Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الفجر 89:1 – الشمس 91:15

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الفجر 89:1
  2. الفجر 89:2
  3. الفجر 89:3
  4. الفجر 89:4
  5. الفجر 89:5
  6. الفجر 89:6
  7. الفجر 89:7
  8. الفجر 89:8
  9. الفجر 89:9
  10. الفجر 89:10
  11. الفجر 89:11
  12. الفجر 89:12
  13. الفجر 89:13
  14. الفجر 89:14
  15. الفجر 89:15
  16. الفجر 89:16
  17. الفجر 89:17
  18. الفجر 89:18
  19. الفجر 89:19
  20. الفجر 89:20
  21. الفجر 89:21
  22. الفجر 89:22
  23. الفجر 89:23
  24. الفجر 89:24
  25. الفجر 89:25
  26. الفجر 89:26
  27. الفجر 89:27
  28. الفجر 89:28
  29. الفجر 89:29
  30. الفجر 89:30
  31. البلد 90:1
  32. البلد 90:2
  33. البلد 90:3
  34. البلد 90:4
  35. البلد 90:5
  36. البلد 90:6
  37. البلد 90:7
  38. البلد 90:8
  39. البلد 90:9
  40. البلد 90:10
  41. البلد 90:11
  42. البلد 90:12
  43. البلد 90:13
  44. البلد 90:14
  45. البلد 90:15
  46. البلد 90:16
  47. البلد 90:17
  48. البلد 90:18
  49. البلد 90:19
  50. البلد 90:20
  51. الشمس 91:1
  52. الشمس 91:2
  53. الشمس 91:3
  54. الشمس 91:4
  55. الشمس 91:5
  56. الشمس 91:6
  57. الشمس 91:7
  58. الشمس 91:8
  59. الشمس 91:9
  60. الشمس 91:10
  61. الشمس 91:11
  62. الشمس 91:12
  63. الشمس 91:13
  64. الشمس 91:14
  65. الشمس 91:15

الفجر 89:1

(p-٦١٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَجْرِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ رَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً. فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ، فَطَوَّلَ. فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا، فَقالَ: مُنافِقٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ الفَتى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! حَيْثُ أُصَلِّي مَعَهُ يُطَوِّلُ عَلَيَّ. فانْصَرَفْتُ وصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناقَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانًا يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى) (والشَّمْسِ وضُحاها) (والفَجْرِ) (واللَّيْلِ إذا يَغْشى)؟» (p-٦١٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] ﴿والفَجْرِ﴾ أيِ: الصُّبْحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أقْسَمَ تَعالى بِآياتِهِ، لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنِ انْقِضاءِ اللَّيْلِ وظُهُورِ الضَّوْءِ وانْتِشارِ النّاسِ وسائِرِ الحَيَواناتِ، لِطَلَبِ الأرْزاقِ؛ وذَلِكَ مُشاكِلٌ لِنُشُورِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. وفِيهِ عِبْرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ. ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] هي -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ؛ لِأنَّها أيّامُ الِاهْتِمامِ بِنُسُكِ الحَجِّ. وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ أحَبُّ إلى اللَّهِ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ الأيّامِ»» يَعْنِي عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ قِيلَ: عُنِيَ بِها عَشْرُ المُحَرَّمِ. والرّازِيُّ قَوْلًا أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، لِما فِيهِ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولِما صَحَّ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ««كانَ إذا دَخَلَ العَشْرُ الأخِيرُ (p-٦١٤٥)مِن رَمَضانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيى لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ»» . وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ في العَشْرِ. وهو أنَّها اللَّيالِي الَّتِي يَحْلَكُ فِيها اللَّيْلُ ويَشْتَدُّ ظَلامُهُ ويَغْشى الأُفُقَ سَوادُهُ، وتِلْكَ خَمْسٌ مِن أوائِلِهِ وخَمْسٌ مِن أواخِرِهِ. وإنَّ لَفْظَةَ "عَشْرٍ" بِمَثابَةِ قَوْلِهِ في السُّوَرِ الآتِيَةِ ﴿إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] مِمّا يُبَيِّنُ وجْهَ العِبْرَةِ ويُجَلِّيها أتَمَّ الجَلاءِ، ولا بُعْدَ في هَذا المَعْنى، بَلْ فِيهِ تَوافُقٌ لِبَقِيَّةِ الآياتِ. وبِالجُمْلَةِ فَأوْضَحُ المُخَصَّصاتِ ما عَضَّدَهُ دَلِيلٌ أوْ أيَّدَتْهُ قَرِينَةٌ أوْ حاكى نَظائِرَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] يَعْنِي الخَلْقَ والخالِقَ. فالشَّفْعُ بِمَعْنى جَمِيعِ الخَلْقِ، لِلِازْدِواجِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ شَفْعٌ: السَّماءُ والأرْضُ، والبَرُّ والبَحْرُ، والجِنُّ والإنْسُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والكُفْرُ والإيمانُ، والسَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والهُدى والضَّلالَةُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ. ﴿والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ مِن أسْمائِهِ وهو بِمَعْنى الواحِدُ الأحَدُ. فَأقْسَمَ اللَّهُ بِذاتِهِ وخَلْقِهِ. وقِيلَ: المَعْنى بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن شَفْعٍ ووَتْرٍ. قالَ القاضِي: ومَن فَسَّرَهُما بِالبُرُوجِ والسَّيّاراتِ أوْ شَفْعِ الصَّلَواتِ ووَتْرِها أوْ بِيَوْمَيِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ، فَلَعَلَّهُ أفْرَدَ بِالذِّكْرِ مِن أنْواعِ المَدْلُولِ ما رَآهُ أظْهَرَ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ مَدْخَلًا في الدِّينِ، أوْ مُناسَبَةً لِما قَبْلَهُما. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أقْسَمَ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَمْ يُخَصِّصْ نَوْعًا مِنَ الشَّفْعِ ولا مِنَ الوَتْرِ، دُونَ نَوْعٍ، بِخَبَرٍ ولا عَقْلٍ، وكُلُّ شَفْعٍ ووَتْرٍ، فَهو مِمّا أقْسَمَ بِهِ. مِمّا قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّهُ داخِلٌ في قَسَمِهِ هَذا، لِعُمُومِ قَسَمِهِ بِذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ: "الوَتْرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ. (p-٦١٤٦)﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أيْ: إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِما في التَّعاقُبِ مِن قُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ؛ فَفي اللَّيْلِ الرّاحَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وفي النَّهارِ المَكاسِبُ وغَيْرُها. وحَذْفُ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ ولِتَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ. ومِنَ القُرّاءِ مَن حَذَفَها، أصْلًا ووَقْفًا. ومِنهم مَن خَصَّهُ بِأحَدِهِما، كَما فُصِّلَ في كُتُبِ الأداءِ. ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: هَلْ فِيما أقْسَمْتُ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ مُقْنِعٌ لِذِي حِجْرٍ، وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ: أنَّ في هَذا القَسَمِ مُكْتَفًى لِمَن عَقِلَ عَنْ رَبِّهِ، مِمّا هو أغْلَظُ مِنهُ في الإقْسامِ. وقالَ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن الِاسْتِفْهامِ التَّأْكِيدُ، كَمَن ذَكَرَ حُجَّةً باهِرَةً ثُمَّ قالَ: هَلْ فِيما ذَكَرْتُهُ حُجَّةٌ؟ والمَعْنى أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فِيهِ عَجائِبُ ودَلائِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى خالِقِهِ، أيْ: عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هَضْمًا لِلْخَلْقِ، وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ. و(الحِجْرُ) العَقْلُ؛ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ، أيْ: يَمْنَعُهُ مِنِ ارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: (لَيُعَذَّبَنَّ) كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

الفجر 89:2

(p-٦١٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَجْرِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ رَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً. فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ، فَطَوَّلَ. فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا، فَقالَ: مُنافِقٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ الفَتى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! حَيْثُ أُصَلِّي مَعَهُ يُطَوِّلُ عَلَيَّ. فانْصَرَفْتُ وصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناقَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانًا يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى) (والشَّمْسِ وضُحاها) (والفَجْرِ) (واللَّيْلِ إذا يَغْشى)؟» (p-٦١٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] ﴿والفَجْرِ﴾ أيِ: الصُّبْحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أقْسَمَ تَعالى بِآياتِهِ، لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنِ انْقِضاءِ اللَّيْلِ وظُهُورِ الضَّوْءِ وانْتِشارِ النّاسِ وسائِرِ الحَيَواناتِ، لِطَلَبِ الأرْزاقِ؛ وذَلِكَ مُشاكِلٌ لِنُشُورِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. وفِيهِ عِبْرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ. ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] هي -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ؛ لِأنَّها أيّامُ الِاهْتِمامِ بِنُسُكِ الحَجِّ. وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ أحَبُّ إلى اللَّهِ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ الأيّامِ»» يَعْنِي عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ قِيلَ: عُنِيَ بِها عَشْرُ المُحَرَّمِ. والرّازِيُّ قَوْلًا أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، لِما فِيهِ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولِما صَحَّ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ««كانَ إذا دَخَلَ العَشْرُ الأخِيرُ (p-٦١٤٥)مِن رَمَضانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيى لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ»» . وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ في العَشْرِ. وهو أنَّها اللَّيالِي الَّتِي يَحْلَكُ فِيها اللَّيْلُ ويَشْتَدُّ ظَلامُهُ ويَغْشى الأُفُقَ سَوادُهُ، وتِلْكَ خَمْسٌ مِن أوائِلِهِ وخَمْسٌ مِن أواخِرِهِ. وإنَّ لَفْظَةَ "عَشْرٍ" بِمَثابَةِ قَوْلِهِ في السُّوَرِ الآتِيَةِ ﴿إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] مِمّا يُبَيِّنُ وجْهَ العِبْرَةِ ويُجَلِّيها أتَمَّ الجَلاءِ، ولا بُعْدَ في هَذا المَعْنى، بَلْ فِيهِ تَوافُقٌ لِبَقِيَّةِ الآياتِ. وبِالجُمْلَةِ فَأوْضَحُ المُخَصَّصاتِ ما عَضَّدَهُ دَلِيلٌ أوْ أيَّدَتْهُ قَرِينَةٌ أوْ حاكى نَظائِرَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] يَعْنِي الخَلْقَ والخالِقَ. فالشَّفْعُ بِمَعْنى جَمِيعِ الخَلْقِ، لِلِازْدِواجِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ شَفْعٌ: السَّماءُ والأرْضُ، والبَرُّ والبَحْرُ، والجِنُّ والإنْسُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والكُفْرُ والإيمانُ، والسَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والهُدى والضَّلالَةُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ. ﴿والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ مِن أسْمائِهِ وهو بِمَعْنى الواحِدُ الأحَدُ. فَأقْسَمَ اللَّهُ بِذاتِهِ وخَلْقِهِ. وقِيلَ: المَعْنى بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن شَفْعٍ ووَتْرٍ. قالَ القاضِي: ومَن فَسَّرَهُما بِالبُرُوجِ والسَّيّاراتِ أوْ شَفْعِ الصَّلَواتِ ووَتْرِها أوْ بِيَوْمَيِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ، فَلَعَلَّهُ أفْرَدَ بِالذِّكْرِ مِن أنْواعِ المَدْلُولِ ما رَآهُ أظْهَرَ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ مَدْخَلًا في الدِّينِ، أوْ مُناسَبَةً لِما قَبْلَهُما. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أقْسَمَ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَمْ يُخَصِّصْ نَوْعًا مِنَ الشَّفْعِ ولا مِنَ الوَتْرِ، دُونَ نَوْعٍ، بِخَبَرٍ ولا عَقْلٍ، وكُلُّ شَفْعٍ ووَتْرٍ، فَهو مِمّا أقْسَمَ بِهِ. مِمّا قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّهُ داخِلٌ في قَسَمِهِ هَذا، لِعُمُومِ قَسَمِهِ بِذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ: "الوَتْرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ. (p-٦١٤٦)﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أيْ: إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِما في التَّعاقُبِ مِن قُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ؛ فَفي اللَّيْلِ الرّاحَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وفي النَّهارِ المَكاسِبُ وغَيْرُها. وحَذْفُ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ ولِتَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ. ومِنَ القُرّاءِ مَن حَذَفَها، أصْلًا ووَقْفًا. ومِنهم مَن خَصَّهُ بِأحَدِهِما، كَما فُصِّلَ في كُتُبِ الأداءِ. ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: هَلْ فِيما أقْسَمْتُ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ مُقْنِعٌ لِذِي حِجْرٍ، وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ: أنَّ في هَذا القَسَمِ مُكْتَفًى لِمَن عَقِلَ عَنْ رَبِّهِ، مِمّا هو أغْلَظُ مِنهُ في الإقْسامِ. وقالَ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن الِاسْتِفْهامِ التَّأْكِيدُ، كَمَن ذَكَرَ حُجَّةً باهِرَةً ثُمَّ قالَ: هَلْ فِيما ذَكَرْتُهُ حُجَّةٌ؟ والمَعْنى أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فِيهِ عَجائِبُ ودَلائِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى خالِقِهِ، أيْ: عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هَضْمًا لِلْخَلْقِ، وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ. و(الحِجْرُ) العَقْلُ؛ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ، أيْ: يَمْنَعُهُ مِنِ ارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: (لَيُعَذَّبَنَّ) كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

الفجر 89:3

(p-٦١٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَجْرِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ رَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً. فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ، فَطَوَّلَ. فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا، فَقالَ: مُنافِقٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ الفَتى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! حَيْثُ أُصَلِّي مَعَهُ يُطَوِّلُ عَلَيَّ. فانْصَرَفْتُ وصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناقَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانًا يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى) (والشَّمْسِ وضُحاها) (والفَجْرِ) (واللَّيْلِ إذا يَغْشى)؟» (p-٦١٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] ﴿والفَجْرِ﴾ أيِ: الصُّبْحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أقْسَمَ تَعالى بِآياتِهِ، لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنِ انْقِضاءِ اللَّيْلِ وظُهُورِ الضَّوْءِ وانْتِشارِ النّاسِ وسائِرِ الحَيَواناتِ، لِطَلَبِ الأرْزاقِ؛ وذَلِكَ مُشاكِلٌ لِنُشُورِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. وفِيهِ عِبْرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ. ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] هي -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ؛ لِأنَّها أيّامُ الِاهْتِمامِ بِنُسُكِ الحَجِّ. وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ أحَبُّ إلى اللَّهِ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ الأيّامِ»» يَعْنِي عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ قِيلَ: عُنِيَ بِها عَشْرُ المُحَرَّمِ. والرّازِيُّ قَوْلًا أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، لِما فِيهِ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولِما صَحَّ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ««كانَ إذا دَخَلَ العَشْرُ الأخِيرُ (p-٦١٤٥)مِن رَمَضانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيى لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ»» . وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ في العَشْرِ. وهو أنَّها اللَّيالِي الَّتِي يَحْلَكُ فِيها اللَّيْلُ ويَشْتَدُّ ظَلامُهُ ويَغْشى الأُفُقَ سَوادُهُ، وتِلْكَ خَمْسٌ مِن أوائِلِهِ وخَمْسٌ مِن أواخِرِهِ. وإنَّ لَفْظَةَ "عَشْرٍ" بِمَثابَةِ قَوْلِهِ في السُّوَرِ الآتِيَةِ ﴿إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] مِمّا يُبَيِّنُ وجْهَ العِبْرَةِ ويُجَلِّيها أتَمَّ الجَلاءِ، ولا بُعْدَ في هَذا المَعْنى، بَلْ فِيهِ تَوافُقٌ لِبَقِيَّةِ الآياتِ. وبِالجُمْلَةِ فَأوْضَحُ المُخَصَّصاتِ ما عَضَّدَهُ دَلِيلٌ أوْ أيَّدَتْهُ قَرِينَةٌ أوْ حاكى نَظائِرَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] يَعْنِي الخَلْقَ والخالِقَ. فالشَّفْعُ بِمَعْنى جَمِيعِ الخَلْقِ، لِلِازْدِواجِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ شَفْعٌ: السَّماءُ والأرْضُ، والبَرُّ والبَحْرُ، والجِنُّ والإنْسُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والكُفْرُ والإيمانُ، والسَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والهُدى والضَّلالَةُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ. ﴿والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ مِن أسْمائِهِ وهو بِمَعْنى الواحِدُ الأحَدُ. فَأقْسَمَ اللَّهُ بِذاتِهِ وخَلْقِهِ. وقِيلَ: المَعْنى بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن شَفْعٍ ووَتْرٍ. قالَ القاضِي: ومَن فَسَّرَهُما بِالبُرُوجِ والسَّيّاراتِ أوْ شَفْعِ الصَّلَواتِ ووَتْرِها أوْ بِيَوْمَيِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ، فَلَعَلَّهُ أفْرَدَ بِالذِّكْرِ مِن أنْواعِ المَدْلُولِ ما رَآهُ أظْهَرَ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ مَدْخَلًا في الدِّينِ، أوْ مُناسَبَةً لِما قَبْلَهُما. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أقْسَمَ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَمْ يُخَصِّصْ نَوْعًا مِنَ الشَّفْعِ ولا مِنَ الوَتْرِ، دُونَ نَوْعٍ، بِخَبَرٍ ولا عَقْلٍ، وكُلُّ شَفْعٍ ووَتْرٍ، فَهو مِمّا أقْسَمَ بِهِ. مِمّا قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّهُ داخِلٌ في قَسَمِهِ هَذا، لِعُمُومِ قَسَمِهِ بِذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ: "الوَتْرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ. (p-٦١٤٦)﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أيْ: إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِما في التَّعاقُبِ مِن قُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ؛ فَفي اللَّيْلِ الرّاحَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وفي النَّهارِ المَكاسِبُ وغَيْرُها. وحَذْفُ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ ولِتَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ. ومِنَ القُرّاءِ مَن حَذَفَها، أصْلًا ووَقْفًا. ومِنهم مَن خَصَّهُ بِأحَدِهِما، كَما فُصِّلَ في كُتُبِ الأداءِ. ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: هَلْ فِيما أقْسَمْتُ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ مُقْنِعٌ لِذِي حِجْرٍ، وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ: أنَّ في هَذا القَسَمِ مُكْتَفًى لِمَن عَقِلَ عَنْ رَبِّهِ، مِمّا هو أغْلَظُ مِنهُ في الإقْسامِ. وقالَ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن الِاسْتِفْهامِ التَّأْكِيدُ، كَمَن ذَكَرَ حُجَّةً باهِرَةً ثُمَّ قالَ: هَلْ فِيما ذَكَرْتُهُ حُجَّةٌ؟ والمَعْنى أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فِيهِ عَجائِبُ ودَلائِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى خالِقِهِ، أيْ: عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هَضْمًا لِلْخَلْقِ، وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ. و(الحِجْرُ) العَقْلُ؛ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ، أيْ: يَمْنَعُهُ مِنِ ارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: (لَيُعَذَّبَنَّ) كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

الفجر 89:4

(p-٦١٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَجْرِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ رَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً. فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ، فَطَوَّلَ. فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا، فَقالَ: مُنافِقٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ الفَتى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! حَيْثُ أُصَلِّي مَعَهُ يُطَوِّلُ عَلَيَّ. فانْصَرَفْتُ وصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناقَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانًا يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى) (والشَّمْسِ وضُحاها) (والفَجْرِ) (واللَّيْلِ إذا يَغْشى)؟» (p-٦١٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] ﴿والفَجْرِ﴾ أيِ: الصُّبْحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أقْسَمَ تَعالى بِآياتِهِ، لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنِ انْقِضاءِ اللَّيْلِ وظُهُورِ الضَّوْءِ وانْتِشارِ النّاسِ وسائِرِ الحَيَواناتِ، لِطَلَبِ الأرْزاقِ؛ وذَلِكَ مُشاكِلٌ لِنُشُورِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. وفِيهِ عِبْرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ. ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] هي -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ؛ لِأنَّها أيّامُ الِاهْتِمامِ بِنُسُكِ الحَجِّ. وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ أحَبُّ إلى اللَّهِ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ الأيّامِ»» يَعْنِي عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ قِيلَ: عُنِيَ بِها عَشْرُ المُحَرَّمِ. والرّازِيُّ قَوْلًا أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، لِما فِيهِ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولِما صَحَّ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ««كانَ إذا دَخَلَ العَشْرُ الأخِيرُ (p-٦١٤٥)مِن رَمَضانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيى لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ»» . وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ في العَشْرِ. وهو أنَّها اللَّيالِي الَّتِي يَحْلَكُ فِيها اللَّيْلُ ويَشْتَدُّ ظَلامُهُ ويَغْشى الأُفُقَ سَوادُهُ، وتِلْكَ خَمْسٌ مِن أوائِلِهِ وخَمْسٌ مِن أواخِرِهِ. وإنَّ لَفْظَةَ "عَشْرٍ" بِمَثابَةِ قَوْلِهِ في السُّوَرِ الآتِيَةِ ﴿إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] مِمّا يُبَيِّنُ وجْهَ العِبْرَةِ ويُجَلِّيها أتَمَّ الجَلاءِ، ولا بُعْدَ في هَذا المَعْنى، بَلْ فِيهِ تَوافُقٌ لِبَقِيَّةِ الآياتِ. وبِالجُمْلَةِ فَأوْضَحُ المُخَصَّصاتِ ما عَضَّدَهُ دَلِيلٌ أوْ أيَّدَتْهُ قَرِينَةٌ أوْ حاكى نَظائِرَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] يَعْنِي الخَلْقَ والخالِقَ. فالشَّفْعُ بِمَعْنى جَمِيعِ الخَلْقِ، لِلِازْدِواجِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ شَفْعٌ: السَّماءُ والأرْضُ، والبَرُّ والبَحْرُ، والجِنُّ والإنْسُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والكُفْرُ والإيمانُ، والسَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والهُدى والضَّلالَةُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ. ﴿والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ مِن أسْمائِهِ وهو بِمَعْنى الواحِدُ الأحَدُ. فَأقْسَمَ اللَّهُ بِذاتِهِ وخَلْقِهِ. وقِيلَ: المَعْنى بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن شَفْعٍ ووَتْرٍ. قالَ القاضِي: ومَن فَسَّرَهُما بِالبُرُوجِ والسَّيّاراتِ أوْ شَفْعِ الصَّلَواتِ ووَتْرِها أوْ بِيَوْمَيِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ، فَلَعَلَّهُ أفْرَدَ بِالذِّكْرِ مِن أنْواعِ المَدْلُولِ ما رَآهُ أظْهَرَ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ مَدْخَلًا في الدِّينِ، أوْ مُناسَبَةً لِما قَبْلَهُما. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أقْسَمَ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَمْ يُخَصِّصْ نَوْعًا مِنَ الشَّفْعِ ولا مِنَ الوَتْرِ، دُونَ نَوْعٍ، بِخَبَرٍ ولا عَقْلٍ، وكُلُّ شَفْعٍ ووَتْرٍ، فَهو مِمّا أقْسَمَ بِهِ. مِمّا قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّهُ داخِلٌ في قَسَمِهِ هَذا، لِعُمُومِ قَسَمِهِ بِذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ: "الوَتْرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ. (p-٦١٤٦)﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أيْ: إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِما في التَّعاقُبِ مِن قُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ؛ فَفي اللَّيْلِ الرّاحَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وفي النَّهارِ المَكاسِبُ وغَيْرُها. وحَذْفُ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ ولِتَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ. ومِنَ القُرّاءِ مَن حَذَفَها، أصْلًا ووَقْفًا. ومِنهم مَن خَصَّهُ بِأحَدِهِما، كَما فُصِّلَ في كُتُبِ الأداءِ. ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: هَلْ فِيما أقْسَمْتُ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ مُقْنِعٌ لِذِي حِجْرٍ، وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ: أنَّ في هَذا القَسَمِ مُكْتَفًى لِمَن عَقِلَ عَنْ رَبِّهِ، مِمّا هو أغْلَظُ مِنهُ في الإقْسامِ. وقالَ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن الِاسْتِفْهامِ التَّأْكِيدُ، كَمَن ذَكَرَ حُجَّةً باهِرَةً ثُمَّ قالَ: هَلْ فِيما ذَكَرْتُهُ حُجَّةٌ؟ والمَعْنى أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فِيهِ عَجائِبُ ودَلائِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى خالِقِهِ، أيْ: عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هَضْمًا لِلْخَلْقِ، وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ. و(الحِجْرُ) العَقْلُ؛ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ، أيْ: يَمْنَعُهُ مِنِ ارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: (لَيُعَذَّبَنَّ) كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

الفجر 89:5

(p-٦١٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَجْرِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ رَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً. فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ، فَطَوَّلَ. فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا، فَقالَ: مُنافِقٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ الفَتى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! حَيْثُ أُصَلِّي مَعَهُ يُطَوِّلُ عَلَيَّ. فانْصَرَفْتُ وصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناقَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانًا يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى) (والشَّمْسِ وضُحاها) (والفَجْرِ) (واللَّيْلِ إذا يَغْشى)؟» (p-٦١٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] ﴿والفَجْرِ﴾ أيِ: الصُّبْحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أقْسَمَ تَعالى بِآياتِهِ، لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنِ انْقِضاءِ اللَّيْلِ وظُهُورِ الضَّوْءِ وانْتِشارِ النّاسِ وسائِرِ الحَيَواناتِ، لِطَلَبِ الأرْزاقِ؛ وذَلِكَ مُشاكِلٌ لِنُشُورِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. وفِيهِ عِبْرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ. ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] هي -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ؛ لِأنَّها أيّامُ الِاهْتِمامِ بِنُسُكِ الحَجِّ. وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ أحَبُّ إلى اللَّهِ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ الأيّامِ»» يَعْنِي عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ قِيلَ: عُنِيَ بِها عَشْرُ المُحَرَّمِ. والرّازِيُّ قَوْلًا أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، لِما فِيهِ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولِما صَحَّ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ««كانَ إذا دَخَلَ العَشْرُ الأخِيرُ (p-٦١٤٥)مِن رَمَضانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيى لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ»» . وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ في العَشْرِ. وهو أنَّها اللَّيالِي الَّتِي يَحْلَكُ فِيها اللَّيْلُ ويَشْتَدُّ ظَلامُهُ ويَغْشى الأُفُقَ سَوادُهُ، وتِلْكَ خَمْسٌ مِن أوائِلِهِ وخَمْسٌ مِن أواخِرِهِ. وإنَّ لَفْظَةَ "عَشْرٍ" بِمَثابَةِ قَوْلِهِ في السُّوَرِ الآتِيَةِ ﴿إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] مِمّا يُبَيِّنُ وجْهَ العِبْرَةِ ويُجَلِّيها أتَمَّ الجَلاءِ، ولا بُعْدَ في هَذا المَعْنى، بَلْ فِيهِ تَوافُقٌ لِبَقِيَّةِ الآياتِ. وبِالجُمْلَةِ فَأوْضَحُ المُخَصَّصاتِ ما عَضَّدَهُ دَلِيلٌ أوْ أيَّدَتْهُ قَرِينَةٌ أوْ حاكى نَظائِرَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] يَعْنِي الخَلْقَ والخالِقَ. فالشَّفْعُ بِمَعْنى جَمِيعِ الخَلْقِ، لِلِازْدِواجِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ شَفْعٌ: السَّماءُ والأرْضُ، والبَرُّ والبَحْرُ، والجِنُّ والإنْسُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والكُفْرُ والإيمانُ، والسَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والهُدى والضَّلالَةُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ. ﴿والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ مِن أسْمائِهِ وهو بِمَعْنى الواحِدُ الأحَدُ. فَأقْسَمَ اللَّهُ بِذاتِهِ وخَلْقِهِ. وقِيلَ: المَعْنى بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن شَفْعٍ ووَتْرٍ. قالَ القاضِي: ومَن فَسَّرَهُما بِالبُرُوجِ والسَّيّاراتِ أوْ شَفْعِ الصَّلَواتِ ووَتْرِها أوْ بِيَوْمَيِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ، فَلَعَلَّهُ أفْرَدَ بِالذِّكْرِ مِن أنْواعِ المَدْلُولِ ما رَآهُ أظْهَرَ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ مَدْخَلًا في الدِّينِ، أوْ مُناسَبَةً لِما قَبْلَهُما. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أقْسَمَ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَمْ يُخَصِّصْ نَوْعًا مِنَ الشَّفْعِ ولا مِنَ الوَتْرِ، دُونَ نَوْعٍ، بِخَبَرٍ ولا عَقْلٍ، وكُلُّ شَفْعٍ ووَتْرٍ، فَهو مِمّا أقْسَمَ بِهِ. مِمّا قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّهُ داخِلٌ في قَسَمِهِ هَذا، لِعُمُومِ قَسَمِهِ بِذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ: "الوَتْرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ. (p-٦١٤٦)﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أيْ: إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِما في التَّعاقُبِ مِن قُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ؛ فَفي اللَّيْلِ الرّاحَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وفي النَّهارِ المَكاسِبُ وغَيْرُها. وحَذْفُ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ ولِتَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ. ومِنَ القُرّاءِ مَن حَذَفَها، أصْلًا ووَقْفًا. ومِنهم مَن خَصَّهُ بِأحَدِهِما، كَما فُصِّلَ في كُتُبِ الأداءِ. ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: هَلْ فِيما أقْسَمْتُ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ مُقْنِعٌ لِذِي حِجْرٍ، وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ: أنَّ في هَذا القَسَمِ مُكْتَفًى لِمَن عَقِلَ عَنْ رَبِّهِ، مِمّا هو أغْلَظُ مِنهُ في الإقْسامِ. وقالَ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن الِاسْتِفْهامِ التَّأْكِيدُ، كَمَن ذَكَرَ حُجَّةً باهِرَةً ثُمَّ قالَ: هَلْ فِيما ذَكَرْتُهُ حُجَّةٌ؟ والمَعْنى أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فِيهِ عَجائِبُ ودَلائِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى خالِقِهِ، أيْ: عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هَضْمًا لِلْخَلْقِ، وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ. و(الحِجْرُ) العَقْلُ؛ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ، أيْ: يَمْنَعُهُ مِنِ ارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: (لَيُعَذَّبَنَّ) كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

الفجر 89:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٨ ] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا كَيْفَ عَذَّبَ رَبُّكَ عادًا، (p-٦١٤٧)فَيُعَذِّبُ هَؤُلاءِ أيْضًا، لِاشْتِراكِهِمْ فِيما يُوجِبُهُ مِن جُحُودِ الحَقِّ والمَعاصِي. و(عادٌ): قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ، وتُلَقَّبُ بِإرَمَ أيْضًا، وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكَهم بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إرَمَ﴾ [الفجر: ٧] عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] أيْ: ذاتِ الخِيامِ المُعَمَّدَةِ، لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ يَنْتَجِعُونَ الغُيُوثَ ويَنْتَقِلُونَ إلى الكَلَأِ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ في الأحْقافِ في حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: كُنِّيَ بِالعِمادِ عَنِ العُلُوِّ والشَّرَفِ والقُوَّةِ، إلّا أنَّهُ الأشْبَهُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ - بِظاهِرِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، وهو أنَّهم كانُوا عُمُدَ سَيّارَةٍ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ العِمادِ، ما عُمِّدَ بِهِ الخِيامُ مِنَ الخَشَبِ والسَّوارِي الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْها البِناءُ. ثُمَّ قالَ: وتَأْوِيلُ القُرْآنِ إنَّما يُوَجَّهُ إلى الأغْلَبِ الأشْهَرِ مِن مَعانِيهِ، ما وُجِدَ إلى ذَلِكَ سَبِيلٌ، دُونَ الأنْكَرِ. ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] أيْ: في العِظَمِ والبَطْشِ والأيْدِي. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانُوا أشَدَّ النّاسِ في زَمانِهِمْ خِلْقَةً وأقْواهم بَطْشًا؛ ولِهَذا ذَكَّرَهم هُودٌ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ وأرْشَدَهم إلى أنْ يَسْتَعْمِلُوها في طاعَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهم. فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] تَنْبِيهٌ: قالَ الإمامُ الدَّرّاكَةُ ابْنُ خَلْدُونَ في (مُقَدِّمَةِ) تارِيخِهِ في سِياقِ الأخْبارِ الواهِيَةِ لِلْمُؤَرِّخِينَ ما مِثالُهُ: وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ وأعْرَقُ في الوَهْمِ ما يَتَناقَلُهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ (والفَجْرِ) في (p-٦١٤٨)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] فَيَجْعَلُونَ لَفْظَهُ "إرَمَ" اسْمًا لِمَدِينَةٍ وُصِفَتْ بِأنَّها ذاتُ عِمادٍ، أيْ: أساطِينُ، ويَنْقُلُونَ أنَّهُ كانَ لِعادِ بْنِ عُوِّصَ بْنِ إرَمَ ابْنانِ، هُما شَدِيدٌ وشَدّادٌ، مَلَكا مِن بَعْدِهِ، وهَلَكَ شَدِيدٌ فَخَلَصَ المُلْكُ لِشَدّادٍ، ودانَتْ لَهُ مُلُوكُهم وسَمِعَ وصْفَ الجَنَّةِ فَقالَ لَأبْنِيَنَّ مِثْلَها، فَبَنى مَدِينَةَ إرَمَ في صَحارى عَدَنَ في مُدَّةِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وأنَّها مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الشَّجَرِ والأنْهارِ المُطَّرِدَةِ، ولَمّا تَمَّ بِناؤُها سارَ إلَيْها بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ، حَتّى إذا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا كُلُّهم. ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ والثَّعالِبِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ. ويَنْقُلُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ -مِنَ الصَّحابَةِ- أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ فَوَقَعَ عَلَيْها وحَمَلَ مِنها ما قَدَرَ عَلَيْهِ، وبَلَغَ خَبَرُهُ إلى مُعاوِيَةَ فَأحْضَرَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ، فَبَحَثَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ وسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هي "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أحْمَرُ أشْقَرُ قَصِيرٌ عَلى حاجِبِهِ خالٌ وعَلى عُنُقِهِ خالٌ يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ قِلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذاكَ الرَّجُلُ. قالَ ابْنُ خَلْدُونَ: وهَذِهِ المَدِينَةُ لَمْ يُسْمَعْ لَها خَبَرٌ مِن يَوْمِئِذٍ في شَيْءٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وصَحارى عَدَنَ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها بُنِيَتْ فِيها هي في وسَطِ اليَمَنِ وما زالَ عُمْرانُهُ مُتَعاقِبًا والأدِلّاءُ تَقُصُّ طُرُقَهُ مِن كُلِّ وجْهٍ. ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ هَذِهِ المَدِينَةِ خَبَرٌ ولا ذَكَرَها أحَدٌ مِنَ الأخْبارِيِّينَ ولا مِنَ الأُمَمِ، ولَوْ قالُوا: إنَّها دَرَسَتْ فِيما دَرَسَ مِنَ الآثارِ لَكانَ أشْبَهَ، إلّا أنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ أنَّها مَوْجُودَةٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّها دِمَشْقُ، بِناءً عَلى أنَّ قَوْمَ عادٍ مَلَكُوها. وقَدِ انْتَهى الهَذَيانُ بِبَعْضِهِمْ إلى أنَّها غائِبَةٌ، وإنَّما يَعْثُرُ عَلَيْها أهْلُ الرِّياضَةِ والسِّحْرِ. مَزاعِمُ كُلُّها أشْبَهُ بِالخُرافاتِ. والَّذِي حَمَلَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ ما اقْتَضَتْهُ صِناعَةُ الإعْرابِ في لَفْظِهِ: "ذاتِ العِمادِ" أنَّها صِفَةُ "إرَمَ" وحَمَلُوا العِمادَ عَلى الأساطِينِ؛ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ بِناءً، ورَشَّحَ لَهم ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ: (عادِ إرَمَ) عَلى الإضافَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. ثُمَّ وقَفُوا عَلى تِلْكَ الحِكاياتِ الَّتِي هي أشْبَهُ (p-٦١٤٩)بِالأقاصِيصِ المَوْضُوعَةِ الَّتِي هي أقْرَبُ إلى الكَذِبِ المَنقُولَةِ في عِدادِ المُضْحِكاتِ، وإلّا فالعِمادُ هي عِمادُ الأخْبِيَةِ بَلِ الخِيامِ. وإنْ أُرِيدَ بِها الأساطِينُ، فَلا بِدَعَ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم أهْلُ بِناءٍ وأساطِينَ عَلى العُمُومِ، بِما اشْتُهِرَ مِن قُوَّتِهِمْ، لا أنَّهُ بِناءٌ خاصٌّ في مَدِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ غَيْرِها. وإنْ أُضِيفَتْ، كَما في قِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَلى إضافَةِ الفَصِيلَةِ إلى القَبِيلَةِ، كَما تَقُولُ: قُرَيْشُ كِنانَةَ وإلْياسُ مُضَرَ، ورَبِيعَةُ نِزارٍ. وأيُّ ضَرُورَةٍ إلى هَذا المَحْمَلِ البَعِيدِ الَّذِي تَمَحَّلَتْ لِتَوْجِيهِهِ لِأمْثالِ هَذِهِ الحِكاياتِ الواهِيَةِ الَّتِي يُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ مِثْلِها لِبُعْدِها عَنِ الصِّحَّةِ؟ انْتَهى. وسَبَقَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قالَ: ومَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] مَدِينَةٌ إمّا دِمَشْقُ أوِ إسْكَنْدَرِيَّةُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّهُ كَيْفَ يَلْتَئِمُ الكَلامُ عَلى هَذا إنَّ جُعِلَ "إرَمَ" بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ؟ فَإنَّهُ لا يَتَّسِقُ الكَلامُ حِينَئِذٍ. ثُمَّ المُرادُ إنَّما هو الإخْبارُ عَنْ إهْلاكِ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِعادٍ، وما أحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِن بَأْسِهِ الَّذِي لا يُرَدُّ، لا أنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنْ مَدِينَةٍ أوْ إقْلِيمٍ. قالَ: وإنَّما نَبَّهْتُ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ، مِن ذِكْرِ مَدِينَةٍ يُقالُ لَها: "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" مَبْنِيَّةٌ بِلَبِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إلَخْ؛ فَإنَّ هَذا كُلَّهُ مِن خُرافاتِ الإسْرائِيلِيِّينَ، مِن وضْعِ بَعْضِ زَنادِقَتِهِمْ لِيَخْتَبِرُوا بِذَلِكَ عُقُولَ الجَهَلَةِ مِنَ النّاسِ إنْ صَدَّقَهم في جَمِيعِ ذَلِكَ. وحِكايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ الأعْرابِيِّ لَيْسَ يَصِحُّ إسْنادُها، ولَوْ صَحَّ إلى ذَلِكَ الأعْرابِيِّ، فَقَدْ يَكُونُ اخْتَلَقَ ذَلِكَ، أوْ أنَّهُ أصابَهُ نَوْعٌ مِنَ الهَوَسِ والخَبالِ، فاعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةٌ في الخارِجِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا مِمّا يُقْطَعُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ والطّامِعِينَ والمُتَخَيِّلِينَ، ومِن وُجُودِ مَطالِبَ تَحْتَ الأرْضِ فِيها قَناطِيرُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وألْوانُ الجَواهِرِ واليَواقِيتِ واللَّآلِئِ والإكْسِيرِ الكَبِيرِ، لَكِنْ عَلَيْها مَوانِعُ تَمْنَعُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْها والأخْذِ مِنها، فَيَحْتالُونَ عَلى أمْوالِ الأغْنِياءِ والضَّعْفَةِ والسُّفَهاءِ، فَيَأْكُلُونَها بِالباطِلِ في صَرْفِها في بَخاخِيرَ وعَقاقِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الهَذَياناتِ، ويَطْنِزُونَ بِهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الهادِي لِلصَّوابِ. انْتَهى. (p-٦١٥٠)

الفجر 89:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٨ ] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا كَيْفَ عَذَّبَ رَبُّكَ عادًا، (p-٦١٤٧)فَيُعَذِّبُ هَؤُلاءِ أيْضًا، لِاشْتِراكِهِمْ فِيما يُوجِبُهُ مِن جُحُودِ الحَقِّ والمَعاصِي. و(عادٌ): قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ، وتُلَقَّبُ بِإرَمَ أيْضًا، وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكَهم بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إرَمَ﴾ [الفجر: ٧] عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] أيْ: ذاتِ الخِيامِ المُعَمَّدَةِ، لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ يَنْتَجِعُونَ الغُيُوثَ ويَنْتَقِلُونَ إلى الكَلَأِ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ في الأحْقافِ في حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: كُنِّيَ بِالعِمادِ عَنِ العُلُوِّ والشَّرَفِ والقُوَّةِ، إلّا أنَّهُ الأشْبَهُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ - بِظاهِرِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، وهو أنَّهم كانُوا عُمُدَ سَيّارَةٍ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ العِمادِ، ما عُمِّدَ بِهِ الخِيامُ مِنَ الخَشَبِ والسَّوارِي الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْها البِناءُ. ثُمَّ قالَ: وتَأْوِيلُ القُرْآنِ إنَّما يُوَجَّهُ إلى الأغْلَبِ الأشْهَرِ مِن مَعانِيهِ، ما وُجِدَ إلى ذَلِكَ سَبِيلٌ، دُونَ الأنْكَرِ. ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] أيْ: في العِظَمِ والبَطْشِ والأيْدِي. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانُوا أشَدَّ النّاسِ في زَمانِهِمْ خِلْقَةً وأقْواهم بَطْشًا؛ ولِهَذا ذَكَّرَهم هُودٌ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ وأرْشَدَهم إلى أنْ يَسْتَعْمِلُوها في طاعَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهم. فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] تَنْبِيهٌ: قالَ الإمامُ الدَّرّاكَةُ ابْنُ خَلْدُونَ في (مُقَدِّمَةِ) تارِيخِهِ في سِياقِ الأخْبارِ الواهِيَةِ لِلْمُؤَرِّخِينَ ما مِثالُهُ: وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ وأعْرَقُ في الوَهْمِ ما يَتَناقَلُهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ (والفَجْرِ) في (p-٦١٤٨)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] فَيَجْعَلُونَ لَفْظَهُ "إرَمَ" اسْمًا لِمَدِينَةٍ وُصِفَتْ بِأنَّها ذاتُ عِمادٍ، أيْ: أساطِينُ، ويَنْقُلُونَ أنَّهُ كانَ لِعادِ بْنِ عُوِّصَ بْنِ إرَمَ ابْنانِ، هُما شَدِيدٌ وشَدّادٌ، مَلَكا مِن بَعْدِهِ، وهَلَكَ شَدِيدٌ فَخَلَصَ المُلْكُ لِشَدّادٍ، ودانَتْ لَهُ مُلُوكُهم وسَمِعَ وصْفَ الجَنَّةِ فَقالَ لَأبْنِيَنَّ مِثْلَها، فَبَنى مَدِينَةَ إرَمَ في صَحارى عَدَنَ في مُدَّةِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وأنَّها مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الشَّجَرِ والأنْهارِ المُطَّرِدَةِ، ولَمّا تَمَّ بِناؤُها سارَ إلَيْها بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ، حَتّى إذا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا كُلُّهم. ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ والثَّعالِبِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ. ويَنْقُلُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ -مِنَ الصَّحابَةِ- أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ فَوَقَعَ عَلَيْها وحَمَلَ مِنها ما قَدَرَ عَلَيْهِ، وبَلَغَ خَبَرُهُ إلى مُعاوِيَةَ فَأحْضَرَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ، فَبَحَثَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ وسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هي "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أحْمَرُ أشْقَرُ قَصِيرٌ عَلى حاجِبِهِ خالٌ وعَلى عُنُقِهِ خالٌ يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ قِلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذاكَ الرَّجُلُ. قالَ ابْنُ خَلْدُونَ: وهَذِهِ المَدِينَةُ لَمْ يُسْمَعْ لَها خَبَرٌ مِن يَوْمِئِذٍ في شَيْءٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وصَحارى عَدَنَ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها بُنِيَتْ فِيها هي في وسَطِ اليَمَنِ وما زالَ عُمْرانُهُ مُتَعاقِبًا والأدِلّاءُ تَقُصُّ طُرُقَهُ مِن كُلِّ وجْهٍ. ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ هَذِهِ المَدِينَةِ خَبَرٌ ولا ذَكَرَها أحَدٌ مِنَ الأخْبارِيِّينَ ولا مِنَ الأُمَمِ، ولَوْ قالُوا: إنَّها دَرَسَتْ فِيما دَرَسَ مِنَ الآثارِ لَكانَ أشْبَهَ، إلّا أنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ أنَّها مَوْجُودَةٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّها دِمَشْقُ، بِناءً عَلى أنَّ قَوْمَ عادٍ مَلَكُوها. وقَدِ انْتَهى الهَذَيانُ بِبَعْضِهِمْ إلى أنَّها غائِبَةٌ، وإنَّما يَعْثُرُ عَلَيْها أهْلُ الرِّياضَةِ والسِّحْرِ. مَزاعِمُ كُلُّها أشْبَهُ بِالخُرافاتِ. والَّذِي حَمَلَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ ما اقْتَضَتْهُ صِناعَةُ الإعْرابِ في لَفْظِهِ: "ذاتِ العِمادِ" أنَّها صِفَةُ "إرَمَ" وحَمَلُوا العِمادَ عَلى الأساطِينِ؛ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ بِناءً، ورَشَّحَ لَهم ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ: (عادِ إرَمَ) عَلى الإضافَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. ثُمَّ وقَفُوا عَلى تِلْكَ الحِكاياتِ الَّتِي هي أشْبَهُ (p-٦١٤٩)بِالأقاصِيصِ المَوْضُوعَةِ الَّتِي هي أقْرَبُ إلى الكَذِبِ المَنقُولَةِ في عِدادِ المُضْحِكاتِ، وإلّا فالعِمادُ هي عِمادُ الأخْبِيَةِ بَلِ الخِيامِ. وإنْ أُرِيدَ بِها الأساطِينُ، فَلا بِدَعَ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم أهْلُ بِناءٍ وأساطِينَ عَلى العُمُومِ، بِما اشْتُهِرَ مِن قُوَّتِهِمْ، لا أنَّهُ بِناءٌ خاصٌّ في مَدِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ غَيْرِها. وإنْ أُضِيفَتْ، كَما في قِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَلى إضافَةِ الفَصِيلَةِ إلى القَبِيلَةِ، كَما تَقُولُ: قُرَيْشُ كِنانَةَ وإلْياسُ مُضَرَ، ورَبِيعَةُ نِزارٍ. وأيُّ ضَرُورَةٍ إلى هَذا المَحْمَلِ البَعِيدِ الَّذِي تَمَحَّلَتْ لِتَوْجِيهِهِ لِأمْثالِ هَذِهِ الحِكاياتِ الواهِيَةِ الَّتِي يُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ مِثْلِها لِبُعْدِها عَنِ الصِّحَّةِ؟ انْتَهى. وسَبَقَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قالَ: ومَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] مَدِينَةٌ إمّا دِمَشْقُ أوِ إسْكَنْدَرِيَّةُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّهُ كَيْفَ يَلْتَئِمُ الكَلامُ عَلى هَذا إنَّ جُعِلَ "إرَمَ" بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ؟ فَإنَّهُ لا يَتَّسِقُ الكَلامُ حِينَئِذٍ. ثُمَّ المُرادُ إنَّما هو الإخْبارُ عَنْ إهْلاكِ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِعادٍ، وما أحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِن بَأْسِهِ الَّذِي لا يُرَدُّ، لا أنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنْ مَدِينَةٍ أوْ إقْلِيمٍ. قالَ: وإنَّما نَبَّهْتُ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ، مِن ذِكْرِ مَدِينَةٍ يُقالُ لَها: "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" مَبْنِيَّةٌ بِلَبِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إلَخْ؛ فَإنَّ هَذا كُلَّهُ مِن خُرافاتِ الإسْرائِيلِيِّينَ، مِن وضْعِ بَعْضِ زَنادِقَتِهِمْ لِيَخْتَبِرُوا بِذَلِكَ عُقُولَ الجَهَلَةِ مِنَ النّاسِ إنْ صَدَّقَهم في جَمِيعِ ذَلِكَ. وحِكايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ الأعْرابِيِّ لَيْسَ يَصِحُّ إسْنادُها، ولَوْ صَحَّ إلى ذَلِكَ الأعْرابِيِّ، فَقَدْ يَكُونُ اخْتَلَقَ ذَلِكَ، أوْ أنَّهُ أصابَهُ نَوْعٌ مِنَ الهَوَسِ والخَبالِ، فاعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةٌ في الخارِجِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا مِمّا يُقْطَعُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ والطّامِعِينَ والمُتَخَيِّلِينَ، ومِن وُجُودِ مَطالِبَ تَحْتَ الأرْضِ فِيها قَناطِيرُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وألْوانُ الجَواهِرِ واليَواقِيتِ واللَّآلِئِ والإكْسِيرِ الكَبِيرِ، لَكِنْ عَلَيْها مَوانِعُ تَمْنَعُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْها والأخْذِ مِنها، فَيَحْتالُونَ عَلى أمْوالِ الأغْنِياءِ والضَّعْفَةِ والسُّفَهاءِ، فَيَأْكُلُونَها بِالباطِلِ في صَرْفِها في بَخاخِيرَ وعَقاقِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الهَذَياناتِ، ويَطْنِزُونَ بِهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الهادِي لِلصَّوابِ. انْتَهى. (p-٦١٥٠)

الفجر 89:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٨ ] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا كَيْفَ عَذَّبَ رَبُّكَ عادًا، (p-٦١٤٧)فَيُعَذِّبُ هَؤُلاءِ أيْضًا، لِاشْتِراكِهِمْ فِيما يُوجِبُهُ مِن جُحُودِ الحَقِّ والمَعاصِي. و(عادٌ): قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ، وتُلَقَّبُ بِإرَمَ أيْضًا، وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكَهم بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إرَمَ﴾ [الفجر: ٧] عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] أيْ: ذاتِ الخِيامِ المُعَمَّدَةِ، لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ يَنْتَجِعُونَ الغُيُوثَ ويَنْتَقِلُونَ إلى الكَلَأِ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ في الأحْقافِ في حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: كُنِّيَ بِالعِمادِ عَنِ العُلُوِّ والشَّرَفِ والقُوَّةِ، إلّا أنَّهُ الأشْبَهُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ - بِظاهِرِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، وهو أنَّهم كانُوا عُمُدَ سَيّارَةٍ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ العِمادِ، ما عُمِّدَ بِهِ الخِيامُ مِنَ الخَشَبِ والسَّوارِي الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْها البِناءُ. ثُمَّ قالَ: وتَأْوِيلُ القُرْآنِ إنَّما يُوَجَّهُ إلى الأغْلَبِ الأشْهَرِ مِن مَعانِيهِ، ما وُجِدَ إلى ذَلِكَ سَبِيلٌ، دُونَ الأنْكَرِ. ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] أيْ: في العِظَمِ والبَطْشِ والأيْدِي. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانُوا أشَدَّ النّاسِ في زَمانِهِمْ خِلْقَةً وأقْواهم بَطْشًا؛ ولِهَذا ذَكَّرَهم هُودٌ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ وأرْشَدَهم إلى أنْ يَسْتَعْمِلُوها في طاعَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهم. فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] تَنْبِيهٌ: قالَ الإمامُ الدَّرّاكَةُ ابْنُ خَلْدُونَ في (مُقَدِّمَةِ) تارِيخِهِ في سِياقِ الأخْبارِ الواهِيَةِ لِلْمُؤَرِّخِينَ ما مِثالُهُ: وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ وأعْرَقُ في الوَهْمِ ما يَتَناقَلُهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ (والفَجْرِ) في (p-٦١٤٨)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] فَيَجْعَلُونَ لَفْظَهُ "إرَمَ" اسْمًا لِمَدِينَةٍ وُصِفَتْ بِأنَّها ذاتُ عِمادٍ، أيْ: أساطِينُ، ويَنْقُلُونَ أنَّهُ كانَ لِعادِ بْنِ عُوِّصَ بْنِ إرَمَ ابْنانِ، هُما شَدِيدٌ وشَدّادٌ، مَلَكا مِن بَعْدِهِ، وهَلَكَ شَدِيدٌ فَخَلَصَ المُلْكُ لِشَدّادٍ، ودانَتْ لَهُ مُلُوكُهم وسَمِعَ وصْفَ الجَنَّةِ فَقالَ لَأبْنِيَنَّ مِثْلَها، فَبَنى مَدِينَةَ إرَمَ في صَحارى عَدَنَ في مُدَّةِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وأنَّها مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الشَّجَرِ والأنْهارِ المُطَّرِدَةِ، ولَمّا تَمَّ بِناؤُها سارَ إلَيْها بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ، حَتّى إذا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا كُلُّهم. ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ والثَّعالِبِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ. ويَنْقُلُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ -مِنَ الصَّحابَةِ- أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ فَوَقَعَ عَلَيْها وحَمَلَ مِنها ما قَدَرَ عَلَيْهِ، وبَلَغَ خَبَرُهُ إلى مُعاوِيَةَ فَأحْضَرَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ، فَبَحَثَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ وسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هي "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أحْمَرُ أشْقَرُ قَصِيرٌ عَلى حاجِبِهِ خالٌ وعَلى عُنُقِهِ خالٌ يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ قِلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذاكَ الرَّجُلُ. قالَ ابْنُ خَلْدُونَ: وهَذِهِ المَدِينَةُ لَمْ يُسْمَعْ لَها خَبَرٌ مِن يَوْمِئِذٍ في شَيْءٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وصَحارى عَدَنَ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها بُنِيَتْ فِيها هي في وسَطِ اليَمَنِ وما زالَ عُمْرانُهُ مُتَعاقِبًا والأدِلّاءُ تَقُصُّ طُرُقَهُ مِن كُلِّ وجْهٍ. ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ هَذِهِ المَدِينَةِ خَبَرٌ ولا ذَكَرَها أحَدٌ مِنَ الأخْبارِيِّينَ ولا مِنَ الأُمَمِ، ولَوْ قالُوا: إنَّها دَرَسَتْ فِيما دَرَسَ مِنَ الآثارِ لَكانَ أشْبَهَ، إلّا أنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ أنَّها مَوْجُودَةٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّها دِمَشْقُ، بِناءً عَلى أنَّ قَوْمَ عادٍ مَلَكُوها. وقَدِ انْتَهى الهَذَيانُ بِبَعْضِهِمْ إلى أنَّها غائِبَةٌ، وإنَّما يَعْثُرُ عَلَيْها أهْلُ الرِّياضَةِ والسِّحْرِ. مَزاعِمُ كُلُّها أشْبَهُ بِالخُرافاتِ. والَّذِي حَمَلَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ ما اقْتَضَتْهُ صِناعَةُ الإعْرابِ في لَفْظِهِ: "ذاتِ العِمادِ" أنَّها صِفَةُ "إرَمَ" وحَمَلُوا العِمادَ عَلى الأساطِينِ؛ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ بِناءً، ورَشَّحَ لَهم ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ: (عادِ إرَمَ) عَلى الإضافَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. ثُمَّ وقَفُوا عَلى تِلْكَ الحِكاياتِ الَّتِي هي أشْبَهُ (p-٦١٤٩)بِالأقاصِيصِ المَوْضُوعَةِ الَّتِي هي أقْرَبُ إلى الكَذِبِ المَنقُولَةِ في عِدادِ المُضْحِكاتِ، وإلّا فالعِمادُ هي عِمادُ الأخْبِيَةِ بَلِ الخِيامِ. وإنْ أُرِيدَ بِها الأساطِينُ، فَلا بِدَعَ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم أهْلُ بِناءٍ وأساطِينَ عَلى العُمُومِ، بِما اشْتُهِرَ مِن قُوَّتِهِمْ، لا أنَّهُ بِناءٌ خاصٌّ في مَدِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ غَيْرِها. وإنْ أُضِيفَتْ، كَما في قِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَلى إضافَةِ الفَصِيلَةِ إلى القَبِيلَةِ، كَما تَقُولُ: قُرَيْشُ كِنانَةَ وإلْياسُ مُضَرَ، ورَبِيعَةُ نِزارٍ. وأيُّ ضَرُورَةٍ إلى هَذا المَحْمَلِ البَعِيدِ الَّذِي تَمَحَّلَتْ لِتَوْجِيهِهِ لِأمْثالِ هَذِهِ الحِكاياتِ الواهِيَةِ الَّتِي يُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ مِثْلِها لِبُعْدِها عَنِ الصِّحَّةِ؟ انْتَهى. وسَبَقَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قالَ: ومَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] مَدِينَةٌ إمّا دِمَشْقُ أوِ إسْكَنْدَرِيَّةُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّهُ كَيْفَ يَلْتَئِمُ الكَلامُ عَلى هَذا إنَّ جُعِلَ "إرَمَ" بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ؟ فَإنَّهُ لا يَتَّسِقُ الكَلامُ حِينَئِذٍ. ثُمَّ المُرادُ إنَّما هو الإخْبارُ عَنْ إهْلاكِ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِعادٍ، وما أحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِن بَأْسِهِ الَّذِي لا يُرَدُّ، لا أنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنْ مَدِينَةٍ أوْ إقْلِيمٍ. قالَ: وإنَّما نَبَّهْتُ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ، مِن ذِكْرِ مَدِينَةٍ يُقالُ لَها: "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" مَبْنِيَّةٌ بِلَبِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إلَخْ؛ فَإنَّ هَذا كُلَّهُ مِن خُرافاتِ الإسْرائِيلِيِّينَ، مِن وضْعِ بَعْضِ زَنادِقَتِهِمْ لِيَخْتَبِرُوا بِذَلِكَ عُقُولَ الجَهَلَةِ مِنَ النّاسِ إنْ صَدَّقَهم في جَمِيعِ ذَلِكَ. وحِكايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ الأعْرابِيِّ لَيْسَ يَصِحُّ إسْنادُها، ولَوْ صَحَّ إلى ذَلِكَ الأعْرابِيِّ، فَقَدْ يَكُونُ اخْتَلَقَ ذَلِكَ، أوْ أنَّهُ أصابَهُ نَوْعٌ مِنَ الهَوَسِ والخَبالِ، فاعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةٌ في الخارِجِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا مِمّا يُقْطَعُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ والطّامِعِينَ والمُتَخَيِّلِينَ، ومِن وُجُودِ مَطالِبَ تَحْتَ الأرْضِ فِيها قَناطِيرُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وألْوانُ الجَواهِرِ واليَواقِيتِ واللَّآلِئِ والإكْسِيرِ الكَبِيرِ، لَكِنْ عَلَيْها مَوانِعُ تَمْنَعُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْها والأخْذِ مِنها، فَيَحْتالُونَ عَلى أمْوالِ الأغْنِياءِ والضَّعْفَةِ والسُّفَهاءِ، فَيَأْكُلُونَها بِالباطِلِ في صَرْفِها في بَخاخِيرَ وعَقاقِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الهَذَياناتِ، ويَطْنِزُونَ بِهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الهادِي لِلصَّوابِ. انْتَهى. (p-٦١٥٠)

الفجر 89:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٤ ] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] ﴿وثَمُودَ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ، واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا. كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] والباءُ ظَرْفِيَّةٌ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جابُوا" أوْ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِالياءِ وبِإسْقاطِها، كَما في "يَسْرِ" والوادِي هو وادِي القُرى كانَتْ مَنازِلُهم فِيهِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] أيِ: الجُنُودِ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ. أوْ هي أوْتادٌ يَشُدُّ بِها مَن يُعَذِّبُهُ. أوِ القُوى والعَدَدُ والعُدَدُ الَّتِي تَمَّ لَهُ بِها مُلْكُهُ، ورَسَخَ بَطْشُهُ وسُلْطانُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِمَن تَمَكَّنَ في أرْضٍ ما: ضَرَبَ بِها أوْتادًا. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ: عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أيْ: تَجاوَزُوا ما وجَبَ عَلَيْهِمْ إلى ما حَظَرَ مِنَ الكُفْرِ بِالحَقِّ والعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والبَغْيِ في بِلادِهِمُ، اغْتِرارًا بِالقُوَّةِ وعِظَمِ السُّلْطانِ. ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] أيِ: الضَّرَرَ والإيذاءَ وهَضْمَ الحُقُوقِ. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] أيْ: أنْزَلَ بِهِمْ عَذابَهُ، وأحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، بِما طَغَوْا في البِلادِ وأفْسَدُوا فِيها. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَهم مُفَصَّلًا (p-٦١٥١)فِي غَيْرِ ما سُورَةٍ وآيَةٍ. و(السَّوْطُ) إمّا مَصْدَرُ: (ساطَهُ)، أيْ: خَلَطَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ: ؎لَكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِن دَمِها فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ هُنا أيْ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما خَلَطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ. قِيلَ: وبِما ذُكِرَ سُمِّيَتِ الآلَةُ المَعْرُوفَةُ، وهو الجِلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ السَّوْطُ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ، اسْتُعِيرَتْ لِعَذابٍ أدْوَنَ مِن غَيْرِهِ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وذُكِرَ السَّوْطُ إشارَةً إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذِّبُ بِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: (لُجَيْنِ الماءِ)، أيْ: عَذابًا كالسَّوْطِ في شِدَّتِهِ، وهو ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ السَّوْطَ مَثَلٌ لِشِدَّةِ العَذابِ. قالَ الشِّهابُ: وأمّا اسْتِعارَةُ الصَّبِّ لِلْعَذابِ فَشائِعَةٌ، كالإذاقَةِ. يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ، وقَنَّعَهُ بِهِ وغَشّاهُ. وهو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحُلُولِهِ أوْ تَتابُعِهِ عَلَيْهِ وتَكَرُّرِهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّ نَبَأ هَلاكِهِمْ، ولِضُرَبائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ بِالحَقِّ والعاثِينَ بِالفَسادِ. و(المِرْصادُ) اسْمُ مَكانٍ لِلَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصَدُ -جَمْعُ راصِدٍ- أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ. كَمِطْعامٍ ومِطْعانٍ. فالياءُ تَجْرِيدِيَّةٌ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ كَوْنَهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العِبادِ، مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها، لِيَأْخُذَ فَيُوقِعَ بِهِ ما يُرِيدُ. ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ. (p-٦١٥٢)

الفجر 89:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٤ ] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] ﴿وثَمُودَ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ، واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا. كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] والباءُ ظَرْفِيَّةٌ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جابُوا" أوْ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِالياءِ وبِإسْقاطِها، كَما في "يَسْرِ" والوادِي هو وادِي القُرى كانَتْ مَنازِلُهم فِيهِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] أيِ: الجُنُودِ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ. أوْ هي أوْتادٌ يَشُدُّ بِها مَن يُعَذِّبُهُ. أوِ القُوى والعَدَدُ والعُدَدُ الَّتِي تَمَّ لَهُ بِها مُلْكُهُ، ورَسَخَ بَطْشُهُ وسُلْطانُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِمَن تَمَكَّنَ في أرْضٍ ما: ضَرَبَ بِها أوْتادًا. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ: عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أيْ: تَجاوَزُوا ما وجَبَ عَلَيْهِمْ إلى ما حَظَرَ مِنَ الكُفْرِ بِالحَقِّ والعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والبَغْيِ في بِلادِهِمُ، اغْتِرارًا بِالقُوَّةِ وعِظَمِ السُّلْطانِ. ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] أيِ: الضَّرَرَ والإيذاءَ وهَضْمَ الحُقُوقِ. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] أيْ: أنْزَلَ بِهِمْ عَذابَهُ، وأحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، بِما طَغَوْا في البِلادِ وأفْسَدُوا فِيها. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَهم مُفَصَّلًا (p-٦١٥١)فِي غَيْرِ ما سُورَةٍ وآيَةٍ. و(السَّوْطُ) إمّا مَصْدَرُ: (ساطَهُ)، أيْ: خَلَطَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ: ؎لَكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِن دَمِها فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ هُنا أيْ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما خَلَطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ. قِيلَ: وبِما ذُكِرَ سُمِّيَتِ الآلَةُ المَعْرُوفَةُ، وهو الجِلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ السَّوْطُ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ، اسْتُعِيرَتْ لِعَذابٍ أدْوَنَ مِن غَيْرِهِ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وذُكِرَ السَّوْطُ إشارَةً إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذِّبُ بِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: (لُجَيْنِ الماءِ)، أيْ: عَذابًا كالسَّوْطِ في شِدَّتِهِ، وهو ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ السَّوْطَ مَثَلٌ لِشِدَّةِ العَذابِ. قالَ الشِّهابُ: وأمّا اسْتِعارَةُ الصَّبِّ لِلْعَذابِ فَشائِعَةٌ، كالإذاقَةِ. يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ، وقَنَّعَهُ بِهِ وغَشّاهُ. وهو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحُلُولِهِ أوْ تَتابُعِهِ عَلَيْهِ وتَكَرُّرِهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّ نَبَأ هَلاكِهِمْ، ولِضُرَبائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ بِالحَقِّ والعاثِينَ بِالفَسادِ. و(المِرْصادُ) اسْمُ مَكانٍ لِلَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصَدُ -جَمْعُ راصِدٍ- أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ. كَمِطْعامٍ ومِطْعانٍ. فالياءُ تَجْرِيدِيَّةٌ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ كَوْنَهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العِبادِ، مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها، لِيَأْخُذَ فَيُوقِعَ بِهِ ما يُرِيدُ. ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ. (p-٦١٥٢)

الفجر 89:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٤ ] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] ﴿وثَمُودَ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ، واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا. كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] والباءُ ظَرْفِيَّةٌ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جابُوا" أوْ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِالياءِ وبِإسْقاطِها، كَما في "يَسْرِ" والوادِي هو وادِي القُرى كانَتْ مَنازِلُهم فِيهِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] أيِ: الجُنُودِ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ. أوْ هي أوْتادٌ يَشُدُّ بِها مَن يُعَذِّبُهُ. أوِ القُوى والعَدَدُ والعُدَدُ الَّتِي تَمَّ لَهُ بِها مُلْكُهُ، ورَسَخَ بَطْشُهُ وسُلْطانُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِمَن تَمَكَّنَ في أرْضٍ ما: ضَرَبَ بِها أوْتادًا. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ: عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أيْ: تَجاوَزُوا ما وجَبَ عَلَيْهِمْ إلى ما حَظَرَ مِنَ الكُفْرِ بِالحَقِّ والعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والبَغْيِ في بِلادِهِمُ، اغْتِرارًا بِالقُوَّةِ وعِظَمِ السُّلْطانِ. ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] أيِ: الضَّرَرَ والإيذاءَ وهَضْمَ الحُقُوقِ. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] أيْ: أنْزَلَ بِهِمْ عَذابَهُ، وأحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، بِما طَغَوْا في البِلادِ وأفْسَدُوا فِيها. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَهم مُفَصَّلًا (p-٦١٥١)فِي غَيْرِ ما سُورَةٍ وآيَةٍ. و(السَّوْطُ) إمّا مَصْدَرُ: (ساطَهُ)، أيْ: خَلَطَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ: ؎لَكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِن دَمِها فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ هُنا أيْ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما خَلَطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ. قِيلَ: وبِما ذُكِرَ سُمِّيَتِ الآلَةُ المَعْرُوفَةُ، وهو الجِلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ السَّوْطُ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ، اسْتُعِيرَتْ لِعَذابٍ أدْوَنَ مِن غَيْرِهِ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وذُكِرَ السَّوْطُ إشارَةً إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذِّبُ بِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: (لُجَيْنِ الماءِ)، أيْ: عَذابًا كالسَّوْطِ في شِدَّتِهِ، وهو ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ السَّوْطَ مَثَلٌ لِشِدَّةِ العَذابِ. قالَ الشِّهابُ: وأمّا اسْتِعارَةُ الصَّبِّ لِلْعَذابِ فَشائِعَةٌ، كالإذاقَةِ. يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ، وقَنَّعَهُ بِهِ وغَشّاهُ. وهو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحُلُولِهِ أوْ تَتابُعِهِ عَلَيْهِ وتَكَرُّرِهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّ نَبَأ هَلاكِهِمْ، ولِضُرَبائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ بِالحَقِّ والعاثِينَ بِالفَسادِ. و(المِرْصادُ) اسْمُ مَكانٍ لِلَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصَدُ -جَمْعُ راصِدٍ- أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ. كَمِطْعامٍ ومِطْعانٍ. فالياءُ تَجْرِيدِيَّةٌ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ كَوْنَهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العِبادِ، مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها، لِيَأْخُذَ فَيُوقِعَ بِهِ ما يُرِيدُ. ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ. (p-٦١٥٢)

الفجر 89:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٤ ] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] ﴿وثَمُودَ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ، واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا. كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] والباءُ ظَرْفِيَّةٌ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جابُوا" أوْ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِالياءِ وبِإسْقاطِها، كَما في "يَسْرِ" والوادِي هو وادِي القُرى كانَتْ مَنازِلُهم فِيهِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] أيِ: الجُنُودِ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ. أوْ هي أوْتادٌ يَشُدُّ بِها مَن يُعَذِّبُهُ. أوِ القُوى والعَدَدُ والعُدَدُ الَّتِي تَمَّ لَهُ بِها مُلْكُهُ، ورَسَخَ بَطْشُهُ وسُلْطانُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِمَن تَمَكَّنَ في أرْضٍ ما: ضَرَبَ بِها أوْتادًا. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ: عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أيْ: تَجاوَزُوا ما وجَبَ عَلَيْهِمْ إلى ما حَظَرَ مِنَ الكُفْرِ بِالحَقِّ والعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والبَغْيِ في بِلادِهِمُ، اغْتِرارًا بِالقُوَّةِ وعِظَمِ السُّلْطانِ. ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] أيِ: الضَّرَرَ والإيذاءَ وهَضْمَ الحُقُوقِ. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] أيْ: أنْزَلَ بِهِمْ عَذابَهُ، وأحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، بِما طَغَوْا في البِلادِ وأفْسَدُوا فِيها. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَهم مُفَصَّلًا (p-٦١٥١)فِي غَيْرِ ما سُورَةٍ وآيَةٍ. و(السَّوْطُ) إمّا مَصْدَرُ: (ساطَهُ)، أيْ: خَلَطَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ: ؎لَكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِن دَمِها فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ هُنا أيْ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما خَلَطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ. قِيلَ: وبِما ذُكِرَ سُمِّيَتِ الآلَةُ المَعْرُوفَةُ، وهو الجِلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ السَّوْطُ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ، اسْتُعِيرَتْ لِعَذابٍ أدْوَنَ مِن غَيْرِهِ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وذُكِرَ السَّوْطُ إشارَةً إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذِّبُ بِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: (لُجَيْنِ الماءِ)، أيْ: عَذابًا كالسَّوْطِ في شِدَّتِهِ، وهو ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ السَّوْطَ مَثَلٌ لِشِدَّةِ العَذابِ. قالَ الشِّهابُ: وأمّا اسْتِعارَةُ الصَّبِّ لِلْعَذابِ فَشائِعَةٌ، كالإذاقَةِ. يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ، وقَنَّعَهُ بِهِ وغَشّاهُ. وهو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحُلُولِهِ أوْ تَتابُعِهِ عَلَيْهِ وتَكَرُّرِهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّ نَبَأ هَلاكِهِمْ، ولِضُرَبائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ بِالحَقِّ والعاثِينَ بِالفَسادِ. و(المِرْصادُ) اسْمُ مَكانٍ لِلَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصَدُ -جَمْعُ راصِدٍ- أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ. كَمِطْعامٍ ومِطْعانٍ. فالياءُ تَجْرِيدِيَّةٌ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ كَوْنَهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العِبادِ، مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها، لِيَأْخُذَ فَيُوقِعَ بِهِ ما يُرِيدُ. ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ. (p-٦١٥٢)

الفجر 89:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٤ ] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] ﴿وثَمُودَ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ، واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا. كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] والباءُ ظَرْفِيَّةٌ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جابُوا" أوْ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِالياءِ وبِإسْقاطِها، كَما في "يَسْرِ" والوادِي هو وادِي القُرى كانَتْ مَنازِلُهم فِيهِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] أيِ: الجُنُودِ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ. أوْ هي أوْتادٌ يَشُدُّ بِها مَن يُعَذِّبُهُ. أوِ القُوى والعَدَدُ والعُدَدُ الَّتِي تَمَّ لَهُ بِها مُلْكُهُ، ورَسَخَ بَطْشُهُ وسُلْطانُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِمَن تَمَكَّنَ في أرْضٍ ما: ضَرَبَ بِها أوْتادًا. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ: عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أيْ: تَجاوَزُوا ما وجَبَ عَلَيْهِمْ إلى ما حَظَرَ مِنَ الكُفْرِ بِالحَقِّ والعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والبَغْيِ في بِلادِهِمُ، اغْتِرارًا بِالقُوَّةِ وعِظَمِ السُّلْطانِ. ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] أيِ: الضَّرَرَ والإيذاءَ وهَضْمَ الحُقُوقِ. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] أيْ: أنْزَلَ بِهِمْ عَذابَهُ، وأحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، بِما طَغَوْا في البِلادِ وأفْسَدُوا فِيها. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَهم مُفَصَّلًا (p-٦١٥١)فِي غَيْرِ ما سُورَةٍ وآيَةٍ. و(السَّوْطُ) إمّا مَصْدَرُ: (ساطَهُ)، أيْ: خَلَطَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ: ؎لَكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِن دَمِها فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ هُنا أيْ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما خَلَطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ. قِيلَ: وبِما ذُكِرَ سُمِّيَتِ الآلَةُ المَعْرُوفَةُ، وهو الجِلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ السَّوْطُ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ، اسْتُعِيرَتْ لِعَذابٍ أدْوَنَ مِن غَيْرِهِ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وذُكِرَ السَّوْطُ إشارَةً إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذِّبُ بِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: (لُجَيْنِ الماءِ)، أيْ: عَذابًا كالسَّوْطِ في شِدَّتِهِ، وهو ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ السَّوْطَ مَثَلٌ لِشِدَّةِ العَذابِ. قالَ الشِّهابُ: وأمّا اسْتِعارَةُ الصَّبِّ لِلْعَذابِ فَشائِعَةٌ، كالإذاقَةِ. يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ، وقَنَّعَهُ بِهِ وغَشّاهُ. وهو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحُلُولِهِ أوْ تَتابُعِهِ عَلَيْهِ وتَكَرُّرِهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّ نَبَأ هَلاكِهِمْ، ولِضُرَبائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ بِالحَقِّ والعاثِينَ بِالفَسادِ. و(المِرْصادُ) اسْمُ مَكانٍ لِلَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصَدُ -جَمْعُ راصِدٍ- أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ. كَمِطْعامٍ ومِطْعانٍ. فالياءُ تَجْرِيدِيَّةٌ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ كَوْنَهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العِبادِ، مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها، لِيَأْخُذَ فَيُوقِعَ بِهِ ما يُرِيدُ. ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ. (p-٦١٥٢)

الفجر 89:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٤ ] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] ﴿وثَمُودَ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ، واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا. كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] والباءُ ظَرْفِيَّةٌ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جابُوا" أوْ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِالياءِ وبِإسْقاطِها، كَما في "يَسْرِ" والوادِي هو وادِي القُرى كانَتْ مَنازِلُهم فِيهِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] أيِ: الجُنُودِ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ. أوْ هي أوْتادٌ يَشُدُّ بِها مَن يُعَذِّبُهُ. أوِ القُوى والعَدَدُ والعُدَدُ الَّتِي تَمَّ لَهُ بِها مُلْكُهُ، ورَسَخَ بَطْشُهُ وسُلْطانُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِمَن تَمَكَّنَ في أرْضٍ ما: ضَرَبَ بِها أوْتادًا. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ: عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أيْ: تَجاوَزُوا ما وجَبَ عَلَيْهِمْ إلى ما حَظَرَ مِنَ الكُفْرِ بِالحَقِّ والعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والبَغْيِ في بِلادِهِمُ، اغْتِرارًا بِالقُوَّةِ وعِظَمِ السُّلْطانِ. ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] أيِ: الضَّرَرَ والإيذاءَ وهَضْمَ الحُقُوقِ. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] أيْ: أنْزَلَ بِهِمْ عَذابَهُ، وأحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، بِما طَغَوْا في البِلادِ وأفْسَدُوا فِيها. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَهم مُفَصَّلًا (p-٦١٥١)فِي غَيْرِ ما سُورَةٍ وآيَةٍ. و(السَّوْطُ) إمّا مَصْدَرُ: (ساطَهُ)، أيْ: خَلَطَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ: ؎لَكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِن دَمِها فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ هُنا أيْ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما خَلَطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ. قِيلَ: وبِما ذُكِرَ سُمِّيَتِ الآلَةُ المَعْرُوفَةُ، وهو الجِلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ السَّوْطُ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ، اسْتُعِيرَتْ لِعَذابٍ أدْوَنَ مِن غَيْرِهِ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وذُكِرَ السَّوْطُ إشارَةً إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذِّبُ بِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: (لُجَيْنِ الماءِ)، أيْ: عَذابًا كالسَّوْطِ في شِدَّتِهِ، وهو ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ السَّوْطَ مَثَلٌ لِشِدَّةِ العَذابِ. قالَ الشِّهابُ: وأمّا اسْتِعارَةُ الصَّبِّ لِلْعَذابِ فَشائِعَةٌ، كالإذاقَةِ. يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ، وقَنَّعَهُ بِهِ وغَشّاهُ. وهو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحُلُولِهِ أوْ تَتابُعِهِ عَلَيْهِ وتَكَرُّرِهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّ نَبَأ هَلاكِهِمْ، ولِضُرَبائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ بِالحَقِّ والعاثِينَ بِالفَسادِ. و(المِرْصادُ) اسْمُ مَكانٍ لِلَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصَدُ -جَمْعُ راصِدٍ- أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ. كَمِطْعامٍ ومِطْعانٍ. فالياءُ تَجْرِيدِيَّةٌ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ كَوْنَهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العِبادِ، مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها، لِيَأْخُذَ فَيُوقِعَ بِهِ ما يُرِيدُ. ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ. (p-٦١٥٢)

الفجر 89:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥- ١٦ ] ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ثُمَّ أشارَ إلى غَفْلَةِ الإنْسانِ في حالَيْ غِناهُ وفَقْرِهِ، ونَعى عَلَيْهِ شَأْنَهُ فِيهِما، بِما يُقَرِّرُ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ صَبَّ العَذابِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ أيْ: بِالغِنى واليَسارِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ أيْ: فَضَّلَنِي، لِما لِي عِنْدَهُ مِنَ الكَرامَةِ. ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ وقَتَّرَهُ، فَلَمْ يُكَثِّرْ مالَهُ ولَمْ يُوَسِّعْ عَلَيْهِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ: أذَلَّنِي بِالفَقْرِ؛ وذَلِكَ لِسُوءِ فِكْرِهِ وقُصُورِ نَظَرِهِ في الحالَيْنِ، فَإنَّهُ إنَّما ابْتَلاهُ بِالغِنى لِيَقُومَ بِواجِبِهِ ويَعْرِفَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وبِالفَقْرِ لِيَظْهَرَ بِمَظْهَرِ العَفافِ ويَتَخَلَّقَ بِخُلُقِ الصَّبْرِ عَلى الكَفافِ. فَفي كُلِّ ابْتِلاءٍ وامْتِحانٍ لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ، ونَظِيرُ الآيَةِ، آيَةُ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وآيَةُ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] وآيَةُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢]

الفجر 89:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥- ١٦ ] ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ثُمَّ أشارَ إلى غَفْلَةِ الإنْسانِ في حالَيْ غِناهُ وفَقْرِهِ، ونَعى عَلَيْهِ شَأْنَهُ فِيهِما، بِما يُقَرِّرُ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ صَبَّ العَذابِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ أيْ: بِالغِنى واليَسارِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ أيْ: فَضَّلَنِي، لِما لِي عِنْدَهُ مِنَ الكَرامَةِ. ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ وقَتَّرَهُ، فَلَمْ يُكَثِّرْ مالَهُ ولَمْ يُوَسِّعْ عَلَيْهِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ: أذَلَّنِي بِالفَقْرِ؛ وذَلِكَ لِسُوءِ فِكْرِهِ وقُصُورِ نَظَرِهِ في الحالَيْنِ، فَإنَّهُ إنَّما ابْتَلاهُ بِالغِنى لِيَقُومَ بِواجِبِهِ ويَعْرِفَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وبِالفَقْرِ لِيَظْهَرَ بِمَظْهَرِ العَفافِ ويَتَخَلَّقَ بِخُلُقِ الصَّبْرِ عَلى الكَفافِ. فَفي كُلِّ ابْتِلاءٍ وامْتِحانٍ لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ، ونَظِيرُ الآيَةِ، آيَةُ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وآيَةُ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] وآيَةُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢]

الفجر 89:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٠ ] ﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ قَوْلَيْهِ في حالَيْهِ، أعْنِي اعْتِقادَ الإكْرامِ في الإعْطاءِ، والإهانَةِ في المَنعِ، (p-٦١٥٣)بَلْ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، وهو صَرْفُ النِّعَمِ إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، وإعْطاءُ المالِ لِذَوِيهِ، وأحَقُّهُمُ الأيْتامُ وهم لا يَفْعَلُونَهُ، كَما قالَ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ وهو مَن فَقَدَ كافِلَهُ ومُرَبِّيَهُ، فَإنَّ مِن آكَدِ الواجِباتِ القِيامَ عَلى تَأْدِيبِهِ وكَفالَتِهِ، صَوْنًا إذا أهْمَلَ مِن فَسادِ طَبِيعَتِهِ وعَيْثِهِ بِالضَّرَرِ في أهْلِ جِبِلَّتِهِ. ومِثْلُهُ التَّحاضُّ عَلى مُواساةِ البُؤَساءِ، وهَؤُلاءِ المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ ضَلالُهم في غَفْلَةٍ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] أيْ: لا يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا عَلَيْهِ ولا يَتَواصى بِهِ. قالَ الإمامُ: وإنَّما ذَكَرَ التَّحاضَّ عَلى الطَّعامِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِالإطْعامِ فَيَقُولُ: (لَمْ تُطْعِمُوا المِسْكِينَ)؛ لِيُصَرِّحَ لَكَ بِالبَيانِ الجَلِيِّ أنَّ أفْرادَ الأُمَّةِ مُتَكافِلُونَ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عَطْفٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، مَعَ التِزامِ كُلٍّ لِما يَأْمُرْ بِهِ، وابْتِعادِهِ عَمّا يَنْهى عَنْهُ. لَطِيفَةٌ: قالَ القاشانِيُّ: في دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ [الفجر: ١٥] أيِ: الإنْسانُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مَقامِ الشُّكْرِ أوِ الصَّبْرِ بِحُكْمِ الإيمانِ، لِحَدِيثِ: ««الإيمانُ نِصْفانِ نِصْفٌ: صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ»» لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إمّا يَبْتَلِيهِ بِالنِّعَمِ والرَّخاءِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَهُ بِاسْتِعْمالِ نِعْمَتِهِ فِيما يَنْبَغِي مِن إكْرامِ اليَتِيمِ وإطْعامِ المِسْكِينِ وسائِرِ مُراضِيهِ. ولا يَكْفُرُ نِعْمَتَهُ بِالبَطَرِ والِافْتِخارِ فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أكْرَمَنِي لِاسْتِحْقاقِي وكَرامَتِي عِنْدَهُ، ويُتْرِفُهُ في الأكْلِ ويَحْتَجِبُ بِمَحَبَّةِ المالِ وبِمَنعِ المُسْتَحِقِّينَ، أوْ بِالفَقْرِ وضِيقِ الرِّزْقِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَصْبِرَ ولا يَجْزَعَ ولا يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أهانَنِي، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ بِأنْ لا يَشْغَلَهُ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المُنْعِمِ، ويَجْعَلُ ذَلِكَ وسِيلَةً لَهُ في التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ والسُّلُوكِ في طَرِيقِهِ لِعَدَمِ التَّعَلُّقِ، كَما أنَّ الأوَّلَ رُبَّما كانَ اسْتِدْراجًا مِنهُ. انْتَهى. ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تَأْكُلُونَ المِيراثَ أكْلًا شَدِيدًا، لا تَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ ما عَلى الخُوانِ أجْمَعَ فَأنا ألُمُّهُ لَمًّا)، إذا: أكَلْتَ ما عَلَيْهِ فَأتَيْتَ عَلى جَمِيعِهِ. (p-٦١٥٤)قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ، وقَرَأ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ [النساء: ١٢٧] أيْ: لا تُورِثُوهُنَّ أيْضًا. وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اللَّمُّ: الِاعْتِداءُ في المِيراثِ، يَأْكُلُ مِيراثَهُ وغَيْرَهُ. ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] أيْ: جَمْعَهُ وكَنْزَهُ، حُبًّا كَثِيرًا شَدِيدًا.

الفجر 89:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٠ ] ﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ قَوْلَيْهِ في حالَيْهِ، أعْنِي اعْتِقادَ الإكْرامِ في الإعْطاءِ، والإهانَةِ في المَنعِ، (p-٦١٥٣)بَلْ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، وهو صَرْفُ النِّعَمِ إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، وإعْطاءُ المالِ لِذَوِيهِ، وأحَقُّهُمُ الأيْتامُ وهم لا يَفْعَلُونَهُ، كَما قالَ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ وهو مَن فَقَدَ كافِلَهُ ومُرَبِّيَهُ، فَإنَّ مِن آكَدِ الواجِباتِ القِيامَ عَلى تَأْدِيبِهِ وكَفالَتِهِ، صَوْنًا إذا أهْمَلَ مِن فَسادِ طَبِيعَتِهِ وعَيْثِهِ بِالضَّرَرِ في أهْلِ جِبِلَّتِهِ. ومِثْلُهُ التَّحاضُّ عَلى مُواساةِ البُؤَساءِ، وهَؤُلاءِ المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ ضَلالُهم في غَفْلَةٍ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] أيْ: لا يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا عَلَيْهِ ولا يَتَواصى بِهِ. قالَ الإمامُ: وإنَّما ذَكَرَ التَّحاضَّ عَلى الطَّعامِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِالإطْعامِ فَيَقُولُ: (لَمْ تُطْعِمُوا المِسْكِينَ)؛ لِيُصَرِّحَ لَكَ بِالبَيانِ الجَلِيِّ أنَّ أفْرادَ الأُمَّةِ مُتَكافِلُونَ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عَطْفٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، مَعَ التِزامِ كُلٍّ لِما يَأْمُرْ بِهِ، وابْتِعادِهِ عَمّا يَنْهى عَنْهُ. لَطِيفَةٌ: قالَ القاشانِيُّ: في دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ [الفجر: ١٥] أيِ: الإنْسانُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مَقامِ الشُّكْرِ أوِ الصَّبْرِ بِحُكْمِ الإيمانِ، لِحَدِيثِ: ««الإيمانُ نِصْفانِ نِصْفٌ: صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ»» لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إمّا يَبْتَلِيهِ بِالنِّعَمِ والرَّخاءِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَهُ بِاسْتِعْمالِ نِعْمَتِهِ فِيما يَنْبَغِي مِن إكْرامِ اليَتِيمِ وإطْعامِ المِسْكِينِ وسائِرِ مُراضِيهِ. ولا يَكْفُرُ نِعْمَتَهُ بِالبَطَرِ والِافْتِخارِ فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أكْرَمَنِي لِاسْتِحْقاقِي وكَرامَتِي عِنْدَهُ، ويُتْرِفُهُ في الأكْلِ ويَحْتَجِبُ بِمَحَبَّةِ المالِ وبِمَنعِ المُسْتَحِقِّينَ، أوْ بِالفَقْرِ وضِيقِ الرِّزْقِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَصْبِرَ ولا يَجْزَعَ ولا يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أهانَنِي، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ بِأنْ لا يَشْغَلَهُ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المُنْعِمِ، ويَجْعَلُ ذَلِكَ وسِيلَةً لَهُ في التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ والسُّلُوكِ في طَرِيقِهِ لِعَدَمِ التَّعَلُّقِ، كَما أنَّ الأوَّلَ رُبَّما كانَ اسْتِدْراجًا مِنهُ. انْتَهى. ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تَأْكُلُونَ المِيراثَ أكْلًا شَدِيدًا، لا تَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ ما عَلى الخُوانِ أجْمَعَ فَأنا ألُمُّهُ لَمًّا)، إذا: أكَلْتَ ما عَلَيْهِ فَأتَيْتَ عَلى جَمِيعِهِ. (p-٦١٥٤)قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ، وقَرَأ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ [النساء: ١٢٧] أيْ: لا تُورِثُوهُنَّ أيْضًا. وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اللَّمُّ: الِاعْتِداءُ في المِيراثِ، يَأْكُلُ مِيراثَهُ وغَيْرَهُ. ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] أيْ: جَمْعَهُ وكَنْزَهُ، حُبًّا كَثِيرًا شَدِيدًا.

الفجر 89:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٠ ] ﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ قَوْلَيْهِ في حالَيْهِ، أعْنِي اعْتِقادَ الإكْرامِ في الإعْطاءِ، والإهانَةِ في المَنعِ، (p-٦١٥٣)بَلْ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، وهو صَرْفُ النِّعَمِ إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، وإعْطاءُ المالِ لِذَوِيهِ، وأحَقُّهُمُ الأيْتامُ وهم لا يَفْعَلُونَهُ، كَما قالَ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ وهو مَن فَقَدَ كافِلَهُ ومُرَبِّيَهُ، فَإنَّ مِن آكَدِ الواجِباتِ القِيامَ عَلى تَأْدِيبِهِ وكَفالَتِهِ، صَوْنًا إذا أهْمَلَ مِن فَسادِ طَبِيعَتِهِ وعَيْثِهِ بِالضَّرَرِ في أهْلِ جِبِلَّتِهِ. ومِثْلُهُ التَّحاضُّ عَلى مُواساةِ البُؤَساءِ، وهَؤُلاءِ المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ ضَلالُهم في غَفْلَةٍ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] أيْ: لا يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا عَلَيْهِ ولا يَتَواصى بِهِ. قالَ الإمامُ: وإنَّما ذَكَرَ التَّحاضَّ عَلى الطَّعامِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِالإطْعامِ فَيَقُولُ: (لَمْ تُطْعِمُوا المِسْكِينَ)؛ لِيُصَرِّحَ لَكَ بِالبَيانِ الجَلِيِّ أنَّ أفْرادَ الأُمَّةِ مُتَكافِلُونَ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عَطْفٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، مَعَ التِزامِ كُلٍّ لِما يَأْمُرْ بِهِ، وابْتِعادِهِ عَمّا يَنْهى عَنْهُ. لَطِيفَةٌ: قالَ القاشانِيُّ: في دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ [الفجر: ١٥] أيِ: الإنْسانُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مَقامِ الشُّكْرِ أوِ الصَّبْرِ بِحُكْمِ الإيمانِ، لِحَدِيثِ: ««الإيمانُ نِصْفانِ نِصْفٌ: صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ»» لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إمّا يَبْتَلِيهِ بِالنِّعَمِ والرَّخاءِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَهُ بِاسْتِعْمالِ نِعْمَتِهِ فِيما يَنْبَغِي مِن إكْرامِ اليَتِيمِ وإطْعامِ المِسْكِينِ وسائِرِ مُراضِيهِ. ولا يَكْفُرُ نِعْمَتَهُ بِالبَطَرِ والِافْتِخارِ فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أكْرَمَنِي لِاسْتِحْقاقِي وكَرامَتِي عِنْدَهُ، ويُتْرِفُهُ في الأكْلِ ويَحْتَجِبُ بِمَحَبَّةِ المالِ وبِمَنعِ المُسْتَحِقِّينَ، أوْ بِالفَقْرِ وضِيقِ الرِّزْقِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَصْبِرَ ولا يَجْزَعَ ولا يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أهانَنِي، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ بِأنْ لا يَشْغَلَهُ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المُنْعِمِ، ويَجْعَلُ ذَلِكَ وسِيلَةً لَهُ في التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ والسُّلُوكِ في طَرِيقِهِ لِعَدَمِ التَّعَلُّقِ، كَما أنَّ الأوَّلَ رُبَّما كانَ اسْتِدْراجًا مِنهُ. انْتَهى. ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تَأْكُلُونَ المِيراثَ أكْلًا شَدِيدًا، لا تَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ ما عَلى الخُوانِ أجْمَعَ فَأنا ألُمُّهُ لَمًّا)، إذا: أكَلْتَ ما عَلَيْهِ فَأتَيْتَ عَلى جَمِيعِهِ. (p-٦١٥٤)قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ، وقَرَأ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ [النساء: ١٢٧] أيْ: لا تُورِثُوهُنَّ أيْضًا. وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اللَّمُّ: الِاعْتِداءُ في المِيراثِ، يَأْكُلُ مِيراثَهُ وغَيْرَهُ. ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] أيْ: جَمْعَهُ وكَنْزَهُ، حُبًّا كَثِيرًا شَدِيدًا.

الفجر 89:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٠ ] ﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ قَوْلَيْهِ في حالَيْهِ، أعْنِي اعْتِقادَ الإكْرامِ في الإعْطاءِ، والإهانَةِ في المَنعِ، (p-٦١٥٣)بَلْ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، وهو صَرْفُ النِّعَمِ إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، وإعْطاءُ المالِ لِذَوِيهِ، وأحَقُّهُمُ الأيْتامُ وهم لا يَفْعَلُونَهُ، كَما قالَ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ وهو مَن فَقَدَ كافِلَهُ ومُرَبِّيَهُ، فَإنَّ مِن آكَدِ الواجِباتِ القِيامَ عَلى تَأْدِيبِهِ وكَفالَتِهِ، صَوْنًا إذا أهْمَلَ مِن فَسادِ طَبِيعَتِهِ وعَيْثِهِ بِالضَّرَرِ في أهْلِ جِبِلَّتِهِ. ومِثْلُهُ التَّحاضُّ عَلى مُواساةِ البُؤَساءِ، وهَؤُلاءِ المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ ضَلالُهم في غَفْلَةٍ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] أيْ: لا يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا عَلَيْهِ ولا يَتَواصى بِهِ. قالَ الإمامُ: وإنَّما ذَكَرَ التَّحاضَّ عَلى الطَّعامِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِالإطْعامِ فَيَقُولُ: (لَمْ تُطْعِمُوا المِسْكِينَ)؛ لِيُصَرِّحَ لَكَ بِالبَيانِ الجَلِيِّ أنَّ أفْرادَ الأُمَّةِ مُتَكافِلُونَ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عَطْفٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، مَعَ التِزامِ كُلٍّ لِما يَأْمُرْ بِهِ، وابْتِعادِهِ عَمّا يَنْهى عَنْهُ. لَطِيفَةٌ: قالَ القاشانِيُّ: في دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ [الفجر: ١٥] أيِ: الإنْسانُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مَقامِ الشُّكْرِ أوِ الصَّبْرِ بِحُكْمِ الإيمانِ، لِحَدِيثِ: ««الإيمانُ نِصْفانِ نِصْفٌ: صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ»» لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إمّا يَبْتَلِيهِ بِالنِّعَمِ والرَّخاءِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَهُ بِاسْتِعْمالِ نِعْمَتِهِ فِيما يَنْبَغِي مِن إكْرامِ اليَتِيمِ وإطْعامِ المِسْكِينِ وسائِرِ مُراضِيهِ. ولا يَكْفُرُ نِعْمَتَهُ بِالبَطَرِ والِافْتِخارِ فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أكْرَمَنِي لِاسْتِحْقاقِي وكَرامَتِي عِنْدَهُ، ويُتْرِفُهُ في الأكْلِ ويَحْتَجِبُ بِمَحَبَّةِ المالِ وبِمَنعِ المُسْتَحِقِّينَ، أوْ بِالفَقْرِ وضِيقِ الرِّزْقِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَصْبِرَ ولا يَجْزَعَ ولا يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أهانَنِي، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ بِأنْ لا يَشْغَلَهُ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المُنْعِمِ، ويَجْعَلُ ذَلِكَ وسِيلَةً لَهُ في التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ والسُّلُوكِ في طَرِيقِهِ لِعَدَمِ التَّعَلُّقِ، كَما أنَّ الأوَّلَ رُبَّما كانَ اسْتِدْراجًا مِنهُ. انْتَهى. ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تَأْكُلُونَ المِيراثَ أكْلًا شَدِيدًا، لا تَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ ما عَلى الخُوانِ أجْمَعَ فَأنا ألُمُّهُ لَمًّا)، إذا: أكَلْتَ ما عَلَيْهِ فَأتَيْتَ عَلى جَمِيعِهِ. (p-٦١٥٤)قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ، وقَرَأ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ [النساء: ١٢٧] أيْ: لا تُورِثُوهُنَّ أيْضًا. وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اللَّمُّ: الِاعْتِداءُ في المِيراثِ، يَأْكُلُ مِيراثَهُ وغَيْرَهُ. ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] أيْ: جَمْعَهُ وكَنْزَهُ، حُبًّا كَثِيرًا شَدِيدًا.

الفجر 89:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢١ - ٢٦ ] ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وإنْكارٌ لِفِعْلِهِمْ، وما بَعْدَهُ وعِيدٌ عَلَيْهِ بِالإخْبارِ عَنْ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أيْ: دَكًّا بَعْدَ دَكٍّ حَتّى عادَتْ هَباءً مَنثُورًا. قالَ الشِّهابُ: لَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا، بَلِ التَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، وجاءَ القَوْمُ رَجُلًا رَجُلًا. (والدَّكُّ) قَرِيبٌ مِنَ الدَّقِّ، لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وجاءَ الرَّبُّ، تَبارَكَ وتَعالى، لِفَصْلِ القَضاءِ، كَما يَشاءُ والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا صُفُوفًا.. وسَبَقَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى ذَلِكَ وعَضَّدَهُ بِآثارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ (p-٦١٥٥)والضَّحّاكِ ««في نُزُولِهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ يَوْمَئِذٍ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وإشْراقِ الأرْضِ بِنُورِ رَبِّها»» . ومَذْهَبُ الخَلَفِ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، مَن جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِلتَّهْوِيلِ، أيْ: جاءَ أمْرُهُ وقَضاؤُهُ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ وتَبَيُّنِ آثارِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُثِّلَتْ حالُهُ في ذَلِكَ، بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، ظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها ووُزَرائِهِ وخَواصِّهِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمُ. انْتَهى. وكَأنَّ الخِلافَ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ لَفْظِيٌّ، إذْ مَبْنى مَذْهَبِ الخَلَفِ عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. ويَعْنُونَ بِالظّاهِرِ ما لِلْخَلْقِ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلى الخالِقِ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ. وأمّا السَّلَفُ فَيُنْكِرُونَ أنَّ مَعْنى الظّاهِرِ مِنها ما لِلْخَلْقِ، بَلْ هو ما يَتَبادَرُ إلى فَهْمِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ ذاتَهُ تَعالى، كَما أنَّها لا تُشْبِهُ الذَّواتِ، فَكَذَلِكَ صِفاتٌ لا تُشْبِهُ الصِّفاتِ؛ لِأنَّها لا تُكَيَّفُ ولا تُعْلَمُ بِوَجْهٍ ما، فَهي حَقِيقَةُ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، كالعِلْمِ والقُدْرَةِ، لا تَمْثِيلَ ولا تَعْطِيلَ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَن يَقُولُ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إقْرارُها عَلى ما جاءَتْ بِهِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّ (ظاهِرَها غَيْرُ مُرادٍ). وهَذا لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ ظاهِرُها غَيْرُ مُرادٍ، يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِالظّاهِرِ نُعُوتَ المَخْلُوقِينَ وصِفاتِ المُحْدَثِينَ، مِثْلَ أنْ يُرادَ بِكَوْنِ اللَّهِ قِبَلَ وجْهِ المُصَلِّي، أنَّهُ مُسْتَقِرٌّ في الحائِطِ الَّذِي يُصَلِّي إلَيْهِ، و: (إنَّ اللَّهَ مَعَنا)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إلى جانِبِنا، ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، ومَن قالَ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، فَقَدْ أصابَ في المَعْنى، لَكِنْ أخْطَأ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ هَذا ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ؛ فَإنَّ هَذا المَجالَ لَيْسَ هو الظّاهِرَ عَلى ما قَدْ بَيَّنّاهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى المُمْتَنِعُ صارَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النّاسِ فَيَكُونُ القائِلُ لِذَلِكَ مُصِيبًا بِهَذا الِاعْتِبارِ، مَعْذُورًا في هَذا الإطْلاقِ، فَإنَّ الظُّهُورَ والبُطُونَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، وهو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. انْتَهى. (p-٦١٥٦)وقَدْ بَسَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (الرِّسالَةِ المَدَنِيَّةِ) وأوْضَحَ أنَّ الكَلامَ في الصِّفاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلامِ في الذّاتِ، يَحْتَذِي حَذْوَهُ ويَتْبَعُ فِيهِ مِثالَهُ. فَإذا كانَ إثْباتُ الذّاتِ إثْباتَ وُجُودٍ لا إثْباتَ كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ إثْباتُ الصِّفاتِ إثْباتُ وُجُودٍ لا إثْباتُ كَيْفِيَّةٍ. وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: نَحْنُ نَقُولُ بِالمَجازِ الَّذِي قامَ دَلِيلُهُ، وبِالتَّأْوِيلِ الجارِي عَلى نَهْجِ السَّبِيلِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كَلامِنا وكَلامِ أحَدٍ مِنّا، أنّا لا نَقُولُ بِالمَجازِ والتَّأْوِيلِ، واللَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ولَكِنْ نُنْكِرُ مِن ذَلِكَ ما خالَفَ الحَقَّ والصَّوابَ، وما فَتَحَ بِهِ البابَ، إلى هَدْمِ السُّنَّةِ والكِتابِ واللَّحاقِ بِمُحَرِّفَةِ أهْلِ الكِتابِ، والمَنصُوصُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى المَجازِ. ولَمْ يُعْرَفْ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ نَصٌّ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وقَدْ ذَهَبَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِن أصْحابِهِ وغَيْرِهِمْ، كَأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي داوُدَ، وأبِي الحَسَنِ الخَرْزِيِّ، وأبِي الفَضْلِ التَّمِيمِيِّ، وابْنِ حامِدٍ، فِيما أظُنُّ، وغَيْرِهِمْ، إلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ مَجازٌ؛ وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ ما رَأوْهُ مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ لِلْقُرْآنِ بِدَعْوى المَجازِ؛ فَقابَلُوا الضَّلالَ والفَسادَ، بِحَسْمِ المَوادِّ. وخِيارُ الأُمُورِ التَّوَسُّطُ والِاقْتِصادُ. انْتَهى. ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: أُظْهِرَتْ حَتّى رَآها الخَلْقُ وعَلِمَ الكافِرُ أنَّ مَصِيرَهُ إلَيْها. فَمَجِيئُها مُتَجَوِّزٌ بِهِ عَنْ إظْهارِها، كَما صَرَّحَ بِهِ آيَةُ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ [الفجر: ٢٣] تَفْرِيطَهُ في الدُّنْيا في طاعَةِ اللَّهِ وفِيما يُقَرِّبُ إلَيْهِ مِن صالِحِ الأعْمالِ، ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: مَنفَعَتُها، فالمُرادُ بِتَذَكُّرِهِ نَدامَتُهُ عَلى تَفْرِيطِهِ في الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُهُ نَعِيمَ الأبَدِ، كَما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أيْ: أسْلَفْتُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِحَياتِي هَذِهِ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ: قَدَّمْتُ وقْتَ حَياتِي، فاللّامُ بِمَعْنى وقْتِ، والحَياةُ هي الَّتِي في الدُّنْيا. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] أيْ: لا يُعَذِّبُ كَعَذابِ اللَّهِ، أحَدٌ في الدُّنْيا. ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] أيْ: لا يُوثَقُ كَوِثاقِهِ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ في الدُّنْيا. وقُرِئَ "يُعَذَّبُ" و"يُوثَقُ" عَلى بِناءِ المَجْهُولِ. (p-٦١٥٧)قالَ السَّمِينُ: وعَذابٌ ووِثاقٌ في الآيَةِ، واقِعانِ مَوْقِعَ تَعْذِيبٍ وإيثاقٍ، والمَعْنى: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ تَعْذِيبًا مِثْلَ تَعْذِيبِ اللَّهِ هَذا الكافِرَ، ولا يُوثِقُ أحَدٌ إيثاقًا مِثْلَ إيثاقِ اللَّهِ إيّاهُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ؛ فالوِثاقُ في الآيَةِ بِمَعْنى الإيثاقِ، كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. ثُمَّ أشارَ إلى ما يُقالُ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، في مُقابَلَةِ مَن تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الفجر 89:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢١ - ٢٦ ] ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وإنْكارٌ لِفِعْلِهِمْ، وما بَعْدَهُ وعِيدٌ عَلَيْهِ بِالإخْبارِ عَنْ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أيْ: دَكًّا بَعْدَ دَكٍّ حَتّى عادَتْ هَباءً مَنثُورًا. قالَ الشِّهابُ: لَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا، بَلِ التَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، وجاءَ القَوْمُ رَجُلًا رَجُلًا. (والدَّكُّ) قَرِيبٌ مِنَ الدَّقِّ، لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وجاءَ الرَّبُّ، تَبارَكَ وتَعالى، لِفَصْلِ القَضاءِ، كَما يَشاءُ والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا صُفُوفًا.. وسَبَقَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى ذَلِكَ وعَضَّدَهُ بِآثارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ (p-٦١٥٥)والضَّحّاكِ ««في نُزُولِهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ يَوْمَئِذٍ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وإشْراقِ الأرْضِ بِنُورِ رَبِّها»» . ومَذْهَبُ الخَلَفِ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، مَن جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِلتَّهْوِيلِ، أيْ: جاءَ أمْرُهُ وقَضاؤُهُ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ وتَبَيُّنِ آثارِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُثِّلَتْ حالُهُ في ذَلِكَ، بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، ظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها ووُزَرائِهِ وخَواصِّهِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمُ. انْتَهى. وكَأنَّ الخِلافَ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ لَفْظِيٌّ، إذْ مَبْنى مَذْهَبِ الخَلَفِ عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. ويَعْنُونَ بِالظّاهِرِ ما لِلْخَلْقِ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلى الخالِقِ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ. وأمّا السَّلَفُ فَيُنْكِرُونَ أنَّ مَعْنى الظّاهِرِ مِنها ما لِلْخَلْقِ، بَلْ هو ما يَتَبادَرُ إلى فَهْمِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ ذاتَهُ تَعالى، كَما أنَّها لا تُشْبِهُ الذَّواتِ، فَكَذَلِكَ صِفاتٌ لا تُشْبِهُ الصِّفاتِ؛ لِأنَّها لا تُكَيَّفُ ولا تُعْلَمُ بِوَجْهٍ ما، فَهي حَقِيقَةُ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، كالعِلْمِ والقُدْرَةِ، لا تَمْثِيلَ ولا تَعْطِيلَ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَن يَقُولُ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إقْرارُها عَلى ما جاءَتْ بِهِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّ (ظاهِرَها غَيْرُ مُرادٍ). وهَذا لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ ظاهِرُها غَيْرُ مُرادٍ، يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِالظّاهِرِ نُعُوتَ المَخْلُوقِينَ وصِفاتِ المُحْدَثِينَ، مِثْلَ أنْ يُرادَ بِكَوْنِ اللَّهِ قِبَلَ وجْهِ المُصَلِّي، أنَّهُ مُسْتَقِرٌّ في الحائِطِ الَّذِي يُصَلِّي إلَيْهِ، و: (إنَّ اللَّهَ مَعَنا)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إلى جانِبِنا، ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، ومَن قالَ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، فَقَدْ أصابَ في المَعْنى، لَكِنْ أخْطَأ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ هَذا ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ؛ فَإنَّ هَذا المَجالَ لَيْسَ هو الظّاهِرَ عَلى ما قَدْ بَيَّنّاهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى المُمْتَنِعُ صارَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النّاسِ فَيَكُونُ القائِلُ لِذَلِكَ مُصِيبًا بِهَذا الِاعْتِبارِ، مَعْذُورًا في هَذا الإطْلاقِ، فَإنَّ الظُّهُورَ والبُطُونَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، وهو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. انْتَهى. (p-٦١٥٦)وقَدْ بَسَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (الرِّسالَةِ المَدَنِيَّةِ) وأوْضَحَ أنَّ الكَلامَ في الصِّفاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلامِ في الذّاتِ، يَحْتَذِي حَذْوَهُ ويَتْبَعُ فِيهِ مِثالَهُ. فَإذا كانَ إثْباتُ الذّاتِ إثْباتَ وُجُودٍ لا إثْباتَ كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ إثْباتُ الصِّفاتِ إثْباتُ وُجُودٍ لا إثْباتُ كَيْفِيَّةٍ. وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: نَحْنُ نَقُولُ بِالمَجازِ الَّذِي قامَ دَلِيلُهُ، وبِالتَّأْوِيلِ الجارِي عَلى نَهْجِ السَّبِيلِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كَلامِنا وكَلامِ أحَدٍ مِنّا، أنّا لا نَقُولُ بِالمَجازِ والتَّأْوِيلِ، واللَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ولَكِنْ نُنْكِرُ مِن ذَلِكَ ما خالَفَ الحَقَّ والصَّوابَ، وما فَتَحَ بِهِ البابَ، إلى هَدْمِ السُّنَّةِ والكِتابِ واللَّحاقِ بِمُحَرِّفَةِ أهْلِ الكِتابِ، والمَنصُوصُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى المَجازِ. ولَمْ يُعْرَفْ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ نَصٌّ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وقَدْ ذَهَبَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِن أصْحابِهِ وغَيْرِهِمْ، كَأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي داوُدَ، وأبِي الحَسَنِ الخَرْزِيِّ، وأبِي الفَضْلِ التَّمِيمِيِّ، وابْنِ حامِدٍ، فِيما أظُنُّ، وغَيْرِهِمْ، إلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ مَجازٌ؛ وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ ما رَأوْهُ مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ لِلْقُرْآنِ بِدَعْوى المَجازِ؛ فَقابَلُوا الضَّلالَ والفَسادَ، بِحَسْمِ المَوادِّ. وخِيارُ الأُمُورِ التَّوَسُّطُ والِاقْتِصادُ. انْتَهى. ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: أُظْهِرَتْ حَتّى رَآها الخَلْقُ وعَلِمَ الكافِرُ أنَّ مَصِيرَهُ إلَيْها. فَمَجِيئُها مُتَجَوِّزٌ بِهِ عَنْ إظْهارِها، كَما صَرَّحَ بِهِ آيَةُ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ [الفجر: ٢٣] تَفْرِيطَهُ في الدُّنْيا في طاعَةِ اللَّهِ وفِيما يُقَرِّبُ إلَيْهِ مِن صالِحِ الأعْمالِ، ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: مَنفَعَتُها، فالمُرادُ بِتَذَكُّرِهِ نَدامَتُهُ عَلى تَفْرِيطِهِ في الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُهُ نَعِيمَ الأبَدِ، كَما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أيْ: أسْلَفْتُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِحَياتِي هَذِهِ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ: قَدَّمْتُ وقْتَ حَياتِي، فاللّامُ بِمَعْنى وقْتِ، والحَياةُ هي الَّتِي في الدُّنْيا. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] أيْ: لا يُعَذِّبُ كَعَذابِ اللَّهِ، أحَدٌ في الدُّنْيا. ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] أيْ: لا يُوثَقُ كَوِثاقِهِ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ في الدُّنْيا. وقُرِئَ "يُعَذَّبُ" و"يُوثَقُ" عَلى بِناءِ المَجْهُولِ. (p-٦١٥٧)قالَ السَّمِينُ: وعَذابٌ ووِثاقٌ في الآيَةِ، واقِعانِ مَوْقِعَ تَعْذِيبٍ وإيثاقٍ، والمَعْنى: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ تَعْذِيبًا مِثْلَ تَعْذِيبِ اللَّهِ هَذا الكافِرَ، ولا يُوثِقُ أحَدٌ إيثاقًا مِثْلَ إيثاقِ اللَّهِ إيّاهُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ؛ فالوِثاقُ في الآيَةِ بِمَعْنى الإيثاقِ، كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. ثُمَّ أشارَ إلى ما يُقالُ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، في مُقابَلَةِ مَن تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الفجر 89:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢١ - ٢٦ ] ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وإنْكارٌ لِفِعْلِهِمْ، وما بَعْدَهُ وعِيدٌ عَلَيْهِ بِالإخْبارِ عَنْ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أيْ: دَكًّا بَعْدَ دَكٍّ حَتّى عادَتْ هَباءً مَنثُورًا. قالَ الشِّهابُ: لَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا، بَلِ التَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، وجاءَ القَوْمُ رَجُلًا رَجُلًا. (والدَّكُّ) قَرِيبٌ مِنَ الدَّقِّ، لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وجاءَ الرَّبُّ، تَبارَكَ وتَعالى، لِفَصْلِ القَضاءِ، كَما يَشاءُ والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا صُفُوفًا.. وسَبَقَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى ذَلِكَ وعَضَّدَهُ بِآثارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ (p-٦١٥٥)والضَّحّاكِ ««في نُزُولِهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ يَوْمَئِذٍ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وإشْراقِ الأرْضِ بِنُورِ رَبِّها»» . ومَذْهَبُ الخَلَفِ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، مَن جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِلتَّهْوِيلِ، أيْ: جاءَ أمْرُهُ وقَضاؤُهُ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ وتَبَيُّنِ آثارِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُثِّلَتْ حالُهُ في ذَلِكَ، بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، ظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها ووُزَرائِهِ وخَواصِّهِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمُ. انْتَهى. وكَأنَّ الخِلافَ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ لَفْظِيٌّ، إذْ مَبْنى مَذْهَبِ الخَلَفِ عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. ويَعْنُونَ بِالظّاهِرِ ما لِلْخَلْقِ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلى الخالِقِ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ. وأمّا السَّلَفُ فَيُنْكِرُونَ أنَّ مَعْنى الظّاهِرِ مِنها ما لِلْخَلْقِ، بَلْ هو ما يَتَبادَرُ إلى فَهْمِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ ذاتَهُ تَعالى، كَما أنَّها لا تُشْبِهُ الذَّواتِ، فَكَذَلِكَ صِفاتٌ لا تُشْبِهُ الصِّفاتِ؛ لِأنَّها لا تُكَيَّفُ ولا تُعْلَمُ بِوَجْهٍ ما، فَهي حَقِيقَةُ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، كالعِلْمِ والقُدْرَةِ، لا تَمْثِيلَ ولا تَعْطِيلَ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَن يَقُولُ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إقْرارُها عَلى ما جاءَتْ بِهِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّ (ظاهِرَها غَيْرُ مُرادٍ). وهَذا لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ ظاهِرُها غَيْرُ مُرادٍ، يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِالظّاهِرِ نُعُوتَ المَخْلُوقِينَ وصِفاتِ المُحْدَثِينَ، مِثْلَ أنْ يُرادَ بِكَوْنِ اللَّهِ قِبَلَ وجْهِ المُصَلِّي، أنَّهُ مُسْتَقِرٌّ في الحائِطِ الَّذِي يُصَلِّي إلَيْهِ، و: (إنَّ اللَّهَ مَعَنا)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إلى جانِبِنا، ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، ومَن قالَ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، فَقَدْ أصابَ في المَعْنى، لَكِنْ أخْطَأ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ هَذا ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ؛ فَإنَّ هَذا المَجالَ لَيْسَ هو الظّاهِرَ عَلى ما قَدْ بَيَّنّاهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى المُمْتَنِعُ صارَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النّاسِ فَيَكُونُ القائِلُ لِذَلِكَ مُصِيبًا بِهَذا الِاعْتِبارِ، مَعْذُورًا في هَذا الإطْلاقِ، فَإنَّ الظُّهُورَ والبُطُونَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، وهو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. انْتَهى. (p-٦١٥٦)وقَدْ بَسَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (الرِّسالَةِ المَدَنِيَّةِ) وأوْضَحَ أنَّ الكَلامَ في الصِّفاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلامِ في الذّاتِ، يَحْتَذِي حَذْوَهُ ويَتْبَعُ فِيهِ مِثالَهُ. فَإذا كانَ إثْباتُ الذّاتِ إثْباتَ وُجُودٍ لا إثْباتَ كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ إثْباتُ الصِّفاتِ إثْباتُ وُجُودٍ لا إثْباتُ كَيْفِيَّةٍ. وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: نَحْنُ نَقُولُ بِالمَجازِ الَّذِي قامَ دَلِيلُهُ، وبِالتَّأْوِيلِ الجارِي عَلى نَهْجِ السَّبِيلِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كَلامِنا وكَلامِ أحَدٍ مِنّا، أنّا لا نَقُولُ بِالمَجازِ والتَّأْوِيلِ، واللَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ولَكِنْ نُنْكِرُ مِن ذَلِكَ ما خالَفَ الحَقَّ والصَّوابَ، وما فَتَحَ بِهِ البابَ، إلى هَدْمِ السُّنَّةِ والكِتابِ واللَّحاقِ بِمُحَرِّفَةِ أهْلِ الكِتابِ، والمَنصُوصُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى المَجازِ. ولَمْ يُعْرَفْ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ نَصٌّ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وقَدْ ذَهَبَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِن أصْحابِهِ وغَيْرِهِمْ، كَأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي داوُدَ، وأبِي الحَسَنِ الخَرْزِيِّ، وأبِي الفَضْلِ التَّمِيمِيِّ، وابْنِ حامِدٍ، فِيما أظُنُّ، وغَيْرِهِمْ، إلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ مَجازٌ؛ وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ ما رَأوْهُ مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ لِلْقُرْآنِ بِدَعْوى المَجازِ؛ فَقابَلُوا الضَّلالَ والفَسادَ، بِحَسْمِ المَوادِّ. وخِيارُ الأُمُورِ التَّوَسُّطُ والِاقْتِصادُ. انْتَهى. ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: أُظْهِرَتْ حَتّى رَآها الخَلْقُ وعَلِمَ الكافِرُ أنَّ مَصِيرَهُ إلَيْها. فَمَجِيئُها مُتَجَوِّزٌ بِهِ عَنْ إظْهارِها، كَما صَرَّحَ بِهِ آيَةُ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ [الفجر: ٢٣] تَفْرِيطَهُ في الدُّنْيا في طاعَةِ اللَّهِ وفِيما يُقَرِّبُ إلَيْهِ مِن صالِحِ الأعْمالِ، ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: مَنفَعَتُها، فالمُرادُ بِتَذَكُّرِهِ نَدامَتُهُ عَلى تَفْرِيطِهِ في الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُهُ نَعِيمَ الأبَدِ، كَما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أيْ: أسْلَفْتُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِحَياتِي هَذِهِ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ: قَدَّمْتُ وقْتَ حَياتِي، فاللّامُ بِمَعْنى وقْتِ، والحَياةُ هي الَّتِي في الدُّنْيا. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] أيْ: لا يُعَذِّبُ كَعَذابِ اللَّهِ، أحَدٌ في الدُّنْيا. ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] أيْ: لا يُوثَقُ كَوِثاقِهِ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ في الدُّنْيا. وقُرِئَ "يُعَذَّبُ" و"يُوثَقُ" عَلى بِناءِ المَجْهُولِ. (p-٦١٥٧)قالَ السَّمِينُ: وعَذابٌ ووِثاقٌ في الآيَةِ، واقِعانِ مَوْقِعَ تَعْذِيبٍ وإيثاقٍ، والمَعْنى: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ تَعْذِيبًا مِثْلَ تَعْذِيبِ اللَّهِ هَذا الكافِرَ، ولا يُوثِقُ أحَدٌ إيثاقًا مِثْلَ إيثاقِ اللَّهِ إيّاهُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ؛ فالوِثاقُ في الآيَةِ بِمَعْنى الإيثاقِ، كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. ثُمَّ أشارَ إلى ما يُقالُ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، في مُقابَلَةِ مَن تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الفجر 89:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢١ - ٢٦ ] ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وإنْكارٌ لِفِعْلِهِمْ، وما بَعْدَهُ وعِيدٌ عَلَيْهِ بِالإخْبارِ عَنْ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أيْ: دَكًّا بَعْدَ دَكٍّ حَتّى عادَتْ هَباءً مَنثُورًا. قالَ الشِّهابُ: لَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا، بَلِ التَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، وجاءَ القَوْمُ رَجُلًا رَجُلًا. (والدَّكُّ) قَرِيبٌ مِنَ الدَّقِّ، لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وجاءَ الرَّبُّ، تَبارَكَ وتَعالى، لِفَصْلِ القَضاءِ، كَما يَشاءُ والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا صُفُوفًا.. وسَبَقَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى ذَلِكَ وعَضَّدَهُ بِآثارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ (p-٦١٥٥)والضَّحّاكِ ««في نُزُولِهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ يَوْمَئِذٍ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وإشْراقِ الأرْضِ بِنُورِ رَبِّها»» . ومَذْهَبُ الخَلَفِ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، مَن جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِلتَّهْوِيلِ، أيْ: جاءَ أمْرُهُ وقَضاؤُهُ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ وتَبَيُّنِ آثارِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُثِّلَتْ حالُهُ في ذَلِكَ، بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، ظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها ووُزَرائِهِ وخَواصِّهِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمُ. انْتَهى. وكَأنَّ الخِلافَ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ لَفْظِيٌّ، إذْ مَبْنى مَذْهَبِ الخَلَفِ عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. ويَعْنُونَ بِالظّاهِرِ ما لِلْخَلْقِ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلى الخالِقِ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ. وأمّا السَّلَفُ فَيُنْكِرُونَ أنَّ مَعْنى الظّاهِرِ مِنها ما لِلْخَلْقِ، بَلْ هو ما يَتَبادَرُ إلى فَهْمِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ ذاتَهُ تَعالى، كَما أنَّها لا تُشْبِهُ الذَّواتِ، فَكَذَلِكَ صِفاتٌ لا تُشْبِهُ الصِّفاتِ؛ لِأنَّها لا تُكَيَّفُ ولا تُعْلَمُ بِوَجْهٍ ما، فَهي حَقِيقَةُ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، كالعِلْمِ والقُدْرَةِ، لا تَمْثِيلَ ولا تَعْطِيلَ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَن يَقُولُ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إقْرارُها عَلى ما جاءَتْ بِهِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّ (ظاهِرَها غَيْرُ مُرادٍ). وهَذا لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ ظاهِرُها غَيْرُ مُرادٍ، يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِالظّاهِرِ نُعُوتَ المَخْلُوقِينَ وصِفاتِ المُحْدَثِينَ، مِثْلَ أنْ يُرادَ بِكَوْنِ اللَّهِ قِبَلَ وجْهِ المُصَلِّي، أنَّهُ مُسْتَقِرٌّ في الحائِطِ الَّذِي يُصَلِّي إلَيْهِ، و: (إنَّ اللَّهَ مَعَنا)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إلى جانِبِنا، ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، ومَن قالَ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، فَقَدْ أصابَ في المَعْنى، لَكِنْ أخْطَأ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ هَذا ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ؛ فَإنَّ هَذا المَجالَ لَيْسَ هو الظّاهِرَ عَلى ما قَدْ بَيَّنّاهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى المُمْتَنِعُ صارَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النّاسِ فَيَكُونُ القائِلُ لِذَلِكَ مُصِيبًا بِهَذا الِاعْتِبارِ، مَعْذُورًا في هَذا الإطْلاقِ، فَإنَّ الظُّهُورَ والبُطُونَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، وهو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. انْتَهى. (p-٦١٥٦)وقَدْ بَسَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (الرِّسالَةِ المَدَنِيَّةِ) وأوْضَحَ أنَّ الكَلامَ في الصِّفاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلامِ في الذّاتِ، يَحْتَذِي حَذْوَهُ ويَتْبَعُ فِيهِ مِثالَهُ. فَإذا كانَ إثْباتُ الذّاتِ إثْباتَ وُجُودٍ لا إثْباتَ كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ إثْباتُ الصِّفاتِ إثْباتُ وُجُودٍ لا إثْباتُ كَيْفِيَّةٍ. وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: نَحْنُ نَقُولُ بِالمَجازِ الَّذِي قامَ دَلِيلُهُ، وبِالتَّأْوِيلِ الجارِي عَلى نَهْجِ السَّبِيلِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كَلامِنا وكَلامِ أحَدٍ مِنّا، أنّا لا نَقُولُ بِالمَجازِ والتَّأْوِيلِ، واللَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ولَكِنْ نُنْكِرُ مِن ذَلِكَ ما خالَفَ الحَقَّ والصَّوابَ، وما فَتَحَ بِهِ البابَ، إلى هَدْمِ السُّنَّةِ والكِتابِ واللَّحاقِ بِمُحَرِّفَةِ أهْلِ الكِتابِ، والمَنصُوصُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى المَجازِ. ولَمْ يُعْرَفْ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ نَصٌّ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وقَدْ ذَهَبَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِن أصْحابِهِ وغَيْرِهِمْ، كَأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي داوُدَ، وأبِي الحَسَنِ الخَرْزِيِّ، وأبِي الفَضْلِ التَّمِيمِيِّ، وابْنِ حامِدٍ، فِيما أظُنُّ، وغَيْرِهِمْ، إلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ مَجازٌ؛ وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ ما رَأوْهُ مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ لِلْقُرْآنِ بِدَعْوى المَجازِ؛ فَقابَلُوا الضَّلالَ والفَسادَ، بِحَسْمِ المَوادِّ. وخِيارُ الأُمُورِ التَّوَسُّطُ والِاقْتِصادُ. انْتَهى. ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: أُظْهِرَتْ حَتّى رَآها الخَلْقُ وعَلِمَ الكافِرُ أنَّ مَصِيرَهُ إلَيْها. فَمَجِيئُها مُتَجَوِّزٌ بِهِ عَنْ إظْهارِها، كَما صَرَّحَ بِهِ آيَةُ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ [الفجر: ٢٣] تَفْرِيطَهُ في الدُّنْيا في طاعَةِ اللَّهِ وفِيما يُقَرِّبُ إلَيْهِ مِن صالِحِ الأعْمالِ، ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: مَنفَعَتُها، فالمُرادُ بِتَذَكُّرِهِ نَدامَتُهُ عَلى تَفْرِيطِهِ في الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُهُ نَعِيمَ الأبَدِ، كَما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أيْ: أسْلَفْتُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِحَياتِي هَذِهِ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ: قَدَّمْتُ وقْتَ حَياتِي، فاللّامُ بِمَعْنى وقْتِ، والحَياةُ هي الَّتِي في الدُّنْيا. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] أيْ: لا يُعَذِّبُ كَعَذابِ اللَّهِ، أحَدٌ في الدُّنْيا. ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] أيْ: لا يُوثَقُ كَوِثاقِهِ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ في الدُّنْيا. وقُرِئَ "يُعَذَّبُ" و"يُوثَقُ" عَلى بِناءِ المَجْهُولِ. (p-٦١٥٧)قالَ السَّمِينُ: وعَذابٌ ووِثاقٌ في الآيَةِ، واقِعانِ مَوْقِعَ تَعْذِيبٍ وإيثاقٍ، والمَعْنى: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ تَعْذِيبًا مِثْلَ تَعْذِيبِ اللَّهِ هَذا الكافِرَ، ولا يُوثِقُ أحَدٌ إيثاقًا مِثْلَ إيثاقِ اللَّهِ إيّاهُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ؛ فالوِثاقُ في الآيَةِ بِمَعْنى الإيثاقِ، كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. ثُمَّ أشارَ إلى ما يُقالُ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، في مُقابَلَةِ مَن تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الفجر 89:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢١ - ٢٦ ] ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وإنْكارٌ لِفِعْلِهِمْ، وما بَعْدَهُ وعِيدٌ عَلَيْهِ بِالإخْبارِ عَنْ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أيْ: دَكًّا بَعْدَ دَكٍّ حَتّى عادَتْ هَباءً مَنثُورًا. قالَ الشِّهابُ: لَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا، بَلِ التَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، وجاءَ القَوْمُ رَجُلًا رَجُلًا. (والدَّكُّ) قَرِيبٌ مِنَ الدَّقِّ، لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وجاءَ الرَّبُّ، تَبارَكَ وتَعالى، لِفَصْلِ القَضاءِ، كَما يَشاءُ والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا صُفُوفًا.. وسَبَقَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى ذَلِكَ وعَضَّدَهُ بِآثارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ (p-٦١٥٥)والضَّحّاكِ ««في نُزُولِهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ يَوْمَئِذٍ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وإشْراقِ الأرْضِ بِنُورِ رَبِّها»» . ومَذْهَبُ الخَلَفِ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، مَن جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِلتَّهْوِيلِ، أيْ: جاءَ أمْرُهُ وقَضاؤُهُ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ وتَبَيُّنِ آثارِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُثِّلَتْ حالُهُ في ذَلِكَ، بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، ظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها ووُزَرائِهِ وخَواصِّهِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمُ. انْتَهى. وكَأنَّ الخِلافَ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ لَفْظِيٌّ، إذْ مَبْنى مَذْهَبِ الخَلَفِ عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. ويَعْنُونَ بِالظّاهِرِ ما لِلْخَلْقِ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلى الخالِقِ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ. وأمّا السَّلَفُ فَيُنْكِرُونَ أنَّ مَعْنى الظّاهِرِ مِنها ما لِلْخَلْقِ، بَلْ هو ما يَتَبادَرُ إلى فَهْمِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ ذاتَهُ تَعالى، كَما أنَّها لا تُشْبِهُ الذَّواتِ، فَكَذَلِكَ صِفاتٌ لا تُشْبِهُ الصِّفاتِ؛ لِأنَّها لا تُكَيَّفُ ولا تُعْلَمُ بِوَجْهٍ ما، فَهي حَقِيقَةُ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، كالعِلْمِ والقُدْرَةِ، لا تَمْثِيلَ ولا تَعْطِيلَ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَن يَقُولُ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إقْرارُها عَلى ما جاءَتْ بِهِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّ (ظاهِرَها غَيْرُ مُرادٍ). وهَذا لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ ظاهِرُها غَيْرُ مُرادٍ، يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِالظّاهِرِ نُعُوتَ المَخْلُوقِينَ وصِفاتِ المُحْدَثِينَ، مِثْلَ أنْ يُرادَ بِكَوْنِ اللَّهِ قِبَلَ وجْهِ المُصَلِّي، أنَّهُ مُسْتَقِرٌّ في الحائِطِ الَّذِي يُصَلِّي إلَيْهِ، و: (إنَّ اللَّهَ مَعَنا)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إلى جانِبِنا، ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، ومَن قالَ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، فَقَدْ أصابَ في المَعْنى، لَكِنْ أخْطَأ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ هَذا ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ؛ فَإنَّ هَذا المَجالَ لَيْسَ هو الظّاهِرَ عَلى ما قَدْ بَيَّنّاهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى المُمْتَنِعُ صارَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النّاسِ فَيَكُونُ القائِلُ لِذَلِكَ مُصِيبًا بِهَذا الِاعْتِبارِ، مَعْذُورًا في هَذا الإطْلاقِ، فَإنَّ الظُّهُورَ والبُطُونَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، وهو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. انْتَهى. (p-٦١٥٦)وقَدْ بَسَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (الرِّسالَةِ المَدَنِيَّةِ) وأوْضَحَ أنَّ الكَلامَ في الصِّفاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلامِ في الذّاتِ، يَحْتَذِي حَذْوَهُ ويَتْبَعُ فِيهِ مِثالَهُ. فَإذا كانَ إثْباتُ الذّاتِ إثْباتَ وُجُودٍ لا إثْباتَ كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ إثْباتُ الصِّفاتِ إثْباتُ وُجُودٍ لا إثْباتُ كَيْفِيَّةٍ. وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: نَحْنُ نَقُولُ بِالمَجازِ الَّذِي قامَ دَلِيلُهُ، وبِالتَّأْوِيلِ الجارِي عَلى نَهْجِ السَّبِيلِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كَلامِنا وكَلامِ أحَدٍ مِنّا، أنّا لا نَقُولُ بِالمَجازِ والتَّأْوِيلِ، واللَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ولَكِنْ نُنْكِرُ مِن ذَلِكَ ما خالَفَ الحَقَّ والصَّوابَ، وما فَتَحَ بِهِ البابَ، إلى هَدْمِ السُّنَّةِ والكِتابِ واللَّحاقِ بِمُحَرِّفَةِ أهْلِ الكِتابِ، والمَنصُوصُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى المَجازِ. ولَمْ يُعْرَفْ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ نَصٌّ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وقَدْ ذَهَبَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِن أصْحابِهِ وغَيْرِهِمْ، كَأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي داوُدَ، وأبِي الحَسَنِ الخَرْزِيِّ، وأبِي الفَضْلِ التَّمِيمِيِّ، وابْنِ حامِدٍ، فِيما أظُنُّ، وغَيْرِهِمْ، إلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ مَجازٌ؛ وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ ما رَأوْهُ مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ لِلْقُرْآنِ بِدَعْوى المَجازِ؛ فَقابَلُوا الضَّلالَ والفَسادَ، بِحَسْمِ المَوادِّ. وخِيارُ الأُمُورِ التَّوَسُّطُ والِاقْتِصادُ. انْتَهى. ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: أُظْهِرَتْ حَتّى رَآها الخَلْقُ وعَلِمَ الكافِرُ أنَّ مَصِيرَهُ إلَيْها. فَمَجِيئُها مُتَجَوِّزٌ بِهِ عَنْ إظْهارِها، كَما صَرَّحَ بِهِ آيَةُ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ [الفجر: ٢٣] تَفْرِيطَهُ في الدُّنْيا في طاعَةِ اللَّهِ وفِيما يُقَرِّبُ إلَيْهِ مِن صالِحِ الأعْمالِ، ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: مَنفَعَتُها، فالمُرادُ بِتَذَكُّرِهِ نَدامَتُهُ عَلى تَفْرِيطِهِ في الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُهُ نَعِيمَ الأبَدِ، كَما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أيْ: أسْلَفْتُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِحَياتِي هَذِهِ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ: قَدَّمْتُ وقْتَ حَياتِي، فاللّامُ بِمَعْنى وقْتِ، والحَياةُ هي الَّتِي في الدُّنْيا. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] أيْ: لا يُعَذِّبُ كَعَذابِ اللَّهِ، أحَدٌ في الدُّنْيا. ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] أيْ: لا يُوثَقُ كَوِثاقِهِ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ في الدُّنْيا. وقُرِئَ "يُعَذَّبُ" و"يُوثَقُ" عَلى بِناءِ المَجْهُولِ. (p-٦١٥٧)قالَ السَّمِينُ: وعَذابٌ ووِثاقٌ في الآيَةِ، واقِعانِ مَوْقِعَ تَعْذِيبٍ وإيثاقٍ، والمَعْنى: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ تَعْذِيبًا مِثْلَ تَعْذِيبِ اللَّهِ هَذا الكافِرَ، ولا يُوثِقُ أحَدٌ إيثاقًا مِثْلَ إيثاقِ اللَّهِ إيّاهُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ؛ فالوِثاقُ في الآيَةِ بِمَعْنى الإيثاقِ، كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. ثُمَّ أشارَ إلى ما يُقالُ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، في مُقابَلَةِ مَن تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الفجر 89:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢١ - ٢٦ ] ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وإنْكارٌ لِفِعْلِهِمْ، وما بَعْدَهُ وعِيدٌ عَلَيْهِ بِالإخْبارِ عَنْ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أيْ: دَكًّا بَعْدَ دَكٍّ حَتّى عادَتْ هَباءً مَنثُورًا. قالَ الشِّهابُ: لَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا، بَلِ التَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ، كَقَرَأْتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، وجاءَ القَوْمُ رَجُلًا رَجُلًا. (والدَّكُّ) قَرِيبٌ مِنَ الدَّقِّ، لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وجاءَ الرَّبُّ، تَبارَكَ وتَعالى، لِفَصْلِ القَضاءِ، كَما يَشاءُ والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا صُفُوفًا.. وسَبَقَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى ذَلِكَ وعَضَّدَهُ بِآثارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ (p-٦١٥٥)والضَّحّاكِ ««في نُزُولِهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ يَوْمَئِذٍ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، والمَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وإشْراقِ الأرْضِ بِنُورِ رَبِّها»» . ومَذْهَبُ الخَلَفِ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، مَن جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِلتَّهْوِيلِ، أيْ: جاءَ أمْرُهُ وقَضاؤُهُ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ وتَبَيُّنِ آثارِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُثِّلَتْ حالُهُ في ذَلِكَ، بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، ظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها ووُزَرائِهِ وخَواصِّهِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمُ. انْتَهى. وكَأنَّ الخِلافَ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ لَفْظِيٌّ، إذْ مَبْنى مَذْهَبِ الخَلَفِ عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. ويَعْنُونَ بِالظّاهِرِ ما لِلْخَلْقِ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلى الخالِقِ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ. وأمّا السَّلَفُ فَيُنْكِرُونَ أنَّ مَعْنى الظّاهِرِ مِنها ما لِلْخَلْقِ، بَلْ هو ما يَتَبادَرُ إلى فَهْمِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ ذاتَهُ تَعالى، كَما أنَّها لا تُشْبِهُ الذَّواتِ، فَكَذَلِكَ صِفاتٌ لا تُشْبِهُ الصِّفاتِ؛ لِأنَّها لا تُكَيَّفُ ولا تُعْلَمُ بِوَجْهٍ ما، فَهي حَقِيقَةُ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، كالعِلْمِ والقُدْرَةِ، لا تَمْثِيلَ ولا تَعْطِيلَ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَن يَقُولُ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إقْرارُها عَلى ما جاءَتْ بِهِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّ (ظاهِرَها غَيْرُ مُرادٍ). وهَذا لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ ظاهِرُها غَيْرُ مُرادٍ، يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِالظّاهِرِ نُعُوتَ المَخْلُوقِينَ وصِفاتِ المُحْدَثِينَ، مِثْلَ أنْ يُرادَ بِكَوْنِ اللَّهِ قِبَلَ وجْهِ المُصَلِّي، أنَّهُ مُسْتَقِرٌّ في الحائِطِ الَّذِي يُصَلِّي إلَيْهِ، و: (إنَّ اللَّهَ مَعَنا)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إلى جانِبِنا، ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، ومَن قالَ: إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ، فَقَدْ أصابَ في المَعْنى، لَكِنْ أخْطَأ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ هَذا ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ؛ فَإنَّ هَذا المَجالَ لَيْسَ هو الظّاهِرَ عَلى ما قَدْ بَيَّنّاهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى المُمْتَنِعُ صارَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النّاسِ فَيَكُونُ القائِلُ لِذَلِكَ مُصِيبًا بِهَذا الِاعْتِبارِ، مَعْذُورًا في هَذا الإطْلاقِ، فَإنَّ الظُّهُورَ والبُطُونَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، وهو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. انْتَهى. (p-٦١٥٦)وقَدْ بَسَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (الرِّسالَةِ المَدَنِيَّةِ) وأوْضَحَ أنَّ الكَلامَ في الصِّفاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلامِ في الذّاتِ، يَحْتَذِي حَذْوَهُ ويَتْبَعُ فِيهِ مِثالَهُ. فَإذا كانَ إثْباتُ الذّاتِ إثْباتَ وُجُودٍ لا إثْباتَ كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ إثْباتُ الصِّفاتِ إثْباتُ وُجُودٍ لا إثْباتُ كَيْفِيَّةٍ. وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: نَحْنُ نَقُولُ بِالمَجازِ الَّذِي قامَ دَلِيلُهُ، وبِالتَّأْوِيلِ الجارِي عَلى نَهْجِ السَّبِيلِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كَلامِنا وكَلامِ أحَدٍ مِنّا، أنّا لا نَقُولُ بِالمَجازِ والتَّأْوِيلِ، واللَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ولَكِنْ نُنْكِرُ مِن ذَلِكَ ما خالَفَ الحَقَّ والصَّوابَ، وما فَتَحَ بِهِ البابَ، إلى هَدْمِ السُّنَّةِ والكِتابِ واللَّحاقِ بِمُحَرِّفَةِ أهْلِ الكِتابِ، والمَنصُوصُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى المَجازِ. ولَمْ يُعْرَفْ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ نَصٌّ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وقَدْ ذَهَبَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِن أصْحابِهِ وغَيْرِهِمْ، كَأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي داوُدَ، وأبِي الحَسَنِ الخَرْزِيِّ، وأبِي الفَضْلِ التَّمِيمِيِّ، وابْنِ حامِدٍ، فِيما أظُنُّ، وغَيْرِهِمْ، إلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ مَجازٌ؛ وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ ما رَأوْهُ مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ لِلْقُرْآنِ بِدَعْوى المَجازِ؛ فَقابَلُوا الضَّلالَ والفَسادَ، بِحَسْمِ المَوادِّ. وخِيارُ الأُمُورِ التَّوَسُّطُ والِاقْتِصادُ. انْتَهى. ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: أُظْهِرَتْ حَتّى رَآها الخَلْقُ وعَلِمَ الكافِرُ أنَّ مَصِيرَهُ إلَيْها. فَمَجِيئُها مُتَجَوِّزٌ بِهِ عَنْ إظْهارِها، كَما صَرَّحَ بِهِ آيَةُ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ [الفجر: ٢٣] تَفْرِيطَهُ في الدُّنْيا في طاعَةِ اللَّهِ وفِيما يُقَرِّبُ إلَيْهِ مِن صالِحِ الأعْمالِ، ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] أيْ: مَنفَعَتُها، فالمُرادُ بِتَذَكُّرِهِ نَدامَتُهُ عَلى تَفْرِيطِهِ في الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُهُ نَعِيمَ الأبَدِ، كَما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أيْ: أسْلَفْتُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِحَياتِي هَذِهِ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ: قَدَّمْتُ وقْتَ حَياتِي، فاللّامُ بِمَعْنى وقْتِ، والحَياةُ هي الَّتِي في الدُّنْيا. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] أيْ: لا يُعَذِّبُ كَعَذابِ اللَّهِ، أحَدٌ في الدُّنْيا. ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] أيْ: لا يُوثَقُ كَوِثاقِهِ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ في الدُّنْيا. وقُرِئَ "يُعَذَّبُ" و"يُوثَقُ" عَلى بِناءِ المَجْهُولِ. (p-٦١٥٧)قالَ السَّمِينُ: وعَذابٌ ووِثاقٌ في الآيَةِ، واقِعانِ مَوْقِعَ تَعْذِيبٍ وإيثاقٍ، والمَعْنى: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ تَعْذِيبًا مِثْلَ تَعْذِيبِ اللَّهِ هَذا الكافِرَ، ولا يُوثِقُ أحَدٌ إيثاقًا مِثْلَ إيثاقِ اللَّهِ إيّاهُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ؛ فالوِثاقُ في الآيَةِ بِمَعْنى الإيثاقِ، كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. ثُمَّ أشارَ إلى ما يُقالُ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، في مُقابَلَةِ مَن تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الفجر 89:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٧ - ٣٠ ] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ أيِ: الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، وهي الَّتِي كانَ قَلْبُها اطْمَأنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وخَشْيَةٍ مِن الِاضْطِرابِ. ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] أيْ: وعْدَهُ وثَوابَهُ. ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] أيْ: راضِيَةً بِما أُوتِيَتْ، مَرْضِيَّةً عِنْدَ رَبِّها. ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أيْ: في زُمْرَتِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] أيْ: مَعَهم. وهَذا القَوْلُ إمّا عِنْدَ المَوْتِ أوِ البَعْثِ أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ. ومِن غَرائِبِ المَأْثُورِ هُنا تَأْوِيلُ النَّفْسِ بِالرُّوحِ، والرَّبِّ بِصاحِبِها، أيِ: ارْجِعِي إلى جَسَدِ صاحِبِكِ إيذانًا بِأنَّ الأرْواحَ المُطْمَئِنَّةَ تَرُدُّ يَوْمَ القِيامَةِ في الأجْسادِ، وأنَّ لَها مَقَرًّا قَبْلَ تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ في عالَمِ المَلَكُوتِ. والمَسْألَةُ مِنَ الغَوامِضِ بَلْ مِنَ الغُيُوبِ. وبِمَعْرِفَةِ نَظائِرِ التَّنْزِيلِ، يَظْهَرُ بَعْدَ هَذا التَّأْوِيلِ.

الفجر 89:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٧ - ٣٠ ] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ أيِ: الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، وهي الَّتِي كانَ قَلْبُها اطْمَأنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وخَشْيَةٍ مِن الِاضْطِرابِ. ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] أيْ: وعْدَهُ وثَوابَهُ. ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] أيْ: راضِيَةً بِما أُوتِيَتْ، مَرْضِيَّةً عِنْدَ رَبِّها. ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أيْ: في زُمْرَتِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] أيْ: مَعَهم. وهَذا القَوْلُ إمّا عِنْدَ المَوْتِ أوِ البَعْثِ أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ. ومِن غَرائِبِ المَأْثُورِ هُنا تَأْوِيلُ النَّفْسِ بِالرُّوحِ، والرَّبِّ بِصاحِبِها، أيِ: ارْجِعِي إلى جَسَدِ صاحِبِكِ إيذانًا بِأنَّ الأرْواحَ المُطْمَئِنَّةَ تَرُدُّ يَوْمَ القِيامَةِ في الأجْسادِ، وأنَّ لَها مَقَرًّا قَبْلَ تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ في عالَمِ المَلَكُوتِ. والمَسْألَةُ مِنَ الغَوامِضِ بَلْ مِنَ الغُيُوبِ. وبِمَعْرِفَةِ نَظائِرِ التَّنْزِيلِ، يَظْهَرُ بَعْدَ هَذا التَّأْوِيلِ.

الفجر 89:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٧ - ٣٠ ] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ أيِ: الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، وهي الَّتِي كانَ قَلْبُها اطْمَأنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وخَشْيَةٍ مِن الِاضْطِرابِ. ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] أيْ: وعْدَهُ وثَوابَهُ. ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] أيْ: راضِيَةً بِما أُوتِيَتْ، مَرْضِيَّةً عِنْدَ رَبِّها. ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أيْ: في زُمْرَتِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] أيْ: مَعَهم. وهَذا القَوْلُ إمّا عِنْدَ المَوْتِ أوِ البَعْثِ أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ. ومِن غَرائِبِ المَأْثُورِ هُنا تَأْوِيلُ النَّفْسِ بِالرُّوحِ، والرَّبِّ بِصاحِبِها، أيِ: ارْجِعِي إلى جَسَدِ صاحِبِكِ إيذانًا بِأنَّ الأرْواحَ المُطْمَئِنَّةَ تَرُدُّ يَوْمَ القِيامَةِ في الأجْسادِ، وأنَّ لَها مَقَرًّا قَبْلَ تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ في عالَمِ المَلَكُوتِ. والمَسْألَةُ مِنَ الغَوامِضِ بَلْ مِنَ الغُيُوبِ. وبِمَعْرِفَةِ نَظائِرِ التَّنْزِيلِ، يَظْهَرُ بَعْدَ هَذا التَّأْوِيلِ.

الفجر 89:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٧ - ٣٠ ] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ أيِ: الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، وهي الَّتِي كانَ قَلْبُها اطْمَأنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وخَشْيَةٍ مِن الِاضْطِرابِ. ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] أيْ: وعْدَهُ وثَوابَهُ. ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] أيْ: راضِيَةً بِما أُوتِيَتْ، مَرْضِيَّةً عِنْدَ رَبِّها. ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أيْ: في زُمْرَتِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] أيْ: مَعَهم. وهَذا القَوْلُ إمّا عِنْدَ المَوْتِ أوِ البَعْثِ أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ. ومِن غَرائِبِ المَأْثُورِ هُنا تَأْوِيلُ النَّفْسِ بِالرُّوحِ، والرَّبِّ بِصاحِبِها، أيِ: ارْجِعِي إلى جَسَدِ صاحِبِكِ إيذانًا بِأنَّ الأرْواحَ المُطْمَئِنَّةَ تَرُدُّ يَوْمَ القِيامَةِ في الأجْسادِ، وأنَّ لَها مَقَرًّا قَبْلَ تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ في عالَمِ المَلَكُوتِ. والمَسْألَةُ مِنَ الغَوامِضِ بَلْ مِنَ الغُيُوبِ. وبِمَعْرِفَةِ نَظائِرِ التَّنْزِيلِ، يَظْهَرُ بَعْدَ هَذا التَّأْوِيلِ.

البلد 90:1

(p-٦١٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البَلَدِ مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً. (p-٦١٥٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ [البلد: ٣] ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَفْسِيرُ "لا أُقْسِمُ" و"البَلَدِ" هو مَكَّةُ. وقَيَّدَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] عِنايَةً بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ إقْسامٌ بِهِ لِأجْلِهِ، مَعَ تَعْرِيضٍ بِعَدَمِ شَرَفِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنَّهم جَهِلُوا جَهْلًا عَظِيمًا، لِهَمِّهِمْ بِإخْراجِ مَن هو حَقِيقٌ بِهِ، وبِهِ يُتِمُّ شَرَفَهُ. قالَ الشِّهابُ: و(الحِلُّ) صِفَةُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الحالِّ عَلى هَذا الوَجْهِ. ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْتَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ حُرْمَتَكَ، ويَتَعَرَّضُ لِأذِيَّتِكَ. فَفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ في عَداوَتِهِ، وتَعْرِيضٌ بِتَجْمِيعِهِمْ وتَفْرِيقِهِمْ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِلُّ فِيهِ الحَمامُ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ دَمُ مُرْشِدِ الأنامِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، تَصْنَعُ فِيهِ ما تُرِيدُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، إشارَةٌ إلى ما سَيَقَعُ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وإحْلالِها لَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ، يَقْتُلُ ويَأْسِرُ، مَعَ أنَّها ما فُتِحَتْ عَلى أحَدٍ قَبْلَهُ، ولا أُحِلَّتْ لَهُ؛ فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ، ووَعْدٌ بِنَصْرِهِ، وإهْلاكُ عَدُوِّهِ. و(الحِلُّ) عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ضِدُّ (الحُرْمَةِ)، وفِيهِما -كَما قالُوا- بُعْدٌ، لا سِيَّما إرادَةُ الِاسْتِقْبالِ في الوَجْهِ الأخِيرِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَبادَرٍ مِنهُ. وإنَّما كانَ الأوَّلُ أوْلى لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِجَعْلِ حُلُولِهِ بِهِ مَناطًا لِإعْظامِهِ، مَعَ التَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجَوابِ، بِذِكْرِ بَعْضِ مَوادِّ المُكايَدَةِ، عَلى نَهْجِ (p-٦١٦٠)بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، وإنَّهُ كابَدَ المَشاقَّ، ولاقى مِنَ الشَّدائِدِ، في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، ما لَمْ يُكابِدْهُ داعٍ قَبْلَهُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ. ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ [البلد: ٣] عَطْفٌ عَلى هَذا البَلَدِ، داخِلٌ في المُقْسَمِ بِهِ. قِيلَ: عُنِيَ بِذَلِكَ آدَمُ ووَلَدُهُ، وقِيلَ: إبْراهِيمُ ووَلَدُهُ. والصَّوابُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ - أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ كُلُّ والِدٍ وما ولَدَ. قالَ: وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ إلّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَها مِن خَبَرٍ أوْ عَقْلٍ، ولا خَبَرَ بِخُصُوصِ ذَلِكَ ولا بُرْهانَ، يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ بِخُصُوصِهِ. فَهو عَلى عُمُومِهِ كَما عَمَّهُ. وإيثارُ "ما" عَلى (مَن)؛ لِإرادَةِ الوَصْفِ. فَيُفِيدُ التَّعْظِيمَ في مَقامِ المَدْحِ، وأنَّهُ مِمّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ لِشِدَّةِ إبْهامِها. ولِذا أفادَتِ التَّعَجُّبَ أوِ التَّعْجِيبَ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِفْهامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] أيْ: أيَّ مَوْلُودٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ وضَعَتْهُ. وهَذا عَلى كَوْنِ المُرادِ إبْراهِيمَ والنَّبِيَّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ظاهِرٌ، أمّا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، فالتَّعَجُّبُ مِن كَثْرَتِهِمْ، أوْ مِمّا خُصَّ بِهِ الإنْسانُ مِن خَواصِّ البَشَرِ، كالنُّطْقِ والعَقْلِ وحُسْنِ الصُّورَةِ. حَكاهُ الشِّهابُ.

البلد 90:2

(p-٦١٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البَلَدِ مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً. (p-٦١٥٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ [البلد: ٣] ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَفْسِيرُ "لا أُقْسِمُ" و"البَلَدِ" هو مَكَّةُ. وقَيَّدَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] عِنايَةً بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ إقْسامٌ بِهِ لِأجْلِهِ، مَعَ تَعْرِيضٍ بِعَدَمِ شَرَفِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنَّهم جَهِلُوا جَهْلًا عَظِيمًا، لِهَمِّهِمْ بِإخْراجِ مَن هو حَقِيقٌ بِهِ، وبِهِ يُتِمُّ شَرَفَهُ. قالَ الشِّهابُ: و(الحِلُّ) صِفَةُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الحالِّ عَلى هَذا الوَجْهِ. ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْتَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ حُرْمَتَكَ، ويَتَعَرَّضُ لِأذِيَّتِكَ. فَفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ في عَداوَتِهِ، وتَعْرِيضٌ بِتَجْمِيعِهِمْ وتَفْرِيقِهِمْ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِلُّ فِيهِ الحَمامُ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ دَمُ مُرْشِدِ الأنامِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، تَصْنَعُ فِيهِ ما تُرِيدُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، إشارَةٌ إلى ما سَيَقَعُ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وإحْلالِها لَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ، يَقْتُلُ ويَأْسِرُ، مَعَ أنَّها ما فُتِحَتْ عَلى أحَدٍ قَبْلَهُ، ولا أُحِلَّتْ لَهُ؛ فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ، ووَعْدٌ بِنَصْرِهِ، وإهْلاكُ عَدُوِّهِ. و(الحِلُّ) عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ضِدُّ (الحُرْمَةِ)، وفِيهِما -كَما قالُوا- بُعْدٌ، لا سِيَّما إرادَةُ الِاسْتِقْبالِ في الوَجْهِ الأخِيرِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَبادَرٍ مِنهُ. وإنَّما كانَ الأوَّلُ أوْلى لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِجَعْلِ حُلُولِهِ بِهِ مَناطًا لِإعْظامِهِ، مَعَ التَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجَوابِ، بِذِكْرِ بَعْضِ مَوادِّ المُكايَدَةِ، عَلى نَهْجِ (p-٦١٦٠)بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، وإنَّهُ كابَدَ المَشاقَّ، ولاقى مِنَ الشَّدائِدِ، في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، ما لَمْ يُكابِدْهُ داعٍ قَبْلَهُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ. ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ [البلد: ٣] عَطْفٌ عَلى هَذا البَلَدِ، داخِلٌ في المُقْسَمِ بِهِ. قِيلَ: عُنِيَ بِذَلِكَ آدَمُ ووَلَدُهُ، وقِيلَ: إبْراهِيمُ ووَلَدُهُ. والصَّوابُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ - أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ كُلُّ والِدٍ وما ولَدَ. قالَ: وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ إلّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَها مِن خَبَرٍ أوْ عَقْلٍ، ولا خَبَرَ بِخُصُوصِ ذَلِكَ ولا بُرْهانَ، يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ بِخُصُوصِهِ. فَهو عَلى عُمُومِهِ كَما عَمَّهُ. وإيثارُ "ما" عَلى (مَن)؛ لِإرادَةِ الوَصْفِ. فَيُفِيدُ التَّعْظِيمَ في مَقامِ المَدْحِ، وأنَّهُ مِمّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ لِشِدَّةِ إبْهامِها. ولِذا أفادَتِ التَّعَجُّبَ أوِ التَّعْجِيبَ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِفْهامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] أيْ: أيَّ مَوْلُودٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ وضَعَتْهُ. وهَذا عَلى كَوْنِ المُرادِ إبْراهِيمَ والنَّبِيَّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ظاهِرٌ، أمّا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، فالتَّعَجُّبُ مِن كَثْرَتِهِمْ، أوْ مِمّا خُصَّ بِهِ الإنْسانُ مِن خَواصِّ البَشَرِ، كالنُّطْقِ والعَقْلِ وحُسْنِ الصُّورَةِ. حَكاهُ الشِّهابُ.

البلد 90:3

(p-٦١٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البَلَدِ مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً. (p-٦١٥٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ [البلد: ٣] ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَفْسِيرُ "لا أُقْسِمُ" و"البَلَدِ" هو مَكَّةُ. وقَيَّدَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] عِنايَةً بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ إقْسامٌ بِهِ لِأجْلِهِ، مَعَ تَعْرِيضٍ بِعَدَمِ شَرَفِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنَّهم جَهِلُوا جَهْلًا عَظِيمًا، لِهَمِّهِمْ بِإخْراجِ مَن هو حَقِيقٌ بِهِ، وبِهِ يُتِمُّ شَرَفَهُ. قالَ الشِّهابُ: و(الحِلُّ) صِفَةُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الحالِّ عَلى هَذا الوَجْهِ. ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْتَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ حُرْمَتَكَ، ويَتَعَرَّضُ لِأذِيَّتِكَ. فَفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ في عَداوَتِهِ، وتَعْرِيضٌ بِتَجْمِيعِهِمْ وتَفْرِيقِهِمْ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِلُّ فِيهِ الحَمامُ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ دَمُ مُرْشِدِ الأنامِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، تَصْنَعُ فِيهِ ما تُرِيدُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، إشارَةٌ إلى ما سَيَقَعُ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وإحْلالِها لَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ، يَقْتُلُ ويَأْسِرُ، مَعَ أنَّها ما فُتِحَتْ عَلى أحَدٍ قَبْلَهُ، ولا أُحِلَّتْ لَهُ؛ فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ، ووَعْدٌ بِنَصْرِهِ، وإهْلاكُ عَدُوِّهِ. و(الحِلُّ) عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ضِدُّ (الحُرْمَةِ)، وفِيهِما -كَما قالُوا- بُعْدٌ، لا سِيَّما إرادَةُ الِاسْتِقْبالِ في الوَجْهِ الأخِيرِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَبادَرٍ مِنهُ. وإنَّما كانَ الأوَّلُ أوْلى لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِجَعْلِ حُلُولِهِ بِهِ مَناطًا لِإعْظامِهِ، مَعَ التَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجَوابِ، بِذِكْرِ بَعْضِ مَوادِّ المُكايَدَةِ، عَلى نَهْجِ (p-٦١٦٠)بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، وإنَّهُ كابَدَ المَشاقَّ، ولاقى مِنَ الشَّدائِدِ، في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، ما لَمْ يُكابِدْهُ داعٍ قَبْلَهُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ. ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ [البلد: ٣] عَطْفٌ عَلى هَذا البَلَدِ، داخِلٌ في المُقْسَمِ بِهِ. قِيلَ: عُنِيَ بِذَلِكَ آدَمُ ووَلَدُهُ، وقِيلَ: إبْراهِيمُ ووَلَدُهُ. والصَّوابُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ - أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ كُلُّ والِدٍ وما ولَدَ. قالَ: وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ إلّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَها مِن خَبَرٍ أوْ عَقْلٍ، ولا خَبَرَ بِخُصُوصِ ذَلِكَ ولا بُرْهانَ، يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ بِخُصُوصِهِ. فَهو عَلى عُمُومِهِ كَما عَمَّهُ. وإيثارُ "ما" عَلى (مَن)؛ لِإرادَةِ الوَصْفِ. فَيُفِيدُ التَّعْظِيمَ في مَقامِ المَدْحِ، وأنَّهُ مِمّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ لِشِدَّةِ إبْهامِها. ولِذا أفادَتِ التَّعَجُّبَ أوِ التَّعْجِيبَ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِفْهامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] أيْ: أيَّ مَوْلُودٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ وضَعَتْهُ. وهَذا عَلى كَوْنِ المُرادِ إبْراهِيمَ والنَّبِيَّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ظاهِرٌ، أمّا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، فالتَّعَجُّبُ مِن كَثْرَتِهِمْ، أوْ مِمّا خُصَّ بِهِ الإنْسانُ مِن خَواصِّ البَشَرِ، كالنُّطْقِ والعَقْلِ وحُسْنِ الصُّورَةِ. حَكاهُ الشِّهابُ.

البلد 90:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٧ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ أيْ: في شِدَّةٍ، يُكابِدُ الأُمُورَ يُعالِجُها في أطْوارِهِ كُلِّها، مِن حَمْلِهِ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ بِهِ القَرارُ: إمّا في الجَنَّةِ وإمّا في النّارِ. (p-٦١٦١)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الكَبَدُ) أصْلُهُ مِن قَوْلِكَ: (كَبَدَ الرَّجُلُ كَبَدًا)، فَهو أكْبَدُ، إذا وجِعَتْ كَبِدُهُ وانْتَفَخَتْ، فاتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ المُكابَدَةُ. كَما قِيلَ: (كَبَتَهُ) بِمَعْنى أهْلَكَهُ. وأصْلُهُ كَبِدَهُ إذا أصابَ كَبِدَهُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ أيْ: في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ. انْتَهى. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا يُكابِدُهُ مِن قُرَيْشٍ، مِن جِهَةِ أنَّ الإنْسانَ لَمْ يُخْلَقْ لِلرّاحَةِ في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ مَن كانَ أعْظَمَ فَهو أشَدُّ نَصَبًا. هَذا خُلاصَةُ ما قالُوهُ. وقالَ القاشانِيُّ: "فِي كَبَدٍ" أيْ: مُكابَدَةٍ ومَشَقَّةٍ مِن نَفْسِهِ وهَواهُ، أوْ مَرَضٍ باطِنٍ وفَسادِ قَلْبٍ وغِلَظِ حِجابٍ؛ إذِ الكَبِدُ في اللُّغَةِ غِلَظُ الكَبِدِ الَّذِي هو مَبْدَأُ القُوَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وفَسادُهُ وحِجابُ القَلْبِ وفَسادُهُ مِن هَذِهِ القُوَّةِ؛ فاسْتُعِيرَ غِلَظُ الكَبِدِ لِغِلَظِ حِجابِ القَلْبِ ومَرَضِ الجَهْلِ. ﴿أيَحْسَبُ﴾ [البلد: ٥] أيْ: لِغِلَظِ حِجابِهِ ومَرَضِ قَلْبِهِ لِاحْتِجابِهِ بِالطَّبِيعَةِ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] أيْ: أنْ لَنْ تَقُومَ قِيامَةٌ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى مُجازاتِهِ وقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، مَعَ أنَّ ما هو فِيهِ مِنَ المُكابَدَةِ يَكْفِي لِإيقاظِهِ مِن غَفْلَتِهِ واعْتِرافِهِ بِعَجْزِهِ. ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] أيْ: كَثِيرًا، مِن: (تَلَبَّدَ الشَّيْءُ)، إذا اجْتَمَعَ. والمُرادُ ما أنْفَقَهُ لِلِافْتِخارِ والمُباهاةِ والرِّياءِ. كَقَوْلِهِمْ: (خَسِرْتُ عَلَيْهِ كَذا وكَذا)، إذا أنْفَقَ عَلَيْهِ، يَتَفَضَّلُ عَلى النّاسِ بِالتَّبْذِيرِ والإسْرافِ، ويَحْسَبُهُ فَضِيلَةً لِاحْتِجابِهِ عَنِ الفَضِيلَةِ وجَهْلِهِ. ولِهَذا قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] أيْ: أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَطَّلِعِ اللَّهُ تَعالى عَلى باطِنِهِ ونِيَّتِهِ، حِينَ يُنْفِقُ مالَهُ في السُّمْعَةِ والرِّياءِ والمُباهاةِ، لا عَلى ما يَنْبَغِي في مَراضِي اللَّهِ، وهي رَذِيلَةٌ عَلى رَذِيلَةٍ فَكَيْفَ تَكُونُ فَضِيلَةً؟ (p-٦١٦٢)

البلد 90:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٧ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ أيْ: في شِدَّةٍ، يُكابِدُ الأُمُورَ يُعالِجُها في أطْوارِهِ كُلِّها، مِن حَمْلِهِ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ بِهِ القَرارُ: إمّا في الجَنَّةِ وإمّا في النّارِ. (p-٦١٦١)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الكَبَدُ) أصْلُهُ مِن قَوْلِكَ: (كَبَدَ الرَّجُلُ كَبَدًا)، فَهو أكْبَدُ، إذا وجِعَتْ كَبِدُهُ وانْتَفَخَتْ، فاتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ المُكابَدَةُ. كَما قِيلَ: (كَبَتَهُ) بِمَعْنى أهْلَكَهُ. وأصْلُهُ كَبِدَهُ إذا أصابَ كَبِدَهُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ أيْ: في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ. انْتَهى. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا يُكابِدُهُ مِن قُرَيْشٍ، مِن جِهَةِ أنَّ الإنْسانَ لَمْ يُخْلَقْ لِلرّاحَةِ في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ مَن كانَ أعْظَمَ فَهو أشَدُّ نَصَبًا. هَذا خُلاصَةُ ما قالُوهُ. وقالَ القاشانِيُّ: "فِي كَبَدٍ" أيْ: مُكابَدَةٍ ومَشَقَّةٍ مِن نَفْسِهِ وهَواهُ، أوْ مَرَضٍ باطِنٍ وفَسادِ قَلْبٍ وغِلَظِ حِجابٍ؛ إذِ الكَبِدُ في اللُّغَةِ غِلَظُ الكَبِدِ الَّذِي هو مَبْدَأُ القُوَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وفَسادُهُ وحِجابُ القَلْبِ وفَسادُهُ مِن هَذِهِ القُوَّةِ؛ فاسْتُعِيرَ غِلَظُ الكَبِدِ لِغِلَظِ حِجابِ القَلْبِ ومَرَضِ الجَهْلِ. ﴿أيَحْسَبُ﴾ [البلد: ٥] أيْ: لِغِلَظِ حِجابِهِ ومَرَضِ قَلْبِهِ لِاحْتِجابِهِ بِالطَّبِيعَةِ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] أيْ: أنْ لَنْ تَقُومَ قِيامَةٌ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى مُجازاتِهِ وقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، مَعَ أنَّ ما هو فِيهِ مِنَ المُكابَدَةِ يَكْفِي لِإيقاظِهِ مِن غَفْلَتِهِ واعْتِرافِهِ بِعَجْزِهِ. ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] أيْ: كَثِيرًا، مِن: (تَلَبَّدَ الشَّيْءُ)، إذا اجْتَمَعَ. والمُرادُ ما أنْفَقَهُ لِلِافْتِخارِ والمُباهاةِ والرِّياءِ. كَقَوْلِهِمْ: (خَسِرْتُ عَلَيْهِ كَذا وكَذا)، إذا أنْفَقَ عَلَيْهِ، يَتَفَضَّلُ عَلى النّاسِ بِالتَّبْذِيرِ والإسْرافِ، ويَحْسَبُهُ فَضِيلَةً لِاحْتِجابِهِ عَنِ الفَضِيلَةِ وجَهْلِهِ. ولِهَذا قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] أيْ: أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَطَّلِعِ اللَّهُ تَعالى عَلى باطِنِهِ ونِيَّتِهِ، حِينَ يُنْفِقُ مالَهُ في السُّمْعَةِ والرِّياءِ والمُباهاةِ، لا عَلى ما يَنْبَغِي في مَراضِي اللَّهِ، وهي رَذِيلَةٌ عَلى رَذِيلَةٍ فَكَيْفَ تَكُونُ فَضِيلَةً؟ (p-٦١٦٢)

البلد 90:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٧ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ أيْ: في شِدَّةٍ، يُكابِدُ الأُمُورَ يُعالِجُها في أطْوارِهِ كُلِّها، مِن حَمْلِهِ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ بِهِ القَرارُ: إمّا في الجَنَّةِ وإمّا في النّارِ. (p-٦١٦١)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الكَبَدُ) أصْلُهُ مِن قَوْلِكَ: (كَبَدَ الرَّجُلُ كَبَدًا)، فَهو أكْبَدُ، إذا وجِعَتْ كَبِدُهُ وانْتَفَخَتْ، فاتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ المُكابَدَةُ. كَما قِيلَ: (كَبَتَهُ) بِمَعْنى أهْلَكَهُ. وأصْلُهُ كَبِدَهُ إذا أصابَ كَبِدَهُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ أيْ: في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ. انْتَهى. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا يُكابِدُهُ مِن قُرَيْشٍ، مِن جِهَةِ أنَّ الإنْسانَ لَمْ يُخْلَقْ لِلرّاحَةِ في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ مَن كانَ أعْظَمَ فَهو أشَدُّ نَصَبًا. هَذا خُلاصَةُ ما قالُوهُ. وقالَ القاشانِيُّ: "فِي كَبَدٍ" أيْ: مُكابَدَةٍ ومَشَقَّةٍ مِن نَفْسِهِ وهَواهُ، أوْ مَرَضٍ باطِنٍ وفَسادِ قَلْبٍ وغِلَظِ حِجابٍ؛ إذِ الكَبِدُ في اللُّغَةِ غِلَظُ الكَبِدِ الَّذِي هو مَبْدَأُ القُوَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وفَسادُهُ وحِجابُ القَلْبِ وفَسادُهُ مِن هَذِهِ القُوَّةِ؛ فاسْتُعِيرَ غِلَظُ الكَبِدِ لِغِلَظِ حِجابِ القَلْبِ ومَرَضِ الجَهْلِ. ﴿أيَحْسَبُ﴾ [البلد: ٥] أيْ: لِغِلَظِ حِجابِهِ ومَرَضِ قَلْبِهِ لِاحْتِجابِهِ بِالطَّبِيعَةِ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] أيْ: أنْ لَنْ تَقُومَ قِيامَةٌ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى مُجازاتِهِ وقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، مَعَ أنَّ ما هو فِيهِ مِنَ المُكابَدَةِ يَكْفِي لِإيقاظِهِ مِن غَفْلَتِهِ واعْتِرافِهِ بِعَجْزِهِ. ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] أيْ: كَثِيرًا، مِن: (تَلَبَّدَ الشَّيْءُ)، إذا اجْتَمَعَ. والمُرادُ ما أنْفَقَهُ لِلِافْتِخارِ والمُباهاةِ والرِّياءِ. كَقَوْلِهِمْ: (خَسِرْتُ عَلَيْهِ كَذا وكَذا)، إذا أنْفَقَ عَلَيْهِ، يَتَفَضَّلُ عَلى النّاسِ بِالتَّبْذِيرِ والإسْرافِ، ويَحْسَبُهُ فَضِيلَةً لِاحْتِجابِهِ عَنِ الفَضِيلَةِ وجَهْلِهِ. ولِهَذا قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] أيْ: أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَطَّلِعِ اللَّهُ تَعالى عَلى باطِنِهِ ونِيَّتِهِ، حِينَ يُنْفِقُ مالَهُ في السُّمْعَةِ والرِّياءِ والمُباهاةِ، لا عَلى ما يَنْبَغِي في مَراضِي اللَّهِ، وهي رَذِيلَةٌ عَلى رَذِيلَةٍ فَكَيْفَ تَكُونُ فَضِيلَةً؟ (p-٦١٦٢)

البلد 90:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٧ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ أيْ: في شِدَّةٍ، يُكابِدُ الأُمُورَ يُعالِجُها في أطْوارِهِ كُلِّها، مِن حَمْلِهِ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ بِهِ القَرارُ: إمّا في الجَنَّةِ وإمّا في النّارِ. (p-٦١٦١)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الكَبَدُ) أصْلُهُ مِن قَوْلِكَ: (كَبَدَ الرَّجُلُ كَبَدًا)، فَهو أكْبَدُ، إذا وجِعَتْ كَبِدُهُ وانْتَفَخَتْ، فاتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ المُكابَدَةُ. كَما قِيلَ: (كَبَتَهُ) بِمَعْنى أهْلَكَهُ. وأصْلُهُ كَبِدَهُ إذا أصابَ كَبِدَهُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ أيْ: في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ. انْتَهى. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا يُكابِدُهُ مِن قُرَيْشٍ، مِن جِهَةِ أنَّ الإنْسانَ لَمْ يُخْلَقْ لِلرّاحَةِ في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ مَن كانَ أعْظَمَ فَهو أشَدُّ نَصَبًا. هَذا خُلاصَةُ ما قالُوهُ. وقالَ القاشانِيُّ: "فِي كَبَدٍ" أيْ: مُكابَدَةٍ ومَشَقَّةٍ مِن نَفْسِهِ وهَواهُ، أوْ مَرَضٍ باطِنٍ وفَسادِ قَلْبٍ وغِلَظِ حِجابٍ؛ إذِ الكَبِدُ في اللُّغَةِ غِلَظُ الكَبِدِ الَّذِي هو مَبْدَأُ القُوَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وفَسادُهُ وحِجابُ القَلْبِ وفَسادُهُ مِن هَذِهِ القُوَّةِ؛ فاسْتُعِيرَ غِلَظُ الكَبِدِ لِغِلَظِ حِجابِ القَلْبِ ومَرَضِ الجَهْلِ. ﴿أيَحْسَبُ﴾ [البلد: ٥] أيْ: لِغِلَظِ حِجابِهِ ومَرَضِ قَلْبِهِ لِاحْتِجابِهِ بِالطَّبِيعَةِ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] أيْ: أنْ لَنْ تَقُومَ قِيامَةٌ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى مُجازاتِهِ وقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، مَعَ أنَّ ما هو فِيهِ مِنَ المُكابَدَةِ يَكْفِي لِإيقاظِهِ مِن غَفْلَتِهِ واعْتِرافِهِ بِعَجْزِهِ. ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] أيْ: كَثِيرًا، مِن: (تَلَبَّدَ الشَّيْءُ)، إذا اجْتَمَعَ. والمُرادُ ما أنْفَقَهُ لِلِافْتِخارِ والمُباهاةِ والرِّياءِ. كَقَوْلِهِمْ: (خَسِرْتُ عَلَيْهِ كَذا وكَذا)، إذا أنْفَقَ عَلَيْهِ، يَتَفَضَّلُ عَلى النّاسِ بِالتَّبْذِيرِ والإسْرافِ، ويَحْسَبُهُ فَضِيلَةً لِاحْتِجابِهِ عَنِ الفَضِيلَةِ وجَهْلِهِ. ولِهَذا قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] أيْ: أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَطَّلِعِ اللَّهُ تَعالى عَلى باطِنِهِ ونِيَّتِهِ، حِينَ يُنْفِقُ مالَهُ في السُّمْعَةِ والرِّياءِ والمُباهاةِ، لا عَلى ما يَنْبَغِي في مَراضِي اللَّهِ، وهي رَذِيلَةٌ عَلى رَذِيلَةٍ فَكَيْفَ تَكُونُ فَضِيلَةً؟ (p-٦١٦٢)

البلد 90:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟ وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ. ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ. ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ. ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ. قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

البلد 90:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧ - ١٨ ] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهم. عُطِفَ عَلى المَنفِيِّ بِـ: (لا) وهو "اقْتَحَمَ" أوْ عَلى "فَكُّ". "وتَواصَوْا" أيْ: أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا "بِالصَّبْرِ" أيْ: عَلى ما نابَهم في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالرَّحْمَةِ عَلى بَعْضِهِمْ. كَقَوْلِهِ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] أوْ بِمُوجِباتِ رَحْمَتِهِ تَعالى مِنَ القِيامِ بِالحَقِّ والصَّدْعِ بِهِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨] أيِ: اليَمِينِ، أوْ جِهَةِ اليَمِينِ الَّتِي فِيها السُّعَداءُ. تَنْبِيهٌ: قالَ القاشانِيُّ: يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] الآياتِ، إلى قَهْرِ النَّفْسِ بِتَكَلُّفِ الفَضائِلِ والتِزامِ سُلُوكِ طَرِيقِها واكْتِسابِها، حَتّى يَصِيرَ التَّطَبُّعُ طَبْعًا، ثُمَّ قالَ: فَإنَّ الإطْعامَ، خُصُوصًا وقْتَ شِدَّةِ الِاحْتِياجِ لِلْمُسْتَحِقِّ، الَّذِي هو وُضِعَ في مَوْضِعِهِ، مِن بابِ فَضِيلَةِ العِفَّةِ (p-٦١٦٥)بَلْ أفْضَلُ أنْواعِها، والإيمانُ مِن فَضِيلَةِ الحِكْمَةِ وأشْرَفِ أنْواعِها وأجَلِّها، وهو الإيمانُ العِلْمِيُّ اليَقِينِيُّ، والصَّبْرُ عَلى الشَّدائِدِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الشَّجاعَةِ؛ وأخَّرَهُ عَنِ الإيمانِ لِامْتِناعِ حُصُولِ فَضِيلَةِ الشَّجاعَةِ بِدُونِ اليَقِينِ. و(المَرْحَمَةُ) أيِ: التَّراحُمُ والتَّعاطُفُ مِن أفْضَلِ أنْواعِ العَدالَةِ، فانْظُرْ كَيْفَ عَدَّدَ أجْناسَ الفَضائِلِ الأرْبَعِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها كَمالُ النَّفْسِ. بَدَأ بِالعِفَّةِ الَّتِي هي أوْلى الفَضائِلِ، وعَبَّرَ عَنْها بِمُعْظَمِ أنْواعِها. وأخَصِّ خِصالِها الَّذِي هو السَّخاءُ، ثُمَّ أوْرَدَ الإيمانَ الَّذِي هو الأصْلُ والأساسُ. وجاءَ بِلَفْظَةِ "ثُمَّ" لِبُعْدِ مَرْتَبَتِهِ عَنِ الأُولى في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وعَبَّرَ عَنِ الحِكْمَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ أُمَّ سائِرِ مَراتِبِها وأنْوَعَها. ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ الصَّبْرَ لِامْتِناعِهِ بِدُونِ اليَقِينِ. وأخَّرَ العَدالَةَ الَّتِي هي نِهايَتُها. واسْتَغْنى بِذِكْرِ المَرْحَمَةِ، الَّتِي هي صِفَةُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سائِرِ أنْواعِها، كَما اسْتَغْنى بِذِكْرِ الصَّبْرِ عَنْ سائِرِ أنْواعِ الشَّجاعَةِ.

البلد 90:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧ - ١٨ ] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهم. عُطِفَ عَلى المَنفِيِّ بِـ: (لا) وهو "اقْتَحَمَ" أوْ عَلى "فَكُّ". "وتَواصَوْا" أيْ: أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا "بِالصَّبْرِ" أيْ: عَلى ما نابَهم في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالرَّحْمَةِ عَلى بَعْضِهِمْ. كَقَوْلِهِ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] أوْ بِمُوجِباتِ رَحْمَتِهِ تَعالى مِنَ القِيامِ بِالحَقِّ والصَّدْعِ بِهِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨] أيِ: اليَمِينِ، أوْ جِهَةِ اليَمِينِ الَّتِي فِيها السُّعَداءُ. تَنْبِيهٌ: قالَ القاشانِيُّ: يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] الآياتِ، إلى قَهْرِ النَّفْسِ بِتَكَلُّفِ الفَضائِلِ والتِزامِ سُلُوكِ طَرِيقِها واكْتِسابِها، حَتّى يَصِيرَ التَّطَبُّعُ طَبْعًا، ثُمَّ قالَ: فَإنَّ الإطْعامَ، خُصُوصًا وقْتَ شِدَّةِ الِاحْتِياجِ لِلْمُسْتَحِقِّ، الَّذِي هو وُضِعَ في مَوْضِعِهِ، مِن بابِ فَضِيلَةِ العِفَّةِ (p-٦١٦٥)بَلْ أفْضَلُ أنْواعِها، والإيمانُ مِن فَضِيلَةِ الحِكْمَةِ وأشْرَفِ أنْواعِها وأجَلِّها، وهو الإيمانُ العِلْمِيُّ اليَقِينِيُّ، والصَّبْرُ عَلى الشَّدائِدِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الشَّجاعَةِ؛ وأخَّرَهُ عَنِ الإيمانِ لِامْتِناعِ حُصُولِ فَضِيلَةِ الشَّجاعَةِ بِدُونِ اليَقِينِ. و(المَرْحَمَةُ) أيِ: التَّراحُمُ والتَّعاطُفُ مِن أفْضَلِ أنْواعِ العَدالَةِ، فانْظُرْ كَيْفَ عَدَّدَ أجْناسَ الفَضائِلِ الأرْبَعِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها كَمالُ النَّفْسِ. بَدَأ بِالعِفَّةِ الَّتِي هي أوْلى الفَضائِلِ، وعَبَّرَ عَنْها بِمُعْظَمِ أنْواعِها. وأخَصِّ خِصالِها الَّذِي هو السَّخاءُ، ثُمَّ أوْرَدَ الإيمانَ الَّذِي هو الأصْلُ والأساسُ. وجاءَ بِلَفْظَةِ "ثُمَّ" لِبُعْدِ مَرْتَبَتِهِ عَنِ الأُولى في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وعَبَّرَ عَنِ الحِكْمَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ أُمَّ سائِرِ مَراتِبِها وأنْوَعَها. ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ الصَّبْرَ لِامْتِناعِهِ بِدُونِ اليَقِينِ. وأخَّرَ العَدالَةَ الَّتِي هي نِهايَتُها. واسْتَغْنى بِذِكْرِ المَرْحَمَةِ، الَّتِي هي صِفَةُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سائِرِ أنْواعِها، كَما اسْتَغْنى بِذِكْرِ الصَّبْرِ عَنْ سائِرِ أنْواعِ الشَّجاعَةِ.

البلد 90:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩ - ٢٠ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: بِأدِلَّتِنا وأعْلامِنا مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الأنْفُسِ والآفاقِ، الَّتِي بِها يَرْتَقِي إلى مَعْرِفَةِ الصِّراطِ الَّتِي تَجِبُ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ ﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيِ: الشُّؤْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أوْ جِهَةِ الشَّمالِ الَّتِي فِيها الأشْقِياءُ. وقالَ الإمامُ: أهْلُ اليَمِينِ، في لِسانِ الدِّينِ الإسْلامِيِّ، عُنْوانُ السُّعَداءِ. وأهْلُ الشَّمالِ عُنْوانُ الأشْقِياءِ. ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠] أيْ: مُطْبَقَةٌ أبْوابُها، كِنايَةٌ عَنْ حَبْسِهِمُ المُخَلَّدِ فِيها، وسَدِّ سُبُلِ الخَلاصِ مِنها، أجارَنا اللَّهُ بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ مِنها.

البلد 90:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩ - ٢٠ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: بِأدِلَّتِنا وأعْلامِنا مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الأنْفُسِ والآفاقِ، الَّتِي بِها يَرْتَقِي إلى مَعْرِفَةِ الصِّراطِ الَّتِي تَجِبُ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ ﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيِ: الشُّؤْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أوْ جِهَةِ الشَّمالِ الَّتِي فِيها الأشْقِياءُ. وقالَ الإمامُ: أهْلُ اليَمِينِ، في لِسانِ الدِّينِ الإسْلامِيِّ، عُنْوانُ السُّعَداءِ. وأهْلُ الشَّمالِ عُنْوانُ الأشْقِياءِ. ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠] أيْ: مُطْبَقَةٌ أبْوابُها، كِنايَةٌ عَنْ حَبْسِهِمُ المُخَلَّدِ فِيها، وسَدِّ سُبُلِ الخَلاصِ مِنها، أجارَنا اللَّهُ بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ مِنها.

الشمس 91:1

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. (p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ. وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ. قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها. قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً. ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها. قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ. ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ. لَطِيفَةٌ: جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

الشمس 91:2

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. (p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ. وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ. قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها. قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً. ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها. قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ. ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ. لَطِيفَةٌ: جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

الشمس 91:3

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. (p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ. وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ. قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها. قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً. ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها. قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ. ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ. لَطِيفَةٌ: جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

الشمس 91:4

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. (p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ. وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ. قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها. قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً. ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها. قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ. ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ. لَطِيفَةٌ: جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

الشمس 91:5

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. (p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ. وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ. قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها. قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً. ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها. قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ. ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ. لَطِيفَةٌ: جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

الشمس 91:6

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. (p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ. وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ. قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها. قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً. ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها. قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ. ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ. لَطِيفَةٌ: جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

الشمس 91:7

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. (p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ. وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ. قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها. قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً. ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها. قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ. ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ. لَطِيفَةٌ: جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

الشمس 91:8

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. (p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ. وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ. قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها. قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً. ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها. قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ. ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ. لَطِيفَةٌ: جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

الشمس 91:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٢ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ أيْ: زَكّى نَفْسَهُ وطَهَّرَها مِن رِجْسِ النَّقائِصِ والآثامِ، أوْ نَمّاها بِالعِلْمِ والعَمَلِ والوُصُولِ إلى الكَمالِ وبُلُوغِ الفِطْرَةِ الأُولى: ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] أيْ: أخْمَلَها ووَضَعَ مِنها، بِخِذْلانِهِ إيّاها عَنِ الهُدى حَتّى رَكِبَ المَعاصِي وتَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى. هَذا ما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: نَقَصَ تَزْكِيَتَها وأخْفى اسْتِعْدادَها وفِطْرَتَها الَّتِي خُلِقَتْ عَلَيْها بِالجَهالَةِ والفُسُوقِ. وهو مَأْخُوذٌ مِن: (دَسَّ الشَّيْءَ في التُّرابِ)، أيْ: أدْخَلَهُ فِيهِ وأخْفاهُ. وأصْلُ (دَسّى) دَسَّسَ. كَتَقَضّى البازِي. وجُمْلَةُ "قَدْ أفْلَحَ" إلَخْ جَوابُ القَسَمِ وحَذْفُ اللّامِ لِلطُّولِ. (p-٦١٧٠)قالَ القاضِي: وكَأنَّهُ لَمّا أرادَ بِهِ الحَثَّ عَلى تَكْمِيلِ النَّفْسِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، أقْسَمَ عَلَيْهِ بِما يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ ووُجُوبِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ الَّذِي هو أقْصى دَرَجاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ ويُذَكِّرُهم عَظائِمَ الإلَهِ لِيَحْمِلَهم عَلى الِاسْتِغْراقِ في شُكْرِ نَعْمائِهِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ. وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ، لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها ومُجاوَزَتِها الحَدَّ في الفُجُورِ. فالطَّغْوى مَصْدَرٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ العَذابُ نَفْسُهُ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ بِدُونِهِ مُبالَغَةً كَما يُوصَفُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَصادِرِ، أيْ: كَذَّبَتْ بِما أُوعِدَتْ بِهِ مِن عَذابِها ذِي الطَّغْوى، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] فالطَّغْوى عَلى هَذا مِنَ التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ والزِّيادَةُ في العَذابِ. والباءُ صِلَةُ "كَذَّبَتْ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ظَرْفٌ لِـ "كَذَّبَتْ" أوْ (طَغْوى)، أيْ: حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ لِعَقْرِ ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانُوا نُهُوا عَنْ مَسِّها بِسُوءٍ، وأُنْذِرُوا عاقِبَةَ المُخالَفَةِ، كَما قالَ تَعالى:

الشمس 91:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٢ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ أيْ: زَكّى نَفْسَهُ وطَهَّرَها مِن رِجْسِ النَّقائِصِ والآثامِ، أوْ نَمّاها بِالعِلْمِ والعَمَلِ والوُصُولِ إلى الكَمالِ وبُلُوغِ الفِطْرَةِ الأُولى: ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] أيْ: أخْمَلَها ووَضَعَ مِنها، بِخِذْلانِهِ إيّاها عَنِ الهُدى حَتّى رَكِبَ المَعاصِي وتَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى. هَذا ما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: نَقَصَ تَزْكِيَتَها وأخْفى اسْتِعْدادَها وفِطْرَتَها الَّتِي خُلِقَتْ عَلَيْها بِالجَهالَةِ والفُسُوقِ. وهو مَأْخُوذٌ مِن: (دَسَّ الشَّيْءَ في التُّرابِ)، أيْ: أدْخَلَهُ فِيهِ وأخْفاهُ. وأصْلُ (دَسّى) دَسَّسَ. كَتَقَضّى البازِي. وجُمْلَةُ "قَدْ أفْلَحَ" إلَخْ جَوابُ القَسَمِ وحَذْفُ اللّامِ لِلطُّولِ. (p-٦١٧٠)قالَ القاضِي: وكَأنَّهُ لَمّا أرادَ بِهِ الحَثَّ عَلى تَكْمِيلِ النَّفْسِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، أقْسَمَ عَلَيْهِ بِما يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ ووُجُوبِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ الَّذِي هو أقْصى دَرَجاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ ويُذَكِّرُهم عَظائِمَ الإلَهِ لِيَحْمِلَهم عَلى الِاسْتِغْراقِ في شُكْرِ نَعْمائِهِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ. وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ، لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها ومُجاوَزَتِها الحَدَّ في الفُجُورِ. فالطَّغْوى مَصْدَرٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ العَذابُ نَفْسُهُ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ بِدُونِهِ مُبالَغَةً كَما يُوصَفُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَصادِرِ، أيْ: كَذَّبَتْ بِما أُوعِدَتْ بِهِ مِن عَذابِها ذِي الطَّغْوى، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] فالطَّغْوى عَلى هَذا مِنَ التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ والزِّيادَةُ في العَذابِ. والباءُ صِلَةُ "كَذَّبَتْ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ظَرْفٌ لِـ "كَذَّبَتْ" أوْ (طَغْوى)، أيْ: حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ لِعَقْرِ ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانُوا نُهُوا عَنْ مَسِّها بِسُوءٍ، وأُنْذِرُوا عاقِبَةَ المُخالَفَةِ، كَما قالَ تَعالى:

الشمس 91:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٢ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ أيْ: زَكّى نَفْسَهُ وطَهَّرَها مِن رِجْسِ النَّقائِصِ والآثامِ، أوْ نَمّاها بِالعِلْمِ والعَمَلِ والوُصُولِ إلى الكَمالِ وبُلُوغِ الفِطْرَةِ الأُولى: ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] أيْ: أخْمَلَها ووَضَعَ مِنها، بِخِذْلانِهِ إيّاها عَنِ الهُدى حَتّى رَكِبَ المَعاصِي وتَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى. هَذا ما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: نَقَصَ تَزْكِيَتَها وأخْفى اسْتِعْدادَها وفِطْرَتَها الَّتِي خُلِقَتْ عَلَيْها بِالجَهالَةِ والفُسُوقِ. وهو مَأْخُوذٌ مِن: (دَسَّ الشَّيْءَ في التُّرابِ)، أيْ: أدْخَلَهُ فِيهِ وأخْفاهُ. وأصْلُ (دَسّى) دَسَّسَ. كَتَقَضّى البازِي. وجُمْلَةُ "قَدْ أفْلَحَ" إلَخْ جَوابُ القَسَمِ وحَذْفُ اللّامِ لِلطُّولِ. (p-٦١٧٠)قالَ القاضِي: وكَأنَّهُ لَمّا أرادَ بِهِ الحَثَّ عَلى تَكْمِيلِ النَّفْسِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، أقْسَمَ عَلَيْهِ بِما يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ ووُجُوبِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ الَّذِي هو أقْصى دَرَجاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ ويُذَكِّرُهم عَظائِمَ الإلَهِ لِيَحْمِلَهم عَلى الِاسْتِغْراقِ في شُكْرِ نَعْمائِهِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ. وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ، لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها ومُجاوَزَتِها الحَدَّ في الفُجُورِ. فالطَّغْوى مَصْدَرٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ العَذابُ نَفْسُهُ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ بِدُونِهِ مُبالَغَةً كَما يُوصَفُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَصادِرِ، أيْ: كَذَّبَتْ بِما أُوعِدَتْ بِهِ مِن عَذابِها ذِي الطَّغْوى، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] فالطَّغْوى عَلى هَذا مِنَ التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ والزِّيادَةُ في العَذابِ. والباءُ صِلَةُ "كَذَّبَتْ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ظَرْفٌ لِـ "كَذَّبَتْ" أوْ (طَغْوى)، أيْ: حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ لِعَقْرِ ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانُوا نُهُوا عَنْ مَسِّها بِسُوءٍ، وأُنْذِرُوا عاقِبَةَ المُخالَفَةِ، كَما قالَ تَعالى:

الشمس 91:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٢ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ أيْ: زَكّى نَفْسَهُ وطَهَّرَها مِن رِجْسِ النَّقائِصِ والآثامِ، أوْ نَمّاها بِالعِلْمِ والعَمَلِ والوُصُولِ إلى الكَمالِ وبُلُوغِ الفِطْرَةِ الأُولى: ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] أيْ: أخْمَلَها ووَضَعَ مِنها، بِخِذْلانِهِ إيّاها عَنِ الهُدى حَتّى رَكِبَ المَعاصِي وتَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى. هَذا ما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: نَقَصَ تَزْكِيَتَها وأخْفى اسْتِعْدادَها وفِطْرَتَها الَّتِي خُلِقَتْ عَلَيْها بِالجَهالَةِ والفُسُوقِ. وهو مَأْخُوذٌ مِن: (دَسَّ الشَّيْءَ في التُّرابِ)، أيْ: أدْخَلَهُ فِيهِ وأخْفاهُ. وأصْلُ (دَسّى) دَسَّسَ. كَتَقَضّى البازِي. وجُمْلَةُ "قَدْ أفْلَحَ" إلَخْ جَوابُ القَسَمِ وحَذْفُ اللّامِ لِلطُّولِ. (p-٦١٧٠)قالَ القاضِي: وكَأنَّهُ لَمّا أرادَ بِهِ الحَثَّ عَلى تَكْمِيلِ النَّفْسِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، أقْسَمَ عَلَيْهِ بِما يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ ووُجُوبِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ الَّذِي هو أقْصى دَرَجاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ ويُذَكِّرُهم عَظائِمَ الإلَهِ لِيَحْمِلَهم عَلى الِاسْتِغْراقِ في شُكْرِ نَعْمائِهِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ. وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ، لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها ومُجاوَزَتِها الحَدَّ في الفُجُورِ. فالطَّغْوى مَصْدَرٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ العَذابُ نَفْسُهُ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ بِدُونِهِ مُبالَغَةً كَما يُوصَفُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَصادِرِ، أيْ: كَذَّبَتْ بِما أُوعِدَتْ بِهِ مِن عَذابِها ذِي الطَّغْوى، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] فالطَّغْوى عَلى هَذا مِنَ التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ والزِّيادَةُ في العَذابِ. والباءُ صِلَةُ "كَذَّبَتْ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ظَرْفٌ لِـ "كَذَّبَتْ" أوْ (طَغْوى)، أيْ: حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ لِعَقْرِ ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانُوا نُهُوا عَنْ مَسِّها بِسُوءٍ، وأُنْذِرُوا عاقِبَةَ المُخالَفَةِ، كَما قالَ تَعالى:

الشمس 91:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٥ ] ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ. ﴿ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ أيِ: احْذَرُوا واتَّقُوا ناقَةَ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَها آيَةً بَيِّنَةً وشِرْبَها، الَّذِي اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ في يَوْمِها. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ أنَّ لِلنّاقَةِ شِرْبَ يَوْمٍ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ، غَيْرِ يَوْمِ النّاقَةِ، (p-٦١٧١)كَما بَيَّنَتْهُ آيَةُ الشُّعَراءِ قالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لا تُؤْذُوا النّاقَةَ ولا تَتَعَدَّوْا عَلَيْها في شِرْبِها ويَوْمِ شِرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: فِيما حَذَّرَهم مِنهُ مِن حُلُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا ﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: قَتَلُوها. قالَ في (النِّهايَةِ): أصْلُ العَقْرِ ضَرْبُ قَوائِمِ البَعِيرِ أوِ الشّاةِ بِالسَّيْفِ وهو قائِمٌ. ثُمَّ اتَّسَعَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في القَتْلِ والهَلاكِ، وذَلِكَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى مَنعِها الشُّرْبَ ورَضُوا بِقَتْلِها. وعَنْ رِضا جَمِيعِهِمْ قَتْلَها قاتَلَها وعَقَرَها مَن عَقَرَها؛ ولِذَلِكَ نُسِبَ التَّكْذِيبُ والعُقْرُ عَلى جَمِيعِهِمْ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: أهْلَكَهم وأزْعَجَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِهِ وتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ وعَقْرِهِمْ ناقَتَهُ، اسْتِهانَةً بِهِ واسْتِخْفافًا بِما بُعِثَ بِهِ. وقِيلَ: دَمْدَمَ أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. وقِيلَ: الدَّمْدَمَةُ حِكايَةُ صَوْتِ الهَدَّةِ ﴿فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنهم أحَدٌ. بِمَعْنى جَعَلَها سَواءً بَيْنَهُمْ، أوِ الضَّمِيرُ لِثَمُودَ، أيْ: جَعَلَها عَلَيْهِمْ سَواءً ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] أيْ: لا يَخْشى تَبِعَةَ إهْلاكِهِمْ لِأنَّهُ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ. قالَ الشِّهابُ: أيْ: لا يَخافُ عاقِبَتَها كَما يَخافُ المُلُوكُ عاقِبَةَ ما تَفْعَلُهُ؛ فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِإهانَتِهِمْ وأنَّهم أذِلّاءُ عِنْدَ اللَّهِ. فالضَّمِيرُ في "يَخافُ" لِلَّهِ وهو الأظْهَرُ. ويَجُوزُ عَوْدُهُ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ: أنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ إنْذارِهِ لَهم وهو عَلى الحَقِيقَةِ، كَما إذا قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأشْقى، أيْ: أنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ فِعْلِهِ الشَّنِيعِ. والواوُ الحالُ أوْ الِاسْتِئْنافُ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ): المَقْصُودُ أنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ لَهُمُ البَصِيرَةَ فَآثَرُوا الضَّلالَةَ والكُفْرَ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ؛ ولِهَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- ذَكَرَ قِصَّتَهم مِن بَيْنِ قِصَصِ سائِرِ الأُمَمِ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها انْقِسامَ النُّفُوسِ إلى الزَّكِيَّةِ الرّاشِدَةِ المُهْتَدِيَةِ (p-٦١٧٢)وإلى الفاجِرَةِ الضّالَّةِ الغاوِيَةِ. وذَكَرَ فِيها الأصْلَيْنِ: القَدَرَ والشَّرْعَ. فَقالَ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] فَهَذا قَدَرُهُ وقَضاؤُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] فَهَذا أمْرُهُ ودِينُهُ. وثَمُودُ هَداهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى. فَذَكَرَ قِصَّتَهم لِيُبَيِّنَ سُوءَ عاقِبَةِ مَن آثَرَ الفُجُورَ عَلى التَّقْوى، والتَّدْسِيَةَ عَلى التَّزْكِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشمس 91:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٥ ] ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ. ﴿ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ أيِ: احْذَرُوا واتَّقُوا ناقَةَ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَها آيَةً بَيِّنَةً وشِرْبَها، الَّذِي اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ في يَوْمِها. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ أنَّ لِلنّاقَةِ شِرْبَ يَوْمٍ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ، غَيْرِ يَوْمِ النّاقَةِ، (p-٦١٧١)كَما بَيَّنَتْهُ آيَةُ الشُّعَراءِ قالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لا تُؤْذُوا النّاقَةَ ولا تَتَعَدَّوْا عَلَيْها في شِرْبِها ويَوْمِ شِرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: فِيما حَذَّرَهم مِنهُ مِن حُلُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا ﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: قَتَلُوها. قالَ في (النِّهايَةِ): أصْلُ العَقْرِ ضَرْبُ قَوائِمِ البَعِيرِ أوِ الشّاةِ بِالسَّيْفِ وهو قائِمٌ. ثُمَّ اتَّسَعَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في القَتْلِ والهَلاكِ، وذَلِكَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى مَنعِها الشُّرْبَ ورَضُوا بِقَتْلِها. وعَنْ رِضا جَمِيعِهِمْ قَتْلَها قاتَلَها وعَقَرَها مَن عَقَرَها؛ ولِذَلِكَ نُسِبَ التَّكْذِيبُ والعُقْرُ عَلى جَمِيعِهِمْ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: أهْلَكَهم وأزْعَجَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِهِ وتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ وعَقْرِهِمْ ناقَتَهُ، اسْتِهانَةً بِهِ واسْتِخْفافًا بِما بُعِثَ بِهِ. وقِيلَ: دَمْدَمَ أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. وقِيلَ: الدَّمْدَمَةُ حِكايَةُ صَوْتِ الهَدَّةِ ﴿فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنهم أحَدٌ. بِمَعْنى جَعَلَها سَواءً بَيْنَهُمْ، أوِ الضَّمِيرُ لِثَمُودَ، أيْ: جَعَلَها عَلَيْهِمْ سَواءً ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] أيْ: لا يَخْشى تَبِعَةَ إهْلاكِهِمْ لِأنَّهُ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ. قالَ الشِّهابُ: أيْ: لا يَخافُ عاقِبَتَها كَما يَخافُ المُلُوكُ عاقِبَةَ ما تَفْعَلُهُ؛ فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِإهانَتِهِمْ وأنَّهم أذِلّاءُ عِنْدَ اللَّهِ. فالضَّمِيرُ في "يَخافُ" لِلَّهِ وهو الأظْهَرُ. ويَجُوزُ عَوْدُهُ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ: أنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ إنْذارِهِ لَهم وهو عَلى الحَقِيقَةِ، كَما إذا قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأشْقى، أيْ: أنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ فِعْلِهِ الشَّنِيعِ. والواوُ الحالُ أوْ الِاسْتِئْنافُ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ): المَقْصُودُ أنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ لَهُمُ البَصِيرَةَ فَآثَرُوا الضَّلالَةَ والكُفْرَ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ؛ ولِهَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- ذَكَرَ قِصَّتَهم مِن بَيْنِ قِصَصِ سائِرِ الأُمَمِ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها انْقِسامَ النُّفُوسِ إلى الزَّكِيَّةِ الرّاشِدَةِ المُهْتَدِيَةِ (p-٦١٧٢)وإلى الفاجِرَةِ الضّالَّةِ الغاوِيَةِ. وذَكَرَ فِيها الأصْلَيْنِ: القَدَرَ والشَّرْعَ. فَقالَ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] فَهَذا قَدَرُهُ وقَضاؤُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] فَهَذا أمْرُهُ ودِينُهُ. وثَمُودُ هَداهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى. فَذَكَرَ قِصَّتَهم لِيُبَيِّنَ سُوءَ عاقِبَةِ مَن آثَرَ الفُجُورَ عَلى التَّقْوى، والتَّدْسِيَةَ عَلى التَّزْكِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشمس 91:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٥ ] ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ. ﴿ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ أيِ: احْذَرُوا واتَّقُوا ناقَةَ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَها آيَةً بَيِّنَةً وشِرْبَها، الَّذِي اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ في يَوْمِها. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ أنَّ لِلنّاقَةِ شِرْبَ يَوْمٍ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ، غَيْرِ يَوْمِ النّاقَةِ، (p-٦١٧١)كَما بَيَّنَتْهُ آيَةُ الشُّعَراءِ قالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لا تُؤْذُوا النّاقَةَ ولا تَتَعَدَّوْا عَلَيْها في شِرْبِها ويَوْمِ شِرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: فِيما حَذَّرَهم مِنهُ مِن حُلُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا ﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: قَتَلُوها. قالَ في (النِّهايَةِ): أصْلُ العَقْرِ ضَرْبُ قَوائِمِ البَعِيرِ أوِ الشّاةِ بِالسَّيْفِ وهو قائِمٌ. ثُمَّ اتَّسَعَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في القَتْلِ والهَلاكِ، وذَلِكَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى مَنعِها الشُّرْبَ ورَضُوا بِقَتْلِها. وعَنْ رِضا جَمِيعِهِمْ قَتْلَها قاتَلَها وعَقَرَها مَن عَقَرَها؛ ولِذَلِكَ نُسِبَ التَّكْذِيبُ والعُقْرُ عَلى جَمِيعِهِمْ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: أهْلَكَهم وأزْعَجَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِهِ وتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ وعَقْرِهِمْ ناقَتَهُ، اسْتِهانَةً بِهِ واسْتِخْفافًا بِما بُعِثَ بِهِ. وقِيلَ: دَمْدَمَ أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. وقِيلَ: الدَّمْدَمَةُ حِكايَةُ صَوْتِ الهَدَّةِ ﴿فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنهم أحَدٌ. بِمَعْنى جَعَلَها سَواءً بَيْنَهُمْ، أوِ الضَّمِيرُ لِثَمُودَ، أيْ: جَعَلَها عَلَيْهِمْ سَواءً ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] أيْ: لا يَخْشى تَبِعَةَ إهْلاكِهِمْ لِأنَّهُ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ. قالَ الشِّهابُ: أيْ: لا يَخافُ عاقِبَتَها كَما يَخافُ المُلُوكُ عاقِبَةَ ما تَفْعَلُهُ؛ فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِإهانَتِهِمْ وأنَّهم أذِلّاءُ عِنْدَ اللَّهِ. فالضَّمِيرُ في "يَخافُ" لِلَّهِ وهو الأظْهَرُ. ويَجُوزُ عَوْدُهُ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ: أنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ إنْذارِهِ لَهم وهو عَلى الحَقِيقَةِ، كَما إذا قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأشْقى، أيْ: أنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ فِعْلِهِ الشَّنِيعِ. والواوُ الحالُ أوْ الِاسْتِئْنافُ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ): المَقْصُودُ أنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ لَهُمُ البَصِيرَةَ فَآثَرُوا الضَّلالَةَ والكُفْرَ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ؛ ولِهَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- ذَكَرَ قِصَّتَهم مِن بَيْنِ قِصَصِ سائِرِ الأُمَمِ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها انْقِسامَ النُّفُوسِ إلى الزَّكِيَّةِ الرّاشِدَةِ المُهْتَدِيَةِ (p-٦١٧٢)وإلى الفاجِرَةِ الضّالَّةِ الغاوِيَةِ. وذَكَرَ فِيها الأصْلَيْنِ: القَدَرَ والشَّرْعَ. فَقالَ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] فَهَذا قَدَرُهُ وقَضاؤُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] فَهَذا أمْرُهُ ودِينُهُ. وثَمُودُ هَداهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى. فَذَكَرَ قِصَّتَهم لِيُبَيِّنَ سُوءَ عاقِبَةِ مَن آثَرَ الفُجُورَ عَلى التَّقْوى، والتَّدْسِيَةَ عَلى التَّزْكِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.