Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الحديد 57:1 – الممتحنة 60:13
المحتويات
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:5
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:9
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:17
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:26
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:4
- المجادلة 58:5
- المجادلة 58:6
- المجادلة 58:7
- المجادلة 58:8
- المجادلة 58:9
- المجادلة 58:10
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:14
- المجادلة 58:15
- المجادلة 58:16
- المجادلة 58:17
- المجادلة 58:18
- المجادلة 58:19
- المجادلة 58:20
- المجادلة 58:21
- المجادلة 58:22
- الحشر 59:1
- الحشر 59:2
- الحشر 59:3
- الحشر 59:4
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:9
- الحشر 59:10
- الحشر 59:11
- الحشر 59:12
- الحشر 59:13
- الحشر 59:14
- الحشر 59:15
- الحشر 59:16
- الحشر 59:17
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:20
- الحشر 59:21
- الحشر 59:22
- الحشر 59:23
- الحشر 59:24
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
الحديد 57:1
(p-٥٦٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحَدِيدِ
سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّهُ ناصِرٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في الجِهادِ، فَنُزِّلَ مُنَزَّلَةَ الآياتِ النّاصِرَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، عَلى أنَّهُ سَبَبٌ لِإقامَةِ العَدْلِ، كالقُرْآنِ. وأيْضًا أنَّهُ جامِعٌ لِلْمَنافِعِ، فَأشْبَهَهُ أيْضًا، فَسُمِّيَتْ سُورَةٌ ذُكِرَ فِيهِ بِذَلِكَ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ عَلى الأصَحِّ، بَلْ قالَ النَّقّاشُ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، ونَظْمُ آياتِها وما تُشِيرُ إلَيْهِ، يُؤَيِّدُهُ قَطْعًا.
وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ المُسَبِّحاتِ قَبْلَ أنْ يَرْقُدَ. وقالَ: إنَّ فِيهِنَّ آيَةً أفْضَلَ مِن ألْفِ آيَةٍ». وهَكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والآيَةُ المُشارُ إلَيْها في الحَدِيثِ هي -واللَّهُ أعْلَمُ- قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] الآيَةَ. لِما سَيَأْتِي بَيانُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٥٦٧١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: أظْهَرَ كُلُّ مَوْجُودٍ تَنْزِيهَهُ عَنِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ، وكُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وآذَنَ بِانْفِرادِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ، وتَدْبِيرِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ؛ فَإنَّ مَن شاهَدَ هَذا العالَمَ بِما فِيهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ كُلِّها عَلى حالٍ مِنَ التَّرْتِيبِ والإحْكامِ، ورَبْطِ الأسْبابِ بِالمُسَبِّباتِ، واسْتِحالَةِ بَعْضِ المَوْجُوداتِ إلى بَعْضٍ، لا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، ولا تَنْتَهِي غاياتُهُ، فَبِالضَّرُورَةِ يَقْضِي بِأنَّ هَذا التَّرْتِيبَ المُحْكَمَ هو أثَرُ خالِقٍ واحِدٍ، مُدَبِّرٍ لِنِظامِهِ، مُرِيدٍ لِسَيْرِهِ في سُنَنِهِ، كَما بَسَطْناهُ في "دَلائِلِ التَّوْحِيدِ".
﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ: القَوِيُّ الَّذِي يَقْهَرُ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي رَتَّبَ نِظامَ كُلِّ مَوْجُودٍ عَلى تَرْتِيبٍ حُكْمِيٍّ.
الحديد 57:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: سُلْطانُهُما، ونُفُوذُ الأمْرِ فِيهِما ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: يُوجِدُ ما يَشاءُ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ كَيْفَما شاءَ، ويُمِيتُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ أجَلَهُ فَيُفْنِيهِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: تامُّ القُدْرَةِ، فَلا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ مِن إحْياءٍ وإماتَةٍ وغَيْرِهِما.
الحديد 57:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ أيِ: السّابِقُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، مِن حَيْثُ إنَّهُ مُوجِدُهُ ومُحْدِثُهُ ﴿والآخِرُ﴾ (p-٥٦٧٢)أيِ: الباقِي بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيْءٍ ﴿والظّاهِرُ﴾ أيْ: وجُودُهُ بِالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ: الظّاهِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن دُونِهِ، وهو العالِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ فَلا شَيْءَ أعْلى مِنهُ ﴿والباطِنُ﴾ أيْ: بِاحْتِجابِهِ بِذاتِهِ وماهِيَّتِهِ، أوِ العالَمِ بِباطِنِ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ: الباطِنُ جَمِيعَ الأشْياءِ فَلا شَيْءَ أقْرَبُ إلى شَيْءٍ مِنهُ، كَما قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: تامُّ العِلْمِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو عِنْدَ النَّوْمِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنا ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، مُنْزِلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ، فالِقَ الحَبِّ والنَّوى، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنّا الدَّيْنَ وأغْنِنا مِنَ الفَقْرِ»» رَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ.
الحديد 57:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مِنَ الأيّامِ الإلَهِيَّةِ، وقِيلَ: المَعْهُودَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: (p-٥٦٧٣)أيْ: هو الَّذِي أنْشَأ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضِينَ، فَدَبَّرَهُنَّ وما فِيهِنَّ، ثُمَّ اسْتَوى عَلى عَرْشِهِ فارْتَفَعَ عَلَيْهِ وعَلا.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: مِن خَلْقِهِ، كالأمْواتِ والبُذُورِ والحَيَواناتِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ أيْ: كالزُّرُوعِ ﴿وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والأقْدارِ والأحْكامِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ والأعْمالِ وغَيْرِها ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وهو شاهِدٌ لَكُمْ، أيْنَما كُنْتُمْ، يَعْلَمُكم ويَعْلَمُ أعْمالَكم ومُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ، وهو عَلى عَرْشِهِ فَوْقَ سَماواتِهِ السَّبْعِ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في "شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ": لَفْظُ المَعِيَّةِ في سُورَةِ الحَدِيدِ والمُجادَلَةِ، في آيَتَيْهِما، ثَبَتَ تَفْسِيرُهُ عَنِ السَّلَفِ بِالعِلْمِ، وقالُوا: هو مَعَهم بِعِلْمِهِ. وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ، أنَّ هَذا إجْماعٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ لَهم بِإحْسانٍ، ولَمْ يُخالِفْهم أحَدٌ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، وهو مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وغَيْرِهِمْ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: هو عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ مَعَهُمْ، وهَكَذا عَمَّنْ ذُكِرَ مَعَهُ. وقَدْ بَسَطَ الإمامُ أحْمَدُ الكَلامَ عَلى المَعِيَّةِ في "الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ". ولَفْظُ المَعِيَّةِ في كِتابِ اللَّهِ جاءَ عامًّا كَما في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وجاءَ خاصًّا كَما في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقَوْلِهِ:
﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] فَلَوْ كانَ المُرادُ بِذاتِهِ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ، لَكانَ التَّعْمِيمُ يُناقِضُ التَّخْصِيصَ، فَإنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ:
﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] أرادَ بِهِ تَخْصِيصَهُ وأبا بَكْرٍ، دُونَ عَدُوِّهِمْ مِنَ الكُفّارِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] خَصَّهم بِذَلِكَ دُونَ الظّالِمِينَ والفُجّارِ. وأيْضًا فَلَفْظُ المَعِيَّةِ لَيْسَتْ في لُغَةِ العَرَبِ، ولا شَيْءَ مِنَ (p-٥٦٧٤)القُرْآنِ، أنْ يُرادَ بِها اخْتِلاطُ إحْدى الذّاتَيْنِ بِالأُخْرى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ. وأيْضًا فامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذاتَهُ مُخْتَلِطَةٌ بِذَواتِ الخَلْقِ. وأيْضًا فَإنَّهُ افْتَتَحَ الآيَةَ بِالعِلْمِ، وخَتَمَها بِالعِلْمِ، فَكانَ السِّياقُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ أنَّهُ عالِمٌ بِهِ. وقَدْ بَسَطَ الكَلامَ عَلَيْهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وبَيَّنَ أنَّ لَفْظَ المَعِيَّةِ في اللُّغَةِ -وإنِ اقْتَضى المُصاحَبَةَ والمُقارَبَةَ- فَهو إذا كانَ مَعَ العِبادِ لَمْ يُنافِ ذَلِكَ عُلُوَّهُ عَلى عَرْشِهِ، ويَكُونُ حُكْمُ مَعِيَّتِهِ في كُلِّ مَوْطِنٍ بِحَسَبِهِ، فَمَعَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والسُّلْطانِ، ويَخُصُّ بَعْضَهم بِالإعانَةِ والنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدامَةَ المَقْدِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في كِتابِ "ذَمِّ التَّأْوِيلِ":
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ تَأوَّلْتُمْ آياتٍ وأخْبارًا، فَقُلْتُمْ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِالعِلْمِ، ونَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ والأخْبارِ، فَيَلْزَمُكم ما لَزِمَنا؟
قُلْنا: نَحْنُ لَمْ نَتَأوَّلْ شَيْئًا، وحَمْلُ هَذِهِ اللَّفْظاتِ عَلى هَذِهِ المَعانِي لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وهَذِهِ المَعانِي هي الظّاهِرُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ المُتَبادِرُ إلى الإفْهامِ مِنها. وظاهِرُ اللَّفْظِ هو ما يَسْبِقُ إلى الفَهْمِ مِنهُ، حَقِيقَةً كانَ أوْ مَجازًا، ولِذَلِكَ كانَ ظاهِرُ الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، المَجازَ دُونَ الحَقِيقَةِ، كاسْمِ الرِّوايَةِ والظَّعِينَةِ وغَيْرِهِما مِنَ الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، فَإنَّ ظاهِرَ هَذا المَجازُ دُونَ الحَقِيقَةِ، وصَرْفُها إلى الحَقِيقَةِ يَكُونُ تَأْوِيلًا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، وكَذَلِكَ الألْفاظُ الَّتِي لَها عُرْفٌ شَرْعِيٌّ وحَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، كالوُضُوءِ والطَّهارَةِ والصَّلاةِ والصَّوْمِ والزَّكاةِ والحَجِّ، إنَّما ظاهِرُها العُرْفُ الشَّرْعِيُّ دُونَ الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فالمُتَبادِرُ (p-٥٦٧٥)إلى الفَهْمِ مِن قَوْلِهِمْ: (إنَّ اللَّهَ مَعَكَ)، أيْ: بِالحِفْظِ والكِلاءَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى فِيما أخْبَرَ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] وقالَ لِمُوسى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] ولَوْ أرادَ أنَّهُ بِذاتِهِ مَعَ كُلِّ أحَدٍ لَمْ يَكُنْ لَهم بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ؛ لِوُجُودِهِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ كَوُجُودِهِ فِيهِمْ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِنَفْيِ الحُزْنِ عَنْ أبِي بَكْرٍ، ولا عِلَّةَ لَهُ؛ فَعُلِمَ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الألْفاظِ هو ما حُمِلَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ تَأْوِيلًا، ثُمَّ لَوْ كانَ تَأْوِيلًا فَما نَحْنُ تَأوَّلْناهُ، وإنَّما السَّلَفُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، الَّذِينَ ثَبَتَ صَوابُهُمْ، ووَجَبَ اتِّباعُهُمْ، هُمُ الَّذِينَ تَأوَّلُوهُ، فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ والضَّحّاكَ ومالِكًا وسُفْيانَ وكَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ قالُوا في قَوْلِهِ:
﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ أيْ: عِلْمُهُ، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ بِكِتابِ اللَّهِ، والمُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْماعِ السَّلَفِ أنَّ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ عَلى عَرْشِهِ، وجاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعَ قَرائِنَ مَحْفُوفَةٍ بِها دالَّةٍ عَلى إرادَةِ العِلْمِ مِنها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [المجادلة: ٧] ثُمَّ قالَ في آخِرِها: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] فَبَدَأها بِالعِلْمِ، وخَتَمَها بِهِ، ثُمَّ سِياقُها لِتَخْوِيفِهِمْ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِحالِهِمْ، وأنَّهُ يُنْبِئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ ويُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وهَذِهِ قَرائِنُ كُلُّها دالَّةٌ عَلى إرادَةِ العِلْمِ، فَقَدِ اتَّفَقَ فِيها هَذِهِ القَرائِنُ، ودَلالَةُ الأخْبارِ عَلى مَعْناها، ومَقالَةِ السَّلَفِ وتَأْوِيلِهِمْ؛ فَكَيْفَ يُلْحَقُ بِها ما يُخالِفُ الكِتابَ والأخْبارَ ومَقالاتِ السَّلَفِ؟ فَهَذا لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنْ خَفِيَ فَقَدْ كَشَفْناهُ وبَيَّنّاهُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ هَذا لَوْ سَكَتَ إنْسانٌ عَنْ تَفْسِيرِها وتَأْوِيلِها لَمْ يَخْرُجْ ولَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أحَدًا الكَلامُ في التَّأْوِيلِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى كَلامُ ابْنِ قُدامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
(p-٥٦٧٦)
الحديد 57:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٦] ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦]
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: أُمُورُ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَيَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] أيْ: يُدْخِلُ ما نَقَصَ مِن ساعاتِ أحَدِهِما فَيَجْعَلُهُ زِيادَةً في الآخَرِ بِحِكْمَتِهِ وتَقْدِيرِهِ ﴿وهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦] أيْ: بِضَمائِرِ صُدُورِ عِبادِهِ، وما عَزَمَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
الحديد 57:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٦] ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦]
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: أُمُورُ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَيَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] أيْ: يُدْخِلُ ما نَقَصَ مِن ساعاتِ أحَدِهِما فَيَجْعَلُهُ زِيادَةً في الآخَرِ بِحِكْمَتِهِ وتَقْدِيرِهِ ﴿وهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦] أيْ: بِضَمائِرِ صُدُورِ عِبادِهِ، وما عَزَمَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
الحديد 57:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أيْ: آمِنُوا الإيمانَ اليَقِينِيَّ لِيَظْهَرَ أثَرُهُ عَلَيْكُمْ، فَيَسْهُلَ عَلَيْكُمُ الإنْفاقُ مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي مَوَّلَكم إيّاهُ، وجَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، بِتَمْكِينِكم وإقْدارِكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ؛ إذِ الأمْوالُ كُلُّها لِلَّهِ، واخْتِصاصُ نِسْبَةِ التَّصَرُّفِ إنَّما هو بِحُكْمِهِ في شَرِيعَتِهِ، أفادَهُ القاشانِيُّ.
وقالَ الشِّهابُ: الخِلافَةُ إمّا عَمَّنْ لَهُ التَّصَرُّفُ الحَقِيقِيُّ، وهو اللَّهُ تَعالى، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٥] أوْ عَمَّنْ تَصَرَّفَ فِيها قَبْلَهم مِمَّنْ كانَتْ في أيْدِيهِمْ فانْتَقَلَتْ لَهم. وعَلى كُلٍّ فَفِيهِ حَثٌّ عَلى الإنْفاقِ وتَهْوِينٌ لَهُ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ أذِنَ لَهُ في الإنْفاقِ مِن مِلْكِ غَيْرِهِ، ومِثْلُهُ يَسْهُلُ إخْراجُهُ وتَكْثِيرُهُ. وعَلى الثّانِي أيْضًا؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِمَن قَبْلَهُ، عَلِمَ أنَّهُ لا يَدُومُ لَهُ أيْضًا، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الإخْراجُ.(p-٥٦٧٧)
؎وما المالُ والأهْلُونَ إلّا ودائِعُ ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾
الحديد 57:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: وما يَصُدُّكم عَنْهُ، وقَدْ ظَهَرَتْ دَواعِيهِ، اتَّضَحَتْ سُبُلُهُ لِذَوِيهِ كَما قالَ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيْ: يَدْعُوكم مِن طَرِيقِ النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ إلى الإيمانِ بِالَّذِي رَبّاكم بِنِعَمِهِ، وصَرَّفَكم بِآلائِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْكم شُكْرُهُ.
﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ أيْ: بِالإيمانِ، إذْ رَكَّبَ فِيكُمُ العُقُولَ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ. ومَكَّنَكم مِنَ النَّظَرِ، بَلْ أوْدَعَ في فِطَرِكم ما يَضْطَرُّكم لِذَلِكَ إذا نُبِّهْتُمْ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِتَذْكِيرِ الرَّسُولِ، فَما عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْخُذُوا في سَبِيلِهِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ بَقِيَ نُورُ الفِطْرَةِ والإيمانِ الأزَلِيِّ فِيكم.
الحديد 57:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿هُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
﴿هُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ: حُجَجًا واضِحاتٍ، وبَراهِينَ قاطِعاتٍ.
﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ، أوْ عَبْدُهُ بِآياتِهِ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ أيْ: مِن ظُلُماتِ (p-٥٦٧٨)الجَهْلِ والكُفْرِ والأهْواءِ المُتَضادَّةِ، إلى نُورِ الهُدى واليَقِينِ، الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ النُّفُوسُ، وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ. ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ في إنْزالِهِ الكُتُبَ، وإرْسالِهِ الرُّسُلَ لِهِدايَتِكُمْ، إزاحَةً لِلْعِلَلِ، وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ.
ولَمّا كانَ إنْزالُ هَذِهِ السُّورَةِ لِلْأمْرِ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ فِيهِ، والحَثِّ عَلَيْهِ، أكْثَرَ مِن ذِكْرِهِ في ضُرُوبٍ مِنَ البَيانِ، وفُنُونٍ مِنَ الإحْكامِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ:
الحديد 57:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿وما لَكم ألا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
﴿وما لَكم ألا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَرِثُ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِما، ولا يَبْقى لِأحَدٍ مالٌ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَما أجْدَرَ أنْ يُنْفِقَ المَرْءُ في حَياتِهِ، ويَتَّخِذَهُ ذُخْرًا يَجِدُهُ بَعْدَ مَماتِهِ.
قالَ الشِّهابُ: هَذا مِن أبْلَغِ ما يَكُونُ في الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإيمانِ أوَّلًا لِما أمَرَهم بِهِ، ثُمَّ وبَّخَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ، مَعَ سُطُوعِ بَراهِينِهِ، وعَلى تَرْكِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ مَن أعْطاهُ لَهُمْ، مَعَ أنَّهم عَلى شَرَفِ المَوْتِ، وعَدَمِ بَقائِهِ لَهم إنْ لَمْ يُنْفِقُوهُ، وسَبِيلُ اللَّهِ كُلُّ خَيْرٍ يُوصِلُهم إلَيْهِ، أعَمُّ مِنَ الجِهادِ وغَيْرِهِ. وقَصَرَ بَعْضُهم إيّاهُ عَلى الجِهادِ، لِأنَّهُ فَرْدُهُ الأكْمَلُ، وجُزْؤُهُ الأفْضَلُ، مِن بابِ قَصْرِ العامِّ عَلى أهَمِّ أفْرادِهِ وأشْمَلِها، لا سِيَّما وسَبَبُ النُّزُولِ كانَ لِذَلِكَ.
﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ فَتْحِ مَكَّةَ، أوْ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وقاتَلَ لِتَعْلُوَ كَلِمَةُ الحَقِّ. ومَن أنْفَقَ مِن بَعْدُ وقاتَلَ في حالِ قُوَّةِ الإسْلامِ، وعِزَّةِ (p-٥٦٧٩)أهْلِهِ. فَحَذَفَ الثّانِيَ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ الِاسْتِواءَ لا يَتِمُّ إلّا بِذِكْرِ شَيْئَيْنِ، عَلى أنَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا عَنْهم زِيادَةً في التَّنْوِيهِ بِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ أيْ: لِعِظَمِ مَوْقِعِ نُصْرَةِ الرَّسُولِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، بِالنَّفْسِ، وإنْفاقِ المالِ في تِلْكَ الحالِ، وفي المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، وفي الكافِرِينَ شَوْكَةٌ وكَثْرَةُ عَدَدٍ؛ فَكانَتِ الحاجَةُ إلى النُّصْرَةِ والمُعاوَنَةِ أشَدَّ، بِخِلافِ ما بَعْدَ الفَتْحِ؛ فَإنَّ الإسْلامَ صارَ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَوِيًّا، والكَفْرُ ضَعِيفًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَلَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»» . وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَضْلِ مَن سَبَقَ إلى الإسْلامِ وأنْفَقَ وجاهَدَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ أفادَهُ الرّازِيُّ.
وفِي "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلصَّحابَةِ مَراتِبَ، وأنَّ الفَضْلَ لِلسّابِقِ، وعَلى تَنْزِيلِ النّاسِ مَنازِلَهُمْ، وعَلى أنَّ أفْضَلِيَّةَ العَمَلِ عَلى قَدْرِ رُجُوعِ مَنفَعَتِهِ إلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، لِأنَّ الأجْرَ عَلى قَدْرِ النَّصَبِ. انْتَهى.
﴿وكُلا﴾ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، لا الأوَّلِينَ فَقَطْ، وإنْ كانَ بَيْنَهم تَفاوُتٌ في تَفاضُلِ الجَزاءِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإنَّما نَبَّهَ بِهَذا لِئَلّا يُهْدَرَ جانِبٌ آخَرُ، فَيُمْدَحُ الأوَّلُ دُونَ الآخَرِ، فَيَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ ذَمَّهُ، فَلِهَذا عَطَفَ بِمَدْحِ الآخَرِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، مَعَ تَفْضِيلِ الأوَّلِ عَلَيْهِ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أيْ: مِنَ النَّفَقَةِ في سَبِيلِهِ، وجِهادِ أعْدائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ فَيُجازِيكم عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِخِبْرَتِهِ تَعالى فاوَتَ بَيْنَ ثَوابِ مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وما ذاكَ إلّا لِعِلْمِهِ بِقَصْدِ الأوَّلِ، وإخْلاصِهِ التّامِّ، وإنْفاقِهِ في حالِ الجُهْدِ (p-٥٦٨٠)والقِلَّةِ والضِّيقِ، وفي الحَدِيثِ: ««سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ ألْفٍ»» ولا شَكَّ عِنْدَ أهْلِ الإيمانِ أنَّ الصِّدِّيقَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ سَيِّدُ مَن عَمِلَ بِها مِن سائِرِ أُمَمِ الأنْبِياءِ؛ فَإنَّهُ أنْفَقَ مالَهُ كُلَّهُ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ يَجْزِيهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحديد 57:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: نَدْبٌ بَلِيغٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، بَعْدَ الأمْرِ بِهِ، والتَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ، وبَيانِ دَرَجاتِ المُنْفِقِينَ، أيْ: مَن ذا الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِهِ تَعالى رَجاءَ أنْ يُعَوِّضَهُ، فَإنَّهُ كَمَن يُقْرِضُهُ، وحُسْنُ الإنْفاقِ بِالإخْلاصِ فِيهِ، وتَحَرِّي أكْرَمِ المالِ وأفْضَلِ الجِهاتِ لَهُ. فالقَرْضُ مَجازٌ عَنْ حُسْنِ إنْفاقِهِ مُخْلِصًا في أفْضَلِ جِهاتِ الإنْفاقِ؛ وذَلِكَ إمّا بِالتَّجَوُّزِ في الفِعْلِ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً تَصْرِيحِيَّةً، أوْ في مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، وقَدْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مَقْصُورَةٌ عَلى النَّفَقَةِ في القِتالِ، وآخَرُونَ عَلى نَفَقَةِ العِيالِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَكُلُّ مَن أنْفَقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِنِيَّةٍ خالِصَةٍ، وعَزِيمَةٍ صادِقَةٍ، دَخَلَ في عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ.
وهُوَ جَلِيٌّ، وقَدْ أسْلَفْنا بَيانَهُ مِرارًا.
وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ أيْ: يُعْطِيهِ ثَوابَهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: جَزاءٌ شَرِيفٌ جَمِيلٌ. والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، أوْ مَعْطُوفَةٌ مُشِيرَةٌ إلى أنَّ الأجْرَ كَما زادَ كَمُّهُ، زادَ كَيْفُهُ.
(p-٥٦٨١)
الحديد 57:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ أيْ: لِكَوْنِهِمْ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ تَعالى. و(النُّورُ) إمّا حَقِيقِيٌّ حِسِّيٌّ، عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلَ الجَبَلِ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلَ الرَّجُلِ القائِمِ، فَدُونَ ذَلِكَ. قِيلَ: وإنَّما خُصِّصَتْ تِلْكَ الجِهاتُ؛ لِأنَّ مِنها أُخِذَتْ صُحُفُ الأعْمالِ، فَجَعَلَ اللَّهُ مَعَها نُورًا يُعْرَفُ بِهِ أنَّهم مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وإمّا مَجازِيٌّ مَعْنَوِيٌّ مُرادٌ بِهِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: لَوْ عَنى بِذَلِكَ النُّورِ الضَّوْءَ المَعْرُوفَ، لَمْ يَخُصَّ عَنْهُ الخَبَرَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الأيْدِي والأيْمانِ، دُونَ الشَّمائِلِ، لِأنَّ ضِياءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَهُ في الآخِرَةِ يُضِيءُ لَهم جَمِيعَ ما حَوْلَهُمْ، وفي تَخْصِيصِ الخَبَرِ عَنْ سَعْيِهِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ، دُونَ الشَّمائِلِ، ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ الضِّياءِ وإنْ كانُوا لا يَخْلُونَ مِنَ الضِّياءِ؛ فَتَأْوِيلُ الكَلامِ إذْ كانَ الأمْرُ عَلى ما وصَفْنا: وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى يَوْمَ تَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى ثَوابُ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وفي أيْمانِهِمْ كُتُبُ أعْمالِهِمْ تَطايَرُ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: " يَسْعى " يَمْضِي. والباءُ في قَوْلِهِ:
﴿وبِأيْمانِهِمْ﴾ بِمَعْنى فِي، وكانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ يَقُولُ: الباءُ في قَوْلِهِ:
﴿وبِأيْمانِهِمْ﴾ بِمَعْنى عَلى أيْمانِهِمْ، وقَوْلُهُ:
﴿يَوْمَ تَرى﴾ مِن صِلَةِ وعَدَ. انْتَهى.
﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾ أيْ: يَقُولُ لَهم مَن يَتَلَقّاهم مِنَ المَلائِكَةِ: بُشْراكُمْ، أيِ: (p-٥٦٨٢)المُبَشَّرُ بِهِ جَنّاتٌ أوْ بُشْراكم دُخُولُ جَنّاتٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ البِشارَةَ تَكُونُ بِالأعْيانِ فَلا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ مُضافٍ تَصْحِيحًا لِلْحَمْلِ.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
الحديد 57:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾
﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ أيْ: نُصِبْ مِنهُ، يُقالُ: اقْتَبَسَ، أيْ: أخَذَ قَبَسًا، وهو الشُّعْلَةُ. و﴿انْظُرُونا﴾ بِمَعْنى انْظُرُوا إلَيْنا، عَلى الحَذْفِ والإيصالِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ، يَتَعَدّى بِ: (إلى)، فَإنْ أُرِيدَ التَّأمُّلُ تَعَدّى بِ: (فِي). وقَوْلُهم ذَلِكَ إمّا حِينَما يُساقُ المُؤْمِنُونَ إلى الجَنَّةِ زُمَرًا، والمُنافِقُونَ في العَرَصاتِ شاخِصُونَ إلَيْهِمْ، أوْ حِينَما يُشْرِفُونَ مِنَ الغُرَفِ عَلى المُنافِقِينَ، وهم في ضَوْضائِهِمْ وجَلَبَتِهِمْ في جَهَنَّمَ، كَقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآيَةَ.
وقِيلَ: ﴿انْظُرُونا﴾ بِمَعْنى انْتَظِرُونا، وهو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ. والمُرادُ حِينَئِذٍ مِنَ الِانْتِظارِ لِلِاقْتِباسِ، هو رَجاءُ شَفاعَتِهِمْ لَهُمْ، أوْ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ مَعَهم طَمَعًا في غَيْرِ مَطْمَعٍ، يَقُولُونَ لَهم ذَلِكَ حِينَما يُسْرَعُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ.
﴿قِيلَ﴾ أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ أوِ المُؤْمِنُونَ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طَرْدٌ لَهُمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، أيِ: ارْجِعُوا إلى المَوْقِفِ إلى حَيْثُ أُعْطِينا هَذا النُّورَ (p-٥٦٨٣)فالتَمِسُوهُ هُناكَ، فَمِن ثَمَّ يُقْتَبَسُ، أوِ ارْجِعُوا إلى الدُّنْيا فالتَمِسُوا نُورًا بِتَحْصِيلِ سَبَبِهِ، وهو الإيمانُ. أوِ ارْجِعُوا خائِبِينَ، وتَنَحَّوْا عَنّا فالتَمِسُوا نُورًا آخَرَ، فَلا سَبِيلَ لَكم إلى هَذا النُّورِ وقَدْ عَلِمُوا أنْ لا نُورَ وراءَهُمْ، وإنَّما هو تَخْيِيبٌ وإقْناطٌ لَهم. وكَلامُهُ يَدُلُّ عَلى حَمْلِ النُّورِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، أيِ: ارْجِعُوا إلى الدُّنْيا فالتَمِسُوا إيمانًا وعَمَلًا طَيِّبًا يَهْدِيكم إلى النَّجاةِ، كَما أنَّ النُّورَ يَهْدِي في الظُّلُماتِ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. والأمْرُ لِلتَّخْسِيرِ والتَّنْدِيمِ. وهَذا مَعَ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وجْهٌ رابِعٌ.
ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ: " ارْجِعُوا " مَنعُ المُنافِقِينَ عَنِ الِاسْتِضاءَةِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يُرِيدُ القُرْبَ مِنهُ: وراءَكَ أوْسَعُ لَكَ. قالَ الرّازِيُّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ، المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: " ارْجِعُوا " أنْ يَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى وِجْدانِ هَذا المَطْلُوبِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ لَهم بِالرُّجُوعِ. انْتَهى، وهَذا وجْهٌ خامِسٌ.
ثُمَّ أشارَ إلى امْتِيازِ الفَرِيقَيْنِ في المَنازِلِ وتَبايُنِهِما فِيها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ أيْ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ بِحائِطٍ مَتِينٍ يَحْجِزُهم عَنْ أنْوارِ المُؤْمِنِينَ، لِتَتِمَّ ظُلْمَتُهم ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِذَلِكَ السُّورِ ﴿بابٌ﴾ أيْ: لِأهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَ مِنهُ، ويَرى بِهِ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ لِيُكَلِّمُوهم ﴿باطِنُهُ﴾ وهو الجانِبُ الَّذِي يَلِي المُؤْمِنِينَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ وما فِيها مِن رِضْوانِ اللَّهِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ ﴿وظاهِرُهُ﴾ وهو الَّذِي يَلِي المُنافِقِينَ ﴿مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ أيْ: مِن عِنْدِهِ، ومِن جِهَتِهِ الظُّلْمَةُ والنّارُ.
الحديد 57:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٥] ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ (p-٥٦٨٤)﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥]
﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ يُرِيدُونَ مُوافَقَتَهم في الظّاهِرِ ﴿قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: مَحَنْتُمُوها بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمُوها ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ أيْ: بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، لِيَظْهَرَ الكُفْرُ فَتُظْهِرُوا ما في أنْفُسِكم ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: في تَوْحِيدِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ، أوْ في البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] و، ووَعْدِهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ.
﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ أيْ: طُولُ الآمالِ والطَّمَعُ في امْتِدادِ الأعْمارِ، أوْ قَوْلِهِمْ: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩]
﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: المَوْتُ، أوْ مِصْداقُ وعْدِهِ بِنُصْرَةِ رَسُولِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، أوْ عَذابِ النّارِ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ، فَأطْمَعَكم بِالنَّجاةِ والفَوْزِ والغَلَبَةِ. وقُرِئَ: "الغُرُورُ" بِالضَّمِّ.
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] هَذا مِن تَتِمَّةِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لِلْمُنافِقِينَ بَعْدَ أنْ مَيَّزَ بَيْنَهُمْ، أيْ: فاليَوْمَ لا يُقْبَلُ مِنكم ما يُفْتَدى بِهِ، بَدَلًا مِن عَذابِكُمْ، وعِوَضًا مِن عِقابِكم ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥] يَعْنِي المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ مِنَ المُحادِّينَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكُمْ﴾ [الحديد: ١٥] أيْ: أوْلى بِكُمْ، أوْ تَتَوَلّاكم كَما تَوَلَّيْتُمْ مُوجِباتِها في الدُّنْيا ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥] أيِ: النّارُ.
ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ رَخاوَةَ عَقْدِهِمْ فِيما نُدِبُوا إلَيْهِ مِنَ التَّصَدُّقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنَّ ذَلِكَ مِن أثَرِ قِلَّةِ العِنايَةِ بِالخُضُوعِ لِذِكْرِهِ وتَنْزِيلِهِ، تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، وسَوْقًا لِلْمُؤْمِنِينَ إلى الكَمالِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٥٦٨٥)
الحديد 57:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٥] ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ (p-٥٦٨٤)﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥]
﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ يُرِيدُونَ مُوافَقَتَهم في الظّاهِرِ ﴿قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: مَحَنْتُمُوها بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمُوها ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ أيْ: بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، لِيَظْهَرَ الكُفْرُ فَتُظْهِرُوا ما في أنْفُسِكم ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: في تَوْحِيدِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ، أوْ في البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] و، ووَعْدِهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ.
﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ أيْ: طُولُ الآمالِ والطَّمَعُ في امْتِدادِ الأعْمارِ، أوْ قَوْلِهِمْ: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩]
﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: المَوْتُ، أوْ مِصْداقُ وعْدِهِ بِنُصْرَةِ رَسُولِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، أوْ عَذابِ النّارِ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ، فَأطْمَعَكم بِالنَّجاةِ والفَوْزِ والغَلَبَةِ. وقُرِئَ: "الغُرُورُ" بِالضَّمِّ.
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] هَذا مِن تَتِمَّةِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لِلْمُنافِقِينَ بَعْدَ أنْ مَيَّزَ بَيْنَهُمْ، أيْ: فاليَوْمَ لا يُقْبَلُ مِنكم ما يُفْتَدى بِهِ، بَدَلًا مِن عَذابِكُمْ، وعِوَضًا مِن عِقابِكم ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥] يَعْنِي المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ مِنَ المُحادِّينَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكُمْ﴾ [الحديد: ١٥] أيْ: أوْلى بِكُمْ، أوْ تَتَوَلّاكم كَما تَوَلَّيْتُمْ مُوجِباتِها في الدُّنْيا ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥] أيِ: النّارُ.
ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ رَخاوَةَ عَقْدِهِمْ فِيما نُدِبُوا إلَيْهِ مِنَ التَّصَدُّقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنَّ ذَلِكَ مِن أثَرِ قِلَّةِ العِنايَةِ بِالخُضُوعِ لِذِكْرِهِ وتَنْزِيلِهِ، تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، وسَوْقًا لِلْمُؤْمِنِينَ إلى الكَمالِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٥٦٨٥)
الحديد 57:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦] ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَـزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾
﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ أيْ: لَمْ يَحِنْ، مِن: أنى الأمْرُ يَأْنى، إذا جاءَ إناهُ، أيْ: وقْتُهُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْ تَلِينَ وتَرِقَّ وتُخْلِصَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اسْمِهِ الكَرِيمِ وما يُوجِبُهُ مِنَ الوَجَلِ مِنهُ والخَشْيَةِ، أوْ لِذِكْرِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ ﴿وما نَـزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلى جَبَلٍ لَتَصَدَّعَ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَعْنى الخُشُوعِ لَهُ، الِانْقِيادُ التّامُّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، والعُكُوفُ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَبَقَ وما لَحِقَ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ عَطْفَهُ عَلى الذِّكْرِ عَطْفُ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، وأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ كَكَلامِ اللَّهِ، بِمَعْنى القُرْآنِ، وكَذا ما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ، فالعَطْفُ لِتُغايِرِ العُنْوانَيْنِ، فَإنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ، كَما أنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ: الأجَلُ والإمْهالُ والِاسْتِدْراجُ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: لِزَوالِ الخَشْيَةِ والرَّوْعَةِ الَّتِي كانَتْ تَأْتِيهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، نابِذُونَ لِما في كِتابِهِمْ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في الآيَةِ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِالَّذِينِ حُمِّلُوا الكِتابَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَإنَّهم لَمّا تَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وبَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ الَّذِي بِأيْدِيهِمْ، واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الآراءِ المُخْتَلِفَةِ، والأقْوالِ المُؤْتَفِكَةِ، وقَلَّدُوا الرِّجالَ في دِينِ اللَّهِ، واتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وصارَ مِن سَجِيَّتِهِمْ تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ؛ ولِهَذا نَهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في شَيْءٍ مِنَ (p-٥٦٨٦)الأُمُورِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ، ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] و، إلى آخِرِها.
الحديد 57:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧] ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: فَهو مُحْيِيكم بَعْدَ مَماتِكم ومُحاسِبُكُمْ، فَلا مُنْتَدَحَ لَكم عَنِ الجَزاءِ، أيْ: فاحْذَرُوا مَغَبَّةَ القَسْوَةِ والفِسْقِ.
﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الحُجَجَ وضُرُوبَ الأمْثالِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لِتَثُوبُوا إلى عُقُولِكم ومَراشِدِكم.
الحديد 57:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ١٩] ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]
﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيِ: المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] أيْ: لِتَصْدِيقِهِمْ بِجَمِيعِ أخْبارِ اللَّهِ وأحْكامِهِ، وشَهادَتِهِمْ بِحَقِّيَّةِ جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَدْ جُوِّزَ فِي: "الشُّهَداءُ" وجْهانِ:
(p-٥٦٨٧)أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، أخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّهم صِدِّيقُونَ شُهَداءُ، وهو الظّاهِرُ، لِأنَّ الأصْلَ الوَصْلُ لا التَّفْكِيكُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ: " لَهم أجْرُهم "، و"الشُّهَداءُ" حِينَئِذٍ إمّا الأنْبِياءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى قَوْمِهِمْ بِالتَّبْلِيغِ أوِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلى قَوْمِهِمْ، أوِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. واخْتارَ الوَجْهَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ، قالَ: لِأنَّ الإيمانَ غَيْرُ مُوجِبٍ في المُتَعارَفِ لِلْمُؤْمِنِ اسْمُ شَهِيدٍ، لا بِمَعْنى غَيْرِهِ، إلّا أنْ يُرادَ بِهِ شَهِيدٌ عَلى ما آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وجْهًا، وإنْ كانَ فِيهِ بَعْضُ البُعْدِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالمَعْرُوفِ مِن مَعانِيهِ إذا أُطْلِقَ بِغَيْرِ وصْلٍ، فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] إذَنْ: والشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ أُهْلِكُوا في سَبِيلِهِ، عِنْدَ رَبِّهِمْ، لَهم ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ ونُورُهم. انْتَهى.
ثُمَّ رَأيْتُ لِابْنِ القَيِّمِ في "طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ" بَسْطًا لِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ في بَحْثِ الصِّدِّيقِيَّةِ، نَنْقُلُهُ لِنَفاسَتِهِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَراتِبِ المُكَلَّفِينَ في الآخِرَةِ وطَبَقاتِهِمْ:
الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ: ورَثَةُ الرُّسُلِ وخُلَفاؤُهم في أُمَمِهِمْ، وهُمُ القائِمُونَ بِما بُعِثُوا بِهِ عِلْمًا وعَمَلًا، ودَعْوَةً لِلْخَلْقِ إلى اللَّهِ عَلى طَرِيقِهِمْ ومِنهاجِهِمْ، وهَذِهِ أفْضَلُ مَراتِبِ الخَلْقِ بَعْدَ الرُّسُلِ والنُّبُوَّةِ، وهي مَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ؛ ولِهَذا قَرَنَهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ بِالأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى:
﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فَجَعَلَ دَرَجَةَ الصِّدِّيقِيَّةِ مَعْطُوفَةً عَلى دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الرَّبّانِيُّونَ، وهُمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وهُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ؛ فَهم خُلَفاؤُهُ وأوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ وخاصَّتُهُ وحَمَلَةُ دِينِهِ، وهُمُ المَضْمُونُ لَهم أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى (p-٥٦٨٨)الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهم عَلى ذَلِكَ.
وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] قِيلَ: إنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] فَيَكُونُ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، أخْبَرَ في إحْداهُما عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ، والإيمانُ التّامُّ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ والعَمَلَ، والدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ بِالتَّعْلِيمِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ. وأخْبَرَ في الثّانِيَةِ أنَّ الشُّهَداءَ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ، ومَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِينَ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الشُّهَداءِ ولِهَذا قَدَّمَهم عَلَيْهِمْ في الآيَتَيْنِ، هُنا وفي سُورَةِ النِّساءِ، وهَكَذا جاءَ ذِكْرُهم مُقَدَّمًا عَلى الشُّهَداءِ في كَلامِ النَّبِيِّ في قَوْلِهِ: ««اثْبُتْ أُحُدُ فَإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدٌ»» . ولِهَذا كانَ نَعْتُ الصِّدِّيقِيَّةِ وصْفًا لِأفْضَلِ الخَلْقِ بَعْدَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ولَوْ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ دَرَجَةٌ أفْضَلَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ لَكانَتْ نَعْتًا لَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، أخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وعَلى هَذا فالشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَشْهِدُهُمُ اللَّهُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهي قَوْلُهُ:
﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَوَصَفَهم بِأنَّهم صِدِّيقُونَ في الدُّنْيا، وشُهَداءُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ الشُّهَداءُ وصْفًا لِجُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقِينَ.
وقِيلَ: الشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ:
﴿والشُّهَداءُ﴾ [الحديد: ١٩] مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٍ شَهِيدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ويُرَجِّحُهُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ "الشُّهَداءُ" داخِلًا في جُمْلَةِ الخَبَرِ، لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] داخِلًا أيْضًا في جُمْلَةِ الخَبَرِ عَنْهُمْ، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
(p-٥٦٨٩)أحَدُها: أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ.
والثّانِي: أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ.
والثّالِثُ: أنَّ لَهم أجْرَهم ونُورَهم.
وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ عَطْفَ الخَبَرِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، ثُمَّ ذِكْرَ الخَبَرِ الثّالِثِ مُجَرَّدًا عَنِ العَطْفِ، وهَذا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ وعالِمٌ لَهُ مالٌ. والأحْسَنُ في هَذا تَناسُبُ الأخْبارِ، بِأنْ تُجَرِّدَها كُلَّها مِنَ العَطْفِ أوْ تَعْطِفَها جَمِيعًا، فَتَقُولَ: زَيْدٌ كَرِيمٌ عالِمٌ لَهُ مالٌ، أوْ كَرِيمٌ وعالِمٌ ولَهُ مالٌ، فَتَأمَّلْهُ! ويُرَجِّحُهُ أيْضًا أنَّ الكَلامَ يَصِيرُ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً قَدْ ذُكِرَ فِيها أصْنافُ خَلْقِهِ السُّعَداءِ، وهُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ والصّالِحُونَ، وهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ، وهُمُ المُتَصَدِّقُونَ الَّذِينَ أقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا؛ فَهَؤُلاءِ ثَلاثَةُ أصْنافٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّسُلَ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥] فَيَتَناوَلُ ذَلِكَ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في سُورَةِ النِّساءِ فَهَؤُلاءِ هُمُ السُّعَداءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الأشْقِياءَ وهم نَوْعانِ: كُفّارٌ ومُنافِقُونَ، فَقالَ:
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾ [الحديد: ١٩] الآيَةَ. وذَكَرَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ [الحديد: ١٣] الآيَةَ. فَهَؤُلاءِ أصْنافُ العالَمِ كُلُّهم. وتَرَكَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ المُخَلَّطِ صاحِبِ الشّائِبَتَيْنِ، عَلى طَرِيقِ القُرْآنِ في ذِكْرِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، دُونَ المُخَلَّطِينَ غالِبًا، لِسِرٍّ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ؛ فَلْيَحْذَرْ صاحِبُ التَّخْلِيطِ؛ فَإنَّهُ لا ضَمانَ لَهُ عَلى اللَّهِ، فَلا هو مِن أهْلِ وعْدِهِ المُطْلَقِ، ولا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ قُطِعَ لَهم بِالعَذابِ، ولَكِنَّهُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ واقِفٌ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، كُلٌّ مِنهُما يَدْعُوهُ إلى مُوجِبِهِ لِأنَّهُ أتى بِسَبَبِهِ، وهَذا هو الَّذِي لَحِظَهُ القائِلُونَ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، ولَكِنْ غَلِطُوا في تَخْلِيدِهِ في النّارِ، ولَوْ نَزَّلُوهُ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، ووَكَلُوهُ إلى المَشِيئَةِ لَأصابُوا. انْتَهى كَلامُ ابْنِ القِيِّمِ، وفِيهِ مُوافَقَةٌ لِما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في الآيَةِ.
(p-٥٦٩٠)ولَمّا ذَكَرَ تَعالى السُّعَداءُ ومَآلَهُمْ، عَطَفَ بِذِكْرِ الأشْقِياءِ، وبَيَّنَ حالَهم بِقَوْلِهِ:
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩] ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى أمْرَ الدُّنْيا، وبَيَّنَ حاصِلَ أمْرِها عِنْدَ أهْلِها، بِقَوْلِهِ:
الحديد 57:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ١٩] ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]
﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيِ: المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] أيْ: لِتَصْدِيقِهِمْ بِجَمِيعِ أخْبارِ اللَّهِ وأحْكامِهِ، وشَهادَتِهِمْ بِحَقِّيَّةِ جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَدْ جُوِّزَ فِي: "الشُّهَداءُ" وجْهانِ:
(p-٥٦٨٧)أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، أخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّهم صِدِّيقُونَ شُهَداءُ، وهو الظّاهِرُ، لِأنَّ الأصْلَ الوَصْلُ لا التَّفْكِيكُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ: " لَهم أجْرُهم "، و"الشُّهَداءُ" حِينَئِذٍ إمّا الأنْبِياءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى قَوْمِهِمْ بِالتَّبْلِيغِ أوِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلى قَوْمِهِمْ، أوِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. واخْتارَ الوَجْهَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ، قالَ: لِأنَّ الإيمانَ غَيْرُ مُوجِبٍ في المُتَعارَفِ لِلْمُؤْمِنِ اسْمُ شَهِيدٍ، لا بِمَعْنى غَيْرِهِ، إلّا أنْ يُرادَ بِهِ شَهِيدٌ عَلى ما آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وجْهًا، وإنْ كانَ فِيهِ بَعْضُ البُعْدِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالمَعْرُوفِ مِن مَعانِيهِ إذا أُطْلِقَ بِغَيْرِ وصْلٍ، فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] إذَنْ: والشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ أُهْلِكُوا في سَبِيلِهِ، عِنْدَ رَبِّهِمْ، لَهم ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ ونُورُهم. انْتَهى.
ثُمَّ رَأيْتُ لِابْنِ القَيِّمِ في "طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ" بَسْطًا لِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ في بَحْثِ الصِّدِّيقِيَّةِ، نَنْقُلُهُ لِنَفاسَتِهِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَراتِبِ المُكَلَّفِينَ في الآخِرَةِ وطَبَقاتِهِمْ:
الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ: ورَثَةُ الرُّسُلِ وخُلَفاؤُهم في أُمَمِهِمْ، وهُمُ القائِمُونَ بِما بُعِثُوا بِهِ عِلْمًا وعَمَلًا، ودَعْوَةً لِلْخَلْقِ إلى اللَّهِ عَلى طَرِيقِهِمْ ومِنهاجِهِمْ، وهَذِهِ أفْضَلُ مَراتِبِ الخَلْقِ بَعْدَ الرُّسُلِ والنُّبُوَّةِ، وهي مَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ؛ ولِهَذا قَرَنَهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ بِالأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى:
﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فَجَعَلَ دَرَجَةَ الصِّدِّيقِيَّةِ مَعْطُوفَةً عَلى دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الرَّبّانِيُّونَ، وهُمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وهُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ؛ فَهم خُلَفاؤُهُ وأوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ وخاصَّتُهُ وحَمَلَةُ دِينِهِ، وهُمُ المَضْمُونُ لَهم أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى (p-٥٦٨٨)الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهم عَلى ذَلِكَ.
وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] قِيلَ: إنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] فَيَكُونُ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، أخْبَرَ في إحْداهُما عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ، والإيمانُ التّامُّ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ والعَمَلَ، والدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ بِالتَّعْلِيمِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ. وأخْبَرَ في الثّانِيَةِ أنَّ الشُّهَداءَ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ، ومَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِينَ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الشُّهَداءِ ولِهَذا قَدَّمَهم عَلَيْهِمْ في الآيَتَيْنِ، هُنا وفي سُورَةِ النِّساءِ، وهَكَذا جاءَ ذِكْرُهم مُقَدَّمًا عَلى الشُّهَداءِ في كَلامِ النَّبِيِّ في قَوْلِهِ: ««اثْبُتْ أُحُدُ فَإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدٌ»» . ولِهَذا كانَ نَعْتُ الصِّدِّيقِيَّةِ وصْفًا لِأفْضَلِ الخَلْقِ بَعْدَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ولَوْ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ دَرَجَةٌ أفْضَلَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ لَكانَتْ نَعْتًا لَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، أخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وعَلى هَذا فالشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَشْهِدُهُمُ اللَّهُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهي قَوْلُهُ:
﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَوَصَفَهم بِأنَّهم صِدِّيقُونَ في الدُّنْيا، وشُهَداءُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ الشُّهَداءُ وصْفًا لِجُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقِينَ.
وقِيلَ: الشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ:
﴿والشُّهَداءُ﴾ [الحديد: ١٩] مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٍ شَهِيدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ويُرَجِّحُهُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ "الشُّهَداءُ" داخِلًا في جُمْلَةِ الخَبَرِ، لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] داخِلًا أيْضًا في جُمْلَةِ الخَبَرِ عَنْهُمْ، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
(p-٥٦٨٩)أحَدُها: أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ.
والثّانِي: أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ.
والثّالِثُ: أنَّ لَهم أجْرَهم ونُورَهم.
وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ عَطْفَ الخَبَرِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، ثُمَّ ذِكْرَ الخَبَرِ الثّالِثِ مُجَرَّدًا عَنِ العَطْفِ، وهَذا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ وعالِمٌ لَهُ مالٌ. والأحْسَنُ في هَذا تَناسُبُ الأخْبارِ، بِأنْ تُجَرِّدَها كُلَّها مِنَ العَطْفِ أوْ تَعْطِفَها جَمِيعًا، فَتَقُولَ: زَيْدٌ كَرِيمٌ عالِمٌ لَهُ مالٌ، أوْ كَرِيمٌ وعالِمٌ ولَهُ مالٌ، فَتَأمَّلْهُ! ويُرَجِّحُهُ أيْضًا أنَّ الكَلامَ يَصِيرُ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً قَدْ ذُكِرَ فِيها أصْنافُ خَلْقِهِ السُّعَداءِ، وهُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ والصّالِحُونَ، وهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ، وهُمُ المُتَصَدِّقُونَ الَّذِينَ أقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا؛ فَهَؤُلاءِ ثَلاثَةُ أصْنافٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّسُلَ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥] فَيَتَناوَلُ ذَلِكَ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في سُورَةِ النِّساءِ فَهَؤُلاءِ هُمُ السُّعَداءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الأشْقِياءَ وهم نَوْعانِ: كُفّارٌ ومُنافِقُونَ، فَقالَ:
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾ [الحديد: ١٩] الآيَةَ. وذَكَرَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ [الحديد: ١٣] الآيَةَ. فَهَؤُلاءِ أصْنافُ العالَمِ كُلُّهم. وتَرَكَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ المُخَلَّطِ صاحِبِ الشّائِبَتَيْنِ، عَلى طَرِيقِ القُرْآنِ في ذِكْرِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، دُونَ المُخَلَّطِينَ غالِبًا، لِسِرٍّ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ؛ فَلْيَحْذَرْ صاحِبُ التَّخْلِيطِ؛ فَإنَّهُ لا ضَمانَ لَهُ عَلى اللَّهِ، فَلا هو مِن أهْلِ وعْدِهِ المُطْلَقِ، ولا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ قُطِعَ لَهم بِالعَذابِ، ولَكِنَّهُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ واقِفٌ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، كُلٌّ مِنهُما يَدْعُوهُ إلى مُوجِبِهِ لِأنَّهُ أتى بِسَبَبِهِ، وهَذا هو الَّذِي لَحِظَهُ القائِلُونَ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، ولَكِنْ غَلِطُوا في تَخْلِيدِهِ في النّارِ، ولَوْ نَزَّلُوهُ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، ووَكَلُوهُ إلى المَشِيئَةِ لَأصابُوا. انْتَهى كَلامُ ابْنِ القِيِّمِ، وفِيهِ مُوافَقَةٌ لِما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في الآيَةِ.
(p-٥٦٩٠)ولَمّا ذَكَرَ تَعالى السُّعَداءُ ومَآلَهُمْ، عَطَفَ بِذِكْرِ الأشْقِياءِ، وبَيَّنَ حالَهم بِقَوْلِهِ:
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩] ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى أمْرَ الدُّنْيا، وبَيَّنَ حاصِلَ أمْرِها عِنْدَ أهْلِها، بِقَوْلِهِ:
الحديد 57:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾
﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ﴾ أيْ: تَفْرِيحٌ لِلنَّفْسِ ﴿ولَهْوٌ﴾ أيْ: باطِلٌ ﴿وزِينَةٌ﴾ أيْ: مَنظَرٌ حَسَنٌ ﴿وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: في الحَسَبِ والنَّسَبِ ﴿وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ أيْ: مَطَرٍ ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيِ: الزُّرّاعَ ﴿نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ: يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: مِنَ اليُبْسِ ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ أيْ: هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا، وكَذَلِكَ الدُّنْيا لا تَبْقى كَما لا يَبْقى النَّباتُ ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أيْ: لِمَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ ومَنَعَ حَقَّ اللَّهِ ﴿ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ لِمَن أطاعَ اللَّهَ، وأدّى حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: يَأْخُذُ صاحِبُها مَلاعِبَ الدُّنْيا بَدَلَ مَلاعِبِ الحُورِ العِينِ، ولَهْوَها بِمَلاذِّ الجَنَّةِ، وزِينَتَها بِزِينَةِ الجَنَّةِ، والتَّفاخُرَ بَدَلَ التَّفاخُرِ بِجِوارِ اللَّهِ والقُرْبِ، والتَّكاثُرَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ بَدَلَ نِعَمِ اللَّهِ والوِلْدانِ المُخَلَّدِينَ في الجَنَّةِ.
ولَمّا حَقَّرَ الحَياةَ الحِسِّيَّةَ النَّفْسِيَّةَ الفانِيَةَ، وصَوَّرَها في صُورَةِ الخَضْراءِ السَّرِيعَةِ الِانْقِضاءِ، دَعاهم إلى الحَياةِ الباقِيَةِ، فَقالَ تَعالى:
(p-٥٦٩١)
الحديد 57:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: بادِرُوا بِالتَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِكم إلى نَيْلِ مَغْفِرَةٍ وتَجاوُزٍ عَنْ خَطِيئاتِكم مِن رَبِّكم ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيِ: الإيمانَ اليَقِينِيَّ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِمَّنْ كانَ أهْلًا لَهُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: بِما بَسَطَ لِخَلْقِهِ مِنَ الرِّزْقِ في الدُّنْيا، ووَهَبَ لَهم مِنَ النِّعَمِ، وعَرَّفَهم مَوْضِعَ الشُّكْرِ، ثُمَّ جَزاهم في الآخِرَةِ عَلى الطّاعَةِ، ما وصَفَ أنَّهُ أعَدَّهُ لَهم.
الحديد 57:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: مِن قَحْطٍ وجَدْبٍ ووَباءٍ وغَلاءٍ ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ (p-٥٦٩٢)أيْ: مِن خَوْفٍ ومَرَضٍ ومَوْتِ أهْلٍ ووَلَدٍ، وذَهابِ مالٍ ﴿إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ: إلّا في عِلْمٍ أزَلِيٍّ مِن قَبْلِ خَلْقِ المُصِيبَةِ أوِ الأنْفُسِ. وما عَلِمَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا بُدَّ مِن حُصُولِهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: حِفْظَهُ وتَقْدِيرَهُ عَلى الأنْفُسِ المَبْرُوءَةِ ما قَدَّرَ، ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لِسِعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ.
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: تَحْزَنُوا ﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مِن عافِيَةٍ ورِزْقٍ ونَحْوِهِما ﴿ولا تَفْرَحُوا﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: تَبْطُرُوا ﴿بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مِن نِعَمِ الدُّنْيا. والمَعْنى: أعْلَمْناكم بِأنّا قَدْ فَرَغْنا مِنَ التَّقْدِيرِ، فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ، فَلا الحُزْنُ يَدْفَعُهُ، ولا السُّرُورُ يَجْلِبُهُ ويَجْمَعُهُ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لِتَعْلَمُوا عِلْمًا يَقِينِيًّا أنْ لَيْسَ لِكَسْبِكم وحِفْظِكم وحَذَرِكم وحِراسَتِكم فِيما آتاكُمْ، مَدْخَلٌ وتَأْثِيرٌ، ولا لِعَجْزِكم وإهْمالِكم وغَفْلَتِكم وقِلَّةِ حِيلَتِكم وعَدَمِ احْتِرازِكم واحْتِفاظِكم فِيما فاتَكم مَدْخَلٌ؛ فَلا تَحْزَنُوا عَلى فَواتِ خَيْرٍ، ونُزُولِ شَرٍّ، ولا تَفْرَحُوا بِوُصُولِ خَيْرٍ وزَوالِ شَرٍّ؛ إذْ كُلُّها مُقَدَّرَةٌ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مُتَبَخْتِرٍ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ بِما آتاهُ ﴿فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: بِهِ عَلى النّاسِ لِعَدَمِ يَقِينِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ بِحُبِّ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِالظُّلُماتِ عَنِ النُّورِ.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ المالِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: لِاسْتِيلاءِ الرَّذِيلَةِ عَلَيْهِمْ، والمَوْصُولُ إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم وعِيدٌ شَدِيدٌ، أوْ خَبَرٌ ومُبْتَدَؤُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ بَدَلٌ مِن (كُلٍّ).
﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وما أُمِرَ بِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: عَنْهُ، لِاسْتِغْنائِهِ بِذاتِهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: لِاسْتِقْلالِهِ بِكَمالِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ بِالإنْفاقِ لِمَصْلَحَةِ المُنْفِقِ، لا لِما يَعُودُ عَلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
(p-٥٦٩٣)
الحديد 57:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: مِن قَحْطٍ وجَدْبٍ ووَباءٍ وغَلاءٍ ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ (p-٥٦٩٢)أيْ: مِن خَوْفٍ ومَرَضٍ ومَوْتِ أهْلٍ ووَلَدٍ، وذَهابِ مالٍ ﴿إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ: إلّا في عِلْمٍ أزَلِيٍّ مِن قَبْلِ خَلْقِ المُصِيبَةِ أوِ الأنْفُسِ. وما عَلِمَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا بُدَّ مِن حُصُولِهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: حِفْظَهُ وتَقْدِيرَهُ عَلى الأنْفُسِ المَبْرُوءَةِ ما قَدَّرَ، ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لِسِعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ.
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: تَحْزَنُوا ﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مِن عافِيَةٍ ورِزْقٍ ونَحْوِهِما ﴿ولا تَفْرَحُوا﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: تَبْطُرُوا ﴿بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مِن نِعَمِ الدُّنْيا. والمَعْنى: أعْلَمْناكم بِأنّا قَدْ فَرَغْنا مِنَ التَّقْدِيرِ، فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ، فَلا الحُزْنُ يَدْفَعُهُ، ولا السُّرُورُ يَجْلِبُهُ ويَجْمَعُهُ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لِتَعْلَمُوا عِلْمًا يَقِينِيًّا أنْ لَيْسَ لِكَسْبِكم وحِفْظِكم وحَذَرِكم وحِراسَتِكم فِيما آتاكُمْ، مَدْخَلٌ وتَأْثِيرٌ، ولا لِعَجْزِكم وإهْمالِكم وغَفْلَتِكم وقِلَّةِ حِيلَتِكم وعَدَمِ احْتِرازِكم واحْتِفاظِكم فِيما فاتَكم مَدْخَلٌ؛ فَلا تَحْزَنُوا عَلى فَواتِ خَيْرٍ، ونُزُولِ شَرٍّ، ولا تَفْرَحُوا بِوُصُولِ خَيْرٍ وزَوالِ شَرٍّ؛ إذْ كُلُّها مُقَدَّرَةٌ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مُتَبَخْتِرٍ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ بِما آتاهُ ﴿فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: بِهِ عَلى النّاسِ لِعَدَمِ يَقِينِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ بِحُبِّ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِالظُّلُماتِ عَنِ النُّورِ.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ المالِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: لِاسْتِيلاءِ الرَّذِيلَةِ عَلَيْهِمْ، والمَوْصُولُ إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم وعِيدٌ شَدِيدٌ، أوْ خَبَرٌ ومُبْتَدَؤُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ بَدَلٌ مِن (كُلٍّ).
﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وما أُمِرَ بِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: عَنْهُ، لِاسْتِغْنائِهِ بِذاتِهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: لِاسْتِقْلالِهِ بِكَمالِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ بِالإنْفاقِ لِمَصْلَحَةِ المُنْفِقِ، لا لِما يَعُودُ عَلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
(p-٥٦٩٣)
الحديد 57:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: مِن قَحْطٍ وجَدْبٍ ووَباءٍ وغَلاءٍ ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ (p-٥٦٩٢)أيْ: مِن خَوْفٍ ومَرَضٍ ومَوْتِ أهْلٍ ووَلَدٍ، وذَهابِ مالٍ ﴿إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ: إلّا في عِلْمٍ أزَلِيٍّ مِن قَبْلِ خَلْقِ المُصِيبَةِ أوِ الأنْفُسِ. وما عَلِمَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا بُدَّ مِن حُصُولِهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: حِفْظَهُ وتَقْدِيرَهُ عَلى الأنْفُسِ المَبْرُوءَةِ ما قَدَّرَ، ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لِسِعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ.
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: تَحْزَنُوا ﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مِن عافِيَةٍ ورِزْقٍ ونَحْوِهِما ﴿ولا تَفْرَحُوا﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: تَبْطُرُوا ﴿بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مِن نِعَمِ الدُّنْيا. والمَعْنى: أعْلَمْناكم بِأنّا قَدْ فَرَغْنا مِنَ التَّقْدِيرِ، فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ، فَلا الحُزْنُ يَدْفَعُهُ، ولا السُّرُورُ يَجْلِبُهُ ويَجْمَعُهُ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لِتَعْلَمُوا عِلْمًا يَقِينِيًّا أنْ لَيْسَ لِكَسْبِكم وحِفْظِكم وحَذَرِكم وحِراسَتِكم فِيما آتاكُمْ، مَدْخَلٌ وتَأْثِيرٌ، ولا لِعَجْزِكم وإهْمالِكم وغَفْلَتِكم وقِلَّةِ حِيلَتِكم وعَدَمِ احْتِرازِكم واحْتِفاظِكم فِيما فاتَكم مَدْخَلٌ؛ فَلا تَحْزَنُوا عَلى فَواتِ خَيْرٍ، ونُزُولِ شَرٍّ، ولا تَفْرَحُوا بِوُصُولِ خَيْرٍ وزَوالِ شَرٍّ؛ إذْ كُلُّها مُقَدَّرَةٌ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مُتَبَخْتِرٍ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ بِما آتاهُ ﴿فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: بِهِ عَلى النّاسِ لِعَدَمِ يَقِينِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ بِحُبِّ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِالظُّلُماتِ عَنِ النُّورِ.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ المالِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: لِاسْتِيلاءِ الرَّذِيلَةِ عَلَيْهِمْ، والمَوْصُولُ إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم وعِيدٌ شَدِيدٌ، أوْ خَبَرٌ ومُبْتَدَؤُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ بَدَلٌ مِن (كُلٍّ).
﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وما أُمِرَ بِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: عَنْهُ، لِاسْتِغْنائِهِ بِذاتِهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: لِاسْتِقْلالِهِ بِكَمالِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ بِالإنْفاقِ لِمَصْلَحَةِ المُنْفِقِ، لا لِما يَعُودُ عَلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
(p-٥٦٩٣)
الحديد 57:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥] ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْـزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ ﴿وأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: التّامَّ في الحُكْمِ والأحْكامِ ﴿والمِيزانَ﴾ أيِ: العَدْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةٌ وغَيْرُهُما. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو الحَقُّ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ العُقُولُ الصَّحِيحَةُ المُسْتَقِيمَةُ، المُخالَفَةُ لِلْآراءِ السَّقِيمَةِ ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالحَقِّ والعَدْلِ، وهو اتِّباعُ الرُّسُلِ فِيما أُمِرُوا بِهِ، وتَصْدِيقُهم فِيما أخْبَرُوا عَنْهُ، فَإنَّ الَّذِي جاءُوا بِهِ هو الحَقُّ الَّذِي لَيْسَ وراءَهُ حَقٌّ، كَما قالَ:
﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] أيْ: صِدْقًا في الأخْبارِ، وعَدْلًا في الأوامِرِ والنَّواهِي، ولِهَذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ إذا تَبَوَّؤُوا غُرَفَ الجَنّاتِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]
﴿وأنْـزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ يَعْنِي القِتالَ بِهِ؛ فَإنَّ آلاتِ الحُرُوبِ مُتَّخَذَةٌ مِنهُ ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ أيْ: في مَصالِحِهِمْ ومَعايِشِهِمْ، فَما مِن صِناعَةٍ إلّا ولِلْحَدِيدِ يَدٌ فِيها.
فَإنْ قِيلَ: الجُمَلُ المُتَعاطِفَةُ لابُدَّ فِيها مِنَ المُناسَبَةِ، وأيْنَ هي في إنْزالِ الحَدِيدِ مَعَ ما قَبْلَهُ؟
فالجَوابُ: أنَّ بَيْنَهُما مُناسَبَةً تامَّةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما يَتِمُّ بِهِ انْتِظامُ أُمُورِ العالَمِ في الدُّنْيا حَتّى يَنالُوا السَّعادَةَ في الأُخْرى، ومَن هَداهُ اللَّهُ مِنَ الخَواصِّ العُقَلاءِ يَنْتَظِمُ حالُهُ في الدّارَيْنِ بِالكُتُبِ والشَّرائِعِ المُطَهَّرَةِ، ومَن أطاعَهم وقَلَّدَهم مِنَ العامَّةِ بِإجْراءِ قَوانِينِ الشَّرْعِ العادِلَةِ بَيْنَهُمْ، ومَن تَمَرَّدَ وطَغى وقَسا يُضْرَبُ بِالحَدِيدِ الرّادِّ لِكُلِّ مُرِيدٍ. وإلى الأوَّلِينَ أشارَ بِقَوْلِهِ:
(p-٥٦٩٤)﴿وأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ فَجَمَعَهم وأتْباعَهم في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، وإلى الثّالِثِ أشارَ بِقَوْلِهِ:
﴿وأنْـزَلْنا الحَدِيدَ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: أنْزَلْنا ما يَهْتَدِي بِهِ الخَواصُّ، وما يَهْتَدِي بِهِ مَن لَمْ يَتْبَعْهُمْ، فَهي حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةٌ، لا مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْوِيَةِ الكَلامِ كَما تُوُهِّمَ؛ إذْ لا داعِيَ لَهُ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِيهِ، بَلْ فِيهِ ما يُنافِيهِ. قالَ العُتْبِيُّ: في أوَّلِ "تارِيخِهِ": كانَ يَخْتَلِجُ في صَدْرِي أنَّ في الجَمْعِ بَيْنَ الكِتابِ والمِيزانِ والحَدِيدِ تَنافُرًا، وسَألْتُ عَنْهُ فَلَمْ أحْصُلْ عَلى ما يُزِيحُ العِلَّةَ ويَنْقَعُ الغُلَّةَ، حَتّى أعْمَلْتُ التَّفَكُّرَ، فَوَجَدْتُ الكِتابَ قانُونَ الشَّرِيعَةِ، ودُسْتُورَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، يَتَضَمَّنُ جَوامِعَ الأحْكامِ والحُدُودِ، وقَدْ حَظَرَ فِيهِ التَّعادِيَ والتَّظالُمَ، ودَفَعَ التَّباغِيَ والتَّخاصُمَ، وأمَرَ بِالتَّناصُفِ والتَّعادُلِ، ولَمْ يَكُنْ يَتِمُّ إلّا بِهَذِهِ الآلَةِ، فَلِذا جَمَعَ ﴿الكِتابَ والمِيزانَ﴾ وإنَّما تَحْفَظُهُ العامَّةُ عَلى اتِّباعِها بِالسَّيْفِ، وجَذْوَةِ عِقابِهِ، وعَذابِ عَذابِهِ، وهو الحَدِيدُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ بِالبَأْسِ الشَّدِيدِ. فَجَمَعَ بِالقَوْلِ الوَجِيزِ، مَعانِيَ كَثِيرَةَ الشُّعُوبِ، مُتَدانِيَةَ الجُنُوبِ، مُحْكَمَةَ المَطالِعِ، مُقَوَّمَةَ المَبادِئِ والمَقاطِعِ، نَقَلَهُ الشِّهابُ.
وأوَّلَ القاشانِيُّ " البَيِّناتِ " بِالمَعارِفِ والحِكَمِ، و" الكِتابَ " بِالكِتابَةِ، و" المِيزانَ " بِالعَدْلِ، لِأنَّهُ آلَتُهُ، و" الحَدِيدَ " بِالسَّيْفِ؛ لِأنَّهُ مادَّتُهُ، قالَ: وهي الأُمُورُ الَّتِي بِها يَتِمُّ الكَمالُ النَّوْعِيُّ، ويَنْضَبِطُ الكُلِّيُّ المُؤَدِّي عَلى صَلاحِ المَعاشِ والمَعادِ؛ إذِ الأصْلُ المُعْتَبَرُ والمَبْدَأُ الأوَّلُ، وهو العِلْمُ والحِكْمَةُ. والأصْلُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ في النَّوْعِ الِاسْتِقامَةُ في طَرِيقِ الكَمالِ هو العَدْلُ، ثُمَّ لا يَنْضَبِطُ النِّظامُ ولا يَتَمَشّى صَلاحُ الكُلِّ إلّا بِالسَّيْفِ والقَلَمِ اللَّذَيْنِ يَتِمُّ بِهِما أمْرُ السِّياسَةِ؛ فالأرْبَعَةُ هي أرْكانُ كَمالِ النَّوْعِ، وصَلاحِ الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " البَيِّناتِ " إشارَةً إلى المَعارِفِ والحَقائِقِ النَّظَرِيَّةِ، و" الكِتابَ " إشارَةً إلى الشَّرِيعَةِ والحِكَمِ العَمَلِيَّةِ و" المِيزانَ " إلى العَمَلِ بِالعَدْلِ والسَّوِيَّةِ و" الحَدِيدَ " إلى القَهْرِ ودَفْعِ شُرُورِ (p-٥٦٩٥)البَرِيَّةِ. وقِيلَ: " البَيِّناتِ " العُلُومُ الحَقِيقِيَّةُ، والثَّلاثَةُ الباقِيَةُ هي النَّوامِيسُ الثَّلاثَةُ المَشْهُورَةُ المَذْكُورَةُ في الكُتُبِ الحِكَمِيَّةِ، أيِ: الشَّرْعِ، والدِّينارِ المُعَدَّلِ لِلْأشْياءِ في المُعاوَضاتِ، والمِلْكِ. وأيًّا ما كانَ فَهي الأُمُورُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْكَمالِ الشَّخْصِيِّ والنَّوْعِيِّ في الدّارَيْنِ؛ إذْ لا يَحْصُلُ كَمالُ الشَّخْصِ إلّا بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ولا كَمالُ النَّوْعِ إلّا بِالسَّيْفِ والقَلَمِ، أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، مُحْتاجٌ إلى التَّعامُلِ والتَّعاوُنِ، لا تُمْكِنُ مَعِيشَتُهُ إلّا بِالِاجْتِماعِ، والنُّفُوسُ إمّا خَيِّرَةٌ أحْرارٌ بِالطَّبْعِ، مُنْقادَةٌ لِلشَّرْعِ، وإمّا شِرِّيرَةٌ عَبِيدٌ بِالطَّبْعِ آبِيَةٌ لِلشَّرْعِ؛ فالأُولى يَكْفِيها في السُّلُوكِ طَرِيقُ الكَمالِ والعَمَلُ بِالعَدالَةِ واللُّطْفِ وسِياسَةُ الشَّرْعِ، والثّانِيَةُ لا بُدَّ لَها مِنَ القَهْرِ وسِياسَةِ المُلْكِ. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رِسالَةٌ في مَعْنى نُزُولِ القُرْآنِ ولَفْظِ النُّزُولِ، حَيْثُ ذُكِرَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، بَيَّنَ فِيها أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَسَّرُوا النُّزُولَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ بِغَيْرِ ما هو مَعْناهُ المَعْرُوفُ؛ لِاشْتِباهِ المَعْنى في تِلْكَ المَواضِعِ، وصارَ ذَلِكَ حُجَّةً لِمَن فَسَّرَ نُزُولَ القُرْآنِ بِتَفْسِيرِ أهْلِ البِدَعِ، وحَقَّقَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنْ لَيْسَ في القُرْآنِ ولا في السُّنَّةِ لَفْظُ: نُزُولٍ إلّا فِيهِ مَعْنى النُّزُولِ المَعْرُوفِ، قالَ: وهو اللّائِقُ بِالقُرْآنِ؛ فَإنَّهُ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ولا تَعْرِفُ العَرَبُ مَنزُولًا إلّا بِهَذا المَعْنى، ولَوْ أُرِيدَ غَيْرُ هَذا المَعْنى لَكانَ خِطابًا بِغَيْرِ لُغَتِها. ثُمَّ هو اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المَعْرُوفِ لَهُ مَعْنًى، في مَعْنًى آخَرَ بِلا بَيانٍ، وهَذا لا يَجُوزُ بِما ذَكَرْنا، قالَ: وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ إنْزالَ الحَدِيدِ، والحَدِيدُ يُخْلَقُ في المَعادِنِ، وما يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِن حَدِيدٍ: السِّنْدانُ والكَلْبَتانِ والمِيقَعَةُ والمِطْرَقَةُ والإبْرَةُ، فَهو كَذِبٌ لا يَثْبُتُ مِثْلُهُ. وكَذَلِكَ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ أرْبَعَ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، فَأنْزَلَ الحَدِيدَ والماءَ والنّارَ والمِلْحَ، حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ومَكْذُوبٌ والنّاسُ يَشْهَدُونَ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تَصْنَعُ مِن حَدِيدِ المَعادِنِ ما يُرِيدُونَ.
(p-٥٦٩٦)فَإنْ قِيلَ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ مَعَهُ جَمِيعُ الآلاتِ، فَهَذِهِ مُكابَرَةٌ لِلْعِيانِ.
فَإنْ قِيلَ: بَلْ نَزَلَ مَعَهُ آلَةٌ واحِدَةٌ، وتِلْكَ لا تُعْرَفُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا لِسائِرِ النّاسِ؟ ثُمَّ ما يَصْنَعُ بِهَذِهِ الآلاتِ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَدِيدٌ مَوْجُودٌ يُطْرَقُ بِهَذِهِ الآلاتِ؟ وإذا خَلَقَ اللَّهُ الحَدِيدَ صُنِعَتْ مِنهُ هَذِهِ الآلاتُ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ أنْزَلَ الحَدِيدَ، فَكانَ المَقْصُودُ الأكْبَرُ بِذِكْرِ الحَدِيدِ هو اتِّخاذُ آلاتِ الجِهادِ مِنهُ، الَّذِي بِهِ يُنْصَرُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ. وهَذا لَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ.
فَإنْ قِيلَ: نَزَلَتِ الآلَةُ الَّتِي يُطْبَعُ بِها. قِيلَ: فاللَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ أنْزَلَ الحَدِيدَ لِهَذِهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، والآلَةُ وحْدَها لا تَكْفِي، بَلْ لابُدَّ مِن مادَّةٍ يُصْنَعُ بِها آلاتُ الجِهادِ.
ثُمَّ قالَ: وجَعَلَ بَعْضُهم نُزُولَ الحَدِيدِ بِمَعْنى الخَلْقِ، لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ المَعادِنِ، وعَلَّمَهم صَنْعَتَهُ، فَإنَّ الحَدِيدَ إنَّما يَخْلُقُ المَعادِنَ، والمَعادِنُ إنَّما تَكُونُ في الجِبالِ؛ فالحَدِيدُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِن مَعادِنِهِ الَّتِي في الجِبالِ، لِيَنْتَفِعَ بِهِ بَنُو آدَمَ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ أيْ: بِاسْتِعْمالِ الحَدِيدِ في مُجاهَدَةِ أعْدائِهِ. عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَسْتَعْمِلُوهُ في الجِهادِ، ولِيَعْلَمَ اللَّهُ.... إلَخْ. وحَذَفَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ إيماءً إلى أنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِما ذُكِرَ، وهَذا المَقْصُودُ مِنهُ. أوِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: أنْزَلَهُ لِيَعْلَمَ... إلَخْ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ فَحُذِفَ المَعْطُوفُ، وأُقِيمَ مُتَعَلِّقُهُ مَقامَهُ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ قالَ الشِّهابُ: وهو قَرِيبٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، بَعِيدٌ بِحَسَبِ المَعْنى.
﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ أيْ: عَلى إهْلاكِ مَن أرادَ إهْلاكَهُ ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ قاهِرٌ لِمَن شاءَ.
(p-٥٦٩٧)
الحديد 57:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الذُّرِّيَّةِ ﴿مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: خارِجُونَ عَنْ طاعَتِهِ بِتَرْكِ نُصُوصِ كُتُبِهِ وتَحْرِيفِها، وإيثارِ آراءِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ عَلَيْها، واجْتِرامِ ما نُهُوا عَنْهُ؛ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: أتْبَعْنا ﴿عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: حَنانًا ورِقَّةً عَلى الخَلْقِ لِكَثْرَةِ ما وصّى بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ الشَّفَقَةِ وهَضْمِ النَّفْسِ والمَحَبَّةِ، وكانَ في عَهْدِهِ أُمَّتانِ عَظِيمَتا القَسْوَةِ والشِّدَّةِ: اليَهُودُ والرُّومانُ، وهَؤُلاءِ أشَدُّ قَسْوَةً، وأعْظَمُ بَطْشًا، لا سِيَّما في العُقُوباتِ، فَقَدْ كانَ لَهم أفانِينُ في تَعْذِيبِ النَّوْعِ البَشَرِيِّ بِها، ومِنها تَسْلِيطُ الوُحُوشِ المُفْتَرِسَةِ عَلَيْهِ، وتَرْبِيَتُها لِذَلِكَ، مِمّا جاءَتِ البِعْثَةُ المَسِيحِيَّةُ عَلى أثَرِها، وجاهَدَتْ في مُطارَدَتِها، وصَبَرَتْ عَلى مُنازَلَتِها، حَتّى ظَهَرَتْ عَلَيْها بِتَأْيِيدِهِ تَعالى ونَصْرِهِ - كَما بَيَّنَهُ آخِرُ سُورَةِ الصَّفِّ - ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: ما فَرَضْناها عَلَيْهِمْ، وإنَّما هُمُ التَزَمُوها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ.
﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ عَنْهم.
﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: ما قامُوا بِما التَزَمُوهُ مِنها حَقَّ القِيامِ مِنَ التَّزَهُّدِ، والتَّخَلِّي (p-٥٦٩٨)لِلْعِبادَةِ وعِلْمِ الكِتابِ، بَلِ اتَّخَذُوها آلَةً لِلتَّرَؤُّسِ والسُّؤْدُدِ وإخْضاعِ الشَّعْبِ لِأهْوائِهِمْ.
﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧] يَعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا الإيمانَ الخالِصَ عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ والِابْتِداعِ، ومِنهُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، المُبَشَّرِ بِهِ عِنْدَهم.
﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: خارِجُونَ عَنْ مُواجِبِ الإيمانِ ومَقاصِدِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الرَّهْبانِيَّةُ هي المُبالَغَةُ في العِبادَةِ والرِّياضَةِ، والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ، وإيثارِ العُزْلَةِ والتَّبَتُّلِ، وأصْلُها الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرُّهْبانِ، وهو الخائِفُ، فَعْلانٌ، مِن رَهِبَ، كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [الحديد: ٢٧] ذَمٌّ لَهم مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: في الِابْتِداعِ في دِينِ اللَّهِ ما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ.
والثّانِي: في عَدَمِ قِيامِهِمْ بِما التَزَمُوهُ مِمّا زَعَمُوا أنَّهُ قُرْبَةٌ يُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
الثّالِثُ: رَأيْتُ في كَثِيرٍ مِن مُؤَلَّفاتِ عُلَماءِ المَسِيحِيِّينَ المُتَأخِّرِينَ ذَمَّ بِدْعَةِ الرَّهْبَنَةِ وما كانَ لِتَأْثِيرِها في النُّفُوسِ والأخْلاقِ مِنَ المَفاسِدِ والأضْرارِ، فَقَدْ قالَ صاحِبُ "رَيْحانَةِ النُّفُوسِ" مِنهُمْ، في البابِ السّابِعَ عَشَرَ، في الرَّهْبَنَةِ:
إنَّ الرَّهْبَنَةَ قَدْ نَشَأتْ مِنَ التَّوَهُّمِ بِأنَّ الِانْفِرادَ عَنْ مُعاشَرَةِ النّاسِ، واسْتِعْمالِ التَّقَشُّفاتِ والتَّأمُّلاتِ الدِّينِيَّةِ، هي ذاتُ شَأْنٍ عَظِيمٍ، ولَكِنْ لا يُوجَدُ سَنَدٌ لِهَذا الوَهْمِ في الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ لِأنَّ مِثالَ المَسِيحِ، ومِثالَ رُسُلِهِ يُضادّانِهِ بِاسْتِقامَةٍ؛ فَإنَّهم لَمْ يَعْتَزِلُوا عَنِ الِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ، لِكَيْ يَعِيشُوا بِالِانْفِرادِ، بَلْ إنَّما كانُوا دائِمًا مُخْتَلِطِينَ بِالعالَمِ، يُعَلِّمُونَ ويَنْصَحُونَ. ونَحْنُ نَقُولُ بِكُلِّ جَراءَةٍ: إنَّهُ لا يُوجَدُ في جَمِيعِ الكِتابِ المُقَدَّسِ مِثالٌ لِلرَّهْبَنَةِ، ولا يُوجَدُ أمْرٌ مِن أوامِرِهِ يُلْزِمُ بِها، بَلِ العَكْسُ؛ فَإنَّ رُوحَ الكِتابِ وفَحْواهُ يُضادِ كُلَّ دَعْوى مَبْنِيَّةٍ عَلى العِيشَةِ المُنْفَرِدَةِ المَقْرُونَةِ بِالتَّقَشُّفاتِ، ولَكِنْ مَعَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لا يَمْدَحُ العِيشَةَ الِانْفِرادِيَّةَ، فَقَدْ (p-٥٦٩٩)ظَهَرَ المَيْلُ الشَّدِيدُ إلَيْها في الكَنِيسَةِ، في أواخِرِ الجِيلِ الثّانِي وأوائِلِ الجِيلِ الثّالِثِ، وأيَّدَ بَعْضُ الباحِثِينَ المُقاوِمِينَ لَها وقْتَئِذٍ، أنَّها عادَةٌ سَرَتْ لِلْمَسِيحِيِّينَ مِنَ الهُنُودِ الوَثَنِيِّينَ السُّمانِيِّينَ؛ فَإنَّ لَهم أنْواعًا كَثِيرَةً مِن عِباداتٍ تَأْمُرُ كَهَنَتُها بِالبَتُولِيَّةِ والِامْتِناعِ عَنْ أكْلِ اللَّحْمِ وأُمُورًا أُخْرى مَقْرُونَةً بِخُرافاتٍ.
ثُمَّ قالَ: ومَعَ أنَّ الرَّهْبَنَةَ حَصَلَ عَلَيْها مُقاوَمَةٌ مِنَ العُقَلاءِ، امْتَدَّتْ وانْتَشَرَتْ في المَسْكُونَةِ، وكانَ ابْتِداؤُها فِيمِصْرَ في الجِيلِ الرّابِعِ، عَلى أثَرِ اشْتِهارِ أحَدِ الرُّهْبانِ ومُمارَسَتِهِ التَّقَشُّفاتِ، بِسَبَبِ الِاضْطِهادِ الَّذِي أصابَهُ، وآثَرَ لِأجْلِهِ الطَّوافَ في البَرارِي، فِرارًا مِن أيادِي مُضْطَهِدِيهِ، ثُمَّ عَكَفَ عَلى الوَحْدَةِ وعاشَ بِها، وذَلِكَ في الجِيلِ الثّالِثِ. ثُمَّ امْتَدَّتْ مِن مِصْرَ إلى فِلَسْطِينَ وسُورِيَةَ إلى أكْثَرِ الجِهاتِ؛ تَوَهُّمًا بِأنَّ رَسْمَ المَسِيحِيَّةِ الكامِلَةِ لا يُوجَدُ إلّا في المَعِيشَةِ الضَّيِّقَةِ القَشْفَةِ، فَدَعا ذَلِكَ كَثِيرِينَ إلى تَرْكِ المَعِيشَةِ المَأْلُوفَةِ بِالِاعْتِزالِ في الأدْيِرَةِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الوَهْمَ باطِلٌ، ومُضادٌّ لِلْكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، ولَمّا كَثُرَ عَدَدُ الرُّهْبانِ كَثْرَةً هائِلَةً، ونَجَمَ عَنْ حالِهِمْ أضْرارٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُجْتَمِعِ، أصْدَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُلُوكِ أوامِرَ بِمَنعِ هَذِهِ العادَةِ، إلّا أنَّها لَمْ تَنْجَحْ كَثِيرًا.
وأمّا بِدْعَةُ العُزُوبَةِ والتَّبَتُّلِ، فَنَشَأتْ مِن حَضِّ بُولُسَ عَلَيْها، وتَرْغِيبِهِمْ فِيها، كَما أفْصَحَ عَنْهُ كَلامُهُ في آخِرِ الفَصْلِ السّابِعِ مِن رِسالَتِهِ الأُولى.
وقَدْ قالَ صاحِبُ "رَيْحانَةِ النُّفُوسِ" أيْضًا: إنَّ هَذِهِ العادَةَ لا يُوجَدُ لَها بُرْهانٌ في الكِتابِ المُقَدَّسِ، وإنَّما دَخَلَتْ بِالتَّدْرِيجِ، لِما خامَرَهم مِن تَوَهُّمِ أفْضَلِيَّةِ البَتُولِيَّةِ، وظَنِّهِمْ أنَّها أزْكى مِنَ الزَّواجِ، ومَدْحِ مَن جاءَ عَلى أثَرِهِمْ لَها مَدْحًا بالِغًا النِّهايَةَ في الإطْراءِ، فَحَسِبُوها مِنَ الواجِباتِ الأدَبِيَّةِ المَأْمُورَ بِها، ووَضْعِ نِظامٍ وقَوانِينَ لِوُجُوبِها في الجِيلِ الثّالِثِ، حَتّى قاوَمَتْها كَنائِسُ أُخْرى، ورَفَضَتْ بِدْعَةَ البَتُولِيَّةِ وقَوانِينَها، لِمُغايَرَتِها لِلطَّبِيعَةِ، ومُضادَّتِها لِنَصِّ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، واسْتِقْرائِها أدْيِرَةَ الرّاهِباتِ، بِأنَّها في بَعْضِ الأماكِنِ كانَتْ بُيُوتًا لِلْفَواحِشِ والفَسادِ.
(p-٥٧٠٠)وفِي كِتابِ (البَراهِينِ الإنْجِيلِيَّةِ ضِدَّ الأباطِيلِ الباباوِيَّةِ): إنَّ ذَمَّ الزِّيجَةِ خَطَأٌ؛ لِأنَّها عَمَلُ الأفْضَلِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أخْبَرَ بِأنَّ الزَّواجَ خَيْرٌ مِنَ التَّوَقُّدِ بِنارِ الشَّهْوَةِ، وإنَّ الأكْثَرِينَ مِن رُسُلِ المَسِيحِ كانُوا ذَوِي نِساءٍ، تَجُولُ مَعَهم. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ تَغْصِبُ الإنْسانَ عَلى اسْتِيفاءِ حَقِّها، ومِنَ العَدْلِ أنْ تَسْتَوْفِيَهُ، ولَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْها اسْتِيفاؤُهُ حَسَبَ الشَّرِيعَةِ، ولا اسْتِطاعَةَ لِجَمِيعِ البَشَرِ عَلى حِفْظِ البَتُولِيَّةِ؛ ولِذَلِكَ نَرى كَثِيرِينَ مِنَ الأساقِفَةِ والقُسُوسِ والشَّمامِسَةِ، لا بَلِ الباباواتِ المُدَّعِينَ بِالعِصْمَةِ، قَدْ تَكَرْدَسُوا في هُوَّةِ الزِّنا لِعَدَمِ تَحَصُّنِهِمْ بِالزَّواجِ الشَّرْعِيِّ، هَذا وإنَّ ذاتَ النَّذْرِ بِالِامْتِناعِ عَنِ الزَّواجِ هو غَيْرُ عادِلٍ لِتُضَمِّنِهُ سَلْبَ حُقُوقِ الطَّبِيعَةِ وكَوْنِهِ يَضَعُ الإنْسانَ تَحْتَ خَطَرِ السُّقُوطِ في الزِّنا ويَفْتَحُ بابًا واسِعًا لِدُخُولِ الشَّيْطانِ، وكَأنَّ الرّاهِبَ يُنْذِرُ عَلى نَفْسِهِ مُقاوِمَةَ أمْرٍ قَبِيحٍ، ويُعْدِمُ وُجُودَ أُلُوفِ أُلُوفٍ، رُبَّما كانَتْ تَتَوَلَّدُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ قَتَلَها. وهَذا النَّذْرُ لَمْ تَأْمُرْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الإنْجِيلِيَّةُ قَطُّ؛ فالطَّرِيقَةُ الرَّهْبانِيَّةُ هي اخْتِراعٌ شَيْطانِيٌّ قَبِيحٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَسْمٌ في الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، ولا في أجْيالِ الكَنِيسَةِ الأُولى، وهو مُضِرٌّ عَلى أنْفُسِ الرُّهْبانِ، وعَلى الشَّعْبِ؛ فَمَن يُقاوِمُهُ يُقاوِمُ الشَّيْطانَ. وهَؤُلاءِ الرُّهْبانُ لا نَفْعَ مِنهم لِلرَّعِيَّةِ، إنَّما هم كالأُمَراءِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ لِأنْفُسِهِمْ قُصُورًا خارِجَ العُمْرانِ، فَيَتَنَعَّمُونَ وحْدَهم في أدْيِرَتِهِمْ، ويَسْلُبُونَ أمْوالَ الشَّعْبِ بِالحِيَلِ والمُخادَعاتِ وهم كُسالى بَطّالُونَ، يَعِيشُونَ مِن أتْعابِ غَيْرِهِمْ، خِلافًا لِسُلُوكِ رُسُلِ المَسِيحِ والمُبَشِّرِينَ القُدَماءِ، الَّذِينَ لَمْ نَرَ واحِدًا مِنهُمُ انْفَرَدَ عَنِ العالَمِ في مَكانِ نُزْهَتِهِ، واحْتالَ بِأنْ يَعِيشَ مِن أتْعابِ الشَّعْبِ؛ إنَّ بُولُسَ كانَ يَخْدِمُ الكَنائِسَ، ويَعِيشُ مِن شُغْلِ يَدَيْهِ، وهو يُوصِي بِأنَّ الَّذِي لا يَعْمَلُ، فَلا يَطْعَمُ. ولا تَتَّسِعُ الصُّحُفُ لِشَرْحِ جَمِيعِ الأضْرارِ الَّتِي وقَعَتْ عَلى العالَمِ بِسَبَبِ الرَّهْبَناتِ. انْتَهى. وهو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنهم.
(p-٥٧٠١)
الحديد 57:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الذُّرِّيَّةِ ﴿مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: خارِجُونَ عَنْ طاعَتِهِ بِتَرْكِ نُصُوصِ كُتُبِهِ وتَحْرِيفِها، وإيثارِ آراءِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ عَلَيْها، واجْتِرامِ ما نُهُوا عَنْهُ؛ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: أتْبَعْنا ﴿عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: حَنانًا ورِقَّةً عَلى الخَلْقِ لِكَثْرَةِ ما وصّى بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ الشَّفَقَةِ وهَضْمِ النَّفْسِ والمَحَبَّةِ، وكانَ في عَهْدِهِ أُمَّتانِ عَظِيمَتا القَسْوَةِ والشِّدَّةِ: اليَهُودُ والرُّومانُ، وهَؤُلاءِ أشَدُّ قَسْوَةً، وأعْظَمُ بَطْشًا، لا سِيَّما في العُقُوباتِ، فَقَدْ كانَ لَهم أفانِينُ في تَعْذِيبِ النَّوْعِ البَشَرِيِّ بِها، ومِنها تَسْلِيطُ الوُحُوشِ المُفْتَرِسَةِ عَلَيْهِ، وتَرْبِيَتُها لِذَلِكَ، مِمّا جاءَتِ البِعْثَةُ المَسِيحِيَّةُ عَلى أثَرِها، وجاهَدَتْ في مُطارَدَتِها، وصَبَرَتْ عَلى مُنازَلَتِها، حَتّى ظَهَرَتْ عَلَيْها بِتَأْيِيدِهِ تَعالى ونَصْرِهِ - كَما بَيَّنَهُ آخِرُ سُورَةِ الصَّفِّ - ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: ما فَرَضْناها عَلَيْهِمْ، وإنَّما هُمُ التَزَمُوها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ.
﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ عَنْهم.
﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: ما قامُوا بِما التَزَمُوهُ مِنها حَقَّ القِيامِ مِنَ التَّزَهُّدِ، والتَّخَلِّي (p-٥٦٩٨)لِلْعِبادَةِ وعِلْمِ الكِتابِ، بَلِ اتَّخَذُوها آلَةً لِلتَّرَؤُّسِ والسُّؤْدُدِ وإخْضاعِ الشَّعْبِ لِأهْوائِهِمْ.
﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧] يَعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا الإيمانَ الخالِصَ عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ والِابْتِداعِ، ومِنهُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، المُبَشَّرِ بِهِ عِنْدَهم.
﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] أيْ: خارِجُونَ عَنْ مُواجِبِ الإيمانِ ومَقاصِدِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الرَّهْبانِيَّةُ هي المُبالَغَةُ في العِبادَةِ والرِّياضَةِ، والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ، وإيثارِ العُزْلَةِ والتَّبَتُّلِ، وأصْلُها الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرُّهْبانِ، وهو الخائِفُ، فَعْلانٌ، مِن رَهِبَ، كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [الحديد: ٢٧] ذَمٌّ لَهم مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: في الِابْتِداعِ في دِينِ اللَّهِ ما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ.
والثّانِي: في عَدَمِ قِيامِهِمْ بِما التَزَمُوهُ مِمّا زَعَمُوا أنَّهُ قُرْبَةٌ يُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
الثّالِثُ: رَأيْتُ في كَثِيرٍ مِن مُؤَلَّفاتِ عُلَماءِ المَسِيحِيِّينَ المُتَأخِّرِينَ ذَمَّ بِدْعَةِ الرَّهْبَنَةِ وما كانَ لِتَأْثِيرِها في النُّفُوسِ والأخْلاقِ مِنَ المَفاسِدِ والأضْرارِ، فَقَدْ قالَ صاحِبُ "رَيْحانَةِ النُّفُوسِ" مِنهُمْ، في البابِ السّابِعَ عَشَرَ، في الرَّهْبَنَةِ:
إنَّ الرَّهْبَنَةَ قَدْ نَشَأتْ مِنَ التَّوَهُّمِ بِأنَّ الِانْفِرادَ عَنْ مُعاشَرَةِ النّاسِ، واسْتِعْمالِ التَّقَشُّفاتِ والتَّأمُّلاتِ الدِّينِيَّةِ، هي ذاتُ شَأْنٍ عَظِيمٍ، ولَكِنْ لا يُوجَدُ سَنَدٌ لِهَذا الوَهْمِ في الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ لِأنَّ مِثالَ المَسِيحِ، ومِثالَ رُسُلِهِ يُضادّانِهِ بِاسْتِقامَةٍ؛ فَإنَّهم لَمْ يَعْتَزِلُوا عَنِ الِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ، لِكَيْ يَعِيشُوا بِالِانْفِرادِ، بَلْ إنَّما كانُوا دائِمًا مُخْتَلِطِينَ بِالعالَمِ، يُعَلِّمُونَ ويَنْصَحُونَ. ونَحْنُ نَقُولُ بِكُلِّ جَراءَةٍ: إنَّهُ لا يُوجَدُ في جَمِيعِ الكِتابِ المُقَدَّسِ مِثالٌ لِلرَّهْبَنَةِ، ولا يُوجَدُ أمْرٌ مِن أوامِرِهِ يُلْزِمُ بِها، بَلِ العَكْسُ؛ فَإنَّ رُوحَ الكِتابِ وفَحْواهُ يُضادِ كُلَّ دَعْوى مَبْنِيَّةٍ عَلى العِيشَةِ المُنْفَرِدَةِ المَقْرُونَةِ بِالتَّقَشُّفاتِ، ولَكِنْ مَعَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لا يَمْدَحُ العِيشَةَ الِانْفِرادِيَّةَ، فَقَدْ (p-٥٦٩٩)ظَهَرَ المَيْلُ الشَّدِيدُ إلَيْها في الكَنِيسَةِ، في أواخِرِ الجِيلِ الثّانِي وأوائِلِ الجِيلِ الثّالِثِ، وأيَّدَ بَعْضُ الباحِثِينَ المُقاوِمِينَ لَها وقْتَئِذٍ، أنَّها عادَةٌ سَرَتْ لِلْمَسِيحِيِّينَ مِنَ الهُنُودِ الوَثَنِيِّينَ السُّمانِيِّينَ؛ فَإنَّ لَهم أنْواعًا كَثِيرَةً مِن عِباداتٍ تَأْمُرُ كَهَنَتُها بِالبَتُولِيَّةِ والِامْتِناعِ عَنْ أكْلِ اللَّحْمِ وأُمُورًا أُخْرى مَقْرُونَةً بِخُرافاتٍ.
ثُمَّ قالَ: ومَعَ أنَّ الرَّهْبَنَةَ حَصَلَ عَلَيْها مُقاوَمَةٌ مِنَ العُقَلاءِ، امْتَدَّتْ وانْتَشَرَتْ في المَسْكُونَةِ، وكانَ ابْتِداؤُها فِيمِصْرَ في الجِيلِ الرّابِعِ، عَلى أثَرِ اشْتِهارِ أحَدِ الرُّهْبانِ ومُمارَسَتِهِ التَّقَشُّفاتِ، بِسَبَبِ الِاضْطِهادِ الَّذِي أصابَهُ، وآثَرَ لِأجْلِهِ الطَّوافَ في البَرارِي، فِرارًا مِن أيادِي مُضْطَهِدِيهِ، ثُمَّ عَكَفَ عَلى الوَحْدَةِ وعاشَ بِها، وذَلِكَ في الجِيلِ الثّالِثِ. ثُمَّ امْتَدَّتْ مِن مِصْرَ إلى فِلَسْطِينَ وسُورِيَةَ إلى أكْثَرِ الجِهاتِ؛ تَوَهُّمًا بِأنَّ رَسْمَ المَسِيحِيَّةِ الكامِلَةِ لا يُوجَدُ إلّا في المَعِيشَةِ الضَّيِّقَةِ القَشْفَةِ، فَدَعا ذَلِكَ كَثِيرِينَ إلى تَرْكِ المَعِيشَةِ المَأْلُوفَةِ بِالِاعْتِزالِ في الأدْيِرَةِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الوَهْمَ باطِلٌ، ومُضادٌّ لِلْكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، ولَمّا كَثُرَ عَدَدُ الرُّهْبانِ كَثْرَةً هائِلَةً، ونَجَمَ عَنْ حالِهِمْ أضْرارٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُجْتَمِعِ، أصْدَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُلُوكِ أوامِرَ بِمَنعِ هَذِهِ العادَةِ، إلّا أنَّها لَمْ تَنْجَحْ كَثِيرًا.
وأمّا بِدْعَةُ العُزُوبَةِ والتَّبَتُّلِ، فَنَشَأتْ مِن حَضِّ بُولُسَ عَلَيْها، وتَرْغِيبِهِمْ فِيها، كَما أفْصَحَ عَنْهُ كَلامُهُ في آخِرِ الفَصْلِ السّابِعِ مِن رِسالَتِهِ الأُولى.
وقَدْ قالَ صاحِبُ "رَيْحانَةِ النُّفُوسِ" أيْضًا: إنَّ هَذِهِ العادَةَ لا يُوجَدُ لَها بُرْهانٌ في الكِتابِ المُقَدَّسِ، وإنَّما دَخَلَتْ بِالتَّدْرِيجِ، لِما خامَرَهم مِن تَوَهُّمِ أفْضَلِيَّةِ البَتُولِيَّةِ، وظَنِّهِمْ أنَّها أزْكى مِنَ الزَّواجِ، ومَدْحِ مَن جاءَ عَلى أثَرِهِمْ لَها مَدْحًا بالِغًا النِّهايَةَ في الإطْراءِ، فَحَسِبُوها مِنَ الواجِباتِ الأدَبِيَّةِ المَأْمُورَ بِها، ووَضْعِ نِظامٍ وقَوانِينَ لِوُجُوبِها في الجِيلِ الثّالِثِ، حَتّى قاوَمَتْها كَنائِسُ أُخْرى، ورَفَضَتْ بِدْعَةَ البَتُولِيَّةِ وقَوانِينَها، لِمُغايَرَتِها لِلطَّبِيعَةِ، ومُضادَّتِها لِنَصِّ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، واسْتِقْرائِها أدْيِرَةَ الرّاهِباتِ، بِأنَّها في بَعْضِ الأماكِنِ كانَتْ بُيُوتًا لِلْفَواحِشِ والفَسادِ.
(p-٥٧٠٠)وفِي كِتابِ (البَراهِينِ الإنْجِيلِيَّةِ ضِدَّ الأباطِيلِ الباباوِيَّةِ): إنَّ ذَمَّ الزِّيجَةِ خَطَأٌ؛ لِأنَّها عَمَلُ الأفْضَلِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أخْبَرَ بِأنَّ الزَّواجَ خَيْرٌ مِنَ التَّوَقُّدِ بِنارِ الشَّهْوَةِ، وإنَّ الأكْثَرِينَ مِن رُسُلِ المَسِيحِ كانُوا ذَوِي نِساءٍ، تَجُولُ مَعَهم. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ تَغْصِبُ الإنْسانَ عَلى اسْتِيفاءِ حَقِّها، ومِنَ العَدْلِ أنْ تَسْتَوْفِيَهُ، ولَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْها اسْتِيفاؤُهُ حَسَبَ الشَّرِيعَةِ، ولا اسْتِطاعَةَ لِجَمِيعِ البَشَرِ عَلى حِفْظِ البَتُولِيَّةِ؛ ولِذَلِكَ نَرى كَثِيرِينَ مِنَ الأساقِفَةِ والقُسُوسِ والشَّمامِسَةِ، لا بَلِ الباباواتِ المُدَّعِينَ بِالعِصْمَةِ، قَدْ تَكَرْدَسُوا في هُوَّةِ الزِّنا لِعَدَمِ تَحَصُّنِهِمْ بِالزَّواجِ الشَّرْعِيِّ، هَذا وإنَّ ذاتَ النَّذْرِ بِالِامْتِناعِ عَنِ الزَّواجِ هو غَيْرُ عادِلٍ لِتُضَمِّنِهُ سَلْبَ حُقُوقِ الطَّبِيعَةِ وكَوْنِهِ يَضَعُ الإنْسانَ تَحْتَ خَطَرِ السُّقُوطِ في الزِّنا ويَفْتَحُ بابًا واسِعًا لِدُخُولِ الشَّيْطانِ، وكَأنَّ الرّاهِبَ يُنْذِرُ عَلى نَفْسِهِ مُقاوِمَةَ أمْرٍ قَبِيحٍ، ويُعْدِمُ وُجُودَ أُلُوفِ أُلُوفٍ، رُبَّما كانَتْ تَتَوَلَّدُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ قَتَلَها. وهَذا النَّذْرُ لَمْ تَأْمُرْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الإنْجِيلِيَّةُ قَطُّ؛ فالطَّرِيقَةُ الرَّهْبانِيَّةُ هي اخْتِراعٌ شَيْطانِيٌّ قَبِيحٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَسْمٌ في الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، ولا في أجْيالِ الكَنِيسَةِ الأُولى، وهو مُضِرٌّ عَلى أنْفُسِ الرُّهْبانِ، وعَلى الشَّعْبِ؛ فَمَن يُقاوِمُهُ يُقاوِمُ الشَّيْطانَ. وهَؤُلاءِ الرُّهْبانُ لا نَفْعَ مِنهم لِلرَّعِيَّةِ، إنَّما هم كالأُمَراءِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ لِأنْفُسِهِمْ قُصُورًا خارِجَ العُمْرانِ، فَيَتَنَعَّمُونَ وحْدَهم في أدْيِرَتِهِمْ، ويَسْلُبُونَ أمْوالَ الشَّعْبِ بِالحِيَلِ والمُخادَعاتِ وهم كُسالى بَطّالُونَ، يَعِيشُونَ مِن أتْعابِ غَيْرِهِمْ، خِلافًا لِسُلُوكِ رُسُلِ المَسِيحِ والمُبَشِّرِينَ القُدَماءِ، الَّذِينَ لَمْ نَرَ واحِدًا مِنهُمُ انْفَرَدَ عَنِ العالَمِ في مَكانِ نُزْهَتِهِ، واحْتالَ بِأنْ يَعِيشَ مِن أتْعابِ الشَّعْبِ؛ إنَّ بُولُسَ كانَ يَخْدِمُ الكَنائِسَ، ويَعِيشُ مِن شُغْلِ يَدَيْهِ، وهو يُوصِي بِأنَّ الَّذِي لا يَعْمَلُ، فَلا يَطْعَمُ. ولا تَتَّسِعُ الصُّحُفُ لِشَرْحِ جَمِيعِ الأضْرارِ الَّتِي وقَعَتْ عَلى العالَمِ بِسَبَبِ الرَّهْبَناتِ. انْتَهى. وهو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنهم.
(p-٥٧٠١)
الحديد 57:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَمَلَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ الآيَةَ عَلى مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وأنَّهم يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، كَما في الآيَةِ الَّتِي في القَصَصِ، وكَما في حَدِيثِالشَّعْبِيِّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِيهِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي، فَلَهُ أجْرانِ، وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ مَوْلاهُ، فَلَهُ أجْرانِ، ورَجُلٌ أدَّبَ أمَتَهُ فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها ثُمَّ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ»» أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ. ووافَقَ ابْنَ عَبّاسٍ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ الضَّحّاكُ وعُتْبَةُ بْنُ أبِي حَكِيمٍ وغَيْرُهُما، وهو اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا افْتَخَرَ أهْلُ الكِتابِ بِأنَّهم يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ لَفْظَها أعَمُّ وأنَّ المَقْصُودَ بِها حَثُّ كُلِّ مِن آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلى الثَّباتِ في الإيمانِ والرُّسُوخِ فِيهِ، والِانْصِياعِ لِأوامِرِهِ. ومِنهُ ما حَرَّضَ عَلَيْهِ في الآياتِ قَبْلَها مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، وسَخاوَةِ النَّفْسِ فِيهِ، وأنَّ لَهم في مُقابَلَةِ ذَلِكَ أجْرًا وافِرًا، كَما قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ:
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] فَآخِرُ السُّورَةِ، فِيهِ رُجُوعٌ لِأوائِلِها بِتَذْكِيرِ ما أمَرَتْ بِهِ، وما سَبَقَ نُزُولُها لِأجْلِهِ.
(p-٥٧٠٢)وأصْلُ الكِفْلِ الحَظُّ، وأصْلُهُ ما يَكْتَفِلُ بِهِ الرّاكِبُ فَيَحْبِسُهُ ويَحْفَظُهُ عَنِ السُّقُوطِ، والتَّثْنِيَةُ في مِثْلِهِ إمّا عَلى حَقِيقَتِها، أوْ هي كِنايَةٌ عَنِ المُضاعَفَةِ. و(النُّورُ) هو ما يُبْصِرُ مِن عَمى الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، ويَكْشِفُ الحَقَّ لِقاصِدِهِ. كَما قالَ سُبْحانَهُ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]
الحديد 57:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وتُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم ما ذُكِرَ، لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُسَلِّمُوا عَدَمَ قُدْرَتِهِمْ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وثُبُوتِ أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ. والمُرادُ بِالفَضْلِ ما آتاهُ المُسْلِمِينَ وخَصَّهم بِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ فَضَّلَهم عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ أنَّهُ قَدْ آتى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الفَضْلِ والكَرامَةِ ما لَمْ يُؤْتِهِمْ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَصَرَّفُوا في أعْظَمِهِ، وهو النُّبُوَّةُ، فَيَخُصُّوا بِها مَن أرادُوا، وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ دُونَهُمْ، ودُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ، يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
و(لا) في " لِئَلّا " صِلَةٌ. قالَ السَّمِينُ: وهو حَرْفٌ شاعَتْ زِيادَتُهُ.
(p-٥٧٠٣)وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذُكِرَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: "لِكَيْ يَعْلَمَ" قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ (لا) صِلَةً في كُلِّ كَلامٍ دَخَلَ في أوَّلِهِ أوْ آخِرِهِ جَحْدٌ غَيْرُ مُصَرَّحٍ، كَقَوْلِهِ في الجَحْدِ السّابِقِ الَّذِي لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ:
﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقَوْلِهِ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٩٥] الآيَةَ. ومَعْنى ذَلِكَ: أهْلَكْناها أنَّهم يَرْجِعُونَ. انْتَهى.
ونَقَلَ الثَّعالِبِيُّ في "فِقْهِ اللُّغَةِ": زِيادَتَها في عِدَّةِ شَواهِدَ في فَصْلِ الزَّوائِدِ والصِّلاتِ الَّتِي هي مِن سُنَنِ العَرَبِ، فانْظُرْهُ تَزْدَدْ عِلْمًا.
المجادلة 58:1
(p-٥٧٠٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُجادَلَةِ
سُمِّيَتْ بِها، لِأنَّها لَمّا كانَتْ لِطَلَبِ الحَقِّ والصَّوابِ، أشْبَهَتْ مُجادَلَةَ الأنْبِياءِ والقُرْآنِ، ولِذَلِكَ سَمِعَ اللَّهُ لِصاحِبِها. قالَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ.
(p-٥٧٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ رَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ؛ لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ تُكَلِّمُهُ، وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ، ما أسْمَعُ ما تَقُولُ! فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ،» ورَواهُ البُخارِيُّ مُعَلَّقًا. وفي رِوايَةٍ لِابْنِ أبِي حاتِمٍ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: تَبارَكَ الَّذِي أوْعى سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إنِّي أسْمَعُ كَلامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، ويَخْفى عَلَيَّ بَعْضُهُ وهي تَشْتَكِي زَوْجَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهي تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبُرَتْ سِنِّي، وانْقَطَعَ ولَدِي، ظاهَرَ مِنِّي! اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ. قالَتْ: فَما بَرِحَتْ، حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾» إلَخْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُقالُ فِيها: خَوْلَةُ بِنْتُ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وقَدْ تُصَغَّرُ فَيُقالُ: خُوَيْلَةُ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ؛ فالأمْرُ فِيها قَرِيبٌ. وفي "العِنايَةِ". المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ إلَخْ: قَبِلَ قَوْلَها وأجابَهُ، كَما فِي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوْ كِنايَةً. انْتَهى.
وقَوْلُهُ:
﴿وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: تَشْتَكِي المُجادِلَةُ ما لَدَيْها مِنَ الهَمِّ بِظِهارِ زَوْجِها مِنها، إلى اللَّهِ، وتَسْألُهُ الفَرَجَ.
(p-٥٧٠٦)ومَعْنى ﴿تَحاوُرَكُما﴾ تَرْجِيعَكُما الكَلامَ في هَذِهِ النّازِلَةِ. وذَلِكَ أنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا تَكَلَّمَ بِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلى امْرَأتِهِ أبَدًا. وقَدْ طَمِعَتِ المُشْتَكِيَةُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ قاطِعٍ عَلَقَةَ النِّكاحِ. والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَبُتَّ لَها في الأمْرِ، حَتّى يَنْزِلَ الوَحْيُ الَّذِي يَرُدُّ التَّنازُعَ إلَيْهِ. ثُمَّ أنْزَلَ تَعالى فِيهِ قَوْلَهُ:
المجادلة 58:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾
﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ يَعْنِي قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ إذا غَضِبَ عَلَيْها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَعْنِي: في حُرْمَةِ الرُّكُوبِ.
﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ أيْ: ما نِساؤُهُمُ اللّاتِي ظاهَرُوا مِنهُنَّ بِأُمَّهاتِهِمْ، أيْ: يَصِرْنَ بِهَذا القَوْلِ كَأُمَّهاتِهِمْ في التَّحْرِيمِ الأبَدِيِّ.
قالَ المَهايِمِيُّ: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ بِالحَقِيقَةِ، ولا في حُكْمِهِنَّ بِالمَجازِ، إذْ لا يَقْتَضِي المَجازُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِ الحَقِيقَةِ، إلّا بِقَلْبِ الحَقائِقِ، لَكِنَّها لا تَنْقَلِبُ.
﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾ أيْ: فَلا يُشَبَّهُ بِهِنَّ في الحُرْمَةِ الأزْواجُ ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: قَوْلًا تُنْكِرُهُ العُقَلاءُ، وتَتَجافاهُ الكُرَماءُ.
﴿وزُورًا﴾ أيْ: باطِلًا لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ إلْحاقَها بِالأُمِّ المُنافِي لِمُقْتَضى الزَّوْجِيَّةِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ: لِذُنُوبِ عِبادِهِ، إذا تابُوا مِنها وأنابُوا، فَلا يُعاقِبُهم عَلَيْها بَعْدَ التَّوْبَةِ.
المجادلة 58:3
(p-٥٧٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤]
[٤] ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى لَفْظِ الظِّهارِ ثانِيَةً، فالقَوْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ يَعْزِمُونَ عَلى غِشْيانِهِنَّ ووَطْئِهِنَّ رَغْبَةً في تَحْلِيلِهِنَّ، بَعْدَ تَحْرِيمِهِنَّ، فالقَوْلُ بِمَعْنى المَقُولِ فِيهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، «عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: فِيَّ واللَّهِ! وفي أوْسِ بْنِ صامِتٍ أنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ المُجادَلَةِ قالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ ساءَ خُلُقُهُ وضَجِرَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ، فَغَضِبَ فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، قالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإذا هو يُرِيدُنِي عَلى نَفْسِي، قالَتْ: قُلْتُ: والَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ! لا تَخْلُصُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِينا بِحُكْمٍ. قالَتْ: فَواثَبَنِي، فامْتَنَعْتُ مِنهُ، فَغَلَبْتُهُ بِما تَغْلِبُ بِهِ المَرْأةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَألْقَيْتُهُ عَنِّي. قالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إلى بَعْضِ جاراتِي، (p-٥٧٠٨)فاسْتَعَرْتُ مِنها ثِيابَها ثُمَّ خَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَكَرْتُ لَهُ ما لَقِيتُ مِنهُ، وجَعَلْتُ أشْكُو إلَيْهِ ما ألْقى مِن سُوءِ خُلُقِهِ. قالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يا خُوَيْلَةُ! ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ» . قالَتْ: فَواللَّهِ! ما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ فِيَّ القُرْآنُ، فَتَغَشّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يَتَغَشّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ لِي: «يا خُوَيْلَةُ! قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ...» ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] قالَتْ: فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» . قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عِنْدَهُ ما يُعْتِقُ! قالَ: «فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» . قالَ: فَقُلْتُ: واللَّهِ! إنَّهُ لَشَيْخٌ كَبِيرٌ، ما بِهِ مِن صِيامٍ. قالَ: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ» قالَتْ: فَقُلْتُ: واللَّهِ! يا رَسُولَ اللَّهِ ما ذاكَ عِنْدَهُ. قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإنّا سَنُعِينُهُ بِفَرْقٍ مِن تَمْرٍ» . قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وأنا سَأُعِينُهُ بِفَرْقٍ آخَرَ. قالَ: «قَدْ أصَبْتِ وأحْسَنْتِ، فاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا» . قالَتْ: فَفَعَلْتُ». ورَواهُ أبُو داوُدَ: وعِنْدَهُ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، ولا مُنافاةَ كَما تَقَدَّمَ؛ فَإنَّ العَرَبَ كَثِيرًا ما تُصَغِّرُ الأعْلامَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ في الجاهِلِيَّةِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، حُرِّمَتْ في الإسْلامِ. فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، وكانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ يُقالُ لَها: خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، فَظاهَرَ مِنها، فَأُسْقِطَ في يَدَيْهِ، وقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، وقالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. قالَ: فانْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ ماشِطَةً تُمَشِّطُ رَأْسَهُ، فَأخْبَرَتْهُ فَقالَ: «يا خُوَيْلَةُ! ما أُمِرْنا في أمْرِكِ بِشَيْءٍ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: «يا خُوَيْلَةُ! أبْشِرِي» . قالَتْ: خَيْرًا. قالَ: فَقَرَأ عَلَيْها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ قالَتْ: (p-٥٧٠٩)وأيُّ رَقَبَةٍ لَنا؟ واللَّهِ! ما نَجْدُ رَقَبَةً غَيْرِي؟ قالَ: «﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]» قالَتْ: واللَّهِ! لَوْلا أنَّهُ يَشْرَبُ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لَذَهَبَ بَصَرُهُ. قالَ:
«﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]» قالَتْ: مِن أيْنَ؟ ما هي إلّا أكْلَةٌ إلى مِثْلِها! قالَ: فَرَعاهُ بِشَطْرِ وسْقٍ ثَلاثِينَ صاعًا، والوَسْقُ سِتُّونَ صاعًا، فَقالَ: «لِيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ولْيُراجِعْكِ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وسِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوُ هَذا.
تَنْبِيهاتٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمُ الظِّهارِ، وأنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، وأنَّهُ خاصٌّ بِالزَّوْجاتِ، دُونَ الأجْنَبِيّاتِ، وأنَّ فِيهِ بِالعُودِ كَفّارَةً، وأنَّهُ يَحْرُمُ الوَطْءُ قَبْلَها، وأنَّها مُرَتَّبَةٌ: العِتْقُ، ثُمَّ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، ثُمَّ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، واسْتَدَلَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ:
" مِنكم " عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَدْخُلُ في الحُكْمِ، وبِقَوْلِهِ:
﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ عَلى صِحَّتِهِ مِنَ الزَّوْجاتِ والسَّرارِيِّ، لِشُمُولِ النِّساءِ لَهُنَّ.
واسْتَدَلَّ ابْنُ جَرِيرٍ وداوُدُ وفِرْقَةٌ بِقَوْلِهِ:
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ عَلى أنَّ العَوْدَ المُوجِبَ لِلْكَفّارَةِ أنْ يَعُودَ إلى لَفْظِ الظِّهارِ فَيُكَرِّرُ.
واسْتَدَلَّ بِإطْلاقِ الرَّقَبَةِ مَن جَوَّزَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ عِتْقَ الكافِرَةِ.
واسْتَدَلَّ بِظاهِرِ الآيَةِ مَن لَمْ يَرَ الظِّهارَ إلّا في التَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الأُمِّ خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأعْضاءِ، ودُونَ الِاقْتِصارِ عَلى قَوْلِهِ: كَأُمِّي، وبِالأُمِّ خاصَّةً دُونَ الجَدّاتِ وسائِرِ المَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ أوِ الرِّضاعِ أوِ المُصاهَرَةِ والأبِ والِابْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ. ومَن قالَ: لا حُكْمَ لِظِهارِ الزَّوْجَةِ مِن زَوْجِها، لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ الظِّهارَ بِالرَّجُلِ. ومَن قالَ بِصِحَّةِ ظِهارِ العَبْدِ لِعُمُومِ: " الَّذِينَ " لَهُ. ومَن قالَ بِإباحَةِ الِاسْتِمْتاعاتِ بِناءً عَلى عَدَمِ دُخُولِها في لَفْظِ المُماسَّةِ. ومَن قالَ: يَجُوزُ الوَطْءُ ونَحْوَ ذَلِكَ قَبْلَ الإطْعامِ إذا كانَ يُكَفِّرُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٤]
(p-٥٧١٠)وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن أوْجَبَ الكَفّارَةَ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ الظِّهارِ، ولَمْ يَعْتَبِرِ العَوْدَ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّهُ جَعَلَ العَوْدَ فِعْلَهُ في الإسْلامِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَنِ اكْتَفى بِإطْعامِ مِسْكِينٍ واحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤] أيْ: ذَلِكَ البَيانُ أوِ التَّعْلِيمُ لِلْأحْكامِ لِتُصَدِّقُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ في قَبُولِ شَرائِعِهِ، والِانْتِهاءِ عَنْ قَوْلِ الزُّورِ الجاهِلِيِّ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] الجاحِدُونَ لِفَرائِضِهِ وحُدُودِهِ الَّتِي بَيَّنَها. فالكُفْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أوِ المُتَعَدُّونَ لَها، وعُنْوانُ الكُفْرِ تَغْلِيظًا لِزَجْرِهِمْ.
المجادلة 58:4
(p-٥٧٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤]
[٤] ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى لَفْظِ الظِّهارِ ثانِيَةً، فالقَوْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ يَعْزِمُونَ عَلى غِشْيانِهِنَّ ووَطْئِهِنَّ رَغْبَةً في تَحْلِيلِهِنَّ، بَعْدَ تَحْرِيمِهِنَّ، فالقَوْلُ بِمَعْنى المَقُولِ فِيهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، «عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: فِيَّ واللَّهِ! وفي أوْسِ بْنِ صامِتٍ أنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ المُجادَلَةِ قالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ ساءَ خُلُقُهُ وضَجِرَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ، فَغَضِبَ فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، قالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإذا هو يُرِيدُنِي عَلى نَفْسِي، قالَتْ: قُلْتُ: والَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ! لا تَخْلُصُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِينا بِحُكْمٍ. قالَتْ: فَواثَبَنِي، فامْتَنَعْتُ مِنهُ، فَغَلَبْتُهُ بِما تَغْلِبُ بِهِ المَرْأةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَألْقَيْتُهُ عَنِّي. قالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إلى بَعْضِ جاراتِي، (p-٥٧٠٨)فاسْتَعَرْتُ مِنها ثِيابَها ثُمَّ خَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَكَرْتُ لَهُ ما لَقِيتُ مِنهُ، وجَعَلْتُ أشْكُو إلَيْهِ ما ألْقى مِن سُوءِ خُلُقِهِ. قالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يا خُوَيْلَةُ! ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ» . قالَتْ: فَواللَّهِ! ما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ فِيَّ القُرْآنُ، فَتَغَشّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يَتَغَشّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ لِي: «يا خُوَيْلَةُ! قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ...» ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] قالَتْ: فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» . قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عِنْدَهُ ما يُعْتِقُ! قالَ: «فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» . قالَ: فَقُلْتُ: واللَّهِ! إنَّهُ لَشَيْخٌ كَبِيرٌ، ما بِهِ مِن صِيامٍ. قالَ: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ» قالَتْ: فَقُلْتُ: واللَّهِ! يا رَسُولَ اللَّهِ ما ذاكَ عِنْدَهُ. قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإنّا سَنُعِينُهُ بِفَرْقٍ مِن تَمْرٍ» . قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وأنا سَأُعِينُهُ بِفَرْقٍ آخَرَ. قالَ: «قَدْ أصَبْتِ وأحْسَنْتِ، فاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا» . قالَتْ: فَفَعَلْتُ». ورَواهُ أبُو داوُدَ: وعِنْدَهُ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، ولا مُنافاةَ كَما تَقَدَّمَ؛ فَإنَّ العَرَبَ كَثِيرًا ما تُصَغِّرُ الأعْلامَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ في الجاهِلِيَّةِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، حُرِّمَتْ في الإسْلامِ. فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، وكانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ يُقالُ لَها: خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، فَظاهَرَ مِنها، فَأُسْقِطَ في يَدَيْهِ، وقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، وقالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. قالَ: فانْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ ماشِطَةً تُمَشِّطُ رَأْسَهُ، فَأخْبَرَتْهُ فَقالَ: «يا خُوَيْلَةُ! ما أُمِرْنا في أمْرِكِ بِشَيْءٍ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: «يا خُوَيْلَةُ! أبْشِرِي» . قالَتْ: خَيْرًا. قالَ: فَقَرَأ عَلَيْها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ قالَتْ: (p-٥٧٠٩)وأيُّ رَقَبَةٍ لَنا؟ واللَّهِ! ما نَجْدُ رَقَبَةً غَيْرِي؟ قالَ: «﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]» قالَتْ: واللَّهِ! لَوْلا أنَّهُ يَشْرَبُ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لَذَهَبَ بَصَرُهُ. قالَ:
«﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]» قالَتْ: مِن أيْنَ؟ ما هي إلّا أكْلَةٌ إلى مِثْلِها! قالَ: فَرَعاهُ بِشَطْرِ وسْقٍ ثَلاثِينَ صاعًا، والوَسْقُ سِتُّونَ صاعًا، فَقالَ: «لِيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ولْيُراجِعْكِ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وسِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوُ هَذا.
تَنْبِيهاتٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمُ الظِّهارِ، وأنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، وأنَّهُ خاصٌّ بِالزَّوْجاتِ، دُونَ الأجْنَبِيّاتِ، وأنَّ فِيهِ بِالعُودِ كَفّارَةً، وأنَّهُ يَحْرُمُ الوَطْءُ قَبْلَها، وأنَّها مُرَتَّبَةٌ: العِتْقُ، ثُمَّ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، ثُمَّ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، واسْتَدَلَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ:
" مِنكم " عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَدْخُلُ في الحُكْمِ، وبِقَوْلِهِ:
﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ عَلى صِحَّتِهِ مِنَ الزَّوْجاتِ والسَّرارِيِّ، لِشُمُولِ النِّساءِ لَهُنَّ.
واسْتَدَلَّ ابْنُ جَرِيرٍ وداوُدُ وفِرْقَةٌ بِقَوْلِهِ:
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ عَلى أنَّ العَوْدَ المُوجِبَ لِلْكَفّارَةِ أنْ يَعُودَ إلى لَفْظِ الظِّهارِ فَيُكَرِّرُ.
واسْتَدَلَّ بِإطْلاقِ الرَّقَبَةِ مَن جَوَّزَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ عِتْقَ الكافِرَةِ.
واسْتَدَلَّ بِظاهِرِ الآيَةِ مَن لَمْ يَرَ الظِّهارَ إلّا في التَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الأُمِّ خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأعْضاءِ، ودُونَ الِاقْتِصارِ عَلى قَوْلِهِ: كَأُمِّي، وبِالأُمِّ خاصَّةً دُونَ الجَدّاتِ وسائِرِ المَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ أوِ الرِّضاعِ أوِ المُصاهَرَةِ والأبِ والِابْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ. ومَن قالَ: لا حُكْمَ لِظِهارِ الزَّوْجَةِ مِن زَوْجِها، لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ الظِّهارَ بِالرَّجُلِ. ومَن قالَ بِصِحَّةِ ظِهارِ العَبْدِ لِعُمُومِ: " الَّذِينَ " لَهُ. ومَن قالَ بِإباحَةِ الِاسْتِمْتاعاتِ بِناءً عَلى عَدَمِ دُخُولِها في لَفْظِ المُماسَّةِ. ومَن قالَ: يَجُوزُ الوَطْءُ ونَحْوَ ذَلِكَ قَبْلَ الإطْعامِ إذا كانَ يُكَفِّرُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٤]
(p-٥٧١٠)وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن أوْجَبَ الكَفّارَةَ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ الظِّهارِ، ولَمْ يَعْتَبِرِ العَوْدَ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّهُ جَعَلَ العَوْدَ فِعْلَهُ في الإسْلامِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَنِ اكْتَفى بِإطْعامِ مِسْكِينٍ واحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤] أيْ: ذَلِكَ البَيانُ أوِ التَّعْلِيمُ لِلْأحْكامِ لِتُصَدِّقُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ في قَبُولِ شَرائِعِهِ، والِانْتِهاءِ عَنْ قَوْلِ الزُّورِ الجاهِلِيِّ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] الجاحِدُونَ لِفَرائِضِهِ وحُدُودِهِ الَّتِي بَيَّنَها. فالكُفْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أوِ المُتَعَدُّونَ لَها، وعُنْوانُ الكُفْرِ تَغْلِيظًا لِزَجْرِهِمْ.
المجادلة 58:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ حُدُودِهِ وفَرائِضِهِ. وأصْلُهُ مِنَ المُحادَّةِ، بِمَعْنى المُعاداةِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ.
﴿كُبِتُوا﴾ أيْ: أُخْزُوا ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿وقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: دَلالاتٍ مُفَصَّلاتٍ، وعَلاماتٍ مُحْكَماتٍ، تَدُلُّ عَلى حَقائِقِ حُدُودِ اللَّهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَعْنِي مُنْكِرِي تِلْكَ الآياتِ وجاحِدِيها.
تَنْبِيهٌ:
فَسَّرَ بَعْضُهُمْ: ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ بِمَعْنى يَضَعُونَ أوْ يَخْتارُونَ حُدُودًا غَيْرَ حُدُودِهِما.
(p-٥٧١١)قالَ مُحَشِّيهِ: فَفِيهِ وعِيدٌ عَظِيمٌ لِلْمُلُوكِ وأُمَراءِ السُّوءِ، الَّذِينَ وضَعُوا أُمُورًا خِلافَ ما حَدَّهُ الشَّرْعُ، وسَمَّوْها قانُونًا.
وقالَ: وقَدْ صَنَّفَ العارِفُ بِاللَّهِ تَعالى الشَّيْخُ بَهاءُ الدِّينِ، قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ، رِسالَةً في كُفْرِ مَن يَقُولُ: يُعْمَلُ بِالقانُونِ والشَّرْعِ، إذا قابَلَ بَيْنَهُما، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى:
﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقَدْ وصَلَ الدِّينُ إلى مَرْتَبَةٍ مِنَ الكَمالِ لا تَقْبَلُ التَّكْمِيلَ. وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ، بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ. انْتَهى كَلامُهُ.
ولا يَخْفى أنَّ إطْلاقَ الكُفْرِ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ مِن تَنَطُّعِ الغالِينَ مِنَ الفُقَهاءِ الَّذِينَ زَيَّفَ أقْوالَهم في التَّكْفِيرِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ النَّحارِيرِ؛ فَإنَّ التَّكْفِيرَ لَيْسَ بِالأمْرِ اليَسِيرِ. والحَقُّ في ذَلِكَ أنَّ القانُونَ الَّذِي يَهْدِمُ نُصُوصَ الشَّرْعِ الَّتِي لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ويُبْطِلُها ويَنْسَخُها، فَإنَّهُ كُفْرٌ وضَلالٌ ولا يَقُولُ بِهِ،ولا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ، إلّا المارِقُونَ الجاحِدُونَ وأمّا غَيْرُ المَنصُوصِ عَلَيْهِ -أعْنِي ما لَمْ يَكُنْ قاطِعًا في بابِهِ- مِن آيَةٍ مُحْكَمَةٍ، أوْ خَبَرٍ مُتَواتِرٍ، أوْ إجْماعٍ مِنَ الفُرُوعِ النَّظَرِيَّةِ، والمَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ المُدَوَّنَةِ -فَمُخالَفَتُها إلى قانُونٍ عادِلٍ لا يُعَدُّ ضَلالًا ولا كُفْرًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مُخالَفَةِ الشَّرْعِ في شَيْءٍ؛ إذِ الشَّرْعُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، وأُحْكِمَ الأمْرُ فِيهِ، وبُيِّنَ بَيانًا رَفَعَ كُلَّ لَبْسٍ، لا ما تَخالَفَ فِيهِ الفُقَهاءُ، وكانَ مَأْخَذُهُ مِنَ الِاجْتِهادِ، وإعْمالِ الرَّأْيِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا عِصْمَةَ فِيهِ مِنَ الخَطَأِ، مَهْما بَلَغَ رائِيهِ مِنَ المَكانَةِ؛ إذْ لا عِصْمَةَ إلّا في نَصِّ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، وكَثِيرًا ما تَتَشابَهُ فَرُوعُ الفُقَهاءِ بِمَوادِّ القانُونِ، ولِذا ألَّفَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ كِتابًا في مُطابَقَةِ المَوادِّ النِّظامِيَّةِ لِلْفُرُوعِ الفِقْهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَوْرِدَ الجَمِيعِ واحِدٌ، وهو الرَّأْيُ والِاجْتِهادُ ورِعايَةُ المَصْلَحَةِ.
ولِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ كِتابٌ في هَذا المَعْنى سَمّاهُ "السِّياسَةَ الشَّرْعِيَّةَ" وكَذا لِتِلْمِيذِهِ (p-٥٧١٢)الإمامِ ابْنِ القَيِّمِ، وهو أوْسَعُ. ولِنَجْمِ الدِّينِ الطُّوفِيِّ أيْضًا رِسالَةٌ في المَصالِحِ المُرْسَلَةِ، جَمَعْناها مِن شَرْحِهِ لِلْأرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ. وقَدْ أرْجَعَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ فُرُوعَ الفِقْهِ في قَواعِدِهِ إلى قاعِدَتَيْنِ: اعْتِبارِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ.
قالَ القاضِي زَكَرِيّا: وبَحَثَ بَعْضُهم رُجُوعَ الجَمِيعِ إلى جَلْبِ المَصالِحِ.
وقالَ الشّاطِبِيُّ في "المُوافَقاتِ": إنَّ الشّارِعَ قَصَدَ بِالتَّشْرِيعِ إقامَةَ المَصالِحِ الأُخْرَوِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وبِأنْ تَكُونَ مَصالِحَ عَلى الإطْلاقِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ وضْعُها عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ أبَدِيًّا وكُلِّيًّا وعامًّا في جَمِيعِ أنْواعِ التَّكْلِيفِ والمُكَلَّفِينَ مِن جَمِيعِ الأحْوالِ.
وقالَ نَجْمُ الدِّينِ الطُّوفِيُّ: إنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»» يَقْتَضِي رِعايَةَ المَصالِحِ إثْباتًا ونَفْيًا، والمَفاسِدِ نَفْيًا، إذِ الضَّرَرُ هو المَفْسَدَةُ، فَإذا نَفاها الشَّرْعُ لَزِمَ إثْباتُ النَّفْعِ الَّذِي هو المَصْلَحَةُ، لِأنَّهُما نَقِيضانِ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، ثُمَّ إنَّ أقْوى الأدِلَّةِ النَّصُّ والإجْماعُ، وهُما إمّا أنْ يُوافِقا رِعايَةَ المَصْلَحَةِ، أوْ يُخالِفاها، فَإنْ وافَقاها، فَبِها ونِعْمَتْ، ولا تَنازُعَ؛ إذْ قَدِ اتَّفَقَتِ الأدِلَّةُ الثَّلاثَةُ عَلى الحُكْمِ، وهي النَّصُّ والإجْماعُ، ورِعايَةُ المَصْلَحَةِ المُسْتَفادَةِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»» . وإنْ خالَفاها وجَبَ تَقْدِيمُ رِعايَةِ المُصْلِحَةِ عَلَيْهِما بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ والبَيانِ لَهُما، لا بِطَرِيقِ الِافْتِئاتِ عَلَيْهِما والتَّعْطِيلِ لَهُما، كَما تُقَدَّمُ السُّنَّةُ عَلى القُرْآنِ، بِطَرِيقِ البَيانِ، انْتَهى. وتَتِمَّةُ كَلامِهِ جَدِيرَةٌ بِالمُراجَعَةِ، هي وتَعْلِيقاتُنا عَلَيْها، فابْحَثْ ولا تَكُنْ أسِيرَ التَّقْلِيدِ، بَلْ مِمَّنْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
(p-٥٧١٣)
المجادلة 58:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ﴾ أيْ: أحاطَ اللَّهُ بِهِ عِلْمًا، ولَمْ يَذْهَبْ عَنْهُ شَيْءٌ ﴿ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ: رَقِيبٌ، يَعْلَمُهُ ولا يَغِيبُ عَنْهُ. و(يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِ: (اذْكُرْ) مُضْمَرًا. وتَقْدِمَةُ الإخْبارِ بِسِعَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى بِالإثْمِ، تَحْذِيرًا وتَنْفِيرًا. وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِتَفْصِيلِ عِلْمِهِ عِنايَةً بِالمَنهِيِّ عَنْهُ، والمُحَذَّرِ مِنهُ، في قَوْلِهِ تَعالى:
المجادلة 58:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ النَّجْوى مَصْدَرٌ، مَعْناها التَّحَدُّثُ سِرًّا، مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّجْوَةِ، وهي ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ السِّرَّ يُصانُ عَنِ الغَيْرِ، كَأنَّهُ رُفِعَ مِن حَضِيضِ الظُّهُورِ إلى أوْجِ الخَفاءِ، عَلى التَّشْبِيهِ.
(p-٥٧١٤)قالَ الشِّهابُ: وأقْرَبُ مِنهُ قَوْلُ الرّاغِبِ؛ لِأنَّ المُتَسارَّيْنِ يَخْلُوانِ بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ. أوْ هو مِنَ النَّجاةِ وتَخْصِيصِ العَدَدَيْنِ، إمّا لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، فَكانَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، عَلى هَذا العَدَدِ اجْتَمَعُوا مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِأنَّ التَّناجِيَ لِلْمُشاوَرَةِ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، لِأنَّ التَّشاوُرَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ اثْنَيْنِ يَكُونانِ كالمُتَنازِعَيْنِ، وثالِثٌ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُما. ومُناسَبَةُ ضَمِّ الخَمْسَةِ لِلثَّلاثَةِ، كَوْنُ الخَمْسَةِ أوَّلَ مَراتِبِ ما فَوْقَها في الوِتْرِيَّةِ، فَذُكِّرا لِيُشارَ بِهِما لِلْأقَلِّ والأكْثَرِ. عَلى أنَّهُ عَمَّمَ الحُكْمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: كالِاثْنَيْنِ ﴿ولا أكْثَرَ﴾ أيْ: كالسِّتَّةِ وما فَوْقَها ﴿إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ أيْ: يَعْلَمُ ما يَكُونُ بَيْنَهم في أيِّ مَكانٍ حَلُّوا، لِأنَّ عِلْمَهُ بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبٍ مَكانِيٍّ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: هو فَوْقَ العَرْشِ، وعِلْمُهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَكى غَيْرُ واحِدٍ الإجْماعَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعِيَّةَ عِلْمِهِ تَعالى. ولا شَكَّ في إرادَةِ ذَلِكَ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: افْتَتَحَ الآيَةَ بِالعِلْمِ، واخْتَتَمَها بِالعِلْمِ.
تَنْبِيهٌ:
اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في "الفِصَلِ" بِأنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، ما لَمْ يَمْنَعْ مِن حَمْلِهِ عَلى ظاهِرِهِ نَصٌّ آخَرُ، أوْ إجْماعٌ، أوْ ضَرُورَةُ حِسٍّ. وقَدْ عَلِمْنا أنَّ كُلَّ ما كانَ في مَكانٍ فَإنَّهُ شاغِلٌ لِذَلِكَ المَكانِ ومالِئٌ لَهُ، ومُتَشَكِّلٌ بِشَكْلِ المَكانِ، أوِ المَكانُ مُتَشَكِّلٌ بِشَكْلِهِ، ولا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ ضَرُورَةً، وعَلِمْنا أنَّ ما كانَ في مَكانٍ، فَإنَّهُ مُتَناهٍ بِتَناهِي مَكانِهِ، وهو ذُو جِهاتٍ سِتٍّ أوْ خَمْسٍ مُتَناهِيَةٍ في مَكانِهِ، وهَذِهِ كُلُّها صِفاتُ الجِسْمِ. فَلَمّا صَحَّ ما ذُكِرَ فِيها، عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:
(p-٥٧١٥)﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ إنَّما هو التَّدْبِيرُ لِذَلِكَ، والإحاطَةُ بِهِ فَقَطْ ضَرُورَةٌ، لِانْتِفاءِ ما عَدا ذَلِكَ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُمْ: في كُلِّ مَكانٍ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ بِمُوجِبِ هَذا القَوْلِ أنْ يَمْلَأ الأماكِنَ كُلَّها، وأنْ يَكُونَ ما في الأماكِنِ فِيهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا مُحالٌ. فَإنْ قالُوا: هو فِيها، بِخِلافِ كَوْنِ المُتَمَكِّنِ في المَكانِ.
قِيلَ لَهُمْ: هَذا لا يُعْقَلُ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. انْتَهى.
وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] كَلامٌ في المَعِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَةَ، فارْجِعْ إلَيْهِ في سُورَةِ الحَدِيدِ.
المجادلة 58:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أيْ: بِما هو إثْمٌ وتَعَدٍّ عَلى المُؤْمِنِينَ، وتَواصٍ بِمُخالَفَةِ النَّبِيِّ ﷺ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وذَكَرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ إلَيْهِ، لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ، واسْتِعْظامِ مَعْصِيَتِهِمْ.
﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ: مِن قَوْلِهِمْ: (السّامُ عَلَيْكَ، أوْ مِمّا نَسَخَهُ الإسْلامُ مِن تَحايا الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ:
﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١]
(p-٥٧١٦)﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ أيْ: مِنَ التَّناجِي المَذْمُومِ، أوْ مِنَ التَّحْرِيفِ في التَّحِيَّةِ، اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. أيْ: هَلّا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَنا بِذَلِكَ؟ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولَهُ، قالَ تَعالى:
﴿حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: يَكْفِي قائِلِي ذَلِكَ في تَعْذِيبِهِمْ ﴿جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾
ثُمَّ نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَذَّرَهم أنْ يَجْتَرِمُوا في النَّجْوى ما اجْتَرَمَهُ أُولَئِكَ بِقَوْلِهِ:
المجادلة 58:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيْ: بِطاعَةِ اللَّهِ، وما يُقَرِّبُكم مِنهُ، ﴿والتَّقْوى﴾ أيِ: اجْتِنابُ ما يُؤْثِمُ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: فَيَجْزِيكم بِما اكْتَسَبْتُمْ مِمّا أحْصاهُ عَلَيْكم.
ثُمَّ شَجَّعَ تَعالى المُؤْمِنِينَ في قِلَّةِ المُبالاةِ بِمُناجاةِ أعْدائِهِمْ، وأنَّها لا تَضُرُّهم ما دامُوا مُثابِرِينَ عَلى وصاياهُ، مُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٠] أيِ: النَّجْوى الَّتِي ذَمَّها، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، أيِ: المُزَيَّنُ لِهَذِهِ النَّجْوى بِالشَّرِّ، والحامِلُ عَلَيْها الشَّيْطانُ.
﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ [المجادلة: ١٠] أيِ: الشَّيْطانُ، أوِ التَّناجِي المَذْكُورُ ﴿شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] أيْ: بِمَشِيئَتِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] أيْ: بِالمُضِيِّ في سَبِيلِهِ، والِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِ، وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلى أثَرِهِ.
(p-٥٧١٧)لَطِيفَةٌ:
قالَ القاشانِيُّ: إنَّما نُهُوا عَنِ النَّجْوى لِأنَّ التَّناجِيَ اتِّصالٌ واتِّحادٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ في أمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِما، لا يُشارِكُهُما فِيهِ ثالِثٌ. ولِلنُّفُوسِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ والِاتِّصالِ تَعاضُدٌ وتَظاهُرٌ، يَتَقَوّى ويَتَأيَّدُ بَعْضُها بِالبَعْضِ فِيما هو سَبَبُ الِاجْتِماعِ لِخاصِّيَّةِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي لا تُوجَدُ في الأفْرادِ، فَإذا كانَتْ شِرِّيرَةً يَتَناجَوْنَ في الشَّرِّ، ويُزادُ فِيهِمُ الشَّرُّ، ويَقْوى فِيهِمُ المَعْنى الَّذِي يَتَناجَوْنَ بِهِ بِالِاتِّصالِ والِاجْتِماعِ، ولِهَذا ورَدَ بَعْدَ النَّهْيِ قَوْلُهُ:
﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّذِي هو رَذِيلَةُ القُوى البَهِيمِيَّةِ ﴿والعُدْوانِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّذِي هو رَذِيلَةُ القُوى الغَضَبِيَّةِ ﴿ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّتِي هي رَذِيلَةُ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ، بِالجَهْلِ وغَلَبَةِ الشَّيْطَنَةِ، ألا تَرى كَيْفَ نَهى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّناجِي بِهَذِهِ الرَّذائِلِ المَذْكُورَةِ، وأمَرَهم بِالتَّناجِي بِالخَيْراتِ، لِيَتَقَوَّوْا بِالهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ، ويَزْدادُوا فِيها فَقالَ: ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيِ: الفَضائِلِ الَّتِي هي أضْدادُ تِلْكَ الرَّذائِلِ، مِنَ الصّالِحاتِ والحَسَناتِ المَخْصُوصَةِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ القُوى الثَّلاثِ، ﴿والتَّقْوى﴾ أيِ: الِاجْتِنابُ: عَنْ أجْناسِ الرَّذائِلِ المَذْكُورَةِ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّناجِي، حَيْثُ يَكُونُ في ذَلِكَ تَأذٍّ عَلى مُؤْمِنٍ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ صاحِبِهِما؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»» أخْرَجاهُ.
(p-٥٧١٨)وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ إلّا بِإذْنِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ.
المجادلة 58:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيْ: بِطاعَةِ اللَّهِ، وما يُقَرِّبُكم مِنهُ، ﴿والتَّقْوى﴾ أيِ: اجْتِنابُ ما يُؤْثِمُ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: فَيَجْزِيكم بِما اكْتَسَبْتُمْ مِمّا أحْصاهُ عَلَيْكم.
ثُمَّ شَجَّعَ تَعالى المُؤْمِنِينَ في قِلَّةِ المُبالاةِ بِمُناجاةِ أعْدائِهِمْ، وأنَّها لا تَضُرُّهم ما دامُوا مُثابِرِينَ عَلى وصاياهُ، مُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٠] أيِ: النَّجْوى الَّتِي ذَمَّها، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، أيِ: المُزَيَّنُ لِهَذِهِ النَّجْوى بِالشَّرِّ، والحامِلُ عَلَيْها الشَّيْطانُ.
﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ [المجادلة: ١٠] أيِ: الشَّيْطانُ، أوِ التَّناجِي المَذْكُورُ ﴿شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] أيْ: بِمَشِيئَتِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] أيْ: بِالمُضِيِّ في سَبِيلِهِ، والِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِ، وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلى أثَرِهِ.
(p-٥٧١٧)لَطِيفَةٌ:
قالَ القاشانِيُّ: إنَّما نُهُوا عَنِ النَّجْوى لِأنَّ التَّناجِيَ اتِّصالٌ واتِّحادٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ في أمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِما، لا يُشارِكُهُما فِيهِ ثالِثٌ. ولِلنُّفُوسِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ والِاتِّصالِ تَعاضُدٌ وتَظاهُرٌ، يَتَقَوّى ويَتَأيَّدُ بَعْضُها بِالبَعْضِ فِيما هو سَبَبُ الِاجْتِماعِ لِخاصِّيَّةِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي لا تُوجَدُ في الأفْرادِ، فَإذا كانَتْ شِرِّيرَةً يَتَناجَوْنَ في الشَّرِّ، ويُزادُ فِيهِمُ الشَّرُّ، ويَقْوى فِيهِمُ المَعْنى الَّذِي يَتَناجَوْنَ بِهِ بِالِاتِّصالِ والِاجْتِماعِ، ولِهَذا ورَدَ بَعْدَ النَّهْيِ قَوْلُهُ:
﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّذِي هو رَذِيلَةُ القُوى البَهِيمِيَّةِ ﴿والعُدْوانِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّذِي هو رَذِيلَةُ القُوى الغَضَبِيَّةِ ﴿ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّتِي هي رَذِيلَةُ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ، بِالجَهْلِ وغَلَبَةِ الشَّيْطَنَةِ، ألا تَرى كَيْفَ نَهى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّناجِي بِهَذِهِ الرَّذائِلِ المَذْكُورَةِ، وأمَرَهم بِالتَّناجِي بِالخَيْراتِ، لِيَتَقَوَّوْا بِالهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ، ويَزْدادُوا فِيها فَقالَ: ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيِ: الفَضائِلِ الَّتِي هي أضْدادُ تِلْكَ الرَّذائِلِ، مِنَ الصّالِحاتِ والحَسَناتِ المَخْصُوصَةِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ القُوى الثَّلاثِ، ﴿والتَّقْوى﴾ أيِ: الِاجْتِنابُ: عَنْ أجْناسِ الرَّذائِلِ المَذْكُورَةِ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّناجِي، حَيْثُ يَكُونُ في ذَلِكَ تَأذٍّ عَلى مُؤْمِنٍ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ صاحِبِهِما؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»» أخْرَجاهُ.
(p-٥٧١٨)وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ إلّا بِإذْنِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ.
المجادلة 58:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ تَعْلِيمٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإحْسانِ في أدَبِ المَجالِسِ، وذَلِكَ بِأنْ يُفْسِحَ المَرْءُ لِأخِيهِ ويَتَنَحّى تَوْسِعَةً لَهُ.
قالَ الشِّهابُ: وارْتِباطُهُ بِما قَبْلَهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا نَهى عَنِ التَّناجِي والسِّرارِ، عُلِمَ مِنهُ الجُلُوسُ مَعَ المَلَأِ، فَذَكَرَ آدابَهُ، ورَتَّبَ عَلى امْتِثالِهِمْ فُسْحَةً لَهم فِيما يُرِيدُونَ التَّفَسُّحَ، مِنَ المَكانِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ أنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ. ومَن يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ»» . ولِهَذا أشْباهٌ كَثِيرَةٌ.
قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَجالِسِ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا رَأوْا أحَدَهم مُقْبِلًا ضَنُّوا بِمَجالِسِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُفْسِحَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
(p-٥٧١٩)﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أيِ: انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ، أوِ ارْتَفِعُوا في المَجالِسِ، أوِ انْهَضُوا عَنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ، إذا أمَرْتَهم بِالنُّهُوضِ عَنْهُ، ولا تُمُلُّوهُ بِالِارْتِكازِ فِيهِ، ﴿فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ أيْ: يَرْفَعُ المُؤْمِنِينَ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، وأوامِرِ رَسُولِهِ، والعالِمِينَ بِها، الجارِينَ عَلى مُوجِبِها بِمُقْتَضى عِلْمِهِمْ، دَرَجاتٍ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً.
قالَ النّاصِرُ: لَمّا عَلِمَ أنَّ أهْلَ العِلْمِ بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعِنْدَ النّاسِ ارْتِفاعَ مَجالِسِهِمْ، خَصَّهم بِالذِّكْرِ عِنْدَ الجَزاءِ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما لَهم مِنَ الرِّفْعَةِ في المَجْلِسِ، تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى.
وهَذا -كَما قالَهُ الشِّهابُ- مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ؛ لِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ في سائِرِ الأعْصارِ مِنَ التَّنافُسِ في رِفْعَةِ المَجالِسِ، ومَحَبَّةِ التَّصْدِيرِ.
وفِي كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ما يُشِيرُ إلى أنَّهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، تَعْظِيمًا لَهُ، بَعْدَهُ كَأنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ، كَما فِي: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] ولِذا أعادَ المَوْصُولَ في النَّظْمِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ عِلْمُ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ اسْتِحْبابٌ في مَجالِسِ العِلْمِ والذِّكْرِ، وكُلِّ مَجْلِسِ طاعَةٍ.
الثّانِي: يُفْهَمُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّفَسُّحِ النَّهْيُ عَنْ إقامَةِ شَخْصٍ لِيَجْلِسَ أحَدٌ مَكانَهُ. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ فَيَجْلِسُ فِيهِ، ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا»» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ.
(p-٥٧٢٠)وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، ولَكِنِ افْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ»» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ. وفي رِوايَةٍ بِلَفْظِ: ««لا يَقُومُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ مِن مَجْلِسِهِ، لَكِنِ افْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ»» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في جَوازِ القِيامِ لِلْوارِدِ إذا جاءَ، عَلى أقْوالٍ: فَمِنهم مَن رَخَّصَ بِذَلِكَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ: ««قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ»» .
ومِنهم مَن مَنَعَ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ: ««مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجالُ قِيامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»» .
ومِنهم مَن فَصَّلَ فَقالَ: يَجُوزُ عِنْدَ القُدُومِ مِن سَفَرٍ، ولِلْحاكِمِ في مَحَلِّ وِلايَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قِصَّةُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَإنَّهُ لِما اسْتَقْدَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ حاكِمًا في بَنِي قُرَيْظَةَ، فَلَمّا رَآهُ مُقْبِلًا قالَ لِلْمُسْلِمِينَ: ««قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ»» . وما ذاكَ إلّا لِيَكُونَ أنْفَذَ لِحُكْمِهِ -واللَّهُ أعْلَمُ- فَأمّا اتِّخاذُهُ دَيْدَنًا فَإنَّهُ مِن شِعارِ العَجَمِ، وقَدْ جاءَ في السُّنَنِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ إذا جاءَ لا يَقُومُونَ لَهُ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن كَراهَتِهِ لِذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، في فَتْوى لَهُ في ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ مِن عادَةِ السَّلَفِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ، أنْ يَعْتادُوا القِيامَ، كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، بَلْ قَدْ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانُوا إذا رَأوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ، لِما يَعْلَمُونَ مِن كَراهَتِهِ لِذَلِكَ. ولَكِنْ رُبَّما قامُوا لِلْقادِمِ مِن مَغِيبِهِ تَلَقِّيًا لَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ««أنَّهُ قامَ لِعِكْرِمَةَ»»، «وقالَ لِلْأنْصارِ لَمّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: «قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ»»، وكانَ سَعْدٌ مُتَمَرِّضًا بِالمَدِينَةِ، وكانَ قَدْ قَدِمَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ شَرْقِيَّ المَدِينَةِ.
(p-٥٧٢١)والَّذِي يَنْبَغِي لِلنّاسِ أنْ يَعْتادُوا اتِّباعَ السَّلَفِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَإنَّهم خَيْرُ القُرُونِ، وخَيْرُ الكَلامِ كَلامُ اللَّهِ، وخَيْرُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، فَلا يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْ هَدْيِ خَيْرِ الخَلْقِ، وهَدْيِ خَيْرِ القُرُونِ، إلى ما هو دُونَهُ. ويَنْبَغِي لِلْمُطاعِ أنْ يُقَرِّرَ ذَلِكَ مَعَ أصْحابِهِ، بِحَيْثُ إذا رَأوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ ولا يَقُومُ لَهُمْ، إلّا في اللِّقاءِ المُعْتادِ. فَأمّا القِيامُ لِمَن يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، تَلَقِّيًا لَهُ، فَحَسَنٌ.
وإذا كانَ مِن عادَةِ النّاسِ إكْرامُ الجائِي بِالقِيامِ، ولَوْ تُرِكَ ذَلِكَ لاعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ بَخْسٌ في حَقِّهِ أوْ قَصْدٌ لِخَفْضِهِ، ولَمْ يَعْلَمِ العادَةَ المُوافِقَةَ لِلسُّنَّةِ، فالأصْلَحُ أنْ يُقامَ لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إصْلاحٌ لِذاتِ البَيْنِ، وإزالَةٌ لِلتَّباغُضِ والشَّحْناءِ، وأمّا مِن عُرْفِ عادَةِ القَوْمِ المُوافَقَةُ لِلسُّنَّةِ، فَلَيْسَ في تَرْكِ ذَلِكَ إيذاءٌ لَهُ، ولَيْسَ هَذا القِيامُ هو القِيامَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ ﷺ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»»؛ فَإنَّ ذَلِكَ أنْ يَقُومُوا وهو قاعِدٌ، لَيْسَ هو أنْ يَقُومُوا لِمَجِيئِهِ إذا جاءَ، ولِهَذا فَرَّقُوا بَيْنَ أنْ يُقالَ: (قُمْتُ إلَيْهِ)، و(قُمْتُ لَهُ). والقائِمُ لِلْقادِمِ ساواهُ في القِيامِ، بِخِلافِ القِيامِ لِلْقاعِدِ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا صَلّى بِهِمْ قاعِدًا في مَرَضِهِ، وصَلَّوْا قِيامًا أمَرَهم بِالقُعُودِ. وقالَ: ««لا تُعَظِّمُونِي كَما يُعَظِّمُ الأعاجِمُ بَعْضَها بَعْضًا»»، فَقُعُودُهم عَنِ القِيامِ في الصَّلاةِ وهو قاعِدٌ؛ لِئَلّا يُشْبِهُوا الأعاجِمَ الَّذِينَ يَقُومُونَ لِعُظَمائِهِمْ وهم قُعُودٌ. وجِماعُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَصْلُحُ، اتِّباعُ عادَةِ السَّلَفِ وأخْلاقِهِمْ، والِاجْتِهادُ بِحَسْبِ الإمْكانِ. فَمَن لَمْ يَعْتَدَّ ذَلِكَ، أوْ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهُ العادَةُ، وكانَ في تَرْكِ مُعامَلَتِهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ مِنَ الِاحْتِرامِ مَفْسَدَةٌ راجِحَةٌ، فَإنَّهُ يَدْفَعُ أعْظَمَ الفَسادَيْنِ بِالتِزامِ أدْناهُما، كَما يَجِبُ فِعْلُ أعْظَمِ الصَّلاحَيْنِ بِتَفْوِيتِ أدْناهُما. انْتَهى كَلامُ شَيْخِ الإسْلامِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وجَزاهُ عَنِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ خَيْرًا.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وغَيْرِهِما، أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا﴾ يَعْنِي في مَجالِسِ الحَرْبِ. قالُوا: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ أيِ: انْهَضُوا لِلْقِتالِ.
(p-٥٧٢٢)وقالَ قَتادَةُ: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ أيْ: دُعِيتُمْ إلى خَيْرٍ فَأجِيبُوا.
وقالَ مُقاتِلٌ: إذا دُعِيتُمْ إلى الصَّلاةِ فارْتَفِعُوا بِها.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: كانُوا إذا كانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ في بَيْتِهِ فَأرادُوا الِانْصِرافَ، أحَبَّ كُلٌّ مِنهم أنْ يَكُونَ هو آخِرَهم خُرُوجًا مِن عِنْدِهِ، فَرُبَّما يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ الحاجَةُ. فَأُمِرُوا أنَّهم إذا أُمِرُوا بِالِانْصِرافِ أنْ يَنْصَرِفُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] انْتَهى.
ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها تَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ العامِّ بِبَعْضِ أفْرادِهِ. وما يَصْدُقُ عَلَيْهِ إشارَةً عَلى تَناوُلِهِ لِذَلِكَ، لا أنَّ أحَدَهُما هو المُرادُ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ ما لا يُتَوَهَّمُ. وقَدْ كَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في تَفاسِيرِ السَّلَفِ لِكَثِيرٍ مِنَ الآيِ، وكُلُّهُ مِمّا لا اخْتِلافَ فِيهِ كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا.
الرّابِعُ: في "الإكْلِيلِ" قالَ قَوْمٌ: مَعْنى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ يَرْفَعِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنكُمُ العُلَماءَ دَرَجاتٍ عَلى غَيْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى رَفْعِ العُلَماءِ في المَجالِسِ، والتَّفَسُّحِ لَهم عَنِ المَجالِسِ الرَّفِيعَةِ. انْتَهى.
المجادلة 58:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا قَبْلَ مُناجاتِهِ، أيْ: مُسارَّتِهِ في بَعْضِ شَأْنِكم.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّقْدِيمُ.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: لِأنْفُسِكُمْ، لِما فِيهِ مِن مُضاعَفَةِ الأجْرِ والثَّوابِ. والقِيامِ بِحَقِّ الإخاءِ، بِالعَوْدِ عَلى ذَوِي المَسْكَنَةِ بِالمُواساةِ والإغْناءِ.
﴿وأطْهَرُ﴾ أيْ: لِأنْفُسِكم مِن رَذِيلَةِ البُخْلِ (p-٥٧٢٣)والشُّحِّ، ومِن حُبِّ المالِ وإيثارِهِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مِن شِعارِ المُنافِقِينَ، وكَأنَّ الأمْرَ بِالتَّصْدِيقِ المَذْكُورِ نَزَلَ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ تَسْخُو نَفْسُهُ بِالإيمانِ كَيْفَما كانَ، والثّانِي يَغَصُّ بِهِ، ولَوْ في أضَرِّ الأوْقاتِ. ومُعْظَمُ أوامِرِ السُّورَةِ هو التَّصَدُّقُ، حَثًّا لِلْباخِلِينَ، وسَوْقًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أيْ: ما تَتَصَدَّقُونَ بِهِ أمامَ مُناجاتِكُمُ الرَّسُولَ ﷺ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن لَمْ يَجِدْهُ؛ إذْ لَمْ يُحْرِجْهُ ولَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ، رَحْمَةً مِنهُ.
المجادلة 58:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾
﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ أيْ: أخِفْتُمْ، مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ، الفاقَةَ والفَقْرَ؟ تَوْبِيخٌ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُشْفَقَ مِنهُ، لِلُزُومِ الخَلَفِ والإنْفاقِ، لُزُومَ الظِّلِّ لِلشّاخِصِ بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْقِ.
﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ: ما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وشَقَّ عَلَيْكُمْ، ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ رَخَّصَ لَكم أنْ لا تَفْعَلُوا، رَفْعًا لِلْحَرَجِ حَسْبَما أشْفَقْتُمْ. ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: فَلا تُفَرِّطُوا في الصَّلاةِ والزَّكاةِ وسائِرِ الطّاعاتِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُكْسِبُكم مَلَكَةَ الخَيْرِ والفَضِيلَةِ، ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيَجْزِيكم بِحَسَبِهِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] الآيَةَ. مَنسُوخَةٌ بِالَّتِي بَعْدَها، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ النَّسْخِ بِلا بَدَلٍ، ووُقُوعِهِ، خِلافًا لِمَن أبى ذَلِكَ. انْتَهى.
(p-٥٧٢٤)والظّاهِرُ أنَّ مُسْتَنَدَ شُهْرَةِ النَّسْخِ ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ﴾ [المجادلة: ١٢] إلَخْ قالَ: فُرِضَتْ، ثُمَّ نُسِخَتْ.
وعَنْهُ أيْضًا قالَ: نُهُوا عَنْ مُناجاةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى يَتَصَدَّقُوا، فَلَمْ يُناجِهِ إلّا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَدَّمَ دِينارًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أُنْزِلَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَنسُوخَةٌ، ما كانَتْ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ.
وعَنْهُ أيْضًا قالَ: «سَألَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ،» وكانَ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الحاجَةُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَها حَتّى يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَدَقَةً، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢]
وعَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ قالا:
﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] الآيَةَ. نَسَخَتْها الَّتِي بَعْدَها ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآثارُ وأمْثالُها هي مُسْتَنَدُ مُدَّعِي النَّسْخِ، وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِها. وقَدْ أسْلَفْنا في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ، ومَواضِعَ أُخْرى، أنَّ النَّسْخَ في كَلامِ السَّلَفِ أعَمُّ مِنهُ بِاصْطِلاحِ الخَلَفِ، كَما أنَّ المُرادَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ أعَمُّ مِمّا يَتَبادَرُ إلَيْهِ الفَهْمُ. ومِنهُ قَوْلُ قَتادَةَ هُنا: فَأنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ مُرادَهُ إبانَةُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ في الآيَةِ الثّانِيَةِ، لا أنَّ نُزُولَها كانَ مُتَراخِيًا عَنِ الأُولى؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى رَوْنَقِ نَظْمِها الكَرِيمِ. والأصْلُ في الآيِ المُقَرِّرَةِ لِحُكْمٍ ما، هو اتِّصالُ جُمَلِها، وانْتِظامُ عِقْدِها، إذْ بِهِ يَكْمُلُ سِحْرُ بَلاغَتِها، وبَدِيعُ وتَمامُ فِقْهِها. والَّذِينَ ذَهَبُوا إلى عَدَمِ وُقُوعِ النَّسْخِ في التَّنْزِيلِ، لَهم في الآيَةِ وُجُوهٌ:
(p-٥٧٢٥)أحَدُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَمْتَنِعُونَ مِن بَذْلِ الصَّدَقاتِ، وأنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ تَرَكُوا النِّفاقَ، وآمَنُوا ظاهِرًا وباطِنًا إيمانًا حَقِيقِيًّا، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَيِّزَهم عَنِ المُنافِقِينَ، فَأمَرَ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلى النَّجْوى، لِيَتَمَيَّزَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا حَقِيقِيًّا عَمَّنْ بَقِيَ عَلى نِفاقِهِ الأصْلِيِّ. وإذا كانَ هَذا التَّكْلِيفُ لِأجْلِ هَذِهِ المَصْلَحَةِ المُقَدَّرَةِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، لا جَرَمَ يُقَدَّرُ هَذا التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ الوَقْتِ.
قالَ الرّازِيُّ: وحاصِلُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ كانَ مُقَدَّرًا بِغايَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَوَجَبَ انْتِهاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الغايَةِ المَخْصُوصَةِ، فَلا يَكُونُ هَذا نَسْخًا وهَذا الكَلامُ حَسَنٌ ما بِهِ بَأْسٌ. انْتَهى.
ثانِيها: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ شُبْهَةَ مُدَّعِي النَّسْخِ ذَهابُهم إلى أنَّ الأمْرَ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لِلْوُجُوبِ، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ:
﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢] وقَوْلِهِ:
﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيما بِفَقْدِهِ يَزُولُ وُجُوبُهُ. والجَوابُ: أنْ لا قاطِعَ في كَوْنِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ لِلنَّدْبِ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ:
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] وهَذا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّطَوُّعِ لا في الفَرْضِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا لَما أُزِيلَ وُجُوبُهُ بِكَلامٍ مُتَّصِلٍ بِهِ، وهُوَ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ:
﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إلَخْ مَعْناهُ: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ، والحالُ أنَّ اللَّهَ قَدْ رَجَعَ إلَيْكم بِالتَّخْفِيفِ والتَّسْهِيلِ فِيما شَرَعَهُ لَكُمْ، فَلَمْ يُعامِلْكم كَما كانَ يُعامِلُ الأُمَمَ السّابِقَةَ ولَمْ يُعْنِتْكم بِشَيْءٍ مِمّا أوْجَبَهُ عَلَيْكُمْ، فَلِذا نَدَبَكم إلى هَذا الأمْرِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلَيْكم فَرْضًا، كَما هي سُنَّتُهُ في مُعامَلَتِكم بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، فَأقِيمُوا الصَّلاةَ... إلَخْ. فَقَوْلُهُ: ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (p-٥٧٢٦)قَدْ ورَدَ هُنا بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى التَّخْفِيفِ والتَّسْهِيلِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، والعُدُولِ عَنْ مُعامَلَتِها كَسابِقِيها، لا بِمَعْنى التَّجاوُزِ عَنِ السَّيِّئاتِ وغُفْرانِ الذُّنُوبِ. وقَدْ ورَدَ بِذَلِكَ المَعْنى أيْضًا في آيَةٍ أُخْرى في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أيْ: رَجَعَ إلَيْكم بِالتَّخْفِيفِ، ورَفَعَ عَنْكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم. ولَيْسَ مَعْناهُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ العَفْوَ عَنِ الذُّنُوبِ؛ إذْ لا ذَنْبَ هُنا صَدَرَ مِنهم. هَذا مُلَخَّصُ ما حَقَّقَهُ مَن ذَهَبَ إلى امْتِناعِ النَّسْخِ. والحَقُّ لا تَخْفى قُرَّتُهُ وسُكُونُ النَّفْسِ إلَيْهِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
المجادلة 58:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ ويُناصِحُونَهم ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ، كَما بَيَّنَتْهُ آيَةُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ١١] الآيَةَ.
﴿ما هم مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكُمْ، مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ ﴿ولا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ كَقَوْلِهِ تَعالى:
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ قَوْلُهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وهم كاذِبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِهِ.
﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيِ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ كَذِبٌ بَحْتٌ.
(p-٥٧٢٧)
المجادلة 58:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٦] ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦]
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: وِقايَةً وعِصْمَةً لِأنْفُسِهِمْ.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: فَحالُوا بِأيْمانِهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ، وهو القَتْلُ، إراحَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِن فَسادِهِمْ. أوْ فَصَدُّوا النّاسَ في خِلالِ أمْنِهِمْ وسَلامَتِهِمْ عَنِ الإيمانِ وثَبَّطُوهم عَنْهُ.
﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: مُذِلٌّ لَهم في الآخِرَةِ.
المجادلة 58:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٦] ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦]
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: وِقايَةً وعِصْمَةً لِأنْفُسِهِمْ.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: فَحالُوا بِأيْمانِهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ، وهو القَتْلُ، إراحَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِن فَسادِهِمْ. أوْ فَصَدُّوا النّاسَ في خِلالِ أمْنِهِمْ وسَلامَتِهِمْ عَنِ الإيمانِ وثَبَّطُوهم عَنْهُ.
﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: مُذِلٌّ لَهم في الآخِرَةِ.
المجادلة 58:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ شَيْئًا ما، كَما كانُوا يَفْتَدُونَ بِذَلِكَ في الدُّنْيا ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: في الدُّنْيا كاذِبِينَ مُبْطِلِينَ، إشارَةً إلى مُرُونِهِمْ عَلى النِّفاقِ، ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، حَتّى لَدى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: مِنَ النَّفْعِ أوْ مِنَ الحَقِّ ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: فِيما يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ (p-٥٧٢٨)فِي الدّارَيْنِ.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ [المجادلة: ١٩] أيِ: اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ حَتّى صارَ الكَذِبُ والفَسادُ مَلَكَةً لَهم ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: بِتَسْوِيلِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، والشَّهَواتِ البَدَنِيَّةِ لَهُمْ، وتَزْيِينِ الدُّنْيا وزِبْرِجِها في أعْيُنِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: أتْباعُهُ في الفَسادِ والإفْسادِ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: لِلسَّعادَةِ في الدّارَيْنِ.
المجادلة 58:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ شَيْئًا ما، كَما كانُوا يَفْتَدُونَ بِذَلِكَ في الدُّنْيا ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: في الدُّنْيا كاذِبِينَ مُبْطِلِينَ، إشارَةً إلى مُرُونِهِمْ عَلى النِّفاقِ، ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، حَتّى لَدى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: مِنَ النَّفْعِ أوْ مِنَ الحَقِّ ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: فِيما يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ (p-٥٧٢٨)فِي الدّارَيْنِ.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ [المجادلة: ١٩] أيِ: اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ حَتّى صارَ الكَذِبُ والفَسادُ مَلَكَةً لَهم ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: بِتَسْوِيلِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، والشَّهَواتِ البَدَنِيَّةِ لَهُمْ، وتَزْيِينِ الدُّنْيا وزِبْرِجِها في أعْيُنِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: أتْباعُهُ في الفَسادِ والإفْسادِ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: لِلسَّعادَةِ في الدّارَيْنِ.
المجادلة 58:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ شَيْئًا ما، كَما كانُوا يَفْتَدُونَ بِذَلِكَ في الدُّنْيا ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: في الدُّنْيا كاذِبِينَ مُبْطِلِينَ، إشارَةً إلى مُرُونِهِمْ عَلى النِّفاقِ، ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، حَتّى لَدى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: مِنَ النَّفْعِ أوْ مِنَ الحَقِّ ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: فِيما يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ (p-٥٧٢٨)فِي الدّارَيْنِ.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ [المجادلة: ١٩] أيِ: اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ حَتّى صارَ الكَذِبُ والفَسادُ مَلَكَةً لَهم ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: بِتَسْوِيلِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، والشَّهَواتِ البَدَنِيَّةِ لَهُمْ، وتَزْيِينِ الدُّنْيا وزِبْرِجِها في أعْيُنِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: أتْباعُهُ في الفَسادِ والإفْسادِ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: لِلسَّعادَةِ في الدّارَيْنِ.
المجادلة 58:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ أيْ: في أهْلِ الذِّلَّةِ؛ لِأنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، كَما قالَ:
المجادلة 58:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ أيْ: حِزْبَ الشَّيْطانِ المُحادِّينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أيْ: قَوِيٌّ عَلى إهْلاكِ مَن حادَّهُ ورُسُلَهُ، عَزِيزٌ فَلا يُغْلَبُ في قَضائِهِ.
المجادلة 58:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
(p-٥٧٢٩)﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: شاقَّهُما وخالَفَ أمْرَهُما. أيْ: لا تَجُدُ قَوْمًا جامِعِينَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبَيْنَ مُوادَّةِ أعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. والمُرادُ بِنَفْيِ الوِجْدانِ نَفْيُ المُوادَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ، وحَقُّهُ أنْ يُمْتَنَعَ ولا يُوجَدَ بِحالٍ، مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْهُ، والزَّجْرِ عَنْ مُلابَسَتِهِ، والتَّوْصِيَةِ بِالتَّصَلُّبِ في مُجانَبَةِ أعْداءِ اللَّهِ ومُباعَدَتِهِمْ، والِاحْتِراسِ مِن مُخالَطَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ، وزادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ أيْ: آباءَ المُوادِّينَ. والضَّمِيرُ في " كانُوا " لِمَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما قَبْلَهُ، بِاعْتِبارِ لَفْظِهِما.
﴿أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أيْ: فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ هَجْرُ المُحادِّينَ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلى الَّذِينَ لا يُوادُّونَهم ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ أيْ: أثْبَتَهُ فِيها ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ أيْ: بِنُورٍ وعِلْمٍ ولُطْفٍ حَيَتْ بِهِ قُلُوبُهم في الدُّنْيا. وأشارَ إلى ما لَهم في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: النّاجِحُونَ والفائِزُونَ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: مِن أشْباهِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]
(p-٥٧٣٠)الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وغَيْرُهُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ إلى آخِرِها في أبِي عُبَيْدَةَ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الجَرّاحِ حِينَ قَتَلَ أباهُ يَوْمَ بَدْرٍ. وفي أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ هَمَّ يَوْمَئِذَ بِقَتْلِ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وفي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، وفي عُمَرَ قَتَلَ قَرِيبًا لَهُ مِن عَشِيرَتِهِ يَوْمَئِذٍ أيْضًا، وفي حَمْزَةَ وعَلِيٍّ وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ، قَتَلُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتَيْبَةَ يَوْمَئِذٍ. انْتَهى.
وقَدْ بَيَّنّا مِرارًا، أنَّ المُرادَ بِسَبَبِ النُّزُولِ في مِثْلِ ذَلِكَ، صِدْقُ الآيَةِ عَلى هَؤُلاءِ، وما أتَوْا بِهِ مِنَ التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ، في مُقابَلَةِ المُفْسِدِينَ، ولَوْ كانُوا مِن أقْرَبِ الأقْرَبِينَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومِن هَذا القَبِيلِ حِينَ اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ في أُسارى بَدْرٍ، فَأشارَ الصِّدِّيقُ بِأنْ يُفادَوْا، فَيَكُونُ ما يُؤْخَذُ مِنهم قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، وهم بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهْدِيَهم. وقالَ عُمَرُ: لا أرى ما رَأى يا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ تُمَكِّنُنِي مِن فُلانٍ -قَرِيبٍ لِعُمَرَ - فَأقْتُلُهُ، وتُمَكِّنُ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ، وتُمَكِّنُ فُلانًا مِن فُلانٍ، لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَتْ في قُلُوبِنا مُوادَّةٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ سِرٌّ بَدِيعٌ؛ وهو أنَّهُ لَمّا سَخِطُوا عَلى القَرائِبِ والعَشائِرِ في اللَّهِ تَعالى، عَوَّضَهُمُ اللَّهُ بِالرِّضا عَنْهُمْ، وأرْضاهم عَنْهُ بِما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، والفَوْزِ العَظِيمِ، والفَضْلِ العَمِيمِ.
الرّابِعُ: يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وقَوْلِهِ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] أنَّ المُرادَ بِهِمُ المُحارِبُونَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، الصّادُّونَ عَنْ سَبِيلِهِ، المُجاهِرُونَ بِالعَداوَةِ والبَغْضاءِ. وهُمُ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم قَبْلُ بِأنَّهم يَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ. فَتَشْمَلُ الآيَةُ المُشْرِكِينَ وأهْلَ الكِتابِ المُحارِبِينَ والمُحادِّينَ لَنا، أيِ: الَّذِينَ (p-٥٧٣١)عَلى حَدٍّ مِنّا، ومُجانَبَةٍ لِشُؤُونِنا، تَحْقِيقًا لِمُخالَفَتِنا، وتَرَصُّدًا لِلْإيقاعِ بِنا. وأمّا أهْلُ الذِّمَّةِ الَّذِينَ بَيْنِ أظْهُرِنا، مِمَّنْ رَضِيَ بِأداءِ الجِزْيَةِ لَنا وسالَمَنا، واسْتَكانَ لِأحْكامِنا وقَضائِنا، فَأُولَئِكَ لا تَشْمَلُهُمُ الآيَةُ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمُحادِّينَ لَنا بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولِذا كانَ لَهم ما لَنا، وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْنا، وجازَ التَّزَوُّجُ مِنهم ومُشارَكَتُهُمْ، والِاتِّجارُ مَعَهُمْ، وعِيادَةُ مَرْضاهم. فَقَدْ ««عادَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُودِيًّا، وعَرَضَ عَلَيْهِ الإسْلامَ فَأسْلَمَ»» كَما رَواهُ البُخارِيُّ.
وعَلى الإمامِ حِفْظُهم والمَنعُ مِن أذاهُمْ، واسْتِنْقاذُ أسْراهُمْ؛ لِأنَّهُ جَرَتْ عَلَيْهِمْ أحْكامُ الإسْلامِ، وتَأبَّدَ عَهْدُهُمْ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَما لَزِمَ المُسْلِمِينَ، كَما في "الإقْناعِ" و"شَرْحِهِ".
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في "إغاثَةِ اللَّهْفانِ" في الرَّدِّ عَلى المُتَنَطِّعِينَ الَّذِينَ لا تَطِيبُ نُفُوسُهم بِكَثِيرٍ مِنَ الرُّخَصِ المَشْرُوعَةِ: ومِن ذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ««كانَ يُجِيبُ مَن دَعاهُ، فَيَأْكُلُ طَعامَهُ»»، و««أضافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وشَعِيرٍ وإهالَةٍ سَنِخَةٍ»» . وكانَ المُسْلِمُونَ يَأْكُلُونَ مِن أطْعِمَةِ أهْلِ الكِتابِ. وشَرَطَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضِيافَةَ مَن مَرَّ بِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وقالَ: أطْعِمُوهم مِمّا تَأْكُلُونَ. وقَدْ أحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ في كِتابِهِ. ولَمّا قَدِمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الشّامَ صَنَعَ لَهُ أهْلُ الكِتابِ طَعامًا فَدَعَوْهُ فَقالَ: أيْنَ هُوَ؟ قالُوا في الكَنِيسَةِ، فَكَرِهُ دُخُولَها، وقالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اذْهَبْ بِالنّاسِ. فَذَهَبَ عَلِيٌّ بِالمُسْلِمِينَ، فَدَخَلُوا، وجَعَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَنْظُرُ إلى الصُّورَةِ. وقالَ: ما عَلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، لَوْ دَخَلَ وأكَلَ! انْتَهى.
والأصْلُ في هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩]
(p-٥٧٣٢)قالَ السَّيِّدُ ابْنُ المُرْتَضى اليَمانِيُّ في "إيثارِ الحَقِّ": عَنِ الإمامِ المَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَهَّرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ المُوالاةَ المُحَرَّمَةَ بِالإجْماعِ؛ هي أنْ تُحِبَّ الكافِرَ لِكُفْرِهِ، والعاصِيَ لِمَعْصِيَتِهِ، لا لِسَبَبٍ آخَرَ، مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، أوْ خَصْلَةِ خَيْرٍ فِيهِ. وسَيَأْتِي في أوَّلِ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ زِيادَةٌ عَلى هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الحشر 59:1
(p-٥٧٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحَشْرِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ إخْراجِ اليَهُودِ عِنْدَهُ، عَلى لُطْفِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ بِرَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، وقَهْرِهِ وغَضَبِهِ عَلى أعْدائِهِمْ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ؟
قالَ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ.
وعَنْهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ؟ قالَ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ. وهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ. وهي مَدَنِيَّةٌ. وآيُها أرْبَعٌ وعِشْرُونَ، بِلا خِلافٍ.
(p-٥٧٣٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَأْوِيلِ نَظِيرِهِ، ثُمَّ أشارَ إلى بَيانِ بَعْضِ آثارِ عِزَّتِهِ تَعالى، وإحْكامِ حِكْمَتِهِ، إثْرَ وصْفِهِ بِالعِزَّةِ القاهِرَةِ، والحِكْمَةِ الباهِرَةِ عَلى الإطْلاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ٢] يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: مِن مَساكِنِهِمُ الَّتِي جاوَرُوا بِها المُسْلِمِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ، لُطْفًا بِهِمْ ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: لِأوَّلِ الجَمْعِ لِقِتالِهِمْ. يَعْنِي أخْرَجَهم تَعالى بِقَهْرِهِ لِأوَّلِ ما حُشِرَ لِغَزْوِهِمْ. والتَّوْقِيتُ بِهِ إشارَةً إلى شِدَّةِ الأخْذِ الرَّبّانِيِّ لَهُمْ، وقُوَّةِ البَطْشِ والِانْتِقامِ، بِقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، حَتّى اضْطُرُّوا لِأوَّلِ الهُجُومِ عَلَيْهِمْ، إلى الجَلاءِ والفِرارِ، كَما يَأْتِي.
﴿ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر: ٢] أيْ: لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ، فَصارَ آيَةً لَكُمْ؛ لِأنَّهُ مِن آثارِ سُنَّتِهِ تَعالى في إذْلالِ المُفْسِدِينَ وقَهْرِهِمْ ﴿وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: مِن بَأْسِهِ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أيْ: عَذابُهُ، وهو الرُّعْبُ والِاضْطِرارُ إلى الجَلاءِ ﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] (p-٥٧٣٥)أيْ: لَمْ يَظُنُّوا ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: أنْزَلَهُ إنْزالًا شَدِيدًا فِيها، لِدَلالَةِ مادَّةِ القَذْفِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ مَقْذُوفُ الحِجارَةِ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: نَظَرَ بِنَظَرِ القَهْرِ إلَيْهِمْ فَتَأثَّرُوا بِهِ، لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، ومُخالَفَةِ الحَبِيبِ ومُشاقَّتِهِ ومُضادَّتِهِ، ولِوُجُودِ الشَّكِّ في قُلُوبِهِمْ، وكَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِمْ، وبَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ؛ إذْ لَوْ كانُوا أهْلَ يَقِينٍ ما وقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِهِمْ، ولَعَرَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنُورِ اليَقِينِ، وآمَنُوا بِهِ فَلَمْ يُخالِفُوهُ.
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: كَيْفَ حَلَّ بِالمُفْسِدِينَ ما حَلَّ ونَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ، لِتَعْلَمُوا صِدْقَ اللَّهِ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ.
الحشر 59:2
(p-٥٧٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحَشْرِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ إخْراجِ اليَهُودِ عِنْدَهُ، عَلى لُطْفِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ بِرَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، وقَهْرِهِ وغَضَبِهِ عَلى أعْدائِهِمْ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ؟
قالَ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ.
وعَنْهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ؟ قالَ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ. وهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ. وهي مَدَنِيَّةٌ. وآيُها أرْبَعٌ وعِشْرُونَ، بِلا خِلافٍ.
(p-٥٧٣٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَأْوِيلِ نَظِيرِهِ، ثُمَّ أشارَ إلى بَيانِ بَعْضِ آثارِ عِزَّتِهِ تَعالى، وإحْكامِ حِكْمَتِهِ، إثْرَ وصْفِهِ بِالعِزَّةِ القاهِرَةِ، والحِكْمَةِ الباهِرَةِ عَلى الإطْلاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ٢] يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: مِن مَساكِنِهِمُ الَّتِي جاوَرُوا بِها المُسْلِمِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ، لُطْفًا بِهِمْ ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: لِأوَّلِ الجَمْعِ لِقِتالِهِمْ. يَعْنِي أخْرَجَهم تَعالى بِقَهْرِهِ لِأوَّلِ ما حُشِرَ لِغَزْوِهِمْ. والتَّوْقِيتُ بِهِ إشارَةً إلى شِدَّةِ الأخْذِ الرَّبّانِيِّ لَهُمْ، وقُوَّةِ البَطْشِ والِانْتِقامِ، بِقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، حَتّى اضْطُرُّوا لِأوَّلِ الهُجُومِ عَلَيْهِمْ، إلى الجَلاءِ والفِرارِ، كَما يَأْتِي.
﴿ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر: ٢] أيْ: لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ، فَصارَ آيَةً لَكُمْ؛ لِأنَّهُ مِن آثارِ سُنَّتِهِ تَعالى في إذْلالِ المُفْسِدِينَ وقَهْرِهِمْ ﴿وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: مِن بَأْسِهِ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أيْ: عَذابُهُ، وهو الرُّعْبُ والِاضْطِرارُ إلى الجَلاءِ ﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] (p-٥٧٣٥)أيْ: لَمْ يَظُنُّوا ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: أنْزَلَهُ إنْزالًا شَدِيدًا فِيها، لِدَلالَةِ مادَّةِ القَذْفِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ مَقْذُوفُ الحِجارَةِ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: نَظَرَ بِنَظَرِ القَهْرِ إلَيْهِمْ فَتَأثَّرُوا بِهِ، لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، ومُخالَفَةِ الحَبِيبِ ومُشاقَّتِهِ ومُضادَّتِهِ، ولِوُجُودِ الشَّكِّ في قُلُوبِهِمْ، وكَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِمْ، وبَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ؛ إذْ لَوْ كانُوا أهْلَ يَقِينٍ ما وقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِهِمْ، ولَعَرَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنُورِ اليَقِينِ، وآمَنُوا بِهِ فَلَمْ يُخالِفُوهُ.
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: كَيْفَ حَلَّ بِالمُفْسِدِينَ ما حَلَّ ونَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ، لِتَعْلَمُوا صِدْقَ اللَّهِ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ.
الحشر 59:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٤]
﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ أيِ: الخُرُوجَ مِن أوْطانِهِمْ ﴿لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، كَما فَعَلَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ [المجادلة: ٤] أيِ: الجَلاءُ والعَذابُ ﴿بِأنَّهم شاقُّوا﴾ [الحشر: ٤] أيْ: خالَفُوا ﴿اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] أيْ: فِيما نَهاهم عَنْهُ مِنَ الفَسادِ، ونَقْضِ المِيثاقِ.
﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٤] أيْ: لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الحشر 59:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٤]
﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ أيِ: الخُرُوجَ مِن أوْطانِهِمْ ﴿لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، كَما فَعَلَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ [المجادلة: ٤] أيِ: الجَلاءُ والعَذابُ ﴿بِأنَّهم شاقُّوا﴾ [الحشر: ٤] أيْ: خالَفُوا ﴿اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] أيْ: فِيما نَهاهم عَنْهُ مِنَ الفَسادِ، ونَقْضِ المِيثاقِ.
﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٤] أيْ: لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الحشر 59:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾
﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ أيْ: نَخْلَةٍ مِن نَخِيلِهِمْ إغاظَةً لَهم ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ (p-٥٧٣٦)أيْ: أمْرِهِ ورِضاهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْعَبَثِ والإضْرارِ، بَلْ لِتَأْيِيدِ قُوَّةِ الحَقِّ، وتَصَلُّبِ أهْلِهِ، وإرْهابِ المُبْطِلِينَ وإذْلالِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: لِما فِيهِ مِن إهانَةِ العَدُوِّ، وإضْعافِهِ ونِكايَتِهِ.
تَنْبِيهٌ:
ذَكَرَ عُلَماءُ الأخْبارِ وأئِمَّةُ السِّيَرِ، أنَّ سَبَبَ الأمْرِ بِجَلاءِ بَنِي النَّضِيرِ هو نَقْضُهُمُ العَهْدَ. قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ: لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، صارَ الكُفّارُ مَعَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: قِسْمٌ صالَحَهم ووادَعَهم عَلى أنْ لا يُحارِبُوهُ، ولا يُظاهِرُوا عَلَيْهِ، ولا يُوالُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، وهم عَلى كُفْرِهِمْ، آمِنُونَ عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ. وقِسْمٌ حارَبُوهُ ونَصَبُوا لَهُ العَداوَةَ، وقِسْمٌ تارَكُوهُ فَلَمْ يُصالِحُوهُ ولَمْ يُحارِبُوهُ، بَلِ انْتَظَرُوا ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ وأمْرُ أعْدائِهِ.
ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن كانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ وانْتِصارَهُ في الباطِنِ. ومِنهم مَن كانَ يُحِبُّ ظُهُورَ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ وانْتِصارِهِمْ. ومِنهم مَن دَخَلَ مَعَهُ في الظّاهِرِ، ومَعَ عَدُوِّهِ في الباطِنِ، لِيَأْمَنَ الفَرِيقَيْنِ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ.
فَعامَلَ كُلَّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ بِما أمَرَ بِهِ رَبُّهُ -تَبارَكَ وتَعالى- فَصالَحَ يَهُودَ المَدِينَةِ، وكَتَبَ بَيْنَهم كِتابَ أمْنٍ، وكانُوا ثَلاثَ طَوائِفَ حَوْلَ المَدِينَةِ: بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قُرَيْظَةَ.
فَكانَتْ بَنُو قَيْنُقاعَ أوَّلَ مَن نَقَضَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحارَبُوا فِيما بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، وحاصَرَهم ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، ولا يُحارِبُوهُ بِها. ثُمَّ نَقَضَ العَهْدَ بَنُو النَّضِيرِ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَعِينُهم في دِيَةِ قَتِيلَيْنِ مِن بَنِي عامِرٍ، وجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جَنْبِ جِدارٍ مِن بُيُوتِهِمْ، فَتَآمَرُوا عَلى قَتْلِهِ ﷺ، وأنْ يَعْلُوَ رَجُلٌ فَيُلْقِيَ صَخْرَةً عَلَيْهِ، فانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحاشِ بْنِ كَعْبٍ؛ أحَدِهِمْ، وصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً، ونَزَلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِما أرادَ القَوْمُ «فَقامَ ورَجَعَ بِمَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ عَلى المَدِينَةِ، وأمَرَ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ» . ثُمَّ سارَ بِالنّاسِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ فَحاصَرَهم سِتَّ لَيالٍ، فَتَحَصَّنُوا مِنهُ في الحُصُونِ «فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخِيلِ وتَحْرِيقِها»، ثُمَّ قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، (p-٥٧٣٧)وسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجْلِيَهُمْ، ويَكُفَّ عَنْ دِمائِهِمْ، عَلى أنَّ لَهم ما حَمَلَتِ الإبِلُ مِن أمْوالِهِمْ إلّا الحَلْقَةَ، فَفَعَلَ. فاحْتَمَلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ الإبِلُ، فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجافِ بابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إلى خَيْبَرَ، ومِنهم مَن سارَ إلى الشّامِ، وخَلَّوُا الأمْوالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَتْ لَهُ خاصَّةً يَضَعُها حَيْثُ شاءَ، فَقَسَّمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ دُونَ الأنْصارِ، إلّا أنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وأبا دُجانَةَ ذَكَرا فَقْرًا، فَأعْطاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يُسْلِمْ مِن بَنِي النَّضِيرِ إلّا رَجُلانِ: يامِينُ بْنُ عُمَيْرَ بْنِ كَعْبٍ، وأبُو سَعْدِ بْنُ وهْبٍ، أسْلَما عَلى أمْوالِهِما فَأحْرَزاها».
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يامِينَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِيامِينَ: «ألَمْ تَرَ ما لَقِيتُ مِنَ ابْنِ عَمِّكَ، وما هم بِهِ مِن شَأْنِي» ؟ فَجَعَلَ يامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ لِرَجُلٍ جُعْلًا عَلى أنْ يَقْتُلَ عَمْرَو بْنَ جِحاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيما يَزْعُمُونَ». ونَزَلَ في بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الحَشْرِ بِأسْرِها، يَذْكُرُ فِيها ما أصابَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن نِقْمَتِهِ، وما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وما عَمِلَ بِهِ فِيهِمْ. انْتَهى.
الحشر 59:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ أيْ: أعادَ عَلَيْهِ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ أيْ: فَما أجْرَيْتُمْ عَلى تَحْصِيلِهِ خَيْلًا ولا رِكابًا، ولا تَعَقَّبْتُمْ في القِتالِ عَلَيْهِ، وإنَّما مَشَيْتُمْ إلَيْهِ عَلى أرْجُلِكم. و(الإيجافُ) مِنَ الوَجِيفِ، وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ، و(الرِّكابُ): ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ، غُلِّبَ فِيهِ كَما غَلَبَ الرّاكِبُ عَلى راكِبِهِ.
(p-٥٧٣٨)﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الفَسادِ والإفْسادِ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ ما خَوَّلَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ، شَيْءٌ لَمْ يُحَصِّلُوهُ بِالقِتالِ والغَلَبَةِ، ولَكِنْ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وعَلى ما في أيْدِيهِمْ، كَما كانَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ. فالأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشاءُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُقَسَّمُ قِسْمَةَ الغَنائِمِ الَّتِي قُوتِلَ عَلَيْها، وأُخِذَتْ عَنْوَةً وقَهْرًا؛ وذَلِكَ أنَّهم طَلَبُوا القِسْمَةَ فَنَزَلَتْ:
الحشر 59:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ أيْ: مِن أمْوالِ مُحارِبِيها، وهو بَيانٌ لِلْأوَّلِ، ولِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ، ﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ﴾ أيِ: الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لِمَن ذُكِرَ ﴿دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ أيْ: يَتَداوَلُونَهُ وحْدَهم دُونَ مَن هم أحَقُّ بِهِ. أوْ دُولَةً جاهِلِيَّةً؛ إذْ كانَ مِن عَوائِدِهِمُ اسْتِئْثارَ الرُّؤَساءِ والأغْنِياءِ بِالغَنائِمِ دُونَ الفُقَراءِ ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ أيْ: مِن قِسْمَةِ غَنِيمَةٍ أوْ فَيْءٍ ﴿فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ﴾ أيْ: عَنْ أخْذِهِ مِنها ﴿فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: لِمَن خالَفَهُ إلى ما نَهى عَنْهُ.
(p-٥٧٣٩)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الفَيْءَ ما أُخِذَ مِنَ الكُفّارِ بِلا قِتالٍ، وإيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ، ومِنهُ ما جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا. و(الغَنِيمَةُ) ما أُخِذَ مِنهم بِقِتالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أوْ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِغَيْرِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وكَأنَّ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ رَأى أنَّ مُجْمَلَ هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَهُ آيَةُ الأنْفالِ، حَتّى زَعَمَ قَتادَةُ أنَّ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِتِلْكَ. قالَ -فِيما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ -: كانَ الفَيْءُ في هَؤُلاءِ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ سُورَةُ الأنْفالِ فَقالَ:
﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] وجَعَلَ الخُمْسَ لِمَن كانَ لَهُ الفَيْءُ في سُورَةِ الحَشْرِ. وكانَتِ الغَنِيمَةُ تُقَسَّمُ خَمْسَةَ أخْماسٍ: فَأرْبَعَةٌ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، وخُمْسٌ لِقَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَياتِهِ، وخُمْسٌ لِلْيَتامى، وخُمْسٌ لِلْمَساكِينِ، وخُمْسٌ لِابْنِ السَّبِيلِ.
والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في مُطَوَّلاتِ الفُرُوعِ.
الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ. عامًّا في كُلِّ ما آتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَهى عَنْهُ. وأمْرُ الفَيْءِ داخِلٌ في عُمُومِهِ.
وفِي "الإكْلِيلِ": فِيهِ وُجُوبُ امْتِثالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ﷺ.
قالَ العُلَماءُ: وكُلُّ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ، يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ في القُرْآنِ، أخْذًا مِن هَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى.
(p-٥٧٤٠)وهَذا الأخِيرُ مِن غُلُوِّ الأثَرِيِّينَ، والإغْراقِ في الِاسْتِنْباطِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن أصْنافِ مَن تَقَدَّمَ، الأحَقَّ بِالعِنايَةِ والرِّعايَةِ، بِقَوْلِهِ:
الحشر 59:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾
﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ أيْ: مِن مُواطِنِهِمْ ومَأْلُوفاتِهِمْ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ العُلُومِ والفَضائِلِ الخُلُقِيَّةِ ﴿ورِضْوانًا﴾ أيْ: مِنهُ وهو أعْظَمُ ما يُرْغَبُ فِيهِ ﴿ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يَبْذُلُ النُّفُوسَ لِقُوَّةِ اليَقِينِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: في الإيمانِ اليَقِينِيِّ لِتَصْدِيقِ أعْمالِهِمْ دَعْواهُمْ، إذْ عَلامَةُ وِجْدانِ اليَقِينِ ظُهُورُ أثَرِهِ عَلى الجَوارِحِ، بِحَيْثُ لا تُمْكِنُ حَرَكاتُها إلّا عَلى مُقْتَضى شاهِدِهم مِنَ العِلْمِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ إيثارَ هَؤُلاءِ بِالعَطاءِ مِمّا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُ إخْوانِهِمُ الأنْصارِ، لِحِرْصِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَلى الإيثارِ دُونَ الِاسْتِئْثارِ، بِقَوْلِهِ:
الحشر 59:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ أيْ: دارَ الهِجْرَةِ، أيْ: تَوَطَّنُوها ﴿والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيءِ المُهاجِرِينَ إلَيْهِمْ. وعَطَفَ "الإيمانَ" قِيلَ: بِتَقْدِيرِ عامِلٍ. أيْ: وأخْلَصُوا (p-٥٧٤١)الإيمانَ. وقِيلَ: اسْتَعْمَلَ التَّبَوُّءَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو اللُّزُومُ والتَّمَكُّنُ. والمَعْنى: لَزِمُوا الدّارَ والإيمانَ. وجُوِّزَ أيْضًا تَنْزِيلُ الإيمانِ مَنزِلَةَ المَكانِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ، ويَثْبُتُ لَهُ التَّبَوُّءُ عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ.
﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: لِوُجُودِ الجِنْسِيَّةِ في الصَّفاءِ، والمُوافَقَةِ في الدِّينِ والإخاءِ. قالَ الشِّهابُ: المُرادُ بِمَحَبَّتِهِمُ المُهاجِرِينَ هُنا، مُواساتُهُمْ، وعَدَمُ الِاسْتِثْقالِ والتَّبَرُّمِ مِنهُمْ، إذا احْتاجُوا إلَيْهِمْ، فالمَحَبَّةُ كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ، كَما قِيلَ:
؎يا أخِي واللَّبِيبُ إنْ خانَ دَهْرٌ يَسْتَبِينُ العَدُوَّ مِمَّنْ يُحِبُّ
﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ﴾ أيْ: في أنْفُسِهِمْ ﴿حاجَةً﴾ أيْ: طَلَبًا أوْ حَسَدًا ﴿مِمّا أُوتُوا﴾ أيْ: مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ، لِسَلامَةِ قُلُوبِهِمْ، وطَهارَتِها عَنْ دَواعِي الحِرْصِ.
﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ أيْ: حاجَةٌ وفاقَةٌ.
قالَ القاشانِيُّ: لِتَجَرُّدِهِمْ وتَوَجُّهِهِمْ إلى جَنابِ القُدْسِ، وتَرَفُّعِهِمْ عَنْ مَوادِّ الرِّجْسِ، وكَوْنُ الفَضِيلَةِ لَهم أمْرًا ذاتِيًّا، بِاقْتِضاءِ الفِطْرَةِ، وفَرْطِ مَحَبَّةِ الإخْوانِ بِالحَقِيقَةِ، والأعْوانِ في الطَّرِيقَةِ. فَتَقْدِيمُهم أصْحابَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، لِمَكانِ الفُتُوَّةِ، وكَمالِ المَرْوَةِ، ولِقُوَّةِ التَّوْحِيدِ، والِاحْتِرازِ عَنْ حَظِّ النَّفْسِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ مَدْحُ الإيثارِ في حُظُوظِ النَّفْسِ والدُّنْيا. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا المَقامُ أعْلى مِن حالِ الَّذِينَ وصَفَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِهِ:
﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فَإنَّ هَؤُلاءِ تَصَدَّقُوا، وهم يُحِبُّونَ ما تَصَدَّقُوا بِهِ، وقَدْ لا يَكُونُ لَهم حاجَةٌ إلَيْهِ، ولا ضَرُورَةَ بِهِ، وهَؤُلاءِ آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مَعَ خَصاصَتِهِمْ وحاجَتِهِمْ إلى ما أنْفَقُوهُ، ومِن هَذا المَقامِ «تَصَدُّقُ الصِّدِّيقِ (p-٥٧٤٢)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِجَمِيعِ مالِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أبْقَيْتَ لِأهْلِكَ» ؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ!» وهَكَذا الماءُ الَّذِي عُرِضَ عَلى عِكْرِمَةَ وأصْحابِهِ يَوْمَ اليَرْمُوكِ، فَكُلٌّ مِنهم يَأْمُرُ بِدَفْعِهِ إلى صاحِبِهِ، وهو جَرِيحٌ مُثْقَلٌ، أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى الماءِ، فَرَدَّهُ الآخَرُ إلى الثّالِثِ، فَما وصَلَ إلى الثّالِثِ حَتّى ماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، ولَمْ يَشْرَبْهُ أحَدٌ مِنهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم.
﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أيْ: فَيُخالِفُها فِيما يَغْلِبُ عَلَيْها مِن حُبِّ المالِ، وبُغْضِ الإنْفاقِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: الفائِزُونَ بِالسَّعادَتَيْنِ. وفي إضافَةِ الشُّحِّ إلى النَّفْسِ إشارَةٌ لِما قالَهُ القاشانِيُّ مِن أنَّ النَّفْسَ مَأْوى كُلِّ شَرٍّ ووَصْفٍ رَدِيءٍ، ومَوْطِنُ كُلِّ رِجْسٍ وخُلُقٍ دَنِيءٍ. والشُّحُّ مِن غَرائِزِها المَعْجُونَةِ في طِينَتِها، لِمُلازَمَتِها الجِهَةَ السُّفْلِيَّةَ، ومَحَبَّتِها الحُظُوظَ الجُزْئِيَّةَ، فَلا يَنْتَفِي مِنها إلّا عِنْدَ انْتِفائِها. ولَكِنَّ المَعْصُومَ مِن تِلْكَ الآفاتِ والشُّرُورِ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ في كَلامِ العَرَبِ البُخْلُ، ومَنعُ الفَضْلِ مِنَ المالِ. والعُلَماءُ يَرَوْنَ أنَّ الشُّحَّ في هَذا المَوْضُوعِ إنَّما هو أكْلُ أمْوالِ النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ثُمَّ رَوى أنَّ رَجُلًا أتى ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ! إنِّي أخْشى أنْ تَكُونَ أصابَتْنِي هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدِي شَيْءٌ! قالَ: لَيْسَ ذاكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ، إنَّما الشُّحُّ أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا، ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِالعُلَماءِ بِذَلِكَ الأثَرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ إلّا بِالمَأْثُورِ. ولَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَّرَ الآيَةَ بِذَلِكَ، لِدَلالَةِ سِياقِها عَلَيْهِ، إذِ القَصْدُ تَزْهِيدُ الأنْصارِ في أنْ تَطْمَحَ أنْفُسُهم لِما جُعِلَ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَهم. أوْ هو يَرى الفَرْقَ بَيْنَ الشُّحِّ والبُخْلِ بِما ذَكَرَهُ. وعَلى كُلٍّ فَلا يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِما ذَكَرَهُ بَلْ هي مِمّا تَحْتَمِلُهُ.
(p-٥٧٤٣)وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: مَن وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الحَرامِ شَيْئًا ولَمْ يَقْرَبْهُ، ولَمْ يَدَعْهُ الشُّحُّ أنْ يَحْبِسَ مِنَ الحَلالِ شَيْئًا، فَهو مِنَ المُفْلِحِينَ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ مَن أدّى الزَّكاةَ، وقَرى الضَّيْفِ، وأعْطى في النّائِبَةِ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الفُحْشَ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ ولا التَّفَحُّشَ، وإيّاكم والشُّحَّ؛ فَإنَّهُ أهْلَكَ مَن قَبْلَكُمْ: أمَرَهم بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وأمَرَهم بِالفُجُورِ فَفَجَرُوا، وأمَرَهم بِالقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا»» .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لا يَجْتَمِعُ غُبارٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخانُ جَهَنَّمَ في جَوْفِ عَبْدٍ أبَدًا، ولا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ والإيمانُ في قَلْبِ عَبْدٍ أبَدًا»» .
الحشر 59:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٧٤٤)يَعْنِي بِالَّذِينِ جاءُوا مِن بَعْدِهِمُ الَّذِينَ هاجَرُوا حِينَ قَوِيَ الإسْلامُ مِن بَعْدِ الَّذِينَ هاجَرُوا مُخْرَجِينَ مِن دِيارِهِمْ، فالمُرادُ مَجِيئُهم إلى المَدِينَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ. والمَجِيءُ حِسِّيٌّ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ فالمَجِيءُ إمّا إلى الوُجُودِ، أوْ إلى الإيمانِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ بَراءَةَ:
﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
قالَ الشِّهابُ: والمُرادُ بِدُعاءِ اللّاحِقِ لِلسّابِقِ، والخَلَفِ لِلسَّلَفِ، أنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهُمْ، أوْ هو تَعْلِيمٌ لَهم بِأنْ يَدْعُوا لِمَن قَبْلَهُمْ، ويُذَكِّرُوهم بِالخَيْرِ.
تَنْبِيهٌ:
جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: " والَّذِينَ " عَطْفًا عَلى " المُهاجِرِينَ " كالمَوْصُولِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ:
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ [الحشر: ٩] إلَخْ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: " يُحِبُّونَ " وقَوْلُهُ: " يَقُولُونَ " حالَيْنِ. وجَوَّزَ السَّمِينُ وجْهًا ثانِيًا، وهو كَوْنُ المَوْصُولِ فِيهِما مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ. وعِنْدِي أنَّ هَذا هو الوَجْهُ، ما قَبْلَهُ تَكَلُّفٌ، وأنَّ المَوْصُولَيْنِ مُسْتَأْنَفانِ لِمَدْحِ إيمانِ الأنْصارِ والتّابِعِينَ لَهم بِتِلْكَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والخِصالِ الكامِلَةِ. وما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ومَن تابَعَهُ عَلى الِاقْتِصارِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ إلّا لِتَشْمَلَ أصْنافَ مَن يَسْتَحِقُّ الفَيْءَ مِن فُقَراءِ كَلٍّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر: ٨] إلَخْ، " و" لِلْفُقَراءِ " الَّذِينَ تَبَوَّءُوا " إلَخْ. ولِلْفُقَراءِ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ... إلَخْ، مَعَ أنَّ سِياقَ الآياتِ المَذْكُورَةِ، ورِعايَةِ وقْتِ نُزُولِها، والمُهاجِرُونَ في جُهْدٍ، والأنْصارُ في سِعَةٍ ورَغَدٍ -يَقْضِي بِأنَّ المَقْصُودَ مِنها لِلْفَيْءِ، هو فُقَراءُ المُهاجِرِينَ خاصَّةً وأنَّ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ في غِنًى عَنْهُ وعَدَمِ تَشَوُّفٍ إلَيْهِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لِإخْوانِهِمْ، بَلْ رَغْبَتِهِمْ في إيثارِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مَن يَجِيءُ بَعْدَهم بِأنَّهُ يُثْنِيَ عَلى مَن سَبَقَهُ، ويَدْعُو لَهُ ابْتِهاجًا بِما (p-٥٧٤٥)أتَوْا، واغْتِباطًا بِما عَمِلُوا؛ لِأنَّهم بَيْنَ مُهاجِرٍ عَنْ أهْلِهِ وأمْوالِهِ، مَحَبَّةً في اللَّهِ ورَسُولِهِ، وبَيْنَ مُحِبٍّ لِمَن هاجَرَ، مُكْرِمٍ لَهُ، بَلْ مُؤْثِرٍ إيّاهُ، مِمّا أشَفَّ عَنْ قُوَّةِ الإيمانِ، والإخْلاصِ في تَدْعِيمِ رَوابِطِ الإيقانِ، هَذا هو الظّاهِرُ مِن نَظْمِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، وذَوْقِ سَوْقِها. وأمّا فُقَراءُ الصِّنْفَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الفَيْءِ قِياسًا عَلى الصِّنْفِ الأوَّلِ، لِاشْتِراكِهِمْ في الفَقْرِ، إلّا أنَّهُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَشْكُ أحَدٌ مِنَ الأنْصارِ في تِلْكَ الواقِعَةِ فَقْرًا، إلّا سَهْلًا وأبا دُجانَةَ -كَما تَقَدَّمَ- فَأعْطاهُما ﷺ. وأمّا في غَيْرِها مِنَ الوَقائِعِ الَّتِي كَثُرَتْ فِيها المَغانِمُ، فَقَدْ كانَ حَظُّهم مِنها ما هو مَعْرُوفٌ ومُبَّيَنٌ في آياتٍ أُخَرَ، فَإنَّ التَّنْزِيلَ الكَرِيمَ بَيَّنَ مُقاسِمَ الأمْوالِ لِذَوِيها في عِدَّةِ آياتٍ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] حَتّى بَلَغَ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] ثُمَّ قالَ: هَذِهِ لِهَؤُلاءِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِهَؤُلاءِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] حَتّى بَلَغَ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ ثُمَّ قالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُسْلِمِينَ عامَّةً، فَلَيْسَ أحَدٌ إلّا لَهُ فِيها حَقٌّ. ثُمَّ قالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرّاعِي وهو يُسَيِّرُ حُمُرَهُ، نَصِيبَهُ، لَمْ يَعْرَقْ فِيها جَبِينُهُ.
الحشر 59:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
(p-٥٧٤٦)﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. وأُخُوَّتُهم مَعَهم أُخُوَّةُ دِينٍ واعْتِقادٍ، أوْ أُخُوَّةُ صَداقَةٍ ومُوالاةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَهم سِرًّا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ أيْ: مِن دِيارِكم ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ: في خِذْلانِكم ﴿أحَدًا أبَدًا﴾ أيْ: مِنَ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ والمُؤْمِنِينَ ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أيْ: لَنُعاوِنَنَّكم.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ذُكِرَ أنَّ الَّذِينَ نافَقُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، ووَدِيعَةُ ومالِكٌ ابْنا نَوْفَلٍ، وسُوَيْدٌ، وداعِسٌ. بَعَثُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ حِينَ نَزَلَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْحَرْبِ أنِ اثْبُتُوا وتَمَنَّعُوا؛ فَإنّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، وإنّا مَعَكُمْ، قُوتِلْتُمْ قاتَلْنا، وإنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنا مَعَكُمْ، فَتَرَبَّصُوا لِذَلِكَ مِن نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجْلِيَهم ويَكُفَّ عَنْ دِمائِهِمْ، عَلى أنَّ لَهم ما حَمَلَتِ الإبِلُ مِن أمْوالِهِمْ، إلّا الحَلْقَةَ، كَما تَقَدَّمَ. ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: لِعِلْمِهِ بِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. كَما قالَ:
الحشر 59:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ أيْ: مُنْهَزِمِينَ، ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: بِنَوْعٍ ما مِن أنْواعِ النَّصْرِ. والضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ.
الحشر 59:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾
﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: (p-٥٧٤٧)هم يَرْهَبُونَكم أشَدَّ مِن رَهْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، لِاحْتِجابِهِمْ بِالخَلْقِ عَنِ الحَقِّ، بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ، وعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ؛ إذْ لَوْ عَرَفُوا لَشَعَرُوا بِعَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، ولَمْ يَسْتَخِفُّوا بِمَعاصِيهِ، ويَسْتَخِفُّوا بِأوامِرِهِ، والضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ.
الحشر 59:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيِ: اليَهُودُ وإخْوانُهم ﴿جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ أيْ: بِالحُصُونِ، فَلا يَبْرُزُونَ إلى البِرازِ ﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ حِيطانٍ، لِفَرْطِ رَهْبَتِهِمْ مِنكم. ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ البَأْسَ الشَّدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ إنَّما هو بَيْنَهم إذا اقْتَتَلُوا، ولَوْ قاتَلُوكم لَمْ يَبْقَ لَهم ذَلِكَ البَأْسُ والشِّدَّةُ؛ لِأنَّ الشُّجاعَ يَجْبُنُ، والعَزِيزَ يَذِلُّ، عِنْدَ مُحارَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. انْتَهى.
﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ أيْ: تَظُنُّهم مُجْتَمِعِينَ لِاتِّفاقِهِمْ في الظّاهِرِ، والحالُ أنَّ قُلُوبَهم مُتَفَرِّقَةٌ، لِاخْتِلافِ مَقاصِدِها، وتَجاذُبِ دَواعِيها، وتَفَرُّقِها عَنِ الحَقِّ بِالباطِلِ.
﴿ذَلِكَ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيِ: الِاجْتِماعُ في الظّاهِرِ، مَعَ افْتِراقِ البَواطِنِ، ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ يُوجِبُ جُبْنَهُمُ المُفْضِيَ إلى الهَلاكِ الكُلِّيِّ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ تَشْجِيعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُنازَلَتِهِمْ، والحَمْلِ عَلَيْهِمْ، وتَبْشِيرٌ لَهم بِأنَّهُمُ المَنصُورُونَ الغالِبُونَ.
الحشر 59:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: (p-٥٧٤٨)مِثْلَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ مِن بَنِي النَّضِيرِ، فِيما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ، كَمِثْلِ مَن نالَهم جَزاءَ بَغْيِهِمْ مِن قَبْلِهِمْ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ في وقْعَةِ بَدْرٍ، أوْ بَنُو قَيْنُقاعَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والثّانِي أشْبَهُ بِالصَّوابِ، فَإنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أجْلاهم قَبْلَ هَذا. انْتَهى.
قالَ قَتادَةُ: إنَّ بَنِي قَيْنُقاعَ كانُوا أوَّلَ يَهُودٍ نَقَضُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحارَبُوا فِيما بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، وكانَ مِن أمْرِهِمْ أنَّ امْرَأةً مِنَ العَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ لَها فَباعَتْهُ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ، وجَلَسَتْ إلى صائِغٍ بِها، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَها عَنْ كَشْفِ وجْهِها، فَأبَتْ. فَعَمَدَ الصّائِغُ إلى طَرَفِ ثَوْبِها فَعَقَدَهُ إلى ظَهْرِها، فَلَمّا قامَتِ انْكَشَفَتْ سَوْأتُها، فَضَحِكُوا بِها، فَصاحَتْ فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى الصّائِغِ فَقَتَلَهُ، وكانَ يَهُودِيًّا، فَشَدَّتِ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فاسْتَصْرَخَ أهْلُ المُسْلِمِ المُسْلِمِينَ عَلى اليَهُودِ، فَغَضِبَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قَيْنُقاعَ «فَحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ، فَأمَرَهم أنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، ولا يُجاوِرُوهُ بِها»، فَخَرَجُوا إلى الشّامِ. والتَّفْصِيلُ في السِّيَرِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأوْلى الأقْوالِ بِالصَّوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَثَّلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن أهْلِ الكِتابِ، مِمّا هو مُذِيقُهم مِن نَكالِهِ، بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ مِن مُكَذِّبِي رَسُولِهِ ﷺ الَّذِينَ أهْلَكَهم بِسُخْطِهِ، وأمْرُ بَنِي قَيْنُقاعَ، ووَقْعَةُ بَدْرٍ، كانا قَبْلَ جَلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وكُلُّ أُولَئِكَ قَدْ ذاقُوا وبالَ أمْرِهِ، ولَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنهم بَعْضًا في تَمْثِيلِ هَؤُلاءِ بِهِمْ دُونَ بَعْضٍ. وكُلٌّ ذائِقٌ وبالَ أمْرِهِ، فَمَن قَرُبَتْ مُدَّتُهُ مِنهم قَبْلَهُمْ، فَهم مُمَثَّلُونَ بِهِمْ فِيها عُنُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ. انْتَهى.
(p-٥٧٤٩)
الحشر 59:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٧] ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٧]
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: مِثْلَ المُنافِقِينَ في إغْراءِ بَنِي النَّضِيرِ عَلى القِتالِ، ووَعْدِهِمُ النَّجْدَةَ أوِ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، ومِثْلَ انْخِداعِ بَنِي النَّضِيرِ بِوَعْدِ أُولَئِكَ الكاذِبِ، كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ﴾ أيْ: إذْ غَرَّ إنْسانًا ووَعَدَهُ عَلى اتِّباعِهِ وكُفْرِهِ بِاللَّهِ النُّصْرَةَ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ ﴿فَلَمّا كَفَرَ﴾ أيْ: بِاللَّهِ، واتَّبَعَهُ وأطاعَهُ ﴿قالَ﴾ أيْ: مَخافَةَ أنْ يُشْرِكَهُ في عَذابِهِ، مُسَلِّمًا لَهُ وخاذِلًا ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ أيْ: فَلا أُعِينُكَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: في نُصْرَتِكَ فَلَمْ يَنْفَعْهُ التَّبَرُّؤُ، كَما لَمْ يَنْفَعِ الأوَّلَ وعْدُهُ الإعانَةَ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٧] أيْ: في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وحَقِّ العِبادِ. أيْ: وهَكَذا جَزاءُ اليَهُودِ مِن بَنِي النَّضِيرِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ وعَدُوهُمُ النُّصْرَةَ. وكُلٌّ كافِرٌ بِاللَّهِ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ عَلى كُفْرِهِ بِهِ. إنَّهم في النّارِ مُخَلَّدُونَ.
الحشر 59:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٧] ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٧]
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: مِثْلَ المُنافِقِينَ في إغْراءِ بَنِي النَّضِيرِ عَلى القِتالِ، ووَعْدِهِمُ النَّجْدَةَ أوِ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، ومِثْلَ انْخِداعِ بَنِي النَّضِيرِ بِوَعْدِ أُولَئِكَ الكاذِبِ، كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ﴾ أيْ: إذْ غَرَّ إنْسانًا ووَعَدَهُ عَلى اتِّباعِهِ وكُفْرِهِ بِاللَّهِ النُّصْرَةَ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ ﴿فَلَمّا كَفَرَ﴾ أيْ: بِاللَّهِ، واتَّبَعَهُ وأطاعَهُ ﴿قالَ﴾ أيْ: مَخافَةَ أنْ يُشْرِكَهُ في عَذابِهِ، مُسَلِّمًا لَهُ وخاذِلًا ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ أيْ: فَلا أُعِينُكَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: في نُصْرَتِكَ فَلَمْ يَنْفَعْهُ التَّبَرُّؤُ، كَما لَمْ يَنْفَعِ الأوَّلَ وعْدُهُ الإعانَةَ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٧] أيْ: في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وحَقِّ العِبادِ. أيْ: وهَكَذا جَزاءُ اليَهُودِ مِن بَنِي النَّضِيرِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ وعَدُوهُمُ النُّصْرَةَ. وكُلٌّ كافِرٌ بِاللَّهِ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ عَلى كُفْرِهِ بِهِ. إنَّهم في النّارِ مُخَلَّدُونَ.
الحشر 59:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: يَعْنِي أنَّ مُقْتَضى إيمانِكم أنْ لا تَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ، فاتَّقُوهُ أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطانَ لِيُغْوِيَكم بِالكُفْرِ، ثُمَّ يَتَبَرَّأ مِنكم.
﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أيْ: لِما بَعْدَ المَوْتِ مِنَ الصّالِحاتِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم بِحَسَبِها.
(p-٥٧٥٠)
الحشر 59:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لا تَكُونُوا كالَّذِينِ تَرَكُوا أداءَ حَقِّ اللَّهِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَأنْساهم حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ مِنَ الخَيْراتِ.
وقالَ القاشانِيُّ:
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِالِاحْتِجابِ بِالشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ، والِاشْتِغالِ بِاللَّذّاتِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ حَتّى حَسِبُوها البَدَنَ وتَرْكِيبَهُ ومِزاجَهُ، فَذُهِلُوا عَنِ الجَوْهَرَةِ القُدْسِيَّةِ، والفِطْرِيَّةِ النُّورِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في "دارِ السَّعادَةِ": تَأمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ تَجِدْ تَحْتَها مَعْنًى شَرِيفًا عَظِيمًا، وهو أنْ مَن نَسِيَ رَبَّهُ، أنْساهُ ذاتَهُ ونَفْسَهُ، فَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ ولا مَصالِحَهُ، بَلْ نَسِيَ ما بِهِ صَلاحُهُ وفَلاحُهُ، في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، فَصارَ مُعَطَّلًا ومُهْمَلًا، بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ السّائِبَةِ، بَلْ ورُبَّما كانَتِ الأنْعامُ أخْبَرَ بِمَصالِحِها مِنهُ، لِبَقائِها عَلى هُداها الَّذِي أعْطاها إيّاهُ خالِقُها، وأمّا هَذا فَخَرَجَ عَنْ فِطْرَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، فَنَسِيَ رَبَّهُ، فَأنْساهُ نَفْسَهُ وصِفاتِها، وما تَكْتَمِلُ بِهِ، وتَزْكُو بِهِ، وتَسْعَدُ بِهِ في مَعاشِها ومَعادِها، قالَ تَعالى:
﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] فَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، فانْفَرَطَ عَلَيْهِ أمْرُهُ وقَلْبُهُ، فَلا التِفاتَ لَهُ إلى مَصالِحِهِ وكَمالِهِ، وما تَزْكُو بِهِ نَفْسُهُ وقَلْبُهُ، بَلْ هو مُشَتَّتُ القَلْبِ مُضَيَّعُهُ، مُفْرَطُ الأمْرِ، حَيْرانُ لا يَهْتَدِي سَبِيلًا، فالعِلْمُ بِاللَّهِ أصْلُ كُلِّ عِلْمٍ، وهو أصْلُ عِلْمِ العَبْدِ بِسَعادَتِهِ وكَمالِهِ، ومَصالِحِ دُنْياهُ وآخِرَتِهِ. والجَهْلُ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ بِنَفْسِهِ ومَصالِحِها وكَمالِها، وما تَزْكُو بِهِ وتَفْلَحُ بِهِ؛ فالعِلْمُ بِهِ سَعادَةُ العَبْدِ، والجَهْلُ بِهِ أصْلُ شَقاوَتِهِ. انْتَهى.
(p-٥٧٥١)﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ خَرَجُوا عَنِ الدِّينِ القَيِّمِ الَّذِي هو فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، وخانُوا وغَدَرُوا، ونَبَذُوا عَهْدَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ فَخَسِرُوا.
الحشر 59:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ﴾ وهُمُ النّاسُونَ الغادِرُونَ ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ المُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ.
﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ أيْ: بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَدَلَّ أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالكافِرِ. انْتَهى
ورَدَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ أحَدُ أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ، وهو بُرْهانُ الدِّينِ في "تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ" بِما مِثالُهُ:
احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ في مَسْألَةِ قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُما، وإيجابُ القِصاصِ لَيْسَ بِتَسْوِيَةٍ؛ لِأنَّهُ ما مِن مُتَبايِنَيْنِ في وُجُوهٍ، إلّا وقَدِ اسْتَوَيا في وجْهٍ أوْ وُجُوهٍ؛ فَلا يَكُونُ إيجابُ القَوَدِ اسْتِواءً كَما لا يَكُونُ إيجابُ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ اسْتِواءً. فَهَذا الكَلامُ مِن ضَعْفِ نَظَرِهِ في مَوْرِدِ الِانْتِزاعِ مِن شَواهِدِ الفُرْقانِ. انْتَهى
الثّانِي: قالَ أبُو السُّعُودِ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ أصْحابِ النّارِ في الذِّكْرِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ، مِن جِهَتِهِمْ، لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ؛ فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا، وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسْبِ زِيادَةِ الزّائِدِ، لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسْبِ نُقْصانِ النّاقِصِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
(p-٥٧٥٢)﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواقِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى:
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ؛ لِأنَّ صِلَتَهُ مَلَكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ والأعْدامُ مَسْبُوقَةٌ بِمَلَكاتِها. انْتَهى
الحشر 59:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ﴾ أيِ: الجامِعَ لِلْمَواعِظِ، المُوجِبَ لِلنَّظَرِ والتَّقْوى بِكُلِّ حالٍ، ﴿عَلى جَبَلٍ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: بِتَفْهِيمِهِ لَهُ، وتَكْلِيفِهِ بِما فِيهِ، بَعْدَ إعْطاءِ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ، ﴿لَرَأيْتَهُ خاشِعًا﴾ أيْ: مُتَذَلِّلًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ أيْ: مُتَشَقِّقًا ﴿مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: مَعَ عِظَمِ مِقْدارِهِ، وغايَةِ صَلابَتِهِ، وتَناهِي قَساوَتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قُلُوبُهم أقْسى مِنَ الحَجَرِ في عَدَمِ التَّأثُّرِ والقَبُولِ؛ إذِ الكَلامُ الإلَهِيُّ بَلَغَ مِنَ التَّأْثِيرِ ما لا إمْكانَ لِلزِّيادَةِ وراءَهُ، حَتّى لَوْ فُرِضَ إنْزالُهُ عَلى جَبَلٍ لَتَأثَّرَ مِنهُ بِالخُشُوعِ والِانْصِداعِ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيْ: وتِلْكَ الأُمُورُ، وإنْ كانَتْ وهْمِيَّةً، مَفْرُوضَةً، فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِها وضَرْبِها لِلنّاسِ الَّذِينَ نَسُوا صِغَرَ مِقْدارِهِمْ فَتَكَبَّرُوا، ولَيَّنَهم فَقَسَتْ قُلُوبُهم ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِيَعْلَمُوا أنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ الخُشُوعِ والتَّصَدُّعِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ تَمْثِيلٌ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ:
﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ والغَرَضُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ، وقِلَّةِ تَخَشُّعِهِ، عِنْدَ تَدَبُّرِ القُرْآنِ، وتَدَبُّرِ قَوارِعِهِ وزَواجِرِهِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ كَيْفَ يُتْرَكُ الخُشُوعُ لِذاتِ اللَّهِ وأسْمائِهِ، مَعَ أنَّهُ:
(p-٥٧٥٣)
الحشر 59:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيِ: المَعْبُودُ الَّذِي لا تَنْبَغِي العِبادَةُ والأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ الحِسِّ وشُوهِدَ ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ العامَّةِ والخاصَّةِ. ومَن كانَ مُطَّلِعًا عَلى الأسْرارِ يُحِبُّ أنْ يَخْشَعَ لَهُ ويَخْشى مِنهُ، لاسِيَّما مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُنْعِمًا؛ إذْ حَقُّ المُنْعِمِ أنْ يُخْشَعَ لَهُ، ويُخْشى أنْ تُسْلَبَ نِعَمُهُ.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الغَنِيُّ المُطْلَقُ، الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، المُدَبِّرُ لِلْكُلِّ في تَرْتِيبِ نِظامٍ لا أكْمَلَ مِنهُ ﴿القُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: المُنَزَّهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، تَنَزُّهًا بَلِيغًا ﴿السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي يَسْلَمُ خَلْقُهُ مِن ظُلْمِهِ أوِ المُبَرَّأُ عَنِ النَّقائِصِ كالعَجْزِ ﴿المُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيْ: لِأهْلِ اليَقِينِ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ، ومِن فَزَعِ الآخِرَةِ ﴿المُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الرَّقِيبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِاطِّلاعِهِ واسْتِيلائِهِ وحِفْظِهِ ﴿العَزِيزُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: القَوِيُّ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ ﴿الجَبّارُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي تَنْفُذُ مَشِيئَتُهُ عَلى سَبِيلِ الإجْبارِ في كُلِّ أحَدٍ، ولا تَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَةُ أحَدٍ، والَّذِي لا يَخْرُجُ أحَدٌ عَنْ قَبْضَتِهِ، قالَهُ الغَزالِيُّ في "المَقْصِدِ الأسْنى".
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "الكافِيَةِ الشّافِيَةِ":
؎وكَذَلِكَ الجَبّارُ مِن أوْصافِهِ والجَبْرُ في أوْصافِهِ قِسْمانِ(p-٥٧٥٤)
؎جَبْرُ الضَّعِيفِ وكُلِّ قَلْبٍ قَدْ غَدا ∗∗∗ ذا كَسْرَةٍ فالجَبْرُ مِنهُ دانِي
؎والثّانِ جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذِي ∗∗∗ لا يَنْبَغِي لِسِواهُ مِن إنْسانِ
؎ولَهُ مُسَمًّى ثالِثٌ وهو العُلُ ∗∗∗ وُّ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنهُ مِن إنْسانِ
؎مِن قَوْلِهِمْ جَبّارَةٌ لِلنَّخْلَةِ ال ∗∗∗ عُلْيا الَّتِي فاتَتْ بِكُلِّ بَنانِ
﴿المُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي يَرى الكُلَّ حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلى ذاتِهِ، ولا يَرى العَظَمَةَ والكِبْرِياءَ إلّا لِنَفْسِهِ، فَيَنْظُرُ إلى غَيْرِهِ نَظَرَ المُلُوكِ إلى العَبِيدِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] أيْ: مِنَ الأوْثانِ والشُّفَعاءِ.
﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: المُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ ﴿البارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: المُوجِدُ لَها بَعْدَ العَدَمِ ﴿المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: الكائِناتِ كَما شاءَ.
﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: الدّالَّةُ عَلى مَحاسِنِ المَعانِي، وأحاسِنِ المَمادِحِ.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيْ: في تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ. وصَرْفِهِمْ فِيما فِيهِ صَلاحُهم وسَعادَتُهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ السَّيِّدُ ابْنُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ": مَقامُ مَعْرِفَةِ كَمالِ الرَّبِّ الكَرِيمِ، وما يَجِبُ لَهُ مِن نُعُوتِهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى، مِن تَمامِ التَّوْحِيدِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ؛ لِأنَّ كَمالَ الذّاتِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، ونُعُوتِها الشَّرِيفَةِ، ولا كَمالَ لِذاتٍ لا نَعْتَ لَها ولا اسْمَ، ولِذَلِكَ عُدَّ مَذْهَبُ المَلاحِدَةِ في مَدْحِ الرَّبِّ بِنَفْيِها، مِن أعْظَمِ مَكايِدِهِمْ لِلْإسْلامِ، فَإنَّهم عَكَسُوا المَعْلُومَ عَقْلًا وسَمْعًا فَذَمُّوا الأمْرَ المَحْمُودَ، ومَدَحُوا الأمْرَ المَذْمُومَ، القائِمَ مَقامَ النَّفْيِ، والجَحْدِ المَحْضِ، وضادُّوا كِتابَ اللَّهِ ونُصُوصَهُ السّاطِعَةَ، قالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ:
﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] فَما كانَ مِنها مَنصُوصًا في كِتابِ اللَّهِ (p-٥٧٥٥)وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى الجَمِيعِ، والإنْكارُ عَلى مَن جَحَدَهُ، أوْ زَعَمَ أنَّ ظاهِرَهُ اسْمُ ذَمٍّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وما كانَ في الحَدِيثِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى مَن عَرَفَ صِحَّتَهُ. وما نَزَلَ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، أوْ كانَ مُخْتَلِفًا في صِحَّتِهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ، فَإنَّ اللَّهَ أجَلُّ مِن أنْ يُسَمّى باسِمٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّهُ تَسَمّى بِهِ.
ثُمَّ قالَ: وعادَةُ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ أنْ يُورِدُوا جَمِيعَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ في تَعْدادِها، مَعَ الِاخْتِلافِ الشَّهِيرِ في صِحَّتِهِ. وحَسْبُكَ أنَّ البُخارِيَّ ومُسْلِمًا تَرَكا تَخْرِيجَهُ مَعَ رِوايَةِ أوَّلِهِ. واتِّفاقِهِما عَلى ذَلِكَ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ العِلَّةِ فِيهِ. ولَكِنَّ الأكْثَرِينَ اعْتَمَدُوا ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِفَضْلِ اللَّهِ العَظِيمِ في وعْدِهِ مَن أحْصاها بِالجَنَّةِ، كَما اتُّفِقَ عَلى صِحَّتِهِ. ولَيْسَ يُسْتَيْقَنُ إحْصاؤُها بِذَلِكَ إلّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ اسْمٌ غَيْرُ تِلْكَ الأسْماءِ، فَأمّا إذا كانَتْ أسْماؤُهُ سُبْحانَهُ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى، بَطَلَ اليَقِينُ بِذَلِكَ، وكانَ الأحْسَنُ الِاقْتِصارَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ، وما اتُّفِقَ عَلى صِحَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو النّادِرُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى أكْثَرُ مِن ذَلِكَ المَرْوِيِّ بِالضَّرُورَةِ والنَّصِّ.
ثُمَّ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وأطابَ. فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ النَّهِمُ بِالتَّحْقِيقاتِ.
الثّانِي: قالَ الغَزالِيُّ في "المَقْصِدِ الأسْنى" - وهو مِن أنْفَسِ ما أُلِّفَ في مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى-: هَلِ الصِّفاتُ والأسامِي المُطْلَقَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى تَقِفُ عَلى التَّوْقِيفِ، أوْ تَجُوزُ بِطَرِيقِ العَقْلِ؟ والَّذِي مالَ إلَيْهِ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، إلّا ما مَنَعَ مِنهُ الشَّرْعُ، أوْ أشْعَرَ بِما يَسْتَحِيلُ مَعْناهُ عَلى اللَّهِ تَعالى. فَأمّا ما لا مانِعَ فِيهِ فَإنَّهُ جائِزٌ. والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- أنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوْقِيفِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا إذا أذِنَ فِيهِ.
والمُخْتارُ عِنْدَنا أنْ نُفَصِّلَ ونَقُولَ: كُلُّ ما يَرْجِعُ إلى الِاسْمِ، فَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى الإذْنِ، وما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِ، فَذَلِكَ لا يَقِفُ عَلى الإذْنِ، بَلِ الصّادِقُ مِنهُ مُباحٌ دُونَ الكاذِبِ. ثُمَّ جَوَّدَ رَحِمَهُ اللَّهُ البَيانَ بِما لا غايَةَ بَعْدَهُ.
(p-٥٧٥٦)الثّالِثُ: قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ": قَدْ تَكَلَّمَ عَلى مَعانِيها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّفْسِيرِ، وأكْثَرُها واضِحٌ. والعِصْمَةُ فِيها عَدَمُ التَّشْبِيهِ، واعْتِقادُ أنَّ المُرادَ بِها أكْمَلُ مَعانِيها، الكَمالُ الَّذِي لا يُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ: ولا بُدَّ مِنَ الإشارَةِ هُنا إلى أمْرٍ جُمَلِيٍّ، وهو أصْلٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ تَفْسِيرُ الحُسْنى جُمْلَةً: فاعْلَمْ أنَّها جَمْعُ الأحْسَنِ لا جَمْعُ الحَسَنِ، وتَحْتَ هَذا سِرٌّ نَفِيسٌ: وذَلِكَ أنَّ الحَسَنَ مِن صِفاتِ الألْفاظِ، ومِن صِفاتِ المَعانِي، فَكُلُّ لَفْظٍ لَهُ مَعْنَيانِ: حَسَنٌ وأحْسَنُ، فالمُرادُ الأحْسَنُ مِنهُما حَتّى يَصِحَّ جَمْعُهُ حُسْنى، ولا يُفَسَّرَ بِالحُسْنِ مِنهُما إلّا الأحْسَنُ بِهَذا الوَجْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ مِثالِ ذَلِكَ فانْظُرْهُ.
الحشر 59:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيِ: المَعْبُودُ الَّذِي لا تَنْبَغِي العِبادَةُ والأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ الحِسِّ وشُوهِدَ ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ العامَّةِ والخاصَّةِ. ومَن كانَ مُطَّلِعًا عَلى الأسْرارِ يُحِبُّ أنْ يَخْشَعَ لَهُ ويَخْشى مِنهُ، لاسِيَّما مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُنْعِمًا؛ إذْ حَقُّ المُنْعِمِ أنْ يُخْشَعَ لَهُ، ويُخْشى أنْ تُسْلَبَ نِعَمُهُ.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الغَنِيُّ المُطْلَقُ، الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، المُدَبِّرُ لِلْكُلِّ في تَرْتِيبِ نِظامٍ لا أكْمَلَ مِنهُ ﴿القُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: المُنَزَّهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، تَنَزُّهًا بَلِيغًا ﴿السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي يَسْلَمُ خَلْقُهُ مِن ظُلْمِهِ أوِ المُبَرَّأُ عَنِ النَّقائِصِ كالعَجْزِ ﴿المُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيْ: لِأهْلِ اليَقِينِ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ، ومِن فَزَعِ الآخِرَةِ ﴿المُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الرَّقِيبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِاطِّلاعِهِ واسْتِيلائِهِ وحِفْظِهِ ﴿العَزِيزُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: القَوِيُّ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ ﴿الجَبّارُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي تَنْفُذُ مَشِيئَتُهُ عَلى سَبِيلِ الإجْبارِ في كُلِّ أحَدٍ، ولا تَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَةُ أحَدٍ، والَّذِي لا يَخْرُجُ أحَدٌ عَنْ قَبْضَتِهِ، قالَهُ الغَزالِيُّ في "المَقْصِدِ الأسْنى".
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "الكافِيَةِ الشّافِيَةِ":
؎وكَذَلِكَ الجَبّارُ مِن أوْصافِهِ والجَبْرُ في أوْصافِهِ قِسْمانِ(p-٥٧٥٤)
؎جَبْرُ الضَّعِيفِ وكُلِّ قَلْبٍ قَدْ غَدا ∗∗∗ ذا كَسْرَةٍ فالجَبْرُ مِنهُ دانِي
؎والثّانِ جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذِي ∗∗∗ لا يَنْبَغِي لِسِواهُ مِن إنْسانِ
؎ولَهُ مُسَمًّى ثالِثٌ وهو العُلُ ∗∗∗ وُّ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنهُ مِن إنْسانِ
؎مِن قَوْلِهِمْ جَبّارَةٌ لِلنَّخْلَةِ ال ∗∗∗ عُلْيا الَّتِي فاتَتْ بِكُلِّ بَنانِ
﴿المُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي يَرى الكُلَّ حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلى ذاتِهِ، ولا يَرى العَظَمَةَ والكِبْرِياءَ إلّا لِنَفْسِهِ، فَيَنْظُرُ إلى غَيْرِهِ نَظَرَ المُلُوكِ إلى العَبِيدِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] أيْ: مِنَ الأوْثانِ والشُّفَعاءِ.
﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: المُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ ﴿البارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: المُوجِدُ لَها بَعْدَ العَدَمِ ﴿المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: الكائِناتِ كَما شاءَ.
﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: الدّالَّةُ عَلى مَحاسِنِ المَعانِي، وأحاسِنِ المَمادِحِ.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيْ: في تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ. وصَرْفِهِمْ فِيما فِيهِ صَلاحُهم وسَعادَتُهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ السَّيِّدُ ابْنُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ": مَقامُ مَعْرِفَةِ كَمالِ الرَّبِّ الكَرِيمِ، وما يَجِبُ لَهُ مِن نُعُوتِهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى، مِن تَمامِ التَّوْحِيدِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ؛ لِأنَّ كَمالَ الذّاتِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، ونُعُوتِها الشَّرِيفَةِ، ولا كَمالَ لِذاتٍ لا نَعْتَ لَها ولا اسْمَ، ولِذَلِكَ عُدَّ مَذْهَبُ المَلاحِدَةِ في مَدْحِ الرَّبِّ بِنَفْيِها، مِن أعْظَمِ مَكايِدِهِمْ لِلْإسْلامِ، فَإنَّهم عَكَسُوا المَعْلُومَ عَقْلًا وسَمْعًا فَذَمُّوا الأمْرَ المَحْمُودَ، ومَدَحُوا الأمْرَ المَذْمُومَ، القائِمَ مَقامَ النَّفْيِ، والجَحْدِ المَحْضِ، وضادُّوا كِتابَ اللَّهِ ونُصُوصَهُ السّاطِعَةَ، قالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ:
﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] فَما كانَ مِنها مَنصُوصًا في كِتابِ اللَّهِ (p-٥٧٥٥)وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى الجَمِيعِ، والإنْكارُ عَلى مَن جَحَدَهُ، أوْ زَعَمَ أنَّ ظاهِرَهُ اسْمُ ذَمٍّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وما كانَ في الحَدِيثِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى مَن عَرَفَ صِحَّتَهُ. وما نَزَلَ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، أوْ كانَ مُخْتَلِفًا في صِحَّتِهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ، فَإنَّ اللَّهَ أجَلُّ مِن أنْ يُسَمّى باسِمٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّهُ تَسَمّى بِهِ.
ثُمَّ قالَ: وعادَةُ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ أنْ يُورِدُوا جَمِيعَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ في تَعْدادِها، مَعَ الِاخْتِلافِ الشَّهِيرِ في صِحَّتِهِ. وحَسْبُكَ أنَّ البُخارِيَّ ومُسْلِمًا تَرَكا تَخْرِيجَهُ مَعَ رِوايَةِ أوَّلِهِ. واتِّفاقِهِما عَلى ذَلِكَ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ العِلَّةِ فِيهِ. ولَكِنَّ الأكْثَرِينَ اعْتَمَدُوا ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِفَضْلِ اللَّهِ العَظِيمِ في وعْدِهِ مَن أحْصاها بِالجَنَّةِ، كَما اتُّفِقَ عَلى صِحَّتِهِ. ولَيْسَ يُسْتَيْقَنُ إحْصاؤُها بِذَلِكَ إلّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ اسْمٌ غَيْرُ تِلْكَ الأسْماءِ، فَأمّا إذا كانَتْ أسْماؤُهُ سُبْحانَهُ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى، بَطَلَ اليَقِينُ بِذَلِكَ، وكانَ الأحْسَنُ الِاقْتِصارَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ، وما اتُّفِقَ عَلى صِحَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو النّادِرُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى أكْثَرُ مِن ذَلِكَ المَرْوِيِّ بِالضَّرُورَةِ والنَّصِّ.
ثُمَّ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وأطابَ. فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ النَّهِمُ بِالتَّحْقِيقاتِ.
الثّانِي: قالَ الغَزالِيُّ في "المَقْصِدِ الأسْنى" - وهو مِن أنْفَسِ ما أُلِّفَ في مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى-: هَلِ الصِّفاتُ والأسامِي المُطْلَقَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى تَقِفُ عَلى التَّوْقِيفِ، أوْ تَجُوزُ بِطَرِيقِ العَقْلِ؟ والَّذِي مالَ إلَيْهِ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، إلّا ما مَنَعَ مِنهُ الشَّرْعُ، أوْ أشْعَرَ بِما يَسْتَحِيلُ مَعْناهُ عَلى اللَّهِ تَعالى. فَأمّا ما لا مانِعَ فِيهِ فَإنَّهُ جائِزٌ. والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- أنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوْقِيفِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا إذا أذِنَ فِيهِ.
والمُخْتارُ عِنْدَنا أنْ نُفَصِّلَ ونَقُولَ: كُلُّ ما يَرْجِعُ إلى الِاسْمِ، فَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى الإذْنِ، وما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِ، فَذَلِكَ لا يَقِفُ عَلى الإذْنِ، بَلِ الصّادِقُ مِنهُ مُباحٌ دُونَ الكاذِبِ. ثُمَّ جَوَّدَ رَحِمَهُ اللَّهُ البَيانَ بِما لا غايَةَ بَعْدَهُ.
(p-٥٧٥٦)الثّالِثُ: قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ": قَدْ تَكَلَّمَ عَلى مَعانِيها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّفْسِيرِ، وأكْثَرُها واضِحٌ. والعِصْمَةُ فِيها عَدَمُ التَّشْبِيهِ، واعْتِقادُ أنَّ المُرادَ بِها أكْمَلُ مَعانِيها، الكَمالُ الَّذِي لا يُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ: ولا بُدَّ مِنَ الإشارَةِ هُنا إلى أمْرٍ جُمَلِيٍّ، وهو أصْلٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ تَفْسِيرُ الحُسْنى جُمْلَةً: فاعْلَمْ أنَّها جَمْعُ الأحْسَنِ لا جَمْعُ الحَسَنِ، وتَحْتَ هَذا سِرٌّ نَفِيسٌ: وذَلِكَ أنَّ الحَسَنَ مِن صِفاتِ الألْفاظِ، ومِن صِفاتِ المَعانِي، فَكُلُّ لَفْظٍ لَهُ مَعْنَيانِ: حَسَنٌ وأحْسَنُ، فالمُرادُ الأحْسَنُ مِنهُما حَتّى يَصِحَّ جَمْعُهُ حُسْنى، ولا يُفَسَّرَ بِالحُسْنِ مِنهُما إلّا الأحْسَنُ بِهَذا الوَجْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ مِثالِ ذَلِكَ فانْظُرْهُ.
الحشر 59:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيِ: المَعْبُودُ الَّذِي لا تَنْبَغِي العِبادَةُ والأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ الحِسِّ وشُوهِدَ ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ العامَّةِ والخاصَّةِ. ومَن كانَ مُطَّلِعًا عَلى الأسْرارِ يُحِبُّ أنْ يَخْشَعَ لَهُ ويَخْشى مِنهُ، لاسِيَّما مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُنْعِمًا؛ إذْ حَقُّ المُنْعِمِ أنْ يُخْشَعَ لَهُ، ويُخْشى أنْ تُسْلَبَ نِعَمُهُ.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الغَنِيُّ المُطْلَقُ، الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، المُدَبِّرُ لِلْكُلِّ في تَرْتِيبِ نِظامٍ لا أكْمَلَ مِنهُ ﴿القُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: المُنَزَّهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، تَنَزُّهًا بَلِيغًا ﴿السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي يَسْلَمُ خَلْقُهُ مِن ظُلْمِهِ أوِ المُبَرَّأُ عَنِ النَّقائِصِ كالعَجْزِ ﴿المُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيْ: لِأهْلِ اليَقِينِ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ، ومِن فَزَعِ الآخِرَةِ ﴿المُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الرَّقِيبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِاطِّلاعِهِ واسْتِيلائِهِ وحِفْظِهِ ﴿العَزِيزُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: القَوِيُّ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ ﴿الجَبّارُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي تَنْفُذُ مَشِيئَتُهُ عَلى سَبِيلِ الإجْبارِ في كُلِّ أحَدٍ، ولا تَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَةُ أحَدٍ، والَّذِي لا يَخْرُجُ أحَدٌ عَنْ قَبْضَتِهِ، قالَهُ الغَزالِيُّ في "المَقْصِدِ الأسْنى".
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "الكافِيَةِ الشّافِيَةِ":
؎وكَذَلِكَ الجَبّارُ مِن أوْصافِهِ والجَبْرُ في أوْصافِهِ قِسْمانِ(p-٥٧٥٤)
؎جَبْرُ الضَّعِيفِ وكُلِّ قَلْبٍ قَدْ غَدا ∗∗∗ ذا كَسْرَةٍ فالجَبْرُ مِنهُ دانِي
؎والثّانِ جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذِي ∗∗∗ لا يَنْبَغِي لِسِواهُ مِن إنْسانِ
؎ولَهُ مُسَمًّى ثالِثٌ وهو العُلُ ∗∗∗ وُّ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنهُ مِن إنْسانِ
؎مِن قَوْلِهِمْ جَبّارَةٌ لِلنَّخْلَةِ ال ∗∗∗ عُلْيا الَّتِي فاتَتْ بِكُلِّ بَنانِ
﴿المُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي يَرى الكُلَّ حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلى ذاتِهِ، ولا يَرى العَظَمَةَ والكِبْرِياءَ إلّا لِنَفْسِهِ، فَيَنْظُرُ إلى غَيْرِهِ نَظَرَ المُلُوكِ إلى العَبِيدِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] أيْ: مِنَ الأوْثانِ والشُّفَعاءِ.
﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: المُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ ﴿البارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: المُوجِدُ لَها بَعْدَ العَدَمِ ﴿المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: الكائِناتِ كَما شاءَ.
﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: الدّالَّةُ عَلى مَحاسِنِ المَعانِي، وأحاسِنِ المَمادِحِ.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيْ: في تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ. وصَرْفِهِمْ فِيما فِيهِ صَلاحُهم وسَعادَتُهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ السَّيِّدُ ابْنُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ": مَقامُ مَعْرِفَةِ كَمالِ الرَّبِّ الكَرِيمِ، وما يَجِبُ لَهُ مِن نُعُوتِهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى، مِن تَمامِ التَّوْحِيدِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ؛ لِأنَّ كَمالَ الذّاتِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، ونُعُوتِها الشَّرِيفَةِ، ولا كَمالَ لِذاتٍ لا نَعْتَ لَها ولا اسْمَ، ولِذَلِكَ عُدَّ مَذْهَبُ المَلاحِدَةِ في مَدْحِ الرَّبِّ بِنَفْيِها، مِن أعْظَمِ مَكايِدِهِمْ لِلْإسْلامِ، فَإنَّهم عَكَسُوا المَعْلُومَ عَقْلًا وسَمْعًا فَذَمُّوا الأمْرَ المَحْمُودَ، ومَدَحُوا الأمْرَ المَذْمُومَ، القائِمَ مَقامَ النَّفْيِ، والجَحْدِ المَحْضِ، وضادُّوا كِتابَ اللَّهِ ونُصُوصَهُ السّاطِعَةَ، قالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ:
﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] فَما كانَ مِنها مَنصُوصًا في كِتابِ اللَّهِ (p-٥٧٥٥)وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى الجَمِيعِ، والإنْكارُ عَلى مَن جَحَدَهُ، أوْ زَعَمَ أنَّ ظاهِرَهُ اسْمُ ذَمٍّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وما كانَ في الحَدِيثِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى مَن عَرَفَ صِحَّتَهُ. وما نَزَلَ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، أوْ كانَ مُخْتَلِفًا في صِحَّتِهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ، فَإنَّ اللَّهَ أجَلُّ مِن أنْ يُسَمّى باسِمٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّهُ تَسَمّى بِهِ.
ثُمَّ قالَ: وعادَةُ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ أنْ يُورِدُوا جَمِيعَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ في تَعْدادِها، مَعَ الِاخْتِلافِ الشَّهِيرِ في صِحَّتِهِ. وحَسْبُكَ أنَّ البُخارِيَّ ومُسْلِمًا تَرَكا تَخْرِيجَهُ مَعَ رِوايَةِ أوَّلِهِ. واتِّفاقِهِما عَلى ذَلِكَ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ العِلَّةِ فِيهِ. ولَكِنَّ الأكْثَرِينَ اعْتَمَدُوا ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِفَضْلِ اللَّهِ العَظِيمِ في وعْدِهِ مَن أحْصاها بِالجَنَّةِ، كَما اتُّفِقَ عَلى صِحَّتِهِ. ولَيْسَ يُسْتَيْقَنُ إحْصاؤُها بِذَلِكَ إلّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ اسْمٌ غَيْرُ تِلْكَ الأسْماءِ، فَأمّا إذا كانَتْ أسْماؤُهُ سُبْحانَهُ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى، بَطَلَ اليَقِينُ بِذَلِكَ، وكانَ الأحْسَنُ الِاقْتِصارَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ، وما اتُّفِقَ عَلى صِحَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو النّادِرُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى أكْثَرُ مِن ذَلِكَ المَرْوِيِّ بِالضَّرُورَةِ والنَّصِّ.
ثُمَّ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وأطابَ. فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ النَّهِمُ بِالتَّحْقِيقاتِ.
الثّانِي: قالَ الغَزالِيُّ في "المَقْصِدِ الأسْنى" - وهو مِن أنْفَسِ ما أُلِّفَ في مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى-: هَلِ الصِّفاتُ والأسامِي المُطْلَقَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى تَقِفُ عَلى التَّوْقِيفِ، أوْ تَجُوزُ بِطَرِيقِ العَقْلِ؟ والَّذِي مالَ إلَيْهِ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، إلّا ما مَنَعَ مِنهُ الشَّرْعُ، أوْ أشْعَرَ بِما يَسْتَحِيلُ مَعْناهُ عَلى اللَّهِ تَعالى. فَأمّا ما لا مانِعَ فِيهِ فَإنَّهُ جائِزٌ. والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- أنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوْقِيفِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا إذا أذِنَ فِيهِ.
والمُخْتارُ عِنْدَنا أنْ نُفَصِّلَ ونَقُولَ: كُلُّ ما يَرْجِعُ إلى الِاسْمِ، فَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى الإذْنِ، وما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِ، فَذَلِكَ لا يَقِفُ عَلى الإذْنِ، بَلِ الصّادِقُ مِنهُ مُباحٌ دُونَ الكاذِبِ. ثُمَّ جَوَّدَ رَحِمَهُ اللَّهُ البَيانَ بِما لا غايَةَ بَعْدَهُ.
(p-٥٧٥٦)الثّالِثُ: قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ": قَدْ تَكَلَّمَ عَلى مَعانِيها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّفْسِيرِ، وأكْثَرُها واضِحٌ. والعِصْمَةُ فِيها عَدَمُ التَّشْبِيهِ، واعْتِقادُ أنَّ المُرادَ بِها أكْمَلُ مَعانِيها، الكَمالُ الَّذِي لا يُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ: ولا بُدَّ مِنَ الإشارَةِ هُنا إلى أمْرٍ جُمَلِيٍّ، وهو أصْلٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ تَفْسِيرُ الحُسْنى جُمْلَةً: فاعْلَمْ أنَّها جَمْعُ الأحْسَنِ لا جَمْعُ الحَسَنِ، وتَحْتَ هَذا سِرٌّ نَفِيسٌ: وذَلِكَ أنَّ الحَسَنَ مِن صِفاتِ الألْفاظِ، ومِن صِفاتِ المَعانِي، فَكُلُّ لَفْظٍ لَهُ مَعْنَيانِ: حَسَنٌ وأحْسَنُ، فالمُرادُ الأحْسَنُ مِنهُما حَتّى يَصِحَّ جَمْعُهُ حُسْنى، ولا يُفَسَّرَ بِالحُسْنِ مِنهُما إلّا الأحْسَنُ بِهَذا الوَجْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ مِثالِ ذَلِكَ فانْظُرْهُ.
الممتحنة 60:1
(p-٥٧٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ
بِفَتْحِ الحاءِ، وقَدْ تُكْسَرُ، فَعَلى الأوَّلِ هي صِفَةُ المَرْأةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها. وعَلى الثّانِي صِفَةُ السُّورَةِ، كَما قِيلَ لِبَراءَةَ (الفاضِحَةُ) كَما في (الأعْلامِ).
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِدَلالَةِ آيَةِ الِامْتِحانِ عَلى أنَّهُ لا يُكْتَفى في بابِ الصِّحَّةِ بِظَواهِرِ الأدِلَّةِ كالهِجْرَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ اخْتِبارِ البَواطِنِ. فَدَلائِلُ الِاعْتِقاداتِ أوْلى بِذَلِكَ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. انْتَهى.
وفِي (جَمالِ القُرّاءِ) أنَّها تُسَمّى سُورَةَ الِامْتِحانِ، وسُورَةَ المَوَدَّةِ. وهي مَدَنِيَّةٌ.
وآيُها ثَلاثَ عَشْرَةَ.
(p-٥٧٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ أيْ: أنْصارًا. نَهْيٌ لِأصْحابِ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَنْ مُوالاةِ مُشْرِكِي مَكَّةَ المُحارِبِينَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وقْتَئِذٍ، لِما فِيها مِنَ الفِتْنَةِ بِالدِّينِ وأهْلِهِ كَما يَأْتِي.
﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ أيْ: صَمِيمِ المَحَبَّةِ، والباءُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ، الَّذِي هو نِهايَةُ الهُدى، وغايَةُ السَّعادَةِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى آذَوُا المُؤْمِنِينَ، بِما يَقْطَعُ العَلائِقَ مَعَهم رَأْسًا، بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ أيْ: مِن أرْضِكم ودِيارِكم ﴿أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: يُخْرِجُونَكم لِإيمانِكم بِاللَّهِ، الجامِعِ لِلْكَمالاتِ المُقْتَضِيَةِ انْقِيادَ النّاقِصِ لَهُ، لاسِيَّما بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَبّاكم بِالكَمالاتِ، فَهي بِالحَقِيقَةِ عَداوَةٌ مَعَ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مَعَ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّهْيِيجِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وعَدَمِ مُوالاتِهِمْ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا الرَّسُولَ وأصْحابَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، كَراهَةً لِما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى:
﴿أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَكم عِنْدَهم ذَنْبٌ إلّا إيمانُكم (p-٥٧٥٩)بِاللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ أيْ: هاجَرْتُمْ ﴿جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ أيْ: لِلْجِهادِ في طَرِيقِي الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ، ودِينِي الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ. والتِماسِ رِضائِي عَنْكُمُ الَّذِي لا ثَوابَ فَوْقَهُ، والشَّرْطُ مُتَعَلِّقٌ بِ: " لا تَتَّخِذُوا " أيْ: لا تَتَوَلَّوْا أعْدائِي إنْ كُنْتُمْ أوْلِيائِي ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَوَدَّةِ مَعَهم وغَيْرِها ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أيِ: اتِّخاذُهم أوْلِياءَ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: جارَ عَنِ السَّبِيلِ السَّوِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ هُدًى ونَجاةً.
الممتحنة 60:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾
﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ أيْ: يَظْفَرُوا بِكم ﴿يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ أيْ: حَرْبًا، ولا يَنْفَعُكم إلْقاءُ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ أيْ: بِما يَسُوؤُكم كالقَتْلِ والشَّتْمِ ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: ٨٩] أيْ: بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ.
الممتحنة 60:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾ أيْ: قَراباتُكم ﴿ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: بِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاقَبَةِ العاصِينَ.
(p-٥٧٦٠)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لا نَفْعَ لِمَنِ اخْتَرْتُمْ مُوالاةَ العَدُوِّ الحَقِيقِيِّ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّ القِيامَةَ مُفَرِّقَةٌ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَكم وبَيْنَ أرْحامِكم وأوْلادِكم كَما قالَ:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] انْتَهى. وهو تَأْوِيلٌ جَيِّدٌ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ السَّمِينُ: يَجُوزُ في " يَوْمَ القِيامَةِ " وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ، أيْ: لَنْ تَنْفَعَكم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ، ويُبْتَدَأُ بِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾
والثّانِي: أيْ: يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ، أيْ: يَفْصِلُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُوقَفُ عَلى: " أوْلادُكم "، ويُبْتَدَأُ بِ: " يَوْمَ القِيامَةِ "
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ذُكِرَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ، مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، نَزَلَتْ في شَأْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وكانَ كَتَبَ إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يُطْلِعُهم عَلى أمْرٍ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أخْفاهُ عَنْهم ثُمَّ ساقَ الرِّواياتِ.
وأمّا رِوايَةُ البُخارِيِّ «فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبَيْرُ والمِقْدادُ، فَقالَ: «انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ؛ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ فَخُذُوهُ مِنها» فَذَهَبْنا تُعادى بِنا خَيْلُنا، حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ، فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ، (p-٥٧٦١)فَقالَتْ: ما مَعِي مِن كِتابٍ! فَقُلْنا: لَتُخْرِجَنَّ الكِتابَ، أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيابَ. فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَإذا فِيهِ:
مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما هَذا يا حاطِبُ» قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي كُنْتُ امْرَأً مِن قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ، وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قَراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوالَهم بِمَكَّةَ، فَأحْبَبْتُ إذْ فاتَنِي مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرابَتِي، وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا، ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ» فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ فَأضْرِبْ عُنُقَهُ! فَقالَ: «إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ!»»
قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ -راوِي الحَدِيثِ- ونَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ [الممتحنة: ١] الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ حاطِبٌ هَذا رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ، ومِن أهْلِ بَدْرٍ. وكانَ لَهُ بِمَكَّةَ أوْلادٌ ومالٌ، ولَمْ يَكُنْ مِن قُرَيْشٍ أنْفُسِهِمْ، بَلْ كانَ حَلِيفًا لِعُثْمانَ. فَلَمّا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا نَقَضَ أهْلُها العَهْدَ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ بِالتَّجْهِيزِ لِغَزْوِهِمْ وقالَ: ««اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَيْهِمْ خَبَرَنا»» فَعَمَدَ حاطِبٌ هَذا، فَكَتَبَ كِتابًا إلى أهْلِ مَكَّةَ يُعْلِمُهم بِما عَزَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوِهِمْ، لِيَتَّخِذَ بِذَلِكَ عِنْدَهم يَدًا. كَما ذُكِرَ في الحَدِيثِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] المُشْرِكِينَ والكُفّارَ، الَّذِينَ هم مُحارِبُونَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ شَرَعَ اللَّهُ عَداوَتَهم ومُصارَمَتَهُمْ، ونَهى أنْ يَتَّخِذُوا أوْلِياءَ وأصْدِقاءَ، كَما قالَ تَعالى:
(p-٥٧٦٢)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ أكِيدٌ، وقالَ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] وقالَ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولِهَذا قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُذْرَ حاطِبٍ، لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مُصانَعَةً لِقُرَيْشٍ، لِأجْلِ ما كانَ لَهُ عِنْدَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ. انْتَهى.
أيْ أنَّهُ قَبِلَ عُذْرَهُ فِيما قامَ في ظَنِّهِ مِن كَوْنِ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، وإنْ أخْطَأ. والمُجْتَهِدُ المُخْطِئُ مَعْذُورٌ، وقَدْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ بِصَرِيحِ النَّهْيِ عَنْ مُعاوَدَةِ مِثَلِهِ الَّذِي لِأجْلِهِ نَزَلَتِ السُّورَةُ، ولِذَلِكَ قالَ الإمامُ إلْكِيا الهَرّاسِيُّ: يُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الخَوْفَ عَلى المالِ والوَلَدِ لا يُبِيحُ الفِتْنَةَ في دِينِ اللَّهِ، وهو ظاهِرٌ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّقِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَوْضُوعٍ آخَرَ. وقَدْ بَسَطَ الكَلامَ عَلى الوَلاءِ والبَراءِ السَّيِّدُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ" في المَسْألَةِ الثّامِنَةِ. قالَ بَعْدَ أنْ أوْرَدَ الآياتِ والأحادِيثَ: هَذا كُلُّهُ في الحُبِّ الَّذِي هو في القَلْبِ، والمُخالَصَةِ لِأجْلِ الدِّينِ، وذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ بِالإجْماعِ، ولِلْمُسْلِمِينَ المُوَحِّدِينَ، إذا كانَ لِأجْلِ إسْلامِهِمْ، وتَوْحِيدِهِمْ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ. وأمّا المُخالَفَةُ والمُنافَعَةُ، وبَذْلُ المَعْرُوفِ، وكَظْمُ الغَيْظِ، وحُسْنُ الخُلُقِ، وإكْرامُ الضَّيْفِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَيُسْتَحَبُّ بَذْلُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، إلّا ما كانَ يَقْتَضِي مُفْسِدَةً كالذِّلَّةِ، فَلا يُبْذَلُ لِلْعَدُوِّ في حالِ الحَرْبِ، كَما أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] (p-٥٧٦٣)كَما يَأْتِي، وأمّا التَّقِيَّةُ، فَتَجُوزُ لِلْخائِفِ مِنَ الظّالِمِينَ القادِرِينَ. وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ ما يَجُوزُ مِنَ المُنافَعَةِ والمُداهَنَةِ وما لا يَجُوزُ مِنَ الرِّياءِ، فَما كانَ مِن بَذْلِ المالِ والمَنافِعِ فَهو جائِزٌ، وهو المُنافَعَةُ، ورُبَّما عَبَّرُوا عَنْهُ بِالمُداهَنَةِ والمُداراةِ والمُخالَقَةِ. وما كانَ مِن أمْرِ الدِّينِ فَهو الرِّياءُ الحَرامُ.
ومِن كَلامِ الإمامِ الدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى يَحْيى بْنِ المُحْسِنِ عَلَيْهِ السَّلامُ في "الرِّسالَةِ المُخَرَّسَةِ، لِأهْلِ المَدْرَسَةِ": لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُوالاةُ هي المُتابَعَةَ فِيما يُمْكِنُ التَّأْوِيلُ فِيهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ البَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ عُرِفَ بِمُتابَعَةِ الظَّلَمَةِ لِوَجْهٍ يُوجِبُ ذَلِكَ، فَتَوَلّى النّاصِرُ الكَثِيرَ مِنهُمْ، وصَلّى بِهِمُ الجُمْعَةَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، وصَلّى الحَسَنُ السِّبْطُ عَلى جَنائِزِهِمْ.
وذَكَرَ الإمامُ المَهْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ المُطَهَّرِ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّ المُوالاةَ المُحَرَّمَةَ بِالإجْماعِ، هي مُوالاةُ الكافِرِ لِكُفْرِهِ، والعاصِي لِمَعْصِيَتِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
قالَ السَّيِّدُ: وهو كَلامٌ صَحِيحٌ، والحَجَّةُ عَلى صِحَّةِ الخِلافِ فِيما عَدا ذَلِكَ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى في الوالِدَيْنِ المُشْرِكَيْنِ: ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الآيَتَيْنِ، وفي الحَدِيثِ أنَّها نَزَلَتْ في قُتَيْلَةَ أُمِّ أسْماءَ، بَعْدَ آياتِ التَّحْرِيمِ، رَواهُ أحْمَدُ والبَزّارُ والواحِدِيُّ، وتَأخُّرُهُما واضِحٌ في سِياقِ الآياتِ، وقَرِينَةُ الحالِ مَعَ هَذا الحَدِيثِ. ولَوْ لَمْ يَصِحَّ تَأخُّرُ ذَلِكَ، فالخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ عِنْدَ جَهْلِ التّارِيخِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. ورَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ في "نِهايَتِهِ" بِالنُّصُوصِيَّةِ عَلى ما هو خاصٌّ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما ثَبَتَ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِما مِن حَدِيثٍ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ في قِصَّةِ حاطِبٍ، عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ -هَذِهِ- وذَكَرَهُ أهْلُ الحَدِيثِ وأهْلُ التَّفْسِيرِ جَمِيعًا؛ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَذَرَهُ بِالخَوْفِ عَلى أهْلِهِ في مَكَّةَ، والتَّقِيَّةُ فِيما لا يَضُرُّ في ظَنِّهِ.
(p-٥٧٦٤)فَإنْ قِيلَ: القُرْآنُ دالٌّ عَلى أنَّهُ قَدْ أذْنَبَ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] فَكَيْفَ يُقْبَلُ ما جاءَ مِن قَبُولِ عُذْرِهِ؟ قُلْتُ: إنَّما قُبِلَ عُذْرُهُ في بَقائِهِ عَلى الإيمانِ، وعَدَمِ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ لِشِرْكِهِمْ، ولِذَلِكَ خاطَبَهُ اللَّهُ بِالإيمانِ فَقالَ: " يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا " والعُمُومُ نَصٌّ في سَبَبِهِ، فاتَّفَقَ القُرْآنُ والحَدِيثُ. وأمّا ذَنْبُهُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ مِثْلُ ما فَعَلَهُ لِأحَدٍ مِنَ الجَيْشِ إلّا بِإذْنِ أمِيرِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] ولِأنَّ تَحْرِيمَ مِثْلِ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذَنِ الأمِيرِ إجْماعٌ، ومَعَ إذْنِهِ يَجُوزُ، فَقَدْ أذِنَ في أكْثَرَ مِن ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِيلَةً في حِفْظِ المالِ، فَلَوْ كانَ مِثْلُ ذَلِكَ مُوالاةً لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ﷺ. فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَنْبَ حاطِبٍ هو الكَتْمُ، لِما فِيهِ مِنَ الخِيانَةِ، لا نَفْسُ الفِعْلِ، لَوْ تَجَرَّدَ مِنَ الكَتْمِ والخِيانَةِ -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى.
ويُضافُ إلى الكَتْمِ والخِيانَةِ ما أفادَتْهُ الآيَةُ مِنَ التَّوَدُّدِ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ، والمُناصَحَةِ لَهُمْ، مِمّا يَشُفُّ عَنْ كَوْنِ الآتِي بِذَلِكَ مُتَزَلْزِلًا في عَقْدِهِ، مُضْطَرِبًا في حَقِّهِ، فَيُصْبِحُ عَمَلُهُ حُجَّةً عَلى دِينِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِافْتِتانِ المُشْرِكِينَ المُفْسِدِينَ بِصَحِيحِ الدِّينِ القَوِيمِ. وهَذا هو السِّرُّ في الحَقِيقَةِ، كَما بَيَّنَهُ آيَةُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥] وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
ثُمَّ عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ التَّأسِّيَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في البَراءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ ومُصارَمَتَهم ومُجانَبَتَهُمْ، وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٥٧٦٥)
الممتحنة 60:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ ﴿حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ: أتْباعِهِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، كَلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ﴿إنّا بُرَآءُ﴾ جَمْعُ بَرِيءٍ، كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ ﴿مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أيْ: بِدِينِكم ومَعْبُودِكم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أنْكَرْنا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، وجَحَدْنا عِبادَتَكم ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أنْ تَكُونَ حَقًّا ﴿وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ أيْ: لا صُلْحَ بَيْنَنا ولا مَوَدَّةَ إلى أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ. أيْ: تُوَحِّدُوهُ وتُفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: " أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ في هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْناها، مِن مُبايَنَةِ الكُفّارِ ومُعاداتِهِمْ، وتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، إلّا في قَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، فَإنَّهُ لا أُسْوَةَ لَكم فِيهِ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِن إبْراهِيمَ لِأبِيهِ عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ. يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: فَكَذَلِكَ أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، تَبَرَّؤُوا مِن أعْداءِ اللَّهِ المُشْرِكِينَ بِهِ، (p-٥٧٦٦)ولا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ، وأظْهِرُوا لَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، حَتّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ، ويَتَبَرَّؤُوا عَنْ عِبادَةِ ما سِواهُ.
ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، فَيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وما أدْفَعُ عَنْكَ مِن عُقُوبَةِ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ عِقابَكَ. والجُمْلَةُ مِن تَمامِ المُسْتَثْنى، إلّا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ اسْتِثْناءِ المَجْمُوعِ اسْتِثْناءُ عُمُومِ أفْرادِهِ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: القَصْدُ إلى مَوْعِدِ الِاسْتِغْفارِ وما بَعْدَهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، وتابِعٌ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: أنا أسْتَغْفِرُ لَكَ، وما في طاقَتِي إلّا الِاسْتِغْفارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، وهو مِن جُمْلَةِ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، أوْ أمْرٍ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، تَتْمِيمًا لِما وصّاهم بِهِ مِن قَطْعِ الصِّلاتِ المُضِرَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُحارِبِينَ لَهم. ومَعْنى: " إلَيْكَ أنَبْنا " أيْ: إلَيْكَ رَجَعْنا بِالتَّوْبَةِ مِمّا تَكْرَهُ، إلى ما تُحِبُّ وتَرْضى.
الممتحنة 60:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدَكَ فَيَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ ما أصابَهم هَذا. وكَذا قالَ قَتادَةُ، أيْ: لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُوا بِذَلِكَ. يَرَوْنَ أنَّهم إنَّما ظَهَرُوا عَلَيْنا لِحَقٍّ هم عَلَيْهِ. انْتَهى.
ومَآلُ هَذا الدُّعاءِ هو التَّعَوُّذُ مِن مِثْلِ ما صَنَعَ حاطِبٌ، مِمّا يُورِثُ افْتِتانَ المُشْرِكِينَ بِالدِّينِ؛ إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مَدْعاةً لِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ، وما يُوعَدُونَ بِهِ مِنَ الظَّفَرِ حَقٌّ، لَما (p-٥٧٦٧)صانَعَنا مُؤْمِنُهُمْ، فَإذَنْ ما هم عَلَيْهِ أمانِيُّ. فَيَتَزَلْزَلُ مَن كانَ في نَفْسِهِ الِانْتِظامُ في سِلْكِهِمْ، والِاسْتِسْعادِ بِحَقِّهِمْ. فَفي الآيَةِ مَعْنى كَبِيرٌ، وتَأْدِيبٌ عَظِيمٌ. أيْ: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا نُهْمِلُ مِن دِينِنا ما أُمِرْنا بِهِ، أوْ نَتَساهَلُ فِيما عُزِمَ عَلَيْنا مِنهُ، حَتّى لا تَنْحَلَّ بِذَلِكَ قُوَّتُنا، ويَتَزَلْزَلَ عِمادُنا، ويُفْتَحَ لِعَدُوِّ الدِّينِ الِافْتِتانُ بِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما دامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِآدابِ الدِّينِ، مُحافِظِينَ عَلَيْها، قائِمِينَ بِها حَقَّ القِيامِ، فَإنَّ النَّصْرَ قائِدُهم والظَّفَرَ رائِدُهُمْ، ولِذا أصْبَحَ المُسْلِمُونَ في القُرُونِ الأخِيرَةِ بِحالِهِمْ حُجَّةً عَلى دِينِهِمْ أمامَ عَدُوِّهِمْ، ولا مُسْتَرَدَّ لِقَوْلِهِمْ، ومُسْتَعادَ لِمَجْدِهِمْ، إلّا بِالرُّجُوعِ إلى أصْلِ كِتابِهِمْ، والعِلْمِ بِآدابِهِ، والمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِهِ، ونَبْذِ ما أُلْصِقَ بِهِ، مِمّا يُحَرِّفُ كَلِمَتَهُ، ويُجافِي حَقِيقَتَهُ، ولِلْحُكَماءِ في هَذا المَوْضُوعِ مَقالاتٌ مَعْرُوفَةٌ.
الممتحنة 60:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾
﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ تَكْرِيرٌ لِوُجُوبِ التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ وأصْحابِهِ، لِمَزِيدِ الحَثِّ عَلى التَّبَرُّؤِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والِاسْتِرْسالِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ مَحَبَّةَ المُفْسِدِينَ فِيها تَخْرِيبٌ لِمَبانِي الحَقِّ، وتَوْهِينٌ لِقُوى أهْلِهِ، وتَشْكِيكٌ لِضُعَفاءِ القُلُوبِ، مِمّا يُفْسِدُ عَمَلَ المُخْلِصِينَ، ويُزَلْزِلُ مَساعِيَهُمْ، ويَفْتِنُ أعْداءَهم بِهِمْ، لِذَلِكَ كانَ البُغْضُ في اللَّهِ مِن شُعَبِ الإيمانِ؛ لِأنَّ الحَقَّ لا يَقْوى إلّا بِاعْتِصابِ أهْلِهِ عَلى كَلِمَتِهِ، ورَمْيِ أعْدائِهِ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. وفي إبْدالِ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ مِن " لَكم " دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يَتْرُكَ التَّأسِّيَ بِهِمْ، وأنَّ تَرْكَهُ مُؤْذِنٌ بِسُوءِ العَقِيدَةِ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:
﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيْ: مَن يَتَوَلَّ عَمّا أُمِرَ بِهِ، ويُوالِي أعْداءَ اللَّهِ، ويُلْقِي إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، واللَّهُ هو الغَنِيُّ عَنْ إيمانِهِ بِهِ وطاعَتِهِ، المَحْمُودُ عَلى كُلِّ حالٍ.
(p-٥٧٦٨)
الممتحنة 60:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا وعْدٌ مِنهُ تَعالى، وقَدْ أنْجَزَهُ بِأنَّ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهم بَعْدُ، وصارُوا لَهم أوْلِياءَ وأحْزابًا. والآيَةُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ؛ لِما فِيها مِنَ الإخْبارِ عَنْ مُغَيَّبٍ، وقَعَ مِصْداقُهُ.
الممتحنة 60:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩]
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] هَذا تَرْخِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُعادُوا المُؤْمِنِينَ ولَمْ يُقاتِلُوهم. فَهو في المَعْنى تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ [الممتحنة: ١] إلَخْ. أيْ: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ، وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، أيْ: تُفْضُوا إلَيْهِمْ بِالبِرِّ، وهو الإحْسانُ، والقِسْطُ وهو العَدْلُ، فَهَذا القَدْرُ مِنَ المُوالاةِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، بَلْ مَأْمُورٌ بِهِ في حَقِّهِمْ. والخِطابُ (p-٥٧٦٩)وإنْ يَكُنْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ لَفْظِهِ، وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ تَخْصِيصَهُ، فَرَدَّ ذَلِكَ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ:
والصَّوابُ قَوْلُ مَن قالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ مِن جَمِيعِ أصْنافِ المِلَلِ والأدْيانِ، أنْ تَبَرُّوهم وتَصِلُوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ جَمِيعَ مَن كانَ ذَلِكَ صِفَتَهُ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن قالَ: ذَلِكَ مَنسُوخٌ؛ لِأنَّ بِرَّ المُؤْمِنِ مِن أهْلِ الحَرْبِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ ونَسَبٌ، أوْ مِمَّنْ لا قَرابَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَهُ ونَسَبٌ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ ولا مَنهِيٍّ عَنْهُ، إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلالَةٌ لَهُ، أوْ لِأهْلِ الحَرْبِ، عَلى عَوْرَةٍ لِأهْلِ الإسْلامِ، أوْ تَقْوِيَةٌ لَهم بِكُراعٍ أوْ سِلاحٍ، وقَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ ما قُلْناهُ الخَبَرُ في قِصَّةِ أسْماءَ وأُمِّها. انْتَهى.
وذَلِكَ «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ، إذْ عاهَدُوا، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وهي راغِبَةٌ، أفَأصِلُها؟ قالَ: «نَعَمْ! صِلِي أُمَّكِ»» . رَواهُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ، ورَواهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ قالَ: قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ عَلى ابْنَتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا: ضِبابٍ، وقُرَظٍ، وسَمْنٍ، وهي مُشْرِكَةٌ، فَأبَتْ أسْماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وتُدْخِلَها بَيْتَها، فَسَألَتْ عائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ.
(p-٥٧٧٠)فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَأمَرَها أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وأنْ تُدْخِلَها بَيْتَها». قالَ الرّازِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] والمَعْنى: لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، إنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ، وهَذا رَحْمَةٌ لَهُمْ، لِشِدَّتِهِمْ في العَداوَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ البِرِّ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً. انْتَهى.
الممتحنة 60:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩]
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] هَذا تَرْخِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُعادُوا المُؤْمِنِينَ ولَمْ يُقاتِلُوهم. فَهو في المَعْنى تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ [الممتحنة: ١] إلَخْ. أيْ: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ، وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، أيْ: تُفْضُوا إلَيْهِمْ بِالبِرِّ، وهو الإحْسانُ، والقِسْطُ وهو العَدْلُ، فَهَذا القَدْرُ مِنَ المُوالاةِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، بَلْ مَأْمُورٌ بِهِ في حَقِّهِمْ. والخِطابُ (p-٥٧٦٩)وإنْ يَكُنْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ لَفْظِهِ، وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ تَخْصِيصَهُ، فَرَدَّ ذَلِكَ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ:
والصَّوابُ قَوْلُ مَن قالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ مِن جَمِيعِ أصْنافِ المِلَلِ والأدْيانِ، أنْ تَبَرُّوهم وتَصِلُوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ جَمِيعَ مَن كانَ ذَلِكَ صِفَتَهُ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن قالَ: ذَلِكَ مَنسُوخٌ؛ لِأنَّ بِرَّ المُؤْمِنِ مِن أهْلِ الحَرْبِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ ونَسَبٌ، أوْ مِمَّنْ لا قَرابَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَهُ ونَسَبٌ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ ولا مَنهِيٍّ عَنْهُ، إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلالَةٌ لَهُ، أوْ لِأهْلِ الحَرْبِ، عَلى عَوْرَةٍ لِأهْلِ الإسْلامِ، أوْ تَقْوِيَةٌ لَهم بِكُراعٍ أوْ سِلاحٍ، وقَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ ما قُلْناهُ الخَبَرُ في قِصَّةِ أسْماءَ وأُمِّها. انْتَهى.
وذَلِكَ «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ، إذْ عاهَدُوا، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وهي راغِبَةٌ، أفَأصِلُها؟ قالَ: «نَعَمْ! صِلِي أُمَّكِ»» . رَواهُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ، ورَواهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ قالَ: قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ عَلى ابْنَتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا: ضِبابٍ، وقُرَظٍ، وسَمْنٍ، وهي مُشْرِكَةٌ، فَأبَتْ أسْماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وتُدْخِلَها بَيْتَها، فَسَألَتْ عائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ.
(p-٥٧٧٠)فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَأمَرَها أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وأنْ تُدْخِلَها بَيْتَها». قالَ الرّازِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] والمَعْنى: لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، إنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ، وهَذا رَحْمَةٌ لَهُمْ، لِشِدَّتِهِمْ في العَداوَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ البِرِّ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً. انْتَهى.
الممتحنة 60:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ أيْ: فاخْتَبِرُوهُنَّ بِما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّكم صِدْقُهُنَّ في الإيمانِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ أيِ: المُطَّلِعُ عَلى قُلُوبِهِنَّ، لا أنْتُمْ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَكُمْ، فَحَسْبُكم أماراتُهُ وقَرائِنُهُ.
وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَلَّفَها (p-٥٧٧١)بِاللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، وبِاللَّهِ ما خَرَجَتْ رَغْبَةً عَنْ أرْضٍ إلى أرْضٍ، وبِاللَّهِ ما خَرَجَتِ التِماسَ دُنْيا، وبِاللَّهِ ما خَرَجْتُ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ: سَلُوهُنَّ ما جاءَ بِهِنَّ؟ فَإنْ كانَ بِهِنَّ غَضَبٌ عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ سَخْطَةٌ أوْ غَيْرُهُ، ولَمْ يُؤْمِن، فارْجِعُوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ.
﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: العِلْمَ الَّذِي تَبْلُغُهُ طاقَتُكُمْ، وهو الظَّنُّ الغالِبُ بِالحَلِفِ، وظُهُورِ الأماراتِ، وإنَّما سَمّاهُ عِلْمًا، إيذانًا بِأنَّهُ كالعِلْمِ في وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ.
﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ أيْ: فَلا تَرُدُّوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ المُشْرِكِينَ؛ إذْ لا حِلَّ بَيْنَ المُؤْمِنَةِ والمُشْرِكِ؛ لِأنَّ إيمانَها قَطَعَ عِصْمَتَها مِنَ المُشْرِكِ المُعادِي لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ العَهْدَ كانَ جَرى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، أنْ يَرُدَّ المُسْلِمُونَ إلى المُشْرِكِينَ مَن جاءَهم مُسْلِمًا، فَأبْطَلَ ذَلِكَ الشَّرْطَ في النِّساءِ إذا جِئْنَ مُؤْمِناتٍ مُهاجِراتٍ، فامْتُحِنَّ فَوَجَدَهُنَّ المُسْلِمُونَ مُؤْمِناتٍ، وصَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهم مِمّا ذَكَرْنا، وأُمِرُوا أنْ لا يَرُدُّوهُنَّ إلى المُشْرِكِينَ، إذا عُلِمَ أنَّهُنَّ مُؤْمِناتٌ، ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أيْ: لِانْقِطاعِ النِّكاحِ بَيْنَهُنَّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي حَرَّمَتِ المُسْلِماتِ عَلى المُشْرِكِينَ. وقَدْ كانَ جائِزًا في ابْتِداءِ الإسْلامِ أنْ يَتَزَوَّجَ المُشْرِكُ مِنَ المُؤْمِنَةِ. ولِهَذا «كانَ أمْرُ أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، زَوْجِ ابْنَةِ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ كانَتْ مُسْلِمَةً، وهو عَلى دِينِ قَوْمِهِ. فَلَمّا وقَعَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ، بَعَثَتِ امْرَأتُهُ زَيْنَبُ في فِدائِهِ بِقِلادَةٍ لَها كانَتْ لِأُمِّها خَدِيجَةَ، فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَها رِقَّةً شَدِيدَةً. وقالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها فافْعَلُوا»، فَفَعَلُوا، فَأطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يَبْعَثَ ابْنَتَهُ إلَيْهِ، فَوَفى بِذَلِكَ، وصَدَقَهُ فِيما وعَدَهُ، وبَعَثَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،» فَأقامَتْ بِالمَدِينَةِ مِن بَعْدِ وقْعَةِ بَدْرٍ، (p-٥٧٧٢)وكانَتْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، إلى أنْ أسْلَمَ زَوْجُها أبُو العاصِ بْنُ الرَّبِيعِ سَنَةَ ثَمانٍ، فَرَدَّها عَلَيْهِ بِالنِّكاحِ الأوَّلِ، ولَمْ يُحْدِثْ لَها صَداقًا، ومِنهم مَن يَقُولُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وهو صَحِيحٌ؛ لِأنَّ إسْلامَهُ كانَ بَعْدَ تَحْرِيمِ المُسْلِماتِ عَلى المُشْرِكِينَ بِسَنَتَيْنِ. انْتَهى.
﴿وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأعْطُوا المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جاءَكم نِساؤُهم مُؤْمِناتٍ، إذا عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ، فَلَمْ تُرْجِعُوهُنَّ إلَيْهِمْ، ما أنْفَقُوا في نِكاحِهِمْ إيّاهُنَّ مِنَ الصَّداقِ ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُهاجِراتِ اللّاتِي لَحِقْنَ بِكم مِن دارِ الحَرْبِ، مُفارِقاتٍ لِأزْواجِهِنَّ، وإنْ كانَ لَهُنَّ أزْواجٌ ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما الإسْلامُ إذا اسْتَبْرَأتْ أرْحامُهُنَّ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ: كَما بَطَلَ نِكاحُ المُؤْمِنَةِ عَلى الكافِرِ، بَطَلَ نِكاحُ الكافِرَةِ عَلى المُسْلِمِ. بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ أيْ: بِعُقُودِهِنَّ الَّتِي يُتَمَسَّكُ بِها في الِاسْتِحْلالِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ جَلَّ ثَناؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لا تُمْسِكُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِحِبالِ النِّساءِ الكَوافِرِ وأسْبابِهِنَّ. و"الكَوافِرُ" جَمْعُ كافِرَةٍ. و(العِصَمُ): جَمْعُ عِصْمَةٍ، وهي ما اعْتُصِمَ بِهِ مِنَ العَقْدِ والسَّبَبِ. وهَذا نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الإقْدامِ عَلى نِكاحِ المُشْرِكاتِ مِن أهْلِ الأوْثانِ، وأمْرٌ لَهم بِفِراقِهِنَّ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أُمِرَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ بِطَلاقِ نِسائِهِمْ كَوافِرَ بِمَكَّةَ قَعَدْنَ مَعَ الكُفّارِ.
وعَنِ الزُّهْرِيِّ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ كانَ مِمَّنْ طَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْرَأتَيْنِ كانَتا لَهُ بِمَكَّةَ: ابْنَةَ أبِي أُمَيَّةَ، وابْنَةَ جَرْوَلٍ. وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِنْتَ رَبِيعَةَ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُما الإسْلامُ، حِينَ نَهى القُرْآنُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِعِصَمِ الكَوافِرِ، وكُنَّ مِمَّنْ فَرَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن نِساءِ الكُفّارِ، (p-٥٧٧٣)مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَحَبَسَها وزَوَّجَها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ الأنْصارِيَّةُ كانَتْ عِنْدَ ثابِتِ بْنِ الدَّحْداحَةِ، فَفَرَّتْ مِنهُ، وهو يَوْمَئِذٍ كافِرٌ، إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، أحَدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَوَلَدَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ.
﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ أيِ: اطْلُبُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم فَلَحِقْنَ بِالمُشْرِكِينَ ما أنْفَقْتُمْ عَلى أزْواجِكُمُ اللَّواتِي لَحِقْنَ بِهِمْ، مِنَ الصَّداقِ، مَن تَزَوَّجْنَ مِنهم ﴿ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ أيْ: ولِيَسْألْكُمُ المُشْرِكُونَ مِنهُمْ، الَّذِينَ لَحِقَ بِكم أزْواجُهم مُؤْمِناتٍ، إذا تَزَوَّجْنَ فِيكُمْ، مَن تَزَوَّجَها مِنكُمْ، ما أنْفَقُوا عَلَيْهِنَّ مِنَ الصَّداقِ. ﴿ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الحُكْمُ الَّذِي حُكِمَ بِهِ مِن أمِيرِ المُؤْمِنِينَ بِمَسْألَةِ المُشْرِكِينَ ما أنْفَقُوا، وأمَرَ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، حُكْمُ اللَّهِ الحَقُّ الَّذِي لا يُعْدَلُ عَنْهُ.
الممتحنة 60:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ أيْ: وإنِ ارْتَدَّتْ مِنكُمُ امْرَأةٌ فَلَحِقَتِ الكُفّارَ، فَلَمْ يَرُدُّوا مَهْرَها ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أيْ: فَغَزَوْتُمُوهم فَوَجَدْتُمْ مِنهم غَنِيمَةً ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُسْلِمِينَ ﴿مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ أيْ: في مُهُورِهِنَّ.
قالَ مُجاهِدٌ: مَهْرُ مِثْلِها يُدْفَعُ إلى زَوْجِها.
وقالَ قَتادَةُ: كُنَّ إذا فَرَرْنَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الكُفّارِ، لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ عَهْدٌ، فَأصابَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً، أُعْطِي زَوْجُها ما ساقَ إلَيْها مِن جَمِيعِ الغَنِيمَةِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ غَنِيمَتَهم.
(p-٥٧٧٤)﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: فَإنَّ الإيمانَ بِهِ يَقْتَضِي أداءَ أوامِرِهِ، واجْتِنابَ نَواهِيهِ.
الممتحنة 60:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: أمْوالَ النّاسِ الأجانِبِ، فَأمّا إذا كانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا في نَفَقَتِها، فَلَها أنْ تَأْكُلَ مِن مالِهِ بِالمَعْرُوفِ، ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ أمْثالِها، وإنْ كانَ مِن غَيْرِ عِلْمِهِ، عَمَلًا بِحَدِيثِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِي ويَكْفِي بُنَيَّ، فَهَلْ عَلَيَّ جَناحٌ إنْ أخَذْتُ مِن مالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ««خُذِي مِن مالِهِ بِالمَعْرُوفِ ما يَكْفِيكِ ويَكْفِي بَنِيكِ»» أخْرَجاهُ في "الصَّحِيحَيْنِ" ﴿ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ وأْدَ البَناتِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا يَشْمَلُ قَتْلَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ، كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ إمْلاقٍ، ويَعُمُّ قَتْلَهُ وهو جَنِينٌ، كَما قَدْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجاهِلاتِ مِنَ النِّساءِ، تَطْرَحُ نَفْسَها؛ لِئَلّا تَحْبَلَ، إمّا لِغَرَضٍ فاسِدٍ أوْ ما أشْبَهَهُ.
(p-٥٧٧٥)﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لا يُلْحِقْنَ بِأزْواجِهِنَّ غَيْرَ أوْلادِهِمْ. وأوْضَحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: كانَتِ المَرْأةُ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ فَتَقُولُ لِزَوْجِها: هو ولَدِي مِنكَ. كُنِّيَ بِالبُهْتانِ المُفْتَرى بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها عَنِ الوَلَدِ الَّذِي تُلْصِقُهُ بِزَوْجِها كَذِبًا؛ لِأنَّ بَطْنَها الَّذِي تَحْمِلُهُ فِيهِ بَيْنَ اليَدَيْنِ وفَرْجِها الَّذِي تَلِدُهُ بِهِ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، فَهو غَيْرُ الزِّنا، فَلا تَكْرارَ فِيهِ.
وقالَ الشِّهابُ: في "شَرْحِ البُخارِيِّ " لِلْكَرْمانِيِّ مَعْناهُ: لا تَأْتُوا بِبُهْتانٍ مِن قِبَلِ أنْفُسِكم. واليَدُ والرِّجْلُ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ الأفْعالِ بِهِما، ولِذا قِيلَ لِلْمُعاقَبِ بِجِنايَةٍ قَوْلِيَّةٍ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ. أوْ مَعْناهُ: لا تُنْشِئُوهُ مِن ضَمائِرِكم وقُلُوبِكُمْ؛ لِأنَّهُ مِنَ القَلْبِ الَّذِي مَقَرُّهُ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ. والأوَّلُ كِنايَةٌ عَنْ إلْقاءِ البُهْتانِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، والثّانِي عَنْ كَوْنِهِ مِن دَخِيلَةِ قُلُوبِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَنِ الخُبْثِ الباطِنِيِّ.
وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ لا تَبْهَتُوا النّاسَ كِفاحًا ومُواجَهَةً، كَما يُقالُ لِلْآمِرِ بِحَضْرَتِكَ: إنَّهُ بَيْنَ يَدَيْكَ. ورُدَّ بِأنَّهُمْ، وإنْ كَنَّوْا عَنِ الحاضِرِ بِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يُقالُ: بَيْنَ أرْجُلِهِ وهو وارِدٌ لَوْ ذُكِرَتِ الأرْجُلُ وحْدَها، أمّا مَعَ الأيْدِي تَبَعًا فَلا. فالمُخْطِئُ مُخْطِئٌ وهو كِنايَةٌ عَنْ خَرْقِ جِلْبابِ الحَياءِ، والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ القَذْفِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الكَذِبُ والغِيبَةُ. انْتَهى.
﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: مِن أمْرِ اللَّهِ تَأْمُرُهُنَّ بِهِ.
قالَ في "النِّهايَةِ": المَعْرُوفُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما عُرِفَ مِن طاعَةِ اللَّهِ، والإحْسانِ إلى النّاسِ، وكُلُّ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ، ونَهى عَنْهُ.
﴿فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَبايِعْهُنَّ عَلى الوَفاءِ بِذَلِكَ، وسَلِ اللَّهَ لَهُنَّ مَغْفِرَةَ ذُنُوبِهِنَّ، والعَفْوَ عَنْها، فَإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن تابَ مِنها.
(p-٥٧٧٦)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: رَوى البُخارِيُّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَمْتَحِنُ مَن هاجَرَ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِناتِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَمَن أقَرَّ بِهَذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِناتِ، قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ بايَعْتُكِ» كَلامًا، ولا واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ في المُبايَعَةِ، ما يُبايِعُهُنَّ إلّا بِقَوْلِهِ: «قَدْ بايَعْتُكِ عَلى ذَلِكِ»» .
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: أيْ: لا مُصافَحَةَ بِاليَدِ، كَما جَرَتِ العادَةُ بِمُصافَحَةِ الرِّجالِ عِنْدَ المُبايَعَةِ.
ثُمَّ قالَ: ورَوى النَّسائِيُّ والطَّبَرِيُّ «أنَّ أُمَيْمَةَ بِنْتَ رُقَيْقَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها دَخَلَتْ في نِسْوَةٍ تُبايِعُ. فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ابْسُطْ يَدَكَ نُصافِحْكَ. فَقالَ: «إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ، ولَكِنْ سَآخُذُ عَلَيْكُنَّ» فَأخَذَ عَلَيْنا حَتّى بَلَغَ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ فَقالَ: «فِيما أطَقْتُنَّ واسْتَطَعْتُنَّ» فَقُلْنَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِن أنْفُسِنا» -وفِي رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ: «ما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ إلّا كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ-» وقَدْ جاءَ في أخْبارٍ أُخْرى أنَّهُنَّ كُنْ يَأْخُذْنَ بِيَدِهِ عِنْدَ المُبايَعَةِ مِن فَوْقِ ثَوْبٍ -أخْرَجَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
وفِي "المَغازِي" لِابْنِ إسْحاقَ عَنْ أبانَ بْنِ صالِحٍ أنَّهُ كانَ يَغْمِسُ يَدَهُ في إناءٍ، فَيَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ. انْتَهى.
والمُعَوَّلُ عَلى رِوايَةِ البُخارِيِّ الأُولى لِصِحَّتِها، وضَعْفِ ما عَداها.
الثّانِي: رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ كانَ مِنهُ النِّياحَةُ.
(p-٥٧٧٧)ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْها قالَتْ: «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «فَقَرَأ عَلَيْنا: ﴿أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونَهانا عَنِ النِّياحَةِ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدِهِ إلى امْرَأةٍ مِنَ المُبايِعاتِ قالَتْ: ««كانَ فِيما أخَذَ عَلَيْنا أنْ لا نَعْصِيَهُ في شَيْءٍ مِنَ المَعْرُوفِ، ولا نَخْمِشَ وجْهًا، ولا نَنْشُرَ شَعْرًا، ولا نَشُقَّ جَيْبًا، ولا نَدْعُوَ ويْلًا»» .
وعَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أخَذَ عَلَيْهِنَّ يَوْمَئِذَ أنْ لا يَنُحْنَ، ولا يُحَدِّثْنَ الرِّجالَ إلّا رَجُلًا مِنكُنَّ مُحَرَّمًا. فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّ لَنا أضْيافًا وإنّا نَغِيبُ عَنْ نِسائِنا؟ فَقالَ: «لَيْسَ أُولَئِكَ عَنَيْتُ»» .
الثّالِثُ: قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ أنَّهُ لا طاعَةَ لِأحَدٍ في غَيْرِ المَعْرُوفِ. قالَ: وأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ إلّا بِمَعْرُوفٍ، وإنَّما شَرْطُهُ في الطّاعَةِ؛ لِئَلّا يُرَخِّصَ أحَدٌ في طاعَةِ السَّلاطِينِ.
وأصْلُهُ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَبِيَّهُ وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، ثُمَّ لَمْ يَسْتَحِلَّ لَهُ أمْرٌ إلّا بِشَرْطٍ، لَمْ يَقُلْ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ﴾ ويَتْرُكُ حَتّى قالَ: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ فَكَيْفَ يَنْبَغِي لِأحَدِ أنَّ يُطاعَ في غَيْرِ مَعْرُوفٍ، وقَدِ اشْتَرَطَ اللَّهُ هَذا عَلى نَبِيِّهِ؟
ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ بِما نَبَّهَ بِهِ في فاتِحَتِها، مِنَ النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ مُحارِبِي الدِّينِ، تَحْذِيرًا مِنَ التَّهاوُنِ في ذَلِكَ، وزِيادَةَ اعْتِناءٍ بِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
الممتحنة 60:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
(p-٥٧٧٨)[١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مَسْخُوطًا عَلَيْهِمْ لِمُعاداتِهِمُ الحَقَّ، ومُحارَبَتِهِمُ الصَّلاحَ، وعَيْثِهِمُ الفَسادَ. وهو عامٌّ في كُلِّ مُحارِبٍ، ومِنهم مَن خَصَّهُ بِاليَهُودِ؛ لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ النّاصِرُ: قَدْ كانَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ، ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ [فاطر: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] أنَّ آخِرَ الآيَةِ اسْتِطْرادٌ، وهو فَنٌّ مِن فُنُونِ البَيانِ، مُبَوَّبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِهِ. وآيَةُ المُمْتَحَنَةِ هَذِهِ مُمْكِنَةٌ أنْ تَكُونَ مِن هَذا الفَنِّ جِدًّا، فَإنَّهُ ذَمَّ اليَهُودَ، واسْتَطْرَدَ ذَمَّهم بِذَمِّ المُشْرِكِينَ، عَلى نَوْعٍ حَسَنٍ مِنَ النِّسْبَةِ. وهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ لِلْفُصَحاءِ في الِاسْتِطْرادِ أحْسَنُ ولا أمْكَنُ مِنهُ، ومِمّا صَدَّرُوا بِهِ هَذا الفَنَّ قَوْلُهُ:
؎إذا ما اتَّقى اللَّهَ الفَتى وأطاعَهُ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وإنْ كانَ مِن جُرْمِ
وقَوْلُهُ:
؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارِثِ بْنِ هِشامِ
وقَوْلُهُ:
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
انْتَهى.
(p-٥٧٧٩)وكانَ وجْهُ إيثارِهِ الفِرارَ مِنَ التَّأْكِيدِ إلى التَّأْسِيسِ، مَعَ أنَّ إرادَةَ ما أُرِيدَ بِأوَّلِ السُّورَةِ مِنهُ، فِيهِ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، تَذْكِيرًا بِهِ وتَفْخِيمًا، لِلْعِنايَةِ بِشَأْنِهِ، ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ.
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ أيْ: مِن جَزائِها لِجَحْدِهِمْ بِها، ولِذَلِكَ طَغَوْا وبَغَوْا وعاثُوا. والجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ أيْ: كَما يَئِسَ مَن سَلَفَهم مِن إخْوانِهِمُ الكُفّارِ المَقْبُورِينَ، أيْ: أنَّهم عَلى شاكِلَةِ مَن قَبْلَهُمْ، وكُلٌّ مُؤاخَذٌ بِكُفْرِهِ. وقِيلَ: المَعْنى كَما يَئِسَ الكُفّارُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ أصْحابُ القُبُورِ الَّذِينَ ماتُوا. فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، تَسْجِيلًا لِكُفْرِهِمْ، وبَيانًا لِما اقْتَضى الغَضَبُ عَلَيْهِمْ، ولِما آيَسَهم. والأوَّلُ أظْهَرُ.