Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الرحمن 55:74 – الواقعة 56:96

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الرحمن 55:74
  2. الرحمن 55:75
  3. الرحمن 55:76
  4. الرحمن 55:77
  5. الرحمن 55:78
  6. الواقعة 56:1
  7. الواقعة 56:2
  8. الواقعة 56:3
  9. الواقعة 56:4
  10. الواقعة 56:5
  11. الواقعة 56:6
  12. الواقعة 56:7
  13. الواقعة 56:8
  14. الواقعة 56:9
  15. الواقعة 56:10
  16. الواقعة 56:11
  17. الواقعة 56:12
  18. الواقعة 56:13
  19. الواقعة 56:14
  20. الواقعة 56:15
  21. الواقعة 56:16
  22. الواقعة 56:17
  23. الواقعة 56:18
  24. الواقعة 56:19
  25. الواقعة 56:20
  26. الواقعة 56:21
  27. الواقعة 56:22
  28. الواقعة 56:23
  29. الواقعة 56:24
  30. الواقعة 56:25
  31. الواقعة 56:26
  32. الواقعة 56:27
  33. الواقعة 56:28
  34. الواقعة 56:29
  35. الواقعة 56:30
  36. الواقعة 56:31
  37. الواقعة 56:32
  38. الواقعة 56:33
  39. الواقعة 56:34
  40. الواقعة 56:35
  41. الواقعة 56:36
  42. الواقعة 56:37
  43. الواقعة 56:38
  44. الواقعة 56:39
  45. الواقعة 56:40
  46. الواقعة 56:41
  47. الواقعة 56:42
  48. الواقعة 56:43
  49. الواقعة 56:44
  50. الواقعة 56:45
  51. الواقعة 56:46
  52. الواقعة 56:47
  53. الواقعة 56:48
  54. الواقعة 56:49
  55. الواقعة 56:50
  56. الواقعة 56:51
  57. الواقعة 56:52
  58. الواقعة 56:53
  59. الواقعة 56:54
  60. الواقعة 56:55
  61. الواقعة 56:56
  62. الواقعة 56:57
  63. الواقعة 56:58
  64. الواقعة 56:59
  65. الواقعة 56:60
  66. الواقعة 56:61
  67. الواقعة 56:62
  68. الواقعة 56:63
  69. الواقعة 56:64
  70. الواقعة 56:65
  71. الواقعة 56:66
  72. الواقعة 56:67
  73. الواقعة 56:68
  74. الواقعة 56:69
  75. الواقعة 56:70
  76. الواقعة 56:71
  77. الواقعة 56:72
  78. الواقعة 56:73
  79. الواقعة 56:74
  80. الواقعة 56:75
  81. الواقعة 56:76
  82. الواقعة 56:77
  83. الواقعة 56:78
  84. الواقعة 56:79
  85. الواقعة 56:80
  86. الواقعة 56:81
  87. الواقعة 56:82
  88. الواقعة 56:83
  89. الواقعة 56:84
  90. الواقعة 56:85
  91. الواقعة 56:86
  92. الواقعة 56:87
  93. الواقعة 56:88
  94. الواقعة 56:89
  95. الواقعة 56:90
  96. الواقعة 56:91
  97. الواقعة 56:92
  98. الواقعة 56:93
  99. الواقعة 56:94
  100. الواقعة 56:95
  101. الواقعة 56:96

الرحمن 55:74

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:75

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:76

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:77

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الرحمن 55:78

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠ - ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (p-٥٦٣٢)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ: في الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ، ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: دُونَ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المُنَوَّهِ بِهِما ﴿جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أيْ: بُسْتانانِ آخَرانِ، إشارَةً إلى وفْرَةِ الجِنانِ واتِّصالِها وسِعَةِ امْتِدادِ الطَّرْفِ في مَناظِرِها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أيْ: خَضْراوانِ مِنَ الرَّيِّ، (p-٥٦٣٣)تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ. أوْ مِن كَثْرَةِ أشْجارِها المُمْتَدَّةِ لا إلى نِهايَةٍ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإنَّما أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ جِنْسانِ آخَرانِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] جَمْعُ (خَيِّرَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ خُفِّفَ. وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ، أيْ: فاضِلاتُ الأخْلاقِ. وإيثارُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى التَّثْنِيَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ ﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] أيْ: حِسانُ الوُجُوهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] الحُورُ: جَمْعُ (حَوْراءَ)، وهي البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَصَرْنَ أنْفُسَهُنَّ عَلى مَنازِلِهِنَّ، لا يُهِمُّهُنَّ إلّا زِينَتُهُنَّ ولَهْوُهُنَّ. وفِيهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةُ أيْضًا. و﴿الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ. وقَدْ يُسَمِّي العَرَبُ هَوادِجَ النِّساءِ خِيامًا، ثُمَّ أنْشَدَ لَهُ. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يَعْنِي بِهِنَّ حُورَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِ الأُولَيَيْنِ. أوْ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الوَصْفِ، وكَوْنُهُ في مُقَدِّمَةِ المُشْتَهَياتِ، وطَلِيعَةِ المَلَذّاتِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: سُرُرٍ أوْ مَسانِدَ أوْ وسائِدَ ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: طَنافِسَ وبُسُطٍ ﴿حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أيْ: جِيادٍ. والصِّفَةُ كاشِفَةٌ، ولِذا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (العَبْقَرِيُّ) عِتاقُ الزَّرابِيِّ، أيْ: جِيادُها. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ: مِن إكْرامِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنكُما هَذا الإكْرامَ، ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] أيْ: ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والتَّفَضُّلِ بِالآلاءِ، والِاسْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ، لِأنَّهُ كَثُرَ اقْتِرانُ الفِعْلِ المَذْكُورِ مَعَها، كَآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وآيَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ونَحْوِهِما. وسِرُّ إيثارِ الِاسْمِ (p-٥٦٣٤)لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنهُ تَعالى إلّا أسْماؤُهُ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ. فَما عَرَفَ اللَّهَ إلّا اللَّهُ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وقِيلَ: لَفْظُ (اسْمُ) مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلى بَقاءِ الِاسْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ورَدَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى بِما مِثالُهُ: لا حُجَّةَ فِيما احْتَجُّوا بِهِ. أمّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ فَحَقٌّ. ومَعْنى " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ واجِبَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، ونَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِالذِّكْرِ لَهُ وبِتَعْظِيمِهِ ونُجِلُّهُ ونُكْرِمُهُ، فَلَهُ التَّبارُكُ ولَهُ الإجْلالُ مِنّا ومِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَهُ الإكْرامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنّا، حِينَما كانَ مِن قِرْطاسٍ، أوْ في شَيْءٍ مَنقُوشٍ فِيهِ، أوْ مَذْكُورٍ بِالألْسِنَةِ. ومَن لَمْ يُجِلَّ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٦٣٥)كَذَلِكَ ولا أكْرَمَهُ، فَهو كافِرٌ بِلا شَكٍّ؛ فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها دُونَ تَأْوِيلٍ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِها. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. فائِدَةٌ: فِيما قالَهُ الأئِمَّةُ في سِرِّ تَكْرِيرِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) في بَحْثِ التَّكْرِيرِ: قَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِناعَةً، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى، ومِنهُ ما وقَعَ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَكِّدِهِ. ثُمَّ قالَ: وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَإنَّهُما، وإنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ، ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وغَيْرُهُ، انْتَهى. وفِي (عَرُوسِ الأفْراحِ): فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ المُرادُ بِكُلِّ ما قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإطْنابٍ بَلْ هي ألْفاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ الآخَرُ؟ قُلْتُ: إذا قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَكُلُّ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالآخَرِ، ولَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيما يَلِيهِ، ظاهِرًا في غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ؟ قُلْتُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ لا يُزادُ بِهِ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذاكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابِعٌ. أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ، فَلا يَمْتَنِعُ. انْتَهى. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في آخِرِ كِتابِهِ (الإشارَةُ إلى الإيجازِ) وأمّا قَوْلُهُ: " فَبِأيِّ (p-٥٦٣٦)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُكَرَّرَةً عَلى جَمِيعِ أنْعُمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ما وقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها مِن نِعْمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُولى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ، وبِالثّانِيَةِ ما تَقَدَّمَها، وبِالثّالِثَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى، والثّانِيَةُ والرّابِعَةُ ما تَقَدَّمَ عَلى الأُولى والثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وهَكَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] نِعْمَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] نِعْمَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ؟ قُلْنا: هَذِهِ كُلُّها نِعَمٌ جِسامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَدَّدَ العِبادَ بِها اسْتِصْلاحًا لَهُمْ، لِيَخْرُجُوا مِن حَيِّزِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ إلى حَيِّزِ الطّاعَةِ والإيمانِ والِانْقِيادِ والإذْعانِ، فَإنَّ مَن حَذَّرَ مِن طَرِيقِ الرَّدى، وبَيَّنَ ما فِيها مِنَ الأذى، وحَثَّ عَلى طَرِيقِ السَّلامَةِ، المُوَصِّلَةِ إلى المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، كانَ مُنْعِمًا غايَةَ الإنْعامِ، ومُحْسِنًا غايَةَ الإحْسانِ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] وعَلى هَذا تَصْلُحُ فِيهِ مُناسَبَةُ الرَّبْطِ، بِذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ المَقامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالمَوْتِ والفَناءِ، لِلتَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلى العَمَلِ لِدارِ البَقاءِ، وفي الإعْراضِ عَنْ دارِ الفَناءِ. انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّذْكِيرِ بِها، ثُمَّ عَدَّدَ عَلى الخَلْقِ آلاءَهُ، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهم بِها، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ وتابَعَ إلَيْهِ بِالأيادِي، وهو يُنْكِرُها ويَكْفُرُها: ألَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأغْنَيْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ عُرْيانًا فَكَسَوْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ألَمْ تَكُنْ خامِلًا فَعَزَزْتُكَ، أفَتُنْكِرُ هَذا؟ ومِثْلُ هَذا الكَلامِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. انْتَهى. (p-٥٦٣٧)وقالَ السَّيِّدُ مُرْتَضى في (الدُّرَرُ والغُرَرُ): التَّكْرارُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إنَّما حُسِّنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها، وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ، لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يَرْثِي كُلَيْبًا: ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَلاتِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ ؎عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جارُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ، هو مِن لَطائِفِ العَرَبِ، فاعْرِفْهُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في (مُتَشابِهِ القُرْآنِ): ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةً مِنها ذُكِرَتْ عَقِبَ آياتٍ فِيها تِعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَأُ الخَلْقِ ومَعادُهُمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النّارِ وشَدائِدِها، بِعَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وحُسْنُ ذِكْرِ الآلاءِ عَقِبِها؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآلاءِ: رَفْعُ البَلاءِ، وتَأْخِيرُ العِقابِ. وبَعْدَ هَذِهِ السَّبْعَةِ ثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ وأهْلِها، بِعَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةٌ أُخْرى بَعْدَها في الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما دُونَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ هاتَيْنِ الثَّمانِيَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ، ووَقاهُ السَّبْعَةَ السّابِقَةَ. انْتَهى. اللَّهُمَّ زِدْنا اطِّلاعًا عَلى لَطائِفِ قُرْآنِكَ الكَرِيمِ، وغَوْصًا عَلى لَآلِئِ فُرْقانِكَ العَظِيمِ.

الواقعة 56:1

(p-٥٦٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الواقِعَةِ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها مَمْلُوءَةٌ بِوَقائِعِ القِيامَةِ، الَّتِي هي الواقِعَةُ العُظْمى، لِوُقُوعِها في أشَدِّ الأحْوالِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وتِسْعُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ! قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ والمُرْسَلاتُ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَواتِ كَنَحْوٍ مِن صَلاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ اليَوْمَ، ولَكِنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ، كانَتْ صَلاتُهُ أخَفَّ مِن صَلاتِكم. وكانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ الواقِعَةَ ونَحْوَها مِنَ السُّوَرِ». (p-٥٦٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٣] ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: نَزَلَتْ وجاءَتْ. و" الواقِعَةُ " عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى القِيامَةِ، أوْ مَنقُولٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِها، وكَأنَّهُ قِيلَ: إذا وقَعَتِ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِها، واخْتِيارُ " إذا " مَعَ صِيغَةِ المُضِيِّ، لِلدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ. ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] أيْ: كَذِبٌ وتَكْذِيبٌ. وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ عَلى زِنَةِ فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ، والعافِيَةِ. واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ. أوِ المَعْنى: لَيْسَ حِينَ وقْعَتِها نَفْسٌ كاذِبَةٌ، أيْ: تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ، أوْ تَكْذِبُ في نَفْيِها. واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ. قالَ الشِّهابُ: و" الواقِعَةُ " السَّقْطَةُ القَوِيَّةُ، وشاعَتْ في وُقُوعِ الأمْرِ العَظِيمِ، وقَدْ تُخَصُّ بِالحَرْبِ، ولِذا عَبَّرَ بِها هُنا. ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] أيْ: تَخْفِضُ الأشْقِياءَ إلى الدَّرَكاتِ، وتَرْفَعُ السُّعَداءَ إلى الدَّرَجاتِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِعَظَمَةِ الواقِعَةِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ الوَقائِعِ العِظامِ أنَّها تَخْفِضُ قَوْمًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.

الواقعة 56:2

(p-٥٦٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الواقِعَةِ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها مَمْلُوءَةٌ بِوَقائِعِ القِيامَةِ، الَّتِي هي الواقِعَةُ العُظْمى، لِوُقُوعِها في أشَدِّ الأحْوالِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وتِسْعُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ! قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ والمُرْسَلاتُ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَواتِ كَنَحْوٍ مِن صَلاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ اليَوْمَ، ولَكِنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ، كانَتْ صَلاتُهُ أخَفَّ مِن صَلاتِكم. وكانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ الواقِعَةَ ونَحْوَها مِنَ السُّوَرِ». (p-٥٦٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٣] ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: نَزَلَتْ وجاءَتْ. و" الواقِعَةُ " عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى القِيامَةِ، أوْ مَنقُولٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِها، وكَأنَّهُ قِيلَ: إذا وقَعَتِ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِها، واخْتِيارُ " إذا " مَعَ صِيغَةِ المُضِيِّ، لِلدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ. ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] أيْ: كَذِبٌ وتَكْذِيبٌ. وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ عَلى زِنَةِ فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ، والعافِيَةِ. واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ. أوِ المَعْنى: لَيْسَ حِينَ وقْعَتِها نَفْسٌ كاذِبَةٌ، أيْ: تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ، أوْ تَكْذِبُ في نَفْيِها. واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ. قالَ الشِّهابُ: و" الواقِعَةُ " السَّقْطَةُ القَوِيَّةُ، وشاعَتْ في وُقُوعِ الأمْرِ العَظِيمِ، وقَدْ تُخَصُّ بِالحَرْبِ، ولِذا عَبَّرَ بِها هُنا. ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] أيْ: تَخْفِضُ الأشْقِياءَ إلى الدَّرَكاتِ، وتَرْفَعُ السُّعَداءَ إلى الدَّرَجاتِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِعَظَمَةِ الواقِعَةِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ الوَقائِعِ العِظامِ أنَّها تَخْفِضُ قَوْمًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.

الواقعة 56:3

(p-٥٦٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الواقِعَةِ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها مَمْلُوءَةٌ بِوَقائِعِ القِيامَةِ، الَّتِي هي الواقِعَةُ العُظْمى، لِوُقُوعِها في أشَدِّ الأحْوالِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وتِسْعُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ! قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ والمُرْسَلاتُ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَواتِ كَنَحْوٍ مِن صَلاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ اليَوْمَ، ولَكِنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ، كانَتْ صَلاتُهُ أخَفَّ مِن صَلاتِكم. وكانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ الواقِعَةَ ونَحْوَها مِنَ السُّوَرِ». (p-٥٦٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٣] ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: نَزَلَتْ وجاءَتْ. و" الواقِعَةُ " عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى القِيامَةِ، أوْ مَنقُولٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِها، وكَأنَّهُ قِيلَ: إذا وقَعَتِ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِها، واخْتِيارُ " إذا " مَعَ صِيغَةِ المُضِيِّ، لِلدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ. ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] أيْ: كَذِبٌ وتَكْذِيبٌ. وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ عَلى زِنَةِ فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ، والعافِيَةِ. واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ. أوِ المَعْنى: لَيْسَ حِينَ وقْعَتِها نَفْسٌ كاذِبَةٌ، أيْ: تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ، أوْ تَكْذِبُ في نَفْيِها. واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ. قالَ الشِّهابُ: و" الواقِعَةُ " السَّقْطَةُ القَوِيَّةُ، وشاعَتْ في وُقُوعِ الأمْرِ العَظِيمِ، وقَدْ تُخَصُّ بِالحَرْبِ، ولِذا عَبَّرَ بِها هُنا. ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] أيْ: تَخْفِضُ الأشْقِياءَ إلى الدَّرَكاتِ، وتَرْفَعُ السُّعَداءَ إلى الدَّرَجاتِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِعَظَمَةِ الواقِعَةِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ الوَقائِعِ العِظامِ أنَّها تَخْفِضُ قَوْمًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.

الواقعة 56:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤ - ٦] ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا. (p-٥٦٤٦)﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] أيْ: فُتِّتَتْ، أوْ سِيقَتْ وأُذْهِبَتْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠] ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] أيْ: مُتَفَرِّقًا. قالَ قَتادَةُ: الهَباءُ: ما تَذْرُوهُ الرِّيحُ مِن حُطامِ الشَّجَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: هو ما يُرى مِنَ الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ.

الواقعة 56:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤ - ٦] ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا. (p-٥٦٤٦)﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] أيْ: فُتِّتَتْ، أوْ سِيقَتْ وأُذْهِبَتْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠] ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] أيْ: مُتَفَرِّقًا. قالَ قَتادَةُ: الهَباءُ: ما تَذْرُوهُ الرِّيحُ مِن حُطامِ الشَّجَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: هو ما يُرى مِنَ الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ.

الواقعة 56:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤ - ٦] ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا. (p-٥٦٤٦)﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] أيْ: فُتِّتَتْ، أوْ سِيقَتْ وأُذْهِبَتْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠] ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] أيْ: مُتَفَرِّقًا. قالَ قَتادَةُ: الهَباءُ: ما تَذْرُوهُ الرِّيحُ مِن حُطامِ الشَّجَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: هو ما يُرى مِنَ الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ.

الواقعة 56:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا ثَلاثَةً. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ، مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها. وإطْلاقُ " المَيْمَنَةِ " و" المَشْأمَةِ " اللَّتَيْنِ هَمّا الجِهَتانِ المَعْرُوفَتانِ عَلى مَنزِلَةِ السُّعَداءِ الَّذِينَ هُمُ الأبْرارُ والمُصْلِحُونَ مِنَ النّاسِ، وعَلى دَرَكَةِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ هُمُ الأشْرارُ والمُفْسِدُونَ مِنَ النّاسِ، أصْلُهُ مِن تَيَمُّنِ العَرَبِ بِاليَمِينِ، وتَشاؤُمِهِمْ بِالشِّمالِ، كَما في السّانِحِ والبارِحِ، وقَوْلُهم لِلرَّفِيعِ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ، ولِلْوَضِيعِ: هو مِنِّي بِالشِّمالِ، تَجَوُّزًا بِهِ، أوْ كِنايَةً بِهِ عَمّا ذُكِرَ. وقِيلَ: المَيْمَنَةُ والمَشْأمَةُ بِمَعْنى اليَمِينِ والشُّؤْمِ، فَلَيْسَ بِمَعْنى الجِهَةِ، بَلْ بِمَعْنى البَرَكَةِ وضِدِّها، (p-٥٦٤٧)لِما عادَ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وفي جُمْلَتَيِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى تَرَقِّي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ، تَعَجُّبًا مِنهُ. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أيِ: الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وأُوذُوا لِأجْلِهِ، وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهُمْ، وكانُوا الدُّعاةَ إلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ في السّابِقِينَ، وفي أصْحابِ اليَمِينِ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ لِحالِ المَذْكُورِينَ؟ فَنَقُولُ: التَّعْظِيمُ المُؤَدّى بِقَوْلِهِ: ﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أبْلَغُ مِن قَرِينِهِ، وذَلِكَ أنَّ مُؤَدّى هَذا أنَّ أمْرَ السّابِقِينَ، وعَظْمَةَ شَأْنِهِ، مُسابَقٌ. كادَ يَخْفى. وإنَّما تَحَيُّرُ فَهْمِ السّامِعِ فِيهِ مَشْهُورٌ. وأمّا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] فَإنَّهُ تَعْظِيمٌ عَلى السّامِعِ بِما لَيْسَ عِنْدَهُ مِنهُ عِلْمٌ سابِقٌ، ألا تَرى كَيْفَ سَبَقَ بَسْطُ حالِ السّابِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] فَجَمَعَ بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ المُشارِ بِهِ إلى مَعْرُوفٍ، وبَيَّنَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " المُقَرَّبُونَ " مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ العَهْدِيَّةِ؟ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا مَذْكُورًا في بَسْطِ حالِ أصْحابِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُصَدَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أفادَهُ النّاصِرُ. و﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الثّانِي إمّا خَبَرٌ، أيِ: الَّذِينَ عُرِفَتْ حالُهم واشْتُهِرَتْ أوْصافُهم عَلى حَدِّ: وشِعْرِي شِعْرِي، أوْ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أيِ: الَّذِينَ يُقَرِّبُهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِإعْلاءِ مَنازِلِهِمْ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]

الواقعة 56:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا ثَلاثَةً. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ، مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها. وإطْلاقُ " المَيْمَنَةِ " و" المَشْأمَةِ " اللَّتَيْنِ هَمّا الجِهَتانِ المَعْرُوفَتانِ عَلى مَنزِلَةِ السُّعَداءِ الَّذِينَ هُمُ الأبْرارُ والمُصْلِحُونَ مِنَ النّاسِ، وعَلى دَرَكَةِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ هُمُ الأشْرارُ والمُفْسِدُونَ مِنَ النّاسِ، أصْلُهُ مِن تَيَمُّنِ العَرَبِ بِاليَمِينِ، وتَشاؤُمِهِمْ بِالشِّمالِ، كَما في السّانِحِ والبارِحِ، وقَوْلُهم لِلرَّفِيعِ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ، ولِلْوَضِيعِ: هو مِنِّي بِالشِّمالِ، تَجَوُّزًا بِهِ، أوْ كِنايَةً بِهِ عَمّا ذُكِرَ. وقِيلَ: المَيْمَنَةُ والمَشْأمَةُ بِمَعْنى اليَمِينِ والشُّؤْمِ، فَلَيْسَ بِمَعْنى الجِهَةِ، بَلْ بِمَعْنى البَرَكَةِ وضِدِّها، (p-٥٦٤٧)لِما عادَ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وفي جُمْلَتَيِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى تَرَقِّي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ، تَعَجُّبًا مِنهُ. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أيِ: الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وأُوذُوا لِأجْلِهِ، وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهُمْ، وكانُوا الدُّعاةَ إلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ في السّابِقِينَ، وفي أصْحابِ اليَمِينِ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ لِحالِ المَذْكُورِينَ؟ فَنَقُولُ: التَّعْظِيمُ المُؤَدّى بِقَوْلِهِ: ﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أبْلَغُ مِن قَرِينِهِ، وذَلِكَ أنَّ مُؤَدّى هَذا أنَّ أمْرَ السّابِقِينَ، وعَظْمَةَ شَأْنِهِ، مُسابَقٌ. كادَ يَخْفى. وإنَّما تَحَيُّرُ فَهْمِ السّامِعِ فِيهِ مَشْهُورٌ. وأمّا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] فَإنَّهُ تَعْظِيمٌ عَلى السّامِعِ بِما لَيْسَ عِنْدَهُ مِنهُ عِلْمٌ سابِقٌ، ألا تَرى كَيْفَ سَبَقَ بَسْطُ حالِ السّابِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] فَجَمَعَ بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ المُشارِ بِهِ إلى مَعْرُوفٍ، وبَيَّنَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " المُقَرَّبُونَ " مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ العَهْدِيَّةِ؟ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا مَذْكُورًا في بَسْطِ حالِ أصْحابِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُصَدَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أفادَهُ النّاصِرُ. و﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الثّانِي إمّا خَبَرٌ، أيِ: الَّذِينَ عُرِفَتْ حالُهم واشْتُهِرَتْ أوْصافُهم عَلى حَدِّ: وشِعْرِي شِعْرِي، أوْ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أيِ: الَّذِينَ يُقَرِّبُهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِإعْلاءِ مَنازِلِهِمْ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]

الواقعة 56:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا ثَلاثَةً. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ، مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها. وإطْلاقُ " المَيْمَنَةِ " و" المَشْأمَةِ " اللَّتَيْنِ هَمّا الجِهَتانِ المَعْرُوفَتانِ عَلى مَنزِلَةِ السُّعَداءِ الَّذِينَ هُمُ الأبْرارُ والمُصْلِحُونَ مِنَ النّاسِ، وعَلى دَرَكَةِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ هُمُ الأشْرارُ والمُفْسِدُونَ مِنَ النّاسِ، أصْلُهُ مِن تَيَمُّنِ العَرَبِ بِاليَمِينِ، وتَشاؤُمِهِمْ بِالشِّمالِ، كَما في السّانِحِ والبارِحِ، وقَوْلُهم لِلرَّفِيعِ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ، ولِلْوَضِيعِ: هو مِنِّي بِالشِّمالِ، تَجَوُّزًا بِهِ، أوْ كِنايَةً بِهِ عَمّا ذُكِرَ. وقِيلَ: المَيْمَنَةُ والمَشْأمَةُ بِمَعْنى اليَمِينِ والشُّؤْمِ، فَلَيْسَ بِمَعْنى الجِهَةِ، بَلْ بِمَعْنى البَرَكَةِ وضِدِّها، (p-٥٦٤٧)لِما عادَ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وفي جُمْلَتَيِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى تَرَقِّي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ، تَعَجُّبًا مِنهُ. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أيِ: الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وأُوذُوا لِأجْلِهِ، وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهُمْ، وكانُوا الدُّعاةَ إلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ في السّابِقِينَ، وفي أصْحابِ اليَمِينِ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ لِحالِ المَذْكُورِينَ؟ فَنَقُولُ: التَّعْظِيمُ المُؤَدّى بِقَوْلِهِ: ﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أبْلَغُ مِن قَرِينِهِ، وذَلِكَ أنَّ مُؤَدّى هَذا أنَّ أمْرَ السّابِقِينَ، وعَظْمَةَ شَأْنِهِ، مُسابَقٌ. كادَ يَخْفى. وإنَّما تَحَيُّرُ فَهْمِ السّامِعِ فِيهِ مَشْهُورٌ. وأمّا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] فَإنَّهُ تَعْظِيمٌ عَلى السّامِعِ بِما لَيْسَ عِنْدَهُ مِنهُ عِلْمٌ سابِقٌ، ألا تَرى كَيْفَ سَبَقَ بَسْطُ حالِ السّابِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] فَجَمَعَ بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ المُشارِ بِهِ إلى مَعْرُوفٍ، وبَيَّنَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " المُقَرَّبُونَ " مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ العَهْدِيَّةِ؟ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا مَذْكُورًا في بَسْطِ حالِ أصْحابِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُصَدَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أفادَهُ النّاصِرُ. و﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الثّانِي إمّا خَبَرٌ، أيِ: الَّذِينَ عُرِفَتْ حالُهم واشْتُهِرَتْ أوْصافُهم عَلى حَدِّ: وشِعْرِي شِعْرِي، أوْ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أيِ: الَّذِينَ يُقَرِّبُهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِإعْلاءِ مَنازِلِهِمْ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]

الواقعة 56:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا ثَلاثَةً. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ، مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها. وإطْلاقُ " المَيْمَنَةِ " و" المَشْأمَةِ " اللَّتَيْنِ هَمّا الجِهَتانِ المَعْرُوفَتانِ عَلى مَنزِلَةِ السُّعَداءِ الَّذِينَ هُمُ الأبْرارُ والمُصْلِحُونَ مِنَ النّاسِ، وعَلى دَرَكَةِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ هُمُ الأشْرارُ والمُفْسِدُونَ مِنَ النّاسِ، أصْلُهُ مِن تَيَمُّنِ العَرَبِ بِاليَمِينِ، وتَشاؤُمِهِمْ بِالشِّمالِ، كَما في السّانِحِ والبارِحِ، وقَوْلُهم لِلرَّفِيعِ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ، ولِلْوَضِيعِ: هو مِنِّي بِالشِّمالِ، تَجَوُّزًا بِهِ، أوْ كِنايَةً بِهِ عَمّا ذُكِرَ. وقِيلَ: المَيْمَنَةُ والمَشْأمَةُ بِمَعْنى اليَمِينِ والشُّؤْمِ، فَلَيْسَ بِمَعْنى الجِهَةِ، بَلْ بِمَعْنى البَرَكَةِ وضِدِّها، (p-٥٦٤٧)لِما عادَ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وفي جُمْلَتَيِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى تَرَقِّي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ، تَعَجُّبًا مِنهُ. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أيِ: الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وأُوذُوا لِأجْلِهِ، وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهُمْ، وكانُوا الدُّعاةَ إلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ في السّابِقِينَ، وفي أصْحابِ اليَمِينِ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ لِحالِ المَذْكُورِينَ؟ فَنَقُولُ: التَّعْظِيمُ المُؤَدّى بِقَوْلِهِ: ﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أبْلَغُ مِن قَرِينِهِ، وذَلِكَ أنَّ مُؤَدّى هَذا أنَّ أمْرَ السّابِقِينَ، وعَظْمَةَ شَأْنِهِ، مُسابَقٌ. كادَ يَخْفى. وإنَّما تَحَيُّرُ فَهْمِ السّامِعِ فِيهِ مَشْهُورٌ. وأمّا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] فَإنَّهُ تَعْظِيمٌ عَلى السّامِعِ بِما لَيْسَ عِنْدَهُ مِنهُ عِلْمٌ سابِقٌ، ألا تَرى كَيْفَ سَبَقَ بَسْطُ حالِ السّابِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] فَجَمَعَ بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ المُشارِ بِهِ إلى مَعْرُوفٍ، وبَيَّنَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " المُقَرَّبُونَ " مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ العَهْدِيَّةِ؟ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا مَذْكُورًا في بَسْطِ حالِ أصْحابِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُصَدَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أفادَهُ النّاصِرُ. و﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الثّانِي إمّا خَبَرٌ، أيِ: الَّذِينَ عُرِفَتْ حالُهم واشْتُهِرَتْ أوْصافُهم عَلى حَدِّ: وشِعْرِي شِعْرِي، أوْ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أيِ: الَّذِينَ يُقَرِّبُهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِإعْلاءِ مَنازِلِهِمْ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]

الواقعة 56:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا ثَلاثَةً. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ، مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها. وإطْلاقُ " المَيْمَنَةِ " و" المَشْأمَةِ " اللَّتَيْنِ هَمّا الجِهَتانِ المَعْرُوفَتانِ عَلى مَنزِلَةِ السُّعَداءِ الَّذِينَ هُمُ الأبْرارُ والمُصْلِحُونَ مِنَ النّاسِ، وعَلى دَرَكَةِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ هُمُ الأشْرارُ والمُفْسِدُونَ مِنَ النّاسِ، أصْلُهُ مِن تَيَمُّنِ العَرَبِ بِاليَمِينِ، وتَشاؤُمِهِمْ بِالشِّمالِ، كَما في السّانِحِ والبارِحِ، وقَوْلُهم لِلرَّفِيعِ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ، ولِلْوَضِيعِ: هو مِنِّي بِالشِّمالِ، تَجَوُّزًا بِهِ، أوْ كِنايَةً بِهِ عَمّا ذُكِرَ. وقِيلَ: المَيْمَنَةُ والمَشْأمَةُ بِمَعْنى اليَمِينِ والشُّؤْمِ، فَلَيْسَ بِمَعْنى الجِهَةِ، بَلْ بِمَعْنى البَرَكَةِ وضِدِّها، (p-٥٦٤٧)لِما عادَ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وفي جُمْلَتَيِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى تَرَقِّي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ، تَعَجُّبًا مِنهُ. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أيِ: الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وأُوذُوا لِأجْلِهِ، وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهُمْ، وكانُوا الدُّعاةَ إلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ في السّابِقِينَ، وفي أصْحابِ اليَمِينِ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ لِحالِ المَذْكُورِينَ؟ فَنَقُولُ: التَّعْظِيمُ المُؤَدّى بِقَوْلِهِ: ﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أبْلَغُ مِن قَرِينِهِ، وذَلِكَ أنَّ مُؤَدّى هَذا أنَّ أمْرَ السّابِقِينَ، وعَظْمَةَ شَأْنِهِ، مُسابَقٌ. كادَ يَخْفى. وإنَّما تَحَيُّرُ فَهْمِ السّامِعِ فِيهِ مَشْهُورٌ. وأمّا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] فَإنَّهُ تَعْظِيمٌ عَلى السّامِعِ بِما لَيْسَ عِنْدَهُ مِنهُ عِلْمٌ سابِقٌ، ألا تَرى كَيْفَ سَبَقَ بَسْطُ حالِ السّابِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] فَجَمَعَ بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ المُشارِ بِهِ إلى مَعْرُوفٍ، وبَيَّنَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " المُقَرَّبُونَ " مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ العَهْدِيَّةِ؟ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا مَذْكُورًا في بَسْطِ حالِ أصْحابِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُصَدَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أفادَهُ النّاصِرُ. و﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الثّانِي إمّا خَبَرٌ، أيِ: الَّذِينَ عُرِفَتْ حالُهم واشْتُهِرَتْ أوْصافُهم عَلى حَدِّ: وشِعْرِي شِعْرِي، أوْ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أيِ: الَّذِينَ يُقَرِّبُهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِإعْلاءِ مَنازِلِهِمْ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]

الواقعة 56:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧ - ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا ثَلاثَةً. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ، مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها. وإطْلاقُ " المَيْمَنَةِ " و" المَشْأمَةِ " اللَّتَيْنِ هَمّا الجِهَتانِ المَعْرُوفَتانِ عَلى مَنزِلَةِ السُّعَداءِ الَّذِينَ هُمُ الأبْرارُ والمُصْلِحُونَ مِنَ النّاسِ، وعَلى دَرَكَةِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ هُمُ الأشْرارُ والمُفْسِدُونَ مِنَ النّاسِ، أصْلُهُ مِن تَيَمُّنِ العَرَبِ بِاليَمِينِ، وتَشاؤُمِهِمْ بِالشِّمالِ، كَما في السّانِحِ والبارِحِ، وقَوْلُهم لِلرَّفِيعِ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ، ولِلْوَضِيعِ: هو مِنِّي بِالشِّمالِ، تَجَوُّزًا بِهِ، أوْ كِنايَةً بِهِ عَمّا ذُكِرَ. وقِيلَ: المَيْمَنَةُ والمَشْأمَةُ بِمَعْنى اليَمِينِ والشُّؤْمِ، فَلَيْسَ بِمَعْنى الجِهَةِ، بَلْ بِمَعْنى البَرَكَةِ وضِدِّها، (p-٥٦٤٧)لِما عادَ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وفي جُمْلَتَيِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى تَرَقِّي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ، تَعَجُّبًا مِنهُ. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أيِ: الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وأُوذُوا لِأجْلِهِ، وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهُمْ، وكانُوا الدُّعاةَ إلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ في السّابِقِينَ، وفي أصْحابِ اليَمِينِ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ لِحالِ المَذْكُورِينَ؟ فَنَقُولُ: التَّعْظِيمُ المُؤَدّى بِقَوْلِهِ: ﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] أبْلَغُ مِن قَرِينِهِ، وذَلِكَ أنَّ مُؤَدّى هَذا أنَّ أمْرَ السّابِقِينَ، وعَظْمَةَ شَأْنِهِ، مُسابَقٌ. كادَ يَخْفى. وإنَّما تَحَيُّرُ فَهْمِ السّامِعِ فِيهِ مَشْهُورٌ. وأمّا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] فَإنَّهُ تَعْظِيمٌ عَلى السّامِعِ بِما لَيْسَ عِنْدَهُ مِنهُ عِلْمٌ سابِقٌ، ألا تَرى كَيْفَ سَبَقَ بَسْطُ حالِ السّابِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] فَجَمَعَ بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ المُشارِ بِهِ إلى مَعْرُوفٍ، وبَيَّنَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " المُقَرَّبُونَ " مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ العَهْدِيَّةِ؟ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا مَذْكُورًا في بَسْطِ حالِ أصْحابِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُصَدَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أفادَهُ النّاصِرُ. و﴿السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الثّانِي إمّا خَبَرٌ، أيِ: الَّذِينَ عُرِفَتْ حالُهم واشْتُهِرَتْ أوْصافُهم عَلى حَدِّ: وشِعْرِي شِعْرِي، أوْ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أيِ: الَّذِينَ يُقَرِّبُهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِإعْلاءِ مَنازِلِهِمْ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]

الواقعة 56:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣ - ١٤] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هم جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الَّذِينَ سَبَقُوا، لِرُسُوخِ إيمانِهِمْ وظُهُورِ أثَرِهِ في أعْمالِهِمْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والصَّبْرِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِهِ، (p-٥٦٤٨)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَناقِبِ الَّتِي كانَتْ مَلَكاتٍ لَهم. ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] أيِ: الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ في الأزْمِنَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِيها الغِيَرُ، وتَبَرَّجَتِ الدُّنْيا لِخُطّابِها، ونُسِيَ مَعَها سِرُّ البِعْثَةِ، وحِكْمَةُ الدَّعْوَةِ؛ فَما أقَلَّ الماشِينَ عَلى قَدَمِ النَّبِيِّ ﷺ وصِحابِهِ! لا جَرَمَ أنَّهم وقْتَئِذٍ الغُرَباءُ، لِقِلَّتِهِمْ.

الواقعة 56:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣ - ١٤] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هم جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الَّذِينَ سَبَقُوا، لِرُسُوخِ إيمانِهِمْ وظُهُورِ أثَرِهِ في أعْمالِهِمْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والصَّبْرِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِهِ، (p-٥٦٤٨)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَناقِبِ الَّتِي كانَتْ مَلَكاتٍ لَهم. ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] أيِ: الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ في الأزْمِنَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِيها الغِيَرُ، وتَبَرَّجَتِ الدُّنْيا لِخُطّابِها، ونُسِيَ مَعَها سِرُّ البِعْثَةِ، وحِكْمَةُ الدَّعْوَةِ؛ فَما أقَلَّ الماشِينَ عَلى قَدَمِ النَّبِيِّ ﷺ وصِحابِهِ! لا جَرَمَ أنَّهم وقْتَئِذٍ الغُرَباءُ، لِقِلَّتِهِمْ.

الواقعة 56:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَصْفُوفَةٍ، أوْ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ الذَّهَبِ. و(الوَضْنُ): (p-٥٦٤٩)التَّشْبِيكُ والنَّسْجُ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] أيْ: بِوُجُوهِهِمْ، مُتَساوِينَ في الرُّتَبِ، لا حِجابَ بَيْنَهم أصْلًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ: مُبْقَوْنَ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لا يَمُوتُونَ. ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: حالَ الشُّرْبِ. والكُوبُ إناءٌ لا عُرْوَةَ ولا خُرْطُومَ لَهُ، والإبْرِيقُ: إناءٌ لَهُ ذَلِكَ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّها لَذَّةٌ كُلُّها، لا ألَمَ مَعَها ولا خِمارَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْها صُداعُهم لِأجْلِ الخِمارِ، كَخُمُورِ الدُّنْيا، والصُّداعُ: وجَعُ الرَّأْسِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: لا يَتَفَرَّقُونَ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بِكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِها؛ أيْ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِسُكْرِها. ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] أيْ: يَخْتارُونَ ويَرْتَضُونَ، وأصْلُهُ أخْذُ الخِيارِ والخَيْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الفاكِهَةِ عَلى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَها، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لَهُ «بِحَدِيثِ عِكْراشٍ لَمّا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَرِيدٍ، وأقْبَلَ عِكْراشٌ يَخْبِطُ بِيَدِهِ في جَوانِبِهِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ فَإنَّهُ طَعامٌ واحِدٌ» . ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أوْ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عِكْراشٌ يَأْكُلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، وجالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الطَّبَقِ فَقالَ: «يا عِكْراشُ! كُلْ مِن حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ واحِدٍ»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ. ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] أيْ: وأزْواجٌ بِيضٌ واسِعَةُ الأعْيُنِ. عَطْفٌ عَلى " وِلْدانٌ " أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. أيْ: وفِيها. أوْ ولَهم حُورٌ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عُطِفَ عَلى ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ الشِّهابُ: وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقالَ: " يَطُوفُ " بِمَعْنى يُنَعَّمُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (p-٥٦٥٠)أوْ يُبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ، وظاهِرُهُ: وأنَّ الوِلْدانَ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا، لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسَّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُونَهم عَلَيْهِمْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو وقُطْرُبٌ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ مِنَ الجَرِّ الجِوارِيِّ. قِيلَ: والفَصْلُ يَأْباهُ ويُضْعِفُهُ. وأمّا عَطْفُهُ عَلى: " جَنّاتِ " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هم في جَنّاتٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ. فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ، فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُرْتَبِطِ، وهو ظاهِرٌ. ومَن عَصَّبَهُ فَقَدْ تَعَصَّبَ. ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أيْ: صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، وأصْلُ ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي صِينَ في كِنٍّ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّالِحاتِ. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: هَذَيانًا وكَلامًا غَيْرَ مُفِيدٍ، باطِلًا مِنَ القَوْلِ. ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أيْ: ما يُؤَثِّمُ مِنَ الفُحْشِ والكَذِبِ والغِيبَةِ وأمْثالِها. ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قَوْلًا هو سَلامٌ في نَفْسِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ، مُبَرَّأٌ عَنِ الفُضُولِ والزَّوائِدِ، أوْ قَوْلًا يُفِيدُ سَلامَةَ السّامِعِ مِنَ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ويُوجِبُ سُرُورَهُ وكَرامَتَهُ، ويُبَيِّنُ كَمالَهُ وبَهْجَتَهُ، لِكَوْنِ كَلامِهِمْ كُلُّهُ مَعارِفُ وحَقائِقُ، وتَحايا ولِطائِفُ، عَلى اخْتِلافِ وجْهَيِ الإعْرابِ، أيْ: مِن كَوْنِ " سَلامًا " بَدَلًا مِن " قِيلًا " أوْ مَفْعُولِهِ. والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم وكَثْرَتِهِ، لِأنَّ المُرادَ: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، فَيَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِهِ وكَثْرَتِهِ.

الواقعة 56:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (p-٥٦٥١)﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ! أيْ: هم شُرَفاءُ، عُظَماءُ كُرَماءُ، يُتَعَجَّبُ مِن أوْصافِهِمْ في السَّعادَةِ. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] أيْ: لا شَوْكَ لَهُ، أوْ مُوقَرٌ بِالثِّمارِ. ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] يَعْنِي شَجَرَ المَوْزِ الَّذِي نُضِّدَ ثَمَرُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. وشَجَرَةُ المَوْزِ ثَمَرَتُها حُلْوَةٌ دَسِمَةٌ لَذِيذَةٌ لا نَوى لَها. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أيْ: مُمْتَدٌّ مُنْبَسِطٌ لا يَتَقَلَّصُ. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أيْ: مَصْبُوبٌ دائِمُ الجَرَيانِ. ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تَنْقَطِعُ عَنْهم مَتى أرادُوها، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ. ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أيْ: لا تُمْنَعُ عَنْ طالِبِها. والقَصْدُ مُبايَنَتُها لِفاكِهَةِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ أحْيانًا، كَفاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وتَمْتَنِعُ أحْيانًا لِعِزَّتِها أوْ جَدْبِها. ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أيْ: مُرْتَفِعَةٍ في مَنازِلِها، أوْ عَلى الأرائِكِ لِلرُّقُودِ والمُضاجَعَةِ. وقَدْ يُؤَيِّدُهُ تَأثُّرُهُ بِوَصْفِ مَن يُضاجِعُهُنَّ (p-٥٦٥٢)فِيها. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: بَدِيعًا فائِقَ الوَصْفِ. فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ. وقِيلَ: قَدْ يُكَنّى عَنِ الحُورِ بِالفُرُشِ، كَما يُكَنّى عَنْهُنَّ بِاللِّباسِ، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، إذْ عادَ إلى الفُرُشِ بِمَعْنى النِّساءِ، بَعْدَ إرادَةِ مَعْناها المَعْرُوفِ مِنها. وقِيلَ: عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، أيْ: مَرْفُوعَةٌ عَلى الأرائِكِ. كَآيَةِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أيْ: لَمْ يُطْمَثْنَ. ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، المَحْبُوبَةُ لِتَبَعُّلِها ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ. ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] مُتَعَلِّقٌ بِ "أنْشَأْنا"، أوْ جَعَلْنا، أوْ صِفَةٌ لِ: ﴿أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، مِثْلَ هُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] أيْ: جَماعَةٌ وأُمَّةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الإيمانِ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. والكَثْرَةُ ظاهِرَةٌ لِوَفْرَةِ أصْحابِ اليَمِينِ في أواخِرِهِمْ دُونَ السّابِقِينَ، كَما بَيَّنّا أوَّلًا.

الواقعة 56:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٨] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] (p-٥٦٥٣)﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ: حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ. ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] أيْ: ماءٌ مُتَناهِي الحَرارَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] أيْ: مِن دُخانٍ أسْوَدَ، طِبْقَ أهَوِيَتِهِمُ المُرْدِيَةِ، وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ المُسْوَدَّةِ، بِالصِّفاتِ المُظْلِمَةِ، والهَيْئاتِ السُّودِ الرَّدِيئَةِ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أيْ: لَيْسَ لَهُ صِفَتا الظِّلِّ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ النّاسُ مِنَ الرَّوْحِ، ونَفْعِ مَن يَأْوِي إلَيْهِ بِالرّاحَةِ، بَلْ لَهُ إيذاءٌ وإيلامٌ وضُرٌّ، بِإيصالِ التَّعَبِ واللَّهَبِ والكُرَبِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أيْ: مُنْهَمِكِينَ في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، مُنْغَمِسِينَ في الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، والغَواشِي البَدَنِيَّةِ، فَبِذَلِكَ اكْتَسَبُوا هَذِهِ الهَيْئاتِ المُوبِقَةَ، والتَّبِعاتِ المُهْلِكَةَ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] أيِ: الذَّنْبِ العَظِيمِ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها العَذابَ المُخَلَّدَ، والعِقابَ المُؤَبَّدَ. وفَسَّرَهُ السُّبْكِيُّ بِالقَسَمِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قالَ الشِّهابُ: وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الحِنْثَ -وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ الذَّنْبِ العَظِيمِ- فالمَعْرُوفُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ بِالقَسَمِ، ولِذا تَأثُّرُهُ بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]

الواقعة 56:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٨] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] (p-٥٦٥٣)﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ: حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ. ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] أيْ: ماءٌ مُتَناهِي الحَرارَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] أيْ: مِن دُخانٍ أسْوَدَ، طِبْقَ أهَوِيَتِهِمُ المُرْدِيَةِ، وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ المُسْوَدَّةِ، بِالصِّفاتِ المُظْلِمَةِ، والهَيْئاتِ السُّودِ الرَّدِيئَةِ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أيْ: لَيْسَ لَهُ صِفَتا الظِّلِّ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ النّاسُ مِنَ الرَّوْحِ، ونَفْعِ مَن يَأْوِي إلَيْهِ بِالرّاحَةِ، بَلْ لَهُ إيذاءٌ وإيلامٌ وضُرٌّ، بِإيصالِ التَّعَبِ واللَّهَبِ والكُرَبِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أيْ: مُنْهَمِكِينَ في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، مُنْغَمِسِينَ في الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، والغَواشِي البَدَنِيَّةِ، فَبِذَلِكَ اكْتَسَبُوا هَذِهِ الهَيْئاتِ المُوبِقَةَ، والتَّبِعاتِ المُهْلِكَةَ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] أيِ: الذَّنْبِ العَظِيمِ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها العَذابَ المُخَلَّدَ، والعِقابَ المُؤَبَّدَ. وفَسَّرَهُ السُّبْكِيُّ بِالقَسَمِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قالَ الشِّهابُ: وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الحِنْثَ -وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ الذَّنْبِ العَظِيمِ- فالمَعْرُوفُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ بِالقَسَمِ، ولِذا تَأثُّرُهُ بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]

الواقعة 56:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٨] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] (p-٥٦٥٣)﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ: حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ. ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] أيْ: ماءٌ مُتَناهِي الحَرارَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] أيْ: مِن دُخانٍ أسْوَدَ، طِبْقَ أهَوِيَتِهِمُ المُرْدِيَةِ، وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ المُسْوَدَّةِ، بِالصِّفاتِ المُظْلِمَةِ، والهَيْئاتِ السُّودِ الرَّدِيئَةِ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أيْ: لَيْسَ لَهُ صِفَتا الظِّلِّ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ النّاسُ مِنَ الرَّوْحِ، ونَفْعِ مَن يَأْوِي إلَيْهِ بِالرّاحَةِ، بَلْ لَهُ إيذاءٌ وإيلامٌ وضُرٌّ، بِإيصالِ التَّعَبِ واللَّهَبِ والكُرَبِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أيْ: مُنْهَمِكِينَ في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، مُنْغَمِسِينَ في الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، والغَواشِي البَدَنِيَّةِ، فَبِذَلِكَ اكْتَسَبُوا هَذِهِ الهَيْئاتِ المُوبِقَةَ، والتَّبِعاتِ المُهْلِكَةَ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] أيِ: الذَّنْبِ العَظِيمِ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها العَذابَ المُخَلَّدَ، والعِقابَ المُؤَبَّدَ. وفَسَّرَهُ السُّبْكِيُّ بِالقَسَمِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قالَ الشِّهابُ: وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الحِنْثَ -وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ الذَّنْبِ العَظِيمِ- فالمَعْرُوفُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ بِالقَسَمِ، ولِذا تَأثُّرُهُ بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]

الواقعة 56:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٨] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] (p-٥٦٥٣)﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ: حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ. ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] أيْ: ماءٌ مُتَناهِي الحَرارَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] أيْ: مِن دُخانٍ أسْوَدَ، طِبْقَ أهَوِيَتِهِمُ المُرْدِيَةِ، وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ المُسْوَدَّةِ، بِالصِّفاتِ المُظْلِمَةِ، والهَيْئاتِ السُّودِ الرَّدِيئَةِ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أيْ: لَيْسَ لَهُ صِفَتا الظِّلِّ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ النّاسُ مِنَ الرَّوْحِ، ونَفْعِ مَن يَأْوِي إلَيْهِ بِالرّاحَةِ، بَلْ لَهُ إيذاءٌ وإيلامٌ وضُرٌّ، بِإيصالِ التَّعَبِ واللَّهَبِ والكُرَبِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أيْ: مُنْهَمِكِينَ في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، مُنْغَمِسِينَ في الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، والغَواشِي البَدَنِيَّةِ، فَبِذَلِكَ اكْتَسَبُوا هَذِهِ الهَيْئاتِ المُوبِقَةَ، والتَّبِعاتِ المُهْلِكَةَ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] أيِ: الذَّنْبِ العَظِيمِ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها العَذابَ المُخَلَّدَ، والعِقابَ المُؤَبَّدَ. وفَسَّرَهُ السُّبْكِيُّ بِالقَسَمِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قالَ الشِّهابُ: وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الحِنْثَ -وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ الذَّنْبِ العَظِيمِ- فالمَعْرُوفُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ بِالقَسَمِ، ولِذا تَأثُّرُهُ بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]

الواقعة 56:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٨] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] (p-٥٦٥٣)﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ: حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ. ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] أيْ: ماءٌ مُتَناهِي الحَرارَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] أيْ: مِن دُخانٍ أسْوَدَ، طِبْقَ أهَوِيَتِهِمُ المُرْدِيَةِ، وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ المُسْوَدَّةِ، بِالصِّفاتِ المُظْلِمَةِ، والهَيْئاتِ السُّودِ الرَّدِيئَةِ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أيْ: لَيْسَ لَهُ صِفَتا الظِّلِّ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ النّاسُ مِنَ الرَّوْحِ، ونَفْعِ مَن يَأْوِي إلَيْهِ بِالرّاحَةِ، بَلْ لَهُ إيذاءٌ وإيلامٌ وضُرٌّ، بِإيصالِ التَّعَبِ واللَّهَبِ والكُرَبِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أيْ: مُنْهَمِكِينَ في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، مُنْغَمِسِينَ في الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، والغَواشِي البَدَنِيَّةِ، فَبِذَلِكَ اكْتَسَبُوا هَذِهِ الهَيْئاتِ المُوبِقَةَ، والتَّبِعاتِ المُهْلِكَةَ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] أيِ: الذَّنْبِ العَظِيمِ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها العَذابَ المُخَلَّدَ، والعِقابَ المُؤَبَّدَ. وفَسَّرَهُ السُّبْكِيُّ بِالقَسَمِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قالَ الشِّهابُ: وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الحِنْثَ -وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ الذَّنْبِ العَظِيمِ- فالمَعْرُوفُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ بِالقَسَمِ، ولِذا تَأثُّرُهُ بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]

الواقعة 56:46

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٨] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] (p-٥٦٥٣)﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ: حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ. ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] أيْ: ماءٌ مُتَناهِي الحَرارَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] أيْ: مِن دُخانٍ أسْوَدَ، طِبْقَ أهَوِيَتِهِمُ المُرْدِيَةِ، وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ المُسْوَدَّةِ، بِالصِّفاتِ المُظْلِمَةِ، والهَيْئاتِ السُّودِ الرَّدِيئَةِ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أيْ: لَيْسَ لَهُ صِفَتا الظِّلِّ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ النّاسُ مِنَ الرَّوْحِ، ونَفْعِ مَن يَأْوِي إلَيْهِ بِالرّاحَةِ، بَلْ لَهُ إيذاءٌ وإيلامٌ وضُرٌّ، بِإيصالِ التَّعَبِ واللَّهَبِ والكُرَبِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أيْ: مُنْهَمِكِينَ في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، مُنْغَمِسِينَ في الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، والغَواشِي البَدَنِيَّةِ، فَبِذَلِكَ اكْتَسَبُوا هَذِهِ الهَيْئاتِ المُوبِقَةَ، والتَّبِعاتِ المُهْلِكَةَ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] أيِ: الذَّنْبِ العَظِيمِ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها العَذابَ المُخَلَّدَ، والعِقابَ المُؤَبَّدَ. وفَسَّرَهُ السُّبْكِيُّ بِالقَسَمِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قالَ الشِّهابُ: وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الحِنْثَ -وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ الذَّنْبِ العَظِيمِ- فالمَعْرُوفُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ بِالقَسَمِ، ولِذا تَأثُّرُهُ بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]

الواقعة 56:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٨] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] (p-٥٦٥٣)﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ: حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ. ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] أيْ: ماءٌ مُتَناهِي الحَرارَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] أيْ: مِن دُخانٍ أسْوَدَ، طِبْقَ أهَوِيَتِهِمُ المُرْدِيَةِ، وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ المُسْوَدَّةِ، بِالصِّفاتِ المُظْلِمَةِ، والهَيْئاتِ السُّودِ الرَّدِيئَةِ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أيْ: لَيْسَ لَهُ صِفَتا الظِّلِّ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ النّاسُ مِنَ الرَّوْحِ، ونَفْعِ مَن يَأْوِي إلَيْهِ بِالرّاحَةِ، بَلْ لَهُ إيذاءٌ وإيلامٌ وضُرٌّ، بِإيصالِ التَّعَبِ واللَّهَبِ والكُرَبِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أيْ: مُنْهَمِكِينَ في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، مُنْغَمِسِينَ في الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، والغَواشِي البَدَنِيَّةِ، فَبِذَلِكَ اكْتَسَبُوا هَذِهِ الهَيْئاتِ المُوبِقَةَ، والتَّبِعاتِ المُهْلِكَةَ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] أيِ: الذَّنْبِ العَظِيمِ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها العَذابَ المُخَلَّدَ، والعِقابَ المُؤَبَّدَ. وفَسَّرَهُ السُّبْكِيُّ بِالقَسَمِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قالَ الشِّهابُ: وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الحِنْثَ -وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ الذَّنْبِ العَظِيمِ- فالمَعْرُوفُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ بِالقَسَمِ، ولِذا تَأثُّرُهُ بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]

الواقعة 56:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١ - ٤٨] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] (p-٥٦٥٣)﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ: حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ. ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] أيْ: ماءٌ مُتَناهِي الحَرارَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] أيْ: مِن دُخانٍ أسْوَدَ، طِبْقَ أهَوِيَتِهِمُ المُرْدِيَةِ، وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ المُسْوَدَّةِ، بِالصِّفاتِ المُظْلِمَةِ، والهَيْئاتِ السُّودِ الرَّدِيئَةِ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أيْ: لَيْسَ لَهُ صِفَتا الظِّلِّ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ النّاسُ مِنَ الرَّوْحِ، ونَفْعِ مَن يَأْوِي إلَيْهِ بِالرّاحَةِ، بَلْ لَهُ إيذاءٌ وإيلامٌ وضُرٌّ، بِإيصالِ التَّعَبِ واللَّهَبِ والكُرَبِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أيْ: مُنْهَمِكِينَ في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، مُنْغَمِسِينَ في الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، والغَواشِي البَدَنِيَّةِ، فَبِذَلِكَ اكْتَسَبُوا هَذِهِ الهَيْئاتِ المُوبِقَةَ، والتَّبِعاتِ المُهْلِكَةَ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] أيِ: الذَّنْبِ العَظِيمِ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها العَذابَ المُخَلَّدَ، والعِقابَ المُؤَبَّدَ. وفَسَّرَهُ السُّبْكِيُّ بِالقَسَمِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قالَ الشِّهابُ: وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الحِنْثَ -وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ الذَّنْبِ العَظِيمِ- فالمَعْرُوفُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ بِالقَسَمِ، ولِذا تَأثُّرُهُ بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]

الواقعة 56:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ. ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " . ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها. ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

الواقعة 56:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ. ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " . ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها. ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

الواقعة 56:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ. ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " . ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها. ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

الواقعة 56:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ. ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " . ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها. ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

الواقعة 56:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ. ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " . ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها. ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

الواقعة 56:54

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ. ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " . ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها. ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

الواقعة 56:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ. ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " . ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها. ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

الواقعة 56:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ. ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " . ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها. ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

الواقعة 56:57

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] (p-٥٦٥٥)﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والمُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، فَأوْجَدْناكم بَشَرًا، ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا. ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ: بِالخَلْقِ، وهم وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إلّا أنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا يُعَدُّ تَصْدِيقًا، أوِ المَعْنى: فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ البَعْثَ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإبْداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ. ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] أيْ: ما تَقْذِفُونَهُ في الرَّحِمِ مِنَ النُّطَفِ. ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِجَعْلِهِ بَشَرًا سَوِيًّا. ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِإفاضَةِ الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ عَلَيْهِ. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: كَتَبْنا عَلى كُلِّ نَفْسٍ ذَوْقَهُ، أيْ: ومَن سَبِيلُهُ ذَلِكَ فَشَأْنُهُ أنْ يَرْهَبَ مِن نُزُولِهِ، ويَتَأهَّبَ لِما يُخَوَّفُ بِهِ مِن بَعْدِهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِإيذانِ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، فَلا يَغْتَرُّونَ بِالإمْهالِ، بِدَلِيلِ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: " بَيْنَكم " زِيادَةُ تَنْبِيهٍ، كَأنَّهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ ما قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: بِمَغْلُوبِينَ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أيْ: بَعْدَ مَهْلَكِكُمْ، فَنَجِيءُ بِآخَرِينَ مِن جِنْسِكم ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] مِن صُوَرٍ وأشْكالٍ أُخْرى، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكُمْ؟ قالَ الشِّهابُ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] المُرادُ بِهِ إذا بَدَّلْناكم بِغَيْرِكُمْ، لا في الدّارِ الآخِرَةِ، كَما تُوُهِّمَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: أنَّهُ أنْشَأكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: فَتَعْرِفُونَ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهي البُداءَةُ قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى، وهي الإعادَةُ، وأنَّها أهْوَنُ عَلَيْهِ. (p-٥٦٥٦)

الواقعة 56:58

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] (p-٥٦٥٥)﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والمُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، فَأوْجَدْناكم بَشَرًا، ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا. ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ: بِالخَلْقِ، وهم وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إلّا أنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا يُعَدُّ تَصْدِيقًا، أوِ المَعْنى: فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ البَعْثَ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإبْداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ. ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] أيْ: ما تَقْذِفُونَهُ في الرَّحِمِ مِنَ النُّطَفِ. ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِجَعْلِهِ بَشَرًا سَوِيًّا. ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِإفاضَةِ الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ عَلَيْهِ. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: كَتَبْنا عَلى كُلِّ نَفْسٍ ذَوْقَهُ، أيْ: ومَن سَبِيلُهُ ذَلِكَ فَشَأْنُهُ أنْ يَرْهَبَ مِن نُزُولِهِ، ويَتَأهَّبَ لِما يُخَوَّفُ بِهِ مِن بَعْدِهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِإيذانِ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، فَلا يَغْتَرُّونَ بِالإمْهالِ، بِدَلِيلِ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: " بَيْنَكم " زِيادَةُ تَنْبِيهٍ، كَأنَّهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ ما قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: بِمَغْلُوبِينَ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أيْ: بَعْدَ مَهْلَكِكُمْ، فَنَجِيءُ بِآخَرِينَ مِن جِنْسِكم ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] مِن صُوَرٍ وأشْكالٍ أُخْرى، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكُمْ؟ قالَ الشِّهابُ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] المُرادُ بِهِ إذا بَدَّلْناكم بِغَيْرِكُمْ، لا في الدّارِ الآخِرَةِ، كَما تُوُهِّمَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: أنَّهُ أنْشَأكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: فَتَعْرِفُونَ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهي البُداءَةُ قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى، وهي الإعادَةُ، وأنَّها أهْوَنُ عَلَيْهِ. (p-٥٦٥٦)

الواقعة 56:59

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] (p-٥٦٥٥)﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والمُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، فَأوْجَدْناكم بَشَرًا، ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا. ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ: بِالخَلْقِ، وهم وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إلّا أنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا يُعَدُّ تَصْدِيقًا، أوِ المَعْنى: فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ البَعْثَ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإبْداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ. ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] أيْ: ما تَقْذِفُونَهُ في الرَّحِمِ مِنَ النُّطَفِ. ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِجَعْلِهِ بَشَرًا سَوِيًّا. ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِإفاضَةِ الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ عَلَيْهِ. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: كَتَبْنا عَلى كُلِّ نَفْسٍ ذَوْقَهُ، أيْ: ومَن سَبِيلُهُ ذَلِكَ فَشَأْنُهُ أنْ يَرْهَبَ مِن نُزُولِهِ، ويَتَأهَّبَ لِما يُخَوَّفُ بِهِ مِن بَعْدِهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِإيذانِ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، فَلا يَغْتَرُّونَ بِالإمْهالِ، بِدَلِيلِ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: " بَيْنَكم " زِيادَةُ تَنْبِيهٍ، كَأنَّهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ ما قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: بِمَغْلُوبِينَ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أيْ: بَعْدَ مَهْلَكِكُمْ، فَنَجِيءُ بِآخَرِينَ مِن جِنْسِكم ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] مِن صُوَرٍ وأشْكالٍ أُخْرى، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكُمْ؟ قالَ الشِّهابُ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] المُرادُ بِهِ إذا بَدَّلْناكم بِغَيْرِكُمْ، لا في الدّارِ الآخِرَةِ، كَما تُوُهِّمَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: أنَّهُ أنْشَأكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: فَتَعْرِفُونَ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهي البُداءَةُ قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى، وهي الإعادَةُ، وأنَّها أهْوَنُ عَلَيْهِ. (p-٥٦٥٦)

الواقعة 56:60

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] (p-٥٦٥٥)﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والمُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، فَأوْجَدْناكم بَشَرًا، ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا. ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ: بِالخَلْقِ، وهم وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إلّا أنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا يُعَدُّ تَصْدِيقًا، أوِ المَعْنى: فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ البَعْثَ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإبْداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ. ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] أيْ: ما تَقْذِفُونَهُ في الرَّحِمِ مِنَ النُّطَفِ. ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِجَعْلِهِ بَشَرًا سَوِيًّا. ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِإفاضَةِ الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ عَلَيْهِ. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: كَتَبْنا عَلى كُلِّ نَفْسٍ ذَوْقَهُ، أيْ: ومَن سَبِيلُهُ ذَلِكَ فَشَأْنُهُ أنْ يَرْهَبَ مِن نُزُولِهِ، ويَتَأهَّبَ لِما يُخَوَّفُ بِهِ مِن بَعْدِهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِإيذانِ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، فَلا يَغْتَرُّونَ بِالإمْهالِ، بِدَلِيلِ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: " بَيْنَكم " زِيادَةُ تَنْبِيهٍ، كَأنَّهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ ما قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: بِمَغْلُوبِينَ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أيْ: بَعْدَ مَهْلَكِكُمْ، فَنَجِيءُ بِآخَرِينَ مِن جِنْسِكم ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] مِن صُوَرٍ وأشْكالٍ أُخْرى، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكُمْ؟ قالَ الشِّهابُ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] المُرادُ بِهِ إذا بَدَّلْناكم بِغَيْرِكُمْ، لا في الدّارِ الآخِرَةِ، كَما تُوُهِّمَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: أنَّهُ أنْشَأكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: فَتَعْرِفُونَ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهي البُداءَةُ قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى، وهي الإعادَةُ، وأنَّها أهْوَنُ عَلَيْهِ. (p-٥٦٥٦)

الواقعة 56:61

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] (p-٥٦٥٥)﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والمُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، فَأوْجَدْناكم بَشَرًا، ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا. ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ: بِالخَلْقِ، وهم وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إلّا أنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا يُعَدُّ تَصْدِيقًا، أوِ المَعْنى: فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ البَعْثَ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإبْداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ. ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] أيْ: ما تَقْذِفُونَهُ في الرَّحِمِ مِنَ النُّطَفِ. ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِجَعْلِهِ بَشَرًا سَوِيًّا. ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِإفاضَةِ الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ عَلَيْهِ. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: كَتَبْنا عَلى كُلِّ نَفْسٍ ذَوْقَهُ، أيْ: ومَن سَبِيلُهُ ذَلِكَ فَشَأْنُهُ أنْ يَرْهَبَ مِن نُزُولِهِ، ويَتَأهَّبَ لِما يُخَوَّفُ بِهِ مِن بَعْدِهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِإيذانِ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، فَلا يَغْتَرُّونَ بِالإمْهالِ، بِدَلِيلِ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: " بَيْنَكم " زِيادَةُ تَنْبِيهٍ، كَأنَّهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ ما قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: بِمَغْلُوبِينَ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أيْ: بَعْدَ مَهْلَكِكُمْ، فَنَجِيءُ بِآخَرِينَ مِن جِنْسِكم ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] مِن صُوَرٍ وأشْكالٍ أُخْرى، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكُمْ؟ قالَ الشِّهابُ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] المُرادُ بِهِ إذا بَدَّلْناكم بِغَيْرِكُمْ، لا في الدّارِ الآخِرَةِ، كَما تُوُهِّمَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: أنَّهُ أنْشَأكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: فَتَعْرِفُونَ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهي البُداءَةُ قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى، وهي الإعادَةُ، وأنَّها أهْوَنُ عَلَيْهِ. (p-٥٦٥٦)

الواقعة 56:62

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] (p-٥٦٥٥)﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والمُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، فَأوْجَدْناكم بَشَرًا، ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا. ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ: بِالخَلْقِ، وهم وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إلّا أنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا يُعَدُّ تَصْدِيقًا، أوِ المَعْنى: فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ البَعْثَ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإبْداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ. ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] أيْ: ما تَقْذِفُونَهُ في الرَّحِمِ مِنَ النُّطَفِ. ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِجَعْلِهِ بَشَرًا سَوِيًّا. ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِإفاضَةِ الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ عَلَيْهِ. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: كَتَبْنا عَلى كُلِّ نَفْسٍ ذَوْقَهُ، أيْ: ومَن سَبِيلُهُ ذَلِكَ فَشَأْنُهُ أنْ يَرْهَبَ مِن نُزُولِهِ، ويَتَأهَّبَ لِما يُخَوَّفُ بِهِ مِن بَعْدِهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِإيذانِ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، فَلا يَغْتَرُّونَ بِالإمْهالِ، بِدَلِيلِ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: " بَيْنَكم " زِيادَةُ تَنْبِيهٍ، كَأنَّهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ ما قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: بِمَغْلُوبِينَ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أيْ: بَعْدَ مَهْلَكِكُمْ، فَنَجِيءُ بِآخَرِينَ مِن جِنْسِكم ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] مِن صُوَرٍ وأشْكالٍ أُخْرى، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكُمْ؟ قالَ الشِّهابُ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] المُرادُ بِهِ إذا بَدَّلْناكم بِغَيْرِكُمْ، لا في الدّارِ الآخِرَةِ، كَما تُوُهِّمَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: أنَّهُ أنْشَأكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: فَتَعْرِفُونَ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهي البُداءَةُ قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى، وهي الإعادَةُ، وأنَّها أهْوَنُ عَلَيْهِ. (p-٥٦٥٦)

الواقعة 56:63

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣ - ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: ما تَحْرُثُونَ الأرْضَ لِأجْلِهِ، وهو الحَبُّ. و(الحَرْثُ): شَقُّ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، وإثارَتُها، وإلْقاءُ البَذْرِ فِيها. ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيْ: تُنْبِتُونَهُ ﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيِ: المُنْبِتُونَ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها يَقُولُ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ! ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: أيْبَسْناهُ قَبْلَ اسْتِوائِهِ واسْتِحْصادِهِ. وأصْلُ (الحُطامِ) ما تَحَطَّمَ وتَفَتَّتَ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: تَعْجَبُونَ مِن هَلاكِهِ ويُبْسِهِ بَعْدَ خُضْرَتِهِ. أوْ تَنْدَمُونَ عَلى اجْتِهادِكم فِيهِ الَّذِي ضاعَ وخُسِرَ. أوْ (تَفَكَّهُونَ) عَلى ما أصَبْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي، فَتَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. و(التَّفَكُّهُ): التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ؛ لِأنَّهُ ذُو شُجُونٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو حالٌ، أيْ: قائِلِينَ، أوْ يَقُولُونَ: إنّا لَمُغْرَمُونَ، أيْ: مُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا، أوْ مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا. مِنَ الغَرامِ بِمَعْنى الهَلاكِ قالَ: ؎إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] أيْ: حُرِمْنا رِزْقَنا. (p-٥٦٥٧)

الواقعة 56:64

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣ - ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: ما تَحْرُثُونَ الأرْضَ لِأجْلِهِ، وهو الحَبُّ. و(الحَرْثُ): شَقُّ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، وإثارَتُها، وإلْقاءُ البَذْرِ فِيها. ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيْ: تُنْبِتُونَهُ ﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيِ: المُنْبِتُونَ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها يَقُولُ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ! ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: أيْبَسْناهُ قَبْلَ اسْتِوائِهِ واسْتِحْصادِهِ. وأصْلُ (الحُطامِ) ما تَحَطَّمَ وتَفَتَّتَ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: تَعْجَبُونَ مِن هَلاكِهِ ويُبْسِهِ بَعْدَ خُضْرَتِهِ. أوْ تَنْدَمُونَ عَلى اجْتِهادِكم فِيهِ الَّذِي ضاعَ وخُسِرَ. أوْ (تَفَكَّهُونَ) عَلى ما أصَبْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي، فَتَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. و(التَّفَكُّهُ): التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ؛ لِأنَّهُ ذُو شُجُونٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو حالٌ، أيْ: قائِلِينَ، أوْ يَقُولُونَ: إنّا لَمُغْرَمُونَ، أيْ: مُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا، أوْ مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا. مِنَ الغَرامِ بِمَعْنى الهَلاكِ قالَ: ؎إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] أيْ: حُرِمْنا رِزْقَنا. (p-٥٦٥٧)

الواقعة 56:65

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣ - ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: ما تَحْرُثُونَ الأرْضَ لِأجْلِهِ، وهو الحَبُّ. و(الحَرْثُ): شَقُّ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، وإثارَتُها، وإلْقاءُ البَذْرِ فِيها. ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيْ: تُنْبِتُونَهُ ﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيِ: المُنْبِتُونَ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها يَقُولُ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ! ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: أيْبَسْناهُ قَبْلَ اسْتِوائِهِ واسْتِحْصادِهِ. وأصْلُ (الحُطامِ) ما تَحَطَّمَ وتَفَتَّتَ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: تَعْجَبُونَ مِن هَلاكِهِ ويُبْسِهِ بَعْدَ خُضْرَتِهِ. أوْ تَنْدَمُونَ عَلى اجْتِهادِكم فِيهِ الَّذِي ضاعَ وخُسِرَ. أوْ (تَفَكَّهُونَ) عَلى ما أصَبْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي، فَتَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. و(التَّفَكُّهُ): التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ؛ لِأنَّهُ ذُو شُجُونٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو حالٌ، أيْ: قائِلِينَ، أوْ يَقُولُونَ: إنّا لَمُغْرَمُونَ، أيْ: مُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا، أوْ مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا. مِنَ الغَرامِ بِمَعْنى الهَلاكِ قالَ: ؎إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] أيْ: حُرِمْنا رِزْقَنا. (p-٥٦٥٧)

الواقعة 56:66

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣ - ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: ما تَحْرُثُونَ الأرْضَ لِأجْلِهِ، وهو الحَبُّ. و(الحَرْثُ): شَقُّ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، وإثارَتُها، وإلْقاءُ البَذْرِ فِيها. ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيْ: تُنْبِتُونَهُ ﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيِ: المُنْبِتُونَ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها يَقُولُ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ! ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: أيْبَسْناهُ قَبْلَ اسْتِوائِهِ واسْتِحْصادِهِ. وأصْلُ (الحُطامِ) ما تَحَطَّمَ وتَفَتَّتَ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: تَعْجَبُونَ مِن هَلاكِهِ ويُبْسِهِ بَعْدَ خُضْرَتِهِ. أوْ تَنْدَمُونَ عَلى اجْتِهادِكم فِيهِ الَّذِي ضاعَ وخُسِرَ. أوْ (تَفَكَّهُونَ) عَلى ما أصَبْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي، فَتَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. و(التَّفَكُّهُ): التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ؛ لِأنَّهُ ذُو شُجُونٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو حالٌ، أيْ: قائِلِينَ، أوْ يَقُولُونَ: إنّا لَمُغْرَمُونَ، أيْ: مُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا، أوْ مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا. مِنَ الغَرامِ بِمَعْنى الهَلاكِ قالَ: ؎إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] أيْ: حُرِمْنا رِزْقَنا. (p-٥٦٥٧)

الواقعة 56:67

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣ - ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: ما تَحْرُثُونَ الأرْضَ لِأجْلِهِ، وهو الحَبُّ. و(الحَرْثُ): شَقُّ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، وإثارَتُها، وإلْقاءُ البَذْرِ فِيها. ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيْ: تُنْبِتُونَهُ ﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيِ: المُنْبِتُونَ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها يَقُولُ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ! ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: أيْبَسْناهُ قَبْلَ اسْتِوائِهِ واسْتِحْصادِهِ. وأصْلُ (الحُطامِ) ما تَحَطَّمَ وتَفَتَّتَ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: تَعْجَبُونَ مِن هَلاكِهِ ويُبْسِهِ بَعْدَ خُضْرَتِهِ. أوْ تَنْدَمُونَ عَلى اجْتِهادِكم فِيهِ الَّذِي ضاعَ وخُسِرَ. أوْ (تَفَكَّهُونَ) عَلى ما أصَبْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي، فَتَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. و(التَّفَكُّهُ): التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ؛ لِأنَّهُ ذُو شُجُونٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو حالٌ، أيْ: قائِلِينَ، أوْ يَقُولُونَ: إنّا لَمُغْرَمُونَ، أيْ: مُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا، أوْ مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا. مِنَ الغَرامِ بِمَعْنى الهَلاكِ قالَ: ؎إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] أيْ: حُرِمْنا رِزْقَنا. (p-٥٦٥٧)

الواقعة 56:68

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨ - ٧٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ يَعْنِي العَذْبَ الصّالِحَ لِلشُّرْبِ. ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيِ: السَّحابِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالسَّماءِ في غَيْرِ ما آيَةٍ ﴿أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيْ: لَكم إلى قَرارِ الأرْضِ، ومُسْلِكُوهُ يَنابِيعَ فِيها. ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] أيْ: مِلْحًا لا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ ولا زَرْعٍ ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] أيْ: نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في جَعْلِهِ عَذْبًا فُراتًا، لِشُرْبِكم وزَرْعِكُمْ، وصَلاحِ مَعايِشِكم ومَنافِعِكم. لَطِيفَةٌ: قالَ الإمامُ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّائِرِ" في النَّوْعِ الحادِي عَشَرَ مِنَ المَقالَةِ الثّانِيَةِ، في بَحْثِ وُرُودِ لامِ التَّوْكِيدِ في الكَلامِ، وأنَّها لا تَجِيءُ إلّا لِضَرْبٍ مِنَ المُبالَغَةِ، في سِرِّ مَجِيءِ اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] دُونَ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] ما مِثالُهُ: أُدْخِلَتِ اللّامُ في آيَةِ المَطْعُومِ، دُونَ آيَةِ المَشْرُوبِ، وإنَّما جاءَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَعْلَ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا أسْهَلُ إمْكانًا في العُرْفِ والعادَةِ، والمَوْجُودُ مِنَ الماءِ المِلْحِ، أكْثَرُ مِنَ الماءِ العَذْبِ، وكَثِيرًا ما إذا جَرَتِ المِياهُ العَذْبَةُ عَلى الأراضِي المُتَغَيِّرَةِ التُّرْبَةِ، أحالَتْها إلى المُلُوحَةِ؛ فَلَمْ يَحْتَجْ في جَعْلِ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا إلى زِيادَةِ تَأْكِيدٍ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ لامُ التَّأْكِيدِ المُفِيدَةُ زِيادَةَ التَّحْقِيقِ. وأمّا المَطْعُومُ فَإنَّهُ جَعَلَهُ حُطامًا مِنَ الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المُعْتادِ، وإذا وقَعَ فَلا يَكُونُ إلّا عَنْ سُخْطٍ مِنَ اللَّهِ شَدِيدٍ؛ فَلِذَلِكَ قُرِنَ بِلامِ التَّأْكِيدِ، زِيادَةً في تَحْقِيقِ أمْرِهِ، وتَقْرِيرِ إيجادِهِ. انْتَهى. (p-٥٦٥٨)

الواقعة 56:69

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨ - ٧٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ يَعْنِي العَذْبَ الصّالِحَ لِلشُّرْبِ. ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيِ: السَّحابِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالسَّماءِ في غَيْرِ ما آيَةٍ ﴿أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيْ: لَكم إلى قَرارِ الأرْضِ، ومُسْلِكُوهُ يَنابِيعَ فِيها. ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] أيْ: مِلْحًا لا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ ولا زَرْعٍ ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] أيْ: نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في جَعْلِهِ عَذْبًا فُراتًا، لِشُرْبِكم وزَرْعِكُمْ، وصَلاحِ مَعايِشِكم ومَنافِعِكم. لَطِيفَةٌ: قالَ الإمامُ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّائِرِ" في النَّوْعِ الحادِي عَشَرَ مِنَ المَقالَةِ الثّانِيَةِ، في بَحْثِ وُرُودِ لامِ التَّوْكِيدِ في الكَلامِ، وأنَّها لا تَجِيءُ إلّا لِضَرْبٍ مِنَ المُبالَغَةِ، في سِرِّ مَجِيءِ اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] دُونَ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] ما مِثالُهُ: أُدْخِلَتِ اللّامُ في آيَةِ المَطْعُومِ، دُونَ آيَةِ المَشْرُوبِ، وإنَّما جاءَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَعْلَ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا أسْهَلُ إمْكانًا في العُرْفِ والعادَةِ، والمَوْجُودُ مِنَ الماءِ المِلْحِ، أكْثَرُ مِنَ الماءِ العَذْبِ، وكَثِيرًا ما إذا جَرَتِ المِياهُ العَذْبَةُ عَلى الأراضِي المُتَغَيِّرَةِ التُّرْبَةِ، أحالَتْها إلى المُلُوحَةِ؛ فَلَمْ يَحْتَجْ في جَعْلِ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا إلى زِيادَةِ تَأْكِيدٍ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ لامُ التَّأْكِيدِ المُفِيدَةُ زِيادَةَ التَّحْقِيقِ. وأمّا المَطْعُومُ فَإنَّهُ جَعَلَهُ حُطامًا مِنَ الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المُعْتادِ، وإذا وقَعَ فَلا يَكُونُ إلّا عَنْ سُخْطٍ مِنَ اللَّهِ شَدِيدٍ؛ فَلِذَلِكَ قُرِنَ بِلامِ التَّأْكِيدِ، زِيادَةً في تَحْقِيقِ أمْرِهِ، وتَقْرِيرِ إيجادِهِ. انْتَهى. (p-٥٦٥٨)

الواقعة 56:70

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨ - ٧٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ يَعْنِي العَذْبَ الصّالِحَ لِلشُّرْبِ. ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيِ: السَّحابِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالسَّماءِ في غَيْرِ ما آيَةٍ ﴿أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيْ: لَكم إلى قَرارِ الأرْضِ، ومُسْلِكُوهُ يَنابِيعَ فِيها. ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] أيْ: مِلْحًا لا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ ولا زَرْعٍ ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] أيْ: نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في جَعْلِهِ عَذْبًا فُراتًا، لِشُرْبِكم وزَرْعِكُمْ، وصَلاحِ مَعايِشِكم ومَنافِعِكم. لَطِيفَةٌ: قالَ الإمامُ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّائِرِ" في النَّوْعِ الحادِي عَشَرَ مِنَ المَقالَةِ الثّانِيَةِ، في بَحْثِ وُرُودِ لامِ التَّوْكِيدِ في الكَلامِ، وأنَّها لا تَجِيءُ إلّا لِضَرْبٍ مِنَ المُبالَغَةِ، في سِرِّ مَجِيءِ اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] دُونَ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] ما مِثالُهُ: أُدْخِلَتِ اللّامُ في آيَةِ المَطْعُومِ، دُونَ آيَةِ المَشْرُوبِ، وإنَّما جاءَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَعْلَ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا أسْهَلُ إمْكانًا في العُرْفِ والعادَةِ، والمَوْجُودُ مِنَ الماءِ المِلْحِ، أكْثَرُ مِنَ الماءِ العَذْبِ، وكَثِيرًا ما إذا جَرَتِ المِياهُ العَذْبَةُ عَلى الأراضِي المُتَغَيِّرَةِ التُّرْبَةِ، أحالَتْها إلى المُلُوحَةِ؛ فَلَمْ يَحْتَجْ في جَعْلِ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا إلى زِيادَةِ تَأْكِيدٍ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ لامُ التَّأْكِيدِ المُفِيدَةُ زِيادَةَ التَّحْقِيقِ. وأمّا المَطْعُومُ فَإنَّهُ جَعَلَهُ حُطامًا مِنَ الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المُعْتادِ، وإذا وقَعَ فَلا يَكُونُ إلّا عَنْ سُخْطٍ مِنَ اللَّهِ شَدِيدٍ؛ فَلِذَلِكَ قُرِنَ بِلامِ التَّأْكِيدِ، زِيادَةً في تَحْقِيقِ أمْرِهِ، وتَقْرِيرِ إيجادِهِ. انْتَهى. (p-٥٦٥٨)

الواقعة 56:71

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١ - ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَقْدَحُونَ، أيْ: تَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزَّنْدِ، وهو العُودُ الَّذِي تُقْدَحُ مِنهُ. ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] أيْ: بَلْ نَحْنُ جَعَلْناها مُودَعَةً في مَوْضِعٍ. ولِلْعَرَبِ شَجَرَتانِ: إحْداهُما المَرْخُ، والأُخْرى العِفارُ، إذا أُخِذَ مِنهُما غُصْنانِ أخْضَرانِ فَحُكَّ أحَدُهُما بِالآخَرِ، تَبايَنَ مِن بَيْنِهِما شَرَرُ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آخِرِ سُورَةِ يس. ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: جَعَلْنا نارَ الزِّنادِ تَبْصِرَةً في أمْرِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن أخْرَجَ النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ المُضادِّ لَها، قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما تَفَرَّقَتْ مَوادُّهُ، أوْ تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ومَتاعًا﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: مَنفَعَةً ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] أيِ: المُسافِرِينَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ القِواءَ، وهي القَفْرُ. يُقالُ: أقْوى إذا نَزَلَ القِواءَ، كَأصْحَرَ إذا دَخَلَ الصَّحْراءَ، فَإنَّ الإفْعالَ يَكُونُ لِلدُّخُولِ في مَعْنى مَصْدَرِ مُجَرَّدِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: المُقْوِينَ: المُسْتَمْتِعِينَ؛ المُسافِرِ والحاضِرِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: هُمُ الجائِعُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: أقْوَيْتُ مِنهُ كَذا وكَذا، أيْ: ما أكَلْتُ مِنهُ. وأقْوَتِ الدّارُ: خَلَتْ مِن ساكِنِيها وانْتِفاعِهِمْ بِها؛ لِأنَّهم يَطْبُخُونَ بِها. ولِشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ لَهُ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ مَعَ انْتِفاعِ غَيْرِهِمْ بِها. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أيْ: سَبِّحِ اسْمَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ تَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ، إمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ وحْدانِيَّتَهُ، ويَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، (p-٥٦٥٩)وإمّا تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِمْ في غَمْطِ آلائِهِ وأيادِيهِ الظّاهِرَةِ، وإمّا شُكْرًا لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الَّتِي عَدَّها ونَبَّهَ عَلَيْها.

الواقعة 56:72

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١ - ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَقْدَحُونَ، أيْ: تَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزَّنْدِ، وهو العُودُ الَّذِي تُقْدَحُ مِنهُ. ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] أيْ: بَلْ نَحْنُ جَعَلْناها مُودَعَةً في مَوْضِعٍ. ولِلْعَرَبِ شَجَرَتانِ: إحْداهُما المَرْخُ، والأُخْرى العِفارُ، إذا أُخِذَ مِنهُما غُصْنانِ أخْضَرانِ فَحُكَّ أحَدُهُما بِالآخَرِ، تَبايَنَ مِن بَيْنِهِما شَرَرُ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آخِرِ سُورَةِ يس. ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: جَعَلْنا نارَ الزِّنادِ تَبْصِرَةً في أمْرِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن أخْرَجَ النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ المُضادِّ لَها، قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما تَفَرَّقَتْ مَوادُّهُ، أوْ تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ومَتاعًا﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: مَنفَعَةً ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] أيِ: المُسافِرِينَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ القِواءَ، وهي القَفْرُ. يُقالُ: أقْوى إذا نَزَلَ القِواءَ، كَأصْحَرَ إذا دَخَلَ الصَّحْراءَ، فَإنَّ الإفْعالَ يَكُونُ لِلدُّخُولِ في مَعْنى مَصْدَرِ مُجَرَّدِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: المُقْوِينَ: المُسْتَمْتِعِينَ؛ المُسافِرِ والحاضِرِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: هُمُ الجائِعُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: أقْوَيْتُ مِنهُ كَذا وكَذا، أيْ: ما أكَلْتُ مِنهُ. وأقْوَتِ الدّارُ: خَلَتْ مِن ساكِنِيها وانْتِفاعِهِمْ بِها؛ لِأنَّهم يَطْبُخُونَ بِها. ولِشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ لَهُ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ مَعَ انْتِفاعِ غَيْرِهِمْ بِها. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أيْ: سَبِّحِ اسْمَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ تَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ، إمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ وحْدانِيَّتَهُ، ويَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، (p-٥٦٥٩)وإمّا تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِمْ في غَمْطِ آلائِهِ وأيادِيهِ الظّاهِرَةِ، وإمّا شُكْرًا لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الَّتِي عَدَّها ونَبَّهَ عَلَيْها.

الواقعة 56:73

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١ - ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَقْدَحُونَ، أيْ: تَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزَّنْدِ، وهو العُودُ الَّذِي تُقْدَحُ مِنهُ. ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] أيْ: بَلْ نَحْنُ جَعَلْناها مُودَعَةً في مَوْضِعٍ. ولِلْعَرَبِ شَجَرَتانِ: إحْداهُما المَرْخُ، والأُخْرى العِفارُ، إذا أُخِذَ مِنهُما غُصْنانِ أخْضَرانِ فَحُكَّ أحَدُهُما بِالآخَرِ، تَبايَنَ مِن بَيْنِهِما شَرَرُ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آخِرِ سُورَةِ يس. ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: جَعَلْنا نارَ الزِّنادِ تَبْصِرَةً في أمْرِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن أخْرَجَ النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ المُضادِّ لَها، قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما تَفَرَّقَتْ مَوادُّهُ، أوْ تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ومَتاعًا﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: مَنفَعَةً ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] أيِ: المُسافِرِينَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ القِواءَ، وهي القَفْرُ. يُقالُ: أقْوى إذا نَزَلَ القِواءَ، كَأصْحَرَ إذا دَخَلَ الصَّحْراءَ، فَإنَّ الإفْعالَ يَكُونُ لِلدُّخُولِ في مَعْنى مَصْدَرِ مُجَرَّدِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: المُقْوِينَ: المُسْتَمْتِعِينَ؛ المُسافِرِ والحاضِرِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: هُمُ الجائِعُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: أقْوَيْتُ مِنهُ كَذا وكَذا، أيْ: ما أكَلْتُ مِنهُ. وأقْوَتِ الدّارُ: خَلَتْ مِن ساكِنِيها وانْتِفاعِهِمْ بِها؛ لِأنَّهم يَطْبُخُونَ بِها. ولِشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ لَهُ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ مَعَ انْتِفاعِ غَيْرِهِمْ بِها. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أيْ: سَبِّحِ اسْمَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ تَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ، إمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ وحْدانِيَّتَهُ، ويَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، (p-٥٦٥٩)وإمّا تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِمْ في غَمْطِ آلائِهِ وأيادِيهِ الظّاهِرَةِ، وإمّا شُكْرًا لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الَّتِي عَدَّها ونَبَّهَ عَلَيْها.

الواقعة 56:74

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١ - ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَقْدَحُونَ، أيْ: تَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزَّنْدِ، وهو العُودُ الَّذِي تُقْدَحُ مِنهُ. ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] أيْ: بَلْ نَحْنُ جَعَلْناها مُودَعَةً في مَوْضِعٍ. ولِلْعَرَبِ شَجَرَتانِ: إحْداهُما المَرْخُ، والأُخْرى العِفارُ، إذا أُخِذَ مِنهُما غُصْنانِ أخْضَرانِ فَحُكَّ أحَدُهُما بِالآخَرِ، تَبايَنَ مِن بَيْنِهِما شَرَرُ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آخِرِ سُورَةِ يس. ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: جَعَلْنا نارَ الزِّنادِ تَبْصِرَةً في أمْرِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن أخْرَجَ النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ المُضادِّ لَها، قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما تَفَرَّقَتْ مَوادُّهُ، أوْ تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ومَتاعًا﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: مَنفَعَةً ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] أيِ: المُسافِرِينَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ القِواءَ، وهي القَفْرُ. يُقالُ: أقْوى إذا نَزَلَ القِواءَ، كَأصْحَرَ إذا دَخَلَ الصَّحْراءَ، فَإنَّ الإفْعالَ يَكُونُ لِلدُّخُولِ في مَعْنى مَصْدَرِ مُجَرَّدِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: المُقْوِينَ: المُسْتَمْتِعِينَ؛ المُسافِرِ والحاضِرِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: هُمُ الجائِعُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: أقْوَيْتُ مِنهُ كَذا وكَذا، أيْ: ما أكَلْتُ مِنهُ. وأقْوَتِ الدّارُ: خَلَتْ مِن ساكِنِيها وانْتِفاعِهِمْ بِها؛ لِأنَّهم يَطْبُخُونَ بِها. ولِشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ لَهُ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ مَعَ انْتِفاعِ غَيْرِهِمْ بِها. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أيْ: سَبِّحِ اسْمَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ تَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ، إمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ وحْدانِيَّتَهُ، ويَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، (p-٥٦٥٩)وإمّا تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِمْ في غَمْطِ آلائِهِ وأيادِيهِ الظّاهِرَةِ، وإمّا شُكْرًا لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الَّتِي عَدَّها ونَبَّهَ عَلَيْها.

الواقعة 56:75

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥ - ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: مَنازِلِ الكَواكِبِ ومَرْكَزِها البَهِيجَةِ في السَّماءِ. أوْ بِمَساقِطِها ومَغارِبِها، وهي أوْقاتُ غَيْبَتِها عَنِ الحَواسِّ، أوْ بِمَساقِطِها وانْتِشارِها يَوْمَ القِيامَةِ. و" لا " في " لا أُقْسِمُ " إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةِ الكَلامِ، وقَدْ عُهِدَتْ زِيادَتُها في كَلامِهِمْ، كَما أوْضَحَهُ في "فِقْهِ اللُّغَةِ" وإمّا لا أُقْسِمُ بِتَمامِها؛ صِيغَةً مِن صِيَغِ القَسَمِ، عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] أيْ: لِما في القَسَمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، وكَمالِ الحِكْمَةِ. ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] أيْ: لَهُ كَرَمٌ وشَرَفٌ وقَدْرٌ رَفِيعٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمَّهاتِ الحِكَمِ والأحْكامِ، وما تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حاجاتُ الأنامِ عَلى الدَّوامِ. ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] أيْ: مَحْفُوظٍ مَصُونٍ، لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ. أوْ مَحْفُوظٍ عَنْ تَرْدادِ الأيْدِي عَلَيْهِ، كَغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، بَلْ هو كالدُّرِّ المَصُونِ إلّا عَنْ أهْلِهِ، كَما قالَ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ أقْوالًا عَدِيدَةً؛ مَرْجِعُها إلى أنَّ المَسَّ مَجازٌ أوْ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى الوَحْيِ المُتَلَقّى، أوِ المُصْحَفِ، وأنَّ ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هُمُ المَلائِكَةُ، أوِ المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الأحْداثِ والأخْباثِ؛ وذَلِكَ لِاتِّساعِ ألْفاظِهِما الكَرِيمَةِ، لِما ذُكِرَ بِطَرِيقِ الِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وهاكَ مُلَخَّصُ ذَلِكَ ولُبابُهُ: (p-٥٦٦٠)فَأمّا أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ: فَعَلى أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ المَلائِكَةَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ، وهو نَفْيُ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، وعَلى ما فِيهِ. والمُرادُ بِ (المُطَهَّرِينَ) حِينَئِذٍ إمّا جِنْسُ المَلائِكَةِ، أوْ مَن نَزَلَ بِهِ وهو رُوحُ القُدُسِ. وطَهارَتُهم نَقاءُ ذَواتِهِمْ عَنْ كُدُوراتِ الأجْسامِ، ودَنَسِ الهَيُولى، أوْ عَنِ المُخالَفَةِ والعِصْيانِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّ هَذا القُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] كَما قالَ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ ولا نَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ: لا يَقْرَؤُهُ إلّا المُوَحِّدُونَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ تَقَبُّلِهِ، والِاهْتِداءِ بِهِ، والعِنايَةِ بِهِ؛ فَإنَّ مَسَّ الشَّيْءِ سَبَبُ حُبِّ المَلْمُوسِ، وأثَرُ الإقْبالِ عَلَيْهِ، ورائِدُ الِانْصِياعِ لَهُ، والطَّهارَةُ حِينَئِذٍ هي نَظافَةُ القَلْبِ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، والمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ، والغَرائِزِ الفاسِدَةِ. وقالَ آخَرُونَ: عَنِّي بِ: (المُطَّهَّرِينَ) المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الجَنابَةِ والحَدَثِ، قالُوا: ولَفْظُ الآيَةِ خَبَرٌ، ومَعْناها النَّهْيُ، إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ طَبِيعَةٌ مِن طَبائِعِهِ، ولازِمٌ مِن لَوازِمِهِ، لِشَرَفِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ. قالُوا: والمُرادُ بِ: (الكِتابِ) المُصْحَفُ، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ في "مُوَطَّئِهِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: ««أنْ لا يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ»» . وبِما رَوى اَلدّارَقُطْنِيُّ في قِصَّةِ إسْلامِ عُمَرَ، أنَّ أُخْتَهُ قالَتْ لَهُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ: إنَّهُ رِجْسٌ و﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إلّا أنَّ فِيهِما مَقالًا (p-٥٦٦١)بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "تَلْخِيصِ الحَبِيرِ" وأشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا. ومَعَ ذَلِكَ فالدَّلالَةُ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الشَّوْكانِيُّ في "نَيْلِ الأوْطارِ" وعِبارَتُهُ: الطّاهِرُ يُطْلَقُ بِالِاشْتِراكِ عَلى المُؤْمِنِ، والطّاهِرُ مِنَ الحَدَثِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ، ومَن لَيْسَ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. ويَدُلُّ لِإطْلاقِهِ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . وعَلى الثّانِي: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وعَلى الثّالِثِ قَوْلُهُ ﷺ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ: ««دَعْهُما فَإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ»»، وعَلى الرّابِعِ: الإجْماعُ عَلى أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ حِسِّيَّةٌ ولا حُكْمِيَّةٌ يُسَمّى طاهِرًا. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ ذَلِكَ في كَثِيرٍ. فَمَن أجازَ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ، حَمَلَهُ عَلَيْهِ هُنا. والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها مَذاهِبُ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ المُشْتَرَكَ مُجْمَلٌ فِيها، فَلا يَعْمَلُ بِهِ حَتّى يُبَيَّنَ. وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أكْبَرَ أنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ، وخالَفَ في ذَلِكَ داوُدُ، واسْتَدَلَّ المانِعُونَ لِلْجُنُبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهو لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ جَعْلِ الضَّمِيرِ راجِعًا إلى القُرْآنِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى الكِتابِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّهُ الأقْرَبُ. و﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] المَلائِكَةُ. ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ الظُّهُورِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، فَيَمْتَنِعُ العَمَلُ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ويَتَوَجَّهُ الرُّجُوعُ إلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ. ولَوْ سُلِّمَ رُجُوعُهُ إلى القُرْآنِ عَلى التَّعْيِينِ، لَكانَتْ دَلالَتُهُ عَلى المَطْلُوبِ، وهو مَنعُ الجُنُبِ مِن مَسِّهِ، غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ؛ لِأنَّ المُطَهَّرَ مَن لَيْسَ بِنَجِسٍ، والمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجِسٍ دائِمًا، لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ المُطَهَّرِ عَلى مَن لَيْسَ بِجُنُبٍ أوْ حائِضٍ أوْ مُحْدِثٍ أوْ مُتَنَجِّسٍ بِنَجاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ، بَلْ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] لِهَذا الحَدِيثِ، ولِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ بِالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ. ولَوْ (p-٥٦٦٢)سُلِّمَ صِدْقُ اسْمِ (الطّاهِرِ) عَلى مَن لَيْسَ بِمُحْدِثٍ حَدَثًا أكْبَرَ أوْ أصْغَرَ، فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُ المُشْتَرَكِ مُجْمَلًا في مَعانِيهِ، فَلا يُعَيَّنُ حَتّى يَبِينَ، وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ هاهُنا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»»، ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ وُجُودِ دَلِيلٍ يَمْنَعُ مِن إرادَتِهِ، لَكانَ تَعْيِينُهُ لِمَحَلِّ النِّزاعِ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ، وتَعْيِينُهُ لِجَمِيعِها اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، وفِيهِ الخِلافُ، ولَوْ سُلِّمَ رُجْحانُ القَوْلِ بِجَوازِ الِاسْتِعْمالِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، لَما صَحَّ، لِوُجُودِ المانِعِ، وهو حَدِيثُ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ المُتَقَدِّمِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ؛ لِأنَّهُ مِن صَحِيفَةٍ غَيْرِ مَسْمُوعَةٍ، وفي رِجالِ إسْنادِهِ خِلافٌ شَدِيدٌ، ولَوْ سُلِّمَ صَلاحِيَتُهُ لِلِاحْتِجاجِ، لَعادَ البَحْثُ السّابِقُ في لَفْظِ طاهِرٍ، وقَدْ عَرَفْتَهُ. قالَ السَّيِّدُ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الوَزِيرُ: إنَّ إطْلاقَ اسْمِ النَّجِسِ عَلى المُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ بِطاهِرٍ مِنَ الجَنابَةِ أوِ الحَيْضِ أوِ الحَدَثِ الأصْغَرِ، لا يَصِحُّ حَقِيقَةً ولا مَجازًا ولا لُغَةً. صَرَّحَ بِذَلِكَ في جَوابِ سُؤالٍ ورَدَّ عَلَيْهِ؛ فَإنْ ثَبَتَ هَذا فالمُؤْمِنُ طاهِرٌ دائِمًا، فَلا يَتَناوَلُهُ الحَدِيثُ، سَواءٌ كانَ جُنُبًا أوْ حائِضًا أوْ مُحْدِثًا، أوْ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. فَإنْ قُلْتَ: إذا تَمَّ ما تُرِيدُ مِن حَمْلِ الطّاهِرِ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، فَما جَوابُكَ فِيما ثَبَتَ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ﷺ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: ««أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ تَوَلَّيْتَ فَإنَّما عَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ. و﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]»»، مَعَ كَوْنِهِمْ جامِعِينَ بَيْنَ نَجاسَتَيِ الشِّرْكِ والِاجْتِنابِ، ووُقُوعُ اللَّمْسِ مِنهم لَهُ مَعْلُومٌ؟ قُلْتُ: أجَعَلَهُ خاصَّةً بِمِثْلِ الآيَةِ والآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ تَمْكِينُ المُشْرِكِ مِن مَسِّ ذَلِكَ المِقْدارِ لِمَصْلَحَةٍ، كَدُعائِهِ إلى الإسْلامِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ قَدْ صارَ بِاخْتِلاطِهِ بِغَيْرِهِ (p-٥٦٦٣)لا يَحْرُمُ لَمْسُهُ، كَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، فَلا تُخَصَّصُ بِهِ الآيَةُ والحَدِيثُ. إذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا عَرَفْتَ عَدَمَ انْتِهاضِ الدَّلِيلِ عَلى مَنعِ مَن عَدا المُشْرِكَ. وقَدْ عَرَفْتَ الخِلافَ في الجُنُبِ. وأمّا المُحْدِثُ حَدَثًا أصْغَرَ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ والهادَوِيَّةُ وقاضِي القُضاةِ وداوُدُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ المُصْحَفِ، وقالَ القاسِمُ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ والإمامُ يَحْيى: لا يَجُوزُ واسْتَدَلُّوا بِما سَلَفَ، وقَدْ سَلَفَ ما فِيهِ. انْتَهى كَلامُ الشَّوْكانِيِّ. تَنْبِيهٌ في لُطْفِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ وما تُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ المَكْنُونِ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ" في مَباحِثِ أمْثالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ما مِثالُهُ: الواجِبُ فِيما عَلَّقَ عَلَيْهِ الشّارِعُ الأحْكامَ مِنَ الألْفاظِ والمَعانِي أنْ لا يُتَجاوَزَ بِألْفاظِها ومَعانِيها، ولا يُقَصَّرَ بِها، ويُعْطى اللَّفْظُ حَقَّهُ، والمَعْنى، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الِاسْتِنْباطِ في كِتابِهِ، وأخْبَرَ أنَّهم أهْلُ العِلْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِنْباطَ إنَّما هو اسْتِنْباطُ المَعانِي والعِلَلِ، ونِسْبَةُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فَيُعْتَبَرُ ما يَصِحُّ مِنها بِصِحَّةِ مَثَلِهِ وشَبَهِهِ ونَظِيرِهِ، ويُلْغى ما لا يَصِحُّ، هَذا الَّذِي يَعْقِلُهُ النّاسُ مِنَ الِاسْتِنْباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الِاسْتِنْباطُ كالِاسْتِخْراجِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ فَهْمِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ طَرِيقَةَ الِاسْتِنْباطِ؛ إذْ مَوْضُوعاتُ الألْفاظِ لا تُنالُ بِالِاسْتِنْباطِ، وإنَّما تُنالُ بِهِ العِلَلُ والمَعانِي والأشْباهُ والنَّظائِرُ، ومَقاصِدُ المُتَكَلِّمِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ ذَمَّ مَن سَمِعَ ظاهِرًا مُجَرَّدًا فَأذاعَهُ وأفْشاهُ، وحَمِدَ مَنِ اسْتَنْبَطَ مِن أُولِي العِلْمِ حَقِيقَتَهُ ومَعْناهُ يُوَضِّحُهُ أنَّ الِاسْتِنْباطَ اسْتِخْراجُ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْفى عَلى غَيْرِ مُسْتَنْبِطِهِ، ومِنهُ اسْتِنْباطُ الماءِ مِن أرْضِ البِئْرِ والعَيْنِ. ومِن هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ سُئِلَ: هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ فَقالَ: لا، والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا (p-٥٦٦٤)يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ! ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الفَهْمَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مَعْرِفَةِ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وعُمُومِهِ أوْ خُصُوصِهِ، فَإنَّ هَذا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنِ سائِرِ مَن يَعْرِفُ لُغَةَ العَرَبِ، وإنَّما هَذا فَهْمُ لَوازِمِ المَعْنى ونَظائِرِهِ، ومُرادِ المُتَكَلِّمِ بِكَلامِهِ، ومَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلامِهِ، بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المُرادِ ولا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ مِنَ المُرادِ. وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرَةٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ووَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيُّ مِنَ الآيَةِ، فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ، ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا لا يُنالُ مَعانِيهِ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي، إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وإنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ، مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا السَّبَبَ القَرِيبَ، وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، واسْتِنْباطَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِنَ الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ، فَهَذا مِنَ الفَهْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى. (p-٥٦٦٥)

الواقعة 56:76

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥ - ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: مَنازِلِ الكَواكِبِ ومَرْكَزِها البَهِيجَةِ في السَّماءِ. أوْ بِمَساقِطِها ومَغارِبِها، وهي أوْقاتُ غَيْبَتِها عَنِ الحَواسِّ، أوْ بِمَساقِطِها وانْتِشارِها يَوْمَ القِيامَةِ. و" لا " في " لا أُقْسِمُ " إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةِ الكَلامِ، وقَدْ عُهِدَتْ زِيادَتُها في كَلامِهِمْ، كَما أوْضَحَهُ في "فِقْهِ اللُّغَةِ" وإمّا لا أُقْسِمُ بِتَمامِها؛ صِيغَةً مِن صِيَغِ القَسَمِ، عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] أيْ: لِما في القَسَمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، وكَمالِ الحِكْمَةِ. ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] أيْ: لَهُ كَرَمٌ وشَرَفٌ وقَدْرٌ رَفِيعٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمَّهاتِ الحِكَمِ والأحْكامِ، وما تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حاجاتُ الأنامِ عَلى الدَّوامِ. ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] أيْ: مَحْفُوظٍ مَصُونٍ، لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ. أوْ مَحْفُوظٍ عَنْ تَرْدادِ الأيْدِي عَلَيْهِ، كَغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، بَلْ هو كالدُّرِّ المَصُونِ إلّا عَنْ أهْلِهِ، كَما قالَ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ أقْوالًا عَدِيدَةً؛ مَرْجِعُها إلى أنَّ المَسَّ مَجازٌ أوْ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى الوَحْيِ المُتَلَقّى، أوِ المُصْحَفِ، وأنَّ ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هُمُ المَلائِكَةُ، أوِ المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الأحْداثِ والأخْباثِ؛ وذَلِكَ لِاتِّساعِ ألْفاظِهِما الكَرِيمَةِ، لِما ذُكِرَ بِطَرِيقِ الِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وهاكَ مُلَخَّصُ ذَلِكَ ولُبابُهُ: (p-٥٦٦٠)فَأمّا أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ: فَعَلى أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ المَلائِكَةَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ، وهو نَفْيُ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، وعَلى ما فِيهِ. والمُرادُ بِ (المُطَهَّرِينَ) حِينَئِذٍ إمّا جِنْسُ المَلائِكَةِ، أوْ مَن نَزَلَ بِهِ وهو رُوحُ القُدُسِ. وطَهارَتُهم نَقاءُ ذَواتِهِمْ عَنْ كُدُوراتِ الأجْسامِ، ودَنَسِ الهَيُولى، أوْ عَنِ المُخالَفَةِ والعِصْيانِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّ هَذا القُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] كَما قالَ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ ولا نَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ: لا يَقْرَؤُهُ إلّا المُوَحِّدُونَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ تَقَبُّلِهِ، والِاهْتِداءِ بِهِ، والعِنايَةِ بِهِ؛ فَإنَّ مَسَّ الشَّيْءِ سَبَبُ حُبِّ المَلْمُوسِ، وأثَرُ الإقْبالِ عَلَيْهِ، ورائِدُ الِانْصِياعِ لَهُ، والطَّهارَةُ حِينَئِذٍ هي نَظافَةُ القَلْبِ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، والمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ، والغَرائِزِ الفاسِدَةِ. وقالَ آخَرُونَ: عَنِّي بِ: (المُطَّهَّرِينَ) المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الجَنابَةِ والحَدَثِ، قالُوا: ولَفْظُ الآيَةِ خَبَرٌ، ومَعْناها النَّهْيُ، إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ طَبِيعَةٌ مِن طَبائِعِهِ، ولازِمٌ مِن لَوازِمِهِ، لِشَرَفِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ. قالُوا: والمُرادُ بِ: (الكِتابِ) المُصْحَفُ، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ في "مُوَطَّئِهِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: ««أنْ لا يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ»» . وبِما رَوى اَلدّارَقُطْنِيُّ في قِصَّةِ إسْلامِ عُمَرَ، أنَّ أُخْتَهُ قالَتْ لَهُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ: إنَّهُ رِجْسٌ و﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إلّا أنَّ فِيهِما مَقالًا (p-٥٦٦١)بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "تَلْخِيصِ الحَبِيرِ" وأشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا. ومَعَ ذَلِكَ فالدَّلالَةُ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الشَّوْكانِيُّ في "نَيْلِ الأوْطارِ" وعِبارَتُهُ: الطّاهِرُ يُطْلَقُ بِالِاشْتِراكِ عَلى المُؤْمِنِ، والطّاهِرُ مِنَ الحَدَثِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ، ومَن لَيْسَ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. ويَدُلُّ لِإطْلاقِهِ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . وعَلى الثّانِي: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وعَلى الثّالِثِ قَوْلُهُ ﷺ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ: ««دَعْهُما فَإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ»»، وعَلى الرّابِعِ: الإجْماعُ عَلى أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ حِسِّيَّةٌ ولا حُكْمِيَّةٌ يُسَمّى طاهِرًا. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ ذَلِكَ في كَثِيرٍ. فَمَن أجازَ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ، حَمَلَهُ عَلَيْهِ هُنا. والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها مَذاهِبُ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ المُشْتَرَكَ مُجْمَلٌ فِيها، فَلا يَعْمَلُ بِهِ حَتّى يُبَيَّنَ. وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أكْبَرَ أنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ، وخالَفَ في ذَلِكَ داوُدُ، واسْتَدَلَّ المانِعُونَ لِلْجُنُبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهو لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ جَعْلِ الضَّمِيرِ راجِعًا إلى القُرْآنِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى الكِتابِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّهُ الأقْرَبُ. و﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] المَلائِكَةُ. ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ الظُّهُورِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، فَيَمْتَنِعُ العَمَلُ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ويَتَوَجَّهُ الرُّجُوعُ إلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ. ولَوْ سُلِّمَ رُجُوعُهُ إلى القُرْآنِ عَلى التَّعْيِينِ، لَكانَتْ دَلالَتُهُ عَلى المَطْلُوبِ، وهو مَنعُ الجُنُبِ مِن مَسِّهِ، غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ؛ لِأنَّ المُطَهَّرَ مَن لَيْسَ بِنَجِسٍ، والمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجِسٍ دائِمًا، لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ المُطَهَّرِ عَلى مَن لَيْسَ بِجُنُبٍ أوْ حائِضٍ أوْ مُحْدِثٍ أوْ مُتَنَجِّسٍ بِنَجاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ، بَلْ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] لِهَذا الحَدِيثِ، ولِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ بِالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ. ولَوْ (p-٥٦٦٢)سُلِّمَ صِدْقُ اسْمِ (الطّاهِرِ) عَلى مَن لَيْسَ بِمُحْدِثٍ حَدَثًا أكْبَرَ أوْ أصْغَرَ، فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُ المُشْتَرَكِ مُجْمَلًا في مَعانِيهِ، فَلا يُعَيَّنُ حَتّى يَبِينَ، وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ هاهُنا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»»، ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ وُجُودِ دَلِيلٍ يَمْنَعُ مِن إرادَتِهِ، لَكانَ تَعْيِينُهُ لِمَحَلِّ النِّزاعِ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ، وتَعْيِينُهُ لِجَمِيعِها اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، وفِيهِ الخِلافُ، ولَوْ سُلِّمَ رُجْحانُ القَوْلِ بِجَوازِ الِاسْتِعْمالِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، لَما صَحَّ، لِوُجُودِ المانِعِ، وهو حَدِيثُ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ المُتَقَدِّمِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ؛ لِأنَّهُ مِن صَحِيفَةٍ غَيْرِ مَسْمُوعَةٍ، وفي رِجالِ إسْنادِهِ خِلافٌ شَدِيدٌ، ولَوْ سُلِّمَ صَلاحِيَتُهُ لِلِاحْتِجاجِ، لَعادَ البَحْثُ السّابِقُ في لَفْظِ طاهِرٍ، وقَدْ عَرَفْتَهُ. قالَ السَّيِّدُ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الوَزِيرُ: إنَّ إطْلاقَ اسْمِ النَّجِسِ عَلى المُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ بِطاهِرٍ مِنَ الجَنابَةِ أوِ الحَيْضِ أوِ الحَدَثِ الأصْغَرِ، لا يَصِحُّ حَقِيقَةً ولا مَجازًا ولا لُغَةً. صَرَّحَ بِذَلِكَ في جَوابِ سُؤالٍ ورَدَّ عَلَيْهِ؛ فَإنْ ثَبَتَ هَذا فالمُؤْمِنُ طاهِرٌ دائِمًا، فَلا يَتَناوَلُهُ الحَدِيثُ، سَواءٌ كانَ جُنُبًا أوْ حائِضًا أوْ مُحْدِثًا، أوْ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. فَإنْ قُلْتَ: إذا تَمَّ ما تُرِيدُ مِن حَمْلِ الطّاهِرِ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، فَما جَوابُكَ فِيما ثَبَتَ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ﷺ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: ««أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ تَوَلَّيْتَ فَإنَّما عَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ. و﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]»»، مَعَ كَوْنِهِمْ جامِعِينَ بَيْنَ نَجاسَتَيِ الشِّرْكِ والِاجْتِنابِ، ووُقُوعُ اللَّمْسِ مِنهم لَهُ مَعْلُومٌ؟ قُلْتُ: أجَعَلَهُ خاصَّةً بِمِثْلِ الآيَةِ والآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ تَمْكِينُ المُشْرِكِ مِن مَسِّ ذَلِكَ المِقْدارِ لِمَصْلَحَةٍ، كَدُعائِهِ إلى الإسْلامِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ قَدْ صارَ بِاخْتِلاطِهِ بِغَيْرِهِ (p-٥٦٦٣)لا يَحْرُمُ لَمْسُهُ، كَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، فَلا تُخَصَّصُ بِهِ الآيَةُ والحَدِيثُ. إذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا عَرَفْتَ عَدَمَ انْتِهاضِ الدَّلِيلِ عَلى مَنعِ مَن عَدا المُشْرِكَ. وقَدْ عَرَفْتَ الخِلافَ في الجُنُبِ. وأمّا المُحْدِثُ حَدَثًا أصْغَرَ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ والهادَوِيَّةُ وقاضِي القُضاةِ وداوُدُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ المُصْحَفِ، وقالَ القاسِمُ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ والإمامُ يَحْيى: لا يَجُوزُ واسْتَدَلُّوا بِما سَلَفَ، وقَدْ سَلَفَ ما فِيهِ. انْتَهى كَلامُ الشَّوْكانِيِّ. تَنْبِيهٌ في لُطْفِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ وما تُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ المَكْنُونِ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ" في مَباحِثِ أمْثالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ما مِثالُهُ: الواجِبُ فِيما عَلَّقَ عَلَيْهِ الشّارِعُ الأحْكامَ مِنَ الألْفاظِ والمَعانِي أنْ لا يُتَجاوَزَ بِألْفاظِها ومَعانِيها، ولا يُقَصَّرَ بِها، ويُعْطى اللَّفْظُ حَقَّهُ، والمَعْنى، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الِاسْتِنْباطِ في كِتابِهِ، وأخْبَرَ أنَّهم أهْلُ العِلْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِنْباطَ إنَّما هو اسْتِنْباطُ المَعانِي والعِلَلِ، ونِسْبَةُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فَيُعْتَبَرُ ما يَصِحُّ مِنها بِصِحَّةِ مَثَلِهِ وشَبَهِهِ ونَظِيرِهِ، ويُلْغى ما لا يَصِحُّ، هَذا الَّذِي يَعْقِلُهُ النّاسُ مِنَ الِاسْتِنْباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الِاسْتِنْباطُ كالِاسْتِخْراجِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ فَهْمِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ طَرِيقَةَ الِاسْتِنْباطِ؛ إذْ مَوْضُوعاتُ الألْفاظِ لا تُنالُ بِالِاسْتِنْباطِ، وإنَّما تُنالُ بِهِ العِلَلُ والمَعانِي والأشْباهُ والنَّظائِرُ، ومَقاصِدُ المُتَكَلِّمِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ ذَمَّ مَن سَمِعَ ظاهِرًا مُجَرَّدًا فَأذاعَهُ وأفْشاهُ، وحَمِدَ مَنِ اسْتَنْبَطَ مِن أُولِي العِلْمِ حَقِيقَتَهُ ومَعْناهُ يُوَضِّحُهُ أنَّ الِاسْتِنْباطَ اسْتِخْراجُ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْفى عَلى غَيْرِ مُسْتَنْبِطِهِ، ومِنهُ اسْتِنْباطُ الماءِ مِن أرْضِ البِئْرِ والعَيْنِ. ومِن هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ سُئِلَ: هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ فَقالَ: لا، والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا (p-٥٦٦٤)يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ! ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الفَهْمَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مَعْرِفَةِ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وعُمُومِهِ أوْ خُصُوصِهِ، فَإنَّ هَذا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنِ سائِرِ مَن يَعْرِفُ لُغَةَ العَرَبِ، وإنَّما هَذا فَهْمُ لَوازِمِ المَعْنى ونَظائِرِهِ، ومُرادِ المُتَكَلِّمِ بِكَلامِهِ، ومَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلامِهِ، بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المُرادِ ولا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ مِنَ المُرادِ. وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرَةٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ووَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيُّ مِنَ الآيَةِ، فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ، ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا لا يُنالُ مَعانِيهِ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي، إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وإنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ، مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا السَّبَبَ القَرِيبَ، وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، واسْتِنْباطَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِنَ الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ، فَهَذا مِنَ الفَهْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى. (p-٥٦٦٥)

الواقعة 56:77

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥ - ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: مَنازِلِ الكَواكِبِ ومَرْكَزِها البَهِيجَةِ في السَّماءِ. أوْ بِمَساقِطِها ومَغارِبِها، وهي أوْقاتُ غَيْبَتِها عَنِ الحَواسِّ، أوْ بِمَساقِطِها وانْتِشارِها يَوْمَ القِيامَةِ. و" لا " في " لا أُقْسِمُ " إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةِ الكَلامِ، وقَدْ عُهِدَتْ زِيادَتُها في كَلامِهِمْ، كَما أوْضَحَهُ في "فِقْهِ اللُّغَةِ" وإمّا لا أُقْسِمُ بِتَمامِها؛ صِيغَةً مِن صِيَغِ القَسَمِ، عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] أيْ: لِما في القَسَمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، وكَمالِ الحِكْمَةِ. ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] أيْ: لَهُ كَرَمٌ وشَرَفٌ وقَدْرٌ رَفِيعٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمَّهاتِ الحِكَمِ والأحْكامِ، وما تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حاجاتُ الأنامِ عَلى الدَّوامِ. ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] أيْ: مَحْفُوظٍ مَصُونٍ، لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ. أوْ مَحْفُوظٍ عَنْ تَرْدادِ الأيْدِي عَلَيْهِ، كَغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، بَلْ هو كالدُّرِّ المَصُونِ إلّا عَنْ أهْلِهِ، كَما قالَ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ أقْوالًا عَدِيدَةً؛ مَرْجِعُها إلى أنَّ المَسَّ مَجازٌ أوْ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى الوَحْيِ المُتَلَقّى، أوِ المُصْحَفِ، وأنَّ ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هُمُ المَلائِكَةُ، أوِ المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الأحْداثِ والأخْباثِ؛ وذَلِكَ لِاتِّساعِ ألْفاظِهِما الكَرِيمَةِ، لِما ذُكِرَ بِطَرِيقِ الِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وهاكَ مُلَخَّصُ ذَلِكَ ولُبابُهُ: (p-٥٦٦٠)فَأمّا أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ: فَعَلى أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ المَلائِكَةَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ، وهو نَفْيُ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، وعَلى ما فِيهِ. والمُرادُ بِ (المُطَهَّرِينَ) حِينَئِذٍ إمّا جِنْسُ المَلائِكَةِ، أوْ مَن نَزَلَ بِهِ وهو رُوحُ القُدُسِ. وطَهارَتُهم نَقاءُ ذَواتِهِمْ عَنْ كُدُوراتِ الأجْسامِ، ودَنَسِ الهَيُولى، أوْ عَنِ المُخالَفَةِ والعِصْيانِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّ هَذا القُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] كَما قالَ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ ولا نَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ: لا يَقْرَؤُهُ إلّا المُوَحِّدُونَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ تَقَبُّلِهِ، والِاهْتِداءِ بِهِ، والعِنايَةِ بِهِ؛ فَإنَّ مَسَّ الشَّيْءِ سَبَبُ حُبِّ المَلْمُوسِ، وأثَرُ الإقْبالِ عَلَيْهِ، ورائِدُ الِانْصِياعِ لَهُ، والطَّهارَةُ حِينَئِذٍ هي نَظافَةُ القَلْبِ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، والمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ، والغَرائِزِ الفاسِدَةِ. وقالَ آخَرُونَ: عَنِّي بِ: (المُطَّهَّرِينَ) المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الجَنابَةِ والحَدَثِ، قالُوا: ولَفْظُ الآيَةِ خَبَرٌ، ومَعْناها النَّهْيُ، إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ طَبِيعَةٌ مِن طَبائِعِهِ، ولازِمٌ مِن لَوازِمِهِ، لِشَرَفِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ. قالُوا: والمُرادُ بِ: (الكِتابِ) المُصْحَفُ، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ في "مُوَطَّئِهِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: ««أنْ لا يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ»» . وبِما رَوى اَلدّارَقُطْنِيُّ في قِصَّةِ إسْلامِ عُمَرَ، أنَّ أُخْتَهُ قالَتْ لَهُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ: إنَّهُ رِجْسٌ و﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إلّا أنَّ فِيهِما مَقالًا (p-٥٦٦١)بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "تَلْخِيصِ الحَبِيرِ" وأشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا. ومَعَ ذَلِكَ فالدَّلالَةُ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الشَّوْكانِيُّ في "نَيْلِ الأوْطارِ" وعِبارَتُهُ: الطّاهِرُ يُطْلَقُ بِالِاشْتِراكِ عَلى المُؤْمِنِ، والطّاهِرُ مِنَ الحَدَثِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ، ومَن لَيْسَ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. ويَدُلُّ لِإطْلاقِهِ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . وعَلى الثّانِي: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وعَلى الثّالِثِ قَوْلُهُ ﷺ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ: ««دَعْهُما فَإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ»»، وعَلى الرّابِعِ: الإجْماعُ عَلى أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ حِسِّيَّةٌ ولا حُكْمِيَّةٌ يُسَمّى طاهِرًا. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ ذَلِكَ في كَثِيرٍ. فَمَن أجازَ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ، حَمَلَهُ عَلَيْهِ هُنا. والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها مَذاهِبُ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ المُشْتَرَكَ مُجْمَلٌ فِيها، فَلا يَعْمَلُ بِهِ حَتّى يُبَيَّنَ. وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أكْبَرَ أنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ، وخالَفَ في ذَلِكَ داوُدُ، واسْتَدَلَّ المانِعُونَ لِلْجُنُبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهو لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ جَعْلِ الضَّمِيرِ راجِعًا إلى القُرْآنِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى الكِتابِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّهُ الأقْرَبُ. و﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] المَلائِكَةُ. ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ الظُّهُورِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، فَيَمْتَنِعُ العَمَلُ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ويَتَوَجَّهُ الرُّجُوعُ إلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ. ولَوْ سُلِّمَ رُجُوعُهُ إلى القُرْآنِ عَلى التَّعْيِينِ، لَكانَتْ دَلالَتُهُ عَلى المَطْلُوبِ، وهو مَنعُ الجُنُبِ مِن مَسِّهِ، غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ؛ لِأنَّ المُطَهَّرَ مَن لَيْسَ بِنَجِسٍ، والمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجِسٍ دائِمًا، لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ المُطَهَّرِ عَلى مَن لَيْسَ بِجُنُبٍ أوْ حائِضٍ أوْ مُحْدِثٍ أوْ مُتَنَجِّسٍ بِنَجاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ، بَلْ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] لِهَذا الحَدِيثِ، ولِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ بِالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ. ولَوْ (p-٥٦٦٢)سُلِّمَ صِدْقُ اسْمِ (الطّاهِرِ) عَلى مَن لَيْسَ بِمُحْدِثٍ حَدَثًا أكْبَرَ أوْ أصْغَرَ، فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُ المُشْتَرَكِ مُجْمَلًا في مَعانِيهِ، فَلا يُعَيَّنُ حَتّى يَبِينَ، وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ هاهُنا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»»، ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ وُجُودِ دَلِيلٍ يَمْنَعُ مِن إرادَتِهِ، لَكانَ تَعْيِينُهُ لِمَحَلِّ النِّزاعِ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ، وتَعْيِينُهُ لِجَمِيعِها اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، وفِيهِ الخِلافُ، ولَوْ سُلِّمَ رُجْحانُ القَوْلِ بِجَوازِ الِاسْتِعْمالِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، لَما صَحَّ، لِوُجُودِ المانِعِ، وهو حَدِيثُ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ المُتَقَدِّمِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ؛ لِأنَّهُ مِن صَحِيفَةٍ غَيْرِ مَسْمُوعَةٍ، وفي رِجالِ إسْنادِهِ خِلافٌ شَدِيدٌ، ولَوْ سُلِّمَ صَلاحِيَتُهُ لِلِاحْتِجاجِ، لَعادَ البَحْثُ السّابِقُ في لَفْظِ طاهِرٍ، وقَدْ عَرَفْتَهُ. قالَ السَّيِّدُ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الوَزِيرُ: إنَّ إطْلاقَ اسْمِ النَّجِسِ عَلى المُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ بِطاهِرٍ مِنَ الجَنابَةِ أوِ الحَيْضِ أوِ الحَدَثِ الأصْغَرِ، لا يَصِحُّ حَقِيقَةً ولا مَجازًا ولا لُغَةً. صَرَّحَ بِذَلِكَ في جَوابِ سُؤالٍ ورَدَّ عَلَيْهِ؛ فَإنْ ثَبَتَ هَذا فالمُؤْمِنُ طاهِرٌ دائِمًا، فَلا يَتَناوَلُهُ الحَدِيثُ، سَواءٌ كانَ جُنُبًا أوْ حائِضًا أوْ مُحْدِثًا، أوْ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. فَإنْ قُلْتَ: إذا تَمَّ ما تُرِيدُ مِن حَمْلِ الطّاهِرِ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، فَما جَوابُكَ فِيما ثَبَتَ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ﷺ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: ««أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ تَوَلَّيْتَ فَإنَّما عَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ. و﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]»»، مَعَ كَوْنِهِمْ جامِعِينَ بَيْنَ نَجاسَتَيِ الشِّرْكِ والِاجْتِنابِ، ووُقُوعُ اللَّمْسِ مِنهم لَهُ مَعْلُومٌ؟ قُلْتُ: أجَعَلَهُ خاصَّةً بِمِثْلِ الآيَةِ والآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ تَمْكِينُ المُشْرِكِ مِن مَسِّ ذَلِكَ المِقْدارِ لِمَصْلَحَةٍ، كَدُعائِهِ إلى الإسْلامِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ قَدْ صارَ بِاخْتِلاطِهِ بِغَيْرِهِ (p-٥٦٦٣)لا يَحْرُمُ لَمْسُهُ، كَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، فَلا تُخَصَّصُ بِهِ الآيَةُ والحَدِيثُ. إذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا عَرَفْتَ عَدَمَ انْتِهاضِ الدَّلِيلِ عَلى مَنعِ مَن عَدا المُشْرِكَ. وقَدْ عَرَفْتَ الخِلافَ في الجُنُبِ. وأمّا المُحْدِثُ حَدَثًا أصْغَرَ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ والهادَوِيَّةُ وقاضِي القُضاةِ وداوُدُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ المُصْحَفِ، وقالَ القاسِمُ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ والإمامُ يَحْيى: لا يَجُوزُ واسْتَدَلُّوا بِما سَلَفَ، وقَدْ سَلَفَ ما فِيهِ. انْتَهى كَلامُ الشَّوْكانِيِّ. تَنْبِيهٌ في لُطْفِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ وما تُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ المَكْنُونِ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ" في مَباحِثِ أمْثالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ما مِثالُهُ: الواجِبُ فِيما عَلَّقَ عَلَيْهِ الشّارِعُ الأحْكامَ مِنَ الألْفاظِ والمَعانِي أنْ لا يُتَجاوَزَ بِألْفاظِها ومَعانِيها، ولا يُقَصَّرَ بِها، ويُعْطى اللَّفْظُ حَقَّهُ، والمَعْنى، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الِاسْتِنْباطِ في كِتابِهِ، وأخْبَرَ أنَّهم أهْلُ العِلْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِنْباطَ إنَّما هو اسْتِنْباطُ المَعانِي والعِلَلِ، ونِسْبَةُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فَيُعْتَبَرُ ما يَصِحُّ مِنها بِصِحَّةِ مَثَلِهِ وشَبَهِهِ ونَظِيرِهِ، ويُلْغى ما لا يَصِحُّ، هَذا الَّذِي يَعْقِلُهُ النّاسُ مِنَ الِاسْتِنْباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الِاسْتِنْباطُ كالِاسْتِخْراجِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ فَهْمِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ طَرِيقَةَ الِاسْتِنْباطِ؛ إذْ مَوْضُوعاتُ الألْفاظِ لا تُنالُ بِالِاسْتِنْباطِ، وإنَّما تُنالُ بِهِ العِلَلُ والمَعانِي والأشْباهُ والنَّظائِرُ، ومَقاصِدُ المُتَكَلِّمِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ ذَمَّ مَن سَمِعَ ظاهِرًا مُجَرَّدًا فَأذاعَهُ وأفْشاهُ، وحَمِدَ مَنِ اسْتَنْبَطَ مِن أُولِي العِلْمِ حَقِيقَتَهُ ومَعْناهُ يُوَضِّحُهُ أنَّ الِاسْتِنْباطَ اسْتِخْراجُ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْفى عَلى غَيْرِ مُسْتَنْبِطِهِ، ومِنهُ اسْتِنْباطُ الماءِ مِن أرْضِ البِئْرِ والعَيْنِ. ومِن هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ سُئِلَ: هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ فَقالَ: لا، والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا (p-٥٦٦٤)يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ! ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الفَهْمَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مَعْرِفَةِ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وعُمُومِهِ أوْ خُصُوصِهِ، فَإنَّ هَذا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنِ سائِرِ مَن يَعْرِفُ لُغَةَ العَرَبِ، وإنَّما هَذا فَهْمُ لَوازِمِ المَعْنى ونَظائِرِهِ، ومُرادِ المُتَكَلِّمِ بِكَلامِهِ، ومَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلامِهِ، بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المُرادِ ولا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ مِنَ المُرادِ. وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرَةٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ووَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيُّ مِنَ الآيَةِ، فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ، ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا لا يُنالُ مَعانِيهِ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي، إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وإنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ، مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا السَّبَبَ القَرِيبَ، وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، واسْتِنْباطَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِنَ الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ، فَهَذا مِنَ الفَهْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى. (p-٥٦٦٥)

الواقعة 56:78

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥ - ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: مَنازِلِ الكَواكِبِ ومَرْكَزِها البَهِيجَةِ في السَّماءِ. أوْ بِمَساقِطِها ومَغارِبِها، وهي أوْقاتُ غَيْبَتِها عَنِ الحَواسِّ، أوْ بِمَساقِطِها وانْتِشارِها يَوْمَ القِيامَةِ. و" لا " في " لا أُقْسِمُ " إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةِ الكَلامِ، وقَدْ عُهِدَتْ زِيادَتُها في كَلامِهِمْ، كَما أوْضَحَهُ في "فِقْهِ اللُّغَةِ" وإمّا لا أُقْسِمُ بِتَمامِها؛ صِيغَةً مِن صِيَغِ القَسَمِ، عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] أيْ: لِما في القَسَمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، وكَمالِ الحِكْمَةِ. ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] أيْ: لَهُ كَرَمٌ وشَرَفٌ وقَدْرٌ رَفِيعٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمَّهاتِ الحِكَمِ والأحْكامِ، وما تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حاجاتُ الأنامِ عَلى الدَّوامِ. ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] أيْ: مَحْفُوظٍ مَصُونٍ، لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ. أوْ مَحْفُوظٍ عَنْ تَرْدادِ الأيْدِي عَلَيْهِ، كَغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، بَلْ هو كالدُّرِّ المَصُونِ إلّا عَنْ أهْلِهِ، كَما قالَ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ أقْوالًا عَدِيدَةً؛ مَرْجِعُها إلى أنَّ المَسَّ مَجازٌ أوْ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى الوَحْيِ المُتَلَقّى، أوِ المُصْحَفِ، وأنَّ ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هُمُ المَلائِكَةُ، أوِ المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الأحْداثِ والأخْباثِ؛ وذَلِكَ لِاتِّساعِ ألْفاظِهِما الكَرِيمَةِ، لِما ذُكِرَ بِطَرِيقِ الِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وهاكَ مُلَخَّصُ ذَلِكَ ولُبابُهُ: (p-٥٦٦٠)فَأمّا أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ: فَعَلى أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ المَلائِكَةَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ، وهو نَفْيُ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، وعَلى ما فِيهِ. والمُرادُ بِ (المُطَهَّرِينَ) حِينَئِذٍ إمّا جِنْسُ المَلائِكَةِ، أوْ مَن نَزَلَ بِهِ وهو رُوحُ القُدُسِ. وطَهارَتُهم نَقاءُ ذَواتِهِمْ عَنْ كُدُوراتِ الأجْسامِ، ودَنَسِ الهَيُولى، أوْ عَنِ المُخالَفَةِ والعِصْيانِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّ هَذا القُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] كَما قالَ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ ولا نَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ: لا يَقْرَؤُهُ إلّا المُوَحِّدُونَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ تَقَبُّلِهِ، والِاهْتِداءِ بِهِ، والعِنايَةِ بِهِ؛ فَإنَّ مَسَّ الشَّيْءِ سَبَبُ حُبِّ المَلْمُوسِ، وأثَرُ الإقْبالِ عَلَيْهِ، ورائِدُ الِانْصِياعِ لَهُ، والطَّهارَةُ حِينَئِذٍ هي نَظافَةُ القَلْبِ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، والمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ، والغَرائِزِ الفاسِدَةِ. وقالَ آخَرُونَ: عَنِّي بِ: (المُطَّهَّرِينَ) المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الجَنابَةِ والحَدَثِ، قالُوا: ولَفْظُ الآيَةِ خَبَرٌ، ومَعْناها النَّهْيُ، إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ طَبِيعَةٌ مِن طَبائِعِهِ، ولازِمٌ مِن لَوازِمِهِ، لِشَرَفِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ. قالُوا: والمُرادُ بِ: (الكِتابِ) المُصْحَفُ، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ في "مُوَطَّئِهِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: ««أنْ لا يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ»» . وبِما رَوى اَلدّارَقُطْنِيُّ في قِصَّةِ إسْلامِ عُمَرَ، أنَّ أُخْتَهُ قالَتْ لَهُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ: إنَّهُ رِجْسٌ و﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إلّا أنَّ فِيهِما مَقالًا (p-٥٦٦١)بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "تَلْخِيصِ الحَبِيرِ" وأشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا. ومَعَ ذَلِكَ فالدَّلالَةُ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الشَّوْكانِيُّ في "نَيْلِ الأوْطارِ" وعِبارَتُهُ: الطّاهِرُ يُطْلَقُ بِالِاشْتِراكِ عَلى المُؤْمِنِ، والطّاهِرُ مِنَ الحَدَثِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ، ومَن لَيْسَ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. ويَدُلُّ لِإطْلاقِهِ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . وعَلى الثّانِي: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وعَلى الثّالِثِ قَوْلُهُ ﷺ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ: ««دَعْهُما فَإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ»»، وعَلى الرّابِعِ: الإجْماعُ عَلى أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ حِسِّيَّةٌ ولا حُكْمِيَّةٌ يُسَمّى طاهِرًا. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ ذَلِكَ في كَثِيرٍ. فَمَن أجازَ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ، حَمَلَهُ عَلَيْهِ هُنا. والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها مَذاهِبُ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ المُشْتَرَكَ مُجْمَلٌ فِيها، فَلا يَعْمَلُ بِهِ حَتّى يُبَيَّنَ. وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أكْبَرَ أنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ، وخالَفَ في ذَلِكَ داوُدُ، واسْتَدَلَّ المانِعُونَ لِلْجُنُبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهو لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ جَعْلِ الضَّمِيرِ راجِعًا إلى القُرْآنِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى الكِتابِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّهُ الأقْرَبُ. و﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] المَلائِكَةُ. ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ الظُّهُورِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، فَيَمْتَنِعُ العَمَلُ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ويَتَوَجَّهُ الرُّجُوعُ إلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ. ولَوْ سُلِّمَ رُجُوعُهُ إلى القُرْآنِ عَلى التَّعْيِينِ، لَكانَتْ دَلالَتُهُ عَلى المَطْلُوبِ، وهو مَنعُ الجُنُبِ مِن مَسِّهِ، غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ؛ لِأنَّ المُطَهَّرَ مَن لَيْسَ بِنَجِسٍ، والمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجِسٍ دائِمًا، لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ المُطَهَّرِ عَلى مَن لَيْسَ بِجُنُبٍ أوْ حائِضٍ أوْ مُحْدِثٍ أوْ مُتَنَجِّسٍ بِنَجاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ، بَلْ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] لِهَذا الحَدِيثِ، ولِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ بِالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ. ولَوْ (p-٥٦٦٢)سُلِّمَ صِدْقُ اسْمِ (الطّاهِرِ) عَلى مَن لَيْسَ بِمُحْدِثٍ حَدَثًا أكْبَرَ أوْ أصْغَرَ، فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُ المُشْتَرَكِ مُجْمَلًا في مَعانِيهِ، فَلا يُعَيَّنُ حَتّى يَبِينَ، وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ هاهُنا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»»، ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ وُجُودِ دَلِيلٍ يَمْنَعُ مِن إرادَتِهِ، لَكانَ تَعْيِينُهُ لِمَحَلِّ النِّزاعِ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ، وتَعْيِينُهُ لِجَمِيعِها اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، وفِيهِ الخِلافُ، ولَوْ سُلِّمَ رُجْحانُ القَوْلِ بِجَوازِ الِاسْتِعْمالِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، لَما صَحَّ، لِوُجُودِ المانِعِ، وهو حَدِيثُ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ المُتَقَدِّمِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ؛ لِأنَّهُ مِن صَحِيفَةٍ غَيْرِ مَسْمُوعَةٍ، وفي رِجالِ إسْنادِهِ خِلافٌ شَدِيدٌ، ولَوْ سُلِّمَ صَلاحِيَتُهُ لِلِاحْتِجاجِ، لَعادَ البَحْثُ السّابِقُ في لَفْظِ طاهِرٍ، وقَدْ عَرَفْتَهُ. قالَ السَّيِّدُ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الوَزِيرُ: إنَّ إطْلاقَ اسْمِ النَّجِسِ عَلى المُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ بِطاهِرٍ مِنَ الجَنابَةِ أوِ الحَيْضِ أوِ الحَدَثِ الأصْغَرِ، لا يَصِحُّ حَقِيقَةً ولا مَجازًا ولا لُغَةً. صَرَّحَ بِذَلِكَ في جَوابِ سُؤالٍ ورَدَّ عَلَيْهِ؛ فَإنْ ثَبَتَ هَذا فالمُؤْمِنُ طاهِرٌ دائِمًا، فَلا يَتَناوَلُهُ الحَدِيثُ، سَواءٌ كانَ جُنُبًا أوْ حائِضًا أوْ مُحْدِثًا، أوْ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. فَإنْ قُلْتَ: إذا تَمَّ ما تُرِيدُ مِن حَمْلِ الطّاهِرِ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، فَما جَوابُكَ فِيما ثَبَتَ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ﷺ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: ««أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ تَوَلَّيْتَ فَإنَّما عَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ. و﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]»»، مَعَ كَوْنِهِمْ جامِعِينَ بَيْنَ نَجاسَتَيِ الشِّرْكِ والِاجْتِنابِ، ووُقُوعُ اللَّمْسِ مِنهم لَهُ مَعْلُومٌ؟ قُلْتُ: أجَعَلَهُ خاصَّةً بِمِثْلِ الآيَةِ والآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ تَمْكِينُ المُشْرِكِ مِن مَسِّ ذَلِكَ المِقْدارِ لِمَصْلَحَةٍ، كَدُعائِهِ إلى الإسْلامِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ قَدْ صارَ بِاخْتِلاطِهِ بِغَيْرِهِ (p-٥٦٦٣)لا يَحْرُمُ لَمْسُهُ، كَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، فَلا تُخَصَّصُ بِهِ الآيَةُ والحَدِيثُ. إذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا عَرَفْتَ عَدَمَ انْتِهاضِ الدَّلِيلِ عَلى مَنعِ مَن عَدا المُشْرِكَ. وقَدْ عَرَفْتَ الخِلافَ في الجُنُبِ. وأمّا المُحْدِثُ حَدَثًا أصْغَرَ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ والهادَوِيَّةُ وقاضِي القُضاةِ وداوُدُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ المُصْحَفِ، وقالَ القاسِمُ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ والإمامُ يَحْيى: لا يَجُوزُ واسْتَدَلُّوا بِما سَلَفَ، وقَدْ سَلَفَ ما فِيهِ. انْتَهى كَلامُ الشَّوْكانِيِّ. تَنْبِيهٌ في لُطْفِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ وما تُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ المَكْنُونِ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ" في مَباحِثِ أمْثالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ما مِثالُهُ: الواجِبُ فِيما عَلَّقَ عَلَيْهِ الشّارِعُ الأحْكامَ مِنَ الألْفاظِ والمَعانِي أنْ لا يُتَجاوَزَ بِألْفاظِها ومَعانِيها، ولا يُقَصَّرَ بِها، ويُعْطى اللَّفْظُ حَقَّهُ، والمَعْنى، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الِاسْتِنْباطِ في كِتابِهِ، وأخْبَرَ أنَّهم أهْلُ العِلْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِنْباطَ إنَّما هو اسْتِنْباطُ المَعانِي والعِلَلِ، ونِسْبَةُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فَيُعْتَبَرُ ما يَصِحُّ مِنها بِصِحَّةِ مَثَلِهِ وشَبَهِهِ ونَظِيرِهِ، ويُلْغى ما لا يَصِحُّ، هَذا الَّذِي يَعْقِلُهُ النّاسُ مِنَ الِاسْتِنْباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الِاسْتِنْباطُ كالِاسْتِخْراجِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ فَهْمِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ طَرِيقَةَ الِاسْتِنْباطِ؛ إذْ مَوْضُوعاتُ الألْفاظِ لا تُنالُ بِالِاسْتِنْباطِ، وإنَّما تُنالُ بِهِ العِلَلُ والمَعانِي والأشْباهُ والنَّظائِرُ، ومَقاصِدُ المُتَكَلِّمِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ ذَمَّ مَن سَمِعَ ظاهِرًا مُجَرَّدًا فَأذاعَهُ وأفْشاهُ، وحَمِدَ مَنِ اسْتَنْبَطَ مِن أُولِي العِلْمِ حَقِيقَتَهُ ومَعْناهُ يُوَضِّحُهُ أنَّ الِاسْتِنْباطَ اسْتِخْراجُ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْفى عَلى غَيْرِ مُسْتَنْبِطِهِ، ومِنهُ اسْتِنْباطُ الماءِ مِن أرْضِ البِئْرِ والعَيْنِ. ومِن هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ سُئِلَ: هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ فَقالَ: لا، والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا (p-٥٦٦٤)يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ! ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الفَهْمَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مَعْرِفَةِ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وعُمُومِهِ أوْ خُصُوصِهِ، فَإنَّ هَذا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنِ سائِرِ مَن يَعْرِفُ لُغَةَ العَرَبِ، وإنَّما هَذا فَهْمُ لَوازِمِ المَعْنى ونَظائِرِهِ، ومُرادِ المُتَكَلِّمِ بِكَلامِهِ، ومَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلامِهِ، بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المُرادِ ولا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ مِنَ المُرادِ. وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرَةٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ووَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيُّ مِنَ الآيَةِ، فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ، ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا لا يُنالُ مَعانِيهِ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي، إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وإنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ، مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا السَّبَبَ القَرِيبَ، وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، واسْتِنْباطَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِنَ الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ، فَهَذا مِنَ الفَهْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى. (p-٥٦٦٥)

الواقعة 56:79

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥ - ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: مَنازِلِ الكَواكِبِ ومَرْكَزِها البَهِيجَةِ في السَّماءِ. أوْ بِمَساقِطِها ومَغارِبِها، وهي أوْقاتُ غَيْبَتِها عَنِ الحَواسِّ، أوْ بِمَساقِطِها وانْتِشارِها يَوْمَ القِيامَةِ. و" لا " في " لا أُقْسِمُ " إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةِ الكَلامِ، وقَدْ عُهِدَتْ زِيادَتُها في كَلامِهِمْ، كَما أوْضَحَهُ في "فِقْهِ اللُّغَةِ" وإمّا لا أُقْسِمُ بِتَمامِها؛ صِيغَةً مِن صِيَغِ القَسَمِ، عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] أيْ: لِما في القَسَمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، وكَمالِ الحِكْمَةِ. ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] أيْ: لَهُ كَرَمٌ وشَرَفٌ وقَدْرٌ رَفِيعٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمَّهاتِ الحِكَمِ والأحْكامِ، وما تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حاجاتُ الأنامِ عَلى الدَّوامِ. ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] أيْ: مَحْفُوظٍ مَصُونٍ، لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ. أوْ مَحْفُوظٍ عَنْ تَرْدادِ الأيْدِي عَلَيْهِ، كَغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، بَلْ هو كالدُّرِّ المَصُونِ إلّا عَنْ أهْلِهِ، كَما قالَ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ أقْوالًا عَدِيدَةً؛ مَرْجِعُها إلى أنَّ المَسَّ مَجازٌ أوْ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى الوَحْيِ المُتَلَقّى، أوِ المُصْحَفِ، وأنَّ ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هُمُ المَلائِكَةُ، أوِ المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الأحْداثِ والأخْباثِ؛ وذَلِكَ لِاتِّساعِ ألْفاظِهِما الكَرِيمَةِ، لِما ذُكِرَ بِطَرِيقِ الِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وهاكَ مُلَخَّصُ ذَلِكَ ولُبابُهُ: (p-٥٦٦٠)فَأمّا أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ: فَعَلى أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ المَلائِكَةَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ، وهو نَفْيُ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، وعَلى ما فِيهِ. والمُرادُ بِ (المُطَهَّرِينَ) حِينَئِذٍ إمّا جِنْسُ المَلائِكَةِ، أوْ مَن نَزَلَ بِهِ وهو رُوحُ القُدُسِ. وطَهارَتُهم نَقاءُ ذَواتِهِمْ عَنْ كُدُوراتِ الأجْسامِ، ودَنَسِ الهَيُولى، أوْ عَنِ المُخالَفَةِ والعِصْيانِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّ هَذا القُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] كَما قالَ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ ولا نَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ: لا يَقْرَؤُهُ إلّا المُوَحِّدُونَ. فَنَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ تَقَبُّلِهِ، والِاهْتِداءِ بِهِ، والعِنايَةِ بِهِ؛ فَإنَّ مَسَّ الشَّيْءِ سَبَبُ حُبِّ المَلْمُوسِ، وأثَرُ الإقْبالِ عَلَيْهِ، ورائِدُ الِانْصِياعِ لَهُ، والطَّهارَةُ حِينَئِذٍ هي نَظافَةُ القَلْبِ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، والمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ، والغَرائِزِ الفاسِدَةِ. وقالَ آخَرُونَ: عَنِّي بِ: (المُطَّهَّرِينَ) المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الجَنابَةِ والحَدَثِ، قالُوا: ولَفْظُ الآيَةِ خَبَرٌ، ومَعْناها النَّهْيُ، إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ طَبِيعَةٌ مِن طَبائِعِهِ، ولازِمٌ مِن لَوازِمِهِ، لِشَرَفِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ. قالُوا: والمُرادُ بِ: (الكِتابِ) المُصْحَفُ، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ في "مُوَطَّئِهِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: ««أنْ لا يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ»» . وبِما رَوى اَلدّارَقُطْنِيُّ في قِصَّةِ إسْلامِ عُمَرَ، أنَّ أُخْتَهُ قالَتْ لَهُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ: إنَّهُ رِجْسٌ و﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إلّا أنَّ فِيهِما مَقالًا (p-٥٦٦١)بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "تَلْخِيصِ الحَبِيرِ" وأشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا. ومَعَ ذَلِكَ فالدَّلالَةُ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الشَّوْكانِيُّ في "نَيْلِ الأوْطارِ" وعِبارَتُهُ: الطّاهِرُ يُطْلَقُ بِالِاشْتِراكِ عَلى المُؤْمِنِ، والطّاهِرُ مِنَ الحَدَثِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ، ومَن لَيْسَ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. ويَدُلُّ لِإطْلاقِهِ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . وعَلى الثّانِي: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وعَلى الثّالِثِ قَوْلُهُ ﷺ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ: ««دَعْهُما فَإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ»»، وعَلى الرّابِعِ: الإجْماعُ عَلى أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ حِسِّيَّةٌ ولا حُكْمِيَّةٌ يُسَمّى طاهِرًا. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ ذَلِكَ في كَثِيرٍ. فَمَن أجازَ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ، حَمَلَهُ عَلَيْهِ هُنا. والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها مَذاهِبُ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ المُشْتَرَكَ مُجْمَلٌ فِيها، فَلا يَعْمَلُ بِهِ حَتّى يُبَيَّنَ. وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أكْبَرَ أنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ، وخالَفَ في ذَلِكَ داوُدُ، واسْتَدَلَّ المانِعُونَ لِلْجُنُبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهو لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ جَعْلِ الضَّمِيرِ راجِعًا إلى القُرْآنِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى الكِتابِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّهُ الأقْرَبُ. و﴿المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] المَلائِكَةُ. ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ الظُّهُورِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، فَيَمْتَنِعُ العَمَلُ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ويَتَوَجَّهُ الرُّجُوعُ إلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ. ولَوْ سُلِّمَ رُجُوعُهُ إلى القُرْآنِ عَلى التَّعْيِينِ، لَكانَتْ دَلالَتُهُ عَلى المَطْلُوبِ، وهو مَنعُ الجُنُبِ مِن مَسِّهِ، غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ؛ لِأنَّ المُطَهَّرَ مَن لَيْسَ بِنَجِسٍ، والمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجِسٍ دائِمًا، لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ المُطَهَّرِ عَلى مَن لَيْسَ بِجُنُبٍ أوْ حائِضٍ أوْ مُحْدِثٍ أوْ مُتَنَجِّسٍ بِنَجاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ، بَلْ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] لِهَذا الحَدِيثِ، ولِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ بِالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ. ولَوْ (p-٥٦٦٢)سُلِّمَ صِدْقُ اسْمِ (الطّاهِرِ) عَلى مَن لَيْسَ بِمُحْدِثٍ حَدَثًا أكْبَرَ أوْ أصْغَرَ، فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُ المُشْتَرَكِ مُجْمَلًا في مَعانِيهِ، فَلا يُعَيَّنُ حَتّى يَبِينَ، وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ هاهُنا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ لِحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»»، ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ وُجُودِ دَلِيلٍ يَمْنَعُ مِن إرادَتِهِ، لَكانَ تَعْيِينُهُ لِمَحَلِّ النِّزاعِ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ، وتَعْيِينُهُ لِجَمِيعِها اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، وفِيهِ الخِلافُ، ولَوْ سُلِّمَ رُجْحانُ القَوْلِ بِجَوازِ الِاسْتِعْمالِ في جَمِيعِ مَعانِيهِ، لَما صَحَّ، لِوُجُودِ المانِعِ، وهو حَدِيثُ: ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»» . واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ المُتَقَدِّمِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ؛ لِأنَّهُ مِن صَحِيفَةٍ غَيْرِ مَسْمُوعَةٍ، وفي رِجالِ إسْنادِهِ خِلافٌ شَدِيدٌ، ولَوْ سُلِّمَ صَلاحِيَتُهُ لِلِاحْتِجاجِ، لَعادَ البَحْثُ السّابِقُ في لَفْظِ طاهِرٍ، وقَدْ عَرَفْتَهُ. قالَ السَّيِّدُ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الوَزِيرُ: إنَّ إطْلاقَ اسْمِ النَّجِسِ عَلى المُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ بِطاهِرٍ مِنَ الجَنابَةِ أوِ الحَيْضِ أوِ الحَدَثِ الأصْغَرِ، لا يَصِحُّ حَقِيقَةً ولا مَجازًا ولا لُغَةً. صَرَّحَ بِذَلِكَ في جَوابِ سُؤالٍ ورَدَّ عَلَيْهِ؛ فَإنْ ثَبَتَ هَذا فالمُؤْمِنُ طاهِرٌ دائِمًا، فَلا يَتَناوَلُهُ الحَدِيثُ، سَواءٌ كانَ جُنُبًا أوْ حائِضًا أوْ مُحْدِثًا، أوْ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ. فَإنْ قُلْتَ: إذا تَمَّ ما تُرِيدُ مِن حَمْلِ الطّاهِرِ عَلى مَن لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، فَما جَوابُكَ فِيما ثَبَتَ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ﷺ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: ««أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ تَوَلَّيْتَ فَإنَّما عَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ. و﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]»»، مَعَ كَوْنِهِمْ جامِعِينَ بَيْنَ نَجاسَتَيِ الشِّرْكِ والِاجْتِنابِ، ووُقُوعُ اللَّمْسِ مِنهم لَهُ مَعْلُومٌ؟ قُلْتُ: أجَعَلَهُ خاصَّةً بِمِثْلِ الآيَةِ والآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ تَمْكِينُ المُشْرِكِ مِن مَسِّ ذَلِكَ المِقْدارِ لِمَصْلَحَةٍ، كَدُعائِهِ إلى الإسْلامِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ قَدْ صارَ بِاخْتِلاطِهِ بِغَيْرِهِ (p-٥٦٦٣)لا يَحْرُمُ لَمْسُهُ، كَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، فَلا تُخَصَّصُ بِهِ الآيَةُ والحَدِيثُ. إذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا عَرَفْتَ عَدَمَ انْتِهاضِ الدَّلِيلِ عَلى مَنعِ مَن عَدا المُشْرِكَ. وقَدْ عَرَفْتَ الخِلافَ في الجُنُبِ. وأمّا المُحْدِثُ حَدَثًا أصْغَرَ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ والهادَوِيَّةُ وقاضِي القُضاةِ وداوُدُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ المُصْحَفِ، وقالَ القاسِمُ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ والإمامُ يَحْيى: لا يَجُوزُ واسْتَدَلُّوا بِما سَلَفَ، وقَدْ سَلَفَ ما فِيهِ. انْتَهى كَلامُ الشَّوْكانِيِّ. تَنْبِيهٌ في لُطْفِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ وما تُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ المَكْنُونِ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ" في مَباحِثِ أمْثالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ما مِثالُهُ: الواجِبُ فِيما عَلَّقَ عَلَيْهِ الشّارِعُ الأحْكامَ مِنَ الألْفاظِ والمَعانِي أنْ لا يُتَجاوَزَ بِألْفاظِها ومَعانِيها، ولا يُقَصَّرَ بِها، ويُعْطى اللَّفْظُ حَقَّهُ، والمَعْنى، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الِاسْتِنْباطِ في كِتابِهِ، وأخْبَرَ أنَّهم أهْلُ العِلْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِنْباطَ إنَّما هو اسْتِنْباطُ المَعانِي والعِلَلِ، ونِسْبَةُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فَيُعْتَبَرُ ما يَصِحُّ مِنها بِصِحَّةِ مَثَلِهِ وشَبَهِهِ ونَظِيرِهِ، ويُلْغى ما لا يَصِحُّ، هَذا الَّذِي يَعْقِلُهُ النّاسُ مِنَ الِاسْتِنْباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الِاسْتِنْباطُ كالِاسْتِخْراجِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ فَهْمِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ طَرِيقَةَ الِاسْتِنْباطِ؛ إذْ مَوْضُوعاتُ الألْفاظِ لا تُنالُ بِالِاسْتِنْباطِ، وإنَّما تُنالُ بِهِ العِلَلُ والمَعانِي والأشْباهُ والنَّظائِرُ، ومَقاصِدُ المُتَكَلِّمِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ ذَمَّ مَن سَمِعَ ظاهِرًا مُجَرَّدًا فَأذاعَهُ وأفْشاهُ، وحَمِدَ مَنِ اسْتَنْبَطَ مِن أُولِي العِلْمِ حَقِيقَتَهُ ومَعْناهُ يُوَضِّحُهُ أنَّ الِاسْتِنْباطَ اسْتِخْراجُ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْفى عَلى غَيْرِ مُسْتَنْبِطِهِ، ومِنهُ اسْتِنْباطُ الماءِ مِن أرْضِ البِئْرِ والعَيْنِ. ومِن هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ سُئِلَ: هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ فَقالَ: لا، والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا (p-٥٦٦٤)يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ! ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الفَهْمَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مَعْرِفَةِ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وعُمُومِهِ أوْ خُصُوصِهِ، فَإنَّ هَذا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنِ سائِرِ مَن يَعْرِفُ لُغَةَ العَرَبِ، وإنَّما هَذا فَهْمُ لَوازِمِ المَعْنى ونَظائِرِهِ، ومُرادِ المُتَكَلِّمِ بِكَلامِهِ، ومَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلامِهِ، بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المُرادِ ولا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ مِنَ المُرادِ. وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرَةٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ووَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيُّ مِنَ الآيَةِ، فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ، ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا لا يُنالُ مَعانِيهِ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي، إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وإنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ، مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا السَّبَبَ القَرِيبَ، وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، واسْتِنْباطَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِنَ الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ، فَهَذا مِنَ الفَهْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى. (p-٥٦٦٥)

الواقعة 56:80

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠ - ٨٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ: الَّذِي رَبّاهم بِالكَمالاتِ، وهَداهم إلَيْها بِتَنْزِيلِها مِنهُ. ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ [الواقعة: ٨١] يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي قُصَّ عَلَيْكم فَخامَةُ شَأْنِهِ، وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ ﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تُلِينُونَ القَوْلَ لِلْمُكَذِّبِينَ، مُمالَأةً مِنكم لَهم عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ والكُفْرِ. وأصْلُ الِادِّهانِ -كَما قالَ الشِّهابُ- جَعَلَ الأدِيمَ ونَحْوَهُ مَدْهُونًا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّهْنِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلَيِّنًا لَهُ مَحْسُوسًا، أُرِيدَ بِهِ اللِّينُ المَعْنَوِيُّ، عَلى أنَّهُ تَجَوُّزٌ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ اللِّينِ، أوِ اسْتُعِيرَ لَهُ؛ ولِذا سُمِّيَتِ المُداراةُ والمُلايَنَةُ مُداهَنَةً. وهَذا مَجازٌ مَعْرُوفٌ، ولِشُهْرَتِهِ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَلِذا تُجُوِّزَ بِهِ هُنا عَنِ التَّهاوُنِ أيْضًا؛ لِأنَّ المُتَهاوِنَ بِالأمْرِ لا يَتَصَلَّبُ فِيهِ. ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ: شُكْرَ رِزْقِكم إيّاهُ تَكْذِيبَكم بِهِ، كُفْرًا لِنِعْمَتِهِ، وجَحْدًا لِمِنَّتِهٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ اللَّهِ عَلى رِزْقِهِ إيّاكُمُ التَّكْذِيبَ، وذَلِكَ كَقَوْلِ القائِلِ لِلْآخَرِ: جَعَلْتَ إحْسانِي إلَيْكَ إساءَةً مِنكَ إلَيَّ؛ بِمَعْنى: جَعَلْتَ شُكْرَ إحْسانِي أوْ ثَوابَ إحْسانِي إلَيْكَ، إساءَةً مِنكَ إلَيَّ. وقَدْ ذُكِرَ عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أنَّ مِن لُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ: ما رُزِقَ فُلانٌ، بِمَعْنى ما شَكَرَ. انْتَهى. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الرِّزْقَ هُنا عَلى النِّعْمَةِ مُطْلَقًا، والأظْهَرُ أنَّهُ نِعْمَةُ القُرْآنِ، لِلسِّياقِ. (p-٥٦٦٦)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: وتَجْعَلُونَ قُوتَكُمُ القَلْبِيَّ ورِزْقَكُمُ الحَقِيقِيَّ، تَكْذِيبَهُ، لِاحْتِجابِكم بِعُلُومِكُمْ، وإنْكارِكم ما لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، كَإنْكارِ رَجُلٍ جاهِلٍ ما يُخالِفُ اعْتِقادَهُ كَأنَّ عِلْمَهُ نَفْسُ تَكْذِيبِهِ. أوْ رِزْقَكُمُ الصُّورِيَّ، أيْ: لِمُداوَمَتِكم عَلى التَّكْذِيبِ، كَأنَّكم تَجْعَلُونَ التَّكْذِيبَ غِذاءَكُمْ، كَما تَقُولُ لِلْمُواظِبِ عَلى الكَذِبِ: الكَذِبُ غِذاؤُهُ.

الواقعة 56:81

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠ - ٨٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ: الَّذِي رَبّاهم بِالكَمالاتِ، وهَداهم إلَيْها بِتَنْزِيلِها مِنهُ. ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ [الواقعة: ٨١] يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي قُصَّ عَلَيْكم فَخامَةُ شَأْنِهِ، وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ ﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تُلِينُونَ القَوْلَ لِلْمُكَذِّبِينَ، مُمالَأةً مِنكم لَهم عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ والكُفْرِ. وأصْلُ الِادِّهانِ -كَما قالَ الشِّهابُ- جَعَلَ الأدِيمَ ونَحْوَهُ مَدْهُونًا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّهْنِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلَيِّنًا لَهُ مَحْسُوسًا، أُرِيدَ بِهِ اللِّينُ المَعْنَوِيُّ، عَلى أنَّهُ تَجَوُّزٌ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ اللِّينِ، أوِ اسْتُعِيرَ لَهُ؛ ولِذا سُمِّيَتِ المُداراةُ والمُلايَنَةُ مُداهَنَةً. وهَذا مَجازٌ مَعْرُوفٌ، ولِشُهْرَتِهِ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَلِذا تُجُوِّزَ بِهِ هُنا عَنِ التَّهاوُنِ أيْضًا؛ لِأنَّ المُتَهاوِنَ بِالأمْرِ لا يَتَصَلَّبُ فِيهِ. ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ: شُكْرَ رِزْقِكم إيّاهُ تَكْذِيبَكم بِهِ، كُفْرًا لِنِعْمَتِهِ، وجَحْدًا لِمِنَّتِهٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ اللَّهِ عَلى رِزْقِهِ إيّاكُمُ التَّكْذِيبَ، وذَلِكَ كَقَوْلِ القائِلِ لِلْآخَرِ: جَعَلْتَ إحْسانِي إلَيْكَ إساءَةً مِنكَ إلَيَّ؛ بِمَعْنى: جَعَلْتَ شُكْرَ إحْسانِي أوْ ثَوابَ إحْسانِي إلَيْكَ، إساءَةً مِنكَ إلَيَّ. وقَدْ ذُكِرَ عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أنَّ مِن لُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ: ما رُزِقَ فُلانٌ، بِمَعْنى ما شَكَرَ. انْتَهى. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الرِّزْقَ هُنا عَلى النِّعْمَةِ مُطْلَقًا، والأظْهَرُ أنَّهُ نِعْمَةُ القُرْآنِ، لِلسِّياقِ. (p-٥٦٦٦)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: وتَجْعَلُونَ قُوتَكُمُ القَلْبِيَّ ورِزْقَكُمُ الحَقِيقِيَّ، تَكْذِيبَهُ، لِاحْتِجابِكم بِعُلُومِكُمْ، وإنْكارِكم ما لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، كَإنْكارِ رَجُلٍ جاهِلٍ ما يُخالِفُ اعْتِقادَهُ كَأنَّ عِلْمَهُ نَفْسُ تَكْذِيبِهِ. أوْ رِزْقَكُمُ الصُّورِيَّ، أيْ: لِمُداوَمَتِكم عَلى التَّكْذِيبِ، كَأنَّكم تَجْعَلُونَ التَّكْذِيبَ غِذاءَكُمْ، كَما تَقُولُ لِلْمُواظِبِ عَلى الكَذِبِ: الكَذِبُ غِذاؤُهُ.

الواقعة 56:82

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠ - ٨٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ: الَّذِي رَبّاهم بِالكَمالاتِ، وهَداهم إلَيْها بِتَنْزِيلِها مِنهُ. ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ [الواقعة: ٨١] يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي قُصَّ عَلَيْكم فَخامَةُ شَأْنِهِ، وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ ﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تُلِينُونَ القَوْلَ لِلْمُكَذِّبِينَ، مُمالَأةً مِنكم لَهم عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ والكُفْرِ. وأصْلُ الِادِّهانِ -كَما قالَ الشِّهابُ- جَعَلَ الأدِيمَ ونَحْوَهُ مَدْهُونًا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّهْنِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلَيِّنًا لَهُ مَحْسُوسًا، أُرِيدَ بِهِ اللِّينُ المَعْنَوِيُّ، عَلى أنَّهُ تَجَوُّزٌ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ اللِّينِ، أوِ اسْتُعِيرَ لَهُ؛ ولِذا سُمِّيَتِ المُداراةُ والمُلايَنَةُ مُداهَنَةً. وهَذا مَجازٌ مَعْرُوفٌ، ولِشُهْرَتِهِ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَلِذا تُجُوِّزَ بِهِ هُنا عَنِ التَّهاوُنِ أيْضًا؛ لِأنَّ المُتَهاوِنَ بِالأمْرِ لا يَتَصَلَّبُ فِيهِ. ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ: شُكْرَ رِزْقِكم إيّاهُ تَكْذِيبَكم بِهِ، كُفْرًا لِنِعْمَتِهِ، وجَحْدًا لِمِنَّتِهٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ اللَّهِ عَلى رِزْقِهِ إيّاكُمُ التَّكْذِيبَ، وذَلِكَ كَقَوْلِ القائِلِ لِلْآخَرِ: جَعَلْتَ إحْسانِي إلَيْكَ إساءَةً مِنكَ إلَيَّ؛ بِمَعْنى: جَعَلْتَ شُكْرَ إحْسانِي أوْ ثَوابَ إحْسانِي إلَيْكَ، إساءَةً مِنكَ إلَيَّ. وقَدْ ذُكِرَ عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أنَّ مِن لُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ: ما رُزِقَ فُلانٌ، بِمَعْنى ما شَكَرَ. انْتَهى. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الرِّزْقَ هُنا عَلى النِّعْمَةِ مُطْلَقًا، والأظْهَرُ أنَّهُ نِعْمَةُ القُرْآنِ، لِلسِّياقِ. (p-٥٦٦٦)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: وتَجْعَلُونَ قُوتَكُمُ القَلْبِيَّ ورِزْقَكُمُ الحَقِيقِيَّ، تَكْذِيبَهُ، لِاحْتِجابِكم بِعُلُومِكُمْ، وإنْكارِكم ما لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، كَإنْكارِ رَجُلٍ جاهِلٍ ما يُخالِفُ اعْتِقادَهُ كَأنَّ عِلْمَهُ نَفْسُ تَكْذِيبِهِ. أوْ رِزْقَكُمُ الصُّورِيَّ، أيْ: لِمُداوَمَتِكم عَلى التَّكْذِيبِ، كَأنَّكم تَجْعَلُونَ التَّكْذِيبَ غِذاءَكُمْ، كَما تَقُولُ لِلْمُواظِبِ عَلى الكَذِبِ: الكَذِبُ غِذاؤُهُ.

الواقعة 56:83

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٣ - ٨٥] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ﴾ أيِ: النَّفْسُ، لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها ﴿الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حالَةَ نَزْعِهِ، أوْ تَنْتَظِرُونَ لَفْظَةَ النَّفَسِ الأخِيرِ. والخِطابُ لِمَن حَوْلَ المُحْتَضِرِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] قالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ: يَعْنِي مَلَكَ المَوْتِ أدْنى إلَيْهِ مِن أهْلِهِ، ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ المَلائِكَةَ. أوْ لا تُدْرِكُونَ كُنْهَ ما يُقاسِيهِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ القُرْبَ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ. وتَقَدَّمَ بَسْطُ الأقْوالِ، وتَرْجِيحُ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] في سُورَةِ ق، فارْجِعْ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُهِمٌّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، أوْ حالِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها.

الواقعة 56:84

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٣ - ٨٥] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ﴾ أيِ: النَّفْسُ، لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها ﴿الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حالَةَ نَزْعِهِ، أوْ تَنْتَظِرُونَ لَفْظَةَ النَّفَسِ الأخِيرِ. والخِطابُ لِمَن حَوْلَ المُحْتَضِرِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] قالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ: يَعْنِي مَلَكَ المَوْتِ أدْنى إلَيْهِ مِن أهْلِهِ، ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ المَلائِكَةَ. أوْ لا تُدْرِكُونَ كُنْهَ ما يُقاسِيهِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ القُرْبَ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ. وتَقَدَّمَ بَسْطُ الأقْوالِ، وتَرْجِيحُ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] في سُورَةِ ق، فارْجِعْ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُهِمٌّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، أوْ حالِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها.

الواقعة 56:85

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٣ - ٨٥] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ﴾ أيِ: النَّفْسُ، لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها ﴿الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حالَةَ نَزْعِهِ، أوْ تَنْتَظِرُونَ لَفْظَةَ النَّفَسِ الأخِيرِ. والخِطابُ لِمَن حَوْلَ المُحْتَضِرِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] قالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ: يَعْنِي مَلَكَ المَوْتِ أدْنى إلَيْهِ مِن أهْلِهِ، ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ المَلائِكَةَ. أوْ لا تُدْرِكُونَ كُنْهَ ما يُقاسِيهِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ القُرْبَ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ. وتَقَدَّمَ بَسْطُ الأقْوالِ، وتَرْجِيحُ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] في سُورَةِ ق، فارْجِعْ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُهِمٌّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، أوْ حالِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها.

الواقعة 56:86

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:87

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:88

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:89

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:90

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:91

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:92

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:93

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:94

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:95

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.

الواقعة 56:96

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] (p-٥٦٦٧)﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ. مِن دانَهُ أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ. ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] أيْ: في أنَّكم غَيْرُ مَسُوسِينَ، مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ. يَعْنِي: أنَّكم مُجْبَرُونَ عاجِزُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإلّا لَأمْكَنَكم دَفْعُ ما تَكْرَهُونَ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، وهو المَوْتُ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: المَيِّتُ ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] أيِ: السّابِقِينَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: فَلَهُ راحَةٌ ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: رِزْقٌ طَيِّبٌ، أوْ شَجَرٌ ناضِرٌ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أيْ: يَتَنَعَّمُ فِيها مِمّا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تُبَشِّرُهُمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ تَقُولُ لِأحَدِهِمْ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ أنْتَ في سَلامَةٍ، أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. (p-٥٦٦٨)وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ، كَما قالَ عِكْرِمَةُ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الآياتِ. . انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: في السَّلامِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أيْ: سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ؛ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ؛ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ، كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ. إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ الفَضْلِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: والخِطابُ بِقَوْلِهِ: " لَكَ " يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ، وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها؛ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ، لا يَهُمُّكَ أمْرُهُمْ، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ. انْتَهى. ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ﴿الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] أيِ: الجائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ: ماءٍ انْتَهى حَرُّهُ، فَهو شَرابُهُ. ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] أيْ: إحْراقٌ بِالنّارِ. ﴿إنَّ هَذا﴾ [الواقعة: ٩٥] أيِ: المَذْكُورَ مِن أحْوالِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ وعَواقِبِهِمْ ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] (p-٥٦٦٩)أيْ: حَقِيقَةُ الأمْرِ، وجَلِيَّةُ الحالِ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا ارْتِيابَ. والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيِ: الحَقُّ اليَقِينُ: كَما يُقالُ: دارُ الآخِرَةِ، أوْ بِالعَكْسِ، أيِ: اليَقِينُ الحَقُّ. أوْ مِن إضافَةِ العامِّ لِلْخاصِّ، أيْ: كَعِلْمِ الأمْرِ اليَقِينِ. فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لامِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى مِن. تَنْبِيهٌ: فِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآياتِ هَذِهِ عَلى أنَّ الرُّوحَ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وعَلى أنَّ مَقَرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وأرْواحَ الكافِرِينَ في النّارِ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ، وما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الأضالِيلِ، قَوْلًا وعَمَلًا.