنْ شَغْلٍ آخَرَ، إذا فَرَغَ مِن ذَلِكَ الشَّغْلِ، شَرَعَ في آخَرَ. وجازَتْ الِاسْتِعارَةُ التَّصْرِيحِيَّةُ أيْضًا. وقَدْ ألَمَّ بِهِ صاحِبُ (المِفْتاحِ) حَيْثُ قالَ: الفَراغُ الخَلاصُ عَنِ المَهامِّ؛ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وقَعَ مُسْتَعارًا لِلْأخْذِ في الجَزاءِ وحْدَهُ. لَطِيفَةٌ: تُرْسَمُ أيُّها بِغَيْرِ ألِفٍ، وأمّا في النُّطْقِ فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: أيُّها بِالألِفِ في الوَقْفِ، ووَقَفَ الباقُونَ عَلى الرَّسْمِ أيُّها بِتَسْكِينِ الهاءِ، وفي الوَصْلِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ أيُّهُ بِرَفْعِ الهاءِ، والباقُونَ بِنَصْبِها. و﴿الثَّقَلانِ﴾ تَثْنِيَةُ (ثَقَلٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعَلٍ، لِأنَّهُما أثْقَلا الأرْضَ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، لِأنَّهُما أُثْقِلا بِالتَّكالِيفِ. وقالَ الحَسَنُ: لِثِقْلِهِما بِالذُّنُوبِ. والخِطابُ في " لَكم " قِيلَ لِلْمُجْرِمِينَ، لَكِنْ يَأْباهُ قَوْلُهُ: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ نَعَمِ! المَقْصُودُ بِالتَّهْدِيدِ هُمْ، ولا مانِعَ مِن تَهْدِيدِ الجَمِيعِ بِقَوْلِهِ، أفادَهُ الشِّهابُ، ولا يُفْهَمُ مِن هَذا اللَّفْظِ الكَرِيمِ وعِيدٌ بَحْتٌ، بَلْ هو حامِلٌ لِلْوَعْدِ أيْضًا، لِأنَّ المَعْنى: سَنَفْرُغُ لِحِسابِكُمْ، فَنُثِيبُ أهْلَ الطّاعَةِ، ونُعاقِبُ العُصاةَ، وهو جَلِيٌّ؛ ولِذا اعْتَدَّ ذَلِكَ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] أيْ: مِن ثَوابِهِ أهْلَ الطّاعَةِ، وعِقابِهِ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ. (p-٥٦٢٤)

الرحمن 55:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٣٤] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: تَجُوزُوا أطْرافَ السَّماواتِ والأرْضِ فَتُعْجِزُوا رَبَّكُمْ، أيْ: بِخُرُوجِكم عَنْ قَهْرِهِ ومَحَلِّ سُلْطانِهِ ومَمْلَكَتِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلَيْكم ﴿فانْفُذُوا﴾ أيْ: فَجُوزُوا واخْرُجُوا، ﴿لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ ونَحْوَهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] ويُقالُ: مَعْنى الآيَةِ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فاعْلَمُوهُ، ولَنْ تَعْلَمُوهُ إلّا بِسُلْطانٍ، يَعْنِي البَيِّنَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ لا مَحالَةَ مُجازٍ لِلْعِبادِ، عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إلَخْ، لِبَيانِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الخَلاصِ مِن جَزائِهِ وعِقابِهِ، إذا أرادَهُ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ جَمِيعِكُمْ، بِأنَّ جَمِيعَكم لا يَقْدِرُونَ عَلى خِلافِ أمْرٍ أرادَهُ بِكم. وقالَ القاضِي: أيْ: مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ والمُساهَلَةِ والعَفْوِ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ.

الرحمن 55:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣ - ٣٤] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: تَجُوزُوا أطْرافَ السَّماواتِ والأرْضِ فَتُعْجِزُوا رَبَّكُمْ، أيْ: بِخُرُوجِكم عَنْ قَهْرِهِ ومَحَلِّ سُلْطانِهِ ومَمْلَكَتِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلَيْكم ﴿فانْفُذُوا﴾ أيْ: فَجُوزُوا واخْرُجُوا، ﴿لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ ونَحْوَهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] ويُقالُ: مَعْنى الآيَةِ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فاعْلَمُوهُ، ولَنْ تَعْلَمُوهُ إلّا بِسُلْطانٍ، يَعْنِي البَيِّنَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ لا مَحالَةَ مُجازٍ لِلْعِبادِ، عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إلَخْ، لِبَيانِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الخَلاصِ مِن جَزائِهِ وعِقابِهِ، إذا أرادَهُ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ جَمِيعِكُمْ، بِأنَّ جَمِيعَكم لا يَقْدِرُونَ عَلى خِلافِ أمْرٍ أرادَهُ بِكم. وقالَ القاضِي: أيْ: مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ والمُساهَلَةِ والعَفْوِ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ.

الرحمن 55:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٥ - ٣٦] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ أيْ: مِن لَهَبٍ مِن نارٍ ﴿ونُحاسٌ﴾ أيْ: صُفْرٌ مُذابٌ يَصُبُّ (p-٥٦٢٥)عَلى رُؤُوسِهِمْ ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ أيْ: تَمْتَنِعانِ وتُنْقَذانِ مِنهُ. يَعْنِي: إذا أصْرَرْتُما عَلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ وعِصْيانِ الرَّسُولِ، فَما أمامَكم في الآخِرَةِ إلّا هَذا العَذابُ الألِيمُ. وقَدْ ذَهَبَ ابْنُ كَثِيرٍ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما قَبْلَها، مِمّا يُخاطَبُ بِهِ الكَفَرَةُ في الآخِرَةِ، وعِبارَتُهُ: هَذا في مَقامِ الحَشْرِ، والمَلائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالخَلائِقِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الذَّهابِ ﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ والمَعْنى لَوْ ذَهَبْتُمْ هارِبِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، لَرَدَّتْكُمُ المَلائِكَةُ والزَّبانِيَةُ بِإرْسالِ اللَّهَبِ مِنَ النّارِ والنُّحاسِ المُذابِ عَلَيْكم لِتَرْجِعُوا. انْتَهى. ثُمَّ رَأيْتُ قَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَدْ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أواخِرِ كِتابِهِ (طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ) في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا مِنَ الوَجْهَيْنِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] ما مِثالُهُ: وفِي الآيَةِ تَقْرِيرٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ في الآخِرَةِ، إذا أحاطَتِ المَلائِكَةُ بِأقْطارِ الأرْضِ، وأحاطَ سُرادِقُ النّارِ بِالآفاقِ، فَهَرَبَ الخَلائِقُ، فَلا يَجِدُونَ مَهْرَبًا ولا مَنفَذًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] قالَ مُجاهِدٌ: فارِّينَ غَيْرَ مُعْجِزِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ نَدُّوا هَرَبًا، فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا المَلائِكَةَ صُفُوفًا، فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ، فَذَلِكَ (p-٥٦٢٦)قَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] وقَوْلُهُ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] الآيَةَ. وهَذا القَوْلُ أظْهَرُ -واللَّهُ أعْلَمُ- فَإذا بَدَتِ الخَلائِقُ ولَّوْا مُدْبِرِينَ، يُقالُ لَهُمْ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] أيْ: إنْ قَدِرْتُمْ أنْ تَتَجاوَزُوا أقْطارَ السَّماواتِ والأرْضِ فَتُعْجِزُوا رَبَّكم حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى عَذابِكُمْ، فافْعَلُوا. وكَأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ، فَإنَّ قَبْلَها ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١] الآيَةَ، وهَذا في الآخِرَةِ، وبَعْدَها: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الرحمن: ٣٧] الآيَةَ، وهَذا في الآخِرَةِ وأيْضًا فَإنَّ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الإنْسِ والجِنِّ فَإنَّهُ أتى بِهِ بِصِيغَةِ العُمُومِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] فَلا بُدَّ أنْ يَشْتَرِكَ الكُلُّ في سَماعِ هَذا الخِطابِ ومَضْمُونِهِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا جَمَعَهُمُ اللَّهُ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدّاعِيَ، ويُنْفِذُهُمُ البَصَرَ. وقالَ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ: إنِ اسْتَطَعْتُما، لِإرادَةِ الجَماعَةِ، كَما في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وقالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمْ، لِإرادَةِ الصِّنْفَيْنِ، أيْ: لا يَخْتَصُّ بِهِ صِنْفٌ عَنْ صِنْفٍ، بَلْ يُرْسَلُ ذَلِكَ عَلى الصِّنْفَيْنِ مَعًا. وهَذا، وإنْ كانَ مُرادًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] فَخِطابُ الجَماعَةِ في ذَلِكَ بِلَفْظِ الجَمْعِ أحْسَنُ، أيْ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنكم. وحَسَّنَ الخِطابَ بِالتَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُما﴾ أمْرٌ آخَرُ، وهو مُوافَقَةُ رُؤُوسِ الآيِ، فاتَّصَلَتِ التَّثْنِيَةُ بِالتَّثْنِيَةِ. وفِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ في العَذابِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِما، فَلا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ إرادَةَ أحَدِهِما -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى كَلامُ ابْنِ القَيِّمِ. وأنْتَ تَرى أنْ لا قَرِينَةَ تُخَصِّصُ الآيَةَ بِالقِيامَةِ، وما اسْتُشْهِدَ بِهِ مِنَ الآياتِ لا يُؤَيِّدُهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن نَظائِرِهِ. فالوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. (p-٥٦٢٧)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] قالَ القاضِي: فَإنَّ التَّهْدِيدَ لُطْفٌ، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي بِالجَزاءِ والِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ، مِن عِدادِ الآلاءِ.

الرحمن 55:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٥ - ٣٦] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ أيْ: مِن لَهَبٍ مِن نارٍ ﴿ونُحاسٌ﴾ أيْ: صُفْرٌ مُذابٌ يَصُبُّ (p-٥٦٢٥)عَلى رُؤُوسِهِمْ ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ أيْ: تَمْتَنِعانِ وتُنْقَذانِ مِنهُ. يَعْنِي: إذا أصْرَرْتُما عَلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ وعِصْيانِ الرَّسُولِ، فَما أمامَكم في الآخِرَةِ إلّا هَذا العَذابُ الألِيمُ. وقَدْ ذَهَبَ ابْنُ كَثِيرٍ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما قَبْلَها، مِمّا يُخاطَبُ بِهِ الكَفَرَةُ في الآخِرَةِ، وعِبارَتُهُ: هَذا في مَقامِ الحَشْرِ، والمَلائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالخَلائِقِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الذَّهابِ ﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ والمَعْنى لَوْ ذَهَبْتُمْ هارِبِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، لَرَدَّتْكُمُ المَلائِكَةُ والزَّبانِيَةُ بِإرْسالِ اللَّهَبِ مِنَ النّارِ والنُّحاسِ المُذابِ عَلَيْكم لِتَرْجِعُوا. انْتَهى. ثُمَّ رَأيْتُ قَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَدْ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أواخِرِ كِتابِهِ (طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ) في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا مِنَ الوَجْهَيْنِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] ما مِثالُهُ: وفِي الآيَةِ تَقْرِيرٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ في الآخِرَةِ، إذا أحاطَتِ المَلائِكَةُ بِأقْطارِ الأرْضِ، وأحاطَ سُرادِقُ النّارِ بِالآفاقِ، فَهَرَبَ الخَلائِقُ، فَلا يَجِدُونَ مَهْرَبًا ولا مَنفَذًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] قالَ مُجاهِدٌ: فارِّينَ غَيْرَ مُعْجِزِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ نَدُّوا هَرَبًا، فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا المَلائِكَةَ صُفُوفًا، فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ، فَذَلِكَ (p-٥٦٢٦)قَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] وقَوْلُهُ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] الآيَةَ. وهَذا القَوْلُ أظْهَرُ -واللَّهُ أعْلَمُ- فَإذا بَدَتِ الخَلائِقُ ولَّوْا مُدْبِرِينَ، يُقالُ لَهُمْ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] أيْ: إنْ قَدِرْتُمْ أنْ تَتَجاوَزُوا أقْطارَ السَّماواتِ والأرْضِ فَتُعْجِزُوا رَبَّكم حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى عَذابِكُمْ، فافْعَلُوا. وكَأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ، فَإنَّ قَبْلَها ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١] الآيَةَ، وهَذا في الآخِرَةِ، وبَعْدَها: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الرحمن: ٣٧] الآيَةَ، وهَذا في الآخِرَةِ وأيْضًا فَإنَّ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الإنْسِ والجِنِّ فَإنَّهُ أتى بِهِ بِصِيغَةِ العُمُومِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] فَلا بُدَّ أنْ يَشْتَرِكَ الكُلُّ في سَماعِ هَذا الخِطابِ ومَضْمُونِهِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا جَمَعَهُمُ اللَّهُ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدّاعِيَ، ويُنْفِذُهُمُ البَصَرَ. وقالَ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ: إنِ اسْتَطَعْتُما، لِإرادَةِ الجَماعَةِ، كَما في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وقالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمْ، لِإرادَةِ الصِّنْفَيْنِ، أيْ: لا يَخْتَصُّ بِهِ صِنْفٌ عَنْ صِنْفٍ، بَلْ يُرْسَلُ ذَلِكَ عَلى الصِّنْفَيْنِ مَعًا. وهَذا، وإنْ كانَ مُرادًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] فَخِطابُ الجَماعَةِ في ذَلِكَ بِلَفْظِ الجَمْعِ أحْسَنُ، أيْ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنكم. وحَسَّنَ الخِطابَ بِالتَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُما﴾ أمْرٌ آخَرُ، وهو مُوافَقَةُ رُؤُوسِ الآيِ، فاتَّصَلَتِ التَّثْنِيَةُ بِالتَّثْنِيَةِ. وفِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ في العَذابِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِما، فَلا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ إرادَةَ أحَدِهِما -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى كَلامُ ابْنِ القَيِّمِ. وأنْتَ تَرى أنْ لا قَرِينَةَ تُخَصِّصُ الآيَةَ بِالقِيامَةِ، وما اسْتُشْهِدَ بِهِ مِنَ الآياتِ لا يُؤَيِّدُهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن نَظائِرِهِ. فالوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. (p-٥٦٢٧)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] قالَ القاضِي: فَإنَّ التَّهْدِيدَ لُطْفٌ، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي بِالجَزاءِ والِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ، مِن عِدادِ الآلاءِ.

الرحمن 55:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٧ - ٣٨] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أيِ: انْفَطَرَتْ فاخْتَلَّ نِظامُها العُلْوِيُّ، ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ أيْ: كَلَوْنِ الوَرْدِ الأحْمَرِ ﴿كالدِّهانِ﴾ أيْ: كالدُّهْنِ الَّذِي هو الزَّيْتُ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] وهو رَدِيُّ الزَّيْتِ، يَعْنِي في لَوْنِهِ الكَدَرُ وذَوَبانِهِ، لِصَيْرُورَتِها إلى الفَناءِ والزَّوالِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] أيْ: مِمّا يُحِلُّهُ بِكم بَعْدَ ذَلِكَ.

الرحمن 55:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٧ - ٣٨] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أيِ: انْفَطَرَتْ فاخْتَلَّ نِظامُها العُلْوِيُّ، ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ أيْ: كَلَوْنِ الوَرْدِ الأحْمَرِ ﴿كالدِّهانِ﴾ أيْ: كالدُّهْنِ الَّذِي هو الزَّيْتُ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] وهو رَدِيُّ الزَّيْتِ، يَعْنِي في لَوْنِهِ الكَدَرُ وذَوَبانِهِ، لِصَيْرُورَتِها إلى الفَناءِ والزَّوالِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] أيْ: مِمّا يُحِلُّهُ بِكم بَعْدَ ذَلِكَ.

الرحمن 55:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩ - ٤٠] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ أيْ: لا يُفْتَحُ لَهُ بابُ المَعْذِرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] فَفي السُّؤالِ مَجازٌ عَنْ نَفْيِ سَماعِ الِاعْتِذارِ؛ فَهو مِن بابِ نَفْيِ السَّبَبِ لِانْتِفاءِ المُسَبِّبِ. وأخَذَ كَثِيرٌ السُّؤالَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وحاوَلُوا الجَمْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَدْ يُنافِيهِ. قالَ القاشانِيُّ: وأمّا الوَقْفُ والسُّؤالُ المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ونَظائِرِهِ فَفي مَوْطِنٍ آخَرَ مِنَ اليَوْمِ الطَّوِيلِ الَّذِي كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وقَدْ يَكُونُ هَذا المَوْطِنُ قَبْلَ المَوْطِنِ الأوَّلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ. (p-٥٦٢٨)وكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] فَهَذا حالٌ، وثَمَّ حالٌ يَسْألُ الخَلائِقَ عَنْ جَمِيعِ أعْمالِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] وفي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْألُ المَلائِكَةُ عَنِ المُجْرِمِ، يُعْرَفُونَ بِسِيماهم. وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ): اخْتُلِفَ في هَذا السُّؤالِ المَنفِيِّ، فَقِيلَ: هو وقْتُ البَعْثِ والمَصِيرِ إلى المَوْقِفِ، لا يُسْألُونَ حِينَئِذٍ، ويُسْألُونَ بَعْدَ إطالَةِ الوُقُوفِ، واسْتِشْفاعِهِمْ إلى اللَّهِ أنْ يُحاسِبَهُمْ، ويُرِيحَهم مِن مَقامِهِمْ ذَلِكَ. وقِيلَ: المَنفِيُّ سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ والِاسْتِخْبارِ، لا سُؤالُ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ، أيْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذُنُوبَهُمْ، فَلا يَسْألُهم عَنْها سُؤالَ مَن يُرِيدُ عِلْمَها، وإنَّما يُحاسِبُهم عَلَيْها. انْتَهى. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن عَدْلِهِ فِيكم أنَّهُ لَمْ يُعاقِبْ مِنكم إلّا مُجْرِمًا.

الرحمن 55:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩ - ٤٠] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ أيْ: لا يُفْتَحُ لَهُ بابُ المَعْذِرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] فَفي السُّؤالِ مَجازٌ عَنْ نَفْيِ سَماعِ الِاعْتِذارِ؛ فَهو مِن بابِ نَفْيِ السَّبَبِ لِانْتِفاءِ المُسَبِّبِ. وأخَذَ كَثِيرٌ السُّؤالَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وحاوَلُوا الجَمْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَدْ يُنافِيهِ. قالَ القاشانِيُّ: وأمّا الوَقْفُ والسُّؤالُ المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ونَظائِرِهِ فَفي مَوْطِنٍ آخَرَ مِنَ اليَوْمِ الطَّوِيلِ الَّذِي كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وقَدْ يَكُونُ هَذا المَوْطِنُ قَبْلَ المَوْطِنِ الأوَّلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ. (p-٥٦٢٨)وكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] فَهَذا حالٌ، وثَمَّ حالٌ يَسْألُ الخَلائِقَ عَنْ جَمِيعِ أعْمالِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] وفي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْألُ المَلائِكَةُ عَنِ المُجْرِمِ، يُعْرَفُونَ بِسِيماهم. وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ): اخْتُلِفَ في هَذا السُّؤالِ المَنفِيِّ، فَقِيلَ: هو وقْتُ البَعْثِ والمَصِيرِ إلى المَوْقِفِ، لا يُسْألُونَ حِينَئِذٍ، ويُسْألُونَ بَعْدَ إطالَةِ الوُقُوفِ، واسْتِشْفاعِهِمْ إلى اللَّهِ أنْ يُحاسِبَهُمْ، ويُرِيحَهم مِن مَقامِهِمْ ذَلِكَ. وقِيلَ: المَنفِيُّ سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ والِاسْتِخْبارِ، لا سُؤالُ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ، أيْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذُنُوبَهُمْ، فَلا يَسْألُهم عَنْها سُؤالَ مَن يُرِيدُ عِلْمَها، وإنَّما يُحاسِبُهم عَلَيْها. انْتَهى. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن عَدْلِهِ فِيكم أنَّهُ لَمْ يُعاقِبْ مِنكم إلّا مُجْرِمًا.

الرحمن 55:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ والذِّلَّةِ، وقِيلَ: (p-٥٦٢٩)بِسَوادِ الوُجُوهِ، وزُرْقَةِ العُيُونِ، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ أيْ: فَتَأْخُذُهُمُ الزَّبانِيَةُ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، فَتَسْحَبُهم إلى جَهَنَّمَ، وتَقْذِفُهم فِيها. والباءُ لِلْآلَةِ، كَأخَذْتُ بِالخِطامِ، أوْ لِلتَّعْدِيَةِ. و(النّاصِيَةُ) مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن تَعْرِيفِهِ مَلائِكَتَهُ، أهْلَ الإجْرامِ مِن أهْلِ الطّاعَةِ مِنكُمْ، حَتّى خَصُّوا بِالإذْلالِ والإهانَةِ، المُجْرِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيْ: ماءٍ حارٍّ ﴿آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيِ: انْتَهى حَرُّهُ، واشْتَدَّ غَلَيانُهُ. وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ أدْرَكَ وبَلَغَ فَقَدْ أنى، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] يَعْنِي إدْراكَهُ وبُلُوغَهُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] أيْ: مِن عُقُوبَتِهِ أهْلَ الكُفْرِ بِهِ، وتَكْرِيمِهِ أهْلَ الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ تَأثَّرَ ما عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاءِ الدِّينِيَّةِ، والدُّنْيَوِيَّةِ بِتَعْدادِ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ والذِّلَّةِ، وقِيلَ: (p-٥٦٢٩)بِسَوادِ الوُجُوهِ، وزُرْقَةِ العُيُونِ، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ أيْ: فَتَأْخُذُهُمُ الزَّبانِيَةُ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، فَتَسْحَبُهم إلى جَهَنَّمَ، وتَقْذِفُهم فِيها. والباءُ لِلْآلَةِ، كَأخَذْتُ بِالخِطامِ، أوْ لِلتَّعْدِيَةِ. و(النّاصِيَةُ) مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن تَعْرِيفِهِ مَلائِكَتَهُ، أهْلَ الإجْرامِ مِن أهْلِ الطّاعَةِ مِنكُمْ، حَتّى خَصُّوا بِالإذْلالِ والإهانَةِ، المُجْرِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيْ: ماءٍ حارٍّ ﴿آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيِ: انْتَهى حَرُّهُ، واشْتَدَّ غَلَيانُهُ. وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ أدْرَكَ وبَلَغَ فَقَدْ أنى، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] يَعْنِي إدْراكَهُ وبُلُوغَهُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] أيْ: مِن عُقُوبَتِهِ أهْلَ الكُفْرِ بِهِ، وتَكْرِيمِهِ أهْلَ الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ تَأثَّرَ ما عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاءِ الدِّينِيَّةِ، والدُّنْيَوِيَّةِ بِتَعْدادِ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ والذِّلَّةِ، وقِيلَ: (p-٥٦٢٩)بِسَوادِ الوُجُوهِ، وزُرْقَةِ العُيُونِ، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ أيْ: فَتَأْخُذُهُمُ الزَّبانِيَةُ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، فَتَسْحَبُهم إلى جَهَنَّمَ، وتَقْذِفُهم فِيها. والباءُ لِلْآلَةِ، كَأخَذْتُ بِالخِطامِ، أوْ لِلتَّعْدِيَةِ. و(النّاصِيَةُ) مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن تَعْرِيفِهِ مَلائِكَتَهُ، أهْلَ الإجْرامِ مِن أهْلِ الطّاعَةِ مِنكُمْ، حَتّى خَصُّوا بِالإذْلالِ والإهانَةِ، المُجْرِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيْ: ماءٍ حارٍّ ﴿آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيِ: انْتَهى حَرُّهُ، واشْتَدَّ غَلَيانُهُ. وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ أدْرَكَ وبَلَغَ فَقَدْ أنى، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] يَعْنِي إدْراكَهُ وبُلُوغَهُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] أيْ: مِن عُقُوبَتِهِ أهْلَ الكُفْرِ بِهِ، وتَكْرِيمِهِ أهْلَ الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ تَأثَّرَ ما عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاءِ الدِّينِيَّةِ، والدُّنْيَوِيَّةِ بِتَعْدادِ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ والذِّلَّةِ، وقِيلَ: (p-٥٦٢٩)بِسَوادِ الوُجُوهِ، وزُرْقَةِ العُيُونِ، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ أيْ: فَتَأْخُذُهُمُ الزَّبانِيَةُ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، فَتَسْحَبُهم إلى جَهَنَّمَ، وتَقْذِفُهم فِيها. والباءُ لِلْآلَةِ، كَأخَذْتُ بِالخِطامِ، أوْ لِلتَّعْدِيَةِ. و(النّاصِيَةُ) مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن تَعْرِيفِهِ مَلائِكَتَهُ، أهْلَ الإجْرامِ مِن أهْلِ الطّاعَةِ مِنكُمْ، حَتّى خَصُّوا بِالإذْلالِ والإهانَةِ، المُجْرِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيْ: ماءٍ حارٍّ ﴿آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيِ: انْتَهى حَرُّهُ، واشْتَدَّ غَلَيانُهُ. وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ أدْرَكَ وبَلَغَ فَقَدْ أنى، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] يَعْنِي إدْراكَهُ وبُلُوغَهُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] أيْ: مِن عُقُوبَتِهِ أهْلَ الكُفْرِ بِهِ، وتَكْرِيمِهِ أهْلَ الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ تَأثَّرَ ما عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاءِ الدِّينِيَّةِ، والدُّنْيَوِيَّةِ بِتَعْدادِ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ والذِّلَّةِ، وقِيلَ: (p-٥٦٢٩)بِسَوادِ الوُجُوهِ، وزُرْقَةِ العُيُونِ، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ أيْ: فَتَأْخُذُهُمُ الزَّبانِيَةُ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، فَتَسْحَبُهم إلى جَهَنَّمَ، وتَقْذِفُهم فِيها. والباءُ لِلْآلَةِ، كَأخَذْتُ بِالخِطامِ، أوْ لِلتَّعْدِيَةِ. و(النّاصِيَةُ) مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن تَعْرِيفِهِ مَلائِكَتَهُ، أهْلَ الإجْرامِ مِن أهْلِ الطّاعَةِ مِنكُمْ، حَتّى خَصُّوا بِالإذْلالِ والإهانَةِ، المُجْرِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيْ: ماءٍ حارٍّ ﴿آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أيِ: انْتَهى حَرُّهُ، واشْتَدَّ غَلَيانُهُ. وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ أدْرَكَ وبَلَغَ فَقَدْ أنى، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] يَعْنِي إدْراكَهُ وبُلُوغَهُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] أيْ: مِن عُقُوبَتِهِ أهْلَ الكُفْرِ بِهِ، وتَكْرِيمِهِ أهْلَ الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ تَأثَّرَ ما عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاءِ الدِّينِيَّةِ، والدُّنْيَوِيَّةِ بِتَعْدادِ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، بِقَوْلِهِ:

الرحمن 55:46

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:54

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:57

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:58

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:59

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] (p-٥٦٣٠)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قِيامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ، فَأطاعَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ، فَهو كَقَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، أيْ: رَقُودٌ عِنْدَ الحَلْبِ، أوْ مَوْقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، فَإضافَتُهُ لِلرَّبِّ لامِيَّةٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ بِهِ تَعالى. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ الرَّبِّ وإثْباتِ خَوْفِهِ لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ مِن مَكانِ أحَدٍ، يَهابُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَخَوْفُهُ مِنهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَرَسِّلُونَ: المَقامُ العالِي، والمَجْلِسُ السّامِي ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ: جَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الإنْسِ، وجَنَّةٌ لِمَن أطاعَ مِنَ الجِنِّ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وإيثارُ التَّثْنِيَةِ لِلْفاصِلَةِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] أيْ: بِإثابَتِهِ المُحْسِنَ ما وصَفَ. ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] أيْ: أنْواعِ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، جَمْعُ (فَنٍّ) بِمَعْنى النَّوْعَ، أوْ أغْصانٍ لَيِّنَةٍ، جَمْعُ (فَنَنٍ) وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الغُصْنِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، نَبَّهَ عَلى شَرَفِ الظِّهارَةِ، بِشَرَفِ البِطانَةِ، وهو مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. (p-٥٦٣١)قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتُمُ الظَّواهِرَ؟! ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: وثَمَرُهُما المَجْنِيُّ دانِي القُطُوفِ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: مُنْكَسِراتُ الجَفْنِ، خافِضاتُ النَّظَرِ، غَيْرُ مُتَطَلِّعاتٍ لِما بَعُدَ، ولا ناظِراتٍ لِغَيْرِ زَوْجِها. أوْ مَعْناهُ: إنَّ طَرْفَ النَّظَرِ لا يَتَجاوَزُها، كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: ؎وخَصْرٍ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقًا فالمُرادُ: قاصِراتُ طَرَفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ لِغَيْرِهِنَّ. أوِ المَعْنى: شَدِيداتُ بَياضِ الطَّرْفِ، كَما يُقالُ: أحْوَرُ الطَّرْفِ وحَوْراؤُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَقْصُورٌ وحَوّارِيٌّ. وجَلِيٌّ أنَّ المَعانِيَ هاهُنا لا تَتَزاحَمُ لِتَحَقُّقِ مِصْداقِها كُلِّها، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] أيْ: لَمْ يَمَسَّهُنَّ. وأصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ: (طَمَثَ)، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ، لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ جِماعٍ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها تُوجَدُ بِكْرًا كُلَّما جُومِعَتْ. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثْنَ ويَدْخُلْنَ الجَنَّةَ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أيْ: في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، أوْ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والوَجْهِ، أدَبًا وحَياءً ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩]

الرحمن 55:60

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:61

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:62

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:63

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:64

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:65

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:66

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:67

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:68

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:69

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:70

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:71

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:72

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:73

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.