Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — القلم 68:1 – الحاقة 69:52
المحتويات
- القلم 68:1
- القلم 68:2
- القلم 68:3
- القلم 68:4
- القلم 68:5
- القلم 68:6
- القلم 68:7
- القلم 68:8
- القلم 68:9
- القلم 68:10
- القلم 68:11
- القلم 68:12
- القلم 68:13
- القلم 68:14
- القلم 68:15
- القلم 68:16
- القلم 68:17
- القلم 68:18
- القلم 68:19
- القلم 68:20
- القلم 68:21
- القلم 68:22
- القلم 68:23
- القلم 68:24
- القلم 68:25
- القلم 68:26
- القلم 68:27
- القلم 68:28
- القلم 68:29
- القلم 68:30
- القلم 68:31
- القلم 68:32
- القلم 68:33
- القلم 68:34
- القلم 68:35
- القلم 68:36
- القلم 68:37
- القلم 68:38
- القلم 68:39
- القلم 68:40
- القلم 68:41
- القلم 68:42
- القلم 68:43
- القلم 68:44
- القلم 68:45
- القلم 68:46
- القلم 68:47
- القلم 68:48
- القلم 68:49
- القلم 68:50
- القلم 68:51
- القلم 68:52
- الحاقة 69:1
- الحاقة 69:2
- الحاقة 69:3
- الحاقة 69:4
- الحاقة 69:5
- الحاقة 69:6
- الحاقة 69:7
- الحاقة 69:8
- الحاقة 69:9
- الحاقة 69:10
- الحاقة 69:11
- الحاقة 69:12
- الحاقة 69:13
- الحاقة 69:14
- الحاقة 69:15
- الحاقة 69:16
- الحاقة 69:17
- الحاقة 69:18
- الحاقة 69:19
- الحاقة 69:20
- الحاقة 69:21
- الحاقة 69:22
- الحاقة 69:23
- الحاقة 69:24
- الحاقة 69:25
- الحاقة 69:26
- الحاقة 69:27
- الحاقة 69:28
- الحاقة 69:29
- الحاقة 69:30
- الحاقة 69:31
- الحاقة 69:32
- الحاقة 69:33
- الحاقة 69:34
- الحاقة 69:35
- الحاقة 69:36
- الحاقة 69:37
- الحاقة 69:38
- الحاقة 69:39
- الحاقة 69:40
- الحاقة 69:41
- الحاقة 69:42
- الحاقة 69:43
- الحاقة 69:44
- الحاقة 69:45
- الحاقة 69:46
- الحاقة 69:47
- الحاقة 69:48
- الحاقة 69:49
- الحاقة 69:50
- الحاقة 69:51
- الحاقة 69:52
القلم 68:1
(p-٥٨٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَلَمِ
وتُسَمّى سُورَةَ القَلَمِ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ.
(p-٥٨٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] ﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]
﴿ن﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ: اسْمٌ لِلْحَرْفِ المَعْرُوفِ، قُصِدَ بِهِ التَّحَدِّي. أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، مَنصُوبٌ بِ: اذْكُرْ، أوْ مَرْفُوعٌ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ ﴿والقَلَمِ﴾ أيِ: الَّذِي يُخَطُّ بِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ: يَكْتُبُونَ. و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] جَوابُ القَسَمِ، قُصِدَ بِهِ تَكْذِيبُ المُشْرِكِينَ في إفْكِهِمُ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِآيَةِ: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]
قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونٍ " الخَبَرُ. وقَوْلُهُ:
" بِنِعْمَةِ رَبِّكَ " كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ. والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهِمٌ. ومَعْناهُ: أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ المَحْمُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ، والصِّفَةَ المَذْمُومَةَ إنَّما زالَتْ بِواسِطَةِ إنْعامِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وإكْرامِهِ؛ فالباءُ في " بِنِعْمَةِ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ: " ما " والباءُ في " بِمَجْنُونٍ " زائِدَةٌ.
﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا﴾ [القلم: ٣] أيْ: ثَوابًا عَلى أذى المُشْرِكِينَ واحْتِمالِ هَذا الطَّعْنِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] أيْ: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.
(p-٥٨٩٣)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن قَوْلِهِمْ: (حَبْلٌ مَنِينٌ)، إذا كانَ ضَعِيفًا، وقَدْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ، أيْ: قُوَّتُهُ. أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيَّ، زِيادَةً في العِنايَةِ بِهِ ﷺ، والتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ.
﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أدَبٍ عَظِيمٍ، وذَلِكَ أدَبُ القُرْآنِ الَّذِي أدَّبَهُ اللَّهُ بِهِ، وهو الإسْلامُ وشَرائِعُهُ. قالَتْ عائِشَةُ: ««كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ»»، أيْ: كَما هو في القُرْآنِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] والدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا رُمِيَ بِهِ؛ لِأنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ والأفْعالَ المَرْضِيَّةَ، والفَصاحَةَ التّامَّةَ، والعَقْلَ الكامِلَ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، والِاتِّصافَ بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، كانَتْ ظاهِرَةً مِنهُ. وإذا كانَتْ ظاهِرَةً مَحْسُوسَةً فَوُجُودُها يُنافِي حُصُولَ الجُنُونِ؛ فَكَذَبَ مَن أضافَهُ إلَيْهِ وضَلَّ، بَلْ هو الأحْرى بِأنْ يُرْمى بِما قُذِفَ بِهِ.
القلم 68:2
(p-٥٨٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَلَمِ
وتُسَمّى سُورَةَ القَلَمِ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ.
(p-٥٨٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] ﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]
﴿ن﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ: اسْمٌ لِلْحَرْفِ المَعْرُوفِ، قُصِدَ بِهِ التَّحَدِّي. أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، مَنصُوبٌ بِ: اذْكُرْ، أوْ مَرْفُوعٌ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ ﴿والقَلَمِ﴾ أيِ: الَّذِي يُخَطُّ بِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ: يَكْتُبُونَ. و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] جَوابُ القَسَمِ، قُصِدَ بِهِ تَكْذِيبُ المُشْرِكِينَ في إفْكِهِمُ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِآيَةِ: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]
قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونٍ " الخَبَرُ. وقَوْلُهُ:
" بِنِعْمَةِ رَبِّكَ " كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ. والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهِمٌ. ومَعْناهُ: أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ المَحْمُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ، والصِّفَةَ المَذْمُومَةَ إنَّما زالَتْ بِواسِطَةِ إنْعامِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وإكْرامِهِ؛ فالباءُ في " بِنِعْمَةِ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ: " ما " والباءُ في " بِمَجْنُونٍ " زائِدَةٌ.
﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا﴾ [القلم: ٣] أيْ: ثَوابًا عَلى أذى المُشْرِكِينَ واحْتِمالِ هَذا الطَّعْنِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] أيْ: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.
(p-٥٨٩٣)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن قَوْلِهِمْ: (حَبْلٌ مَنِينٌ)، إذا كانَ ضَعِيفًا، وقَدْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ، أيْ: قُوَّتُهُ. أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيَّ، زِيادَةً في العِنايَةِ بِهِ ﷺ، والتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ.
﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أدَبٍ عَظِيمٍ، وذَلِكَ أدَبُ القُرْآنِ الَّذِي أدَّبَهُ اللَّهُ بِهِ، وهو الإسْلامُ وشَرائِعُهُ. قالَتْ عائِشَةُ: ««كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ»»، أيْ: كَما هو في القُرْآنِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] والدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا رُمِيَ بِهِ؛ لِأنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ والأفْعالَ المَرْضِيَّةَ، والفَصاحَةَ التّامَّةَ، والعَقْلَ الكامِلَ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، والِاتِّصافَ بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، كانَتْ ظاهِرَةً مِنهُ. وإذا كانَتْ ظاهِرَةً مَحْسُوسَةً فَوُجُودُها يُنافِي حُصُولَ الجُنُونِ؛ فَكَذَبَ مَن أضافَهُ إلَيْهِ وضَلَّ، بَلْ هو الأحْرى بِأنْ يُرْمى بِما قُذِفَ بِهِ.
القلم 68:3
(p-٥٨٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَلَمِ
وتُسَمّى سُورَةَ القَلَمِ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ.
(p-٥٨٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] ﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]
﴿ن﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ: اسْمٌ لِلْحَرْفِ المَعْرُوفِ، قُصِدَ بِهِ التَّحَدِّي. أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، مَنصُوبٌ بِ: اذْكُرْ، أوْ مَرْفُوعٌ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ ﴿والقَلَمِ﴾ أيِ: الَّذِي يُخَطُّ بِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ: يَكْتُبُونَ. و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] جَوابُ القَسَمِ، قُصِدَ بِهِ تَكْذِيبُ المُشْرِكِينَ في إفْكِهِمُ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِآيَةِ: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]
قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونٍ " الخَبَرُ. وقَوْلُهُ:
" بِنِعْمَةِ رَبِّكَ " كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ. والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهِمٌ. ومَعْناهُ: أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ المَحْمُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ، والصِّفَةَ المَذْمُومَةَ إنَّما زالَتْ بِواسِطَةِ إنْعامِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وإكْرامِهِ؛ فالباءُ في " بِنِعْمَةِ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ: " ما " والباءُ في " بِمَجْنُونٍ " زائِدَةٌ.
﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا﴾ [القلم: ٣] أيْ: ثَوابًا عَلى أذى المُشْرِكِينَ واحْتِمالِ هَذا الطَّعْنِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] أيْ: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.
(p-٥٨٩٣)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن قَوْلِهِمْ: (حَبْلٌ مَنِينٌ)، إذا كانَ ضَعِيفًا، وقَدْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ، أيْ: قُوَّتُهُ. أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيَّ، زِيادَةً في العِنايَةِ بِهِ ﷺ، والتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ.
﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أدَبٍ عَظِيمٍ، وذَلِكَ أدَبُ القُرْآنِ الَّذِي أدَّبَهُ اللَّهُ بِهِ، وهو الإسْلامُ وشَرائِعُهُ. قالَتْ عائِشَةُ: ««كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ»»، أيْ: كَما هو في القُرْآنِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] والدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا رُمِيَ بِهِ؛ لِأنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ والأفْعالَ المَرْضِيَّةَ، والفَصاحَةَ التّامَّةَ، والعَقْلَ الكامِلَ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، والِاتِّصافَ بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، كانَتْ ظاهِرَةً مِنهُ. وإذا كانَتْ ظاهِرَةً مَحْسُوسَةً فَوُجُودُها يُنافِي حُصُولَ الجُنُونِ؛ فَكَذَبَ مَن أضافَهُ إلَيْهِ وضَلَّ، بَلْ هو الأحْرى بِأنْ يُرْمى بِما قُذِفَ بِهِ.
القلم 68:4
(p-٥٨٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَلَمِ
وتُسَمّى سُورَةَ القَلَمِ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ.
(p-٥٨٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] ﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]
﴿ن﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ: اسْمٌ لِلْحَرْفِ المَعْرُوفِ، قُصِدَ بِهِ التَّحَدِّي. أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، مَنصُوبٌ بِ: اذْكُرْ، أوْ مَرْفُوعٌ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ ﴿والقَلَمِ﴾ أيِ: الَّذِي يُخَطُّ بِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ: يَكْتُبُونَ. و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] جَوابُ القَسَمِ، قُصِدَ بِهِ تَكْذِيبُ المُشْرِكِينَ في إفْكِهِمُ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِآيَةِ: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]
قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونٍ " الخَبَرُ. وقَوْلُهُ:
" بِنِعْمَةِ رَبِّكَ " كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ. والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهِمٌ. ومَعْناهُ: أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ المَحْمُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ، والصِّفَةَ المَذْمُومَةَ إنَّما زالَتْ بِواسِطَةِ إنْعامِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وإكْرامِهِ؛ فالباءُ في " بِنِعْمَةِ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ: " ما " والباءُ في " بِمَجْنُونٍ " زائِدَةٌ.
﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا﴾ [القلم: ٣] أيْ: ثَوابًا عَلى أذى المُشْرِكِينَ واحْتِمالِ هَذا الطَّعْنِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] أيْ: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.
(p-٥٨٩٣)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن قَوْلِهِمْ: (حَبْلٌ مَنِينٌ)، إذا كانَ ضَعِيفًا، وقَدْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ، أيْ: قُوَّتُهُ. أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيَّ، زِيادَةً في العِنايَةِ بِهِ ﷺ، والتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ.
﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أدَبٍ عَظِيمٍ، وذَلِكَ أدَبُ القُرْآنِ الَّذِي أدَّبَهُ اللَّهُ بِهِ، وهو الإسْلامُ وشَرائِعُهُ. قالَتْ عائِشَةُ: ««كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ»»، أيْ: كَما هو في القُرْآنِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] والدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا رُمِيَ بِهِ؛ لِأنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ والأفْعالَ المَرْضِيَّةَ، والفَصاحَةَ التّامَّةَ، والعَقْلَ الكامِلَ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، والِاتِّصافَ بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، كانَتْ ظاهِرَةً مِنهُ. وإذا كانَتْ ظاهِرَةً مَحْسُوسَةً فَوُجُودُها يُنافِي حُصُولَ الجُنُونِ؛ فَكَذَبَ مَن أضافَهُ إلَيْهِ وضَلَّ، بَلْ هو الأحْرى بِأنْ يُرْمى بِما قُذِفَ بِهِ.
القلم 68:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٧] ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧]
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الجاحِدُونَ المُتَفَوِّهُونَ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ.
﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أيِ: المَجْنُونُ. والباءُ مَزِيدَةٌ. أوِ الفِتْنَةُ والفُتُونُ ذَهابًا، إلى أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ والباءُ أصْلِيَّةٌ بِمَعْنى في. أيْ: مَن كُوشِفَ بِأسْرارِ العُلُومِ وأُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِمِ، أمْ مَن حُجِبَ عَمّا في نَفْسِهِ مِن آياتِ اللَّهِ والعِبَرِ وفُتِنَ بِعِبادَةِ الصَّنَمِ؟!
(p-٥٨٩٤)﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [القلم: ٧] أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧] أيْ: بِمَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وسَلَكَ سَبِيلَهُ، فَسَيَجْزِي الفَرِيقَيْنِ.
القلم 68:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٧] ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧]
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الجاحِدُونَ المُتَفَوِّهُونَ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ.
﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أيِ: المَجْنُونُ. والباءُ مَزِيدَةٌ. أوِ الفِتْنَةُ والفُتُونُ ذَهابًا، إلى أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ والباءُ أصْلِيَّةٌ بِمَعْنى في. أيْ: مَن كُوشِفَ بِأسْرارِ العُلُومِ وأُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِمِ، أمْ مَن حُجِبَ عَمّا في نَفْسِهِ مِن آياتِ اللَّهِ والعِبَرِ وفُتِنَ بِعِبادَةِ الصَّنَمِ؟!
(p-٥٨٩٤)﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [القلم: ٧] أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧] أيْ: بِمَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وسَلَكَ سَبِيلَهُ، فَسَيَجْزِي الفَرِيقَيْنِ.
القلم 68:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٧] ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧]
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الجاحِدُونَ المُتَفَوِّهُونَ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ.
﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أيِ: المَجْنُونُ. والباءُ مَزِيدَةٌ. أوِ الفِتْنَةُ والفُتُونُ ذَهابًا، إلى أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ والباءُ أصْلِيَّةٌ بِمَعْنى في. أيْ: مَن كُوشِفَ بِأسْرارِ العُلُومِ وأُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِمِ، أمْ مَن حُجِبَ عَمّا في نَفْسِهِ مِن آياتِ اللَّهِ والعِبَرِ وفُتِنَ بِعِبادَةِ الصَّنَمِ؟!
(p-٥٨٩٤)﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [القلم: ٧] أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧] أيْ: بِمَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وسَلَكَ سَبِيلَهُ، فَسَيَجْزِي الفَرِيقَيْنِ.
القلم 68:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
القلم 68:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٨] ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨]
﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ أيْ: بَلَوْنا مُشْرِكِي مَكَّةَ، فاخْتَبَرْنا بِهَذا التَّنْزِيلِ الحَكِيمِ، هَلْ يَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ، فَيَحْيَوْا حَياةً طَيِّبَةً، أوْ يُصِرُّونَ عَلى تَكْذِيبِهِ، فَلا تَكُونُ عاقِبَتُهم إلّا كَعاقِبَةِ أهْلِ الجَنَّةِ في امْتِحانِهِمُ الآتِي، ثُمَّ دَمارُهم.
وقِيلَ: مَعْناهُ أصَبْناهم بِبَلِيَّةٍ، وهي القَحْطُ والجُوعُ، بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ في قَوْلِ عِكْرِمَةَ، أيْ: كِتابِيُّونَ، فَيَتَّفِقُ مَعَ ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ الِاعْتِبارِ بِالمَثَلِ والعِظَةِ بِهِ تَعْيِينُ أهْلِهِ، لَوْلا مَحَبَّةُ المَأْثُورِ ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: لِيَقْطَعُنَّ ثِمارَها مُبَكِّرِينَ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ مِسْكِينٌ بِذَلِكَ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ولا يُخْرِجُونَ شَيْئًا مِن حَقِّ المَساكِينِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وحَكاهُ الرّازِيُّ والقاضِي قَوْلًا ثانِيًا، والأوَّلُ أنَّ مَعْناهُ: ولا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الإخْراجِ الحِسِّيِّ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ ومَقْسَمٌ عَلَيْها.
القلم 68:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٨] ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨]
﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ أيْ: بَلَوْنا مُشْرِكِي مَكَّةَ، فاخْتَبَرْنا بِهَذا التَّنْزِيلِ الحَكِيمِ، هَلْ يَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ، فَيَحْيَوْا حَياةً طَيِّبَةً، أوْ يُصِرُّونَ عَلى تَكْذِيبِهِ، فَلا تَكُونُ عاقِبَتُهم إلّا كَعاقِبَةِ أهْلِ الجَنَّةِ في امْتِحانِهِمُ الآتِي، ثُمَّ دَمارُهم.
وقِيلَ: مَعْناهُ أصَبْناهم بِبَلِيَّةٍ، وهي القَحْطُ والجُوعُ، بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ في قَوْلِ عِكْرِمَةَ، أيْ: كِتابِيُّونَ، فَيَتَّفِقُ مَعَ ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ الِاعْتِبارِ بِالمَثَلِ والعِظَةِ بِهِ تَعْيِينُ أهْلِهِ، لَوْلا مَحَبَّةُ المَأْثُورِ ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: لِيَقْطَعُنَّ ثِمارَها مُبَكِّرِينَ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ مِسْكِينٌ بِذَلِكَ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ولا يُخْرِجُونَ شَيْئًا مِن حَقِّ المَساكِينِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وحَكاهُ الرّازِيُّ والقاضِي قَوْلًا ثانِيًا، والأوَّلُ أنَّ مَعْناهُ: ولا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الإخْراجِ الحِسِّيِّ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ ومَقْسَمٌ عَلَيْها.
القلم 68:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢٠] ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]
﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: فَطَرَقَ جَنَّةَ هَؤُلاءِ القَوْمِ، طارِقٌ مِن أمْرِ اللَّهِ لِتَدْمِيرِها.
(p-٥٨٩٨)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولا يَكُونُ الطّائِفُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا لَيْلًا، ولا يَكُونُ نَهارًا. وقَدْ يَقُولُونَ: أطَفْتُ بِها نَهارًا. وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ أبا الجَرّاحِ أنْشَدَهُ:
؎أطَفْتَ بِها نَهارًا غَيْرَ لَيْلٍ وألْهى رَبَّها طَلَبُ الرِّخالِ
و(الرِّخالُ): أوْلادُ الضَّأْنِ لِلْإناثِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَغْرِقُونَ في سُباتِهِمْ، غافِلُونَ عَمّا يُمْكَرُ بِهِمْ. تَأْكِيدٌ عَلى الأوَّلِ، وتَأْسِيسٌ عَلى الثّانِي.
﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠] أيْ: كالبُسْتانِ الَّذِي صُرِمَ ثَمَرُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ، أوْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ لِاحْتِراقِها. وأنْشَدَ في ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ:
؎ألا بَكَرَتْ وعاذِلَتِي تَلُومُ ∗∗∗ تُهَجِّدُنِي وما انْكَشَفَ الصَّرِيمُ
(p-٥٨٩٩)وقالَ أيْضًا:
؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ البَهِيمُ ∗∗∗ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ صَرِيمُ
القلم 68:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢٠] ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]
﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: فَطَرَقَ جَنَّةَ هَؤُلاءِ القَوْمِ، طارِقٌ مِن أمْرِ اللَّهِ لِتَدْمِيرِها.
(p-٥٨٩٨)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولا يَكُونُ الطّائِفُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا لَيْلًا، ولا يَكُونُ نَهارًا. وقَدْ يَقُولُونَ: أطَفْتُ بِها نَهارًا. وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ أبا الجَرّاحِ أنْشَدَهُ:
؎أطَفْتَ بِها نَهارًا غَيْرَ لَيْلٍ وألْهى رَبَّها طَلَبُ الرِّخالِ
و(الرِّخالُ): أوْلادُ الضَّأْنِ لِلْإناثِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَغْرِقُونَ في سُباتِهِمْ، غافِلُونَ عَمّا يُمْكَرُ بِهِمْ. تَأْكِيدٌ عَلى الأوَّلِ، وتَأْسِيسٌ عَلى الثّانِي.
﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠] أيْ: كالبُسْتانِ الَّذِي صُرِمَ ثَمَرُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ، أوْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ لِاحْتِراقِها. وأنْشَدَ في ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ:
؎ألا بَكَرَتْ وعاذِلَتِي تَلُومُ ∗∗∗ تُهَجِّدُنِي وما انْكَشَفَ الصَّرِيمُ
(p-٥٨٩٩)وقالَ أيْضًا:
؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ البَهِيمُ ∗∗∗ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ صَرِيمُ
القلم 68:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٧] ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: وقْتَ الصُّبْحِ، ولَمْ يَشْعُرُوا (p-٥٩٠٠)بِما جَرى عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ [القلم: ٢٢] أيِ: اخْرُجُوا غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: زَرْعِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: قاصِدِينَ قَطْعَ ثِمارِها، وقَدْ قَطَعَها البَلاءُ مِن أصْلِها.
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أيْ: يَكْتُمُونَ ذَهابَهم ويَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم.
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أيْ: فَقِيرٌ، فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ. أوْ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ لِلْمِسْكِينِ، نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ. أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتّى يَدْخُلَ، كَقَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ، عَلى نَشاطٍ وسُرْعَةٍ وجِدٍّ مِن أمْرِهِمْ، أوْ عَلى مَنعٍ وغَضَبٍ.
﴿قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: في زَعْمِهِمْ عَلى ما أصَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ [القلم: ٢٦] أيْ: فَلَمّا صارُوا إلَيْها، ورَأوْها مُحْتَرِقًا حَرْثُها.
﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أيْ: أنْكَرُوها وشَكُّوا فِيها: هَلْ هي جَنَّتُهم أمْ لا؛ فَقالَ بَعْضُهم لِأصْحابِهِ: ظَنًّا مِنهُ أنَّهم قَدْ أغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ وأنَّ الَّتِي رَأوْها غَيْرُها: إنّا أيُّها القَوْمُ، لَضالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنا! فَقالَ مَن عَلِمَ أنَّها جَنَّتُهُمْ، وأنَّهم لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أيُّها القَوْمُ، مَحْرُومُونَ، حُرِمْنا مَنفَعَةَ جَنَّتِنا بِذَهابِ حَرْثِها.
القلم 68:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٧] ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: وقْتَ الصُّبْحِ، ولَمْ يَشْعُرُوا (p-٥٩٠٠)بِما جَرى عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ [القلم: ٢٢] أيِ: اخْرُجُوا غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: زَرْعِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: قاصِدِينَ قَطْعَ ثِمارِها، وقَدْ قَطَعَها البَلاءُ مِن أصْلِها.
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أيْ: يَكْتُمُونَ ذَهابَهم ويَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم.
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أيْ: فَقِيرٌ، فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ. أوْ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ لِلْمِسْكِينِ، نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ. أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتّى يَدْخُلَ، كَقَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ، عَلى نَشاطٍ وسُرْعَةٍ وجِدٍّ مِن أمْرِهِمْ، أوْ عَلى مَنعٍ وغَضَبٍ.
﴿قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: في زَعْمِهِمْ عَلى ما أصَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ [القلم: ٢٦] أيْ: فَلَمّا صارُوا إلَيْها، ورَأوْها مُحْتَرِقًا حَرْثُها.
﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أيْ: أنْكَرُوها وشَكُّوا فِيها: هَلْ هي جَنَّتُهم أمْ لا؛ فَقالَ بَعْضُهم لِأصْحابِهِ: ظَنًّا مِنهُ أنَّهم قَدْ أغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ وأنَّ الَّتِي رَأوْها غَيْرُها: إنّا أيُّها القَوْمُ، لَضالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنا! فَقالَ مَن عَلِمَ أنَّها جَنَّتُهُمْ، وأنَّهم لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أيُّها القَوْمُ، مَحْرُومُونَ، حُرِمْنا مَنفَعَةَ جَنَّتِنا بِذَهابِ حَرْثِها.
القلم 68:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٧] ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: وقْتَ الصُّبْحِ، ولَمْ يَشْعُرُوا (p-٥٩٠٠)بِما جَرى عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ [القلم: ٢٢] أيِ: اخْرُجُوا غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: زَرْعِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: قاصِدِينَ قَطْعَ ثِمارِها، وقَدْ قَطَعَها البَلاءُ مِن أصْلِها.
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أيْ: يَكْتُمُونَ ذَهابَهم ويَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم.
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أيْ: فَقِيرٌ، فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ. أوْ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ لِلْمِسْكِينِ، نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ. أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتّى يَدْخُلَ، كَقَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ، عَلى نَشاطٍ وسُرْعَةٍ وجِدٍّ مِن أمْرِهِمْ، أوْ عَلى مَنعٍ وغَضَبٍ.
﴿قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: في زَعْمِهِمْ عَلى ما أصَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ [القلم: ٢٦] أيْ: فَلَمّا صارُوا إلَيْها، ورَأوْها مُحْتَرِقًا حَرْثُها.
﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أيْ: أنْكَرُوها وشَكُّوا فِيها: هَلْ هي جَنَّتُهم أمْ لا؛ فَقالَ بَعْضُهم لِأصْحابِهِ: ظَنًّا مِنهُ أنَّهم قَدْ أغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ وأنَّ الَّتِي رَأوْها غَيْرُها: إنّا أيُّها القَوْمُ، لَضالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنا! فَقالَ مَن عَلِمَ أنَّها جَنَّتُهُمْ، وأنَّهم لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أيُّها القَوْمُ، مَحْرُومُونَ، حُرِمْنا مَنفَعَةَ جَنَّتِنا بِذَهابِ حَرْثِها.
القلم 68:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٧] ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: وقْتَ الصُّبْحِ، ولَمْ يَشْعُرُوا (p-٥٩٠٠)بِما جَرى عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ [القلم: ٢٢] أيِ: اخْرُجُوا غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: زَرْعِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: قاصِدِينَ قَطْعَ ثِمارِها، وقَدْ قَطَعَها البَلاءُ مِن أصْلِها.
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أيْ: يَكْتُمُونَ ذَهابَهم ويَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم.
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أيْ: فَقِيرٌ، فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ. أوْ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ لِلْمِسْكِينِ، نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ. أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتّى يَدْخُلَ، كَقَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ، عَلى نَشاطٍ وسُرْعَةٍ وجِدٍّ مِن أمْرِهِمْ، أوْ عَلى مَنعٍ وغَضَبٍ.
﴿قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: في زَعْمِهِمْ عَلى ما أصَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ [القلم: ٢٦] أيْ: فَلَمّا صارُوا إلَيْها، ورَأوْها مُحْتَرِقًا حَرْثُها.
﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أيْ: أنْكَرُوها وشَكُّوا فِيها: هَلْ هي جَنَّتُهم أمْ لا؛ فَقالَ بَعْضُهم لِأصْحابِهِ: ظَنًّا مِنهُ أنَّهم قَدْ أغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ وأنَّ الَّتِي رَأوْها غَيْرُها: إنّا أيُّها القَوْمُ، لَضالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنا! فَقالَ مَن عَلِمَ أنَّها جَنَّتُهُمْ، وأنَّهم لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أيُّها القَوْمُ، مَحْرُومُونَ، حُرِمْنا مَنفَعَةَ جَنَّتِنا بِذَهابِ حَرْثِها.
القلم 68:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٧] ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: وقْتَ الصُّبْحِ، ولَمْ يَشْعُرُوا (p-٥٩٠٠)بِما جَرى عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ [القلم: ٢٢] أيِ: اخْرُجُوا غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: زَرْعِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: قاصِدِينَ قَطْعَ ثِمارِها، وقَدْ قَطَعَها البَلاءُ مِن أصْلِها.
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أيْ: يَكْتُمُونَ ذَهابَهم ويَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم.
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أيْ: فَقِيرٌ، فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ. أوْ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ لِلْمِسْكِينِ، نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ. أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتّى يَدْخُلَ، كَقَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ، عَلى نَشاطٍ وسُرْعَةٍ وجِدٍّ مِن أمْرِهِمْ، أوْ عَلى مَنعٍ وغَضَبٍ.
﴿قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: في زَعْمِهِمْ عَلى ما أصَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ [القلم: ٢٦] أيْ: فَلَمّا صارُوا إلَيْها، ورَأوْها مُحْتَرِقًا حَرْثُها.
﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أيْ: أنْكَرُوها وشَكُّوا فِيها: هَلْ هي جَنَّتُهم أمْ لا؛ فَقالَ بَعْضُهم لِأصْحابِهِ: ظَنًّا مِنهُ أنَّهم قَدْ أغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ وأنَّ الَّتِي رَأوْها غَيْرُها: إنّا أيُّها القَوْمُ، لَضالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنا! فَقالَ مَن عَلِمَ أنَّها جَنَّتُهُمْ، وأنَّهم لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أيُّها القَوْمُ، مَحْرُومُونَ، حُرِمْنا مَنفَعَةَ جَنَّتِنا بِذَهابِ حَرْثِها.
القلم 68:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٧] ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: وقْتَ الصُّبْحِ، ولَمْ يَشْعُرُوا (p-٥٩٠٠)بِما جَرى عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ [القلم: ٢٢] أيِ: اخْرُجُوا غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: زَرْعِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: قاصِدِينَ قَطْعَ ثِمارِها، وقَدْ قَطَعَها البَلاءُ مِن أصْلِها.
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أيْ: يَكْتُمُونَ ذَهابَهم ويَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم.
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أيْ: فَقِيرٌ، فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ. أوْ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ لِلْمِسْكِينِ، نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ. أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتّى يَدْخُلَ، كَقَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ، عَلى نَشاطٍ وسُرْعَةٍ وجِدٍّ مِن أمْرِهِمْ، أوْ عَلى مَنعٍ وغَضَبٍ.
﴿قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: في زَعْمِهِمْ عَلى ما أصَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ [القلم: ٢٦] أيْ: فَلَمّا صارُوا إلَيْها، ورَأوْها مُحْتَرِقًا حَرْثُها.
﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أيْ: أنْكَرُوها وشَكُّوا فِيها: هَلْ هي جَنَّتُهم أمْ لا؛ فَقالَ بَعْضُهم لِأصْحابِهِ: ظَنًّا مِنهُ أنَّهم قَدْ أغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ وأنَّ الَّتِي رَأوْها غَيْرُها: إنّا أيُّها القَوْمُ، لَضالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنا! فَقالَ مَن عَلِمَ أنَّها جَنَّتُهُمْ، وأنَّهم لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أيُّها القَوْمُ، مَحْرُومُونَ، حُرِمْنا مَنفَعَةَ جَنَّتِنا بِذَهابِ حَرْثِها.
القلم 68:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٧] ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: وقْتَ الصُّبْحِ، ولَمْ يَشْعُرُوا (p-٥٩٠٠)بِما جَرى عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ [القلم: ٢٢] أيِ: اخْرُجُوا غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: زَرْعِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: قاصِدِينَ قَطْعَ ثِمارِها، وقَدْ قَطَعَها البَلاءُ مِن أصْلِها.
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أيْ: يَكْتُمُونَ ذَهابَهم ويَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم.
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أيْ: فَقِيرٌ، فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ. أوْ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ لِلْمِسْكِينِ، نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ. أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتّى يَدْخُلَ، كَقَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ، عَلى نَشاطٍ وسُرْعَةٍ وجِدٍّ مِن أمْرِهِمْ، أوْ عَلى مَنعٍ وغَضَبٍ.
﴿قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: في زَعْمِهِمْ عَلى ما أصَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ [القلم: ٢٦] أيْ: فَلَمّا صارُوا إلَيْها، ورَأوْها مُحْتَرِقًا حَرْثُها.
﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أيْ: أنْكَرُوها وشَكُّوا فِيها: هَلْ هي جَنَّتُهم أمْ لا؛ فَقالَ بَعْضُهم لِأصْحابِهِ: ظَنًّا مِنهُ أنَّهم قَدْ أغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ وأنَّ الَّتِي رَأوْها غَيْرُها: إنّا أيُّها القَوْمُ، لَضالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنا! فَقالَ مَن عَلِمَ أنَّها جَنَّتُهُمْ، وأنَّهم لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أيُّها القَوْمُ، مَحْرُومُونَ، حُرِمْنا مَنفَعَةَ جَنَّتِنا بِذَهابِ حَرْثِها.
القلم 68:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٣٢] ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢]
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ: أعْدَلُهم وخَيْرُهم رَأْيًا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: (p-٥٩٠١)تَذْكُرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مَن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، وتَخْشَوْنَ انْتِقامَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ. وكانَ أوْسَطُهم وعَظَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى عَزِيمَتِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَعَصَوْهُ، فَعَيَّرَهم.
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] أيْ: في تَرْكِ اسْتِثْناءِ حَقِّ المَساكِينِ ومَنعِ المَعْرُوفِ عَنْهم مِن تِلْكَ الجَنَّةِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] أيْ: مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيطِنا وعَزْمِنا السَّيِّءِ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: بِتَوْبَتِنا إلَيْهِ، ونَدَمِنا عَلى خَطَأِ فِعْلِنا، وعَزْمِنا عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلى مِثْلِهِ.
﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: في العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِنّا، والتَّعْوِيضِ عَمّا فاتَنا.
القلم 68:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٣٢] ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢]
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ: أعْدَلُهم وخَيْرُهم رَأْيًا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: (p-٥٩٠١)تَذْكُرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مَن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، وتَخْشَوْنَ انْتِقامَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ. وكانَ أوْسَطُهم وعَظَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى عَزِيمَتِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَعَصَوْهُ، فَعَيَّرَهم.
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] أيْ: في تَرْكِ اسْتِثْناءِ حَقِّ المَساكِينِ ومَنعِ المَعْرُوفِ عَنْهم مِن تِلْكَ الجَنَّةِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] أيْ: مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيطِنا وعَزْمِنا السَّيِّءِ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: بِتَوْبَتِنا إلَيْهِ، ونَدَمِنا عَلى خَطَأِ فِعْلِنا، وعَزْمِنا عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلى مِثْلِهِ.
﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: في العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِنّا، والتَّعْوِيضِ عَمّا فاتَنا.
القلم 68:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٣٢] ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢]
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ: أعْدَلُهم وخَيْرُهم رَأْيًا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: (p-٥٩٠١)تَذْكُرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مَن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، وتَخْشَوْنَ انْتِقامَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ. وكانَ أوْسَطُهم وعَظَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى عَزِيمَتِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَعَصَوْهُ، فَعَيَّرَهم.
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] أيْ: في تَرْكِ اسْتِثْناءِ حَقِّ المَساكِينِ ومَنعِ المَعْرُوفِ عَنْهم مِن تِلْكَ الجَنَّةِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] أيْ: مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيطِنا وعَزْمِنا السَّيِّءِ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: بِتَوْبَتِنا إلَيْهِ، ونَدَمِنا عَلى خَطَأِ فِعْلِنا، وعَزْمِنا عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلى مِثْلِهِ.
﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: في العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِنّا، والتَّعْوِيضِ عَمّا فاتَنا.
القلم 68:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٣٢] ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢]
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ: أعْدَلُهم وخَيْرُهم رَأْيًا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: (p-٥٩٠١)تَذْكُرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مَن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، وتَخْشَوْنَ انْتِقامَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ. وكانَ أوْسَطُهم وعَظَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى عَزِيمَتِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَعَصَوْهُ، فَعَيَّرَهم.
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] أيْ: في تَرْكِ اسْتِثْناءِ حَقِّ المَساكِينِ ومَنعِ المَعْرُوفِ عَنْهم مِن تِلْكَ الجَنَّةِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] أيْ: مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيطِنا وعَزْمِنا السَّيِّءِ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: بِتَوْبَتِنا إلَيْهِ، ونَدَمِنا عَلى خَطَأِ فِعْلِنا، وعَزْمِنا عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلى مِثْلِهِ.
﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: في العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِنّا، والتَّعْوِيضِ عَمّا فاتَنا.
القلم 68:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٣٢] ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢]
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ: أعْدَلُهم وخَيْرُهم رَأْيًا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: (p-٥٩٠١)تَذْكُرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مَن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، وتَخْشَوْنَ انْتِقامَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ. وكانَ أوْسَطُهم وعَظَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى عَزِيمَتِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَعَصَوْهُ، فَعَيَّرَهم.
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] أيْ: في تَرْكِ اسْتِثْناءِ حَقِّ المَساكِينِ ومَنعِ المَعْرُوفِ عَنْهم مِن تِلْكَ الجَنَّةِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] أيْ: مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيطِنا وعَزْمِنا السَّيِّءِ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: بِتَوْبَتِنا إلَيْهِ، ونَدَمِنا عَلى خَطَأِ فِعْلِنا، وعَزْمِنا عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلى مِثْلِهِ.
﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: في العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِنّا، والتَّعْوِيضِ عَمّا فاتَنا.
القلم 68:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿كَذَلِكَ العَذابُ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: في الدُّنْيا لِمَن خالَفَ الرُّسُلَ، وكَفَرَ بِالحَقِّ، وبَغى الفَسادَ في الأرْضِ.
﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ أيْ: أعْظَمُ مِنهُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لارْتَدَعُوا وتابُوا وأنابُوا، فالجَوابُ مُقَدَّرٌ. قالَ الشِّهابُ: لِأنَّهُ لَيْسَ قَيْدًا لِما قَبْلَهُ، إذْ لا مَدْخَلِيَّةَ لِعِلْمِهِمْ في كَوْنِ العَذابِ أكْبَرَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في "الإكْلِيلِ": قالَ ابْنُ الفَرَسِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن فَرَّ مِنَ الزَّكاةِ قَبْلَ الحَوْلِ بِتَبْدِيلٍ أوْ خَلْطٍ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُها، ووَجْهُ ذَلِكَ: أنَّهم قَصَدُوا بِقَطْعِ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ. وفِيها كَراهَةُ الجِذاذِ والحَصادِ بِاللَّيْلِ، كَما ورَدَ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ في الحَدِيثِ لِأجْلِ الفُقَراءِ.
هَذا، وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الجَنَّةِ: أهم مِن أصْحابِ الجَنَّةِ أمْ مِن أهْلِ النّارِ؟ فَقالَ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي تَعَبًا.
وعَنْ مُجاهِدٍ: تابُوا فَأُبْدِلُوا خَيْرًا مِنها. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٥٩٠٢)
القلم 68:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القلم 68:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤] ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ: كِلْهُ إلَيَّ فَإنِّي أكْفِيكَهُ، وهَذا مِن بَلِيغِ الكِنايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: حَسْبُكَ انْتِقامًا مِنهُ أنْ تَكِلَ أمْرَهُ إلَيَّ، وتُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَهُ؛ فَإنِّي عالِمٌ بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ، قادِرٌ عَلى ذَلِكَ.
﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: سَنَكِيدُهم بِالإمْهالِ وإدامَةِ الصِّحَّةِ، وزِيادَةِ النِّعَمِ، مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ، وسَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ، يُقالُ: اسْتَدْرَجَهُ إلى كَذا، أيِ: اسْتَنْزَلَهُ إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، حَتّى يُوَرِّطَهُ فِيهِ.
(p-٥٩٠٧)
القلم 68:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ: أُمْهِلُهم وأُنْسِئُ في آجالِهِمْ مِلاوَةً مِنَ الزَّمانِ، لِتَكْمُلَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ: كَيْدِي بِأهْلِ الكُفْرِ شَدِيدٌ قَوِيٌّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الصِّحَّةُ والرِّزْقُ والمَدُّ في العُمْرِ، إحْسانٌ مِنَ اللَّهِ وإفْضالٌ، يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الشُّكْرَ والطّاعَةَ، ولَكِنَّهم يَجْعَلُونَهُ سَبَبًا في الكُفْرِ بِاخْتِيارِهِمْ، فَلَمّا تَدَرَّجُوا بِهِ إلى الهَلاكِ، وصَفَ النِّعَمَ بِالِاسْتِدْراجِ. وقِيلَ: كَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ، وكَمْ مِن مَفْتُونٍ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وكَمْ مِن مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ. وسَمّى إحْسانَهُ وتَمْكِينَهُ كَيْدًا، كَما سَمّاهُ اسْتِدْراجًا، لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ، حَيْثُ كانَ سَبَبًا لِلتَّوَرُّطِ في الهَلَكَةِ. ووَصَفَهُ بِالمَتانَةِ لِقُوَّةِ أثَرِ إحْسانِهِ في التَّسَبُّبِ لِلْهَلاكِ.
القلم 68:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦ - ٤٧] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ: عَلى ما أتَيْتَهم بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ، ودَعَوْتِهِمْ إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ.
﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: مِن عِزَّةِ ذَلِكَ الأجْرِ مُثْقَلُونَ، أيْ: أثْقَلَهُمُ الأداءُ، فَتَحامَوْا لِذَلِكَ قَبُولَ نَصِيحَتِكَ، وتَجَنَّبُوا الدُّخُولَ فِيما دَعَوْتَهم إلَيْهِ. والمَعْنى: لَمْ تَطْلُبْ مِنهم عَلى الهِدايَةِ والتَّعْلِيمِ أجْرًا فَيَثْقُلَ عَلَيْهِمْ حِمْلُهُ حَتّى يُثَبِّطَهم عَنِ الإيمانِ. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] أيْ: مِنهُ ما يَحْكُمُونَ بِهِ، فَيُجادِلُونَكَ بِما فِيهِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ أفْضَلُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن أهْلِ الإيمانِ بِهِ، وأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنْ وحْيِهِ وتَنْزِيلِهِ.
(p-٥٩٠٨)
القلم 68:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦ - ٤٧] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ: عَلى ما أتَيْتَهم بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ، ودَعَوْتِهِمْ إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ.
﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: مِن عِزَّةِ ذَلِكَ الأجْرِ مُثْقَلُونَ، أيْ: أثْقَلَهُمُ الأداءُ، فَتَحامَوْا لِذَلِكَ قَبُولَ نَصِيحَتِكَ، وتَجَنَّبُوا الدُّخُولَ فِيما دَعَوْتَهم إلَيْهِ. والمَعْنى: لَمْ تَطْلُبْ مِنهم عَلى الهِدايَةِ والتَّعْلِيمِ أجْرًا فَيَثْقُلَ عَلَيْهِمْ حِمْلُهُ حَتّى يُثَبِّطَهم عَنِ الإيمانِ. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] أيْ: مِنهُ ما يَحْكُمُونَ بِهِ، فَيُجادِلُونَكَ بِما فِيهِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ أفْضَلُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن أهْلِ الإيمانِ بِهِ، وأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنْ وحْيِهِ وتَنْزِيلِهِ.
(p-٥٩٠٨)
القلم 68:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٠] ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمْهالُهُمْ، وتَأْخِيرُ ظُهُورِكَ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِ ما أُمِرْتَ بِهِ أذاهم وتَكْذِيبُهُمْ، بَلِ امْضِ صابِرًا عَلَيْهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يَعْنِي: يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى﴾ أيْ: دَعا رَبَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أيْ: مَمْلُوءٌ غَيْظًا وغَمًّا. والمَعْنى: لا يُوجَدْ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والوَنى عَنِ التَّبْلِيغِ، فَتُبْتَلى بِبَلائِهِ. ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [القلم: ٤٩] وهو قَبُولُ تَوْبَتِهِ ورَحْمَتُهُ، تَضَرُّعِهِ وابْتِهالِهِ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ حالَهُ كانَتْ عَلى خِلافِ الذَّمِّ حِينَ نُبِذَ بِالعَراءِ، ولَوْلا تَوْبَتُهُ لَكانَتْ حالُهُ عَلى الذَّمِّ. والعَراءُ: الفَضاءُ مِنَ الأرْضِ.
﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ [القلم: ٥٠] أيْ: بِرَحْمَتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: لِمَكانِ سَلامَةِ فِطْرَتِهِ، وبَقاءِ نُورِ اسْتِعْدادِهِ، وعَدَمِ رُسُوخِ الهَيْئَةِ الغَضَبِيَّةِ، والتَّوْبَةِ عَنْ فُرُطاتِ النَّفْسِ، فَقَرَّبَهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] أيْ: لِمَقامِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
القلم 68:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٠] ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمْهالُهُمْ، وتَأْخِيرُ ظُهُورِكَ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِ ما أُمِرْتَ بِهِ أذاهم وتَكْذِيبُهُمْ، بَلِ امْضِ صابِرًا عَلَيْهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يَعْنِي: يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى﴾ أيْ: دَعا رَبَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أيْ: مَمْلُوءٌ غَيْظًا وغَمًّا. والمَعْنى: لا يُوجَدْ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والوَنى عَنِ التَّبْلِيغِ، فَتُبْتَلى بِبَلائِهِ. ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [القلم: ٤٩] وهو قَبُولُ تَوْبَتِهِ ورَحْمَتُهُ، تَضَرُّعِهِ وابْتِهالِهِ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ حالَهُ كانَتْ عَلى خِلافِ الذَّمِّ حِينَ نُبِذَ بِالعَراءِ، ولَوْلا تَوْبَتُهُ لَكانَتْ حالُهُ عَلى الذَّمِّ. والعَراءُ: الفَضاءُ مِنَ الأرْضِ.
﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ [القلم: ٥٠] أيْ: بِرَحْمَتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: لِمَكانِ سَلامَةِ فِطْرَتِهِ، وبَقاءِ نُورِ اسْتِعْدادِهِ، وعَدَمِ رُسُوخِ الهَيْئَةِ الغَضَبِيَّةِ، والتَّوْبَةِ عَنْ فُرُطاتِ النَّفْسِ، فَقَرَّبَهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] أيْ: لِمَقامِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
القلم 68:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٠] ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمْهالُهُمْ، وتَأْخِيرُ ظُهُورِكَ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِ ما أُمِرْتَ بِهِ أذاهم وتَكْذِيبُهُمْ، بَلِ امْضِ صابِرًا عَلَيْهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يَعْنِي: يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى﴾ أيْ: دَعا رَبَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أيْ: مَمْلُوءٌ غَيْظًا وغَمًّا. والمَعْنى: لا يُوجَدْ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والوَنى عَنِ التَّبْلِيغِ، فَتُبْتَلى بِبَلائِهِ. ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [القلم: ٤٩] وهو قَبُولُ تَوْبَتِهِ ورَحْمَتُهُ، تَضَرُّعِهِ وابْتِهالِهِ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ حالَهُ كانَتْ عَلى خِلافِ الذَّمِّ حِينَ نُبِذَ بِالعَراءِ، ولَوْلا تَوْبَتُهُ لَكانَتْ حالُهُ عَلى الذَّمِّ. والعَراءُ: الفَضاءُ مِنَ الأرْضِ.
﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ [القلم: ٥٠] أيْ: بِرَحْمَتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: لِمَكانِ سَلامَةِ فِطْرَتِهِ، وبَقاءِ نُورِ اسْتِعْدادِهِ، وعَدَمِ رُسُوخِ الهَيْئَةِ الغَضَبِيَّةِ، والتَّوْبَةِ عَنْ فُرُطاتِ النَّفْسِ، فَقَرَّبَهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] أيْ: لِمَقامِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
القلم 68:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٢] ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢]
﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهم (p-٥٩٠٩)مِن شِدَّةِ تَحْدِيقِهِمْ، ونَظَرِهِمْ إلَيْكَ شَزْرًا، بِعُيُونِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، يَكادُونَ يُزِلُّونَ قَدَمَكَ، أوْ يُهْلِكُونَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، ويَكادُ يَأْكُلُنِي، أيْ: لَوْ أمْكَنَهُ بِنَظَرِهِ الصَّرْعُ أوِ الأكْلُ، لَفَعَلَهُ. قالَ:
؎يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَوْطِنٍ نَظَرًا يُزِلُّ مَواطِئَ الأقْدامِ
وأنْشَدَ ابْنِ عَبّاسٍ -وقَدْ مَرَّ بِأقْوامٍ حَدَّدُوا النَّظَرَ إلَيْهِ-:
؎نَظَرُوا إلَيَّ بِأعْيُنٍ مُحَمَّرَةٍ ∗∗∗ نَظَرَ التُّيُوسِ إلى شِفارِ الجازِرِ
وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا النَّظَرَ كانَ يَشْتَدُّ مِنهم في حالِ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْقُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيِ: القُرْآنَ، مُعاداةً لِحِكْمَتِهِ. ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أيْ: مِنَ الهَذَيانِ الَّذِي يَهْذِي بِهِ في جُنُونِهِ، لِعَدَمِ تَمالُكِ أنْفُسِهِمْ مِنَ الحَسَدِ مِنهُ، والتَّنْفِيرِ عَنْهُ.
﴿وما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢] أيْ: عِظَةٌ وحِكْمَةٌ وتَذْكِيرٌ وتَنْبِيهٌ لَهُمْ، عَلى ما في عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ. فَكَيْفَ يُجَنَّنُ مَن جاءَ بِمِثْلِهِ؟ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
القلم 68:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٢] ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢]
﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهم (p-٥٩٠٩)مِن شِدَّةِ تَحْدِيقِهِمْ، ونَظَرِهِمْ إلَيْكَ شَزْرًا، بِعُيُونِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، يَكادُونَ يُزِلُّونَ قَدَمَكَ، أوْ يُهْلِكُونَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، ويَكادُ يَأْكُلُنِي، أيْ: لَوْ أمْكَنَهُ بِنَظَرِهِ الصَّرْعُ أوِ الأكْلُ، لَفَعَلَهُ. قالَ:
؎يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَوْطِنٍ نَظَرًا يُزِلُّ مَواطِئَ الأقْدامِ
وأنْشَدَ ابْنِ عَبّاسٍ -وقَدْ مَرَّ بِأقْوامٍ حَدَّدُوا النَّظَرَ إلَيْهِ-:
؎نَظَرُوا إلَيَّ بِأعْيُنٍ مُحَمَّرَةٍ ∗∗∗ نَظَرَ التُّيُوسِ إلى شِفارِ الجازِرِ
وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا النَّظَرَ كانَ يَشْتَدُّ مِنهم في حالِ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْقُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيِ: القُرْآنَ، مُعاداةً لِحِكْمَتِهِ. ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أيْ: مِنَ الهَذَيانِ الَّذِي يَهْذِي بِهِ في جُنُونِهِ، لِعَدَمِ تَمالُكِ أنْفُسِهِمْ مِنَ الحَسَدِ مِنهُ، والتَّنْفِيرِ عَنْهُ.
﴿وما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢] أيْ: عِظَةٌ وحِكْمَةٌ وتَذْكِيرٌ وتَنْبِيهٌ لَهُمْ، عَلى ما في عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ. فَكَيْفَ يُجَنَّنُ مَن جاءَ بِمِثْلِهِ؟ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الحاقة 69:1
(p-٥٩١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحاقَّةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها إحْدى وخَمْسُونَ.
(p-٥٩١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]
﴿الحاقَّةُ﴾ أيِ: السّاعَةُ الحاقَّةُ الَّتِي تَحِقُّ فِيها الأُمُورُ، ويَجِبُ فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. مِن قَوْلِهِمْ: حَقَّ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، إذا وجَبَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وتَعْظِيمًا لِهَوْلِها ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] قالَ بَعْضُهُمْ: مِن عَوائِدِ العَرَبِ في مُحاوَراتِهِمُ اللَّطِيفَةِ، إذا أرادُوا تَشْوِيقَ المُخاطَبِ في مَعْرِفَةِ شَيْءٍ ودِرايَتِهِ، أتَوْا بِإجْمالٍ وتَفْصِيلٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَ المُخاطَبَ ما هِيَ؟ تَأْكِيدًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِها، حَتّى كَأنَّها خَرَجَتْ مِن دائِرَةِ عِلْمِ المُخاطَبِ عَلى مَعْنى: إنَّ عِظَمَ شَأْنِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، مِنَ الأوْصافِ، مِمّا لَمْ تَبْلُغْهُ دِرايَةُ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ ولَمْ تَصِلْ إلَيْهِ مَعْرِفَةُ أحَدٍ مِنَ السّامِعِينَ، ولا أدْرَكَهُ وهْمُهُ، وكَيْفَما قُدِّرَ حالُها، فَهي وراءَ ذَلِكَ وأعْظَمُ. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ كِنايَةٌ عَنْ لازَمِهِ، مِن أنَّها لا تُعْلَمُ، ولا يَصِلُ إلَيْها دِرايَةُ دارٍ، ولا تَبْلُغُها الأفْكارُ.
الحاقة 69:2
(p-٥٩١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحاقَّةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها إحْدى وخَمْسُونَ.
(p-٥٩١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]
﴿الحاقَّةُ﴾ أيِ: السّاعَةُ الحاقَّةُ الَّتِي تَحِقُّ فِيها الأُمُورُ، ويَجِبُ فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. مِن قَوْلِهِمْ: حَقَّ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، إذا وجَبَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وتَعْظِيمًا لِهَوْلِها ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] قالَ بَعْضُهُمْ: مِن عَوائِدِ العَرَبِ في مُحاوَراتِهِمُ اللَّطِيفَةِ، إذا أرادُوا تَشْوِيقَ المُخاطَبِ في مَعْرِفَةِ شَيْءٍ ودِرايَتِهِ، أتَوْا بِإجْمالٍ وتَفْصِيلٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَ المُخاطَبَ ما هِيَ؟ تَأْكِيدًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِها، حَتّى كَأنَّها خَرَجَتْ مِن دائِرَةِ عِلْمِ المُخاطَبِ عَلى مَعْنى: إنَّ عِظَمَ شَأْنِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، مِنَ الأوْصافِ، مِمّا لَمْ تَبْلُغْهُ دِرايَةُ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ ولَمْ تَصِلْ إلَيْهِ مَعْرِفَةُ أحَدٍ مِنَ السّامِعِينَ، ولا أدْرَكَهُ وهْمُهُ، وكَيْفَما قُدِّرَ حالُها، فَهي وراءَ ذَلِكَ وأعْظَمُ. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ كِنايَةٌ عَنْ لازَمِهِ، مِن أنَّها لا تُعْلَمُ، ولا يَصِلُ إلَيْها دِرايَةُ دارٍ، ولا تَبْلُغُها الأفْكارُ.
الحاقة 69:3
(p-٥٩١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحاقَّةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها إحْدى وخَمْسُونَ.
(p-٥٩١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]
﴿الحاقَّةُ﴾ أيِ: السّاعَةُ الحاقَّةُ الَّتِي تَحِقُّ فِيها الأُمُورُ، ويَجِبُ فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. مِن قَوْلِهِمْ: حَقَّ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، إذا وجَبَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وتَعْظِيمًا لِهَوْلِها ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] قالَ بَعْضُهُمْ: مِن عَوائِدِ العَرَبِ في مُحاوَراتِهِمُ اللَّطِيفَةِ، إذا أرادُوا تَشْوِيقَ المُخاطَبِ في مَعْرِفَةِ شَيْءٍ ودِرايَتِهِ، أتَوْا بِإجْمالٍ وتَفْصِيلٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَ المُخاطَبَ ما هِيَ؟ تَأْكِيدًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِها، حَتّى كَأنَّها خَرَجَتْ مِن دائِرَةِ عِلْمِ المُخاطَبِ عَلى مَعْنى: إنَّ عِظَمَ شَأْنِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، مِنَ الأوْصافِ، مِمّا لَمْ تَبْلُغْهُ دِرايَةُ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ ولَمْ تَصِلْ إلَيْهِ مَعْرِفَةُ أحَدٍ مِنَ السّامِعِينَ، ولا أدْرَكَهُ وهْمُهُ، وكَيْفَما قُدِّرَ حالُها، فَهي وراءَ ذَلِكَ وأعْظَمُ. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ كِنايَةٌ عَنْ لازَمِهِ، مِن أنَّها لا تُعْلَمُ، ولا يَصِلُ إلَيْها دِرايَةُ دارٍ، ولا تَبْلُغُها الأفْكارُ.
الحاقة 69:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] (p-٥٩١٢)﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ: بِالسّاعَةِ الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها وهُجُومِها عَلَيْهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُضِعَتْ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى القَرْعِ في الحاقَّةِ، زِيادَةً في وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذِكْرَ ذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ﴾ [الحاقة: ٥] وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أيْ: بِالواقِعَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ، أوْ بِطُغْيانِهِمْ، و(الطّاغِيَةُ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ. ﴿وأمّا عادٌ﴾ [الحاقة: ٦] وهم قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: شَدِيدَةِ العُصُوفِ والبَرْدِ ﴿عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: مُتَجاوِزَةٍ الحَدَّ المَعْرُوفَ في الهُبُوبِ والبُرُودَةِ. ﴿سَخَّرَها﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: سَلَّطَها ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: مُتَتابِعاتٍ مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ، إذا تابَعْتَ بَيْنَ كَيِّها. شَبَّهَ تَتابُعَ الرِّيحِ المُسْتَأْصِلَةِ بِتَتابُعِ الكَيِّ القاطِعِ لِلدّاءِ. أوْ مَعْناهُ: نَحِساتٍ، حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ واسْتَأْصَلَتْهُ، أوْ قاطِعاتٍ، قَطَعَتْ دابِرَهم. هَذا عَلى أنَّ ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] جَمْعُ حاسِمٍ، كَشُهُودٍ وقُعُودٍ. فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فَنَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ، أيْ: تَحْسِمُ حُسُومًا، أوْ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلْحُسُومِ، أيِ: الِاسْتِئْصالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأيّامَ هي أيّامُ العَجُزِ. والعامَّةُ تَقُولُ: العَجُوزُ وهي الَّتِي تَكُونُ في عَجُزِ الشِّتاءِ، أيْ: آخِرِهِ.
﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: هَلْكى، جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: ساقِطَةٍ مُجْتَثَّةٍ مِن أُصُولِها كَآيَةِ:
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أيْ: بَقاءٍ، أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ بَقِيَّةٍ.
(p-٥٩١٣)
الحاقة 69:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] (p-٥٩١٢)﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ: بِالسّاعَةِ الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها وهُجُومِها عَلَيْهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُضِعَتْ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى القَرْعِ في الحاقَّةِ، زِيادَةً في وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذِكْرَ ذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ﴾ [الحاقة: ٥] وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أيْ: بِالواقِعَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ، أوْ بِطُغْيانِهِمْ، و(الطّاغِيَةُ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ. ﴿وأمّا عادٌ﴾ [الحاقة: ٦] وهم قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: شَدِيدَةِ العُصُوفِ والبَرْدِ ﴿عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: مُتَجاوِزَةٍ الحَدَّ المَعْرُوفَ في الهُبُوبِ والبُرُودَةِ. ﴿سَخَّرَها﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: سَلَّطَها ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: مُتَتابِعاتٍ مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ، إذا تابَعْتَ بَيْنَ كَيِّها. شَبَّهَ تَتابُعَ الرِّيحِ المُسْتَأْصِلَةِ بِتَتابُعِ الكَيِّ القاطِعِ لِلدّاءِ. أوْ مَعْناهُ: نَحِساتٍ، حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ واسْتَأْصَلَتْهُ، أوْ قاطِعاتٍ، قَطَعَتْ دابِرَهم. هَذا عَلى أنَّ ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] جَمْعُ حاسِمٍ، كَشُهُودٍ وقُعُودٍ. فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فَنَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ، أيْ: تَحْسِمُ حُسُومًا، أوْ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلْحُسُومِ، أيِ: الِاسْتِئْصالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأيّامَ هي أيّامُ العَجُزِ. والعامَّةُ تَقُولُ: العَجُوزُ وهي الَّتِي تَكُونُ في عَجُزِ الشِّتاءِ، أيْ: آخِرِهِ.
﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: هَلْكى، جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: ساقِطَةٍ مُجْتَثَّةٍ مِن أُصُولِها كَآيَةِ:
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أيْ: بَقاءٍ، أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ بَقِيَّةٍ.
(p-٥٩١٣)
الحاقة 69:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] (p-٥٩١٢)﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ: بِالسّاعَةِ الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها وهُجُومِها عَلَيْهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُضِعَتْ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى القَرْعِ في الحاقَّةِ، زِيادَةً في وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذِكْرَ ذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ﴾ [الحاقة: ٥] وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أيْ: بِالواقِعَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ، أوْ بِطُغْيانِهِمْ، و(الطّاغِيَةُ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ. ﴿وأمّا عادٌ﴾ [الحاقة: ٦] وهم قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: شَدِيدَةِ العُصُوفِ والبَرْدِ ﴿عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: مُتَجاوِزَةٍ الحَدَّ المَعْرُوفَ في الهُبُوبِ والبُرُودَةِ. ﴿سَخَّرَها﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: سَلَّطَها ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: مُتَتابِعاتٍ مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ، إذا تابَعْتَ بَيْنَ كَيِّها. شَبَّهَ تَتابُعَ الرِّيحِ المُسْتَأْصِلَةِ بِتَتابُعِ الكَيِّ القاطِعِ لِلدّاءِ. أوْ مَعْناهُ: نَحِساتٍ، حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ واسْتَأْصَلَتْهُ، أوْ قاطِعاتٍ، قَطَعَتْ دابِرَهم. هَذا عَلى أنَّ ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] جَمْعُ حاسِمٍ، كَشُهُودٍ وقُعُودٍ. فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فَنَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ، أيْ: تَحْسِمُ حُسُومًا، أوْ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلْحُسُومِ، أيِ: الِاسْتِئْصالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأيّامَ هي أيّامُ العَجُزِ. والعامَّةُ تَقُولُ: العَجُوزُ وهي الَّتِي تَكُونُ في عَجُزِ الشِّتاءِ، أيْ: آخِرِهِ.
﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: هَلْكى، جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: ساقِطَةٍ مُجْتَثَّةٍ مِن أُصُولِها كَآيَةِ:
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أيْ: بَقاءٍ، أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ بَقِيَّةٍ.
(p-٥٩١٣)
الحاقة 69:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] (p-٥٩١٢)﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ: بِالسّاعَةِ الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها وهُجُومِها عَلَيْهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُضِعَتْ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى القَرْعِ في الحاقَّةِ، زِيادَةً في وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذِكْرَ ذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ﴾ [الحاقة: ٥] وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أيْ: بِالواقِعَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ، أوْ بِطُغْيانِهِمْ، و(الطّاغِيَةُ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ. ﴿وأمّا عادٌ﴾ [الحاقة: ٦] وهم قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: شَدِيدَةِ العُصُوفِ والبَرْدِ ﴿عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: مُتَجاوِزَةٍ الحَدَّ المَعْرُوفَ في الهُبُوبِ والبُرُودَةِ. ﴿سَخَّرَها﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: سَلَّطَها ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: مُتَتابِعاتٍ مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ، إذا تابَعْتَ بَيْنَ كَيِّها. شَبَّهَ تَتابُعَ الرِّيحِ المُسْتَأْصِلَةِ بِتَتابُعِ الكَيِّ القاطِعِ لِلدّاءِ. أوْ مَعْناهُ: نَحِساتٍ، حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ واسْتَأْصَلَتْهُ، أوْ قاطِعاتٍ، قَطَعَتْ دابِرَهم. هَذا عَلى أنَّ ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] جَمْعُ حاسِمٍ، كَشُهُودٍ وقُعُودٍ. فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فَنَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ، أيْ: تَحْسِمُ حُسُومًا، أوْ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلْحُسُومِ، أيِ: الِاسْتِئْصالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأيّامَ هي أيّامُ العَجُزِ. والعامَّةُ تَقُولُ: العَجُوزُ وهي الَّتِي تَكُونُ في عَجُزِ الشِّتاءِ، أيْ: آخِرِهِ.
﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: هَلْكى، جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: ساقِطَةٍ مُجْتَثَّةٍ مِن أُصُولِها كَآيَةِ:
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أيْ: بَقاءٍ، أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ بَقِيَّةٍ.
(p-٥٩١٣)
الحاقة 69:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٨] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] (p-٥٩١٢)﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ: بِالسّاعَةِ الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها وهُجُومِها عَلَيْهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُضِعَتْ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى القَرْعِ في الحاقَّةِ، زِيادَةً في وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذِكْرَ ذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ﴾ [الحاقة: ٥] وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أيْ: بِالواقِعَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ، أوْ بِطُغْيانِهِمْ، و(الطّاغِيَةُ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ. ﴿وأمّا عادٌ﴾ [الحاقة: ٦] وهم قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: شَدِيدَةِ العُصُوفِ والبَرْدِ ﴿عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: مُتَجاوِزَةٍ الحَدَّ المَعْرُوفَ في الهُبُوبِ والبُرُودَةِ. ﴿سَخَّرَها﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: سَلَّطَها ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: مُتَتابِعاتٍ مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ، إذا تابَعْتَ بَيْنَ كَيِّها. شَبَّهَ تَتابُعَ الرِّيحِ المُسْتَأْصِلَةِ بِتَتابُعِ الكَيِّ القاطِعِ لِلدّاءِ. أوْ مَعْناهُ: نَحِساتٍ، حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ واسْتَأْصَلَتْهُ، أوْ قاطِعاتٍ، قَطَعَتْ دابِرَهم. هَذا عَلى أنَّ ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] جَمْعُ حاسِمٍ، كَشُهُودٍ وقُعُودٍ. فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فَنَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ، أيْ: تَحْسِمُ حُسُومًا، أوْ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلْحُسُومِ، أيِ: الِاسْتِئْصالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأيّامَ هي أيّامُ العَجُزِ. والعامَّةُ تَقُولُ: العَجُوزُ وهي الَّتِي تَكُونُ في عَجُزِ الشِّتاءِ، أيْ: آخِرِهِ.
﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: هَلْكى، جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: ساقِطَةٍ مُجْتَثَّةٍ مِن أُصُولِها كَآيَةِ:
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أيْ: بَقاءٍ، أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ بَقِيَّةٍ.
(p-٥٩١٣)
الحاقة 69:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]
﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالخَطَأِ، أوِ الأفْعالِ الخاطِئَةِ، عَلى المَجازِ في النِّسْبَةِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: زائِدَةً في الشِّدَّةِ.
﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ: كَثُرَ وتَجاوَزَ حَدَّهُ المَعْرُوفَ، بِسَبَبِ إصْرارِ قَوْمِ نُوحٍ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَكْذِيبِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] أيِ: السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خاطَبَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، وإنَّما حَمَلَ أجْدادَهم نُوحًا ووَلَدَهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ، ولَدُ الَّذِينَ حُمِلُوا في الجارِيَةِ، فَكانَ حَمْلُ الَّذِينَ حُمِلُوا فِيها مِنَ الأجْدادِ، حَمْلًا لِذُرِّيَّتِهِمْ، ﴿لِنَجْعَلَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تِلْكَ الفِعْلَةَ الَّتِي هي إنْجاءُ المُؤْمِنِينَ، وإغْراقُ الكافِرِينَ ﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: آيَةً وعِبْرَةً تَذْكُرُونَ بِها صِدْقَ وعْدِهِ في نَصْرِ رُسُلِهِ، وتَدْمِيرِ أعْدائِهِ.
﴿وتَعِيَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تَحْفَظُها ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، مُتَفَكِّرَةٌ فِيهِ.
(p-٥٩١٤)
الحاقة 69:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]
﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالخَطَأِ، أوِ الأفْعالِ الخاطِئَةِ، عَلى المَجازِ في النِّسْبَةِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: زائِدَةً في الشِّدَّةِ.
﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ: كَثُرَ وتَجاوَزَ حَدَّهُ المَعْرُوفَ، بِسَبَبِ إصْرارِ قَوْمِ نُوحٍ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَكْذِيبِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] أيِ: السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خاطَبَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، وإنَّما حَمَلَ أجْدادَهم نُوحًا ووَلَدَهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ، ولَدُ الَّذِينَ حُمِلُوا في الجارِيَةِ، فَكانَ حَمْلُ الَّذِينَ حُمِلُوا فِيها مِنَ الأجْدادِ، حَمْلًا لِذُرِّيَّتِهِمْ، ﴿لِنَجْعَلَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تِلْكَ الفِعْلَةَ الَّتِي هي إنْجاءُ المُؤْمِنِينَ، وإغْراقُ الكافِرِينَ ﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: آيَةً وعِبْرَةً تَذْكُرُونَ بِها صِدْقَ وعْدِهِ في نَصْرِ رُسُلِهِ، وتَدْمِيرِ أعْدائِهِ.
﴿وتَعِيَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تَحْفَظُها ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، مُتَفَكِّرَةٌ فِيهِ.
(p-٥٩١٤)
الحاقة 69:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]
﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالخَطَأِ، أوِ الأفْعالِ الخاطِئَةِ، عَلى المَجازِ في النِّسْبَةِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: زائِدَةً في الشِّدَّةِ.
﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ: كَثُرَ وتَجاوَزَ حَدَّهُ المَعْرُوفَ، بِسَبَبِ إصْرارِ قَوْمِ نُوحٍ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَكْذِيبِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] أيِ: السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خاطَبَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، وإنَّما حَمَلَ أجْدادَهم نُوحًا ووَلَدَهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ، ولَدُ الَّذِينَ حُمِلُوا في الجارِيَةِ، فَكانَ حَمْلُ الَّذِينَ حُمِلُوا فِيها مِنَ الأجْدادِ، حَمْلًا لِذُرِّيَّتِهِمْ، ﴿لِنَجْعَلَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تِلْكَ الفِعْلَةَ الَّتِي هي إنْجاءُ المُؤْمِنِينَ، وإغْراقُ الكافِرِينَ ﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: آيَةً وعِبْرَةً تَذْكُرُونَ بِها صِدْقَ وعْدِهِ في نَصْرِ رُسُلِهِ، وتَدْمِيرِ أعْدائِهِ.
﴿وتَعِيَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تَحْفَظُها ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، مُتَفَكِّرَةٌ فِيهِ.
(p-٥٩١٤)
الحاقة 69:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]
﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالخَطَأِ، أوِ الأفْعالِ الخاطِئَةِ، عَلى المَجازِ في النِّسْبَةِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: زائِدَةً في الشِّدَّةِ.
﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ: كَثُرَ وتَجاوَزَ حَدَّهُ المَعْرُوفَ، بِسَبَبِ إصْرارِ قَوْمِ نُوحٍ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَكْذِيبِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] أيِ: السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خاطَبَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، وإنَّما حَمَلَ أجْدادَهم نُوحًا ووَلَدَهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ، ولَدُ الَّذِينَ حُمِلُوا في الجارِيَةِ، فَكانَ حَمْلُ الَّذِينَ حُمِلُوا فِيها مِنَ الأجْدادِ، حَمْلًا لِذُرِّيَّتِهِمْ، ﴿لِنَجْعَلَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تِلْكَ الفِعْلَةَ الَّتِي هي إنْجاءُ المُؤْمِنِينَ، وإغْراقُ الكافِرِينَ ﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: آيَةً وعِبْرَةً تَذْكُرُونَ بِها صِدْقَ وعْدِهِ في نَصْرِ رُسُلِهِ، وتَدْمِيرِ أعْدائِهِ.
﴿وتَعِيَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تَحْفَظُها ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، مُتَفَكِّرَةٌ فِيهِ.
(p-٥٩١٤)
الحاقة 69:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٧] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]
﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: لِخَرابِ العالَمِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ نَفْسِ الحاقَّةِ، وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها.
﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] أيْ: رُفِعَتا وضُرِبَتا بِبَعْضِهِما مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ. وفي تَوْصِيفِها بِالوَحْدَةِ تَعْظِيمٌ لَها، وإشْعارٌ بِأنَّ المُؤَثِّرَ لِدَكِّ الأرْضِ والجِبالِ وخَرابِ العالَمِ، هي وحْدَها، غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى أُخْرى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] أيْ: نَزَلَتِ النّازِلَةُ، وهي القِيامَةُ.
﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أيِ: انْصَدَعَتْ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] مُتَمَزِّقَةٌ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: جَوانِبِها وأطْرافِها حِينَ تَشَقَّقُ.
﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِن صُفُوفِها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا العَرْشِ العَرْشُ العَظِيمُ، أوِ العَرْشُ الَّذِي يُوضَعُ في الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِفَصْلِ القَضاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي يُؤْمَنُ بِها، ولا يَجِبُ اكْتِناهُها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، (p-٥٩١٥)فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَلامٌ لِبَعْضِ عُلَماءِ الفَلَكِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْهُ. وذَهَبَ بَعْضٌ مِنهم إلى أنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ مُلْكُهُ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وبِ: (الثَّمانِيَةِ) السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ. وعِبارَتُهُ: ﴿ويَحْمِلُ﴾ [الحاقة: ١٧] بِالجَذْبِ ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مُلْكَ رَبِّكَ لِلْأرْضِ والسَّماواتِ ﴿فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيِ: السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ.
قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبْعَ لَيْسَ لِلْكَثْرَةِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ. فَهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، أيْ: مُلْكَ الأرْضِ والسَّماواتِ السَّبْعِ بِالجَذْبِ، كَما هو حاصِلٌ اليَوْمَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِشَكْلٍ عَظِيمٍ جِدًّا.
ثُمَّ قالَ: ولا وجْهَ لِمُعْتَرِضٍ يَقُولُ: إنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مُسَبِّحَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] فَكَيْفَ تُسَبِّحُ السَّماواتُ والأرْضُ؟ لِأنَّهُ يُجابُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]
الحاقة 69:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٧] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]
﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: لِخَرابِ العالَمِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ نَفْسِ الحاقَّةِ، وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها.
﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] أيْ: رُفِعَتا وضُرِبَتا بِبَعْضِهِما مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ. وفي تَوْصِيفِها بِالوَحْدَةِ تَعْظِيمٌ لَها، وإشْعارٌ بِأنَّ المُؤَثِّرَ لِدَكِّ الأرْضِ والجِبالِ وخَرابِ العالَمِ، هي وحْدَها، غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى أُخْرى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] أيْ: نَزَلَتِ النّازِلَةُ، وهي القِيامَةُ.
﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أيِ: انْصَدَعَتْ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] مُتَمَزِّقَةٌ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: جَوانِبِها وأطْرافِها حِينَ تَشَقَّقُ.
﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِن صُفُوفِها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا العَرْشِ العَرْشُ العَظِيمُ، أوِ العَرْشُ الَّذِي يُوضَعُ في الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِفَصْلِ القَضاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي يُؤْمَنُ بِها، ولا يَجِبُ اكْتِناهُها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، (p-٥٩١٥)فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَلامٌ لِبَعْضِ عُلَماءِ الفَلَكِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْهُ. وذَهَبَ بَعْضٌ مِنهم إلى أنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ مُلْكُهُ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وبِ: (الثَّمانِيَةِ) السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ. وعِبارَتُهُ: ﴿ويَحْمِلُ﴾ [الحاقة: ١٧] بِالجَذْبِ ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مُلْكَ رَبِّكَ لِلْأرْضِ والسَّماواتِ ﴿فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيِ: السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ.
قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبْعَ لَيْسَ لِلْكَثْرَةِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ. فَهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، أيْ: مُلْكَ الأرْضِ والسَّماواتِ السَّبْعِ بِالجَذْبِ، كَما هو حاصِلٌ اليَوْمَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِشَكْلٍ عَظِيمٍ جِدًّا.
ثُمَّ قالَ: ولا وجْهَ لِمُعْتَرِضٍ يَقُولُ: إنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مُسَبِّحَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] فَكَيْفَ تُسَبِّحُ السَّماواتُ والأرْضُ؟ لِأنَّهُ يُجابُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]
الحاقة 69:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٧] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]
﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: لِخَرابِ العالَمِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ نَفْسِ الحاقَّةِ، وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها.
﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] أيْ: رُفِعَتا وضُرِبَتا بِبَعْضِهِما مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ. وفي تَوْصِيفِها بِالوَحْدَةِ تَعْظِيمٌ لَها، وإشْعارٌ بِأنَّ المُؤَثِّرَ لِدَكِّ الأرْضِ والجِبالِ وخَرابِ العالَمِ، هي وحْدَها، غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى أُخْرى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] أيْ: نَزَلَتِ النّازِلَةُ، وهي القِيامَةُ.
﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أيِ: انْصَدَعَتْ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] مُتَمَزِّقَةٌ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: جَوانِبِها وأطْرافِها حِينَ تَشَقَّقُ.
﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِن صُفُوفِها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا العَرْشِ العَرْشُ العَظِيمُ، أوِ العَرْشُ الَّذِي يُوضَعُ في الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِفَصْلِ القَضاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي يُؤْمَنُ بِها، ولا يَجِبُ اكْتِناهُها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، (p-٥٩١٥)فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَلامٌ لِبَعْضِ عُلَماءِ الفَلَكِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْهُ. وذَهَبَ بَعْضٌ مِنهم إلى أنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ مُلْكُهُ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وبِ: (الثَّمانِيَةِ) السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ. وعِبارَتُهُ: ﴿ويَحْمِلُ﴾ [الحاقة: ١٧] بِالجَذْبِ ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مُلْكَ رَبِّكَ لِلْأرْضِ والسَّماواتِ ﴿فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيِ: السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ.
قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبْعَ لَيْسَ لِلْكَثْرَةِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ. فَهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، أيْ: مُلْكَ الأرْضِ والسَّماواتِ السَّبْعِ بِالجَذْبِ، كَما هو حاصِلٌ اليَوْمَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِشَكْلٍ عَظِيمٍ جِدًّا.
ثُمَّ قالَ: ولا وجْهَ لِمُعْتَرِضٍ يَقُولُ: إنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مُسَبِّحَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] فَكَيْفَ تُسَبِّحُ السَّماواتُ والأرْضُ؟ لِأنَّهُ يُجابُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]
الحاقة 69:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٧] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]
﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: لِخَرابِ العالَمِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ نَفْسِ الحاقَّةِ، وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها.
﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] أيْ: رُفِعَتا وضُرِبَتا بِبَعْضِهِما مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ. وفي تَوْصِيفِها بِالوَحْدَةِ تَعْظِيمٌ لَها، وإشْعارٌ بِأنَّ المُؤَثِّرَ لِدَكِّ الأرْضِ والجِبالِ وخَرابِ العالَمِ، هي وحْدَها، غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى أُخْرى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] أيْ: نَزَلَتِ النّازِلَةُ، وهي القِيامَةُ.
﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أيِ: انْصَدَعَتْ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] مُتَمَزِّقَةٌ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: جَوانِبِها وأطْرافِها حِينَ تَشَقَّقُ.
﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِن صُفُوفِها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا العَرْشِ العَرْشُ العَظِيمُ، أوِ العَرْشُ الَّذِي يُوضَعُ في الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِفَصْلِ القَضاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي يُؤْمَنُ بِها، ولا يَجِبُ اكْتِناهُها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، (p-٥٩١٥)فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَلامٌ لِبَعْضِ عُلَماءِ الفَلَكِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْهُ. وذَهَبَ بَعْضٌ مِنهم إلى أنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ مُلْكُهُ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وبِ: (الثَّمانِيَةِ) السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ. وعِبارَتُهُ: ﴿ويَحْمِلُ﴾ [الحاقة: ١٧] بِالجَذْبِ ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مُلْكَ رَبِّكَ لِلْأرْضِ والسَّماواتِ ﴿فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيِ: السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ.
قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبْعَ لَيْسَ لِلْكَثْرَةِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ. فَهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، أيْ: مُلْكَ الأرْضِ والسَّماواتِ السَّبْعِ بِالجَذْبِ، كَما هو حاصِلٌ اليَوْمَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِشَكْلٍ عَظِيمٍ جِدًّا.
ثُمَّ قالَ: ولا وجْهَ لِمُعْتَرِضٍ يَقُولُ: إنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مُسَبِّحَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] فَكَيْفَ تُسَبِّحُ السَّماواتُ والأرْضُ؟ لِأنَّهُ يُجابُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]
الحاقة 69:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٧] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]
﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: لِخَرابِ العالَمِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ نَفْسِ الحاقَّةِ، وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها.
﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] أيْ: رُفِعَتا وضُرِبَتا بِبَعْضِهِما مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ. وفي تَوْصِيفِها بِالوَحْدَةِ تَعْظِيمٌ لَها، وإشْعارٌ بِأنَّ المُؤَثِّرَ لِدَكِّ الأرْضِ والجِبالِ وخَرابِ العالَمِ، هي وحْدَها، غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى أُخْرى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] أيْ: نَزَلَتِ النّازِلَةُ، وهي القِيامَةُ.
﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أيِ: انْصَدَعَتْ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] مُتَمَزِّقَةٌ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: جَوانِبِها وأطْرافِها حِينَ تَشَقَّقُ.
﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِن صُفُوفِها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا العَرْشِ العَرْشُ العَظِيمُ، أوِ العَرْشُ الَّذِي يُوضَعُ في الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِفَصْلِ القَضاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى.
ومِثْلُهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي يُؤْمَنُ بِها، ولا يَجِبُ اكْتِناهُها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، (p-٥٩١٥)فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَلامٌ لِبَعْضِ عُلَماءِ الفَلَكِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْهُ. وذَهَبَ بَعْضٌ مِنهم إلى أنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ مُلْكُهُ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وبِ: (الثَّمانِيَةِ) السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ. وعِبارَتُهُ: ﴿ويَحْمِلُ﴾ [الحاقة: ١٧] بِالجَذْبِ ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مُلْكَ رَبِّكَ لِلْأرْضِ والسَّماواتِ ﴿فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيِ: السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ.
قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبْعَ لَيْسَ لِلْكَثْرَةِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ. فَهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، أيْ: مُلْكَ الأرْضِ والسَّماواتِ السَّبْعِ بِالجَذْبِ، كَما هو حاصِلٌ اليَوْمَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِشَكْلٍ عَظِيمٍ جِدًّا.
ثُمَّ قالَ: ولا وجْهَ لِمُعْتَرِضٍ يَقُولُ: إنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مُسَبِّحَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] فَكَيْفَ تُسَبِّحُ السَّماواتُ والأرْضُ؟ لِأنَّهُ يُجابُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]
الحاقة 69:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]
(p-٥٩١٦)﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: عَلى رَبِّكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ أيْ: سَرِيرَةٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا بِسَتْرِ اللَّهِ.
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: عَلّامَةً لِفَوْزِهِ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: تَعالَوْا، أوْ خُذُوا. والهاءُ لِلسَّكْتِ، لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ.
قالَ الشِّهابُ: فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا، وتُثْبَتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وُصِلَ اسْتَغْنى عَنْها. ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّهُ وصْلٌ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وإثْباتُها وصْلًا قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ، ويُلْتَفَتُ لِقَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ: إنَّها لَحْنٌ. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: عَلِمْتُ ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: جَزائِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: فَأعْدَدْتُ لَهُ عُدَّتَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، مُلْتَبِسَةٍ بِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، أوِ الأصْلُ: راضٍ صاحِبُها، فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها، لِجَعْلِها، لِخُلُوصِها عَنِ الشَّوائِبِ، كَأنَّها نَفْسُها راضِيَةٌ مَجازًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، كَما فُصِّلَ في "المُطَوَّلِ".
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ، وهو ما يُقْطَفُ مِن ثَمَرِها ﴿دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أيْ: قَرِيبَةٌ سَهْلَةُ التَّناوُلِ.
﴿كُلُوا﴾ [الحاقة: ٢٤] أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أيِ: الماضِيَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
الحاقة 69:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]
(p-٥٩١٦)﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: عَلى رَبِّكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ أيْ: سَرِيرَةٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا بِسَتْرِ اللَّهِ.
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: عَلّامَةً لِفَوْزِهِ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: تَعالَوْا، أوْ خُذُوا. والهاءُ لِلسَّكْتِ، لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ.
قالَ الشِّهابُ: فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا، وتُثْبَتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وُصِلَ اسْتَغْنى عَنْها. ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّهُ وصْلٌ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وإثْباتُها وصْلًا قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ، ويُلْتَفَتُ لِقَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ: إنَّها لَحْنٌ. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: عَلِمْتُ ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: جَزائِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: فَأعْدَدْتُ لَهُ عُدَّتَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، مُلْتَبِسَةٍ بِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، أوِ الأصْلُ: راضٍ صاحِبُها، فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها، لِجَعْلِها، لِخُلُوصِها عَنِ الشَّوائِبِ، كَأنَّها نَفْسُها راضِيَةٌ مَجازًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، كَما فُصِّلَ في "المُطَوَّلِ".
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ، وهو ما يُقْطَفُ مِن ثَمَرِها ﴿دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أيْ: قَرِيبَةٌ سَهْلَةُ التَّناوُلِ.
﴿كُلُوا﴾ [الحاقة: ٢٤] أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أيِ: الماضِيَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
الحاقة 69:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]
(p-٥٩١٦)﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: عَلى رَبِّكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ أيْ: سَرِيرَةٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا بِسَتْرِ اللَّهِ.
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: عَلّامَةً لِفَوْزِهِ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: تَعالَوْا، أوْ خُذُوا. والهاءُ لِلسَّكْتِ، لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ.
قالَ الشِّهابُ: فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا، وتُثْبَتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وُصِلَ اسْتَغْنى عَنْها. ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّهُ وصْلٌ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وإثْباتُها وصْلًا قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ، ويُلْتَفَتُ لِقَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ: إنَّها لَحْنٌ. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: عَلِمْتُ ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: جَزائِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: فَأعْدَدْتُ لَهُ عُدَّتَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، مُلْتَبِسَةٍ بِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، أوِ الأصْلُ: راضٍ صاحِبُها، فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها، لِجَعْلِها، لِخُلُوصِها عَنِ الشَّوائِبِ، كَأنَّها نَفْسُها راضِيَةٌ مَجازًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، كَما فُصِّلَ في "المُطَوَّلِ".
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ، وهو ما يُقْطَفُ مِن ثَمَرِها ﴿دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أيْ: قَرِيبَةٌ سَهْلَةُ التَّناوُلِ.
﴿كُلُوا﴾ [الحاقة: ٢٤] أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أيِ: الماضِيَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
الحاقة 69:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]
(p-٥٩١٦)﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: عَلى رَبِّكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ أيْ: سَرِيرَةٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا بِسَتْرِ اللَّهِ.
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: عَلّامَةً لِفَوْزِهِ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: تَعالَوْا، أوْ خُذُوا. والهاءُ لِلسَّكْتِ، لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ.
قالَ الشِّهابُ: فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا، وتُثْبَتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وُصِلَ اسْتَغْنى عَنْها. ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّهُ وصْلٌ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وإثْباتُها وصْلًا قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ، ويُلْتَفَتُ لِقَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ: إنَّها لَحْنٌ. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: عَلِمْتُ ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: جَزائِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: فَأعْدَدْتُ لَهُ عُدَّتَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، مُلْتَبِسَةٍ بِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، أوِ الأصْلُ: راضٍ صاحِبُها، فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها، لِجَعْلِها، لِخُلُوصِها عَنِ الشَّوائِبِ، كَأنَّها نَفْسُها راضِيَةٌ مَجازًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، كَما فُصِّلَ في "المُطَوَّلِ".
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ، وهو ما يُقْطَفُ مِن ثَمَرِها ﴿دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أيْ: قَرِيبَةٌ سَهْلَةُ التَّناوُلِ.
﴿كُلُوا﴾ [الحاقة: ٢٤] أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أيِ: الماضِيَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
الحاقة 69:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]
(p-٥٩١٦)﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: عَلى رَبِّكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ أيْ: سَرِيرَةٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا بِسَتْرِ اللَّهِ.
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: عَلّامَةً لِفَوْزِهِ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: تَعالَوْا، أوْ خُذُوا. والهاءُ لِلسَّكْتِ، لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ.
قالَ الشِّهابُ: فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا، وتُثْبَتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وُصِلَ اسْتَغْنى عَنْها. ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّهُ وصْلٌ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وإثْباتُها وصْلًا قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ، ويُلْتَفَتُ لِقَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ: إنَّها لَحْنٌ. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: عَلِمْتُ ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: جَزائِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: فَأعْدَدْتُ لَهُ عُدَّتَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، مُلْتَبِسَةٍ بِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، أوِ الأصْلُ: راضٍ صاحِبُها، فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها، لِجَعْلِها، لِخُلُوصِها عَنِ الشَّوائِبِ، كَأنَّها نَفْسُها راضِيَةٌ مَجازًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، كَما فُصِّلَ في "المُطَوَّلِ".
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ، وهو ما يُقْطَفُ مِن ثَمَرِها ﴿دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أيْ: قَرِيبَةٌ سَهْلَةُ التَّناوُلِ.
﴿كُلُوا﴾ [الحاقة: ٢٤] أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أيِ: الماضِيَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
الحاقة 69:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]
(p-٥٩١٦)﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: عَلى رَبِّكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ أيْ: سَرِيرَةٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا بِسَتْرِ اللَّهِ.
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: عَلّامَةً لِفَوْزِهِ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: تَعالَوْا، أوْ خُذُوا. والهاءُ لِلسَّكْتِ، لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ.
قالَ الشِّهابُ: فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا، وتُثْبَتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وُصِلَ اسْتَغْنى عَنْها. ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّهُ وصْلٌ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وإثْباتُها وصْلًا قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ، ويُلْتَفَتُ لِقَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ: إنَّها لَحْنٌ. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: عَلِمْتُ ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: جَزائِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: فَأعْدَدْتُ لَهُ عُدَّتَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، مُلْتَبِسَةٍ بِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، أوِ الأصْلُ: راضٍ صاحِبُها، فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها، لِجَعْلِها، لِخُلُوصِها عَنِ الشَّوائِبِ، كَأنَّها نَفْسُها راضِيَةٌ مَجازًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، كَما فُصِّلَ في "المُطَوَّلِ".
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ، وهو ما يُقْطَفُ مِن ثَمَرِها ﴿دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أيْ: قَرِيبَةٌ سَهْلَةُ التَّناوُلِ.
﴿كُلُوا﴾ [الحاقة: ٢٤] أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أيِ: الماضِيَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
الحاقة 69:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]
(p-٥٩١٦)﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: عَلى رَبِّكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ أيْ: سَرِيرَةٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا بِسَتْرِ اللَّهِ.
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: عَلّامَةً لِفَوْزِهِ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: تَعالَوْا، أوْ خُذُوا. والهاءُ لِلسَّكْتِ، لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ.
قالَ الشِّهابُ: فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا، وتُثْبَتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وُصِلَ اسْتَغْنى عَنْها. ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّهُ وصْلٌ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وإثْباتُها وصْلًا قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ، ويُلْتَفَتُ لِقَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ: إنَّها لَحْنٌ. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: عَلِمْتُ ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: جَزائِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: فَأعْدَدْتُ لَهُ عُدَّتَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، مُلْتَبِسَةٍ بِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، أوِ الأصْلُ: راضٍ صاحِبُها، فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها، لِجَعْلِها، لِخُلُوصِها عَنِ الشَّوائِبِ، كَأنَّها نَفْسُها راضِيَةٌ مَجازًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، كَما فُصِّلَ في "المُطَوَّلِ".
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ، وهو ما يُقْطَفُ مِن ثَمَرِها ﴿دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أيْ: قَرِيبَةٌ سَهْلَةُ التَّناوُلِ.
﴿كُلُوا﴾ [الحاقة: ٢٤] أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أيِ: الماضِيَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
الحاقة 69:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.
﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.
﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.
(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.
﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.
﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
(p-٥٩١٩)
الحاقة 69:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٣] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣]
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] أيْ: بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ. وهَذا القَسَمُ -كَما قالَ الرّازِيُّ- يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصَرٍ وغَيْرِ مُبْصَرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والعالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ، وهَكَذا. وتَقَدَّمَ في الواقِعَةِ الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ: (لا أُقْسِمُ)، فَتَذَكَّرْ.
﴿إنَّهُ﴾ [الحاقة: ٤٠] أيِ: القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يُبَلِّغُ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] أيْ: كَما تَزْعُمُونَ؛ فَإنَّ بَيْنَ أُسْلُوبِهِ وحَقائِقِهِ، وبَيْنَ وزْنِ الشُّعْلَةِ وخَيالاتِهِ، بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] تُصَدِّقُونَ بِما ظَهَرَ صِدْقُهُ وبُرْهانُهُ، عِنادًا وعُتُوًّا. والقِلَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النَّفْيِ والعَدَمِ. ونُصِبَ " قَلِيلًا " عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أوْ زَمانٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إيمانًا وزَمانًا. والنّاصِبُ " تُؤْمِنُونَ " أوْ " تَذَكَّرُونَ " و" ما " زائِدَةٌ، هَذا ما قالَهُ ابْنُ عادِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً ومَصْدَرِيَّةً.
﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: كَما تَدَّعُونَ أُخْرى بِأنَّهُ مِن سَجْعِ الكُهّانِ (p-٥٩٢٠)﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: تَتَّعِظُونَ وتَعْتَبِرُونَ. قِيلَ: نَفى الإيمانَ في الأوَّلِ، والذِّكْرى في الثّانِي؛ لِأنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ أمْرٌ بَيِّنٌ، لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ. فَلا عُذْرَ لِقائِلِهِ في تَرْكِ الإيمانِ، وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ. وأمّا مُبايَنَتُهُ لِلْكِهانَةِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرٍ ما؛ لِأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ جُعْلًا، ويُجِيبُ عَمّا سُئِلَ عَنْهُ ويَتَكَلَّفُ السَّجْعَ، ويَكْذِبُ كَثِيرًا، وإنِ التَبَسَ عَلى الحَمْقى لِإخْبارِهِ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِكَلامٍ مَنثُورٍ، فَتَأمَّلْ.
﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: مِمَّنْ رَبّاهم بِصُنُوفِ نِعَمِهِ، ومِنها ما نَزَّلَهُ وأوْحاهُ لِيَهْتَدُوا بِهِ إلى سُبُلِ السَّعادَةِ، ومَناهِجِ الفَلاحِ.
الحاقة 69:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٣] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣]
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] أيْ: بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ. وهَذا القَسَمُ -كَما قالَ الرّازِيُّ- يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصَرٍ وغَيْرِ مُبْصَرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والعالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ، وهَكَذا. وتَقَدَّمَ في الواقِعَةِ الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ: (لا أُقْسِمُ)، فَتَذَكَّرْ.
﴿إنَّهُ﴾ [الحاقة: ٤٠] أيِ: القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يُبَلِّغُ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] أيْ: كَما تَزْعُمُونَ؛ فَإنَّ بَيْنَ أُسْلُوبِهِ وحَقائِقِهِ، وبَيْنَ وزْنِ الشُّعْلَةِ وخَيالاتِهِ، بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] تُصَدِّقُونَ بِما ظَهَرَ صِدْقُهُ وبُرْهانُهُ، عِنادًا وعُتُوًّا. والقِلَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النَّفْيِ والعَدَمِ. ونُصِبَ " قَلِيلًا " عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أوْ زَمانٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إيمانًا وزَمانًا. والنّاصِبُ " تُؤْمِنُونَ " أوْ " تَذَكَّرُونَ " و" ما " زائِدَةٌ، هَذا ما قالَهُ ابْنُ عادِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً ومَصْدَرِيَّةً.
﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: كَما تَدَّعُونَ أُخْرى بِأنَّهُ مِن سَجْعِ الكُهّانِ (p-٥٩٢٠)﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: تَتَّعِظُونَ وتَعْتَبِرُونَ. قِيلَ: نَفى الإيمانَ في الأوَّلِ، والذِّكْرى في الثّانِي؛ لِأنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ أمْرٌ بَيِّنٌ، لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ. فَلا عُذْرَ لِقائِلِهِ في تَرْكِ الإيمانِ، وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ. وأمّا مُبايَنَتُهُ لِلْكِهانَةِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرٍ ما؛ لِأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ جُعْلًا، ويُجِيبُ عَمّا سُئِلَ عَنْهُ ويَتَكَلَّفُ السَّجْعَ، ويَكْذِبُ كَثِيرًا، وإنِ التَبَسَ عَلى الحَمْقى لِإخْبارِهِ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِكَلامٍ مَنثُورٍ، فَتَأمَّلْ.
﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: مِمَّنْ رَبّاهم بِصُنُوفِ نِعَمِهِ، ومِنها ما نَزَّلَهُ وأوْحاهُ لِيَهْتَدُوا بِهِ إلى سُبُلِ السَّعادَةِ، ومَناهِجِ الفَلاحِ.
الحاقة 69:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٣] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣]
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] أيْ: بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ. وهَذا القَسَمُ -كَما قالَ الرّازِيُّ- يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصَرٍ وغَيْرِ مُبْصَرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والعالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ، وهَكَذا. وتَقَدَّمَ في الواقِعَةِ الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ: (لا أُقْسِمُ)، فَتَذَكَّرْ.
﴿إنَّهُ﴾ [الحاقة: ٤٠] أيِ: القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يُبَلِّغُ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] أيْ: كَما تَزْعُمُونَ؛ فَإنَّ بَيْنَ أُسْلُوبِهِ وحَقائِقِهِ، وبَيْنَ وزْنِ الشُّعْلَةِ وخَيالاتِهِ، بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] تُصَدِّقُونَ بِما ظَهَرَ صِدْقُهُ وبُرْهانُهُ، عِنادًا وعُتُوًّا. والقِلَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النَّفْيِ والعَدَمِ. ونُصِبَ " قَلِيلًا " عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أوْ زَمانٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إيمانًا وزَمانًا. والنّاصِبُ " تُؤْمِنُونَ " أوْ " تَذَكَّرُونَ " و" ما " زائِدَةٌ، هَذا ما قالَهُ ابْنُ عادِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً ومَصْدَرِيَّةً.
﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: كَما تَدَّعُونَ أُخْرى بِأنَّهُ مِن سَجْعِ الكُهّانِ (p-٥٩٢٠)﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: تَتَّعِظُونَ وتَعْتَبِرُونَ. قِيلَ: نَفى الإيمانَ في الأوَّلِ، والذِّكْرى في الثّانِي؛ لِأنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ أمْرٌ بَيِّنٌ، لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ. فَلا عُذْرَ لِقائِلِهِ في تَرْكِ الإيمانِ، وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ. وأمّا مُبايَنَتُهُ لِلْكِهانَةِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرٍ ما؛ لِأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ جُعْلًا، ويُجِيبُ عَمّا سُئِلَ عَنْهُ ويَتَكَلَّفُ السَّجْعَ، ويَكْذِبُ كَثِيرًا، وإنِ التَبَسَ عَلى الحَمْقى لِإخْبارِهِ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِكَلامٍ مَنثُورٍ، فَتَأمَّلْ.
﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: مِمَّنْ رَبّاهم بِصُنُوفِ نِعَمِهِ، ومِنها ما نَزَّلَهُ وأوْحاهُ لِيَهْتَدُوا بِهِ إلى سُبُلِ السَّعادَةِ، ومَناهِجِ الفَلاحِ.
الحاقة 69:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٣] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣]
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] أيْ: بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ. وهَذا القَسَمُ -كَما قالَ الرّازِيُّ- يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصَرٍ وغَيْرِ مُبْصَرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والعالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ، وهَكَذا. وتَقَدَّمَ في الواقِعَةِ الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ: (لا أُقْسِمُ)، فَتَذَكَّرْ.
﴿إنَّهُ﴾ [الحاقة: ٤٠] أيِ: القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يُبَلِّغُ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] أيْ: كَما تَزْعُمُونَ؛ فَإنَّ بَيْنَ أُسْلُوبِهِ وحَقائِقِهِ، وبَيْنَ وزْنِ الشُّعْلَةِ وخَيالاتِهِ، بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] تُصَدِّقُونَ بِما ظَهَرَ صِدْقُهُ وبُرْهانُهُ، عِنادًا وعُتُوًّا. والقِلَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النَّفْيِ والعَدَمِ. ونُصِبَ " قَلِيلًا " عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أوْ زَمانٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إيمانًا وزَمانًا. والنّاصِبُ " تُؤْمِنُونَ " أوْ " تَذَكَّرُونَ " و" ما " زائِدَةٌ، هَذا ما قالَهُ ابْنُ عادِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً ومَصْدَرِيَّةً.
﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: كَما تَدَّعُونَ أُخْرى بِأنَّهُ مِن سَجْعِ الكُهّانِ (p-٥٩٢٠)﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: تَتَّعِظُونَ وتَعْتَبِرُونَ. قِيلَ: نَفى الإيمانَ في الأوَّلِ، والذِّكْرى في الثّانِي؛ لِأنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ أمْرٌ بَيِّنٌ، لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ. فَلا عُذْرَ لِقائِلِهِ في تَرْكِ الإيمانِ، وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ. وأمّا مُبايَنَتُهُ لِلْكِهانَةِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرٍ ما؛ لِأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ جُعْلًا، ويُجِيبُ عَمّا سُئِلَ عَنْهُ ويَتَكَلَّفُ السَّجْعَ، ويَكْذِبُ كَثِيرًا، وإنِ التَبَسَ عَلى الحَمْقى لِإخْبارِهِ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِكَلامٍ مَنثُورٍ، فَتَأمَّلْ.
﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: مِمَّنْ رَبّاهم بِصُنُوفِ نِعَمِهِ، ومِنها ما نَزَّلَهُ وأوْحاهُ لِيَهْتَدُوا بِهِ إلى سُبُلِ السَّعادَةِ، ومَناهِجِ الفَلاحِ.
الحاقة 69:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٣] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣]
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] أيْ: بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ. وهَذا القَسَمُ -كَما قالَ الرّازِيُّ- يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصَرٍ وغَيْرِ مُبْصَرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والعالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ، وهَكَذا. وتَقَدَّمَ في الواقِعَةِ الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ: (لا أُقْسِمُ)، فَتَذَكَّرْ.
﴿إنَّهُ﴾ [الحاقة: ٤٠] أيِ: القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يُبَلِّغُ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] أيْ: كَما تَزْعُمُونَ؛ فَإنَّ بَيْنَ أُسْلُوبِهِ وحَقائِقِهِ، وبَيْنَ وزْنِ الشُّعْلَةِ وخَيالاتِهِ، بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] تُصَدِّقُونَ بِما ظَهَرَ صِدْقُهُ وبُرْهانُهُ، عِنادًا وعُتُوًّا. والقِلَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النَّفْيِ والعَدَمِ. ونُصِبَ " قَلِيلًا " عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أوْ زَمانٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إيمانًا وزَمانًا. والنّاصِبُ " تُؤْمِنُونَ " أوْ " تَذَكَّرُونَ " و" ما " زائِدَةٌ، هَذا ما قالَهُ ابْنُ عادِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً ومَصْدَرِيَّةً.
﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: كَما تَدَّعُونَ أُخْرى بِأنَّهُ مِن سَجْعِ الكُهّانِ (p-٥٩٢٠)﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: تَتَّعِظُونَ وتَعْتَبِرُونَ. قِيلَ: نَفى الإيمانَ في الأوَّلِ، والذِّكْرى في الثّانِي؛ لِأنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ أمْرٌ بَيِّنٌ، لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ. فَلا عُذْرَ لِقائِلِهِ في تَرْكِ الإيمانِ، وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ. وأمّا مُبايَنَتُهُ لِلْكِهانَةِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرٍ ما؛ لِأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ جُعْلًا، ويُجِيبُ عَمّا سُئِلَ عَنْهُ ويَتَكَلَّفُ السَّجْعَ، ويَكْذِبُ كَثِيرًا، وإنِ التَبَسَ عَلى الحَمْقى لِإخْبارِهِ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِكَلامٍ مَنثُورٍ، فَتَأمَّلْ.
﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: مِمَّنْ رَبّاهم بِصُنُوفِ نِعَمِهِ، ومِنها ما نَزَّلَهُ وأوْحاهُ لِيَهْتَدُوا بِهِ إلى سُبُلِ السَّعادَةِ، ومَناهِجِ الفَلاحِ.
الحاقة 69:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٣] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣]
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] أيْ: بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ. وهَذا القَسَمُ -كَما قالَ الرّازِيُّ- يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصَرٍ وغَيْرِ مُبْصَرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والعالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ، وهَكَذا. وتَقَدَّمَ في الواقِعَةِ الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ: (لا أُقْسِمُ)، فَتَذَكَّرْ.
﴿إنَّهُ﴾ [الحاقة: ٤٠] أيِ: القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يُبَلِّغُ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] أيْ: كَما تَزْعُمُونَ؛ فَإنَّ بَيْنَ أُسْلُوبِهِ وحَقائِقِهِ، وبَيْنَ وزْنِ الشُّعْلَةِ وخَيالاتِهِ، بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] تُصَدِّقُونَ بِما ظَهَرَ صِدْقُهُ وبُرْهانُهُ، عِنادًا وعُتُوًّا. والقِلَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النَّفْيِ والعَدَمِ. ونُصِبَ " قَلِيلًا " عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أوْ زَمانٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إيمانًا وزَمانًا. والنّاصِبُ " تُؤْمِنُونَ " أوْ " تَذَكَّرُونَ " و" ما " زائِدَةٌ، هَذا ما قالَهُ ابْنُ عادِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً ومَصْدَرِيَّةً.
﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: كَما تَدَّعُونَ أُخْرى بِأنَّهُ مِن سَجْعِ الكُهّانِ (p-٥٩٢٠)﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: تَتَّعِظُونَ وتَعْتَبِرُونَ. قِيلَ: نَفى الإيمانَ في الأوَّلِ، والذِّكْرى في الثّانِي؛ لِأنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ أمْرٌ بَيِّنٌ، لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ. فَلا عُذْرَ لِقائِلِهِ في تَرْكِ الإيمانِ، وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ. وأمّا مُبايَنَتُهُ لِلْكِهانَةِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرٍ ما؛ لِأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ جُعْلًا، ويُجِيبُ عَمّا سُئِلَ عَنْهُ ويَتَكَلَّفُ السَّجْعَ، ويَكْذِبُ كَثِيرًا، وإنِ التَبَسَ عَلى الحَمْقى لِإخْبارِهِ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِكَلامٍ مَنثُورٍ، فَتَأمَّلْ.
﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: مِمَّنْ رَبّاهم بِصُنُوفِ نِعَمِهِ، ومِنها ما نَزَّلَهُ وأوْحاهُ لِيَهْتَدُوا بِهِ إلى سُبُلِ السَّعادَةِ، ومَناهِجِ الفَلاحِ.
الحاقة 69:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٧] ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]
﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيِ: افْتَرى عَلَيْنا. وسَمّى الكَذِبَ تَقَوُّلًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، كَما تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ. و﴿الأقاوِيلِ﴾ إمّا جَمْعُ قَوْلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ، أوْ جَمْعُ الجَمْعِ كالأناعِيمِ، جَمْعُ أقْوالٍ وأنْعامٍ. قِيلَ: تَسْمِيَةُ الأقْوالِ المُفْتَراةِ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، كالأضاحِيكِ.
﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لَأخَذْنا مِنهُ بِالقُوَّةِ مِنّا والقُدْرَةِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ نِياطَ القَلْبِ؛ وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعاجِلُهُ بِالعُقُوبَةِ، ولا يُؤَخِّرُهُ بِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لِأخْذِنا مِنهُ بِاليَدِ اليُمْنى (p-٥٩٢١)مِن يَدَيْهِ. قالَ: وإنَّما ذَلِكَ كَقَوْلِ ذِي السُّلْطانِ إذا أرادَ الِاسْتِخْفافَ بِبَعْضِ مَن بَيْنِ يَدَيْهِ لِبَعْضِ أعْوانِهِ: خُذْ بِيَدِهِ فَأقِمْهُ، وافْعَلْ بِهِ كَذا وكَذا، قالُوا: وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أيْ: لَأهَنّاهُ، كالَّذِي يَفْعَلُ بِالَّذِي وصَفْنا حالَهُ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: لَوِ ادَّعى عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، مُعالَجَةً بِالسُّخْطِ والِانْتِقامِ. فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ، وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ؛ وخُصَّ اليَمِينُ عَنِ اليَسارِ؛ لِأنَّ القاتِلَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أُخِذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ، وأنْ يَكْفَحَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ، لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ، فَمَعْنى ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] لَقَطَعْنا وتِينَهُ، وهَذا بَيِّنٌ. انْتَهى.
وما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أبْلَغُ في المُرادِ، وهو بَيانُ المُعاقَبَةِ بِأشَدِّ العُقُوبَةِ؛ إذْ عَلى الأوَّلِ يَفُوتُ التَّصْوِيرُ والتَّفْصِيلُ والإجْمالُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] بَعْدَ ﴿لأخَذْنا مِنهُ﴾ [الحاقة: ٤٥] بَيانٌ بَعْدَ الإبْهامِ، ويَصِيرُ قَوْلُهُ: " مِنهُ " زائِدًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ويُرْتَكَبُ المَجازُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أيْضًا، كَما في "العِنايَةِ".
﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] أيْ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُنا عَنْهُ، ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ عُقُوبَتِهِ، لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا.
الحاقة 69:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٧] ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]
﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيِ: افْتَرى عَلَيْنا. وسَمّى الكَذِبَ تَقَوُّلًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، كَما تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ. و﴿الأقاوِيلِ﴾ إمّا جَمْعُ قَوْلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ، أوْ جَمْعُ الجَمْعِ كالأناعِيمِ، جَمْعُ أقْوالٍ وأنْعامٍ. قِيلَ: تَسْمِيَةُ الأقْوالِ المُفْتَراةِ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، كالأضاحِيكِ.
﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لَأخَذْنا مِنهُ بِالقُوَّةِ مِنّا والقُدْرَةِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ نِياطَ القَلْبِ؛ وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعاجِلُهُ بِالعُقُوبَةِ، ولا يُؤَخِّرُهُ بِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لِأخْذِنا مِنهُ بِاليَدِ اليُمْنى (p-٥٩٢١)مِن يَدَيْهِ. قالَ: وإنَّما ذَلِكَ كَقَوْلِ ذِي السُّلْطانِ إذا أرادَ الِاسْتِخْفافَ بِبَعْضِ مَن بَيْنِ يَدَيْهِ لِبَعْضِ أعْوانِهِ: خُذْ بِيَدِهِ فَأقِمْهُ، وافْعَلْ بِهِ كَذا وكَذا، قالُوا: وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أيْ: لَأهَنّاهُ، كالَّذِي يَفْعَلُ بِالَّذِي وصَفْنا حالَهُ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: لَوِ ادَّعى عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، مُعالَجَةً بِالسُّخْطِ والِانْتِقامِ. فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ، وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ؛ وخُصَّ اليَمِينُ عَنِ اليَسارِ؛ لِأنَّ القاتِلَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أُخِذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ، وأنْ يَكْفَحَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ، لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ، فَمَعْنى ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] لَقَطَعْنا وتِينَهُ، وهَذا بَيِّنٌ. انْتَهى.
وما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أبْلَغُ في المُرادِ، وهو بَيانُ المُعاقَبَةِ بِأشَدِّ العُقُوبَةِ؛ إذْ عَلى الأوَّلِ يَفُوتُ التَّصْوِيرُ والتَّفْصِيلُ والإجْمالُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] بَعْدَ ﴿لأخَذْنا مِنهُ﴾ [الحاقة: ٤٥] بَيانٌ بَعْدَ الإبْهامِ، ويَصِيرُ قَوْلُهُ: " مِنهُ " زائِدًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ويُرْتَكَبُ المَجازُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أيْضًا، كَما في "العِنايَةِ".
﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] أيْ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُنا عَنْهُ، ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ عُقُوبَتِهِ، لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا.
الحاقة 69:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٧] ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]
﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيِ: افْتَرى عَلَيْنا. وسَمّى الكَذِبَ تَقَوُّلًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، كَما تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ. و﴿الأقاوِيلِ﴾ إمّا جَمْعُ قَوْلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ، أوْ جَمْعُ الجَمْعِ كالأناعِيمِ، جَمْعُ أقْوالٍ وأنْعامٍ. قِيلَ: تَسْمِيَةُ الأقْوالِ المُفْتَراةِ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، كالأضاحِيكِ.
﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لَأخَذْنا مِنهُ بِالقُوَّةِ مِنّا والقُدْرَةِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ نِياطَ القَلْبِ؛ وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعاجِلُهُ بِالعُقُوبَةِ، ولا يُؤَخِّرُهُ بِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لِأخْذِنا مِنهُ بِاليَدِ اليُمْنى (p-٥٩٢١)مِن يَدَيْهِ. قالَ: وإنَّما ذَلِكَ كَقَوْلِ ذِي السُّلْطانِ إذا أرادَ الِاسْتِخْفافَ بِبَعْضِ مَن بَيْنِ يَدَيْهِ لِبَعْضِ أعْوانِهِ: خُذْ بِيَدِهِ فَأقِمْهُ، وافْعَلْ بِهِ كَذا وكَذا، قالُوا: وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أيْ: لَأهَنّاهُ، كالَّذِي يَفْعَلُ بِالَّذِي وصَفْنا حالَهُ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: لَوِ ادَّعى عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، مُعالَجَةً بِالسُّخْطِ والِانْتِقامِ. فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ، وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ؛ وخُصَّ اليَمِينُ عَنِ اليَسارِ؛ لِأنَّ القاتِلَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أُخِذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ، وأنْ يَكْفَحَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ، لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ، فَمَعْنى ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] لَقَطَعْنا وتِينَهُ، وهَذا بَيِّنٌ. انْتَهى.
وما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أبْلَغُ في المُرادِ، وهو بَيانُ المُعاقَبَةِ بِأشَدِّ العُقُوبَةِ؛ إذْ عَلى الأوَّلِ يَفُوتُ التَّصْوِيرُ والتَّفْصِيلُ والإجْمالُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] بَعْدَ ﴿لأخَذْنا مِنهُ﴾ [الحاقة: ٤٥] بَيانٌ بَعْدَ الإبْهامِ، ويَصِيرُ قَوْلُهُ: " مِنهُ " زائِدًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ويُرْتَكَبُ المَجازُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أيْضًا، كَما في "العِنايَةِ".
﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] أيْ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُنا عَنْهُ، ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ عُقُوبَتِهِ، لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا.
الحاقة 69:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٧] ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]
﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيِ: افْتَرى عَلَيْنا. وسَمّى الكَذِبَ تَقَوُّلًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، كَما تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ. و﴿الأقاوِيلِ﴾ إمّا جَمْعُ قَوْلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ، أوْ جَمْعُ الجَمْعِ كالأناعِيمِ، جَمْعُ أقْوالٍ وأنْعامٍ. قِيلَ: تَسْمِيَةُ الأقْوالِ المُفْتَراةِ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، كالأضاحِيكِ.
﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لَأخَذْنا مِنهُ بِالقُوَّةِ مِنّا والقُدْرَةِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ نِياطَ القَلْبِ؛ وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعاجِلُهُ بِالعُقُوبَةِ، ولا يُؤَخِّرُهُ بِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لِأخْذِنا مِنهُ بِاليَدِ اليُمْنى (p-٥٩٢١)مِن يَدَيْهِ. قالَ: وإنَّما ذَلِكَ كَقَوْلِ ذِي السُّلْطانِ إذا أرادَ الِاسْتِخْفافَ بِبَعْضِ مَن بَيْنِ يَدَيْهِ لِبَعْضِ أعْوانِهِ: خُذْ بِيَدِهِ فَأقِمْهُ، وافْعَلْ بِهِ كَذا وكَذا، قالُوا: وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أيْ: لَأهَنّاهُ، كالَّذِي يَفْعَلُ بِالَّذِي وصَفْنا حالَهُ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: لَوِ ادَّعى عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، مُعالَجَةً بِالسُّخْطِ والِانْتِقامِ. فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ، وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ؛ وخُصَّ اليَمِينُ عَنِ اليَسارِ؛ لِأنَّ القاتِلَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أُخِذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ، وأنْ يَكْفَحَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ، لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ، فَمَعْنى ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] لَقَطَعْنا وتِينَهُ، وهَذا بَيِّنٌ. انْتَهى.
وما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أبْلَغُ في المُرادِ، وهو بَيانُ المُعاقَبَةِ بِأشَدِّ العُقُوبَةِ؛ إذْ عَلى الأوَّلِ يَفُوتُ التَّصْوِيرُ والتَّفْصِيلُ والإجْمالُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] بَعْدَ ﴿لأخَذْنا مِنهُ﴾ [الحاقة: ٤٥] بَيانٌ بَعْدَ الإبْهامِ، ويَصِيرُ قَوْلُهُ: " مِنهُ " زائِدًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ويُرْتَكَبُ المَجازُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أيْضًا، كَما في "العِنايَةِ".
﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] أيْ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُنا عَنْهُ، ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ عُقُوبَتِهِ، لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا.
الحاقة 69:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢]
(p-٥٩٢٢)﴿وإنَّهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ لِمَن يَتَّقِي عِقابَ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ وحْدَهُ، وما نَزَلَ مِن عِنْدِهِ.
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] أيْ: لَهُ، إيثارًا لِلدُّنْيا والهَوى، أيْ: فَنُجازِيكم عَلى إعْراضِكم.
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] أيْ: نَدامَةٌ عَلَيْهِمْ، إذا رَأوْا ثَوابَ المُؤْمِنِينَ بِهِ.
﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أيْ: لَلْحَقُّ اليَقِينُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِ اسْمِهِ، وادْأبْ عَلى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ وحْدَهُ، وإلى ما أوْحاهُ إلَيْكَ. فالعاقِبَةُ لَكَ، ولِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
الحاقة 69:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢]
(p-٥٩٢٢)﴿وإنَّهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ لِمَن يَتَّقِي عِقابَ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ وحْدَهُ، وما نَزَلَ مِن عِنْدِهِ.
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] أيْ: لَهُ، إيثارًا لِلدُّنْيا والهَوى، أيْ: فَنُجازِيكم عَلى إعْراضِكم.
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] أيْ: نَدامَةٌ عَلَيْهِمْ، إذا رَأوْا ثَوابَ المُؤْمِنِينَ بِهِ.
﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أيْ: لَلْحَقُّ اليَقِينُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِ اسْمِهِ، وادْأبْ عَلى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ وحْدَهُ، وإلى ما أوْحاهُ إلَيْكَ. فالعاقِبَةُ لَكَ، ولِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
الحاقة 69:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢]
(p-٥٩٢٢)﴿وإنَّهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ لِمَن يَتَّقِي عِقابَ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ وحْدَهُ، وما نَزَلَ مِن عِنْدِهِ.
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] أيْ: لَهُ، إيثارًا لِلدُّنْيا والهَوى، أيْ: فَنُجازِيكم عَلى إعْراضِكم.
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] أيْ: نَدامَةٌ عَلَيْهِمْ، إذا رَأوْا ثَوابَ المُؤْمِنِينَ بِهِ.
﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أيْ: لَلْحَقُّ اليَقِينُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِ اسْمِهِ، وادْأبْ عَلى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ وحْدَهُ، وإلى ما أوْحاهُ إلَيْكَ. فالعاقِبَةُ لَكَ، ولِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
الحاقة 69:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢]
(p-٥٩٢٢)﴿وإنَّهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ لِمَن يَتَّقِي عِقابَ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ وحْدَهُ، وما نَزَلَ مِن عِنْدِهِ.
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] أيْ: لَهُ، إيثارًا لِلدُّنْيا والهَوى، أيْ: فَنُجازِيكم عَلى إعْراضِكم.
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] أيْ: نَدامَةٌ عَلَيْهِمْ، إذا رَأوْا ثَوابَ المُؤْمِنِينَ بِهِ.
﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أيْ: لَلْحَقُّ اليَقِينُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِ اسْمِهِ، وادْأبْ عَلى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ وحْدَهُ، وإلى ما أوْحاهُ إلَيْكَ. فالعاقِبَةُ لَكَ، ولِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
الحاقة 69:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢]
(p-٥٩٢٢)﴿وإنَّهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ لِمَن يَتَّقِي عِقابَ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ وحْدَهُ، وما نَزَلَ مِن عِنْدِهِ.
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] أيْ: لَهُ، إيثارًا لِلدُّنْيا والهَوى، أيْ: فَنُجازِيكم عَلى إعْراضِكم.
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] أيْ: نَدامَةٌ عَلَيْهِمْ، إذا رَأوْا ثَوابَ المُؤْمِنِينَ بِهِ.
﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أيْ: لَلْحَقُّ اليَقِينُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِ اسْمِهِ، وادْأبْ عَلى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ وحْدَهُ، وإلى ما أوْحاهُ إلَيْكَ. فالعاقِبَةُ لَكَ، ولِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.