Mawsoo'at Al-Tafsir Al-Ma'thoor — الحشر 59:1 – الممتحنة 60:13
المحتويات
- الحشر 59:1
- الحشر 59:2
- الحشر 59:3
- الحشر 59:4
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:9
- الحشر 59:10
- الحشر 59:11
- الحشر 59:12
- الحشر 59:13
- الحشر 59:14
- الحشر 59:15
- الحشر 59:16
- الحشر 59:17
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:20
- الحشر 59:21
- الحشر 59:22
- الحشر 59:23
- الحشر 59:24
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
الحشر 59:1
مقدمة السورة
٧٦٠٨٩- عن عبد الله بن عباس -من طرق- قال: نَزَلَتْ سورةُ الحشر بالمدينة[[أخرجه النحاس (٧٠٣) من طريق أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد، والبيهقي في دلائل النبوة ٧/١٤٢-١٤٤ من طريق خُصَيف عن مجاهد. وعزاه السيوطيُّ إلى ابن مردويه.
قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن ١/٥٠ عن سند النحاس: «إسناده جيد، رجاله كلّهم ثقات من علماء العربية المشهورين».]]. (١٤/٣٣٢)
٧٦٠٩٠- عن عبد الله بن الزبير، مثله[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٣٢)
٧٦٠٩١- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخُراسانيّ-: مدنيّة، ونَزَلَتْ بعد ﴿لم يكن﴾[[أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن ١/٣٣-٣٥.]]. (ز)
٧٦٠٩٢- عن عكرمة مولى ابن عباس= (ز)
٧٦٠٩٣- والحسن البصري -من طريق يزيد النحوي-: مدنيّة[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٧/١٤٢-١٤٣.]]. (ز)
٧٦٠٩٤- عن قتادة بن دعامة: مدنيّة[[أخرجه الحارث المحاسبي في فهم القرآن ص٣٩٥-٣٩٦ من طريق سعيد، وأبو بكر بن الأنباري -كما في الإتقان ١/٥٧- من طريق همام.]]. (ز)
٧٦٠٩٥- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ: مدنيّة، ونَزَلَتْ بعد ﴿لم يكن﴾[[تنزيل القرآن ص٣٧-٤٢.]]. (ز)
٧٦٠٩٦- عن علي بن أبي طلحة: مدنيّة[[أخرجه أبو عبيد في فضائله (ت: الخياطي) ٢/٢٠٠.]]. (ز)
٧٦٠٩٧- قال مقاتل بن سليمان: سورة الحشر مدنيّة، عددها أربع وعشرون آية كوفي[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٣.]]. (ز)
٧٦٠٩٨- عن سعيد بن جُبَير، قال: قلتُ لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قُل: سورة النَّضِير[[أخرجه البخاري (٤٠٢٩، ٤٨٨٣). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، ومسلم، وابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٣٢)
٧٦٠٩٩- عن سعيد بن جُبَير، قال: قلتُ لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: نَزَلَتْ في بني النَّضِير[[أخرجه البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١)، وسعيد بن منصور -كما في تفسير ابن كثير ٨/٨١-، وابن مردويه -كما في فتح الباري ٧/٣٣٣- من وجه آخر عن ابن عباس.]]٦٥٣٦. (١٤/٣٣٢)
٦٥٣٦ ذكر ابنُ عطية (٨/٢٥٩) أنّ هذه السورة مدنيّة باتفاق من أهل العلم.
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ١﴾ - تفسير
٧٦١٠٠- قال مقاتل بن سليمان: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ يقول: ذَكر اللهَ ﴿ما فِي السَّماواتِ﴾ من الملائكة، ﴿وما فِي الأَرْضِ﴾ مِن الخلْق، ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ في أمْره[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٥.]]٦٥٣٧. (ز)
٦٥٣٧ ذكر ابنُ عطية (٨/٢٥٩) أنّ مكّيًّا قال: ﴿سَبَّحَ﴾ معناه: صلّى وسَجد. ثم علَّق بقوله: «فهذا كلّه بمعنى الخضوع والطّوع».
الحشر 59:2
﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مِن دِیَـٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن یَخۡرُجُوا۟ۖ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَیۡثُ لَمۡ یَحۡتَسِبُوا۟ۖ وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ یُخۡرِبُونَ بُیُوتَهُم بِأَیۡدِیهِمۡ وَأَیۡدِی ٱلۡمُؤۡمِنِینَ فَٱعۡتَبِرُوا۟ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ ٢﴾ - نزول الآيات
٧٦١٠١- عن عائشة -من طريق عُروة- قالت: كانت غزوة بني النَّضِير -وهم طائفة من اليهود- على رأس ستة أشهُر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونَخلهم في ناحية المدينة، فحاصَرهم رسولُ الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنّ لهم ما أقلّتِ الإبل مِن الأمتعة والأموال، إلا الحَلْقَة، يعني: السلاح؛ فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾، فقاتلهم النبيُّ ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، وأجلاهم إلى الشام، وكانوا مِن سِبطٍ لم يُصبهم جلاءٌ فيما خلا، وكان اللهُ قد كَتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لَعذّبهم في الدنيا بالقتْل والسّبي. وأما قوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول حَشرٍ في الدنيا إلى الشام[[أخرجه الحاكم ٢/٤٨٣، والبيهقي في الدلائل ٣/١٧٨. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
قال البيهقي: «ذكر عائشة فيه غير محفوظ».]]. (١٤/٣٣٢)
٧٦١٠٢- عن عبد الله بن عباس: أنّ سورة الحشر نَزَلَتْ في النَّضِير، وذَكر اللهُ فيها الذي أصابهم من النِّقمة، وتسليطه رسول الله ﷺ عليهم، حتى عمِل بهم الذي عمِل بإذنه، وذَكر المنافقين الذين كانوا يُراسلونهم، ويَعِدونهم النصر، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ بهدْمهم بيوتهم مِن نُجُفِ الأبواب[[عزاه السيوطي إلى ابن إسحاق، وابن مردويه. وينظر: سيرة ابن هشام ٢/١٩٢-١٩٥.]]. (١٤/٣٣٩)
٧٦١٠٣- عن رجل من أصحاب النبي ﷺ -من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك-: أنّ كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أُبَيّ بن سَلول ومَن كان يعبد معه الأوثان مِن الأَوْس والخَزْرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر، يقولون: إنّكم قد آويتُم صاحِبَنا، وإنّكم أكثرُ أهل المدينة عددًا، وإنّا نُقْسِم بالله لتُقاتِلُنَّه أو لتُخْرِجُنَّه، أو لَنَسْتَعْدِيَنَّ عليكم العرب، ثم لَنَسيرنّ إليكم بأجمعنا حتى نَقتل مُقاتلتكم، ونَستبيح نساءكم وأبناءكم. فلما بلغ ذلك عبد الله بن أُبَيّ ومَن معه مِن عبدة الأوثان تَراسلوا، واجتمعوا، وأجمَعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبيَّ ﷺ لَقِيَهم في جماعةٍ مِن أصحابه، فقال: «لقد بلغ وعيدُ قريش منكم المبالغ، ما كانت لِتكيدَكم بأكثر مما تريدون أن تَكيدوا به أنفسَكم! فأنتم هؤلاء تريدون أن تُقاتلوا أبناءكم وإخوانكم». فلمّا سمِعوا ذلك مِن النبي ﷺ تفرّقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر بعد ذلك، فكَتبتْ كفارُ قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنّكم أهل الحَلْقَة والحُصون، وإنّكم لَتُقاتِلُنّ صاحبَنا أو لنَفعلنّ كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خَدَم نسائكم شيء -وهي الخَلاخيل-. فلمّا بلغ كتابُهم اليهودَ اجتمعت بنو النَّضِير بالغَدر، فأَرسَلوا إلى النبي ﷺ: اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا مِن أصحابك، وليَخرج إليك منّا ثلاثون حَبْرًا حتى نلتقي بمكانٍ نَصَفٍ بيننا وبينك، ويَسمعوا منك، فإن صدَّقوك وآمنوا بك آمنّا كلُّنا. فخرج النبي ﷺ في ثلاثين مِن أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حَبْرًا مِن اليهود، حتى إذا بَرزوا في بَرازٍ من الأرض قال بعضُ اليهود لبعض: كيف تَخلُصُون إليه ومعه ثلاثون رجلًا مِن أصحابه، كلّهم يحبُّ أن يموت قبله؟ فأرسَلوا: كيف نَفهَم ونحن ستون رجلًا؟! اخرج في ثلاثة مِن أصحابك، ويَخرج إليك ثلاثةٌ مِن علمائنا فليسمَعوا منك، فإنْ آمنوا بك آمنّا كلّنا وصدّقناك. فخرج النبيُّ ﷺ في ثلاثة مِن أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود، واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفَتْكَ برسول الله ﷺ، فأرسَلَت امرأةٌ ناصِحةٌ مِن بني النَّضِير إلى أخيها، وهو رجل مسلم مِن الأنصار، فأخبَرتْه خبرَ ما أراد بنو النَّضر مِن الغدر برسول الله ﷺ، فأقبل أخوها سريعًا حتى أدرك النبيَّ ﷺ، فسارّه بخبرهم قبل أن يَصِل إليهم، فرجع النبيُّ ﷺ. فلمّا كان الغدُ غَدا عليهم رسولُ الله ﷺ بالكتائب، فحَصَرهم، فقال لهم: «إنكم -واللهِ- لا تَأمَنُون عندي إلا بعهدٍ تُعاهِدُونني عليه». فأَبَوا أن يُعطوه عهدًا، فقاتلهم يومَه ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قُرَيظة بالكتائب، وترك بني النَّضِير، ودعاهم إلى أن يُعاهِدوه، فعاهَدوه، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النَّضِير بالكتائب، فقاتَلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنّ لهم ما أقَلَّتِ الإبلُ إلا الحَلْقَة -والحَلْقَة: السلاح-، فجَلَتْ بنو النَّضِير، واحتَملوا ما أقَلّتِ الإبلُ مِن أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخَشَبها، فكانوا يُخْرِبون بيوتَهم، فيهدمونها، فيَحْتملون ما وافقهم مِن خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أولَ حَشْر الناس إلى الشام، وكان بنو النَّضِير مِن سِبطٍ من أسباط بني إسرائيل لم يُصبهم جلاءٌ منذ كَتب الله على بني إسرائيل الجلاء؛ فلذلك أجْلاهم رسولُ الله ﷺ، فلولا ما كَتب الله عليهم مِن الجلاء لعذَّبهم في الدنيا كما عُذِّبتْ بنو قُرَيظة؛ فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ حتى بلغ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فكان نخيل بني النَّضِير لرسول الله ﷺ خاصة، فأعطاه الله إيّاها، وخصّه بها، فقال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ يقول: بغير قتال، فأعطى النبيُّ ﷺ أكثرَها المهاجرين، وقَسَمها بينهم، وقَسَم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة، لم يَقْسم لأحد مِن الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة[[أخرجه عبد الرزاق (٩٧٣٣)، من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي، وأبو داود (٣٠٠٤)، والبيهقي في الدلائل ٣/١٧٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢٥٩٥).]]. (١٤/٣٤٠)
٧٦١٠٤- عن عُروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود- قال: أمر اللهُ رسولَه بإجلاء بني النَّضِير، وإخراجهم من ديارهم، وقد كان النّفاقُ كثيرًا بالمدينة، فقالوا: أين تُخْرِجنا؟ قال: «أُخرجكم إلى المَحْشر». فلما سمع المنافقون ما يُراد بإخوانهم وأوليائهم مِن أهل الكتاب أرسَلوا إليهم، فقالوا لهم: إنّا معكم محيانا ومماتنا؛ إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإنْ أُخرِجتُم لم نتخلّف عنكم. ومنّاهم الشيطانُ الظهور، فنادَوا النبيَّ ﷺ: إنّا -واللهِ- لا نَخرج، ولَئِن قاتَلتَنا لَنُقاتلنَّك. فمضى النبيُّ ﷺ فيهم لأمْر الله، وأمَر أصحابه، فأخذوا السلاح، ثم مضى إليهم، وتحصَّنَتِ اليهودُ في دُورهم وحصونهم، فلما انتهى رسولُ الله ﷺ إلى أزِقَّتهم أمَر بالأدنى فالأدنى مِن دُورهم أن يُهدم، وبالنّخل أن يُحرَق ويُقطَع، وكفّ الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم، وألقى اللهُ في قلوب الفريقين الرُّعبَ، ثم جعلت اليهود كلّما خلَص رسول الله ﷺ مِن هدْم ما يلي مدينتهم ألقى الله في قلوبهم الرّعب، فهدَموا الدُّور التي هم فيها من أدبارها، ولم يستطيعوا أن يَخرجوا على النبي ﷺ، فلمّا كادوا أن يبلغوا آخر دُورهم، وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا منَّوهم، فلمّا يئسوا مِمّا عندهم سألوا رسولَ الله ﷺ الذي كان عَرض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يُجْليَهم، ولهم أن يتحَمَّلوا بما استَقَلّتْ به الإبل مِن الذي كان لهم، إلا ما كان مِن حَلْقة السلاح، فذهبوا كلَّ مَذهب، وكانوا قد عَيَّروا المسلمين حين هَدموا الدُّور وقطَعوا النخل، فقالوا: ما ذَنبُ شجرةٍ وأنتم تزعمون أنكم مُصلِحون؟! فأنزل اللهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾، ثم جعلها نفلًا لرسول الله ﷺ، ولم يجعل منها سهمًا لأحد غيره، فقال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾. فقَسمها رسولُ الله ﷺ فيمن أراه الله مِن المهاجرين الأوّلين[[أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/١٨٠-١٨٢.]]. (١٤/٣٣٤)
٧٦١٠٥- عن أبي مالك: أنّ قُرَيظة والنَّضِير -قبيلتين من اليهود- كانوا حلفاء لقبيلتين من الأنصار؛ الأَوْس والخَزْرج، في الجاهلية، فلمّا قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينة، وأسلَمت الأنصار، وأَبَتِ اليهودُ أن يُسْلِموا، سار المسلمون إلى النَّضِير وهم في حصونهم، فجعل المسلمون يَهدِمون ما يليهم مِن حصنهم، ويَهدِم الآخرون ما يليهم؛ أن يُرتَقى عليهم، حتى أفضَوْا إليهم، فنَزَلَتْ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٣)
٧٦١٠٦- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق- قال: نَزَلَتْ في بني النَّضِير سورة الحَشْر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله ﷿ به من نِقمته، وما سَلّط عليهم به رسولُ الله ﷺ وما عمِل به فيهم، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ الآيات[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٩٨.]]. (ز)
٧٦١٠٧- عن موسى بن عقبة، قال: هذا حديثُ رسول الله ﷺ حين خرج إلى بني النَّضِير يستعينهم في عقْل الكِلابِيَّيْن، وكانوا زعموا قد دَسُّوا إلى قريش حين نزلوا بأُحد لقتال رسول الله ﷺ، فحضّوهم على القتال، ودلّوهم على العورة، فلما كلّمهم رسول الله ﷺ في عقْل الكِلابِيَّيْن قالوا: اجلس -يا أبا القاسم- حتى تَطْعَم، وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور، ونُصلِح أمرنا فيما جئتنا له، فجلس رسول الله ﷺ ومَن معه مِن أصحابه في ظِلّ جدارٍ ينتظرون أن يُصلحوا أمرهم، فلمّا خَلَوا -والشيطان معهم- ائتمروا بقتْل رسول الله ﷺ، فقالوا: لن تجدوه أقرب منه الآن، فاستريحوا منه تأمَنوا في دياركم، ويُرفع عنكم البلاء. فقال رجل منهم: إن شئتم ظهرتُ فوق البيت الذي هو تحته، فدَلّيتُ عليه حجرًا، فقتلتُه. وأوحى اللهُ ﷿ إليه، فأخبره بما ائتمروا به مِن شأنهم، فعصَمه الله ﷿، وقام رسول الله ﷺ كأنه يريد أن يقضي حاجة، وتَرك أصحابه في مجلسهم، وانتظره أعداء الله، فراثَ عليهم، فأقبل رجلٌ مِن المدينة، فسألوه عنه، فقال: لَقيته قد دخل أزِقّة المدينة، فقالوا لأصحابه: عَجل أبو القاسم أن يُقيم أمرنا في حاجته التي جاء لها. ثم قام أصحاب رسول الله ﷺ، فرجعوا، ونزل القرآن، والله أعلم بالذي أراد أعداء الله، فقال ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ إلى قوله: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [المائدة:١١]. فلمّا أظهر اللهُ ﷿ رسولَه ﷺ على ما أرادوا به وعلى خيانتهم أمر اللهُ ﷿ رسولَه ﷺ بإجلائهم، وإخراجهم مِن ديارهم، وأمرهم أن يسيروا حيث شاؤوا، وقد كان النّفاق قد كثُر في المدينة، فقالوا: أين تُخرجنا؟ قال: «أُخرجكم إلى الحبس». فلمّا سمع المنافقون ما يُراد بإخوانهم وأوليائهم من أهل الكتاب أرسَلوا إليهم، فقالوا لهم: إنّا معكم محيانا ومماتنا؛ إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإنْ أُخرجتُم لم نتخلّف عنكم. وسيد اليهود أبو صفية حُييّ بن أخطَب، فلمّا وثقوا بأماني المنافقين عَظُمَت غِرَّتهم، ومنّاهم الشيطان الظهور، فنادَوا النبيَّ ﷺ وأصحابه: إنّا -واللهِ- لا نخرج، ولَئن قاتلتَنا لَنُقاتلنّك. فمضى النبيُّ ﷺ لأمْر الله تعالى فيهم، فأمَر أصحابَه، فأخذوا السلاح، ثم مضى إليهم، وتحصّنت اليهود في دُورهم وحصونهم، فلمّا انتهى رسولُ الله ﷺ إلى أزِقّتهم وحصونهم كره أن يُمكّنهم من القتال في دُورهم وحصونهم، وحفظ الله ﷿ له أمره، وعَزم على رُشده، فأمر بالأدنى فالأدنى مِن دُورهم أن تُهدم، وبالنّخل أن تُحرق وتُقطع، وكفّ الله تعالى أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم، وألقى الله ﷿ في قلوب الفريقين كلاهما الرّعب، ثم جعلت اليهود كُلّما خلَص رسول الله ﷺ مِن هدْم ما يلي مدينته ألقى الله ﷿ في قلوبهم الرّعب، فهَدموا الدُّور التي هم فيها مِن أدبارها، ولم يستطيعوا أن يَخرجوا على النبي ﷺ وأصحابه يَهدِمون ما أتَوا عليه الأول فالأول، فلّما كادت اليهود أن تبلغ آخر دُورها وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا مَنَّوهم، فلمّا يئِسوا مِمّا عندهم سألوا رسول الله ﷺ الذي كان عَرض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم رسولُ الله ﷺ على أن يُجْليَهم ولهم أن يتَحمّلوا بما استَقَلّت به الإبل مِن الذي كان لهم، إلا ما كان من حَلْقَة أو سلاح، فطاروا كلّ مطير، وذهبوا كلّ مذهب، ولحق بنو أبي الحقيق طير معهم آنية كثيرة مِن فِضّة، قد رآها النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون حين خرجوا بها، وعَمد حُييّ بن أخطَب حين قدم مكة على قريش، فاستغْواهم على رسول الله ﷺ، واستنصرهم، وبيّن الله ﷿ لرسوله ﷺ حديث أهل النّفاق وما بينهم وبين اليهود، وكانوا قد عيّروا المسلمين حين يَهدِمون الدُّور ويَقطَعون النّخل، فقالوا: ما ذَنبُ شجرة وأنتم تزعمون أنكم مُصلِحون؟! فأنزل الله ﷿: ﴿سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم﴾ إلى قوله: ﴿وليخزي الفاسقين﴾. ثم جعلها نفلًا لرسول الله ﷺ، ولم يجعل فيها سهمًا لأحد غيره، فقال: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ إلى قوله: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ [الحشر:٦]. فقَسَمها رسولُ الله ﷺ فيمن أراه الله ﷿ مِن المهاجرين الأوّلين، وأعطى منها الأنصار رجلين: سِماك بن أوْس بن خَرَشة وهو أبو دُجانة، وسهل بن حُنَيف، وأعطى -زعموا- سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، وكان إجلاء بني النَّضِير في المحرّم سنة ثلاث، وأقامت قُرَيظة في المدينة في مساكنهم، لم يؤمر النبي ﷺ فيهم بقتال ولا إخراج، حتى فضحهم الله ﷿ بحُييّ بن أخطَب، وبجموع الأحزاب[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/١٨٠-١٨٣.]]. (ز)
﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مِن دِیَـٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن یَخۡرُجُوا۟ۖ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَیۡثُ لَمۡ یَحۡتَسِبُوا۟ۖ﴾ - تفسير
٧٦١٠٨- عن الحسن، قال: بلَغني: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا أجلى بني النَّضِير قال: «امضُوا، فهذا أول الحَشْر، وإنّا على الأثر»[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٩٩ مرسلًا.]]. (ز)
٧٦١٠٩- عن عائشة -من طريق عُروة- قالت: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أولَ حَشرٍ في الدنيا إلى الشام[[أخرجه الحاكم ٢/٤٨٣، والبيهقي في الدلائل ٣/١٧٨. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وذكر عائشة فيه غير محفوظ.]]. (١٤/٣٣٢)
٧٦١١٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوفيّ- قال: كان النبيُّ ﷺ قد حاصرهم حتى بلَغ منهم كلّ مَبلغ، فأَعطَوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يَحقِن لهم دماءهم، وأن يُخرجهم مِن أرضهم وأوطانهم، وأن يُسيِّرهم إلى أذْرِعاتِ[[بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعَمّان. معجم البلدان ١/٨١.]] الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٥-٥٠٦، والبيهقي في الدلائل ٣/٣٥٩، وابن عساكر ١/١٧٩. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٣٦)
٧٦١١١- قال مُرّة الهَمداني: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ كان أول الحَشْر مِن المدينة، والحَشْر الثاني مِن خَيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذْرِعات وأرِيحاء[[هي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردُن بالشام. معجم البلدان ١/١٠٨.]] مِن الشام في أيام عمر[[تفسير البغوي ٨/٦٩.]]. (ز)
٧٦١١٢- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ قال: النَّضِير. إلى قوله: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ قال: ذلك ما بين ذلك كلّه[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٩٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٠)
٧٦١١٣- قال الضَّحّاك بن مُزاحِم: أُعطي كلُّ ثلاثة نَفرٍ بعيرًا وسقاة، ففعلوا ذلك، وخرجوا مِن المدينة إلى الشام إلى أذْرِعات وأريحاء، إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حُييّ بن أخطَب؛ فإنهم لحقوا بخَيبر، ولَحقَتْ طائفة منهم بالحيرة، فذلك قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾[[تفسير البغوي ٨/٦٩.]]. (ز)
٧٦١١٤- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، قال: الحَشْر قِبَل الشام، وهم بنو النَّضِير؛ حيٌّ مِن اليهود، أجلاهم نبيُّ الله ﷺ من المدينة إلى خَيبر مَرْجِعَه مِن أُحُد[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٩٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٠)
٧٦١١٥- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- ﴿مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، قال: هم بنو النَّضِير، قاتَلهم النبيُّ ﷺ حتى صالَحهم على الجلاء، فَأجْلاهم إلى الشام، وعلى أنّ لهم ما أقَلّت الإبل مِن شيء إلا الحَلْقَة -والحَلْقة: السلاح-، كانوا مِن سِبطٍ لم يُصِبْهُم جلاءٌ فيما مضى، وكان الله ﷿ قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذّبهم في الدنيا بالقتْل والسّباء[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٢، وابن جرير ٢٢/٤٩٧.]]. (ز)
٧٦١١٦- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- ﴿مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، قال: كان جلاؤهم أول الحَشْر في الدنيا على الشام[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٩٩.]]. (ز)
٧٦١١٧- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق- قال: إنّ رهطًا من بني عوف بن الخَزْرج -منهم: عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، ووديعة، ومالك بن أبي قَوْقَل، وسُويد، وداعس- بَعثوا إلى بني النَّضِير: أنِ اثبُتوا وتمَنّعوا، فإنّا لن نُسلِمكم، وإن قوتلتم قاتَلنا معكم، وإنْ أُخرجتُم خَرجنا معكم. فتربّصوا لذلك مِن نصْرهم، فلم يفعلوا، وكانوا قد تحصّنوا في الحصون مِن رسول الله ﷺ حين نزل بهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٠.]]٦٥٣٨. (ز)
٦٥٣٨ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٠٠) في معنى قوله: ﴿وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله﴾ غير قول يزيد.
٧٦١١٨- قال محمد بن السّائِب الكلبي: إنما قال: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ لأنهم كانوا أول مَن أُجْلِي مِن أهل الكتاب مِن جزيرة العرب، ثم أجلى آخرَهم عمرُ بن الخطاب ﵁[[تفسير البغوي ٨/٦٩.]]. (ز)
٧٦١١٩- قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: يهود بني النَّضِير ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ بعد قتال أُحُد أخرجهم ﴿مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ يعني: القتال، والحَشْر الثاني القيامة، وهو الجلاء من المدينة إلى الشام وأَذْرِعات، ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ يقول للمؤمنين: ما حَسِبتم ﴿أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا﴾ يعني: وحَسِبوا ﴿أنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ يعني: مِن قِبل قتْل كعب بن الأشرف[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٥.]]. (ز)
٧٦١٢٠- عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ قال: فتح اللهُ على نبيه في أول حشْرٍ حَشَرَ نبي الله إليهم، لم يقاتلهم المرّتين ولا الثلاثة، فتَح الله على نبيّه في أوَّلِ حَشرٍ حَشَر عليهم في أول ما قاتلهم. وفي قوله: ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ النبي ﷺ وأصحابه، ﴿أنْ يَخْرُجُوا﴾ مِن حصونهم أبدًا[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٣٤)
٧٦١٢١- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، قال: هؤلاء النَّضِير حين أجْلاهم رسولُ الله ﷺ. وفي قوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ قال: الشام حين ردّهم إلى الشام. وقرأ قول الله ﷿: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ [النساء:٤٧]. قال: مِن حيث جاءت أدبارها أن رَجعتْ إلى الشام، مِن حيث جاءت رُدّوا إليه[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٩٨-٤٩٩.]]٦٥٣٩. (ز)
٦٥٣٩ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٤٩٨-٤٩٩) في معنى قوله: ﴿لأول الحشر﴾ غير قول ابن زيد وما في معناه.
ولَخّص ابنُ عطية (٨/٢٦٠) الخلاف في قوله تعالى: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، فقال: «اختلف الناسُ في معنى ذلك بعد اتفاقهم على أنّ»الحَشْر«: الجمع والتوجيه إلى ناحية ما. فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: أراد: حَشْر القيامة، أي: هذا أوله، والقيام من القبور آخره، ورُوي أنّ النبي ﷺ قال لهم: «امضوا هذا أول الحشر وإنّا على الأثر». وقال عكرمة، والزهري، وغيرهما: المعنى: لأول موضع الحَشْرِ، وهو الشام، وذلك أنّ أكثر بني النَّضِير جاءت إلى الشام. وقد رُوي: أنّ حشر القيامة هو إلى بلد الشام، وأنّ النبي ﷺ قال لبني النضير: «اخرجوا». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المَحْشَر». وقال قوم في كتاب المهدوي: المراد: الحَشْر في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فهذا الذي فعل رسول الله ﷺ ببني النَّضِير أوله، والذي فعل عمر بن الخطاب بأهل خَيبر آخره، وأخبرت الآية بمغيَّب، وقد أخبر النبي ﷺ بجلاء أهل خَيبر». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون آخر الحَشْر في قول النبي ﷺ في مرضه: «لا يبقينّ دينان في جزيرة العرب». فإنّ ذلك يتضمن إجلاء بقاياهم».
﴿وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ یُخۡرِبُونَ بُیُوتَهُم بِأَیۡدِیهِمۡ وَأَیۡدِی ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ - تفسير
٧٦١٢٢- عن عبد الله بن عباس: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وذلك لِهَدْمهم بيوتهم عن نُجُفِ[[النُّجف جمع نِجاف: وهي العتبة، وهي أسكفة الباب. التاج (نجف).]] أبوابهم إذا احتملوها[[عزاه السيوطي إلى ابن إسحاق، وابن مردويه. وينظر: سيرة ابن هشام ٢/١٩٢-١٩٥. وتقدم بتمامه في نزول الآيات.]]. (١٤/٣٣٩)
٧٦١٢٣- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ﴾، قال: يعني: بني النَّضِير، جعل المسلمون كلّما هَدموا شيئًا مِن حصونهم جعلوا يَنقُضون بيوتهم ويُخرِبونها، ثم يَبنُون ما يُخرِب المسلمون، فذلك هلاكهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٢.]]. (ز)
٧٦١٢٤- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- قال في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾: يعني: أهل النَّضِير، جعل المسلمون كلّما هدَموا مِن حِصنهم جعلوا يَنقُضون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ثم يَبنُون ما خَرّب المسلمون[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٢.]]. (ز)
٧٦١٢٥- عن عكرمة مولى ابن عباس، في قوله: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾، قال: كانت بيوتُهم مُزَخرفَةً، فحسَدوا المسلمين أن يَسكنوها، وكانوا يُخرِّبونها مِن داخل، والمسلمون من خارج[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٥١)
٧٦١٢٦- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، قال: كان المسلمون يُخرِبون ما يليهم مِن ظاهرها؛ ليدخلوا عليهم، ويُخرِبها اليهود من داخلها[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٣، وابن جرير ٢٢/٥٠١، كذلك بنحوه من طريق سعيد. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٩)
٧٦١٢٧- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾، قال: لَمّا صالحوا النبيَّ ﷺ كانوا لا يُعجِبُهم خشبةً إلا أخذوها، فكان ذلك تخريبها[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٢، وابن جرير ٢٢/٥٠١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٥٠)
٧٦١٢٨- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق- قال: احتَملوا مِن أموالهم -يعني: بني النَّضِير- ما استَقلّت به الإبل، فكان الرجلُ منهم يهدم بيته عن نِجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطَلِق به. قال: فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، وذلك هدْمُهم بيوتهم عن نُجُف أبوابهم إذا احتَملوها[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠١.]]. (ز)
٧٦١٢٩- قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا أمر النبيُّ ﷺ بالسَّير إلى بني النَّضِير، فبَلغهم ذلك، خَرّبوا الأَزِقّة، وحصّنوا الدُّور، فأتاهم رسولُ الله ﷺ، فقاتَلهم إحدى وعشرين ليلة، كلمّا ظهر على دار مِن دُورهم أو دَرْبٍ من دُروبهم هدمه لِيَتَّسِع المقاتل، وجعلوا يَنقُبون[[النَّقْبُ: الثَّقْبُ في أي شيء كان. لسان العرب (نقب).]] دُورهم مِن أدبارها إلى الدار التي تليها، ويَرمُون أصحاب رسول الله بنَقْضِها، فلمّا يئسوا مِن نصْر المنافقين، وذلك أنّ المنافقين كانوا وعدوهم إن قاتلهم النبي أن ينصروهم؛ فلمّا يئسوا مِن نصْرهم سألوا نبيَّ الله الصُّلح، فأبى عليهم إلا أن يَخرجوا من المدينة، فصالَحهم على أن يُجليَهم إلى الشام على أنّ لهم أن يَحمل أهلُ كلِّ ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا مِن طعام وسقاء، ولنبي الله وأصحابه ما فَضل، ففعلوا[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٦٥-٣٦٦-.]]. (ز)
٧٦١٣٠- عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ مِن داخل الدار، لا يَقْدِرون على قليلٍ ولا كثير ينفعهم إلا خَرَّبوه وأفسدوه؛ لِئَلّا يَدَعوا شيئًا ينفعهم إذا رحلوا. وفي قوله: ﴿وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ ويُخرِّب المؤمنون ديارهم من خارجها؛ كيما يَخلُصوا إليهم[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٥٠)
٧٦١٣١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ بقتْل كعب بن الأشرف، أرعَبهم الله بقتْله؛ لأنه كان رأسهم وسيدهم، قتَله محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه مِن الرضاعة، وغيره، وكان مع محمدٍ ليلة قتل كعب بن الأشرف أخو محمد بن سلمة، وأبو ليل[[كذا في مطبوعة المصدر، ولعله: أبو نائلة، واسمه: سلكان بن سلامة بن وقش، أخو سلمة بن سلامة بن وقش، أحد بني عبد الأشهل، ذكر ابن إسحاق أنه كان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، بخلاف ما ذكر في الأثر. ينظر: سيرة ابن هشام ٢/٥٥، والإصابة ٧/٣٣٦.]]، وعُتبة؛ كلّهم من الأنصار، ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وذلك أنّ المنافقين دَسُّوا وكتبوا إلى اليهود: ألّا يخرجوا مِن الحِصن، وأن يدبروا على الأَزِقّة وحصونها، فإن قاتَلتم محمدًا فنحن معكم لا نخذلكم ولَنَنصُرَنّكم، ولَئِن أُخرجتم لنَخرُجنّ معكم، فلمّا سار النبيُّ ﷺ إليهم وجدهم ينُوحون على كعب بن الأشرف. قالوا: يا محمد، واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، ونائحة على أثر نائحة. قال: نعم. قالوا: فذَرنا نبكي شُجونًا، ثم نأتَمر لأمرك. فقال النبيُّ ﷺ: «اخرجوا من المدينة». قالوا: الموتُ أقربُ إلينا مِن ذلك. فتَنادَوا الحربَ، واقتتلوا، وكان المؤمنون إذا ظهروا على دَرْبٍ مِن دُروبهم تأخّروا إلى الذي يليه، فنَقبوه مِن دُبره، ثم حصَّنوها، ويُخرب المسلمون ما ظهروا عليه مِن نَقض بيوتهم، فيَبنُون دروبًا على أفواه الأَزِقّة، فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٥-٢٧٦.]]. (ز)
٧٦١٣٢- عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف- في قول الله ﷿: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، قال: كان رسول الله ﷺ يُقاتِلهم، فإذا ظهر على دربٍ أو دارٍ هَدم حيطانها؛ لِيَتَّسع المكانُ للقتال، وكانت اليهود إذا غُلِبوا على دربٍ أو دارٍ نَقبوها مِن أدبارها، ثم حصّنوها، ودَرَّبوها[[الدَّرْبُ: باب السِّكَّة الواسع. لسان العرب (درب).]]، يقول الله ﷿: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصار﴾[[أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٣٥٨.]]. (١٤/٣٤٩)
٧٦١٣٣- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، قال: هؤلاء النَّضِير، صالَحهم النبيُّ ﷺ على ما حَملت الإبل، فجعلوا يَقْلعون الأوتاد؛ يُخرِبون بيوتهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٢.]]٦٥٤٠. (ز)
٦٥٤٠ قال ابنُ جرير (٢٢/٥٠٠): «وقوله: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿يخربون بيوتهم﴾: بني النَّضِير مِن اليهود، وأنهم يُخرِبون مساكنهم، وذلك أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة فيما ذكر في منازلهم مما يستحسنونه، أو العمود أو الباب، فينزعون ذلك منها ﴿بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وذكر أقوال السلف، ثم ذكر قول مَن قال: «إنما قيل ذلك كذلك لأنهم كانوا يُخرِبون بيوتهم ليبنوا بنَقضها ما هدم المسلمون مِن حصونهم». ولم يعلّق عليه.
﴿فَٱعۡتَبِرُوا۟ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ ٢﴾ - تفسير
٧٦١٣٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ﴾ يعني: المؤمنين أهل البصيرة في أمر الله، وأمر النَّضِير[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٥-٢٧٦.]]. (ز)
﴿فَٱعۡتَبِرُوا۟ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ ٢﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦١٣٥- عن عبد الله بن عباس، قال: مَن شكّ أنّ المَحْشَر بالشام فليقرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾. قال لهم رسولُ الله ﷺ: «اخرجوا». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المَحْشر»[[أخرجه ابن عدي في الكامل ٤/٤٣٤، والبزار -كما في كشف الأستار ٤/١٥٤ (٣٤٢٦)-، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/٥٩- من طريق أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
قال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٤/٢٣١٢ (٥٣٧٤): «أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان ... ليس بشيء». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/١٥٧ (٣٢٧١): «تركه الفلّاس». وقال ابن معين: «لا يُكتب حديثه». وقال أبو زرعة: «صدوق مدلّس». وقال البخاري: «منكر الحديث». وقال الهيثمي في المجمع ١٠/٣٤٣ (١٨٣٥٥): «فيه أبو سعد البقال، والغالب عليه الضعف».]]. (١٤/٣٣٣)
٧٦١٣٦- عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: مَن شكّ أنّ المَحْشَر إلى بيت المقدس فليقرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، فقد حُشِر الناسُ مرة، وذلك حين ظهر النبي ﷺ على المدينة أجلى اليهود[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٠)
٧٦١٣٧- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- قال: تجيء نارٌ مِن مَشرق الأرض، تَحشر الناس إلى مَغربها، تسوقهم سَوق البَرق الكسير، تَبيتُ معهم إذا باتوا، وتَقيل معهم إذا قالوا، وتأكل مَن تَخَلَّف منهم[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٢، وابن جرير ٢٢/٤٩٩، كلاهما في تفسير هذه الآية.]]. (ز)
٧٦١٣٨- عن قيس، قال: قال جريرٌ لقومه فيما يَعِظُهم: واللهِ، إني لَوَدِدتُ أنّي لم أكن بَنيتُ فيها لَبِنة، ما أنتم إلا كالنّعامة استَتَرتْ، وإنّ أول أرضكم هذه خرابًا يُسراها، ثم يَتبعها يُمناها، وإنّ المَحْشَر ههنا. وأشار إلى الشام[[عزاه السيوطي إلى أحمد في الزهد.]]. (١٤/٣٣٤)
الحشر 59:3
﴿وَلَوۡلَاۤ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡجَلَاۤءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣﴾ - تفسير
٧٦١٣٩- عن عائشة -من طريق عُروة- قالت: ... قاتلهم النبيُّ ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، وأجلاهم إلى الشام، وكانوا مِن سِبطٍ لم يُصِبْهم جلاءٌ فيما خلا، وكان اللهُ قد كَتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذّبهم في الدنيا بالقتْل والسَّبْيِ[[أخرجه الحاكم ٢/٤٨٣، والبيهقي في الدلائل ٣/١٧٨. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وتقدم بتمامه في نزوال الآيات.]]. (١٤/٣٣٢)
٧٦١٤٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾: والجلاء: إخراجهم مِن أرضهم إلى أرضٍ أخرى[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٤.]]. (ز)
٧٦١٤١- عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله ﷺ حرّق نخل بني النَّضِير، والجلاء: إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى[[عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه. وأخرجه البخاري (٣٠٢١، ٤٠٣١)، ومسلم (١٧٤٦/٢٩-٣١)، والترمذي (١٥٥٢)، والبيهقي في الدلائل ٣/٣٥٧ دون آخره.]]. (١٤/٣٣٦)
٧٦١٤٢- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- قال في قوله: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾: أهل النَّضِير حاصَرهم نبيُّ الله ﷺ حتى بلغ منهم كلَّ مبلغ، فأَعطَوْا نبيَّ الله ﷺ ما أراد، فصالَحهم على أن يَحقن لهم دماءهم، وأن يُخرجَهم مِن أرضهم وأوطانهم، ويُسيّرهم إلى أذْرِعات الشام، وجعل لكلّ ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء، فهذا الجلاء[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٦.]]. (ز)
٧٦١٤٣- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾، الجلاء: خروج الناس مِن البلد إلى البلد[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٥١)
٧٦١٤٤- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قال: كان النَّضِير مِن سِبطٍ لم يُصِبهم جلاءٌ فيما مضى، وكان اللهُ قد كتب عليهم الجلاء؛ ولولا ذلك لَعذّبهم في الدنيا بالقتْل والسّباء[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٥.]]. (ز)
٧٦١٤٥- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق-: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ وكان لهم مِن الله نِقمة، ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ أي: بالسيف، ﴿ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ مع ذلك[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٥.]]. (ز)
٧٦١٤٦- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ﴾ يعني: قضى الله. نظيرها في المجادلة [٢١]: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ يعني: قضى الله. ﴿عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ من المدينة؛ ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ بالقتل بأيديكم، ﴿ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٦.]]. (ز)
٧٦١٤٧- عن عبد الملك ابن جُرَيْج، ﴿ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا﴾، قال: لسَلّط عليهم، فضُربت أعناقهم، وسُبِيَت ذَراريهم، ولكن سَبق في كتابه الجلاء لهم، ثم أُجْلُوا إلى أذْرِعات وأريحا[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٥٠)
﴿وَلَوۡلَاۤ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡجَلَاۤءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦١٤٨- عن محمد بن مَسلَمة: أنّ النبيَّ ﷺ بعثه إلى بني النَّضِير، وأمره أن يؤجّلهم في الجلاء ثلاثًا[[عزاه السيوطي إلى البغوي في معجمه.]]. (١٤/٣٣٦)
الحشر 59:4
﴿ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَاۤقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن یُشَاۤقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ ٤﴾ - تفسير
٧٦١٤٩- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذلِكَ﴾ الذي نزل بهم من الجلاء ﴿بِأَنَّهُمْ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يعني: عادوا الله ورسوله، ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ ورسوله، يعني: ومن يعادي الله ورسوله ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ إذا عاقب. نظيرها في هود [٨٩]: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ يعني: عداوتي[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٦.]]. (ز)
الحشر 59:5
﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّینَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَاۤىِٕمَةً عَلَىٰۤ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِیُخۡزِیَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ٥﴾ - قراءات
٧٦١٥٠- عن سليمان بن مهران الأعمش أنه قرأها: (ما قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قَوْمًا عَلى أُصُولِها)[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
والقراءة شاذة، تنسب أيضًا إلى ابن مسعود، وطلحة، وزيد بن علي. انظر: مختصر الشواذ لابن خالويه ص١٥٤، والبحر المحيط ٨/٢٤٤.]]. (١٤/٣٥٢)
﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّینَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَاۤىِٕمَةً عَلَىٰۤ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِیُخۡزِیَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ٥﴾ - نزول الآية
٧٦١٥١- عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- في قوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ قال: اللّينة: النّخلة، ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ قال: استنزلوهم مِن حصونهم، وأُمِروا بقَطع النّخل، فحَكَّ[[يقال: حَكَّ الشيء في نفْسي: إذا لم تكن مُنشرح الصَّدر به، وكان في قلبك منه شيء مِن الشَّك والرِّيب، وأوْهَمك أنه ذنب وخطيئة. النهاية (حكك).]] في صدورهم. فقال المسلمون: قد قطعنا بعضًا، وتركنا بعضًا، فلنسألنّ رسول الله ﷺ هل لنا فِيما قطعنا مِن أجر؟ وهل علينا فيما تركنا مِن وِزر؟ فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ الآية[[أخرجه الترمذي (٣٣٠٣)، والنسائي في الكبرى (١١٥٧٤)، والطبراني في الأوسط (٥٨٧). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن الضريس.
حسنه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٦٣١).]]. (١٤/٣٣٧)
٧٦١٥٢- عن عبد الله بن عمر: أنّ النبي ﷺ حرّق نخل بني النَّضِير وقطع، وهي البُوَيْرة[[البويرة: تصغير بئر، موضع منازل بني النَّضِير اليهود، وخارج المدينة. مراصد الاطلاع ١/٢٣٢.]]، ولها يقول حسان بن ثابت:
وهان على سَراةِ بني لؤي حريقٌ بالبُوَيْرة مستطير
فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾[[أخرجه يحيى بن سلام ٢/٧١٢، وسعيد بن منصور (٢٦٤٢)، والبخاري (٤٠٣٢)، ومسلم (١٧٤٦/٣٠)، والترمذي (٣٣٠٢)، والبيهقي في الدلائل ٣/١٨٤، ٣٥٥-٣٥٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٣٧)
٧٦١٥٣- عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزبير- قال: رخّص لهم في قَطع النّخل، ثم شدّد عليهم، فقالوا: يا رسول الله، علينا إثمٌ فيما قَطعنا أو فيما تركنا؟ فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ الآية[[أخرجه أبو يعلى (٢١٨٩). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٢٢): «رواه أبو يعلي، عن شيخه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف».]]. (١٤/٣٣٨)
٧٦١٥٤- عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ غدا يومًا إلى النَّضِير ليسألهم كيف الدِّية فيهم، فلمّا لم يروا مع رسول الله كثيرَ أحد أبْرموا بينهم على أن يقتلوه، ويأخذوا أصحابه أسارى؛ ليذهبوا بهم إلى مكة، ليبيعوهم مِن قريش. فبينما هم على ذلك جاءَ جاءٍ مِن اليهود مِن المدينة، فلمّا رأى أصحابَه يأتمرون بأمر النبي ﷺ قال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن نقتل محمدًا، ونأخذ أصحابه. فقال لهم: وأين محمد؟ قالوا: هذا محمد قريب مِنّا. فقال لهم صاحبهم: واللهِ، لقد تركتُ محمدًا داخل المدينة. فأُسقط بأيديهم، وقالوا: قد أُخبر أنه انقطع ما بيننا وبينه مِن العهد. فانطلق منهم ستون حَبْرًا، ومنهم حُييّ بن أخطَب، والعاصي بن وائل[[ذكر محققو المصدر أنه كذا في النسخ، ولعله تصحفت عن: «أبو عمار من بني وائل». ينظر: ابن جرير ٧/١٤٦.]]، حتى دخلوا على كعب، وقالوا: يا كعب، أنت سيد قومك ومدحهم[[ذكر محققو المصدر أنه كذا في النسخ، ولعله تصحفت عن: ممدّح.]]، احكم بيننا وبين محمد. فقال لهم كعب: أخبِروني ما عندكم. قالوا: نُعتِق الرّقاب، ونذبح الكَوْماء[[ناقة كَوْماء: مُشْرفةَ السَّنام، عاليَته. النهاية (كوم).]]، وإنّ محمدًا انبتر مِن الأهل والمال. فشَرَّفهم كعبٌ على رسول الله ﷺ، فانقلبوا؛ فأنزل الله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥١-٥٢]. وأنزل الله عليه فيما أرادوا أن يقتلوه: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ﴾ الآية [المائدة:١١]. فقال رسول الله ﷺ: «مَن يَكْفِيني كعبًا؟». فقال ناسٌ من أصحابه فيهم محمد بن مَسْلَمة: نحن نكفيكه، يا رسول الله، ونَستحلّ منك شيئًا. فجاءوه، فقالوا: يا كعب، إنّ محمدًا كَلّفنا الصدقة، فبِعْنا شيئًا. -قال عكرمة: فهذا الذين استحلّوه من رسول الله ﷺ- فقال لهم كعب: ارهنوني أولادكم. فقالوا: ذاك عارٌ فينا غدًا؛ قبيح أن يقولوا: عبدُ وسْقِ شعير. قال كعب: فاللَّأْمَة -قال عكرمة: وهي السلاح-. فأصلحوا أمرهم على ذلك، فقالوا له: موعد ما بيننا وبينك القابلة. حتى إذا كانت القابلة راحوا إليه، ورسول الله ﷺ في المُصلّى يدعو لهم بالظَّفَر، فلما جاءوه نادَوه: يا كعب. وكان عروسًا، فأجابهم، فقالت امرأتُه -وهي بنت عُمير-: أين تنزل؟ قد أيقنتُ الساعة ريح الدّم. فهبط وعليه مِلْحَفة مُوَرَّسة، وله ناصية، فلمّا نزل إليهم قال القوم: ما أطيبَ ريحكَ! ففرح بذلك، فقام إليه محمد بن مَسْلَمة، فقال قائل المسلمين: أشِمُّونا من ريحه. فوضع يدَه على ثوب كعب، وقال: شُمُّوا. فشَمّوا، وهو يظن أنهم يُعجبون بريحه، ففرح بذلك، فقال محمد بن مَسْلَمة: بَقيتُ أنا أيضًا. فمضى إليه، فأخذ بناصيته، ثم قال: اجلدوا عنقه. فجلدوا عنقه، ثم إنّ رسول الله ﷺ غدا إلى النَّضِير، فقالوا: ذَرنا نبكِ سيدَنا. قال: «لا». قالوا: فحَزَّة على حَزَّة. قال: «نعم، حَزَّة على حَزَّة». فلما رَأَوا ذلك جعلوا يأخذون مِن بطون بيوتهم الشيء ليَنجُوا به، والمؤمنون يُخرِبون بيوتهم مِن خارجٍ ليدخلوا عليهم، فلولا أن كتب الله عليهم الجلاء -قال عكرمة: والجلاء يُجلَون منهم- لقَتَلهم بأيديهم. وقال عكرمة: إنّ ناسًا مِن المسلمين لَمّا دخلوا على بني النَّضِير أخذوا يَقطعون النخل، فقال بعضهم لبعض: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة:٢٠٥]. وقال قائل من المسلمين: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ [التوبة:١٢١]، ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ [التوبة:١٢٠]. فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ وهي النخلة، ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ قال: ما قَطعتم فبإذني، وما تَركتم فبإذني[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٦)
٧٦١٥٥- عن أبي مالك غَزْوان الغفاري: فلمّا أفضَوا إليهم نزلوا على عهدٍ بينهم وبين نبيِّ الله ﷺ، على أن يُجلُوهم وأهليهم، وتؤخذ أموالهم وأرضوهم، فأُجلُوا، ونزلوا خيبر، وكان المسلمون يَقطعون النخل. فحدّثني رجال مِن أهل المدينة: أنها نخل صُفْرٌ كهيئة الدَّقَلِ، تُدعى: اللِّينَة. فاستنكر ذلك المشركون؛ فأنزل الله عُذر المسلمين: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٤)
٧٦١٥٦- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق- قال: لَمّا نزل رسولُ الله ﷺ ببني النَّضِير تحصّنوا منه في الحصون، فأمر بقطْع النخل، والتحريق فيها، فنادَوه: يا محمد، قد كنتَ تنهى عن الفساد وتَعِيبه، فما بال قطْع النّخل وتحريقها؟! فنَزَلَتْ[[أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ٢/١٩١-، وابن جرير ٢٢/٥١٠.]]. (١٤/٣٣٨)
٧٦١٥٧- عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم -من طريق ابن إسحاق- قال: لَمّا تحصّن بنو النَّضِير مِن رسول الله ﷺ أمَر بقطْع نخلهم وتحريقه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت ترضى الفساد! فأنزل الله ﷿ في ذلك أنه ليس بفساد، قال الله ﷿: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾، وليس بفساد[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/٣٥٥.]]. (ز)
٧٦١٥٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ يعني: ولِيُهِنِ اليهودَ، وذلك أنّ النبي ﷺ أمَر بقطْع ضربٍ مِن النخيل مِن أجود التّمر، يقال له: اللّين، شديد الصُّفرة، ترى النّواة من اللِّحى، مِن أجود التمر، يَغيب فيه الضّرس، النخلة أحبّ إلى أحدهم مِن وصِيف[[الوصيف: العبد. لسان العرب (وصف).]]، فجزع أعداء الله لَمّا رَأَوا ذلك الضّرب مِن النخيل يُقطع. فقالوا: يا محمد، أوَجدتَ فيما أنزل اللهُ عليك الفساد في الأرض، أو الإصلاح في الأرض؟! فأكثروا القول، ووجَد المسلمون ذِمامة[[ذِمامة: حياء وإشفاق من الذَّم واللوم. النهاية (ذمم).]] مِن قطْعهم النخيل؛ خشية أن يكون فسادًا؛ فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٦-٢٧٧.]]. (ز)
٧٦١٥٩- عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف- قوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾: يعني باللّينة: النخلة، وهي أعجب إلى اليهود من الوصيف، يُقال لثمرها: اللَّون[[اللون: نوع من النخل قيل: هو الدقل. وقيل: النخل كله ما خلا البرني والعجوة، تسميه أهل المدينة الألوان. النهاية (لون).]]. فقالت اليهود عند قطْع النبي ﷺ نخلهم، وعقْر شجرهم: يا محمد، زعمتَ أنك تريد الإصلاح، أفمِن الإصلاح عقْر الشجر، وقطْع النّخل، والفساد؟! فشقَّ ذلك على النبي ﷺ، ووجَد المسلمون مِن قولهم في أنفسهم مِن قطْعهم النّخل خشية أن يكون فسادًا، فقال بعضُهم لبعض: لا تقطعوا؛ فإنّه مِمّا أفاء اللهُ علينا. فقال الذين يقطعونها: نَغيظهم بقطْعها. فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ الآية[[أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٣٥٨.]]. (١٤/٣٤٩)
٧٦١٦٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: جاء يهوديٌّ إلى النبيّ ﷺ، فقال: أنا أقوم فأُصلّي. قال: «قدّر الله لك ذلك أن تُصلّي». قال: أنا أقعد. قال: «قدّر الله لك أن تقعد». قال: أنا أقوم إلى هذه الشجرة فأقطعها. قال: «قدّر الله لك أن تقطعها». قال: فجاء جبريل ﵇، فقال: يا محمد، لُقِّنت حُجّتك كما لُقِّنها إبراهيم على قومه. وأنزل الله تعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ يعني: اليهود[[أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٤١٨-٤١٩، من طريق جرموز، عن حاتم النجار، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
وسنده ضعيف؛ جرموز: لعله جرموز بن عبد الله العرقي، قال عنه الذهبي في الميزان ١/٣٩١: «ضعفه ابن ماكولا». وحاتم النجار لم أقف له على ترجمة.]]. (ز)
٧٦١٦١- عن الأوزاعي -من طريق الوليد بن مزيد- قال: أتى النبيَّ ﷺ يهوديٌّ، فسأله عن المشيئة، قال: «المشيئة لله». قال: فإنّي أشاء أنْ أقوم. قال: «قد شاء الله أن تقوم». قال: فإنِّي أشاء أنْ أقعد. قال: «فقد شاء الله أن تقعد». قال: فإنّي أشاء أنْ أقطع هذه النخلة. قال: «فقد شاء الله أن تقطعها». قال: فإني أشاء أنْ أتركها. قال: «فقد شاء الله أن تتركها». قال: فأتاه جبريل ﵇. فقال: لُقِّنت حُجّتك كما لُقِّنها إبراهيم ﵇. قال: ونزل القرآن: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٩٦).]]. (١٤/٣٥٣)
﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّینَةٍ﴾ - تفسير
٧٦١٦٢- عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ قَسَم بين قريش والمهاجرين النَّضِير؛ فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ قال: هي العجوة، والعَتِيقُ[[العَتيقُ: فحل من النخل لا تَنفُضُ نخلته. لسان العرب (عتق).]]، والنخيل، وكانا مع نوح في السفينة، وهما أصل التمر، ولم يُعطِ رسولُ الله ﷺ من الأنصار أحدًا إلا رجلين: أبا دُجانة، وسهل بن حُنَيف[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٥٣)
٧٦١٦٣- عن عبد الله بن عباس، ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾، قال: نخلة، أو شجرة[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٥٢)
٧٦١٦٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿مِن لِينَةٍ﴾، قال: اللينة: لون مِن النّخل[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٩.]]. (١٤/٣٥١)
٧٦١٦٥- عن عبد الله بن عباس، قال: أمر النبيُّ ﷺ -﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾- بقطْع النخل كلّه إلا العجوة ذلك اليوم، فكلّ شيء سوى العجوة فهو اللّين[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٧.]]. (ز)
٧٦١٦٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾، قال: هي النّخلة[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٣٩٣، وابن جرير ٢٢/٥٠٨ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد.]]. (١٤/٣٥١)
٧٦١٦٧- عن سعيد بن جُبَير -من طريق حبيب-، مثله[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٣٩٣.]]. (١٤/٣٥١)
٧٦١٦٨- عن عمرو بن ميمون الأَوْدي -من طريق أبي إسحاق-= (ز)
٧٦١٦٩- ومجاهد بن جبر -من طريق منصور-= (ز)
٧٦١٧٠- وعكرمة مولى ابن عباس -من طريق داود-= (ز)
٧٦١٧١- وعطية بن سعد العَوفيّ، مثله[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٧-٥٠٨، عن مجاهد، وميمون، وعكرمة. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٥١)
٧٦١٧٢- عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق داود- قال: اللّينة: ما دون العجوة مِن النّخل[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٣٩٣، وسعيد بن منصور -كما في فتح الباري ٨/٦٢٩-، وأخرجه يحيى بن سلام ٢/٧١٢ من طريق أيوب. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٥١)
٧٦١٧٣- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾، قال: النّخل كله ما خلا العجوة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٧.]]. (ز)
٧٦١٧٤- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قال: اللّينة: ألوان النخل كلّها، إلا العجوة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٧. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٥٢)
٧٦١٧٥- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق- في قوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾، قال: اللّينة: ما خالف العجوة من التمر[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٧.]]. (ز)
٧٦١٧٦- قال مقاتل بن سليمان: ... ضربٌ مِن النخيل مِن أجود التمر يُقال له: اللّين، شديد الصُّفرة، تُرى النَّواة من اللِّحى، من أجود التمر، يَغيب فيه الضّرس، النّخلة أحبُّ إلى أحدهم مِن وصيف ... ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ ... وكانوا قطعوا أربع نخلات كرام عن أمْر النبي ﷺ غير العجوة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٦-٢٧٧.]]. (ز)
٧٦١٧٧- عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف- قوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾: يعني باللّينة: النّخلة، وهي أعجب إلى اليهود مِن الوصيف، يُقال لثمرها: اللّون[[أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٣٥٨.]]. (١٤/٣٤٩)
٧٦١٧٨- عن سفيان [الثوري] -من طريق مهران- في ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾، قال: مِن كرامِ نخلِهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٩.]]. (ز)
٧٦١٧٩- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ قال: اللّينة: النخلة؛ عجوة كانت أو غيرها، قال الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ للنخل الذي قَطعوا مِن نخل النَّضِير حين غَدرت النَّضِير[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٠٨.]]٦٥٤١. (ز)
٦٥٤١ اختُلف في معنى اللّينة على أقوال: الأول: أنها جميع أنواع النخل سوى العجوة. الثاني: أنّ النخل كلّه لِينة، العجوة منه وغير العجوة. الثالث: أنها هي لون من النخل. الرابع: أنها كرام النخل.
وقد رجّح ابنُ جرير (٢٢/٥٠٩) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، فقال: "والصواب مِن القول في ذلك قولُ من قال: اللّينة: النّخلة، وهنّ من ألوان النخل ما لم تكن عجوة، وإياها عنى ذو الرّمة بقوله:
طِراق الخوافي واقعٌ فوق لِينَةٍ نَدى لَيْلِه في ريشِه يَتَرَقْرَقُ".
وذكر ابنُ عطية (٨/٢٦٣) أنّ أبا عبيدة قال: اللّين: ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها عجوة ولا نوى.
﴿أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَاۤىِٕمَةً عَلَىٰۤ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ - تفسير
٧٦١٨٠- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: نهى بعضُ المهاجرين بعضًا عن قطع النّخل، وقالوا: إنما هي من مغانم المسلمين. وقال الذين قَطعوا: بل هي غيظٌ للعدو. فنزل القرآنُ بتصديق مَن نهى عن قطْعه، وتحليل مَن قطعه من الإثم، فقال: إنما قطْعه وترْكه بإذن الله[[تفسير مجاهد ص٦٥٢، وأخرجه عبد الرزاق (٩٣٧٤)، والبيهقي في الدلائل ٣/١٨٥، وابن جرير ٢٢/٥٠٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٣٨)
٧٦١٨١- وقال عكرمة مولى ابن عباس: ... ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾، قال: ما قطعتم فبإذني، وما تركتم فبإذني[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٦)
٧٦١٨٢- عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق عبد الرزاق- قال: قال لي عطاء: قد قال: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً﴾ -وقاله عمرو بن دينار، قال ابن جُرَيْج: وقال مجاهد: ﴿مِن لِينَةٍ﴾: النّخلة- نهى بعضُ المهاجرين بعضًا عن قطْع النخل، وقالوا: إنما هي في مغانم المسلمين. فنزل القرآن بتصديق مَن نهى عن قطْعها، وتحليل مَن قطعها عن الإثم، وإنما قطْعها وترْكها بإذنه[[مصنف عبد الرزاق ٥/١٩٨-١٩٩ (٩٣٧٤).]]. (ز)
٧٦١٨٣- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق-: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾، أي: فبأمْر الله قُطِعَت، ولم يكن فسادًا، ولكن نِقمة من الله ﴿وليخزي الفاسقين﴾[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥١٢.]]. (ز)
٧٦١٨٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ ... وكانوا قطعوا أربعَ نخلات كِرام عن أمْر النبي ﷺ غير العجوة، ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ هو كلّه؛ ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ يعني: بأمْر الله[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٦-٢٧٧.]]. (ز)
٧٦١٨٥- عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف- قوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ يعني: النخل، فبإذن الله، وما تركتم ﴿قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فطابت نفسُ النبي ﷺ، وأنفُس المؤمنين[[أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٣٥٨.]]. (١٤/٣٤٩)
﴿وَلِیُخۡزِیَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ٥﴾ - تفسير
٧٦١٨٦- عن عبد الله بن عباس: ... ثم ذكر قطْع رسول الله ﷺ النّخل، وقول اليهود له: يا محمد، قد كنتَ تنهى عن الفساد، فما بالُ قطع النّخل؟! فقال: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ يخبرهم أنّها نِقمة منه[[عزاه السيوطي إلى ابن إسحاق، وابن مردويه. وينظر: سيرة ابن هشام ٢/١٩٢-١٩٥.]]. (١٤/٣٣٩)
٧٦١٨٧- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- قال: قَطع المسلمون يومئذ النّخل، وأمسك أناسٌ كراهية أن يكون فسادًا، فقالت اليهود: اللهُ أذن لكم في الفساد؟ فقال الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ قال: واللّينة: ما خلا العجوة من النخل، إلى قوله: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ قال: لِيَغيظوهم[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٥٢)
٧٦١٨٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ لكي يخزي الفاسقين -وهم اليهود- بقطْع النّخل، فكان قطع النّخل ذُلًّا لهم وهوانًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٦-٢٧٧.]]. (ز)
٧٦١٨٩- عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف- قوله: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾: يعني: يهود أهل النَّضِير، وكان قطْع النّخل وعقْر الشجر خِزيًا لهم[[أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٣٥٨.]]. (١٤/٣٤٩)
﴿وَلِیُخۡزِیَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ٥﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦١٩٠- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ، قال: بلغني: أنّ رسول الله ﷺ أحْرَق بعضَ أموال بني النَّضِير، فقال قائل:
فهان على سَراةِ بني لؤي حريقٌ بالبُوَيْرة مستطير[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٥٢)
٧٦١٩١- عن يزيد بن أبي حبيب في خبر النضير: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا حَصر وقطع نخلهم، فرأوا أنه قد ذهب بعيْشهم؛ صالحوه على أن يُجليهم إلى الشام[[أخرجه يحيى بن سلام ٢/٧١٢.]]. (ز)
الحشر 59:6
﴿وَمَاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَاۤ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ خَیۡلࣲ وَلَا رِكَابࣲ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ ٦﴾ - نزول الآية
٧٦١٩٢- قال مقاتل بن سليمان: ... فلمّا يأس اليهودُ أعداء الله مِن عَوْن المنافقين رُعِبوا رُعبًا شديدًا بعد قتالٍ إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصُّلح، فصالَحهم النبيُّ ﷺ على أن يُؤمّنهم على دمائهم وذَراريهم، وعلى أنّ لكل ثلاثة منهم بعيرًا يَجعلون عليه ما شاؤوا مِن عيال أو متاع، وتعيد أموالهم فيئًا للمسلمين، فساروا قِبَل الشام إلى أذْرِعات وأريحا، وكان ما تركوا مِن الأموال فيئًا للمسلمين، فسأل الناسُ النبيَّ ﷺ الخُمُس كما خمَّس يوم بدر، ووقع في أنفسهم حين لم يخمّس؛ فأنزل الله: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٨.]]. (ز)
﴿وَمَاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَاۤ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ خَیۡلࣲ وَلَا رِكَابࣲ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ ٦﴾ - تفسير
٧٦١٩٣- عن عمر بن الخطاب -من طريق مالك بن أوس بن الحَدَثان- قال: كانت أموالُ بني النَّضِير مما أفاء الله على رسوله مِمّا لم يُوجِف المسلمون عليه بخيلٍ ولا رِكاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، فكان يُنفِق على أهله منها نفقةَ سَنَتِه، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُراع[[الكراع: اسم لجميع الخيل. النهاية (كرع).]]؛ عُدّةً في سبيل الله[[أخرجه أحمد ١/٣٠٥، ٤١٧ (١٧١، ٣٣٧)، والبخاري (٢٩٠٤، ٤٨٨٥)، ومسلم (١٧٥٧/٤٨)، وأبو داود (٢٩٦٥)، والترمذي (١٧١٩)، والنسائي (٤١٥١). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٥٤)
٧٦١٩٤- عن صُهيب بن سنان، قال: لَمّا فتح رسولُ الله ﷺ بني النَّضِير أنزل الله: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، فكانت للنبي ﷺ خاصة، فقَسَمها للمهاجرين، فأعطى رجلين منها مِن الأنصار: سهل بن حُنَيف، وأبا لُبابة بن عبد المنذر[[أخرجه البخاري في تاريخه ٤/٣١٥، والبيهقي في سننه ٦/٢٩٧. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٥٤)
٧٦١٩٥- عن عبد الله بن عباس: ثم ذكر مغانم بني النَّضِير، فقال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾، فأعلمهم أنّها خاصة لرسول الله ﷺ، يضعها حيث يشاء[[عزاه السيوطي إلى ابن إسحاق، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٣٩)
٧٦١٩٦- عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، قال: أمر اللهُ رسولَه بالسّير إلى قُرَيظة والنَّضِير، وليس للمؤمنين يومئذ كثير خيل ولا رِكاب، فجعل ما أصاب رسول الله ﷺ يَحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيلٌ ولا رِكاب يُوجَف بها. قال: والإيجاف: أن يُوضِعوا السَّيْر، وهي لرسول الله ﷺ، فكان مِن ذلك خَيبر، وفَدَك[[فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة. معجم البلدان ٣/٣١٢، ومراصد الاطلاع ٣/١٠٢٠.]]، وقرى عربية[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٥٥-٣٥٦)
٧٦١٩٧- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، قال: يُذَكِّرهم ربهم أنّه نصرهم وكفاهم، بغير كُراع ولا عُدّة، في قُرَيظة وخَيبر[[تفسير مجاهد ص٦٥٢، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥١٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٥٥)
٧٦١٩٨- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- قال في قوله: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾: يعني: يوم قُرَيظة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥١٥.]]. (ز)
٧٦١٩٩- عن أبي مالك [الغفاري]: فأما قول الله: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ قال: لم يسيروا إليهم على خيل ولا رِكاب، إنما كانوا في ناحية المدينة، وبَقيتْ قُرَيظة بعدهم عامًا أو عامين على عهدٍ بينهم وبين نبي الله ﷺ ...[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٣)
٧٦٢٠٠- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ الآية، يقول: ما قطعتم إليها واديًا، ولا سِرتم إليها سيرًا، وإنما كان حوائط لبني النَّضِير طُعمة أطعمها الله رسوله. ذُكر لنا: أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «أيّما قرية أعطت الله ورسوله فهي لله ولرسوله، وأيّما قرية فَتحها المسلمون عَنوة فإنّ لله خُمُسه ولرسوله، وما بقي غنيمة لِمَن قاتل عليها»[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥١٣. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد دون الحديث المرفوع.]]. (١٤/٣٥٢)
٧٦٢٠١- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- في قوله: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، قال: صالَح النبيُّ ﷺ أهل فَدَك، وقرى سمّاها، وهو مَحاصِر قومًا آخرين، فأرسَلوا بالصُّلح، فأفاءها الله عليهم مِن غير قتال، لم يُوجِفوا عليه خيلًا ولا رِكابًا، فقال الله: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ يقول: بغير قتال. وقال: كانت أموالُ بني النَّضِير للنبيِّ ﷺ خالِصًا، لم يفتتحوها عَنوة إنما فتحوها على صُلح، فقَسَّمها النبيُّ ﷺ بين المهاجرين، ولم يُعط الأنصار منها شيئًا إلا رجلين كانت بهما حاجة؛ أبو دُجانة، وسهل بن حُنَيف[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٣، وابن جرير ٢٢/٥١٣، والبيهقي ٦/٢٩٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٥٤)
٧٦٢٠٢- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق-: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ يعني: بني النَّضِير، ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥١٤.]]٦٥٤٢. (ز)
٦٥٤٢ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥١٢-٥١٥) غير قول يزيد، ومحمد بن شهاب، وقتادة، والضَّحّاك، ومجاهد.
٧٦٢٠٣- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ يعني: أموال بني النَّضِير ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يعني: على الفيء ﴿مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ يعني: الإبل، يقول: لم تركبوا فرسًا ولا بعيرًا، ولكن مشيتم مشيًا حتى فتحتموها، غير أنّ النبي ﷺ ركب حمارًا له، فذلك قوله: ﴿ولكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يعني: النبي ﷺ؛ يَعنيهم، ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن النصر وفتْحها ﴿قَدِيرٌ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٨.]]. (ز)
﴿وَمَاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَاۤ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ خَیۡلࣲ وَلَا رِكَابࣲ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ ٦﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٢٠٤- عن يحيى بن سعيد، قال: أتى رسول الله ﷺ أهل النَّضِير في حاجة، فهمّوا به، فأطْلَعه الله على ذلك، فندب الناسَ إليهم، فصالَحهم على أنّ لهم الصفراء والبيضاء وما أقلّت الإبل، ولرسول الله ﷺ النّخل والأرض والحَلْقَة، فقَسَمها رسول الله ﷺ بين المهاجرين، ولم يُعطِ أحدًا من الأنصار منها شيئًا، إلا سهل بن حُنَيف، وأبا دُجانة[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٤٥)
الحشر 59:7
﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ - قراءات
٧٦٢٠٥- عن الأعمش، قال: ليس بين مصحف عبد الله وزيد بن ثابت خِلافٌ في حلال وحرام إلا في حرفين؛ في سورة الأنفال: (واعْلَمُوآ أنَّما غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَإنَّ للهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ والمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ). وفي سورة الحشر: (مَآ أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ والمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ)[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري في المصاحف.
وكلتاهما قراءة شاذة.]]. (١٤/٣٥٧)
﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ - نزول الآية
٧٦٢٠٦- عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، قال: أمر اللهُ رسولَه بالسّير إلى قُرَيظة والنَّضِير، وليس للمؤمنين يومئذ كثير خيلٍ ولا رِكاب، فجعل ما أصاب رسول الله ﷺ يَحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيلٌ ولا ِركاب يُوجَف بها. قال: والإيجاف: أن يُوضِعوا السَّير، وهي لرسول الله ﷺ، فكان من ذلك خَيبر، وفَدَك، وقرى عربية، وأمر الله رسوله أن يَعمِد ليَنبُع، فأتاها رسول الله ﷺ، فاحتواها كلّها، فقال أناس: هلّا قسَّمها. فأنزل الله عُذره، فقال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٥٥-٣٥٦)
﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ - تفسير الآية
٧٦٢٠٧- عن عمر بن الخطاب -من طريق مالك بن أوس بن الحَدَثان- قال: كان لرسول الله ﷺ صفايا[[جمع صفية: وهو ما كان يأخذه رئيس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. النهاية (صفي).]] بني النَّضِير، وخَيبر، وفَدَك، فأمّا بنو النَّضِير فكانت حبسًا لنوائبه، وأما فَدَك فكانت لابن السبيل، وأما خَيبر فجزّأها ثلاثة أجزاء، فقسَّم منها جزءين بين المسلمين، وحبس جزءًا لنفسه ولنفقة أهله، فما فضَل عن نفقة أهله ردّها على فقراء المهاجرين[[أخرجه أبو داود (٢٩٦٧). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٥٧)
٧٦٢٠٨- عن عبد الله بن عباس، قال: كان ما أفاء اللهُ على رسوله مِن خَيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين، فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكَتيبة[[الكتيبة والوطيح وسلالم والشق: من حصون خيبر. مراصد الاطلاع ٣/١١٤٩، ١١٤٠، ٢/٧٢٥، ٨٠٦.]]، والوَطيح، وسُلالِم، ووَخْدَةُ[[وخدة: من قرى خيبر الحصينة. مراصد الاطلاع ٣/١٤٢٨.]]، وكان الذي للمسلمين الشَّق، والشَّق ثلاثة عشر سهمًا، ونَطاة[[نطاة: حصن من حصون خيبر. وقيل: اسم لأرض خيبر. وقيل: عين بها تسقي بعض نخيل قراها وهي وبئة. مراصد الاطلاع ٣/١٣٧٦.]] خمسة أسهم، ولم يُقسّم رسول الله ﷺ من خيبر لأحد مِن المسلمين إلا لِمَن شهد الحُدَيبية، ولم يأذن رسول الله ﷺ لأحدٍ تخلّف عنه عند مَخرجه الحُدَيبية أن يشهد معه خَيبر، إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرام الأنصاري[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٥٦)
٧٦٢٠٩- عن عبد الله بن عباس: ... ثم ذكر مغانم المسلمين مِمّا يُوجَف عليه الخيل والرِّكاب، ويَفتح بالحرب، فقال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هذا مما يُوجَف عليه الخيل والرِّكاب[[عزاه السيوطي إلى ابن إسحاق، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٣٩)
٧٦٢١٠- قال عبد الله بن عباس: ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ هي قُريظة، والنَّضِير، وفَدَك، وخَيبر، وقرى عُرَيْنة[[تفسير البغوي ٨/٧٣.]]. (ز)
٧٦٢١١- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾، قال: من قُرَيظة، جعله الله لمهاجرة قريش، خُصّوا به[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٢٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٥٦)
٧٦٢١٢- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ، في قوله: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾، قال: بلَغني: أنها الجِزية والخَراج[[عزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وابن المنذر. وهو في تفسير عبد الرزاق ٢/٢٨٤ من قول معمر كما سيأتي.]]. (١٤/٣٥٦)
٧٦٢١٣- عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق-: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ ما يُوجِف عليه المسلمون بالخيل والرِّكاب، وفُتِح بالحرب عَنوة، ﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنكُمْ وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ قال: هذا قسْمٌ آخر فيما أُصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥١٧.]]. (ز)
٧٦٢١٤- عن حسن بن صالح، قال: سألتُ عطاء بن السّائِب عن قول الله: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١]، وعن هذه الآية: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾؛ قال: قلتُ: ما الفيء؟ وما الغنيمة؟ قال: إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم فأخذوهم عَنوة؛ فما أُخِذ من مال ظهروا عليه فهو غنيمة، وأما الأرض فهي فيء، وسوادُنا هذا فيء[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٨/٧٨-٧٩ (٣٣٩٨٦).]]. (ز)
٧٦٢١٥- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ يعني: قُرَيظة، والنَّضِير، وخَيبر، وفَدَك، وقريتي عُرَيْنة؛ ﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ يعني: قرابة النبي ﷺ، ﴿واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ يعني: يكون المال دُولة ﴿بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ يعني: لِئَلّا يغلب الأغنياء الفقراء على الفيء، فيَقسمونه بينهم، فأعطى النبيُّ ﷺ الفيءَ للمهاجرين، ولم يُعط الأنصار غير رجلين، منهم سهل بن حُنَيف، وسِماك بن خَرَشة، أعطاهما النبي ﷺ أرضًا مِن أرض النَّضِير، وإنما سُمّوا المهاجرين لأنهم هجروا المشركين وفارقوهم[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٨-٢٧٩.]]. (ز)
٧٦٢١٦- عن معمربن راشد -من طريق عبد الرزاق- في قوله تعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾، قال: بلَغني: أنها الجِزية، والخَراج خَراج أهل القُرى، يعني: القرى التي تؤدي الخَراج[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٤، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٧٠٤)، وابن جرير ٢٢/٥١٦.]]. (ز)
٧٦٢١٧- قال سفيان الثوري -من طريق وكيع- ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ الآية: الفيء خِلاف الغنيمة؛ الغنيمة: ما أخذ عَنوة بالغَلبة والحرب، يكون خُمسه في هذه الأصناف، وأربعة أخماسه للذين قاتلوا عليه. والفيء: ما صُولِح أهل الحرب عليه، فيكون مقسومًا في هذه الأربعة الأصناف، ولا يُخمّس[[أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (٧٠٣-٧٠٤).]]. (ز)
﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ - النسخ في الآية
٧٦٢١٨- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ قال: كان الفيء بين هؤلاء، فنَسَختْها الآية التي في الأنفال، فقال: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١] فنَسَختْ هذه الآيةُ ما كان قبلها في سورة الحشر، فجعل الخُمس لِمَن كان له الفيء، وصار ما بقي من الغنيمة لسائر الناس لِمَن قاتل عليها[[أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (٧٠٣). وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٦٧-٣٦٨-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]٦٥٤٣. (١٤/٣٥٨)
٦٥٤٣ اختُلِف في الذي عنى بهذه الآية على أقوال: الأول: عُني بذلك: الجزية والخراج. الثاني: عني بذلك: الغنيمة التي يصيبها المسلمون من عدوهم من أهل الحرب بالقتال عنوة. الثالث: عني بذلك: الغنيمة التي أوجف عليها المسلمون بالخيل والرّكاب، وأُخذتْ بالغلبة، وقالوا: كانت الغنائم في بدو الإسلام لهؤلاء الذين سمّاهم الله في هذه الآيات دون المُرجفين عليها، ثم نسخ ذلك بالآية التي في سورة الأنفال. الرابع: عني بذلك: ما صالح عليه أهل الحرب المسلمين من أموالهم، وقالوا قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ الآيات، بيان قَسْم المال الذي ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية، وذلك قوله: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. ذكر هذا ابن جرير عن بعض المتفقهة من المتأخرين.
وعلّق ابنُ عطية (٨/٢٦٤) على القول الأول، فقال: «وليس في الآية نسخٌ على هذا التأويل».
وقد ذكر ابنُ جرير (٢٢/٥١٨) هذه الأقوال، ثم قال: «والصواب من القول في ذلك عندي: أنّ هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها، وذلك أنّ الآية التي قبلها مالٌ جعله الله ﷿ لرسوله ﷺ خاصة دون غيره، لم يجعل فيه لأحد نصيبًا، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب». وذكر أثرًا عن عمر، ثم قال: «فإذا كانت هذه الآية التي قبلها مضت، وذكر المال الذي خصّ الله به رسوله ﷺ، ولم يجعل لأحد معه شيئًا، وكانت هذه الآية خبرًا عن المال الذي جعله الله لأصناف شتى؛ كان معلومًا بذلك أنّ المال الذي جعله لأصناف من خلْقه غير المال الذي جعله للنبي ﷺ خاصة، ولم يجعل له شريكًا».
وذكر ابنُ عطية (٨/٢٦٤) قول قتادة، وانتقده مستندًا لأحوال النزول، فقال: «وهذا القول يضعف؛ لأن آية الأنفال نَزَلَتْ إثر بدر، وقبل بني النَّضِير، وقبل أمر هذه القرى بسنة ونيّف».
﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٢١٩- عن سَمُرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يملأ الله أيديكم مِن العَجَم، ثم يجعلهم أُسْدًا لا يَفرّون، فيَقتُلون مُقاتِلتكم، ويأكلون فَيئكم»[[أخرجه أحمد ٣٣/٣٠٩ (٢٠١٢٣)، ٣٣/٣٥١-٣٥٢ (٢٠١٨١)، ٣٣/٣٨٧-٣٨٩ (٢٠٢٤٦، ٢٠٢٤٧، ٢٠٢٤٨، ٢٠٢٤٩، ٢٠٢٥٠)، والحاكم ٤/٥٥٧ (٨٥٦٣)، من طريق الحسن البصري، عن سمرة به.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في المجمع ٧/٣١٠ (١٢٣٧٥): «رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح». وقال السيوطي في الخصائص الكبرى ٢/٢٦١: «سند صحيح».]]. (١٤/٣٦٣)
٧٦٢٢٠- عن خَوْلة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّ رجالا يتخوّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة»[[أخرجه البخاري ٤/٨٥ (٣١١٨)، وأحمد ٤٤/٦٠٧، ٦٠٨-٦٠٩ (٢٧٠٥٤، ٢٧٠٥٥)، ٤٥/٩٢ (٢٧١٢٤)، ٤٥/٢٩٧-٢٩٨، ٢٩٩ (٢٧٣١٧، ٢٧٣١٨)، والترمذي ٤/٣٨٨ (٢٥٣١)، وابن حبان ٧/١٥٠-١٥١ (٢٨٩٢)، ١٠/٣٧٠ (٤٥١٢).
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».]]. (١٤/٣٦٣)
٧٦٢٢١- عن عمر بن الخطاب -من طريق زيد بن أسلم- قال: ما على وجه الأرض مسلمٌ إلا وله في هذا الفيء حقٌّ، إلا ما مَلكت أيمانكم[[أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٣٩)، وابن سعد ٣/٢٩٩-٣٠٠، وابن أبي شيبة ١٢/٣٤١، وابن زنجويه في الأموال (٩٤٧) نحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٦٣)
٧٦٢٢٢- عن السّائِب بن يزيد، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: والذي لا إله إلا هو -ثلاثًا-، ما مِن الناس أحدٌ إلا له في هذا المال حقٌّ أُعطِيه أو مُنِعَه، وما أحد أحقّ به مِن أحد إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنّا على منازلنا مِن كتاب الله، وقِسْمنا مِن رسول الله ﷺ، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجته، واللهِ، لئن بَقيتُ لَيأتينّ الراعي بجبل صنعاء حظّه مِن هذا المال، وهو مكانه[[أخرجه ابن سعد ٣/٢٩٩.]]. (١٤/٣٦٤)
٧٦٢٢٣- عن أبي هريرة: أنه وفَد إلى صاحب البحرين، قال: فبعث معي بثمانمائة ألف درهم إلى عمر بن الخطاب، فقَدمتُ عليه، فقال: ما جئتنا به، يا أبا هريرة؟ فقلت: بثمانمائة ألف درهم. فقال: أتدري ما تقول؟! إنك أعرابي. قال: فعددتُها عليه بيدي حتى وفَيت. قال: فدعا المهاجرين، فاستشارهم في المال، فاختلفوا عليه. فقال: ارتفِعوا عنِّي، حتى إذا كان عند الظهيرة أرسل إليهم، فقال: إنّي لَقيتُ رجلًا مِن أصحابي، فاستشَرتُه، فلم يَنتشر عليه رأيُه. فقال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فقَسمه عمر على كتاب الله[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٧/٤٨٤-٤٨٥ (٣٣٥٦٨).]]. (ز)
٧٦٢٢٤- عن سعيد بن المسيّب، قال: قَسَم عمر ذات يوم قَسمًا مِن المال، فجعلوا يُثْنُون عليه، فقال: ما أحمقكم! لو كان لي ما أعطيتُكم منه درهمًا[[أخرجه البيهقي في سننه ٦/٣٥٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٦٣)
٧٦٢٢٥- عن الحسن البصري، قال: كتب عمر إلى حُذيفة: أنْ أعطِ الناس أعْطِيَتَهم وأرزاقهم. فكتب إليه: إنّا قد فعلنا، وبقي شيءٌ كثير. فكتب إليه عمر: إنّه فَيْئُهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لِعمر، ولا لآل عمر، اقسِمه بينهم[[أخرجه ابن سعد ٣/٢٩٩.]]. (١٤/٣٦٤)
٧٦٢٢٦- عن عبد الله بن أبي نَجِيح، قال: المال ثلاثة: مَغنم، أو فيء، أو صدقة، فليس منه دِرهم إلا بيّن الله موضعه[[عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.]]. (١٤/٣٦٣)
﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ ٧﴾ - تفسير
٧٦٢٢٧- عن الحسن البصري -من طريق عوف- ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾، قال: كان يؤتيهم الغنائم، ويَنهاهم عن الغُلُول[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٤٩٥، وابن جرير ٢٢/٥٢٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٦٥)
٧٦٢٢٨- عن الحسن البصري، في قوله: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ قال: مِن الفَيْء، ﴿وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ قال: مِن الفيء[[عزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٦٥)
٧٦٢٢٩- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ يقول: ما أعطاكم الرسولُ محمدٌ ﷺ من الفيء ﴿فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ﴾ يخوّفهم الله مِن المعاصي، ثم خوّفهم، فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ إذا عاقب أهلَ المعاصي[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٩.]]. (ز)
٧٦٢٣٠- عن عبد الملك ابن جُرَيْج: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ مِن طاعتي وأمري ﴿فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ﴾ من معصيتي ﴿فانْتَهُوا﴾[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٦٥)
﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ ٧﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٢٣١- عن الحكم بن عُمير الثّمالي، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا القرآن صعبٌ مستصعبٌ عسير على مَن تركه، يسير لِمَن تبعه وطلبه، وحديثي صعبٌ مستصعبٌ وهو الحكم؛ فمَن استمسك بحديثي وحَفظه نجا مع القرآن، ومَن تهاون بالقرآن وبحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأُمرتم أن تأخذوا بقولي، وتكَتنفوا أمري، وتتّبعوا سنتي، فمَن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن، ومَن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن. قال الله سبحانه: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾»[[أخرجه الجورقاني في الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير ١/١٣٦ (١٢)، والثعلبي ٩/٢٧٧، من طريق عيسى بن إبراهيم القرشي، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير الثّمالي به.
وسنده شديد الضعف؛ فيه عيسى بن إبراهيم القرشي، متروك، كما في الميزان ٣/٣٠٨. وفيه أيضًا موسى بن أبي حبيب، ضعيف أيضًا. انظر الميزان ٤/٢٠٢.]]. (ز)
٧٦٢٣٢- عن عبد الله بن عباس -من طريق رجل- قال: ألم يقل الله: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾؟ قالوا: بلى. قال: ألم يقل الله: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب:٣٦]؟ قال: فإني أشهد أنّ رسول الله ﷺ نَهى عن الدُّبّاء[[الدباء: القرع، واحدها دباءة، كانوا ينتبذون فيها، فتسرع الشدة في الشراب. النهاية (دبب).]]، والحَنتم[[الحنتم: جرار مدهونة خضر، كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة، ثم اتسع فيها، فقيل للخزف كله: حنتم. النهاية (حنتم).]]، والنَّقِير[[النقير: أصل النخلة ينقر وسطه، ثم ينبذ فيه التمر، ويلقى عليه الماء؛ ليصير نبيذًا مُسكِرًا. النهاية (نقر).]]، والمُزَفَّت[[المزفت: الإناء الذي طلي بالزفت، وهو نوع من القار، ثم انتبذ فيه. النهاية (زفت).]][[أخرجه أحمد ٥/٣٢٩ (٣٣٠٠)، والنسائي ٨/٣٠٨ (٥٦٤٣، ٥٦٤٤) واللفظ له، والحاكم ٢/٥٢٥ (٣٧٩٨).
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه الزيادة». ووافقه الذهبي في التلخيص.]]. (١٤/٣٦٥)
٧٦٢٣٣- عن سعيد بن جُبَير: أنه سمع ابن عمر، وابن عباس يشهدان على رسول الله ﷺ أنه نهى عن الدُّبّاء، والحَنتم، والنَّقِير، والمُزَفَّت. ثم تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾[[أخرجه أحمد ٥/٣٢٩ (٣٣٠٠)، والنسائي في الكبرى (ت: شعيب الأرناؤوط) ٥/٩٢ (٥١٣٣). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. والحديث عند مسلم (١٩٩٧) دون ذكر الآية.]]. (١٤/٣٦٦)
٧٦٢٣٤- عن عبد الله بن مسعود -من طريق علقمة- قال: لعن الله الواشِمات، والمُتوشِّمات، والمُتَنمِّصات، والمُتفلِّجات للحُسن، المُغيّرات لخلْق الله. فبلغ ذلك امرأةٌ من بني أسد يُقال لها: أم يعقوب. فجاءتْ إليه، فقالتْ: إنه بلغني أنك لعنتَ كَيْتَ وكَيْتَ. قال: ومالي لا ألعن مَن لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله؟! قالت: لقد قرأتُ ما بين الدَّفَّتين فما وجدت فيه شيئًا من هذا! قال: لئن كنتِ قرأتِه لقد وجدتِيه؛ أما قرأتِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾. قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه[[أخرجه أحمد ٧/١٩٧ (٤١٢٩)، والبخاري (٤٨٨٦، ٤٨٨٧)، ومسلم (٢١٢٥). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٦٦)
٧٦٢٣٥- عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، قال: لقي عبد الله بن مسعود رجلًا مُحْرِمًا وعليه ثيابُه، فقال: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ عليَّ بهذا آيةً مِن كتاب الله؟ قال: نعم، ﴿ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾[[أخرجه الثعلبي ٩/٢٧٧.]]. (ز)
٧٦٢٣٦- عن الهيثم بن عمران العبسيّ، قال: سمعت إسماعيل بن عبيد الله، يقول: ينبغي لنا أن نحفظ ما جاءنا عن رسول الله ﷺ، فإنّ الله يقول: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، فهو عندنا بمنزلة القرآن[[أخرجه المروزي في السنة ص١٠٥ (١٠٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٨/٤٣٦.]]. (ز)
الحشر 59:8
﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَـٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِمۡ وَأَمۡوَ ٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ ٨﴾ - تفسير
٧٦٢٣٧- عن أسلم، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: اجتمِعوا لِهذا المال، فانظُروا لِمَن تَرونه. ثم قال لهم: إني أمرتكم أن تجتَمعوا لهذا المال، فتَنظُروا لِمَن تَرونه، وإنّي قرأتُ آياتٍ مِن كتاب الله، فكَفَتني؛ سمعتُ الله يقول: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ واللهِ، ما هو لهؤلاء وحدهم، ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ إلى قوله: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ واللهِ، ما هو لهؤلاء وحدهم، ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ واللهِ، ما أحد من المسلمين إلا له حقٌّ في هذا المال؛ أعُطي منه أو مُنع عنه، حتى راعٍ بعَدَن[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٣٥١-٣٥٢، والبيهقي ٦/٣٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٦٢)
٧٦٢٣٨- عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال:٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: هذه للمهاجرين. ثم تلا: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هذه للأنصار. ثم قرأ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: استوعبتْ هذه المسلمين عامّةً، وليس أحدٌ إلا له في هذا المال حقٌّ إلا ما تملكون من وُصُفِكُم[[الوَصِيفُ: العبد. والأمة: وصِيفة. النهاية (وصف).]]. ثم قال: لَئِن عشتُ ليَأتينّ الراعي وهو بسَرْو حِمْيَر[[سرو حمير: منازل حمير بأرض اليمن. معجم البلدان ٣/٨٦.]] نصيبه منها، لم يَعرَق فيه جبينه[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٣، وفي المصنف (٢٠٠٤٠)، وأبو عبيد في الأموال (٤١)، وابن زنجويه في الأموال (٨٤، ٧٦٢)، وابن جرير ٢٢/٥١٦، والبيهقي في سننه ٦/٣٥١-٣٥٢. وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٦١)
٧٦٢٣٩- عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة[[الهاجرة: اشتداد الحر نصف النهار. النهاية (هجر).]]، فجئتُه، فدخلتُ عليه، فإذا هو جالسٌ على سرير، ليس بينه وبين رَمْل[[رمل السرير: نسيجه، والمراد: أن السرير كان قد نسج وجهه بالسعف، ولم يكن على السرير وطاء. النهاية (رمل).]] السرير فراش، مُتّكِئ على وسادة مِن أدَم، فقال: يا مالك، إنه قدم علينا أهلُ أبيات من قومك، وإني قد أمرتُ فيهم بِرَضْخ[[الرضخ: العطية القليلة. النهاية (رضخ).]]، فخُذه، فاقسِمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنهم قومي، وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم، فمُرْ به غيري. فإني لأراجعه في ذلك إذ جاءه يَرْفَأ[[يَرْفَأ: اسم غلام لعمر. لسان العرب (يرف).]] غلامه، فقال: هذا عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف. فأذِن لهم، فدَخلوا، ثم جاءه يَرْفَأ، فقال: هذا عليٌّ، وعباس. قال: ائذن لهما. فدخلا. فقال عباس: ألا تعدِيني[[يعديني على فلان: ينصرني عليه. اللسان (عود).]] على هذا؟ فقال القوم: يا أمير المؤمنين، اقضِ بين هذين، وأَرِح كلَّ واحد منهما مِن صاحبه؛ فإنّ في ذلك راحةً لك ولهما. فجلس عمر، ثم قال: اتَّئِدُوا. وحَسر عن ذراعيه، ثم قال: أنشُدُكم بالله -أيها الرّهط-، هل سمعتم رسول الله ﷺ قال: «إنّا لا نُورَث، ما تَركنا صدقة، إنّ الأنبياء لا تُورَث»؟ فقال القوم: نعم، قد سمعنا ذاك. ثم أقبل على علي، وعباس، فقال: أنشُدُكما بالله، هل سمعتما رسول الله ﷺ قال ذاك؟ قالا: نعم. فقال عمر: ألا أُحدّثكم عن هذا الأمر، إنّ الله خصّ نبيّه مِن هذا الفيء بشيء، لم يُعطه غيره -يريد: أموال بني النَّضِير، كانت نَفلًا لرسول الله ﷺ ليس لأحد فيها حقٌّ معه-، فواللهِ، ما احتواها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد قَسّمها فيكم حتى أمسك منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يُدخل منه قُنْيَة[[القُنْية: ما يستغنى بها. لسان العرب (قنا).]] أهله لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، حتى تَوفّى الله نبيّه ﷺ، فقام أبو بكر، فقال: أنا وليّ رسول الله ﷺ، أعمل بما كان يعمل، وأسير بسِيرته في حياته. فكان يُدخل من هذا المال قُنية أهل رسول الله ﷺ لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، كما كان يصنع رسول الله ﷺ، فَوَلِيها أبو بكر حياته حتى تُوفّي، فلمّا تُوفّي أبو بكر قلتُ: أنا وليّ رسول الله ﷺ، ووليّ أبي بكر، أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال. فقبضتُها، فلما أقبلتما عليّ، وأدبرتما، وبدا لي أنْ أدفعها إليكما، أخذتُ عليكما عهد الله وميثاقه لتَعمَلان فيها بما كان رسول الله ﷺ يعمَل به فيها، وأبو بكر، وأنا، حتى دفعتُها إليكما، أنشُدُكم بالله -أيّها الرّهط- هل دفعتُها إليهما بذلك؟ قالوا: اللهم، نعم. ثم أقبلَ عليهما، فقال: أنشُدُكما بالله هل دفعتُها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: فقضاءً غير ذلك تلتمسان مِنِّي؟! فلا، واللهِ، لا أقضي فيها قضاء حتى تقوم الساعة غير ذلك، فإن كنتما عَجَزتما عنها، فأدِّياها إلَيّ. ثم قال عمر: إنّ الله قال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكانت لرسول الله ﷺ، ثم قال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ إلى آخر الآية: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ثم -واللهِ- ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ إلى ﴿المُفْلِحُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾، فقَسَمها هذا القَسْم على هؤلاء الذين ذَكر. قال عمر: لَئِن بَقيتُ لَيَأتينّ الرُّوَيْعيَّ بصنعاء حقُّه ودمُه في وجهه[[أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (٢٦)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٧٠٦-٧٠٧)، والبخاري (٢٩٠٤، ٣٠٩٤)، ومسلم (١٧٥٧/٤٩-٥٠)، وأبو داود (٢٩٦٣، ٣٩٦٥)، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي (٤١٥٩)، وأبو عوانة (٦٦٦٦)، وابن حبان (٦٦٠٨). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٥٨)
٧٦٢٤٠- عن سعيد بن جُبَير= (ز)
٧٦٢٤١- وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى -من طريق جعفر- قالا: كان ناسٌ مِن المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو، فنَسبهم الله إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهمًا في الزكاة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٢٣.]]. (ز)
٧٦٢٤٢- عن عمر بن عبد العزيز -من طريق السُّدِّيّ- قال: وجدتُ المالَ قُسِم بين هذه الثلاثة الأصناف؛ المهاجرين، والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٣٥٢.]]. (١٤/٣٦٤)
٧٦٢٤٣- عن الحسن البصري -من طريق السُّدِّيّ-، مثل ذلك[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٣٥٢.]]. (١٤/٣٦٤)
٧٦٢٤٤- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المهاجرون؛ تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، وخرجوا حُبًّا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كان فيه مِن شِدّة، حتى لقد ذُكر لنا: أنّ الرجل كان يَعصِب الحَجَر على بطنه؛ ليُقيم به صُلبه من الجوع، وإن كان الرجل لَيَتَّخذ الحُفرة في الشتاء ما له دِثارٌ غيرها[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٢٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٦٦)
٧٦٢٤٥- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ﴾ أخرجهم كفار مكة ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يعني: يطلبون ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: رِزقًا من الله في الجنة، ﴿ورِضْوانًا﴾ يعني: رضى ربهم، ﴿ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ، ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ في إيمانهم، وليسوا بكاذبين في إيمانهم كالمنافقين[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٩.]]. (ز)
﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَـٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِمۡ وَأَمۡوَ ٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ ٨﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٢٤٦- عن أبي سعيد الخُدري، عن النبي ﷺ، قال: «أبشِروا -يا معشر صَعاليك المهاجرين- بالنور التامّ يوم القيامة، تَدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة»[[أخرجه النسائي في الكبرى (٦٧٩٥)، من طريق أسماء بنت يزيد، عن ابن عمٍّ لها يُقال له: أنس، عن ابن عباس به.
وسنده ضعيف؛ لجهالة أنس الراوي عن ابن عباس.
وأخرجه أحمد ١٨/١٤٧ (١١٦٠٤)، ١٨/٤٠٧ (١١٩١٥)، وابن ماجه ٥/٢٣٨ (٤١٢٣)، وأبو داود ٥/٥٠٦-٥٠٧ (٣٦٦٦) واللفظ له مطولًا، والترمذي ٤/٣٧٥ (٢٥٠٨).
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه». وقال العراقي في تخريج الإحياء ص١٥٥٥ عن رواية ابن ماجه: «وإسناده ضعيف». وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٤/٢١٧ (٩٥٤١): «هذا إسناد ضعيف». وقال في إتحاف الخيرة المهرة ٧/٣٢٤ (٦٩٦٢): «رواه مُسدَّد، ورواته ثقات».]]. (ز)
٧٦٢٤٧- عن أُمَيّة بن خالد بن عبد الله بن أسيد، عن النبي ﷺ: أنّه كان يَستفتح بصعاليك المهاجرين[[رواه أبو عبيد في غريب الحديث ١/٢٤٨، والطبراني في الكبير ١/٢٦٩، والبغوي ٨/٧٥.
ذكره ابن حجر في الإصابة ١/٢٤٦ من رواية الطبراني، وقال: «أمية هذا ليست له صحبة ولا رؤية ...». وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب ٤/١٤٤ للطبراني أيضًا بلفظ: «كان يستفتح بصعاليك المسلمين». وقال: «رواته رواة الصحيح، وهو مرسل». وذكره في مشكاة المصابيح (٣/١٤٤٤): «وعزاه لشرح السنة». وضعّفه الألباني.]]. (ز)
٧٦٢٤٨- عن عبد الله بن عباس، قال: خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية، فقال: يا أيها الناس، مَن أراد أن يسأل عن القرآن فليأتِ أُبيّ بن كعب، ومَن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأتِ زيد بن ثابت، ومَن أراد أن يسأل عن الفقه فليأتِ معاذ بن جبل، ومَن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإنّ الله جعلني له واليًا وقاسِمًا، أبدأ فيه بأزواج النبي ﷺ، ثم المهاجرين الأولين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ﴾ فقرأ الآية كلّها، فمَن أسرع إلى الهجرة أسْرَع إليه العطاء، ومَن أبطأ عن الهجرة أبطأَ عنه العطاء، فلا يلومنّ رجلٌ إلا مُناخ راحلته[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٤/١٢٧.]]. (ز)
٧٦٢٤٩- عن مُجَمِّع، قال: دخل عبدُ الرحمن بن أبي ليلى على الحجّاج، فقال لجلسائه: إذا أردتم أن تنظروا إلى رجل يسبُّ أميرَ المؤمنين عثمان فهذا عندكم. يعني: عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: معاذ الله -أيها الأمير- أنْ أكون أسبّ عثمان، إنه ليَحجزني عن ذلك آيةٌ في كتاب الله، قال الله: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾، فكان عثمان منهم[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٧/٨٨-٨٩ (٣٢٧١٧).]]. (ز)
الحشر 59:9
﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَـٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟﴾ - نزول الآية
٧٦٢٥٠- عن يزيد بن الأصمّ، أنّ الأنصار قالوا: يا رسول الله، اقسِم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين. قال: «لا، ولكن يَكفُونكم المُؤنة، ويُقاسمونكم الثّمرة، والأرض أرضكم». قالوا: رَضينا. فأنزل الله: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٦٨)
﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَـٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟﴾ - تفسير الآية
٧٦٢٥١- عن عبد الله بن عباس: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ هم الأنصار، ذَكر الذين قَسم لهم مِن الخير، ونَعَتَ سَفاطَةَ[[يقال: هو سَفِيطُ النفس، أي: سَخِيُّها طيِّبها. لسان العرب (سفط).]] أنفسهم عندما زَوى عنهم فَيْء النَّضِير، وآثرتهم المهاجرين على أنفسهم، فجعل فَيْء النَّضِير لقريش لم يَشْرَكْهُم فيه أحدٌ مِن الأنصار إلا رجلان: أبو دُجانة الساعدي، وسهل بن حُنَيْف[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ١/٨٦ (١٩٣).]]. (ز)
٧٦٢٥٢- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، قال: الأنصار، نعَتَ سخاوة أنفسهم عندما زُوِي[[كذا في تفسير مجاهد، أي: صرف ونحى عنهم. ينظر: النهاية (زوي). وجاء في المصادر الأخرى بلفظ: رئي، رأى.]] من ذلك، وإيثارهم إياهم، ولم يُصب الأنصار من ذلك الفيء شيء[[تفسير مجاهد ص٦٥٢، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٢٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٦٧)
٧٦٢٥٣- عن الحسن البصري -من طريق أبي رجاء- قال: فُضِّل المهاجرون على الأنصار، فلم يَجدوا ﴿فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً﴾، قال: الحسد[[أخرجه عبد الرزاق -كما في فتح الباري ٨/٦٣٢-، وابن أبي شيبة ٩/٩٤، وابن جرير ٢٢/٥٢٧ بنحوه، وعبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٤/٣٣٧-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]٦٥٤٤. (١٤/٣٦٨)
٦٥٤٤ ساق ابنُ عطية (٨/٢٦٦) قول الحسن، ثم علَّق بقوله: «وتعمّ بعد جميع الوجوه التي هي بخلاف ما فعله النبي ﷺ في إعطاء المهاجرين أموال بني النَّضِير والقُرى».
٧٦٢٥٤- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: هم هذا الحيُّ مِن الأنصار، أسلموا في ديارهم، فابْتَنَوا المساجد قبل قدوم النبي ﷺ بسنتين، وأحسن اللهُ عليهم الثناءَ في ذلك، وهاتان الطائفتان الأُولَتان من هذه الأُمة أخذتا بفضلهما، ومضَتا على مَهْلهما، وأثبتَ الله حظَّهما في هذا الفيء، ثم ذكر الطائفة الثالثة، فقال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ إلى آخر الآية. قال: إنما أُمِرُوا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ، ولم يُؤمروا بسبّهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٢٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٦٧)
٧٦٢٥٥- قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر الأنصار، فأثنى عليهم حين طابتْ أنفسُهم عن الفيء، إذ جعل المهاجرين دونهم، فقال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ يعني: أوطنوا دار المدينة مِن قبل هجرة المؤمنين إليهم بسنين، ثم قال: ﴿و﴾تبؤوا ﴿الإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن قبل هجرة المهاجرين، ثم قال للأنصار: ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ مِن المؤمنين، ﴿ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾ يعني: قلوبهم ﴿حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ يعني: مما أعطى إخوانهم المهاجرين من الفيء[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٧٩.]]. (ز)
٧٦٢٥٦- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله ﷿: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قال: هؤلاء الأنصار، ﴿يُحبّون مَن هاجر إليهم﴾ من المهاجرين، ﴿ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ المهاجرون، قال: وتكلّم في ذلك -يعني: أموال بني النَّضِير- بعضُ مَن تكلّم من الأنصار، فعاتبهم الله ﷿ في ذلك، فقال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: قال رسول الله ﷺ لهم: «إنّ إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم». فقالوا: أموالنا بينهم قطائع. فقال رسول الله ﷺ: «أوَغير ذلك؟». قالوا: وما ذلك، يا رسول الله؟ قال: «هم قومٌ لا يعرفون العمل فتَكفُونهم، وتُقاسمونهم الثّمر». فقالوا: نعم، يا رسول الله[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٢٦.]]. (ز)
﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَـٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٢٥٧- عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ: «للمدينة عشرةُ أسماء: هي المدينة، وهي طَيبة، وطابة، ومسكينة، وجابرة، ومَجبورة، ويَندَد، ويَثْرب، والدار»[[عزاه السيوطي إلى الزبير بن بكار في أخبار المدينة.]]. (١٤/٣٦٩)
٧٦٢٥٨- عن عبد الله بن أبي بكر -من طريق محمد بن إسحاق-: أنه حدّث أنّ بني النَّضِير خَلَّوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت النَّضِير لرسول الله ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقَسمها رسول الله ﷺ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٢٦.]]. (ز)
٧٦٢٥٩- عن عمر بن الخطاب -من طريق عمرو بن ميمون الأَوْدي- أنه قال: أُوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأوّلين؛ أن يعرف لهم حقّهم، ويحفظ لهم حُرمتهم. وأوصيه بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان مِن قبل أن يُهاجر النبي ﷺ؛ أن يَقبل مِن مُحسنهم، ويعفو عن مُسيئهم[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/٥٧٤-٥٧٨، والبخاري (٤٨٨٨) مطولًا، والنسائي في الكبرى (ت: شعيب الأرناؤوط) ١٠/٢٩٤ (١١٥١٧). وزاد عند ذكر المهاجرين قول الله تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ [الحشر:٨]. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٦٨)
﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ - نزول الآية
٧٦٢٦٠- عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ يوم النَّضِير للأنصار: «إن شئتم قَسمتم للمهاجرين مِن أموالكم ودياركم، وتُشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانتْ لكم دياركم وأموالكم، ولم يُقسِم لكم شيءٌ مِن الغنيمة». فقالت الأنصار: بل نَقسم لهم مِن أموالنا وديارنا، ونُؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها. فأنزل الله ﷿: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾[[أورده الثعلبي ٩/٢٨٠، والبغوي ٨/٧٧.]]. (ز)
٧٦٢٦١- عن أبي هريرة، قال: أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أصابني الجَهْد. فأرسلَ إلى نسائه، فلم يجد عندهنَّ شيئًا، فقال: «ألا رجل يُضيِّف هذا الليلة، ﵀». فقال رجل من الأنصار -وفي رواية: فقال أبو طلحة الأنصاري-: أنا يا رسول الله. فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته: أكرِمي ضيفَ رسول الله ﷺ؛ لا تدّخرين شيئًا. قالت: واللهِ، ما عندي إلا قُوتُ الصِّبية. قال: فإذا أراد الصِّبية العَشاءَ فنَوِّمِيهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونَطْوي بطوننا الليلة لِضيف رسول الله ﷺ. ففعلتْ، ثم غدا الضيفُ على النبي ﷺ، فقال: «لقد عَجِب اللهُ الليلةَ مِن فلان وفلانة». وأنزل الله فيهما: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾[[أخرجه البخاري ٥/٣٤ (٣٧٩٨)، ٦/١٤٨-١٤٩ (٤٨٨٩)، ومسلم ٣/١٦٢٤-١٦٢٥ (٢٠٥٤)، وابن جرير ٢٢/٥٢٨، والثعلبي ٩/٢٧٩.]]. (١٤/٣٦٩)
٧٦٢٦٢- عن أبي هريرة -من طريق أبي حازم-: أنّ رجلًا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قُوته وقُوت صبيانه، فقال لامرأته: نَوِّمي الصبية، وأطفئي السراج، وقَرِّبي للضيفِ ما عندك. قال: فنَزَلَتْ هذه الآية: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾[[أخرجه مسلم ٣/١٢٩٣ (٢٠٥٤).]]. (ز)
٧٦٢٦٣- عن عبد الله بن عمر -من طريق مُحارِب- قال: أُهدي لرجل مِن أصحاب رسول الله ﷺ رأسَ شاةٍ، فقال: إنّ أخي فلانًا وعياله أحوجُ إلى هذا مِنّا. فبَعث به إليهم، فلم يزل يَبعث به واحدٌ إلى آخر، حتى تداولها أهلُ سبعة أبيات حتى رجعتْ إلى الأول؛ فنَزَلَتْ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ خَصاصَةٌ﴾[[أخرجه الحاكم ٢/٤٨٣-٤٨٤، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٧٩). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
وصححه الحاكم.]]. (١٤/٣٧٠)
٧٦٢٦٤- قال أنس بن مالك: أُهدي لبعض الصحابة رأسُ شاةٍ مشوي، وكان مَجهودًا، فوجّه به إلى جارٍ له، فتداولته سبعةُ أنفُس في سبعة أبيات، حتى عاد إلى الأول؛ فأنزل الله سبحانه: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾[[تفسير الثعلبي ٩/٢٧٩.]]. (ز)
٧٦٢٦٥- عن أبي المتوكّل الناجي: أنّ رجلًا مِن المسلمين عبَرَ صائمًا ثلاثة أيام، يُمسي فلا يجد ما يُفطر، فيصبح صائمًا، حتى فَطِن له رجلٌ مِن الأنصار يُقال له: ثابت بن قيس. فقال لأهله: إني أجيء الليلة بضيفٍ لي، فإذا وضعتم طعامَكم فليَقُم بعضكم إلى السّراج كأنه يُصلحه فليُطْفئه، ثم اضربوا بأيديكم إلى الطعام كأنكم تأكلون، فلا تأكلوا حتى يَشبع ضيفُنا. فلمّا أمسى ذهب به، فوضَعوا طعامهم، فقامت امرأته إلى السّراج كأنها تُصلحه، فأطفَأته، ثم جعلوا يضربون أيديهم في الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون، حتى شَبع ضَيفهم، وإنما كان طعامهم ذلك خُبزة، هي قُوتهم، فلما أصبح ثابتٌ غدا إلى رسول الله ﷺ، فقال: «يا ثابت، لقد عَجِب اللهُ البارحةَ منكم ومن صَنيعكم». فنَزَلَتْ فيه هذه الآية: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾[[أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب قرى الضيف (١١)، ومسدد في مسنده -كما في المطالب العالية (٤١٤٥)-، وابن المنذر -كما في فتح الباري ٨/٦٣٢-. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٦٩-.]]. (١٤/٣٧٠)
﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ - تفسير الآية
٧٦٢٦٦- قال الحسن البصري -من طريق المبارك-: ﴿ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ فاقة[[أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٦٥٣-.]]. (ز)
٧٦٢٦٧- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ يقول: لا تضيق، ﴿ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ يعني: الفاقة، فآثروا المهاجرين بالفيء على أنفسهم[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٠.]]. (ز)
٧٦٢٦٨- عن مقاتل [بن حيان]، في قوله: ﴿ولَوْ كانَ خَصاصَةٌ﴾، قال: فاقة[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٤/٣٧١)
﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٢٦٩- عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت أنسًا ﵁، قال: دعا النبيُّ ﷺ الأنصارَ ليكتب لهم بالبحرين، فقالوا: لا، واللهِ، حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها. فقال: «ذاك لهم ما شاء الله على ذلك». يقولون له، قال: «فإنكم ستَرَوْن بعدي أثَرةً، فاصبروا حتى تلقَوْني على الحوض»[[أخرجه البخاري ٤/ ٩٨ (٣١٦٣)، والبغوي ٨/٧٧.]]. (ز)
﴿وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩﴾ - تفسير
٧٦٢٧٠- عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «خلَق الله جنة عَدن، وخلَق أشجارها بيده، ثم قال لها: انطقي. فقالت: قد أفلح المؤمنون. فقال الله: وعزّتي وجلالي، لا يجاورني فيكِ بخيل». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾[[أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة ص٥٦-٥٧ (٢٠) بنحوه مطولًا، من طريق محمد بن زياد الكلبي، عن بشر بن حسين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس به.
وأخرجه الحاكم ٢/٤٢٦ (٣٤٨٠) بدون ذكر الآية الثانية، من طريق علي بن عاصم، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك به.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «بل ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ٣/٤٤٣ (١٢٨٣)، ٣/٤٤٥ (١٢٨٥): «ضعيف».]]. (١٤/٣٧٣)
٧٦٢٧١- عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الشّعثاء- أنّ رجلًا قال له: إني أخاف أنْ أكون قد هَلكتُ. قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعتُ الله يقول: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، وأنا رجل شحيح، لا يَكاد يَخرج مِنِّي شيء. فقال له ابن مسعود: ليس ذاك بالشُّح، ولكنه البُخل، ولا خير في البُخل، وإنّ الشُّح الذي ذكره الله في القرآن: أن تأكل مال أخيك ظلمًا[[أخرجه ابن أبي شيبة ٩/٩٨، وابن جرير ٢٢/٥٢٩-٥٣٠، والطبراني (٩٠٦٠)، والحاكم ٢/٤٩٠، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٤١)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/٩٨-. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٧١)
٧٦٢٧٢- عن عبد الله بن هبيرة، أن عبد الله بن عمرو قال: أيهما أشد: البخل، أو الشح؟، فاختلفوا، فقال عبد الله بن عمرو: الشُّح أشدُّ مِن البُخل؛ لأنّ الشحيح يَشِحّ على ما في يديه، فيَحبِسه، ويَشِحّ على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإنّ البخيل إنما يَبخل بما في يديه[[أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٣٥٣).]]. (١٤/٣٧٢)
٧٦٢٧٣- عن عبد الله بن عمر، في قوله: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، قال: ليس الشُّح أن يمنع الرجلُ مالَه، ولكنه البخل، وإنه لَشرّ، إنما الشّح أن تَطمَحَ[[طمح بصره: امتد وعلا. النهاية (طمح).]] عينُ الرجل إلى ما ليس له[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٧١)
٧٦٢٧٤- عن سعيد بن جُبَير، في قوله: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، قال: إدخال الحرام، ومَنع الزكاة[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٦٩-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٧٢)
٧٦٢٧٥- عن طاووس بن كيسان، قال: البُخل: أن يَبخل الإنسان بما في يديه. والشُّح: أن يَشِحّ على ما في أيدي الناس[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٧٢)
٧٦٢٧٦- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يعني: ومَن يقيه الله حِرص نفسَه، يعني: الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء لإخوانهم؛ ﴿فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فقد ذهب صنفان؛ المهاجرون والأنصار، وبقي صنف واحد؛ وهم التابعون، الذين دخلوا في الإسلام إلى يوم القيامة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٠.]]. (ز)
٧٦٢٧٧- قال ابن وهب: وسمعت الليث بن سعد قال: الشح: ترك الفرائض، وانتهاك المحارم، وا[...] المال[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع ٢/١٥٨ (٣٢٦)، وما بين المعقوفين كذا ورد فيه.]]. (ز)
٧٦٢٧٨- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، قال: مَن لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه الله ﷿ عنه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ على أن يمنع شيئًا مِن شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شُحّ نفسه، فهو من المفلحين[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣١.]]٦٥٤٥. (ز)
٦٥٤٥ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٢٢-٥٣١) غير قول ابن زيد، وقول ابن مسعود.
وبيّن ابنُ تيمية (٦/٢٧٢-٢٧٤): «أنّ الشُّح: هو شدة حرص النفس، وقوة الرغبة في المال، وبغضٌ للغير، وظلم له، وأنه أعمّ من البُخل، فكل شحيح بخيل، وليس كل بخيل شحيحًا». وانتقد قولَ مَن سوّى بينهما.
وذكر ابنُ عطية (٨/٢٦٨) أنّ «شُحّ النفس» هو: كثرة منْعها، وضبطها على المال، والرغبة فيه، وامتداد الأمل. ثم بيّن أنّ هذا جِماع شُحّ النفس، وأنه داعية كلّ خُلُقٍ سُوء، وساق الحديث الوارد في الآثار المتعلقة بالآية عن أنس، ثم علَّق قائلًا: «واختلف الناس بعد هذا الذي قلنا، فذهب الجمهور والعارفون بالكلام إلى هذا، وعلى هذا التأويل كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ يطوف ويقول: اللهم، قِني شُحّ نفسي. لا يزيد على ذلك، فقيل له في ذلك فقال: إذا وُقيته لم أفعل سوءًا». وساق بعد ذلك قول ابن زيد.
﴿وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٢٧٩- عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن كان الفقرُ في قلبه فلا يُغنيه ما أُكْثِر له في الدنيا، وإنما يضرّ نفسَه شُحُّها»[[أخرجه الطبراني في الكبير ٢/١٥٤ (١٦٤٣)، والشجري في ترتيب الأمالي الخميسية ٢/٢٨١-٢٨٢ (٢٤٤٩)، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن جده، عن نعيم بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب، عن أبي زينب مولى حازم الغفاري، عن أبي ذرٍّ به. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
قال الهيثمي في المجمع ١٠/٢٣٧ (١٧٧٤٩): «فيه مَن لم أعرفه».]]. (١٤/٣٧٣)
٧٦٢٨٠- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجتمع غُبارٌ في سبيل الله ودُخان نار جهنم في جوف عبدٍ أبدًا، ولا يَجتمع الشُّحُّ والإيمان في قلب عبدٍ أبدًا»[[أخرجه أحمد ١٢/٤٥٠ (٧٤٨٠)، ١٤/١٨٣-١٨٤ (٨٤٧٩)، ١٤/٢٠٢-٢٠٣ (٨٥١٢)، ١٥/٤٣٣ (٩٦٩٣)، والنسائي ٦/١٣ (٣١١٠، ٣١١١، ٣١١٢)، ٦/١٤ (٣١١٤، ٣١١٥)، وابن حبان ٨/٤٣ (٣٢٥١)، والحاكم ٢/٨٢ (٢٣٩٤، ٢٣٩٥).
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص. وأورده الدارقطني في العلل ٨/٣٢٩ (١٦٠١). وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٥/٢٧٠١ (٦٢٩١): «رواه عبد الله بن خراش، عن عمه، عن العوام بن حوشب، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وعبد الله هذا قال البخاري: منكر الحديث». وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ص١١٦١: «أخرجه النسائي، وفي إسناده اختلاف».]]. (١٤/٣٧٤)
٧٦٢٨١- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «شرّ ما في رجلٍ شُحٌّ هالِع، وجُبْنٌ خالِع»[[أخرجه أحمد ١٣/٣٨٥ (٨٠١٠)، ١٤/١٥ (٨٢٦٣)، وأبو داود ٤/١٦٥ (٢٥١١)، وابن حبان ٨/٤٢ (٣٢٥٠).
قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٤/٨٩: «قال ابن طاهر: إسناده متصل». وقال المناوي في التيسير ٢/٧٧: «إسناده جيد». وقال في فيض القدير ٤/١٦٠ (٤٨٨١): «قال ابن حاتم: إسناده متصل. وقال الزين العراقي: إسناده جيد». وقال العجلوني في كشف الخفاء ٢/٦ (١٥٣٤): «سند جيد». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧/٢٧٢ (٢٢٦٨): «إسناده صحيح».]]. (١٤/٣٧٥)
٧٦٢٨٢- عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إياكم والشُّحَّ والبُخلَ؛ فإنه دعا مَن قبلكم إلى أن يَقطَعوا أرحامهم، فقَطعوها، ودعاهم إلى أن يَستحلّوا محارمهم، فاستَحلّوها، ودعاهم إلى أن يَسفِكوا دماءهم، فسَفكوها»[[أخرجه البيهقي في الشعب ١٣/٢٨٣-٢٨٤ (١٠٣٣٩)، والخطيب في البخلاء ص٤٠-٤١ (٣)، وأخرجه أحمد ١٥/٣٤٩-٣٥٠ (٩٥٦٩، ٩٥٧٠) بنحوه.
وسنده صحيح.]]. (١٤/٣٧٥)
٧٦٢٨٣- عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظّلم؛ فإنّ الظُّلم ظُلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّح؛ فإنّ الشُّح أهلَكَ مَن كان قبلكم، حمَلهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم»[[أخرجه مسلم ٤/١٩٩٦ (٢٥٧٨) واللفظ له، والثعلبي ٩/٢٨١.]]. (١٤/٣٧٥)
٧٦٢٨٤- عن جابر بن عبد الله، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث مَن كُنّ فيه فقد برئ من الشُّح: مَن أدّى زكاةَ ماله، وقَرى الضيف، وأعطى في النوائب»[[أخرجه الطبراني في الصغير ١/٩٤ (١٢٦)، من طريق زكريا بن يحيى الوقار، عن بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر به.
قال الهيثمي في المجمع ٣/٦٨ (٤٣٦٣): «فيه زكريا بن يحيى الوقار، وهو ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ٤/٤٢٢ (١٩٥٢): «ضعيف».]]. (١٤/٣٧٣)
٧٦٢٨٥- عن أنس، عن رسول الله ﷺ، قال: «برئ مِن الشُّحِّ مَن أدّى الزكاة، وقَرى الضيف، وأعطى في النائبة»[[أخرجه البيهقي في الشعب ١٣/٢٨٩ (١٠٣٤٨)، وابن جرير ٢٢/٥٣٠-٥٣١، من طريق إسماعيل بن عياش، عن مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه، عن أنس بن مالك به.
وأخرجه الثعلبي ٩/٢٨٠ -٢٨١، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن عديّة الأنصاري، عن عمّه عمر بن جارية، عن أنس بن مالك به.
قال الألباني في الضعيفة ٤/٢٠٠ (١٧٠٩) عن رواية الثعلبي: «وهذا إسناد غريب».]]. (١٤/٣٧٧)
٧٦٢٨٦- عن خالد بن يزيد بن جارية، قال: قال رسول الله ﷺ: «برئ من الشُّح مَن أدّى الزكاة، وقَرى الضيف، وأدّى في النائبة»[[أخرجه الطبراني في الكبير ٤/١٨٨ (٤٠٩٦، ٤٠٩٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٢/٩٤٨ (٢٤٥٠، ٢٤٥١).
قال ابن حبان في الثقات ٤/٢٠٢ (٢٤٩٨): «مُرْسل». وقال ابن حجر في الإصابة ٢/٢٠١ (٢١٧٠) في ترجمة خالد بن زيد بن حارثة، ويقال: ابن يزيد بن حارثة الأنصاري: «إسناده حسن، لكن ذكره البخاري وابن حبان في التابعين». وقال المناوي في التيسير ١/٤٣٢: «إسناد حسن كما في الإصابة، لكن قيل: إنّ خالدًا تابعي». وقال الألباني في الضعيفة ٤/٤٢١ (١٩٥٢): «ضعيف».]]. (١٤/٣٧٤)
٧٦٢٨٧- عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو: «اللهم، إنّي أعوذ بك مِن شُحِّ نفسي، وإسرافها، ووسواسها»[[أخرجه الثعلبي ٩/٢٨١، من طريق أبان، عن أنس.
وسنده شديد الضعف؛ فيه أبان، وهو أبان بن أبي عياش، متروك كما في التقريب (١٤٢).]]. (ز)
٧٦٢٨٨- عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما مَحَق الإسلامَ مَحْق الشُّح شيءٌ قطّ»[[أخرجه أبو يعلى في مسنده ٦/٢٠٩ (٣٤٨٨) واللفظ له، والطبراني في الأوسط ٣/١٧٥ (٢٨٤٣)، من طريق عمرو بن حصين، عن علي بن أبي سارة، عن ثابت البُناني، عن أنس به.
قال الهيثمي في المجمع ١/١٠٢ (٣٧٦): «فيه علي بن أبي سارة، وهو ضعيف». وقال أيضًا ١٠/٢٤٢-٢٤٣ (١٧٧٨٢): «فيه عمرو بن الحصين، وهو مُجمَع على ضعفه». وقال الألباني في الضعيفة ٣/٤٤١ (١٢٨١): «موضوع».]]. (١٤/٣٧٣)
٧٦٢٨٩- عن عبد الله بن جَراد، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ابتغيتم المعروفَ فابْتَغوه في حِسان الوجوه، فواللهِ، لا يَلِجُ النارَ إلا بخيل، ولا يَلِج الجنةَ شحيحٌ، إنّ السَّخاء شجرةٌ في الجنة تُسمّى: السَّخاء، وإنّ الشُّح شجرة في النار تُسمّى: الشُّحُّ»[[أخرجه ابن عدي في الكامل ١/٣٨٢-٣٨٣ بنحوه، والبيهقي في الشعب ١٣/٣٠٨ (١٠٣٧٦)، من طريق يعلى بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد به.
قال البيهقي: «هذا إسناد ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٤/١٠٧١ (٦٩٧١): «موضوع».]]. (١٤/٣٨١)
٧٦٢٩٠- عن علي بن أبي طالب، قال: مَن أدّى زكاةَ ماله فقد وُقِي شُحّ نفسه[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٧٢)
٧٦٢٩١- عن عبد الرحمن بن عوف -من طريق أبي الهَيّاج الأَسَدي- أنه كان يطوف بالبيت يقول: اللهم، قِني شُحّ نفسي. لا يزيد على ذلك، فقيل له، فقال: إذا وُقيتُ شُحّ نفسي لا أسرق، ولا أزني، ولا أفعل شيئًا[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٠، وابن عساكر ٣٥/٢٩٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٧٢)
الحشر 59:10
﴿وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ ١٠﴾ - قراءات
٧٦٢٩٢- عن سليمان بن مهران الأعمش أنه قرأ: (رَبَّنا لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِمْرًا[[الغِمْر: الحقد والضغن. النهاية (غمر).]] لِّلَّذِينَ آمَنُواْ)[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
وهي قراءة شاذة. انظر: المحتسب ٢/٣١٨، ومختصر ابن خالويه ص١٥٥.]]. (١٤/٣٨٥)
﴿وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ ١٠﴾ - تفسير الآية
٧٦٢٩٣- عن عائشة -من طريق مهاجر- قالت: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ، فسبُّوهم! ثم قرأتْ هذه الآية: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾[[أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/٩٩-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٨٤)
٧٦٢٩٤- عن سعد بن أبي وقاص -من طريق مصعب- قال: الناسُ على ثلاثة منازل؛ قد مضت منزلَتْان، وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ﴾ الآية. ثم قال: هؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة، وقد مضتْ. ثم قرأ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآية. ثم قال: هؤلاء الأنصار، وهذه منزلة، وقد مضتْ. ثم قرأ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ فقد مضت هاتان المنَزلتان، وبَقيتْ هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المَنزلة[[أخرجه الحاكم ٢/٤٨٤. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٨٣)
٧٦٢٩٥- عن عبد الله بن عباس -من طريق مقْسم- قال: أمر اللهُ سبحانه بالاستغفار لأصحاب محمّد ﷺ، وهو يعلم أنهم سيُفْتَنون[[أخرجه الثعلبي ٩/٢٨١.]]. (ز)
٧٦٢٩٦- عن عبد الله بن عمر أنه سمع رجلًا وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، أفمِنهم أنتَ؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ الآية. ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفمنهم أنتَ؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الآية. ثم قال: أفمن هؤلاء أنتَ؟ قال: أرجو. قال: لا؛ ليس مِن هؤلاء مَن يسبُّ هؤلاء[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٨٤)
٧٦٢٩٧- عن عبد الله بن عمر أنه بلغه: أنّ رجلًا نال مِن عثمان، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ الآية قال: من هؤلاء أنتَ؟ قال: لا. ثم قرأ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنتَ؟ قال: لا. ثم قرأ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الآية، قال: مِن هؤلاء أنتَ؟ قال: أرجو أن أكون منهم. قال: لا، واللهِ، ما يكون منهم مَن يتناولهم وكان في قلبه الغِلّ عليهم[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٨٤)
٧٦٢٩٨- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى -من طريق قيس بن مسلم- قال: كان الناسُ على ثلاثة منازل: المهاجرون الأوّلون، والذين اتّبعوهم بإحسان، ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وأحسن ما يكون أن يكون بهذه المَنزلة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٣.]]. (ز)
٧٦٢٩٩- عن علي بن الحسين بن علي -من طريق ابنه محمد- قال: جلس إلَيَّ قومٌ مِن أهل العراق، فذكروا أبا بكر وعمر، فمَسُّوا منهما، ثم ابتدأوا في عثمان، فقلت لهم: أخبِروني؛ أنتم من المهاجرين ﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم الصادقون﴾؟ قالوا: لا، لسنا منهم. قال: فأنتم مِن الذين قال الله ﷿: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾؟ قالوا: لا، لسنا منهم. قال: فقلت لهم: وأما أنتم فقد تبرّأتم وشهدتم وأقررتم أن تكونوا منهم، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾، قوموا عنِّي، لا بارك الله فيكم، ولا قرب دوركم، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم مِن أهله[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١/ ٣٨٩.]]. (ز)
٧٦٣٠٠- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، قال: الذين أسلَموا، نُعِتوا أيضًا؛ عبد الله بن نَبْتَل، وأوس بن قَيظيّ[[تفسير مجاهد ص٦٥٣، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٢ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٨٣)
٧٦٣٠١- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم، ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الآية، قال: أُمروا بالاستغفار لهم، وقد عَلِم ما أحدثوا[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٨٤)
٧٦٣٠٢- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ثم ذكر الله الطائفة الثالثة، فقال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ حتى بلغ: ﴿إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، إنما أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ، ولم يُؤمروا بسبِّهم. وذُكر لنا: أنّ غلامًا لحاطِب بن أبي بَلتعة جاء نبيَّ الله ﷺ، فقال: يا نبيَّ الله، لَيَدْخُلنَّ حاطِبٌ في حيِّ النار. قال: «كذبتَ؛ إنّه شهد بدرًا، والحُديبية». وذُكر لنا: أنّ عمر بن الخطاب ﵁ أغلَظ لرجل من أهل بدر، فقال نبي الله ﷺ: «وما يُدريك، يا عمر؟ لعلّه قد شهد مَشهدًا اطّلع الله فيه إلى أهله، فأشهَد ملائكته: إني قد رضيتُ عن عبادي هؤلاء، فليعمَلوا ما شاؤوا». فما زال بعضُنا مُنقبِضًا من أهل بدر، هائبًا لهم. وكان عمر ﵁ يقول: وإلى أهل بدر تَهالك المُتهالِكون، وهذا الحيُّ مِن الأنصار أحسنَ الله عليهم الثناء[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٢.]]. (ز)
٧٦٣٠٣- قال مقاتل بن سليمان: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ يعني: من بعد المهاجرين والأنصار، فدخلوا في الإسلام إلى يوم القيامة، وهم التابعون، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ الماضين من المهاجرين والأنصار، فهذا استغفار، ثم قال التابعون: ﴿ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٠.]]. (ز)
٧٦٣٠٤- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال: لا تُورِث قلوبنا غِلًّا لأحدٍ مِن أهل دينك[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٣.]]. (ز)
﴿وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ ١٠﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٣٠٥- عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم الذين يسبُّون أصحابي فقولوا: لعنة الله على شرِّكم»[[أخرجه الترمذي ٦/٣٨٤-٣٨٥ (٤٢٠٤)، والطبراني في الأوسط (٨٣٦٦)، والثعلبي ٩/٢٨٢، من طريق النضر بن حماد، عن سيف بن عمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به.
قال الترمذي: «هذا حديث منكر لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه، والنضر -بن حماد- مجهول، وسيف -بن عمر- مجهول». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/٢٥٥ (٣٦٣٧) في ترجمة سيف بن عمر الضبي: «قال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك. وقال ابن حبان: اتُّهم بالزندقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر».]]. (ز)
٧٦٣٠٦- عن أنس مالك، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ، فقال: «يَطّلع الآنَ عليكم رجلٌ مِن أهل الجنة». فاطّلع رجلٌ من الأنصار تَنطُف[[تنطف: تقطر الماء قليلًا قليلًا. النهاية (نطف).]] لحيته ماء مِن وضوئه، مُعلِّق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ: «يَطّلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة». فاطّلع ذلك الرجل على مِثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ: «يَطّلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة». فاطّلع ذلك الرجل على مِثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فاطّلع ذلك الرجل، فلما قام الرجل اتّبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحَيتُ[[الملاحاة: المخاصمة. النهاية (لحا).]] أبي، فأقسمتُ: أن لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيتَ أن تؤويني إليك حتى تَحلّ يميني فعلتَ. قال: نعم. قال أنس: فكان عبد الله بن عمرو يُحدّث أنه بات معه ليلة فلم يرَه يقوم من الليل بشيء، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبّر، حتى يقوم لصلاة الفجر، فيُسبغ الوضوء، غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الليالي الثلاث، وكدتُ أحتقر عمله قلتُ: يا عبد الله، إنه لم يكن بيني وبين والدي غضبٌ ولا هجرة، ولكني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: «يَطّلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة». فاطّلعتَ أنت تلك المرات الثلاث، فأردتُ أن آوي إليك، فأنظُر ما عملك؟ قال: ما هو إلا ما رأيتَ. فانصرفتُ عنه، فلمّا ولّيتُ دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أجد في نفسي غِلًّا لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خيرٍ أعطاه الله إيّاه. فقال له عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغتْ بك، وهي التي لا نُطيق[[أخرجه أحمد ٢٠/١٢٤-١٢٥ (١٢٦٩٧)، والنسائي في الكبرى ٩/٣١٨-٣١٩ (١٠٦٣٣)، من طريق معمر، عن الزُّهريّ، عن أنس بن مالك به.
قال ابن كثير في تفسيره ٨/٧٠ بعد أن ذكر هذا الأثر عن الإمام أحمد بإسناده عن الزُّهريّ عن أنس: «ورواه النسائي في اليوم والليلة، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر به، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين، لكن رواه عقيل وغيره عن الزُّهريّ، عن رجل، عن أنس». وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الإحياء ص١٠٨٥: «إسناد صحيح، على شرط الشيخين». وقال الهيثمي في المجمع ٨/٧٨-٧٩ (١٣٠٤٨): «رجال أحمد رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٦/٧٨ (٥٣٨٣): «إسناد صحيح، على شرط البخاري ومسلم». وقال الألباني في الضعيفة ١/٢٦: «إسناده صحيح، على شرط الشيخين».]]. (١٤/٣٨٥)
٧٦٣٠٧- عن عبد العزيز بن أبي روّاد، قال: بلَغنا: أنّ رجلًا صلّى مع رسول الله ﷺ، فلما انصرف قال رسول الله ﷺ: «هذا الرجلُ مِن أهل الجنة». فقال عبد الله بن عمرو: فأتيتُه، فقلتُ: يا عمّاه، الضيافة؟ قال: نعم. فإذا له خيمة وشاة ونَخل، فلما أمسى خرج مِن خَيمته، فاحتلَب العَنز، واجتنى لي رُطبًا، ثم وضعه، فأكلتُ معه فبات نائمًا، وبِتُ قائمًا، وأصبح مُفطرًا وأصبحتُ صائمًا، ففعل ذلك ثلاث ليال، فقلتُ له: إنّ رسول الله ﷺ قال فيك: إنك من أهل الجنة، فأخبِرْني ما عملك؟ قال: فائتِ الذي أخبرك حتى يُخبرك بعملي. فأتيتُ رسول الله ﷺ، فقال: «ائته، فمُره فليُخبرك». فقلتُ: إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تُخبِرني. قال: أمّا الآن فنعم؛ لو كانت الدنيا لي فأُخذتْ مني لم أحزن عليها، ولو أُعطيتُها لم أفرح بها، وأبِيتُ وليس في قلبي غِلٌّ على أحد. قال عبد الله: لكني –واللهِ- أقوم الليل، وأصوم النهار، ولو وُهبتْ لي شاةٌ لَفرِحتُ بها، ولو ذهبتْ لحزنتُ عليها، واللهِ، لقد فضّلك الله علينا فضلًا بيِّنًا[[عزاه السيوطي إلى الحكيم الترمذي. وقد جمع الحكيم الترمذي متن هذا الحديث مع الحديث السابق، وليس فيه ذكر عبد العزيز بن أبي رواد.]]. (١٤/٣٨٦)
٧٦٣٠٨- عن أبي مَعْشر، عن [القُرَظيّ ... ﴿والسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ][[كذا جاء بين معقوفين في مطبوعة المصدر.]] مِنَ المُهاجِرِينَ والأَنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وأخذ عمر بيده، فقال: مَن أقرأك بها؟ قال: أُبيّ بن كعب. قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه. قال: لَمّا جاءه قال عمر: أنتَ أقرأتَ هذه الآية؟ قال: نعم. قال: أنتَ سمعتَها مِن رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، قد كنتُ أظن أنّا قد رُفِعنا رِفعة لا يبلغه أحد بعدنا. قال: بلى، تصديق هذه الآية في أول سورة الجُمُعة، وأوسط سورة الحشر، وآخر سورة الأنفال؛ في سورة الجمعة [٣]: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾، وفي سورة الأنفال [٧٥]: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٢/١ (١).]]. (ز)
٧٦٣٠٩- قال مالك بن مِغْوَل: قال الشعبي: يا مالك، تفاضَلَتِ اليهودُ والنصارى على الرافضة بخَصلة، سُئلت اليهود: مَن خير أهل مِلّتكم؟ فقالت: أصحاب موسى ﵇. وسُئلت النصارى: مَن خير أهل مِلّتكم؟ فقالوا: حواري عيسى ﵇. وسُئلت الرافضة: مَن شرّ أهل مِلّتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ. أُمِرُوا بالاستغفار لهم، فسبُّوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلّما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله بسفْك دمائهم، وتفريق شمْلهم، وإدحاض حُجّتهم، أعاذنا الله وإيّاكم مِن الأهواء المُضِلّة[[تفسير البغوي ٨/٨٠.]]. (ز)
٧٦٣١٠- عن العوام بن حَوْشَب -من طريق شهاب بن خِراش- قال: أدركتُ مَن أدركتُ مِن صدر هذه الأمة وهم يقولون: اذكروا محاسنَ أصحاب رسول الله ﷺ؛ حتى تأتلف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شَجر بينهم فتُحرشوا الناس عليهم[[أخرجه الثعلبي ٩/٢٨٢.]]. (ز)
٧٦٣١١- عن مالك بن أنس -من طريق عبد الله العنبري- قال: مَن تَنَقَّصَ أحدًا مِن أصحاب رسول الله ﷺ، أو كان في قلبه عليهم غِلٌ، فليس له حقٌّ في فَيْء المسلمين. ثم تلا قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ حتى أتى قوله: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا﴾ الآية، فمَن تنقّصهم، أو كان في قلبه عليهم غِلٌّ فليس له في الفيء حقٌّ[[أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٦/٣٢٧.]]. (ز)
الحشر 59:11
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ نَافَقُوا۟ یَقُولُونَ لِإِخۡوَ ٰنِهِمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَىِٕنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِیعُ فِیكُمۡ أَحَدًا أَبَدࣰا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ ١١﴾ - نزول الآية
٧٦٣١٢- عن عبد الله بن عباس: أنّ رهطًا مِن بني عوف بن الحارث -منهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ووديعة، ومالك وسُويد، وداعس- بعثوا إلى بني النَّضِير: أن اثبُتوا، وتمَنّعوا؛ فإنّا لا نُسلمُكم، وإن قوتلتم قاتَلنا معكم، وإنْ أُخرجتُم خَرجنا معكم. فتربّصوا ذلك مِن نصْرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرّعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يُجليَهم، ويَكفّ عن دمائهم، على أنّ لهم ما حمَلت الإبل مِن أموالهم إلا الحَلْقَة[[الحلقة: السلاح عامة. وقيل: هي الدروع خاصة. النهاية (حلق).]]، ففعل، فكان الرجل منهم يهدِم بيته، فيضعه على ظهر بعيره، فينطَلق به، فخرجوا إلى خَيبر، ومنهم مَن سار إلى الشام[[عزاه السيوطي إلى ابن إسحاق، وأبي نعيم في الدلائل، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٨٧)
٧٦٣١٣- عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: أسلمَ ناسٌ مِن أهل قُرَيظة والنَّضِير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النَّضِير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ فنَزَلَتْ فيهم هذا الآية: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ﴾ الآية[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٤/٣٨٧)
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ نَافَقُوا۟﴾ - تفسير
٧٦٣١٤- عن عبد الله بن عباس، ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾، قال: عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، ورفاعة بن تابوت، وعبد الله بن نَبْتَل، وأوس بن قَيظيّ[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٨٧)
٧٦٣١٥- عن عبد الله بن عباس-من طريق ابن إسحاق بسنده- قوله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾، قال: عبد الله بن أُبيّ وأصحابه، ومَن كان منهم على مثل أمرهم[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (ز)
٧٦٣١٦- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾، قال: عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وعبد الله بن نَبْتَل، وأوس بن قَيظيّ[[تفسير مجاهد ص٦٥٣، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٥ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٨٨)
٧٦٣١٧- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ نَزَلَتْ في عبد الله بن نَبْتَل، وعبد الله بن أبى رافع بن يزيد، كلّهم من الأنصار[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٠-٢٨١.]]. (ز)
﴿یَقُولُونَ لِإِخۡوَ ٰنِهِمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَىِٕنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِیعُ فِیكُمۡ أَحَدًا أَبَدࣰا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ ١١﴾ - تفسير
٧٦٣١٨- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- ﴿يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: يعني: بني النَّضِير[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٥. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (ز)
٧٦٣١٩- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ﴾، قال: النَّضِير[[تفسير مجاهد ص٦٥٣، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٥ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]٦٥٤٦. (١٤/٣٨٨)
٦٥٤٦ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٣٤-٥٣٥) غير قول مجاهد، وابن عباس من طريق ابن إسحاق.
٧٦٣٢٠- قال الحسن البصري: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، يعني: قُرَيظة، والنَّضِير[[أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٠-.]]. (ز)
٧٦٣٢١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ مِن اليهود؛ منهم حُييّ بن أخطَب، وجدي، وأبو ياسر، ومالك بن الضيف، وأهل قُرَيظة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٠-٢٨١.]]. (ز)
٧٦٣٢٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ لئن أخرجكم محمدٌ مِن المدينة كما أخرج أهل النَّضِير ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ولا نُطِيعُ فِيكُمْ أحَدًا﴾ يقول: لا نُطيع في خُذلانكم أحدًا ﴿أبَدًا﴾ يعني بأحد: النبيَّ ﷺ وحده، ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ يعني: لَنُقاتِلنّ معكم، فكذّبهم الله تعالى فقال: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٠-٢٨١.]]. (ز)
الحشر 59:12
﴿لَىِٕنۡ أُخۡرِجُوا۟ لَا یَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَىِٕن قُوتِلُوا۟ لَا یَنصُرُونَهُمۡ وَلَىِٕن نَّصَرُوهُمۡ لَیُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَـٰرَ ثُمَّ لَا یُنصَرُونَ ١٢﴾ - تفسير
٧٦٣٢٣- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ كما أُخرج أهل النَّضِير من المدينة ﴿لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولَئِنْ قُوتِلُوا﴾ يعني: لَئِن قاتَلهم المسلمون ﴿لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ يعني: لا [يعاونونهم]، يقول الله تعالى: ﴿ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ يعني: ولئن عاوَنوهم ﴿لَيُوَلُّنَّ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ فغرّهم المنافقون، فلزموا الحِصن، حتى قُتلوا وأُسروا، فنَزلوا على حُكم سعد بن معاذ، فحَكم فيهم أن تُقتَل مُقاتِلهم، وتُسبى ذراريهم، فقُتل منهم أربعمائة وخمسين رجلًا، وسبى سبعمائة وخمسين رجلًا، فذلك قوله في الأحزاب [٢٦]: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: المُقاتِلة الأربعمائة وخمسين، ﴿وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يعني: السبعمائة وخمسين[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨١.]]. (ز)
الحشر 59:13
﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةࣰ فِی صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ ١٣﴾ - تفسير
٧٦٣٢٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَأَنْتُمْ﴾ معشر المسلمين ﴿أشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: قلوب المنافقين؛ ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ فيَعتبرون[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨١.]]. (ز)
الحشر 59:14
﴿لَا یُقَـٰتِلُونَكُمۡ جَمِیعًا إِلَّا فِی قُرࣰى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَاۤءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَیۡنَهُمۡ شَدِیدࣱۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِیعࣰا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَعۡقِلُونَ ١٤﴾ - تفسير
٧٦٣٢٥- عن عبد الله بن عباس، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾، قال: هم المشركون[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٨٨)
٧٦٣٢٦- عن إبراهيم النَّخْعي -من طريق الشيباني-= (ز)
٧٦٣٢٧- وأبي مِجْلَز -من طريق سليمان التيمي- في قول الله: ﴿تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى﴾، قال: المنافقون، وأهل الكتاب[[أخرجه أبو إسحاق الفزاري في سيره ٢٠٥.]]. (ز)
٧٦٣٢٨- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قال: بالكلام، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ قال: المنافقون، يخالف دينهم دين النَّضِير[[تفسير مجاهد ص٦٥٣، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٨ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٨٨)
٧٦٣٢٩- عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾، قال: هم المنافقون، وأهل الكتاب[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٨-٥٣٩.]]. (ز)
٧٦٣٣٠- عن سفيان [الثوري] -من طريق مهران-، مثل ذلك[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٨.]]. (ز)
٧٦٣٣١- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾، قال: كذلك أهل الباطل، مُختلفة شهادتهم، مُختلفة أهواؤهم، مُختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحقّ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٨. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]٦٥٤٧. (١٤/٣٨٨)
٦٥٤٧ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٣٨-٥٣٩) غير قول قتادة، وسفيان، ومجاهد.
٧٦٣٣٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يقول الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ يا محمد ﴿جَمِيعًا﴾ المنافقين واليهود، ﴿وقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ يعني: مُتفرقة مُختلفة؛ ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ عن الله فيوحّدونه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨١.]]٦٥٤٨. (ز)
٦٥٤٨ بيّن ابنُ عطية (٨/٢٧١) أنّ الضمير في قوله: ﴿يقاتلونكم﴾ عائد على بني النَّضِير وجميع اليهود في قول جماعة المفسرين. ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد بذلك: اليهود والمنافقين؛ لأن دخول المنافقين في قوله تعالى: ﴿بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ متمكن بيّن».
﴿لَا یُقَـٰتِلُونَكُمۡ جَمِیعًا إِلَّا فِی قُرࣰى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَاۤءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَیۡنَهُمۡ شَدِیدࣱۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِیعࣰا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَعۡقِلُونَ ١٤﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٣٣٣- عن علي بن أبي طالب، قال: المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء وادّون، وإن افترقت منازلهم، والفَجَرة بعضهم لبعض غَشَشة خَوَنة، وإن اجتمعت أبدانهم[[عزاه السيوطي إلى الديلمي.]]. (١٤/٣٨٨)
الحشر 59:15
﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِیبࣰاۖ ذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ ١٥﴾ - تفسير
٧٦٣٣٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾: يعني: بني قَيْنقاع[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٣٩.]]. (ز)
٧٦٣٣٥- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾: كفار قريش يوم بدر[[تفسير مجاهد ص٦٥٣، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٨٨)
٧٦٣٣٦- قال مجاهد بن جبر: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، يعني: بني قَيْنقاع[[تفسير الثعلبي ٩/٢٨٤، وتفسير البغوي ٨/٨١.]]. (ز)
٧٦٣٣٧- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾، قال: هم بنو النَّضِير[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. (١٤/٣٨٨-٣٨٩)
٧٦٣٣٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: قبل أهل بدر، كان قبل ذلك بسنتين، فذلك قوله: ﴿قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ يعني: جزاء ذنبهم، ذاقوا القتْل ببدر، ﴿ولَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨١.]]٦٥٤٩. (ز)
٦٥٤٩ اختُلِف فيمن عنى الله بقوله: ﴿الذين من قبلهم﴾ على قولين: الأول: أنهم بنو قَينقاع. الثاني: مشركو قريش ببدر.
وقد ذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٤٠) القولين، ورجّح العموم فيهما، فقال: «وأولى الأقوال بالصواب أن يُقال: إنّ الله ﷿ مَثَّل هؤلاء الكفار من أهل الكتاب مِمّا هو مُذيقهم مِن نكاله بالذين من قبلهم مِن مُكذّبي رسوله ﷺ، الذين أهلكهم بسَخطه، وأمر بني قَيْنقاع ووقعة بدر كانا قبل جلاء بني النَّضِير، وكلّ أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم، ولم يخصّص الله ﷿ منهم بعضًا في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض، وكلٌّ ذائق وبال أمره، فمَن قربت مدّته منهم قبلهم، فهم مُمثّلون بهم فيما عنوا به من المثل».
وذكر ابنُ عطية (٨/٢٧١-٢٧٢) القولين، وزاد قولًا ثالثًا، فقال: «وقال بعض المتأولين: الضمير في قوله: ﴿قبلهم﴾ للمنافقين، والذين من قبلهم: هم منافقو الأمم المتقدمة، وذلك أنهم غُلبوا ونالتهم الذِّلة على وجه الدهر، فهم مَثَلٌ لهؤلاء». وعلّق بقوله: «ولكن قوله: ﴿قريبا﴾ إمّا أن يكون في زمن موسى، وإلا فالتأويل المذكور يضعف، إلا أن تجعل ﴿قريبا﴾ ظرفًا للذوق، فيكون التقدير: ذاقوا وبال أمرهم قريبًا من عصيانهم وبحدثانه، ولا يكون المعنى: أنّ المثل قريب في الزمن من الممثل له». ثم علّق على جميع الأقوال بقوله: «وعلى كل تأويل فـ﴿قريبًا﴾ ظرف أو نعت لظرف».
الحشر 59:16
﴿كَمَثَلِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَـٰنِ ٱكۡفُرۡ﴾ - تفسير
٧٦٣٣٩- عن عبد الله بن مسعود، في الآية، قال: ضرب الله مَثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النَّبِيّ ﷺ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٩٣)
٧٦٣٤٠- قال عبد الله بن عباس: ﴿أنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ ضرب الله هذا المَثل ليهود بني النَّضِير والمنافقين من أهل المدينة، ...[[تفسير الثعلبي ٩/٢٨٦، وتفسير البغوي ٨/٨٥.]]. (ز)
٧٦٣٤١- قال مقاتل بن سليمان: ثم ضرب مثلًا حين غرُّوا اليهود، فتبرّؤوا منهم عند الشِّدّة، وأسلمُوهم، فقال: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣.]]. (ز)
٧٦٣٤٢- قال يحيى بن سلّام: ضرب الله مَثَل المنافقين حين خَذلوا اليهود، فلم ينصروهم، وقد كانوا وعدوهم النّصرة، كمثَل الشيطان في هذه الآية: ﴿إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾[[تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٢.]]. (ز)
﴿كَمَثَلِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَـٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّی بَرِیۤءࣱ مِّنكَ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ١٦﴾ - تفسير
٧٦٣٤٣- عن عُبيد بن رفاعة الزُّرَقيّ، يبلغ به النبيَّ ﷺ، قال: «كان راهِبٌ في بني إسرائيل، فأخذ الشيطانُ جاريةً، فخَنقها، فألقى في قلوب أهلها أنّ دواءها عند الرّاهب، فأُتِي بها الرّاهب، فأبى أن يَقبلها، فلم يزالوا به حتى قَبلها، فكانت عنده، فأتاه الشيطان، فوسوس له وزيّن له، فلم يزل به حتى وقع عليها، فلمّا حَمَلتْ وسوس له الشيطان، فقال: الآن تَفْتَضِح، يأتيك أهلها، فاقتلها، فإنْ أتَوك فقُل: ماتت. فقَتلها، ودفَنها، فأتى الشيطانُ أهلَها، فوسوس إليهم، وألقى في قلوبهم: أنه أحبَلها، ثم قتلها. فأتاه أهلها، فسألوه، فقال: ماتت. فأخذوه، فأتاه الشيطان، فقال: أنا الذي أخذتُها، وأنا ألقيتُ في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتُك في هذا، فأطِعني، فتنجو، واسجد لي سجدتين. فسجد له سجدتين، فهو الذي قال الله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾» الآية[[أخرجه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان ٤/٥٤٦ (٦١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٤٩). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه مرسلًا.]]. (١٤/٣٩١)
٧٦٣٤٤- عن عبد الله بن مسعود -من طريق عبد الرحمن بن زيد- في هذه الآية، قال: كانت امرأةٌ ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تَأوي بالليل إلى صَوْمَعة راهب، فنزل الرّاهب، ففَجر بها، فأتاه الشيطان، فقال له: اقتُلها، ثم ادفنها، فإنك رجل مُصدَّق يُسمع قولك. فقتَلها، ثم دفنَها، فأتى الشيطانُ إخوتَها في المنام، فقال لهم: إنّ الرّاهب فجَر بأُخْتكم، فلما أحبَلها قتَلها، ثم دفنَها في مكان كذا وكذا. فلما أصبحوا قال رجل منهم: لقد رأيتُ البارحة كذا وكذا. فقال الآخر: وأنا -واللهِ- لقد رأيتُ ذلك. فقال الآخر: وأنا -واللهِ- لقد رأيتُ ذلك. قالوا: فواللهِ، ما هذا إلا لشيء. فانطلَقوا، فاستَعْدَوا مَلِكهم على ذلك الرّاهب، فأتَوه، فأنزلوه، ثم انطلَقوا به، فلَقيه الشيطان، فقال: إنّي أنا الذي أوقعتُك في هذا، ولن يُنجِيَك منه غيري، فاسجد لي سجدةً واحدةً، وأُنجِيك مما أوقعتك فيه، فسجد له، فلما أتَوا به ملِكهم تبرّأ منه، وأُخذ فقُتل[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٢ بنحوه.]]. (١٤/٣٩٠)
٧٦٣٤٥- عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد الله بن نَهيك-: أنّ رجلًا كان يتعبّد في صَومَعة، وأنّ امرأة كان لها إخوة، فعرَض لها شيء، فأتَوه بها، فزَيّنتْ له نفسُه، فوقع عليها، فحمَلتْ، فجاءه الشيطان، فقال: اقتلها؛ فإنهم إن ظهروا عليك افتَضَحتَ. فقتَلها، ودفنَها، فجاؤوه، فأخذوه، فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان، فقال: إنِّي أنا الذي زيّنتُ لك، فاسجد لي سجدةً أُنجِيك. فسجد له، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ الآية[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٥، وابن جرير ٢٢/٥٤١ بنحوه، وابن راهويه -كما في المطالب العالية (٤١٤٣)-، والبخاري في تاريخه ٥/٢١٣، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٥٠)، والحاكم ٢/٤٨٤. وعزاه السيوطي إلى أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٣٨٩)
٧٦٣٤٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ الآية، قال: كان راهبٌ مِن بني إسرائيل يعبد الله، فيُحسن عبادته، وكان يُؤتى مِن كلّ أرض، فيُسأل عن الفقه، وكان عالِمًا، وإنّ ثلاثة إخوة لهم أختٌ حسناء مِن أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يُسافروا، وكَبُر عليهم أن يَدَعوها ضائعة، فعَمدوا إلى الرّاهب، فقالوا: إنّا نريد السفر، وإنّا لا نجد أحدًا أوثقَ في أنفسنا ولا آمنَ عندنا منك، فإن رأيتَ جعلنا أُختنا عندك، فإنها شديدة الوَجع، فإن ماتتْ فقُم عليها، وإنْ عاشتْ فأَصلِح إليها حتى نرجع. فقال: أكفيكم -إن شاء الله-. فقام عليها، فداواها حتى برئت، وعاد إليها حُسنها، وإنه اطّلع إليها، فوجدها مُتصنّعة، ولم يزل به الشيطان حتى وقع عليها، فحمَلت، ثم نَدّمه الشيطان، فزيّن له قَتْلها، وقال: إن لم تفعلِ افتَضَحتَ، وعُرف شبهُك في الولد، فلم يكن لك معذرة. فلم يزل به حتى قتَلها، فلمّا قَدم إخوتها سألوه: ما فعلَتْ؟ قال: ماتتْ، فدفنتُها. قالوا: أحسنتَ. فجعلوا يَرون في المنام، ويُخْبَرون: أنّ الرّاهب قتَلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا. وأنهم عَمدوا إلى الشجرة، فوجدوها قد قُتلتْ، فعَمدوا إليه، فأخذوه، فقال الشيطان: أنا الذي زَيّنتُ لك الزِّنا، وزَيّنتُ لك قتْلها، فهل لك أنْ أُنجِيك وتُطيعني؟ قال: نعم. قال: فاسجد لي سجدة واحدة. فسجد له، ثم قُتل، فذلك قول الله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ الآية[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٣. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٤/٣٨٩)
٧٦٣٤٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق عديّ بن ثابت- في الآية، قال: كان راهِبٌ في بني إسرائيل مُتعبِّدًا زمانًا، حتى كان يؤتى بالمجانين، فيَقرأ عليهم، ويُعوّذهم حتى يبرؤوا، فأُتِي بامرأة في شَرَفٍ[[الشرف: الحسب بالآباء. لسان العرب (شرف).]] قد عرَض لها الجنون، فجاء إخوتها إليه ليُعوِّذها، فلم يزل به الشيطان يُزيّن له حتى وقع عليها، فحمَلتْ، فلما عظُم بطنها لم يزل الشيطان يُزيّن له حتى قتَلها، ودفنَها في مكان، فجاء الشيطان في صورة رجل إلى بعض إخوتها، فأخبَره، فجعل الرجل يقول لأخيه: واللهِ، لقد أتاني آتٍ، فأخبَرني بكذا وكذا. حتى أفضى به بعضُهم إلى بعض، حتى رفعوه إلى مَلِكِهم، فسار الملِك والناسُ حتى استنزله، فأقَرّ واعترف، فأمَر به الملِك، فصُلِب، فأتاه الشيطان وهو على خشبته، فقال: أنا الذي زَيّنتُ لك هذا، وألقَيتُك فيه، فهل أنتَ مطيعي فيما آمرك به وأُخلّصك؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدةً واحدةً. فسجد له وكفر، فقُتل في تلك الحال[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والخرائطي في اعتلال القلوب.]]. (١٤/٣٩٢)
٧٦٣٤٨- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾، قال: عامة الناس[[تفسير مجاهد ص٦٥٣، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٩٣)
٧٦٣٤٩- عن طاووس بن كيسان -من طريق معمر- قال: كان رجلٌ مِن بني إسرائيل عابدًا، وكان ربما داوى المجانين، وكانت امرأةٌ جميلة أخذها الجنون، فجِيء بها إليه، فتُركت عنده، فأعجبتْه، فوقع عليها، فحمَلتْ، فجاءه الشيطان، فقال: إن عُلِم بهذا افتَضَحتَ؛ فاقتُلها، وادفنها في بيتك. فقتَلها، ودفنَها، فجاء أهلُها بعد زمان يسألونه عنها، فقال: ماتت. فلم يتّهموه لصلاحه فيهم ورضاه، فجاءهم الشيطان، فقال: إنها لم تمُتْ، ولكنه وقع عليها، فحمَلتْ، فقتَلها، ودفنَها في بيته في مكان كذا وكذا. فجاء أهلها، فقالوا: ما نتّهمك، ولكن أخبِرنا: أين دفنتَها؟ ومَن كان معك؟ ففتَّشوا بيته، فوجدوها حيث دفنَها، فأُخِذ، فسُجِن، فجاءه الشيطان، فقال: إن كنتَ تريد أنْ أُخرجك مِمّا أنتَ فيه فاكفر بالله. فأطاع الشيطان، وكفر، فأُخذ، فقُتل، فتبرّأ منه الشيطان حينئذ. قال طاووس: فما أعلم إلا أنّ هذه الآية أُنزِلَتْ فيه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ الآية[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٤-٢٨٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٣٩٣)
٧٦٣٥٠- قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ وذلك أنه كان راهبًا في بني إسرائيل اسمه: برصيصا، وكان في صومعته أربعين عامًا يعبد الله، ولا يُكلّم أحدًا، ولا يُشرف على أحد، وكان لا يَكِلُّ مِن ذِكر الله ﷿، وكان الشيطان لا يَقدِر عليه مع ذِكره لله تعالى، فقال الشيطان لإبليس: قد غلبني برصيصا، ولستُ أقدِر عليه. فقال إبليس: اذهب، فانصب له ما نصبتَ لأبيه من قبل. وكانت جارية ثلاثة من بني إسرائيل، عظيمة الشرف، جميلة، من أهل بيت صدق، ولها إخوة، فجاء الشيطان إليها، فدخل في جوفها، فخَنقها حتى أزبدت، فالتمس إخوتُها لها الأطباء، وضربوا لها ظهرًا وبطنًا ويمينًا وشمالًا، فأتاهم الشيطان في منامهم، فقال: عليكم ببرصيصا الرّاهب، فليَدعُ لها؛ فإنه مستجاب الدعاء. فلما أصبحوا قال بعضهم لبعض: انطلِقوا بأُختنا إلى برصيصا الرّاهب، فليَدعُ لها، فإنّا نرجو البركة في دعائه، فانطلَقوا بها إليه، فقالوا: يا برصيصا، أشْرِف علينا، وكلِّمنا، فإنّا بنو فلان، وإنما جِئنا لباب حسنة وأجر. فأشرفَ، فكلّمهم، وكلّموه، فلما ردّ عليها وجد الشيطانُ خللًا، فدخل في جوفه، ووسوس إليه، فقال: يا برصيصا، هذا باب حسنة وأجر، تدعو اللهَ لها فيَشفيها. فأمرهم أن يُدخلوها الخربة، وينطلقوا هم، فأدخَلوها الخربة، ومضَوا، وكان برصيصا لا يُتّهم في بني إسرائيل، فقال له الشيطان: يا برصيصا، انزِل، فضع يدك على بطنها وناصيتها، وادعُ لها. فما زال به حتى أنزله من صَومَعته، فلما نزل خرج منه، فدخل في جوف الجارية، فاضطربتْ، وانكشفت، فلمّا رأى ذلك، ولم يكن له عهدٌ بالنساء وقع بها، قال الشيطان: يا برصيصا، يا أعبَدَ بني إسرائيل، ما صنعتَ؟! الزّنا بعد العبادة، يا برصيصا! إنّ هذه تُخبر إخوتها بما أتيتَ لها، فتُفتضح في بني إسرائيل، فاعمد إليها، فاقتلها، وادفنها في التُّراب، ثم اصعد إلى صومعتك، وتُبْ إلى الله، وتعبَّدْ، فإذا جاء إخوتها، فسألوا عنها، فأخبِرهم أنّك دعوتَ لها، وأنّ الجني طار عنها، وأنهم طاروا بها، فمَن هذا الذي يَتّهمك في بني إسرائيل، فقتَلها، ودفنَها في الخَربة، فلما جاء إخوتها قالوا: أين أُختنا؟ فقال: أُختكم طارتْ بها الجنُّ. فرجعوا وهم لا يتّهمونه، فأتاهم الشيطان في المنام، فقال: إنّ برصيصا قد فضَح أُختكم. فلما أصبحوا جعل كلُّ واحد منهم يُكلّم صاحبه بما رأى، فتكلّم بما رأى. فقال الآخر: لقد رأيتُ مثل ما رأيتَ. فقال الثالث مثل ذلك، فلم يرفعوا بذلك رأسًا حتى رَأوا ثلاث ليال، فانطلَقوا إلى برصيصا، فقالوا: أين أُختنا؟ فقال: لا أدري، طارتْ بها الجن. فدخلوا الخَربة، فإذا هم بالتُّراب ناتئ في الخَربة، فضربوه بأرجلهم، فإذا هم بأُختهم، فأتَوه، فقالوا: يا عدوّ الله، قتلتَ أُختنا. فانطلقوا إلى الملِك، فأخبِروه، فبَعث إليه، فاستنزَله من صَومَعته، ونَحتوا له خشبة، فأوثَقوه عليها، فأتاه الشيطان، فقال: أتعرفني، يا برصيصا؟ قال: لا. قال: أنا الذي أنزَلتُك هذه المنزلة، فإن فعلتَ ما آمرُك به استنقذتُك مما أنتَ فيه، وأطلعتُك إلى صَومَعتك. قال: وبماذا؟ قال: أتَمَثَّلُ لك في صورتي، فتسجد لي سجدةً واحدةً، وأُنجِيك مما هنا؟ قال: نعم. فتَمثّل له الشيطان في صورته، فسجد له، وكفر بالله، فانطلَق الشيطان، وتركه، وقُتل برصيصا، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ ﴿قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣.]]. (ز)
٧٦٣٥١- قال يحيى بن سلّام: وبلَغني: أنّ عابِدًا كان في بني إسرائيل قد خرج من الدنيا، واتَّخذ دِيرًا يتعبّد فيه، فطلبه الشيطان أن يُزيله، فلم يستطع عليه، فلما رأى ذلك الشيطانُ جاء إلى ابنة الملِك، فدخل فيها، فأخذها، فدَعَوا لها الأطباء، فلم يُغنوا عنها شيئًا، فتكلّم على لسانها، فقال: لا ينفعها شيءٌ إلا أن تأتُوا بها إلى فلان الرّاهب، فيدعو لها. فذهبوا بها إليه، فجعلوها عنده، فأصابها يومًا ما كان بها، فانكشفتْ، وكانت امرأة حسناء؛ فأعجبه بياضها وحُسنها، فوقع بها، فأَحبَلها، فذهب الشيطان إلى أبيها وإخوتها، فأخبَرهم، وقال له: اقتلها، وادفنها، لا يُعلَم أنك قتلتَها. فقتَلها الرّاهب، ودفنَها إلى أصل حائط، وجاء أبوها وإخوتها، وجاء الشيطان بين أيديهم، فسبَقهم إلى الرّاهب، وقال: إنّ القوم قد علِموا ما صنعتَ بالمرأة، فإن سجدتَ لي سجدةً رددتُهم عنك. فسجَد له، فلما سجَد له أخزاه الله، وتبرّأ منه الشيطان، وجاء أبوها وإخوتها، فاستخرَجوها من حيث دَفنها، وعَمدوا إلى الرّاهب، فصلَبوه. فضرب الله مثل المنافقين حين خَذلوا اليهود، فلم ينصروهم، وقد كانوا وعدوهم النّصرة، كمثَل الشيطان في هذه الآية: ﴿إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ وكذب، قال الله: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾[[تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٢.]]٦٥٥٠. (ز)
٦٥٥٠ ذكر ابنُ عطية (٨/٢٧٢) في قوله: ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان﴾ قولين: الأول: أنّ الشيطان والإنسان هنا اسما جنس. الثاني: أنّ الشيطان هنا شيطان مخصوص لبرصيصا العابد، كما في ورد في بعض الآثار.
وقد رجّح الأول بقوله: «والتأويل الأول هو وجه الكلام». ولم يذكر مستندًا، وذكر قصة برصيصا، ثم علّق بقوله: «وهذا كلّه حديث ضعيف». وبيّن أنّ الضمير في قوله: ﴿فكان عاقبتهما﴾ يحتمل أن يعود على كلا القولين.
الحشر 59:17
﴿فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَاۤ أَنَّهُمَا فِی ٱلنَّارِ خَـٰلِدَیۡنِ فِیهَاۚ وَذَ ٰلِكَ جَزَ ٰۤؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِینَ ١٧﴾ - قراءات
٧٦٣٥٢- عن سليمان بن مهران الأعمش، أنه كان يقرأ: (فَكانَ عاقِبَتَهُمَآ أنَّهُما فِي النّارِ خالِدانِ فِيها)[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
وهي قراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٥٥.]]٦٥٥١. (١٤/٣٩٣)
٦٥٥١ ذكر ابنُ عطية (٨/٢٧٢) هذه القراءة، ثم علّق عليها قائلًا: «ويلحق هذه القراءة من الاعتراض إلغاء الظرف مرتين، قاله الفراء، وذلك جائز عند سيبويه على التأكيد».
﴿فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَاۤ أَنَّهُمَا فِی ٱلنَّارِ خَـٰلِدَیۡنِ فِیهَاۚ وَذَ ٰلِكَ جَزَ ٰۤؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِینَ ١٧﴾ - تفسير الآية
٧٦٣٥٣- قال عبد الله بن عباس: ﴿أنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ ضرب الله هذا المَثل ليهود بني النَّضِير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أنّ الله ﷿ أمر نبيّه ﷺ بإجلاء بني النَّضِير عن المدينة، فدسّ المنافقون إليهم، وقالوا: لا تُجيبوا محمدًا إلى ما دعاكم، ولا تَخرجوا من دياركم، فإن قاتَلكم فإنّا معكم، وإنْ أخرجكم خَرجنا معكم. فأجابوهم، فدَرّبوا على حُصونهم، وتحصّنوا في ديارهم رجاء نصْر المنافقين، حتى جاءهم النبيُّ ﷺ، فناصبُوه الحرب يَرجُون نصْر المنافقين، فخذلوهم، وتبرّءوا منهم كما تبرّأ الشيطان مِن برصيصا وخذله، فكان عاقبة الفريقين النار، قال عبد الله بن عباس ﵁: فكان الرّهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا يمشُون إلا بالتّقيّة والكتمان، وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار، ورَمَوهم بالبهتان والقبيح، حتى كان أمر جريج الراهب، فلما برّأه الله مما رَمَوه به انبسَطت بعده الرّهبان، وظهروا للناس[[تفسير الثعلبي ٩/٢٨٦، وتفسير البغوي ٨/٨٥.]]. (ز)
٧٦٣٥٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما﴾ يعني: الشيطان والإنسان ﴿أنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ الشيطان والرّاهب، ﴿وذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ يقول: هكذا ثواب المنافقين واليهود النار[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٤.]]. (ز)
٧٦٣٥٥- قال يحيى بن سلّام: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما﴾ عاقبة الشيطان وذلك الرّاهب ﴿أنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ المشركين[[تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٢.]]. (ز)
الحشر 59:18
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسࣱ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدࣲۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨﴾ - تفسير
٧٦٣٥٦- عن جرير، قال: كنتُ جالسًا عند رسول الله ﷺ، فأتاه قومٌ مُجتابي النِّمار، مُتقلّدي السيوف، ليس عليهم أُزُرٌ ولا شيء غيرها، عامّتهم مِن مُضر، فلما رأى النبيُّ ﷺ الذي بهم من الجَهد والعُري والجوع، تغيّر وجهُ رسول الله ﷺ، ثم قام، فدخَل بيته، ثم راح إلى المسجد، فصلّى الظهر، ثم صعد منبره، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد -ذلكم- فإنّ الله أنزل في كتابه: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأَصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾، تَصدّقوا قبل أن لا تَصدّقوا، تَصدّقوا قبل أن يُحال بينكم وبين الصّدقة، تَصدّق امرؤٌ من ديناره، تَصدق امرؤٌ مِن دِرهمه، من بُرّه، من تمره، من شعيره، لا يحقرنّ شيءٌ مِن الصّدقة، ولو بشقِّ تمرة». فقام رجل من الأنصار بِصُرّة في كفّه، فناولها رسولُ الله ﷺ وهو على منبره، فعُرف السرور في وجهه، فقال: «مَن سنَّ في الإسلام سُنّةً حسنة، فعُمل بها، كان له أجْرها ومِثل أجر مَن عمل بها، لا يَنقُص من أجورهم شيئًا، ومَن سنّ سنّة سيئة، فعُمل بها، كان عليه وِزرها ومِثل وِزر مَن عُمل بها، لا يَنقُص من أوزارهم شيئًا». فقام الناس، فتفرّقوا؛ فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي طعام، ومن ذي، ومن ذي، فاجتمع، فقَسمه بينهم[[أخرجه مسلم ٢/٧٠٤ (١٠١٧) دون قوله: فقام الناس فتفرقوا ... إلخ، وقد أخرجها البيهقي في الشعب ٥/٢٧-٢٨ (٣٠٤٩).]]. (١٤/٣٩٤)
٧٦٣٥٧- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: يعني: يوم القيامة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٧.]]. (ز)
٧٦٣٥٨- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، قال: يوم القيامة[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٥٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٩٥)
٧٦٣٥٩- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: ما زال ربّكم يُقرّب الساعة، حتى جعلها كغد، وغد يوم القيامة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٧.]]٦٥٥٢. (ز)
٦٥٥٢ ذكر ابنُ عطية (٨/٢٧٣) قول قتادة، ثم علّق عليه قائلًا: «لأنها آتية لا محالة، وكلّ آت قريب». ثم قال: «ويحتمل أن يريد تعالى بقوله: ﴿لغد﴾ ليوم الموت؛ لأنه لكل إنسان كغد».
٧٦٣٦٠- قال مقاتل بن سليمان: ثم حذّر المؤمنين ولاية اليهود، فقال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ يعني: ولتعلم نفس ﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني: ما عمِلت لغد، يعني: ليوم القيامة، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ يحذّرهم ولاية اليهود؛ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من الخير والشر، ومن معاونة اليهود[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٤.]]. (ز)
٧٦٣٦١- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- وقرأ قول الله ﷿: ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني: يوم القيامة الخير والشر. قال: والأمس في الدنيا، وغد في الآخرة. وقرأ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، قال: كأن لم تكن في الدنيا[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٧.]]. (ز)
الحشر 59:19
﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ ١٩﴾ - تفسير
٧٦٣٦٢- عن نعيم بن محمد الرَّحبيّ، قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق: واعلموا أنكم تَغدُون وترُوحون في أجلٍ قد غُيِّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن ينقضي الأجل وأنتم على حَذر فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، وإنّ أقوامًا جعلوا أعمالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم، فقال: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أين مَن كنتم تعرفون مِن إخوانكم؟! قد انتهتْ عنهم أعمالُهم، وورَدوا على ما قَدَّموا، أين الجبّارون الأوّلون الذين بَنَوا المدائن وحصّنوها بالحوائط؟! قد صاروا تحت الصّخر والآكام، هذا كتاب الله لا تَفنى عجائبه، ولا يُطفَأ نوره، استضيئوا منه ليوم الظّلمة، واستنصِحوا كتابه وتِبْيانه، فإنّ الله قد أثنى على قوم فقال: ﴿إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. لا خير في قولٍ لا يُبتغى به وجه الله، ولا خير في مالٍ لا يُنفقُ في سبيل الله، ولا خير فيمن يَغلب غضبُه حِلمَه، ولا خير في رجل يخاف في الله لومة لائم[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٣٩٥)
٧٦٣٦٣- قال مقاتل بن سليمان: ثم وعظ المؤمنين ألا يتركوا أمره، ولا يكونوا بمنزلة أهل الكتاب، فقال: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ يعني: تركوا أمر الله، ﴿فَأَنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ﴾ أن يقدّموا لها خيرًا، ﴿أُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ يعني: العاصين[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٤.]]. (ز)
٧٦٣٦٤- عن سفيان [الثوري] -من طريق مهران- ﴿نَسُوا اللَّه﴾ قال: نسوا حقّ الله، ﴿فَأَنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ﴾ قال: حظّ أنفسهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٨.]]٦٥٥٣. (ز)
٦٥٥٣ ذكر ابنُ تيمية (٦/٢٧٩-٢٨١) بعض ما جاء في قول سفيان وقول مقاتل، وعلّق عليه، فقال: «وقد قال طائفة من المفسرين: ﴿نسوا الله﴾ أي: تركوا أمر الله ﴿فأنساهم أنفسهم﴾ أي: حظوظ أنفسهم حيث لم يُقدّموا لها خيرًا، هذا لفظ طائفة منهم البغوي. ولفظ آخرين منهم ابن الجوزي: حين لم يعملوا بطاعته. وكلاهما قال: ﴿نسوا الله﴾ أي: تركوا أمر الله. ومثل هذا التفسير يقع كثيرًا في كلام مَن يأتي بمجمل من القول يبيّن معنى دلّتْ عليه الآية ولا يفسّرها بما يستحقه من التفسير. فإنّ قولهم:»تركوا أمر الله«هو تركهم للعمل بطاعته، فصار الأول هو الثاني. والله سبحانه قال: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾، فهنا شيئان: نسيانهم لله، ثم نسيانهم لأنفسهم الذي عُوقبوا به. فإن قيل: هذا الثاني هو الأول، لكنه تفصيل مجمل كقوله: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون﴾ [الأعراف:٤]، وهذا هو هذا؛ قيل: هو لم يقل:»نسوا الله فنسوا حظّ أنفسهم«حتى يُقال: هذا هو هذا، بل قال: ﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ فثَمّ إنساء منه لهم أنفسهم، ولو كان هذا هو الأول لكان قد ذكر ما يعذرهم به لا ما يعاقبهم به. فلو كان الثاني هو الأول لكان: ﴿نسوا الله﴾ أي: تركوا العمل بطاعته فهو الذي أنساهم ذلك. ومعلوم فساد هذا الكلام لفظًا ومعنى. ولو قيل: ﴿نسوا الله﴾ أي: نسوا أمره ﴿فأنساهم﴾ العمل بطاعته، أي: تذكّرها لكان أقرب، ويكون النسيان الأول على بابه. فإنّ مَن نسي نفس أمر الله لم يطعه، ولكن هم فسّروا نسيان الله بترْك أمره، وأمره الذي هو كلامه ليس مقدورًا لهم حتى يتركوه، إنما يتركون العمل به، فالأمر بمعنى المأمور به. إلا أن يقال: مُرادهم بترْك أمره هو ترك الإيمان به، فلمّا تركوا الإيمان أعقبهم بترْك العمل. وهذا أيضًا ضعيف؛ فإن الإيمان الذي تركوه إن كان هو ترْك التصديق فقط فكفى بهذا كفرًا وذنبًا، فلا تُجعل العقوبة ترْك العمل به، بل هذا أشد. وإن كان المراد بترْك الإيمان ترْك الإيمان تصديقًا وعملًا فهذا هو ترْك الطاعة كما تقدّم. وهؤلاء أُتوا من حيث أرادوا أن يفسّروا نسيان العبد بما قيل في نسيان الرّبّ، وذاك قد فسّر بالتّرك، ففسّروا هذا بالتّرك. وهذا ليس بجيد؛ فإنّ النسيان المناقض للذكر جائز على العبد بلا ريب. والإنسان يُعرض عما أُمر به حتى ينساه فلا يذكره. فلا يحتاج أن يُجعل نسيانه تركًا مع استحضارٍ وعلمٍ. وأمّا الرّبّ تعالى فلا يجوز عليه ما يناقض صفات كماله ﷾. وفي تفسير نسيانه الكفار بمجرد التّرك نظر».
الحشر 59:20
﴿لَا یَسۡتَوِیۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَاۤىِٕزُونَ ٢٠﴾ - تفسير
٧٦٣٦٥- قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر مستقرّ الفريقين، فقال: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأَصْحابُ الجَنَّةِ﴾ يوم القيامة في الثواب والمنزلة؛ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ يعني: هم النّاجون مِن النار، وأصحاب النار هم في النار خالدون فيها أبدًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٤.]]. (ز)
الحشر 59:21
﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلࣲ لَّرَأَیۡتَهُۥ خَـٰشِعࣰا مُّتَصَدِّعࣰا مِّنۡ خَشۡیَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ ٢١﴾ - تفسير
٧٦٣٦٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ﴾ الآية، قال: يقول: لو أني أنزلتُ هذا القرآن على جبلٍ حمَّلتُه إيّاه تصدّع وخشع مِن ثِقَله، ومِن خشية الله. فأمر اللهُ الناسَ إذا نَزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتّخشّع. قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٩٦)
٧٦٣٦٧- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم، في قوله: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ الآية، قال: لو أنزلتُ هذا القرآنَ على جبلٍ، فأمرتُه بالذي أمرتُكم به، وخوّفته بالذي خوّفتكم به؛ إذًا لخشع وتصدّع مِن خشية الله، فأنتم أحقّ أن تَخشَعوا وتذلّوا، وتَلين قلوبكم لذكر الله[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٩٦)
٧٦٣٦٨- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية: يعذرُ اللهُ الجبلَ الأصمّ، ولم يعذر شقِيَّ ابنِ آدم، هل رأيتم أحدًا قطّ تصدّعت جوانحه من خشية الله؟![[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٤٩.]]. (ز)
٧٦٣٦٩- قال مقاتل بن سليمان: ثم وعظهم، فقال: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هذا القُرْآنَ﴾ الذي فيه أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحرامه وحلاله ﴿عَلى جَبَلٍ﴾ وحمَّلتُه إياه؛ ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ يا محمد ﴿خاشِعًا﴾ يعني: خاضعًا ﴿مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فكيف لا يَرِقُّ هذا الإنسان، ولا يخشى الله، فأمر اللهُ الناسَ الذين هم أضعف مِن الجبل الأصمّ الذي عروقه في الأرض السابعة، ورأسه في السماء، أن يأخذوا القرآن بالخشية والشدّة، والتخشّع، فضرب الله لذلك مثلًا، فقال: ﴿وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ﴾ يعني: لكي ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِي أمثال اللَّه، فيعتبروا في الرّبوبية[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٤-٢٨٥.]]. (ز)
﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلࣲ لَّرَأَیۡتَهُۥ خَـٰشِعࣰا مُّتَصَدِّعࣰا مِّنۡ خَشۡیَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ ٢١﴾ - أثار متعلقة بالآية
٧٦٣٧٠- عن عبد الله بن مسعود، وعلي، مرفوعًا، في قوله: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ إلى آخر السورة، قال: «هي رُقْية الصداع»[[أورده الديلمي في الفردوس ٣/٢٢٦ (٤٦٦٥) بنحوه.
قال الشوكاني في فتح القدير ٥/٢٤٨: «رواه الديلمي بإسنادين لا ندري كيف حال رجالهم».]]. (١٤/٣٩٧)
٧٦٣٧١- عن إدريس بن عبد الكريم الحداد، قال: قرأتُ على خلف، فلمّا بلَغتُ هذه الآية: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ قال: ضعْ يدَك على رأسِك؛ فإني قرأتُ على سليم، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضعْ يدك على رأسك؛ فإني قرأتُ على حمزة، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضعْ يدك على رأسك؛ فإني قرأتُ على الأعمش، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضعْ يدك على رأسك؛ فإني قرأتُ على يحيى بن وثّاب، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضعْ يدك على رأسك؛ فإني قرأتُ على عَلقمة والأسود، فلما بلغتُ هذه الآية قالا: ضْع يدك على رأسك؛ فإنّا قرأنا على عبد الله، فلما بلَغنا هذه الآية قال: ضَعا أيديكما على رؤوسكما؛ فإني قرأتُ على النبيِّ ﷺ؛ فلما بلغتُ هذه الآية قال لي: «ضعْ يدك على رأسك؛ فإنّ جبريل لما نزل بها إليّ قال لي: ضعْ يدك على رأسك؛ فإنها شفاء مِن كلّ داء إلا السّام». والسام: الموت[[أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ١/٣٧٧.]]. (١٤/٣٩٧)
٧٦٣٧٢- عن مالك بن دينار، قال: أُقسِم لكم؛ لا يؤمن عبدٌ بهذا القرآن إلا صُدِع قلبُه[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٣٩٦)
الحشر 59:22
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِی لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَـٰلِمُ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ ٱلرَّحِیمُ ٢٢﴾ - تفسير
٧٦٣٧٣- عن عبد الله بن عباس، قال: اسم الله الأعظم هو: الله[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٣٩٧)
٧٦٣٧٤- عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، قال: السِّرُّ، والعلانية[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٤/٤٠٠)
٧٦٣٧٥- قال مقاتل بن سليمان: فوحّد الرَّبّ نفسه، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلهَ إلّا هُوَ عالِمُ الغَيْبِ﴾ يعني: غيب ما كان وما يكون، ﴿والشَّهادَةِ﴾ يعني: شهادته بالحقّ في كل شيء، ﴿هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر، فلما ذكر ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ قال مشركو العرب: ما نعرف الرحمن الرحيم! إنما اسمه: الله. فأراد الله تعالى أن يُخبرهم أنّ له أسماء كثيرة، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلهَ إلّا هُوَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ اسم الرّبّ تعالى: هو الله، وتفسير الله: اسم الربوبية القاهر لخلْقه وسائر أسمائه على فعاله، ... قوله: ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ الرحيم أرقّ من الرحمن، يعني: المترحّم، يعني: المتعطّف بالرحمة على خلْقه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥.]]. (ز)
٧٦٣٧٦- عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾، قال: غيب ما يكون، وما هو كائن[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤٠١)
الحشر 59:23
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِی لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ﴾ - تفسير
٧٦٣٧٧- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿القُدُّوسُ﴾، قال: المُبارك[[أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٨)، وابن جرير ٢٢/٥٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]٦٥٥٤. (١٤/٤٠١)
٦٥٥٤ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٥١) غير قول قتادة.
٧٦٣٧٨- قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿القُدُّوسِ﴾: الطاهر[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٩٠-.]]. (ز)
٧٦٣٧٩- قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلهَ إلّا هُوَ﴾ فوحّد نفسه، فقال لنفسه: ﴿المَلِكُ﴾ يعني: يملك كلّ شيء دونه، ﴿القُدُّوسُ﴾ يعني: الطاهر[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥-٢٨٦.]]. (ز)
٧٦٣٨٠- عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿القُدُّوسُ﴾، قال: تُقَدّسُه الملائكة[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤٠١)
﴿ٱلسَّلَـٰمُ﴾ - تفسير
٧٦٣٨١- عن جابر بن زيد -من طريق العَتَكي- قوله: ﴿السَّلامُ﴾، قال: هو الله[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٥١.]]. (ز)
٧٦٣٨٢- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿السَّلامُ﴾: الله السلام[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٥، وابن جرير ٢٢/٥٥١.]]. (ز)
٧٦٣٨٣- قال مقاتل بن سليمان: ﴿السَّلامُ﴾ يسلم عباده من ظلمه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥-٢٨٦.]]. (ز)
﴿ٱلۡمُؤۡمِنُ﴾ - تفسير
٧٦٣٨٤- عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿المُؤْمِنُ﴾، قال: المُؤْمِنُ خَلْقَه مِن أن يَظلمهم[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٤/٤٠٠)
٧٦٣٨٥- عن زيد بن علي، قال: إنما سمّى نفسه: ﴿المُؤْمِنُ﴾؛ لأنه آمنهم من العذاب[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤٠١)
٧٦٣٨٦- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جويبر- ﴿المُؤْمِنُ﴾، قال: المُصدّق[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٥٢.]]. (ز)
٧٦٣٨٧- قال الحسن البصري: ﴿المُؤْمِنُ﴾ المؤمن بنفسه قبل إيمان خلْقه، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] الآية[[أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٣-.]]. (ز)
٧٦٣٨٨- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿المُؤْمِنُ﴾: آمن لقوله[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٥، وابن جرير ٢٢/٥٥٢، وبنحوه من طريق سعيد.]]. (ز)
٧٦٣٨٩- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿المُؤْمِنُ﴾، قال: المؤمِنُ مَن آمَن به[[أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٨). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٤٠١)
٧٦٣٩٠- قال مقاتل بن سليمان: ﴿المُؤْمِنُ﴾ يُؤمِّن أولياءه من عذابه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥-٢٨٦.]]. (ز)
٧٦٣٩١- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿المُؤْمِنُ﴾، قال: ﴿المُؤْمِنُ﴾: المُصدّق الموقن، آمن الناس بربّهم، فسمّاهم: مؤمنين، وآمن الرّبّ الكريم لهم بإيمانهم، صدّقهم أن يُسمّى بذلك الاسم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٥٢.]]٦٥٥٥. (ز)
٦٥٥٥ قال ابنُ جرير (٢٢/٥٥٢): «وقوله: ﴿المؤمن﴾ يعني بـ﴿المؤمن﴾: الذي يُؤمِّن خلْقَه من ظلمه». وذكر قول قتادة، والضَّحّاك، وابن زيد.
﴿ٱلۡمُهَیۡمِنُ﴾ - تفسير
٧٦٣٩٢- عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿المُهَيْمِنُ﴾، قال: الشاهد[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٤/٤٠٠)
٧٦٣٩٣- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿المُهَيْمِنُ﴾، قال: الشّهيد. وقال مرة أخرى: الأمين[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٥٢.]]. (ز)
٧٦٣٩٤- قال سعيد بن المسيّب= (ز)
٧٦٣٩٥- والضَّحّاك بن مُزاحِم: ﴿المُهَيْمِنُ﴾ القاضي[[تفسير البغوي ٨/٨٧.]]. (ز)
٧٦٣٩٦- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿المُهَيْمِنُ﴾، قال: الشهيد[[تفسير مجاهد ص٦٥٤، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٥٣.]]. (ز)
٧٦٣٩٧- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جويبر- ﴿المُهَيْمِنُ﴾: الأمين[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٥٣.]]. (ز)
٧٦٣٩٨- قال الحسن البصري: ﴿المُهَيْمِنُ﴾ الأمين[[تفسير البغوي ٨/٨٧.]]. (ز)
٧٦٣٩٩- قال محمد بن كعب القُرَظيّ: ﴿المُهَيْمِنُ﴾ هو المُجِير[[تفسير الثعلبي ٩/٢٨٧، وجاء عقبه: كما قال: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨].]]. (ز)
٧٦٤٠٠- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿المُهَيْمِنُ﴾: الشهيد عليه[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٥، وابن جرير ٢٢/٥٥٣، كلاهما عن معمر بنحوه، وبنحوه من طريق سعيد عند ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة (٧٨). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٤٠١)
٧٦٤٠١- قال مقاتل بن سليمان:﴿المُهَيْمِنُ﴾ يعني: الشهيد على عباده بأعمالهم مِن خير أو شرّ، كقوله: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، كقوله: ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:١٥] على عباده بأعمالهم مِن خير أو شرّ، المُصدّق بكتابه الذي أنزله على محمد ﷺ[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥-٢٨٦.]]. (ز)
٧٦٤٠٢- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿المُهَيْمِنُ﴾، قال: المُصَدِّق لكلّ ما حدث. وقرأ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]. قال: فالقرآن مُصدّق على ما قبله من الكتب، والله مُصدّق في كلّ ما حدَّث عما مضى من الدنيا، وما بقي، وما حدث عن الآخرة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٥٤.]]. (ز)
﴿ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡجَبَّارُ﴾ - تفسير
٧٦٤٠٣- قال عبد الله بن عباس: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ الجبّار هو العظيم، وجبروت الله عظمته[[تفسير الثعلبي ٩/٢٨٧، وتفسير البغوي ٨/٨٧.]]. (ز)
٧٦٤٠٤- عن محمد بن كعب القُرَظيّ، قال: إنما تسمّى ﴿الجَبّارُ﴾ لأنه يَجبر الخلْقَ على ما أراده[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٤٨). وعزاه السيوطي إلى سعيد ابن منصور، وابن المنذر.]]. (١٤/٤٠١)
٧٦٤٠٥- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿العَزِيزُ﴾ في نِقمته إذا انتقم، ﴿الجَبّارُ﴾ جَبَر خلْقه على ما يشاء[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٥، وابن جرير ٢٢/٥٥٤، كلاهما من طريق معمر في تفسير ﴿الجبار﴾، وعند ابن جرير بنحوه من طريق سعيد في تفسير ﴿العزيز﴾، وأبو الشيخ في العظمة (٧٨). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]٦٥٥٦. (١٤/٤٠١)
٦٥٥٦ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٥٤) غير قول قتادة.
٧٦٤٠٦- قال إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ هو الذي يَقهر الناس، ويَجبرهم على ما أراد[[تفسير البغوي ٨/٨٧.]]. (ز)
٧٦٤٠٧- قال مقاتل بن سليمان: ﴿العَزِيزُ﴾ يعني: المنيع بقدرته في مُلكه، ﴿الجَبّارُ﴾ يعني: القاهر على ما أراد بخلْقه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥-٢٨٦.]]. (ز)
﴿ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ﴾ - تفسير
٧٦٤٠٨- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿المُتَكَبِّرُ﴾ عن كلّ سوء[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٥، وابن جرير ٢٢/٥٥٥، كلاهما عن معمر بنحوه، وبنحوه من طريق سعيد عند ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة (٧٨). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]٦٥٥٧. (١٤/٤٠١)
٦٥٥٧ لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٥٥) غير قول قتادة.
٧٦٤٠٩- قال مقاتل بن سليمان: ﴿المُتَكَبِّرُ﴾ يعني: المُتعظّم على كلّ شيء[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥-٢٨٦.]]. (ز)
﴿سُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا یُشۡرِكُونَ ٢٣﴾ - تفسير
٧٦٤١٠- عن جابر بن زيد -من طريق رجل- قال: إنّ اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع[الله] يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، يقول: تبرئةً لله، وتنزيهًا له عن شِرك المشركين به[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٥٥.]]. (ز)
٧٦٤١١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ كلّ شيء في القرآن تنزيه نزّه نفسه مِن السوء؛ إلا أوَّل بني إسرائيل: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] يقول: عجب، و﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ﴾ [يس:٣٦] يعني: عجب الذي خلق الأزواج، وقوله: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧] يقول: صلُّوا لله، ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ نزّه الرّبُّ نفسه عن قولهم البهتان ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ معه، فنزّه الرّبُّ نفسه أن يكون له شريك، فقال: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ معه غيره أن يكون له شريك[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥-٢٨٦.]]. (ز)
٧٦٤١٢- عن المسيّب -من طريق الهُذيل- قال: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ إنصاف لله من السوء[[أخرجه الهذيل بن حبيب -كما في تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٧-.]]. (ز)
﴿سُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا یُشۡرِكُونَ ٢٣﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٤١٣- عن عبد الله بن عمر، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ قائمًا على هذا المنبر -يعني: منبر رسول ﷺ- وهو يحكي عن ربّه سبحانه، فقال: «إنّ الله تعالى إذا كان يوم القيامة جَمع السموات والأرضين السبع في قبضته -تبارك وتعالى-» ثم قال هكذا؛ وشدّ قبضته، ثم بسَطها «ثم يقول: أنا الله، أنا الرحمن، أنا الرحيم، أنا الملك، أنا القُدُّوس، أنا السَّلام، أنا المُؤْمِن المُهَيْمِنُ، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبِّر، أنا الذي بدأتُ الدنيا ولم تك شيئًا، أنا الذي أعدتُها، أين الملوك؟! أين الجبابرة؟!»[[أخرجه أبو الشيخ في العظمة ٢/٤٤٠-٤٤٢، والبيهقي في الأسماء والصفات ١/٨٣-٨٦ (٤٤)، والثعلبي ٩/٢٨٨-٢٨٩، من طريق محمد بن صالح الواسطي، عن سليمان بن محمد، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر به.
وفي سنده محمد بن صالح الواسطي، قال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام ٥/١٧٧: «لم يضعّفه أحد». وفيه أيضًا سليمان بن محمد العمري لم يوثّقه إلا ابن حبان في الثقات ٨/٢٧٥.]]. (ز)
الحشر 59:24
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَـٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ یُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ٢٤﴾ - تفسير
٧٦٤١٤- عن عامر الشعبي -من طريق مسعر- يقول: اسم الله الأعظم: الله. ثم قرأ، أو قرأتُ عليه: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ إلى آخرها[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٥/١٩٢-١٩٣ (٢٩٩٨٠).]]. (ز)
٧٦٤١٥- قال مقاتل بن سليمان: ثم قال عن نفسه: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ يعني: خالق كلّ شيء، خلق النّطفة والمُضغة، ثم قال: ﴿البارِئُ﴾ الأنفس حين يراها بعد مُضغة إنسانًا فجعل له العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين، ثم قال: ﴿المُصَوِّرُ﴾ في الأرحام، كيف يشاء؛ ذكر وأنثى، أبيض وأسود، سَوِيٌّ وغير سَوِيّ، ثم قال: ﴿لَهُ الأَسْماءُ الحُسْنى﴾ يعني: الرحمن الرحيم العزيز الجبّار المتكبر، ونحوها من الأسماء، يعني: هذه الأسماء التي ذكرها في هذه السورة، ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ﴾ يعني: يَذكره ويُوحّده ما في السموات والأرض وما فيهما، مِن الخلْق وغيره، ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ في أمْره[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٨٥-٢٨٦.]]. (ز)
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَـٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ یُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ٢٤﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٤١٦- عن أبي هريرة، قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم، فقال: «يا أبا هريرة، عليك بآخر سورة الحشر، فأكثِر قراءتها». فأعدت عليه، فأعاد عَلَيَّ، فأعدت عليه، فأعاد عليّ[[أخرجه الثعلبي ٩/٢٨٩، من طريق أبي عثمان بن أبي بكر الحيري، عن محمد بن محمد الحجاجي، عن عبد الله بن أبان بن شداد، عن إسماعيل بن محمد الحيري، عن علي بن زريق، عن هشام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به.
وفي سنده محمد بن محمد الحجاجي، وعبد الله بن أبان بن شداد، وإسماعيل بن محمد الحيري، وعلي بن زريق؛ لا يُعرَفون!.]]. (ز)
٧٦٤١٧- عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «اسم الله الأعظم في ستة آيات من آخر سورة الحشر»[[أخرجه الواحدي في التفسير الوسيط ٤/٢٨٠ (١١٨٣). وأورده الديلمي في الفردوس ١/٤١٦ (١٦٨٦).
قال الألباني في الضعيفة ٦/٢٩١ (٢٧٧٣): «ضعيف».]]. (١٤/٤٠٠)
الممتحنة 60:1
مقدمة السورة
٧٦٤١٨- عن عبد الله بن عباس -من طُرُق- قال: نزلتْ سورة الممتحنة بالمدينة[[أخرجه النحاس ص٧١١ من طريق أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد، والبيهقي ٧/١٤٣ في دلائل النبوة من طريق خُصَيف عن مجاهد. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٠٢)
٧٦٤١٩- عن عبد الله بن الزبير، مثله[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٠٢)
٧٦٤٢٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخُراسانيّ-: مدنيّة، ونَزَلَتْ بعد سورة الأحزاب[[أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن ١/٣٣-٣٥.]]. (ز)
٧٦٤٢١- عن عكرمة مولى ابن عباس= (ز)
٧٦٤٢٢- والحسن البصري -من طريق يزيد النحوي-: مدنيّة[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٧/١٤٢-١٤٣.]]. (ز)
٧٦٤٢٣- عن قتادة بن دعامة -من طرق-: مدنيّة[[أخرجه الحارث المحاسبي في فهم القرآن ص٣٩٥-٣٩٦ من طريقي معمر وسعيد، وأبو بكر ابن الأنباري -كما في الإتقان ١/٥٧- من طريق همام.]]. (ز)
٧٦٤٢٤- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ: مدنيّة، ونزلتْ بعد سورة الأحزاب[[تنزيل القرآن ص٣٧-٤٢.]]. (ز)
٧٦٤٢٥- عن علي بن أبي طلحة: مدنيّة[[أخرجه أبو عبيد في فضائله (ت: الخياطي) ٢/٢٠٠، وقال أبو عبيد: الممتحَنة -بفتح الحاء-.]]. (ز)
٧٦٤٢٦- قال مقاتل بن سليمان: سورة الامتحان مدنيّة، عددها ثلاث عشرة آية كوفيّة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٥.]]٦٥٥٨. (ز)
٦٥٥٨ نقل ابنُ عطية الإجماعَ على مَدَنِيّة سورة الممتحنة، فقال (٨/٢٧٦): «هي مدنية بإجماع من المفسرين».
وقد نُصَّ على مدنية السورة أيضًا في تفسير ابن كثير (١٣/٥٠٦).
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّی وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ تُلۡقُونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُوا۟ بِمَا جَاۤءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ یُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِیَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَـٰدࣰا فِی سَبِیلِی وَٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِیۚ تُسِرُّونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَاۤ أَخۡفَیۡتُمۡ وَمَاۤ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن یَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ ١﴾ - نزول الآية
٧٦٤٢٧- عن علي بن أبي طالب، قال: بعثَني رسول الله ﷺ أنا والزّبير والمِقداد، فقال: «انطلِقوا حتى تَأتُوا رَوضة خاخٍ[[روضة خاخ -هي بخاءين معجمتين-: موضع بين مكة والمدينة. النهاية (خوخ).]]؛ فإنّ بها ظَعِينة[[الظعينة هنا: الجارية، وأصلها: الهودج، وسميت بها الجارية؛ لأنها تكون فيه. ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/٥٥.]]، معها كتاب، فخُذوه منها، فائتُوني به». فخَرجنا حتى أتينا الرّوضة فإذا نحن بالظَّعِينة، فقُلنا: أخرجِي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. قُلنا: لتُخرجِنّ الكتاب، أو لنُلْقِينّ الثياب. فأَخرجتْه من عِقاصِها[[العَقِيصة: الشعر المَعْقُوص، وهو نحو من المضْفُور. وأصل العَقْص: اللَّيُّ وإدخال أطراف الشعر في أصوله. النهاية (عقص).]]، فأَتينا به النبيَّ ﷺ، فإذا فيه من حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أُناسٍ مِن المشركين بمكة يُخبرهم ببعض أمر النبيِّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: «ما هذا، يا حاطِب؟!». قال: لا تَعْجَل عليَّ، يا رسول الله، إني كنتُ امرًا مُلصقًا في قريش، ولم أكن مِن أنفُسها، وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قراباتٌ يَحمُون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببتُ -إذ فاتني ذلك مِن النّسب فيهم- أنْ أصطنِع إليهم يدًا يَحمُون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كُفرًا ولا ارتدادًا عن ديني. فقال النبيُّ ﷺ: «صَدق». فقال عمر: دَعني -يا رسول الله ﷺ- أضرب عُنُقه. فقال: «إنّه شهد بدرًا، وما يُدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم؟!». ونَزَلَتْ فيه: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾[[أخرجه البخاري ٤/٥٩-٦٠ (٣٠٠٧)، ٤/٧٦ (٣٠٨١)، ٥/٧٧-٧٨ (٣٩٨٣)، ٥/١٤٥ (٤٢٧٤)، ٦/١٤٩ (٤٨٩٠)، ٨/٥٧-٥٨ (٦٢٥٩)، ٩/١٨-١٩ (٦٩٣٩)، ومسلم ٤/١٩٤١ (٢٤٩٤)، وابن جرير ٢٢/٥٥٩-٥٦٠، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/٨٤-.]]. (١٤/٤٠٢)
٧٦٤٢٨- عن علي بن أبي طالب -من طريق الحارث- قال: لَمّا أراد رسولُ الله ﷺ أن يأتي مكة أسَرَّ إلى ناسٍ مِن أصحابه أنه يريد مكة -منهم حاطِب بن أبي بَلْتَعة-، وأفشى في الناس أنه يريد خَيبر، فكتب حاطِب إلى أهل مكة أنّ رسول الله ﷺ يريدكم، فأُخبر رسول الله ﷺ، فبَعثني أنا وأبا مَرْثَد، فقال: «ائتُوا رَوضة خاخ» فذكر نحو ما تقدم؛ فأنزل الله: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ الآية[[أخرجه أبو يعلى ١/٣١٩-٣٢٠ (٣٩٧)، وابن جرير ٢٢/٥٦٠-٥٦١، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/٨٤-، من طريق الحارث، عن علي به.
وسنده حسن.]]. (١٤/٤٠٣)
٧٦٤٢٩- عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- في قول الله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ إلى قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: في مُكاتبة حاطِب بن أبي بَلْتَعة ومَن معه إلى كفار قريش يُحذِّرونهم[[أخرجه الحاكم ٢/٥٢٧ (٣٨٠٢) مطولًا، من طريق إبراهيم بن الحسين، عن آدم بن أبي إياس، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس به.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص.]]. (١٤/٤٠٩)
٧٦٤٣٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: نَزَلَتْ في رجلٍ كان مع النبيِّ ﷺ بالمدينة مِن قريش، كتب إلى أهله وعشيرته بمكة، يُخبرهم ويُنذرهم أنّ رسول الله ﷺ سائر إليهم، فأُخبر رسول الله ﷺ بصحيفته، فبعث علي بن أبي طالب، فأتاه بها[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦١، من طريق العَوفيّين، عن ابن عباس به.
إسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.]]. (١٤/٤٠٤)
٧٦٤٣١- عن أنس بن مالك -من طريق قتادة- ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾، قال: لَمّا أراد النبيُّ ﷺ السَّيْرُورة مِن الحُدَيبية إلى مشركي قريش، كَتب إليهم حاطِب بن أبي بَلْتَعة يُحذِّرهم، فأَطلَع اللهُ على ذلك، فوُجد الكتاب مع امرأة من مشركي قريش في قَرْنٍ من رأسها، فقال له: «ما حمَلك على الذي صنعتَ؟». قال: أما واللهِ ما ارتبتُ في أمرِ الله ولا شككتُ فيه، ولكنه كان لي بها أهلٌ ومال، فأردتُ مصانعةَ قريش. وكان حليفًا لهم، ولم يكن منهم، فأنزل الله فيه القرآن: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ الآية[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ٤/٩ (٢٥٧٧)، وابن مردويه -كما في الفتح ٨/٦٣٦، ١٢/٣٠٦- مختصرًا من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك به.
وسنده ضعيف؛ سعيد بن بشير قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٢٢٧٦): «ضعيف».]]. (١٤/٤٠٤)
٧٦٤٣٢- عن أنس بن مالك، قال: أمّن رسولُ الله ﷺ الناسَ يوم فتْح مكة إلا أربعة؛ عبد العُزّى بن خطل، ومِقْيَس بن ضُبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرح، وأُمّ سارة، فذكر الحديث، قال: وأمّا أُمُّ سارة فإنها كانت مولاةً لقريش، فأتَتْ رسولَ الله ﷺ، فشَكَتْ إليه الحاجة، فأعطاها شيئًا، ثم أتاها رجلٌ، فبعث معها بكتاب إلى أهل مكة يتقرّبُ بذلك إليها لِحِفْظ عياله، وكان له بها عيال، فأَخبر جبريلُ النبيَّ ﷺ بذلك، فبَعث في أثَرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، فلحِقاها في الطريق، ففَتَّشاها، فلم يَقدِرا على شيءٍ معها، فأقبَلا راجِعَيْن، ثم قال أحدُهما لصاحبه: واللهِ، ما كَذَبنا، ولا كُذِبنا، ارجع بنا إليها. فَرجَعا إليها، فسَلّا سيفهما، فقالا: واللهِ، لَنُذيقنّكِ الموتَ أو لتَدفَعِنّ إلينا الكتاب. فأنكَرتْ، ثم قالتْ: أدفعه إليكما على أن لا تَرُدّاني إلى رسول الله ﷺ. فقَبلا ذلك منها، فحلّتْ عِقاص رأسها، فأَخرجَت الكتاب مِن قَرْنٍ من قرونها، فدفعتْه إليهما، فرجعا به إلى رسول الله ﷺ، فدفَعاه إليه، فدعا الرجلَ، فقال: «ما هذا الكتاب؟». فقال: أُخبِرك، يا رسول الله، إنه ليس مِن رجل مِمّن معك إلا وله بمكة مَن يَحفَظه في عياله، فكتبتُ بهذا الكتاب ليكونوا لي في عيالي. فأنزل الله: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ الآية[[أخرجه الطبراني في الأوسط ٦/٣٤٢-٣٤٤ (٦٥٧٧)، وابن عساكر في تاريخه ٢٩/٢٩-٣١ (٥٩٤٠، ٥٩٤١)، من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك به.
قال الهيثمي في المجمع ٦/١٦٧-١٦٨ (١٠٢٣٥): «فيه الحكم بن عبد الملك، وهو ضعيف».]]. (١٤/٤٠٦)
٧٦٤٣٣- عن عبد الرحمن بن حاطِب بن أبي بَلْتَعة -من طريق عُروة بن الزبير- وحاطِب رجلٌ مِن أهل اليمن كان حليفًا للزّبير بن العوام مِن أصحاب النبيِّ ﷺ، قد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطِب -وهو مع رسول الله ﷺ بالمدينة- إلى كفار قريش بكتاب يَنتَصح لهم فيه، فدعا رسولُ الله ﷺ عليًّا والزّبير، فقال لهما: «انطلِقا حتى تُدركا امرأة معها كتاب، فخُذا الكتاب، فائتِياني به». فانطلَقا حتى أدركا المرأة بحُلَيْفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلًا، فقالا لها: أعطِنا الكتاب الذي معكِ. قالت: ليس معي كتاب. قالا: كَذبتِ، قد حدَّثنا رسول الله ﷺ: أنّ معكِ كتابًا، واللهِ، لَتُعْطِيَنّ الكتاب الذي معكِ، أو لا نَترك عليكِ ثوبًا إلا التمَسنا فيه. قالتْ: أوَلَستم بناس مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله ﷺ قد حدَّثنا أنّ معكِ كتابًا. حتى إذ ظنتْ أنهما مُلتَمسان كلّ ثوب معها، حلّتْ عِقاصها، فأَخرجتْ لهما الكتاب مِن بين قرون رأسها، كانت قد اعتَقَصتْ عليه، فأَتيا رسول الله ﷺ، فإذا هو كتاب من حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أهل مكة، فدعا رسولُ الله ﷺ حاطبًا، قال: «أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلكَ على أن تَكتب به؟». قال حاطِب: أما واللهِ ما ارتبتُ منذ أسلمتُ في الله ﷿، ولكني كنتُ امرءًا غريبًا فيكم أيها الحي مِن قريش، وكان لي بنون وإخوة بمكة، فكتبتُ إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم. فقال عمر: ائذن لي -يا رسول الله- أضرب عُنُقه. فقال رسول الله ﷺ: «دَعْه؛ فإنه قد شهد بدرًا، وإنك لا تدري لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافِر لكم ما عمِلتم». فأنزل الله في ذلك: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حتى بلغ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٠٥)
٧٦٤٣٤- عن سعيد بن جُبَير، قال: اسم الذي أُنَزِلَتْ فيه: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾: حاطِب بن أبي بَلْتَعة[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤١٠)
٧٦٤٣٥- عن عُروة بن الزّبير -من طريق محمد بن جعفر بن الزّبير- قالوا: لَمّا أجمع رسولُ الله ﷺ السَّير إلى مكة كتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة كتابًا إلى قريش يُخبِرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ مِن الأمر في السَّير إليهم، ثم أعطاه امرأة -يزعم محمد بن جعفر: أنها من مُزْينة، وزعم غيره: أنها سارة؛ مولاة لبعض بني عبد المُطّلب- وجعل لها جُعْلًا على أن تُبلّغه قريشًا، فجَعلتْه في رأسها، ثم فَتَلَتْ عليه قرونها، ثم خَرجتْ به. وأتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ من السماء بما صنع حاطِب، فبعث عليَّ بن أبي طالب والزّبير بن العوام ﵄، فقال: «أدرِكا امرأة قد كَتب معها حاطِب بكتاب إلى قريش يُحذِّرهم ما قد اجتَمعنا له في أمرهم». فخَرجا حتى أدركاها بالحُليفة؛ حُليفة ابن أبي أحمد، فاستنزَلاها، فالتمَسا في رحْلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها علي بن أبي طالب ﵁: إني أحلف بالله ما كَذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، ولتُخرِجِنّ إلَيَّ هذا الكتاب، أو لنَكشِفنّكِ. فلما رأت الجِدّ منه قالت: أعرِض عنِّي. فأَعرَض عنها، فحلَّتْ قرون رأسها، فاستَخرجَت الكتاب، فدفَعتْه إليه، فجاء به إلى رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا، فقال: «يا حاطِب، ما حمَلكِ على هذا؟». فقال: يا رسول الله، أما واللهِ إنّي لَمُؤمنٌ بالله ورسوله، ما غيّرتُ ولا بدّلتُ، ولكني كنتُ امرأً ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهلٌ وولد، فصانعتُهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب ﵁: دَعني، يا رسول الله، فلأضرب عُنُقه، فإنّ الرجل قد نافق. فقال رسول الله ﷺ: «وما يدريك، يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم». فأنزل الله ﷿ في حاطِب: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ إلى قوله: ﴿وإلَيْكَ أنَبْنا﴾ إلى آخر القصة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (ز)
٧٦٤٣٦- عن عُروة بن الزّبير -من طريق معمر، عن الزُّهريّ – نحوه. وفي آخره: قال الزهري: وفيه نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ حتى بلغ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٧، وابن جرير ٢٢/٥٦١.]]. (ز)
٧٦٤٣٧- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قول الله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ إلى قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ في مُكاتبة حاطِب بن أبي بَلْتَعة ومَن معه إلى كفار قريش يُحذِّرونهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦٣، وعبد بن حميد -كما في التغليق ٤/٣٣٨، والفتح ٨/٦٣٣-.]]. (١٤/٤٠٩)
٧٦٤٣٨- عن الحسن البصري، قال: كَتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى المشركين كتابًا يَذكُر فيه مَسيرَ النبيِّ ﷺ، فبَعث به مع امرأة، فبَعث رسول الله ﷺ في طَلبها، فأُخذ الكتاب منها، فجِيء به إلى النبيِّ ﷺ، فدعا حاطبًا، فقال: «أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟». قال: نعم يا رسول الله، أما والله إني لَمؤمنٌ بالله وبرسوله، وما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا شككتُ منذ استيقنتُ، ولكني كنتُ امرءًا لا نَسب لي في القوم، إنما كنتُ حَليفَهم، وفي أيديهم من أهلي ما قد علمتَ، فكتبتُ إليهم بشيء قد علمتُ أن لن يُغني عنهم من الله شيئًا أراده؛ أنْ أدرأ به عن أهلي ومالي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، خَلِّ عني وعن عدوّ الله هذا المنافق، فأضرب عُنُقه. فنظر إليه رسول الله ﷺ نَظرًا عرف عمر أنه قد غَضِب، ثم قال: «ويحك، يا ابن الخطاب، وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل موطن مِن مواطن الخير، فقال للملائكة: اشهدوا أنِّي قد غفرتُ لأَعبُدي هؤلاء، فليَعملوا ما شاؤوا». قال عمر: الله ورسوله أعلم. قال: «إنهم أهل بدر فاجتنِبْ أهل بدر، إنهم أهل بدر فاجتنِبْ أهل بدر، إنهم أهل بدر فاجتنِب أهل بدر»[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٠٧)
٧٦٤٣٩- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد - قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ حتى بلغ: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾، ذُكر لنا: أنّ حاطبًا كَتب إلى أهل مكة يُخبِرهم سيرورة نبي الله ﷺ إليهم زمن الحُدَيبية، فأَطلع الله ﷿ نبيّه -عليه الصلاة والسلام- على ذلك. وذُكر لنا: أنهم وجدوا الكتاب مع امرأة في قَرْنٍ من رأسها، فدعاه نبيُّ الله ﷺ، فقال: «ما حمَلك على الذي صنعتَ؟». قال: واللهِ، ما شككتُ في أمر الله، ولا ارتددتُ فيه، ولكن لي هناك أهلًا ومالًا، فأردتُ مصانعة قريش على أهلي ومالي. وذُكر لنا: أنه كان حليفًا لقريش لم يكن مِن أنفُسهم، فأنزل الله ﷿ في ذلك القرآن، فقال: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وفيه: فأنزل الله القرآن، وقال: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾، ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾.]]. (١٤/٤٠٩)
٧٦٤٤٠- قال يحيى بن سلّام: بلَغني: أنّه كَتب مع امرأة مولاة لبني هاشم، وجعل لها جُعْلًا، وجَعلت الكتاب في خمارها، فجاء جبريل إلى رسول الله، فأَخبَره، فبَعث رسول الله في طَلبها عليًّا ورجلًا آخر، ففتَّشاها، فلم يجدا معها شيئًا، فأراد صاحبه الرجوع، فأبى عليٌّ، وسلّ عليها السيف، وقال: واللهِ، ما كَذبتُ ولا كُذِبت. فأَخذتْ عليهما إنْ أعطتْه إياهما ألا يَرُدّاها، فأَخرجت الكتاب من خمارها. قال الكلبي: فأرسل رسول الله إليه: «هل تعرف هذا، يا حاطِب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلك عليه؟». قال: أما والذي أنزل عليك الكتاب، ما كفرتُ منذ آمنتُ، ولا أحببتُهم منذ فارقتُهم، ولم يكن مِن أصحابك أحدٌ إلا وله بمكة مَن يَمنع الذي له غيري، فأحببتُ أن أتخذ عندهم مَودّة، وقد علمتُ أنّ الله مُنزل عليهم بأسه ونِقمته، وإنّ كتابي لن يُغني عنهم شيئًا. فصدّقه رسول الله وعَذره؛ فأنزل الله هذا فيه[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٦-.]]. (ز)
٧٦٤٤١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ أمر الناسَ بالجهاد وعَسكَرَ، وكتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أهل مكة: إنّ محمدًا قد عَسكَر، وما أراه إلا يريدكم؛ فخذوا حِذركم. وأَرسَل بالكتاب مع سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم، وكانت قد جاءتْ من مكة إلى المدينة، فأعطاها حاطِب بن أبي بَلْتَعة عشرة دنانير على أن تُبلغ كتابه أهل مكة، وجاء جبريل، فأَخبَر النبيَّ ﷺ بأمْر الكتاب وأمْر حاطِب، فبَعث رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب ﵇، والزّبير بن العوام، وقال لهما: «إنْ أعطتْكما الكتابَ عفوًا خلِّيا سبيلها، وإنْ أبتْ فاضربا عُنُقها». فسارا حتى أدَركاها بالجُحْفةِ، وسألاها عن الكتاب، فحَلفَت: ما معها كتاب. وقالت: لَأنا إلى خيركم أفقر مِنِّي إلى غير ذلك. فابتَحَثاها، فلم يجدا معها شيئًا، فقال الزّبير لعلي بن أبي طالب ﵄: ارجع بنا، فإنّا لا نرى معها شيئًا. فقال علي: واللهِ، لأضربنّ عُنُقها، واللهِ، ما كَذَب رسول الله ﷺ ولا كذبنا. فقال الزّبير: صدقتَ، اضرب عُنُقها. فسلَّ علِيٌّ سيفه، فلما عرفت الجِدّ منهما أخذتْ عليهما المواثيق: لئن أعطيتُكما الكتاب لا تقتلاني، ولا تَسبِياني، ولا تَرُدّاني إلى محمد ﷺ، ولتُخلّيان سبيلي. فأَعطَياها المواثيق، فاستَخرجت الصّحيفة مِن ذؤابتها، ودَفعتْها، فخلَّيا سبيلها، وأقْبَلا بالصّحيفة فوضَعاها في يدي رسول الله ﷺ، فقرأها، فأرسَل إلى حاطِب بن أبي بَلْتَعة، فقال له: «أتعرف هذا الكتاب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلك على أن تُنذر بنا عدوَّنا؟». قال حاطِب: اعفُ عنِّي، عفا الله عنك، فوالذي أنزل عليك الكتاب، ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا كذبتُك منذ صدّقتك، ولا أبغضتُك منذ أحببتُك، ولا واليتُهم منذ عاديتُهم، وقد علمتُ أنّ كتابي لا ينفعهم ولا يضرّك، فاعذرني، جعلني الله فداك؛ فإنه ليس من أصحابك أحدٌ إلا وله بمكة مَن يَمنع ماله وعشيرته غيري، وكنتُ حليفًا ولست من أنفُس القوم، وكان حُلفائي قد هاجروا كلّهم، وكنتُ كثير المال والضّيعة بمكة، فخِفتُ المشركين على مالي، فكتبتُ إليهم لأتوسّل إليهم بها، وأَتّخذها عندهم مَودّة لأدفع عن مالي، وقد علمتُ أنّ الله مُنزل بهم خِزيه ونِقمته، وليس كتابي يُغني عنهم شيئًا. فعرف رسول الله ﷺ أنه قد صَدق فيما قال، فأنزل الله تعالى عِظَةً للمؤمنين أن يعودوا لِمِثل صَنيع حاطِب بن أبي بَلْتَعة، فقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ ... وفي حاطِب نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية [المجادلة:٢٢][[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٧-٢٩٩.]]٦٥٥٩. (ز)
٦٥٥٩ ذَكَرَ ابنُ جرير (٢٢/٥٥٩)، وابنُ عطية (٨/٢٧٦)، وابنُ تيمية (٦/٢٨٣)، وابنُ كثير (١٣/٥٠٦) أنّ سبب نزول هذه الآية: قصة حاطِب بن أبي بَلْتَعة.
وقال ابنُ تيمية (٦/٢٨٤): «هذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحّتها، وهي متواترة عندهم، معروفة عند علماء التفسير، وعلماء الحديث، وعلماء المغازي والسِّير والتواريخ، وعلماء الفقه، وغير هؤلاء، وكان علي ﵄ يحدِّث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة، وروى ذلك عنه كاتبُه عبد الله بن أبي رافع ليُبيّن [لهم] أنّ السابقين مغفور لهم، ولو جرى منهم ما جرى».
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّی وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ تُلۡقُونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُوا۟ بِمَا جَاۤءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ یُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِیَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَـٰدࣰا فِی سَبِیلِی وَٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِیۚ تُسِرُّونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَاۤ أَخۡفَیۡتُمۡ وَمَاۤ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن یَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ ١﴾ - تفسير الآية
٧٦٤٤٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ٦٥٦٠ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ٦٥٦١﴾ يعني: الصّحيفة، ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ﴾ يعني: القرآن، ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ مِن مكة ﴿وإيّاكُمْ﴾ قد أُخرِجوا مِن دياركم، يعني: من مكة ﴿أنْ تُؤْمِنُوا﴾ يعني: بأنْ آمنتم ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي٦٥٦٢﴾ فلا تُلقُوا إليهم بالمودّة، ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ يعني: بالصّحيفة فيها النّصيحة، ﴿وأَنا أعْلَمُ٦٥٦٣ بِما أخْفَيْتُمْ﴾ يعني: بما أسْررتم في أنفسكم مِن المودّة والولاية، ﴿وما أعْلَنْتُمْ﴾ لهم من الولاية، ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ يعني: ومَن يُسرّ بالمودّة إلى الكفار ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ يقول: فقد أخطا قَصْد طريق الهُدى[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٩.]]. (ز)
٦٥٦٠ قال ابنُ عطية (٨/٢٧٦): «العدُوّ: اسم يقع للجمع والمفرد، والمراد به هاهنا: كفار قريش».
٦٥٦١ قال ابنُ جرير (٢٢/٥٥٧): «دخول الباء في قوله: ﴿بالمودة﴾ وسقوطها سواء، نظير قول القائل: أريد بأن تذهب، وأريد أن تذهب. سواء، وكقوله: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾ [الحج:٢٥] والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم».
وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/٢٧٧).
٦٥٦٢ قال ابنُ عطية (٨/٢٧٨): «قوله تعالى: ﴿إن كنتم﴾ شرطٌ، جوابه متقدم في معنى ما قبله، وجاز ذلك لِما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي؛ فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء».
وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٢/٥٥٨).
٦٥٦٣ قال ابنُ عطية (٨/٢٧٨): «قوله تعالى: ﴿أعلم﴾ يحتمل أن يكون: أفْعَل، ويحتمل أنْ يكون فِعْلًا؛ لأنك تقول: علمت بكذا. فتدخل الباء».
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّی وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ تُلۡقُونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُوا۟ بِمَا جَاۤءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ یُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِیَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَـٰدࣰا فِی سَبِیلِی وَٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِیۚ تُسِرُّونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَاۤ أَخۡفَیۡتُمۡ وَمَاۤ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن یَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ ١﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٤٤٣- عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عباس- قال: كَتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى المشركين بكتاب، فجِيء به إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «يا حاطِب، ما دعاك إلى ما صنعتَ؟». قال: يا رسول الله، كان أهلي فيهم، فخَشيتُ أن يَصرِموا عليهم. فقلتُ: أكتب كتابًا لا يضرّ الله ورسوله. فقلتُ: أضرب عُنُقه، يا رسول الله؟ فقد كفر. فقال: «وما يدريك -يا ابن الخطاب- أن يكون اللهُ اطّلع على أهل هذه العصابة مِن أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم»[[أخرجه البزار (١٩٧)، والحاكم ٤/٨٧ (٦٩٦٦)، من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب به.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا، إنما اتفقا على حديث عبد الله بن أبي رافع ﵁، عن علي: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرثد والزبير إلى رَوضة خاخ. بغير هذا اللفظ». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في المجمع ٩/٣٠٣-٣٠٤ (١٥٦٦٢): «رواه أبو يعلى في الكبير، والبزار، والطبراني في الأوسط باختصار، ورجالهم رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٧/٢٦٧ (٦٨٢٣): «سند صحيح». وقال ابن حجر في المطالب العالية ١٥/٣٥١ (٣٧٥٦): «إسناده صحيح».]]. (١٤/٤٠٥)
٧٦٤٤٤- عن جابر -من طريق أبي الزّبير-: أنّ حاطِب بن أبي بَلْتَعة كَتب إلى أهل مكة يَذكُر أنّ النبيَّ ﷺ أراد غَزوهم، فدُلَّ النبيُّ ﷺ على المرأة التي معها الكتاب، فأَرسل إليها، فأُخذ كتابها من رأسها، فقال: «يا حاطِب، أفعلتَ؟». قال: نعم، أما إني لم أفعل غِشًّا لرسول الله ﷺ ولا نِفاقًا، قد علمتُ أنّ الله مُظهِرٌ رسولَه ومُتِمٌّ له، غير أني كنتُ غريبًا بين ظَهرانيهم، وكانت والدتي معهم، فأردتُ أنْ أتّخذ بها عندهم. فقال له عمر: ألا أضربُ رأس هذا؟ قال: «أتقتل رجلًا مِن أهل بدر؟! وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم»[[أخرجه أحمد ٢٣/٩١ (١٤٧٧٤)، وابن حبان ١١/١٢١-١٢٢ (٤٧٩٧)، من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به.
قال ابن كثير في البداية والنهاية ٦/٥٢٤: «تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الإمام أحمد، وإسناده على شرط مسلم». وقال الهيثمي في المجمع ٩/٣٠٣ (١٥٦٦٠): «رجال أحمد رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٧/٢٦٧-٢٦٨ (٦٨٢٤): «سند صحيح».]]. (١٤/٤٠٨)
٧٦٤٤٥- عن جابر: أنّ عبدًا لِحاطِب بن أبي بَلْتَعة جاء إلى رسول الله ﷺ ليشتكي حاطِبًا، فقال: يا رسول الله، ليَدخُلَنّ حاطِبٌ النارَ. فقال رسول الله ﷺ: «كذبتَ، لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرًا والحُدَيبية»[[أخرجه مسلم ٤/١٩٤٢ (٢٤٩٥)، والثعلبي ٩/٢٩٢.]]. (١٤/٤٠٨)
٧٦٤٤٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي صالح- قال: أقبلتْ سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم بن عبد منافٍ من مكة إلى المدينة المنورة، ورسول الله ﷺ يَتجهّز لفتْح مكة، فلمّا رآها رسول الله ﷺ قال: «ما لكِ، يا سارة؟ أُمسلمةٌ جئتِ؟» قالت: لا. قال: «أفمُهاجِرةٌ جئتِ؟» قالت: لا. قال: «فما حاجتكِ؟». قالت: كنتم الأصل والموالي والعشيرة، وقد ذهب موالِيَّ، وقد احتجتُ حاجة شديدةً، فَقدمتُ عليكم لتكسُوني، وتُنفقوا علَيّ، وتَحملوني. فقال النبي ﷺ: «فأين أنتِ من شباب أهل مكة» -وكانت امرأة مُغنّية نائحة-، فقالت: يا محمد، ما طلب أحدٌ منهم شيئًا منذ كانت وقعة بدر. قال: فحثّ عليها رسول الله ﷺ بني عبد المُطّلب وبني هاشم، فكَسَوها، وأَعطَوها نفقة، وحملوها، فلما أرادت الخروج إلى مكة أتاها حاطِب بن أبي بَلْتَعة -رجل من أهل اليمن، حَليف للزّبير بن العوام-، فجعل لها جُعلًا على أن تُبلغ كتابه. إلى آخر الحديث[[أخرجه الهذيل بن حبيب -كما في مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٩-٣٠٠-، من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به.
إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.]]٦٥٦٤. (ز)
٦٥٦٤ قال ابنُ كثير (١٣/٥١١): «قال تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران:٢٨]، ولهذا قَبِلَ رسول الله ﷺ عُذْرَ حاطِب، لما ذَكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد».
الممتحنة 60:2
﴿إِن یَثۡقَفُوكُمۡ یَكُونُوا۟ لَكُمۡ أَعۡدَاۤءࣰ وَیَبۡسُطُوۤا۟ إِلَیۡكُمۡ أَیۡدِیَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوۤءِ وَوَدُّوا۟ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢﴾ - تفسير
٧٦٤٤٧- قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر المؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم، فقال: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً﴾ يقول: إن يَظهروا عليكم وأنتم على دينكم الإسلام مُفارقين لهم، ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ﴾ بالقتْل، ﴿وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ يعني: الشَّتم، ﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ إن ظهروا عليكم، يعني: أن تَرجعوا إلى دينهم[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠.]]. (ز)
الممتحنة 60:3
﴿لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَاۤ أَوۡلَـٰدُكُمۡۚ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یَفۡصِلُ بَیۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ ٣﴾ - تفسير
٧٦٤٤٨- قال مقاتل بن سليمان: فإن فعلتم ذلك ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ يعني: لا تغني عنكم ﴿أرْحامُكُمْ﴾ يعني: أقرباءكم، ﴿ولا أوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ بالعدل، ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ به[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠.]]. (ز)
الممتحنة 60:4
﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ فِیۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ إِذۡ قَالُوا۟ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَ ٰۤ ؤُا۟ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمُ ٱلۡعَدَ ٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَاۤءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥۤ﴾ - نزول الآية
٧٦٤٤٩- قال علي بن أبي طالب: لَمّا أنزل الله ﷿ خَبَرًا عن إبراهيم ﵇ قال لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧] سمعتُ رجلًا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟! فقال: أوَلَم يستغفر إبراهيمُ لأبيه؟! فأتيت النبيَّ ﷺ، فذكرت ذلك له؛ فأنزل الله ﷿: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم﴾ إلى قوله: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾[[تفسير البغوي ٤/١٠١.]]. (ز)
﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ فِیۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ إِذۡ قَالُوا۟ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَ ٰۤ ؤُا۟ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمُ ٱلۡعَدَ ٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَاۤءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥۤ﴾ - تفسير الآية
٧٦٤٥٠- قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين؛ ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآء مِنكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهة، ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ يقول: تبرّأنا منكم٦٥٦٥، ﴿وبَدا﴾ يعني: وظهر ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ يعني: تُصدّقوا بالله وحده[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠.]]. (ز)
٦٥٦٥ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٠): «قوله: ﴿كفرنا بكم﴾ أي: كذبناكم في أقوالكم، ولم نؤمن بشيء منها. ونظير هذا قوله ﵇ حكاية عن قول الله ﷿: «فهو مُؤمِن بي، كافِرٌ بالكوكب»».
٧٦٤٥١- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله ﷿: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ٦٥٦٦ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾، قال: الذين معه: الأنبياء[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦٦.]]٦٥٦٧. (ز)
٦٥٦٦ قال ابنُ عطية (٨/٢٧٩): «هذه الأسوة مقيّدة في التبرّي مِن الإشراك، وهو مُطَّرد في كلِّ ملَّة، وفي نبيّنا ﷺ أُسوة حسنة على الإطلاق؛ لأنها في العقائد، وفي أحكام الشرع كلّها».
٦٥٦٧ اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿والذين معه﴾ على قولين: الأول: أنهم أتباع الخليل إبراهيم الذين آمنوا معه. وهذا قول مقاتل. والثاني: أنهم الأنبياء الذين كانوا في عصره ﵇ وقريبًا من عصره. وهذا قول ابن زيد.
وذَهَبَ ابنُ كثير (١٣/٥١٣) إلى القول الأول. ولم يذكر مستندًا.
وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٢/٥٦٦) إلى القول الثاني استنادًا إلى أثر ابن زيد.
وهو ما رجَّحَه ابنُ عطية أيضًا استنادًا إلى السّنّة، والتاريخ، فقال (٨/٢٧٩): «وهذا القول أرجح؛ لأنه لم يُروَ أنّ إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحته نمروذ، وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرًا من بلد النمرود: ما على الأرض مَن يعبد الله غيري وغيرك».
﴿إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَ ٰهِیمَ لِأَبِیهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَاۤ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَیۡءࣲۖ رَّبَّنَا عَلَیۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَیۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَیۡكَ ٱلۡمَصِیرُ ٤﴾ - تفسير
٧٦٤٥٢- عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- في قول الله: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾: نُهوا أن يتأسّوا باستغفار إبراهيم لأبيه[[أخرجه الحاكم ٢/٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤١٠)
٧٦٤٥٣- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأَبِيهِ﴾، قال: نُهوا أن يتأسّوا باستغفار إبراهيم لأبيه، فيستغفروا للمشركين[[تفسير مجاهد ص٦٥٥، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٠٩)
٧٦٤٥٤- عن مجاهد بن جبر -من طريق مُطرِّف الحارثيّ- ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، يقول: في كلّ أمْره أُسوة، إلا الاستغفار لأبيه[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦٧.]]. (ز)
٧٦٤٥٥- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قال: يقول: فلا تأَسَّوْا في ذلك؛ فإنها كانت موعدة وعدها إيّاه[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٧ من طريق معمر، وابن جرير ٢٢/٥٦٨ بنحوه، ومن طريق معمر أيضًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٠٩)
٧٦٤٥٦- قال مقاتل بن سليمان: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، يقول الله: تَبَرّؤوا مِن كفار قومكم؛ فقد كانت لكم أُسوة حسنة في إبراهيم ومَن معه مِن المؤمنين في البراءة مِن قومهم، وليس لكم أُسوة حسنة في الاستغفار للمشركين، يقول إبراهيم: لَأَستغفرنّ لك، وإنما كانت موعدة وعدها أبو إبراهيم إيّاه أنه يؤمن، فلمّا تبيّن له عند موته أنه عدوٌّ لله تبرّأ منه حين مات على الشّرك، وحُجب عنه الاستغفار، ثم قال إبراهيم: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠-٣٠١.]]. (ز)
٧٦٤٥٧- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله ﷿: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، قال: يقول: ليس لكم في هذا أُسوة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦٨.]]. (ز)
الممتحنة 60:5
﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةࣰ لِّلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ٥﴾ - قراءات
٧٦٤٥٨- في قراءة عبد الله بن مسعود: (إنَّكَ أنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠-٣٠١.
وهي قراءة شاذة.]]. (ز)
﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةࣰ لِّلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ٥﴾ - تفسير الآية
٧٦٤٥٩- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يقول: لا تُسلّطهم علينا فيَفتِنونا[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦٩ بنحوه، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/٤٧-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]٦٥٦٨. (١٤/٤١٠)
٦٥٦٨ عَلَّقَ ابنُ عطية (٨/٢٨١) على قول ابن عباس، فقال: «كأنه قال: لا تجعلنا مفتونين. فعبّر عن ذلك بالمصدر». ثم رَجَّحَ هذا القول، وانتقد قول قتادة استنادًا للدلالة العقلية، والنظير، فقال: «وهذا أرجح الأقوال؛ لأنّهم إنما دَعوا لأنفسهم، وعلى منحى قتادة إنما دَعوا للكفار. أما إن مقصدهم إنما هو أن يندفع عنهم ظهور الكفار الذي بسببه فُتِن الكفار، فجاء في المعنى تحليق بليغ، ونحوه قول النبي ﷺ: «بئس الميت سعد» ليهود؛ لأنهم يقولون: لو كان محمد نبيًّا لم يمت صاحبه».
٧٦٤٦٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قوله: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لا تُعذِّبنا بأيديهم، ولا بعذاب مِن عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحقِّ ما أصابهم هذا[[أخرجه الحاكم ٢/٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤١٠)
٧٦٤٦١- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال: لا تُعذّبنا بأيديهم، ولا بعذابٍ مِن عندك؛ فيقولوا: لو كان هؤلاء على حقّ ما أصابهم هذا[[تفسير مجاهد ص٦٥٥، وأخرجه عبد بن حميد -كما في التغليق ٤/٣٣٨، والفتح ٨/٦٣٣-، وابن جرير ٢٢/٥٦٩.]]. (١٤/٤٠٩)
٧٦٤٦٢- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يقول: لا تُظْهِرْهم علينا؛ فيُفتَنوا بذلك، يَرون أنهم إنما ظهروا أنهم أولى بالحقّ مِنّا[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٦٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]٦٥٦٩. (١٤/٤٠٩)
٦٥٦٩ ذهب ابنُ جرير (٢٢/٥٦٩) -مستندًا إلى أقوال السلف- إلى مثل ما ذهب إليه قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
٧٦٤٦٣- قال مقاتل بن سليمان: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تُقتِّر علينا بالرّزق، وتَبسط لهم في الرّزق، فنحتاج إليهم؛ فيكون ذلك فِتنة لنا، ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ...، نظيرها في آخر المائدة[[يشير إلى قوله تعالى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].]][[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠-٣٠١.]]. (ز)
الممتحنة 60:6
﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِیهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡـَٔاخِرَۚ وَمَن یَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِیُّ ٱلۡحَمِیدُ ٦﴾ - تفسير
٧٦٤٦٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، قال: في صُنع إبراهيم كلّه، إلا في الاستغفار لأبيه، لا يُستَغفر له وهو مشرك[[أخرجه الحاكم ٢/٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. (١٤/٤١٠)
٧٦٤٦٥- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ يعني: في إبراهيم والذين معه ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ في الاقتداء بهم ﴿لِمَن كانَ يَرْجُوا اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يقول: لِمَن كان يخشى الله، ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ يقول: ومَن يُعْرِض عن الحقّ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ﴾ عن عباده، ﴿الحَمِيدُ﴾ في سلطانه عنه خلْقه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠١.]]. (ز)
الممتحنة 60:7
﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن یَجۡعَلَ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَ ٱلَّذِینَ عَادَیۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةࣰۚ وَٱللَّهُ قَدِیرࣱۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ٧﴾ - نزول الآية
٧٦٤٦٦- عن أبي هريرة -من طريق أبي سَلمة بن عبد الرحمن- قال: أول مَن قاتَل أهلَ الرّدة على إقامة دين الله أبو سُفيان بن حرب، وفيه نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً﴾[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤١١)
٧٦٤٦٧- عن عبد الله بن عباس، ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً﴾، قال: نَزَلَتْ في تزويج النبيِّ ﷺ ابنتَه أُمّ حَبيبة[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. والمراد في الأثر: أبو سفيان بن حرب.]]. (١٤/٤١١)
٧٦٤٦٨- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق عقيل-: أنّ رسول الله ﷺ استعمل أبا سُفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قُبض رسول الله ﷺ أقبل فَلَقِيَ ذا الخِمار[[ذا الخمار: هو الأسود العنسي، واسمه عجلة بن كعب، وكان يقال له: ذو الخمار -بالخاء المعجمة- لأنه كان يخمر وجهه. وقيل: هو اسم شيطانه. فتح الباري ٨/٩٣.]] مُرتدًّا، فقاتَله، فكان أول مَن قاتَل في الرّدة وجاهد عن الدّين. قال ابن شهاب: وهو فيمن أنزل الله فيه: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً﴾[[أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/١١٥-.]]. (١٤/٤١٠)
٧٦٤٦٩- عن مقاتل [بن حيان]، في قوله: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً﴾، قال: نَزَلَتْ في أبي سُفيان، تَزوّج النبيُّ ﷺ ابنتَه أُمّ حَبيبة، فكانت هذه مودّة بينه وبينه[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٤/٤١١)
٧٦٤٧٠- قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ الله تعالى حين أخبَر المؤمنين بعداوة كفار مكة والبَراءة منهم، وذَكر لهم فِعْل إبراهيم والذين معه في البَراءة مِن قومهم؛ فلما أخبَر ذلك عادوا أقرباءهم وأرحامهم، وأظهروا لهم العداوة، وعلِم الله شِدّة وجْد المؤمنين في ذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً﴾...[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠١-٣٠٢.]]٦٥٧٠. (ز)
٦٥٧٠ قالَ ابن عطية (٨/٢٨١-٢٨٢): «رُوي أن هذه الآيات لما نَزَلَتْ، وأزمع المؤمنون امتثال أمرها، وصَرم حبال الكفرة، وإظهار عداوتهم؛ لحقهم تأسّفٌ على قراباتهم، وهم مَن أن لم يؤمنوا ولم يهتدوا حتى يكون بينهم الود والتواصل، فنَزلت: ﴿عسى الله﴾ الآية مُؤْنسةً في ذلك ومُرَجِّيةً أن يقع موقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميع إخوانًا».
﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن یَجۡعَلَ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَ ٱلَّذِینَ عَادَیۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةࣰۚ وَٱللَّهُ قَدِیرࣱۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ٧﴾ - تفسير الآية
٧٦٤٧١- عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً﴾، قال: كانت المودّةُ التي جعل اللهُ بينهم تزويجَ النبيِّ ﷺ أُمَّ حَبيبة بنت أبي سُفيان؛ فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين[[أخرجه ابن عدي ٦/٢١٢٩، والبيهقي ٣/٤٥٩، وابن عساكر ٣/٢٠٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.]]٦٥٧١. (١٤/٤١١)
٦٥٧١ عَلَّقَ ابن عطية (٨/٢٨٢) على هذا الأثر بقوله: «لا يصح ذلك عن ابن عباس إلا أن يسوقه مثالًا، وإن كان متقدمًا لهذه الآية؛ لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من المودّات».
٧٦٤٧٢- عن مجاهد -من طريق سفيان بن عُيينة- في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾، قال: مصاهرة النبي ﷺ إلى أبي سُفيان بن حرب[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٣/٤٤٥-٤٤٦.]]. (ز)
٧٦٤٧٣- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على ذلك، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر الذنوب الكثيرة، رحيم بعباده[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧١.]]. (ز)
٧٦٤٧٤- قال مقاتل بن سليمان: ... ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً﴾ فلمّا أسلم أهل مكة خالطهم المسلمون، وناكحوهم، وتزوّج النبيُّ ﷺ أُمَّ حَبيبة بنت أبي سُفيان، فهذه المودّة التي ذكر الله تعالى. يقول الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على المودّة، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوب كفار مكة لِمَن تاب منهم وأسلم، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بعد الإسلام[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠١-٣٠٢.]]٦٥٧٢. (ز)
٦٥٧٢ انتَقَدَ ابنُ عطية، وابنُ كثير هذا القول استنادًا إلى التاريخ، فقال ابنُ عطية (٨/٢٨٢): «مَن ذَكَر أنّ هذه المودة تزويج النبي ﷺ أُمّ حَبيبة بنت أبي سُفيان، وأنها كانت بعد الفتح، فقد أخطأ؛ لأن النبي ﷺ تزوّجها وقت هجرة الحبشة، وهذه الآيات نَزَلَتْ سنة ثمانٍ من الهجرة».
وقال ابنُ كثير (١٣/٢١٦) تعليقًا على أثر مقاتل هذا: «وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر؛ فإنّ رسول الله ﷺ تزوّج بأُمّ حبيبة بنت أبي سُفيان قبل الفتح، وأبو سُفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف». ثم بَيَّنَ أنّ أثر الزُّهريّ -السابق- أحسن منه.
٧٦٤٧٥- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً﴾، قال: هؤلاء المشركون قد فَعل، قد أدخَلهم في السِّلم وجَعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٠.]]. (ز)
الممتحنة 60:8
﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَـٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ ٨﴾ - نزول الآية
٧٦٤٧٦- قال عبد الله بن عباس: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ نَزَلَتْ في خُزاعة، كانوا قد صالَحوا النبيَّ ﷺ على أن لا يُقاتلوه ولا يُعِينوا عليه أحدًا، فرخّص الله في بِرِّهم[[أورده الثعلبي ٩/٢٩٤، والبغوي في تفسيره ٨/٩٥ واللفظ له.]]. (ز)
٧٦٤٧٧- عن أسماء بنت أبي بكر -من طريق عُروة- قالتْ: أتتْني أُمّي راغبة، وهي مُشركة في عهْد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ، فسألتُ رسول الله ﷺ: أأصِلُها؟ فأنزل الله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾. فقال: «نعم، صِلي أُمّكِ»[[أخرجه البخاري ٣/١٦٤ (٢٦٢٠)، ٤/١٠٣ (٣١٨٣)، ٨/٤ (٥٩٧٨، ٥٩٧٩)، ومسلم ٢/٦٩٦ (١٠٠٣) كلاهما بنحوه.]]. (١٤/٤١٢)
٧٦٤٧٨- عن عبد الله بن الزّبير -من طريق عامر- قال: قَدمتْ قُتَيْلة ابنة عبد العُزّى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا؛ ضِباب، وأَقِطٍ، وسمْن، وهي مُشركة، فأبتْ أسماءُ أن تَقبل هدّيتها، أو تُدخلها بيتها، حتى أرسلتْ إلى عائشة: أن سَلِي عن هذا رسول الله ﷺ. فسأَلتْه؛ فأنزل الله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى آخر الآية. فأمَرها أن تَقبل هديّتها، وتُدخلها بيتها[[أخرجه أحمد ٢٦/٣٧ (١٦١١١)، وابن جرير ٢٢/٥٧٢-٥٧٣، من طريق مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه به.
وأخرجه الحاكم ٢/٥٢٧ (٣٨٠٤)، من طريق مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدّه به.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في المجمع ٤/١٥٢ (٦٧٥٠): «فيه مصعب بن ثابت؛ ضعّفه أحمد وغيره، ووثّقه ابن حبان». وقال في ٧/١٢٣ (١١٤١١): «فيه مصعب بن ثابت، وثّقه ابن حبان، وضعّفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح».]]. (١٤/٤١٢)
٧٦٤٧٩- قال مُرّة الهَمداني= (ز)
٧٦٤٨٠- وعطية بن سعد العَوفيّ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ نَزَلَتْ في قوم مِن بني هاشم، منهم العبّاس بن عبد المطلب[[تفسير الثعلبي ٩/٢٩٤.]]. (ز)
٧٦٤٨١- قال الحسن البصري: وكان هذا قبل أن يُؤمَر بقتال المشركين كافّة، كان المسلمون قبل أن يؤمر بقتالهم استشاروا النبيَّ في قرابتهم مِن المشركين أن يصِلوهم ويبرّوهم؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٨-.]]. (ز)
٧٦٤٨٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ نَزَلَتْ في خُزاعة؛ منهم هلال بن عُويمر، وبني خُزيمة، وبني مُدْلِج؛ منهم سُراقة بن مالك، وعبد يزيد بن عبد مَناة، والحارث بن عبد مَناة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٢.]]. (ز)
﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَـٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ ٨﴾ - تفسير الآية
٧٦٤٨٣- عن مجاهد بن جبر -من طريق بن أبي نجيح- في قوله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾، قال: أن تَستغفروا لهم، وتَبرّوهم، وتُقسطوا إليهم، هم الذين آمنوا بمكة ولم يُهاجِروا[[تفسير مجاهد ص٦٥٥، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١٤/٤١٣)
٧٦٤٨٤- قال مقاتل بن سليمان: ثم رخّص في صِلة الذين لم يُناصبوا الحرب للمسلمين، ولم يُظاهروا عليهم المشركين، فذلك قوله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ عن صِلة الذين لم يُقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من مكة من دياركم ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ يقول: أن تَصِلوهم، ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ بالعدل، يعني: تُوفوا إليهم بعهْدهم، ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ الذين يَعدلون بين الناس ...[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٢.]]. (ز)
﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَـٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ ٨﴾ - النسخ في الآية
٧٦٤٨٥- عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال الله ﷿: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا، إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية [النساء:٨٩-٩٠]، وقال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ الآية، ثم نَسخ هؤلاء الآيات، فأنزل الله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ إلى قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:١-٥]، وأنزل: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة:٣٦]، قال: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال:٦١]، ثم نَسخ ذلك هذه الآية: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة:٢٩][[أخرجه أبو إسحاق الفزاري في سيره ص٢٨٩.]]. (ز)
٧٦٤٨٦- عن عكرمة مولى ابن عباس= (ز)
٧٦٤٨٧- والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا * إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ إلى قوله: ﴿وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا﴾ [النساء:٨٩-٩١]، وقال في الممتحنة: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾، وقال فيها: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم﴾ إلى: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين، فقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ [التوبة:١-٢][[أخرجه ابن جرير ٧/٢٩٨.]]. (ز)
٧٦٤٨٨- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر-: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ نَسَختْها: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥][[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٧، وابن جرير ٢٢/٥٧٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي داود.]]. (١٤/٤١٢)
٧٦٤٨٩- قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة:٨-٩] نُسختْ، فقال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ [التوبة:١-٢]، فجعل لهم أجلًا أربعة أشهر يَسيحون في الأرض، ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة:٥]، وقال ﷿: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة:٦][[الناسخ والمنسوخ للزهري ص٢٤-٢٦.]]. (ز)
٧٦٤٩٠- عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنه قال: قال في سورة النساء [٩٠]: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، وقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأُولَئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وقال في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾، ثم قال فيها: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، فنَسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ [التوبة:١-٢]، فجَعل لهم أجلًا أربعة أشهر يَسيحون فيها، وأَبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، ثم نسخ واستثنى: ﴿فَإنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦][[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٣/٧٠-٧٢ (١٥٨).]]. (ز)
٧٦٤٩١- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، فقال: هذا قد نُسخ، نَسَخه القتال، أُمروا أن يَرجعوا إليهم بالسيوف، ويُجاهدوهم بها، يضربونهم، وضَرب الله لهم أجل أربعة أشهر؛ إمّا المُذابحة، وإمّا الإسلام[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٣.]]٦٥٧٣. (ز)
٦٥٧٣ اختُلِف في الذين عُنُوا بهذه الآية، واختُلِف أيضًا في نسخها، على أقوال لخَّصَها ابنُ عطية (٨/٢٨٢ بتصرف)، فقال: «اختلف الناس في هؤلاء الذين لم يُنْهَ عنهم أن يُبَرُّوا مَن هم؟ فقال مجاهد: هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يُهاجروا، وكانوا لذلك في رتبة سُوء لترْكهم فرض الهجرة. وقال آخرون: أراد المؤمنين التاركين للهجرة كانوا من أهل مكة ومن غيرها. وقال الحسن، وأبو صالح: أراد خُزاعة، وبني الحارث بن كعب، وقبائل من العرب كفار، إلا أنهم كانوا مُظاهرين للنبي ﷺ مُحبّين فيه وفي ظهوره، ومنهم كنانة، وبنو الحارث بن عبد مناة، ومُزينة. وقال قوم: أراد مِن كفار قريش مَن لم يُقاتل، ولا أخرج، ولا أظهر سوءًا. وعلى هذين القولين فالآية منسوخة بالقتال. وقال عبد الله بن الزبير: أراد النساء، والصبيان مِن الكفرة. وقال: إن الآية نَزَلَتْ بسبب أُمّ أسماء حين استأذنت النبي ﷺ في بِرّها وصِلتها فأذِن لها. وقال أبو جعفر بن النحاس، والثعلبي: أراد المستضعفين مِن المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة. وهذا قول ضعيف. وقال مُرَّة الهمداني، وعطية العَوفيّ: نَزَلَتْ في قوم من بني هاشم، منهم العبّاس ﵁. وقال قتادة: نسخَتْها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]».
وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٢/٥٧٤) إلى العموم في الآية، وانتقد القول بالنسخ فيها -استنادًا إلى عموم لفظ الآية، وأقوال السلف-، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين مِن جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتَصِلوهم، وتُقْسِطوا إليهم. إنّ الله ﷿ عمَّ بقوله: ﴿الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ جميع مَن كان ذلك صفته، فلم يَخْصُص به بعضًا دون بعض». ثم قال: «ولا معنى لقول مَن قال: ذلك منسوخ. لأنّ برَّ المؤمنِ مِن أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غيرُ محرَّم، ولا مَنهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورةٍ لأهل الإسلام، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو سلاح. وقد بيَّن صحةَ ما قلنا في ذلك الخبرُ الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأُمّها».
الممتحنة 60:9
﴿إِنَّمَا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ قَـٰتَلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰۤ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن یَتَوَلَّهُمۡ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٩﴾ - تفسير
٧٦٤٩٢- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ﴾، قال: كفار أهل مكة[[تفسير مجاهد ص٦٥٥، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤١٣)
٧٦٤٩٣- قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ عن صِلة ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ﴾ يعني: كفار مكة أخرَجوا النبيَّ ﷺ وأصحابه مِن مكة كراهية الإسلام، ﴿وظاهَرُوا﴾ يقول: وعاوَنوا المشركين على إخراجكم؛ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بأن تُوالوهم، ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ منكم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٢.]]٦٥٧٤. (ز)
٦٥٧٤ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٣): «الذين قاتلوا في الدّين وأَخْرَجوا: هم مَرَدة قريش».
وقال ابنُ القيم (٣/١٤٩): «الله سبحانه لمّا نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم؛ تَوهَّم بعضُهم أنّ برَّهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودّة، فبيَّن الله سبحانه أنّ ذلك ليس مِن الموالاة المنهي عنها، وأنه لم يَنْهَ عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبّه ويرضاه، وكتبه على كلّ شيء، وإنما المنهيّ عنه تَولّي الكفار، والإلقاء إليهم بالمودّة».
الممتحنة 60:10
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا جَاۤءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَ ٰتࣲ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِیمَـٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَـٰتࣲ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلࣱّ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ یَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّاۤ أَنفَقُوا۟ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُوا۟ مَاۤ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡیَسۡـَٔلُوا۟ مَاۤ أَنفَقُوا۟ۚ ذَ ٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ یَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ ١٠﴾ - نزول الآية
٧٦٤٩٤- عن عبد الله بن عباس، قال: خرج سُهيل بن عمرو، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، ألسْنا على حقّ، وهم على باطل؟ قال: «بلى». قال: فما لنا مَن أسلم منهم رُدّ إليهم، ومَن اتّبعهم منا نردُّه إليهم؟ قال: «أمّا مَن أسلم منهم فعَرف الله منه الصِّدق أنجاه، ومَن رجع منّا سلّم الله منه». قال: ونزلتْ سورةُ الممتحنة بعد ذلك الصُّلح، وكانت مَن أسلم مِن نسائهم فسُئلت: ما أخرجكِ؟ فإنْ كانتْ خَرجتْ فرارًا مِن زوجها ورغبةً عنه رُدّت، وإن كانتْ خَرجتْ رغبةً في الإسلام أُمسِكتْ، ورُدّ على زوجها مثل ما أنفق[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٢٠)
٧٦٤٩٥- عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾، قال: نَزَلَتْ في سُبَيعة بنت الحارث يوم الحُدَيبية، حلّتْ مُهاجِرة، وزوجها اسمه: مسافر بن أسلم[[أخرجه الفاكهي في أخبار مكة ٥/٤٢ (٢٨٦٥)، من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به.
إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.]]. (ز)
٧٦٤٩٦- عن المِسْوَر بن مَخْرَمة= (ز)
٧٦٤٩٧- ومروان بن الحكم: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا عاهَد كفار قريش يوم الحُدَيبية جاءه نساءٌ مؤمنات، فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشّرك[[أخرجه البخاري ٣/١٩٣-١٩٧ (٢٧٣١) مطولًا، وابن جرير ٢٢/٥٨٣.]]. (١٤/٤١٣)
٧٦٤٩٨- عن المِسْوَر بن مَخْرَمة= (ز)
٧٦٤٩٩- ومروان بن الحكم، قالا: لَمّا كاتَب رسولُ الله ﷺ سُهيلَ بن عمرو على قضية المدة يوم الحُدَيبية؛ كان مما اشترط سُهيل: أن لا يأتيك منّا أحد٦٥٧٥، وإن كان على دينك، إلا رَددْتَه إلينا. فرَدّ رسول الله ﷺ أبا جَندل بن سُهيل، ولم يأتِ رسولَ الله ﷺ أحدٌ من الرجال إلا ردّه في تلك المُدّة وإن كان مسلمًا، ثم جاء المؤمنات مُهاجرات، وكانت أُمّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ وهي عاتِقٌ[[العاتق: الشابة أول ما تُدْرِكُ. وقيل: هي التي لم تَبِنْ من والديها ولم تُزَوَّج، وقد أدركت وشَبَّت. النهاية (عتق).]]، فجاء أهلُها يسألون رسول الله ﷺ أن يرجِعها إليهم، حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل[[أخرجه البخاري ٣/١٨٨-١٨٩ (٢٧١١، ٢٧١٢)، ٥/١٢٦-١٢٧ (٤١٨٠، ٤١٨١).]]. (١٤/٤١٣)
٦٥٧٥ عَلَّقَ ابنُ كثير (١٣/٥٢٠) على هذه الرواية بقوله: «على هذه الرواية تكون هذه الآية مخصّصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك. وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإنّ الله ﷿ أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مُهاجرات أن يَمتَحِنوهن، فإنْ علموهنّ مؤمنات فلا يرجعوهنّ إلى الكفار، لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحلّون لهنّ».
٧٦٥٠٠- عن عبد الله بن أبي أحمد، قال: هاجرتْ أُمُّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط في الهُدنة، فخرج أخواها عُمارة والوليد حتى قَدما على رسول الله ﷺ، وكلّماه في أُمّ كُلثوم أن يردّها إليهما، فنَقض الله العهد بينه وبين المشركين خاصة في النساء، ومَنعهنّ أن يُرددْن إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان[[أخرجه الطبراني -كما في مجمع الزوائد ٧/١٣٢-. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
وقال الهيثمي: «فيه عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف».]]. (١٤/٤١٤)
٧٦٥٠١- عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: خَرجت امرأةٌ مُهاجِرة إلى المدينة، فقيل لها: ما أخرجكِ؟ بُغضٌ لزوجكِ أمْ أردتِ الله ورسوله؟ قالت: بل الله ورسوله. فأنزل الله: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، فإن تَزوّجها رجلٌ من المسلمين فلتَرُدّ إلى زوجها الأول ما أنفق عليها[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤١٦)
٧٦٥٠٢- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قال: كان المشركون قد شَرطوا على رسول الله ﷺ يوم الحُدَيبية أنّ مَن جاء مِن قِبلنا وإن كان على دينك رددْتَه إلينا، ومَن جاءنا مِن قِبلك لم نَردُدْه إليك. فكان يَردّ إليهم مَن جاء مِن قِبلهم يَدخل في دينه، فلما جاءتْ أُمّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط مُهاجِرةً جاء أخواها يُريدان أن يُخرجاها ويَردّاها إليهم. فأَنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ولْيَسْأَلُوا ما أنْفَقُوا﴾[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٨ بنحوه، وابن سعد ٨/٢٣١.]]. (١٤/٤١٥)
٧٦٥٠٣- عن يَزيد بن أبي حبيب -من طريق ابن لَهيعة- أنه بلَغه: أنه نَزَلَت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآيةَ في امرأة أبي حَسّان بن الدّحداحة، وهي أُميمة بنت بشر امرأة من بني عمرو بن عوف، وأنّ سهل بن حُنَيف تَزوّجها حين فَرّت إلى رسول الله ﷺ، فولدتْ له عبد الله بن سهل[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٢/١٨-١٩ (٢٩)، وابن أبي حاتم -كما في الفتح ٥/٣٤٨-.]]. (١٤/٤٢١)
٧٦٥٠٤- عن مقاتل [بن حيان]، قال: كان بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة عهدٌ، شُرط في أن يُردّ النساء، فجاءت امرأة تُسمّى: سعيدة، وكانت تحت صيفيّ بن الرّاهب، وهو مُشرك مِن أهل مكة، وطلبوا ردّها؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآية[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. وينظر: الفتح ٥/٣٤٨.]]. (١٤/٤٢١)
٧٦٥٠٥- قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ صالَح أهل مكة يوم الحُدَيبية، وكَتب بينه وبينهم كتابًا، فكان في الكتاب أنّ مَن لَحِق أهل مكة من المسلمين فهو لهم، ومَن لَحق منهم بالنبي ﷺ ردّه عليهم، وجاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ اسمها: سُبَيعة بنت الحارث الأَسلمية -في المُوادعة-، وكانت تحت صيفيّ بن الرّاهب مِن كفار مكة، فجاء زوجها يَطلبها، فقال للنبي ﷺ: رُدّها علينا، فإنّ بيننا وبينك شرطًا. فقال النبي ﷺ: «إنما كان الشّرط في الرجال، ولم يكن في النساء». فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ ... فتزوّجها عمر بن الخطاب، ويُقال: تزوّجها أبو السّنابل بن بَعكك بن السّباق بن عبد الدّار بن قُصي ...[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٣.]]. (ز)
٧٦٥٠٦- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية كلّها، قال: لَمّا هادَن رسولُ الله ﷺ المشركين كان في الشّرط الذي شُرط: أن تردّ إلينا مَن أتاك مِنّا، ونردّ إليك مَن أتانا منكم، فقال النبيُّ ﷺ: «مَن أتانا منكم فنردّه إليكم، ومَن أتاكم منّا فاختار الكفر على الإيمان فلا حاجة لنا فيهم». وقال: فأبى الله ذلك في النساء، ولم يَأبَه للرجال. فقال الله ﷿: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا﴾ أزواجهنّ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨١.]]. (ز)
٧٦٥٠٧- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب-: كانت المرأة من المشركين إذا غَضِبتْ على زوجها، وكان بينه وبينها كلام؛ قالت: واللهِ، لَأُهاجرنّ إلى محمد ﷺ وأصحابه. فقال الله ﷿: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٨.]]٦٥٧٦. (ز)
٦٥٧٦ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٣) تعليقًا على هذه الآية: «نَزَلَتْ إثر صُلح الحُدَيبية، وذلك أنّ الصُّلح تضمّن أن يَردّ المؤمنون إلى الكفار كلَّ من جاء مسلمًا مِن رجل وامرأة، فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم أنّ المُهاجِرة لا تُردّ إلى الكفار، بل تبقى تستبرئ وتتزوّج ويُعطى زوجها الكافر الصداق الذي أنفق، وأمر أيضًا المؤمنين بطلب صداق مَن فرَّت امرأتُه مِن المؤمنين، وحكم تعالى بهذا في النازلة وسمّاهم: مؤمنات قبل أن يتيقّن ذلك؛ إذ هو ظاهر أمرهن».
وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٢/٥٧٨)، وقال ابنُ تيمية (٦/٢٩٢)، وقال ابنُ القيم (٣/١٥٠).
٧٦٥٠٨- عن الواقدي -من طريق أبي رجاء- قال: فَخَرت أُمّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط بآيات نَزَلَتْ فيها، قالت: فكنتُ أول مَن هاجر إلى المدينة، فلما قدمتُ قدِم أخي الوليد علَيّ، فنَسخ الله العقدَ بين النبيِّ ﷺ وبين المشركين في شأني، ونَزَلَتْ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، ثم أنكحني النبيُّ ﷺ زيدَ بن حارثة، فقلتُ: أتُزوّجني بمولاكَ؟! فأنزل الله: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. ثم قُتل زيد، فأَرسل إلَيَّ الزّبير: احبسي عليّ نفسك. قلتُ: نعم. فنَزَلَتْ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ [البقرة:٢٣٥][[عزاه السيوطي إلى ابن دريد في أماليه.]]. (١٤/٤١٤)
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا جَاۤءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَ ٰتࣲ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِیمَـٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَـٰتࣲ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلࣱّ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ یَحِلُّونَ لَهُنَّۖ﴾ - تفسير
٧٦٥٠٩- عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي نصر الأَسدي- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾، أنه كان سُئل: كيف كان النبيُّ ﷺ يَمتَحِن النساء؟ قال: كانت المرأة إذا جاءت النبيَّ ﷺ حلّفها عمرُ بالله: ما خرجتِ رغبةً بأرض عن أرض، وباللهِ، ما خرجتِ من بُغض زوج، وباللهِ، ما خرجتِ التماس دنيا، وباللهِ، ما خرجتِ إلا حُبًّا لله ورسوله[[أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٧٢١ - بغية)، والبزار (٢٢٧٢ -كشف)، وابن جرير ٢٢/٥٧٥-٥٧٦، وابن أبي حاتم -كما في الفتح ٨/٦٣٧-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه. وذكر أن هذا اللفظ لابن المنذر.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٢٣: «رواه البزار، وفيه قيس بن الربيع، وثَّقه شعبة والثوري، وضعفه غيرهما، وبقية رجاله ثقات». وحسّن السيوطي إسناده.]]. (١٤/٤٢٢)
٧٦٥١٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ إلى قوله: ﴿عليم حكيم﴾، قال: كان امتحانهنّ أن يشهدن: أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فإذا علِموا أنّ ذلك حقٌّ منهن لم يَرجعوهنّ إلى الكفار، وأُعطي بَعْلُها في الكفار الذين عَقد لهم رسول الله ﷺ صَداقهُ الذي أصدَقها، وأَحلّهنّ للمؤمنين إذا آتُوهنّ أجورهنّ، ونهى المؤمنين أن يَدَعُو المُهاجِرات مِن أجل نسائهم في الكفار، وكانت مِحنة النساء أنّ رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: «قل لهنّ: إنّ رسول الله ﷺ بايَعكنّ على أن لا تُشركنَ بالله شيئًا». وكانت هند بنت عُتبة بن ربيعة -التي شقّت بطن حمزة- متنكّرة في النساء، فقالت: إني إنْ أتكلّم يعرفني، وإنْ عَرفني قَتلني. وإنما تنكّرتْ فرَقًا مِن رسول الله ﷺ، فسكتَ النّسوة التي مع هند، وأبيْن أن يتكلّمنَ، فقالت هند وهي مُتَنكِّرة: كيف يَقبل مِن النساء شيئًا لم يَقْبله مِن الرجال؟ فنظر إليها رسول الله ﷺ، وقال لعمر: «قل لهنّ: ولا يَسرقنَ». قالت هند: واللهِ، إني لَأصيب مِن أبي سفيان الهَنة، ما أدري أيُحلهنّ أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبتِ مِن شيء مضى أو قد بقي فهو لكِ حلال. فضحك رسول الله ﷺ، وعرَفها، فدعاها، فأتتْه، فأخذتْ بيده، فعاذتْ به، فقال: «أنتِ هند؟». فقالتْ: عفا الله عما سلف. فصَرف عنها رسول الله ﷺ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٦ بنحوه، من طريق العَوفيّين، عن ابن عباس به. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
قال ابن كثير في تفسيره ٨/٩٩: «أثر غريب، وفي بعضه نكارة». وإسناده ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.]]. (١٤/٤١٧)
٧٦٥١١- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: كان امتحانهنّ أن يشهدنَ أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا عبده ورسوله[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٧.]]. (ز)
٧٦٥١٢- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ، قال: دخلتُ على عُروة بن الزّبير وهو يكتب كتابًا إلى ابن أبي هُنَيد صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله ﷿: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ إلى قوله: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وكتب إليه عُروة بن الزّبير: إنّ رسول الله ﷺ كان صالَح قريشًا عام الحُدَيبية على أن يَردّ عليهم مَن جاء بغير إذن وليّه، فلما هاجر النساءُ إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام أبى الله أن يُردَدْنَ إلى المشركين، إذا هنّ امتُحِنّ محنة الإسلام، فعرفوا أنهنّ إنما جئنَ رغبة فيه[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧٠/٢١٩ وزاد: فزعمت أنها جاءت راغبة فيه، وأمر أن يردّ صَدُقاتهنّ إليهم إذا حبسوا عنهم، وأن يردّوا عليهم مثل الذي يُرد عليهم إن فعلوا، فقال: ﴿واسألوا ما أنفقتم﴾ وصبحها أخواها من الغد، فطلباها، فأبى رسول الله ﷺ أن يردّها إليهما، فرجعا إلى مكة، فأخبرا قريشًا، فلم يبعثوا في ذلك أحدًا، ورضوا بأن يحبس النساء".]]. (ز)
٧٦٥١٣- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾، قال: سَلوهنّ ما جاء بهنّ؟ فإن كان جاء بهنّ غضبٌ على أزواجهنّ أو غِيرة أو سَخط، ولم يُؤمِنّ فأرجِعوهنّ إلى أزواجهنّ، وإن كُنّ مؤمنات بالله فأَمسِكوهنّ، وآتوهنّ أجورهنّ من صَدُقاتهنّ، وانكحوهنّ إن شئتم، وأَصدِقوهنّ[[تفسير مجاهد ص٦٥٥، وأخرجه الفريابي -كما في التغليق ٤/٣٣٨، وفتح الباري ٨/٦٣٢-، وعبد بن حميد -كما في التغليق ٤/٣٣٨-، وابن جرير ٢٢/٥٧٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤١٦)
٧٦٥١٤- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾٦٥٧٧: كان نبي الله ﷺ عاهَد مِن المشركين ومن أهل الكتاب، فعاهدهم وعاهدوه، وكان في الشّرط أن يردُّوا الأموال والنساء، فكان نبيُّ الله إذا فاته أحد مِن أزواج المؤمنين، فلَحق بالمعاهدة تاركًا لدينه مختارًا للشّرك، ردّ على زوجها ما أنفق عليها، وإذا لَحق بنبي الله ﷺ أحدٌ من أزواج المشركين امتَحنها نبي الله ﷺ فسألها: «ما أخرجكِ من قومك؟». فإن وجدها خرجتْ تريد الإسلام قَبِلها رسول الله ﷺ، وردّ على زوجها ما أنفق عليها، وإن وجدها فرّتْ من زوجها إلى آخر بينها وبينه قرابة، وهي مُتمسّكة بالشّرك ردّها رسول الله ﷺ إلى زوجها من المشركين[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨١.]]. (ز)
٦٥٧٧ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٣): «قوله تعالى: ﴿الله أعلم بإيمانهن﴾ إشارة إلى الاسترابة ببعضهن، وحضّ على امتحانهنّ، وذكر تعالى العِلّة في أن لا يُرَدّ النساء إلى الكفار وهي امتناع الوطء وحرمته».
٧٦٥١٥- عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق سفيان، عن أبيه- قال: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾، يُقال لها: ما جاء بكِ عِشق رجل منّا، ولا فرار من زوجكِ، ما جاء بكِ إلا حبّ الله ورسوله؟[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد.]]. (١٤/٤٢٣)
٧٦٥١٦- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ قال: هذا حكمٌ حكمه الله بين أهل الهدى وأهل الضّلالة، ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قال: كانت مِحنتهنّ أن يَحلفنَ بالله: ما أخرجهنّ نشوز، ولا خرجنَ إلا حبًّا للإسلام وحِرصًا عليه. فإذا فَعلنَ ذلك قُبِل منهنّ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٧، ٥٨٠، وأخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٨ من طريق معمر مختصرًا. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٩-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي داود في ناسخه.]]. (١٤/٤١٧)
٧٦٥١٧- عن بُكير بن الأشَجّ -من طريق عمرو بن الحارث- قال: كان امتحانهنّ: إنه لم يخرجكِ إلا الدِّينُ؟[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٨.]]. (ز)
٧٦٥١٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ يعني: سُبَيعة، فامتحنها النبيُّ ﷺ، فقال: «باللهِ، ما أخرجكِ مِن قومك حدثًا، ولا كراهية لزوجك، ولا بُغضًا له، ولا خرجتِ إلا حرصًا على الإسلام ورغبة فيه، ولا تريدين غير ذلك؟». فهذه المحنة يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾٦٥٧٨ مِن قِبَل المِحنة، يعني: سُبَيعة؛ ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ يعني: فلا تَرُدّوهن إلى أزواجهن الكفار، ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾٦٥٧٩ يقول: لا تَحلّ مؤمنة لكافر، ولا كافر لمؤمنة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٣-٣٠٤.]]. (ز)
٦٥٧٨ قال ابن كثير (١٣/٥٢١): «قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ فيه دلالة على أنّ الإيمان يُمكن الاطلاع عليه يقينًا».
٦٥٧٩ قال ابنُ كثير (١٣/٥٢١): «قوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ هذه الآية هي التي حَرّمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوّج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي ﷺ زينب ﵂، قد كانت مُسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقِلادة لها كانت لأُمّها خديجة، فلمّا رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رِقّة شديدة، وقال للمسلمين: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا». ففعلوا، فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه، فوفّى له بذلك، وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة ﵄، فأقامت بالمدينة مِن بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين، إلى أنْ أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمانٍ، فردَّها عليه بالنكاح الأول، ولم يُحدث لها صداقًا».
٧٦٥١٩- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب-: كانت المرأة من المشركين إذا غَضِبتْ على زوجها وكان بينه وبينها كلام قالت: واللهِ، لَأُهاجرنّ إلى محمد ﷺ وأصحابه. فقال الله ﷿: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إن كان الغضب أتى بها فَرُدّوها، وإن كان الإسلام أتى بها فلا تَرُدّوها[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٨.]]. (ز)
﴿وَءَاتُوهُم مَّاۤ أَنفَقُوا۟ۚ﴾ - تفسير
٧٦٥٢٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- قال: كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فإذا علِموا أنّ ذلك حقٌّ منهنّ لم يَرجعوهنّ إلى الكفار، وأُعطي بَعْلُها من الكفار الذين عقَد لهم رسول الله ﷺ صَداقه الذي أصدقها[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٧٩.]]. (ز)
٧٦٥٢١- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا﴾: وآتُوا أزواجهنّ صَدُقاتهنّ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٠.]]. (ز)
٧٦٥٢٢- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ حتى بلغ: ﴿والله عليم حكيم﴾، قال: هذا حكمٌ حكمه الله ﷿ بين أهل الهدى وأهل الضلالة؛ كُنّ إذا فررنَ من المشركين الذين بينهم وبين نبي الله ﷺ وأصحابه عهدٌ إلى أصحاب نبي الله ﷺ فتزوجوهنّ بَعثوا مُهورهنّ إلى أزواجهنّ مِن المشركين الذين بينهم وبين نبي الله ﷺ عهد، وإذا فررنَ من أصحاب نبي الله ﷺ إلى المشركين الذين بينهم وبين نبي الله ﷺ عهد بَعثوا بمهورهنّ إلى أزواجهنّ مِن أصحاب نبي الله ﷺ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٠.]]٦٥٨٠. (ز)
٦٥٨٠ قال ابنُ القيم (٣/١٥٠): «في هذا دليلٌ على أنّ خروج البُضع مِن ملك الزوج متقوّم، وأنه متقوّم بالمُسمّى الذي هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل، وأنّ أنكحة الكفار لها حكم الصحة، لا يُحكم عليها بالبطلان، وأنه لا يجوز ردّ المسلمة المُهاجِرة إلى الكفار ولو شُرط ذلك، وأنّ المسلمة لا يحلّ لها نكاح الكافر، وأنّ المسلم له أن يتزوج المرأة المُهاجِرة إذا انقضت عِدّتها، وآتاها مهرها، وفي هذا أبين دلالة على خروج بُضعها من ملك الزوج، وانفساخ نكاحها منه بالهجرة والإسلام، وفيه دليل على تحريم نكاح المشركة على المسلم، كما حرم نكاح المسلمة على الكافر».
وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦/٢٩٢).
٧٦٥٢٣- عن بُكير بن الأشَجّ -من طريق عمرو بن الحارث- قال: كان بين رسول الله ﷺ والمشركين هُدْنة فيمن فرّ مِن النساء، فإذا فرّت المشركةُ أعطى المسلمون زوجَها نفقته عليها، وكان المسلمون يفعلون، وكان إذا لم يُعطِ هؤلاء ولا هؤلاء أخرج المسلمون للمسلم الذي ذهبت امرأته نَفقتها[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٢.]]. (ز)
٧٦٥٢٤- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق ابن إسحاق- قال: إنما أمر الله بردّ صداقهنّ إليهم إذا حُبسنَ عنهم، وإنْ هم ردّوا المسلمين على صداق مَن حَبسوا عنهم من نسائهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٢.]]. (ز)
٧٦٥٢٥- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا﴾، يقول: أعْطُوا أزواجهم الكفار ما أنفقوا عليهنّ من المهر، يعني: يُردّ المهر الذي يتزوّجها من المسلمين، فإن لم يتزوّجها أحد من المسلمين فليس لزوجها الكافر شيئًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٣-٣٠٤.]]. (ز)
٧٦٥٢٦- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا﴾: أزواجهنّ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨١.]]. (ز)
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ﴾ - تفسير
٧٦٥٢٧- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ ولا حرج عليكم ﴿أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يقول: إذا أعطيتموهن ﴿أُجُورَهُنَّ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٣-٣٠٤.]]. (ز)
٧٦٥٢٨- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: ولها زوج ثَمَّ؛ لأنه فرّق بينهما الإسلامُ إذا استُبرئت أرحامهنّ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٢.]]. (ز)
﴿وَلَا تُمۡسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ﴾ - نزول الآية
٧٦٥٢٩- عن يزيد بن الأَخْنس: أنه لما أسلم أسلم معه جميعُ أهله إلا امرأة واحدة أبتْ أن تُسلم؛ فأنزل الله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فقيل له: قد أنزل الله آيةً، فَرّق بينها وبين زوجها إلا أن تُسلم. فضرب لها أجلَ سنة، فلمّا مَضت السّنَة إلا يومًا جلستْ تنظر الشمس حتى إذا دَنتْ للغروب أسلمتْ[[أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٣/٧٧ (١٣٩٣)، من طريق بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، عن جبير بن نفير، عن يزيد بن الأخنس به.
وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين ٢/٦٨ (٩٣٣)، من طريق بقية، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن يزيد بن الأخنس به.
وسنده ضعيف؛ فيه بقية بن الوليد، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٧٣٤): «صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء».]]. (١٤/٤٢٣)
٧٦٥٣٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: أسلم عمرُ بن الخطاب، وتأخّرت امرأتُه في المشركين؛ فأنزل الله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾[[أخرجه أحمد بن منيع -كما في إتحاف الخيرة المهرة ٤/١٥٩ (٣٣٣٥)-، من طريق مندل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به.
إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة. وقال البوصيري: «هذا إسناد ضعيف؛ لضعف مندل بن علي».]]. (١٤/٤٢٣)
٧٦٥٣١- عن إبراهيم النَّخعي، في قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، قال: نَزَلَتْ في المرأة من المسلمين تَلحق بالمشركين فتَكفُر، فلا يُمسك زوجها بعِصْمتها، قد برئ منها[[أخرجه سعيد بن منصور -كما في فتح الباري ٨/٦٣٣-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤٢٣)
٧٦٥٣٢- عن يزيد بن أبي حَبيب -من طريق ابن لِهيعة- قال: أُنزل: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ في امرأة لعمر بن الخطاب تركها [...][[كذا في المطبوع، ولعله سقط في أصل المخطوط.]] يُطلّقها حتى نَزَلَتْ الآية، فطلّقها عمر[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٢/١٩ (٢٩).]]. (ز)
٧٦٥٣٣- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ ... وفيه [أي: عمر بن الخطاب] نَزَلَتْ هذه الآية وفي أصحابه، وكانت امرأة عمر بن الخطاب ﵂ بمكة، واسمها: قُرَيبة بنت أبي أُميّة، وهشام بن العاص بن وائل وامرأته هند بنت أبي جهل، وعِياض بن شدّاد الفهريّ وامرأته أُمّ الحكم بنت أبي سفيان، وشمّاس بن عثمان المخزومي وامرأته يَرْبُوع بنت عاتكة، وعمرو بن عبد عمرو وهو ذو اليدين وامرأته هند بنت عبد العُزّى، فتزوّج امرأةَ عمر بن الخطاب أبو سُفيان بن حرب[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٤.]]. (ز)
﴿وَلَا تُمۡسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ﴾ - تفسير الآية
٧٦٥٣٤- عن طلحة بن عبيد الله -من طريق ابنه موسى- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ طلّقتُ امرأتي أروى بنت ربيعة، وطلّق عمر قُرَيبة بنت أبي أُميّة، وأُمّ كلثوم بنت جَرول الخُزاعيّة[[أخرجه ابن أبي حاتم -كما في فتح الباري ٩/٤١٩-.]]. (١٤/٤٢٣)
٧٦٥٣٥- عن عُروة بن الزبير -من طريق الزُّهريّ- في قول الله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾: يعني: من غير أهل الكتاب، فطلّق عمر بن الخطاب مليكة ابنة أبي أُميّة، فتزوّجها معاوية بن أبي سُفيان، وطلّق عمر أيضًا بنت جَرول الخُزاعيّة، فتزوّجها أبو جهم بن حُذيفة، وطلّق عِياض بن غَنْم الفهريّ أُمّ الحكم بنت أبي سُفيان يومئذ، فتزوّجها عبد الله بن عثمان الثّقفيّ، فولَدت له عبد الرحمن ابن أُمّ الحكم[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٧٠/٢١٩.]]. (ز)
٧٦٥٣٦- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، قال: أمَر أصحاب النبيّ ﷺ بطلاق نسائهم الكوافر بمكة؛ قَعدنَ مع الكفار[[تفسير مجاهد ص٦٥٦، وأخرجه الفريابي -كما في التغليق ٤/٣٣٨، وفتح الباري ٨/٦٣٢-، وعبد بن حميد -كما في التغليق ٤/٣٣٨-، وابن جرير ٢٢/٥٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤١٦)
٧٦٥٣٧- عن مجاهد بن جبر -من طريق خُصَيف- ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، قال: الرجل تَلْحق امرأته بدار الحرب، فلا يَعتدّ بها مِن نسائه[[أخرجه ابن أبي شيبة ٤/٣١٢-٣١٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٢٠)
٧٦٥٣٨- عن سعيد بن جُبَير -من طريق سالم-، مثله[[أخرجه ابن أبي شيبة ٤/٣١٣.]]. (١٤/٤٢٠)
٧٦٥٣٩- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾: مشركات العرب اللاتي يأبَيْن الإسلام؛ أُمر أن يُخلّى سبيلهنّ[[الناسخ والمنسوخ لقتادة ص٤٨-٤٩، وأخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٥.]]٦٥٨١. (ز)
٦٥٨١ بَيَّنَ ابنُ عطية (٨/٢٨٤) أنّ في تأويل ﴿الكوافر﴾ في هذه الآية قولين، فقال: «قيل: الآيات في عابدات الأوثان ومَن لا يجوز نكاحها ابتداء. وقيل: هي عامة نسخ منها نساء أهل الكتاب».
وذهب ابنُ جرير (٢٢/٥٨٣) مستندًا إلى أقوال السلف، وبنحوه ابنُ تيمية (٦/٢٩٢) إلى القول الأول.
٧٦٥٤٠- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق يونس- قال: بلَغنا: أنّ الممتحنة أُنزِلَتْ في المُدّة التي مادَّ فيها رسول الله ﷺ كفار قريش، من أجل العهد الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش في المُدّة، فكان يردّ على كفار قريش ما أنفقوا على نسائهم اللاتي يُسلِمن ويُهاجرنَ وبُعولتُهنّ كفار، ولو كانوا حربًا ليست بين رسول الله ﷺ وبينهم مُدّة عهد لم يَرُدّوا إليهم شيئًا مما أنفقوا، وقد حكم الله للمؤمنين على أهل المُدّة من الكفار بمثل ذلك الحكم، قال الله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فطلّق المؤمنون حين أُنزِلَتْ هذه الآية كلّ امرأة كافرة كانت تحت رجل منهم، فطلّق عمر بن الخطاب امرأته بنت أبي أُميّة بن المُغيرة من بني مخزوم، فتزوّجها معاوية بن أبي سفيان، وبنت جَرول من خُزاعة، فتزوّجها جهم بن حُذيفة العدوي، وجعل ذلك حكمًا حكم به بين المؤمنين وبين المشركين في مُدّة العهد التي كانت بينهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٣-٥٨٤، كما أخرجه من طريق معمر بنحوه مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤١٨)
٧٦٥٤١- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق محمد بن إسحاق- قال: لما نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات﴾ إلى قوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾؛ كان ممن طلّق عمر بن الخطاب ﵁ امرأته قُرَيبة ابنة أبي أُميّة بن المُغيرة، فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سُفيان، وهما على شِركهما بمكة، وأُمّ كُلثوم ابنة جَرول الخُزاعيّة أُمّ عبيد الله بن عمر، فتزوّجها أبو جهم بن حُذافة بن غانم؛ رجل من قومه، وهما على شرِكهما، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي كانت عنده أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المُطّلب، ففرَّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسُّك بعِصَم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها، ثم تزوّجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أُميّة بن عبد شمس، وكان ممن فَرَّ إلى رسول الله ﷺ من نساء الكفار ممن لم يكن بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فحبسها وزوّجها رجلًا من المسلمين أُميمة بنت بشر الأنصارية، ثم إحدى نساء بني أُميّة بن زيد من أوس الله، كانت عند ثابت بن الدّحداحة، ففَرّت منه -وهو يومئذ كافر- إلى رسول الله ﷺ، فزَوَّجها رسولُ الله ﷺ سهلَ بن حُنَيف أحد بني عمرو بن عوف، فولَدت عبد الله بن سهل[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٤.]]. (ز)
٧٦٥٤٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ يعني: بعقد الكوافر، يقول: لا تَعتدّ بامرأتك الكافرة؛ فإنها ليست لك بامرأة. يقول: هذا الذي يتزوّج هذه المُهاجِرة، وذلك أنّ المرأة الكافرة تكون في موضع من قومها، ولها أهل كثير، فيُمسكها إرادة أن يتعزّز بأهلها وقومها من الناس ...[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٤.]]. (ز)
٧٦٥٤٣- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾: إذا كفرت المرأة فلا تُمسكوها، خلّوها، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حين كَفرت[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٥.]]٦٥٨٢. (ز)
٦٥٨٢ قال ابنُ تيمية (٦/٢٩٠): «قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ إنما يتناول النكاح، لا يتناول الوطء بمِلك اليمين».
﴿وَسۡـَٔلُوا۟ مَاۤ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡیَسۡـَٔلُوا۟ مَاۤ أَنفَقُوا۟ۚ﴾ - تفسير
٧٦٥٤٤- عن إبراهيم النَّخعي، في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآية، قال: كان قوم بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، وكانت المرأة إذا جاءتْ إلى رسول الله ﷺ امتَحنوها، ثم يَرُدُّون على زوجها ما أنفق عليها، وإن لَحقت امرأة من المسلمين بالمشركين فغَنم المسلمون ردُّوا على صاحبها ما أنفق عليها.= (ز)
٧٦٥٤٥- قال الشعبي: ما رضي المشركون بشيء مما أنزل الله ما رَضُوا بهذه الآية، وقالوا: هذا النَّصَف[[عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.]]. (١٤/٤٢٢)
٧٦٥٤٦- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿واسْأَلُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا ما أنْفَقُوا﴾، قال: ما ذهب من أزواج أصحاب محمد ﷺ إلى الكفار فليُعطهم الكفار صَدُقاتهنّ وليُمسكُوهنّ، وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب محمد ﷺ كمثل ذلك، هذا في صُلحٍ كان بين قريش وبين محمد ﷺ[[تفسير مجاهد ص٦٥٦، وأخرجه الفريابي -كما في التغليق ٤/٣٣٨، وفتح الباري ٨/٦٣٢-، وعبد بن حميد -كما في التغليق ٤/٣٣٨-، وابن جرير ٢٢/٥٨٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤١٦)
٧٦٥٤٧- عن عامر الشعبي، قال: كانت زينب امرأة ابن مسعود من الذين قالوا له: ﴿واسْأَلُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا ما أنْفَقُوا﴾[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٢٠)
٧٦٥٤٨- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿واسْأَلُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا ما أنْفَقُوا﴾، قال: كُنّ إذا فَررنَ من أصحاب النَّبِيّ ﷺ إلى الكفار الذين بينهم وبين النبيِّ ﷺ عهدٌ فتزوّجنَ؛ بعَثوا بمُهورهنّ إلى أزواجهنّ من المسلمين، وإذا فَررنَ من المشركين الذين بينهم وبين نبى الله ﷺ عهد فنَكحوهنّ؛ بعثوا بمُهورهنّ إلى أزواجهنّ من المشركين، فكان هذا بين أصحاب النبيِّ ﷺ وبين أصحاب العهد من الكفار[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي داود في ناسخه.]]. (١٤/٤١٧)
٧٦٥٤٩- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قوله: ﴿ولْيَسْأَلُوا ما أنْفَقُوا﴾، قال: هو الصّداق[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٨ بنحوه، وابن سعد ٨/٢٣١.]]. (١٤/٤١٥)
٧٦٥٥٠- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق يونس- قال: أقرّ المؤمنون بحكم الله، وأدّوا ما أُمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يُقرّوا بحكم الله فيما فُرض عليهم مِن أداء نفقات المسلمين[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٦. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤١٥)
٧٦٥٥١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿واسْأَلُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ يقول: إن ذهبت امرأة أحدكم إلى الكفار فاسألوا الذي يتزوّجها أن يَردّ مهرها على زوجها المسلم والنفقة، ﴿ولْيَسْأَلُوا ما أنْفَقُوا﴾ من المهر، يقول: إن جاءت امرأة من أهل مكة مُهاجِرة إليهم فليَردّ الذي يتزوّجها مهرها على زوجها الأول، فإن تزوّجت إحدى المرأتين اللتان جاءتا مسلمة ولَحِقت بكم ولم تتزوّج الأخرى فليَردّ الذي تزوّجها مهرها على زوجها، وليس لزوج المرأة الأخرى مهر حتى تتزوّج امرأته، فإن لم يُعط كفار مكة المهر طائعين فإذا ظهرتم عليهم فخُذوا منهم المهر وإن كرهوا، كان هذا لأهل مكة خاصة مُوادعة، فذلك قوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٤.]]. (ز)
﴿ذَ ٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ یَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ ١٠﴾ - تفسير
٧٦٥٥٢- عن عُروة بن الزبير -من طريق ابن إسحاق، عن الزُّهريّ- أنه سئل عن هذه الآية، فكتب: أنّ رسول الله ﷺ كان صالَح قريشًا يوم الحُدَيبية على أن يَرُدّ على قريش مَن جاء، فلما هاجر النساء أبى الله أن يُردَدْن إلى المشركين، إذا هنّ امتُحنّ بمحنة الإسلام، فعُرفوا أنهن إنما جئن رغبة فيه، وأمر بردّ صداقهنّ إليهم إذا حُبسن عنهم، وأنهم يَردّوا على المسلمين صداق مَن حُبسوا عنهم من نسائهم، ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ فأمسَك رسول الله ﷺ النساء ورَدَّ الرجال، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم ردَّ النساء كما ردَّ الرجال، ولولا الهُدنة والعهد أمسَك النساء ولم يردّ لهنّ صداقًا[[أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ٢/٣٢٦-٣٢٧-، وابن سعد ٨/١٢-١٣.]]. (١٤/٤١٥)
٧٦٥٥٣- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق ابن إسحاق- قال: قال الله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ فأمسَك رسول الله ﷺ النساء، وردّ الرجال، وسأل الذي أمره الله أن يسأل من صَدُقات النساء مَن حبسوا منهن، وأن يَردّوا عليهم مثل الذي يَردّون عليهم إنْ هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم ردّ رسول الله ﷺ النساء، كما ردّ الرجال، ولولا الهُدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحُدَيبية أمسَك النساء ولم يَردّ إليهم صَداقًا، وكذلك يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٧.]]. (ز)
٧٦٥٥٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يعني: بين المسلمين والكافرين في أمر النّفقة، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره حين حكم النّفقة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٤.]]. (ز)
﴿ذَ ٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ یَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ ١٠﴾ - النسخ في الآية
٧٦٥٥٥- عن عبد الملك ابن جُرَيْج: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية، قال: سألتُ عطاء [بن أبي رباح] عن هذه الآية: يُعمل بها؟ قال: لا[[عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وابن المنذر.]]. (١٤/٤٢٤)
٧٦٥٥٦- قال مقاتل بن سليمان: ... قال الله تعالى في المخاطبة: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ إلى آخر الآية، هذا مُحكمٌ لم يُنسخ، ونَسَختْ براءةُ النّفقةَ. وقال في موضع آخر: ثم نَسَخ هذا كلّه آية السيف في براءة، غير هذين الحرفين: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٤-٣٠٥.]]٦٥٨٣. (ز)
٦٥٨٣ انتقد ابنُ القيم (٣/١٥٠) القول بالنسخ في الآية؛ لعدم الدليل عليه: «ليس مع مَن ادعى نَسْخها حُجّة ألبتة؛ فإنّ الشرط الذي وقع بين النبي ﷺ وبين الكفار في ردّ مَن جاءه مسلمًا إليهم إن كان مختصًا بالرجال لم تدخل النساء فيه، وإن كان عامًّا للرجال والنساء فالله ﷾ خصّص منه ردّ النساء ونهاهم عن ردهنّ، وأمرهم بردّ مهورهنّ، وأن يَردّوا منها على مَن ارتدت امرأته إليهم من المسلمين المهر الذي أعطاها، ثم أخبر أنّ ذلك حكمه الذي يحكم به بين عباده، وأنه صادر عن عِلْمه وحِكمته، ولم يأت عنه ما ينافي هذا الحكم، ويكون بعده حتى يكون ناسخًا».
الممتحنة 60:11
﴿وَإِن فَاتَكُمۡ شَیۡءࣱ مِّنۡ أَزۡوَ ٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِینَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَ ٰجُهُم مِّثۡلَ مَاۤ أَنفَقُوا۟ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١﴾ - نزول الآية
٧٦٥٥٧- عن الحسن البصري -من طريق أشعث- في قوله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾، قال: نَزَلَتْ في أم الحكم بنت أبي سُفيان؛ ارتدّتْ، فتزوّجها رجل ثَقفي، ولم ترتد امرأة مِن قريش غيرها، فأسلمتْ مع ثقيف حين أسلموا[[أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الفتح ٥/٣٥٢-.]]. (١٤/٤٢٤)
٧٦٥٥٨- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قال: نزلت هذه الآيةُ وهم بالحُدَيبية لما جاء النساء، أمره أن يَردّ الصّداق إلى أزواجهنّ، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يَردّوا الصّداق إلى زوجها، فأمّا المؤمنون فأقرّوا بحكم الله، وأما المشركون فأبَوا أن يُقرّوا؛ فأنزل الله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ﴾ إلى قوله: ﴿مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ فأمر المؤمنين إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج من المسلمين أن يَردّ إليه المسلمون صداق امرأته كما أُمروا أنَ يَردّوا على المشركين[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٨، وابن جرير ٢٢/٥٩٠-٥٩١، وبنحوه من طريق يونس. وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وابن المنذر.]]. (١٤/٤٢١)
﴿وَإِن فَاتَكُمۡ شَیۡءࣱ مِّنۡ أَزۡوَ ٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ﴾ - تفسير
٧٦٥٥٩- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ﴾: الذين ليس بينكم وبينهم عهد[[تفسير مجاهد ص٦٥٦، وأخرجه الفريابي -كما في التغليق ٤/٣٣٨، وفتح الباري ٨/٦٣٢-، وعبد بن حميد -كما في التغليق ٤/٣٣٨-، وابن جرير ٢٢/٥٩١. كذلك أخرجه من طريق حبيب بن أبي ثابت.]]. (١٤/٤١٦)
٧٦٥٦٠- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾، قال: إذا فَررنَ مِن أصحاب النبي ﷺ إلى كفار ليس بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي داود في ناسخه.]]. (١٤/٤١٧)
٧٦٥٦١- عن محمد ابن شهاب الزُّهريّ -من طريق يونس- قال: كفار قريش الذي كانوا أهل هُدنة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٨٩.]]. (ز)
٧٦٥٦٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ﴾ يعني أحد من أزواجكم إلى الكفار، يعني إن لَحِقت امرأة مؤمنة إلى الكفار، يعني كفار الحرب الذين ليس بينكم وبينهم عهد وزوجها مسلم[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٥-٣٠٦.]]. (ز)
﴿فَعَاقَبۡتُمۡ﴾ - تفسير
٧٦٥٦٣- عن مَسروق بن الأَجْدع الهَمداني -من طريق مسلم- أنه قرأها: ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾، وفسّرها: فغَنِمتم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٢.]]. (١٤/٤٢٠)
٧٦٥٦٤- عن إبراهيم النَّخْعي -من طريق مُغيرة- في قوله: ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾، قال: غَنمتم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٢.]]. (ز)
٧٦٥٦٥- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح-: أنهم كانوا أُمروا أن يَردّوا عليهم من الغنيمة. قال: وكان مجاهد يقول: ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾، يقول: فغَنِمتم[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٨، وابن جرير ٢٢/٥٩١.]]. (ز)
٧٦٥٦٦- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾، يقول: فإنْ غَنِمتم، وأعقبكم الله مالًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٥-٣٠٦.]]٦٥٨٤. (ز)
٦٥٨٤ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٥): «المعاقبة في هذه الآية ليست بمعنى: مجازاة السوء بالسوء، ولكنها بمعنى: فصرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم، وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجكم، وهكذا هو التعقيب على الحمل والدواب؛ أن يركب هذا عُقْبة ويركب هذا عُقْبة».
﴿فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِینَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَ ٰجُهُم مِّثۡلَ مَاۤ أَنفَقُوا۟ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١﴾ - تفسير
٧٦٥٦٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- قوله: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾: يعني: إن لَحِقت امرأةُ رجلٍ من المهاجرين بالكفار أمر له رسولُ الله ﷺ أن يُعطى مِن الغنيمة مثل ما أنفق[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩١. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤١٧)
٧٦٥٦٨- عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لَحِق بالمشركين من نساء المؤمنين والمهاجرين ستُّ نسوة: أُمّ الحكم بنت أبي سُفيان وكانت تحت عِياض بن شدّاد الفهريّ، وفاطمة بنت أبي أُميّة بن المُغيرة أُخت أُمّ سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما أراد عمر أن يُهاجر أبَتْ وارتدتْ، وبَرْوَعُ بنت عُقبة كانت تحت شمّاس بن عثمان، وعزة بنت عبد العُزّى بن نَضلة وزوجها عمرو بن عبد ود، وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأُمّ كُلثوم بنت جَرول كانت تحت عمر بن الخطاب، فكلّهن رَجعنَ عن الإسلام، فأَعطى رسول الله ﷺ أزواجهنّ مهور نسائهم من الغنيمة[[تفسير البغوي ٨/٩٩-١٠٠. وينظر: تفسير الثعلبي (ط: دار التفسير) ٢٦/٣١٧.]]. (ز)
٧٦٥٦٩- عن مَسروق بن الأَجْدع الهَمداني -من طريق مسلم- قال: إذا ذهبت المرأةُ إلى المشركين أعْطوا زوجَها مثلَ مهرها، وإذا ذهبت إلى قوم ليس بينهما وبينهم عهد من المشركين ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ فأصبتم غنيمة ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ يقول: آتُوا زوجها من الغنيمة مثل مهرها[[أخرجه ابن أبي شيبة ٤/٣٦٣.]]. (١٤/٤٢٠)
٧٦٥٧٠- عن مجاهد بن جبر -من طريق خُصَيف-، مثله أو نحوه[[أخرجه ابن أبي شيبة ٤/٣٦٣، ونحوه عند ابن جرير ٢٢/٥٩٢ من طريق حبيب بن أبي ثابت.]]. (ز)
٧٦٥٧١- عن عُروة بن الزّبير -من طريق الزُّهريّ- في قول الله: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ قال: إن فات أحد منهم أهله إلى الكفار، فإنْ أتتْكم امرأة منهنّ فأصبتم غنيمة أو فيئًا فعوضوهم مما أصبتم صَداق المرأة التي أتتْكم، فأمّا المؤمنون فأقَرُّوا بحكم الله، وأبى المشركون أنْ يُقرُّوا بذلك، وإن ما فات للمشركين على المسلمين من صداق مَن هاجر من أزواج المشركين، ﴿فآتوا الذين ذهبت أزواجهم﴾ من مال المشركين في أيديكم، ولسنا نعلم امرأة من المسلمين فاتتْ زوجها بلُحوق المشركين بعد إيمانها، ولكنه حُكْم الله حَكم الله به لأمرٍ إن كان، والله عليم حكيم[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٧٠/٢١٩.]]. (ز)
٧٦٥٧٢- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ﴾ الذين ليس بينكم وبينهم عهد ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أصبتم مغنمًا من قريش أو غيرهم ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ صَدُقاتهنّ عِوضًا[[تفسير مجاهد ص٦٥٦، وأخرجه الفريابي -كما في التغليق ٤/٣٣٨، وفتح الباري ٨/٦٣٢-، وابن جرير ٢٢/٥٨٩، ٥٩٢، وبنحوه من طريق حبيب، وعبد بن حميد -كما في التغليق ٤/٣٣٨-، وابن جرير ٢٢/٥٩١-٥٩٢.]]. (١٤/٤١٦)
٧٦٥٧٣- عن مجاهد بن جبر: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ إن امرأة من أهل مكة أتت المسلمين فعوِّضوا زوجها، وإن امرأة من المسلمين أتت المشركين فعوِّضوا زوجها، وإن امرأة من المسلمين ذهبتْ إلى مَن ليس له عهد من المشركين ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ فأصبتم غنيمة؛ فعوِّضوا زوجها مثل ما أنفق[[أخرجه ابن أبي شيبة ٤/٣٦٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٢٠)
٧٦٥٧٤- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ﴾: كُنّ إذا فَررنَ من أصحاب النبي ﷺ إلى الكفار ليس بينهم وبين نبي الله عهد، فأصاب أصحاب رسول الله ﷺ غنيمة؛ أُعطي زوجها ما ساق إليها من جميع الغنيمة، ثم يَقتسمون غنيمتهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٢. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٧٩-.]]. (ز)
٧٦٥٧٥- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قال: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ﴾ الآية، قال: فأمر الله المؤمنين أن يَرُدّوا الصداق إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج أن يَردّ إليه المسلمون صداق امرأته مِن صداقٍ إن كان في أيديهم مما أُمروا أن يَردّوا إلى المشركين[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٨، وابن سعد ٨/٢٣١، وابن جرير ٢٢/٥٩٠.]]. (١٤/٤١٥)
٧٦٥٧٦- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ، قال: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فإذا ذهبت -بعد هذه الآية- امرأةٌ مِن أزواج المؤمنين إلى المشركين ردّ المؤمنون إلى زوجها النّفقة التي أنفق عليها من العَقِبِ[[العقب: ما أصابوه في القتال بالعقوبة حتى غنم. اللسان (عقب).]] الذي بأيديهم، الذي أُمروا أن يَردّوه إلى المشركين مِن نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهنّ اللاتي آمَنَّ وهاجرْنَ، ثم ردُّوا إلى المشركين فضلًا إن كان لهم[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وأخرج ابن جرير ٢٢/٥٩٠ نحوه من طريق يونس.]]. (١٤/٤١٨)
٧٦٥٧٧- عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق ابن إسحاق- أنه سأله عن هذه الآية، وقول الله فيها: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ﴾ الآية. قال: يقول: إن فات أحدًا منكم أهلُه إلى الكفار، ولم تأتكم امرأةٌ تأخذون لها مثل الذي يأخذون منكم؛ فعوِّضوه مِن فَيْءٍ إن أصبتموه[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٣.]]. (ز)
٧٦٥٧٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَآتُوا﴾ أعْطوا ﴿الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ يعني: المهر، ما أصبتم من الغنيمة قبل أن تُخمّس الخُمس، ثم يُرفع الخُمس، ثم تُقسم الغنيمة بعد الخُمس بين المسلمين، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تعصوه فيما أمركم به ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾ يعني: بالله مُصدّقين[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٥-٣٠٦.]]. (ز)
٧٦٥٧٩- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾، قال: خَرجت امرأة من أهل الإسلام إلى المشركين، ولم يخرج غيرها. قال: فأتت امرأة من المشركين، فقال القوم: هذه عُقْبَتُكم قد أتتْكم. فقال الله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ أمسكْتم الذي جاءكم منهم من أجل الذي لكم عندهم، ﴿فآتُوا الذين ذهبتْ أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ ثم أخبرهم الله أنه لا جُناح عليهم إذا فعلوا الذي فعلوا أن يَنكحوهنّ إذا استُبرئ رَحِمها، قال: فدعا رسول الله ﷺ الذي ذهبت امرأته إلى الكفار، فقال لهذه التي أتتْ من عند المشركين: «هذا زوج التي ذهبت، أزوّجكه؟». فقالت: يا رسول الله، عذَر اللهُ زوجةَ هذا أن تَفرّ منه، لا، واللهِ، ما لي به حاجة. فدعا البَخْتَريَّ رجلًا جسيمًا، قال: «هذا؟». قالت: نعم. وهي ممن جاء من مكة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٣.]]٦٥٨٥. (ز)
٦٥٨٥ اختُلِف في المال الذي أُمِرَ أن يُعْطى منه الذي ذهبت زوجته إلى المشركين، على ثلاثة أقوال: الأول: يُعطى مِن صداق مَن أسلمن منهنّ عن زوج كافر. وهو قول الزُّهريّ. والثاني: يُعطى من أموال غنائمهم لاستحقاقها عليهم. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثالث: يُعطى مِن أي وجوه الفيء أمكن. وهو قول ثانٍ للزهري ذكره ابن عطية (٨/٢٨٥).
وعلَّقَ ابن عطية (٨/٢٨٥) على القول الأول بقوله: «هذا قول صحيح، يقتضيه قوله تعالى: ﴿فعاقبتم﴾». وعلَّقَ على القول الثاني بقوله (٨/٢٨٥): «قال هؤلاء: المعاقبة: هي الغزو والمغنم. وتأوَّلوا اللفظة بهذا المعنى».
وذهَبَ ابنُ جرير (٢٢/٥٩٣) إلى جواز كلِّ تلك الأقوال استنادًا إلى العموم، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: أمر الله ﷿ في هذه الآية المؤمنين أن يُعْطُوا مَن فرَّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر -إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عقبى: إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم- مثلَ الذي أنفقوا على الفارَّة منهم إليهم، ولم يَخْصُص إيتاءهم ذلك مِن مالٍ دون مالٍ، فعليهم أن يُعطوهم ذلك مِن كلِّ الأموال التي ذكرناها».
وعَلق ابنُ كثير (١٣/٥٢٥) على القولين الأول والثاني، فقال: «هذا لا ينافي الأول؛ لأنه إنْ أمكن الأول فهو أولى، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع وهو اختيار ابن جرير».
﴿فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِینَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَ ٰجُهُم مِّثۡلَ مَاۤ أَنفَقُوا۟ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١﴾ - النسخ في الآية
٧٦٥٨٠- عن عبد الملك ابن جُرَيْج، قال: قلت لعطاء [بن أبي رباح]: أرأيتَ لو أنّ امرأة اليوم مِن أهل الشرك جاءتْ إلى المسلمين وأسلمت، أيُعاض زوجها منها؟ لقول الله في الممتحنة: ﴿مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾. قال: لا، إنما كان ذلك بين النبي ﷺ وبين أهل العهد، بينه وبينهم[[أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٧/١٨٥ (١٢٧٠٧).]]. (ز)
٧٦٥٨١- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ يقول: إلى كفار قريش، ليس بينهم وبين أصحاب النبيِّ ﷺ عهد يأخذونهم به ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ وهي الغنيمة إذا غَنموا بعد ذلك، ثم نُسخ هذا الحكم وهذا العهد في براءة، فنُبذ إلى كلّ ذي عهدٍ عهده[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي داود في ناسخه.]]. (١٤/٤١٧)
٧٦٥٨٢- قال مقاتل بن سليمان: ... وكلّ هؤلاء الآيات نَسخَتْها في براءةَ آيةُ السيف[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٦.]]. (ز)
٧٦٥٨٣- عن سفيان الثوري -من طريق عبد الرزاق- في قوله: ﴿مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾، قال: كان بين النبي ﷺ وبين أهل مكة، ولا يُعمَل به اليوم[[أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٧/١٨٥ (١٢٧١٠).]]٦٥٨٦. (ز)
٦٥٨٦ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٣): «هذه الآية كلها قد ارتفع حكمها، ثم ندب تعالى إلى التقوى وأوجبها، وذكر العلة التي بها يجب التقوى، وهي الإيمان بالله والتصديق بوحدانيته وصفاته وعقابه وإنعامه».
الممتحنة 60:12
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِذَا جَاۤءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ یُبَایِعۡنَكَ عَلَىٰۤ أَن لَّا یُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَسۡرِقۡنَ وَلَا یَزۡنِینَ وَلَا یَقۡتُلۡنَ أَوۡلَـٰدَهُنَّ وَلَا یَأۡتِینَ بِبُهۡتَـٰنࣲ یَفۡتَرِینَهُۥ بَیۡنَ أَیۡدِیهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا یَعۡصِینَكَ فِی مَعۡرُوفࣲ فَبَایِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ١٢﴾ - نزول الآية
٧٦٥٨٤- عن جابر بن عبد الله، في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾، قال: كيف نَمتحنهنّ؟ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شيئًا﴾ الآية[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٣٤)
٧٦٥٨٥- عن مقاتل [بن حيّان]، قال: أُنزِلَتْ هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله ﷺ الرجال على الصفا، وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله ﷺ[[أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/١٢٥-.]]. (١٤/٤٢٧)
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِذَا جَاۤءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ یُبَایِعۡنَكَ عَلَىٰۤ أَن لَّا یُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَسۡرِقۡنَ وَلَا یَزۡنِینَ وَلَا یَقۡتُلۡنَ أَوۡلَـٰدَهُنَّ﴾ - تفسير
٧٦٥٨٦- عن عبادة بن الصامت، قال: كُنّا عند النبيِّ ﷺ، فقال: «بايِعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تَسرقوا، ولا تَزنوا» وقرأ آية النساء[[قال الحافظ في فتح الباري ٨/٦٤٠: «قوله: وقرأ آية النساء: أي آية بيعة النساء، وهي: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية».]]، «فمَن وفّى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعُوقب في الدنيا فهو كفّارة له، ومَن أصاب مِن ذلك شيئًا فسَتره الله فهو إلى الله؛ إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له»[[أخرجه البخاري ١/١٢-١٣ (١٨)، ٥/٥٥ (٣٨٩٢، ٣٨٩٣)، ٦/١٥٠ (٤٨٩٤)، ٨/١٥٩ (٦٧٨٤)، ٨/١٦٢ (٦٨٠١)، ٩/٤ (٦٨٧٣)، ٩/٧٩-٨٠ (٧٢١٣)، ٩/١٣٨ (٧٤٦٨)، ومسلم ٣/١٣٣٣ (١٧٠٩).]]. (١٤/٤٢٦)
٧٦٥٨٧- عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ كان يمتحن مَن هاجر إليه مِن المؤمنات بهذه الآية: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فمَن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: «قد بايعتُكِ». كلامًا، ولا، واللهِ، ما مسّت يدُه يدَ امرأة قطّ في المبايعة، ما بايَعهنّ إلا بقوله: «قد بايعتُكِ على ذلك»[[أخرجه البخاري ٣/١٨٨ (٢٧١٣)، ٦/١٥٠ (٤٨٩١)، ٧/٤٩ (٥٢٨٨)، ٩/٨٠ (٧٢١٤)، ومسلم ٣/١٤٨٩ (١٨٦٦)، وعبد الرزاق ٣/٣٠٣ (٣٢٠١)، وابن جرير ٢٢/٥٧٦، والثعلبي ٩/٢٩٧-٢٩٨.]]. (١٤/٤٢٤)
٧٦٥٨٨- عن عُروة، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت عُتبة بن ربيعة إلى رسول الله ﷺ لتُبايعه، فأخذ عليهن الآية: ﴿أن لا يشركن بالله شيئًا﴾، فلمّا ذكر الزنا وضعتْ يدها على رأسها حياءً، فأَعجب رسولَ الله ﷺ ذلك مِن أمرها. قالت عائشة: قولي ذلك، فما بايعنا رسول الله ﷺ إلا على ذلك، قالت: فنعم إذًا[[أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده ٢/٣٥٩.]]. (ز)
٧٦٥٨٩- عن عبد الله بن عباس: أنّ رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب، فقال: «قل لهنّ: إنّ رسول الله ﷺ يُبايعكُنّ على أن لا تُشركن بالله شيئًا». وكانت هند متنكّرة في النساء، فقال لعمر: «قل لهنّ: ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾». قالتْ هند: واللهِ، إني لَأصيب من مال أبي سُفيان الهَنَةَ[[الهَنُ والهَنُّ -بالتخفيف والتشديد-: كناية عن الشيء لا تذكره باسمه. النهاية (هنن).]]. فقال: «﴿ولا يَزْنِينَ﴾». فقالتْ: وهل تزني الحُرّة؟! فقال: «﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾». قالتْ هند: أنتَ قتلتَهم يوم بدر. قال: «﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾». قال: مَنعهنّ أن يَنُحنَ. وكان أهل الجاهلية يُمزّقنَ الثياب، ويَخدِشنَ الوجوه، ويُقَطّعن الشعور، ويدعون بالويْل والثُّبور[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٦، من طريق العَوفيّين، عن ابن عباس به.
إسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.]]٦٥٨٧. (١٤/٤٢٨)
٦٥٨٧ قال ابنُ كثير (١٣/٥٣٠): «هذا أثر غريب، وفي بعضه نكارة، والله أعلم؛ فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله يخيفهما، بل أظهرا الصفاء والودّ لهما، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما».
٧٦٥٩٠- عن عبد الله بن عباس، قال: شهدتُ الصلاة يوم الفطر مع الرسول ﷺ، فنزل، فأقبلَ حتى أتى النساء، فقال: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شيئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ﴾ حتى فرغ من الآية كلّها، ثم قال حين فرغ: «آنتُنَّ على ذلك؟». قالت امرأة: نعم[[أخرجه البخاري ٢/٢٢ (٩٧٩)، ٦/١٥٠-١٥١ (٤٨٩٥)، ومسلم ٢/٦٠٢ (٨٨٤).]]. (١٤/٤٢٦)
٧٦٥٩١- عن عائشة بنت قُدامة بن مظعون، قالت: كنتُ مع أُمّي رائِطة بنت سُفيان، والنبي ﷺ يبايع النسوة، ويقول: «أُبايعكُنّ على أن لا تُشركنَ بالله شيئًا، ولا تَسرقنَ، ولا تَزنينَ، ولا تَقتُلنَ أولادكنّ، ولا تَأتينَ ببُهتان تَفترينه بين أيديكنّ وأرجلكنّ، ولا تَعصينَ في معروف». فأَطرقنَ. قالت: وأنا أسمع كما تسمع أُمّي، وأُمّي تُلقّنني، تقول: أي بُنيّة، قولي: نعم، فيما استطعتِ. فكنتُ أقول كما يقُلنَ[[أخرجه أحمد ٤٤/٦١٨ (٢٧٠٦٢)، والطبراني في الكبير ٢٤/٢٦١ (٦٦٣)، من طريق عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، عن أبيه، عن أمه عائشة بنت قدامة به.
قال الهيثمي في المجمع ٦/٣٨ (٩٨٦٥): «فيه عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم، وهو ضعيف». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ١/٩٣ (٥١): «قلت: عائشة بنت قدامة بن مظعون القرشية الجمحية المدنية ذكرها ابن حبان في الصحابة، وقال: رأت النبي ﷺ يُقبّل عمها عثمان بن مظعون وهو ميت، فإن صحَّ ذلك فلها صُحبة، وإن لم يصح فسنذكرها في التابعين، ثم ذكرها في التابعين، انتهى. ومع ذلك فالإسناد إليها فيه جهالة».]]. (١٤/٤٣٣)
٧٦٥٩٢- عن الشعبي، قال: كان رسول الله ﷺ يُبايع النساء، ووضع على يده ثوبًا، فلما كان بعد كان يَخْبُرُ[[خَبَرْتُ الأمر أخْبُرُه: إذا عرفته على حقيقته. النهاية (خبر).]] النساء، فيَقرأ عليهنّ هذه الآية: ﴿يا أيها النَّبِيّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن﴾، فإذا أقررنَ قال: «قد بايعتكنّ». حتى جاءت هند امرأة أبي سُفيان، فلما قال: «ولا تَزنينَ». قالت: أوَتزني الحُرّة؟! لقد كُنّا نستحي من ذلك في الجاهلية، فكيف بالإسلام؟! فقال: «ولا تَقتُلنَ أولادكنّ». قالت: أنتَ قتلتَ آباءهم وتُوصينا بأولادهم! فضحك رسول الله ﷺ، فقال: «ولا تَسرقنَ». فقالت: يا رسول الله، إني أصيب من مال أبي سُفيان. فرخّص لها[[أخرجه ابن سعد ٨/٥، ٩ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور.]]. (١٤/٤٢٨)
٧٦٥٩٣- قال مقاتل بن سليمان: لَمّا فرغ النبيُّ ﷺ مِن بيعة الرجال وهو جالس على الصفا، وعمر بن الخطاب ﵁ أسفل منه، فقال النبي ﷺ: «أُبايعكُنّ على أن لا تُشركنَ بالله شيئًا». وكانت هند بنت عُتبة امرأة أبي سُفيان منتقبة مع النساء، فَرفعتْ رأسها، فقالت: واللهِ، إنك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيتُكَ أخذْتَه على الرجال، فقد أعطيناكه. فقال النبي ﷺ: ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾. فقالت: واللهِ، إني لَأصيب من مال أبي سُفيان هَنات، فما أدري أتُحِلُّهُنَّ لي أم لا؟ فقال أبو سُفيان: نعم، ما أصبتِ مِن شيء فيما مضى وفيما غير فهو لكِ حلال. فقال النبي ﷺ: «وإنكِ لَهند بنت عُتبة». فقالت: نعم، فاعفُ عما سلف عفا الله عنك. ثم قال: ﴿ولا يَزْنِينَ﴾. قالت: وهل تزني الحُرّة؟! ثم قال: ﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾. فقالت: ربّيناهم صغارًا وقتلتموهم كبارًا، فأنتم وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى، ويقال: إنّ النبي ﷺ ضحك من قولها، ثم قال: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ﴾ ... قالت: واللهِ، إنّ البُهتان لَقبيح، ولبعض التجاوز أمثل، وما تأمر إلا بالرّشد ومكارم الأخلاق[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٦.]]٦٥٨٨. (ز)
٦٥٨٨ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٧-٢٨٨): «اختَلفت هيئات مبايعة رسول الله ﷺ النساء بعد الإجماع على أنه لم تمسّ يده يد امرأة أجنبية، فيُروى عن عائشة وغيرها أنه بايع باللسان قولًا، وقال: «إنما قَوْلي لمائة امرأة كقَوْلي لامرأة واحدة». وقالت أسماء بنت يزيد: كنتُ في النسوة المُبايعات فقلت: يا رسول الله، ابسُط يدك نبايعك. فقال لي ﷺ: «إني لا أصافح النساء، لكن آخذ عليهنّ ما أخذ الله عليهنّ»». ثم نقل أنّ النّقاش ذكر حديثًا أنّ النبي ﷺ مدّ يده مِن خارج بيتٍ، ومدّ نساء من الأنصار أيديهنّ من داخله، فبايعهنّ، ثم علَّق بقوله: «وما قدمتُه أثْبت».
﴿وَلَا یَأۡتِینَ بِبُهۡتَـٰنࣲ یَفۡتَرِینَهُۥ﴾ - تفسير
٧٦٥٩٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾، قال: كانت الحُرّة يُولد لها الجارية، فتجعل مكانها غلامًا[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤٣٠)
٧٦٥٩٥- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾، قال: لا يُلحِقن بأزواجهنّ غير أولادهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٤-٥٩٥، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/٤٧-.]]. (١٤/٤٣٠)
٧٦٥٩٦- قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ﴾، والبهتان: أن تقذف المرأة ولدًا من غير زوجها على زوجها، فتقول لزوجها: هو منك. وليس منه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٦.]]٦٥٨٩. (ز)
٦٥٨٩ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٦-٢٨٧): «الإتيان بالبهتان؛ قال أكثر المفسرين معناه: أن تنسب إلى زوجها ولدًا ليس هو له. واللفظ أعمُّ من هذا التخصيص؛ فإنّ الفِرية بالقول على أحد من الناس بعظيمة لَمِن هذا، وإنّ الكذب فيما ائتمنّ عليه من الحمل والحيض لَفرية بُهتان، وبعضٌ أقوى من بعض، وذلك أن بعض الناس قال: ﴿بين أيديهن﴾ يراد به اللسان في الكلام، والفم في القُبلة ونحوها، و(بين الأرجل) يراد به الفروج، وولد الإلحاق ونحوه».
﴿وَلَا یَعۡصِینَكَ فِی مَعۡرُوفࣲ فَبَایِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ١٢﴾ - تفسير
٧٦٥٩٧- عن أُمّ سَلمة، عن النبي ﷺ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: «النَّوْحُ»[[أخرجه أحمد ٤٤/٣١٠ (٢٦٧٢٠)، وابن ماجه ٢/٥١٧ (١٥٧٩)، وابن جرير ٢٢/٥٩٩، من طريق شهر بن حَوْشَب، عن أم سلمة به.
قال الهيثمي في المجمع ٧/١٢٤ (١١٤١٤): «فيه شهر بن حَوْشَب، وثقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات». وقال السندي في حاشيته على سنن ابن ماجه ١/٤٧٩: «في إسناده يزيد بن عبد الله، وهو مختلَف فيه».]]. (ز)
٧٦٥٩٨- عن أُمّ عطية -من طريق حفصة- قالت: لما نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شيئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قالت: كان منه النّياحة، فقلتُ: يا رسول الله، إلا آل فلان؛ فإنهم كانوا قد أسعدوني في الجاهلية، فلابد لي من أنْ أُسعِدهم. قال: «إلا آل فلان»[[أخرجه مسلم ٢/٦٤٦ (٩٣٧).]]. (١٤/٤٣٤)
٧٦٥٩٩- عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أُمّ عطية، قالت: لَمّا قدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ جمع نساء الأنصار في بيت، فأرسَل إليهنّ عمر بن الخطاب، فقام على الباب، فسَلّم، فقال: أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكنَّ، تُبايعنَ على أن لا تُشركنَ بالله شيئًا، ولا تَسرقنَ، ولا تَزنينَ؟ الآية. قلنا: نعم. فمدّ يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت. قال إسماعيل: فسألتُ جدّتي عن قوله تعالى: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قالت: نهانا عن النّياحة[[أخرجه أحمد ٣٤/٣٩٤ (٢٠٧٩٧)، ٤٥/٢٨٨-٢٨٩ (٢٧٣٠٩)، وأبو داود ٢/٣٤٨ (١١٣٩) مختصرًا، وابن خزيمة ٣/٢٠٧ (١٧٢٢)، وابن حبان ٧/٣١٣-٣١٤ (٣٠٤١)، وابن جرير ٢٢/٦٠١، من طريق إسحاق بن عثمان الكلابي، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية الأنصاري، عن جدته أم عطية به.
قال الهيثمي في المجمع ٦/٣٨ (٩٨٦٤): «رجاله ثقات». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ١/٩٤-٩٥ (٥٣): «إسناد فيه مقال». وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢/١٣-١٤ (٢٠٩): «إسناده ضعيف».]]. (١٤/٤٢٧)
٧٦٦٠٠- عن أُمّ عطية -من طريق حفصة- قالت: بايعنا النبيّ ﷺ، فقرأ علينا: ﴿أن لا يشركن بالله شيئا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ منا يدها، فقالت: فلانة أسعدتني[[هو من إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة. النهاية (سعد).]]، وأنا أريد أن أجزيها. فلم يقل شيئًا، فذهبت، ثم رجعت، فما وفَّت امرأة إلا أم سُليم، وأم العلاء، وابنة أبي سَبْرة امرأة معاذ، أو ابنة أبي سَبْرة وامرأة معاذ[[أخرجه البخاري ٢/٨٤ (١٣٠٦)، ٦/١٥٠ (٤٨٩٢)، ٩/٨٠ (٧٢١٥)، ومسلم ٢/٦٤٥ (٩٣٦).]]. (١٤/٤٣٥)
٧٦٦٠١- عن سلمى بنت قيس، قالت: جئتُ رسول الله ﷺ أُبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شَرط علينا أن لا نُشرك بالله شيئًا، ولا نَسرق، ولا نَزني، ولا نَقتل أولادنا، ولا نَأتي ببُهتان نَفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نَعصيه في معروف؛ قال: «ولا تَغْشُشن أزواجكنّ». فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلتُ لامرأة: ارجعي، فاسأليه ما غشُّ أزواجنا؟ فسألتْه، فقال: «تأخذ ماله فتُحابِي به غيرَه»[[أخرجه أحمد ٤٥/١٠٣-١٠٤ (٢٧١٣٣)، من طريق ابن إسحاق، عن سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم، عن أمه، عن سلمى بنت قيس به.
وأخرجه أيضًا ٤٥/٣٧٤ (٢٧٣٧٥)، من طريق محمد بن إسحاق، عن رجل من الأنصار، عن أمه سلمى بنت قيس به.
قال الهيثمي في المجمع ٤/٣١٢ (٧٦٥٩): «فيه رجل لم يُسمّ، وابن إسحاق، وهو مدلس».]]. (١٤/٤٢٥)
٧٦٦٠٢- عن أُميمة بنت رُقَيقة، قالت: أتيتُ النبيَّ ﷺ في نساء لنُبايعه، فأَخذ علينا ما في القرآن؛ أن لا نشرك بالله شيئًا، حتى بلغ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، فقال: «فيما استطعتُنّ وأطقتُنّ». قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، يا رسول الله، ألا تُصافِحنا؟ قال: «إني لا أصافح النساء، إنما قَوْلي لمائة امرأة كقَوْلي لامرأة واحدة»[[أخرجه أحمد ٤٤/٥٥٦-٥٦٠ (٢٧٠٠٦-٢٧٠١٠)، وابن ماجه ٤/١٢٨ (٢٨٧٤)، والترمذي ٣/٤١٧-٤١٨ (١٦٨٧)، والنسائي ٧/١٤٩ (٤١٨١)، ٧/١٥٢ (٤١٩٠)، وابن حبان ١٠/٤١٧ (٤٥٥٣)، والحاكم ٤/٨٠ (٦٩٤٦)، ٤/٨١ (٦٩٤٨)، وابن جرير ٢٢/٥٩٧، ٥٩٨، ٥٩٩، ٦٠٠، والثعلبي ٩/٢٩٧، من حديث أميمة بنت رقيقة به.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال ابن كثير في تفسيره ٨/٩٦ عن رواية أحمد: «إسناد صحيح». وأورده الألباني في الصحيحة ٢/٦٣ (٥٢٩).]]. (١٤/٤٢٥)
٧٦٦٠٣- عن أُمّ سَلمة الأنصارية، قالت: قالت امرأة مِن النسوة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نَعصيك فيه؟ قال: «لا تنُحْن». قلت: يا رسول الله، إنّ بني فلان أسعَدوني على عمي، ولابد لي مِن قَضائهنّ. فأبى عليّ، فعاودته مرارًا، فأذِن لي في قضائهنّ، فلم أنُحْ بعد، ولم يبق منّا امرأةٌ إلا وقد ناحتْ غيري[[أخرجه الترمذي ٥/٤٩٩-٥٠٠ (٣٥٩٣)، من طريق شهر بن حَوْشَب، عن أم سلمة الأنصارية به.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».]]. (١٤/٤٣٠)
٧٦٦٠٤- عن أبي المَلِيح الهُذلي، قال: جاءت امرأةٌ من الأنصار تُبايع النبيَّ ﷺ، فاشترطَ عليها أن لا تُشرك بالله شيئًا، ولا تَسرق، ولا تَزني، فأقرّتْ، فلما قال: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: «أن لا تَنُوحي». فقالت: يا رسول الله، إنّ فلانة أسعَدتني، أفأُسعِدها ثم لا أعود؟ فلم يرخّص لها[[أخرجه ابن منيع -كما في المطالب (٤١٤٧)-، وابن سعد ٨/٨. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن مردويه.
وقال: «مرسل حسن الإسناد».]]. (١٤/٤٣١)
٧٦٦٠٥- عن مُصعب بن نوح الأنصاري، قال: أدركتُ عجوزًا لنا كانت فيمن بايع النبيَّ ﷺ، قالت: أخذ علينا فيما أخذ: «أن لا تَنُحنَ». وقال: «هو المعروف الذي قال الله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾». فقلتُ: يا نبي الله، إنّ أناسًا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، وأنا أريد أنْ أُسعِدهم. قال: «فانطلِقي فكافِئيهم». ثم إنها أتتْ، فبايعَتْه[[أخرجه ابن سعد ٨/٨، وأحمد ٢٧/٨٨ (١٦٥٥). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.
وقال محققو المسند: «حديث صحيح».]]. (١٤/٤٣١)
٧٦٦٠٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: لا ينُحْن[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٥، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/٤٧-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٤٣٠)
٧٦٦٠٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء[[أخرجه البخاري (٤٨٩٣). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٣٠)
٧٦٦٠٨- عن عبد الله بن عمر -من طريق أبي صخر- في قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: لا يَشْقُقن جُيوبهنّ، ولا يَصكُكن خُدودهنّ[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ١/٥١ (١١٠). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٤/٤٣٢)
٧٦٦٠٩- عن جابر بن عبد الله، في قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: اشترط عليهن أن لا يَنُحنَ[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٣٥)
٧٦٦١٠- عن أبي العالية الرِّياحيّ -من طريق الربيع- ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: النَّوح. قال: في كلّ شيء وافق لله طاعة، فلم يرض لنبيّه أن يُطاع في معصية الله[[أخرجه ابن أبي شيبة ٣/٣٩٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٣٢)
٧٦٦١١- عن سالم بن أبي الجَعد -من طريق منصور- ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: هو النَّوْح، فنهاهنَّ رسول الله ﷺ عن النَّوْح[[أخرجه آدم ابن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٦٥٧-، وابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٧/٤٩٣-٤٩٤ (١٢٢٣٢)، وابن جرير ٢٢/٥٩٥.]]. (ز)
٧٦٦١٢- قال مجاهد بن جبر: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ لا تخلو المرأة بالرجال[[تفسير الثعلبي ٩/٢٩٨، وتفسير البغوي ٨/١٠١.]]. (ز)
٧٦٦١٣- عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- في قوله ﷿: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾، قال: لا يَنُحْنَ[[أخرجه سعيد بن منصور في سننه -التفسير ٨/٨١ (٢٢١٥).]]. (ز)
٧٦٦١٤- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: والمعروف: ما اشتَرط عليهنّ في البيعة أن يتَّبعنَ أمره[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٠.]]. (ز)
٧٦٦١٥- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم، قال: كان فيما أُخذ على النساء من المعروف أن لا يَنُحنَ. فقالت امرأة: لا بُدَّ مِن النَّوح. فقال رسول الله ﷺ: «إن كُنتنّ لا بُدَّ فاعلات فلا تَخْمِشن وجهًا، ولا تَخْرقن ثوبًا، ولا تَحلِقْنَ شعرًا، ولا تدعون بالويل، ولا تَقُلنَ هُجرًا، ولا تَقُلنَ إلا حقًّا»[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٣٥)
٧٦٦١٦- عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شيئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ﴾ قال: فإنّ المعروف الذي لا يُعصى فيه أن لا يخلو الرجلُ والمرأة وُحدانًا، وأن لا يَنُحنَ نَوْح الجاهلية. قال: فقالت خَوْلَة بنت حكيم الأنصارية: يا رسول الله، إنّ فلانة أسعَدتني، وقد مات أخوها، فأنا أريد أنْ أجزيها. قال: «فاذهبي، فاجْزيها، ثم تعالي، فبايعي»[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد.]]. (١٤/٤٣٧)
٧٦٦١٧- قال الحسن البصري: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ نهاهنّ عن النّياحة، وأن يُحادِثْن الرجال[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٨٠-.]]. (ز)
٧٦٦١٨- عن أبي صالح [باذام] -من طريق موسى بن عمير- في قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: في نِياحة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٥٩٥.]]. (ز)
٧٦٦١٩- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: أُخِذ عليهنَّ أن لا يَنُحنَ، ولا يُحدّثن الرجال. فقال عبد الرحمن بن عوف: إنّ لنا أضيافًا، وإنّا نغيب عن نسائنا. فقال: «ليس أولئك عَنيتُ»[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٩، وابن جرير ٢٢/٥٩٧ بنحوه من طريق سعيد، وأبي هلال أيضًا.]]. (١٤/٤٣٧)
٧٦٦٢٠- عن زيد بن أسلم -من طريق سفيان- ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: لا يَشْقُقنَ جيبًا، ولا يَخْمِشنَ وجهًا، ولا يَنشُرن شعرًا، ولا يَدعُون ويلًا[[أخرجه ابن أبي شيبة ٣/٣٩٠، وابن جرير ٢٢/٥٩٥.]]. (١٤/٤٣٦)
٧٦٦٢١- قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ يعني: في طاعة الله تعالى فيما نهى عنه النبيُّ ﷺ عن النَّوح وشدِّ الشعر وتمزيق الثياب، أو تخلو مع غريب في حضَرٍ، ولا تسافر فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحرمٍ، ونحو ذلك. قالت هند: ما جلسنا في مجلسنا هذا، وفي أنفسنا أن نَعصيك في شيء. فأقرّ النسوةُ بما أخذ عليهنَّ النبي ﷺ، فذلك قوله: ﴿فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما كان في الشّرك، ﴿رَحِيمٌ﴾ فيما بقي[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٦-٣٠٧.]]. (ز)
٧٦٦٢٢- عن زهير [بن محمد التميمي] -من طريق عمرو بن أبي سَلمة- في قول الله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: لا يخلو الرجل بامرأة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠١.]]. (ز)
٧٦٦٢٣- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، فقال: إنّ رسول الله ﷺ نبيُّه، وخِيرته من خلْقه، ثم لم يَستحلّ له أمورَ أمر إلا بشرط؛ لم يقل: ﴿ولا يَعصينك﴾ ويترك، حتى قال: ﴿في معروف﴾، فكيف ينبغي لأحد أن يُطاع في غير معروف وقد اشتَرط الله هذا على نبيّه؟! قال: فالمعروف: كلّ معروف أمرهنّ به في الأمور كلّها، وينبغي لهنّ أن لا يَعصين[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٠.]]٦٥٩٠. (ز)
٦٥٩٠ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٧): «المعروف: الذي نُهي عن العصيان فيه. قال أنس، وابن عباس، وزيد بن أسلم: هو النّوْح، وشقّ الجيوب، ووشْم الوجوه، ووصْل الشعر، وغير ذلك من أوامر الشريعة فرضها وندْبها».
وقال ابنُ تيمية (٦/٢٩٥): «قال: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ فقيّد المعصية، ولهذا فُسّرتْ بالنّياحة. قاله ابن عباس، ورُوي ذلك مرفوعًا. وكذلك قال زيد بن أسلم: لا يدعن ويلًا، ولا يَخْدِشن وجهًا، ولا يَنشُرن شعرًا، ولا يَشْقُقن ثوبًا. وقد قال بعضهم: هو جميع ما يأمرهم به الرسول من شرائع الإسلام وأدلته. كما قاله أبو سليمان الدمشقي. ولفظ الآية عام أنهنّ لا يَعصينه في معروف، ومعصيته لا تكون إلا في معروف؛ فإنه لا يأمر بمنكر، لكن هذا قيل: فيه دلالة على أن طاعة أولي الأمر إنما تلزم في المعروف، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف». ونظير هذا قوله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [الأنفال:٢٤]، وهو لا يدعو إلا إلى ذلك».
﴿وَلَا یَعۡصِینَكَ فِی مَعۡرُوفࣲ فَبَایِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ١٢﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧٦٦٢٤- عن أنس، قال: أخذ النبيُّ ﷺ على النساء حين بايَعهنّ أن لا يَنُحنَ، فقُلنَ: يا رسول الله، إنّ نساءً أسعدتنا في الجاهلية، أفنُسعِدهن في الإسلام؟ فقال النبيُّ ﷺ: «لا إسعاد في الإسلام، ولا شِغار[[الشّغار: نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني. أي: زوجني أختك، أو ابنتك، أو من تلي أمرها، حتى أزوجك أختي، أو ابنتي أو من ألي أمرها. ولا يكون بينهما مهر، ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الأخرى. وقيل له: شِغار؛ لارتفاع المهر بينهما، من شغر الكلب، إذا رفع إحدى رجليه ليبول. النهاية (شغر).]]، ولا عَقْرَ[[العقر: كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى، أي: ينحرونها، ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته، فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته. وأصل العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. النهاية (عقر).]] في الإسلام، ولا جَلَبَ، ولا جَنَبَ[[الجَلَب في شيئين؛ سباق الخيل، وهو أن يَتْبَع الرَّجُل فرسَه فيزجُرَه فيُجَلّب عليه أو يصيح حثًّا له، ففي ذلك معونة للفرس على الجري، فنهى عن ذلك، والآخر في الزكاة؛ أن يَقْدَم المُصَدِّق على أهل الزكاة فينزل موضعًا ثم يرسُل إليهم من يَجِلبُ إليه الأموال من أماكنها، فنهى عن ذلك، وأُمِر أن يأخذ صَدُقاتهم في أماكنهم وعلى مياههم وبأفنيتهم. والجَنَب في السباق؛ أن يَجْنُب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فَتَر المركوب تَحوَّل إلى المجنوب. وهو في الزكاة؛ أن ينزل العاملُ بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تُجنَب إليه، أي: تَحضر، فنهوا عن ذلك. وقيل: هو أن يَجْنُب ربُّ المال بماله، أي: يُبْعِده عن موضعه، حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتِّباعه وطلبه. التاج (جلب)، والنهاية (جنب)، (جلب).]]، ومَن انتهبَ فليس منّا»[[أخرجه أحمد ٢٠/٩٦ (١٢٦٥٨)، من طريق سفيان، عمن سمع أنس بن مالك به.
وأخرجه أحمد ٢٠/٣٣٣ (١٣٠٣٢) واللفظ له، والنسائي ٤/١٦ (١٨٥٢)، وابن حبان ٧/٤١٥-٤١٦ (٣١٤٦)، من طريق معمر، عن ثابت، عن أنس به.
قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ٣/٥٧١-٥٧٢ (١٠٩٦): «قال أبي: هذا حديث منكر جدًّا». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٤/١٠٢ (٣٢٣٦): «إسناد صحيح على شرط مسلم».]]. (١٤/٤٣٣)
٧٦٦٢٥- عن أسماء بنت يزيد، قالت: بايعتُ النبى ﷺ في نسوة، فقال: «إني لا أُصافحكُنّ، ولكن آخذ عليكنّ ما أخذ الله»[[أخرجه أحمد ٤٥/٥٥٣-٥٥٤ (٢٧٥٧٢)، ٤٥/٥٧٣ (٢٧٥٩٤) بنحوه، والطبراني في الكبير ٢٤/١٦٣ (٤١٧)، من طريق شهر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد به.
قال الهيثمي في المجمع ٨/٢٦٦ (١٣٩٩١): «إسناده حسن». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٧/٦١ (٦٣٧٧): «حديث حسن». وقال ابن حجر في الفتح ١٣/٢٠٤: «سند حسن».]]. (١٤/٤٢٧)
٧٦٦٢٦- عن فاطمة بنت عُتبة: أنّ أخاها أبا حُذيفة أتى بها وبهند بنت عُتبة رسولَ الله ﷺ تبايعه، فقالت: أخذ علينا، فشَرط علينا، فقلتُ له: يا ابن عم، وهل عَلِمتَ في قومك مِن هذه الهَنات شيئًا؟! قال أبو حذيفة: إيهًا[[إيهًا: تكون للإسكات والكف بمعنى حسبك. اللسان، والوسيط (أيه).]]، فبايِعيه، فإنّ بهذا يُبايِع وهكذا يَشترِط. فقالت هند: لا أبايعكَ على السّرقة، فإني أسرق من مال زوجي، فكفَّ النبيُّ ﷺ يده، وكفّتْ يدها، حتى أرسل إلى أبي سُفيان، فتحلّل لها منه، فقال أبو سُفيان: أما الرَّطب[[الرَّطب: ما لا يدخر ولا يبقى، كالفواكه والبقول والأطبخة، لأن الرطب خطبه أيسر، والفساد إليه أسرع، فإذا ترك ولم يؤكل هلك ورمي، بخلاف اليابس إذا رفع وادخر. النهاية (رطب).]] فنعم، وأما اليابس فلا ولا نعمة. قالت: فبايعناه[[أخرجه الحاكم ٢/٥٢٨ (٣٨٠٥)، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن فاطمة بنت عتبة به.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الألباني في الصحيحة ٢/٦٦: «إسناده حسن».]]. (١٤/٤٢٩)
٧٦٦٢٧- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: جاءت أُميمة بنت رُقَيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: «أُبايعكِ على أن لا تشركي بالله شيئًا، ولا تَسرقي، ولا تَزني، ولا تَقتلي ولدك، ولا تَأتي ببُهتانٍ تَفترينه بين يديكِ ورجليكِ، ولا تَنُوحي، ولا تَبرّجي تَبَرُّج الجاهلية الأولى»[[أخرجه أحمد ١١/٤٣٧ (٦٨٥٠)، وابن جرير ٢٢/٥٩٧، من طريق سليمان بن سليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به.
قال الهيثمي في المجمع ٦/٣٧ (٩٨٥٨): «ورجاله ثقات».]]. (١٤/٤٢٥)
٧٦٦٢٨- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بايع النساء دعا بقَدَح مِن ماء، فغَمس يده فيه، ثم يَغمس أيديهنّ فيه، فكانت هذه بيعته[[أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٨ بنحوه، وابن مردويه -كما في تخريج أحاديث الكشاف ٣/٤٦٣-، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به. وأورده الثعلبي ٩/٢٩٨.
وسنده حسن.]]. (١٤/٤٣٥)
٧٦٦٢٩- عن عاصم بن عمرو بن قتادة، قال: أول مَن بايع النبيَّ ﷺ أُمُّ سعد بن معاذ كبشة بنت رافع، وأُمّ عامر بنت يزيد بن السّكن، وحواء بنت يزيد بن السّكن[[أخرجه ابن سعد ٨/١٢.]]. (١٤/٤٣٦)
٧٦٦٣٠- عن أُمّ عفيف، أو بنت عفيف، قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ حين بايع النساء أن لا نُحدّث الرجال إلا أن يكون مَحرمًا[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٣٦)
٧٦٦٣١- عن أسِيد بن أبي أسِيد البراد، عن امرأة من المُبايعات، قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نَعصيه فيه من المعروف، وأن لا نَخمِش وجهًا، ولا نشُقّ جيبًا، ولا ندعو ويلًا[[أخرجه ابن سعد ٨/٧، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/١٢٨-. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٤/٤٣١)
٧٦٦٣٢- عن أُمّ عطية، قالت: أُخذ علينا في البيعة أن لا نَنُوح، فما وفى منا غير خمس؛ أُمّ سليم، وأُمّ العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة أبي معاذ -أو قالت: بنت أبي سبرة وامرأة معاذ-، وامرأة أخرى[[أخرجه ابن سعد ٨/٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.]]. (١٤/٤٣٥)
٧٦٦٣٣- عن أُمّ عطية، قالت: كان فيما أُخذ عليهن أن لا يَخْلُون بالرجال إلا أن يكون مَحرمًا، فإنّ الرجل قد يُلاطف المرأة فيُمذي في فَخِذيه[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٤/٤٣٧)
٧٦٦٣٤- عن الحسن البصري، قال: كان فيما أُخذ عليهن أن لا يَخْلُون بالرجال إلا أن يكون مَحرمًا، وإنّ الرجل قد تُلاطفه المرأة فيُمذي في فَخِذيه[[عزاه السيوطي إلى ابن سعد، وعبد بن حميد.]]. (١٤/٤٣٦)
٧٦٦٣٥- عن إبراهيم، قال: كان رسول الله ﷺ يُصافح النساء وعلى يده الثوب[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٨.]]. (ز)
٧٦٦٣٦- قال الكلبي: كان رسول ﷺ يشترط على النساء، وعمر ﵁ يُصافحهن[[تفسير الثعلبي ٩/٢٩٨.]]. (ز)
الممتحنة 60:13
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَوَلَّوۡا۟ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡ قَدۡ یَىِٕسُوا۟ مِنَ ٱلۡـَٔاخِرَةِ كَمَا یَىِٕسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَـٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣﴾ - نزول الآية
٧٦٦٣٧- عن عبد الله بن عباس، قال: كان عبد الله بن عمرو وزيد بن الحارث يُوادّان رجلًا مِن يهود؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية[[عزاه السيوطي إلى ابن إسحاق، وابن المنذر.]]. (١٤/٤٣٧)
٧٦٦٣٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: اليهود، نَزَلَتْ في عبد الله بن أُبيّ، ومالك بن دَخْشَم، كانت اليهود زَيّنوا لهم ترْك الإسلام، فكان أناس من فقراء المسلمين يُخبرون اليهود عن أخبار المسلمين ليتواصلوا بذلك فيصيبون من ثمارهم وطعامهم؛ فنهى الله ﷿ عن ذلك[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٧.]]. (ز)
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَوَلَّوۡا۟ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡ﴾ - تفسير
٧٦٦٣٩- عن عبد الله بن عباس، ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، قال: هم الكفار أصحاب القبور الذين يئسوا من الآخرة[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد.]]٦٥٩١. (١٤/٤٣٨)
٦٥٩١ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٩): «قال ابن عباس: هم في هذه الآية كفار قريش. لأن كل كافر فعليه غضب من الله لا يرد بذلك ثبوت الغضب على اليهود ... ولا سيما في المردة ككفار قريش؛ إذ أعمالهم معصية ليست بمجرد ضلال، بل فيها مناورات مقصودة».
٧٦٦٤٠- قال الحسن البصري: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: اليهود[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٨١-.]]. (ز)
٧٦٦٤١- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، قال: اليهود[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٩، وابن جرير ٢٢/٦٠٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤٣٩)
٧٦٦٤٢- عن محمد بن السّائِب الكلبي -من طريق معمر- في قوله تعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾، قال: هم اليهود والنصارى[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٩، وابن جرير ٢٢/٦٠٤.]]. (ز)
٧٦٦٤٣- قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: اليهود[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٧-٣٠٨.]]. (ز)
٧٦٦٤٤- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، قال: القوم الذين غضب الله عليهم يهود[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٥.]]٦٥٩٢. (ز)
٦٥٩٢ قيل: إنّ «القوم» المشار إليهم في الآية: هم اليهود. وقيل: هم كفار مكة.
وعَلَّق ابنُ عطية (٨/٢٨٩) على القولين بقوله: «وفي الكلام في التشبيه الذي في قوله: ﴿كما يئس﴾ يتبين الاحتياج إلى هذا الخلاف؛ وذلك أن اليأس من الآخرة: إما أن يكون بالتكذيب بها، وهذا هو يأس كفار مكة، وإما أن يكون باليأس عن الحظّ فيها والنعمة مع التصديق بها، وهذا هو يأس اليهود».
﴿قَدۡ یَىِٕسُوا۟ مِنَ ٱلۡـَٔاخِرَةِ كَمَا یَىِٕسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَـٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣﴾ - تفسير
٧٦٦٤٥- عن عبد الله بن مسعود -من طريق مسروق- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾، قال: فلا يؤمنون بها، ولا يَرجُونها، كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطّلع عليه[[أخرجه الطبراني (٩٠٥٩). وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن أبي حاتم.
وقال الهيثمي في المجمع ٧/١٤٧: «رواه الطبراني عن شيخه عبد بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وهو ضعيف».]]. (١٤/٤٣٨)
٧٦٦٤٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، قال: يعني: مَن مات من الذين كفروا، فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يَرجعوا إليهم أو يبعثهم الله[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠١ بنحوه.]]. (١٤/٤٣٩)
٧٦٦٤٧- عن سعيد بن جُبَير، ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، قال: الذين ماتوا فعاينوا الآخرة[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤٣٨)
٧٦٦٤٨- عن مجاهد بن جبر -من طريق الحكم- في هذه الآية: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، قال: أصحاب القبور: الذين في القبور، قد يئسوا من الآخرة[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٤.]]. (ز)
٧٦٦٤٩- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ قال: بكفرهم، ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ قال: مِن ثواب الآخرة حين تبيّن لهم أعمالهم[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٤ مقتصرًا على شطره الثاني. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٣٩)
٧٦٦٥٠- عن مجاهد بن جبر= (ز)
٧٦٦٥١- وعكرمة مولى ابن عباس -من طريق سِماك- في قوله: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، قالا: الكفار حين أُدخلوا القبور فعاينوا ما أعدّ الله لهم من الخزي يئسوا من رحمة الله[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/٥٧١-٥٧٢. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور.]]. (١٤/٤٣٩)
٧٦٦٥٢- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، يقول: مَن مات مِن الذين كفروا فقد يئس الأحياء منهم أن يَرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٣.]]. (ز)
٧٦٦٥٣- عن الحسن البصري -من طريق منصور بن زاذان- قال: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾ الأحياء من الذين ماتوا[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٢ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.]]. (١٤/٤٣٩)
٧٦٦٥٤- عن القاسم بن أبي بَزّة -من طريق أبي ثابت- ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، قال: مَن مات مِن الكفار يئس من الخير[[أخرجه الثعلبي ٩/٣٠٠.]]. (ز)
٧٦٦٥٥- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، قال: اليهود قد يئسوا من الآخرة أن يُبعثوا كما يئس الكفار أن يَرجع إليهم أصحاب القبور الذين قد ماتوا[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٩، وابن جرير ٢٢/٦٠٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٤/٤٣٩)
٧٦٦٥٦- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، قال: إنّ الكافر إذا مات له ميت لم يرجُ لقاءَه، ولم يحتسب أجْره[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٣ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٤/٤٣٩)
٧٦٦٥٧- عن منصور [بن المعتمر] -من طريق جرير- في قوله: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ الآية، قال: قد يئسوا أن يكون لهم ثواب الآخرة، كما يئس مَن في القبور مِن الكفار من الخير، حين عاينوا العذاب والهوان[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٨.]]. (ز)
٧٦٦٥٨- عن محمد بن السّائِب الكلبي -من طريق معمر- ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾: يعني: اليهود والنصارى، يقول: قد يئسوا من ثواب الآخرة وكرامتها، كما يئس الكفار الذين قد ماتوا -فهم في القبور- مِن الجنة حين رأوا مقعدهم من النار[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٢٨٩، وابن جرير ٢٢/٦٠٤.]]. (ز)
٧٦٦٥٩- قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ يعني: اليهود ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ وذلك أنّ الكافر إذا دخل قبره أتاه مَلَكٌ شديد الانتهار، فأجلسه، ثم يسأله: مَن ربّك؟ وما دينك؟ ومَن رسولك؟ فيقول: لا أدري. فيقول المَلك: أبعدك الله، انظر -يا عدوّ الله- إلى منزلك من النار. فينظر إليها، ويدعو بالويل، ويقول له المَلك: هذا لك، يا عدوّ الله، فلو كنتَ آمنتَ بربّك لدخلتَ الجنة. ثم فينظر إليها، فيقول: لِمَن هذا؟ فيقول له المَلك: هذا لِمَن آمن بالله. فيكون حسرة عليه، وينقطع رجاؤه منها، ويعلم عند ذلك أنه لا حظّ له فيها، وييأس من خير الجنة، فذلك قوله لكفار أهل الدنيا الأحياء منهم: قد يئسوا من نعيم الآخرة بأنهم كذّبوا بالثواب والعقاب، وهم أيضًا آيسون من الجنة كما أيس هذا الكافر مِن أصحاب القبور حين عاينوا منازلهم من النار في الآخرة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٧-٣٠٨.]]. (ز)
٧٦٦٦٠- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، قال: قد يئس هؤلاء الكفار مِن أن تكون لهم آخرة، كما يئس الكفار الذين ماتوا -الذين في القبور- من أن تكون لهم آخرة؛ لِما عاينوا من أمر الآخرة، فكما يئس أولئك الكفار كذلك يئس هؤلاء الكفار. قال: والقوم الذين غضب الله عليهم يهود، هم الذين يئسوا من أن تكون لهم آخرة، كما يئس الكفار قبلهم من أصحاب القبور؛ لأنهم قد علِموا كتاب الله، وأقاموا على الكفر به. وما صنعوا وقد علِموا؟![[أخرجه ابن جرير ٢٢/٦٠٥.]]٦٥٩٣. (ز)
٦٥٩٣ قال ابنُ عطية (٨/٢٨٩-٢٩٠) تعليقًا على القولين المختلفين في الآية: «مَن قال: إنّ القومَ المشارَ إليهم: هم كفار مكة. قال: معنى قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ كما يئس الكافر من صاحب قبر؛ لأنه إذا مات له حميم قال: هذا آخر العهد به، لن يُبعث أبدًا. فمعنى الآية: أن اعتقاد أهل مكة في الآخرة كاعتقاد الكافر في البعث ولقاء موتاه. وهذا هو تأويل ابن عباس، والحسن، وقتادة في معنى قوله تعالى: ﴿كما يئس الكفار﴾، ومَن قال: إنّ القوم المشار إليهم: هم اليهود. قال: معنى قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ أي: كما يئس الكافر من الرحمة إذا مات، وكان صاحب قبر، وذلك أنه يُروى أنّ الكافر إذا كان في قبره عُرض عليه مقعده في الجنة أن لو كان مؤمنًا، ثم يُعرض عليه مقعده من النار الذي يصير إليه، فهو يائس من رحمة الله مع علمه بها ويقينه. وهذا تأويل مجاهد، وابن جبير، وابن زيد في قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ فمعنى الآية: أن يأس اليهود من رحمة الله في الآخرة مع علمهم بها كيأس ذلك الكافر في قبره، وذلك لأنهم قد رِين على قلوبهم، وحملهم الحسد على ترْك الإيمان، وغلب على ظنونهم أنهم معذَّبون، وهذه كانت صفة كثير من معاصري النبي ﷺ. و﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِن أصحاب﴾ على القول الأول هي لابتداء الغاية، وفي القول الثاني هي لبيان الجنس والتبعيض يتوجَّهان فيها، وبيان الجنس أظهر». ولم يذكر مستندًا.
ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٢/٦٠٥) القولَ الثاني استنادًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «أولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول مَن قال: قد يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم مِن اليهود مِن ثواب الله لهم في الآخرة وكرامته؛ لكفرهم وتكذيبهم رسوله محمدًا ﷺ على علمٍ منهم بأنه لله نبي، كما يئس الكفار منهم الذين مضوا قبلهم فهلكوا، فصاروا أصحاب القبور، وهم على مثل الذي هؤلاء عليه، مِن تكذيبهم عيسى -صلوات الله عليه- وغيره من الرسل، من ثواب الله وكرامته إياهم. وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بتأويل الآية. لأنّ الأموات قد يئسوا من رجوعهم إلى الدنيا، أو أن يُبعثوا قبل قيام الساعة المؤمنون والكفار، فلا وجهَ لأن يخصّ بذلك الخبر عن الكفار، وقد شركهم في الإياس من ذلك المؤمنون».