Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الصف 61:1 – الملك 67:30
المحتويات
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- الطلاق 65:4
- الطلاق 65:5
- الطلاق 65:6
- الطلاق 65:7
- الطلاق 65:8
- الطلاق 65:9
- الطلاق 65:10
- الطلاق 65:11
- الطلاق 65:12
- التحريم 66:1
- التحريم 66:2
- التحريم 66:3
- التحريم 66:4
- التحريم 66:5
- التحريم 66:6
- التحريم 66:7
- التحريم 66:8
- التحريم 66:9
- التحريم 66:10
- التحريم 66:11
- التحريم 66:12
- الملك 67:1
- الملك 67:2
- الملك 67:3
- الملك 67:4
- الملك 67:5
- الملك 67:6
- الملك 67:7
- الملك 67:8
- الملك 67:9
- الملك 67:10
- الملك 67:11
- الملك 67:12
- الملك 67:13
- الملك 67:14
- الملك 67:15
- الملك 67:16
- الملك 67:17
- الملك 67:18
- الملك 67:19
- الملك 67:20
- الملك 67:21
- الملك 67:22
- الملك 67:23
- الملك 67:24
- الملك 67:25
- الملك 67:26
- الملك 67:27
- الملك 67:28
- الملك 67:29
- الملك 67:30
الصف 61:1
(p-٥٧٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الصَّفِّ
وتُسَمّى سُورَةَ (الحَوارِيِّينَ). وهي مَدَنِيَّةٌ. ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ إنَّها مَكِّيَّةٌ؛ لِأنَّ آياتِها المُحَرِّضَةَ عَلى القِتالِ تَرُدُّهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُشْرَعِ الجِهادُ إلّا في المَدِينَةِ. وآيُها أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً.
(p-٥٧٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ: أذْعَنَ لِلَّهِ كُلُّ خَلْقِهِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وانْقادَ لِتَسْخِيرِهِ، ودَلَّ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ.
الصف 61:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢ - ٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]
﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: مِن لَوازِمِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ الصِّدْقُ وثَباتُ العَزِيمَةِ؛ إذْ خُلُوصُ الفِطْرَةِ عَنْ شَوائِبِ النَّشْأةِ يَقْتَضِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] يَحْتَمِلُ الكَذِبَ، وخُلْفَ الوَعْدِ. فَمَنِ ادَّعى الإيمانَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِنابُ عَنْهُما بِحُكْمِ الإيمانِ، وإلّا فَلا حَقِيقَةَ لِإيمانِهِ؛ ولِهَذا قالَ:
" ما لا تَفْعَلُونَ " لِأنَّ الكَذِبَ يُنافِي المُرُوءَةَ الَّتِي هي مِن مَبادِئِ الإيمانِ، فَضْلًا عَنْ كَمالِهِ؛ إذِ الإيمانُ الأصْلِيُّ هو الرُّجُوعُ إلى الفِطْرَةِ الأُولى والدِّينِ القَيِّمِ. وهي تَسْتَلْزِمُ أجْناسَ الفَضائِلِ بِجَمِيعِ أنْواعِها، الَّتِي أقَلُّ دَرَجاتِها العِفَّةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْمُرُوءَةِ، والكاذِبُ لا مُرُوءَةَ لَهُ، فَلا إيمانَ لَهُ حَقِيقَةً. وإنَّما قُلْنا: لا مُرُوءَةَ لَهُ؛ لِأنَّ النُّطْقَ هو الإخْبارُ المُفِيدُ لِلْغَيْرِ مَعْنًى، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ. والإنْسانُ خاصَّتُهُ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، هي النُّطْقُ، فَإذا لَمْ يُطابِقِ الإخْبارَ، لَمْ تَحْصُلْ فائِدَةُ النُّطْقِ، فَخَرَجَ صاحِبُهُ عَنِ الإنْسانِيَّةِ، وقَدْ أفادَ ما لَمْ يُطابِقْ مِنَ اعْتِقادِ وُقُوعِ غَيْرِ الواقِعِ، فَدَخَلَ في حَدِّ الشَّيْطَنَةِ، فاسْتَحَقَّ المَقْتَ الكَبِيرَ عِنْدَ اللَّهِ، (p-٥٧٨٢)بِإضاعَةِ اسْتِعْدادِهِ، واكْتِسابِ ما يُنافِيهِ مِن أضْدادِهِ. وكَذا الخُلْفُ؛ لِأنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الكَذِبِ، ولِأنَّ صِدْقَ العَزْمِ وثَباتَهُ مِن لَوازِمِ الشَّجاعَةِ الَّتِي هي إحْدى الفَضائِلِ اللّازِمَةِ لِسَلامَةِ الفِطْرَةِ، وأوَّلُ دَرَجاتِها، فَإذا انْتَفَتِ انْتَفى الإيمانُ الأصْلِيُّ بِانْتِفاءِ مَلْزُومِهِ، فَثَبَتَ المَقْتُ مِنَ اللَّهِ. انْتَهى.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأبْلَغِهِ في مَعْناهُ، قَصَدَ في (كَبُرَ) التَّعَجُّبَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. ومَعْنى التَّعَجُّبِ تَعْظِيمُ الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ. وأسْنَدَ إلى (أنْ تَقُولُوا)، ونَصَبَ (مَقْتًا) عَلى تَفْسِيرِهِ، دَلالَةً عَلى أنَّ قَوْلَهم ما لا يَفْعَلُونَ مَقْتٌ خالِصٌ، لا شَوْبَ فِيهِ، لِفَرْطِ تَمَكُّنِ المَقْتِ مِنهُ. واخْتِيرَ لَفْظُ (المَقْتِ)؛ لِأنَّهُ أشَدُّ البُغْضِ وأبْلَغُهُ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى أنْ جَعَلَ البُغْضَ كَبِيرًا، حَتّى جُعِلَ أشُدَّهُ وأفْحَشَهُ. و(عِنْدَ اللَّهِ) أبْلَغُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ كِبَرُ مَقْتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَدْ تَمَّ كِبَرُهُ وشِدَّتُهُ.
قالَ النّاصِرُ: وزائِدٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ وجْهٌ خامِسٌ، وهو تَكْرارٌ لِقَوْلِهِ:
" ما لا تَفْعَلُونَ " وهو لَفْظٌ واحِدٌ، في كَلامٍ واحِدٍ. ومِن فَوائِدِ التَّكْرارِ التَّهْوِيلُ والإعْظامُ.
الصف 61:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢ - ٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]
﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: مِن لَوازِمِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ الصِّدْقُ وثَباتُ العَزِيمَةِ؛ إذْ خُلُوصُ الفِطْرَةِ عَنْ شَوائِبِ النَّشْأةِ يَقْتَضِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] يَحْتَمِلُ الكَذِبَ، وخُلْفَ الوَعْدِ. فَمَنِ ادَّعى الإيمانَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِنابُ عَنْهُما بِحُكْمِ الإيمانِ، وإلّا فَلا حَقِيقَةَ لِإيمانِهِ؛ ولِهَذا قالَ:
" ما لا تَفْعَلُونَ " لِأنَّ الكَذِبَ يُنافِي المُرُوءَةَ الَّتِي هي مِن مَبادِئِ الإيمانِ، فَضْلًا عَنْ كَمالِهِ؛ إذِ الإيمانُ الأصْلِيُّ هو الرُّجُوعُ إلى الفِطْرَةِ الأُولى والدِّينِ القَيِّمِ. وهي تَسْتَلْزِمُ أجْناسَ الفَضائِلِ بِجَمِيعِ أنْواعِها، الَّتِي أقَلُّ دَرَجاتِها العِفَّةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْمُرُوءَةِ، والكاذِبُ لا مُرُوءَةَ لَهُ، فَلا إيمانَ لَهُ حَقِيقَةً. وإنَّما قُلْنا: لا مُرُوءَةَ لَهُ؛ لِأنَّ النُّطْقَ هو الإخْبارُ المُفِيدُ لِلْغَيْرِ مَعْنًى، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ. والإنْسانُ خاصَّتُهُ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، هي النُّطْقُ، فَإذا لَمْ يُطابِقِ الإخْبارَ، لَمْ تَحْصُلْ فائِدَةُ النُّطْقِ، فَخَرَجَ صاحِبُهُ عَنِ الإنْسانِيَّةِ، وقَدْ أفادَ ما لَمْ يُطابِقْ مِنَ اعْتِقادِ وُقُوعِ غَيْرِ الواقِعِ، فَدَخَلَ في حَدِّ الشَّيْطَنَةِ، فاسْتَحَقَّ المَقْتَ الكَبِيرَ عِنْدَ اللَّهِ، (p-٥٧٨٢)بِإضاعَةِ اسْتِعْدادِهِ، واكْتِسابِ ما يُنافِيهِ مِن أضْدادِهِ. وكَذا الخُلْفُ؛ لِأنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الكَذِبِ، ولِأنَّ صِدْقَ العَزْمِ وثَباتَهُ مِن لَوازِمِ الشَّجاعَةِ الَّتِي هي إحْدى الفَضائِلِ اللّازِمَةِ لِسَلامَةِ الفِطْرَةِ، وأوَّلُ دَرَجاتِها، فَإذا انْتَفَتِ انْتَفى الإيمانُ الأصْلِيُّ بِانْتِفاءِ مَلْزُومِهِ، فَثَبَتَ المَقْتُ مِنَ اللَّهِ. انْتَهى.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأبْلَغِهِ في مَعْناهُ، قَصَدَ في (كَبُرَ) التَّعَجُّبَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. ومَعْنى التَّعَجُّبِ تَعْظِيمُ الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ. وأسْنَدَ إلى (أنْ تَقُولُوا)، ونَصَبَ (مَقْتًا) عَلى تَفْسِيرِهِ، دَلالَةً عَلى أنَّ قَوْلَهم ما لا يَفْعَلُونَ مَقْتٌ خالِصٌ، لا شَوْبَ فِيهِ، لِفَرْطِ تَمَكُّنِ المَقْتِ مِنهُ. واخْتِيرَ لَفْظُ (المَقْتِ)؛ لِأنَّهُ أشَدُّ البُغْضِ وأبْلَغُهُ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى أنْ جَعَلَ البُغْضَ كَبِيرًا، حَتّى جُعِلَ أشُدَّهُ وأفْحَشَهُ. و(عِنْدَ اللَّهِ) أبْلَغُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ كِبَرُ مَقْتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَدْ تَمَّ كِبَرُهُ وشِدَّتُهُ.
قالَ النّاصِرُ: وزائِدٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ وجْهٌ خامِسٌ، وهو تَكْرارٌ لِقَوْلِهِ:
" ما لا تَفْعَلُونَ " وهو لَفْظٌ واحِدٌ، في كَلامٍ واحِدٍ. ومِن فَوائِدِ التَّكْرارِ التَّهْوِيلُ والإعْظامُ.
الصف 61:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ بَذْلَ النَّفْسِ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ خُلُوصِ النَّفْسِ في مَحَبَّةِ اللَّهِ؛ إذِ المَرْءُ إنَّما يُحِبُّ كُلَّ ما يُحِبُّ مِن دُونِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ. فَأصْلُ الشِّرْكِ ومُحِبَّةِ الأنْدادِ، مَحَبَّةُ النَّفْسِ. فَإذا سَمَحَ بِالنَّفْسِ، كانَ غَيْرَ مُحِبٍّ لِنَفْسِهِ، وإذا لَمْ يُحِبَّ نَفْسَهُ فَبِالضَّرُورَةِ لَمْ يُحِبَّ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا، وإذا كانَ بَذْلُهُ لِلنَّفْسِ في اللَّهْوِ وفي سَبِيلِهِ لا لِلنَّفْسِ، كَما قالَ -تَرَكَ الدُّنْيا لِلدُّنْيا- كانَتْ (p-٥٧٨٣)مَحَبَّةُ اللَّهِ في قَلْبِهِ راجِحَةً عَلى مَحَبَّةِ كُلِّ شَيْءٍ، فَكانَ مِنَ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وإذا كانُوا كَذَلِكَ يَلْزَمُ مَحَبَّةُ اللَّهِ إيّاهُمْ، لِقَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِيبَ مَقْتِ المُخَلَّفِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْتَ قَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِ الَّذِينَ وُعِدُوا الثَّباتَ في قِتالِ الكُفّارِ، فَلَمْ يَفُوا. انْتَهى.
وأيَّدَهُ النّاصِرُ مِنَ الوُجْهَةِ البَيانِيَّةِ بِأنَّ الأوَّلَ كالبَسْطَةِ العامَّةَ لِهَذِهِ القِصَّةِ الخاصَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] فالنَّهْيُ العامُّ ورَدَ أوَّلًا، والمَقْصُودُ انْدِراجُ هَذا الخاصِّ فِيهِ، كَما تَقُولُ لِلْمُقْتَرِفِ جُرْمًا مُعَيَّنًا: لا تَفْعَلْ ما يُلْصِقُ العارَ بِكَ، ولا تُشاتِمُ زَيْدًا. وفائِدَةُ مِثْلِ هَذا النَّظْمِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ الواحِدِ مَرَّتَيْنِ، مُنْدَرِجًا في العُمُومِ، ومُفْرَدًا بِالخُصُوصِ. وهو أوْلى مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ عَلى الخُصُوصِ مَرَّتَيْنِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ في حَيِّزِ التَّكْرارِ، وهَذا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما في التَّعْمِيمِ مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ. انْتَهى.
الثّانِي: في "الإكْلِيلِ": قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] في وُجُوبِ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ، ونَذْرِ اللَّجاجِ. قالَ غَيْرُهُ: والوُعُودِ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو إنْكارٌ عَلى مَن يَعِدُ وعْدًا، أوْ يَقُولُ قَوْلًا، لا يَفِي بِهِ. ولِهَذا اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ إلى أنَّهُ يَجِبُ الوَفاءُ بِالوَعْدِ مُطْلَقًا، سَواءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ عَزْمُ المَوْعُودِ أمْ لا. واحْتَجُّوا أيْضًا مِنَ السُّنَّةِ بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ (p-٥٧٨٤)أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ»» . ولِهَذا أكَّدَ اللَّهُ تَعالى هَذا الإنْكارَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: أتانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا صَبِيٌّ، فَذَهَبَتْ لِأخْرُجَ لِألْعَبَ، فَقالَتْ أُمِّي: يا عَبْدَ اللَّهِ ! تَعالَ أُعْطِكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما أرَدْتِ أنْ تُعْطِيَهُ» ؟ قالَتْ: تَمْرًا. فَقالَ: «أمّا إنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي، كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ»» .
وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أنَّهُ إذا تَعَلَّقَ بِالوَعْدِ عَزْمٌ عَلى المَوْعُودِ، وجَبَ الوَفاءُ بِهِ. كَما قالَ لِغَيْرِهِ: تَزَوَّجْ ولَكَ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ كَذا. فَتَزَوَّجَ. وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهُ ما دامَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ مُطْلَقًا، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَمَنَّوْا فَرِيضَةَ الجِهادِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا فُرِضَ، نَكَلَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] وقالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] الآيَةَ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها كَما «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الجِهادُ، يَقُولُونَ: لَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٧٨٥)دَلَّنا عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ فَنَعْمَلُ بِهِ فَأخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ أحَبَّ الأعْمالِ إيمانٌ بِهِ لا شَكَّ فِيهِ، وجِهادُ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ خالَفُوا الإيمانَ، ولَمْ يُقِرُّوا بِهِ. فَلَمّا نَزَلَ الجِهادُ كَرِهَ ذَلِكَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وشَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]» وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ لَأتَيْناهُ، ولَوْ ذَهَبَتْ فِيهِ أنْفُسُنا وأمْوالُنا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ، تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، حَتّى شُجَّ وكُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ.
وقِيلَ: نَزَلَ هَذا تَوْبِيخًا لِقَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِدُونَ المُؤْمِنِينَ النَّصْرَ وهم كاذِبُونَ. يَقُولُونَ: لَوْ خَرَجْتُمْ خَرَجْنا مَعَكُمْ، وكُنّا في نَصْرِكُمْ، وفي وفي...... رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ.
وكُلُّ المَرْوِيِّ هُنا ما تَشْمَلُهُ الآيَةُ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «تَذاكَرْنا أيُّكم يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَسْألُهُ: أيُّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ فَلَمْ يَقُمْ مِنّا أحَدٌ، فَأرْسَلَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فَجَمَعَنا فَقَرَأ عَلَيْنا هَذِهِ السُّورَةَ -يَعْنِي سُورَةَ الصَّفِّ- كُلَّها». ولَفْظُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: لَوْ أرْسَلْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ النَّفَرَ رَجُلًا رَجُلًا، حَتّى جَمَعَهُمْ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ السُّورَةُ -الصَّفُّ- قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: فَقَرَأها عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّها».
وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَ الصَّحابِيِّ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، بِمَعْنى قُرِئَتْ في الحادِثَةِ، كَما بَيَّنَتْهُ الرِّوايَةُ قَبْلَهُ. والرِّواياتُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. وقَدْ نَبَّهْنا عَلى ذَلِكَ مِرارًا.
الثّالِثُ: في "الإكْلِيلِ" في قَوْلِهِ:
﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ اسْتِحْبابُ قِيامِ المُجاهِدِينَ في القِتالِ صُفُوفًا كَصُفُوفِ الصَّلاةِ، وأنَّهُ يُسْتَحَبُّ سَدُّ الفُرَجِ والخَلَلِ في الصُّفُوفِ، (p-٥٧٨٦)وإتْمامُ صَفِّ الأوَّلِ فالأوَّلِ، وتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ قَدَمًا بِقَدَمٍ، لا يَتَقَدَّمُ بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ فِيها.
قالَ ابْنُ أبِي الفَرَسِ: واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ قِتالَ الرَّجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ؛ لِأنَّ التَّراصَّ إنَّما يُمْكِنُ مِنهم. قالَ: وهو مَمْنُوعٌ. انْتَهى.
وفِي التَّشْبِيهِ وجْهانِ آخَرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ الثَّباتَ ورُسُوخَ الأقْدامِ في المَوْقِفِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُتَزَلْزِلَ القَدَمُ، والمُضْطَرِبَ في المَوْقِفِ: دَعْ مَن يَعْزِمُ عَلى الفِرارِ مِمَّنْ يَمْقُتُهُ اللَّهُ تَعالى، ولا تَنالُهُ مَحَبَّتُهُ.
ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المَعْنِيُّ بِهِ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ، والِاتِّفاقَ عَلى تَسْوِيَةِ الشَّأْنِ مَعَ العَدُوِّ، حَتّى يَكُونُوا في الِاتِّحادِ ومُوالاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ. وقَدْ أشارَ لِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ الرّازَّيُّ. وهُما أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ، لِتَقْوِيَتِهِما لِمَعْنى طَلِيعَةِ السُّورَةِ، مِنَ الثَّباتِ عَلى الوَعْدِ والوَفاءِ بِهِ، والعَتَبِ عَلى مَن يُخْلِفُ فِيهِ، كَما تَقَدَّمَ.
الصف 61:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: لِمَ تُوصِلُونَ إلَيَّ الأذى بِالمُخالَفَةِ والعِصْيانِ لِما آمُرُكم بِهِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ صِدْقِي فِيما جِئْتُكم بِهِ مِنَ الرِّسالَةِ، لِما شاهَدْتُمْ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ؟ ومُقْتَضى عِلْمِكم ذَلِكَ تَعْظِيمِي وإطاعَتِي؛ لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ وعَظَمَتَهُ، عَظَّمَ رَسُولَهُ؛ لِأنَّ تَعْظِيمَهُ في تَعْظِيمِ رَسُولِهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما أصابَهُ مِنَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ، وأمْرٌ لَهُ بِالصَّبْرِ. ولِهَذا قالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ««رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى! لَقَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ (p-٥٧٨٧)مِن هَذا فَصَبَرَ»» . وفِيهِ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُوصِلُوا لَهُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أذًى، كَما قالَ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] انْتَهى.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن شَناعَةِ تَرْكِ القِتالِ. و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ. خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ. أيْ: واذْكُرْ لِهَؤُلاءِ المُعْرِضِينَ عَنِ القِتالِ، وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ نَدَبَهم إلى قِتالِ الجَبابِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] فَلَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ، وعَصَوْهُ أشَدَّ عِصْيانٍ، حَيْثُ قالُوا: ﴿يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ، وآذَوْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كُلَّ الأذِيَّةِ. هَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، ويَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. وأمّا ما قِيلَ بِصَدَدِ بَيانِ أسْبابِ الأذِيَّةِ، مِن أنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهُ بِأنْواعِ الأذى، مِنَ انْتِقاصِهِ وعَيْبِهِ في نَفْسِهِ وعِصْيانِهِ فِيما تَعُودُ إلَيْهِمْ مَنافِعُهُ، وعِبادَتِهِمُ البَقَرَ، وطَلَبِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً، فَمِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. ومُلَخَّصُهُ: أنَّ المَقامَ يُعَيِّنُ نَوْعَ الأذِيَّةِ ويُخَصِّصُها، والقَرِينَةُ إحْدى مُخَصِّصاتِ العامِّ، إلّا أنَّ أخْذَها عامَّةً أعْظَمُ في التَّسْلِيَةِ وأوْلى، وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ.
﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أيْ: عَنْ مُقْتَضى عِلْمِهِمْ لِفَرْطِ الهَوى، وحُبِّ الدُّنْيا ﴿أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الهُدى، وحَجَبَهم عَنْ نُورِ الكَمالِ، لِصَرْفِ اخْتِيارِهِمْ نَحْوَ الغَيِّ والضَّلالِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ ومِنهاجِ الحَقِّ، المُصِرِّينَ عَلى الغَوايَةِ.
(p-٥٧٨٨)
الصف 61:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أيِ: الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى، وذَلِكَ مِمّا يَدْعُو إلى تَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ إيّاهُ، حُجَجًا عَلى نُبُوَّتِهِ، ﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنٌ.
والإشارَةُ إلى ما جاءَ بِهِ أوْ إلَيْهِ ﷺ، وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا مُبالَغَةٌ. يُرِيدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّ دِينِي التَّصْدِيقُ بِكُتُبِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ جَمِيعًا، مِمَّنْ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: نَقَلَ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ مِصْداقَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الإنْجِيلِ المَوْجُودِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. وذَلِكَ في "إنْجِيلِ يُوحَنّا"، في البابِ الرّابِعَ عَشَرَ، هَكَذا:
إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فاحْفَظُوا وصايايَ، وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم فارْقِلِيطَ آخَرَ لِيَثْبُتَ مَعَكم إلى الأبَدِ -كَما في النُّسْخَةِ المَطْبُوعَةِ سَنَةَ ١٨٢١ و١٨٣١ و١٨٣٣ بِمَدِينَةِ لَنْدَنَ - وفارْقِلِيطُ يُونانِيَّةٌ، ولَفْظُها الأصْلِيُّ بِيرْكِلُوطُ، ومَعْناهُ: مُحَمَّدٌ أوْ أحْمَدُ، كَما بَيَّنَهُ صاحِبُ "إظْهارِ الحَقِّ".
وذَكَرَتْ جَرِيدَةُ المُؤَيَّدِ عَدَدَ (٣٢٨٤) صَفْحَةِ (٢) تَحْتَ عُنْوانِ: لا يَعْدَمُ الإسْلامُ مُنْصِفًا:
وقالَ مِسْيُو مارْسِيهْ مِن مَدْرَسَةِ اللُّغاتِ الشَّرْقِيَّةِ، ما يَأْتِي:
إنَّ مُحَمَّدًا هو مُؤَسِّسُ الدِّينِ الإسْلامِيِّ، واسْمُ مُحَمَّدٍ جاءَ مِن مادَّةِ حَمَدَ. ومِن غَرِيبِ الِاتِّفاقِ (p-٥٧٨٩)أنَّ نَصارى العَرَبِ كانُوا يَسْتَعْمِلُونَ اسْمًا مِن نَفْسِ المادَّةِ يَقْرُبُ في المَعْنى مِن مُحَمَّدٍ، وهو أحْمَدُ، لِتَسْمِيَةِ البَراكِلِيَّةِ بِهِ، ومَعْنى أحْمَدَ صاحِبُ الحَمْدِ، وهَذا ما دَعا عُلَماءَ الدِّينِ الإسْلامِيِّ أنْ يُثْبِتُوا بِأنَّ كُتُبَ المَسِيحِيِّينَ قَدْ بَشَّرَتْ بِمَجِيءِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ. وقَدْ أشارَ القُرْآنُ نَفْسُهُ إلى هَذا بِقَوْلِهِ عَنِ المَسِيحِ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾
وقَدْ قالَ اسْبِرانْجِيهْ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُشِيرُ إشارَةً خاصَّةً إلى عِبارَةِ "إنْجِيلِ يُوحَنّا" حَيْثُ وعَدَ المَسِيحُ تَلامِذَتَهُ بِبَعْثَةِ صاحِبِ هَذا الِاسْمِ. انْتَهى بِالحَرْفِ.
وأمّا "إنْجِيلُ بِرْنابا" فَفِيهِ العِباراتُ الصَّرِيحَةُ المُتَكَرِّرَةُ، بَلِ الفُصُولُ الضّافِيَةُ الذُّيُولِ، الَّتِي يُذْكَرُ فِيها اسْمُ مُحَمَّدٍ في عَرْضِها ذِكْرًا صَرِيحًا، ويَقُولُ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بِيرَمٍ عَنْ رَحّالَةٍ إنْكِلِيزِيٍّ أنَّهُ رَأى في دارِ الكُتُبِ الباباوِيَّةِ في الفاتِيكانِ نُسْخَةً مِنَ الإنْجِيلِ مَكْتُوبَةً بِالقَلَمِ الحِمْيَرِيِّ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وفِيها يَقُولُ المَسِيحُ:
﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ وذَلِكَ مُوافِقٌ لِنَصِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِالحَرْفِ. وقَدْ بَدَّلَ الرُّهْبانُ نَقْطَ الفارْقِلِيطِ في المَطْبُوعاتِ الأخِيرَةِ بِ: "المُعَزِّي".
قالَ بَعْضُهُمْ: ولا عَجَبَ مِن هَذِهِ التَّحْرِيفاتِ المُتَجَدِّدَةِ بِتَجَدُّدِ الطَّبَعاتِ؛ فَإنَّها سَجِيَّةُ القَوْمِ في كُتُبِهِمُ المُقَدَّسَةِ.
؎سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "جَلاءِ الأفْهامِ": الفَرْقُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأحْمَدَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ مُحَمَّدًا هو المَحْمُودُ حَمْدًا بَعْدَ حَمْدٍ، فَهو دالٌّ عَلى كَثْرَةِ حَمْدِ الحامِدِينَ لَهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ مُوجِباتِ الحَمْدِ فِيهِ، و(أحْمَدُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الحَمْدِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَمْدَ الَّذِي (p-٥٧٩٠)يَسْتَحِقُّهُ أفْضَلُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ. فَمُحَمَّدٌ زِيادَةُ حَمْدٍ في الكَمِّيَّةِ، وأحْمَدُ زِيادَةٌ في الكَيْفِيَّةِ، فَيُحْمَدُ أكْثَرَ حَمْدٍ، وأفْضَلَ حَمْدٍ حَمِدَهُ البَشَرُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مُحَمَّدًا هو المَحْمُودُ حَمْدًا مُتَكَرِّرًا كَما تَقَدَّمَ، وأحْمَدُ هو الَّذِي حَمِدَهُ لِرَبِّهِ أفْضَلَ مِن حَمْدِ الحامِدِينَ غَيْرِهِ. فَدَلَّ أحَدُ الِاسْمَيْنِ - وهو مُحَمَّدٌ - كَوْنَهُ مَحْمُودًا. ودَلَّ الِاسْمُ الثّانِي: وهو أحْمَدُ - عَلى كَوْنِهِ أحْمَدَ الحامِدِينَ لِرَبِّهِ، وهَذا هو القِياسُ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ والتَّعَجُّبَ عِنْدَ جَماعَةِ البَصْرِيِّينَ لا يُبْنَيانِ إلّا مِن فِعْلِ الفاعِلِ، لا مِن فِعْلِ المَفْعُولِ، ذَهابًا إلى أنَّهُما إنَّما يُصاغانِ مِنَ الفِعْلِ اللّازِمِ لا المُتَعَدِّي ونازَعَهم آخَرُونَ وجَوَّزُوا بِناءَهُما مِنَ الفِعْلِ الواقِعِ عَلى المَفْعُولِ، لِقَوْلِ العَرَبِ: ما أشْغَلَهُ بِالشَّيْءِ.
إلى أنْ قالَ: والمَقْصُودُ أنَّهُ ﷺ سُمِّيَ مُحَمَّدًا وأحْمَدَ؛ لِأنَّهُ يُحْمَدُ أكْثَرَ ما يُحْمَدُ غَيْرُهُ، وأفْضَلَ مِمّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ. فالِاسْمانِ واقِعانِ، عَلى المَفْعُولِ، وهَذا هو المُخْتارُ. وذَلِكَ أبْلَغُ في مَدْحِهِ، وأتَمُّ مَعْنًى. ولَوْ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ لَسُمِّيَ الحَمّادَ وهو كَثِيرُ الحَمْدِ، كَما سُمِّيَ مُحَمَّدًا، وهو المَحْمُودُ كَثِيرًا؛ فَإنَّهُ ﷺ ««كانَ أكْثَرَ الخَلْقِ حَمْدًا لِرَبِّهِ»»، فَلَوْ كانَ اسْمَهُ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ، لَكانَ الأوْلى أنْ يُسَمّى حَمّادًا، كَما أنَّ اسْمَ أُمَّتِهِ الحَمّادُونَ. وأيْضًا فَإنَّ الِاسْمَيْنِ إنَّما اشْتُقّا مِن أخْلاقِهِ وخَصائِلِهِ المَحْمُودَةِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقَّ أنْ يُسَمّى مُحَمَّدًا وأحْمَدَ، فَهو الَّذِي يَحْمَدُهُ أهْلُ الدُّنْيا وأهْلُ الآخِرَةِ، ويَحْمَدُهُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلِكَثْرَةِ خَصائِلِهِ الَّتِي تَفُوتُ عَدَّ العادِّينَ سُمِّيَ بِاسْمَيْنِ مِن أسْماءِ الحَمْدِ، يَقْتَضِيانِ التَّفْضِيلَ والزِّيادَةَ في القَدْرِ والصِّفَةِ. انْتَهى.
الصف 61:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ وأشَدُّ عُدْوانًا مِمَّنْ يُدْعى إلى الإسْلامِ الظّاهِرِ حَقِيقَتُهُ، المُسْعِدِ لَهُ في الدّارَيْنِ، فَيَسْتَبْدِلُ إجابَتَهُ (p-٥٧٩١)بِافْتِراءِ الكَذِبِ، واخْتِلاقِهِ عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ لِكَلامِهِ تَعالى: سِحْرٌ، ولِرَسُولِهِ: ساحِرٌ، وهَذِهِ الآيَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ لِتَحْقِيقِ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ، طَلِيعَةَ لِلْآياتِ بَعْدَها، وإمّا مُتَمِّمَةٌ لِما قَبْلَها، لِتَقْبِيحِ ما بَهَتَ بِهِ الإسْرائِيلِيُّونَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الإشارَةِ بِعُمُومِها إلى ذَمِّ كُلِّ مَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ. ولا يُقالُ: " الإسْلامُ " يُؤَيِّدُ الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ عُنْوانُ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُرادُ بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ. وقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ في آياتٍ شَتّى، نَعَمِ: الأقْرَبُ الأوَّلُ، واحْتِمالُ مِثْلِ الآيَةِ لِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ مَعَ بَدائِعِ التَّنْزِيلِ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ بِما أُنْزِلَ مِنَ الحَقِّ.
الصف 61:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ القائِلُونَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: هَذا ساحِرٌ، لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ ساحِرٌ، وما جاءَ بِهِ سِحْرٌ، واللَّهُ مُعْلِنٌ الحَقَّ، ومُظْهِرٌ دِينَهُ، وناصِرٌ رَسُولَهُ عَلى مَن عاداهُ، فَذَلِكَ إتْمامُ نُورِهِ. انْتَهى.
فَ: ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِدِينِهِ، و(الإطْفاءُ) تَرْشِيحٌ، أوِ التَّرْكِيبُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، مُثِّلَتْ عَلى حالِهِمْ في اجْتِهادِهِمْ في إبْطالِ الحَقِّ، بِحالِ مَن يَنْفُخُ في نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ لِيُطْفِئَهُ، تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً بِهِمْ، كَما يَقُولُ النّاسُ: هو يُطَيِّنُ عَيْنَ الشَّمْسِ والثّانِي أبْلَغُ وألْطَفُ، وهو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وفِي لامِ ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ مَذاهِبُ لِلنُّحاةِ مُقَرَّرَةٌ في المُطَوَّلاتِ، ومِن أشْهَرِها أنَّها مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإرادَةِ، لِما في لامِ العِلَّةِ مِنَ الإشْعارِ بِالإرادَةِ والقَصْدِ.
(p-٥٧٩٢)
الصف 61:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾
﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ﴿بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عَلى كُلِّ دِينٍ سِواهُ. وذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وحِينَ تَصِيرُ المِلَّةُ واحِدَةً، فَلا يَكُونُ دِينٌ غَيْرَ الإسْلامِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لِيُعْلِيَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، ولَعَمْرِي لَقَدْ فَعَلَ، فَما بَقِيَ دِينٌ مِنَ الأدْيانِ إلّا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ بِدِينِ الإسْلامِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الفَتْحِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيقٌ آخَرُ، فَلْيُراجَعْ.
﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ أيْ: لِما فِيهِ مِن مَحْضِ التَّوْحِيدِ، وإبْطالِ الشِّرْكِ.
الصف 61:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] (p-٥٧٩٣)أيْ: إيمانًا يَقِينِيًّا لا يَشُوبُهُ أدْنى شَكٍّ ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] أيْ: مِن أهْلِ العِلْمِ. أوْ أنَّهُ خَيْرٌ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ بِنَفْسِهِ عَلِمُوا أوَّلًا، وأيْضًا أنَّ عِلْمَهم مُحَقَّقٌ؛ إذِ الخِطابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ. فالجَوابُ ما قالَهُ النّاصِرُ: أنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، بَلْ هو مِن وادِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] والمَقْصُودُ بِهَذا الشَّرْطِ التَّنْبِيهُ عَلى المَعْنى الَّذِي يَقْتَضِي الِامْتِثالَ، وإلْهابَ الحَمِيَّةِ لِلطّاعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تَأْمُرُهُ بِالِانْتِصافِ مِن عَدُوِّهِ: إنْ كُنْتَ حُرًّا فانْتَصِرْ. تُرِيدُ أنْ تُثِيرَ فِيهِ حَمِيَّةَ الِانْتِصارِ لا غَيْرَ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] جَوابٌ لِلْأمْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الخَبَرِ. أوْ لِشَرْطٍ أوِ اسْتِفْهامٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ تَقْدِيرُهُ: إنْ تُؤْمِنُوا وتُجاهِدُوا. أوْ هَلْ تَقْبَلُونَ أنْ أدُلَّكُمْ، يَغْفِرُ لَكم ﴿ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف: ١٢] أيْ: بَساتِينَ إقامَةٍ لا ظَعْنَ عَنْها ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] أيِ: النَّجاءُ العَظِيمُ مِن نَكالِ الآخِرَةِ وأهْوالِها.
﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] أيْ: عاجِلٌ. وهو فَتْحُ مَكَّةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَلِيلٍ. وكانَ القَصْدُ مِنها تَشْجِيعَ المُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِ مُحارِبِيهِمْ، والثَّباتِ أمامَهُمْ، والتَّحْذِيرِ عَنِ الزَّيْغِ عَنْ ذَلِكَ، والتَّرْغِيبِ في السَّخاوَةِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ، في سَبِيلِ الحَقِّ، لِإعْلاءِ شَأْنِهِ، وإزْهاقِ الباطِلِ. و" أُخْرى " مَفْعُولٌ لِمُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى الجَوابَيْنِ قَبْلَهُ، وهو جَوابٌ ثالِثٌ. أيْ: ويُؤْتِكم أُخْرى أوْ صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وهو لَكُمْ، أيْ: ولَكم إلى هَذِهِ النِّعْمَةِ المَذْكُورَةِ، نِعْمَةٌ أُخْرى عاجِلَةٌ مَحْبُوبَةٌ، وهي نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لَكم عَلى أعْدائِكُمْ، وفَتْحٌ قَرِيبٌ يُعَجِّلُهُ لَكم.
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] أيْ: بِنَصْرِهِ تَعالى لَهم وفَتْحِهِ. ومَن مَنَعَ مِنَ النُّحاةِ عَطْفَ الإنْشاءِ (p-٥٧٩٤)عَلى الخَبَرِ يَقُولُ: و" بَشِّرِ " مَعْطُوفٌ عَلى " تُؤْمِنُونَ "؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى آمِنُوا. وضُعِّفَ بِأنَّ المُخاطَبَ بِ: " تُؤْمِنُونَ " المُؤْمِنُونَ، وبِ: " بَشِّرِ " النَّبِيُّ ﷺ. ثُمَّ إنَّ " تُؤْمِنُونَ " بَيانٌ لِما قَبْلَهُ، و" بَشِّرِ " لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ عَلى الجَوابِ، ما هو زِيادَةٌ عَلَيْهِ إذا ناسَبَهُ. وهَذا أوْلى عَلى الوُجُوهِ عِنْدَ صاحِبِ "الكَشْفِ"، كَتَقْدِيرِ: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، و"بَشِّرْ"، وتَقْدِيرِ: قُلْ قَبْلَ: " يا أيُّها " وجَعْلِ: "بَشِّرْ" أمْرًا بِمَعْنى الخَبَرِ، كَما في قَوْلِهِ: أبْطِئِي أوْ أسْرِعِي.
الصف 61:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] (p-٥٧٩٣)أيْ: إيمانًا يَقِينِيًّا لا يَشُوبُهُ أدْنى شَكٍّ ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] أيْ: مِن أهْلِ العِلْمِ. أوْ أنَّهُ خَيْرٌ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ بِنَفْسِهِ عَلِمُوا أوَّلًا، وأيْضًا أنَّ عِلْمَهم مُحَقَّقٌ؛ إذِ الخِطابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ. فالجَوابُ ما قالَهُ النّاصِرُ: أنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، بَلْ هو مِن وادِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] والمَقْصُودُ بِهَذا الشَّرْطِ التَّنْبِيهُ عَلى المَعْنى الَّذِي يَقْتَضِي الِامْتِثالَ، وإلْهابَ الحَمِيَّةِ لِلطّاعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تَأْمُرُهُ بِالِانْتِصافِ مِن عَدُوِّهِ: إنْ كُنْتَ حُرًّا فانْتَصِرْ. تُرِيدُ أنْ تُثِيرَ فِيهِ حَمِيَّةَ الِانْتِصارِ لا غَيْرَ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] جَوابٌ لِلْأمْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الخَبَرِ. أوْ لِشَرْطٍ أوِ اسْتِفْهامٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ تَقْدِيرُهُ: إنْ تُؤْمِنُوا وتُجاهِدُوا. أوْ هَلْ تَقْبَلُونَ أنْ أدُلَّكُمْ، يَغْفِرُ لَكم ﴿ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف: ١٢] أيْ: بَساتِينَ إقامَةٍ لا ظَعْنَ عَنْها ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] أيِ: النَّجاءُ العَظِيمُ مِن نَكالِ الآخِرَةِ وأهْوالِها.
﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] أيْ: عاجِلٌ. وهو فَتْحُ مَكَّةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَلِيلٍ. وكانَ القَصْدُ مِنها تَشْجِيعَ المُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِ مُحارِبِيهِمْ، والثَّباتِ أمامَهُمْ، والتَّحْذِيرِ عَنِ الزَّيْغِ عَنْ ذَلِكَ، والتَّرْغِيبِ في السَّخاوَةِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ، في سَبِيلِ الحَقِّ، لِإعْلاءِ شَأْنِهِ، وإزْهاقِ الباطِلِ. و" أُخْرى " مَفْعُولٌ لِمُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى الجَوابَيْنِ قَبْلَهُ، وهو جَوابٌ ثالِثٌ. أيْ: ويُؤْتِكم أُخْرى أوْ صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وهو لَكُمْ، أيْ: ولَكم إلى هَذِهِ النِّعْمَةِ المَذْكُورَةِ، نِعْمَةٌ أُخْرى عاجِلَةٌ مَحْبُوبَةٌ، وهي نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لَكم عَلى أعْدائِكُمْ، وفَتْحٌ قَرِيبٌ يُعَجِّلُهُ لَكم.
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] أيْ: بِنَصْرِهِ تَعالى لَهم وفَتْحِهِ. ومَن مَنَعَ مِنَ النُّحاةِ عَطْفَ الإنْشاءِ (p-٥٧٩٤)عَلى الخَبَرِ يَقُولُ: و" بَشِّرِ " مَعْطُوفٌ عَلى " تُؤْمِنُونَ "؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى آمِنُوا. وضُعِّفَ بِأنَّ المُخاطَبَ بِ: " تُؤْمِنُونَ " المُؤْمِنُونَ، وبِ: " بَشِّرِ " النَّبِيُّ ﷺ. ثُمَّ إنَّ " تُؤْمِنُونَ " بَيانٌ لِما قَبْلَهُ، و" بَشِّرِ " لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ عَلى الجَوابِ، ما هو زِيادَةٌ عَلَيْهِ إذا ناسَبَهُ. وهَذا أوْلى عَلى الوُجُوهِ عِنْدَ صاحِبِ "الكَشْفِ"، كَتَقْدِيرِ: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، و"بَشِّرْ"، وتَقْدِيرِ: قُلْ قَبْلَ: " يا أيُّها " وجَعْلِ: "بَشِّرْ" أمْرًا بِمَعْنى الخَبَرِ، كَما في قَوْلِهِ: أبْطِئِي أوْ أسْرِعِي.
الصف 61:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] (p-٥٧٩٣)أيْ: إيمانًا يَقِينِيًّا لا يَشُوبُهُ أدْنى شَكٍّ ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] أيْ: مِن أهْلِ العِلْمِ. أوْ أنَّهُ خَيْرٌ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ بِنَفْسِهِ عَلِمُوا أوَّلًا، وأيْضًا أنَّ عِلْمَهم مُحَقَّقٌ؛ إذِ الخِطابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ. فالجَوابُ ما قالَهُ النّاصِرُ: أنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، بَلْ هو مِن وادِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] والمَقْصُودُ بِهَذا الشَّرْطِ التَّنْبِيهُ عَلى المَعْنى الَّذِي يَقْتَضِي الِامْتِثالَ، وإلْهابَ الحَمِيَّةِ لِلطّاعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تَأْمُرُهُ بِالِانْتِصافِ مِن عَدُوِّهِ: إنْ كُنْتَ حُرًّا فانْتَصِرْ. تُرِيدُ أنْ تُثِيرَ فِيهِ حَمِيَّةَ الِانْتِصارِ لا غَيْرَ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] جَوابٌ لِلْأمْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الخَبَرِ. أوْ لِشَرْطٍ أوِ اسْتِفْهامٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ تَقْدِيرُهُ: إنْ تُؤْمِنُوا وتُجاهِدُوا. أوْ هَلْ تَقْبَلُونَ أنْ أدُلَّكُمْ، يَغْفِرُ لَكم ﴿ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف: ١٢] أيْ: بَساتِينَ إقامَةٍ لا ظَعْنَ عَنْها ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] أيِ: النَّجاءُ العَظِيمُ مِن نَكالِ الآخِرَةِ وأهْوالِها.
﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] أيْ: عاجِلٌ. وهو فَتْحُ مَكَّةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَلِيلٍ. وكانَ القَصْدُ مِنها تَشْجِيعَ المُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِ مُحارِبِيهِمْ، والثَّباتِ أمامَهُمْ، والتَّحْذِيرِ عَنِ الزَّيْغِ عَنْ ذَلِكَ، والتَّرْغِيبِ في السَّخاوَةِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ، في سَبِيلِ الحَقِّ، لِإعْلاءِ شَأْنِهِ، وإزْهاقِ الباطِلِ. و" أُخْرى " مَفْعُولٌ لِمُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى الجَوابَيْنِ قَبْلَهُ، وهو جَوابٌ ثالِثٌ. أيْ: ويُؤْتِكم أُخْرى أوْ صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وهو لَكُمْ، أيْ: ولَكم إلى هَذِهِ النِّعْمَةِ المَذْكُورَةِ، نِعْمَةٌ أُخْرى عاجِلَةٌ مَحْبُوبَةٌ، وهي نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لَكم عَلى أعْدائِكُمْ، وفَتْحٌ قَرِيبٌ يُعَجِّلُهُ لَكم.
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] أيْ: بِنَصْرِهِ تَعالى لَهم وفَتْحِهِ. ومَن مَنَعَ مِنَ النُّحاةِ عَطْفَ الإنْشاءِ (p-٥٧٩٤)عَلى الخَبَرِ يَقُولُ: و" بَشِّرِ " مَعْطُوفٌ عَلى " تُؤْمِنُونَ "؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى آمِنُوا. وضُعِّفَ بِأنَّ المُخاطَبَ بِ: " تُؤْمِنُونَ " المُؤْمِنُونَ، وبِ: " بَشِّرِ " النَّبِيُّ ﷺ. ثُمَّ إنَّ " تُؤْمِنُونَ " بَيانٌ لِما قَبْلَهُ، و" بَشِّرِ " لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ عَلى الجَوابِ، ما هو زِيادَةٌ عَلَيْهِ إذا ناسَبَهُ. وهَذا أوْلى عَلى الوُجُوهِ عِنْدَ صاحِبِ "الكَشْفِ"، كَتَقْدِيرِ: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، و"بَشِّرْ"، وتَقْدِيرِ: قُلْ قَبْلَ: " يا أيُّها " وجَعْلِ: "بَشِّرْ" أمْرًا بِمَعْنى الخَبَرِ، كَما في قَوْلِهِ: أبْطِئِي أوْ أسْرِعِي.
الصف 61:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] (p-٥٧٩٣)أيْ: إيمانًا يَقِينِيًّا لا يَشُوبُهُ أدْنى شَكٍّ ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] أيْ: مِن أهْلِ العِلْمِ. أوْ أنَّهُ خَيْرٌ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ بِنَفْسِهِ عَلِمُوا أوَّلًا، وأيْضًا أنَّ عِلْمَهم مُحَقَّقٌ؛ إذِ الخِطابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ. فالجَوابُ ما قالَهُ النّاصِرُ: أنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، بَلْ هو مِن وادِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] والمَقْصُودُ بِهَذا الشَّرْطِ التَّنْبِيهُ عَلى المَعْنى الَّذِي يَقْتَضِي الِامْتِثالَ، وإلْهابَ الحَمِيَّةِ لِلطّاعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تَأْمُرُهُ بِالِانْتِصافِ مِن عَدُوِّهِ: إنْ كُنْتَ حُرًّا فانْتَصِرْ. تُرِيدُ أنْ تُثِيرَ فِيهِ حَمِيَّةَ الِانْتِصارِ لا غَيْرَ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] جَوابٌ لِلْأمْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الخَبَرِ. أوْ لِشَرْطٍ أوِ اسْتِفْهامٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ تَقْدِيرُهُ: إنْ تُؤْمِنُوا وتُجاهِدُوا. أوْ هَلْ تَقْبَلُونَ أنْ أدُلَّكُمْ، يَغْفِرُ لَكم ﴿ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف: ١٢] أيْ: بَساتِينَ إقامَةٍ لا ظَعْنَ عَنْها ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] أيِ: النَّجاءُ العَظِيمُ مِن نَكالِ الآخِرَةِ وأهْوالِها.
﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] أيْ: عاجِلٌ. وهو فَتْحُ مَكَّةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَلِيلٍ. وكانَ القَصْدُ مِنها تَشْجِيعَ المُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِ مُحارِبِيهِمْ، والثَّباتِ أمامَهُمْ، والتَّحْذِيرِ عَنِ الزَّيْغِ عَنْ ذَلِكَ، والتَّرْغِيبِ في السَّخاوَةِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ، في سَبِيلِ الحَقِّ، لِإعْلاءِ شَأْنِهِ، وإزْهاقِ الباطِلِ. و" أُخْرى " مَفْعُولٌ لِمُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى الجَوابَيْنِ قَبْلَهُ، وهو جَوابٌ ثالِثٌ. أيْ: ويُؤْتِكم أُخْرى أوْ صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وهو لَكُمْ، أيْ: ولَكم إلى هَذِهِ النِّعْمَةِ المَذْكُورَةِ، نِعْمَةٌ أُخْرى عاجِلَةٌ مَحْبُوبَةٌ، وهي نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لَكم عَلى أعْدائِكُمْ، وفَتْحٌ قَرِيبٌ يُعَجِّلُهُ لَكم.
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] أيْ: بِنَصْرِهِ تَعالى لَهم وفَتْحِهِ. ومَن مَنَعَ مِنَ النُّحاةِ عَطْفَ الإنْشاءِ (p-٥٧٩٤)عَلى الخَبَرِ يَقُولُ: و" بَشِّرِ " مَعْطُوفٌ عَلى " تُؤْمِنُونَ "؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى آمِنُوا. وضُعِّفَ بِأنَّ المُخاطَبَ بِ: " تُؤْمِنُونَ " المُؤْمِنُونَ، وبِ: " بَشِّرِ " النَّبِيُّ ﷺ. ثُمَّ إنَّ " تُؤْمِنُونَ " بَيانٌ لِما قَبْلَهُ، و" بَشِّرِ " لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ عَلى الجَوابِ، ما هو زِيادَةٌ عَلَيْهِ إذا ناسَبَهُ. وهَذا أوْلى عَلى الوُجُوهِ عِنْدَ صاحِبِ "الكَشْفِ"، كَتَقْدِيرِ: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، و"بَشِّرْ"، وتَقْدِيرِ: قُلْ قَبْلَ: " يا أيُّها " وجَعْلِ: "بَشِّرْ" أمْرًا بِمَعْنى الخَبَرِ، كَما في قَوْلِهِ: أبْطِئِي أوْ أسْرِعِي.
الصف 61:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْصارَ الحَقِّ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمَرَ بِهِ، ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن مَعِي وجُنْدِي مُتَوَجِّهًا إلى نُصْرَةِ اللَّهِ، ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ: نَنْصُرُ دِينَهُ، وما أمَرَ بِهِ، ونَدْعُو إلَيْهِ، ونُضَحِّي لِأجْلِهِ حَياتَنا، ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَهَضَتْ تَدْعُو إلى ما بُعِثَ بِهِ، وتَنْشُرُ دَعْوَتَهُ، ﴿وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ ﴿﴾ أيْ: غالِبِينَ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ الواضِحَةِ، والحُجَجِ الظّاهِرَةِ، والسُّلْطَةِ القاهِرَةِ، وفِيهِ بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّأْيِيدِ الرَّبّانِيِّ لَهُمْ، ما دامُوا مُتَناصِرِينَ عَلى الحَقِّ، مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ، غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ عَنْهُ ولا مُتَخاذِلِينَ، كَما وقَعَ لِسَلَفِهِمْ، اتَّفَقُوا فَمَلَكُوا، وإلّا فَإذا تَفَرَّقُوا هَلَكُوا.
(p-٥٧٩٥)لَطِيفَةٌ:
لَيْسَ التَّشْبِيهُ عَلى ظاهِرِهِ، مِن تَشْبِيهِ كَوْنِ المُؤْمِنِينَ أنْصارَ اللَّهِ بِقَوْلِ عِيسى؛ إذْ لا وجْهَ لِتَشْبِيهِ الكَوْنِ بِالقَوْلِ، بَلْ هو مُؤَوَّلٌ بِجَعْلِ التَّشْبِيهِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، إمّا عَلى تَقْدِيرِ: قُلْ لَهُمْ، كَما قالَ عِيسى، لِظُهُورِهِ فِيهِ، وانْصِبابِ الكَلامِ إلَيْهِ، أوْ تَقْدِيرِ: كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ، كَما كانَ الحَوارِيُّونَ حِينَ قالَ لَهم عِيسى: مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ؟
قالَ الشِّهابُ: فَ: "ما " مَصْدَرِيَّةٌ، وهي مَعَ صِلَتِها ظَرْفٌ، والأصْلُ: كَكَوْنِ الحَوارِيِّينَ أنْصارًا وقْتَ قَوْلِ عِيسى. ثُمَّ حُذِفَ المَظْرُوفُ، وأُقِيمَ ظَرْفُهُ مَقامَهُ. وقَدْ جُعِلَتِ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ. والأصْلُ: كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ حِينَ قالَ لَكُمُ النَّبِيُّ: مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ؟ كَما كانَ الحَوارِيُّونَ أنْصارَ اللَّهِ، حِينَ قالَ لَهم عِيسى: مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ؟ فَحَذَفَ مِن كُلٍّ مِنهُما، ما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ في الآخَرِ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
الجمعة 62:1
(p-٥٧٩٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الجُمُعَةِ
مَدَنِيَّةٌ. وآيُها إحْدى عَشْرَةَ.
رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ والمُنافِقِينَ».
(p-٥٧٩٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ﴾ [الجمعة: ٢] أيِ: العَرَبِ، ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ، أُمِّيًّا مِثْلَهُمْ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا مِثْلَهم لَمْ تُعْهَدْ مِنهُ قِراءَةٌ ولا تَعَلُّمٌ، ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مِن خَبائِثِ العَقائِدِ والأخْلاقِ، ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] أيِ: القُرْآنَ والسُّنَّةَ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: جَوْرٍ عَنِ الحَقِّ، وانْحِرافٍ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ. وهو بَيانٌ لِشِدَّةِ افْتِقارِهِمْ إلى نَبِيٍّ يُرْشِدُهم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَبَعَثَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُمُوسٍ مِنَ السُّبُلِ، وقَدِ اشْتَدَّتِ الحاجَةُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا قَدِيمًا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَّلُوهُ وغَيَّرُوهُ، واسْتَبْدَلُوا بِالتَّوْحِيدِ شِرْكًا، وبِاليَقِينِ شَكًّا، وابْتَدَعُوا أشْياءَ لَمْ يَأْذَنْ بِها اللَّهُ. وكَذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا كُتُبَهم وحَرَّفُوها، وأوَّلُوها، فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِشَرْعٍ عَظِيمٍ كامِلٍ شامِلٍ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فِيهِ هِدايَتُهُمْ، والبَيانُ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، والدَّعْوَةُ لَهم إلى ما يُقَرِّبُهم إلى الجَنَّةِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهُمْ، والنَّهْيُ عَمّا يُقَرِّبُهم إلى النّارِ وسَخَطِ اللَّهِ تَعالى، حاكِمٌ فاصِلٌ لِجَمِيعِ الشُّبَهاتِ والشُّكُوكِ والرِّيَبِ، في الأُصُولِ والفُرُوعِ، (p-٥٧٩٨)وجَمَعَ لَهُ تَعالى -ولَهُ الحَمْدُ والمِنَّةُ- جَمِيعَ المَحاسِنِ فِيمَن كانَ قَبْلَهُ، وأعْطاهُ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا مِنَ الأوَّلِينَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا مِنَ الآخِرِينَ، فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ دائِمًا إلى يَوْمِ الدِّينِ. انْتَهى.
وإنَّما أُوثِرَتْ بِعْثَتُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في الأُمِّيِّينَ؛ لِأنَّهم أحَدُ النّاسِ أذْهانًا، وأقْواهم جَنانًا، وأصْفاهم فِطْرَةً، وأفْصَحُهم بَيانًا، لَمْ تُفْسَدْ فِطْرَتُهم بِغَواشِي المُتَحَضِّرِينَ، ولا بِأفانِينِ تَلاعُبِ أُولَئِكَ المُتَمَدِّنِينَ، ولِذا انْقَلَبُوا إلى النّاسِ بَعْدَ الإسْلامِ بِعِلْمٍ عَظِيمٍ، وحِكْمَةٍ باهِرَةٍ، وسِياسَةٍ عادِلَةٍ، قادُوا بِها مُعْظَمَ الأُمَمِ، ودَوَّخُوا بِها أعْظَمَ المَمالِكِ. وإيثارُ البِعْثَةِ فِيهِمْ -بِمَعْنى إظْهارِها فِيهِمْ- لا يُنافِي عُمُومَ الرِّسالَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ:
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقَوْلِهِ:
﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ:
الجمعة 62:2
(p-٥٧٩٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الجُمُعَةِ
مَدَنِيَّةٌ. وآيُها إحْدى عَشْرَةَ.
رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ والمُنافِقِينَ».
(p-٥٧٩٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ﴾ [الجمعة: ٢] أيِ: العَرَبِ، ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ، أُمِّيًّا مِثْلَهُمْ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا مِثْلَهم لَمْ تُعْهَدْ مِنهُ قِراءَةٌ ولا تَعَلُّمٌ، ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مِن خَبائِثِ العَقائِدِ والأخْلاقِ، ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] أيِ: القُرْآنَ والسُّنَّةَ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: جَوْرٍ عَنِ الحَقِّ، وانْحِرافٍ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ. وهو بَيانٌ لِشِدَّةِ افْتِقارِهِمْ إلى نَبِيٍّ يُرْشِدُهم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَبَعَثَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُمُوسٍ مِنَ السُّبُلِ، وقَدِ اشْتَدَّتِ الحاجَةُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا قَدِيمًا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَّلُوهُ وغَيَّرُوهُ، واسْتَبْدَلُوا بِالتَّوْحِيدِ شِرْكًا، وبِاليَقِينِ شَكًّا، وابْتَدَعُوا أشْياءَ لَمْ يَأْذَنْ بِها اللَّهُ. وكَذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا كُتُبَهم وحَرَّفُوها، وأوَّلُوها، فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِشَرْعٍ عَظِيمٍ كامِلٍ شامِلٍ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فِيهِ هِدايَتُهُمْ، والبَيانُ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، والدَّعْوَةُ لَهم إلى ما يُقَرِّبُهم إلى الجَنَّةِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهُمْ، والنَّهْيُ عَمّا يُقَرِّبُهم إلى النّارِ وسَخَطِ اللَّهِ تَعالى، حاكِمٌ فاصِلٌ لِجَمِيعِ الشُّبَهاتِ والشُّكُوكِ والرِّيَبِ، في الأُصُولِ والفُرُوعِ، (p-٥٧٩٨)وجَمَعَ لَهُ تَعالى -ولَهُ الحَمْدُ والمِنَّةُ- جَمِيعَ المَحاسِنِ فِيمَن كانَ قَبْلَهُ، وأعْطاهُ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا مِنَ الأوَّلِينَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا مِنَ الآخِرِينَ، فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ دائِمًا إلى يَوْمِ الدِّينِ. انْتَهى.
وإنَّما أُوثِرَتْ بِعْثَتُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في الأُمِّيِّينَ؛ لِأنَّهم أحَدُ النّاسِ أذْهانًا، وأقْواهم جَنانًا، وأصْفاهم فِطْرَةً، وأفْصَحُهم بَيانًا، لَمْ تُفْسَدْ فِطْرَتُهم بِغَواشِي المُتَحَضِّرِينَ، ولا بِأفانِينِ تَلاعُبِ أُولَئِكَ المُتَمَدِّنِينَ، ولِذا انْقَلَبُوا إلى النّاسِ بَعْدَ الإسْلامِ بِعِلْمٍ عَظِيمٍ، وحِكْمَةٍ باهِرَةٍ، وسِياسَةٍ عادِلَةٍ، قادُوا بِها مُعْظَمَ الأُمَمِ، ودَوَّخُوا بِها أعْظَمَ المَمالِكِ. وإيثارُ البِعْثَةِ فِيهِمْ -بِمَعْنى إظْهارِها فِيهِمْ- لا يُنافِي عُمُومَ الرِّسالَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ:
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقَوْلِهِ:
﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ:
الجمعة 62:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " الأُمِّيِّينَ "
يَعْنِي: أنَّهُ بَعَثَهُ في الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ عَلى عَهْدِهِ، وفي آخَرِينَ مِنَ الأُمِّيِّينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ، وسَيَلْحَقُونَ بِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ بَعْدَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مِن كُلِّ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قالَ الرّازِيُّ: فالمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ العَرَبُ، وبِالآخَرِينَ سِواهم مِنَ الأُمَمِ، وجَعَلَهم مِنهُمْ؛ لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهُمْ، فالمُسْلِمُونَ كُلُّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أجْناسُهُمْ، قالَ تَعالى:
﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] انْتَهى.
(p-٥٧٩٩)تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: في الآيَةِ مُعْجِزَةٌ مِن مُعْجِزاتِ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ في الإخْبارِ عَنْ غَيْبٍ وقَعَ، والبِشارَةِ بِدُخُولِ أُمَمٍ غَيْرِ العَرَبِ في الإسْلامِ قَدْ حَصَلَ، فَقَدْ صارَتْ تِلْكَ الأُمَمُ الَّتِي أسْلَمَتْ، مِنَ العَرَبِ لِأنَّ بِلادَهم صارَتْ بِلادَ العَرَبِ، ولُغَتُهم لُغَةُ العَرَبِ، وكَذَلِكَ دِينُهم وعاداتُهُمْ، حَتّى أصْبَحُوا مِنَ العَرَبِ جِنْسًا ودِينًا ولُغَةً، وحَتّى صارَ لَفْظُ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ المُسْلِمِينَ مِن جَمِيعِ الأجْناسِ؛ لِأنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] فَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ.
الجمعة 62:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ يَعْنِي بِعْثَتَهُ تَعالى رَسُولًا في الأُمِّيِّينَ، وفي آخَرِينَ، فَضْلٌ تَفَضَّلَ بِهِ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ واخْتارَهُ لِذَلِكَ، وهو أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ، والآياتُ هَذِهِ رَدٌّ عَلى مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ ﷺ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ؛ حَسَدًا وعِنادًا، مَعَ أنَّ لَدَيْهِمْ مِن شَواهِدِ رِسالَتِهِ ما لا تَرْتابُ أفْئِدَتُهم بِصِدْقِها، ولِذا نَعى عَلَيْهِمْ مُخالَفَتَهم لِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الجمعة 62:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ قالَ (p-٥٨٠٠)الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ اليَهُودَ في أنَّهم حَمَلَةُ التَّوْراةِ وقُرّاؤُها، وحِفاظُ ما فِيها، ثُمَّ إنَّهم غَيْرُ عامِلِينَ بِها، ولا مُنْتَفِعِينَ بِآياتِها؛ وذَلِكَ أنَّ فِيها نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والبِشارَةَ بِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ -بِالحِمارِ حَمَلَ أسْفارًا- أيْ: كُتُبًا كِبارًا مِن كُتُبِ العِلْمِ، فَهو يَمْشِي بِها ولا يَدْرِي مِنها إلّا ما يَمُرُّ بِجَنْبَيْهِ وظَهْرِهِ مِنَ الكَدِّ والتَّعَبِ، وكُلُّ مَن عَلِمَ ولَمْ يَعْمَلْ، فَهَذا مَثَلُهُ، وبِئْسَ المَثَلُ! ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ وهو اليَهُودُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ، الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَعْنى ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ كُلِّفُوا عِلْمَها، والعَمَلَ بِها، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِها، فَكَأنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها في الحَقِيقَةِ لِفَقْدِ العَمَلِ. انْتَهى.
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ": قاسَ مَن حَمَّلَهُ سُبْحانَهُ كِتابَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ ويَتَدَبَّرَهُ ويَعْمَلَ بِهِ ويَدْعُوَ إلَيْهِ، ثُمَّ خالَفَ ذَلِكَ، ولَمْ يَحْمِلْهُ إلّا عَلى ظَهْرِ قَلْبٍ، فَقِراءَتُهُ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَهُّمٍ ولا اتِّباعٍ لَهُ، ولا تَحْكِيمٍ لَهُ، وعَمَلٍ بِمُوجِبِهِ -كَحِمارٍ عَلى ظَهْرِهِ زامِلَةُ أسْفارٍ- لا يَدْرِي ما فِيها، وحَظُّهُ مِنها حَمْلُها عَلى ظَهْرِهِ لَيْسَ إلّا. فَحَظُّهُ مِن كِتابِ اللَّهِ كَحَظِّ هَذا الحِمارِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي عَلى ظَهْرِهِ، فَهَذا المَثَلُ -وإنْ كانَ قَدْ ضُرِبَ لِلْيَهُودِ، فَهو مُتَناوِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِمَن حُمِّلَ القُرْآنَ، فَتَرَكَ العَمَلَ بِهِ، ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ، ولَمْ يَرْعَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ. انْتَهى. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، فَكَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ.
الجمعة 62:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ كانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكُمْ، وعَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِكُمْ، فَتَمَنَّوْا عَلى اللَّهِ أنْ يُمِيتَكُمْ، ويَنْقُلَكم سَرِيعًا (p-٥٨٠١)إلى الآخِرَةِ، فَإنَّ الحَبِيبَ يَتَمَنّى لِقاءَ مَن يُحِبُّ، ولا يَفِرُّ مِنهُ، ويَوَدُّ أنْ يَسْتَرِيحَ مِن كُرَبِ الدُّنْيا وغُمُومِها، ويَصِيرُ إلى رَوْحِ الجِنانِ ونَعِيمِها.
الجمعة 62:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٨] ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]
﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ والكُفْرِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وتَقَدَّمَ في البَقَرَةِ نَظِيرُ الآيَةِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ [الجمعة: ٨] أيْ: تَخافُونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ بِلِسانِكُمْ، مَخافَةَ أنْ يُصِيبَكُمْ، فَتُؤْخَذُوا بِأعْمالِكم ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] أيْ: مِنَ الأعْمالِ، حَسَنِها وسَيِّئِها، فَيُجازِيكم عَلَيْها.
الجمعة 62:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٨] ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]
﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ والكُفْرِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وتَقَدَّمَ في البَقَرَةِ نَظِيرُ الآيَةِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ [الجمعة: ٨] أيْ: تَخافُونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ بِلِسانِكُمْ، مَخافَةَ أنْ يُصِيبَكُمْ، فَتُؤْخَذُوا بِأعْمالِكم ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] أيْ: مِنَ الأعْمالِ، حَسَنِها وسَيِّئِها، فَيُجازِيكم عَلَيْها.
الجمعة 62:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ أيْ: عِنْدَ جُلُوسِ الإمامِ (p-٥٨٠٢)عَلى المِنبَرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِداءٌ سِواهُ، ««كانَ إذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ، أذَّنَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ»» ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيِ: الخُطْبَةِ والصَّلاةِ ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ أبُو مالِكٍ: كانَ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ في بَقِيعِ الزُّبَيْرِ، فَيَشْتَرُونَ ويَبِيعُونَ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: سَعْيُكم لَها، وتَرْكُ البَيْعِ، خَيْرٌ لَكم مِمّا نَفْعُهُ يَسِيرٌ، ورِبْحُهُ مُقارِبٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ: أُدِّيَتْ وفُرِغَ مِنها ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] أيِ: اذْكُرُوا أمْرَهُ ودِينَهُ وشَرْعَهُ دائِمًا، لِتَصِيرَ مَلَكَةً لَكُمْ، تَظْهَرُ آثارُها عَلى أعْمالِكم وأخْلاقُكُمْ، فَتُفْلِحُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اذْكُرُوهُ بِالحَمْدِ لَهُ، والشُّكْرِ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ التَّوْفِيقِ لِأداءِ فَرائِضِهِ، لِتُفْلِحُوا فَتُدْرِكُوا طَلَباتِكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، وتَصِلُوا إلى الخُلْدِ في جِنانِهِ.
الجمعة 62:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ أيْ: عِنْدَ جُلُوسِ الإمامِ (p-٥٨٠٢)عَلى المِنبَرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِداءٌ سِواهُ، ««كانَ إذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ، أذَّنَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ»» ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيِ: الخُطْبَةِ والصَّلاةِ ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ أبُو مالِكٍ: كانَ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ في بَقِيعِ الزُّبَيْرِ، فَيَشْتَرُونَ ويَبِيعُونَ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: سَعْيُكم لَها، وتَرْكُ البَيْعِ، خَيْرٌ لَكم مِمّا نَفْعُهُ يَسِيرٌ، ورِبْحُهُ مُقارِبٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ: أُدِّيَتْ وفُرِغَ مِنها ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] أيِ: اذْكُرُوا أمْرَهُ ودِينَهُ وشَرْعَهُ دائِمًا، لِتَصِيرَ مَلَكَةً لَكُمْ، تَظْهَرُ آثارُها عَلى أعْمالِكم وأخْلاقُكُمْ، فَتُفْلِحُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اذْكُرُوهُ بِالحَمْدِ لَهُ، والشُّكْرِ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ التَّوْفِيقِ لِأداءِ فَرائِضِهِ، لِتُفْلِحُوا فَتُدْرِكُوا طَلَباتِكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، وتَصِلُوا إلى الخُلْدِ في جِنانِهِ.
الجمعة 62:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً﴾ أيْ: عِيرَ تِجارَةٍ ﴿أوْ لَهْوًا﴾ أيْ: ما تَلْهُو بِهِ النَّفْسُ عَنِ الحَقِّ والجِدِّ النّافِعِ ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ أيْ: أسْرَعُوا إلى التِّجارَةِ خَشْيَةَ أنْ يُسْبَقُوا إلَيْها، وإنَّما أُوثِرَ ضَمِيرُها؛ لِأنَّها الأهَمُّ المَقْصُودُ ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ أيْ: عَلى المِنبَرِ ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ الثَّوابِ المَرْجُوِّ بِسَماعِ الخُطْبَةِ والعِظَةِ بِها ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ أيْ: لِأنَّ الثَّوابَ مُخَلَّدٌ نَفْعُهُ، بِخِلافِ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِنها.
قالَ الشِّهابُ: وتَقْدِيمُ اللَّهْوِ؛ لِأنَّهُ أقْوى مَذَمَّةً، فَناسَبَ تَقْدِيمُهُ في مَقامِ الذَّمِّ.
(p-٥٨٠٣)﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أيْ: فاعْمَلُوا لِلْأعْراضِ الباقِيَةِ عِنْدَهُ؛ فَإنَّها خَيْرٌ مِنَ الأُمُورِ الفانِيَةِ عِنْدَكُمْ، وفَوِّضُوا أمْرَ الرِّزْقِ إلَيْهِ بِالتَّوَكُّلِ، والثِّقَةِ بِفَضْلِهِ؛ فَإنَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ آيَةِ الجُمْعَةِ بِما قَبْلَها، هو أنِ الَّذِينَ هادُوا يَفِرُّونَ مِنَ المَوْتِ لِمَتاعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، والَّذِينَ أمِنُوا يَبِيعُونَ ويَشْرُونَ لِمَتاعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها كَذَلِكَ. فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ:
﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أيْ: إلى ما يَنْفَعُكم في الآخِرَةِ، وهو حُضُورُ الجُمْعَةِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا ومَتاعَها فانِيَةٌ، والآخِرَةُ وما فِيها باقِيَةٌ. قالَ تَعالى:
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ووَجْهٌ آخَرُ في التَّعَلُّقِ، قالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَ اليَهُودِ في ثَلاثٍ: افْتَخَرُوا بِأنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ فَكَذَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] وبِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ لا كِتابَ لَهُمْ، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا. وبِالسَّبْتِ، ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ، فَشَرَعَ اللَّهُ لَهُمُ الجُمْعَةَ. انْتَهى.
وقالَ المَهايِمِيُّ في وجْهِ المُناسَبَةِ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُقْتَضى الإيمانِ الِاجْتِماعُ عَلى الخَيْرِ، لاسِيَّما الشُّكْرُ عَلى الإنْسانِيَّةِ؛ لِئَلّا تَنْقَلِبَ حِمارِيَّةً أوْ بَهِيمِيَّةً، في مُقابَلَةِ اجْتِماعِ أهْلِ الكِتابِ عَلى الشَّرِّ، الَّذِي جَرَّهم إلى الحِمارِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ.
الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] مَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ الجُمْعَةِ، والأذانِ لَها، والسَّعْيِ إلَيْها، وتَحْرِيمُ البَيْعِ بَعْدَ الأذانِ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّما يَجِبُ إتْيانُ الجُمْعَةِ عَلى مَن كانَ يَسْمَعُ فِيهِ النِّداءَ. ومَن قالَ: لا يَحْتاجُ إلى إذْنِ السُّلْطانِ، لِأنْهُ تَعالى أوْجَبَ السَّعْيَ، ولَمْ يَشْتَرِطْ إذْنَ أحَدٍ. ومَن قالَ: لا تَجِبُ عَلى النِّساءِ لِعَدَمِ دُخُولِهِنَّ في خِطابِ الذُّكُورِ. انْتَهى.
(p-٥٨٠٤)الثّالِثُ: في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] إباحَةُ الِانْتِشارِ عَقِبَ الصَّلاةِ، فَيُسْتَفادُ مِنهُ تَقْدِيمُ الخُطْبَةِ عَلَيْها. انْتَهى.
وظاهِرُهُ أنَّهُ لا يُشْرَعُ بَعْدَ أدائِها صَلاةٌ ما، غَيْرَ أنَّهُ ««كانَ ﷺ يَتَنَفَّلُ بَعْدَها في بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ»»، وفي رِوايَةٍ: «أرْبَعًا» . وأمّا اعْتِقادُ فَرِيضَةِ الظُّهْرِ بَعْدَها إذا تَعَدَّدَتْ، فَتَعَصُّبٌ مَذْهَبِيٌّ لا بُرْهانَ لَهُ. وقَدْ قُلْتُ في مُقَدِّمَةِ مَجْمُوعَةِ الخُطَبِ، في الفائِدَةِ الرّابِعَةِ ما مِثالُهُ:
الحاجَةُ في هَذِهِ البِلادِ في هَذِهِ الأوْقاتِ تَدْعُو إلى أكْثَرَ مِن جُمْعَةٍ؛ إذْ لَيْسَ لِلنّاسِ جامِعٌ واحِدٌ يَسَعُهُمْ، ولا يُمْكِنُهم جُمْعَةٌ واحِدَةٌ أصْلًا، إلّا أنَّ خُرُوجَها عَنْ حَدِّ أنْ لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ في كَثِيرٍ مِنَ المَساجِدِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تُشَيَّدْ لِمِثْلِها، قَدْ هَوَّلَ فِيهِ السُّبْكِيُّ في "فَتاوِيهِ"؛ لِأنَّهُ مِمّا تَأْباهُ مَشْرُوعِيَّتُها، وما مَضى عَلَيْهِ عَمَلُ القُرُونِ الثَّلاثَةِ، بَلْ تَسْمِيَتُها جُمْعَةً، فَإنَّ صِيغَةَ (فُعْلَةٍ) في اللُّغَةِ لِلْمُبالَغَةِ. وبِالجُمْلَةِ فالجَوامِعُ الكِبارُ الَّتِي تَؤُمُّها الأفْواجُ يَوْمَ الجُمْعَةِ ويُحْتاجُ لِإقامَتِها فِيها حاجَةٌ بَيِّنَةٌ لِمُجاوِرِيها، هي الَّتِي لا خِلافَ في جَوازِها مَهْما تَعَدَّدَتْ، والَّتِي لا تُعادُ الظُّهْرُ بَعْدَها، وقَدْ بَسَطْناهُ في كِتابِنا "إصْلاحُ المَساجِدِ مِنَ البِدَعِ والعَوائِدِ".
الرّابِعُ: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] عَلى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ تَعْطِيلِ يَوْمِ الجُمْعَةِ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُجانَبَةِ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الكِتابِ في تَعْطِيلِ يَوْمَيِ السَّبْتِ والأحَدِ، ورَدٌّ عَلى ما ابْتُدِعَ فِيهِ مِنَ الوَظائِفِ ما يَدْعُو إلى الِانْقِطاعِ عَنْ كُلِّ عَمَلٍ. والأصْلُ أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ الحَكِيمُ، ولا الهَدْيُ النَّبَوِيُّ، مِن خَبَرٍ قَوِيمٍ، فَهو تَشْرِيعٌ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. وإذا رَفَعَ اللَّهُ بِفَضْلِهِ عَنّا الإصْرَ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن قَبْلَنا، فَما بالُنا نَسْتَجُرُّها إلَيْنا بِالأسْبابِ الضَّعِيفَةِ؟ فاللَّهُمَّ غُفْرًا.
(p-٥٨٠٥)الخامِسُ: قالَ في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ مَشْرُوعِيَّةُ الخُطْبَةِ، والقِيامِ فِيها، واشْتِراطِ الجَماعَةِ في الصَّلاةِ، وسَماعِهِمُ الخُطْبَةَ، وتَحْرِيمِ الِانْفِضاضِ. انْتَهى.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ جابِرٍ قالَ: قَدِمَتْ عِيرٌ مَرَّةً المَدِينَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَخَرَجَ النّاسُ، وبَقِيَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا؛ فَنَزَلَتْ: ﴿وإذا رَأوْا﴾ الآيَةَ...»
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَ الجَوارِي إذا نَكَحُوا يَمُرُّونَ بِالكَبَرِ والمَزامِيرِ، ويَتْرُكُونَ النَّبِيَّ ﷺ قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ويَنْفَضُّونَ إلَيْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا رَأوْا﴾ الآيَةَ...»
وعَنْ مُجاهِدٍ: اللَّهْوُ الطَّبْلُ.
المنافقون 63:1
(p-٥٨٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُنافِقُونَ
مَدَنِيَّةٌ؛ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ.
(p-٥٨٠٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢]
﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أيْ: إنَّ الأمْرَ كَما قالُوهُ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في قَوْلِهِمْ ﴿نَشْهَدُ﴾ وادِّعائِهِمْ فِيهِ مُواطَأةَ قُلُوبِهِمْ ألْسِنَتَهُمْ؛ لِأنَّهم أضْمَرُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ [المنافقون: ٢] أيْ: حَلِفَهُمُ الكاذِبَ، أوْ شَهادَتَهم هَذِهِ، فَإنَّها تَجْرِي مَجْرى الحَلِفِ في التَّوْكِيدِ ﴿جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] أيْ: وِقايَةً مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٢] أيْ: دِينِهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وشَرِيعَتِهِ الَّتِي شَرَعَها لِخَلْقِهِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢] أيْ: في اتِّخاذِهِمْ أيْمانَهم جُنَّةً، وصَدِّهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ "أشْهَدُ بِاللَّهِ" يَمِينٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم قالُوهُ، ثُمَّ سَمّاهُ أيْمانًا. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: ولَيْسَ فِيما ذَكَرَهُ دَلِيلٌ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] غايَتُهُ أنَّ ما ذَكَرَهُ يُسَمّى يَمِينًا، ولَيْسَ الخِلافُ في تَسْمِيَتِهِ يَمِينًا، وإنَّما الخِلافُ: هَلْ يَكُونُ يَمِينًا مُنْعَقِدَةً يَلْزَمُ بِالحِنْثِ فِيها كَفّارَةٌ أمْ لا؟ ولَيْسَ كُلُّ ما يُسَمّى حَلِفًا أوْ قَسَمًا يُوجِبُ حُكْمًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْلِفُ، ولَمْ يَقُلْ: بِاللَّهِ، ولا بِغَيْرِهِ، فَهو مِن مَحالِّ الخِلافِ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِهِ، وإنْ كانَ حَلِفًا لُغَةً بِاتِّفاقٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنهُ. انْتَهى.
(p-٥٨٠٨)
المنافقون 63:2
(p-٥٨٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُنافِقُونَ
مَدَنِيَّةٌ؛ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ.
(p-٥٨٠٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢]
﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أيْ: إنَّ الأمْرَ كَما قالُوهُ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في قَوْلِهِمْ ﴿نَشْهَدُ﴾ وادِّعائِهِمْ فِيهِ مُواطَأةَ قُلُوبِهِمْ ألْسِنَتَهُمْ؛ لِأنَّهم أضْمَرُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ [المنافقون: ٢] أيْ: حَلِفَهُمُ الكاذِبَ، أوْ شَهادَتَهم هَذِهِ، فَإنَّها تَجْرِي مَجْرى الحَلِفِ في التَّوْكِيدِ ﴿جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] أيْ: وِقايَةً مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٢] أيْ: دِينِهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وشَرِيعَتِهِ الَّتِي شَرَعَها لِخَلْقِهِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢] أيْ: في اتِّخاذِهِمْ أيْمانَهم جُنَّةً، وصَدِّهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ "أشْهَدُ بِاللَّهِ" يَمِينٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم قالُوهُ، ثُمَّ سَمّاهُ أيْمانًا. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: ولَيْسَ فِيما ذَكَرَهُ دَلِيلٌ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] غايَتُهُ أنَّ ما ذَكَرَهُ يُسَمّى يَمِينًا، ولَيْسَ الخِلافُ في تَسْمِيَتِهِ يَمِينًا، وإنَّما الخِلافُ: هَلْ يَكُونُ يَمِينًا مُنْعَقِدَةً يَلْزَمُ بِالحِنْثِ فِيها كَفّارَةٌ أمْ لا؟ ولَيْسَ كُلُّ ما يُسَمّى حَلِفًا أوْ قَسَمًا يُوجِبُ حُكْمًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْلِفُ، ولَمْ يَقُلْ: بِاللَّهِ، ولا بِغَيْرِهِ، فَهو مِن مَحالِّ الخِلافِ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِهِ، وإنْ كانَ حَلِفًا لُغَةً بِاتِّفاقٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنهُ. انْتَهى.
(p-٥٨٠٨)
المنافقون 63:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن مَساوِئِهِمْ ﴿بِأنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ: ظاهِرًا ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أيْ: سِرًّا ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: خُتِمَ عَلَيْها بِما مَرَنُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّلَوُّنِ والتَّذَبْذُبِ ورُسُوخِ الهَيْئاتِ المُنْكَرَةِ، فَحُجِبُوا عَنِ الحَقِّ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: حَقِيقَةَ الإيمانِ، وحِكْمَةَ الرِّسالَةِ والدِّينِ ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: لِتُناسِبَ أشْكالَهُمْ، وحُسْنَ مُناظِرِهِمْ ورَوائِهِمْ ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: لِلِينِ كَلامِهِمْ بِما يُدْهِنُونَ فِيهِ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: في الخُلُوِّ عَنِ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ الخُشُبَ إنَّما تَكُونُ مُسْنَدَةً إذا لَمْ تَكُنْ في بِناءٍ، أوْ دِعامَةً لِشَيْءٍ آخَرَ.
قالَ القاشانِيُّ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ رَأى غُلامًا حَسَنًا وجْهُهُ، فاسْتَنْطَقَهُ لِظَنِّهِ ذَكاءَهُ وفِطْنَتَهُ، فَما وجَدَ عِنْدَهُ مَعْنًى، فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا البَيْتَ لَوْ كانَ فِيهِ ساكِنٌ! وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الأرْواحِ، لا نَفْعَ فِيهِ ولا ثَمَرَ، كالأخْشابِ المُسْنَدَةِ إلى الجُدْرانِ عِنْدَ الجَفافِ، وزَوالِ الرُّوحِ النّامِيَةِ عَنْها، فَهم في زَوالِ اسْتِعْدادِ الحَياةِ الحَقِيقَةِ، والرُّوحِ الإنْسانِيِّ، بِمَثابَتِها.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يَحْسَبُ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِن خُبْثِهِمْ، وسُوءِ ظَنِّهِمْ، وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ، كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم عَلى وجَلٍ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِيهِمْ أمْرًا يَهْتِكُ (p-٥٨٠٩)بِهِ أسْتارَهم ويَفْضَحُهُمْ، ويُبِيحُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَتْلَهُمْ، وسَبْيَ ذَرارِيهِمْ، وأخْذَ أمْوالِهِمْ؛ فَهم مِن خَوْفِهِمْ مِن ذَلِكَ كُلَّما نَزَلَ فِيهِمْ مِنَ اللَّهِ وحْيٌ عَلى رَسُولِهِ، ظَنُّوا أنَّهُ نَزَلَ بِهَلاكِهِمْ وعَطَبِهِمْ.
وقالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ الشَّجاعَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ اليَقِينِ مِن نُورِ الفِطْرَةِ، وصَفاءِ القَلْبِ، وهم مُنْغَمِسُونَ في ظُلُماتِ صِفاتِ النُّفُوسِ، مُحْتَجِبُونَ بِاللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، أهْلُ الشَّكِّ والِارْتِيابِ، فَلِذَلِكَ غَلَبَهُمُ الجُبْنُ والخَوَرُ.
﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] قالَ القاشانِيُّ: فَقَدْ بَطَلَ اسْتِعْدادُهُمْ، فَلا يَهْتَدُونَ بِنُورِكَ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ صُحْبَتُكَ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، مَعَ وُضُوحِ مَنارِهِ. و(قاتَلَ) بِمَعْنى لَعَنَ وطَرَدَ، وهو دُعاءٌ أوْ خَبَرٌ.
المنافقون 63:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن مَساوِئِهِمْ ﴿بِأنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ: ظاهِرًا ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أيْ: سِرًّا ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: خُتِمَ عَلَيْها بِما مَرَنُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّلَوُّنِ والتَّذَبْذُبِ ورُسُوخِ الهَيْئاتِ المُنْكَرَةِ، فَحُجِبُوا عَنِ الحَقِّ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: حَقِيقَةَ الإيمانِ، وحِكْمَةَ الرِّسالَةِ والدِّينِ ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: لِتُناسِبَ أشْكالَهُمْ، وحُسْنَ مُناظِرِهِمْ ورَوائِهِمْ ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: لِلِينِ كَلامِهِمْ بِما يُدْهِنُونَ فِيهِ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: في الخُلُوِّ عَنِ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ الخُشُبَ إنَّما تَكُونُ مُسْنَدَةً إذا لَمْ تَكُنْ في بِناءٍ، أوْ دِعامَةً لِشَيْءٍ آخَرَ.
قالَ القاشانِيُّ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ رَأى غُلامًا حَسَنًا وجْهُهُ، فاسْتَنْطَقَهُ لِظَنِّهِ ذَكاءَهُ وفِطْنَتَهُ، فَما وجَدَ عِنْدَهُ مَعْنًى، فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا البَيْتَ لَوْ كانَ فِيهِ ساكِنٌ! وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الأرْواحِ، لا نَفْعَ فِيهِ ولا ثَمَرَ، كالأخْشابِ المُسْنَدَةِ إلى الجُدْرانِ عِنْدَ الجَفافِ، وزَوالِ الرُّوحِ النّامِيَةِ عَنْها، فَهم في زَوالِ اسْتِعْدادِ الحَياةِ الحَقِيقَةِ، والرُّوحِ الإنْسانِيِّ، بِمَثابَتِها.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يَحْسَبُ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِن خُبْثِهِمْ، وسُوءِ ظَنِّهِمْ، وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ، كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم عَلى وجَلٍ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِيهِمْ أمْرًا يَهْتِكُ (p-٥٨٠٩)بِهِ أسْتارَهم ويَفْضَحُهُمْ، ويُبِيحُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَتْلَهُمْ، وسَبْيَ ذَرارِيهِمْ، وأخْذَ أمْوالِهِمْ؛ فَهم مِن خَوْفِهِمْ مِن ذَلِكَ كُلَّما نَزَلَ فِيهِمْ مِنَ اللَّهِ وحْيٌ عَلى رَسُولِهِ، ظَنُّوا أنَّهُ نَزَلَ بِهَلاكِهِمْ وعَطَبِهِمْ.
وقالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ الشَّجاعَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ اليَقِينِ مِن نُورِ الفِطْرَةِ، وصَفاءِ القَلْبِ، وهم مُنْغَمِسُونَ في ظُلُماتِ صِفاتِ النُّفُوسِ، مُحْتَجِبُونَ بِاللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، أهْلُ الشَّكِّ والِارْتِيابِ، فَلِذَلِكَ غَلَبَهُمُ الجُبْنُ والخَوَرُ.
﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] قالَ القاشانِيُّ: فَقَدْ بَطَلَ اسْتِعْدادُهُمْ، فَلا يَهْتَدُونَ بِنُورِكَ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ صُحْبَتُكَ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، مَعَ وُضُوحِ مَنارِهِ. و(قاتَلَ) بِمَعْنى لَعَنَ وطَرَدَ، وهو دُعاءٌ أوْ خَبَرٌ.
المنافقون 63:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلُمُّوا إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ مِمّا فَرَطَ مِنكُمْ، وذاعَ مِن أفاعِيلِكم ضِدَّ المُؤْمِنِينَ ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْ: حَرَّكُوها وهَزُّوها اسْتِهْزاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِاسْتِغْفارِهِ، وبِتَشْدِيدِ الواوِ مِن ﴿لَوَّوْا﴾ قَرَأتِ القُرّاءُ عَلى وجْهِ الخَبَرِ عَنْهُمْ، أنَّهم كَرَّرُوا هَزَّ رُؤُوسِهِمْ وتَحْرِيكَها وأكْثَرُوا، إلّا نافِعًا فَإنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الواوِ، عَلى وجْهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً.
﴿ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ عَمّا دُعُوا إلَيْهِ، ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنِ المَصِيرِ إلى الرَّسُولِ والِاعْتِذارِ.
قالَ القاشانِيُّ: لِضَراوَتِهِمْ بِالأُمُورِ الظُّلْمانِيَّةِ، واعْتِيادِهِمُ الكَمالاتِ البَهِيمِيَّةَ والسَّبُعِيَّةَ، فَلا يَأْلَفُونَ النُّورَ، ولا يَشْتاقُونَ إلَيْهِ، ولا إلى الكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ، لِمَسْخِ الصُّورَةِ الذّاتِيَّةِ.
(p-٥٨١٠)
المنافقون 63:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قالَ القاشانِيُّ: لِرُسُوخِ الهَيْئاتِ الظُّلْمانِيَّةِ فِيهِمْ، وزَوالِ قَبُولِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلْهِدايَةِ، لِفِسْقِهِمْ وخُرُوجِهِمْ عَنْ دِينِ الفِطْرَةِ القَوِيمِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
المنافقون 63:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ أيْ: حَتّى تُصِيبَهم مَجاعَةٌ، فَيَتَفَرَّقُوا عَنْهُ. يَعْنُونَ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ.
قالَ القاشانِيُّ: لِاحْتِجابِهِمْ بِأفْعالِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ فِعْلِ اللَّهِ، وبِما في أيْدِيهِمْ عَمّا في خَزائِنِ اللَّهِ، فَيَتَوَهَّمُونَ الإنْفاقَ مِنهُمْ، لِجَهْلِهِمْ.
﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: مَن بِيَدِهِ خَزائِنُهُما، رازِقُهم مِنها، وإنْ بَخِلَ المُنافِقُونَ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الشِّهابُ: قَوْلُهُ تَعالى:
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِرُسُوخِهِمْ في الفِسْقِ، لا لِعَدَمِ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِما قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ:
﴿عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ حِكايَةُ ما قالُوهُ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُقِرُّونَ بِرِسالَتِهِ ظاهِرًا، ولا حاجَةَ إلى أنَّهم قالُوهُ تَهَكُّمًا، أوْ لِغَلَبَةٍ عَلَيْهِ، حَتّى صارَ كالعَلَمِ، كَما قِيلَ. ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَبَّرُوا بِغَيْرِ هَذِهِ العِبارَةِ، فَغَيَّرَها اللَّهُ إجْلالًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وإكْرامًا. انْتَهى.
(p-٥٨١١)
المنافقون 63:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَكانِ غُرُورِهِمْ وجَهْلِهِمْ وشِدَّةِ ارْتِيابِهِمْ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: عُنِيَ بِهَذِهِ الآياتِ كُلِّها -فِيما ذُكِرَ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لِأصْحابِهِ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى يَنْفَضُّوا. وقالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ فَأخْبَرَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، «فَسَألَهُ عَمّا أُخْبِرَ بِهِ عَنْهُ»، فَحَلَفَ أنَّهُ ما قالَ! وقِيلَ لَهُ: لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألْتَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ ويُحَرِّكُهُ اسْتِهْزاءً، ويَعْنِي بِذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ فاعِلٍ ما أشارُوا بِهِ عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها.
ثُمَّ أوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الرِّواياتِ في ذَلِكَ. وتَقَدَّمَهُ الإمامُ البُخارِيُّ، فَأسْنَدَها مِن طُرُقٍ. ويَجْمَعُها كُلَّها ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهم عَلى ماءٍ لَهم يُقالُ لَهُ: المُرَيْسِيعُ وأظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ. قالَ: فَبَيْنا النّاسُ عَلى ذَلِكَ الماءِ، ورَدَتْ وارِدَةُ النّاسِ، ومَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أجِيرٌ لَهُ مِن بَنِي غِفارٍ، يُقالُ لَهُ: جَهْجاهُ، يَقُودُ فَرَسَهُ. فازْدَحَمَ جَهْجاهُ وسِنانٌ الجُهَنِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الخَزْرَجِ عَلى الماءِ فاقْتَتَلا، فَصَرَخَ الجُهَنِيُّ: (p-٥٨١٢)يا مَعْشَرَ الأنْصارِ! وصَرَخَ جَهْجاهُ: يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ! فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وعِنْدَهُ رَهْطٌ مِن قَوْمِهِ، فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، غُلامٌ حَدَثٌ، فَقالَ: أوَقَدْ فَعَلُوها؟! قَدْ نافَرُونا وكاثَرُونا في بِلادِنا! واللَّهِ! ما أعُدُّنا وجَلابِيبَ قُرَيْشٍ هَذِهِ إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ! أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى مَن حَضَرَ مِن قَوْمِهِ فَقالَ لَهُمْ: هَذا ما فَعَلْتُمْ بِأنْفُسِكُمْ! أحْلَلْتُمُوهم بِلادَكُمْ، وقاسَمْتُمُوهم أمْوالَكُمْ، أما واللَّهَ لَوْ أمْسَكْتُمْ عَنْهم ما بِأيْدِيكم لَتُحَوَّلُوا إلى غَيْرِ دارِكم. فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، فَمَشى بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَلِكَ عِنْدَ فَراغِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن عَدُوِّهِ، فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ، وعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. فَقالَ: مُرْ بِهِ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««فَكَيْفَ يا عُمَرُ، إذا تَحَدَّثَ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ؟ لا! ولَكِنْ أذِّنْ بِالرَّحِيلِ»»، في ساعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَحِلُ فِيها. فارْتَحَلَ النّاسُ، وقَدْ مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ أنَّ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ قَدْ بَلَغَهُ ما سَمِعَ مِنهُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قُلْتُ ما قالَ ولا تَكَلَّمْتُ بِهِ. وكانَ في قَوْمِهِ شَرِيفًا عَظِيمًا. فَقالَ مَن حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأنْصارِ مِن أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَسى أنْ يَكُونَ الغُلامُ قَدْ أوْهَمَ في حَدِيثِهِ، ولَمْ يَحْفَظْ ما قالَهُ الرَّجُلُ؛ حَدَبًا عَلى ابْنِ سَلُولَ ودَفْعًا عَنْهُ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَلَمّا اسْتَقَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَحَيّاهُ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ، وسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! واللَّهِ لَقَدْ رُحْتَ في ساعَةٍ مُنْكَرَةٍ، ما كُنْتَ تَرُوحُ في مِثْلِها! فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَما بَلَغَكَ ما قالَ صاحِبُكُمْ» ؟ قالَ: وأيُّ صاحِبٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ» ! قالَ: وما قالَ؟ قالَ: «زَعَمَ أنَّهُ إنْ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ أخْرَجَ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ» ! قالَ: فَأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ، تُخْرِجُهُ مِنها إنْ شِئْتَ؛ هو -واللَّهِ- الذَّلِيلُ وأنْتَ العَزِيزُ. ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ارْفُقْ بِهِ، (p-٥٨١٣)فَواللَّهِ لَقَدْ جاءَنا اللَّهُ بِكَ، وإنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظِمُونَ لَهُ الخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ بِهِ، فَإنَّهُ لَيَرى أنَّكَ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا، ثُمَّ مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَهم ذَلِكَ، حَتّى أمْسى، ولَيْلَتَهم حَتّى أصْبَحَ، وصَدْرَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ حَتّى آذَتْهُمُ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَزَلَ بِالنّاسِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ وجَدُوا مَسَّ الأرْضِ، فَوَقَعُوا نِيامًا... وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِيَشْغَلَ النّاسَ عَنِ الحَدِيثِ الَّذِي كانَ بِالأمْسِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. ثُمَّ راحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنّاسِ، وقَدِمَ المَدِينَةَ، ونَزَلَتِ السُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِيها المُنافِقِينَ، في ابْنِ أُبَيٍّ، ومَن كانَ عَلى مِثْلِ أمْرِهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، ثُمَّ قالَ: هَذا الَّذِي أوْفى لِلَّهِ بِأُذُنِهِ.
وكانَتْ غُزاةُ بَنِي المُصْطَلَقِ هَذِهِ، في شَعْبانَ سَنَةَ خَمْسٍ، كَما في "زادِ المَعادِ".
وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ كانَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وقَعَ في رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عِنْدَ (النَّسائِيِّ) أنَّها غَزْوَةُ تَبُوكَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ في رِوايَةِ زُهَيْرٍ: في سَفَرٍ أصابَ النّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ: فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، نَزَلَ مَنزِلًا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: فَذَكَرَ القِصَّةَ.
والَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ المَغازِي أنَّها غَزْوَةُ المُصْطَلَقِ. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ جابِرٍ، بَعْدَ قَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ: ««دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ»» .
وكانَ الأنْصارُ أكْثَرَ مِنَ المُهاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، ثُمَّ إنَّ المُهاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ. فَهَذا مِمّا يُوَضِّحُ وهْمَ مَن قالَ: إنَّها كانَتْ بِتَبُوكَ؛ لِأنَّ المُهاجِرِينَ حِينَئِذٍ كانُوا كَثِيرًا جِدًّا. وقَدِ انْضافَتْ إلَيْهِمْ مَسْلَمَةُ الفَتْحِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكانُوا حِينَئِذٍ أكْثَرَ مِنَ الأنْصارِ. انْتَهى.
وسَبَقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قالَ: وقَوْلُهُ -أيِ: ابْنِ جُبَيْرٍ - إنَّ ذَلِكَ كانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَإنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، بَلْ (p-٥٨١٤)رَجَعَ بِطائِفَةٍ مِنَ الجَيْشِ. وإنَّما المَشْهُورُ عِنْدَ أصْحابِ المَغازِي والسِّيَرِ، أنَّ ذَلِكَ كانَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلَقِ. انْتَهى.
التَّنْبِيهُ الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ إلَخْ أيِ: الغَلَبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ وأيَّدَهُ مِن رَسُولِهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الأخِصّاءُ بِذَلِكَ. كَما أنَّ المَذَلَّةَ والهَوانَ لِلشَّيْطانِ وذَوِيهِ مِنَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ.
وعَنْ بَعْضِ الصّالِحاتِ -وكانَتْ في هَيْئَةٍ رَثَّةٍ- ألَسْتُ عَلى الإسْلامِ، وهو العِزُّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ، والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ؟
وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ فِيكَ تِيهًا؟ قالَ: لَيْسَ بِتِيهٍ، ولَكِنَّهُ عَزَّةٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: قالَ بَعْضُ العارِفِينَ في تَحْقِيقِ هَذا المَعْنى: العِزَّةُ غَيْرُ الكِبْرِ، ولا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فالعِزَّةُ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ، وإكْرامِها عَنْ أنْ يَضَعَها لِأقْسامٍ عاجِلَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، كَما أنَّ الكِبْرَ جَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ، وإنْزالُها فَوْقَ مَنزِلِها؛ فالعِزَّةُ تُشْبِهُ الكِبْرَ مِن حَيْثُ الصُّورَةُ، وتَخْتَلِفُ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةُ، كاشْتِباهِ التَّواضُعِ بِالضَّعَةِ، والتَّواضُعُ مَحْمُودٌ، والضَّعَةُ مَذْمُومَةٌ، والكِبْرُ مَذْمُومٌ، والعِزَّةُ مَحْمُودَةٌ. ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَذْمُومَةٍ، وفِيها مُشاكَلَةٌ لِلْكِبْرِ قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وفِيهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ لِإثْباتِ العِزَّةِ بِالحَقِّ، والوُقُوفِ عَلى حَدِّ التَّواضُعِ، مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الضَّعَةِ، وُقُوفٍ عَلى صِراطِ العِزَّةِ المَنصُوبِ عَلى نارِ الكِبْرِ.
(p-٥٨١٥)
المنافقون 63:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَشْغَلْكُمُ الِاغْتِباطُ بِها عَنْ ذِكْرِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، أوْ ذِكْرِ ما أنْزَلَهُ وأوْحى بِهِ. ومِنهُ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ مُقْتَضى الإيمانِ أنْ لا يُبالِيَ المُؤْمِنُ بِعِزَّةِ المالِ والوَلَدِ، مَعَ عِزَّةِ اللَّهِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِن كَرامَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] أيْ: أتَصَدَّقُ وأُخْرِجُ حُقُوقَ مالِي ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] أيْ: لَنْ يُؤَخَّرَ في أجَلِ أحَدٍ إذا حَضَرَ، ولَكِنْ يَخْتَرِمُهُ.
قالَ القاشانِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ:
﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إنْ صَدَقْتُمْ في الإيمانِ، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ غَلَبَةُ حُبِّ اللَّهِ عَلى مَحَبَّةِ كُلِّ شَيْءٍ، فَلا تَكُنْ مَحَبَّتُهم ومُحِبَّةُ الدُّنْيا، مِن شِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِهِمْ وبِالأمْوالِ، غالِبَةً في قُلُوبِكم عَلى مَحَبَّةٍ، فَتَحْتَجِبُوا بِهِمْ عَنْهُ، فَتَصِيرُوا إلى النّارِ، فَتَخْسَرُوا نُورَ الِاسْتِعْدادِ الفِطْرِيِّ بِإضاعَتِهِ فِيما يَفْنى سَرِيعًا، وتَجَرَّدُوا عَنِ الأمْوالِ بِإنْفاقِها وقْتَ الصِّحَّةِ والِاحْتِياجِ إلَيْها، لِيَكُونَ فَضِيلَةً في أنْفُسِكُمْ، (p-٥٨١٦)وهَيْئَةً نُورِيَّةً لَها، فَإنَّ الإنْفاقَ إنَّما يَنْفَعُ إذا كانَ عَنْ مَلَكَةِ السَّخاءِ، وهَيْئَةِ التَّجَرُّدِ في النَّفْسِ. فَأمّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، فالمالُ لِلْوارِثِ لا لَهُ، فَلا يَنْفَعُهُ إنْفاقُهُ، ولَيْسَ إلّا التَّحَسُّرُ والتَّنَدُّمُ، وتَمَنِّي التَّأْخِيرِ في الأجَلِ بِالجَهْلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ صادِقًا في دَعْوى الإيمانِ، ومُوقِنًا بِالآخِرَةِ لَتَيَقَّنَ أنَّ المَوْتَ ضَرُورِيٌّ، وأنَّهُ مُقَدَّرٌ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ فِيهِ بِحِكْمَتِهِ، فَلا يُمْكِنُ تَأخُّرُهُ.
﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] أيْ: بِأعْمالِكم ونِيّاتِكُمْ؛ فَلا يَنْفَعُ الإنْفاقُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا تَمَنِّي التَّأْخِيرِ في الأجَلِ، ووَعْدِ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَنْ مَلَكَةِ السَّخاءِ، ولا عَنِ التَّجَرُّدِ والزَّكاءِ، بَلْ مِن غايَةِ البُخْلِ وحُبِّ المالِ، كَأنَّهُ يَحْسَبُ أنَّهُ يَذْهَبُ بِهِ مَعَهُ، وبِأنَّ ذَلِكَ التَّمَنِّيَ والوَعْدَ مَحْضُ الكَذِبِ، ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ، لِوُجُودِ الهَيْئَةِ المُنافِيَةِ لِلتَّصَدُّقِ والصَّلاحِ في النَّفْسِ، والمِيلِ إلى الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] واللَّهُ أعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الإمامُ الكَيا الهَرّاسِيُّ: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] الآيَةَ... عَلى وُجُوبِ إخْراجِ الزَّكاةِ عَلى الفَوْرِ، ومَنعِ تَأْخِيرِها.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبْلِغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ، أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكاةٌ، فَلَمْ يَفْعَلْ، سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ، فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
المنافقون 63:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَشْغَلْكُمُ الِاغْتِباطُ بِها عَنْ ذِكْرِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، أوْ ذِكْرِ ما أنْزَلَهُ وأوْحى بِهِ. ومِنهُ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ مُقْتَضى الإيمانِ أنْ لا يُبالِيَ المُؤْمِنُ بِعِزَّةِ المالِ والوَلَدِ، مَعَ عِزَّةِ اللَّهِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِن كَرامَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] أيْ: أتَصَدَّقُ وأُخْرِجُ حُقُوقَ مالِي ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] أيْ: لَنْ يُؤَخَّرَ في أجَلِ أحَدٍ إذا حَضَرَ، ولَكِنْ يَخْتَرِمُهُ.
قالَ القاشانِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ:
﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إنْ صَدَقْتُمْ في الإيمانِ، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ غَلَبَةُ حُبِّ اللَّهِ عَلى مَحَبَّةِ كُلِّ شَيْءٍ، فَلا تَكُنْ مَحَبَّتُهم ومُحِبَّةُ الدُّنْيا، مِن شِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِهِمْ وبِالأمْوالِ، غالِبَةً في قُلُوبِكم عَلى مَحَبَّةٍ، فَتَحْتَجِبُوا بِهِمْ عَنْهُ، فَتَصِيرُوا إلى النّارِ، فَتَخْسَرُوا نُورَ الِاسْتِعْدادِ الفِطْرِيِّ بِإضاعَتِهِ فِيما يَفْنى سَرِيعًا، وتَجَرَّدُوا عَنِ الأمْوالِ بِإنْفاقِها وقْتَ الصِّحَّةِ والِاحْتِياجِ إلَيْها، لِيَكُونَ فَضِيلَةً في أنْفُسِكُمْ، (p-٥٨١٦)وهَيْئَةً نُورِيَّةً لَها، فَإنَّ الإنْفاقَ إنَّما يَنْفَعُ إذا كانَ عَنْ مَلَكَةِ السَّخاءِ، وهَيْئَةِ التَّجَرُّدِ في النَّفْسِ. فَأمّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، فالمالُ لِلْوارِثِ لا لَهُ، فَلا يَنْفَعُهُ إنْفاقُهُ، ولَيْسَ إلّا التَّحَسُّرُ والتَّنَدُّمُ، وتَمَنِّي التَّأْخِيرِ في الأجَلِ بِالجَهْلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ صادِقًا في دَعْوى الإيمانِ، ومُوقِنًا بِالآخِرَةِ لَتَيَقَّنَ أنَّ المَوْتَ ضَرُورِيٌّ، وأنَّهُ مُقَدَّرٌ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ فِيهِ بِحِكْمَتِهِ، فَلا يُمْكِنُ تَأخُّرُهُ.
﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] أيْ: بِأعْمالِكم ونِيّاتِكُمْ؛ فَلا يَنْفَعُ الإنْفاقُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا تَمَنِّي التَّأْخِيرِ في الأجَلِ، ووَعْدِ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَنْ مَلَكَةِ السَّخاءِ، ولا عَنِ التَّجَرُّدِ والزَّكاءِ، بَلْ مِن غايَةِ البُخْلِ وحُبِّ المالِ، كَأنَّهُ يَحْسَبُ أنَّهُ يَذْهَبُ بِهِ مَعَهُ، وبِأنَّ ذَلِكَ التَّمَنِّيَ والوَعْدَ مَحْضُ الكَذِبِ، ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ، لِوُجُودِ الهَيْئَةِ المُنافِيَةِ لِلتَّصَدُّقِ والصَّلاحِ في النَّفْسِ، والمِيلِ إلى الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] واللَّهُ أعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الإمامُ الكَيا الهَرّاسِيُّ: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] الآيَةَ... عَلى وُجُوبِ إخْراجِ الزَّكاةِ عَلى الفَوْرِ، ومَنعِ تَأْخِيرِها.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبْلِغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ، أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكاةٌ، فَلَمْ يَفْعَلْ، سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ، فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
المنافقون 63:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَشْغَلْكُمُ الِاغْتِباطُ بِها عَنْ ذِكْرِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، أوْ ذِكْرِ ما أنْزَلَهُ وأوْحى بِهِ. ومِنهُ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ مُقْتَضى الإيمانِ أنْ لا يُبالِيَ المُؤْمِنُ بِعِزَّةِ المالِ والوَلَدِ، مَعَ عِزَّةِ اللَّهِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِن كَرامَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] أيْ: أتَصَدَّقُ وأُخْرِجُ حُقُوقَ مالِي ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] أيْ: لَنْ يُؤَخَّرَ في أجَلِ أحَدٍ إذا حَضَرَ، ولَكِنْ يَخْتَرِمُهُ.
قالَ القاشانِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ:
﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إنْ صَدَقْتُمْ في الإيمانِ، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ غَلَبَةُ حُبِّ اللَّهِ عَلى مَحَبَّةِ كُلِّ شَيْءٍ، فَلا تَكُنْ مَحَبَّتُهم ومُحِبَّةُ الدُّنْيا، مِن شِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِهِمْ وبِالأمْوالِ، غالِبَةً في قُلُوبِكم عَلى مَحَبَّةٍ، فَتَحْتَجِبُوا بِهِمْ عَنْهُ، فَتَصِيرُوا إلى النّارِ، فَتَخْسَرُوا نُورَ الِاسْتِعْدادِ الفِطْرِيِّ بِإضاعَتِهِ فِيما يَفْنى سَرِيعًا، وتَجَرَّدُوا عَنِ الأمْوالِ بِإنْفاقِها وقْتَ الصِّحَّةِ والِاحْتِياجِ إلَيْها، لِيَكُونَ فَضِيلَةً في أنْفُسِكُمْ، (p-٥٨١٦)وهَيْئَةً نُورِيَّةً لَها، فَإنَّ الإنْفاقَ إنَّما يَنْفَعُ إذا كانَ عَنْ مَلَكَةِ السَّخاءِ، وهَيْئَةِ التَّجَرُّدِ في النَّفْسِ. فَأمّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، فالمالُ لِلْوارِثِ لا لَهُ، فَلا يَنْفَعُهُ إنْفاقُهُ، ولَيْسَ إلّا التَّحَسُّرُ والتَّنَدُّمُ، وتَمَنِّي التَّأْخِيرِ في الأجَلِ بِالجَهْلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ صادِقًا في دَعْوى الإيمانِ، ومُوقِنًا بِالآخِرَةِ لَتَيَقَّنَ أنَّ المَوْتَ ضَرُورِيٌّ، وأنَّهُ مُقَدَّرٌ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ فِيهِ بِحِكْمَتِهِ، فَلا يُمْكِنُ تَأخُّرُهُ.
﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] أيْ: بِأعْمالِكم ونِيّاتِكُمْ؛ فَلا يَنْفَعُ الإنْفاقُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا تَمَنِّي التَّأْخِيرِ في الأجَلِ، ووَعْدِ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَنْ مَلَكَةِ السَّخاءِ، ولا عَنِ التَّجَرُّدِ والزَّكاءِ، بَلْ مِن غايَةِ البُخْلِ وحُبِّ المالِ، كَأنَّهُ يَحْسَبُ أنَّهُ يَذْهَبُ بِهِ مَعَهُ، وبِأنَّ ذَلِكَ التَّمَنِّيَ والوَعْدَ مَحْضُ الكَذِبِ، ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ، لِوُجُودِ الهَيْئَةِ المُنافِيَةِ لِلتَّصَدُّقِ والصَّلاحِ في النَّفْسِ، والمِيلِ إلى الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] واللَّهُ أعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الإمامُ الكَيا الهَرّاسِيُّ: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] الآيَةَ... عَلى وُجُوبِ إخْراجِ الزَّكاةِ عَلى الفَوْرِ، ومَنعِ تَأْخِيرِها.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبْلِغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ، أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكاةٌ، فَلَمْ يَفْعَلْ، سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ، فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
التغابن 64:1
(p-٥٨١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّغابُنِ
مَكِّيَّةٌ، عَلى ما يَظْهَرُ مِن أمْثالِها لِمَن سَبَرَ. وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ. وآيُها ثَمانِ عَشْرَةَ.
(p-٥٨١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢]
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ﴾ أيْ: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، ونُفُوذُ الأمْرِ فِيهِما ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ أيِ: الثَّناءُ الجَمِيلُ؛ لِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ ومُوجِدُها.
﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التغابن: ٥] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: هو الَّذِي انْفَرَدَ بِإيجادِكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، قابِلٌ لِلْكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَمِنكم مُخْتارٌ لِلْكُفْرِ، جاحِدٌ لِلْحَقِّ، كاسِبٌ لَهُ عَلى خِلافِ ما تَسْتَدْعِيهِ خِلْقَتُهُ، ومِنكم مُخْتارٌ لِلْإيمانِ، كاسِبٌ لَهُ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ خِلْقَتُهُ، وكانَ الواجِبُ عَلَيْكم جَمِيعًا أنْ تَكُونُوا مُخْتارِينَ لِلْإيمانِ، شاكِرِينَ لِنِعْمَةِ الخَلْقِ والإيجادِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن سائِرِ النِّعَمِ، فَما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَعَ تَمامِ تَمَكُّنِكم مِنهُ، بَلْ تَشَعَّبْتُمْ شُعَبًا، وتَفَرَّقْتُمْ فِرَقًا. وتَقْدِيمُ الكُفْرِ لِأنَّهُ الأغْلَبُ فِيما بَيْنَهُمْ، والأنْسَبُ بِمَقامِ التَّوْبِيخِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢] أيْ: فَيُجازِيكم بِهِ، فَآثِرُوا ما يُجْدِيكُمْ، وجانِبُوا ما يُرْدِيكم.
(p-٥٨١٩)
التغابن 64:2
(p-٥٨١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّغابُنِ
مَكِّيَّةٌ، عَلى ما يَظْهَرُ مِن أمْثالِها لِمَن سَبَرَ. وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ. وآيُها ثَمانِ عَشْرَةَ.
(p-٥٨١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢]
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ﴾ أيْ: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، ونُفُوذُ الأمْرِ فِيهِما ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ أيِ: الثَّناءُ الجَمِيلُ؛ لِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ ومُوجِدُها.
﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التغابن: ٥] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: هو الَّذِي انْفَرَدَ بِإيجادِكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، قابِلٌ لِلْكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَمِنكم مُخْتارٌ لِلْكُفْرِ، جاحِدٌ لِلْحَقِّ، كاسِبٌ لَهُ عَلى خِلافِ ما تَسْتَدْعِيهِ خِلْقَتُهُ، ومِنكم مُخْتارٌ لِلْإيمانِ، كاسِبٌ لَهُ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ خِلْقَتُهُ، وكانَ الواجِبُ عَلَيْكم جَمِيعًا أنْ تَكُونُوا مُخْتارِينَ لِلْإيمانِ، شاكِرِينَ لِنِعْمَةِ الخَلْقِ والإيجادِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن سائِرِ النِّعَمِ، فَما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَعَ تَمامِ تَمَكُّنِكم مِنهُ، بَلْ تَشَعَّبْتُمْ شُعَبًا، وتَفَرَّقْتُمْ فِرَقًا. وتَقْدِيمُ الكُفْرِ لِأنَّهُ الأغْلَبُ فِيما بَيْنَهُمْ، والأنْسَبُ بِمَقامِ التَّوْبِيخِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢] أيْ: فَيُجازِيكم بِهِ، فَآثِرُوا ما يُجْدِيكُمْ، وجانِبُوا ما يُرْدِيكم.
(p-٥٨١٩)
التغابن 64:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ الَّتِي تُرْشِدُ إلى المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أيْ: حَيْثُ بَرَأكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإنْسانَ مُعْتَدِلَ القامَةِ عَلى أعْدَلِ الأمْزِجَةِ، وآتاهُ العَقْلَ وقُوَّةَ النُّطْقِ والتَّصَرُّفَ في المَخْلُوقاتِ، والقُدْرَةَ عَلى أنْواعِ الصِّناعاتِ ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: مَرْجِعُكم لِلْجَزاءِ.
التغابن 64:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِخَفاياها، وما تَنْطَوِي عَلَيْهِ، وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ السَّرائِرَ، وخَفِيّاتِ الضَّمائِرِ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن جَمِيعِ الكائِناتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَبَّهَ بِعِلْمِهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ما يُسِرُّهُ العِبادُ ويُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ذَواتِ الصُّدُورِ، أنَّ شَيْئًا مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ غَيْرُ خافٍ عَلَيْهِ، ولا عازِبَ عَنْهُ فَحَقُّهُ أنْ يُتَّقى ويُحْذَرَ، ولا يُجْتَرَأ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُخالِفُ رِضاهُ. وتَكْرِيرُ العِلْمِ في مَعْنى تَكْرِيرِ الوَعِيدِ. وكُلُّ ما ذَكَرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] كَما تَرى، في مَعْنى الوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ، وإنْكارِ أنْ يُعْصى الخالِقُ، ولا تُشْكَرُ نِعْمَتُهُ. انْتَهى.
(p-٥٨٢٠)
التغابن 64:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٦] ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]
﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ. و(الوَبالُ) الثِّقَلُ، والشِّدَّةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. و(أمْرُهُمْ) كُفْرُهُمْ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ هائِلٌ، وجِنايَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن ذَوْقِهِمْ وبالَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا، وما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الأُخْرى، بِسَبَبِ أنَّهُ أتَتْهم رُسُلُهم بِالواضِحاتِ مِنَ الأدِلَّةِ والأعْلامِ، عَلى حَقِيقَةِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، فَنَبَذُوها، واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ، واسْتَهْزَأُوا بِرُسُلِهِمْ، وقالُوا: أبَشَرٌ يَهْدُونَنا؟
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اسْتِكْبارًا مِنهم أنْ تَكُونَ رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهُمْ، واسْتِكْبارًا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ مِن أجْلِ أنَّ بَشَرًا مِثْلَهم دَعاهم إلَيْهِ.
وجَمَعَ الخَبَرَ عَنِ البَشَرِ فَقِيلَ: ﴿يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] ولَمْ يَقُلْ: يَهْدِينا؛ لِأنَّ البَشَرَ وإنْ كانَ في لَفْظِ الواحِدِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الجَمِيعِ. انْتَهى.
وقالَ القاشانِيُّ: لَمّا حُجِبُوا بِصِفاتِ نُفُوسِهِمْ عَنِ النُّورِ الَّذِي هو بِهِ يَفْضُلُ عَلَيْهِمْ بِما لا يُقاسُ، ولَمْ يَجِدُوا مِنهُ إلّا البَشَرِيَّةَ، أنْكَرُوا هِدايَتَهُ، فَإنَّ كُلَّ عارِفٍ لا يُعْرَفُ مَعْرُوفُهُ إلّا بِالمَعْنى الَّذِي فِيهِ، فَلا يُوجَدُ النُّورُ الكَمالِيُّ إلّا بِالنُّورِ الفِطْرِيِّ، ولا يَعْرِفُ الكَمالَ إلّا الكامِلُ، ولِهَذا قِيلَ: (p-٥٨٢١)لا يَعْرِفُ اللَّهَ إلّا اللَّهُ، وكُلُّ طالِبٍ وجَدَ مَطْلُوبَهُ بِوَجْهٍ ما دالًّا لِما أمْكَنَ بِهِ التَّوَجُّهُ نَحْوَهُ، وكَذا كُلُّ مُصَدِّقٍ بِشَيْءٍ فَإنَّهُ واجِدٌ لِلْمَعْنى المُصَدِّقِ بِهِ، بِما في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ المَعْنى. فَلَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ النُّورِ الفِطْرِيِّ أصْلًا، لَمْ يَعْرِفُوا مِنهُ الكَمالَ فَأنْكَرُوهُ، ولَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، فَيَحْدُثُ فِيهِمْ طَلَبٌ، فَيَحْتاجُوا إلى الهِدايَةِ، فَأنْكَرُوا الهِدايَةَ.
﴿فَكَفَرُوا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: بِالحَقِّ والدِّينِ والرَّسُولِ ﴿وتَوَلَّوْا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: عَنِ التَّدَبُّرِ في الآياتِ البَيِّناتِ، ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: أظْهَرَ اسْتِغْناءَهُ عَنْ إيمانِهِمْ وطاعَتِهِمْ، حَيْثُ أهْلَكَهم وقَطَعَ دابِرَهُمْ، ولَوْلا غِناهُ تَعالى عَنْهم لَما فَعَلَ ذَلِكَ. فَ " اسْتَغْنى " مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ. أيْ: وقَدِ اسْتَغْنى بِكَمالِهِ، عَرَفُوا أوْ لَمْ يَعْرِفُوا.
﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: بِذاتِهِ عَنِ العالَمِينَ، فَضْلًا عَنْ إيمانِهِمْ، لا يَتَوَقَّفُ كَمالٌ مِن كَمالاتِهِ عَلَيْهِمْ، ولا عَلى مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ.
﴿حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ، أوْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ بِنَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ حامِدٌ.
التغابن 64:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٦] ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]
﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ. و(الوَبالُ) الثِّقَلُ، والشِّدَّةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. و(أمْرُهُمْ) كُفْرُهُمْ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ هائِلٌ، وجِنايَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن ذَوْقِهِمْ وبالَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا، وما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الأُخْرى، بِسَبَبِ أنَّهُ أتَتْهم رُسُلُهم بِالواضِحاتِ مِنَ الأدِلَّةِ والأعْلامِ، عَلى حَقِيقَةِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، فَنَبَذُوها، واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ، واسْتَهْزَأُوا بِرُسُلِهِمْ، وقالُوا: أبَشَرٌ يَهْدُونَنا؟
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اسْتِكْبارًا مِنهم أنْ تَكُونَ رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهُمْ، واسْتِكْبارًا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ مِن أجْلِ أنَّ بَشَرًا مِثْلَهم دَعاهم إلَيْهِ.
وجَمَعَ الخَبَرَ عَنِ البَشَرِ فَقِيلَ: ﴿يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] ولَمْ يَقُلْ: يَهْدِينا؛ لِأنَّ البَشَرَ وإنْ كانَ في لَفْظِ الواحِدِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الجَمِيعِ. انْتَهى.
وقالَ القاشانِيُّ: لَمّا حُجِبُوا بِصِفاتِ نُفُوسِهِمْ عَنِ النُّورِ الَّذِي هو بِهِ يَفْضُلُ عَلَيْهِمْ بِما لا يُقاسُ، ولَمْ يَجِدُوا مِنهُ إلّا البَشَرِيَّةَ، أنْكَرُوا هِدايَتَهُ، فَإنَّ كُلَّ عارِفٍ لا يُعْرَفُ مَعْرُوفُهُ إلّا بِالمَعْنى الَّذِي فِيهِ، فَلا يُوجَدُ النُّورُ الكَمالِيُّ إلّا بِالنُّورِ الفِطْرِيِّ، ولا يَعْرِفُ الكَمالَ إلّا الكامِلُ، ولِهَذا قِيلَ: (p-٥٨٢١)لا يَعْرِفُ اللَّهَ إلّا اللَّهُ، وكُلُّ طالِبٍ وجَدَ مَطْلُوبَهُ بِوَجْهٍ ما دالًّا لِما أمْكَنَ بِهِ التَّوَجُّهُ نَحْوَهُ، وكَذا كُلُّ مُصَدِّقٍ بِشَيْءٍ فَإنَّهُ واجِدٌ لِلْمَعْنى المُصَدِّقِ بِهِ، بِما في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ المَعْنى. فَلَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ النُّورِ الفِطْرِيِّ أصْلًا، لَمْ يَعْرِفُوا مِنهُ الكَمالَ فَأنْكَرُوهُ، ولَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، فَيَحْدُثُ فِيهِمْ طَلَبٌ، فَيَحْتاجُوا إلى الهِدايَةِ، فَأنْكَرُوا الهِدايَةَ.
﴿فَكَفَرُوا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: بِالحَقِّ والدِّينِ والرَّسُولِ ﴿وتَوَلَّوْا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: عَنِ التَّدَبُّرِ في الآياتِ البَيِّناتِ، ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: أظْهَرَ اسْتِغْناءَهُ عَنْ إيمانِهِمْ وطاعَتِهِمْ، حَيْثُ أهْلَكَهم وقَطَعَ دابِرَهُمْ، ولَوْلا غِناهُ تَعالى عَنْهم لَما فَعَلَ ذَلِكَ. فَ " اسْتَغْنى " مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ. أيْ: وقَدِ اسْتَغْنى بِكَمالِهِ، عَرَفُوا أوْ لَمْ يَعْرِفُوا.
﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: بِذاتِهِ عَنِ العالَمِينَ، فَضْلًا عَنْ إيمانِهِمْ، لا يَتَوَقَّفُ كَمالٌ مِن كَمالاتِهِ عَلَيْهِمْ، ولا عَلى مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ.
﴿حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ، أوْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ بِنَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ حامِدٌ.
التغابن 64:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: هَيِّنٌ لِقَبُولِ المادَّةِ، وثُبُوتِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ هي الآيَةُ الثّالِثَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُقْسِمَ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَلى وُقُوعِ المَعادِ ووُجُودِهِ، فالأُولى في يُونُسَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] والثّانِيَةُ في سَبَأٍ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣] والثّالِثَةُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٥٨٢٢)
التغابن 64:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْـزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ فِيما يُخْبِرُكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ وغَيْرِهِ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْـزَلْنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الحَكِيمَ. والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ، لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِ الإنْزالِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
التغابن 64:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِ: " تُنَبِّئُونَ " أوْ لِ: " خَبِيرٌ " لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ. كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ مُجازِيكم يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ، أوْ مَفْعُولٌ لِ: اذْكُرْ ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ أيْ: لِيَوْمٍ يَجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، أيْ: لِأجْلِ ما فِيهِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّغابُنُ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغْبِنَ بَعْضُهم بَعْضًا، لِنُزُولِ السُّعَداءِ مَنازِلَ الأشْقِياءِ الَّتِي كانُوا يَنْزِلُونَها لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونُزُولِ الأشْقِياءِ مَنازِلَ السُّعَداءِ الَّتِي كانُوا يَنْزِلُونَها لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالأشْقِياءِ لَأنَّ نُزُولَهم لَيْسَ بِغَبْنٍ. انْتَهى.
ومِمّا حَسَّنَ إطْلاقَ التَّغابُنِ عَلى ما ذُكِرَ، وُرُودُ البَيْعِ والِاشْتِراءِ في حَقِّ الفَرِيقَيْنِ، فَذَكَرَ تَعالى في حَقِّ الكافِرِينَ أنَّهُمُ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، واشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى، وذَكَرَ أنَّهم ما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ، فَكَأنَّهم غَبَنُوا أنْفُسَهم. ودَلَّ المُؤْمِنِينَ عَلى تِجارَةٍ رابِحَةٍ فَقالَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ. وذَكَرَ أنَّهم باعُوا أنْفُسَهم بِالجَنَّةِ، فَخَسِرَتْ صَفْقَةُ الكُفّارِ، ورَبِحَتْ صَفْقَةُ المُؤْمِنِينَ.
(p-٥٨٢٣)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لَيْسَ التَّغابُنُ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَإنَّها أُمُورٌ فانِيَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، ضَرُورِيَّةُ الفَناءِ، لا يَبْقى شَيْءٌ مِنها لِأحَدٍ، فَإنْ فاتَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، أوْ أفاتَهُ أحَدٌ، ولَوْ كانَ حَياتَهُ، فَإنَّما فاتَ أوْ أُفِيتَ ما لَزِمَ فَواتُهُ ضَرُورَةً، فَلا غَبْنَ ولا حَيْفَ حَقِيقَةً، وإنَّما الغَبْنُ والتَّغابُنُ في إفاتَةِ شَيْءٍ لَوْ لَمْ يُفِتْهُ لَبَقِيَ دائِمًا، وانْتَفَعَ بِهِ صاحِبُهُ سَرْمَدًا، وهو النُّورُ الكَمالِيُّ والِاسْتِعْدادِيُّ، فَتَظْهَرُ الحَسْرَةُ والتَّغابُنُ هُناكَ، في إضاعَةِ الرِّبْحِ ورَأْسِ المالِ في تِجارَةِ الفَوْزِ والنَّجاةِ، كَما قالَ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] فَمَن أضاعَ اسْتِعْدادَهُ ونُورَ فِطْرَتِهِ، كانَ مَغْبُونًا مُطْلَقًا، كَمَن أُخِذَ نُورُهُ وبَقِيَ في الظُّلْمَةِ. ومَن بَقِيَ نُورُ فِطْرَتِهِ ولَمْ يَكْتَسِبِ الكَمالَ اللّائِقَ بِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ، أوِ اكْتَسَبَ مِنهُ شَيْئًا، ولَمْ يَبْلُغْ غايَتَهُ، كانَ مَغْبُونًا بِالنِّسْبَةِ إلى الكامِلِ التّامِّ، فَكَأنَّما ظَفِرَ بِذَلِكَ الكامِلِ بِمَقامِهِ ومَرامِهِ، وبَقِيَ هَذا مُتَحَيِّرًا في نُقْصانِهِ. انْتَهى.
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
التغابن 64:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١١] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] .
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: بِقُدْرَةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الحَدِيدِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]
(p-٥٨٢٤)﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: إلى العَمَلِ بِمُقْتَضى إيمانِهِ، ويَشْرَحُهُ لِلِازْدِيادِ مِنَ الطّاعَةِ والخَيْرِ.
﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: فَيَعْلَمُ مَراتِبَ إيمانِكُمْ، وسَرائِرَ قُلُوبِكُمْ، وأحْوالَ أعْمالِكم وآفاتِها، وخُلُوصَها مِنَ الآفاتِ.
التغابن 64:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١١] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] .
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: بِقُدْرَةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الحَدِيدِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]
(p-٥٨٢٤)﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: إلى العَمَلِ بِمُقْتَضى إيمانِهِ، ويَشْرَحُهُ لِلِازْدِيادِ مِنَ الطّاعَةِ والخَيْرِ.
﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: فَيَعْلَمُ مَراتِبَ إيمانِكُمْ، وسَرائِرَ قُلُوبِكُمْ، وأحْوالَ أعْمالِكم وآفاتِها، وخُلُوصَها مِنَ الآفاتِ.
التغابن 64:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٣] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: لِما أُرْسِلَ بِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ الِانْتِقامِ مِمَّنْ عَصاهُ، وخالَفَ أمْرَهُ.
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الأوَّلُ خَبَرٌ عَنِ التَّوْحِيدِ، ومَعْناهُ طَلَبٌ، أيْ: وحِّدُوا الإلَهِيَّةَ لَهُ، وأخْلِصُوها لَدَيْهِ، وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]
التغابن 64:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٣] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: لِما أُرْسِلَ بِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ الِانْتِقامِ مِمَّنْ عَصاهُ، وخالَفَ أمْرَهُ.
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الأوَّلُ خَبَرٌ عَنِ التَّوْحِيدِ، ومَعْناهُ طَلَبٌ، أيْ: وحِّدُوا الإلَهِيَّةَ لَهُ، وأخْلِصُوها لَدَيْهِ، وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]
التغابن 64:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ خِطابٌ لِمَن آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وكانَ لَهُ مِن أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ مَن يُعادِيهِمْ لِإيمانِهِمْ، ويُؤْذِيهِمْ بِسَبَبِهِ، فَكانَ ذَلِكَ يَغِيظُهُمْ، ورُبَّما يَحْمِلُهم عَلى البَطْشِ بِهِمْ، فَأُمِرُوا بِالحَذَرِ مِن فِتْنَتِهِمْ، (p-٥٨٢٥)وشِرْكِهِمْ فَحَسْبُ، وأنْ يَظْهَرُوا فِيهِمْ بِمَظْهَرِ أُولِي الفَضْلِ، كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا﴾ [البقرة: ٢٣٧] أيْ: عَنْ ذُنُوبِهِمْ ﴿وتَصْفَحُوا﴾ أيْ: بِتَرْكِ التَّثْرِيبِ والتَّعْيِيرِ ﴿وتَغْفِرُوا﴾ أيْ: جِناياتِهِمْ بِالرَّحْمَةِ لَهم. ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: يُعامِلُكم بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ فَيَلُومُهُ أهْلُهُ وبَنُوهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ أنْ يُهاجِرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ تَمْنَعُهُ زَوْجَتُهُ ووَلَدُهُ، ولَمْ يَأْلُوا يُثَبِّطُونَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ: إنَّهم عَدُوٌّ لَكم فاحْذَرُوهم واسْمَعُوا وأطِيعُوا، وامْضُوا لِشَأْنِكُمْ، فَكانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ إذا مُنِعَ وثُبِّطَ، مَرَّ بِأهْلِهِ وأقْسَمَ لَيَفْعَلَنَّ ولَيُعاقِبَنَّ أهْلَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا﴾ الآيَةَ...
التغابن 64:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾
﴿أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] أيْ: تَفْتَتِنُ بِهِما النَّفْسُ، ويَجْرِي عَلَيْها البَلاءُ بِهِما، إذا أُوثِرا عَلى مَحَبَّةِ الحَقِّ.
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن آثَرَ طاعَةَ اللَّهِ ومَحَبَّتَهُ عَلَيْهِما.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: هَذا في أُناسٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، كانَ يُسْلِمُ الرَّجُلُ أوِ النَّفَرُ مِنَ الحَيِّ، فَيَخْرُجُونَ مِن عَشائِرِهِمْ، ويَدَعُونَ أزْواجَهم وأوْلادَهم وآباءَهم عامِدِينَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَتَقُومُ عَشائِرُهم وأزْواجُهم وأوْلادُهم وآباؤُهم فَيُناشِدُونَهُمُ اللَّهَ (p-٥٨٢٦)لا يُفارِقُوهُمْ، ولا يُؤْثِرُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ، فَمِنهم مَن يَرِقُّ ويَرْجِعُ إلَيْهِمْ، ومِنهم مَن يَمْضِي حَتّى يَلْحَقَ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: يَحْمِلُ الرَّجُلُ مالَهُ ووَلَدَهُ عَلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، أوْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ، فَلا يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ مَعَ حُبِّهِ إلّا أنْ يُطِيعَهُ بِهِ، فَلِذَلِكَ وُعِدَ في إيثارِ طاعَةِ اللَّهِ، وأداءِ حَقِّ اللَّهِ في الأمْوالِ الأجْرَ العَظِيمَ؛ وهو الجَنَّةُ.
التغابن 64:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ: جُهْدَكم ووُسْعَكُمْ، أيِ: ابْذُلُوا فِيها اسْتِطاعَتَكُمْ، ﴿واسْمَعُوا وأطِيعُوا﴾ أيِ: افْهَمُوا هَذِهِ الأوامِرَ واعْمَلُوا بِها ﴿وأنْفِقُوا﴾ أيْ: أمْوالَكُمُ الَّتِي ابْتَلاكُمُ اللَّهُ بِها في مَراضِيهِ ﴿خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: وائْتُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ، أيِ: اقْصُدُوا في الأمْوالِ والأوْلادِ ما هو خَيْرٌ لَكم. فَ: " خَيْرًا " مَفْعُولٌ بِمُقَدَّرٍ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: يَكُنِ الإنْفاقُ خَيْرًا، فَهو خَبَرُ (يَكُنْ) مُضْمَرًا، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدٍ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِ: " أنْفِقُوا " وهو رَأْيُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ: أيْ: وأنْفِقُوا مالًا مِن أمْوالِكم لِأنْفُسِكم تَسْتَنْقِذُوها مِن عَذابِ اللَّهِ، والخَيْرُ في هَذا المَوْضِعِ المالُ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أيْ: بِالعِصْمَةِ مِنهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: المُنْجِحُونَ الَّذِينَ أدْرَكُوا طَلَباتِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
(p-٥٨٢٧)
التغابن 64:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٨] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨]
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، ما تُحِبُّونَ مِن غَيْرِ مَنٍّ ولا أذًى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذِكْرُ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يُضاعِفْ جَزاءَهُ وخَلَفَهُ ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ: ذُنُوبَكم بِالصَّفْحِ عَنْها ﴿واللَّهُ شَكُورٌ﴾ أيْ: ذُو شُكْرٍ لِأهْلِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، بِحُسْنِ الجَزاءِ لَهم عَلى ما أنْفَقُوا ﴿حَلِيمٌ﴾ أيْ: عَنْ أهْلِ مَعاصِيهِ، بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِعُقُوبَتِهِ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [التغابن: ١٨] أيْ: ما يَغِيبُ عَنْ أبْصارِ عِبادِهِ وما يُشاهِدُونَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ [التغابن: ١٨] أيِ: الغالِبُ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ خالَفَ أمْرَهُ ونَهْيَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] أيْ: في تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، وصَرْفِهِ إيّاهم فِيما يُصْلِحُهم.
التغابن 64:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٨] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨]
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، ما تُحِبُّونَ مِن غَيْرِ مَنٍّ ولا أذًى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذِكْرُ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يُضاعِفْ جَزاءَهُ وخَلَفَهُ ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ: ذُنُوبَكم بِالصَّفْحِ عَنْها ﴿واللَّهُ شَكُورٌ﴾ أيْ: ذُو شُكْرٍ لِأهْلِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، بِحُسْنِ الجَزاءِ لَهم عَلى ما أنْفَقُوا ﴿حَلِيمٌ﴾ أيْ: عَنْ أهْلِ مَعاصِيهِ، بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِعُقُوبَتِهِ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [التغابن: ١٨] أيْ: ما يَغِيبُ عَنْ أبْصارِ عِبادِهِ وما يُشاهِدُونَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ [التغابن: ١٨] أيِ: الغالِبُ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ خالَفَ أمْرَهُ ونَهْيَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] أيْ: في تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، وصَرْفِهِ إيّاهم فِيما يُصْلِحُهم.
الطلاق 65:1
(p-٥٨٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطَّلاقِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِبَيانِها كَيْفِيَّةَ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى الطَّلاقِ مِنَ العِدَّةِ والنَّفَقَةِ والسُّكْنى.
وتُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى. مَدَنِيَّةٌ. وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ:
(p-٥٨٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أيْ: في وقْتِها، وهو الطُّهْرُ. فاللّامُ لِلتَّأْقِيتِ.
قالَ النّاصِرُ: جُعِلَتِ العِدَّةُ، وإنْ كانَ في الأصْلِ مَصْدَرًا ظَرْفًا لِلطَّلاقِ المَأْمُورِ بِهِ. وكَثِيرًا ما تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ المَصادِرَ ظَرْفًا مِثْلَ خُفُوقِ النَّجْمِ، ومَقْدِمِ الحاجِّ. وإذا كانَتِ العِدَّةُ ظَرْفًا لِلطَّلاقِ المَأْمُورِ بِهِ، وزَمانُهُ هو الطُّهْرُ، فَلِلطُّهْرِ عِدَّةٌ إذًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إذا طَلَّقْتُمْ نِساءَكم فَطَلِّقُوهُنَّ لِطُهْرِهِنَّ الَّذِي يُحْصِينَهُ مِن عِدَّتِهِنَّ طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ. ولا تُطَلِّقُوهُنَّ بِحَيْضِهِنَّ الَّذِي لا يَعْتَدْدَنَّ بِهِ مِن قُرْئِهِنَّ.
ثُمَّ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: العِدَّةُ أنْ يُطْلِقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ، تَطْلِيقَةً واحِدَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومِن هُنا أخَذَ الفُقَهاءُ أحْكامَ الطَّلاقِ وقَسَّمُوهُ إلى: طَلاقِ سُنَّةٍ، وطَلاقِ بِدْعَةٍ، فَطَلاقُ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرَةً مِن غَيْرِ جِماعٍ، أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها. والبِدْعِيُّ هو أنْ يُطَلِّقَها في حالِ الحَيْضِ، أوْ في طُهْرٍ قَدْ جامَعَها فِيهِ، ولا يَدْرِي أحَمَلَتْ أمْ لا. وطَلاقٌ ثالِثٌ لا سُنَّةٌ فِيهِ ولا بِدْعَةٌ، وهو طَلاقُ الصَّغِيرَةِ والآيِسَةِ، وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وسَيَأْتِي في التَّنْبِيهاتِ زِيادَةٌ عَلى هَذا.
(p-٥٨٣٠)﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ أيِ: اضْبُطُوها وأكْمِلُوها ثَلاثَةَ أقْراءٍ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ أيِ: اتَّقُوهُ في تَعَدِّي حُدُودِهِ في المُطَلَّقاتِ، فَلا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ الَّتِي كُنْتُمْ أسْكَنْتُمُوهُنَّ فِيها قَبْلَ الطَّلاقِ، غَضَبًا عَلَيْهِنَّ، وكَراهَةً لِمُساكَنَتِهِنَّ؛ لِأنَّ لَهُنَّ حَقَّ السُّكْنى، حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ.
﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾ أيْ: بِاسْتِبْدادِهِنَّ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِنَّ.
قالَ النّاصِرُ: قَوْلُهُ تَعالى:
﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ حَتّى كَأنَّهُ نُهِيَ عَنِ الإخْراجِ مَرَّتَيْنِ: مُنْدَرِجًا في العُمُومِ، ومُفْرَدًا بِالخُصُوصِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ أمْثالُهُ.
﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: فَإنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ. و(الفاحِشَةُ) الزِّنا، أوْ أنْ تَبْذُوَ المُطَلَّقَةُ عَلى أهْلِها، أوْ هي كُلُّ أمْرٍ قَبِيحٍ تُعُدِّيَ فِيهِ حَدُّهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الزِّنا والسَّرِقَةُ والبِذاءُ عَلى الأحْماءِ ونَحْوِها، والأخِيرُ مُخْتارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ.
﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ: بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ بِما أكْسَبَها مِنَ الوِزْرِ. أوْ أضَرَّ بِها بِما اكْتَسَبَتْ مِن قُوَّةِ النِّفارِ، وشِدَّةِ البُغْضَةِ الَّتِي قَدْ تَتَفاقَمُ فَتَعْسُرُ الرَّجْعَةُ، مَعَ أنَّ الأُولى تَخْفِيفُ الشَّنَآنِ، وتَلافِي الهِجْرانِ، وهو الأظْهَرُ؛ ولِذا قالَ سُبْحانَهُ:
﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى، أنْ يَقْلِبَ قَلْبَهُ عَمّا فَعَلَهُ بِالتَّعَدِّي إلى خِلافِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عِبارَةً عَنْ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ، ولا يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، أوْ عَنْ مُطْلَقِ الضَّرَرِ الشّامِلِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ. ويُخَصُّ التَّعْلِيلُ بِالدُّنْيَوِيِّ لِكَوْنِ احْتِرازِ النّاسِ مِنهُ أشَدَّ، واهْتِمامُهم بِدَفْعِهِ أقْوى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا تَدْرِي﴾ خِطابٌ لِلْمُتَعَدِّي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ التَّعَدِّي، لا لِلنَّبِيِّ ﷺ، كَما تُوُهِّمَ؛ فالمَعْنى: ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ أضَرَّ بِنَفْسِهِ؛ فَإنَّكَ (p-٥٨٣١)لا تَدْرِي أيُّها المُتَعَدِّي عاقِبَةَ الأمْرِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ في قَلْبِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتَ مِنَ التَّعَدِّي، أمْرًا يَقْتَضِي خِلافَ ما فَعَلْتَهُ، فَيُبَدِّلَ بِبُغْضِها مَحَبَّةً، وبِالإعْراضِ عَنْها إقْبالًا إلَيْها، ويَتَسَنّى تَلافِيهِ رَجْعَةً، أوِ اسْتِئْنافَ نِكاحٍ. انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ في "الإكْلِيلِ": «فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ تَعالى:
﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ «بِأنْ تُطَلَّقَ في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْ فِيهِ»» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ««فَطَلَّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ»» فاسْتَدَلَّ الفُقَهاءُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ ما ذُكِرَ، وأنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ أوْ طُهْرٍ جُومِعَتْ فِيهِ بِدْعِيٌّ حَرامٌ. واسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ في الحَيْضِ.
الثّانِي: في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ وُجُوبُ السُّكْنى لَها ما دامَتْ في العِدَّةِ، وتَحْرِيمُ إخْراجِها أوْ خُرُوجِها ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كَسُوءِ الخُلُقِ، والبَذاءَةِ عَلى أحْمائِها. فَتَنْتَقِلُ.
الثّالِثُ: في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ مِن لَمْ يُوجِبِ السُّكْنى بِغَيْرِ الرَّجْعَةِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ قالَ: المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا، والمُتَوَفّى عَنْها لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ فَما يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ.
الرّابِعُ: كَما قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إذا اسْتَحالَ الوِفاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ولَمْ يَبْقَ في الإمْكانِ (p-٥٨٣٢)إصْلاحٌ، وصَمَمَ الزَّوْجُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ وُجُودَ شَخْصَيْنِ مُتَنافِرَيِ الطِّباعِ مُتَباغِضَيْنِ، لا يَنْظُرُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ إلّا ويُحِسُّ في نَفْسِهِ بِالنُّفُورِ، وفي قَلْبِهِ بِالعَداوَةِ، يَسْعى كُلٌّ مِنهُما في أذى صاحِبِهِ -شَرٌّ وفَسادٌ يَجِبُ مَحْوُهُ وقَطْعُهُ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في "إغاثَةِ اللَّهْفانِ": إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا كانَ يُبْغِضُ الطَّلاقَ، لِما فِيهِ مِن كَسْرِ الزَّوْجَةِ، ومُوافَقَةِ رِضا عَدُوِّهِ إبْلِيسَ، حَيْثُ يَفْرَحُ بِمُفارَقَةِ طاعَةِ اللَّهِ بِالنِّكاحِ الَّذِي هو واجِبٌ أوْ مُسْتَحَبٌّ، وتَعْرِيضُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْفُجُورِ والمَعْصِيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَفاسِدِ الطَّلاقِ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلَيْهِ الزَّوْجُ أوِ الزَّوْجَةُ، وتَكُونُ المَصْلَحَةُ فِيهِ شَرْعُهُ عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ المَصْلَحَةُ وتَنْدَفِعُ بِهِ المَفْسَدَةُ، وحَرَّمَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ، فَشَرَعَهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأقْرَبِها لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، فَشَرَعَ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ طَلْقَةً واحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، فَإنْ زالَ الشَّرُّ بَيْنَهُما، وحَصَلَتِ المُوافَقَةُ، كانَ لَهُ سَبِيلٌ إلى لَمِّ الشَّعَثِ، وإعادَةِ الفِراشِ كَما كانَ، وإلّا تَرَكَها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فَإنْ تَبِعَتْها نَفْسُهُ كانَ لَهُ سَبِيلٌ إلى خِطْبَتِها، وتَجْدِيدِ العَقْدِ عَلَيْها بِرِضاها، وإنْ لَمْ تَتْبَعْها نَفْسُهُ، تَرَكَها فَنَكَحَتْ مَن شاءَتْ.
وجَعَلَ العِدَّةَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ لِيَطُولَ زَمَنُ المُهْلَةِ والِاخْتِيارِ، فَهَذا هو الَّذِي شَرَعَهُ وأذِنَ فِيهِ، ولَمْ يَأْذَنْ في إبانَتِها بَعْدَ الدُّخُولِ إلّا بِالتَّراضِي بِالفَسْخِ والِافْتِداءِ، فَإذا طَلَّقَها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بَقِيَ لَهُ طَلْقَةٌ واحِدَةٌ. فَإذا طَلَّقَها الثّالِثَةَ حَرَّمَها عَلَيْهِ، عُقُوبَةً لَهُ، ولَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَها حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ويَدْخُلَ بِها ثُمَّ يُفارِقَها بِمَوْتٍ أوْ طَلاقٍ. فَإذا عَلِمَ أنَّ حَبِيبَهُ يَصِيرُ إلى غَيْرِهِ، فَيَحْظى بِهِ دُونَهُ، أمْسَكَ عَنِ الطَّلاقِ. انْتَهى.
ومَباحِثُ الطَّلاقِ وفُرُوعُهُ تَجْدُرُ مُراجَعَتُها مِن "إغاثَةِ اللَّهْفانِ" و"زادِ المَعادِ" لِابْنِ القَيِّمِ، و"فَتاوِي ابْنِ تَيْمِيَةَ" شَيْخِهِ. ومَن لَمْ يَقِفْ عَلى ما حَرَّراهُ وجاهَدا في الصَّدْعِ بِهِ، فاتَهُ عِلْمٌ غَزِيرٌ، وفُرْقانٌ مُنِيرٌ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(p-٥٨٣٣)الخامِسُ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآياتِ مَن قالَ: إنَّ جَمْعَ الطَّلاقِ في دُفْعَةٍ واحِدَةٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "إغاثَةِ اللَّهْفانِ": ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إنَّما شَرَعَ أنْ تُطَلَّقَ لِعِدَّتِها، أيْ: لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِها، فَيُطَلِّقُ طَلاقًا يَتَعَقَّبُهُ شُرُوعُها في العِدَّةِ، ولِهَذا ««أمَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ، أنَّ يُراجِعَها، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ تَفْسِيرًا لِلْمُرادِ بِها»»، وأنَّ المُرادَ بِها الطَّلاقُ في قُبُلِ العِدَّةِ. وكَذَلِكَ كانَ يَقْرَؤُها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ولِهَذا قالَ كُلُّ مَن قالَ بِتَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلاثِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يُرْدِفَ الطَّلْقَةَ بِأُخْرى في ذَلِكَ الطُّهْرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُطَلِّقٍ لِلْعِدَّةِ، فَإنَّ العِدَّةَ قَدِ اسْتُقْبِلَتْ مِن حِينِ الطَّلْقَةِ الأُولى، فَلا تَكُونُ الثّانِيَةُ لِلْعِدَّةِ، فَلا يَكُونُ مَأْذُونًا فِيها، فَإنَّ العِدَّةَ إنَّما تُحْسَبُ مِنَ الطَّلْقَةِ الأُولى؛ لِأنَّها طَلاقٌ لِلْعِدَّةِ بِخِلافِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ. ومَن جَعَلَهُ مَشْرُوعًا قالَ: هو الطَّلاقُ لِتَمامِ العِدَّةِ، والطَّلاقُ لِتَمامِها كالطَّلاقِ لِاسْتِقْبالِها، وكِلاهُما طَلاقٌ لِلْعِدَّةِ. وأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ يَقُولُونَ: المُرادُ بِالطَّلاقِ لِلْعِدَّةِ الطَّلاقُ لِاسْتِقْبالِها، كَما في القِراءَةِ الأُخْرى الَّتِي تُفَسِّرُ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ: "فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" قالُوا: فَإذا لَمْ يُشْرَعْ إرْدافُ الطَّلاقِ لِلطَّلاقِ، قَبْلَ الرَّجْعَةِ، أوِ العَقْدِ، فَأنْ لا يُشْرَعَ جَمْعُهُ مَعَهُ أوْلى وأحْرى. فَإرْدافُ الطَّلاقِ أسْهَلُ مِن جَمْعِهِ، ولِهَذا شَرَعَ الإرْدافَ في الأطْهارِ مَن لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ في الطُّهْرِ الواحِدِ.
وقَدِ احْتَجَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ عَلى تَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلاثِ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَ مُجاهِدٌ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَسَكَتَ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ رادُّها. ثُمَّ قالَ: يَنْطَلِقُ أحَدُكم فَيَرْكَبُ الأُحْمُوقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ ! وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فَما أجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ، وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ. وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ فَفَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ مِنَ الآيَةِ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مُحَرَّمٌ، وهَذا فَهْمُ مَن دَعا لَهُ (p-٥٨٣٤)النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُفَقِّهَهُ في الدِّينِ، ويُعَلِّمَهُ التَّأْوِيلَ، وهو مِن أحْسَنِ الفُهُومِ كَما تَقَرَّرَ.
الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ﴾ وهَذا هو إنَّما في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، فَأمّا البائِنُ فَلا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ، لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لا يُطْعَنُ في صِحَّتِها، الصَّرِيحَةِ الَّتِي لا شُبْهَةَ في دَلالَتِها، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا حُكْمُ كُلِّ طَلاقٍ شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى، ما لَمْ تَسْبِقْهُ طَلْقَتانِ قَبْلَهُ؛ ولِهَذا قالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ لا يُشْرَعُ لَهُ، ولا يَمْلِكُ إبانَتَها بِطَلْقَةٍ واحِدَةٍ بِدُونِ العِوَضِ. وأبُو حَنِيفَةَ قالَ: يَمْلِكُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرَّجْعَةَ حَقُّهُ، وقَدْ أسْقَطَها. والجُمْهُورُ يَقُولُونَ: ثُبُوتُ الرَّجْعَةِ، وإنْ كانَ حَقًّا لَهُ، فَلَها عَلَيْهِ حُقُوقُ الزَّوْجِيَّةِ فَلا يَمْلِكُ إسْقاطَها إلّا بِمُخالَعَةٍ، أوْ بِاسْتِيفاءِ العَدَدِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ:
﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ فَإذا طَلَّقَها ثَلاثًا جُمْلَةً واحِدَةً، فَقَدْ تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ فَيَكُونُ ظالِمًا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ:
﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ وقَدْ فَهِمَ أعْلَمُ الأُمَّةِ بِالقُرْآنِ، وهُمُ الصَّحابَةُ، أنَّ الأمْرَ هُنا هو الرَّجْعَةُ. قالُوا: وأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟
الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فَهَذا حُكْمُ كُلِّ طَلاقٍ شَرَعَهُ، إلّا أنْ يُسْبَقَ بِطَلْقَتَيْنِ قَبْلَهُ. وقَدِ احْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى تَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلاثِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
"يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ". كَما تَقَدَّمَ، وهَذا حَقٌّ؛ فَإنَّ الآيَةَ إذا دَلَّتْ عَلى مَنعِ إرْدافِ الطَّلاقِ في طُهْرٍ أوْ أطْهارٍ، قَبْلَ رَجْعَةٍ أوْ عَقْدٍ -كَما تَقَدَّمَ- لِأنَّهُ يَكُونُ مُطَلِّقًا في غَيْرِ قُبُلِ العِدَّةِ -فَلَأنْ تَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ، أوْلى وأحْرى.
قالُوا: واللَّهُ سُبْحانَهُ شَرَعَ الطَّلاقَ عَلى أيْسَرِ الوُجُوهِ وأرْفَقِها بِالزَّوْجِ والزَّوْجَةِ؛ لِئَلّا يَتَسارَعُ العَبْدُ في وُقُوعِهِ ومُفارَقَةِ حَبِيبِهِ، وقَدْ وقَّتَ لِلْعِدَّةِ أجَلًا لِاسْتِدْراكِ ألْفاظِهِ بِالرَّجْعَةِ، (p-٥٨٣٥)فَلَمْ يُبِحْ لَهُ أنْ يُطَلِّقَ المَرْأةَ في حالِ حَيْضِها؛ لِأنَّهُ وقْتُ نُفْرَتِهِ عَنْها، وعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى اسْتِمْتاعِهِ بِها، ولا عَقِيبَ جِماعِها؛ لِأنَّهُ قَدْ قَضى غَرَضَهُ مِنها، ورُبَّما فَتَرَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، ويَزْهَدُ في إمْساكِها لِقَضاءِ وطَرِهِ، فَإذا طَلَّقَها في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ رُبَّما يَنْدَمُ بَعْدَ هَذا، مَعَ ما في الطَّلاقِ مِن تَطْوِيلِ العِدَّةِ، وعَقِيبَ الجِماعِ مِن بَعْلِها؛ لِأنَّهُ رُبَّما قَدِ اشْتَمَلَ رَحِمُها عَلى ولَدٍ مِنهُ، فَلا يُرِيدُ فِراقَها. فَأمّا إذا حاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ، فَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْها، لِطُولِ عَهْدِهِ بِجِماعِهِ، فَلا يُقْدِمُ عَلى طَلاقِها في هَذِهِ الحالَةِ إلّا لِحاجَةٍ إلَيْهِ؛ فَلَمْ يُبِحْ لَهُ الشّارِعُ أنْ يُطَلِّقَها إلّا في هَذِهِ الحالِ، أوْ في حالِ اسْتِبانَةِ حَمْلِها؛ لِأنَّ إقْدامَهُ أيْضًا عَلى طَلاقِها في هَذِهِ الحالِ دَلِيلٌ عَلى حاجَتِهِ إلى الطَّلاقِ، وقَدْ أكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا بِمَنعِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنْ يُطَلِّقَ في الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَ فِيها، بَلْ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، إنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَيُطَلِّقَها. وفي ذَلِكَ عِدَّةُ حِكَمٍ:
مِنها: أنَّ الطُّهْرَ المُتَّصِلَ بِالحَيْضَةِ، هو وهي حُكْمُ القُرْءِ الواحِدِ، فَإذا طَلَّقَها في ذَلِكَ الطُّهْرِ، فَكَأنَّهُ طَلَّقَها في الحَيْضَةِ، لِاتِّصالِهِ بِها، وكَوْنِهِ مَعَها، كالشَّيْءِ الواحِدِ.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَوْ أذِنَ لَهُ في طَلاقِها في ذَلِكَ الطُّهْرِ، فَيَصِيرُ كَأنَّهُ راجِعٌ لِأجْلِ الطَّلاقِ، وهَذا ضِدُّ مَقْصُودِ الرَّجْعَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما شَرَعَها لِلْإمْساكِ ولِمَنفَعَةِ النِّكاحِ، وعَوْدِ الفِراشِ، فَلا يَكُونُ لِأجْلِ الطَّلاقِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ راجَعَ لِيُطَلِّقَ. وإنَّما شُرِعَتِ الرَّجْعَةُ لِيُمْسِكَ. وبِهَذا بِعَيْنِهِ أبْطَلْنا نِكاحَ المُحَلِّلِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَعَ النِّكاحَ لِلْإمْساكِ والمُعاشَرَةِ، والمُحَلِّلُ تَزَوَّجَ لِيُطَلِّقَ، فَهو مُضادٌّ لِلَّهِ تَعالى في شَرْعِهِ ودِينِهِ.
الثّالِثَةُ: إنَّهُ إذا صَبَرَ عَلَيْها حَتّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، زالَ ما في نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى الطَّلاقِ، ورُبَّما صَلَحَتِ الحالُ بَيْنَهُما، وأقْلَعَتْ عَمّا يَدْعُوهُ إلى الطَّلاقِ، فَيَكُونُ تَطْوِيلُ هَذِهِ المُدَّةِ رَحْمَةً بِهِ وبِها. وإذا كانَ الشّارِعُ مُلْتَفِتًا إلى مِثْلِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ عَلى الزَّوْجِ، وشَرَعَ الطَّلاقَ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ النَّدَمِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ (p-٥٨٣٦)بِشَرْعِهِ أنْ يَشْرَعَ إبانَتَها وتَحْرِيمَها عَلَيْهِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَجْمَعُ فِيها ما شَرَعَهُ مُتَفَرِّقًا، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ سَبِيلٌ إلَيْها. وكَيْفَ يَجْتَمِعُ في حِكْمَةِ الشّارِعِ، وحِكْمَةِ هَذا وهَذا؟ فَهَذِهِ الوُجُوهُ ونَحْوَها مِمّا بَيَّنَ بِها الجُمْهُورُ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، هي بِعَيْنِها تُعَيِّنُ عَدَمَ الوُقُوعِ، وأنَّهُ إنَّما يَقَعُ المَشْرُوعُ وحْدَهُ، وهي الواحِدَةُ.
الطلاق 65:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
﴿فَإذا بَلَغْنَ﴾ أيِ: المُطَلَّقاتُ اللَّواتِي في عِدَّةٍ ﴿أجَلَهُنَّ﴾ يَعْنِي آخِرَ العِدَّةِ. أيْ: إذا قَرُبَ انْقِضاؤُهُ وشارَفْنَهُ ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: فَراجِعُوهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والمَسْكَنِ وحُسْنِ الصُّحْبَةِ ﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيِ: اتْرُكُوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَدُهُنَّ فَيَبِنَّ مِنكم بِمَعْرُوفٍ، وهو إيفاؤُهُنَّ ما لَهُنَّ مِن حَقٍّ، كالصَّداقِ والمُتْعَةِ، عَلى ما أوْجَبَ عَلَيْهِ لَهُنَّ.
﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: أشْهِدُوا عِنْدَ الرَّجْعَةِ والفُرْقَةِ مَن يُرْضى دِينُهُما وأمانَتُهُما.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنْ راجَعَها فَهي عِنْدُهُ عَلى تَطْلِيقَتَيْنِ، وإنْ لَمْ يُراجِعْها، فَإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها فَقَدْ بانَتْ مِنهُ بِواحِدَةٍ، وهي أمْلَكُ بِنَفْسِها، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَن شاءَتْ هو أوْ غَيْرُهُ.
وهَذا الإشْهادُ عَلى المُراجَعَةِ والطَّلاقِ مَندُوبٌ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى وُجُوبِهِ عَلَيْهِما، ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَ المُراجَعَةِ فَأوْجَبَهُ فِيها وبَيَّنَ الطَّلاقَ فاسْتَحَبَّهُ. وظاهِرُ الأمْرِ في الآيَةِ الوُجُوبُ فِيهِما، والتَّرْجِيحُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ مُرَجِّحٍ. ومِمّا يُؤَيِّدُ الوُجُوبَ أنَّ الأوامِرَ في الآيَةِ كُلِّها، قَبْلُ وبَعْدُ، لِلْوُجُوبِ إجْماعًا، ولا دَلِيلَ يَصْرِفُ الأمْرَ بِالإشْهادِ عَنْ ظاهِرِهِ، فَبَقِيَ (p-٥٨٣٧)كَسابِقِهِ ولاحِقِهِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ لا يُفِيدُ المُشارَكَةَ في الحُكْمِ، إلّا أنَّهُ عاضِدٌ ومُؤَيِّدٌ، إذا لَمْ يُوجَدْ صارِفٌ. ثُمَّ الأمْرُ بِالإشْهادِ عِنْدَ الطَّلاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ، أوْ تَعْلِيقِ وُقُوعِهِ بِأمْرٍ كُلُّهُ مِمّا لا يُعَدُّ طَلاقًا في الشَّرْعِ؛ لِأنَّ ما طُلِبَ فِيهِ الإشْهادُ، لا بُدَّ أنْ يَنْوِيَ فِيهِ إيقاعَهُ ويَعْزِمَ عَلَيْهِ ويَتَهَيَّأ لَهُ، وجَدِيرٌ بِعِصْمَةٍ يَنْوِي حَلَّها، وكانَتْ مَعْقُودَةً أوْثَقَ عَقْدٍ، أنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ، بَعْدَ أنْ يَسْبِقَها مُراجَعَةٌ مِن حَكَمَيْنِ مِن قِبَلِ الزَّوْجَيْنِ، كَما أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ الحُكْمِ؛ فَلْيُتَدَبَّرِ الطَّلاقُ المَشْرُوعُ، والطَّلاقُ المُبْتَدَعُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: فائِدَةُ الإشْهادِ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما التَّجاحُدُ، وأنْ لا يُتَّهَمُ في إمْساكِها، ولِئَلّا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِي الباقِي ثُبُوتَ الزَّوْجِيَّةِ لِيَرِثَ.
﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ أيْ: لِوَجْهِهِ خالِصًا؛ وذَلِكَ أنْ يُقِيمُوها لا لِلْمَشْهُودِ لَهُ، ولا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، ولا لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، سِوى إقامَةِ الحَقِّ، ودَفْعِ الظُّلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى:
﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] انْتَهى.
وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى حَظْرِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى أداءِ الشَّهادَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو الحَثُّ عَلى إقامَةِ الشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ، ولِأجْلِ القِيامِ بِالقِسْطِ، ويُحْتَمِلُ عَوْدُهُ عَلى جَمِيعِ ما في الآيَةِ.
﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
الطلاق 65:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً مُؤَكِّدَةً لِما سَبَقَ مِن إجْراءِ أمْرِ الطَّلاقِ عَلى السُّنَّةِ، وطَرِيقِهِ الأحْسَنِ، والأبْعَدِ مِنَ النَّدَمِ.
(p-٥٨٣٨)ويَكُونُ المَعْنى: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ فَطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ، ولَمْ يُضارِّ المُعْتَدَّةَ، ولَمْ يُخْرِجْها مِن مَسْكَنِها، واحْتاطَ فَأشْهَدَ، يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِمّا في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ الغُمُومِ، والوُقُوعِ في المَضايِقِ، ويُفَرِّجُ عَنْهُ ويُنَفِّسُ، ويُعْطِهِ الخَلاصَ، ويَرْزُقْهُ مِن وجْهٍ لا يُخْطِرُهُ بِبالِهِ ولا يَحْسَبُهُ، إنْ أوْفى المَهْرَ وأدّى الحُقُوقَ والنَّفَقاتِ، وقَلَّ مالُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُجاءَ بِها عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق: ٢] يَعْنِي: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ومَخْلِصًا مِن غُمُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ الفَرَسِ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى الآيَةِ في الطَّلاقِ أيْ: مَن لا يَتَعَدّى طَلاقَ السُّنَّةِ إلى طَلاقِ الثَّلاثِ يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا إنْ نَدِمَ في الرَّجْعَةِ. قالَ: وهَذا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلاثِ، وأنَّها إذا جُمِعَتْ وقَعَتْ، نَقَلَهُ في "الإكْلِيلِ".
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في "الإغاثَةِ": اعْلَمْ أنَّهُ مَنِ اتَّقى اللَّهَ في طَلاقِهِ، فَطَلَّقَ كَما أمَرَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وشَرَعَهُ لَهُ، أغْناهُ مِنَ الحِيَلِ كُلِّها؛ ولِهَذا قالَ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حُكْمَ الطَّلاقِ المَشْرُوعِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فَلَوِ اتَّقى اللَّهَ عامَّةُ المُطَلِّقِينَ لاسْتَغْنَوْا بِتَقْواهُ عَنِ الآصارِ والأغْلالِ، والمَكْرِ والِاحْتِيالِ؛ فَإنَّ الطَّلاقَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ، ويُطَلِّقَها واحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يُمْسِكَها في العِدَّةِ أمْسَكَها. وإنْ لَمْ يُراجِعْها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها أمْكَنَهُ أنْ يَسْتَقْبِلَ العَقْدَ عَلَيْها مِن غَيْرِ زَوْجٍ آخَرَ. وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ لَمْ يَضُرَّهُ أنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ غَيْرِهِ، فَمَن فَعَلَ هَذا لَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى حِيلَةٍ ولا تَحْلِيلٍ؛ ولِهَذا سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ مِائَةً فَقالَ: عَصَيْتَ رَبَّكَ، وفارَقْتَ امْرَأتَكَ، لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلْ لَكَ مَخْرَجًا.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: إنِّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي ألْفًا. فَقالَ: أمّا ثَلاثٌ، فَتَحْرُمُ عَلَيْكَ امْرَأتُكَ، وبَقِيَّتُهُنَّ وِزْرٌ، اتَّخَذْتَ آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا.
قالَ مُجاهِدٌ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَسَكَتَ (p-٥٨٣٩)حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ رادُّها إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: يَنْطَلِقُ أحَدُكم فَيَرْكَبُ الأُحْمُوقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ ! وإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وإنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَلا أجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ، ذَكَرَهُ أبُو داوُدَ. والبَحْثُ طَوِيلُ الذَّيْلِ لا يُسْتَغْنى عَنْ مُراجَعَتِهِ.
﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ: مَن يَتَوَكَّلْ عَلى ما شَرَعَهُ، ويُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى ما جَعَلَهُ المَخْرَجَ؛ لِأنَّهُ لا دَواءَ أنْجَعُ مِنهُ ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ قُرِئَ بِالإضافَةِ، أيْ: يَبْلُغُ ما أرادَ مِن أمْرِهِ، فَمَن تَيَقَّنَ فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ، وعَوَّلَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ أيْ: تامُّ وكامِلُ أمْرِهِ وحُكْمِهِ وشَرْعِهِ، لِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والرَّحْمَةِ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ: حَدًّا وتَقْدِيرًا، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. ومِنهُ تَقْدِيرُهُ ما قُدِّرَ في أمْرِ الطَّلاقِ، مِمّا بَيَّنَهُ في شَأْنِهِ وتَوْقِيتِهِ، مَعْرِفَةُ المَخْرَجِ مِنهُ.
الطلاق 65:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾
﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: أشْكَلَ عَلَيْكم حُكْمُهُنَّ، أوْ شَكَكْتُمْ في الدَّمِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُنَّ لِكِبَرِهِنَّ، أمِنَ الحَيْضِ أوْ هو مِنَ الِاسْتِحاضَةِ؟ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أيْ: مِنَ الجَوارِي لِصِغَرِهِنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ أزْواجُهُنَّ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعُدْتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ (p-٥٨٤٠)فِي انْقِضاءِ عِدَدِهِنَّ ﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أيْ: ما في بَطْنِهِنَّ. والآيَةُ عامَّةٌ في المُطَلَّقاتِ والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ.
ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ في المُطَلَّقاتِ. وأمّا المُتَوَفّى عَنْها فَعِدَّتُها آخِرُ الأجَلَيْنِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ أُولاتِ الأحْمالِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَمَّ القَوْلَ بِذَلِكَ، ولَمْ يُخَصَّصِ الخَبَرَ عَنْ مُطَلَّقَةٍ دُونَ مُتَوَفًّى عَنْها.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ سِياقَ الخَبَرِ في أحْكامِ المُطَلَّقاتِ. يُجابُ: بِأنَّ نَظْمَها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ عَنْ أحْكامِ عَدَدِ جَمِيعِ أُولاتِ الأحْمالِ، المُطَلَّقاتِ وغَيْرِ المُطَلَّقاتِ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنْ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةَ وضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِها بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَخُطِبَتْ، «فَأنْكَحَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» وكانَ أبُو السَّنابِلِ فِيمَن خَطَبَها».
﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: فَلَمْ يُخالِفْ إذْنَهُ في طَلاقِ امْرَأتِهِ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ وهو تَسْهِيلُ الرَّجْعَةِ ما دامَتْ في عِدَّتِها، والقُدْرَةُ عَلى خِطْبَتِها، إنِ انْقَضَتْ ودَعَتْهُ إلَيْها بِسَبَبِ التَّقْوى.
الطلاق 65:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْـزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن حُكْمِ الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ والعِدَّةِ ﴿أمْرُ اللَّهِ أنْـزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ (p-٥٨٤١)أيْ: لِتَأْتَمِرُوا لَهُ وتَعْمَلُوا بِهِ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ أيْ: بِالمُضاعَفَةِ.
الطلاق 65:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾
﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ: مِن سَعَتِكُمُ الَّتِي تَجِدُونَ، وطاقَتِكم ومَقْدِرَتِكم ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ أيْ: لا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ أيْ: في المَسْكَنِ بِبَعْضِ الأسْبابِ، مِن إنْزالِ مَن لا يُوافِقُهُنَّ، أوْ بِشَغْلِ مَكانِهِنَّ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، حَتّى تَضْطَرُّوهُنَّ إلى الخُرُوجِ أوِ الِافْتِداءِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ وُجُوبُ السُّكْنى لِلْمُطَلَّقاتِ كُلِّهِنَّ، ولِلْبَوائِنِ، لِتَقَدُّمِ سُكْنى الرَّجْعِيّاتِ، ولِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فَإنَّهُ خاصٌّ بِالبَوائِنِ. وفِيهِ أنَّ الإسْكانَ يُعْتَبَرُ بِحالِ الزَّوْجِ، وتَحْرِيمِ المُضارَّةِ بِها، وإلْجائِها إلى الخُرُوجِ.
﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وإنْ كانَ نِساؤُكُمُ المُطَلَّقاتُ أُولاتِ حَمْلٍ وكُنَّ بائِناتٍ مِنكُمْ، فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ في عِدَّتِهِنَّ مِنكم حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.
(p-٥٨٤٢)فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ يُطَلِّقُها زَوْجُها، فَيَبُتُّ طَلاقَها وهي حامِلٌ، فَيَأْمُرُهُ اللَّهُ أنْ يُسْكِنَها، ويُنْفِقَ عَلَيْها حَتّى تَضَعَ، وإنْ أرْضَعَتْ فَحَتّى تَفْطِمَ، وإنْ أبانَ طَلاقَها، ولَيْسَ بِها حَبَلٌ، فَلَها السُّكْنى حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ولا نَفَقَةَ. وكَذَلِكَ المَرْأةُ يَمُوتُ عَنْها زَوْجُها فَإنْ كانَتْ حامِلًا أنْفَقَ عَلَيْها مِن نَصِيبِ ذِي بَطْنِها إذا كانَ مِيراثٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِيراثٌ أنْفَقَ عَلَيْها الوارِثُ حَتّى تَضَعَ وتَفْطِمَ ولَدَها، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَإنْ لَمْ تَكُنْ حامِلًا فَإنَّ نَفَقَتَها كانَتْ مِن مالِها.
ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقالَ آخَرُونَ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ، مَلَكَ زَوْجُها رَجَعَتْها أوْ لَمْ يَمْلِكْ، ومِمَّنْ قالَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
فَعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ يَجْعَلانِ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا، السُّكْنى والنَّفَقَةَ والمُتْعَةَ. وكانَ عُمَرُ إذا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ««أمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِها»» . قالَ: ما كُنّا لِنُجِيزَ في دِينِنا شَهادَةَ امْرَأةٍ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ عِنْدَنا أنْ لا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ جَعَلَ النَّفَقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ لِلْحَوامِلِ دُونَ غَيْرِهِنَّ مِنَ البائِناتِ مِن أزْواجِهِنَّ، ولَوْ كانَ البَوائِنُ مِنَ الحَوامِلِ وغَيْرِ الحَوامِلِ في الواجِبِ مِنَ النَّفَقَةِ عَلى أزْواجِهِنَّ سَواءً، لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ أُولاتِ الأحْمالِ بِالذِّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ وجْهٌ مَفْهُومٌ، إذْ هُنَّ وغَيْرُهُنَّ في ذَلِكَ سَواءٌ. وفي خُصُوصِهِنَّ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِنَّ أدُلُّ الدَّلِيلِ عَلى أنْ لا نَفَقَةَ لِبائِنٍ، إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا، وبِالَّذِي قُلْنا صَحَّ الخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
«قالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَتْنِي فاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أُخْتُ الضَّحّاكِ بْنِ قَيْسٍ: (p-٥٨٤٣)أنَّ أبا عَمْرٍو المَخْزُومِيَّ طَلَّقَها ثَلاثًا، فَأمَرَ لَها بِنَفَقَةٍ فاسْتَقَلَّتْها. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ. فانْطَلَقَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ في نَفَرٍ، مِن بَنِي مَخْزُومٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عِنْدَ مَيْمُونَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أبا عَمْرٍو طَلَّقَ فاطِمَةَ ثَلاثًا، فَهَلْ لَها مِن نَفَقَةٍ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ لَها نَفَقَةٌ» فَأرْسَلَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنِ انْتَقِلِي إلى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، وأرْسَلَ إلَيْها أنْ لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ. ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْها أنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيها المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، فانْتَقِلِي إلى ابْنٍ مَكْتُومٍ، فَإنَّكِ إذا وضَعْتِ خِمارَكِ لَمْ يَرَكِ. فَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ» . انْتَهى.
وقالَ النّاصِرُ في «الِانْتِصافِ»: لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ لِهَذِهِ الآيِ أنَّ المَبْتُوتَةَ غَيْرَ الحامِلِ، لا نَفَقَةَ لَها؛ لِأنَّ الآيَ سِيقَتْ لِبَيانِ الواجِبِ، فَأوْجَبَ السُّكْنى لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ تَقَدَّمُ ذِكْرُها، ولَمْ يُوجِبْ سِواها. ثُمَّ اسْتَثْنى الحَوامِلَ فَخَصَّهُنَّ بِإيجابِ النَّفَقَةِ لَهُنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا البَيانِ بَيانٌ. والقَوْلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ مَبْتُوتَةٍ، حامِلًا أوْ غَيْرَ حامِلٍ، لا يَخْفى مُنافَرَتُهُ لِنَظْمِ الآيَةِ.
والزَّمَخْشَرِيُّ نَصَرَ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ فَقالَ: فائِدَةُ تَخْصِيصِ الحَوامِلِ بِالذِّكْرِ أنَّ الحَمْلَ رُبَّما طالَ أمَدُهُ، فَيُتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ النَّفَقَةَ لا تَجِبُ بِطُولِهِ فَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَطْعِ هَذا الوَهْمِ. وغَرَضُ الزَّمَخْشَرِيَّ بِذَلِكَ أنْ يُحْمَلَ التَّخْصِيصُ عَلى هَذِهِ الفائِدَةِ كَيْلا يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ في إسْقاطِ النَّفَقَةِ لِغَيْرِ الحَوامِلِ؛ لِأنَّ أبا حَنِيفَةَ يُسَوِّي بَيْنَ الجَمِيعِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ. انْتَهى.
وفِي "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ وُجُوبُ الإنْفاقِ عَلى البائِنِ الحامِلِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. ومَفْهُومُهُ أنَّ غَيْرَ الحامِلِ لا نَفَقَةَ لَها. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أوْجَبَها لِلْحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها. انْتَهى.
﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: نِساءَكُمُ البَوائِنَ مِنكم ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: عَلى رَضاعِهِنَّ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: لِيَقْبَلَ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ما أُمِرَ بِهِ مِن مَعْرُوفٍ، يَعْنِي: المُجامَلَةَ والمُسامَحَةَ في الإرْضاعِ والأجْرِ. والخِطابُ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ.
(p-٥٨٤٤)تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": فِيها أنَّ الأُمَّ إذا طَلَبَتْ إرْضاعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ، وجَبَ عَلى الأبِ دَفْعُها إلَيْها، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَها. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأُمَّ أوْلى بِالحَضانَةِ.
قالَ إلْكِيا: وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأُجْرَةَ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالفَراغِ مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
وفِي قَوْلِهِ:
" بِمَعْرُوفٍ " طَلَبَ أنْ لا يُماكِسَ الأبُ، ولا تُعاسِرَ الأُمُّ؛ لِأنَّهُ ولَدُهُما مَعًا، وهُما شَرِيكانِ فِيهِ، وفي وُجُوبِ الإشْفاقِ عَلَيْهِنَّ. -قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -.
﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ: ضَيَّقَ بَعْضُكم عَلى الآخَرِ بِالمُشاحَّةِ في الأُجْرَةِ، أوْ طَلَبِ الزِّيادَةِ ونَحْوِهِ، ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، ولَيْسَ لَهُ إكْراهُها عَلى إرْضاعِهِ، ولَكِنَّهُ يَسْتَأْجِرُ لِلصَّبِيِّ مُرْضِعَةً غَيْرَ أُمِّهِ البائِنَةِ مِنهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: فَسَتُوجَدُ، ولا تَعُوزُ مُرْضِعَةٌ غَيْرُ الأُمِّ تُرْضِعُهُ. وفِيهِ طَرَفٌ مِن مُعاتَبَةِ الأُمِّ عَلى المُعاسَرَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةٌ فَيَتَوانى: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ. تُرِيدُ: لَنْ تَبْقى غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ وأنْتَ مَلُومٌ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: وخَصَّ الأُمَّ بِالمُعاتَبَةِ؛ لِأنَّ المُبْذَلَ مِن جِهَتِها هو لَبَنُها لِوَلَدِها، وهو غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ ولا مُضْنُونٍ بِهِ في العُرْفِ، وخُصُوصًا في الأُمِّ عَلى الوَلَدِ، ولا كَذَلِكَ المَبْذُولُ مِن جِهَةِ الأبِ، فَإنَّهُ المالُ المُضْنُونُ بِهِ عادَةً، فالأُمُّ إذًا، أجْدى بِاللَّوْمِ، وأحَقُّ بِالعَتَبِ. انْتَهى.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى مُعاتَبَةِ الأبِ أيْضًا، كَما حَقَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وذَلِكَ أنَّ الأبَ لَمّا أُسْقِطَ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ، وبَيَّنَ أنَّ مُعاسَرَتَهُ لا تُجْدِي، إذْ لا بُدَّ مِن مِرْضِعَةٍ أُخْرى بِأجْرٍ، وهَذِهِ أشْفَقُ مِنها، كانَ في حُكْمِ المُعاتِبِ المَذْكُورِ في الجَوابِ. وبِهِ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ المُعاسَرَةَ فِعْلُ الأبِ والأُمِّ، فَكَيْفَ يَخُصُّ الأُمَّ بِالذِّكْرِ في الجَزاءِ. وحاصِلُهُ أنَّهُما مَذْكُورانِ فِيهِ، إلّا أنَّ الأُمَّ مُصَرَّحٌ بِها، والأبَ مَرْمُوزٌ إلَيْهِ. وتَقْدِيرُ ابْنُ جَرِيرٍ يُشِيرُ إلَيْهِ أيْضًا.
(p-٥٨٤٥)تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": تَدُلُّ عَلى أنَّ الأُمَّ لا تُجْبَرُ عَلى الرِّضاعِ حَيْثُ وُجِدَ غَيْرُها، وقَبِلَ الصَّبِيُّ ثَدْيَها، وإلّا أُجْبِرَتْ عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: والآيَةُ أصْلٌ في وُجُوبِ نَفَقَةِ الوَلَدِ عَلى الأبِ، خِلافًا لِمَن أوْجَبَها عَلَيْهِما مَعًا.
الطلاق 65:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ أيْ: مِن سَعَةِ مالِهِ وغِناهُ عَلى امْرَأتِهِ البائِنَةِ في أجْرِ رِضاعِ ولَدِهِ مِنها، وعَلى ولَدِهِ الصَّغِيرِ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أيْ: ضُيِّقَ عَلَيْهِ ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ أيْ: عَلى قَدْرِ مالِهِ وطاقَتِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ يَعْنِي: وُسْعَها وطاقَتَها، فَلا يُكَلِّفُ الفَقِيرَ نَفَقَةَ الغَنِيِّ، ولا أحَدًا إلّا فَرْضَهُ الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِ ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أيْ: سَيُؤْتِي المُقِلَّ بَعْدَ ضِيقٍ فَرَجًا، وبَعْدَ فَقْرٍ غِنًى، تَسْلِيَةً لِلْمُعْسِرِينَ مِن فُقَراءِ الأزْواجِ، وتَصْبِيرٌ لِمُطَلَّقاتِهِمْ، وتَطَيُّبٌ لِقُلُوبِ الجَمِيعِ، وتَبَشُّرٌ عامٌّ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": فِيهِ أنَّ النَّفَقَةَ يُراعى فِيها حالُ المُنْفِقِ يَسارًا وإعْسارًا، وإنَّ نَفَقَةَ المُعْسِرِ أقَلُّ مِن نَفَقَةِ المُوسِرِ، لا حالُ المُنْفَقِ عَلَيْهِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ مَن قالَ: لا فَسْخَ بِالعَجْزِ عَنِ الإنْفاقِ عَلى الزَّوْجَةِ. وفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ مُراعاةِ الإنْسانِ نَفْسَهُ في النَّفَقَةِ والصَّدَقَةِ. فَفي الحَدِيثِ: ««إنَّ المُؤْمِنَ أخَذَ عَنِ اللَّهِ أدَبًا حَسَنًا: إذا هو وسَّعَ عَلَيْهِ وسَّعَ، وإذا هو قَتَّرَ عَلَيْهِ قَتَّرَ»»
(p-٥٨٤٦)رَوى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَلْبَسُ الغَلِيظَ مِنَ الثِّيابِ، ويَأْكُلُ أخْشَنَ الطَّعامِ، فَبَعَثَ إلَيْهِ بِألْفِ دِينارٍ، وقالَ لِلرَّسُولِ: انْظُرْ ماذا يَصْنَعُ إذا هو أخَذَها، فَما لَبِثَ أنْ لَبِسَ ألْيَنَ الثِّيابِ، وأكَلَ أطْيَبَ الطَّعامِ، فَجاءَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾
ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى مِن عِصْيانِهِ وتَعَدِّي حُدُودِهِ فِيما شَرَعَهُ، عِنايَةً بِما مَرَّ مِنَ الأحْكامِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الطلاق 65:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] .
﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أيْ: أعْرَضَتْ عَنْهُ عَلى وجْهِ العُتُوِّ والعِنادِ، ﴿ورُسُلِهِ﴾ أيْ: وعَنْ أمْرِ رُسُلِهِ كَذَلِكَ ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ أيْ: عَلى ما قَدَّمَتْ، فَلَمْ نُغادِرْ لَها مِنهُ شَيْئًا ﴿وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ: مُنْكَرًا.
﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾ [الطلاق: ٩] أيْ: عاقِبَةَ ما اكْتَسَبَتْ وجَزاءَهُ ﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: غَبْنًا؛ لِأنَّهم باعُوا نَعِيمَ الآخِرَةِ بِخَسِيسٍ مِنَ الدُّنْيا قَلِيلٍ، وآثَرُوا اتِّباعَ أهْوائِهِمْ عَلى اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ.
(p-٥٨٤٧)
الطلاق 65:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] .
﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أيْ: أعْرَضَتْ عَنْهُ عَلى وجْهِ العُتُوِّ والعِنادِ، ﴿ورُسُلِهِ﴾ أيْ: وعَنْ أمْرِ رُسُلِهِ كَذَلِكَ ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ أيْ: عَلى ما قَدَّمَتْ، فَلَمْ نُغادِرْ لَها مِنهُ شَيْئًا ﴿وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ: مُنْكَرًا.
﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾ [الطلاق: ٩] أيْ: عاقِبَةَ ما اكْتَسَبَتْ وجَزاءَهُ ﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: غَبْنًا؛ لِأنَّهم باعُوا نَعِيمَ الآخِرَةِ بِخَسِيسٍ مِنَ الدُّنْيا قَلِيلٍ، وآثَرُوا اتِّباعَ أهْوائِهِمْ عَلى اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ.
(p-٥٨٤٧)
الطلاق 65:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ يَعْنِي عَذابَ النّارِ المُعَدَّ في القِيامَةِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: خافُوهُ واحْذَرُوا بَطْشَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ. واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ: العُقُولِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَّقُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. نَعْتٌ لِلْمُنادى، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ ﴿قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾
الطلاق 65:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾
يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، وجَعَلَهُ نَفْسَ الذِّكْرِ مُبالَغَةً، لِذَلِكَ أبْدَلَ مِنهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: لِمَن سَمِعَها وتَدَبَّرَها أنَّها حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالِ إلى الهُدى ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أيْ: طَيَّبَهُ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ لَهُ وتَعْظِيمٌ.
الطلاق 65:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
(p-٥٨٤٨)﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أيِ: المَعْبُودُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، مَن هَذا خَلْقُهُ، لا ما يُشْرَكُ مَعَهُ. وهاهُنا لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ ما في القُرْآنِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضِينَ سَبْعٌ إلّا هَذِهِ. انْتَهى.
قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: أمّا كَوْنُ الأرْضِينَ سَبْعًا كالسَّماواتِ، فَهو أمْرٌ نَجْهَلُهُ ولا نَفْهَمُهُ إلّا إذا أُرِيدَ بِهِ أنَّ لِلْأرْضِ سَبْعَ طَبَقاتٍ، قالَ: والحَقُّ يُقالُ أنَّ كَوْنَ الأرْضِينَ سَبْعًا، وهو كَما يَظْهَرُ لَنا وهْمٌ مِن أوْهامِ القُدَماءِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ الشَّرِيفِ لَفْظُ الأرْضِ مَجْمُوعًا -أيْ: أرْضِينَ- ولَمْ يَرِدْ فِيهِ مُطْلَقًا أنَّ الأرْضِينَ سَبْعٌ، مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ، مِرارًا عَدِيدَةً وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَذْكُرُ مَعَها الأرْضَ بِالإفْرادِ. نَعَمْ! ورَدَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ وهي الآيَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي فَهِمُوا مِنها أنَّ الأرْضِينَ سَبْعٌ. وهي كَما لا يَخْفى لا تُفِيدُ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
قالَ: ولَنا في تَفْسِيرِها وجْهانِ:
أما أنْ تَكُونَ " مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ زائِدَةٌ، وإمّا أنْ تَكُونَ غَيْرَ زائِدَةٍ.
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: فَتَقْدِيرُ الآيَةِ هَكَذا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ والأرْضَ خَلَقَها مِثْلَهُنَّ. وعَلى تَفْسِيرِنا هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ كَباقِي الكَواكِبِ السَّيّارَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. أيْ: أنَّها إحْدى السَّيّاراتِ، وهو أمْرٌ ما كانَ مَعْرُوفًا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما كانَ يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ، وذَلِكَ مِن دَلائِلِ صِدْقِ القُرْآنِ. والأرْضُ مِثْلَ السَّيّاراتِ الأُخْرى في المادَّةِ، وكَيْفِيَّةِ خَلْقِها، وكَوْنِها تَسِيرُ حَوْلَ الشَّمْسِ، وتَسْتَمِدُّ النُّورَ والحَرارَةَ مِنها، وكَوْنِها مَسْكُونَةً بِحَيَواناتٍ كالكَواكِبِ الأُخْرى، وكَوْنِها كُرَوِيَّةَ الشَّكْلِ، فالسَّيّاراتُ أوِ السَّماواتُ هي مُتَماثِلَةٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وكُلُّها مَخْلُوقَةٌ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ، (p-٥٨٤٩)وهِيَ مادَّةُ الشَّمْسِ، وعَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] أيْ: شَيْئًا واحِدًا ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] أيْ: فَصَلْنا بَعْضَهُما عَنْ بَعْضٍ، فالأرْضُ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى مِثْلَ السَّماواتِ تَمامًا.
وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: وهو أنَّ " مِن " غَيْرُ زائِدَةٍ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ هَكَذا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ أرْضًا مِثْلَهُنَّ، فالآيَةُ وارِدَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ، كَقَوْلِكَ: اتَّخَذْتُ لِي سَبْعَةَ أصْدِقاءَ، ولِي مِن فُلانٍ صَدِيقٌ مِثْلُهم. أيْ: مِثْلُهم في الصَّداقَةِ. أوِ التَّقْدِيرُ: وبَعْضُ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ في مادَّتِها وعَناصِرِها. وعَلَيْهِ: فَلَيْسَ في القُرْآنِ الشَّرِيفِ أدْنى دَلِيلٍ عَلى أنَّ الأرْضِينَ سَبْعٌ كَما يَزْعُمُونَ. انْتَهى.
الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّائِرِ" في النَّوْعِ السّادِسِ، في اخْتِلافِ صِيَغِ الألْفاظِ واتِّفاقِها وتَفاوُتِها في الحُسْنِ فِيهِ ما مِثالُهُ:
وفِي صَدَدِ ذَلِكَ ما ورَدَ اسْتِعْمالُهُ مِنَ الألْفاظِ مُفْرَدًا، ولَمْ يَرِدْ مَجْمُوعًا، كَلَفْظَةِ الأرْضِ، فَإنَّها لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا مُفْرَدَةً. فَإذا ذُكِرَتِ السَّماءُ مَجْمُوعَةً جِيءَ بِها مُفْرَدَةً مَعَها في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ. ولَمّا أُرِيدَ أنْ يُؤْتى بِها مَجْمُوعَةً قِيلَ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ انْتَهى.
الثّالِثَةُ: قُرِئَ: " مِثْلَهُنَّ " بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى: " سَبْعَ " وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: " مِنَ الأرْضِ " .
﴿يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أيْ: يَجْرِي أمْرُ اللَّهِ وحُكْمُهُ بَيْنَهُنَّ، ومُلْكُهُ يَنْفُذُ فِيهِنَّ. وقَوْلُهُ:
﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ عِلَّةٌ لِ: " خَلَقَ " ولِ: ﴿يَتَنَـزَّلُ﴾ أوْ لِمُضْمَرٍ يَعُمُّهُما، كَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِتَعْلَمُوا... إلَخْ. فَإنَّ كُلًّا مِنها يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ.
(p-٥٨٥٠)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَخافُوا أيُّها النّاسُ المُخالِفُونَ أمْرَ رَبِّكُمْ، عُقُوبَتَهُ، فَإنَّهُ لا يَمْنَعُهُ مِن عُقُوبَتِكم مانِعٌ. وهو عَلى ذَلِكَ قادِرٌ ومُحِيطٌ أيْضًا بِأعْمالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافٍ. وهو مُحْصِيها عَلَيْكم لِيُجازِيَكم بِهِ، يَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ.
التحريم 66:1
(p-٥٨٥١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّحْرِيمِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ.
(p-٥٨٥٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: ناداهُ لِيُقْبِلَ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، ويُدْبِرَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ مِنَ الأزْواجِ وغَيْرِهِنَّ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالمُبْهَمِ إشْعارًا مِنهُ بِأنَّهُ مِن غايَةِ عَظَمَتِهِ، بِحَيْثُ لا يُعْلَمُ كُنْهُهُ. وأتى بِلَفْظِ: " النَّبِيُّ " إشْعارًا بِأنَّهُ الَّذِي نُبِّئَ بِأسْرارِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ الإلَهِيِّ. والمُرادُ بِتَحْرِيمِهِ ما أحَلَّ لَهُ امْتِناعَهُ مِنهُ، وحَظَرَهُ إيّاهُ عَلى نَفْسِهِ. وهَذا المِقْدارُ مُباحٌ لَيْسَ في ارْتِكابِهِ جُناحٌ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رِفْقًا بِهِ، وشَفَقَةً عَلَيْهِ، وتَنْوِيهًا لِقَدْرِهِ ولِمَنصِبِهِ ﷺ، أنْ يُراعِيَ مَرْضاةَ أزْواجِهِ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ، جَرْيًا عَلى ما ألِفَ مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِنَبِيِّهِ، ورَفْعِهِ عَنْ أنْ يُحْرَجَ بِسَبَبِ أحَدٍ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ هم أتْباعُهُ، ومِن أجْلِهِ خُلِقُوا، لِيُظْهِرَ اللَّهُ كَمالَ نُبُوَّتِهِ، بِظُهُورِ نُقْصانِهِمْ عَنْهُ، كَما أفادَهُ النّاصِرُ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: لِلْأثَرِيِّينَ في هَذا الَّذِي حَرَّمَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ رِواياتٌ:
فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، ويَمْكُثُ عِنْدَها، فَتَواطَأْتُ أنا وحَفْصَةُ أنَّ أيَّتَنا دَخَلَ عَلَيْها (p-٥٨٥٣)فَلْتَقُلْ لَهُ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغافِيرَ، أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلى إحْداهُما فَقالَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، فَلَنْ أعُودَ لَهُ، وقَدْ حَلَفْتُ! لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا»، فَنَزَلَتِ الآيَةُ».
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ، وكانَ إذا صَلّى العَصْرَ دارَ عَلى نِسائِهِ، فَيَدْنُو مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ، فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فاحْتَبَسَ عِنْدَها أكْثَرَ مِمّا كانَ يَحْتَبِسُ، فَسَألْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: أهَدَتْ إلَيْها امْرَأةٌ مِن قَوْمِها عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: واللَّهُ لَنَحْتالَنَّ لَهُ! فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وقُلْتُ لَها: إذا دَخَلَ عَلَيْكِ، ودَنا مِنكِ، فَقُولِي لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لا! فَقُولِي لَهُ: وما هَذِهِ الرِّيحُ؟ و: «كانَ ﷺ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ الكَرِيهُ» ! فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: أكَلَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، حَتّى صارَ فِيهِ -أيْ: في العَسَلِ- ذَلِكَ الرِّيحُ الكَرِيهُ، وإذا دَخَلَ عَلَيَّ فَسَأقُولُ لَهُ ذَلِكَ، وقُولِي أنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَلِكَ. فَلَمّا دَخَلَ عَلى سَوْدَةَ، قالَتْ لَهُ مِثْلَ ما عَلَّمَتْها عائِشَةُ، وأجابَها بِما تَقَدَّمَ. فَلَمّا دَخَلَ عَلى صَفِيَّةَ، قالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا دَخَلَ عَلى عائِشَةَ قالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الآخَرُ ودَخَلَ عَلى حَفْصَةَ قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ألا أسْقِيَكَ مِنهُ؟ قالَ: «لا حاجَةَ لِي بِهِ» . قالَتْ: إنَّ سَوْدَةَ تَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ! لَقَدْ حَرَمْناهُ مِنهُ، فَقُلْتُ لَها: اسْكُتِي».
و(المَغافِيرُ) صَمْغٌ حُلْوٌ لَهُ رائِحَةٌ كَرِيهَةٌ يَنْضَحُهُ شَجَرٌ يُقالُ لَهُ: العُرْفُطُ بِضَمِّ العَيْنِ المُهْمَلَةِ والفاءِ.
وفِي هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ حَفْصَةُ، وفي سابِقَتِها أنَّها زَيْنَبُ. والِاشْتِباهُ في الِاسْمِ لا يَضُرُّ، بَعْدَ ثُبُوتِ أصْلِ القِصَّةِ.
(p-٥٨٥٤)ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ مُتَحابَّتَيْنِ، وكانَتا زَوْجَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَهَبَتْ حَفْصَةُ إلى أبِيها، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جارِيَتِهِ، فَظَلَّتْ مَعَهُ في بَيْتِ حَفْصَةَ، وكانَ اليَوْمَ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عائِشَةَ، فَرَجَعَتْ حَفْصَةُ، فَوَجَدَتْها في بَيْتِها، فَجَعَلَتْ تَنْتَظِرُ خُرُوجَها، وغارَتْ غَيْرَةً شَدِيدَةً، فَأخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جارَيْتَهُ، ودَخَلَتْ حَفْصَةُ، فَقالَتْ: قَدْ رَأيْتُ مَن كانَ عِنْدَكَ، واللَّهِ لَقَدْ سُؤْتَنِي! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «واللَّهِ لَأُرْضِيَنَّكِ، فَإنِّي مُسَرٍّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ» ! قالَتْ: ما هُوَ؟ قالَ: «إنِّي أُشْهِدُكِ أنَّ سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ، رِضًا لَكِ» - وكانَتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ تُظاهِرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ- فانْطَلَقَتْ عائِشَةُ فَأسَرَّتْ إلَيْها أنْ أبْشِرِي؛ إنَّ النَّبِيَّ صَلّى وسَلَّمَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ فَتاتَهُ. فَلَمّا أخْبَرَتْ بِسِرِّ النَّبِيِّ ﷺ، أظْهَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ لَمّا تَظاهَرَتا عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآياتِ».
ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتاةٌ يَغْشاها، فَبَصُرَتْ بِهِ حَفْصَةُ، وكانَ اليَوْمُ يَوْمَ عائِشَةَ، وكانَتا مُتَظاهِرَتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اكْتُمِي عَلَيَّ، ولا تَذْكُرِي لِعائِشَةَ ما رَأيْتِ»، فَذَكَرَتْ حَفْصَةُ لِعائِشَةَ، فَغَضِبَتْ عائِشَةُ، فَلَمْ تَزَلْ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ حَتّى حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وأمَرَهُ أنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ ويَأْتِيَ جارِيَتَهُ».
ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَتْ لَهُ أُمَّةٌ يَطَؤُها، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَفْصَةُ وعائِشَةُ حَتّى حَرَّمَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
ولَمْ يُرَجِّحِ ابْنُ جَرِيرٍ أحَدَ السَّبَبَيْنِ المَرْوِيَّيْنِ في نُزُولِها عَلى الآخَرِ، بَلْ وقَفَ عَلى إجْمالِ الآيَةِ، عَلى عادَتِهِ في أمْثالِها، ولِذا قالَ: الصَّوابُ أنْ يُقالَ: كانَ الَّذِي حَرَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ (p-٥٨٥٥)عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا كانَ اللَّهُ قَدْ أحَلَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كانَ جارِيَتَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ شَرابًا مِنَ الأشْرِبَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، غَيْرَ أنَّهُ، أيَّ ذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ كانَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ كانَ لَهُ حَلالًا، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ كَما كانَ لَهُ قَدْ أحَلَّهُ، وبَيَّنَ لَهُ تَحِلَّةَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي هو تَرْجِيحُ رِواياتِ تَحْرِيمِ الجارِيَةِ في سَبَبِ نُزُولِها، وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
مِنها: أنَّ مِثْلَهُ يَبْتَغِي بِهِ مَرْضاةَ الضُّرّاتِ، ويَهْتَمُّ بِهِ لَهُنَّ.
ومِنها: أنَّ رِواياتِ شُرْبِ العَسَلِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَرَّمَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِنَّ، بَلْ فِيهِ أنَّهُ حَلَفَ لا يَشْرَبُهُ أنَفَةً مِن رِيحِهِ، ثُمَّ رَغِبَ إلى عائِشَةَ أنْ لا تُحَدِّثَ صاحِبَتَهُ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْها، إلّا أنْ يَكُنْ عاتَبْنَهُ في ذَلِكَ، ولَمْ يَحْتَمِلْ لُطْفُ مِزاجِهِ الكَرِيمِ ذَلِكَ، فَحَرَّمَهُ.
ولَكِنْ لَيْسَ في الرِّوايَةِ ما يُشْعِرُ بِهِ. وما زادَ عَلى ذَلِكَ فَمِنَ اجْتِهادِ الرُّواةِ.
ومِنها: أنَّ الِاهْتِمامَ بِإنْزالِ سُورَةٍ عَلى حِدَةٍ، لِتَقْرِيعِ أزْواجِهِ ﷺ وتَأْدِيبِهِنَّ في المُظاهَرَةِ عَلَيْهِ، وإيعادِهِنَّ عَلى الإصْرارِ عَلى ذَلِكَ، بِالِاسْتِدْلالِ بِهِنَّ، وإعْلامِهِنَّ بِرِفْعَةِ مَقامِهِ، وأنَّ ظُهَراءَهُ مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرًا عَظِيمًا دَفَعَهُنَّ إلى تَحْرِيمِهِ ما حَرَّمَ وما هو إلّا الغَيْرَةُ مِن مِثْلِ ما رُوِيَ في شَأْنِ الجارِيَةِ؛ فَإنَّ الأزْواجَ يَحْرِصْنَ أشَدَّ الحِرْصِ عَلى ما يَقْطَعُ وصْلَةَ الضُّرَّةِ الضَّعِيفَةِ ويَبْتُرُها مِن عُضْوِ الزَّوْجِيَّةِ. هَذا ما ظَهَرَ لِيَ الآنَ.
وأمّا تَخْرِيجُ رِوايَةِ العَسَلِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ السَّلَفِ نَزَلَتْ فِيهِ، فالمُرادُ مِنهُ أنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ قِصَّتَهُ بِعُمُومِها، عَلى ما عُرِفَ مِن عادَةِ السَّلَفِ في قَوْلِهِمْ: نَزَلَتْ في كَذا، كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ مِرارًا. وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَرَّمَ ذَلِكَ الشَّرابَ، ثُمَّ أخْبَرَ الرُّواةُ بِأنَّ مِثْلَهُ فُرِضَتْ فِيهِ التَّحِلَّةُ، فَلا مانِعَ مِنَ العَوْدِ إلى شُرْبِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ مَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أمَةً أوْ طَعامًا أوْ زَوْجَةً، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
(p-٥٨٥٦)ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الحَرامِ يُكَفِّرُ؛ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ إلى أنَّهُ كانَ مَعَ التَّحْرِيمِ يَمِينٌ، ورَدَّ كَوْنَ التَّحْرِيمِ بِمُجَرَّدِهِ يَمِينًا، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ اليَمِينَ في عُرْفِهِمْ أعَمُّ مِنَ القَسَمِ بِاللَّهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم.
قالَ قَتادَةُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلْبَيْهِ وسَلَّمَ حَرَّمَها، يَعْنِي جارِيَتَهُ، فَكانَتْ يَمِينًا -رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ - وسَيَأْتِي ما يُؤَيِّدُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
التحريم 66:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أيْ: شَرَعَ تَحْلِيلَها -وهُوَ حَلُّ ما عَقَّدْتَهُ- بِالكَفّارَةِ. والتَّحِلَّةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّحْلِيلِ.
﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: مُتَوَلِّي أُمُورِكم ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ أيْ: بِمَصالِحِكم ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ: في تَدْبِيرِهِ إيّاكم بِما شَرَعَهُ وحَكَمَ بِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ قُدامَةَ في "الرَّوْضَةِ": دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُكْمَ خِطابِهِ ﷺ لا يَخْتَصُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا عاتَبَهُ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَهُ قالَ عَقِيبَهُ:
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ (p-٥٨٥٧)وابْتَدَأ الخِطابَ بِمُناداتِهِ وحْدَهُ، ثُمَّ تَمَّمَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] والمَسْألَةُ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ في الأُصُولِ.
الثّانِي: قالَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: التَّحِلَّةُ مَصْدَرُ حَلَّلْتُ الشَّيْءَ تَحْلِيلًا وتَحِلَّةً، كَما يُقالُ: كَرَّمْتُهُ تَكْرِيمًا وتَكْرِمَةً، وهَذا المَصْدَرُ يُسَمّى بِهِ المُحَلِّلُ نَفْسُهُ، الَّذِي هو الكَفّارَةُ؛ فَإنْ أُرِيدَ المَصْدَرُ فالمَعْنى: فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحْلِيلَ اليَمِينِ، وهو حَلُّها الَّذِي هو خِلافُ العَقْدِ.
ولِهَذا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ مِن أصْحابِنا وغَيْرِهِمْ كَأبِي بَكْرِ عَبْدِ العَزِيزِ، بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحِنْثِ؛ لِأنَّ التَّحِلَّةَ لا تَكُونُ بَعْدَ الحِنْثِ، فَإنَّهُ بِالحِنْثِ يَنْحَلُّ اليَمِينُ، وإنَّما تَكُونُ التَّحِلَّةُ إذا أُخْرِجَتْ قَبْلَ الحِنْثِ لِيَنْحَلَّ اليَمِينُ، وإنّا هي بَعْدَ الحِنْثِ كَفّارَةٌ، لِأنَّها كَفَرَّتْ ما في الحِنْثِ مِن سَبَبِ الإثْمِ لِنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ. فَإذا تَبَيَّنَ أنَّ ما اقْتَضَتِ اليَمِينُ وُجُوبَ الوَفاءِ بِها، رَفَعَهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالكَفّارَةِ الَّتِي جَعَلَها بَدَلًا مِنَ الوَفاءِ في جُمْلَةِ ما رَفَعَهُ عَنْها مِنَ الآصارِ.
الثّالِثُ: شَمِلَ قَوْلُهُ تَعالى:
" أيْمانِكم " تَحْرِيمِ الحَلالِ المَذْكُورِ قَبْلُ، وهو الزَّوْجَةُ، لِدُخُولِهِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، بَلْ كُلُّ يَمِينٍ.
قالَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في "فَتاوِيهِ": قَوْلُهُ تَعالى:
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ نَصٌّ عامٌّ في كُلِّ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِها المُسْلِمُونَ، أنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ لَها تَحِلَّةً. وذَكَرَهُ سُبْحانَهُ بِصِيغَةِ الخِطابِ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الخِطابِ بِصِيغَةِ الإفْرادِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ الأُمَّةَ يَحْلِفُونَ بِأيْمانٍ شَتّى: فَلَوْ فُرِضَ يَمِينٌ واحِدَةٌ لَيْسَ لَها تَحِلَّةٌ، لَكانَ مُخالِفًا لِلْآيَةِ. كَيْفَ وهَذا عامٌّ لَمْ تُخَصَّ فِيهِ صُورَةٌ واحِدَةٌ، لا بِنَصٍّ ولا بِإجْماعٍ، بَلْ هو عامٌّ عُمُومًا مَعْنَوِيًّا، مَعَ عُمُومِهِ اللَّفْظِيِّ؟ فَإنَّ اليَمِينَ مَعْقُودٌ يُوجِبُ مَنعَ المُكَلَّفِ مِنَ الفِعْلِ، فَشَرْعُ التَّحِلَّةِ لِهَذِهِ العُقْدَةِ مُناسِبٌ لِما فِيهِ مِنَ التَّخْفِيفِ والتَّوْسِعَةِ، وهَذا مَوْجُودٌ في اليَمِينِ بِالعِتْقِ والطَّلاقِ، أكْثَرَ مِنهُ في غَيْرِهِما مِن أيْمانِ نَذْرِ اللَّجاجِ والغَضَبِ: فَإنَّ الرَّجُلَ إذا حَلَفَ بِالطَّلاقِ لَيَقْتُلَنَّ النَّفْسَ، أوْ لَيَقْطَعَنَّ رَحِمَهُ، أوْ لَيَمْنَعَنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ مِن أداءِ أمانَةٍ ونَحْوِها، فَإنَّهُ يَجْعَلُ الطَّلاقَ عُرْضَةً لِيَمِينِهِ، (p-٥٨٥٨)أنْ يَبَرَّ ويُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ، أكْثَرَ مِمّا يَجْعَلُ اللَّهَ عُرْضَةً، ثُمَّ إنْ وفى بِيَمِينِهِ، كانَ عَلَيْهِ مِن ضَرَرِ الدُّنْيا والدِّينِ ما قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَحْرِيمِ الدُّخُولِ فِيهِ. وإنْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَفي الطَّلاقِ أيْضًا مِن ضَرَرِ الدُّنْيا والدِّينِ ما قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَحْرِيمِ الدُّخُولِ فِيهِ. وإنْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ، فَفي الطَّلاقِ أيْضًا مِن ضَرَرِ الدُّنْيا والدِّينِ ما لا خَفاءَ بِهِ. وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ ما مِن تَحْرِيمٍ لِما أحَلَّ اللَّهُ، إلّا واللَّهُ غَفُورٌ لِفاعِلِهِ، رَحِيمٌ بِهِ، وأنَّهُ لا عِلَّةَ تَقْتَضِي ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ لِأيِّ شَيْءٍ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ والإنْكارِ والتَّقْدِيرُ: لا سَبَبَ لِتَحْرِيمِكَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ، واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَلَوْ كانَ الحالِفُ بِالنَّذْرِ والعَتاقِ والطَّلاقِ عَلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا لا رُخْصَةَ لَهُ، لَكانَ هُنا سَبَبٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الحَلالِ، ولا يَبْقى مُوجِبُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى هَذا الفاعِلِ.
ومِمّا يُوَضِّحُ عُمُومَهُ أنَّهم قَدْ أدْخَلُوا الحَلِفَ بِالطَّلاقِ في عُمُومِ حَدِيثِ: ««مَن حَلَفَ فَقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ»»، فَأدْخَلُوا فِيهِ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ والعَتاقِ والنَّذْرِ والحَلِفِ بِاللَّهِ. وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَنْبِيهٌ عَلى أُصُولِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ومَن وافَقَهُما في مَسْألَةِ نَذْرِ اللَّجاجِ والغَضَبِ؛ فَإنَّهُمُ احْتَجُّوا عَلى التَّكْفِيرِ فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ كَفّارَةَ أيْمانِكم عامًّا في اليَمِينِ بِاللَّهِ واليَمِينِ بِالنَّذْرِ. ومَعْلُومٌ أنَّ شُمُولَ اللَّفْظِ لِنَذْرِ اللَّجاجِ والغَضَبِ في الحَجِّ والعِتْقِ ونَحْوِهِما، سَواءٌ.
فَإذا قِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ اليَمِينُ بِاللَّهِ فَقَطْ، فَإنَّ هَذا هو المَفْهُومُ مِن مُطْلَقِ اليَمِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ بِالألِفِ واللّامِ والإضافَةِ في قَوْلِهِ:
﴿عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] و﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ مُنْصَرِفًا إلى اليَمِينِ المَعْهُودَةِ عَلَيْهِمْ، وهي اليَمِينُ بِاللَّهِ، وحِينَئِذٍ فَلا يُعْلَمُ مِنَ اللَّفْظِ (p-٥٨٥٩)إلّا المَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ، والحَلِفُ بِالطَّلاقِ ونَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَهم. ولَوْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، فَقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اليَمِينُ الَّتِي لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً، كاليَمِينِ بِالمَخْلُوقاتِ، فَلا يَدْخُلُ الحَلِفُ بِالطَّلاقِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ اليَمِينِ المَشْرُوعَةِ لِقَوْلِهِ: ««مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ وإلّا فَلْيَصْمُتْ»» وهَذا سُؤالُ مَن يَقُولُ: كُلُّ يَمِينٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، فَلا كَفّارَةَ لَها ولا حِنْثَ.
فَيُقالُ: لَفْظُ اليَمِينِ شَمِلَ هَذا كُلَّهُ، بِدَلِيلِ اسْتِعْمالِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والعُلَماءِ اسْمَ اليَمِينِ في هَذا كُلِّهِ. كَقَوْلِهِ ﷺ: ««النَّذْرُ حَلِفٌ»» . وقَوْلِ الصَّحابَةِ لِمَن حَلَفَ بِالهَدْيِ بِالعِتْقِ: كَفِّرْ يَمِينَكَ. وكَذَلِكَ فَهِمَهُ الصَّحابَةُ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولِإدْخالِ العُلَماءِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﷺ: ««مَن حَلَفَ فَقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ»» . ويَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ في الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فاقْتَضى هَذا أنَّ نَفْسَ تَحْرِيمِ الحَلالِ يَمِينٌ، كَما اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إمّا تَحْرِيمُهُ العَسَلَ، وإمّا تَحْرِيمُهُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةَ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَتَحْرِيمُ الحَلالِ يَمِينٌ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ، ولَيْسَ يَمِينًا بِاللَّهِ، لِهَذا أفْتى جُمْهُورُ الصَّحابَةِ، كَعُمَرَ وعُثْمانَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِمْ، أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ، إمّا كَفّارَةٌ كُبْرى كالظِّهارِ، وإمّا كَفّارَةٌ صُغْرى كاليَمِينِ بِاللَّهِ. ومازالَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ الظِّهارَ ونَحْوَهُ يَمِينًا.
وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ:
﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إمّا أنْ يُرادَ بِهِ لِمَ تُحَرِّمُ بِلَفْظِ الحَرامِ، وإمّا لِمَ تُحَرِّمُهُ بِاليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى ونَحْوِها، وإمّا لِمَ تُحَرِّمُهُ مُطْلَقًا، فَإنْ أُرِيدَ الأوَّلُ والثّالِثُ فَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِغَيْرِ الحَلِفِ بِاللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فَيَعُمُّ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمُهُ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ، فَقَدْ سَمّى اللَّهُ الحَلِفَ بِاللَّهِ تَحْرِيمًا لِلْحَلالِ. ومَعْلُومٌ أنَّ اليَمِينَ بِاللَّهِ لَمْ يُوجِبِ الحُرْمَةَ الشَّرْعِيَّةَ، لَكِنْ لَمّا أوْجَبَتِ (p-٥٨٦٠)امْتِناعَ الحالِفِ مِنَ الفِعْلِ، فَقَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْهِ الفِعْلَ فَيَدْخُلُ في قُوَّةِ قَوْلِهِ:
﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ:
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ لا بُدَّ أنْ يَعُمَّ كُلَّ يَمِينٍ حَرَّمَتِ الحَلالَ؛ لِأنَّ هَذا حُكْمُ ذَلِكَ الفِعْلِ، فَلا بُدَّ أنْ يُطابِقَ صُوَرَهُ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ هو سَبَبُ قَوْلِهِ:
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ وسَبَبُ الجَوابِ إذا كانَ عامًّا كانَ الجَوابُ عامًّا؛ لِئَلّا يَكُونَ جَوابًا عَنِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، مَعَ قِيامِ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "زادِ المَعادِ": الَّذِينَ أوْجَبُوا كَفّارَةَ اليَمِينِ بِالتَّحْرِيمِ أسْعَدُ بِالنَّصِّ مِنَ الَّذِينَ أسْقَطُوها؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ تَحِلَّةَ الأيْمانِ عَقِيبَ قَوْلِهِ:
﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ قَدْ فُرِضَ فِيهِ تَحِلَّةُ الأيْمانِ، إمّا مُخْتَصًّا بِهِ، وإمّا شامِلًا لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخْلى سَبَبُ الكَفّارَةِ المَذْكُورَةِ في السِّياقِ عَنْ حُكْمِ الكَفّارَةِ، ويَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، وهَذا ظاهِرُ الِامْتِناعِ.
وأيْضًا فَإنَّ المَنعَ مِن فِعْلِهِ بِالتَّحْرِيمِ، كالمَنعِ مِنهُ بِاليَمِينِ، بَلْ أقْوى؛ فَإنَّ اليَمِينَ، إنْ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ، فالتَّحْرِيمُ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ شَرْعِهِ وأمْرِهِ، فَإنَّهُ إذا شَرَعَ حَلالًا فَحَرَّمَهُ المُكَلَّفُ، كانَ تَحْرِيمُهُ هَتْكًا لِحُرْمَةِ ما شَرَعَهُ.
ونَحْنُ نَقُولُ: لَمْ يَتَضَمَّنِ الحِنْثُ في اليَمِينِ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ، ولا التَّحْرِيمُ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّرْعِ، كَما يَقُولُهُ مَن يَقُولُهُ مِنَ الفُقَهاءِ، وهو تَعْلِيلٌ فاسِدٌ جِدًّا؛ فَإنَّ الحِنْثَ إمّا جائِزٌ، وإمّا واجِبٌ، أوْ مُسْتَحَبٌّ. وما جَوَّزَ اللَّهُ لِأحَدٍ البَتَّةَ أنْ يَهْتِكَ حُرْمَةَ اسْمِهِ، وقَدْ شَرَعَ لِعِبادِهِ الحِنْثَ مَعَ الكَفّارَةِ. وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ إذا حَلَفَ عَلى يَمِينٍ، ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وأتى (p-٥٨٦١)المَحْلُوفَ عَلَيْهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يُبَحْ في شَرِيعَةٍ قَطُّ، وإنَّما الكَفّارَةُ كَما سَمّاها اللَّهُ تَعالى، تَحِلَّةً، وهي تَفِعْلَةٌ مِنَ الحِلِّ، فَهي تَحِلُّ ما عُقِدَ بِهِ اليَمِينُ لَيْسَ إلّا. وهَذا العَقْدُ، كَما يَكُونُ بِاليَمِينِ، يَكُونُ بِالتَّحْرِيمِ. وظَهَرَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ:
﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]
وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ، قَبْلُ: أمّا مَن قالَ: إنَّهُ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ بِكُلِّ حالٍ، فَمَأْخَذُ قَوْلِهِ أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ يَمِينٌ يُكَفَّرُ بِالنَّصِّ والمَعْنى وآثارِ الصَّحابَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ:
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١] الآيَةَ... ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الحَلالِ داخِلًا تَحْتَ هَذا الفَرْضِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، وتَخْصِيصُ مَحَلِّ السَّبَبِ مِن جُمْلَةِ العامِّ، مُمْتَنِعٌ قَطْعًا؛ إذْ هو المَقْصُودُ بِالبَيانِ أوَّلًا، فَلَوْ خُصَّ لَخَلا سَبَبُ الحُكْمِ عَنِ البَيانِ، وهو مُمْتَنِعٌ. وهَذا اسْتِدْلالٌ في غايَةِ القُوَّةِ، فَسَألْتُ عَنْهُ شَيْخَ الإسْلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: نَعَمْ! التَّحْرِيمُ يَمِينٌ كُبْرى في الزَّوْجَةِ، كَفّارَتُها كَفّارَةُ الظِّهارِ، ويَمِينٌ صُغْرى فِيما عَداها، كَفّارَتُها كَفّارَةُ اليَمِينِ بِاللَّهِ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدِهِمْ: إنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ يُكَفَّرُ.
وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ": لا يَجُوزُ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُسْلِمِ وبَيْنَ امْرَأتِهِ بِغَيْرِ لَفْظٍ لَمْ يُوضَعْ لِلطَّلاقِ ولا نَواهُ، وتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينِ حَرَمِهِ لِشِدَّةِ اليَمِينِ؛ إذْ لَيْسَتْ كالحَلِفِ بِالمَخْلُوقِ الَّتِي لا تَنْعَقِدُ، ولا هي مِن لَغْوِ اليَمِينِ، وهي يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، فَفِيها كَفّارَةُ يَمِينٍ.
ثُمَّ قالَ في المَذْهَبِ الثّالِثَ عَشَرَ: إنَّهُ يَمِينٌ يُكَفِّرُهُ ما كَفَّرَ اليَمِينَ عَلى كُلِّ حالٍ، صَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ ومَكْحُولٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ونافِعٍ والأوْزاعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ، وخَلْقٍ (p-٥٨٦٢)سِواهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فَرْضَ تَحِلَّةَ الأيْمانِ عَقِبَ تَحْرِيمِ الحَلالِ، فَلا بُدَّ أنْ يَتَناوَلَهُ يَقِينًا، فَلا يَجُوزُ جَعْلُ تَحِلَّةِ الأيْمانِ لِغَيْرِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ويَخْرُجُ المَذْكُورُ عَنْ حُكْمِ التَّحِلَّةِ الَّتِي قُصِدَ ذِكْرُها لِأجْلِهِ.
وقالَ في "زادِ المَعادِ": لا فَرْقَ بَيْنَ التَّحْرِيمِ -فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ- بَيْنَ الأمَةِ وغَيْرِها عِنْدَ الجُمْهُورِ، إلّا الشّافِعِيَّ وحْدَهُ؛ فَإنَّهُ أوْجَبَ في تَحْرِيمِ الأمَةِ خاصَّةً، كَفّارَةَ اليَمِينِ؛ إذِ التَّحْرِيمُ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأبْضاعِ عِنْدَهُ، دُونَ غَيْرِها: وأيْضًا فَإنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ تَحْرِيمُ الجارِيَةِ، فَلا يَخْرُجُ مَحَلُّ السَّبَبِ عَنِ الحُكْمِ، ويَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ. ومُنازِعُوهُ يَقُولُونَ: النَّصُّ عَلَّقَ فَرْضَ تَحِلَّةِ اليَمِينِ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ، وهو أعَمُّ مِن تَحْرِيمِ الأمَةِ وغَيْرِها، فَتَجِبُ الكَفّارَةُ حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ.
التحريم 66:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ﴿إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ هي حَفْصَةُ في قَوْلِ الرُّواةِ: ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ والشَّعْبِيِّ والضَّحّاكِ، كَما نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿حَدِيثًا﴾ وهو تَحْرِيمُ فَتاتِهِ في قَوْلِهِمْ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أوْ ما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ مِمّا كانَ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ قَدْ أحَلَّهُ لَهُ، وقَوْلُهُ: ««لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأحَدٍ»» .
﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ بِالسِّرِّ صاحِبَتَها؛ كَما تَقَدَّمَ، ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ عَلى تَحْدِيثِها بِهِ، ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أيْ: عَرَّفَها بَعْضَ ما أفْشَتْهُ مُعاتِبًا ﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ (p-٥٨٦٣)أيْ: بَعْضِ الحَدِيثِ تَكَرًّمًا، ﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِإسْرارِ بَعْضِ الحَدِيثِ إلى مَن يَرْكَنُ إلَيْهِ مِن زَوْجَةٍ أوْ صَدِيقٍ، وأنَّهُ يَلْزَمُهُ كِتْمانُهُ. وفِيها حُسْنُ المُعاشَرَةِ مَعَ الزَّوْجاتِ، والتَّلَطُّفُ في العَتَبِ، والإعْراضُ عَنِ اسْتِقْصاءِ الذَّنْبِ.
وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ سُفْيانَ قالَ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى غَضَبِهِ لِنَبِيِّهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا أتَتْ بِهِ مِن إفْشاءِ السِّرِّ إلى صاحِبَتِها، ومِن مُظاهَرَتِهِما عَلى ما يُقْلِقُ راحَتَهُ، وأنَّ ذَلِكَ ذَنْبٌ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
التحريم 66:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أيْ: إلى الحَقِّ، وهو ما وجَبَ مِن مُجانَبَةِ ما يُسْخِطُ رَسُولَهُ. وقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ المُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: عائِشَةُ وحَفْصَةُ.
وفِي خِطابِهِما، عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، مُبالَغَةٌ؛ فَإنَّ المُبالِغَ في العِتابِ يُصَيِّرُ المُعاتَبَ مَطْرُودًا بَعِيدًا عَنْ ساحَةِ الحُضُورِ، ثُمَّ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وعاتَبَهُ بِما يُرِيدُ.
﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ أيْ: تَتَظاهَرا وتَتَّفِقا عَلى ما يَسُوؤُهُ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (p-٥٨٦٤)أيْ: مُتَظاهِرُونَ عَلى مَن أرادَ مَساءَتَهُ، فَماذا يُفِيدُ تَظاهُرُ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ؟ ولَمّا كانَتِ المَلائِكَةُ أعْظَمَ المَخْلُوقاتِ وأكْثَرَهُمْ، خَتَمَ الظُّهَراءَ بِهِمْ لِيَكُونَ أفْخَمَ في التَّنْوِيهِ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وعِظَمِ مَكانَتِهِ، والِانْتِصارِ لَهُ؛ إذْ هي هُنا بِمَثابَةِ جَيْشٍ جَرّارٍ، يَمْلَأُ القِفارَ، يَتَأثَّرُ أمِيرُهُ وقائِدُهُ، لِيَحْمِلَ عَلى عَدُوِّهِ ومُناوِئِهِ.
التحريم 66:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ﴾ أيْ: خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ أيْ: مُصَدِّقاتٍ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿قانِتاتٍ﴾ أيْ: مُطِيعاتٍ لِما يُؤْمَرْنَ بِهِ ﴿تائِباتٍ﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ لا يُصْرِرْنَ عَلَيْها ﴿عابِداتٍ﴾ أيْ: مُتَعَبِّداتٍ لِلَّهِ، كَأنَّ العِبادَةَ امْتَزَجَتْ بِقُلُوبِهِنَّ، حَتّى صارَتْ مَلَكَةً لَهُنَّ ﴿سائِحاتٍ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ صائِماتٌ، وسَنُنَبِّهُ عَلى ما فِيهِ ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾
اعْلَمْ أنَّ في تَوْصِيفِ المُبْدَلاتِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، تَعْرِيضًا بِوُجُوبِ اتِّصافِ الأزْواجِ بِها، لا سِيَّما أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ.
تَنْبِيهٌ:
ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُرادَ مِن ﴿سائِحاتٍ﴾ صائِماتٌ أوْ مُهاجِراتٌ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ ﴿السّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] أنَّ الحَقَّ فِيهِ هو المَعْنى الحَقِيقِيُّ لِعَدَمِ ما يَمْنَعُ مِنهُ، ولا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِمانِعٍ. ولِذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يُسْتَفادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ السِّياحَةِ لِلنِّساءِ، كَما هي كَذَلِكَ لِلرِّجالِ. فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سائِحاتٍ﴾ مُسافِراتٍ، سَواءٌ كانَ السَّفَرُ لِهِجْرَةٍ أوِ اطِّلاعٍ عَلى آثارِ الأُمَمِ البائِدَةِ. وقَدْ خَصَّصَتِ السُّنَّةُ عُمُومَ سَفَرِهِنَّ بِكَوْنِهِ مَعَ زَوْجٍ أوْ مَحْرَمٍ لَهُ، حِفْظًا لَهُنَّ.
(p-٥٨٦٥)ثُمَّ قالَ: كَأنَّ الَّذِي دَعا البَعْضَ لِتَفْسِيرِ ﴿سائِحاتٍ﴾ بِالصّائِماتِ، أوْ بِخُصُوصِ المُهاجِراتِ، تَصَوُّرُهُ أنَّ السِّياحَةَ في البِلادِ لا تُناسِبُ طَبِيعَةَ النِّساءِ المَأْمُوراتِ بِالحِجابِ، وكَأنَّهُ يَفْهَمُ مِنَ الحِجابِ أنَّهُ الحَبْسُ المُؤَبَّدُ، أوْ كَأنَّ الهَواءَ نِعْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِغَيْرِ النِّساءِ، أوْ كَأنَّهُنَّ لَمْ يُخْلَقْنَ إلّا لِسُجُونِ البُيُوتِ الَّتِي رُبَّما تَكُونُ أنْكى مِن أعْمَقِ سُجُونِ الجُناةِ، أوْ كَأنَّهُنَّ لَمْ يُخْلَقْ لَهُنَّ مِن هَذِهِ الدُّنْيا الرَّحِيبَةِ سِوى بَيْتٍ واحِدٍ؟! وأمّا قَوْلُهُ تَعالى:
﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَكَأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالرَّجُلِ، أوْ كَأنَّ الآياتِ الآمِرَةَ بِالسَّيْرِ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ والإحاطَةِ والخِبْرَةِ، نازِلَةٌ مِنَ السَّماءِ لَيْسَ لِلْأُمَّةِ جَمِيعًا، بَلْ لِلنِّصْفِ مِنها، وهو الرِّجالُ. وحاشا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ! أيْنَ هَدْيُهُ ﷺ في سَفَرِهِ مَعَ أزْواجِهِ؟ فَقَدْ ««كانَ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ»، فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَتْ قُرْعَتُها خَرَجَ بِها، وسافَرَتْ مَعَهُ». وقَدْ صارَ ذَلِكَ شَرِيعَةً مَعْمُولًا بِها في الدِّينِ. وهَكَذا صَحَّ أنَّهُ ﷺ ««لَمّا قَدِمَ بِصَفِيَّةَ أرْدَفَها خَلْفَهُ وهو مَعَ الرَّكْبِ»» .
وبِالجُمْلَةِ فالسِّياحَةُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ لَيْسَتْ تَرْمِي إلى غايَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ إلى عِدَّةِ غاياتٍ وفَوائِدَ:
أوَّلًا: إدْراكُ المَعْقُولاتِ، والإحاطَةُ بِعِظاتِ المَسْمُوعاتِ، كَما نَتَعَلَّمُهُ مِن آيَةِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]
ثانِيًا: الوُقُوفُ عَلى أحْوالِ الأُمَمِ البائِدَةِ، وما لَهم مِن جَلِيلِ الآثارِ الدّاعِيَةِ لِلِاعْتِبارِ، كَما نَتَعَلَّمُهُ مِن قَوْلِ الكِتابِ الحَكِيمِ:
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١]
(p-٥٨٦٦)وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩]
ثالِثًا: البَحْثُ والتَّنْقِيبُ في أنْحاءِ المَسْكُونَةِ بِالنَّظَرِ في الكَوْنِ، وفي الفُنُونِ، لِلْوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ مُبْدِعِ هَذا العالَمِ تَعالى، كَما يَحُثُّنا الكِتابُ الكَرِيمُ عَلى تَسَنُّمِ هَذا المُرْتَقى العالِي بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]
رابِعًا: الحُصُولُ عَلى رِبْحِ التِّجارَةِ كَما نَتَعَلَّمُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ الكِتابِ الكَرِيمِ: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]
فَهَلْ تَرى هَذِهِ الفَوائِدَ ذاتَ البالِ مُخْتَصَّةً بِالرَّجُلِ دُونَ الأُنْثى، حَتّى يَكُونَ السَّيْرُ خاصًّا بِالرَّجُلِ؟ كَلّا! وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ سَبَأٍ بِما حَكاهُ بِقَوْلِهِ:
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ [سبإ: ١٨] وامْتَنَّ عَلى جَمِيعِ عِبادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] فَهَلْ يَجُوزُ أنْ نَذْهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ المِنَنَ هي مِن مَخْصُوصاتِ الرَّجُلِ دُونَ النِّساءِ؟ كَلّا! بَلِ الكُلُّ مَغْمُورٌ بِهَذِهِ المِنّاتِ، كَما هو مُقْتَضى عُمُومِ الآياتِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
التحريم 66:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ أيْ: سَبَبَها، وذَلِكَ بِتَرْكِ المَعاصِي، (p-٥٨٦٧)وفِعْلِ الطّاعاتِ، والقِيامِ عَلى تَأْدِيبِ الأهْلِ، وأخْذِهِنَّ بِما تَأْخُذُونَ بِهِ أنْفُسَكم ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ أيْ: تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ أيْ: تَلِي أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها، زَبانِيَةٌ ﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ أيْ: جُفاةٌ قُساةٌ ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَتِ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ؛ فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها. ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ، ولا يَتَوانَوْنَ فِيهِ. انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَةُ الأوْلى لِبَيانِ اسْتِمْرارِ إتْيانِهِمْ بِأوامِرِهِ، والثّانِيَةُ لِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] فَإنَّ اسْتِمْرارَهم عَلى فِعْلِ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ يُفِيدُهُ، فَلا تَكْرارَ. وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ الطَّرْدِ والعَكْسِ، وهو يَكُونُ في كَلامَيْنِ، يُقَرِّرُ مَنطُوقَ أحَدِهِما مَفْهُومُ الآخَرِ، وبِالعَكْسِ.
التحريم 66:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ. فالمُرادُ بِ: ﴿اليَوْمَ﴾ وقْتُ دُخُولِهِمْ إيّاها، فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، والنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِذارِ لِأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمْ، أوِ العُذْرُ لا يَنْفَعُهم.
التحريم 66:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (p-٥٨٦٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أيْ: تَوْبَةً تُرَقِّعُ الخُرُوقَ، وتَرْتِقُ الفُتُوقَ، وتُصْلِحُ الفاسِدَ، وتَسُدُّ الخَلَلَ. مِنَ النُّصْحِ بِمَعْنى الخِياطَةِ. أوْ تَوْبَةً خالِصَةً عَنْ شَوْبِ المَيْلِ إلى الحالِ الَّذِي تابَ عَنْهُ، والنَّظَرِ إلَيْهِ بِعَدَمِ الِالتِفاتِ، وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْهُ مِنَ (النَّصُوحِ) بِمَعْنى الخُلُوصِ ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ أيْ: بِمُناصَحَةِ أنْفُسِكم بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ ﴿أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيْ: لا يُذِلُّهم. تَعْرِيضٌ لِأعْدائِهِمْ بِالخِزْيِ والصَّغارِ ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ أيْ: أدِمْهُ أوْ زِدْهُ ﴿واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
التحريم 66:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ أيْ: بِالسِّنانِ والبُرْهانِ ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فِيما تُجاهِدُهم بِهِ، لِتَنْكَسِرَ صَلابَتُهُمْ، وتَلِينَ شَكِيمَتُهم وعَرِيكَتُهُمْ، فَتَنْقَهِرَ نُفُوسُهم وتَذِلَّ وتَخْضَعَ.
﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
التحريم 66:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾
(p-٥٨٦٩)﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ أيْ: حالُهُما ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما﴾ أيْ: بِالمُظاهَرَةِ عَلَيْهِما والكُفْرِ والعِصْيانِ، مَعَ تَمَكُّنِهِما مِنَ الطّاعَةِ والإيمانِ ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ ﴿شَيْئًا وقِيلَ﴾ أيْ: لَهُما عِنْدَ مَوْتِهِما، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ:
﴿ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أيْ: مَعَ سائِرِ الدّاخِلِينَ مِنَ الفَجَرَةِ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ.
التحريم 66:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٢] ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِن عَمَلِهِمْ وعَذابِهِمْ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: حَفِظَتْهُ وصانَتْهُ ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مَن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطٍ، وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: بِصُحُفِهِ المَنَزَّلَةِ مِن عِنْدِهِ ﴿وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] أيِ: المُوحاةِ. والعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، أوِ الكَلِماتُ أعَمُّ مِنَ المَكْتُوبِ والمَحْفُوظِ مِن أوامِرِهِ ووَصاياهُ المُتَوارَثَةِ، والكُتُبُ خاصَّةٌ بِالمَخْطُوطِ مِنَ الأسْفارِ.
﴿وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: مِنَ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ لِلَّهِ، والخُضُوعِ لِأحْكامِهِ. والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَّلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ حالَ الكُفّارِ في أنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كُفْرِهِمْ (p-٥٨٧٠)وعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعاقَبَةَ مِثْلِهِمْ، مِن غَيْرِ إبْقاءٍ ولا مُحاباةٍ ولا يَنْفَعُهم مَعَ عَداوَتِهِمْ لَهم ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَهم مِن لُحْمَةٍ ونَسَبٍ، أوْ وصْلَةِ صِهْرٍ؛ لِأنَّ عَداوَتَهم لَهُمْ، وكُفْرَهم بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قَطْعُ العَلائِقِ، وبَتُّ الوَصْلِ، وجَعْلُهم أبْعَدَ مِنَ الأجانِبِ وأبْعَدَ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الكافِرُ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، بِحالِ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ لَمّا نافَقَتا وخانَتا الرَّسُولَيْنِ لَمْ يُغْنِ الرَّسُولانِ عَنْهُما، بِحَقِّ ما بَيْنَهُما وبَيْنَهُما مِن وصْلَةِ الزَّواجِ، إغْناءً ما مِن عَذابِ اللَّهِ، ومَثَّلَ حالَ المُؤْمِنِينَ في وصْلَةِ الكافِرِينَ لا تَضُرُّهُمْ، ولا تَنْقُصُ شَيْئًا مِن ثَوابِهِمْ وزُلْفاهم عِنْدَ اللَّهِ بِحالِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَنزِلَتِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ كَوْنِها زَوْجَةَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ، النّاطِقِ بِالكَلِمَةِ العُظْمى. ومَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ، وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا. وفي طَيٍّ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشُدِّهِ، لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ. ونَحْوَهُ في التَّغْلِيظِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإشارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ تَكُونا في الإخْلاصِ والكَمالِ فِيهِ كَمَثَلِ هاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وأنْ لا تَتَّكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَإنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ لا يَنْفَعُهُما إلّا مَعَ كَوْنِهِما مُخْلِصَتَيْنِ. والتَّعْرِيضُ بِحَفْصَةَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أفْشَتْ عَلَيْهِ كَما أفْشَتْ حَفْصَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ. وأسْرارُ التَّنْزِيلِ ورُمُوزُهُ في كُلِّ بابٍ، بالِغَةٌ مِنَ اللُّطْفِ والخَفاءِ حَدًّا يَدِقُّ عَلى تَفَطُّنِ العالِمِ ويَزِلُّ عَنْ تَبَصُّرِهِ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ" اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى ثَلاثَةِ أمْثالٍ: مَثَلٍ لِلْكُفّارِ، ومَثَلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فَتَضَمَّنَ مَثَلُ الكُفّارِ أنَّ الكافِرَ يُعاقَبُ عَلى كُفْرِهِ وعَداوَتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، ولا يَنْفَعُهُ مَعَ كُفْرِهِ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِن لُحْمَةِ نَسَبٍ، أوْ وصْلَةِ صِهْرٍ، أوْ سَبَبٍ مِن (p-٥٨٧١)أسْبابِ الِاتِّصالِ؛ فَإنَّ الأسْبابَ كُلَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ، إلّا ما كانَ مِنها مُتَّصِلًا بِاللَّهِ وحْدَهُ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، فَلَوْ نَفَعَتْ وصْلَةُ القَرابَةِ والمُصاهَرَةِ أوِ النِّكاحِ، مَعَ عَدَمِ الإيمانِ، لَنَفَعَتِ الوَصْلَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ نُوحٍ ولُوطٍ وامْرَأتَيْهِما. فَلَمّا لَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ: ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ قَطَعَتِ الآيَةُ حِينَئِذٍ طَمَعَ مَن رَكِبَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، وخالَفَ أمْرَهُ، ورَجا أنْ يَنْفَعَهُ صَلاحُ غَيْرِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ أجْنَبِيٍّ، ولَوْ كانَ بَيْنَهُما في الدُّنْيا أشَدُّ الِاتِّصالِ، فَلا اتِّصالَ فَوْقَ اتِّصالِ البُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ والزَّوْجِيَّةِ، ولَمْ يُغْنِ نُوحٌ عَنِ ابْنِهِ، ولا إبْراهِيمُ عَنْ أبِيهِ، ولا نُوحٌ ولُوطٌ عَنِ امْرَأتَيْهِما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا؛ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩]
وقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] وهَذا كُلُّهُ تَكْذِيبٌ لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ الباطِلَةِ، أنَّ مَن تَعَلَّقُوا بِهِ مَن دُونِ اللَّهِ، مِن قَرابَةٍ أوْ صِهْرٍ أوْ نِكاحٍ أوْ صُحْبَةٍ يَنْفَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يُجِيرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. وهَذا أصْلُ ضَلالِ بَنِي آدَمَ وشِرْكِهِمْ وهو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وهو الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ، وأنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ، بِإبْطالِهِ، ومُحارَبَةِ أهْلِهِ ومُعاداتِهِمْ.
وأمّا المَثَلانِ اللَّذانِ لِلْمُؤْمِنِينَ: فَأحَدُهُما امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ووَجْهُ المَثَلِ أنَّ اتِّصالَ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا إذا فارَقَهُ في كُفْرِهِ وعَمَلِهِ، فَمَعْصِيَةُ الغَيْرِ لا تَضُرُّ المُؤْمِنَ المُطِيعَ شَيْئًا في الآخِرَةِ، وإنْ تَضَرَّرَ بِها في الدُّنْيا بِسَبَبِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأهْلِ الأرْضِ إذا أضاعُوا أمْرَ اللَّهِ، فَتَأْتِي عامَّةً. فَلَمْ يَضُرَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ اتِّصالُها بِهِ، وهو أكْفَرُ الكافِرِينَ، ولَمْ يَنْفَعِ امْرَأةَ نُوحٍ ولُوطٍ اتِّصالُهُما بِهِما، وهُما رَسُولا رَبِّ العالَمِينَ.
المَثَلُ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ: مَرْيَمُ، الَّتِي لا زَوْجَ لَها، لا مُؤْمِنَ ولا كافِرَ.
(p-٥٨٧٢)فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أصْنافِ النِّساءِ: المَرْأةَ الكافِرَةُ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الصّالِحِ، والمَرْأةِ الصّالِحَةِ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الكافِرِ، والمَرْأةِ العِزَبِ الَّتِي لا وصْلَةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ أحَدٍ، فالأُولى لا تَنْفَعُها وصْلَتُها وسَبَبُهُ، والثّانِيَةُ لا تَضُرُّها وصْلَتُها وسَبَبُها، والثّالِثَةُ لا يَضُرُّها عَدَمُ الوَصْلَةِ شَيْئًا.
ثُمَّ في هَذِهِ الأمْثالِ مِنَ الأسْرارِ البَدِيعَةِ ما يُناسِبُ سِياقَ السُّورَةِ؛ فَإنَّها سِيقَتْ في ذِكْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، والتَّحْذِيرِ مِن تَظاهُرِهِنَّ عَلَيْهِ، وأنَّهُنَّ إنْ لَمْ يُطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُرِدْنَ الدّارَ الآخِرَةَ، لَمْ يَنْفَعْهُنَّ اتِّصالُهُنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما لَمْ يَنْفَعِ امْرَأةَ نُوحٍ ولُوطٍ اتِّصالُهُما بِهِما، ولِهَذا إنَّما ضَرَبَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَثَلَ اتِّصالِ النِّكاحِ دُونَ القَرابَةِ.
قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ الأوَّلَ يُحَذِّرُ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما المَثَلَ الثّانِيَ يُحَرِّضُهُما عَلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ. وفي ضَرْبِ المَثَلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْيَمَ اعْتِبارٌ آخَرُ: وهو أنَّها لَمْ يَضُرَّها عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، قَذْفُ أعْداءِ اللَّهِ اليَهُودِ لَها، ونِسْبَتُهم إيّاها وابْنَها إلى ما بَرَّأها اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ كَوْنِها الصِّدِّيقَةَ الكُبْرى المُصْطَفاةَ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، فَلا يَضُرُّ الرَّجُلَ الصّالِحَ قَدْحُ الفُجّارِ والفُسّاقِ فِيهِ.
وفِي هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِعائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إنْ كانَتِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الإفْكِ، وتَوْطِينِ نَفْسِها عَلى ما قالَ فِيها الكاذِبُونَ، إنْ كانَتْ قَبْلَها. كَما في ذِكْرِ التَّمْثِيلِ بِامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ تَحْذِيرٌ لَها ولِحَفْصَةَ مِمّا اعْتَمَدَتاهُ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الأمْثالُ التَّحْذِيرَ لَهُنَّ، والتَّخْوِيفَ والتَّحْرِيضَ لَهُنَّ عَلى الطّاعَةِ والتَّوْحِيدِ والتَّسْلِيَةِ وتَوْطِينِ النَّفْسِ لِمَن أُوذِيَ مِنهُنَّ وكُذِبَ عَلَيْهِ. وأسْرارُ التَّنْزِيلِ فَوْقَ هَذا وأجَلُّ مِنهُ، ولاسِيَّما أسْرارُ الأمْثالِ الَّتِي لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ القاشانِيُّ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الوُصُلَ الطَّبِيعِيَّةَ، والِاتِّصالاتِ الصُّورِيَّةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ، بَلِ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، والِاتِّصالاتُ الرُّوحانِيَّةُ، هي المُؤَثِّرَةُ فَحَسْبُ. والصُّورِيَّةُ الَّتِي بِحَسَبِ اللُّحْمَةِ الطَّبِيعِيَّةِ والخُلْطَةِ والمُعاشَرَةِ لا يَبْقى لَها أثَرٌ فِيما بَعْدَ المَوْتِ، ولا تَكُونُ إلّا في الدُّنْيا، بِالتَّمْثِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وإنَّ المُعْتَبَرَ في اسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ هو العَمَلُ الصّالِحُ، والِاعْتِقادُ الحَقُّ، كَإحْصانِ مَرْيَمَ، وتَصْدِيقِها بِكَلِماتِ رَبِّها، وطاعَتِها المُعَدِّةِ إيّاها (p-٥٨٧٣)لِقَبُولِ نَفْخِ رُوحِ اللَّهِ فِيها. وقَدْ يَلُوحُ بَيْنَهُما أنَّ النَّفْسَ الخائِنَةَ الَّتِي لا تَفِي بِالطّاعَةِ، ولا تَحْفَظُ الأسْرارَ، وتُبِيحُ المُخالَفَةَ، داخِلَةٌ في نارِ الحِرْمانِ، وجَحِيمِ الهِجْرانِ مَعَ المَحْجُوبِينَ، ولا تُغْنِي هِدايَةُ الرُّوحِ عَنْها شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في بابِ العَذابِ، وأنَّ القَلْبَ المَقْهُورَ تَحْتَ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ الأمّارَةِ الفِرْعَوْنِيَّةِ، الطّالِبِ لِلْخَلاصِ بِالِالتِجاءِ إلى الحَقِّ الَّذِي قَوِيَتْ فِيهِ قُوَّةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِصَفائِهِ، وضَعُفَتْ قُوَّةُ قَهْرِهِ لِلنَّفْسِ والشَّيْطانِ لِعَجْزِهِ وضَعْفِهِ، لا يَبْقى في العَذابِ بِمُجاوَرَتِها حِينًا، وتَأْلَمُ بِأفْعالِها بُرْهَةً. وأنَّ النَّفْسَ المُتَزَيِّنَةَ بِفَضِيلَةِ العِفَّةِ المُشارِ إلَيْها بِإحْصانِ الفَرْجِ، هي القابِلَةُ لِفَيْضِ رُوحِ القُدُسِ المُتَنَوِّرَةِ بِنُورِ الرُّوحِ المُصَدَّقَةِ بِكَلِماتِ الرَّبِّ، مِنَ العَقائِدِ الحِكَمِيَّةِ، والشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، المُطِيعَةِ لِلَّهِ مُطْلَقًا، عِلْمًا وعَمَلًا، سِرًّا وجَهْرًا. انْتَهى مُلَخَّصًا.
الرّابِعُ: في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى صِحَّةِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ. أقُولُ: ويُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَخانَتاهُما﴾ [التحريم: ١٠] عَلى جَوازِ اسْتِدامَةِ الرَّجُلِ الصّالِحِ نِكاحَ امْرَأتِهِ الفاسِقَةِ العاصِيَةِ، وعَلى أنَّ اسْتِبْقاءَها بِدُونِ مُفارَقَةٍ لا يُعَدُّ مِن قِلَّةِ التَّوَرُّعِ، وهو جَلِيٌّ. ويُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ نِكاحَ المُشْرِكاتِ كانَ جائِزًا في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، وقَدْ حَظَرَهُ الإسْلامُ أشَدَّ الحَظْرِ، كَما مَرَّ في آياتٍ عَدِيدَةٍ.
الخامِسُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ حِكايَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ قالَ العُلَماءُ: اخْتارَتِ الجارَ قَبْلَ الدّارِ، وقَدْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ.
السّادِسُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في دُعاءِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ، والِالتِجاءَ إلَيْهِ، ومَسْألَةِ الخَلاصِ مِنهُ عِنْدَ المِحَنِ والنَّوازِلِ مِن سِيَرِ الصّالِحِينَ، وسُنَنِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨]
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥] ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٦]
التحريم 66:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٢] ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِن عَمَلِهِمْ وعَذابِهِمْ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: حَفِظَتْهُ وصانَتْهُ ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مَن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطٍ، وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: بِصُحُفِهِ المَنَزَّلَةِ مِن عِنْدِهِ ﴿وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] أيِ: المُوحاةِ. والعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، أوِ الكَلِماتُ أعَمُّ مِنَ المَكْتُوبِ والمَحْفُوظِ مِن أوامِرِهِ ووَصاياهُ المُتَوارَثَةِ، والكُتُبُ خاصَّةٌ بِالمَخْطُوطِ مِنَ الأسْفارِ.
﴿وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: مِنَ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ لِلَّهِ، والخُضُوعِ لِأحْكامِهِ. والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَّلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ حالَ الكُفّارِ في أنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كُفْرِهِمْ (p-٥٨٧٠)وعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعاقَبَةَ مِثْلِهِمْ، مِن غَيْرِ إبْقاءٍ ولا مُحاباةٍ ولا يَنْفَعُهم مَعَ عَداوَتِهِمْ لَهم ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَهم مِن لُحْمَةٍ ونَسَبٍ، أوْ وصْلَةِ صِهْرٍ؛ لِأنَّ عَداوَتَهم لَهُمْ، وكُفْرَهم بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قَطْعُ العَلائِقِ، وبَتُّ الوَصْلِ، وجَعْلُهم أبْعَدَ مِنَ الأجانِبِ وأبْعَدَ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الكافِرُ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، بِحالِ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ لَمّا نافَقَتا وخانَتا الرَّسُولَيْنِ لَمْ يُغْنِ الرَّسُولانِ عَنْهُما، بِحَقِّ ما بَيْنَهُما وبَيْنَهُما مِن وصْلَةِ الزَّواجِ، إغْناءً ما مِن عَذابِ اللَّهِ، ومَثَّلَ حالَ المُؤْمِنِينَ في وصْلَةِ الكافِرِينَ لا تَضُرُّهُمْ، ولا تَنْقُصُ شَيْئًا مِن ثَوابِهِمْ وزُلْفاهم عِنْدَ اللَّهِ بِحالِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَنزِلَتِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ كَوْنِها زَوْجَةَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ، النّاطِقِ بِالكَلِمَةِ العُظْمى. ومَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ، وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا. وفي طَيٍّ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشُدِّهِ، لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ. ونَحْوَهُ في التَّغْلِيظِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإشارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ تَكُونا في الإخْلاصِ والكَمالِ فِيهِ كَمَثَلِ هاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وأنْ لا تَتَّكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَإنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ لا يَنْفَعُهُما إلّا مَعَ كَوْنِهِما مُخْلِصَتَيْنِ. والتَّعْرِيضُ بِحَفْصَةَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أفْشَتْ عَلَيْهِ كَما أفْشَتْ حَفْصَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ. وأسْرارُ التَّنْزِيلِ ورُمُوزُهُ في كُلِّ بابٍ، بالِغَةٌ مِنَ اللُّطْفِ والخَفاءِ حَدًّا يَدِقُّ عَلى تَفَطُّنِ العالِمِ ويَزِلُّ عَنْ تَبَصُّرِهِ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ" اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى ثَلاثَةِ أمْثالٍ: مَثَلٍ لِلْكُفّارِ، ومَثَلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فَتَضَمَّنَ مَثَلُ الكُفّارِ أنَّ الكافِرَ يُعاقَبُ عَلى كُفْرِهِ وعَداوَتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، ولا يَنْفَعُهُ مَعَ كُفْرِهِ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِن لُحْمَةِ نَسَبٍ، أوْ وصْلَةِ صِهْرٍ، أوْ سَبَبٍ مِن (p-٥٨٧١)أسْبابِ الِاتِّصالِ؛ فَإنَّ الأسْبابَ كُلَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ، إلّا ما كانَ مِنها مُتَّصِلًا بِاللَّهِ وحْدَهُ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، فَلَوْ نَفَعَتْ وصْلَةُ القَرابَةِ والمُصاهَرَةِ أوِ النِّكاحِ، مَعَ عَدَمِ الإيمانِ، لَنَفَعَتِ الوَصْلَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ نُوحٍ ولُوطٍ وامْرَأتَيْهِما. فَلَمّا لَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ: ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ قَطَعَتِ الآيَةُ حِينَئِذٍ طَمَعَ مَن رَكِبَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، وخالَفَ أمْرَهُ، ورَجا أنْ يَنْفَعَهُ صَلاحُ غَيْرِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ أجْنَبِيٍّ، ولَوْ كانَ بَيْنَهُما في الدُّنْيا أشَدُّ الِاتِّصالِ، فَلا اتِّصالَ فَوْقَ اتِّصالِ البُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ والزَّوْجِيَّةِ، ولَمْ يُغْنِ نُوحٌ عَنِ ابْنِهِ، ولا إبْراهِيمُ عَنْ أبِيهِ، ولا نُوحٌ ولُوطٌ عَنِ امْرَأتَيْهِما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا؛ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩]
وقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] وهَذا كُلُّهُ تَكْذِيبٌ لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ الباطِلَةِ، أنَّ مَن تَعَلَّقُوا بِهِ مَن دُونِ اللَّهِ، مِن قَرابَةٍ أوْ صِهْرٍ أوْ نِكاحٍ أوْ صُحْبَةٍ يَنْفَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يُجِيرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. وهَذا أصْلُ ضَلالِ بَنِي آدَمَ وشِرْكِهِمْ وهو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وهو الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ، وأنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ، بِإبْطالِهِ، ومُحارَبَةِ أهْلِهِ ومُعاداتِهِمْ.
وأمّا المَثَلانِ اللَّذانِ لِلْمُؤْمِنِينَ: فَأحَدُهُما امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ووَجْهُ المَثَلِ أنَّ اتِّصالَ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا إذا فارَقَهُ في كُفْرِهِ وعَمَلِهِ، فَمَعْصِيَةُ الغَيْرِ لا تَضُرُّ المُؤْمِنَ المُطِيعَ شَيْئًا في الآخِرَةِ، وإنْ تَضَرَّرَ بِها في الدُّنْيا بِسَبَبِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأهْلِ الأرْضِ إذا أضاعُوا أمْرَ اللَّهِ، فَتَأْتِي عامَّةً. فَلَمْ يَضُرَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ اتِّصالُها بِهِ، وهو أكْفَرُ الكافِرِينَ، ولَمْ يَنْفَعِ امْرَأةَ نُوحٍ ولُوطٍ اتِّصالُهُما بِهِما، وهُما رَسُولا رَبِّ العالَمِينَ.
المَثَلُ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ: مَرْيَمُ، الَّتِي لا زَوْجَ لَها، لا مُؤْمِنَ ولا كافِرَ.
(p-٥٨٧٢)فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أصْنافِ النِّساءِ: المَرْأةَ الكافِرَةُ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الصّالِحِ، والمَرْأةِ الصّالِحَةِ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الكافِرِ، والمَرْأةِ العِزَبِ الَّتِي لا وصْلَةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ أحَدٍ، فالأُولى لا تَنْفَعُها وصْلَتُها وسَبَبُهُ، والثّانِيَةُ لا تَضُرُّها وصْلَتُها وسَبَبُها، والثّالِثَةُ لا يَضُرُّها عَدَمُ الوَصْلَةِ شَيْئًا.
ثُمَّ في هَذِهِ الأمْثالِ مِنَ الأسْرارِ البَدِيعَةِ ما يُناسِبُ سِياقَ السُّورَةِ؛ فَإنَّها سِيقَتْ في ذِكْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، والتَّحْذِيرِ مِن تَظاهُرِهِنَّ عَلَيْهِ، وأنَّهُنَّ إنْ لَمْ يُطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُرِدْنَ الدّارَ الآخِرَةَ، لَمْ يَنْفَعْهُنَّ اتِّصالُهُنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما لَمْ يَنْفَعِ امْرَأةَ نُوحٍ ولُوطٍ اتِّصالُهُما بِهِما، ولِهَذا إنَّما ضَرَبَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَثَلَ اتِّصالِ النِّكاحِ دُونَ القَرابَةِ.
قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ الأوَّلَ يُحَذِّرُ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما المَثَلَ الثّانِيَ يُحَرِّضُهُما عَلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ. وفي ضَرْبِ المَثَلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْيَمَ اعْتِبارٌ آخَرُ: وهو أنَّها لَمْ يَضُرَّها عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، قَذْفُ أعْداءِ اللَّهِ اليَهُودِ لَها، ونِسْبَتُهم إيّاها وابْنَها إلى ما بَرَّأها اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ كَوْنِها الصِّدِّيقَةَ الكُبْرى المُصْطَفاةَ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، فَلا يَضُرُّ الرَّجُلَ الصّالِحَ قَدْحُ الفُجّارِ والفُسّاقِ فِيهِ.
وفِي هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِعائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إنْ كانَتِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الإفْكِ، وتَوْطِينِ نَفْسِها عَلى ما قالَ فِيها الكاذِبُونَ، إنْ كانَتْ قَبْلَها. كَما في ذِكْرِ التَّمْثِيلِ بِامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ تَحْذِيرٌ لَها ولِحَفْصَةَ مِمّا اعْتَمَدَتاهُ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الأمْثالُ التَّحْذِيرَ لَهُنَّ، والتَّخْوِيفَ والتَّحْرِيضَ لَهُنَّ عَلى الطّاعَةِ والتَّوْحِيدِ والتَّسْلِيَةِ وتَوْطِينِ النَّفْسِ لِمَن أُوذِيَ مِنهُنَّ وكُذِبَ عَلَيْهِ. وأسْرارُ التَّنْزِيلِ فَوْقَ هَذا وأجَلُّ مِنهُ، ولاسِيَّما أسْرارُ الأمْثالِ الَّتِي لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ القاشانِيُّ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الوُصُلَ الطَّبِيعِيَّةَ، والِاتِّصالاتِ الصُّورِيَّةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ، بَلِ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، والِاتِّصالاتُ الرُّوحانِيَّةُ، هي المُؤَثِّرَةُ فَحَسْبُ. والصُّورِيَّةُ الَّتِي بِحَسَبِ اللُّحْمَةِ الطَّبِيعِيَّةِ والخُلْطَةِ والمُعاشَرَةِ لا يَبْقى لَها أثَرٌ فِيما بَعْدَ المَوْتِ، ولا تَكُونُ إلّا في الدُّنْيا، بِالتَّمْثِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وإنَّ المُعْتَبَرَ في اسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ هو العَمَلُ الصّالِحُ، والِاعْتِقادُ الحَقُّ، كَإحْصانِ مَرْيَمَ، وتَصْدِيقِها بِكَلِماتِ رَبِّها، وطاعَتِها المُعَدِّةِ إيّاها (p-٥٨٧٣)لِقَبُولِ نَفْخِ رُوحِ اللَّهِ فِيها. وقَدْ يَلُوحُ بَيْنَهُما أنَّ النَّفْسَ الخائِنَةَ الَّتِي لا تَفِي بِالطّاعَةِ، ولا تَحْفَظُ الأسْرارَ، وتُبِيحُ المُخالَفَةَ، داخِلَةٌ في نارِ الحِرْمانِ، وجَحِيمِ الهِجْرانِ مَعَ المَحْجُوبِينَ، ولا تُغْنِي هِدايَةُ الرُّوحِ عَنْها شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في بابِ العَذابِ، وأنَّ القَلْبَ المَقْهُورَ تَحْتَ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ الأمّارَةِ الفِرْعَوْنِيَّةِ، الطّالِبِ لِلْخَلاصِ بِالِالتِجاءِ إلى الحَقِّ الَّذِي قَوِيَتْ فِيهِ قُوَّةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِصَفائِهِ، وضَعُفَتْ قُوَّةُ قَهْرِهِ لِلنَّفْسِ والشَّيْطانِ لِعَجْزِهِ وضَعْفِهِ، لا يَبْقى في العَذابِ بِمُجاوَرَتِها حِينًا، وتَأْلَمُ بِأفْعالِها بُرْهَةً. وأنَّ النَّفْسَ المُتَزَيِّنَةَ بِفَضِيلَةِ العِفَّةِ المُشارِ إلَيْها بِإحْصانِ الفَرْجِ، هي القابِلَةُ لِفَيْضِ رُوحِ القُدُسِ المُتَنَوِّرَةِ بِنُورِ الرُّوحِ المُصَدَّقَةِ بِكَلِماتِ الرَّبِّ، مِنَ العَقائِدِ الحِكَمِيَّةِ، والشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، المُطِيعَةِ لِلَّهِ مُطْلَقًا، عِلْمًا وعَمَلًا، سِرًّا وجَهْرًا. انْتَهى مُلَخَّصًا.
الرّابِعُ: في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى صِحَّةِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ. أقُولُ: ويُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَخانَتاهُما﴾ [التحريم: ١٠] عَلى جَوازِ اسْتِدامَةِ الرَّجُلِ الصّالِحِ نِكاحَ امْرَأتِهِ الفاسِقَةِ العاصِيَةِ، وعَلى أنَّ اسْتِبْقاءَها بِدُونِ مُفارَقَةٍ لا يُعَدُّ مِن قِلَّةِ التَّوَرُّعِ، وهو جَلِيٌّ. ويُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ نِكاحَ المُشْرِكاتِ كانَ جائِزًا في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، وقَدْ حَظَرَهُ الإسْلامُ أشَدَّ الحَظْرِ، كَما مَرَّ في آياتٍ عَدِيدَةٍ.
الخامِسُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ حِكايَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ قالَ العُلَماءُ: اخْتارَتِ الجارَ قَبْلَ الدّارِ، وقَدْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ.
السّادِسُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في دُعاءِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ، والِالتِجاءَ إلَيْهِ، ومَسْألَةِ الخَلاصِ مِنهُ عِنْدَ المِحَنِ والنَّوازِلِ مِن سِيَرِ الصّالِحِينَ، وسُنَنِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨]
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥] ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٦]
الملك 67:1
(p-٥٨٧٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُلْكِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى كَثِيرٍ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ المُلْكُ مِن كَثْرَةِ الخَيْراتِ، وعُمُومِ القُدْرَةِ، والإحْياءِ والإماتَةِ، واخْتِبارِ أعْمالِ النّاسِ، والغَلَبَةِ والغُفْرانِ، ورَفْعِ الأبْنِيَةِ لِخُدّامِهِ وعَدَمِ التَّفاوُتِ في رَعاياهُ، وتَزْيِينِ بِلادِهِ، والقَهْرِ عَلى الأعْداءِ، والتَّرَحُّمِ عَلى الأوْلِياءِ، والأمْنِ ورُخْصِ الأسْعارِ، وأنْ لا يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَصْرِ مَن عاداهُ، ولا عَلى رِزْقِ مَن مَنَعَهُ. انْتَهى.
وتُسَمّى سُورَةَ (تَبارَكَ). وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَلاثُونَ.
(p-٥٨٧٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وسُلْطانُهُما، نافِذٌ فِيهِما أمْرُهُ وقَضاؤُهُ، وهو عَلى ما يَشاءُ فِعْلَهُ ذُو قُدْرَةٍ لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ، ولا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَجْزٌ.
وقالَ القاشانِيُّ: المُلْكُ عالَمُ الأجْسامِ، كَما أنَّ المَلَكُوتَ عالَمُ النُّفُوسِ؛ ولِذَلِكَ وصَفَ ذاتَهُ بِاعْتِبارِ تَصْرِيفِهِ عالَمَ المُلْكِ، بِحَسْبِ مَشِيئَتِهِ بِالتَّبارُكِ، الَّذِي هو غايَةُ العَظَمَةِ، ونِهايَةُ الِازْدِيادِ في العُلُوِّ والبَرَكَةِ، وبِاعْتِبارِ تَسْخِيرِهِ عالَمَ المَلَكُوتِ، بِمُقْتَضى إرادَتِهِ بِالتَّسْبِيحِ، الَّذِي هو التَّنْزِيهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] كُلًّا بِما يُناسِبُهُ؛ لِأنَّ العَظَمَةَ والِازْدِيادَ والبَرَكَةَ تُناسِبُ الأجْسامَ، والتَّنَزُّهَ يُناسِبُ المُجَرَّداتِ عَنِ المادَّةِ. فَمَعْنى: " تَبارَكَ " تَعالى وتَعاظَمَ، الَّذِي يَتَصَرَّفُ في عالَمِ المُلْكِ بِيَدِ قُدْرَتِهِ، لا يَتَصَرَّفُ فِيهِ غَيْرُهُ فَبِيَدِهِ كُلُّ ما وُجِدَ مِنَ الأجْسامِ، لا بِيَدِ غَيْرِهِ، يُصَرِّفُها كَما يَشاءُ، وهو القادِرُ عَلى كُلِّ ما عُدِمَ مِنَ المُمْكِناتِ، يُوجِدُها عَلى ما يَشاءُ.
الملك 67:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾
﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ: قَدَّرَ المَوْتَ والحَياةَ (p-٥٨٧٦)فَأماتَ مَن شاءَ وما شاءَ، وأحْيا مَن أرادَ وما أرادَ، إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. أوْ أوْجَدَ الحَياةَ، وأزالَها حَسْبَما قَدَّرَهُ.
قالَ القاشانِيُّ: المَوْتُ والحَياةُ مِن بابِ العَدَمِ والمَلَكَةِ؛ فَإنَّ الحَياةَ هي الإحْساسُ والحَرَكَةُ الإرادِيَّةُ ولَوِ اضْطِرارِيَّةً كالتَّنَفُّسِ. والمَوْتُ عَدَمُ ذَلِكَ عَمّا مَن شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ، وعَدَمُ المَلَكَةِ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ فِيهِ شائِبَةُ الوُجُودِ. والألَمُ يُعْتَبَرُ فِيهِ المَحَلُّ القابِلُ لِلْأمْرِ الوُجُودِيِّ، فَلِذَلِكَ صَحَّ تَعَلُّقُ الخَلْقِ بِهِ، كَتَعَلُّقِهِ بِالحَياةِ، وجَعْلُ الغَرَضِ مِن خَلْقِهِما بَلاءَ الإنْسانِ في حُسْنِ العَمَلِ وقُبْحِهِ، أيِ: العِلْمُ التّابِعُ لِلْمَعْلُومِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وهو العِلْمُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلى المَظاهِرِ الإنْسانِيَّةِ بَعْدَ وُقُوعِ المَعْلُومِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ إلّا عِلْمُ اللَّهِ الكامِنُ في الغَيْبِ، الظّاهِرُ بِظُهُورِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ الحَياةَ هي الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها عَلى الأعْمالِ، والمَوْتُ هو الدّاعِي إلى حُسْنِ العَمَلِ الباعِثُ عَلَيْهِ، وبِهِ يَظْهَرُ آثارُ الأعْمالِ، كَما أنَّ الحَياةَ يَظْهَرُ بِها أُصُولُها، وبِها تَتَفاضَلُ النُّفُوسُ في الدَّرَجاتِ، وتَتَفاوَتُ في الهَلاكِ والنَّجاةِ. وقَدَّمَ المَوْتَ عَلى الحَياةِ؛ لِأنَّ المَوْتَ في عِلْمِ المُلْكِ ذاتِيٌّ، والحَياةُ عَرَضِيَّةٌ. وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِهِ العَدَمُ السّابِقُ فَتَقَدُّمُهُ ظاهِرٌ، لِسَبْقِهِ عَلى الوُجُودِ، أوِ العَدَمِ اللّاحِقِ فَتَقْدِيمُهُ لِأنَّ فِيهِ عِظَةً وتَذْكِرَةً، ورَدْعًا عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي يَقْهَرُ مَن أساءَ العَمَلَ ﴿الغَفُورُ﴾ أيْ: لِذُنُوبِ مَن أنابَ إلَيْهِ وأحْسَنَ العَمَلَ.
الملك 67:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: طَبَقًا فَوْقَ طَبَقٍ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
(p-٥٨٧٧)وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: يُوافِقُ بَعْضُها بَعْضًا بِلا تَضادَّ، لِيَتِمَّ أمْرُ الحِكْمَةِ في الكَوائِنِ والفَواسِدِ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ السَّماءِ يُطْلَقُ لُغَةً عَلى كُلِّ ما عَلا الإنْسانَ، فَإنَّهُ مِنَ السُّمُوِّ، وهو العُلُوُّ، فَسَقْفُ البَيْتِ سَماءٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] أيْ: فَلْيُمْدَدْ بِحَبْلٍ إلى سَقْفِ بَيْتِهِ، وهَذا الفَضاءُ اللّانِهائِيُّ سَماءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] والسَّحابُ سَماءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الرعد: ١٧] والكَواكِبُ سَماواتٌ؛ فالسَّماواتُ السَّبْعُ المَذْكُورَةُ كَثِيرًا في القُرْآنِ الشَّرِيفِ، هي هَذِهِ السَّيّاراتُ السَّبْعُ، وهي طِباقٌ، أيْ: أنَّ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ فَلَكَ كُلٍّ مِنها فَوْقَ فَلَكَ غَيْرِهِ.
﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ: تَخالُفٍ وعَدَمِ تَناسُبٍ في رِعايَةِ الحُكْمِ، بَلْ راعاها في كُلِّ خَلْقِهِ.
﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ أيْ: إنْ شَكَكْتَ فَكَرِّرِ النَّظَرَ ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ أيْ: خَلَّلٍ. وأصْلُ الفُطُورِ الصُّدُوعُ والشُّقُوقُ، أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ، كَذا قالُوهُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ أيْ: هَلْ تَرى مِنَ انْشِقاقٍ وانْقِطاعٍ بَيْنَ السَّماواتِ، بِحَيْثُ تَذْهَبُ بِاتِّصالاتِ الكَواكِبِ فَتُفَرِّقُها، وتَقْطَعُ عَلاقاتِها وأحْبالَ تَجاذُبِها؟ كَلّا! بَلْ هي مُتَجاذِبَةٌ، مُرْتَبِطٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ (ق) في آيَةِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]
(p-٥٨٧٨)
الملك 67:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾
﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ﴾ أيْ: كَرِّرْهُ ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: رَجْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ابْتِغاءَ الخَلَلِ والفَسادِ والعَبَثِ. والمُرادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ.
﴿يَنْقَلِبْ﴾ أيْ: يَرْجِعْ ﴿إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ أيْ: مَطْرُودًا عَنْ إصابَةِ المَطْلُوبِ.
﴿وهُوَ حَسِيرٌ﴾ أيْ: مَعْيِيٌّ كالٌّ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [الملك: ٣] وضَعَ فِيها ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٣] مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ، والأصْلُ: فِيهِنَّ، وتابَعَهُ القاضِي والقاشانِيُّ، وعِبارَتُهُ:
نِهايَةُ كَمالِ عالَمِ المُلْكِ، لِأنَّها السَّماواتُ، لا تَرى أحْكَمَ خَلْقًا، وأحْسَنَ نِظامًا وطِباقًا مِنها. وأضافَ خَلْقَها إلى الرَّحْمَنِ، لِأنَّها مِن أُصُولِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ، ومَبادِئِ سائِرِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وسَلَبَ التَّفاوُتَ عَنْها لِمُطابَقَةِ بَعْضِها بَعْضًا، وحُسْنِ انْتِظامِها وتَناسُبِها. وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ لِأنَّ تَكْرارَ النَّظَرِ، وتَجْوالَ الفِكْرِ، مِمّا يُفِيدُ تَحَقُّقَ الحَقائِقِ وإذا كانَ ذَلِكَ فِيها عِنْدَ طَلَبِ الخُرُوقِ والشُّقُوقِ، لا يُفِيدُ إلّا الخُسُوءَ والحُسُورَ، تَحَقَّقَ الِامْتِناعُ، وما أتْعَبَ مَن طَلَبَ وُجُودَ المُمْتَنِعِ. انْتَهى.
ولَوْ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] مُسْتَأْنَفًا، مُقَرَّرًا بِعُمُومِهِ لِتَناسُبِ خَلْقِهِ وإتْقانِهِ، وتَناهِي حُسْنِهِ، فَيَشْمَلُ ما قَبْلَهُ - لَكانَ أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِوَصْفِيَّةِ ما قَبْلَهُ، ويَكُونُ كَآيَةِ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] وآيَةِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وتَلَطَّفَ بَعْضُهم فَقالَ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى قِياسٍ تَقْدِيرُهُ: ما تَرى فِيها مِن تَفاوُتٍ؛ لِأنَّها مِن خَلْقِهِ تَعالى. وما تَرى في خُلُقِهِ مِن تَفاوُتٍ.
(p-٥٨٧٩)الثّانِي: لِلْإمامِ ابْنِ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ في كِتابِ "الفِصَلِ" ساقَهُ في مَباحِثِهِ مَعَ المُعْتَزِلَةِ، نَأْثُرُهُ هُنا لِنَفاثَتِهِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
التَّفاوُتُ المَعْهُودُ هو ما نافَرَ النُّفُوسَ، أوْ خَرَجَ عَنِ المَعْهُودِ، فَنَحْنُ نُسَمِّي الصُّورَةَ المُضْطَرِبَةَ بِأنَّ فِيها تَفاوُتًا، فَلَيْسَ هَذا التَّفاوُتُ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ خَلْقِهِ، فَإذَنْ لَيْسَ هو الَّذِي يُسَمِّيهِ النّاسُ: تَفاوُتًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ تَعالى عَمّا خَلَقَ هو شَيْءٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ في خَلْقِ اللَّهِ تَعالى تَفاوُتٌ، لَكُذِّبَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ولا يُكَذِّبُ اللَّهَ تَعالى إلّا كافِرٌ، فَبَطَلَ ظَنُّ المُعْتَزِلَةِ أنَّ الكُفْرَ والظُّلْمَ والكَذِبَ والجَوْرَ تَفاوُتٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مَرْئِيٌّ فِيهِ، مَشاهَدٌ بِالعِيانِ فِيهِ، فَبَطَلَ احْتِجاجُهم.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما هَذا التَّفاوُتُ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يُرى في خَلْقِهِ؟
قِيلَ لَهُمْ: هو اسْمٌ لا يَقَعُ عَلى مُسَمًّى مَوْجُودٍ في العالَمِ أصْلًا، بَلْ هو مَعْدُومٌ جُمْلَةً؛ إذْ لَوْ كانَ شَيْئًا مَوْجُودًا في العالَمِ، لَوُجِدَ التَّفاوُتُ في خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. واللَّهُ تَعالى قَدْ أكْذَبَ هَذا وأخْبَرَ أنَّهُ لا يُرى في خَلْقِهِ.
ثُمَّ نَقُولُ -وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ: إنَّ العالَمَ كُلَّهُ ما دُونَ اللَّهِ تَعالى، وهو كُلُّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، أجْسامُهُ وأعْراضُهُ كُلُّها، لا نُحاشِي شَيْئًا مِنها. ثُمَّ إذا نَظَرَ النّاظِرُ في تَقْسِيمِ أنْواعِ أعْراضِهِ، وأنْواعِ أجْسامِهِ، جَرَتِ القِسْمَةُ جَرْيًا مُسْتَوِيًا في تَفْضِيلِ أجْناسِهِ وأنْواعِهِ، بِحُدُودِها المُمَيِّزَةِ لَها، وفُصُولِها المُفَرِّقَةِ بَيْنَها، عَلى رُتْبَةٍ واحِدَةٍ، وهَيْئَةٍ واحِدَةٍ، عَلى أنْ يَبْلُغَ إلى الأشْخاصِ الَّتِي تَلِي أنْواعَ الأنْواعِ، لا تَفاوُتَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا تَخالُفَ في شَيْءٍ مِنهُ أصْلًا، ومَن وقَفَ عَلى هَذا عَلِمَ أنَّ الصُّورَةَ المُسْتَقْبَحَةَ عِنْدَنا واقِعَتانِ مَعًا تَحْتَ نَوْعِ الشَّكْلِ والتَّخْطِيطِ، ثُمَّ تَحْتَ نَوْعِ الكَيْفِيَّةِ، ثُمَّ تَحْتَ اسْمِ العَرَضِ، وُقُوعًا مُسْتَوِيًا لا تَفاضُلَ فِيهِ، ولا تَفاوُتَ في هَذا بِوَجْهٍ مِنَ التَّقْسِيمِ.
وكَذَلِكَ أيْضًا نَعْلَمُ أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ بِالقَلْبِ واقِعانِ تَحْتَ نَوْعِ الِاعْتِقادِ، ثُمَّ تَحْتَ (p-٥٨٨٠)فِعْلِ النَّفْسِ، ثُمَّ تَحْتَ الكَيْفِيَّةِ والعَرَضِ، وُقُوعًا مُسْتَوِيًا لا تَفاضُلَ فِيهِ، ولا تَفاوُتَ مِن هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّقْسِيمِ، وكَذَلِكَ أيْضًا نَعْلَمُ أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ بِاللِّسانِ واقِعانِ تَحْتَ نَوْعِ فَرْعِ الهَواءِ بِآلاتِ الكَلامِ، ثُمَّ تَحْتَ نَوْعِ الحَرَكَةِ وتَحْتَ نَوْعِ الكَيْفِيَّةِ، وتَحْتَ اسْمِ العَرَضِ، وُقُوعًا حَقًّا مُسْتَوِيًا لا تَفاوُتَ فِيهِ ولا اخْتِلافَ.
وهَكَذا القَوْلُ في الظُّلْمِ والإنْصافِ، وفي العَدْلِ والجَوْرِ، وفي الصِّدْقِ والكَذِبِ، وفي الزِّنا والوَطْءِ الحَلالِ. وكَذَلِكَ كَلُّ ما في العالَمِ، حَتّى يَرْجِعَ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ إلى الرُّؤُوسِ الأُوَلِ الَّتِي لَيْسَ فَوْقَها رَأْسٌ يَجْمَعُها إلّا كَوْنُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى، وهي الجَوْهَرُ والكُمُّ والكَيْفُ والإضافَةُ؛ فانْتَفى التَّفاوُتُ عَنْ كُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى، وعادَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ حُجَّةً عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ ضَرُورَةً لا مُنْفَكَّ لَهم عَنْها؛ وهي أنَّهُ لَوْ كانَ وُجُودُ الكُفْرِ والكَذِبِ والظُّلْمِ تَفاوُتًا كَما زَعَمُوا، لَكانَ التَّفاوُتُ مَوْجُودًا في خَلْقِ الرَّحْمَنِ، وقَدْ كَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وهي أنْ يُرى في خَلْقِهِ تَفاوُتٌ. انْتَهى كَلامُهُ.
الثّالِثُ: قالَ النّاصِرُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ وضْعٌ لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ. وفِيهِ مِنَ الفائِدَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِي يَرْجِعُ خاسِئًا حَسِيرًا غَيْرَ مُدْرِكٍ الفُطُورَ، وهو الآلَةُ الَّتِي يُلْتَمَسُ بِها إدْراكُ ما هو كائِنٌ، فَإذا لَمْ يُدْرَكُ شَيْءٌ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ.
[٥]
الملك 67:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾
﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي النُّجُومُ. وجَعَلَها "مَصابِيحَ" لِإضاءَتِها. وكَذَلِكَ الصُّبْحُ إنَّما قِيلَ لَهُ: صُبْحٌ؛ لِلضَّوْءِ الَّذِي يُضِيءُ لِلنّاسِ مِنَ النَّهارِ.
﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٨٨١)﴿وجَعَلْناها﴾ عَلى جِنْسِ المَصابِيحِ، لا عَلى عَيْنِها؛ لِأنَّهُ لا يُرْمى بِالكَواكِبِ الَّتِي في السَّماءِ، بَلْ بِشُهُبٍ مِن دُونِها، وقَدْ تَكُونُ مُسْتَمَدَّةً مِنها. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقالَ القاضِي: أيْ: وجَعَلْنا لَها فائِدَةً أُخْرى هي رَجْمُ أعْدائِكم بِانْقِضاضِ الشُّهُبِ المُسَبَّبَةِ عَنْها. وقِيلَ: مَعْناهُ: وجَعَلْناها رُجُومًا وظُنُونًا لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ.
قالَ الشِّهابُ: مَرَّضَهُ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ المَأْثُورِ. و(الرَّجْمُ) يَكُونُ بِمَعْنى الظَّنِّ، مَجازًا مَعْرُوفًا. والآيَةُ بِمَعْنى آيَةِ الصّافّاتِ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ [الصافات: ٨] ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ.
الملك 67:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١١] ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]
(p-٥٨٨٢)﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ ذَلِكَ العَذابُ المُحْرِقُ.
قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ؛ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الشَّياطِينِ اسْتَطْرَدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكافِرِينَ عُمُومًا.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] أيْ: لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها، الأصْواتُ المُنْكَرَةُ المُنافِيَةُ لِأصْواتِ الأناسِيِّ، أوْ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّهم يَصْطَرِخُونَ فِيها بِأصْواتِ الحَيَواناتِ المُنْكَرَةِ الصَّوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] أوَّلُها نَفْسُها، تَشْبِيهًا لِحَسِيسِها المُنْكَرِ الفَظِيعِ بِالشَّهِيقِ، وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِشِدَّةٍ، كَصَوْتِ الحِمارِ.
﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] أيْ: تَغْلِي بِهِمْ وتَعْلُو.
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أيْ: تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُها مِنَ الغَيْظِ عَلى الَّذِينَ أغْضَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، شُبِّهَتْ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدِ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ، مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَتُوُهِّمَ لَها صُورَةٌ كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ، وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ. واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهَّمَةِ الغَيْظِ كَما في "شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ"، وأمّا ثُبُوتُ الغَيْظِ الحَقِيقِيِّ لَها، بِخَلْقِ اللَّهِ فِيها إدْراكًا فَبَحْثٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ؛ لِأنَّ " تَكادُ " تَأْباهُ، كَما في قَوْلِهِ:
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] وقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ المَعانِي في بَحْثِ المُبالَغَةِ والغُلُوِّ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ؛ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، كَما في "العِنايَةِ".
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: في الدُّنْيا يُنْذِرُكم هَذا العَذابَ.
قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ.
(p-٥٨٨٣)﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] أيْ: فَكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وأفْرَطْنا في التَّكْذِيبِ، حَتّى نَفَيْنا الإنْزالَ والإرْسالَ رَأْسًا، وبالَغْنا في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ.
﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: مِنَ النُّذُرِ ما جاءَتْ بِهِ، سَماعَ طالِبِ الحَقِّ، وعَقْلَ مَن نَبَذَ الهَوى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: في عِدادِ أهْلِ النّارِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ النّاصِرُ: لَوْ تَفَطَّنَ نَبِيهٌ لِهَذِهِ الآيَةِ لَعَدَّها دَلِيلًا عَلى تَفْضِيلِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ؛ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْفى مِنها.
الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في "القَواطِعِ": اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ.
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أيْ: فَأقَرُّوا بِجَحْدِهِمُ الحَقَّ وتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَبُعْدًا لَهُمْ، اعْتَرَفُوا أوْ أنْكَرُوا؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم.
الملك 67:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١١] ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]
(p-٥٨٨٢)﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ ذَلِكَ العَذابُ المُحْرِقُ.
قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ؛ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الشَّياطِينِ اسْتَطْرَدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكافِرِينَ عُمُومًا.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] أيْ: لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها، الأصْواتُ المُنْكَرَةُ المُنافِيَةُ لِأصْواتِ الأناسِيِّ، أوْ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّهم يَصْطَرِخُونَ فِيها بِأصْواتِ الحَيَواناتِ المُنْكَرَةِ الصَّوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] أوَّلُها نَفْسُها، تَشْبِيهًا لِحَسِيسِها المُنْكَرِ الفَظِيعِ بِالشَّهِيقِ، وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِشِدَّةٍ، كَصَوْتِ الحِمارِ.
﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] أيْ: تَغْلِي بِهِمْ وتَعْلُو.
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أيْ: تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُها مِنَ الغَيْظِ عَلى الَّذِينَ أغْضَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، شُبِّهَتْ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدِ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ، مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَتُوُهِّمَ لَها صُورَةٌ كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ، وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ. واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهَّمَةِ الغَيْظِ كَما في "شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ"، وأمّا ثُبُوتُ الغَيْظِ الحَقِيقِيِّ لَها، بِخَلْقِ اللَّهِ فِيها إدْراكًا فَبَحْثٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ؛ لِأنَّ " تَكادُ " تَأْباهُ، كَما في قَوْلِهِ:
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] وقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ المَعانِي في بَحْثِ المُبالَغَةِ والغُلُوِّ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ؛ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، كَما في "العِنايَةِ".
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: في الدُّنْيا يُنْذِرُكم هَذا العَذابَ.
قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ.
(p-٥٨٨٣)﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] أيْ: فَكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وأفْرَطْنا في التَّكْذِيبِ، حَتّى نَفَيْنا الإنْزالَ والإرْسالَ رَأْسًا، وبالَغْنا في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ.
﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: مِنَ النُّذُرِ ما جاءَتْ بِهِ، سَماعَ طالِبِ الحَقِّ، وعَقْلَ مَن نَبَذَ الهَوى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: في عِدادِ أهْلِ النّارِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ النّاصِرُ: لَوْ تَفَطَّنَ نَبِيهٌ لِهَذِهِ الآيَةِ لَعَدَّها دَلِيلًا عَلى تَفْضِيلِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ؛ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْفى مِنها.
الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في "القَواطِعِ": اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ.
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أيْ: فَأقَرُّوا بِجَحْدِهِمُ الحَقَّ وتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَبُعْدًا لَهُمْ، اعْتَرَفُوا أوْ أنْكَرُوا؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم.
الملك 67:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١١] ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]
(p-٥٨٨٢)﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ ذَلِكَ العَذابُ المُحْرِقُ.
قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ؛ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الشَّياطِينِ اسْتَطْرَدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكافِرِينَ عُمُومًا.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] أيْ: لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها، الأصْواتُ المُنْكَرَةُ المُنافِيَةُ لِأصْواتِ الأناسِيِّ، أوْ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّهم يَصْطَرِخُونَ فِيها بِأصْواتِ الحَيَواناتِ المُنْكَرَةِ الصَّوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] أوَّلُها نَفْسُها، تَشْبِيهًا لِحَسِيسِها المُنْكَرِ الفَظِيعِ بِالشَّهِيقِ، وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِشِدَّةٍ، كَصَوْتِ الحِمارِ.
﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] أيْ: تَغْلِي بِهِمْ وتَعْلُو.
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أيْ: تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُها مِنَ الغَيْظِ عَلى الَّذِينَ أغْضَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، شُبِّهَتْ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدِ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ، مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَتُوُهِّمَ لَها صُورَةٌ كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ، وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ. واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهَّمَةِ الغَيْظِ كَما في "شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ"، وأمّا ثُبُوتُ الغَيْظِ الحَقِيقِيِّ لَها، بِخَلْقِ اللَّهِ فِيها إدْراكًا فَبَحْثٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ؛ لِأنَّ " تَكادُ " تَأْباهُ، كَما في قَوْلِهِ:
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] وقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ المَعانِي في بَحْثِ المُبالَغَةِ والغُلُوِّ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ؛ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، كَما في "العِنايَةِ".
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: في الدُّنْيا يُنْذِرُكم هَذا العَذابَ.
قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ.
(p-٥٨٨٣)﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] أيْ: فَكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وأفْرَطْنا في التَّكْذِيبِ، حَتّى نَفَيْنا الإنْزالَ والإرْسالَ رَأْسًا، وبالَغْنا في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ.
﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: مِنَ النُّذُرِ ما جاءَتْ بِهِ، سَماعَ طالِبِ الحَقِّ، وعَقْلَ مَن نَبَذَ الهَوى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: في عِدادِ أهْلِ النّارِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ النّاصِرُ: لَوْ تَفَطَّنَ نَبِيهٌ لِهَذِهِ الآيَةِ لَعَدَّها دَلِيلًا عَلى تَفْضِيلِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ؛ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْفى مِنها.
الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في "القَواطِعِ": اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ.
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أيْ: فَأقَرُّوا بِجَحْدِهِمُ الحَقَّ وتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَبُعْدًا لَهُمْ، اعْتَرَفُوا أوْ أنْكَرُوا؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم.
الملك 67:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١١] ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]
(p-٥٨٨٢)﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ ذَلِكَ العَذابُ المُحْرِقُ.
قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ؛ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الشَّياطِينِ اسْتَطْرَدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكافِرِينَ عُمُومًا.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] أيْ: لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها، الأصْواتُ المُنْكَرَةُ المُنافِيَةُ لِأصْواتِ الأناسِيِّ، أوْ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّهم يَصْطَرِخُونَ فِيها بِأصْواتِ الحَيَواناتِ المُنْكَرَةِ الصَّوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] أوَّلُها نَفْسُها، تَشْبِيهًا لِحَسِيسِها المُنْكَرِ الفَظِيعِ بِالشَّهِيقِ، وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِشِدَّةٍ، كَصَوْتِ الحِمارِ.
﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] أيْ: تَغْلِي بِهِمْ وتَعْلُو.
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أيْ: تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُها مِنَ الغَيْظِ عَلى الَّذِينَ أغْضَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، شُبِّهَتْ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدِ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ، مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَتُوُهِّمَ لَها صُورَةٌ كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ، وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ. واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهَّمَةِ الغَيْظِ كَما في "شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ"، وأمّا ثُبُوتُ الغَيْظِ الحَقِيقِيِّ لَها، بِخَلْقِ اللَّهِ فِيها إدْراكًا فَبَحْثٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ؛ لِأنَّ " تَكادُ " تَأْباهُ، كَما في قَوْلِهِ:
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] وقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ المَعانِي في بَحْثِ المُبالَغَةِ والغُلُوِّ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ؛ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، كَما في "العِنايَةِ".
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: في الدُّنْيا يُنْذِرُكم هَذا العَذابَ.
قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ.
(p-٥٨٨٣)﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] أيْ: فَكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وأفْرَطْنا في التَّكْذِيبِ، حَتّى نَفَيْنا الإنْزالَ والإرْسالَ رَأْسًا، وبالَغْنا في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ.
﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: مِنَ النُّذُرِ ما جاءَتْ بِهِ، سَماعَ طالِبِ الحَقِّ، وعَقْلَ مَن نَبَذَ الهَوى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: في عِدادِ أهْلِ النّارِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ النّاصِرُ: لَوْ تَفَطَّنَ نَبِيهٌ لِهَذِهِ الآيَةِ لَعَدَّها دَلِيلًا عَلى تَفْضِيلِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ؛ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْفى مِنها.
الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في "القَواطِعِ": اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ.
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أيْ: فَأقَرُّوا بِجَحْدِهِمُ الحَقَّ وتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَبُعْدًا لَهُمْ، اعْتَرَفُوا أوْ أنْكَرُوا؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم.
الملك 67:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١١] ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]
(p-٥٨٨٢)﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ ذَلِكَ العَذابُ المُحْرِقُ.
قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ؛ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الشَّياطِينِ اسْتَطْرَدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكافِرِينَ عُمُومًا.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] أيْ: لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها، الأصْواتُ المُنْكَرَةُ المُنافِيَةُ لِأصْواتِ الأناسِيِّ، أوْ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّهم يَصْطَرِخُونَ فِيها بِأصْواتِ الحَيَواناتِ المُنْكَرَةِ الصَّوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] أوَّلُها نَفْسُها، تَشْبِيهًا لِحَسِيسِها المُنْكَرِ الفَظِيعِ بِالشَّهِيقِ، وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِشِدَّةٍ، كَصَوْتِ الحِمارِ.
﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] أيْ: تَغْلِي بِهِمْ وتَعْلُو.
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أيْ: تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُها مِنَ الغَيْظِ عَلى الَّذِينَ أغْضَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، شُبِّهَتْ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدِ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ، مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَتُوُهِّمَ لَها صُورَةٌ كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ، وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ. واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهَّمَةِ الغَيْظِ كَما في "شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ"، وأمّا ثُبُوتُ الغَيْظِ الحَقِيقِيِّ لَها، بِخَلْقِ اللَّهِ فِيها إدْراكًا فَبَحْثٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ؛ لِأنَّ " تَكادُ " تَأْباهُ، كَما في قَوْلِهِ:
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] وقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ المَعانِي في بَحْثِ المُبالَغَةِ والغُلُوِّ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ؛ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، كَما في "العِنايَةِ".
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: في الدُّنْيا يُنْذِرُكم هَذا العَذابَ.
قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ.
(p-٥٨٨٣)﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] أيْ: فَكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وأفْرَطْنا في التَّكْذِيبِ، حَتّى نَفَيْنا الإنْزالَ والإرْسالَ رَأْسًا، وبالَغْنا في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ.
﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: مِنَ النُّذُرِ ما جاءَتْ بِهِ، سَماعَ طالِبِ الحَقِّ، وعَقْلَ مَن نَبَذَ الهَوى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: في عِدادِ أهْلِ النّارِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ النّاصِرُ: لَوْ تَفَطَّنَ نَبِيهٌ لِهَذِهِ الآيَةِ لَعَدَّها دَلِيلًا عَلى تَفْضِيلِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ؛ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْفى مِنها.
الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في "القَواطِعِ": اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ.
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أيْ: فَأقَرُّوا بِجَحْدِهِمُ الحَقَّ وتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَبُعْدًا لَهُمْ، اعْتَرَفُوا أوْ أنْكَرُوا؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم.
الملك 67:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١١] ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]
(p-٥٨٨٢)﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ ذَلِكَ العَذابُ المُحْرِقُ.
قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ؛ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الشَّياطِينِ اسْتَطْرَدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكافِرِينَ عُمُومًا.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] أيْ: لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها، الأصْواتُ المُنْكَرَةُ المُنافِيَةُ لِأصْواتِ الأناسِيِّ، أوْ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّهم يَصْطَرِخُونَ فِيها بِأصْواتِ الحَيَواناتِ المُنْكَرَةِ الصَّوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] أوَّلُها نَفْسُها، تَشْبِيهًا لِحَسِيسِها المُنْكَرِ الفَظِيعِ بِالشَّهِيقِ، وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِشِدَّةٍ، كَصَوْتِ الحِمارِ.
﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] أيْ: تَغْلِي بِهِمْ وتَعْلُو.
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أيْ: تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُها مِنَ الغَيْظِ عَلى الَّذِينَ أغْضَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، شُبِّهَتْ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدِ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ، مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَتُوُهِّمَ لَها صُورَةٌ كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ، وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ. واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهَّمَةِ الغَيْظِ كَما في "شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ"، وأمّا ثُبُوتُ الغَيْظِ الحَقِيقِيِّ لَها، بِخَلْقِ اللَّهِ فِيها إدْراكًا فَبَحْثٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ؛ لِأنَّ " تَكادُ " تَأْباهُ، كَما في قَوْلِهِ:
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] وقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ المَعانِي في بَحْثِ المُبالَغَةِ والغُلُوِّ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ؛ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، كَما في "العِنايَةِ".
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: في الدُّنْيا يُنْذِرُكم هَذا العَذابَ.
قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ.
(p-٥٨٨٣)﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] أيْ: فَكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وأفْرَطْنا في التَّكْذِيبِ، حَتّى نَفَيْنا الإنْزالَ والإرْسالَ رَأْسًا، وبالَغْنا في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ.
﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: مِنَ النُّذُرِ ما جاءَتْ بِهِ، سَماعَ طالِبِ الحَقِّ، وعَقْلَ مَن نَبَذَ الهَوى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: في عِدادِ أهْلِ النّارِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ النّاصِرُ: لَوْ تَفَطَّنَ نَبِيهٌ لِهَذِهِ الآيَةِ لَعَدَّها دَلِيلًا عَلى تَفْضِيلِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ؛ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْفى مِنها.
الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في "القَواطِعِ": اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ.
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أيْ: فَأقَرُّوا بِجَحْدِهِمُ الحَقَّ وتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَبُعْدًا لَهُمْ، اعْتَرَفُوا أوْ أنْكَرُوا؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم.
الملك 67:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ: يَخافُونَهُ أوْ يَخافُونَ عَذابَهُ، وهم لَمْ يَرَوْهُ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾
الملك 67:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِضَمائِرِها، فَكَيْفَ بِما نَطَقَ بِهِ؟ والمَعْنى: فاتَّقُوهُ واخْشَوْهُ.
(p-٥٨٨٤)
الملك 67:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾
﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ أيْ: ألا يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، والخَلْقُ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ كَما قالَ: ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ أيِ: اللَّطِيفُ بِعِبادِهِ، الخَبِيرُ بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَن خَلَقَهُ، وهو بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَ: " مَن " مَفْعُولٌ، والعائِدُ مُقَدَّرٌ.
قالَ الغَزالِيُّ: إنَّما يَسْتَحِقُّ اسْمَ اللَّطِيفِ مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ الأُمُورِ وغَوامِضَها وما لَطُفَ مِنها، ثُمَّ يَسَلُكُ في إيصالِ ما يُصْلِحُها سَبِيلَ الرِّفْقِ دُونَ العُنْفِ. و" الخَبِيرُ " هو الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ الأُمُورُ الباطِنَةُ، فَلا تَتَحَرَّكُ في المُلْكِ والمَلَكُوتِ ذَرَّةٌ، ولا تَسْكُنُ أوْ تَضْطَرِبُ نَفْسٌ، إلّا وعِنْدَهُ خَبَرُها. وهو بِمَعْنى العَلِيمِ.
الملك 67:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ أيْ: لَيِّنَةً سَهْلَةَ المَسالِكِ.
﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ أيْ: في نَواحِيها وجَوانِبِها عَلى التَّشْبِيهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لِأنَّ نَواحِيَها نَظِيرُ مَناكِبِ الإنْسانِ الَّتِي هي مِن أطْرافِهِ.
﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ أيِ: التَمِسُوا مِن نِعَمِهِ تَعالى.
قالَ الشِّهابُ: فالأكْلُ والرِّزْقُ، أُرِيدَ بِهِ طَلَبُ النِّعَمِ مُطْلَقًا، وتَحْصِيلُها أكْلًا وغَيْرَهُ، فَهو اقْتِصارٌ عَلى الأهَمِّ الأعَمِّ، عَلى طَرِيقِ المَجازِ أوِ الحَقِيقَةِ.
قالَ: وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ نَعِيمَ الدُّنْيا وما فِيها، لَمْ تَجِدْ شَيْئًا مِنها عَلى المَرْءِ غَيْرَ ما أكَلَهُ، (p-٥٨٨٥)وما سِواهُ مُتَمِّمٌ لَهُ، أوْ دافِعٌ لِلضَّرَرِ عَنْهُ.
﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أيْ: نَشُورُكم مِن قُبُورِكم لِلْجَزاءِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ الأمْرُ بِالتَّسَبُّبِ والكَسْبِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في الآيَةِ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَتِهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ في تَسْخِيرِهِ لَهُمُ الأرْضَ، وتَذْلِيلِهِ إيّاها لَهُمْ، بِأنْ جَعَلَها ساكِنَةً لا تَمِيدُ ولا تَضْطَرِبُ بِما جَعَلَ فِيها مِنَ الجِبالِ، وأنْبَعَ فِيها مِنَ العُيُونِ، وسَلَكَ فِيها مِنَ السُّبُلِ، وهَيَّأ فِيها مِنَ المَنافِعِ، ومَواضِعِ الزَّرْعِ والثِّمارِ. والمَعْنى: سافِرُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِن أقْطارِها، وتَرَدَّدُوا في أقالِيمِها وأرْجائِها في أنْواعِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ.
الملك 67:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٧] ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] .
﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ خِطابٌ لِلْكافِرِينَ، أيْ: أأمِنتُمُ العَلِيَّ الأعْلى أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَيُغَيِّبَكم إلى أسْفَلِ سافِلِينَ.
﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ أيْ: تَضْطَرِبُ وتَهْتَزُّ هَزًّا شَدِيدًا بِكُمْ، وتَرْتَفِعُ فَوْقَكُمْ، وتَنْقَلِبُ عَلَيْكم.
﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ [الملك: ١٧] وهو التُّرابُ، فِيهِ الحَصْباءُ الصِّغارُ، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عاقِبَةَ نَذِيرِي لَكُمْ، إذا كَذَّبْتُمْ بِهِ، ورَدَدْتُمُوهُ عَلى رَسُولِي.
(p-٥٨٨٦)وقَدْ بَيَّنَ تَعالى نَذِيرَهُ لَهم في غَيْرِ ما آيَةٍ، وهو زَهُوقُ باطِلِهِمْ إذا أصَرُّوا، ونَصْرُ رَسُولِهِ، وغَلَبَةُ جُنْدِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]
قالَ الشِّهابُ: النَّذِيرُ مَصْدَرٌ، والياءُ مَحْذُوفَةٌ، والقُرّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِيها: فَمِنهم مَن حَذَفَها وصْلًا، وأثْبَتَها وقْفًا، ومِنهم مَن حَذَفَها في الحالَيْنِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وكَذَلِكَ الحالُ في " نَكِيرِ " .
الملك 67:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٧] ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] .
﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ خِطابٌ لِلْكافِرِينَ، أيْ: أأمِنتُمُ العَلِيَّ الأعْلى أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَيُغَيِّبَكم إلى أسْفَلِ سافِلِينَ.
﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ أيْ: تَضْطَرِبُ وتَهْتَزُّ هَزًّا شَدِيدًا بِكُمْ، وتَرْتَفِعُ فَوْقَكُمْ، وتَنْقَلِبُ عَلَيْكم.
﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ [الملك: ١٧] وهو التُّرابُ، فِيهِ الحَصْباءُ الصِّغارُ، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عاقِبَةَ نَذِيرِي لَكُمْ، إذا كَذَّبْتُمْ بِهِ، ورَدَدْتُمُوهُ عَلى رَسُولِي.
(p-٥٨٨٦)وقَدْ بَيَّنَ تَعالى نَذِيرَهُ لَهم في غَيْرِ ما آيَةٍ، وهو زَهُوقُ باطِلِهِمْ إذا أصَرُّوا، ونَصْرُ رَسُولِهِ، وغَلَبَةُ جُنْدِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]
قالَ الشِّهابُ: النَّذِيرُ مَصْدَرٌ، والياءُ مَحْذُوفَةٌ، والقُرّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِيها: فَمِنهم مَن حَذَفَها وصْلًا، وأثْبَتَها وقْفًا، ومِنهم مَن حَذَفَها في الحالَيْنِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وكَذَلِكَ الحالُ في " نَكِيرِ " .
الملك 67:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ١٩] ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩]
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَعَ كَوْنِهِمْ أشَدَّ مِنهم عَدَدًا وعُدَدًا ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: نَكِيرِي تَكْذِيبَهُمْ، وذَلِكَ بِإنْزالِ العَذابِ بِهِمْ ودَحْرِ باطِلِهِمْ.
قالَ القاضِي: هو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وتَهْدِيدٌ لِقَوْمِهِ المُشْرِكِينَ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها، ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جُيُوبَهُنَّ، وقْتٌ لِلِاسْتِظْهارِ، ولِتَجَدُّدِهِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ طارِئٌ عَلى الصَّفِّ، يُفْعَلُ في بَعْضِ الأحْيانِ لِلتَّقَوِّي بِالتَّحْرِيكِ، كَما يَفْعَلُهُ السّابِحُ في الماءِ يُقِيمُ بَدَنَهُ أحْيانًا بِخِلافِ البَسْطِ والصَّفِّ؛ فَإنَّهُ الأصْلُ الثّابِتُ في حالَةِ الطَّيَرانِ، ولِذا اخْتِيرَ لَهُ الِاسْمُ.
﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: في الجَوِّ ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩] أيِ: المُقَيِّضُ لِكُلِّ ما قُدِّرَ لَهُ، حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ، ومِنهُ ما دَبَّرَ لِلطُّيُورِ مِن بِنْيَةٍ يَتَأتّى مِنها الجَرْيُ في الجَوِّ.
﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَيُعْطِيهِ ما يَلِيقُ بِهِ، ويُسَوِّيهِ بِحَسْبِ (p-٥٨٨٧)مَشِيئَتِهِ، ويُودِعُ فِيهِ ما يُرِيدُهُ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، ثُمَّ يَهْدِيهِ إلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ.
ثُمَّ بَكَّتَ تَعالى المُشْرِكِينَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم ناصِرٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، بِقَوْلِهِ:
الملك 67:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ١٩] ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩]
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَعَ كَوْنِهِمْ أشَدَّ مِنهم عَدَدًا وعُدَدًا ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: نَكِيرِي تَكْذِيبَهُمْ، وذَلِكَ بِإنْزالِ العَذابِ بِهِمْ ودَحْرِ باطِلِهِمْ.
قالَ القاضِي: هو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وتَهْدِيدٌ لِقَوْمِهِ المُشْرِكِينَ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها، ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جُيُوبَهُنَّ، وقْتٌ لِلِاسْتِظْهارِ، ولِتَجَدُّدِهِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ طارِئٌ عَلى الصَّفِّ، يُفْعَلُ في بَعْضِ الأحْيانِ لِلتَّقَوِّي بِالتَّحْرِيكِ، كَما يَفْعَلُهُ السّابِحُ في الماءِ يُقِيمُ بَدَنَهُ أحْيانًا بِخِلافِ البَسْطِ والصَّفِّ؛ فَإنَّهُ الأصْلُ الثّابِتُ في حالَةِ الطَّيَرانِ، ولِذا اخْتِيرَ لَهُ الِاسْمُ.
﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: في الجَوِّ ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩] أيِ: المُقَيِّضُ لِكُلِّ ما قُدِّرَ لَهُ، حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ، ومِنهُ ما دَبَّرَ لِلطُّيُورِ مِن بِنْيَةٍ يَتَأتّى مِنها الجَرْيُ في الجَوِّ.
﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَيُعْطِيهِ ما يَلِيقُ بِهِ، ويُسَوِّيهِ بِحَسْبِ (p-٥٨٨٧)مَشِيئَتِهِ، ويُودِعُ فِيهِ ما يُرِيدُهُ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، ثُمَّ يَهْدِيهِ إلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ.
ثُمَّ بَكَّتَ تَعالى المُشْرِكِينَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم ناصِرٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، بِقَوْلِهِ:
الملك 67:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ﴾
﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ ﴿يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ: إنْ أرادَ بِكم سُوءًا، فَيَدْفَعُ عَنْكم بَأْسَهُ.
﴿إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ﴾ أيْ: مِن ظَنِّهِمْ أنَّ أرْبابَهم تَنْفَعُ أوْ تَضُرُّ، أوْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى.
الملك 67:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾
﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ يَعْنِي المَطَرَ ونَحْوَها ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أيْ: تَمادَوْا ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ أيْ: عِنادٍ وطُغْيانٍ ﴿ونُفُورٍ﴾ أيْ: شِرادٍ عَنِ الحَقِّ واسْتِكْبارٍ مَعَ وُضُوحِ بَراهِينِهِ، فَأصَرُّوا عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يُحْفَظُونَ مِنَ النَّوائِبِ ويُرْزَقُونَ بِبَرَكَةِ آلِهَتِهِمْ، وأنَّهُمُ الجُنْدُ النّاصِرُ الرّازِقُ، مُكابَرَةً وعِنادًا.
الملك 67:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (p-٥٨٨٨)تَمْثِيلٌ لِلضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ. والمُكِبُّ: هو المُتَعَثِّرُ الَّذِي يَخِرُّ عَلى وجْهِهِ لِوُعُورَةِ طَرِيقِهِ، واخْتِلافِ سَطْحِهِ ارْتِفاعًا وانْخِفاضًا. والَّذِي يَمْشِي سَوِيًّا هو القائِمُ السّالِمُ مِنَ العِثارِ لِاسْتِواءِ طَرِيقِهِ، واسْتِقامَةِ سَطْحِهِ.
قالَ القاضِي: والمُرادُ تَمْثِيلُ المُشْرِكِ والمُوَحِّدِ بِالسّالِكَيْنِ، والدِّينَيْنِ بِالمَسْلَكَيْنِ. ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِما في الكَبِّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى حالِ المَسْلَكِ، لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما عَلَيْهِ المُشْرِكُ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى طَرِيقًا، أيْ: فَلِذَلِكَ ذَكَرَ المَسْلَكَ في الثّانِي دُونَ الأوَّلِ.
الملك 67:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ - ٢٦] ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦]
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، وسُلُوكِ صِراطِهِ ﴿الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيِ: العُقُولَ والإدْراكاتِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: بِاسْتِعْمالِها فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ [الملك: ٢٤] أيْ: خَلَقَكم فِيها لِتَعْبُدُوهُ وتَقُومُوا بِالقِسْطِ الَّذِي أمَرَ بِهِ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] أيْ: لِلْجَزاءِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] أيِ: الحَشْرُ أوِ الفَتْحُ عَلى رَسُولِهِ وظُهُورِ دِينِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] أيْ: في الإنْذارِ بِهِ، والتَّرْهِيبِ مِنهُ.
﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦] أيْ: بَيْنَ الحُجَّةِ عَلى ما أُنْذِرُكم بِهِ مِن زُهُوقِ باطِلِكم إذا جاءَ أجَلُهُ. وأمّا تَعْيِينُ وقْتِهِ فَلَيْسَ إلَيَّ.
(p-٥٨٨٩)
الملك 67:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ - ٢٦] ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦]
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، وسُلُوكِ صِراطِهِ ﴿الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيِ: العُقُولَ والإدْراكاتِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: بِاسْتِعْمالِها فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ [الملك: ٢٤] أيْ: خَلَقَكم فِيها لِتَعْبُدُوهُ وتَقُومُوا بِالقِسْطِ الَّذِي أمَرَ بِهِ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] أيْ: لِلْجَزاءِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] أيِ: الحَشْرُ أوِ الفَتْحُ عَلى رَسُولِهِ وظُهُورِ دِينِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] أيْ: في الإنْذارِ بِهِ، والتَّرْهِيبِ مِنهُ.
﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦] أيْ: بَيْنَ الحُجَّةِ عَلى ما أُنْذِرُكم بِهِ مِن زُهُوقِ باطِلِكم إذا جاءَ أجَلُهُ. وأمّا تَعْيِينُ وقْتِهِ فَلَيْسَ إلَيَّ.
(p-٥٨٨٩)
الملك 67:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ - ٢٦] ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦]
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، وسُلُوكِ صِراطِهِ ﴿الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيِ: العُقُولَ والإدْراكاتِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: بِاسْتِعْمالِها فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ [الملك: ٢٤] أيْ: خَلَقَكم فِيها لِتَعْبُدُوهُ وتَقُومُوا بِالقِسْطِ الَّذِي أمَرَ بِهِ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] أيْ: لِلْجَزاءِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] أيِ: الحَشْرُ أوِ الفَتْحُ عَلى رَسُولِهِ وظُهُورِ دِينِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] أيْ: في الإنْذارِ بِهِ، والتَّرْهِيبِ مِنهُ.
﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦] أيْ: بَيْنَ الحُجَّةِ عَلى ما أُنْذِرُكم بِهِ مِن زُهُوقِ باطِلِكم إذا جاءَ أجَلُهُ. وأمّا تَعْيِينُ وقْتِهِ فَلَيْسَ إلَيَّ.
(p-٥٨٨٩)
الملك 67:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ - ٢٦] ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦]
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، وسُلُوكِ صِراطِهِ ﴿الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيِ: العُقُولَ والإدْراكاتِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: بِاسْتِعْمالِها فِيما خُلِقَتْ لَهُ.
﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ [الملك: ٢٤] أيْ: خَلَقَكم فِيها لِتَعْبُدُوهُ وتَقُومُوا بِالقِسْطِ الَّذِي أمَرَ بِهِ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] أيْ: لِلْجَزاءِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] أيِ: الحَشْرُ أوِ الفَتْحُ عَلى رَسُولِهِ وظُهُورِ دِينِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] أيْ: في الإنْذارِ بِهِ، والتَّرْهِيبِ مِنهُ.
﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦] أيْ: بَيْنَ الحُجَّةِ عَلى ما أُنْذِرُكم بِهِ مِن زُهُوقِ باطِلِكم إذا جاءَ أجَلُهُ. وأمّا تَعْيِينُ وقْتِهِ فَلَيْسَ إلَيَّ.
(p-٥٨٨٩)
الملك 67:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾
﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ أيْ: ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ، وزُهُوقِ باطِلِهِمْ ﴿زُلْفَةً﴾ أيْ: قَرِيبًا، أوْ ذا زُلْفَةٍ، أيْ: قُرْبٍ ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ عَلَيْها آثارُ الِاسْتِياءِ مِنَ الكَآبَةِ والغَمِّ والِانْكِسارِ والحُزْنِ ﴿وقِيلَ﴾ أيْ: لَهم تَبْكِيتًا ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ الدُّعاءِ، أوْ تَدَّعُونَ أنْ لا بَعْثَ، مِنَ الدَّعْوى.
الملك 67:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ كانَ كَفّارُ مَكَّةَ يَتَرَبَّصُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ؛ تَخَلُّصًا مِن دَعْوَتِهِ وانْتِشارِها، فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ؛ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أماتَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ رَحِمَنا بِتَأْجِيلِ آجالِنا وانْتِصارِنا، فَمَن يُجِيرُكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ قَضى اللَّهُ وُقُوعَهُ بِكم لِكُفْرِكُمْ؟
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: خَلِّصُوا أنْفُسَكُمْ؛ فَإنَّهُ لا مُنْقِذَ لَكم مِنَ اللَّهِ إلّا بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ، والرُّجُوعِ إلى دِينِهِ، ولا يَنْفَعُكم وُقُوعُ ما تَتَمَنَّوْنَ لَنا مِنَ العَذابِ والنَّكالِ، فَسَواءٌ عَذَّبَنا اللَّهُ أوْ رَحِمَنا، فَلا مَناصَ لَكم مِن عَذابِهِ ونَكالِهِ الواقِعِ بِكم. والمَعْنِيُّ بِالعَذابِ: إمّا الدُّنْيَوِيُّ وهو خِزْيُهم بِالِانْتِصارِ عَلَيْهِمْ، ودُحُورِ ضَلالِهِمْ، أوِ الأُخْرَوِيُّ، وهو أشَدُّ وأبْقى.
(p-٥٨٩٠)
الملك 67:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيِ: اعْتَمَدْنا في أُمُورِنا لا عَلى ما تَتَّكِلُونَ عَلَيْهِ مِن رِجالِكم وأمْوالِكم.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ وانْحِرافٍ عَنْ طَرِيقِهِ مِنّا ومِنكُمْ، إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ في الدُّنْيا، ونَشْأتُهُ الثّانِيَةُ في الأُخْرى.
الملك 67:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: غائِرًا لا تَنالُهُ الدِّلاءُ، أوْ ذاهِبًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: جارٍ ظاهِرٍ سَهْلِ التَّناوُلِ.
قالَ الرّازِيُّ: المَقْصُودُ تَقْرِيرُهم بِبَعْضِ نِعَمِهِ تَعالى، لِيُرِيَهم قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ. أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم ذاهِبًا في الأرْضِ، فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ؟ فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا: هو اللَّهُ؛ فَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ: فَلِمَ تَجْعَلُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا شَرِيكًا لَهُ في العُبُودِيَّةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيْ: بَلْ هو الَّذِي أنْزَلَهُ وسَلَكَهُ يَنابِيعَ؛ رَحْمَةً بِالعِبادِ، فَلَهُ الحَمْدُ.