Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — المزمل 73:1 – القيامة 75:40
المحتويات
- المزمل 73:1
- المزمل 73:2
- المزمل 73:3
- المزمل 73:4
- المزمل 73:5
- المزمل 73:6
- المزمل 73:7
- المزمل 73:8
- المزمل 73:9
- المزمل 73:10
- المزمل 73:11
- المزمل 73:12
- المزمل 73:13
- المزمل 73:14
- المزمل 73:15
- المزمل 73:16
- المزمل 73:17
- المزمل 73:18
- المزمل 73:19
- المزمل 73:20
- المدثر 74:1
- المدثر 74:2
- المدثر 74:3
- المدثر 74:4
- المدثر 74:5
- المدثر 74:6
- المدثر 74:7
- المدثر 74:8
- المدثر 74:9
- المدثر 74:10
- المدثر 74:11
- المدثر 74:12
- المدثر 74:13
- المدثر 74:14
- المدثر 74:15
- المدثر 74:16
- المدثر 74:17
- المدثر 74:18
- المدثر 74:19
- المدثر 74:20
- المدثر 74:21
- المدثر 74:22
- المدثر 74:23
- المدثر 74:24
- المدثر 74:25
- المدثر 74:26
- المدثر 74:27
- المدثر 74:28
- المدثر 74:29
- المدثر 74:30
- المدثر 74:31
- المدثر 74:32
- المدثر 74:33
- المدثر 74:34
- المدثر 74:35
- المدثر 74:36
- المدثر 74:37
- المدثر 74:38
- المدثر 74:39
- المدثر 74:40
- المدثر 74:41
- المدثر 74:42
- المدثر 74:43
- المدثر 74:44
- المدثر 74:45
- المدثر 74:46
- المدثر 74:47
- المدثر 74:48
- المدثر 74:49
- المدثر 74:50
- المدثر 74:51
- المدثر 74:52
- المدثر 74:53
- المدثر 74:54
- المدثر 74:55
- المدثر 74:56
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:3
- القيامة 75:4
- القيامة 75:5
- القيامة 75:6
- القيامة 75:7
- القيامة 75:8
- القيامة 75:9
- القيامة 75:10
- القيامة 75:11
- القيامة 75:12
- القيامة 75:13
- القيامة 75:14
- القيامة 75:15
- القيامة 75:16
- القيامة 75:17
- القيامة 75:18
- القيامة 75:19
- القيامة 75:20
- القيامة 75:21
- القيامة 75:22
- القيامة 75:23
- القيامة 75:24
- القيامة 75:25
- القيامة 75:26
- القيامة 75:27
- القيامة 75:28
- القيامة 75:29
- القيامة 75:30
- القيامة 75:31
- القيامة 75:32
- القيامة 75:33
- القيامة 75:34
- القيامة 75:35
- القيامة 75:36
- القيامة 75:37
- القيامة 75:38
- القيامة 75:39
- القيامة 75:40
المزمل 73:1
(p-٥٩٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى عِظَمِ أمْرِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ أقْوى الخَلائِقِ كانَ يَرْتَعِدُ عِنْدَهُ فَيَتَزَمَّلُ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وآيُها عِشْرُونَ.
(p-٥٩٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤]
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ: المُتَزَمِّلُ. مِن تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ إذا تَلَفَّفَ بِها. فَأدْغَمَ التّاءَ في الزّايِ؛ خُوطِبَ ﷺ بِحِكايَةِ حالِهِ وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ، مُلاطَفَةً وتَأْنِيسًا وتَنْشِيطًا لِلتَّشَمُّرِ لِقِيامِ اللَّيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُتَحَمِّلُ أعْباءَ النُّبُوَّةِ، مِن تَزَمَّلَ الزِّمْلَ، إذا تَحَمَّلَ الحِمْلَ؛ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ إجْراءَ التَّبْلِيغِ بِتَحَمُّلِ الحَمْلِ الثَّقِيلِ، بِجامِعِ المَشَقَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، واعْتِضادِهِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لا وجْهَ لِادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ.
وقَدْ يُجابُ بِأنَّ الأحادِيثَ رُوِيَتْ في نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، لا في هَذِهِ السُّورَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، إلّا أنْ يُقالَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] أيْ: فِيهِ لِلصَّلاةِ، ودَعِ التَّزَمُّلَ لِلْهُجُوعِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] أيْ: بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ لِلِاسْتِراحَةِ، ومَصالِحِ البَدَنِ الَّتِي لا يُمْكِنُ بَقاؤُهُ بِدُونِها.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَدْرَ القِيامِ مُخَيِّرًا لَهُ بِقَوْلِهِ:
﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: نِصْفَ اللَّيْلِ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ.
﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: مِنَ النِّصْفِ ﴿قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أيْ: إلى الثُّلْثِ.
﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] أيِ: النِّصْفَ إلى الثُّلْثَيْنِ، والمَقْصُودُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ وما فَوْقَهُ وما دُونَهُ. ولا يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ النِّصْفُ قَلِيلًا وهو مُساوٍ لِلنِّصْفِ الآخَرِ؟ لِأنَّ القِلَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، لا إلى عَدِيلِهِ.
(p-٥٩٥٩)﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] أيْ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، وتَرَسَّلْ فِيهِ تَرَسُّلًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَرْتِيلُ القُرْآنِ قِراءَتُهُ عَلى تَرَسُّلٍ وتُؤَدَةٍ، بِتَبْيِينِ الحَرْفِ، وإشْباعِ الحَرَكاتِ، حَتّى يَجِيءَ المَتْلُوُّ مِنهُ شَبِيهًا بِالثَّغْرِ المُرَتِّلِ، وهو المُفَلَّجُ المُشَبَّهُ بِنُورِ الأُقْحُوانِ، وأنْ لا يَهُذَّهُ هَذا، ولا يَسْرُدَهُ سَرْدًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ اسْتِحْبابُ تَرْتِيلِ القِراءَةِ، وأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الهَذِّ بِهِ، وهو واضِحٌ.
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ أنَّهُ ﷺ ««كانَ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً، وأنَّها كانَتْ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا، وأنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى رُؤُوسِ الآيِ»» .
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ التَّرْتِيلَ والتَّدَبُّرَ، مَعَ قِلَّةِ القِراءَةِ أفْضَلُ مِن سُرْعَةِ القِراءَةِ مَعَ كَثْرَتِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ القُرْآنِ فَهْمُهُ وتَدَبُّرُهُ، والفِقْهُ فِيهِ، والعَمَلُ بِهِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا تَهُذُّوا القُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، ولا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ، وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخِرَ السُّورَةِ.
المزمل 73:2
(p-٥٩٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى عِظَمِ أمْرِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ أقْوى الخَلائِقِ كانَ يَرْتَعِدُ عِنْدَهُ فَيَتَزَمَّلُ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وآيُها عِشْرُونَ.
(p-٥٩٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤]
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ: المُتَزَمِّلُ. مِن تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ إذا تَلَفَّفَ بِها. فَأدْغَمَ التّاءَ في الزّايِ؛ خُوطِبَ ﷺ بِحِكايَةِ حالِهِ وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ، مُلاطَفَةً وتَأْنِيسًا وتَنْشِيطًا لِلتَّشَمُّرِ لِقِيامِ اللَّيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُتَحَمِّلُ أعْباءَ النُّبُوَّةِ، مِن تَزَمَّلَ الزِّمْلَ، إذا تَحَمَّلَ الحِمْلَ؛ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ إجْراءَ التَّبْلِيغِ بِتَحَمُّلِ الحَمْلِ الثَّقِيلِ، بِجامِعِ المَشَقَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، واعْتِضادِهِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لا وجْهَ لِادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ.
وقَدْ يُجابُ بِأنَّ الأحادِيثَ رُوِيَتْ في نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، لا في هَذِهِ السُّورَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، إلّا أنْ يُقالَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] أيْ: فِيهِ لِلصَّلاةِ، ودَعِ التَّزَمُّلَ لِلْهُجُوعِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] أيْ: بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ لِلِاسْتِراحَةِ، ومَصالِحِ البَدَنِ الَّتِي لا يُمْكِنُ بَقاؤُهُ بِدُونِها.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَدْرَ القِيامِ مُخَيِّرًا لَهُ بِقَوْلِهِ:
﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: نِصْفَ اللَّيْلِ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ.
﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: مِنَ النِّصْفِ ﴿قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أيْ: إلى الثُّلْثِ.
﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] أيِ: النِّصْفَ إلى الثُّلْثَيْنِ، والمَقْصُودُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ وما فَوْقَهُ وما دُونَهُ. ولا يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ النِّصْفُ قَلِيلًا وهو مُساوٍ لِلنِّصْفِ الآخَرِ؟ لِأنَّ القِلَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، لا إلى عَدِيلِهِ.
(p-٥٩٥٩)﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] أيْ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، وتَرَسَّلْ فِيهِ تَرَسُّلًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَرْتِيلُ القُرْآنِ قِراءَتُهُ عَلى تَرَسُّلٍ وتُؤَدَةٍ، بِتَبْيِينِ الحَرْفِ، وإشْباعِ الحَرَكاتِ، حَتّى يَجِيءَ المَتْلُوُّ مِنهُ شَبِيهًا بِالثَّغْرِ المُرَتِّلِ، وهو المُفَلَّجُ المُشَبَّهُ بِنُورِ الأُقْحُوانِ، وأنْ لا يَهُذَّهُ هَذا، ولا يَسْرُدَهُ سَرْدًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ اسْتِحْبابُ تَرْتِيلِ القِراءَةِ، وأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الهَذِّ بِهِ، وهو واضِحٌ.
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ أنَّهُ ﷺ ««كانَ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً، وأنَّها كانَتْ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا، وأنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى رُؤُوسِ الآيِ»» .
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ التَّرْتِيلَ والتَّدَبُّرَ، مَعَ قِلَّةِ القِراءَةِ أفْضَلُ مِن سُرْعَةِ القِراءَةِ مَعَ كَثْرَتِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ القُرْآنِ فَهْمُهُ وتَدَبُّرُهُ، والفِقْهُ فِيهِ، والعَمَلُ بِهِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا تَهُذُّوا القُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، ولا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ، وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخِرَ السُّورَةِ.
المزمل 73:3
(p-٥٩٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى عِظَمِ أمْرِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ أقْوى الخَلائِقِ كانَ يَرْتَعِدُ عِنْدَهُ فَيَتَزَمَّلُ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وآيُها عِشْرُونَ.
(p-٥٩٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤]
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ: المُتَزَمِّلُ. مِن تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ إذا تَلَفَّفَ بِها. فَأدْغَمَ التّاءَ في الزّايِ؛ خُوطِبَ ﷺ بِحِكايَةِ حالِهِ وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ، مُلاطَفَةً وتَأْنِيسًا وتَنْشِيطًا لِلتَّشَمُّرِ لِقِيامِ اللَّيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُتَحَمِّلُ أعْباءَ النُّبُوَّةِ، مِن تَزَمَّلَ الزِّمْلَ، إذا تَحَمَّلَ الحِمْلَ؛ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ إجْراءَ التَّبْلِيغِ بِتَحَمُّلِ الحَمْلِ الثَّقِيلِ، بِجامِعِ المَشَقَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، واعْتِضادِهِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لا وجْهَ لِادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ.
وقَدْ يُجابُ بِأنَّ الأحادِيثَ رُوِيَتْ في نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، لا في هَذِهِ السُّورَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، إلّا أنْ يُقالَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] أيْ: فِيهِ لِلصَّلاةِ، ودَعِ التَّزَمُّلَ لِلْهُجُوعِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] أيْ: بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ لِلِاسْتِراحَةِ، ومَصالِحِ البَدَنِ الَّتِي لا يُمْكِنُ بَقاؤُهُ بِدُونِها.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَدْرَ القِيامِ مُخَيِّرًا لَهُ بِقَوْلِهِ:
﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: نِصْفَ اللَّيْلِ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ.
﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: مِنَ النِّصْفِ ﴿قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أيْ: إلى الثُّلْثِ.
﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] أيِ: النِّصْفَ إلى الثُّلْثَيْنِ، والمَقْصُودُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ وما فَوْقَهُ وما دُونَهُ. ولا يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ النِّصْفُ قَلِيلًا وهو مُساوٍ لِلنِّصْفِ الآخَرِ؟ لِأنَّ القِلَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، لا إلى عَدِيلِهِ.
(p-٥٩٥٩)﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] أيْ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، وتَرَسَّلْ فِيهِ تَرَسُّلًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَرْتِيلُ القُرْآنِ قِراءَتُهُ عَلى تَرَسُّلٍ وتُؤَدَةٍ، بِتَبْيِينِ الحَرْفِ، وإشْباعِ الحَرَكاتِ، حَتّى يَجِيءَ المَتْلُوُّ مِنهُ شَبِيهًا بِالثَّغْرِ المُرَتِّلِ، وهو المُفَلَّجُ المُشَبَّهُ بِنُورِ الأُقْحُوانِ، وأنْ لا يَهُذَّهُ هَذا، ولا يَسْرُدَهُ سَرْدًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ اسْتِحْبابُ تَرْتِيلِ القِراءَةِ، وأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الهَذِّ بِهِ، وهو واضِحٌ.
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ أنَّهُ ﷺ ««كانَ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً، وأنَّها كانَتْ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا، وأنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى رُؤُوسِ الآيِ»» .
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ التَّرْتِيلَ والتَّدَبُّرَ، مَعَ قِلَّةِ القِراءَةِ أفْضَلُ مِن سُرْعَةِ القِراءَةِ مَعَ كَثْرَتِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ القُرْآنِ فَهْمُهُ وتَدَبُّرُهُ، والفِقْهُ فِيهِ، والعَمَلُ بِهِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا تَهُذُّوا القُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، ولا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ، وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخِرَ السُّورَةِ.
المزمل 73:4
(p-٥٩٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى عِظَمِ أمْرِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ أقْوى الخَلائِقِ كانَ يَرْتَعِدُ عِنْدَهُ فَيَتَزَمَّلُ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وآيُها عِشْرُونَ.
(p-٥٩٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤]
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ: المُتَزَمِّلُ. مِن تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ إذا تَلَفَّفَ بِها. فَأدْغَمَ التّاءَ في الزّايِ؛ خُوطِبَ ﷺ بِحِكايَةِ حالِهِ وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ، مُلاطَفَةً وتَأْنِيسًا وتَنْشِيطًا لِلتَّشَمُّرِ لِقِيامِ اللَّيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُتَحَمِّلُ أعْباءَ النُّبُوَّةِ، مِن تَزَمَّلَ الزِّمْلَ، إذا تَحَمَّلَ الحِمْلَ؛ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ إجْراءَ التَّبْلِيغِ بِتَحَمُّلِ الحَمْلِ الثَّقِيلِ، بِجامِعِ المَشَقَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، واعْتِضادِهِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لا وجْهَ لِادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ.
وقَدْ يُجابُ بِأنَّ الأحادِيثَ رُوِيَتْ في نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، لا في هَذِهِ السُّورَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، إلّا أنْ يُقالَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] أيْ: فِيهِ لِلصَّلاةِ، ودَعِ التَّزَمُّلَ لِلْهُجُوعِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] أيْ: بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ لِلِاسْتِراحَةِ، ومَصالِحِ البَدَنِ الَّتِي لا يُمْكِنُ بَقاؤُهُ بِدُونِها.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَدْرَ القِيامِ مُخَيِّرًا لَهُ بِقَوْلِهِ:
﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: نِصْفَ اللَّيْلِ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ.
﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: مِنَ النِّصْفِ ﴿قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أيْ: إلى الثُّلْثِ.
﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] أيِ: النِّصْفَ إلى الثُّلْثَيْنِ، والمَقْصُودُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ وما فَوْقَهُ وما دُونَهُ. ولا يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ النِّصْفُ قَلِيلًا وهو مُساوٍ لِلنِّصْفِ الآخَرِ؟ لِأنَّ القِلَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، لا إلى عَدِيلِهِ.
(p-٥٩٥٩)﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] أيْ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، وتَرَسَّلْ فِيهِ تَرَسُّلًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَرْتِيلُ القُرْآنِ قِراءَتُهُ عَلى تَرَسُّلٍ وتُؤَدَةٍ، بِتَبْيِينِ الحَرْفِ، وإشْباعِ الحَرَكاتِ، حَتّى يَجِيءَ المَتْلُوُّ مِنهُ شَبِيهًا بِالثَّغْرِ المُرَتِّلِ، وهو المُفَلَّجُ المُشَبَّهُ بِنُورِ الأُقْحُوانِ، وأنْ لا يَهُذَّهُ هَذا، ولا يَسْرُدَهُ سَرْدًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ اسْتِحْبابُ تَرْتِيلِ القِراءَةِ، وأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الهَذِّ بِهِ، وهو واضِحٌ.
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ أنَّهُ ﷺ ««كانَ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً، وأنَّها كانَتْ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا، وأنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى رُؤُوسِ الآيِ»» .
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ التَّرْتِيلَ والتَّدَبُّرَ، مَعَ قِلَّةِ القِراءَةِ أفْضَلُ مِن سُرْعَةِ القِراءَةِ مَعَ كَثْرَتِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ القُرْآنِ فَهْمُهُ وتَدَبُّرُهُ، والفِقْهُ فِيهِ، والعَمَلُ بِهِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا تَهُذُّوا القُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، ولا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ، وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخِرَ السُّورَةِ.
المزمل 73:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾
﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ أيْ: رَصِينًا، لِرَزانَةِ لَفْظِهِ، ومَتانَةِ مَعْناهُ، ورُجْحانِهِ فِيهِما عَلى ما عَداهُ.
ولَمّا كانَ الرّاجِحُ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، تَجَوَّزَ بِالثَّقِيلِ عَنْهُ. أوْ ثَقِيلًا عَلى المُتَأمِّلِ فِيهِ، لِافْتِقارِهِ إلى مَزِيدِ تَصْفِيَةٍ لِلسِّرِّ، وتَجْرِيدٍ لِلنَّظَرِ. أوْ ثَقِيلًا تَلَقِّيهِ، لِقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «رَأيْتُهُ ﷺ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، «وإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا»» . وعَلى كُلٍّ فالجُمْلَةُ مُعَلِّلَةٌ لِلْأمْرِ بِالتَّرْتِيلِ، وأنَّ ثِقْلَهُ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ.
(p-٥٩٦٠)
المزمل 73:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] [٥] ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾
﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: نَشْأتُهُ وطَبِيعَةُ خَلْقِهِ ومَظْهَرِهِ ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ أيْ: مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنها مِن جَمْعِ الهَمِّ، وهُدُوءِ البالِ.
﴿وأقْوَمُ قِيلا﴾ أيْ: أشَدُّ مَقالًا وأصْوَبُهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ اللَّيْلَ تَهْدَأُ فِيهِ الأصْواتُ، وتَنْقَطِعُ فِيهِ الحَرَكاتُ، ويَخْلُصُ القَوْلُ، ولا يَكُونُ دُونَ تَسَمُّعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائِلٌ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ عَنِ الجاحِظِ قالَ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ هي المَعانِي المُسْتَنْبَطَةُ مِنَ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ، أشَدُّ وطْأً أبْيَنُ أثَرًا. وأقْوَمُ قِيلًا، أصَحُّ مِمّا تُخْرِجُهُ الأفْكارُ بِالنَّهارِ، لِخُلُوِّ السَّمْعِ والبَصَرِ عَنِ الِاشْتِغالِ.
المزمل 73:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٩] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]
﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ: تَقَلُّبًا في مُهِمّاتِكَ، واشْتِغالًا بِها؛ فَلِذا أُمِرْتَ بِقِيامِ اللَّيْلِ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ لَيْلًا ونَهارًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذِكْرُ اللَّهِ يَتَناوَلُ كُلَّ ما كانَ مِن ذِكْرٍ طَيِّبٍ: تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَمْجِيدٍ وتَوْحِيدٍ وصَلاةٍ وتِلاوَةِ قُرْآنٍ، ودِراسَةِ عِلْمٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْرِقُ بِهِ ساعاتِ لَيْلِهِ ونَهارِهِ.
﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: أخْلِصْ إلَيْهِ بِتَجْرِيدِ النَّفْسِ عَنْ غَيْرِهِ، إخْلاصًا عَظِيمًا.
﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩] أيْ: تَكِلُ إلَيْهِ مَهامَّكَ، فَإنَّهُ سَيَكْفِيكَها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فِيما يَأْمُرُكَ، وفَوِّضْ إلَيْهِ أسْبابَكَ.
(p-٥٩٦١)
المزمل 73:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٩] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]
﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ: تَقَلُّبًا في مُهِمّاتِكَ، واشْتِغالًا بِها؛ فَلِذا أُمِرْتَ بِقِيامِ اللَّيْلِ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ لَيْلًا ونَهارًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذِكْرُ اللَّهِ يَتَناوَلُ كُلَّ ما كانَ مِن ذِكْرٍ طَيِّبٍ: تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَمْجِيدٍ وتَوْحِيدٍ وصَلاةٍ وتِلاوَةِ قُرْآنٍ، ودِراسَةِ عِلْمٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْرِقُ بِهِ ساعاتِ لَيْلِهِ ونَهارِهِ.
﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: أخْلِصْ إلَيْهِ بِتَجْرِيدِ النَّفْسِ عَنْ غَيْرِهِ، إخْلاصًا عَظِيمًا.
﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩] أيْ: تَكِلُ إلَيْهِ مَهامَّكَ، فَإنَّهُ سَيَكْفِيكَها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فِيما يَأْمُرُكَ، وفَوِّضْ إلَيْهِ أسْبابَكَ.
(p-٥٩٦١)
المزمل 73:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٩] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]
﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ: تَقَلُّبًا في مُهِمّاتِكَ، واشْتِغالًا بِها؛ فَلِذا أُمِرْتَ بِقِيامِ اللَّيْلِ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ لَيْلًا ونَهارًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذِكْرُ اللَّهِ يَتَناوَلُ كُلَّ ما كانَ مِن ذِكْرٍ طَيِّبٍ: تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَمْجِيدٍ وتَوْحِيدٍ وصَلاةٍ وتِلاوَةِ قُرْآنٍ، ودِراسَةِ عِلْمٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْرِقُ بِهِ ساعاتِ لَيْلِهِ ونَهارِهِ.
﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: أخْلِصْ إلَيْهِ بِتَجْرِيدِ النَّفْسِ عَنْ غَيْرِهِ، إخْلاصًا عَظِيمًا.
﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩] أيْ: تَكِلُ إلَيْهِ مَهامَّكَ، فَإنَّهُ سَيَكْفِيكَها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فِيما يَأْمُرُكَ، وفَوِّضْ إلَيْهِ أسْبابَكَ.
(p-٥٩٦١)
المزمل 73:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٤] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤]
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأذى والفَرْيِ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ أيْ: بِالإعْراضِ عَنْ مُكافَأتِهِمْ بِالمِثْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] أيْ: دَعْنِي وإيّاهُمْ، وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ؛ فَإنَّ بِي غَنِيمَةً عَنْكَ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] أيِ: التَّنَعُّمِ، يُرِيدُ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ ومُتْرَفِيهِمْ.
﴿ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] أيْ: تَمَهَّلْ عَلَيْهِمْ زَمانًا، أوْ إمْهالًا قَلِيلًا.
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: قُيُودًا ﴿وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: نارًا شَدِيدَةَ الحَرِّ والِاتِّقادِ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: يَغَصُّ بِهِ آكِلُهُ فَلا يُسِيغُهُ، ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: ونَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ. أيْ: فَلا تَرى مَوْكُولًا إلَيْهِ أمْرَهم يُنْتَقَمُ مِنهم بِمِثْلِ ذَلِكَ الِانْتِقامِ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَرْتَجُّ بِالزِّلْزالِ، ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: رَمْلًا مُتَفَرِّقًا مَنثُورًا.
المزمل 73:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٤] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤]
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأذى والفَرْيِ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ أيْ: بِالإعْراضِ عَنْ مُكافَأتِهِمْ بِالمِثْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] أيْ: دَعْنِي وإيّاهُمْ، وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ؛ فَإنَّ بِي غَنِيمَةً عَنْكَ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] أيِ: التَّنَعُّمِ، يُرِيدُ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ ومُتْرَفِيهِمْ.
﴿ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] أيْ: تَمَهَّلْ عَلَيْهِمْ زَمانًا، أوْ إمْهالًا قَلِيلًا.
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: قُيُودًا ﴿وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: نارًا شَدِيدَةَ الحَرِّ والِاتِّقادِ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: يَغَصُّ بِهِ آكِلُهُ فَلا يُسِيغُهُ، ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: ونَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ. أيْ: فَلا تَرى مَوْكُولًا إلَيْهِ أمْرَهم يُنْتَقَمُ مِنهم بِمِثْلِ ذَلِكَ الِانْتِقامِ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَرْتَجُّ بِالزِّلْزالِ، ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: رَمْلًا مُتَفَرِّقًا مَنثُورًا.
المزمل 73:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٤] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤]
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأذى والفَرْيِ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ أيْ: بِالإعْراضِ عَنْ مُكافَأتِهِمْ بِالمِثْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] أيْ: دَعْنِي وإيّاهُمْ، وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ؛ فَإنَّ بِي غَنِيمَةً عَنْكَ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] أيِ: التَّنَعُّمِ، يُرِيدُ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ ومُتْرَفِيهِمْ.
﴿ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] أيْ: تَمَهَّلْ عَلَيْهِمْ زَمانًا، أوْ إمْهالًا قَلِيلًا.
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: قُيُودًا ﴿وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: نارًا شَدِيدَةَ الحَرِّ والِاتِّقادِ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: يَغَصُّ بِهِ آكِلُهُ فَلا يُسِيغُهُ، ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: ونَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ. أيْ: فَلا تَرى مَوْكُولًا إلَيْهِ أمْرَهم يُنْتَقَمُ مِنهم بِمِثْلِ ذَلِكَ الِانْتِقامِ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَرْتَجُّ بِالزِّلْزالِ، ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: رَمْلًا مُتَفَرِّقًا مَنثُورًا.
المزمل 73:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٤] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤]
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأذى والفَرْيِ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ أيْ: بِالإعْراضِ عَنْ مُكافَأتِهِمْ بِالمِثْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] أيْ: دَعْنِي وإيّاهُمْ، وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ؛ فَإنَّ بِي غَنِيمَةً عَنْكَ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] أيِ: التَّنَعُّمِ، يُرِيدُ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ ومُتْرَفِيهِمْ.
﴿ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] أيْ: تَمَهَّلْ عَلَيْهِمْ زَمانًا، أوْ إمْهالًا قَلِيلًا.
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: قُيُودًا ﴿وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: نارًا شَدِيدَةَ الحَرِّ والِاتِّقادِ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: يَغَصُّ بِهِ آكِلُهُ فَلا يُسِيغُهُ، ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: ونَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ. أيْ: فَلا تَرى مَوْكُولًا إلَيْهِ أمْرَهم يُنْتَقَمُ مِنهم بِمِثْلِ ذَلِكَ الِانْتِقامِ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَرْتَجُّ بِالزِّلْزالِ، ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: رَمْلًا مُتَفَرِّقًا مَنثُورًا.
المزمل 73:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٤] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤]
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأذى والفَرْيِ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ أيْ: بِالإعْراضِ عَنْ مُكافَأتِهِمْ بِالمِثْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] أيْ: دَعْنِي وإيّاهُمْ، وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ؛ فَإنَّ بِي غَنِيمَةً عَنْكَ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] أيِ: التَّنَعُّمِ، يُرِيدُ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ ومُتْرَفِيهِمْ.
﴿ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] أيْ: تَمَهَّلْ عَلَيْهِمْ زَمانًا، أوْ إمْهالًا قَلِيلًا.
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: قُيُودًا ﴿وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: نارًا شَدِيدَةَ الحَرِّ والِاتِّقادِ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: يَغَصُّ بِهِ آكِلُهُ فَلا يُسِيغُهُ، ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: ونَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ. أيْ: فَلا تَرى مَوْكُولًا إلَيْهِ أمْرَهم يُنْتَقَمُ مِنهم بِمِثْلِ ذَلِكَ الِانْتِقامِ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَرْتَجُّ بِالزِّلْزالِ، ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: رَمْلًا مُتَفَرِّقًا مَنثُورًا.
المزمل 73:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٦] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المزمل: ١٦]
(p-٥٩٦٢)﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بِإجابَةِ مَن أجابَ وإباءِ مَن أبى ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ أيْ: يَدْعُوهُ إلى الحَقِّ.
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المزمل: ١٦] أيْ: ثَقِيلًا، وذَلِكَ بِإهْلاكِهِ ومَن مَعَهُ، غَرَقًا في اليَمِّ.
المزمل 73:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٦] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المزمل: ١٦]
(p-٥٩٦٢)﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بِإجابَةِ مَن أجابَ وإباءِ مَن أبى ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ أيْ: يَدْعُوهُ إلى الحَقِّ.
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المزمل: ١٦] أيْ: ثَقِيلًا، وذَلِكَ بِإهْلاكِهِ ومَن مَعَهُ، غَرَقًا في اليَمِّ.
المزمل 73:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، ولَمْ تُؤْمِنُوا بِالحَقِّ، يَوْمَ القِيامَةِ، وحالُهُ في الهَوْلِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ: لِأنَّ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ: إنَّهُ لَيُشِيبُ نَواصِيَ الأطْفالِ، كَلامٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ. ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلى أنَّ الأطْفالَ لا تَتَغَيَّرُ حُلاهم في الآخِرَةِ إلى الشَّيْبِ. والأصْلُ في هَذا أنَّ الهُمُومَ والأحْزانَ إذا تَوالَتْ عَلى الإنْسانِ شابَ سَرِيعًا. قالَ أبُو الطِّيبِ:
؎والهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسِيمَ نَحافَةً ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصْفٌ لِلْيَوْمِ بِالشِّدَّةِ أيْضًا. وأنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وإحْكامِها تَنْفَطِرُ فِيهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ؟
قالَ السَّمِينُ: وإنَّما لَمْ تُؤَنَّثِ الصِّفَةُ لِأحَدِ الوُجُوهِ:
مِنها: تَأْوِيلُهُ بِالمُشْتَقِّ. ومِنها: أنَّها عَلى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ، نَحْوَ: مُرْضِعٍ وحائِضٍ.
ومِنها: أنَّها تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. (p-٥٩٦٣)ومِنها: أنَّها اسْمُ جِنْسٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدَةٍ بِالتّاءِ، فَيُقالُ: سَماءَةٌ، وفي اسْمِ الجِنْسِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ. والباءُ في " بِهِ " سَبَبِيَّةٌ أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، أوْ بِمَعْنى في.
﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] أيْ: لِأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، فاحْذَرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ.
﴿إنَّ هَذِهِ﴾ [المزمل: ١٩] أيِ: الآياتِ النّاطِقَةَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل: ١٩] أيْ: مَوْعِظَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِها واتَّعَظَ، ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩] أيْ: بِالإيمانِ بِهِ، والعَمَلِ بِطاعَتِهِ.
المزمل 73:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، ولَمْ تُؤْمِنُوا بِالحَقِّ، يَوْمَ القِيامَةِ، وحالُهُ في الهَوْلِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ: لِأنَّ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ: إنَّهُ لَيُشِيبُ نَواصِيَ الأطْفالِ، كَلامٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ. ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلى أنَّ الأطْفالَ لا تَتَغَيَّرُ حُلاهم في الآخِرَةِ إلى الشَّيْبِ. والأصْلُ في هَذا أنَّ الهُمُومَ والأحْزانَ إذا تَوالَتْ عَلى الإنْسانِ شابَ سَرِيعًا. قالَ أبُو الطِّيبِ:
؎والهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسِيمَ نَحافَةً ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصْفٌ لِلْيَوْمِ بِالشِّدَّةِ أيْضًا. وأنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وإحْكامِها تَنْفَطِرُ فِيهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ؟
قالَ السَّمِينُ: وإنَّما لَمْ تُؤَنَّثِ الصِّفَةُ لِأحَدِ الوُجُوهِ:
مِنها: تَأْوِيلُهُ بِالمُشْتَقِّ. ومِنها: أنَّها عَلى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ، نَحْوَ: مُرْضِعٍ وحائِضٍ.
ومِنها: أنَّها تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. (p-٥٩٦٣)ومِنها: أنَّها اسْمُ جِنْسٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدَةٍ بِالتّاءِ، فَيُقالُ: سَماءَةٌ، وفي اسْمِ الجِنْسِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ. والباءُ في " بِهِ " سَبَبِيَّةٌ أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، أوْ بِمَعْنى في.
﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] أيْ: لِأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، فاحْذَرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ.
﴿إنَّ هَذِهِ﴾ [المزمل: ١٩] أيِ: الآياتِ النّاطِقَةَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل: ١٩] أيْ: مَوْعِظَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِها واتَّعَظَ، ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩] أيْ: بِالإيمانِ بِهِ، والعَمَلِ بِطاعَتِهِ.
المزمل 73:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، ولَمْ تُؤْمِنُوا بِالحَقِّ، يَوْمَ القِيامَةِ، وحالُهُ في الهَوْلِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ: لِأنَّ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ: إنَّهُ لَيُشِيبُ نَواصِيَ الأطْفالِ، كَلامٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ. ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلى أنَّ الأطْفالَ لا تَتَغَيَّرُ حُلاهم في الآخِرَةِ إلى الشَّيْبِ. والأصْلُ في هَذا أنَّ الهُمُومَ والأحْزانَ إذا تَوالَتْ عَلى الإنْسانِ شابَ سَرِيعًا. قالَ أبُو الطِّيبِ:
؎والهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسِيمَ نَحافَةً ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصْفٌ لِلْيَوْمِ بِالشِّدَّةِ أيْضًا. وأنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وإحْكامِها تَنْفَطِرُ فِيهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ؟
قالَ السَّمِينُ: وإنَّما لَمْ تُؤَنَّثِ الصِّفَةُ لِأحَدِ الوُجُوهِ:
مِنها: تَأْوِيلُهُ بِالمُشْتَقِّ. ومِنها: أنَّها عَلى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ، نَحْوَ: مُرْضِعٍ وحائِضٍ.
ومِنها: أنَّها تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. (p-٥٩٦٣)ومِنها: أنَّها اسْمُ جِنْسٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدَةٍ بِالتّاءِ، فَيُقالُ: سَماءَةٌ، وفي اسْمِ الجِنْسِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ. والباءُ في " بِهِ " سَبَبِيَّةٌ أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، أوْ بِمَعْنى في.
﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] أيْ: لِأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، فاحْذَرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ.
﴿إنَّ هَذِهِ﴾ [المزمل: ١٩] أيِ: الآياتِ النّاطِقَةَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل: ١٩] أيْ: مَوْعِظَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِها واتَّعَظَ، ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩] أيْ: بِالإيمانِ بِهِ، والعَمَلِ بِطاعَتِهِ.
المزمل 73:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ أيْ: تَتَهَجَّدُ فِيهِ هَذِهِ التّاراتِ المُخْتَلِفَةَ، وتَتَشَمَّرُ لِلْعِبادَةِ فِيهِ هَذا التَّشَمُّرَ امْتِثالًا لِأمْرِهِ وتَبَتُّلًا إلَيْهِ،﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أيْ: يَعْلَمُهم كَذَلِكَ، ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: أنْ يَجْعَلَهُما عَلى مَقادِيرَ يَجْرِيانِ عَلَيْها، فَتارَةً يَعْتَدِلانِ، وتارَةً يَزِيدُ أحَدُهُما في الآخَرِ، وبِالعَكْسِ مِمّا يَشُقُّ لِأجْلِهِ المُواظَبَةُ عَلى قِيامِهِ بِما عَلِمَهُ مِنكم. أشارَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ. أوِ المَعْنى: السُّورَةُ مِنَ التَّخْيِيرِ، تَرْخِيصًا وتَيْسِيرًا.
﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أيْ: قِيامَ اللَّيْلِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي (p-٥٩٦٤)دَأبْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ قِيامَ اللَّيْلِ كُلِّهِ، لِلْحَرَجِ والعُسْرِ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عادَ عَلَيْكم بِاليُسْرِ ورَفْعِ الحَرَجِ.
﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ أيْ: في صَلاةِ اللَّيْلِ بِلا تَقْدِيرٍ. أوِ المُرادُ: لا تَتَجاوَزُوا ما قَدَّرَهُ لَكُمْ، رَحْمَةً بِأنْفُسِكم. وفِيهِ رَدٌّ مِن غُلُوِّهِمْ في قِيامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، أوِ الحِرْصِ عَلَيْهِ، شَوْقًا إلى العِبادَةِ، وسَبْقًا إلى الكَمالاتِ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ الرَّجُلُ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ، مَخافَةَ أنْ لا يُصِيبَ مِمّا أُمِرَ بِهِ مِن قِيامِ ما فُرِضَ عَلَيْهِ -نَقَلَهُ الرّازِيُّ-.
﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ أيْ: يُضْعِفُهُمُ المَرَضُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، فَيُقْعِدُهم ذَلِكَ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ ﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِنُصْرَةِ الدِّينِ، فَلا يَتَفَرَّغُونَ لِلْقِيامِ فِيهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ، ولا تُحْرِجُوا أنْفُسَكُمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إلى وُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ بِهِ طَلِيعَةَ السُّورَةِ، مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآياتِ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أجْعَلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَسامَعَ بِهِ النّاسُ فاجْتَمَعُوا، فَخَرَجَ كالمُغْضَبِ -وكانَ بِهِمْ رَحِيمًا- فَخَشِيَ أنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِمْ قِيامُ اللَّيْلِ، فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ؟ اكْلَفُوا مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ مِنَ الثَّوابِ حَتّى تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ، وخَيْرُ الأعْمالِ ما دُمْتُمْ عَلَيْهِ»»؛ ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] الآيَةَ. حَتّى كانَ الرَّجُلُ يَرْبُطُ الحَبْلَ ويَتَعَلَّقُ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، فَرَأى اللَّهُ ما يَبْتَغُونَ مِن رِضْوانِهِ فَرَحِمَهُمْ، فَرَدَّهم إلى الفَرِيضَةِ، وتَرَكَ قِيامَ اللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والحَدِيثُ في "الصَّحِيحِ" بِدُونِ زِيادَةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وهَذا السِّياقُ قَدْ يُوهِمُ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما هي مَكِّيَّةٌ. انْتَهى كَلامُهُ.
(p-٥٩٦٥)أقُولُ: وبِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّ مُرادَ السَّلَفِ بِقَوْلِهِمْ: ونَزَلَتِ الآيَةُ، الِاسْتِشْهادُ بِها في قَضِيَّةٍ تَنْطَبِقُ عَلَيْها، كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا.
وأُخْرِجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ بِقِيامِ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهم فَرَحِمَهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. فَوَسَّعَ اللَّهُ -ولَهُ الحَمْدُ- ولَمْ يُضَيِّقْ.
وعَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] قامُوا بِها حَوْلًا حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم وسُوقُهُمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ فاسْتَراحَ النّاسُ.
وهَكَذا رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ والحُسْنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في "شَرْحِ البُخارِيِّ ": ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ مَفْرُوضَةً، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقِيامِ بَعْضِ اللَّيْلِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نُسِخَ بِالخُمْسِ. وأنْكَرَهُ المَرْوَزِيُّ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الإسْراءِ صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] هو مَنسُوخٌ بَعْدَ أنْ كانَ واجِبًا، بِآخِرِ السُّورَةِ. وقِيلَ: مُحْكَمٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى نَدْبِ قِيامِ اللَّيْلِ. واسْتَدَلَّ بِهِ طائِفَةٌ عَلى وُجُوبِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً. وآخَرُونَ عَلى وُجُوبِهِ عَلى الأُمَّةِ أيْضًا، ولَكِنْ لَيْسَ اللَّيْلَ كُلَّهُ، بَلْ صَلاةَ ما فِيهِ، وعَلَيْهِ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ. انْتَهى.
أقُولُ: مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الأمْرَ مُحْكَمٌ وأنَّهُ لِلنَّدْبِ، يَرى أنَّ آخِرَ السُّورَةِ تَعْلِيمٌ لَهُمُ الرِّفْقَ بِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ بِاليُسْرِ، ورَفَعَ عَنْهُمُ الآصارَ. وفِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عِنايَتِهِمْ بِالمَندُوبِ، وحِرْصِهِمْ عَلَيْهِ، حَتّى أفْضى الحالُ إلى الرِّفْقِ بِهِمْ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أثَرُ عائِشَةَ في رَبْطِهِمُ الحَبْلَ لِلتَّعَلُّقِ بِهِ، اسْتِعانَةً عَلى قِراءَةِ القُرْآنِ، وكَثْرَةِ تِلاوَتِهِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ تَعْبِيرٌ عَنِ (p-٥٩٦٦)الصَّلاةِ بِالقِراءَةِ، كَما قالَ في سُورَةِ سُبْحانَ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أيْ: بِقِراءَتِكَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ أصْحابُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّهُ لا تَتَعَيَّنُ قِراءَةُ الفاتِحَةِ في الصَّلاةِ، بَلْ لَوْ قَرَأ بِها أوْ بِغَيْرِها مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ بِآيَةٍ، أجْزَأهُ. واعْتَضْدُوا بِحَدِيثِ المُسِيءِ صَلاتِهِ الَّذِي في "الصَّحِيحَيْنِ"، وهُوَ: ««ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ»» . وقَدْ أجابَهُمُ الجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وهو في "الصَّحِيحَيْنِ" أيْضًا، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا صَلاةَ إلّا أنْ يَقْرَأ بِفاتِحَةِ الكِتابِ»» . انْتَهى.
الثّالِثُ: في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ، بَلِ السُّورَةُ كُلُّها، مَكِّيَّةٌ. ولَمْ يَكُنِ القِتالُ شُرِعَ بَعْدُ، فَهي مِن أكْبَرِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ المُسْتَقْبَلَةِ.
الرّابِعُ: قالَ ابْنُ الفَرَسِ: في قَوْلِهِ:
﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فَضِيلَةُ التِّجارَةِ، لِسَوْقِها في الآيَةِ مَعَ الجِهادِ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: ما مِن حالٍ يَأْتِينِي عَلَيْهِ المَوْتُ بَعْدَ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أحَبَّ إلَيَّ أنْ يَأْتِيَنِي وأنا ألْتَمِسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ السُّيُوطِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في التِّجارَةِ.
(p-٥٩٦٧)﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ: زَكاةَ أمْوالِكم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا يَدُلُّ لِمَن قالَ بِأنَّ فَرْضَ الزَّكاةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ، لَكِنَّ مَقادِيرَ النُّصُبِ والمَخْرَجِ لَمْ تُبَيَّنْ إلّا بِالمَدِينَةِ.
﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ يَعْنِي بِهِ بَذْلَ المالِ في سَبِيلِ الخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، يَكُونُ مِن أطْيَبِ المالِ، وإعْطاءَهُ لِلْمُسْتَحَقِّ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، واتِّقاءَ المَنِّ والأذى. وسِرُّ الأمْرِ بِ: (الحَسَنِ) أنَّ القَرْضَ لَمّا كانَ يُعْطى بِنِيَّةِ الأخْذِ، لا يُبالِي بِأيِّ شَيْءٍ وأيِّ مِقْدارٍ يُعْطى مِنهُ، فَأُشِيرَ إلى إيثارِ المَقامِ الأرْفَعِ. ولِكَوْنِهِ مُحَقَّقَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ دَلَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَلى تَحَقُّقِ العِوَضِ هُنا.
﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِن صَدَقَةٍ أوْ نَفَقَةٍ في وُجُوهِ الخَيْرِ، أوْ عَمَلٍ بِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا مِمّا عِنْدَكم مِن مَتاعِ الدُّنْيا.
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: سَلُوهُ غُفْرانَ ذُنُوبِكُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: ذُو مَغْفِرَةٍ لِذُنُوبِ مَن تابَ إلَيْهِ وأنابَ، ورَحْمَةَ أنْ يُعاقِبَكم عَلَيْها بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنها.
المدثر 74:1
(p-٥٩٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ (يا أيُّها المُدَّثِّرُ) وخالَفَهُ الجُمْهُورُ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ أوَّلَ القُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
رَوى البُخارِيُّ «عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ لِي، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ أمامِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. قالَ: فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]» .
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ جابِرِ (p-٥٩٦٩)ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (يا أيُّها المُدَّثِّرُ...)» الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ هو المَحْفُوظُ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ نَزَلَ الوَحْيُ قَبْلَ هَذا لِقَوْلِهِ: (فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ وهو جِبْرِيلُ حِينَ أتاهُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ المَلَكُ بَعْدُ. هَذا وجْهُ الجَمْعِ: أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنِ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا، فَلَمّا أكَلُوا مِنهُ قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِساحِرٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كاهِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكاهِنٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشاعِرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:( يا أيُّها المُدَّثِّرُ...) الآياتِ.
(p-٥٩٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ لِنَوْمٍ أوِ اسْتِدْفاءٍ، مِنَ الدِّثارِ، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِّيابِ فَوْقَ الشِّعارِ. والشِّعارُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ. وأصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَ، خُوطِبَ بِذَلِكَ لِحالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ. أوْ لِقَوْلِهِ: ««دَثِّرُونِي»» كَما تَقَدَّمَ- وقِيلَ: مَعْناهُ: المُدَّثِّرُ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى، وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ. ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا. فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ كالدِّثارِ واللِّباسِ مَجازًا.
قالَ الشِّهابُ: إمّا أنْ يُرادَ المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنُ، كَما أنَّ اللِّباسَ الَّذِي فَوْقَ الشِّعارِ يَكُونُ حِلْيَةً لِصاحِبِهِ وزِينَةً. وكَذا يُسَمّى حُلَّةً. والتَّشْبِيهُ بِالدِّثارِ في ظُهُورِها، أوْ في الإحاطَةِ. والأوَّلُ أتَمُّ.
﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: مِن مَضْجَعِكَ ودِثارِكَ. أوْ قِيامَ عَزْمٍ وجِدٍّ ﴿فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
(p-٥٩٧١)قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ (وبَشِّرْ) لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، والإنْذارُ هو الغالِبُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لِمَن آمَنَ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ. أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَعَظِّمْ بِعِبادَتِهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ في حاجاتِكَ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ كُنْتَ تُكْبِرُ شَيْئًا وتُعَظِّمُ قَدْرَهُ، فَخَصِّصْ رَبَّكَ بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْبِيرِ، لا يَعْظُمُ في عَيْنِكَ غَيْرُهُ، ويَصْغُرُ في قَلْبِكَ كُلُّ ما سِواهُ، بِمُشاهَدَةِ كِبْرِيائِهِ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أيْ: بِالماءِ مِنَ الأنْجاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ، كانَ المُشْرِكُونَ لا يَتَطَهَّرُونَ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ ويُطَهِّرَ ثِيابَهُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الآثامِ. قالَ قَتادَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إذا نَكَثَ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ أنَّهُ دَنِسُ الثِّيابِ. وإذا وفى وأصْلَحَ، قالُوا: مُطَهَّرُ الثِّيابِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: لا تَلْبَسْهُما عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرَةٍ. ثُمَّ أنْشَدَ لِغِيلانَ ابْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وفِي الوَجْهِ الأوَّلِ بَقاءُ لَفْظَيِ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفي الثّانِي تَجَوُّزٌ بِهِما. وبَقِيَ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو حَمْلُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِها، والتَّطْهِيرُ عَلى مَجازِهِ، وهو التَّبْصِيرُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطِيلُونَ ثِيابَهُمْ، ويَجُرُّونَ أذْيالَهم خُيَلاءَ وكِبْرًا، فَأُمِرَ بِمُخالَفَتِهِمْ. ورابِعٌ وهو عَكْسُ (p-٥٩٧٢)هَذا، وذَلِكَ بِحَمْلِ الثِّيابِ عَلى الجَسَدِ أوِ النَّفْسِ كِنايَةٌ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
أيْ: نَفْسَهُ. ولِذا قالَ:
؎لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
واسْتَصْوَبَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّاتِرِ" الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ مِن فُصُولِ مُقَدِّمَتِهِ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في المَعْنى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ومَن يَذْهَبُ إلى التَّأْوِيلِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فالظّاهِرُ مِن لَفْظِ الثِّيابِ هو ما يُلْبَسُ. ومَن تَأوَّلَ، ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ هو القَلْبُ، لا المَلْبُوسُ، وهَذا لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
ثُمَّ قالَ: المَعْنى المَحْمُولُ عَلى ظاهِرِهِ لا يَقَعُ في تَفْسِيرِهِ خِلافٌ. والمَعْنى المَعْدُولُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى التَّأْوِيلِ يَقَعُ فِيهِ الخِلافُ؛ إذْ بابُ التَّأْوِيلِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في هَذا، فَإنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهم وجْهًا ضَعِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، فَيَكْسُوهُ بِعِبارَتِهِ قُوَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ القَوِيَّةِ، فَإنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ:
؎إنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهم ∗∗∗ كَقُلُوبِهِنَّ، إذا التَقى الجَمْعانِ
؎تَلْقى الحُسامَ عَلى جَراءَةِ حَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الجَبانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبانِ
انْتَهى.
ويَكْفِي دَلِيلًا ما لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّواهِدِ والأمْثالِ. والِاسْتِعْمالُ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. نَعَمْ، المُتَبادِرُ أوْلى وأجْدَرُ، وهو عُنْوانُ الحَقِيقَةِ.
(p-٥٩٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أيِ: اتْرُكْهُ. و(الرِّجْزُ) بِكَسْرِ الرّاءِ كالرِّجْسِ، والسِّينُ والزّايُ يَتَبادَلانِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الصَّفِيرِ.
و(الرِّجْسُ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ، كُنِّيَ بِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أوْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَكْرَهُ مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ، والجُمْلَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اهْجُرِ الجَفا والسَّفَهَ وكُلَّ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرِّجْزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّجْزِ العَذابُ، وهَجْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
فالرِّجْزُ مَجازٌ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أسْبابَ الرِّجْزِ. أوِ التَّجَوُّزَ بِالتَّشْبِيهِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ في المَكْسُورِ، وهُما بِمَعْنًى، وهو العَذابُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ بِالضَّمِّ بِمَعْنى الصَّنَمِ، وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وأمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وهو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا أمْرٌ لِغَيْرِهِ تَعْرِيضًا، أوِ المُرادُ الدَّوامُ عَلى هَجْرِهِ.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، بِمَعْنى: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ. يُقالُ: مَنَنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ: أعْطَيْتُهُ. كَما قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أيْ: فَأعْطِ أوْ أمْسِكْ. وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِكْثارُ عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ زائِدًا عَلى العَطاءِ. فَسُمِّي طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ. وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ، ولَها ولَدٌ، لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا. ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ، حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ، كَبِيرًا.
(p-٥٩٧٤)وسِرُّ النَّهْيِ أنْ يَكُونَ العَطاءُ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ، والتِفاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ تَعَفُّفًا وكَمالًا وعُلُوَّ هِمَّةٍ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُعْطِ عَطاءً مُسْتَكْثِرًا لَهُ، فَإنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ اسْتِقْلالُ العَطاءِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فالسِّينُ لِلْعَدِّ والوِجْدانِ. وسَبَقَ في سُورَةِ الرُّومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ.
المدثر 74:2
(p-٥٩٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ (يا أيُّها المُدَّثِّرُ) وخالَفَهُ الجُمْهُورُ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ أوَّلَ القُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
رَوى البُخارِيُّ «عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ لِي، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ أمامِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. قالَ: فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]» .
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ جابِرِ (p-٥٩٦٩)ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (يا أيُّها المُدَّثِّرُ...)» الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ هو المَحْفُوظُ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ نَزَلَ الوَحْيُ قَبْلَ هَذا لِقَوْلِهِ: (فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ وهو جِبْرِيلُ حِينَ أتاهُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ المَلَكُ بَعْدُ. هَذا وجْهُ الجَمْعِ: أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنِ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا، فَلَمّا أكَلُوا مِنهُ قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِساحِرٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كاهِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكاهِنٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشاعِرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:( يا أيُّها المُدَّثِّرُ...) الآياتِ.
(p-٥٩٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ لِنَوْمٍ أوِ اسْتِدْفاءٍ، مِنَ الدِّثارِ، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِّيابِ فَوْقَ الشِّعارِ. والشِّعارُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ. وأصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَ، خُوطِبَ بِذَلِكَ لِحالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ. أوْ لِقَوْلِهِ: ««دَثِّرُونِي»» كَما تَقَدَّمَ- وقِيلَ: مَعْناهُ: المُدَّثِّرُ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى، وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ. ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا. فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ كالدِّثارِ واللِّباسِ مَجازًا.
قالَ الشِّهابُ: إمّا أنْ يُرادَ المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنُ، كَما أنَّ اللِّباسَ الَّذِي فَوْقَ الشِّعارِ يَكُونُ حِلْيَةً لِصاحِبِهِ وزِينَةً. وكَذا يُسَمّى حُلَّةً. والتَّشْبِيهُ بِالدِّثارِ في ظُهُورِها، أوْ في الإحاطَةِ. والأوَّلُ أتَمُّ.
﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: مِن مَضْجَعِكَ ودِثارِكَ. أوْ قِيامَ عَزْمٍ وجِدٍّ ﴿فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
(p-٥٩٧١)قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ (وبَشِّرْ) لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، والإنْذارُ هو الغالِبُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لِمَن آمَنَ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ. أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَعَظِّمْ بِعِبادَتِهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ في حاجاتِكَ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ كُنْتَ تُكْبِرُ شَيْئًا وتُعَظِّمُ قَدْرَهُ، فَخَصِّصْ رَبَّكَ بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْبِيرِ، لا يَعْظُمُ في عَيْنِكَ غَيْرُهُ، ويَصْغُرُ في قَلْبِكَ كُلُّ ما سِواهُ، بِمُشاهَدَةِ كِبْرِيائِهِ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أيْ: بِالماءِ مِنَ الأنْجاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ، كانَ المُشْرِكُونَ لا يَتَطَهَّرُونَ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ ويُطَهِّرَ ثِيابَهُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الآثامِ. قالَ قَتادَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إذا نَكَثَ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ أنَّهُ دَنِسُ الثِّيابِ. وإذا وفى وأصْلَحَ، قالُوا: مُطَهَّرُ الثِّيابِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: لا تَلْبَسْهُما عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرَةٍ. ثُمَّ أنْشَدَ لِغِيلانَ ابْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وفِي الوَجْهِ الأوَّلِ بَقاءُ لَفْظَيِ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفي الثّانِي تَجَوُّزٌ بِهِما. وبَقِيَ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو حَمْلُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِها، والتَّطْهِيرُ عَلى مَجازِهِ، وهو التَّبْصِيرُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطِيلُونَ ثِيابَهُمْ، ويَجُرُّونَ أذْيالَهم خُيَلاءَ وكِبْرًا، فَأُمِرَ بِمُخالَفَتِهِمْ. ورابِعٌ وهو عَكْسُ (p-٥٩٧٢)هَذا، وذَلِكَ بِحَمْلِ الثِّيابِ عَلى الجَسَدِ أوِ النَّفْسِ كِنايَةٌ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
أيْ: نَفْسَهُ. ولِذا قالَ:
؎لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
واسْتَصْوَبَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّاتِرِ" الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ مِن فُصُولِ مُقَدِّمَتِهِ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في المَعْنى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ومَن يَذْهَبُ إلى التَّأْوِيلِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فالظّاهِرُ مِن لَفْظِ الثِّيابِ هو ما يُلْبَسُ. ومَن تَأوَّلَ، ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ هو القَلْبُ، لا المَلْبُوسُ، وهَذا لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
ثُمَّ قالَ: المَعْنى المَحْمُولُ عَلى ظاهِرِهِ لا يَقَعُ في تَفْسِيرِهِ خِلافٌ. والمَعْنى المَعْدُولُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى التَّأْوِيلِ يَقَعُ فِيهِ الخِلافُ؛ إذْ بابُ التَّأْوِيلِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في هَذا، فَإنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهم وجْهًا ضَعِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، فَيَكْسُوهُ بِعِبارَتِهِ قُوَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ القَوِيَّةِ، فَإنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ:
؎إنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهم ∗∗∗ كَقُلُوبِهِنَّ، إذا التَقى الجَمْعانِ
؎تَلْقى الحُسامَ عَلى جَراءَةِ حَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الجَبانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبانِ
انْتَهى.
ويَكْفِي دَلِيلًا ما لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّواهِدِ والأمْثالِ. والِاسْتِعْمالُ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. نَعَمْ، المُتَبادِرُ أوْلى وأجْدَرُ، وهو عُنْوانُ الحَقِيقَةِ.
(p-٥٩٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أيِ: اتْرُكْهُ. و(الرِّجْزُ) بِكَسْرِ الرّاءِ كالرِّجْسِ، والسِّينُ والزّايُ يَتَبادَلانِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الصَّفِيرِ.
و(الرِّجْسُ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ، كُنِّيَ بِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أوْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَكْرَهُ مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ، والجُمْلَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اهْجُرِ الجَفا والسَّفَهَ وكُلَّ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرِّجْزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّجْزِ العَذابُ، وهَجْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
فالرِّجْزُ مَجازٌ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أسْبابَ الرِّجْزِ. أوِ التَّجَوُّزَ بِالتَّشْبِيهِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ في المَكْسُورِ، وهُما بِمَعْنًى، وهو العَذابُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ بِالضَّمِّ بِمَعْنى الصَّنَمِ، وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وأمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وهو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا أمْرٌ لِغَيْرِهِ تَعْرِيضًا، أوِ المُرادُ الدَّوامُ عَلى هَجْرِهِ.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، بِمَعْنى: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ. يُقالُ: مَنَنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ: أعْطَيْتُهُ. كَما قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أيْ: فَأعْطِ أوْ أمْسِكْ. وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِكْثارُ عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ زائِدًا عَلى العَطاءِ. فَسُمِّي طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ. وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ، ولَها ولَدٌ، لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا. ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ، حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ، كَبِيرًا.
(p-٥٩٧٤)وسِرُّ النَّهْيِ أنْ يَكُونَ العَطاءُ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ، والتِفاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ تَعَفُّفًا وكَمالًا وعُلُوَّ هِمَّةٍ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُعْطِ عَطاءً مُسْتَكْثِرًا لَهُ، فَإنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ اسْتِقْلالُ العَطاءِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فالسِّينُ لِلْعَدِّ والوِجْدانِ. وسَبَقَ في سُورَةِ الرُّومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ.
المدثر 74:3
(p-٥٩٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ (يا أيُّها المُدَّثِّرُ) وخالَفَهُ الجُمْهُورُ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ أوَّلَ القُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
رَوى البُخارِيُّ «عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ لِي، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ أمامِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. قالَ: فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]» .
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ جابِرِ (p-٥٩٦٩)ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (يا أيُّها المُدَّثِّرُ...)» الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ هو المَحْفُوظُ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ نَزَلَ الوَحْيُ قَبْلَ هَذا لِقَوْلِهِ: (فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ وهو جِبْرِيلُ حِينَ أتاهُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ المَلَكُ بَعْدُ. هَذا وجْهُ الجَمْعِ: أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنِ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا، فَلَمّا أكَلُوا مِنهُ قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِساحِرٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كاهِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكاهِنٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشاعِرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:( يا أيُّها المُدَّثِّرُ...) الآياتِ.
(p-٥٩٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ لِنَوْمٍ أوِ اسْتِدْفاءٍ، مِنَ الدِّثارِ، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِّيابِ فَوْقَ الشِّعارِ. والشِّعارُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ. وأصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَ، خُوطِبَ بِذَلِكَ لِحالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ. أوْ لِقَوْلِهِ: ««دَثِّرُونِي»» كَما تَقَدَّمَ- وقِيلَ: مَعْناهُ: المُدَّثِّرُ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى، وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ. ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا. فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ كالدِّثارِ واللِّباسِ مَجازًا.
قالَ الشِّهابُ: إمّا أنْ يُرادَ المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنُ، كَما أنَّ اللِّباسَ الَّذِي فَوْقَ الشِّعارِ يَكُونُ حِلْيَةً لِصاحِبِهِ وزِينَةً. وكَذا يُسَمّى حُلَّةً. والتَّشْبِيهُ بِالدِّثارِ في ظُهُورِها، أوْ في الإحاطَةِ. والأوَّلُ أتَمُّ.
﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: مِن مَضْجَعِكَ ودِثارِكَ. أوْ قِيامَ عَزْمٍ وجِدٍّ ﴿فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
(p-٥٩٧١)قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ (وبَشِّرْ) لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، والإنْذارُ هو الغالِبُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لِمَن آمَنَ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ. أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَعَظِّمْ بِعِبادَتِهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ في حاجاتِكَ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ كُنْتَ تُكْبِرُ شَيْئًا وتُعَظِّمُ قَدْرَهُ، فَخَصِّصْ رَبَّكَ بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْبِيرِ، لا يَعْظُمُ في عَيْنِكَ غَيْرُهُ، ويَصْغُرُ في قَلْبِكَ كُلُّ ما سِواهُ، بِمُشاهَدَةِ كِبْرِيائِهِ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أيْ: بِالماءِ مِنَ الأنْجاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ، كانَ المُشْرِكُونَ لا يَتَطَهَّرُونَ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ ويُطَهِّرَ ثِيابَهُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الآثامِ. قالَ قَتادَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إذا نَكَثَ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ أنَّهُ دَنِسُ الثِّيابِ. وإذا وفى وأصْلَحَ، قالُوا: مُطَهَّرُ الثِّيابِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: لا تَلْبَسْهُما عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرَةٍ. ثُمَّ أنْشَدَ لِغِيلانَ ابْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وفِي الوَجْهِ الأوَّلِ بَقاءُ لَفْظَيِ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفي الثّانِي تَجَوُّزٌ بِهِما. وبَقِيَ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو حَمْلُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِها، والتَّطْهِيرُ عَلى مَجازِهِ، وهو التَّبْصِيرُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطِيلُونَ ثِيابَهُمْ، ويَجُرُّونَ أذْيالَهم خُيَلاءَ وكِبْرًا، فَأُمِرَ بِمُخالَفَتِهِمْ. ورابِعٌ وهو عَكْسُ (p-٥٩٧٢)هَذا، وذَلِكَ بِحَمْلِ الثِّيابِ عَلى الجَسَدِ أوِ النَّفْسِ كِنايَةٌ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
أيْ: نَفْسَهُ. ولِذا قالَ:
؎لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
واسْتَصْوَبَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّاتِرِ" الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ مِن فُصُولِ مُقَدِّمَتِهِ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في المَعْنى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ومَن يَذْهَبُ إلى التَّأْوِيلِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فالظّاهِرُ مِن لَفْظِ الثِّيابِ هو ما يُلْبَسُ. ومَن تَأوَّلَ، ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ هو القَلْبُ، لا المَلْبُوسُ، وهَذا لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
ثُمَّ قالَ: المَعْنى المَحْمُولُ عَلى ظاهِرِهِ لا يَقَعُ في تَفْسِيرِهِ خِلافٌ. والمَعْنى المَعْدُولُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى التَّأْوِيلِ يَقَعُ فِيهِ الخِلافُ؛ إذْ بابُ التَّأْوِيلِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في هَذا، فَإنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهم وجْهًا ضَعِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، فَيَكْسُوهُ بِعِبارَتِهِ قُوَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ القَوِيَّةِ، فَإنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ:
؎إنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهم ∗∗∗ كَقُلُوبِهِنَّ، إذا التَقى الجَمْعانِ
؎تَلْقى الحُسامَ عَلى جَراءَةِ حَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الجَبانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبانِ
انْتَهى.
ويَكْفِي دَلِيلًا ما لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّواهِدِ والأمْثالِ. والِاسْتِعْمالُ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. نَعَمْ، المُتَبادِرُ أوْلى وأجْدَرُ، وهو عُنْوانُ الحَقِيقَةِ.
(p-٥٩٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أيِ: اتْرُكْهُ. و(الرِّجْزُ) بِكَسْرِ الرّاءِ كالرِّجْسِ، والسِّينُ والزّايُ يَتَبادَلانِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الصَّفِيرِ.
و(الرِّجْسُ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ، كُنِّيَ بِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أوْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَكْرَهُ مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ، والجُمْلَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اهْجُرِ الجَفا والسَّفَهَ وكُلَّ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرِّجْزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّجْزِ العَذابُ، وهَجْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
فالرِّجْزُ مَجازٌ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أسْبابَ الرِّجْزِ. أوِ التَّجَوُّزَ بِالتَّشْبِيهِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ في المَكْسُورِ، وهُما بِمَعْنًى، وهو العَذابُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ بِالضَّمِّ بِمَعْنى الصَّنَمِ، وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وأمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وهو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا أمْرٌ لِغَيْرِهِ تَعْرِيضًا، أوِ المُرادُ الدَّوامُ عَلى هَجْرِهِ.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، بِمَعْنى: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ. يُقالُ: مَنَنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ: أعْطَيْتُهُ. كَما قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أيْ: فَأعْطِ أوْ أمْسِكْ. وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِكْثارُ عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ زائِدًا عَلى العَطاءِ. فَسُمِّي طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ. وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ، ولَها ولَدٌ، لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا. ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ، حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ، كَبِيرًا.
(p-٥٩٧٤)وسِرُّ النَّهْيِ أنْ يَكُونَ العَطاءُ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ، والتِفاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ تَعَفُّفًا وكَمالًا وعُلُوَّ هِمَّةٍ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُعْطِ عَطاءً مُسْتَكْثِرًا لَهُ، فَإنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ اسْتِقْلالُ العَطاءِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فالسِّينُ لِلْعَدِّ والوِجْدانِ. وسَبَقَ في سُورَةِ الرُّومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ.
المدثر 74:4
(p-٥٩٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ (يا أيُّها المُدَّثِّرُ) وخالَفَهُ الجُمْهُورُ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ أوَّلَ القُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
رَوى البُخارِيُّ «عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ لِي، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ أمامِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. قالَ: فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]» .
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ جابِرِ (p-٥٩٦٩)ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (يا أيُّها المُدَّثِّرُ...)» الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ هو المَحْفُوظُ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ نَزَلَ الوَحْيُ قَبْلَ هَذا لِقَوْلِهِ: (فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ وهو جِبْرِيلُ حِينَ أتاهُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ المَلَكُ بَعْدُ. هَذا وجْهُ الجَمْعِ: أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنِ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا، فَلَمّا أكَلُوا مِنهُ قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِساحِرٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كاهِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكاهِنٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشاعِرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:( يا أيُّها المُدَّثِّرُ...) الآياتِ.
(p-٥٩٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ لِنَوْمٍ أوِ اسْتِدْفاءٍ، مِنَ الدِّثارِ، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِّيابِ فَوْقَ الشِّعارِ. والشِّعارُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ. وأصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَ، خُوطِبَ بِذَلِكَ لِحالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ. أوْ لِقَوْلِهِ: ««دَثِّرُونِي»» كَما تَقَدَّمَ- وقِيلَ: مَعْناهُ: المُدَّثِّرُ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى، وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ. ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا. فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ كالدِّثارِ واللِّباسِ مَجازًا.
قالَ الشِّهابُ: إمّا أنْ يُرادَ المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنُ، كَما أنَّ اللِّباسَ الَّذِي فَوْقَ الشِّعارِ يَكُونُ حِلْيَةً لِصاحِبِهِ وزِينَةً. وكَذا يُسَمّى حُلَّةً. والتَّشْبِيهُ بِالدِّثارِ في ظُهُورِها، أوْ في الإحاطَةِ. والأوَّلُ أتَمُّ.
﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: مِن مَضْجَعِكَ ودِثارِكَ. أوْ قِيامَ عَزْمٍ وجِدٍّ ﴿فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
(p-٥٩٧١)قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ (وبَشِّرْ) لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، والإنْذارُ هو الغالِبُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لِمَن آمَنَ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ. أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَعَظِّمْ بِعِبادَتِهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ في حاجاتِكَ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ كُنْتَ تُكْبِرُ شَيْئًا وتُعَظِّمُ قَدْرَهُ، فَخَصِّصْ رَبَّكَ بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْبِيرِ، لا يَعْظُمُ في عَيْنِكَ غَيْرُهُ، ويَصْغُرُ في قَلْبِكَ كُلُّ ما سِواهُ، بِمُشاهَدَةِ كِبْرِيائِهِ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أيْ: بِالماءِ مِنَ الأنْجاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ، كانَ المُشْرِكُونَ لا يَتَطَهَّرُونَ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ ويُطَهِّرَ ثِيابَهُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الآثامِ. قالَ قَتادَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إذا نَكَثَ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ أنَّهُ دَنِسُ الثِّيابِ. وإذا وفى وأصْلَحَ، قالُوا: مُطَهَّرُ الثِّيابِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: لا تَلْبَسْهُما عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرَةٍ. ثُمَّ أنْشَدَ لِغِيلانَ ابْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وفِي الوَجْهِ الأوَّلِ بَقاءُ لَفْظَيِ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفي الثّانِي تَجَوُّزٌ بِهِما. وبَقِيَ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو حَمْلُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِها، والتَّطْهِيرُ عَلى مَجازِهِ، وهو التَّبْصِيرُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطِيلُونَ ثِيابَهُمْ، ويَجُرُّونَ أذْيالَهم خُيَلاءَ وكِبْرًا، فَأُمِرَ بِمُخالَفَتِهِمْ. ورابِعٌ وهو عَكْسُ (p-٥٩٧٢)هَذا، وذَلِكَ بِحَمْلِ الثِّيابِ عَلى الجَسَدِ أوِ النَّفْسِ كِنايَةٌ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
أيْ: نَفْسَهُ. ولِذا قالَ:
؎لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
واسْتَصْوَبَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّاتِرِ" الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ مِن فُصُولِ مُقَدِّمَتِهِ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في المَعْنى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ومَن يَذْهَبُ إلى التَّأْوِيلِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فالظّاهِرُ مِن لَفْظِ الثِّيابِ هو ما يُلْبَسُ. ومَن تَأوَّلَ، ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ هو القَلْبُ، لا المَلْبُوسُ، وهَذا لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
ثُمَّ قالَ: المَعْنى المَحْمُولُ عَلى ظاهِرِهِ لا يَقَعُ في تَفْسِيرِهِ خِلافٌ. والمَعْنى المَعْدُولُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى التَّأْوِيلِ يَقَعُ فِيهِ الخِلافُ؛ إذْ بابُ التَّأْوِيلِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في هَذا، فَإنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهم وجْهًا ضَعِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، فَيَكْسُوهُ بِعِبارَتِهِ قُوَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ القَوِيَّةِ، فَإنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ:
؎إنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهم ∗∗∗ كَقُلُوبِهِنَّ، إذا التَقى الجَمْعانِ
؎تَلْقى الحُسامَ عَلى جَراءَةِ حَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الجَبانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبانِ
انْتَهى.
ويَكْفِي دَلِيلًا ما لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّواهِدِ والأمْثالِ. والِاسْتِعْمالُ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. نَعَمْ، المُتَبادِرُ أوْلى وأجْدَرُ، وهو عُنْوانُ الحَقِيقَةِ.
(p-٥٩٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أيِ: اتْرُكْهُ. و(الرِّجْزُ) بِكَسْرِ الرّاءِ كالرِّجْسِ، والسِّينُ والزّايُ يَتَبادَلانِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الصَّفِيرِ.
و(الرِّجْسُ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ، كُنِّيَ بِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أوْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَكْرَهُ مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ، والجُمْلَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اهْجُرِ الجَفا والسَّفَهَ وكُلَّ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرِّجْزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّجْزِ العَذابُ، وهَجْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
فالرِّجْزُ مَجازٌ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أسْبابَ الرِّجْزِ. أوِ التَّجَوُّزَ بِالتَّشْبِيهِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ في المَكْسُورِ، وهُما بِمَعْنًى، وهو العَذابُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ بِالضَّمِّ بِمَعْنى الصَّنَمِ، وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وأمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وهو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا أمْرٌ لِغَيْرِهِ تَعْرِيضًا، أوِ المُرادُ الدَّوامُ عَلى هَجْرِهِ.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، بِمَعْنى: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ. يُقالُ: مَنَنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ: أعْطَيْتُهُ. كَما قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أيْ: فَأعْطِ أوْ أمْسِكْ. وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِكْثارُ عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ زائِدًا عَلى العَطاءِ. فَسُمِّي طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ. وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ، ولَها ولَدٌ، لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا. ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ، حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ، كَبِيرًا.
(p-٥٩٧٤)وسِرُّ النَّهْيِ أنْ يَكُونَ العَطاءُ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ، والتِفاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ تَعَفُّفًا وكَمالًا وعُلُوَّ هِمَّةٍ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُعْطِ عَطاءً مُسْتَكْثِرًا لَهُ، فَإنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ اسْتِقْلالُ العَطاءِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فالسِّينُ لِلْعَدِّ والوِجْدانِ. وسَبَقَ في سُورَةِ الرُّومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ.
المدثر 74:5
(p-٥٩٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ (يا أيُّها المُدَّثِّرُ) وخالَفَهُ الجُمْهُورُ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ أوَّلَ القُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
رَوى البُخارِيُّ «عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ لِي، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ أمامِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. قالَ: فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]» .
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ جابِرِ (p-٥٩٦٩)ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (يا أيُّها المُدَّثِّرُ...)» الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ هو المَحْفُوظُ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ نَزَلَ الوَحْيُ قَبْلَ هَذا لِقَوْلِهِ: (فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ وهو جِبْرِيلُ حِينَ أتاهُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ المَلَكُ بَعْدُ. هَذا وجْهُ الجَمْعِ: أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنِ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا، فَلَمّا أكَلُوا مِنهُ قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِساحِرٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كاهِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكاهِنٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشاعِرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:( يا أيُّها المُدَّثِّرُ...) الآياتِ.
(p-٥٩٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ لِنَوْمٍ أوِ اسْتِدْفاءٍ، مِنَ الدِّثارِ، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِّيابِ فَوْقَ الشِّعارِ. والشِّعارُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ. وأصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَ، خُوطِبَ بِذَلِكَ لِحالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ. أوْ لِقَوْلِهِ: ««دَثِّرُونِي»» كَما تَقَدَّمَ- وقِيلَ: مَعْناهُ: المُدَّثِّرُ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى، وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ. ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا. فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ كالدِّثارِ واللِّباسِ مَجازًا.
قالَ الشِّهابُ: إمّا أنْ يُرادَ المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنُ، كَما أنَّ اللِّباسَ الَّذِي فَوْقَ الشِّعارِ يَكُونُ حِلْيَةً لِصاحِبِهِ وزِينَةً. وكَذا يُسَمّى حُلَّةً. والتَّشْبِيهُ بِالدِّثارِ في ظُهُورِها، أوْ في الإحاطَةِ. والأوَّلُ أتَمُّ.
﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: مِن مَضْجَعِكَ ودِثارِكَ. أوْ قِيامَ عَزْمٍ وجِدٍّ ﴿فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
(p-٥٩٧١)قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ (وبَشِّرْ) لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، والإنْذارُ هو الغالِبُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لِمَن آمَنَ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ. أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَعَظِّمْ بِعِبادَتِهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ في حاجاتِكَ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ كُنْتَ تُكْبِرُ شَيْئًا وتُعَظِّمُ قَدْرَهُ، فَخَصِّصْ رَبَّكَ بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْبِيرِ، لا يَعْظُمُ في عَيْنِكَ غَيْرُهُ، ويَصْغُرُ في قَلْبِكَ كُلُّ ما سِواهُ، بِمُشاهَدَةِ كِبْرِيائِهِ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أيْ: بِالماءِ مِنَ الأنْجاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ، كانَ المُشْرِكُونَ لا يَتَطَهَّرُونَ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ ويُطَهِّرَ ثِيابَهُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الآثامِ. قالَ قَتادَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إذا نَكَثَ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ أنَّهُ دَنِسُ الثِّيابِ. وإذا وفى وأصْلَحَ، قالُوا: مُطَهَّرُ الثِّيابِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: لا تَلْبَسْهُما عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرَةٍ. ثُمَّ أنْشَدَ لِغِيلانَ ابْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وفِي الوَجْهِ الأوَّلِ بَقاءُ لَفْظَيِ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفي الثّانِي تَجَوُّزٌ بِهِما. وبَقِيَ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو حَمْلُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِها، والتَّطْهِيرُ عَلى مَجازِهِ، وهو التَّبْصِيرُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطِيلُونَ ثِيابَهُمْ، ويَجُرُّونَ أذْيالَهم خُيَلاءَ وكِبْرًا، فَأُمِرَ بِمُخالَفَتِهِمْ. ورابِعٌ وهو عَكْسُ (p-٥٩٧٢)هَذا، وذَلِكَ بِحَمْلِ الثِّيابِ عَلى الجَسَدِ أوِ النَّفْسِ كِنايَةٌ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
أيْ: نَفْسَهُ. ولِذا قالَ:
؎لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
واسْتَصْوَبَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّاتِرِ" الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ مِن فُصُولِ مُقَدِّمَتِهِ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في المَعْنى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ومَن يَذْهَبُ إلى التَّأْوِيلِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فالظّاهِرُ مِن لَفْظِ الثِّيابِ هو ما يُلْبَسُ. ومَن تَأوَّلَ، ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ هو القَلْبُ، لا المَلْبُوسُ، وهَذا لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
ثُمَّ قالَ: المَعْنى المَحْمُولُ عَلى ظاهِرِهِ لا يَقَعُ في تَفْسِيرِهِ خِلافٌ. والمَعْنى المَعْدُولُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى التَّأْوِيلِ يَقَعُ فِيهِ الخِلافُ؛ إذْ بابُ التَّأْوِيلِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في هَذا، فَإنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهم وجْهًا ضَعِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، فَيَكْسُوهُ بِعِبارَتِهِ قُوَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ القَوِيَّةِ، فَإنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ:
؎إنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهم ∗∗∗ كَقُلُوبِهِنَّ، إذا التَقى الجَمْعانِ
؎تَلْقى الحُسامَ عَلى جَراءَةِ حَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الجَبانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبانِ
انْتَهى.
ويَكْفِي دَلِيلًا ما لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّواهِدِ والأمْثالِ. والِاسْتِعْمالُ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. نَعَمْ، المُتَبادِرُ أوْلى وأجْدَرُ، وهو عُنْوانُ الحَقِيقَةِ.
(p-٥٩٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أيِ: اتْرُكْهُ. و(الرِّجْزُ) بِكَسْرِ الرّاءِ كالرِّجْسِ، والسِّينُ والزّايُ يَتَبادَلانِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الصَّفِيرِ.
و(الرِّجْسُ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ، كُنِّيَ بِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أوْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَكْرَهُ مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ، والجُمْلَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اهْجُرِ الجَفا والسَّفَهَ وكُلَّ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرِّجْزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّجْزِ العَذابُ، وهَجْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
فالرِّجْزُ مَجازٌ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أسْبابَ الرِّجْزِ. أوِ التَّجَوُّزَ بِالتَّشْبِيهِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ في المَكْسُورِ، وهُما بِمَعْنًى، وهو العَذابُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ بِالضَّمِّ بِمَعْنى الصَّنَمِ، وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وأمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وهو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا أمْرٌ لِغَيْرِهِ تَعْرِيضًا، أوِ المُرادُ الدَّوامُ عَلى هَجْرِهِ.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، بِمَعْنى: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ. يُقالُ: مَنَنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ: أعْطَيْتُهُ. كَما قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أيْ: فَأعْطِ أوْ أمْسِكْ. وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِكْثارُ عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ زائِدًا عَلى العَطاءِ. فَسُمِّي طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ. وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ، ولَها ولَدٌ، لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا. ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ، حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ، كَبِيرًا.
(p-٥٩٧٤)وسِرُّ النَّهْيِ أنْ يَكُونَ العَطاءُ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ، والتِفاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ تَعَفُّفًا وكَمالًا وعُلُوَّ هِمَّةٍ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُعْطِ عَطاءً مُسْتَكْثِرًا لَهُ، فَإنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ اسْتِقْلالُ العَطاءِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فالسِّينُ لِلْعَدِّ والوِجْدانِ. وسَبَقَ في سُورَةِ الرُّومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ.
المدثر 74:6
(p-٥٩٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ (يا أيُّها المُدَّثِّرُ) وخالَفَهُ الجُمْهُورُ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ أوَّلَ القُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
رَوى البُخارِيُّ «عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ لِي، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ أمامِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. قالَ: فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]» .
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ جابِرِ (p-٥٩٦٩)ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (يا أيُّها المُدَّثِّرُ...)» الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ هو المَحْفُوظُ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ نَزَلَ الوَحْيُ قَبْلَ هَذا لِقَوْلِهِ: (فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ وهو جِبْرِيلُ حِينَ أتاهُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ المَلَكُ بَعْدُ. هَذا وجْهُ الجَمْعِ: أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنِ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا، فَلَمّا أكَلُوا مِنهُ قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِساحِرٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كاهِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكاهِنٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشاعِرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:( يا أيُّها المُدَّثِّرُ...) الآياتِ.
(p-٥٩٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ لِنَوْمٍ أوِ اسْتِدْفاءٍ، مِنَ الدِّثارِ، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِّيابِ فَوْقَ الشِّعارِ. والشِّعارُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ. وأصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَ، خُوطِبَ بِذَلِكَ لِحالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ. أوْ لِقَوْلِهِ: ««دَثِّرُونِي»» كَما تَقَدَّمَ- وقِيلَ: مَعْناهُ: المُدَّثِّرُ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى، وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ. ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا. فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ كالدِّثارِ واللِّباسِ مَجازًا.
قالَ الشِّهابُ: إمّا أنْ يُرادَ المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنُ، كَما أنَّ اللِّباسَ الَّذِي فَوْقَ الشِّعارِ يَكُونُ حِلْيَةً لِصاحِبِهِ وزِينَةً. وكَذا يُسَمّى حُلَّةً. والتَّشْبِيهُ بِالدِّثارِ في ظُهُورِها، أوْ في الإحاطَةِ. والأوَّلُ أتَمُّ.
﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: مِن مَضْجَعِكَ ودِثارِكَ. أوْ قِيامَ عَزْمٍ وجِدٍّ ﴿فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
(p-٥٩٧١)قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ (وبَشِّرْ) لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، والإنْذارُ هو الغالِبُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لِمَن آمَنَ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ. أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَعَظِّمْ بِعِبادَتِهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ في حاجاتِكَ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ كُنْتَ تُكْبِرُ شَيْئًا وتُعَظِّمُ قَدْرَهُ، فَخَصِّصْ رَبَّكَ بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْبِيرِ، لا يَعْظُمُ في عَيْنِكَ غَيْرُهُ، ويَصْغُرُ في قَلْبِكَ كُلُّ ما سِواهُ، بِمُشاهَدَةِ كِبْرِيائِهِ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أيْ: بِالماءِ مِنَ الأنْجاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ، كانَ المُشْرِكُونَ لا يَتَطَهَّرُونَ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ ويُطَهِّرَ ثِيابَهُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الآثامِ. قالَ قَتادَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إذا نَكَثَ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ أنَّهُ دَنِسُ الثِّيابِ. وإذا وفى وأصْلَحَ، قالُوا: مُطَهَّرُ الثِّيابِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: لا تَلْبَسْهُما عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرَةٍ. ثُمَّ أنْشَدَ لِغِيلانَ ابْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وفِي الوَجْهِ الأوَّلِ بَقاءُ لَفْظَيِ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفي الثّانِي تَجَوُّزٌ بِهِما. وبَقِيَ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو حَمْلُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِها، والتَّطْهِيرُ عَلى مَجازِهِ، وهو التَّبْصِيرُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطِيلُونَ ثِيابَهُمْ، ويَجُرُّونَ أذْيالَهم خُيَلاءَ وكِبْرًا، فَأُمِرَ بِمُخالَفَتِهِمْ. ورابِعٌ وهو عَكْسُ (p-٥٩٧٢)هَذا، وذَلِكَ بِحَمْلِ الثِّيابِ عَلى الجَسَدِ أوِ النَّفْسِ كِنايَةٌ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
أيْ: نَفْسَهُ. ولِذا قالَ:
؎لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
واسْتَصْوَبَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّاتِرِ" الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ مِن فُصُولِ مُقَدِّمَتِهِ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في المَعْنى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ومَن يَذْهَبُ إلى التَّأْوِيلِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فالظّاهِرُ مِن لَفْظِ الثِّيابِ هو ما يُلْبَسُ. ومَن تَأوَّلَ، ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ هو القَلْبُ، لا المَلْبُوسُ، وهَذا لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
ثُمَّ قالَ: المَعْنى المَحْمُولُ عَلى ظاهِرِهِ لا يَقَعُ في تَفْسِيرِهِ خِلافٌ. والمَعْنى المَعْدُولُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى التَّأْوِيلِ يَقَعُ فِيهِ الخِلافُ؛ إذْ بابُ التَّأْوِيلِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في هَذا، فَإنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهم وجْهًا ضَعِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، فَيَكْسُوهُ بِعِبارَتِهِ قُوَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ القَوِيَّةِ، فَإنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ:
؎إنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهم ∗∗∗ كَقُلُوبِهِنَّ، إذا التَقى الجَمْعانِ
؎تَلْقى الحُسامَ عَلى جَراءَةِ حَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الجَبانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبانِ
انْتَهى.
ويَكْفِي دَلِيلًا ما لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّواهِدِ والأمْثالِ. والِاسْتِعْمالُ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. نَعَمْ، المُتَبادِرُ أوْلى وأجْدَرُ، وهو عُنْوانُ الحَقِيقَةِ.
(p-٥٩٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أيِ: اتْرُكْهُ. و(الرِّجْزُ) بِكَسْرِ الرّاءِ كالرِّجْسِ، والسِّينُ والزّايُ يَتَبادَلانِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الصَّفِيرِ.
و(الرِّجْسُ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ، كُنِّيَ بِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أوْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَكْرَهُ مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ، والجُمْلَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اهْجُرِ الجَفا والسَّفَهَ وكُلَّ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرِّجْزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّجْزِ العَذابُ، وهَجْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
فالرِّجْزُ مَجازٌ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أسْبابَ الرِّجْزِ. أوِ التَّجَوُّزَ بِالتَّشْبِيهِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ في المَكْسُورِ، وهُما بِمَعْنًى، وهو العَذابُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ بِالضَّمِّ بِمَعْنى الصَّنَمِ، وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وأمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وهو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا أمْرٌ لِغَيْرِهِ تَعْرِيضًا، أوِ المُرادُ الدَّوامُ عَلى هَجْرِهِ.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، بِمَعْنى: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ. يُقالُ: مَنَنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ: أعْطَيْتُهُ. كَما قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أيْ: فَأعْطِ أوْ أمْسِكْ. وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِكْثارُ عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ زائِدًا عَلى العَطاءِ. فَسُمِّي طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ. وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ، ولَها ولَدٌ، لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا. ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ، حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ، كَبِيرًا.
(p-٥٩٧٤)وسِرُّ النَّهْيِ أنْ يَكُونَ العَطاءُ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ، والتِفاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ تَعَفُّفًا وكَمالًا وعُلُوَّ هِمَّةٍ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُعْطِ عَطاءً مُسْتَكْثِرًا لَهُ، فَإنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ اسْتِقْلالُ العَطاءِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فالسِّينُ لِلْعَدِّ والوِجْدانِ. وسَبَقَ في سُورَةِ الرُّومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ.
المدثر 74:7
(p-٥٩٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ (يا أيُّها المُدَّثِّرُ) وخالَفَهُ الجُمْهُورُ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ أوَّلَ القُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
رَوى البُخارِيُّ «عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ لِي، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ أمامِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. قالَ: فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]» .
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ جابِرِ (p-٥٩٦٩)ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (يا أيُّها المُدَّثِّرُ...)» الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ هو المَحْفُوظُ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ نَزَلَ الوَحْيُ قَبْلَ هَذا لِقَوْلِهِ: (فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ وهو جِبْرِيلُ حِينَ أتاهُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ المَلَكُ بَعْدُ. هَذا وجْهُ الجَمْعِ: أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنِ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا، فَلَمّا أكَلُوا مِنهُ قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِساحِرٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كاهِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكاهِنٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشاعِرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:( يا أيُّها المُدَّثِّرُ...) الآياتِ.
(p-٥٩٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ لِنَوْمٍ أوِ اسْتِدْفاءٍ، مِنَ الدِّثارِ، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِّيابِ فَوْقَ الشِّعارِ. والشِّعارُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ. وأصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَ، خُوطِبَ بِذَلِكَ لِحالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ. أوْ لِقَوْلِهِ: ««دَثِّرُونِي»» كَما تَقَدَّمَ- وقِيلَ: مَعْناهُ: المُدَّثِّرُ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى، وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ. ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا. فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ كالدِّثارِ واللِّباسِ مَجازًا.
قالَ الشِّهابُ: إمّا أنْ يُرادَ المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنُ، كَما أنَّ اللِّباسَ الَّذِي فَوْقَ الشِّعارِ يَكُونُ حِلْيَةً لِصاحِبِهِ وزِينَةً. وكَذا يُسَمّى حُلَّةً. والتَّشْبِيهُ بِالدِّثارِ في ظُهُورِها، أوْ في الإحاطَةِ. والأوَّلُ أتَمُّ.
﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: مِن مَضْجَعِكَ ودِثارِكَ. أوْ قِيامَ عَزْمٍ وجِدٍّ ﴿فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
(p-٥٩٧١)قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ (وبَشِّرْ) لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، والإنْذارُ هو الغالِبُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لِمَن آمَنَ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ. أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَعَظِّمْ بِعِبادَتِهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ في حاجاتِكَ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ كُنْتَ تُكْبِرُ شَيْئًا وتُعَظِّمُ قَدْرَهُ، فَخَصِّصْ رَبَّكَ بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْبِيرِ، لا يَعْظُمُ في عَيْنِكَ غَيْرُهُ، ويَصْغُرُ في قَلْبِكَ كُلُّ ما سِواهُ، بِمُشاهَدَةِ كِبْرِيائِهِ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أيْ: بِالماءِ مِنَ الأنْجاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ، كانَ المُشْرِكُونَ لا يَتَطَهَّرُونَ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ ويُطَهِّرَ ثِيابَهُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الآثامِ. قالَ قَتادَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إذا نَكَثَ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ أنَّهُ دَنِسُ الثِّيابِ. وإذا وفى وأصْلَحَ، قالُوا: مُطَهَّرُ الثِّيابِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: لا تَلْبَسْهُما عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرَةٍ. ثُمَّ أنْشَدَ لِغِيلانَ ابْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وفِي الوَجْهِ الأوَّلِ بَقاءُ لَفْظَيِ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفي الثّانِي تَجَوُّزٌ بِهِما. وبَقِيَ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو حَمْلُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِها، والتَّطْهِيرُ عَلى مَجازِهِ، وهو التَّبْصِيرُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطِيلُونَ ثِيابَهُمْ، ويَجُرُّونَ أذْيالَهم خُيَلاءَ وكِبْرًا، فَأُمِرَ بِمُخالَفَتِهِمْ. ورابِعٌ وهو عَكْسُ (p-٥٩٧٢)هَذا، وذَلِكَ بِحَمْلِ الثِّيابِ عَلى الجَسَدِ أوِ النَّفْسِ كِنايَةٌ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
أيْ: نَفْسَهُ. ولِذا قالَ:
؎لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
واسْتَصْوَبَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّاتِرِ" الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ مِن فُصُولِ مُقَدِّمَتِهِ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في المَعْنى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ومَن يَذْهَبُ إلى التَّأْوِيلِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فالظّاهِرُ مِن لَفْظِ الثِّيابِ هو ما يُلْبَسُ. ومَن تَأوَّلَ، ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ هو القَلْبُ، لا المَلْبُوسُ، وهَذا لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
ثُمَّ قالَ: المَعْنى المَحْمُولُ عَلى ظاهِرِهِ لا يَقَعُ في تَفْسِيرِهِ خِلافٌ. والمَعْنى المَعْدُولُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى التَّأْوِيلِ يَقَعُ فِيهِ الخِلافُ؛ إذْ بابُ التَّأْوِيلِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في هَذا، فَإنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهم وجْهًا ضَعِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، فَيَكْسُوهُ بِعِبارَتِهِ قُوَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ القَوِيَّةِ، فَإنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ:
؎إنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهم ∗∗∗ كَقُلُوبِهِنَّ، إذا التَقى الجَمْعانِ
؎تَلْقى الحُسامَ عَلى جَراءَةِ حَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الجَبانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبانِ
انْتَهى.
ويَكْفِي دَلِيلًا ما لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّواهِدِ والأمْثالِ. والِاسْتِعْمالُ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. نَعَمْ، المُتَبادِرُ أوْلى وأجْدَرُ، وهو عُنْوانُ الحَقِيقَةِ.
(p-٥٩٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أيِ: اتْرُكْهُ. و(الرِّجْزُ) بِكَسْرِ الرّاءِ كالرِّجْسِ، والسِّينُ والزّايُ يَتَبادَلانِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الصَّفِيرِ.
و(الرِّجْسُ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ، كُنِّيَ بِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أوْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَكْرَهُ مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ، والجُمْلَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اهْجُرِ الجَفا والسَّفَهَ وكُلَّ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرِّجْزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّجْزِ العَذابُ، وهَجْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
فالرِّجْزُ مَجازٌ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أسْبابَ الرِّجْزِ. أوِ التَّجَوُّزَ بِالتَّشْبِيهِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ في المَكْسُورِ، وهُما بِمَعْنًى، وهو العَذابُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ بِالضَّمِّ بِمَعْنى الصَّنَمِ، وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وأمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وهو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا أمْرٌ لِغَيْرِهِ تَعْرِيضًا، أوِ المُرادُ الدَّوامُ عَلى هَجْرِهِ.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، بِمَعْنى: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ. يُقالُ: مَنَنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ: أعْطَيْتُهُ. كَما قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أيْ: فَأعْطِ أوْ أمْسِكْ. وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِكْثارُ عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ زائِدًا عَلى العَطاءِ. فَسُمِّي طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ. وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ، ولَها ولَدٌ، لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا. ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ، حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ، كَبِيرًا.
(p-٥٩٧٤)وسِرُّ النَّهْيِ أنْ يَكُونَ العَطاءُ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ، والتِفاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ تَعَفُّفًا وكَمالًا وعُلُوَّ هِمَّةٍ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُعْطِ عَطاءً مُسْتَكْثِرًا لَهُ، فَإنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ اسْتِقْلالُ العَطاءِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فالسِّينُ لِلْعَدِّ والوِجْدانِ. وسَبَقَ في سُورَةِ الرُّومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ.
المدثر 74:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٠] ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ. و(النّاقُورُ) مِنَ النَّقْرِ، بِمَعْنى التَّصْوِيتِ. وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُ الصَّوْتِ. ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ، أيْ: لَمّا كانَ الصَّوْتُ يَحْدُثُ بِالقَرْعِ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْهُ، وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الصَّوْتِ.
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] أيْ: شَدِيدٌ.
﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] أيْ: هَيِّنٍ، لِما يَحِيقُ بِهِمْ مِن صُنُوفِ الرَّدى. وفي قَوْلِهِ:
﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] تَأْكِيدٌ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، ويُشْعِرُ بِيُسْرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ. فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ.
(p-٥٩٧٥)
المدثر 74:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٠] ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ. و(النّاقُورُ) مِنَ النَّقْرِ، بِمَعْنى التَّصْوِيتِ. وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُ الصَّوْتِ. ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ، أيْ: لَمّا كانَ الصَّوْتُ يَحْدُثُ بِالقَرْعِ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْهُ، وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الصَّوْتِ.
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] أيْ: شَدِيدٌ.
﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] أيْ: هَيِّنٍ، لِما يَحِيقُ بِهِمْ مِن صُنُوفِ الرَّدى. وفي قَوْلِهِ:
﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] تَأْكِيدٌ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، ويُشْعِرُ بِيُسْرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ. فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ.
(p-٥٩٧٥)
المدثر 74:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٠] ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ. و(النّاقُورُ) مِنَ النَّقْرِ، بِمَعْنى التَّصْوِيتِ. وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُ الصَّوْتِ. ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ، أيْ: لَمّا كانَ الصَّوْتُ يَحْدُثُ بِالقَرْعِ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْهُ، وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الصَّوْتِ.
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] أيْ: شَدِيدٌ.
﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] أيْ: هَيِّنٍ، لِما يَحِيقُ بِهِمْ مِن صُنُوفِ الرَّدى. وفي قَوْلِهِ:
﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] تَأْكِيدٌ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، ويُشْعِرُ بِيُسْرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ. فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ.
(p-٥٩٧٥)
المدثر 74:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٧] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ: لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] أيْ: مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَّماءِ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] أيْ: رِجالًا يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَحافِلَ والمَجامِعَ، أوْ حُضُورًا مَعَهُ يَأْنَسُ بِهِمْ، لا يُحْوِجُهُ سَفَرُهم ورُكُوبُهُمُ الأخْطارَ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّكَسُّبِ والمَدْحِ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] أيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ والجاهِ والرِّياسَةِ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] أيْ: مِنَ المالِ والوَلَدِ والجاهِ. أوْ مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ. وهَذا أظْهَرُ لِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: لا يَكُونُ ما يَأْمُلُ ويَرْجُو؛ لِأنَّ الجَدِيرَ بِالزِّيادَةِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ هُمُ المُتَّقُونَ، لا هُوَ، ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: مُعانِدًا لِلْحُجَجِ المُنَزَّلَةِ والمُرْسَلَةِ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أيْ: سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ. وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: ومَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا، أنَّهُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ المَصائِبِ، بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ (p-٥٩٧٦)فِي الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاهِقَةِ، وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ عَلَّلَ إرْهاقَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
المدثر 74:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٧] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ: لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] أيْ: مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَّماءِ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] أيْ: رِجالًا يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَحافِلَ والمَجامِعَ، أوْ حُضُورًا مَعَهُ يَأْنَسُ بِهِمْ، لا يُحْوِجُهُ سَفَرُهم ورُكُوبُهُمُ الأخْطارَ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّكَسُّبِ والمَدْحِ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] أيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ والجاهِ والرِّياسَةِ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] أيْ: مِنَ المالِ والوَلَدِ والجاهِ. أوْ مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ. وهَذا أظْهَرُ لِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: لا يَكُونُ ما يَأْمُلُ ويَرْجُو؛ لِأنَّ الجَدِيرَ بِالزِّيادَةِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ هُمُ المُتَّقُونَ، لا هُوَ، ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: مُعانِدًا لِلْحُجَجِ المُنَزَّلَةِ والمُرْسَلَةِ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أيْ: سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ. وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: ومَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا، أنَّهُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ المَصائِبِ، بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ (p-٥٩٧٦)فِي الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاهِقَةِ، وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ عَلَّلَ إرْهاقَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
المدثر 74:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٧] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ: لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] أيْ: مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَّماءِ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] أيْ: رِجالًا يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَحافِلَ والمَجامِعَ، أوْ حُضُورًا مَعَهُ يَأْنَسُ بِهِمْ، لا يُحْوِجُهُ سَفَرُهم ورُكُوبُهُمُ الأخْطارَ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّكَسُّبِ والمَدْحِ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] أيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ والجاهِ والرِّياسَةِ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] أيْ: مِنَ المالِ والوَلَدِ والجاهِ. أوْ مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ. وهَذا أظْهَرُ لِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: لا يَكُونُ ما يَأْمُلُ ويَرْجُو؛ لِأنَّ الجَدِيرَ بِالزِّيادَةِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ هُمُ المُتَّقُونَ، لا هُوَ، ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: مُعانِدًا لِلْحُجَجِ المُنَزَّلَةِ والمُرْسَلَةِ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أيْ: سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ. وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: ومَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا، أنَّهُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ المَصائِبِ، بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ (p-٥٩٧٦)فِي الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاهِقَةِ، وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ عَلَّلَ إرْهاقَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
المدثر 74:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٧] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ: لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] أيْ: مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَّماءِ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] أيْ: رِجالًا يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَحافِلَ والمَجامِعَ، أوْ حُضُورًا مَعَهُ يَأْنَسُ بِهِمْ، لا يُحْوِجُهُ سَفَرُهم ورُكُوبُهُمُ الأخْطارَ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّكَسُّبِ والمَدْحِ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] أيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ والجاهِ والرِّياسَةِ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] أيْ: مِنَ المالِ والوَلَدِ والجاهِ. أوْ مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ. وهَذا أظْهَرُ لِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: لا يَكُونُ ما يَأْمُلُ ويَرْجُو؛ لِأنَّ الجَدِيرَ بِالزِّيادَةِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ هُمُ المُتَّقُونَ، لا هُوَ، ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: مُعانِدًا لِلْحُجَجِ المُنَزَّلَةِ والمُرْسَلَةِ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أيْ: سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ. وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: ومَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا، أنَّهُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ المَصائِبِ، بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ (p-٥٩٧٦)فِي الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاهِقَةِ، وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ عَلَّلَ إرْهاقَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
المدثر 74:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٧] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ: لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] أيْ: مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَّماءِ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] أيْ: رِجالًا يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَحافِلَ والمَجامِعَ، أوْ حُضُورًا مَعَهُ يَأْنَسُ بِهِمْ، لا يُحْوِجُهُ سَفَرُهم ورُكُوبُهُمُ الأخْطارَ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّكَسُّبِ والمَدْحِ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] أيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ والجاهِ والرِّياسَةِ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] أيْ: مِنَ المالِ والوَلَدِ والجاهِ. أوْ مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ. وهَذا أظْهَرُ لِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: لا يَكُونُ ما يَأْمُلُ ويَرْجُو؛ لِأنَّ الجَدِيرَ بِالزِّيادَةِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ هُمُ المُتَّقُونَ، لا هُوَ، ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: مُعانِدًا لِلْحُجَجِ المُنَزَّلَةِ والمُرْسَلَةِ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أيْ: سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ. وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: ومَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا، أنَّهُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ المَصائِبِ، بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ (p-٥٩٧٦)فِي الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاهِقَةِ، وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ عَلَّلَ إرْهاقَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
المدثر 74:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٧] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ: لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] أيْ: مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَّماءِ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] أيْ: رِجالًا يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَحافِلَ والمَجامِعَ، أوْ حُضُورًا مَعَهُ يَأْنَسُ بِهِمْ، لا يُحْوِجُهُ سَفَرُهم ورُكُوبُهُمُ الأخْطارَ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّكَسُّبِ والمَدْحِ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] أيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ والجاهِ والرِّياسَةِ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] أيْ: مِنَ المالِ والوَلَدِ والجاهِ. أوْ مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ. وهَذا أظْهَرُ لِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: لا يَكُونُ ما يَأْمُلُ ويَرْجُو؛ لِأنَّ الجَدِيرَ بِالزِّيادَةِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ هُمُ المُتَّقُونَ، لا هُوَ، ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: مُعانِدًا لِلْحُجَجِ المُنَزَّلَةِ والمُرْسَلَةِ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أيْ: سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ. وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: ومَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا، أنَّهُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ المَصائِبِ، بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ (p-٥٩٧٦)فِي الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاهِقَةِ، وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ عَلَّلَ إرْهاقَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
المدثر 74:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٧] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ: لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] أيْ: مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَّماءِ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] أيْ: رِجالًا يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَحافِلَ والمَجامِعَ، أوْ حُضُورًا مَعَهُ يَأْنَسُ بِهِمْ، لا يُحْوِجُهُ سَفَرُهم ورُكُوبُهُمُ الأخْطارَ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّكَسُّبِ والمَدْحِ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] أيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ والجاهِ والرِّياسَةِ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] أيْ: مِنَ المالِ والوَلَدِ والجاهِ. أوْ مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ. وهَذا أظْهَرُ لِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: لا يَكُونُ ما يَأْمُلُ ويَرْجُو؛ لِأنَّ الجَدِيرَ بِالزِّيادَةِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ هُمُ المُتَّقُونَ، لا هُوَ، ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: مُعانِدًا لِلْحُجَجِ المُنَزَّلَةِ والمُرْسَلَةِ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أيْ: سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ. وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: ومَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا، أنَّهُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ المَصائِبِ، بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ (p-٥٩٧٦)فِي الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاهِقَةِ، وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ عَلَّلَ إرْهاقَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
المدثر 74:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٠] ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠]
﴿إنَّهُ فَكَّرَ﴾ أيْ: ماذا يَقُولُ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ ﴿وقَدَّرَ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ ما يَقُولُهُ وهَيَّأهُ.
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] أيْ: لُعِنَ، كَيْفَ قَدَّرَ ذَلِكَ الِافْتِراءَ الباطِلَ، واخْتَلَقَ ما يُكَذِّبُهُ وِجْدانُهُ فِيهِ.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَجُّبِ مِنهُ، وقَدِ اعْتِيدَ فِيمَن عَجِبَ غايَةَ التَّعَجُّبِ أنَّهُ يُكْثِرُ مِنَ التَّعَجُّبِ ويُكَرِّرُهُ.
و" ثُمَّ " لِلدَّلالَةِ عَلى الثّانِيَةِ أبْلَغُ في التَّعَجُّبِ مِنَ الأُولى لِلْعَطْفِ بِ: " ثُمَّ " الدّالَّةِ عَلى تَفاوُتِ الرُّتْبَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ بِنَوْعٍ ما مِنَ القَتْلِ، لا بَلْ قُتِلَ بِأشَدِّهِ وأشَدِّهِ؛ لِذا ساغَ العَطْفُ فِيهِ، مَعَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ.
وقَدْ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أنْ تَكُونَ تَعْجِيبًا مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ المَحَزَّ ورَمْيِهِ الغَرَضَ الَّذِي كانَ تَنْتَحِيهِ قُرَيْشٌ، أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، أوْ حِكايَةٌ لِما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِمْ:
﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] تَهَكُّمًا بِهِمْ وبِإعْجابِهِمْ بِتَقْدِيرِهِ، واسْتِعْظامِهِمْ لِقَوْلِهِ.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ: قَتَلَهُ اللَّهُ، ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ، ما أشْعَرَهُ، الإشْعارُ بِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ.
(p-٥٩٧٧)
المدثر 74:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٠] ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠]
﴿إنَّهُ فَكَّرَ﴾ أيْ: ماذا يَقُولُ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ ﴿وقَدَّرَ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ ما يَقُولُهُ وهَيَّأهُ.
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] أيْ: لُعِنَ، كَيْفَ قَدَّرَ ذَلِكَ الِافْتِراءَ الباطِلَ، واخْتَلَقَ ما يُكَذِّبُهُ وِجْدانُهُ فِيهِ.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَجُّبِ مِنهُ، وقَدِ اعْتِيدَ فِيمَن عَجِبَ غايَةَ التَّعَجُّبِ أنَّهُ يُكْثِرُ مِنَ التَّعَجُّبِ ويُكَرِّرُهُ.
و" ثُمَّ " لِلدَّلالَةِ عَلى الثّانِيَةِ أبْلَغُ في التَّعَجُّبِ مِنَ الأُولى لِلْعَطْفِ بِ: " ثُمَّ " الدّالَّةِ عَلى تَفاوُتِ الرُّتْبَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ بِنَوْعٍ ما مِنَ القَتْلِ، لا بَلْ قُتِلَ بِأشَدِّهِ وأشَدِّهِ؛ لِذا ساغَ العَطْفُ فِيهِ، مَعَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ.
وقَدْ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أنْ تَكُونَ تَعْجِيبًا مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ المَحَزَّ ورَمْيِهِ الغَرَضَ الَّذِي كانَ تَنْتَحِيهِ قُرَيْشٌ، أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، أوْ حِكايَةٌ لِما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِمْ:
﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] تَهَكُّمًا بِهِمْ وبِإعْجابِهِمْ بِتَقْدِيرِهِ، واسْتِعْظامِهِمْ لِقَوْلِهِ.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ: قَتَلَهُ اللَّهُ، ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ، ما أشْعَرَهُ، الإشْعارُ بِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ.
(p-٥٩٧٧)
المدثر 74:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٠] ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠]
﴿إنَّهُ فَكَّرَ﴾ أيْ: ماذا يَقُولُ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ ﴿وقَدَّرَ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ ما يَقُولُهُ وهَيَّأهُ.
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] أيْ: لُعِنَ، كَيْفَ قَدَّرَ ذَلِكَ الِافْتِراءَ الباطِلَ، واخْتَلَقَ ما يُكَذِّبُهُ وِجْدانُهُ فِيهِ.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَجُّبِ مِنهُ، وقَدِ اعْتِيدَ فِيمَن عَجِبَ غايَةَ التَّعَجُّبِ أنَّهُ يُكْثِرُ مِنَ التَّعَجُّبِ ويُكَرِّرُهُ.
و" ثُمَّ " لِلدَّلالَةِ عَلى الثّانِيَةِ أبْلَغُ في التَّعَجُّبِ مِنَ الأُولى لِلْعَطْفِ بِ: " ثُمَّ " الدّالَّةِ عَلى تَفاوُتِ الرُّتْبَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ بِنَوْعٍ ما مِنَ القَتْلِ، لا بَلْ قُتِلَ بِأشَدِّهِ وأشَدِّهِ؛ لِذا ساغَ العَطْفُ فِيهِ، مَعَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ.
وقَدْ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أنْ تَكُونَ تَعْجِيبًا مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ المَحَزَّ ورَمْيِهِ الغَرَضَ الَّذِي كانَ تَنْتَحِيهِ قُرَيْشٌ، أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، أوْ حِكايَةٌ لِما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِمْ:
﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] تَهَكُّمًا بِهِمْ وبِإعْجابِهِمْ بِتَقْدِيرِهِ، واسْتِعْظامِهِمْ لِقَوْلِهِ.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ: قَتَلَهُ اللَّهُ، ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ، ما أشْعَرَهُ، الإشْعارُ بِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ.
(p-٥٩٧٧)
المدثر 74:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٥] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، أيْ: تَرَوّى فِيهِ. قالَ الرّازِيُّ: وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِن أحْوالِ قَلْبِهِ. فالنَّظَرُ الأوَّلُ لِلِاسْتِخْراجِ، واللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في وُجُوهِ القَوْمِ.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: قَطَّبَ وجْهَهُ كِبْرًا وتَهَيُّؤًا لِقَذْفِ تِلْكَ الكَبِيرَةِ ﴿وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: كَلَحَ وجْهُهُ. شَأْنَ اللَّئِيمِ في مُراوَغَتِهِ ومُخاتَلَتِهِ، والحَسُودِ في آثارِ حِقْدِهِ عَلى صَفَحاتِ وجْهِهِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الحَقِّ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الإيمانِ بِهِ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا سِحْرٌ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ. أيْ: يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] أيْ: لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، كَما يَقُولُهُ.
تَنْبِيهٌ:
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، أحَدِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وكانَ مِن خَبَرِهِ ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ وكانَ ذا سِنٍّ فِيهِمْ، وقَدْ حَضَرَ المَوْسِمَ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ، وإنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا، فَيُكَذِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويَرُدُّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا. قالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ! (p-٥٩٧٨)فَقُلْ، وأقِمْ لَنا رَأْيًا نَقُلْ بِهِ. قالَ: بَلْ أنْتُمْ فَقُولُوا أسْمَعْ. قالُوا: نَقُولُ: كاهِنٌ. قالَ: لا، واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ! لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ، فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا سَجْعِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ! قالَ: ما هو بِمَجْنُونٍ. لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ، فَما هو بِخَنْقِهِ ولا تَخالُجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: شاعِرٌ! قالَ: ما هو بِشاعِرٍ. لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ: رَجَزَهُ وهَزَجَهُ وقَرِيضَهُ ومَقْبُوضَهُ ومَبْسُوطَهُ، فَما هو بِالشِّعْرِ. قالُوا: فَنَقُولُ: ساحِرٌ! قالَ: ما هو بِساحِرٍ. لَقَدْ رَأيْنا السُّحّارَ وسِحْرَهُمْ، فَما هو بِنَفْثِهِمْ ولا عَقْدِهِمْ. قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قالَ: واللَّهِ! إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوَةً، وإنَّ أصْلَهُ لَعِذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناةٌ، وما أنْتُمْ بِقائِلِينَ مِن هَذا شَيْئًا إلّا عَرَفَ أنَّهُ باطِلٌ، وإنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ؛ لَأنْ تَقُولُوا: هو ساحِرٌ جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجَتِهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النّاسِ حِينَ قَدِمُوا المَوْسِمَ. لا يَمُرُّ بِهِمْ أحَدٌ إلّا حَذَّرُوهُ إيّاهُ، وذَكَرُوا لَهم أمْرَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وفي ذَلِكَ، مِن قَوْلِهِ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتِ.
وعَنْ قَتادَةَ: قالَ الوَلِيدُ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ، فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوا وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وثَمَّ رِواياتٌ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ أنَّ الوَلِيدَ كانَ بَنُوهُ عَشَرَةً. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ وعَمّارٌ وهِشامٌ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في "الإصابَةِ": والصَّوابُ خالِدٌ وهِشامٌ والوَلِيدُ. فَأمّا عِمارَةٌ، فَإنَّهُ ماتَ كافِرًا؛ لِأنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ لِلنَّجاشِيِّ، فَجَرَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ، فَأُصِيبَ بِعَقْلِهِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مِمَّنْ ««دَعا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ مِن قُرَيْشٍ»» لَمّا وضَعَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ سَلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يُصَلِّي.
(p-٥٩٧٩)
المدثر 74:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٥] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، أيْ: تَرَوّى فِيهِ. قالَ الرّازِيُّ: وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِن أحْوالِ قَلْبِهِ. فالنَّظَرُ الأوَّلُ لِلِاسْتِخْراجِ، واللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في وُجُوهِ القَوْمِ.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: قَطَّبَ وجْهَهُ كِبْرًا وتَهَيُّؤًا لِقَذْفِ تِلْكَ الكَبِيرَةِ ﴿وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: كَلَحَ وجْهُهُ. شَأْنَ اللَّئِيمِ في مُراوَغَتِهِ ومُخاتَلَتِهِ، والحَسُودِ في آثارِ حِقْدِهِ عَلى صَفَحاتِ وجْهِهِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الحَقِّ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الإيمانِ بِهِ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا سِحْرٌ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ. أيْ: يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] أيْ: لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، كَما يَقُولُهُ.
تَنْبِيهٌ:
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، أحَدِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وكانَ مِن خَبَرِهِ ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ وكانَ ذا سِنٍّ فِيهِمْ، وقَدْ حَضَرَ المَوْسِمَ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ، وإنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا، فَيُكَذِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويَرُدُّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا. قالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ! (p-٥٩٧٨)فَقُلْ، وأقِمْ لَنا رَأْيًا نَقُلْ بِهِ. قالَ: بَلْ أنْتُمْ فَقُولُوا أسْمَعْ. قالُوا: نَقُولُ: كاهِنٌ. قالَ: لا، واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ! لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ، فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا سَجْعِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ! قالَ: ما هو بِمَجْنُونٍ. لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ، فَما هو بِخَنْقِهِ ولا تَخالُجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: شاعِرٌ! قالَ: ما هو بِشاعِرٍ. لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ: رَجَزَهُ وهَزَجَهُ وقَرِيضَهُ ومَقْبُوضَهُ ومَبْسُوطَهُ، فَما هو بِالشِّعْرِ. قالُوا: فَنَقُولُ: ساحِرٌ! قالَ: ما هو بِساحِرٍ. لَقَدْ رَأيْنا السُّحّارَ وسِحْرَهُمْ، فَما هو بِنَفْثِهِمْ ولا عَقْدِهِمْ. قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قالَ: واللَّهِ! إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوَةً، وإنَّ أصْلَهُ لَعِذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناةٌ، وما أنْتُمْ بِقائِلِينَ مِن هَذا شَيْئًا إلّا عَرَفَ أنَّهُ باطِلٌ، وإنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ؛ لَأنْ تَقُولُوا: هو ساحِرٌ جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجَتِهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النّاسِ حِينَ قَدِمُوا المَوْسِمَ. لا يَمُرُّ بِهِمْ أحَدٌ إلّا حَذَّرُوهُ إيّاهُ، وذَكَرُوا لَهم أمْرَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وفي ذَلِكَ، مِن قَوْلِهِ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتِ.
وعَنْ قَتادَةَ: قالَ الوَلِيدُ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ، فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوا وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وثَمَّ رِواياتٌ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ أنَّ الوَلِيدَ كانَ بَنُوهُ عَشَرَةً. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ وعَمّارٌ وهِشامٌ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في "الإصابَةِ": والصَّوابُ خالِدٌ وهِشامٌ والوَلِيدُ. فَأمّا عِمارَةٌ، فَإنَّهُ ماتَ كافِرًا؛ لِأنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ لِلنَّجاشِيِّ، فَجَرَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ، فَأُصِيبَ بِعَقْلِهِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مِمَّنْ ««دَعا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ مِن قُرَيْشٍ»» لَمّا وضَعَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ سَلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يُصَلِّي.
(p-٥٩٧٩)
المدثر 74:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٥] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، أيْ: تَرَوّى فِيهِ. قالَ الرّازِيُّ: وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِن أحْوالِ قَلْبِهِ. فالنَّظَرُ الأوَّلُ لِلِاسْتِخْراجِ، واللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في وُجُوهِ القَوْمِ.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: قَطَّبَ وجْهَهُ كِبْرًا وتَهَيُّؤًا لِقَذْفِ تِلْكَ الكَبِيرَةِ ﴿وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: كَلَحَ وجْهُهُ. شَأْنَ اللَّئِيمِ في مُراوَغَتِهِ ومُخاتَلَتِهِ، والحَسُودِ في آثارِ حِقْدِهِ عَلى صَفَحاتِ وجْهِهِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الحَقِّ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الإيمانِ بِهِ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا سِحْرٌ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ. أيْ: يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] أيْ: لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، كَما يَقُولُهُ.
تَنْبِيهٌ:
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، أحَدِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وكانَ مِن خَبَرِهِ ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ وكانَ ذا سِنٍّ فِيهِمْ، وقَدْ حَضَرَ المَوْسِمَ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ، وإنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا، فَيُكَذِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويَرُدُّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا. قالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ! (p-٥٩٧٨)فَقُلْ، وأقِمْ لَنا رَأْيًا نَقُلْ بِهِ. قالَ: بَلْ أنْتُمْ فَقُولُوا أسْمَعْ. قالُوا: نَقُولُ: كاهِنٌ. قالَ: لا، واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ! لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ، فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا سَجْعِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ! قالَ: ما هو بِمَجْنُونٍ. لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ، فَما هو بِخَنْقِهِ ولا تَخالُجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: شاعِرٌ! قالَ: ما هو بِشاعِرٍ. لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ: رَجَزَهُ وهَزَجَهُ وقَرِيضَهُ ومَقْبُوضَهُ ومَبْسُوطَهُ، فَما هو بِالشِّعْرِ. قالُوا: فَنَقُولُ: ساحِرٌ! قالَ: ما هو بِساحِرٍ. لَقَدْ رَأيْنا السُّحّارَ وسِحْرَهُمْ، فَما هو بِنَفْثِهِمْ ولا عَقْدِهِمْ. قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قالَ: واللَّهِ! إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوَةً، وإنَّ أصْلَهُ لَعِذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناةٌ، وما أنْتُمْ بِقائِلِينَ مِن هَذا شَيْئًا إلّا عَرَفَ أنَّهُ باطِلٌ، وإنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ؛ لَأنْ تَقُولُوا: هو ساحِرٌ جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجَتِهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النّاسِ حِينَ قَدِمُوا المَوْسِمَ. لا يَمُرُّ بِهِمْ أحَدٌ إلّا حَذَّرُوهُ إيّاهُ، وذَكَرُوا لَهم أمْرَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وفي ذَلِكَ، مِن قَوْلِهِ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتِ.
وعَنْ قَتادَةَ: قالَ الوَلِيدُ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ، فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوا وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وثَمَّ رِواياتٌ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ أنَّ الوَلِيدَ كانَ بَنُوهُ عَشَرَةً. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ وعَمّارٌ وهِشامٌ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في "الإصابَةِ": والصَّوابُ خالِدٌ وهِشامٌ والوَلِيدُ. فَأمّا عِمارَةٌ، فَإنَّهُ ماتَ كافِرًا؛ لِأنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ لِلنَّجاشِيِّ، فَجَرَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ، فَأُصِيبَ بِعَقْلِهِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مِمَّنْ ««دَعا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ مِن قُرَيْشٍ»» لَمّا وضَعَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ سَلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يُصَلِّي.
(p-٥٩٧٩)
المدثر 74:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٥] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، أيْ: تَرَوّى فِيهِ. قالَ الرّازِيُّ: وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِن أحْوالِ قَلْبِهِ. فالنَّظَرُ الأوَّلُ لِلِاسْتِخْراجِ، واللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في وُجُوهِ القَوْمِ.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: قَطَّبَ وجْهَهُ كِبْرًا وتَهَيُّؤًا لِقَذْفِ تِلْكَ الكَبِيرَةِ ﴿وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: كَلَحَ وجْهُهُ. شَأْنَ اللَّئِيمِ في مُراوَغَتِهِ ومُخاتَلَتِهِ، والحَسُودِ في آثارِ حِقْدِهِ عَلى صَفَحاتِ وجْهِهِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الحَقِّ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الإيمانِ بِهِ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا سِحْرٌ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ. أيْ: يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] أيْ: لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، كَما يَقُولُهُ.
تَنْبِيهٌ:
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، أحَدِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وكانَ مِن خَبَرِهِ ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ وكانَ ذا سِنٍّ فِيهِمْ، وقَدْ حَضَرَ المَوْسِمَ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ، وإنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا، فَيُكَذِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويَرُدُّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا. قالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ! (p-٥٩٧٨)فَقُلْ، وأقِمْ لَنا رَأْيًا نَقُلْ بِهِ. قالَ: بَلْ أنْتُمْ فَقُولُوا أسْمَعْ. قالُوا: نَقُولُ: كاهِنٌ. قالَ: لا، واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ! لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ، فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا سَجْعِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ! قالَ: ما هو بِمَجْنُونٍ. لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ، فَما هو بِخَنْقِهِ ولا تَخالُجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: شاعِرٌ! قالَ: ما هو بِشاعِرٍ. لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ: رَجَزَهُ وهَزَجَهُ وقَرِيضَهُ ومَقْبُوضَهُ ومَبْسُوطَهُ، فَما هو بِالشِّعْرِ. قالُوا: فَنَقُولُ: ساحِرٌ! قالَ: ما هو بِساحِرٍ. لَقَدْ رَأيْنا السُّحّارَ وسِحْرَهُمْ، فَما هو بِنَفْثِهِمْ ولا عَقْدِهِمْ. قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قالَ: واللَّهِ! إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوَةً، وإنَّ أصْلَهُ لَعِذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناةٌ، وما أنْتُمْ بِقائِلِينَ مِن هَذا شَيْئًا إلّا عَرَفَ أنَّهُ باطِلٌ، وإنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ؛ لَأنْ تَقُولُوا: هو ساحِرٌ جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجَتِهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النّاسِ حِينَ قَدِمُوا المَوْسِمَ. لا يَمُرُّ بِهِمْ أحَدٌ إلّا حَذَّرُوهُ إيّاهُ، وذَكَرُوا لَهم أمْرَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وفي ذَلِكَ، مِن قَوْلِهِ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتِ.
وعَنْ قَتادَةَ: قالَ الوَلِيدُ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ، فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوا وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وثَمَّ رِواياتٌ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ أنَّ الوَلِيدَ كانَ بَنُوهُ عَشَرَةً. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ وعَمّارٌ وهِشامٌ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في "الإصابَةِ": والصَّوابُ خالِدٌ وهِشامٌ والوَلِيدُ. فَأمّا عِمارَةٌ، فَإنَّهُ ماتَ كافِرًا؛ لِأنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ لِلنَّجاشِيِّ، فَجَرَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ، فَأُصِيبَ بِعَقْلِهِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مِمَّنْ ««دَعا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ مِن قُرَيْشٍ»» لَمّا وضَعَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ سَلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يُصَلِّي.
(p-٥٩٧٩)
المدثر 74:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٥] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، أيْ: تَرَوّى فِيهِ. قالَ الرّازِيُّ: وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِن أحْوالِ قَلْبِهِ. فالنَّظَرُ الأوَّلُ لِلِاسْتِخْراجِ، واللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في وُجُوهِ القَوْمِ.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: قَطَّبَ وجْهَهُ كِبْرًا وتَهَيُّؤًا لِقَذْفِ تِلْكَ الكَبِيرَةِ ﴿وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: كَلَحَ وجْهُهُ. شَأْنَ اللَّئِيمِ في مُراوَغَتِهِ ومُخاتَلَتِهِ، والحَسُودِ في آثارِ حِقْدِهِ عَلى صَفَحاتِ وجْهِهِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الحَقِّ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الإيمانِ بِهِ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا سِحْرٌ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ. أيْ: يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] أيْ: لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، كَما يَقُولُهُ.
تَنْبِيهٌ:
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، أحَدِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وكانَ مِن خَبَرِهِ ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ وكانَ ذا سِنٍّ فِيهِمْ، وقَدْ حَضَرَ المَوْسِمَ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ، وإنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا، فَيُكَذِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويَرُدُّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا. قالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ! (p-٥٩٧٨)فَقُلْ، وأقِمْ لَنا رَأْيًا نَقُلْ بِهِ. قالَ: بَلْ أنْتُمْ فَقُولُوا أسْمَعْ. قالُوا: نَقُولُ: كاهِنٌ. قالَ: لا، واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ! لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ، فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا سَجْعِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ! قالَ: ما هو بِمَجْنُونٍ. لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ، فَما هو بِخَنْقِهِ ولا تَخالُجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: شاعِرٌ! قالَ: ما هو بِشاعِرٍ. لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ: رَجَزَهُ وهَزَجَهُ وقَرِيضَهُ ومَقْبُوضَهُ ومَبْسُوطَهُ، فَما هو بِالشِّعْرِ. قالُوا: فَنَقُولُ: ساحِرٌ! قالَ: ما هو بِساحِرٍ. لَقَدْ رَأيْنا السُّحّارَ وسِحْرَهُمْ، فَما هو بِنَفْثِهِمْ ولا عَقْدِهِمْ. قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قالَ: واللَّهِ! إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوَةً، وإنَّ أصْلَهُ لَعِذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناةٌ، وما أنْتُمْ بِقائِلِينَ مِن هَذا شَيْئًا إلّا عَرَفَ أنَّهُ باطِلٌ، وإنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ؛ لَأنْ تَقُولُوا: هو ساحِرٌ جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجَتِهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النّاسِ حِينَ قَدِمُوا المَوْسِمَ. لا يَمُرُّ بِهِمْ أحَدٌ إلّا حَذَّرُوهُ إيّاهُ، وذَكَرُوا لَهم أمْرَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وفي ذَلِكَ، مِن قَوْلِهِ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتِ.
وعَنْ قَتادَةَ: قالَ الوَلِيدُ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ، فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوا وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وثَمَّ رِواياتٌ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ أنَّ الوَلِيدَ كانَ بَنُوهُ عَشَرَةً. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ وعَمّارٌ وهِشامٌ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في "الإصابَةِ": والصَّوابُ خالِدٌ وهِشامٌ والوَلِيدُ. فَأمّا عِمارَةٌ، فَإنَّهُ ماتَ كافِرًا؛ لِأنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ لِلنَّجاشِيِّ، فَجَرَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ، فَأُصِيبَ بِعَقْلِهِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مِمَّنْ ««دَعا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ مِن قُرَيْشٍ»» لَمّا وضَعَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ سَلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يُصَلِّي.
(p-٥٩٧٩)
المدثر 74:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ. وهو بَدَلٌ مِن ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِاشْتِمالِ ﴿سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] عَلى الشَّدائِدِ.
﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، وإذا هَلَكَ لَمْ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ. أوْ لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ، بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] أيْ: مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ، مِن لَوَحَتْهُ الشَّمْسُ، إذا سَوَّدَتْ ظاهِرَهُ وأطْرافَهُ. و(البَشَرُ): جَمَعَ بَشَرَةٍ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ. أوِ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لائِحَةٌ لِلنّاسِ، مِن لاحَ بِمَعْنى ظَهَرَ، والبَشَرُ بِمَعْنى النّاسِ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] أيْ: مِنَ الخَزَنَةِ المُتَوَلِّينَ أمْرَها، والتَّسَلُّطَ عَلى أهْلِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ زَبانِيَةَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، تَفُوقُ زَبانِيَةَ الجَبابِرَةِ في الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً، تَنْبِيهًا عَلى هَوْلِ العَذابِ، وكِبَرِ مَكانِهِ.
المدثر 74:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ. وهو بَدَلٌ مِن ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِاشْتِمالِ ﴿سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] عَلى الشَّدائِدِ.
﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، وإذا هَلَكَ لَمْ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ. أوْ لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ، بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] أيْ: مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ، مِن لَوَحَتْهُ الشَّمْسُ، إذا سَوَّدَتْ ظاهِرَهُ وأطْرافَهُ. و(البَشَرُ): جَمَعَ بَشَرَةٍ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ. أوِ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لائِحَةٌ لِلنّاسِ، مِن لاحَ بِمَعْنى ظَهَرَ، والبَشَرُ بِمَعْنى النّاسِ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] أيْ: مِنَ الخَزَنَةِ المُتَوَلِّينَ أمْرَها، والتَّسَلُّطَ عَلى أهْلِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ زَبانِيَةَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، تَفُوقُ زَبانِيَةَ الجَبابِرَةِ في الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً، تَنْبِيهًا عَلى هَوْلِ العَذابِ، وكِبَرِ مَكانِهِ.
المدثر 74:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ. وهو بَدَلٌ مِن ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِاشْتِمالِ ﴿سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] عَلى الشَّدائِدِ.
﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، وإذا هَلَكَ لَمْ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ. أوْ لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ، بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] أيْ: مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ، مِن لَوَحَتْهُ الشَّمْسُ، إذا سَوَّدَتْ ظاهِرَهُ وأطْرافَهُ. و(البَشَرُ): جَمَعَ بَشَرَةٍ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ. أوِ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لائِحَةٌ لِلنّاسِ، مِن لاحَ بِمَعْنى ظَهَرَ، والبَشَرُ بِمَعْنى النّاسِ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] أيْ: مِنَ الخَزَنَةِ المُتَوَلِّينَ أمْرَها، والتَّسَلُّطَ عَلى أهْلِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ زَبانِيَةَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، تَفُوقُ زَبانِيَةَ الجَبابِرَةِ في الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً، تَنْبِيهًا عَلى هَوْلِ العَذابِ، وكِبَرِ مَكانِهِ.
المدثر 74:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ. وهو بَدَلٌ مِن ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِاشْتِمالِ ﴿سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] عَلى الشَّدائِدِ.
﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، وإذا هَلَكَ لَمْ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ. أوْ لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ، بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] أيْ: مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ، مِن لَوَحَتْهُ الشَّمْسُ، إذا سَوَّدَتْ ظاهِرَهُ وأطْرافَهُ. و(البَشَرُ): جَمَعَ بَشَرَةٍ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ. أوِ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لائِحَةٌ لِلنّاسِ، مِن لاحَ بِمَعْنى ظَهَرَ، والبَشَرُ بِمَعْنى النّاسِ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] أيْ: مِنَ الخَزَنَةِ المُتَوَلِّينَ أمْرَها، والتَّسَلُّطَ عَلى أهْلِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ زَبانِيَةَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، تَفُوقُ زَبانِيَةَ الجَبابِرَةِ في الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً، تَنْبِيهًا عَلى هَوْلِ العَذابِ، وكِبَرِ مَكانِهِ.
المدثر 74:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ. وهو بَدَلٌ مِن ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِاشْتِمالِ ﴿سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] عَلى الشَّدائِدِ.
﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، وإذا هَلَكَ لَمْ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ. أوْ لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ، بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] أيْ: مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ، مِن لَوَحَتْهُ الشَّمْسُ، إذا سَوَّدَتْ ظاهِرَهُ وأطْرافَهُ. و(البَشَرُ): جَمَعَ بَشَرَةٍ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ. أوِ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لائِحَةٌ لِلنّاسِ، مِن لاحَ بِمَعْنى ظَهَرَ، والبَشَرُ بِمَعْنى النّاسِ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] أيْ: مِنَ الخَزَنَةِ المُتَوَلِّينَ أمْرَها، والتَّسَلُّطَ عَلى أهْلِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ زَبانِيَةَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، تَفُوقُ زَبانِيَةَ الجَبابِرَةِ في الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً، تَنْبِيهًا عَلى هَوْلِ العَذابِ، وكِبَرِ مَكانِهِ.
المدثر 74:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١] ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ (p-٥٩٨٠)فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾
﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ﴾ أيْ: خَزَنَتَها ﴿إلا مَلائِكَةً﴾ أيْ: وهم أقْوى الخَلْقِ بَأْسًا، وأشَدُّهم غَضَبًا لِلَّهِ، لِيُبايِنُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ، فَلا يَسْتَرْوِحُونَ لَهم.
﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. أيْ: إلّا عِدَّةً مِن شَأْنِها أنْ يَفْتَتِنَ بِها الكافِرُونَ، فَيَجْعَلُوها مَوْضِعَ البَحْثِ والهُزْءِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ تَشْدِيدُ التَّعَبُّدِ لِيَسْتَدِلُّوا ويَعْرِفُوا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُقَوِّيَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَلى ما لا يَقْوى عَلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ أقْوِياءَ.
وقالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانُ حَتّى يُفَوِّضَ المُؤْمِنُونَ حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ. قالَ: وهَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ.
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: رِسالَةَ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِإنْبائِهِ مِن وعِيدِ الجاحِدِينَ المُفْسِدِينَ ما لَدَيْهِمْ مِصْداقُهُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ: " جَعَلْنا " الثّانِيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ جَعْلُهم في نَفْسِ الأمْرِ عَلى هَذا العَدَدِ، مُعَلِّلًا بِاسْتِيقانِ أهْلِ الكِتابِ، وازْدِيادِ المُؤْمِنِينَ، واسْتِبْعادِ أهْلِ الشَّكِّ والنِّفاقِ، ولَيْسَ إيجادُهم تِسْعَةَ عَشَرَ سَبَبًا لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وإنَّما السَّبَبُ لِما ذُكِرَ، هو الإخْبارُ عَنْ عَدَدِهِمْ بِأنَّهُ تِسْعَةَ عَشَرَ؟
والجَوابُ: أنَّ الجَعْلَ يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: جَعْلُ الشَّيْءِ مُتَّصِفًا بِصِفَةٍ في نَفْسِ الأمْرِ.
وثانِيهِما: الإخْبارُ بِاتِّصافِهِ بِها، ويُقالُ لَهُ: الجَعْلُ بِالقَوْلِ. أيْ: وما جَعَلْنا عِدَّتَهم بِالإخْبارِ عَنْها إلّا عَدَدًا يَقْتَضِي فِتْنَتَهُمْ، لِاسْتِيقانِ أهْلِ الكِتابِ.... إلَخْ، أيْ: وقُلْنا ذَلِكَ (p-٥٩٨١)وأخْبَرْنا بِهِ لِاسْتِيقانِ... إلَخْ. وعَبَّرَ عَنِ الإخْبارِ بِالجَعْلِ، لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ﴾ إلَخْ، هَذا ما قَرَّرَهُ شُرّاحُ القاضِي.
﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا إلى تَصْدِيقِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾ أيْ: حَتّى يُخَوِّفَنا بِهَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ذَكَرَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهُمُ المُنافِقُونَ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما نَجَمَ بِالمَدِينَةِ؟
قُلْتُ: مَعْناهُ ولِيَقُولَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يَنْجُمُونَ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، والكافِرُونَ بِمَكَّةَ: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا. ولَيْسَ في ذَلِكَ إلّا إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ، كَسائِرِ الإخْباراتِ بِالغُيُوبِ. وذَلِكَ لا يُخالِفُ كَوْنَ السُّورَةِ مَكِّيَّةً. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَرَضِ الشَّكُّ والِارْتِيابُ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانَ أكْثَرُهم شاكِّينَ، وبَعْضُهم قاطِعِينَ بِالكَذِبِ. انْتَهى.
وقالَ الرّازِيُّ: إنْ قِيلَ: لِمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا عَدَدًا عَجِيبًا، ظَنَّ القَوْمُ أنَّهُ رُبَّما لَمْ يَكُنْ مُرادًا لِلَّهِ مِنهُ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُهُ، بَلْ جَعَلَهُ مَثَلًا لِشَيْءٍ آخَرَ، وتَنْبِيهًا عَلى مَقْصُودٍ آخَرَ، لا جَرَمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: إضْلالَهُ لِصَرْفِهِ اخْتِيارَهُ إلى جانِبِ الضَّلالِ: عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ آياتِ اللَّهِ النّاطِقَةَ بِالحَقِّ.
﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: هِدايَتَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِتِلْكَ الآياتِ إلى جانِبِ الهُدى ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وما يَعْلَمُ ما عَلَيْهِ كُلُّ جُنْدٍ مِنَ العَدَدِ الخاصِّ، مِن كَوْنِ بَعْضِها عَلى عَقْدٍ كامِلٍ، وبَعْضُها عَلى عَدَدٍ ناقِصٍ، وما في اخْتِصاصِ كُلِّ جُنْدٍ بِعَدَدِهِ، مِنَ الحِكْمَةِ إلّا هو. ولا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، كَما لا يُعْرَفُ الحِكْمَةُ في أعْدادِ السَّماواتِ والأرْضِينَ وأمْثالِها. أوْ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ لِفَرْطِ كَثْرَتِها إلّا هُوَ، فَلا يَعِزُّ عَلَيْهِ الزِّيادَةُ عَلى عَدَدِ الخَزَنَةِ المَذْكُورِ، ولَكِنْ لَهُ في هَذا العَدَدِ الخاصِّ حِكْمَةٌ لا تَعْلَمُونَها. انْتَهى.
(p-٥٩٨٢)ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَأْيِيدًا لِكَوْنِ ما تَقَدَّمَ مَثَلًا، أيْ: أنَّ المُؤْمِنِينَ يَسْتَيْقِنُونَ بِأنَّ عِدَّتَهم ضُرِبَتْ مَثَلًا لِلْكَثْرَةِ غَيْرِ المُعْتادِ سَماعُها لِلْكافِرِينَ. ومِن سُنَّتِهِ تَعالى ضَرْبُ الأمْثالِ في تَنْزِيلِهِ، وإلّا فَلا يَعْلَمُ جُنُودَهُ الَّتِي يُسَلِّطُها عَلى تَعْذِيبِ مَن يَشاءُ إلّا هو. وهَذا مَعْنًى آخَرُ لَمْ أقِفِ الآنَ عَلى مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:
﴿وما هِيَ﴾ أيْ: عِدَّتُهُمُ المَذْكُورَةُ ﴿إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيْ: عِظَةٌ يَرْهَبُونَ مِنها عَذابَ النّارِ، وهَوْلَ أصْحابِها.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِ: " سَقَرَ " وقِيلَ: لِلْآياتِ. والأقْرَبُ عِنْدِي هو الأوَّلُ لِسَلامَتِهِ مِن دَعْوى كَوْنِ ما قَبْلَهُ مُعْتَرِضًا، إذا أُعِيدَ الضَّمِيرُ لِغَيْرِهِ، ولِتَأْيِيدِهِ لِما قَبْلَهُ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ.
المدثر 74:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٧] ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَ العِدَّةَ أوْ سَقَرَ أوِ الآياتِ. أوْ إنْكارٌ لِأنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ، ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] أيْ: ولّى ذاهِبًا بِطُلُوعِ الفَجْرِ.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أيْ: أضاءَ. ومِن فَوائِدِ القَسَمِ بِها الِاعْتِبارُ بِفَوائِدِها، والِاسْتِدْلالُ بِآياتِها، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] أيِ: الأُمُورُ العِظامُ.
(p-٥٩٨٣)﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] أيْ: إنْذارًا لَهُمْ، فَنَصَبَهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ عَنْ إحْدى؛ لِما تَضَمَّنَهُ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا. فَ: " نَذِيرًا " بِمَعْنى الإنْذارِ، كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ. أيْ: كَبُرَتْ مُنْذِرَةً، فَ: " نَذِيرًا " مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِالوَصْفِ، أوْ وصْفٌ بِمَعْنى مُنْذِرَةٍ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَسْبِقَ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَتَخَلَّفَ. و" لِمَن " بَدَلٌ مِن " لِلْبَشَرِ " أيْ: مُنْذِرَةٌ لِمَن شاؤُوا التَّقَدُّمَ والفَوْزَ، أوِ التَّأخُّرَ والهَلاكَ. أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَقَوْلِكَ: لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، كَآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وفي الثّانِي بُعْدٌ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُهُ، ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
المدثر 74:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٧] ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَ العِدَّةَ أوْ سَقَرَ أوِ الآياتِ. أوْ إنْكارٌ لِأنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ، ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] أيْ: ولّى ذاهِبًا بِطُلُوعِ الفَجْرِ.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أيْ: أضاءَ. ومِن فَوائِدِ القَسَمِ بِها الِاعْتِبارُ بِفَوائِدِها، والِاسْتِدْلالُ بِآياتِها، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] أيِ: الأُمُورُ العِظامُ.
(p-٥٩٨٣)﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] أيْ: إنْذارًا لَهُمْ، فَنَصَبَهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ عَنْ إحْدى؛ لِما تَضَمَّنَهُ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا. فَ: " نَذِيرًا " بِمَعْنى الإنْذارِ، كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ. أيْ: كَبُرَتْ مُنْذِرَةً، فَ: " نَذِيرًا " مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِالوَصْفِ، أوْ وصْفٌ بِمَعْنى مُنْذِرَةٍ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَسْبِقَ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَتَخَلَّفَ. و" لِمَن " بَدَلٌ مِن " لِلْبَشَرِ " أيْ: مُنْذِرَةٌ لِمَن شاؤُوا التَّقَدُّمَ والفَوْزَ، أوِ التَّأخُّرَ والهَلاكَ. أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَقَوْلِكَ: لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، كَآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وفي الثّانِي بُعْدٌ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُهُ، ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
المدثر 74:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٧] ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَ العِدَّةَ أوْ سَقَرَ أوِ الآياتِ. أوْ إنْكارٌ لِأنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ، ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] أيْ: ولّى ذاهِبًا بِطُلُوعِ الفَجْرِ.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أيْ: أضاءَ. ومِن فَوائِدِ القَسَمِ بِها الِاعْتِبارُ بِفَوائِدِها، والِاسْتِدْلالُ بِآياتِها، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] أيِ: الأُمُورُ العِظامُ.
(p-٥٩٨٣)﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] أيْ: إنْذارًا لَهُمْ، فَنَصَبَهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ عَنْ إحْدى؛ لِما تَضَمَّنَهُ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا. فَ: " نَذِيرًا " بِمَعْنى الإنْذارِ، كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ. أيْ: كَبُرَتْ مُنْذِرَةً، فَ: " نَذِيرًا " مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِالوَصْفِ، أوْ وصْفٌ بِمَعْنى مُنْذِرَةٍ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَسْبِقَ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَتَخَلَّفَ. و" لِمَن " بَدَلٌ مِن " لِلْبَشَرِ " أيْ: مُنْذِرَةٌ لِمَن شاؤُوا التَّقَدُّمَ والفَوْزَ، أوِ التَّأخُّرَ والهَلاكَ. أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَقَوْلِكَ: لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، كَآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وفي الثّانِي بُعْدٌ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُهُ، ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
المدثر 74:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٧] ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَ العِدَّةَ أوْ سَقَرَ أوِ الآياتِ. أوْ إنْكارٌ لِأنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ، ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] أيْ: ولّى ذاهِبًا بِطُلُوعِ الفَجْرِ.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أيْ: أضاءَ. ومِن فَوائِدِ القَسَمِ بِها الِاعْتِبارُ بِفَوائِدِها، والِاسْتِدْلالُ بِآياتِها، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] أيِ: الأُمُورُ العِظامُ.
(p-٥٩٨٣)﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] أيْ: إنْذارًا لَهُمْ، فَنَصَبَهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ عَنْ إحْدى؛ لِما تَضَمَّنَهُ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا. فَ: " نَذِيرًا " بِمَعْنى الإنْذارِ، كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ. أيْ: كَبُرَتْ مُنْذِرَةً، فَ: " نَذِيرًا " مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِالوَصْفِ، أوْ وصْفٌ بِمَعْنى مُنْذِرَةٍ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَسْبِقَ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَتَخَلَّفَ. و" لِمَن " بَدَلٌ مِن " لِلْبَشَرِ " أيْ: مُنْذِرَةٌ لِمَن شاؤُوا التَّقَدُّمَ والفَوْزَ، أوِ التَّأخُّرَ والهَلاكَ. أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَقَوْلِكَ: لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، كَآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وفي الثّانِي بُعْدٌ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُهُ، ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
المدثر 74:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٧] ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَ العِدَّةَ أوْ سَقَرَ أوِ الآياتِ. أوْ إنْكارٌ لِأنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ، ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] أيْ: ولّى ذاهِبًا بِطُلُوعِ الفَجْرِ.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أيْ: أضاءَ. ومِن فَوائِدِ القَسَمِ بِها الِاعْتِبارُ بِفَوائِدِها، والِاسْتِدْلالُ بِآياتِها، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] أيِ: الأُمُورُ العِظامُ.
(p-٥٩٨٣)﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] أيْ: إنْذارًا لَهُمْ، فَنَصَبَهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ عَنْ إحْدى؛ لِما تَضَمَّنَهُ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا. فَ: " نَذِيرًا " بِمَعْنى الإنْذارِ، كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ. أيْ: كَبُرَتْ مُنْذِرَةً، فَ: " نَذِيرًا " مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِالوَصْفِ، أوْ وصْفٌ بِمَعْنى مُنْذِرَةٍ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَسْبِقَ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَتَخَلَّفَ. و" لِمَن " بَدَلٌ مِن " لِلْبَشَرِ " أيْ: مُنْذِرَةٌ لِمَن شاؤُوا التَّقَدُّمَ والفَوْزَ، أوِ التَّأخُّرَ والهَلاكَ. أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَقَوْلِكَ: لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، كَآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وفي الثّانِي بُعْدٌ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُهُ، ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
المدثر 74:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٧] ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَ العِدَّةَ أوْ سَقَرَ أوِ الآياتِ. أوْ إنْكارٌ لِأنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ، ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] أيْ: ولّى ذاهِبًا بِطُلُوعِ الفَجْرِ.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أيْ: أضاءَ. ومِن فَوائِدِ القَسَمِ بِها الِاعْتِبارُ بِفَوائِدِها، والِاسْتِدْلالُ بِآياتِها، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] أيِ: الأُمُورُ العِظامُ.
(p-٥٩٨٣)﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] أيْ: إنْذارًا لَهُمْ، فَنَصَبَهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ عَنْ إحْدى؛ لِما تَضَمَّنَهُ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا. فَ: " نَذِيرًا " بِمَعْنى الإنْذارِ، كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ. أيْ: كَبُرَتْ مُنْذِرَةً، فَ: " نَذِيرًا " مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِالوَصْفِ، أوْ وصْفٌ بِمَعْنى مُنْذِرَةٍ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَسْبِقَ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] أيْ: يَتَخَلَّفَ. و" لِمَن " بَدَلٌ مِن " لِلْبَشَرِ " أيْ: مُنْذِرَةٌ لِمَن شاؤُوا التَّقَدُّمَ والفَوْزَ، أوِ التَّأخُّرَ والهَلاكَ. أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَقَوْلِكَ: لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، كَآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وفي الثّانِي بُعْدٌ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُهُ، ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
المدثر 74:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٤٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (p-٥٩٨٤)﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ: مَرْهُونَةٌ ومَحْبُوسَةٌ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] أيْ: فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [المدثر: ٤٠] أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُدْرِكُ وصْفَها ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم. وإيثارُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ (دَعَوْتُهُ وتَداعَيْناهُ).
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ، لِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، وما أوْجَبَ تَعْذِيبَهم وبَقاءَهم في سَقَرَ، فَأجابَ المَسْؤُولُونَ بِأنّا سَألْناهم عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِنا: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] أيْ: كُنّا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الرَّذائِلِ مِنَ اخْتِيارِ الرّاحاتِ البَدَنِيَّةِ، ومَحَبَّةِ المالِ، وتَرْكِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والخَوْضِ في الباطِلِ، والهُزْءِ والهَذَيانِ، والتَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ، وإنْكارِ المَعادِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] أيِ: المَوْتُ، فَرَأيْنا بِهِ ما كُنّا نُنْكِرُهُ عِيانًا.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ: مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَوْ قُدِّرَ عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ لَها. فَلا إذْنَ في الشَّفاعَةِ لِذَلِكَ. فَلا شَفاعَةَ، فَلا تَنْفَعُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَما يَشْفَعُ لَهُمُ الَّذِينَ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ في أهْلِ الذُّنُوبِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَتَنْفَعُهم شَفاعَتُهم. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ مُشَفِّعٌ بَعْضَ خَلْقِهِ في بَعْضٍ.
(p-٥٩٨٥)
المدثر 74:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
المدثر 74:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
المدثر 74:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
المدثر 74:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
المدثر 74:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
المدثر 74:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
المدثر 74:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
المدثر 74:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
القيامة 75:1
(p-٥٩٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القِيامَةِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِتَضَمُّنِها غايَةَ تَعْظِيمِ ذَلِكَ اليَوْمِ، مَن لا يَتَناهى ثَوابُهُ وعِقابُهُ، بِحَيْثُ تَتَحَسَّرُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مِن تَقْصِيرِها، وإنْ عَمِلَتْ ما عَمِلَتْ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها أرْبَعُونَ.
(p-٥٩٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ القاشانِيُّ: جَمَعَ بَيْنَ القِيامَةِ والنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، في القَسَمِ بِهِما، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِما، وتَناسُبًا بَيْنَهُما؛ إذِ النَّفْسُ اللَّوّامَةُ هي المُصَدِّقَةُ بِها، المُقِرَّةُ بِوُقُوعِها المُهَيِّئَةُ لِأسْبابِها، لِأنَّها تَلُومُ نَفْسَها أبَدًا في التَّقْصِيرِ، والتَّقاعُدِ عَنِ الخَيْراتِ، وإنْ أحْسَنَتْ، لِحِرْصِها عَلى الزِّيادَةِ في الخَيْرِ، وأعْمالِ البِرِّ، تَيَقُّنًا بِالجَزاءِ، فَكَيْفَ بِها إنْ أخْطَأتْ وفَرَّطَتْ وبَدَرَتْ مِنها بادِرَةٌ غَفْلَةً ونِسْيانًا.
ومَرَّ الكَلامُ عَلى " لا أُقْسِمُ " في مَواقِعِهِ قَبْلَ هَذا. فَتَذَكَّرْ. وحُذِفَ جَوابُ القَسَمِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ:
القيامة 75:2
(p-٥٩٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القِيامَةِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِتَضَمُّنِها غايَةَ تَعْظِيمِ ذَلِكَ اليَوْمِ، مَن لا يَتَناهى ثَوابُهُ وعِقابُهُ، بِحَيْثُ تَتَحَسَّرُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مِن تَقْصِيرِها، وإنْ عَمِلَتْ ما عَمِلَتْ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها أرْبَعُونَ.
(p-٥٩٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ القاشانِيُّ: جَمَعَ بَيْنَ القِيامَةِ والنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، في القَسَمِ بِهِما، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِما، وتَناسُبًا بَيْنَهُما؛ إذِ النَّفْسُ اللَّوّامَةُ هي المُصَدِّقَةُ بِها، المُقِرَّةُ بِوُقُوعِها المُهَيِّئَةُ لِأسْبابِها، لِأنَّها تَلُومُ نَفْسَها أبَدًا في التَّقْصِيرِ، والتَّقاعُدِ عَنِ الخَيْراتِ، وإنْ أحْسَنَتْ، لِحِرْصِها عَلى الزِّيادَةِ في الخَيْرِ، وأعْمالِ البِرِّ، تَيَقُّنًا بِالجَزاءِ، فَكَيْفَ بِها إنْ أخْطَأتْ وفَرَّطَتْ وبَدَرَتْ مِنها بادِرَةٌ غَفْلَةً ونِسْيانًا.
ومَرَّ الكَلامُ عَلى " لا أُقْسِمُ " في مَواقِعِهِ قَبْلَ هَذا. فَتَذَكَّرْ. وحُذِفَ جَوابُ القَسَمِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ:
القيامة 75:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ عَلَيْهِ، وهو لَتُبْعَثُنَّ. قالَ القاشانِيُّ: المُرادُ بِالقِيامَةِ، هاهُنا الصُّغْرى، لِهَذِهِ الدَّلالَةِ بِعَيْنِها.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] أيْ: بَلى! نَجْمَعُ عِظامَهُ، قادِرِينَ تَسْوِيَةَ بَنانِهِ الَّتِي هي أطْرافُ خِلْقَتِهِ وتَمامُها، عَلى صِغَرِها ولَطافَتِها، وضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فَكَيْفَ بِكِبارِ العِظامِ؟
(p-٥٩٨٩)
القيامة 75:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ عَلَيْهِ، وهو لَتُبْعَثُنَّ. قالَ القاشانِيُّ: المُرادُ بِالقِيامَةِ، هاهُنا الصُّغْرى، لِهَذِهِ الدَّلالَةِ بِعَيْنِها.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] أيْ: بَلى! نَجْمَعُ عِظامَهُ، قادِرِينَ تَسْوِيَةَ بَنانِهِ الَّتِي هي أطْرافُ خِلْقَتِهِ وتَمامُها، عَلى صِغَرِها ولَطافَتِها، وضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فَكَيْفَ بِكِبارِ العِظامِ؟
(p-٥٩٨٩)
القيامة 75:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيَدُومَ عَلى الفُجُورِ، فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، ولا يُثْنِيهِ عَنْهُ شَيْءٌ، ولا يَتُوبُ مِنهُ أبَدًا.
قالَ الشِّهابُ:
﴿أمامَهُ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ، اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَيُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ والضَّمِيرُ لِلْإنْسانِ، أوْ لِيَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حالِ الفاجِرِ، بِأنَّهُ يُرِيدُ لِيَفْجُرَ في المُسْتَقْبَلِ، عَلى أنَّ إرادَتَهُ وحُسْبانَهُ هُما عَيْنُ الفُجُورِ. وفي إعادَةِ المُظْهَرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْدِيدِ ونَعْيِ قَبِيحِ ما ارْتَكَبَهُ، وأنَّ الإنْسانِيَّةَ تَأْباهُ. وقِيلَ: حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ لِيَصِحَّ الإضْرابُ، ويَصِيرَ المَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى فُجُورِهِ ولا يَتُوبَ، فَلِذا أنْكَرَ البَعْثَ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لِيَدُومَ عَلى الفُجُورِ بِالمَيْلِ إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، والشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ، غارِزًا رَأْسَهُ فِيها، فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، فَيَغْفُلُ عَنِ القِيامَةِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَنْها، وكَوْنِهِ مَقْصُورًا عَلى اللَّذّاتِ العاجِلَةِ، وفَرْطِ تَهالُكِهِ عَلَيْها، واحْتِجابِهِ بِها عَنِ الآجِلَةِ، سائِلًا عَنْها، مُتَعَنِّتًا مُسْتَبْعِدًا إيّاها، كَما قالَ سُبْحانَهُ:
القيامة 75:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
القيامة 75:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
القيامة 75:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
القيامة 75:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
القيامة 75:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
القيامة 75:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
القيامة 75:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
القيامة 75:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
القيامة 75:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٥] ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥]
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَشْهَدُ بِعِلْمِهِ، لِبَقاءِ هَيْئاتِ أعْمالِهِ المَكْتُوبَةِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ، ورُسُوخِها في ذاتِهِ، وصَيْرُورَةِ صِفاتِهِ صُوَرَ أعْضائِهِ، فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُنَبَّأ مِن خارِجٍ.
قالَ الشِّهابُ:
" بَصِيرَةٌ " مَجازٌ عَنِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ. أوْ " بَصِيرَةٌ " بِمَعْنى بَيِّنَةٍ، وهي صِفَةٌ لِحُجَّةٍ مُقَدَّرَةٍ. وجَعَلَ الحُجَّةَ بَصِيرَةً؛ لِأنَّ صاحِبَها يُبْصِرُ بِها، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ. أوْ هي بِمَعْنى (دالَّةٍ) مَجازًا. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ. و" الإنْسانُ " مُبْتَدَأٌ، و" بَصِيرَةٌ " خَبَرُهُ، و" عَلى " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. والتَّأْنِيثُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ صِفَةَ حُجَّةٍ. ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] أيْ: ولَوْ ألْقى أعْذارَهُ مُجادِلًا عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، وإنْكارِ البَعْثِ، مُنْكَرٌ باطِلٌ، تُنْكِرُهُ قُلُوبُهُمْ، وأنَّهم في دِفاعِهِمْ يُجادِلُونَ بِالباطِلِ. ولا غَرْوَ أنْ يُنْكِرَ القَلْبُ ما تَدْفَعُهُ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ، والدِّينُ دِينُ الفِطْرَةِ.
قالَ الشِّهابُ: شَبَّهَ المَجِيءَ بِالعُذْرِ بِإلْقاءِ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ بِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهٌ لِذَلِكَ بِالماءِ المَرْوِيِّ لِلْعَطَشِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
القيامة 75:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٥] ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥]
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَشْهَدُ بِعِلْمِهِ، لِبَقاءِ هَيْئاتِ أعْمالِهِ المَكْتُوبَةِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ، ورُسُوخِها في ذاتِهِ، وصَيْرُورَةِ صِفاتِهِ صُوَرَ أعْضائِهِ، فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُنَبَّأ مِن خارِجٍ.
قالَ الشِّهابُ:
" بَصِيرَةٌ " مَجازٌ عَنِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ. أوْ " بَصِيرَةٌ " بِمَعْنى بَيِّنَةٍ، وهي صِفَةٌ لِحُجَّةٍ مُقَدَّرَةٍ. وجَعَلَ الحُجَّةَ بَصِيرَةً؛ لِأنَّ صاحِبَها يُبْصِرُ بِها، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ. أوْ هي بِمَعْنى (دالَّةٍ) مَجازًا. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ. و" الإنْسانُ " مُبْتَدَأٌ، و" بَصِيرَةٌ " خَبَرُهُ، و" عَلى " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. والتَّأْنِيثُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ صِفَةَ حُجَّةٍ. ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] أيْ: ولَوْ ألْقى أعْذارَهُ مُجادِلًا عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، وإنْكارِ البَعْثِ، مُنْكَرٌ باطِلٌ، تُنْكِرُهُ قُلُوبُهُمْ، وأنَّهم في دِفاعِهِمْ يُجادِلُونَ بِالباطِلِ. ولا غَرْوَ أنْ يُنْكِرَ القَلْبُ ما تَدْفَعُهُ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ، والدِّينُ دِينُ الفِطْرَةِ.
قالَ الشِّهابُ: شَبَّهَ المَجِيءَ بِالعُذْرِ بِإلْقاءِ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ بِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهٌ لِذَلِكَ بِالماءِ المَرْوِيِّ لِلْعَطَشِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
القيامة 75:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٩] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] (p-٥٩٩٢)﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ، لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ، مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: في صَدْرِكَ، وإثْباتَ حِفْظِهِ في قَلْبِكَ، بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ.
﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: أنْ تَقْرَأهُ بَعْدُ فَلا تَنْسى ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: كُنْ مُقْفِيًا لَهُ ولا تُراسِلْهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أيْ: بَيانَ ما فِيهِ، إذا أشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ، أوْ أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ هو المَأْثُورُ في "الصَّحِيحَيْنِ" وغَيْرِهِما، ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ»»، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ يَخْشى أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ. زادَ في رِوايَةٍ: فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأهُ النَّبِيُّ ﷺ كَما قَرَأهُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: لا تَكَلَّمْ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ حَتّى يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ، فَإذا قَضَيْنا إلَيْكَ وحْيَهُ، فَتَكَلَّمْ بِهِ. يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
(p-٥٩٩٣)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وغَيْرُ واحِدٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وأنَّها تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِرَسُولِهِ كَيْفِيَّةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ.
الثّانِي: ذَكَرُوا في مُناسَبَةِ وُقُوعِ الآيَةِ مُعْتَرِضَةً في أحْوالِ القِيامَةِ -عَلى تَأْوِيلِهِمُ المُتَقَدِّمِ- وُجُوهًا:
مِنها: تَأْكِيدُ التَّوْبِيخِ عَلى ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ -والمَرْءُ مَفْتُونٌ بِحُبِّ العاجِلِ- حَتّى جُعِلَ مَخْلُوقًا مِن عَجَلٍ، ومِن مَحَبَّةِ العاجِلِ، وإيثارِهِ عَلى الآجِلِ، تَقْدِيمُ الدُّنْيا الحاضِرَةِ عَلى الآخِرَةِ، الَّذِي هو مَنشَأُ الكُفْرِ والعِنادِ، المُؤَدِّي إلى إنْكارِ الحَشْرِ والمَعادِ؛ فالنَّهْيُ عَنِ العَجَلَةِ في هَذا يَقْتَضِي النَّهْيَ فِيما عَداهُ، عَلى آكَدِ وجْهٍ. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ تامَّةٌ بَيْنَ ما اعْتُرِضَ فِيهِ وبَيْنَهُ، قالَهُ الشِّهابُ.
ومِنها: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ، إذا ذُكِرَ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى عَمَلِ العَبْدِ، حَيْثُ يُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ في الدُّنْيا الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها المُحاسَبَةُ عَمَلًا وتَرْكًا، كَما قالَ في الكَهْفِ:
﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٩] الآيَةَ. وقالَ في طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] إلى أنْ قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
ومِنها: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ لَمّا نَزَلَ إلى قَوْلِهِ:
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] صادَفَ أنَّهُ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ بادَرَ إلى تَحَفُّظِ الَّذِي نَزَلَ، وحَرَّكَ بِهِ لِسانَهُ مِن عَجَلَتِهِ خَشْيَةً مِن تَفَلُّتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى تَكْمِلَةِ ما ابْتَدَأ بِهِ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: ونَحْوَهُ ما لَوْ ألْقى المُدَرِّسُ عَلى الطّالِبِ مَثَلًا مَسْألَةً، فَتَشاغَلَ الطّالِبُ بِشَيْءٍ عَرَضَ لَهُ فَقالَ لَهُ: ألْقِ إلَيَّ بالَكَ، وتَفَهَّمْ ما أقُولُ، ثُمَّ كَمَّلَ المَسْألَةَ، فَمَن لا يَعْرِفُ (p-٥٩٩٤)السَّبَبَ يَقُولُ: لَيْسَ هَذا الكَلامُ مُناسِبًا لِلْمَسْألَةِ، بِخِلافِ مَن عَرَفَ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي".
الثّالِثُ: اسْتَدَلُّوا عَلى التَّأْوِيلِ السّابِقِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ لِما تَقْتَضِيهِ " ثُمَّ " مِنَ التَّراخِي. وأوَّلُ مَنِ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ، وتَبِعُوهُ. وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى تَأْوِيلِ البَيانِ بِتَبْيِينِ المَعْنى، وإلّا فَإذا حُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ حِفْظِهِ لَهُ، وظُهُورِهِ عَلى لِسانٍ، فَلا!
قالَ الآمِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ جَوازُ تَأْخِيرِ البَيانِ الإجْمالِيِّ، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ. وتُعُقِّبَ بِاحْتِمالِ إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ: الإظْهارِ والتَّفْصِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] جِنْسٌ مُضافٌ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أصْنافِهِ مِن إظْهارِهِ وتَبْيِينِ أحْكامِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن تَخْصِيصٍ وتَقْيِيدٍ ونَسْخٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ في "الفَتْحِ".
وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ تَكُونَ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ في الإخْبارِ. أيْ: إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، فَلا تَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ. وضَعَّفَهُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
الرّابِعُ: ما قَدَّمْناهُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخْ، وما اسْتُفِيدَ مِنهُ، وما قِيلَ في مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ، كُلُّهُ إذا جَرى عَلى المَأْثُورِ فِيها. وحاوَلَ القَفّالُ مَعْنًى فَقالَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فَكانَ ذَلِكَ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، (p-٥٩٩٥)وسُرْعَةِ القِراءَةِ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ، أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ، أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ، وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ، وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ.
وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ، أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ، عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا، وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ، وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ. انْتَهى.
ونَقَلَ الشِّهابُ أنَّ بَعْضَهُمُ ارْتَضى هَذا الوَجْهَ، وقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ.
وزَعَمَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ الحامِلَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ هو عُسْرُ بَيانِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها مِن أحْوالِ القِيامَةِ؛ أيْ: ولَمّا بَيَّنَ الأئِمَّةُ المُناسَبَةَ الَّتِي أثَرْناها عَنْهُمْ، لَمْ يَبْقَ وجْهٌ لِلذَّهابِ إلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ، مَعَ أنَّ هَذا الوَجْهَ -هُوَ فِيما يَظْهَرُ- فِيهِ غايَةُ القُوَّةِ والِارْتِباطِ بِهِ قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، مِمّا يُؤْثِرُهُ عَلى المَأْثُورِ، الَّذِي قَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ الِاجْتِهادَ، والوُقُوفَ مَعَ ظاهِرِ ألْفاظِ الآيَةِ. ومِمّا يُؤَيِّدُ ما أُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ في تِلْكَ الحالِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ في مَبْدَأِ البَعْثِ النَّبَوِيِّ، ولَمْ يَكُنِ ابْنِ عَبّاسٍ وُلِدَ حِينَئِذٍ. ولا مانِعَ -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ- أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ بَعْدُ، فَيَراهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ يُخْبَرَ بِهِ، فَيَكُونُ مِن مَراسِيلِ الصَّحابَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٩] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] (p-٥٩٩٢)﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ، لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ، مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: في صَدْرِكَ، وإثْباتَ حِفْظِهِ في قَلْبِكَ، بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ.
﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: أنْ تَقْرَأهُ بَعْدُ فَلا تَنْسى ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: كُنْ مُقْفِيًا لَهُ ولا تُراسِلْهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أيْ: بَيانَ ما فِيهِ، إذا أشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ، أوْ أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ هو المَأْثُورُ في "الصَّحِيحَيْنِ" وغَيْرِهِما، ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ»»، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ يَخْشى أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ. زادَ في رِوايَةٍ: فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأهُ النَّبِيُّ ﷺ كَما قَرَأهُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: لا تَكَلَّمْ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ حَتّى يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ، فَإذا قَضَيْنا إلَيْكَ وحْيَهُ، فَتَكَلَّمْ بِهِ. يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
(p-٥٩٩٣)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وغَيْرُ واحِدٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وأنَّها تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِرَسُولِهِ كَيْفِيَّةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ.
الثّانِي: ذَكَرُوا في مُناسَبَةِ وُقُوعِ الآيَةِ مُعْتَرِضَةً في أحْوالِ القِيامَةِ -عَلى تَأْوِيلِهِمُ المُتَقَدِّمِ- وُجُوهًا:
مِنها: تَأْكِيدُ التَّوْبِيخِ عَلى ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ -والمَرْءُ مَفْتُونٌ بِحُبِّ العاجِلِ- حَتّى جُعِلَ مَخْلُوقًا مِن عَجَلٍ، ومِن مَحَبَّةِ العاجِلِ، وإيثارِهِ عَلى الآجِلِ، تَقْدِيمُ الدُّنْيا الحاضِرَةِ عَلى الآخِرَةِ، الَّذِي هو مَنشَأُ الكُفْرِ والعِنادِ، المُؤَدِّي إلى إنْكارِ الحَشْرِ والمَعادِ؛ فالنَّهْيُ عَنِ العَجَلَةِ في هَذا يَقْتَضِي النَّهْيَ فِيما عَداهُ، عَلى آكَدِ وجْهٍ. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ تامَّةٌ بَيْنَ ما اعْتُرِضَ فِيهِ وبَيْنَهُ، قالَهُ الشِّهابُ.
ومِنها: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ، إذا ذُكِرَ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى عَمَلِ العَبْدِ، حَيْثُ يُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ في الدُّنْيا الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها المُحاسَبَةُ عَمَلًا وتَرْكًا، كَما قالَ في الكَهْفِ:
﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٩] الآيَةَ. وقالَ في طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] إلى أنْ قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
ومِنها: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ لَمّا نَزَلَ إلى قَوْلِهِ:
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] صادَفَ أنَّهُ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ بادَرَ إلى تَحَفُّظِ الَّذِي نَزَلَ، وحَرَّكَ بِهِ لِسانَهُ مِن عَجَلَتِهِ خَشْيَةً مِن تَفَلُّتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى تَكْمِلَةِ ما ابْتَدَأ بِهِ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: ونَحْوَهُ ما لَوْ ألْقى المُدَرِّسُ عَلى الطّالِبِ مَثَلًا مَسْألَةً، فَتَشاغَلَ الطّالِبُ بِشَيْءٍ عَرَضَ لَهُ فَقالَ لَهُ: ألْقِ إلَيَّ بالَكَ، وتَفَهَّمْ ما أقُولُ، ثُمَّ كَمَّلَ المَسْألَةَ، فَمَن لا يَعْرِفُ (p-٥٩٩٤)السَّبَبَ يَقُولُ: لَيْسَ هَذا الكَلامُ مُناسِبًا لِلْمَسْألَةِ، بِخِلافِ مَن عَرَفَ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي".
الثّالِثُ: اسْتَدَلُّوا عَلى التَّأْوِيلِ السّابِقِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ لِما تَقْتَضِيهِ " ثُمَّ " مِنَ التَّراخِي. وأوَّلُ مَنِ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ، وتَبِعُوهُ. وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى تَأْوِيلِ البَيانِ بِتَبْيِينِ المَعْنى، وإلّا فَإذا حُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ حِفْظِهِ لَهُ، وظُهُورِهِ عَلى لِسانٍ، فَلا!
قالَ الآمِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ جَوازُ تَأْخِيرِ البَيانِ الإجْمالِيِّ، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ. وتُعُقِّبَ بِاحْتِمالِ إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ: الإظْهارِ والتَّفْصِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] جِنْسٌ مُضافٌ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أصْنافِهِ مِن إظْهارِهِ وتَبْيِينِ أحْكامِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن تَخْصِيصٍ وتَقْيِيدٍ ونَسْخٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ في "الفَتْحِ".
وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ تَكُونَ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ في الإخْبارِ. أيْ: إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، فَلا تَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ. وضَعَّفَهُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
الرّابِعُ: ما قَدَّمْناهُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخْ، وما اسْتُفِيدَ مِنهُ، وما قِيلَ في مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ، كُلُّهُ إذا جَرى عَلى المَأْثُورِ فِيها. وحاوَلَ القَفّالُ مَعْنًى فَقالَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فَكانَ ذَلِكَ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، (p-٥٩٩٥)وسُرْعَةِ القِراءَةِ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ، أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ، أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ، وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ، وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ.
وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ، أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ، عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا، وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ، وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ. انْتَهى.
ونَقَلَ الشِّهابُ أنَّ بَعْضَهُمُ ارْتَضى هَذا الوَجْهَ، وقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ.
وزَعَمَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ الحامِلَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ هو عُسْرُ بَيانِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها مِن أحْوالِ القِيامَةِ؛ أيْ: ولَمّا بَيَّنَ الأئِمَّةُ المُناسَبَةَ الَّتِي أثَرْناها عَنْهُمْ، لَمْ يَبْقَ وجْهٌ لِلذَّهابِ إلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ، مَعَ أنَّ هَذا الوَجْهَ -هُوَ فِيما يَظْهَرُ- فِيهِ غايَةُ القُوَّةِ والِارْتِباطِ بِهِ قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، مِمّا يُؤْثِرُهُ عَلى المَأْثُورِ، الَّذِي قَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ الِاجْتِهادَ، والوُقُوفَ مَعَ ظاهِرِ ألْفاظِ الآيَةِ. ومِمّا يُؤَيِّدُ ما أُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ في تِلْكَ الحالِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ في مَبْدَأِ البَعْثِ النَّبَوِيِّ، ولَمْ يَكُنِ ابْنِ عَبّاسٍ وُلِدَ حِينَئِذٍ. ولا مانِعَ -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ- أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ بَعْدُ، فَيَراهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ يُخْبَرَ بِهِ، فَيَكُونُ مِن مَراسِيلِ الصَّحابَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٩] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] (p-٥٩٩٢)﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ، لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ، مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: في صَدْرِكَ، وإثْباتَ حِفْظِهِ في قَلْبِكَ، بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ.
﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: أنْ تَقْرَأهُ بَعْدُ فَلا تَنْسى ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: كُنْ مُقْفِيًا لَهُ ولا تُراسِلْهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أيْ: بَيانَ ما فِيهِ، إذا أشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ، أوْ أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ هو المَأْثُورُ في "الصَّحِيحَيْنِ" وغَيْرِهِما، ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ»»، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ يَخْشى أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ. زادَ في رِوايَةٍ: فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأهُ النَّبِيُّ ﷺ كَما قَرَأهُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: لا تَكَلَّمْ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ حَتّى يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ، فَإذا قَضَيْنا إلَيْكَ وحْيَهُ، فَتَكَلَّمْ بِهِ. يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
(p-٥٩٩٣)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وغَيْرُ واحِدٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وأنَّها تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِرَسُولِهِ كَيْفِيَّةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ.
الثّانِي: ذَكَرُوا في مُناسَبَةِ وُقُوعِ الآيَةِ مُعْتَرِضَةً في أحْوالِ القِيامَةِ -عَلى تَأْوِيلِهِمُ المُتَقَدِّمِ- وُجُوهًا:
مِنها: تَأْكِيدُ التَّوْبِيخِ عَلى ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ -والمَرْءُ مَفْتُونٌ بِحُبِّ العاجِلِ- حَتّى جُعِلَ مَخْلُوقًا مِن عَجَلٍ، ومِن مَحَبَّةِ العاجِلِ، وإيثارِهِ عَلى الآجِلِ، تَقْدِيمُ الدُّنْيا الحاضِرَةِ عَلى الآخِرَةِ، الَّذِي هو مَنشَأُ الكُفْرِ والعِنادِ، المُؤَدِّي إلى إنْكارِ الحَشْرِ والمَعادِ؛ فالنَّهْيُ عَنِ العَجَلَةِ في هَذا يَقْتَضِي النَّهْيَ فِيما عَداهُ، عَلى آكَدِ وجْهٍ. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ تامَّةٌ بَيْنَ ما اعْتُرِضَ فِيهِ وبَيْنَهُ، قالَهُ الشِّهابُ.
ومِنها: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ، إذا ذُكِرَ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى عَمَلِ العَبْدِ، حَيْثُ يُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ في الدُّنْيا الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها المُحاسَبَةُ عَمَلًا وتَرْكًا، كَما قالَ في الكَهْفِ:
﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٩] الآيَةَ. وقالَ في طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] إلى أنْ قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
ومِنها: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ لَمّا نَزَلَ إلى قَوْلِهِ:
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] صادَفَ أنَّهُ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ بادَرَ إلى تَحَفُّظِ الَّذِي نَزَلَ، وحَرَّكَ بِهِ لِسانَهُ مِن عَجَلَتِهِ خَشْيَةً مِن تَفَلُّتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى تَكْمِلَةِ ما ابْتَدَأ بِهِ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: ونَحْوَهُ ما لَوْ ألْقى المُدَرِّسُ عَلى الطّالِبِ مَثَلًا مَسْألَةً، فَتَشاغَلَ الطّالِبُ بِشَيْءٍ عَرَضَ لَهُ فَقالَ لَهُ: ألْقِ إلَيَّ بالَكَ، وتَفَهَّمْ ما أقُولُ، ثُمَّ كَمَّلَ المَسْألَةَ، فَمَن لا يَعْرِفُ (p-٥٩٩٤)السَّبَبَ يَقُولُ: لَيْسَ هَذا الكَلامُ مُناسِبًا لِلْمَسْألَةِ، بِخِلافِ مَن عَرَفَ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي".
الثّالِثُ: اسْتَدَلُّوا عَلى التَّأْوِيلِ السّابِقِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ لِما تَقْتَضِيهِ " ثُمَّ " مِنَ التَّراخِي. وأوَّلُ مَنِ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ، وتَبِعُوهُ. وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى تَأْوِيلِ البَيانِ بِتَبْيِينِ المَعْنى، وإلّا فَإذا حُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ حِفْظِهِ لَهُ، وظُهُورِهِ عَلى لِسانٍ، فَلا!
قالَ الآمِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ جَوازُ تَأْخِيرِ البَيانِ الإجْمالِيِّ، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ. وتُعُقِّبَ بِاحْتِمالِ إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ: الإظْهارِ والتَّفْصِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] جِنْسٌ مُضافٌ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أصْنافِهِ مِن إظْهارِهِ وتَبْيِينِ أحْكامِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن تَخْصِيصٍ وتَقْيِيدٍ ونَسْخٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ في "الفَتْحِ".
وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ تَكُونَ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ في الإخْبارِ. أيْ: إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، فَلا تَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ. وضَعَّفَهُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
الرّابِعُ: ما قَدَّمْناهُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخْ، وما اسْتُفِيدَ مِنهُ، وما قِيلَ في مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ، كُلُّهُ إذا جَرى عَلى المَأْثُورِ فِيها. وحاوَلَ القَفّالُ مَعْنًى فَقالَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فَكانَ ذَلِكَ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، (p-٥٩٩٥)وسُرْعَةِ القِراءَةِ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ، أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ، أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ، وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ، وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ.
وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ، أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ، عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا، وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ، وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ. انْتَهى.
ونَقَلَ الشِّهابُ أنَّ بَعْضَهُمُ ارْتَضى هَذا الوَجْهَ، وقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ.
وزَعَمَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ الحامِلَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ هو عُسْرُ بَيانِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها مِن أحْوالِ القِيامَةِ؛ أيْ: ولَمّا بَيَّنَ الأئِمَّةُ المُناسَبَةَ الَّتِي أثَرْناها عَنْهُمْ، لَمْ يَبْقَ وجْهٌ لِلذَّهابِ إلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ، مَعَ أنَّ هَذا الوَجْهَ -هُوَ فِيما يَظْهَرُ- فِيهِ غايَةُ القُوَّةِ والِارْتِباطِ بِهِ قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، مِمّا يُؤْثِرُهُ عَلى المَأْثُورِ، الَّذِي قَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ الِاجْتِهادَ، والوُقُوفَ مَعَ ظاهِرِ ألْفاظِ الآيَةِ. ومِمّا يُؤَيِّدُ ما أُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ في تِلْكَ الحالِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ في مَبْدَأِ البَعْثِ النَّبَوِيِّ، ولَمْ يَكُنِ ابْنِ عَبّاسٍ وُلِدَ حِينَئِذٍ. ولا مانِعَ -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ- أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ بَعْدُ، فَيَراهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ يُخْبَرَ بِهِ، فَيَكُونُ مِن مَراسِيلِ الصَّحابَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٩] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] (p-٥٩٩٢)﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ، لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ، مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: في صَدْرِكَ، وإثْباتَ حِفْظِهِ في قَلْبِكَ، بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ.
﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: أنْ تَقْرَأهُ بَعْدُ فَلا تَنْسى ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: كُنْ مُقْفِيًا لَهُ ولا تُراسِلْهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أيْ: بَيانَ ما فِيهِ، إذا أشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ، أوْ أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ هو المَأْثُورُ في "الصَّحِيحَيْنِ" وغَيْرِهِما، ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ»»، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ يَخْشى أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ. زادَ في رِوايَةٍ: فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأهُ النَّبِيُّ ﷺ كَما قَرَأهُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: لا تَكَلَّمْ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ حَتّى يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ، فَإذا قَضَيْنا إلَيْكَ وحْيَهُ، فَتَكَلَّمْ بِهِ. يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
(p-٥٩٩٣)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وغَيْرُ واحِدٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وأنَّها تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِرَسُولِهِ كَيْفِيَّةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ.
الثّانِي: ذَكَرُوا في مُناسَبَةِ وُقُوعِ الآيَةِ مُعْتَرِضَةً في أحْوالِ القِيامَةِ -عَلى تَأْوِيلِهِمُ المُتَقَدِّمِ- وُجُوهًا:
مِنها: تَأْكِيدُ التَّوْبِيخِ عَلى ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ -والمَرْءُ مَفْتُونٌ بِحُبِّ العاجِلِ- حَتّى جُعِلَ مَخْلُوقًا مِن عَجَلٍ، ومِن مَحَبَّةِ العاجِلِ، وإيثارِهِ عَلى الآجِلِ، تَقْدِيمُ الدُّنْيا الحاضِرَةِ عَلى الآخِرَةِ، الَّذِي هو مَنشَأُ الكُفْرِ والعِنادِ، المُؤَدِّي إلى إنْكارِ الحَشْرِ والمَعادِ؛ فالنَّهْيُ عَنِ العَجَلَةِ في هَذا يَقْتَضِي النَّهْيَ فِيما عَداهُ، عَلى آكَدِ وجْهٍ. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ تامَّةٌ بَيْنَ ما اعْتُرِضَ فِيهِ وبَيْنَهُ، قالَهُ الشِّهابُ.
ومِنها: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ، إذا ذُكِرَ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى عَمَلِ العَبْدِ، حَيْثُ يُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ في الدُّنْيا الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها المُحاسَبَةُ عَمَلًا وتَرْكًا، كَما قالَ في الكَهْفِ:
﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٩] الآيَةَ. وقالَ في طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] إلى أنْ قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
ومِنها: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ لَمّا نَزَلَ إلى قَوْلِهِ:
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] صادَفَ أنَّهُ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ بادَرَ إلى تَحَفُّظِ الَّذِي نَزَلَ، وحَرَّكَ بِهِ لِسانَهُ مِن عَجَلَتِهِ خَشْيَةً مِن تَفَلُّتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى تَكْمِلَةِ ما ابْتَدَأ بِهِ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: ونَحْوَهُ ما لَوْ ألْقى المُدَرِّسُ عَلى الطّالِبِ مَثَلًا مَسْألَةً، فَتَشاغَلَ الطّالِبُ بِشَيْءٍ عَرَضَ لَهُ فَقالَ لَهُ: ألْقِ إلَيَّ بالَكَ، وتَفَهَّمْ ما أقُولُ، ثُمَّ كَمَّلَ المَسْألَةَ، فَمَن لا يَعْرِفُ (p-٥٩٩٤)السَّبَبَ يَقُولُ: لَيْسَ هَذا الكَلامُ مُناسِبًا لِلْمَسْألَةِ، بِخِلافِ مَن عَرَفَ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي".
الثّالِثُ: اسْتَدَلُّوا عَلى التَّأْوِيلِ السّابِقِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ لِما تَقْتَضِيهِ " ثُمَّ " مِنَ التَّراخِي. وأوَّلُ مَنِ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ، وتَبِعُوهُ. وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى تَأْوِيلِ البَيانِ بِتَبْيِينِ المَعْنى، وإلّا فَإذا حُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ حِفْظِهِ لَهُ، وظُهُورِهِ عَلى لِسانٍ، فَلا!
قالَ الآمِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ جَوازُ تَأْخِيرِ البَيانِ الإجْمالِيِّ، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ. وتُعُقِّبَ بِاحْتِمالِ إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ: الإظْهارِ والتَّفْصِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] جِنْسٌ مُضافٌ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أصْنافِهِ مِن إظْهارِهِ وتَبْيِينِ أحْكامِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن تَخْصِيصٍ وتَقْيِيدٍ ونَسْخٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ في "الفَتْحِ".
وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ تَكُونَ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ في الإخْبارِ. أيْ: إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، فَلا تَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ. وضَعَّفَهُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
الرّابِعُ: ما قَدَّمْناهُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخْ، وما اسْتُفِيدَ مِنهُ، وما قِيلَ في مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ، كُلُّهُ إذا جَرى عَلى المَأْثُورِ فِيها. وحاوَلَ القَفّالُ مَعْنًى فَقالَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فَكانَ ذَلِكَ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، (p-٥٩٩٥)وسُرْعَةِ القِراءَةِ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ، أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ، أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ، وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ، وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ.
وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ، أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ، عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا، وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ، وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ. انْتَهى.
ونَقَلَ الشِّهابُ أنَّ بَعْضَهُمُ ارْتَضى هَذا الوَجْهَ، وقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ.
وزَعَمَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ الحامِلَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ هو عُسْرُ بَيانِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها مِن أحْوالِ القِيامَةِ؛ أيْ: ولَمّا بَيَّنَ الأئِمَّةُ المُناسَبَةَ الَّتِي أثَرْناها عَنْهُمْ، لَمْ يَبْقَ وجْهٌ لِلذَّهابِ إلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ، مَعَ أنَّ هَذا الوَجْهَ -هُوَ فِيما يَظْهَرُ- فِيهِ غايَةُ القُوَّةِ والِارْتِباطِ بِهِ قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، مِمّا يُؤْثِرُهُ عَلى المَأْثُورِ، الَّذِي قَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ الِاجْتِهادَ، والوُقُوفَ مَعَ ظاهِرِ ألْفاظِ الآيَةِ. ومِمّا يُؤَيِّدُ ما أُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ في تِلْكَ الحالِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ في مَبْدَأِ البَعْثِ النَّبَوِيِّ، ولَمْ يَكُنِ ابْنِ عَبّاسٍ وُلِدَ حِينَئِذٍ. ولا مانِعَ -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ- أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ بَعْدُ، فَيَراهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ يُخْبَرَ بِهِ، فَيَكُونُ مِن مَراسِيلِ الصَّحابَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٥] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (p-٥٩٩٦)﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]
﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ أيِ: الدُّنْيا العاجِلَةَ، بِإيثارِ شَهَواتِها ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أيْ: بِالإعْراضِ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُ مَنازِلَها، أوْ تَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ووَعِيدَها، وهَوْلَ حِسابِها وجَزائِها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أيْ: حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أيْ: مُشاهِدَةٌ إيّاهُ، تَرى جَمالَ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، ونُورَ وجْهِهِ الكَرِيمِ، كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ والآثارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] أيْ: كالِحَةٌ، لِجَهامَةِ هَيْئاتِها، وهَوْلِ ما تَراهُ هُناكَ مِنَ الأهْوالِ، وأنْواعِ العَذابِ والخُسْرانِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] أيْ: داهِيَةٌ تَفْصِمُ فَقارَ الظَّهْرِ، لِشِدَّتِها وسُوءِ حالِها ووَبالِها. وشَتّانَ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ! ويَظْهَرُ أنَّ في عَوْدِ الضَّمِيرِ مِن " بِها " إلى الوُجُوهِ -مُرادًا بِها الذَّواتُ- شِبْهَ اسْتِخْدامٍ، ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ.
القيامة 75:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٥] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (p-٥٩٩٦)﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]
﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ أيِ: الدُّنْيا العاجِلَةَ، بِإيثارِ شَهَواتِها ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أيْ: بِالإعْراضِ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُ مَنازِلَها، أوْ تَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ووَعِيدَها، وهَوْلَ حِسابِها وجَزائِها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أيْ: حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أيْ: مُشاهِدَةٌ إيّاهُ، تَرى جَمالَ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، ونُورَ وجْهِهِ الكَرِيمِ، كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ والآثارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] أيْ: كالِحَةٌ، لِجَهامَةِ هَيْئاتِها، وهَوْلِ ما تَراهُ هُناكَ مِنَ الأهْوالِ، وأنْواعِ العَذابِ والخُسْرانِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] أيْ: داهِيَةٌ تَفْصِمُ فَقارَ الظَّهْرِ، لِشِدَّتِها وسُوءِ حالِها ووَبالِها. وشَتّانَ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ! ويَظْهَرُ أنَّ في عَوْدِ الضَّمِيرِ مِن " بِها " إلى الوُجُوهِ -مُرادًا بِها الذَّواتُ- شِبْهَ اسْتِخْدامٍ، ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ.
القيامة 75:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٥] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (p-٥٩٩٦)﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]
﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ أيِ: الدُّنْيا العاجِلَةَ، بِإيثارِ شَهَواتِها ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أيْ: بِالإعْراضِ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُ مَنازِلَها، أوْ تَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ووَعِيدَها، وهَوْلَ حِسابِها وجَزائِها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أيْ: حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أيْ: مُشاهِدَةٌ إيّاهُ، تَرى جَمالَ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، ونُورَ وجْهِهِ الكَرِيمِ، كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ والآثارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] أيْ: كالِحَةٌ، لِجَهامَةِ هَيْئاتِها، وهَوْلِ ما تَراهُ هُناكَ مِنَ الأهْوالِ، وأنْواعِ العَذابِ والخُسْرانِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] أيْ: داهِيَةٌ تَفْصِمُ فَقارَ الظَّهْرِ، لِشِدَّتِها وسُوءِ حالِها ووَبالِها. وشَتّانَ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ! ويَظْهَرُ أنَّ في عَوْدِ الضَّمِيرِ مِن " بِها " إلى الوُجُوهِ -مُرادًا بِها الذَّواتُ- شِبْهَ اسْتِخْدامٍ، ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ.
القيامة 75:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٥] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (p-٥٩٩٦)﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]
﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ أيِ: الدُّنْيا العاجِلَةَ، بِإيثارِ شَهَواتِها ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أيْ: بِالإعْراضِ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُ مَنازِلَها، أوْ تَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ووَعِيدَها، وهَوْلَ حِسابِها وجَزائِها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أيْ: حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أيْ: مُشاهِدَةٌ إيّاهُ، تَرى جَمالَ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، ونُورَ وجْهِهِ الكَرِيمِ، كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ والآثارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] أيْ: كالِحَةٌ، لِجَهامَةِ هَيْئاتِها، وهَوْلِ ما تَراهُ هُناكَ مِنَ الأهْوالِ، وأنْواعِ العَذابِ والخُسْرانِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] أيْ: داهِيَةٌ تَفْصِمُ فَقارَ الظَّهْرِ، لِشِدَّتِها وسُوءِ حالِها ووَبالِها. وشَتّانَ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ! ويَظْهَرُ أنَّ في عَوْدِ الضَّمِيرِ مِن " بِها " إلى الوُجُوهِ -مُرادًا بِها الذَّواتُ- شِبْهَ اسْتِخْدامٍ، ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ.
القيامة 75:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٥] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (p-٥٩٩٦)﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]
﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ أيِ: الدُّنْيا العاجِلَةَ، بِإيثارِ شَهَواتِها ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أيْ: بِالإعْراضِ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُ مَنازِلَها، أوْ تَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ووَعِيدَها، وهَوْلَ حِسابِها وجَزائِها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أيْ: حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أيْ: مُشاهِدَةٌ إيّاهُ، تَرى جَمالَ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، ونُورَ وجْهِهِ الكَرِيمِ، كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ والآثارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] أيْ: كالِحَةٌ، لِجَهامَةِ هَيْئاتِها، وهَوْلِ ما تَراهُ هُناكَ مِنَ الأهْوالِ، وأنْواعِ العَذابِ والخُسْرانِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] أيْ: داهِيَةٌ تَفْصِمُ فَقارَ الظَّهْرِ، لِشِدَّتِها وسُوءِ حالِها ووَبالِها. وشَتّانَ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ! ويَظْهَرُ أنَّ في عَوْدِ الضَّمِيرِ مِن " بِها " إلى الوُجُوهِ -مُرادًا بِها الذَّواتُ- شِبْهَ اسْتِخْدامٍ، ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ.
القيامة 75:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٥] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (p-٥٩٩٦)﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]
﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ أيِ: الدُّنْيا العاجِلَةَ، بِإيثارِ شَهَواتِها ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أيْ: بِالإعْراضِ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُ مَنازِلَها، أوْ تَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ووَعِيدَها، وهَوْلَ حِسابِها وجَزائِها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أيْ: حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أيْ: مُشاهِدَةٌ إيّاهُ، تَرى جَمالَ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، ونُورَ وجْهِهِ الكَرِيمِ، كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ والآثارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] أيْ: كالِحَةٌ، لِجَهامَةِ هَيْئاتِها، وهَوْلِ ما تَراهُ هُناكَ مِنَ الأهْوالِ، وأنْواعِ العَذابِ والخُسْرانِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] أيْ: داهِيَةٌ تَفْصِمُ فَقارَ الظَّهْرِ، لِشِدَّتِها وسُوءِ حالِها ووَبالِها. وشَتّانَ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ! ويَظْهَرُ أنَّ في عَوْدِ الضَّمِيرِ مِن " بِها " إلى الوُجُوهِ -مُرادًا بِها الذَّواتُ- شِبْهَ اسْتِخْدامٍ، ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ.
القيامة 75:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠]
﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: بَلَغَتِ النَّفْسُ أعالِيَ الصَّدْرِ. وإضْمارُها -وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ- لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْها، كَقَوْلِ حاتِمٍ:(p-٥٩٩٧)
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
قالَ الرّازِيُّ: يُكَنِّي بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ، عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ ابْنِ الصِّمَّةِ:
؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وقالَ أهْلُهُ: مَن ذا يَرْقِيهِ لِيَشْفِيَهُ مِمّا قَدْ نَزَلَ بِهِ، وطَلَبُوا لَهُ الأطِبّاءَ والمُداوِينَ، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا. أيْ: فالِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِراقٍ أوْ طَبِيبٍ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَأْسًا مِن أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَفْعِهِ بِرُقْيَةٍ أوْ عُوذَةٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحْنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] و﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قَصَدَ الوَقْفَ عَلى " مَن " و" بَلْ " فَأظْهَرَهُما، ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما. وهَذا غَيْرُ مَرَضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. انْتَهى.
نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيْ: وأيْقَنَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أنَّهُ فِراقُ الدُّنْيا والأهْلِ والمالِ.
﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أيِ: التَوَتْ ساقُهُ بِساقِهِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِها. وقِيلَ: هُما ساقاهُ، إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقِيلَ: السّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ القَلَمِ. والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أيْضًا.
قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَرَّ هو الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُصابَ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَكَيْفَ يُنَزَّلُ هَذا عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُ، لَكِنَّهُ شاعَ فِيهِ، فَفُهِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ وحْدَهُ، حَتّى صارَ (p-٥٩٩٨)عِبارَةً عَنْ كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، انْتَهى.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: سَوْقُهُ إلى حُكْمِهِ تَعالى.
القيامة 75:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠]
﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: بَلَغَتِ النَّفْسُ أعالِيَ الصَّدْرِ. وإضْمارُها -وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ- لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْها، كَقَوْلِ حاتِمٍ:(p-٥٩٩٧)
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
قالَ الرّازِيُّ: يُكَنِّي بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ، عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ ابْنِ الصِّمَّةِ:
؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وقالَ أهْلُهُ: مَن ذا يَرْقِيهِ لِيَشْفِيَهُ مِمّا قَدْ نَزَلَ بِهِ، وطَلَبُوا لَهُ الأطِبّاءَ والمُداوِينَ، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا. أيْ: فالِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِراقٍ أوْ طَبِيبٍ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَأْسًا مِن أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَفْعِهِ بِرُقْيَةٍ أوْ عُوذَةٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحْنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] و﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قَصَدَ الوَقْفَ عَلى " مَن " و" بَلْ " فَأظْهَرَهُما، ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما. وهَذا غَيْرُ مَرَضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. انْتَهى.
نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيْ: وأيْقَنَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أنَّهُ فِراقُ الدُّنْيا والأهْلِ والمالِ.
﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أيِ: التَوَتْ ساقُهُ بِساقِهِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِها. وقِيلَ: هُما ساقاهُ، إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقِيلَ: السّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ القَلَمِ. والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أيْضًا.
قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَرَّ هو الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُصابَ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَكَيْفَ يُنَزَّلُ هَذا عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُ، لَكِنَّهُ شاعَ فِيهِ، فَفُهِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ وحْدَهُ، حَتّى صارَ (p-٥٩٩٨)عِبارَةً عَنْ كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، انْتَهى.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: سَوْقُهُ إلى حُكْمِهِ تَعالى.
القيامة 75:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠]
﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: بَلَغَتِ النَّفْسُ أعالِيَ الصَّدْرِ. وإضْمارُها -وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ- لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْها، كَقَوْلِ حاتِمٍ:(p-٥٩٩٧)
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
قالَ الرّازِيُّ: يُكَنِّي بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ، عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ ابْنِ الصِّمَّةِ:
؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وقالَ أهْلُهُ: مَن ذا يَرْقِيهِ لِيَشْفِيَهُ مِمّا قَدْ نَزَلَ بِهِ، وطَلَبُوا لَهُ الأطِبّاءَ والمُداوِينَ، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا. أيْ: فالِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِراقٍ أوْ طَبِيبٍ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَأْسًا مِن أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَفْعِهِ بِرُقْيَةٍ أوْ عُوذَةٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحْنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] و﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قَصَدَ الوَقْفَ عَلى " مَن " و" بَلْ " فَأظْهَرَهُما، ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما. وهَذا غَيْرُ مَرَضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. انْتَهى.
نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيْ: وأيْقَنَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أنَّهُ فِراقُ الدُّنْيا والأهْلِ والمالِ.
﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أيِ: التَوَتْ ساقُهُ بِساقِهِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِها. وقِيلَ: هُما ساقاهُ، إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقِيلَ: السّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ القَلَمِ. والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أيْضًا.
قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَرَّ هو الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُصابَ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَكَيْفَ يُنَزَّلُ هَذا عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُ، لَكِنَّهُ شاعَ فِيهِ، فَفُهِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ وحْدَهُ، حَتّى صارَ (p-٥٩٩٨)عِبارَةً عَنْ كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، انْتَهى.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: سَوْقُهُ إلى حُكْمِهِ تَعالى.
القيامة 75:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠]
﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: بَلَغَتِ النَّفْسُ أعالِيَ الصَّدْرِ. وإضْمارُها -وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ- لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْها، كَقَوْلِ حاتِمٍ:(p-٥٩٩٧)
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
قالَ الرّازِيُّ: يُكَنِّي بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ، عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ ابْنِ الصِّمَّةِ:
؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وقالَ أهْلُهُ: مَن ذا يَرْقِيهِ لِيَشْفِيَهُ مِمّا قَدْ نَزَلَ بِهِ، وطَلَبُوا لَهُ الأطِبّاءَ والمُداوِينَ، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا. أيْ: فالِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِراقٍ أوْ طَبِيبٍ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَأْسًا مِن أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَفْعِهِ بِرُقْيَةٍ أوْ عُوذَةٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحْنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] و﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قَصَدَ الوَقْفَ عَلى " مَن " و" بَلْ " فَأظْهَرَهُما، ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما. وهَذا غَيْرُ مَرَضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. انْتَهى.
نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيْ: وأيْقَنَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أنَّهُ فِراقُ الدُّنْيا والأهْلِ والمالِ.
﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أيِ: التَوَتْ ساقُهُ بِساقِهِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِها. وقِيلَ: هُما ساقاهُ، إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقِيلَ: السّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ القَلَمِ. والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أيْضًا.
قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَرَّ هو الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُصابَ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَكَيْفَ يُنَزَّلُ هَذا عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُ، لَكِنَّهُ شاعَ فِيهِ، فَفُهِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ وحْدَهُ، حَتّى صارَ (p-٥٩٩٨)عِبارَةً عَنْ كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، انْتَهى.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: سَوْقُهُ إلى حُكْمِهِ تَعالى.
القيامة 75:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠]
﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: بَلَغَتِ النَّفْسُ أعالِيَ الصَّدْرِ. وإضْمارُها -وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ- لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْها، كَقَوْلِ حاتِمٍ:(p-٥٩٩٧)
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
قالَ الرّازِيُّ: يُكَنِّي بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ، عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ ابْنِ الصِّمَّةِ:
؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وقالَ أهْلُهُ: مَن ذا يَرْقِيهِ لِيَشْفِيَهُ مِمّا قَدْ نَزَلَ بِهِ، وطَلَبُوا لَهُ الأطِبّاءَ والمُداوِينَ، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا. أيْ: فالِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِراقٍ أوْ طَبِيبٍ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَأْسًا مِن أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَفْعِهِ بِرُقْيَةٍ أوْ عُوذَةٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحْنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] و﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قَصَدَ الوَقْفَ عَلى " مَن " و" بَلْ " فَأظْهَرَهُما، ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما. وهَذا غَيْرُ مَرَضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. انْتَهى.
نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيْ: وأيْقَنَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أنَّهُ فِراقُ الدُّنْيا والأهْلِ والمالِ.
﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أيِ: التَوَتْ ساقُهُ بِساقِهِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِها. وقِيلَ: هُما ساقاهُ، إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقِيلَ: السّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ القَلَمِ. والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أيْضًا.
قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَرَّ هو الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُصابَ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَكَيْفَ يُنَزَّلُ هَذا عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُ، لَكِنَّهُ شاعَ فِيهِ، فَفُهِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ وحْدَهُ، حَتّى صارَ (p-٥٩٩٨)عِبارَةً عَنْ كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، انْتَهى.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: سَوْقُهُ إلى حُكْمِهِ تَعالى.
القيامة 75:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
القيامة 75:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٤٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]
﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ: بِالدِّينِ والكِتابِ. أوْ صَدَّقَ مالَهُ، أيْ: ما زَكّاهُ ﴿ولا صَلّى﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي هي رَأْسُ العِباداتِ، الَّتِي سَها عَنْها.
﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ التَّصْدِيقِ ﴿وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] أيْ: بَدَلَ الصَّلاةِ الَّتِي بِها كَمالُ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: مَعَ هَذِهِ التَّقْصِيراتِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. وأصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في الآياتِ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٣٦]
(p-٥٩٩٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنْ كَذَّبَ بِهِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَلّى، ولَكِنَّهُ تَوَلّى، وأعْرَضَ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ، كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: (لا) هاهُنا في مَوْضِعِ لَمْ، فَقَوْلُهُ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ:
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ: ««أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ»» . قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها، حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا بِها، أوْ مُقَدَّرًا. أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ، حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانَ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ، حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ. وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ اعْتَرَضَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٤] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً. ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ. انْتَهى.
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] أيْ: ويْلٌ (p-٦٠٠٠)لَكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ ولاءً مُتَكَرِّرًا مُتَضاعِفًا.
وقِيلَ: المَعْنى: بُعْدًا لَكَ، فَبُعْدًا في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ فَبُعْدًا في أمْرِ أُخْراكَ، حَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي، ثُمَّ قالَ: قالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ -يَعْنِي أبا جَهْلٍ- فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، فَقُلْ لَهُ يا مُحَمَّدُ: أوْلى لَكَ فَأوْلى، أيِ: احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. انْتَهى. والأظْهَرُ هو الأوَّلُ.
لَطِيفَةٌ:
تَفْسِيرُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ [القيامة: ٣٤] بِ (ويْلٌ) لَكَ، قالَ الشِّهابُ: هو مُحَصِّلٌ مَعْناهُ المُرادَ مِنهُ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ، فَيَرِدُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّها تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ عَلى أمْرٍ فاتَ.
هَذا هو المَعْنى المُرادُ لَها. وأمّا الكَلامُ في لَفْظِها فَقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ، واللّامُ مَزِيدَةٌ. أيْ: أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ. أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، أيْ: أدْنى الهَلاكَ لَكَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: إنَّ مَعْناهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أنْ يَنْزِلَ بِهِ. واسْتَحْسَنَهُ ثَعْلَبٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ وزْنُهُ أفْعَلُ، مِنَ الوَيْلِ، فَقُلِبَ. وقِيلَ: فَعْلى، ولِذا لَمْ يُنَوَّنْ. ومَعْناهُ ما ذُكِرَ، وألِفُهُ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. وعَلى الِاسْمِيَّةِ هو مُبْتَدَأٌ، و" لَكَ " الخَبَرُ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ، ومَعْناهُ ولِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.
ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أبِي عَلِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرِّفِ، ومِثْلَ (يَوْمٌ أيْوَمُ)، غَيْرَ مُنْقاسٍ، ولا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ. وادِّعاءُ القَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يُسْمَعُ، وعَلَمُ الجِنْسِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، فَما ذُكِرَ بِعِيدٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: (p-٦٠٠١)النّارُ أوْلى لَكَ، يَعْنِي: أنْتَ أحَقُّ بِها، وأهْلٌ لَها. انْتَهى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ: هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُجازى، مَعَ أنَّهُ الإنْسانُ الَّذِي أُودِعَ العَقْلَ وعُلِّمَ البَيانَ، وغُرِزَ في طَبْعِهِ أنْ يَعِيشَ مُجْتَمِعًا، وخُصَّ مِنَ المَواهِبِ ما فَضَلَ عَلى غَيْرِهِ. فَمِن تَمامِ الإحْسانِ إلَيْهِ إنْقاذُهُ مِن حَيْرَتِهِ، وإعْلامُهُ بِسَبِيلِ هِدايَتِهِ، وأنْ لا يُتْرَكَ خابِطًا في مَتائِهِ جَهالَتِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: دَمًا ﴿فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: قَدَّرَ أعْضاءَهُ ﴿فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أيْ: سَوّى تِلْكَ الأعْضاءَ لِأعْمالِها وعَدْلِها. ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ [القيامة: ٣٩] أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] أيْ: لِبَقاءِ نَوْعِهِ، يَعْمُرُ الدُّنْيا إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ.
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] أيْ: فَيُوجِدُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: «سُبْحانَكَ، فَبَلى»» - رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَن قَرَأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلى. ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.