Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — آل عمران 3:1 – آل عمران 3:111
المحتويات
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
آل عمران 3:1
(p-١٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
”بِسْمِ اللَّهِ“ الواحِدِ المُتَفَرِّدِ بِالإحاطَةِ بِالكَمالِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَةُ إيجادِهِ كُلَّ مَخْلُوقٍ وأوْضَحَ لِلْمُكَلَّفِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي اخْتارَ أهْلَ التَّوْحِيدِ لِمَحَلِّ أُنْسِهِ ومَوْطِنِ جَمْعِهِ وقُدْسِهِ ﴿الم﴾ المَقاصِدُ الَّتِي سِيقَتْ لَها هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإخْبارُ بِأنَّ رِئاسَةَ الدُّنْيا بِالأمْوالِ والأوْلادِ وغَيْرِهِما مِمّا آثَرَهُ الكُفّارُ عَلى الإسْلامِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ عَنْهم شَيْئًا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وأنَّ ما أُعِدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ الجَنَّةِ والرِّضْوانِ هو الَّذِي يَنْبَغِي الإقْبالُ عَلَيْهِ والمُسارَعَةُ إلَيْهِ [وفِي وصْفِ المُتَّقِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ والصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ والإنْفاقِ] والِاسْتِغْفارِ (p-١٩٦)ما يَتَعَطَّفُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أفانِينِ أسالِيبِ هَذِهِ السُّورَةِ هَذا ما كانَ ظَهَرَ لِي أوَّلًا، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ نَخُصَّ القَصْدَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ بِالقَصْدِ فِيها فَإنَّ الأمْرَيْنِ الآخَرَيْنِ يَرْجِعانِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَصْفَ بِالقَيُّومِيَّةِ يَقْتَضِي القِيامَ بِالِاسْتِقامَةِ، فالقِيامُ يَكُونُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، والِاسْتِقامَةُ العَدْلُ كَما قالَ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أيْ بِعِقابِ العاصِي وثَوابِ الطّائِعِ بِما يَقْتَضِي لِلْمُوَفَّقِ تَرْكَ العِصْيانِ ولُزُومَ الطّاعَةِ؛ وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الفاتِحَةَ لَمّا كانَتْ جامِعَةً لِلدِّينِ إجْمالًا جاءَ بِهِ التَّفْصِيلُ مُحاذِيًا لِذَلِكَ، فابْتُدِئَ بِسُورَةِ الكِتابِ المُحِيطِ بِأمْرِ الدِّينِ، ثُمَّ بِسُورَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو سِرُّ حَرْفِ الحَمْدِ [و] أوَّلُ حُرُوفِ الفاتِحَةِ، لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو الأمْرُ الَّذِي لا يَقُومُ بِناءٌ إلّا عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الطَّرِيقُ وثَبَتَ الأساسُ جاءَتِ الَّتِي بَعْدَها داعِيَةً إلى الِاجْتِماعِ عَلى ذَلِكَ؛ وأيْضًا (p-١٩٧)فَلَمّا ثَبَتَ بِالبَقَرَةِ أمْرُ الكِتابِ في أنَّهُ هُدىً وقامَتْ بِهِ دَعائِمُ الإسْلامِ الخَمْسُ جاءَتْ هَذِهِ لِإثْباتِ الدَّعْوَةِ الجامِعَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] فَأثْبَتَ الوَحْدانِيَّةَ لَهُ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ بِإثْباتِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى عَبْدُهُ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ عَبِيدُهُ دَعَتْ سُورَةَ النِّساءِ إلى إقْبالِهِمْ إلَيْهِ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ بِها هو التَّوْحِيدُ تَسْمِيَتُها بِآلِ عِمْرانَ، فَإنْ لَمْ يُعْرِبْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أعْرَبَ عَنْهُ ما ساقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها مِن أخْبارِهِمْ بِما فِيها مِنَ الأدِلَّةِ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ الَّذِي لَيْسَ في دَرَجِ الإيمانِ أعْلى مِنهُ، فَهو التّاجُ الَّذِي هو خاصَّةُ المَلِكِ المَحْسُوسَةُ، كَما أنَّ التَّوْحِيدَ خاصَّتُهُ المَعْقُولَةُ، والتَّوْحِيدُ مُوجِبٌ لِزَهْرَةِ المُتَحَلِّي بِهِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزَّهْراءَ.
(p-١٩٨)القَصْدُ الأوَّلُ التَّوْحِيدُ
ومُناسَبَةُ هَذا الأوَّلِ بِالِابْتِدائِيَّةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُ البَقَرَةِ في الحَقِيقَةِ آيَةَ الكُرْسِيِّ وما بَعْدَها إنَّما هو بَيانٌ، لِأنَّها أوْضَحَتْ أمْرَ الدِّينِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وراءَها مَرْمىً لِمُتَعَنِّتٍ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن حالِ مَن جادَلَ في الإلَهِيَّةِ أوِ اسْتَبْعَدَ شَيْئًا مِنَ القُدْرَةِ ولَمْ يَنْظُرْ فِيما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ مَعَ وُضُوحِهِ، أوْ إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ بِأمْرِ السَّنابِلِ في قالَبِ الإرْشادِ إلى ما يَنْفَعُ في اليَوْمِ الَّذِي نَفى فِيهِ نَفْعَ البَيْعِ والخُلَّةِ والشَّفاعَةِ مِنَ النَّفَقاتِ، وبَيانُ بَعْضِ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وتَقْرِيرُ أمْرِ مِلْكِهِ لِما مِنهُ الإنْفاقُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، والإخْبارُ بِإيمانِ الرَّسُولِ وأتْباعِهِ بِذَلِكَ، وبِأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ المُشارِ إلَيْهِمْ في السُّورَةِ، وبِصِدْقِهِمْ في التَّضَرُّعِ بِرَفْعِ الأثْقالِ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن قَبْلَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، وبِالنُّصْرَةِ عَلى عامَّةِ الكافِرِينَ؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ ناسَبَ هَذا الِاخْتِتامَ غايَةَ المُناسَبَةِ ابْتِداءُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالَّذِي وقَعَ الإيمانُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ووُجِّهَتِ الرَّغَباتُ آخِرَ تِلْكَ إلَيْهِ؛ وأحْسَنُ مِنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إلَيْنا كِتابُهُ فَجَمَعَ مَقاصِدَهُ في الفاتِحَةِ عَلى وجْهٍ أرْشَدَ فِيهِ إلى سُؤالِ الهِدايَةِ ثُمَّ شَرَعَ في (p-١٩٩)تَفْصِيلِ ما جَمَعَهُ في الفاتِحَةِ، فَأرْشَدَ في أوَّلِ البَقَرَةِ إلى أنَّ الهِدايَةَ في هَذا الكِتابِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ المَعْنى والنَّظْمِ كَما تَقَدَّمَ إلى أنْ خَتَمَ البَقَرَةَ بِالإخْبارِ عَنْ خُلَّصِ عِبادِهِ بِالإيمانِ بِالمُنْزَلِ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ، وأفْهَمَ ذَلِكَ مَعَ التَّوَجُّهِ بِالدُّعاءِ إلى المُنْزِلِ لَهُ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كُلَّ شَيْءٍ وبِيَدِهِ النَّصْرُ، عَلِمَ أنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ قَيُّومٌ لا يَغْفُلُ وأنَّ ما أنْزَلَ هو الحَقُّ، فَصَرَّحَ أوَّلَ هَذِهِ بِما أفْهَمَهُ آخِرَ تِلْكَ، كَما يُصَرَّحُ بِالنَّتِيجَةِ بَعْدَ المُقَدِّماتِ المُنْتِجَةِ لَها فَقالَ: ”الله“ أيِ الَّذِي لا يَذِلُّ مَن والاهُ ولا يَعُزُّ مَن عاداهُ لِأنَّ لَهُ الإحاطَةَ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ والنَّزاهَةِ الكامِلَةِ مِن كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ.
وقالَ الحَرالِّيُّ مُشِيرًا إلى القَوْلِ الصَّحِيحِ في تَرْتِيبِ السُّوَرِ مِن أنَّهُ بِاجْتِهادِ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إقْرارًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِهَذا الِانْتِظامِ والتَّرْتِيبِ السُّوَرِيِّ في مُقَرَّرِ هَذا الكِتابِ: هو ما رَضِيَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَأقَرَّهُ؛ فَلَمّا كانَتْ سُورَةُ الفاتِحَةِ جامِعَةً لِكُلِّيَّةِ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما يَرْجِعُ إلَيْهِ، وفِيما يَرْجِعُ إلى عَبْدِهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِهِ، فَكانَتْ أُمَّ القُرْآنِ وأُمَّ الكِتابِ؛ جَعَلَ مَثْنى تَفْصِيلِ (p-٢٠٠)ما يَرْجِعُ مِنها إلى الكِتابِ المُنْبِئَ عَنْ مَوْقِعِهِ في الفاتِحَةِ مُضَمَّنًا سُورَةَ البَقَرَةِ إلى ما أعْلَنَ بِهِ لَأْلَأُ نُورِ آيَةِ الكُرْسِيِّ فِيها، وكانَ مَنزِلُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن مَثْنى تَفْصِيلِ ما يَرْجِعُ إلى خاصِّ عَلَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الفاتِحَةِ، فَكانَ مَنزِلَةُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مَنزِلَةَ تاجِ الرّاكِبِ وكانَ مَنزِلَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنزِلَةَ سَنامِ المَطِيَّةِ؛ قالَ ﷺ: «”لِكُلِّ شَيْءٍ سَنامٌ وسَنامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، لِكُلِّ شَيْءٍ تاجٌ وتاجُ القُرْآنِ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ»“ [وإنَّما بُدِئَ هَذا التَّرْتِيبُ لِسُورَةِ الكِتابِ لِأنَّ عِلْمَ الكِتابِ أقْرَبُ إلى المُخاطَبِينَ مِن تَلَقِّي عَلَنِ أمْرِ اللَّهِ، فَكانَ في تَعَلُّمِ سُورَةِ البَقَرَةِ والعَمَلِ بِها تَهَيُّؤٌ لِتَلَقِّي ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ] لِيَقَعَ التَّدَرُّجُ والتَّدَرُّبُ بِتَلَقِّي الكِتابِ حِفْظًا وبِتَلَقِّيهِ عَلى اللَّقْنِ مُنَزِّلُ الكِتابِ بِما أبْداهُ عَلَنُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أنَّ إحاطَةَ ”الم“ المُنْزَلَةِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ إحاطَةٌ كِتابِيَّةٌ بِما هو قِيامُهُ وتَمامُهُ، ووَصْلَةُ ما بَيْنَ قِيامِهِ وتَمامِهِ، وأنَّ إحاطَةَ ”الم“ المُنْزَلَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إحاطَةٌ إلَهِيَّةٌ حَيّايِيَّةٌ قَيُّومِيَّةٌ مِمّا بَيْنَ غَيْبَةِ عَظَمَةِ اسْمِهِ ”الله“ إلى تَمامِ (p-٢٠١)قَيُّومِيَّتِهِ البادِيَةِ في تَبارِكِ ما أنْبَأ عَنْهُ اسْمُهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وما أوْصَلَهُ لُطْفُهُ مِن مَضْمُونِ تَوْحِيدِهِ المُنْبِئِ عَنْهُ كَلِمَةُ الإخْلاصِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ هَذا المَجْمُوعُ في مَنزِلِهِ قُرْآنًا حَرْفِيًّا وقُرْآنًا كَلِمِيًّا اسْمِيًّا وقُرْآنًا كَلامِيًّا تَفْصِيلِيًّا مِمّا هو اسْمُهُ الأعْظَمُ كَما تَقَدَّمَ مِن «قَوْلِهِ ﷺ:
”اسْمُ [اللَّهِ] الأعْظَمُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾»“ وكَما وقَعَتْ إلاحَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ لَمّا وقَعَ بِها الإفْصاحُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ كَذَلِكَ وقَعَ في آلِ عِمْرانَ مِن نَحْوِ ما وقَعَ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِيَصِيرَ مَنزِلًا واحِدًا بِما أفْصَحَ مَضْمُونُ كُلِّ سُورَةٍ بِإلاحَةِ الأُخْرى، فَلِذَلِكَ هُما غَمامَتانِ وغَيايَتانِ عَلى قارِئِهِما يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ لا تَفْتَرِقانِ، فَأعْظَمُ ”الم“ هو مَضْمُونُ ”الم“ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ ويَلِيهِ في الرُّتْبَةِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ [سُورَةُ البَقَرَةِ، ويَلِيهِ في الرُّتْبَةِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ] سُوَرُ الآياتِ نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿الم﴾ [لقمان: ١] ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] فَلِلْكِتابِ الحَكِيمِ إحاطَةٌ قِوامًا وتَمامًا ووَصْلَةً، (p-٢٠٢)ولِمُطْلَقِ الكِتابِ إحاطَةٌ كَذَلِكَ، وإحاطَةُ الإحاطاتِ وأعْظَمُ العَظَمَةِ إحاطَةُ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ وكَذَلِكَ أيْضًا اللَّوامِيمُ مُحِيطَةٌ بِإحاطَةِ الطَّواسِيمِ لِما تَتَخَصَّصُ بِهِ مَعانِي حُرُوفِها مِن دُونِ إحاطاتِ حُرُوفِ اللَّوامِيمِ، وإحاطَةُ الحَوامِيمِ مِن دُونِ إحاطَةِ الطَّواسِيمِ لِما تَتَخَصَّصُ بِهِ مَعانِي حُرُوفِها مِن دُونِ إحاطاتِ حُرُوفِ الطَّواسِيمِ عَلى ما يَتَّضِحُ تَراتُبُهُ وعِلْمُهُ لِمَن آتاهُ اللَّهُ فَهْمًا بِمَنزِلَةِ قُرْآنِ الحُرُوفِ المَخْصُوصِ بِإنْزالِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، الَّذِي [هُوَ] مِنَ العِلْمِ الأزَلِيِّ العُلْوِيِّ؛ ثُمَّ قالَ: ولَمّا كانَتْ أعْظَمُ الإحاطاتِ إحاطَةَ [عَظَمَةِ اسْمِهِ ”اللَّهِ“ الَّذِي هو مُسَمّى التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ اسْمًا الَّتِي أوَّلُها ”إلَه“ كانَ ما أفْهَمَهُ أوَّلَ الفَهْمِ هُنا اسْمَ ألِفٍ بِناءً في مَعْنى إحاطاتِ الحُرُوفِ عَلى نَحْوِ إحاطَةِ] اسْمِهِ ”اللَّهِ“ في الأسْماءِ، فَكانَتْ هَذِهِ الألِفُ مُسَمّى كُلِّ ألِفٍ كَما كانَ اسْمُهُ ”الله“ سُبْحانَهُ وتَعالى مُسَمّى كُلِّ اسْمٍ سِواهُ حَتّى أنَّهُ مُسَمّى سائِرِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ الَّتِي هي أسْماؤُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في جَمِيعِ الألْسُنِ كُلِّها مَعَ أسْماءِ العَرَبِيَّةِ أسْماءٍ لِمُسَمّىً هو هَذا الِاسْمُ العَظِيمُ (p-٢٠٣)الَّذِي هو ”الله“ الأحَدُ الَّذِي لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ شِرْكٌ، كَما تَطَرَّقَ إلى أسْمائِهِ مِنَ اسْمِهِ ”إلَه“ إلى غايَةِ اسْمِهِ ”الصَّبُورِ“ وكَما كانَ إحاطَةُ هَذا الألِفِ أعْظَمَ إحاطَةٍ حَرْفِيَّةٍ وسائِرُ الألِفاتِ أسْماءً لِعَظِيمِ إحاطَتِهِ؛ وكَذَلِكَ هَذِهِ المِيمُ أعْظَمُ إحاطَةِ مِيمٍ تَفَصَّلَتْ فِيهِ وكانَتْ لَهُ أسْماءٌ بِمَنزِلَةِ ما هي سائِرُ الألِفاتِ أسْماءً لِمُسَمّى هَذا الألِفِ كَذَلِكَ سائِرُ المِيماتِ اسْمٌ لِمُسَمّى هَذا المِيمِ، كَما أنَّ اسْمَهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ أعْظَمُ تَمامِ كُلِّ عَظِيمٍ مِن أسْماءِ عَظَمَتِهِ؛ وكَذَلِكَ هَذِهِ اللّامُ بِمَنزِلَةِ ألِفِهِ ومِيمِهِ، وهي لامُ الإلَهِيَّةِ الَّذِي أسْرارُهُ لَطِيفُ التَّنَزُّلِ إلى تَمامِ مِيمِ قَيُّومِيَّتِهِ؛ فَمَن لَمْ يَنْتَهِ إلى فَهْمِ مَعانِي الحُرُوفِ في هَذِهِ الفاتِحَةِ نَزَلَ لَهُ الخِطابُ إلى ما هو إفْصاحُ إحاطَتِها في الكَلِمِ والكَلامِ المُنْتَظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَهو قُرْآنٌ حَرْفِيٌّ يُفَصِّلُهُ قُرْآنٌ كَلِمِيٌّ يُفَصِّلُهُ قُرْآنٌ كَلامِيٌّ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي آمَنَ بِهِ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ مُتَوَحِّدٌ لا كُفْؤَ لَهُ فَقَدَ [فازَ] قَصْدُكم إلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وتَعْوِيلُكم عَلَيْهِ في المَسْألَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَما أعْلَنَ بِهِ هَذا الِاسْمُ العَظِيمُ [أيِ] اللَّهُ في هَذِهِ (p-٢٠٤)الفاتِحَةِ هو ما اسْتَعْلَنَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَمّا كانَ إحاطَةُ العَظَمَةِ أمْرًا خاصًّا لِأنَّ العَظَمَةَ إزاءَ اللَّهِ الَّذِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا صاحِبُ سِرٍّ كانَ البادِي لِمَن دُونَ أهْلِ الفَهْمِ مِن رُتْبَةِ أهْلِ العِلْمِ اسْمَهُ ”اللَّهَ الصَّمَدَ“ الَّذِي يُعْنى إلَيْهِ بِالحاجاتِ والرَّغَباتِ المُخْتَصَّ بِالفَوْقِيَّةِ والعُلُوِّ الَّذِي يُقالُ لِلْمُؤْمِنِ عَنْهُ: أيْنَ اللَّهُ؟ فَيَقُولُ: في السَّماءِ، إلى حَدِّ عُلُوِّ أنْ يَقُولَ: فَوْقَ العَرْشِ، فَذَلِكَ الصَّمَدُ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ اسْمُهُ إلَه الَّذِي أنْزَلَ فِيهِ إلْزامَ الإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ مُنْذُ عُبِدَتْ في الأرْضِ الأصْنامُ، فَلِذَلِكَ نَضُمُّ تَوْحِيدَ اسْمِهِ الإلَهِ بِأحَدِيَّةِ مُسَمّىً هو مِنَ اسْمِهِ العَظِيمِ ”اللَّهِ“، ورَجَعَ عَلَيْهِ بِاسْمِ المُضْمَرِ الَّذِي هو في جِبِلّاتِ الأنْفُسِ وغَرائِزِ القُلُوبِ الَّذِي تَجِدُهُ غَيْبًا في بَواطِنِها فَتَقُولُ فِيهِ: هُوَ، فَكانَ هَذا الخِطابُ مَبْدُوءًا بِالِاسْمِ العَظِيمِ المُظْهَرِ مُنْتَهِيًا إلى الِاسْمِ المُضْمَرِ، كَما كانَ خِطابُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] [مَبْدُوءًا بِالِاسْمِ المُضْمَرِ مُنْتَهِيًا إلى الِاسْمِ العَظِيمِ المُظْهَرِ، وكَذَلِكَ أيْضًا اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في سُورَةِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ] كَما هو في [هَذِهِ] الفاتِحَةِ.
ولَمّا كانَ لِبادِي الخَلْقِ افْتِقارٌ [إلى قَوّامٍ] لا يَثْبُتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ دُونَ قَوّامِهِ كانَ القَوّامُ البادِي آيَتُهُ هي الحَياةَ فَما حَيِيَ ثَبَتَ وما ماتَ فَنِيَ وهَلَكَ؛ انْتَهى ولَمّا كانَ المُتَفَرِّدُ بِالمُلْكِ مِن أهْلِ الدُّنْيا (p-٢٠٥)يَمُوتُ قالَ: ﴿الحَيُّ﴾ أيِ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي لا مَوْتَ مَعَها. ولَمّا كانَ الحَيُّ قَدْ يَحْتاجُ في التَّدْبِيرِ إلى وزِيرٍ لِعَجْزِهِ عَنِ الكِفايَةِ بِنَفْسِهِ في جَمِيعِ الأعْمالِ قالَ: ﴿القَيُّومُ﴾ إعْلامًا بِأنَّ بِهِ قِيامَ كُلِّ شَيْءٍ وهو قائِمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكَما أنَّ الحَياةَ بِنَفْخَةٍ مِن رُوحِ أمْرِهِ فَكُلُّ مُتَماسِكٍ عَلى صُورَتِهِ حَيٌّ بِقَيُّومِيَّتِهِ انْتَهى.
وفِي وصْفِهِ بِذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى نَصْرِ جُنْدِهِ وإعْزازِ دِينِهِ وعَوْنِ ولِيِّهِ، وحَثٌّ عَلى مُراقَبَتِهِ بِجِهادِ أعْدائِهِ ودَوامِ الخُضُوعِ لَدَيْهِ والضَّراعَةِ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ مِن مَعْنى القَيُّومِ أنَّهُ المُدَبِّرُ لِلْمَصالِحِ اتَّصَلَ بِهِ الإعْلامُ بِتَنْزِيلِ ما يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، وهو الكِتابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] والكُتُبُ المَذْكُورَةُ في أوَّلِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] وفي آخِرِها [بِقَوْلِهِ] ﴿وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ اللَّذانِ فِيهِما الآصارُ المَرْفُوعَةُ عَنّا، ثُمَّ شَرَحَ بَعْدَهُ أمْرَ التَّصْوِيرِ في الأحْشاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَصالِحَ قِسْمانِ: رُوحانِيَّةٌ وجِسْمانِيَّةٌ، وأشْرَفُ المَصالِحِ الرُّوحانِيَّةِ العِلْمُ الَّذِي هو الرُّوحُ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ فَإنَّها تَصِيرُ بِهِ مِرْآةً مَجْلُوَّةً يَنْجَلِي فِيها صُوَرُ الحَقائِقِ، (p-٢٠٦)وأشْرَفُ المَصالِحِ الجِسْمانِيَّةِ تَعْدِيلُ المِزاجِ وتَسْوِيَةُ البِنْيَةِ في أحْسَنِ هَيْئَةٍ، وقَدَّمَ الرُّوحانِيَّةَ المُتَكَفِّلَ بِها الكِتابُ لِأنَّها أشْرَفُ.
آل عمران 3:2
(p-١٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
”بِسْمِ اللَّهِ“ الواحِدِ المُتَفَرِّدِ بِالإحاطَةِ بِالكَمالِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَةُ إيجادِهِ كُلَّ مَخْلُوقٍ وأوْضَحَ لِلْمُكَلَّفِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي اخْتارَ أهْلَ التَّوْحِيدِ لِمَحَلِّ أُنْسِهِ ومَوْطِنِ جَمْعِهِ وقُدْسِهِ ﴿الم﴾ المَقاصِدُ الَّتِي سِيقَتْ لَها هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإخْبارُ بِأنَّ رِئاسَةَ الدُّنْيا بِالأمْوالِ والأوْلادِ وغَيْرِهِما مِمّا آثَرَهُ الكُفّارُ عَلى الإسْلامِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ عَنْهم شَيْئًا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وأنَّ ما أُعِدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ الجَنَّةِ والرِّضْوانِ هو الَّذِي يَنْبَغِي الإقْبالُ عَلَيْهِ والمُسارَعَةُ إلَيْهِ [وفِي وصْفِ المُتَّقِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ والصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ والإنْفاقِ] والِاسْتِغْفارِ (p-١٩٦)ما يَتَعَطَّفُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أفانِينِ أسالِيبِ هَذِهِ السُّورَةِ هَذا ما كانَ ظَهَرَ لِي أوَّلًا، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ نَخُصَّ القَصْدَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ بِالقَصْدِ فِيها فَإنَّ الأمْرَيْنِ الآخَرَيْنِ يَرْجِعانِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَصْفَ بِالقَيُّومِيَّةِ يَقْتَضِي القِيامَ بِالِاسْتِقامَةِ، فالقِيامُ يَكُونُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، والِاسْتِقامَةُ العَدْلُ كَما قالَ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أيْ بِعِقابِ العاصِي وثَوابِ الطّائِعِ بِما يَقْتَضِي لِلْمُوَفَّقِ تَرْكَ العِصْيانِ ولُزُومَ الطّاعَةِ؛ وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الفاتِحَةَ لَمّا كانَتْ جامِعَةً لِلدِّينِ إجْمالًا جاءَ بِهِ التَّفْصِيلُ مُحاذِيًا لِذَلِكَ، فابْتُدِئَ بِسُورَةِ الكِتابِ المُحِيطِ بِأمْرِ الدِّينِ، ثُمَّ بِسُورَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو سِرُّ حَرْفِ الحَمْدِ [و] أوَّلُ حُرُوفِ الفاتِحَةِ، لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو الأمْرُ الَّذِي لا يَقُومُ بِناءٌ إلّا عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الطَّرِيقُ وثَبَتَ الأساسُ جاءَتِ الَّتِي بَعْدَها داعِيَةً إلى الِاجْتِماعِ عَلى ذَلِكَ؛ وأيْضًا (p-١٩٧)فَلَمّا ثَبَتَ بِالبَقَرَةِ أمْرُ الكِتابِ في أنَّهُ هُدىً وقامَتْ بِهِ دَعائِمُ الإسْلامِ الخَمْسُ جاءَتْ هَذِهِ لِإثْباتِ الدَّعْوَةِ الجامِعَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] فَأثْبَتَ الوَحْدانِيَّةَ لَهُ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ بِإثْباتِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى عَبْدُهُ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ عَبِيدُهُ دَعَتْ سُورَةَ النِّساءِ إلى إقْبالِهِمْ إلَيْهِ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ بِها هو التَّوْحِيدُ تَسْمِيَتُها بِآلِ عِمْرانَ، فَإنْ لَمْ يُعْرِبْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أعْرَبَ عَنْهُ ما ساقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها مِن أخْبارِهِمْ بِما فِيها مِنَ الأدِلَّةِ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ الَّذِي لَيْسَ في دَرَجِ الإيمانِ أعْلى مِنهُ، فَهو التّاجُ الَّذِي هو خاصَّةُ المَلِكِ المَحْسُوسَةُ، كَما أنَّ التَّوْحِيدَ خاصَّتُهُ المَعْقُولَةُ، والتَّوْحِيدُ مُوجِبٌ لِزَهْرَةِ المُتَحَلِّي بِهِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزَّهْراءَ.
(p-١٩٨)القَصْدُ الأوَّلُ التَّوْحِيدُ
ومُناسَبَةُ هَذا الأوَّلِ بِالِابْتِدائِيَّةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُ البَقَرَةِ في الحَقِيقَةِ آيَةَ الكُرْسِيِّ وما بَعْدَها إنَّما هو بَيانٌ، لِأنَّها أوْضَحَتْ أمْرَ الدِّينِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وراءَها مَرْمىً لِمُتَعَنِّتٍ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن حالِ مَن جادَلَ في الإلَهِيَّةِ أوِ اسْتَبْعَدَ شَيْئًا مِنَ القُدْرَةِ ولَمْ يَنْظُرْ فِيما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ مَعَ وُضُوحِهِ، أوْ إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ بِأمْرِ السَّنابِلِ في قالَبِ الإرْشادِ إلى ما يَنْفَعُ في اليَوْمِ الَّذِي نَفى فِيهِ نَفْعَ البَيْعِ والخُلَّةِ والشَّفاعَةِ مِنَ النَّفَقاتِ، وبَيانُ بَعْضِ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وتَقْرِيرُ أمْرِ مِلْكِهِ لِما مِنهُ الإنْفاقُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، والإخْبارُ بِإيمانِ الرَّسُولِ وأتْباعِهِ بِذَلِكَ، وبِأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ المُشارِ إلَيْهِمْ في السُّورَةِ، وبِصِدْقِهِمْ في التَّضَرُّعِ بِرَفْعِ الأثْقالِ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن قَبْلَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، وبِالنُّصْرَةِ عَلى عامَّةِ الكافِرِينَ؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ ناسَبَ هَذا الِاخْتِتامَ غايَةَ المُناسَبَةِ ابْتِداءُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالَّذِي وقَعَ الإيمانُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ووُجِّهَتِ الرَّغَباتُ آخِرَ تِلْكَ إلَيْهِ؛ وأحْسَنُ مِنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إلَيْنا كِتابُهُ فَجَمَعَ مَقاصِدَهُ في الفاتِحَةِ عَلى وجْهٍ أرْشَدَ فِيهِ إلى سُؤالِ الهِدايَةِ ثُمَّ شَرَعَ في (p-١٩٩)تَفْصِيلِ ما جَمَعَهُ في الفاتِحَةِ، فَأرْشَدَ في أوَّلِ البَقَرَةِ إلى أنَّ الهِدايَةَ في هَذا الكِتابِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ المَعْنى والنَّظْمِ كَما تَقَدَّمَ إلى أنْ خَتَمَ البَقَرَةَ بِالإخْبارِ عَنْ خُلَّصِ عِبادِهِ بِالإيمانِ بِالمُنْزَلِ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ، وأفْهَمَ ذَلِكَ مَعَ التَّوَجُّهِ بِالدُّعاءِ إلى المُنْزِلِ لَهُ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كُلَّ شَيْءٍ وبِيَدِهِ النَّصْرُ، عَلِمَ أنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ قَيُّومٌ لا يَغْفُلُ وأنَّ ما أنْزَلَ هو الحَقُّ، فَصَرَّحَ أوَّلَ هَذِهِ بِما أفْهَمَهُ آخِرَ تِلْكَ، كَما يُصَرَّحُ بِالنَّتِيجَةِ بَعْدَ المُقَدِّماتِ المُنْتِجَةِ لَها فَقالَ: ”الله“ أيِ الَّذِي لا يَذِلُّ مَن والاهُ ولا يَعُزُّ مَن عاداهُ لِأنَّ لَهُ الإحاطَةَ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ والنَّزاهَةِ الكامِلَةِ مِن كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ.
وقالَ الحَرالِّيُّ مُشِيرًا إلى القَوْلِ الصَّحِيحِ في تَرْتِيبِ السُّوَرِ مِن أنَّهُ بِاجْتِهادِ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إقْرارًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِهَذا الِانْتِظامِ والتَّرْتِيبِ السُّوَرِيِّ في مُقَرَّرِ هَذا الكِتابِ: هو ما رَضِيَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَأقَرَّهُ؛ فَلَمّا كانَتْ سُورَةُ الفاتِحَةِ جامِعَةً لِكُلِّيَّةِ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما يَرْجِعُ إلَيْهِ، وفِيما يَرْجِعُ إلى عَبْدِهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِهِ، فَكانَتْ أُمَّ القُرْآنِ وأُمَّ الكِتابِ؛ جَعَلَ مَثْنى تَفْصِيلِ (p-٢٠٠)ما يَرْجِعُ مِنها إلى الكِتابِ المُنْبِئَ عَنْ مَوْقِعِهِ في الفاتِحَةِ مُضَمَّنًا سُورَةَ البَقَرَةِ إلى ما أعْلَنَ بِهِ لَأْلَأُ نُورِ آيَةِ الكُرْسِيِّ فِيها، وكانَ مَنزِلُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن مَثْنى تَفْصِيلِ ما يَرْجِعُ إلى خاصِّ عَلَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الفاتِحَةِ، فَكانَ مَنزِلَةُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مَنزِلَةَ تاجِ الرّاكِبِ وكانَ مَنزِلَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنزِلَةَ سَنامِ المَطِيَّةِ؛ قالَ ﷺ: «”لِكُلِّ شَيْءٍ سَنامٌ وسَنامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، لِكُلِّ شَيْءٍ تاجٌ وتاجُ القُرْآنِ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ»“ [وإنَّما بُدِئَ هَذا التَّرْتِيبُ لِسُورَةِ الكِتابِ لِأنَّ عِلْمَ الكِتابِ أقْرَبُ إلى المُخاطَبِينَ مِن تَلَقِّي عَلَنِ أمْرِ اللَّهِ، فَكانَ في تَعَلُّمِ سُورَةِ البَقَرَةِ والعَمَلِ بِها تَهَيُّؤٌ لِتَلَقِّي ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ] لِيَقَعَ التَّدَرُّجُ والتَّدَرُّبُ بِتَلَقِّي الكِتابِ حِفْظًا وبِتَلَقِّيهِ عَلى اللَّقْنِ مُنَزِّلُ الكِتابِ بِما أبْداهُ عَلَنُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أنَّ إحاطَةَ ”الم“ المُنْزَلَةِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ إحاطَةٌ كِتابِيَّةٌ بِما هو قِيامُهُ وتَمامُهُ، ووَصْلَةُ ما بَيْنَ قِيامِهِ وتَمامِهِ، وأنَّ إحاطَةَ ”الم“ المُنْزَلَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إحاطَةٌ إلَهِيَّةٌ حَيّايِيَّةٌ قَيُّومِيَّةٌ مِمّا بَيْنَ غَيْبَةِ عَظَمَةِ اسْمِهِ ”الله“ إلى تَمامِ (p-٢٠١)قَيُّومِيَّتِهِ البادِيَةِ في تَبارِكِ ما أنْبَأ عَنْهُ اسْمُهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وما أوْصَلَهُ لُطْفُهُ مِن مَضْمُونِ تَوْحِيدِهِ المُنْبِئِ عَنْهُ كَلِمَةُ الإخْلاصِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ هَذا المَجْمُوعُ في مَنزِلِهِ قُرْآنًا حَرْفِيًّا وقُرْآنًا كَلِمِيًّا اسْمِيًّا وقُرْآنًا كَلامِيًّا تَفْصِيلِيًّا مِمّا هو اسْمُهُ الأعْظَمُ كَما تَقَدَّمَ مِن «قَوْلِهِ ﷺ:
”اسْمُ [اللَّهِ] الأعْظَمُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾»“ وكَما وقَعَتْ إلاحَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ لَمّا وقَعَ بِها الإفْصاحُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ كَذَلِكَ وقَعَ في آلِ عِمْرانَ مِن نَحْوِ ما وقَعَ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِيَصِيرَ مَنزِلًا واحِدًا بِما أفْصَحَ مَضْمُونُ كُلِّ سُورَةٍ بِإلاحَةِ الأُخْرى، فَلِذَلِكَ هُما غَمامَتانِ وغَيايَتانِ عَلى قارِئِهِما يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ لا تَفْتَرِقانِ، فَأعْظَمُ ”الم“ هو مَضْمُونُ ”الم“ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ ويَلِيهِ في الرُّتْبَةِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ [سُورَةُ البَقَرَةِ، ويَلِيهِ في الرُّتْبَةِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ] سُوَرُ الآياتِ نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿الم﴾ [لقمان: ١] ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] فَلِلْكِتابِ الحَكِيمِ إحاطَةٌ قِوامًا وتَمامًا ووَصْلَةً، (p-٢٠٢)ولِمُطْلَقِ الكِتابِ إحاطَةٌ كَذَلِكَ، وإحاطَةُ الإحاطاتِ وأعْظَمُ العَظَمَةِ إحاطَةُ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ وكَذَلِكَ أيْضًا اللَّوامِيمُ مُحِيطَةٌ بِإحاطَةِ الطَّواسِيمِ لِما تَتَخَصَّصُ بِهِ مَعانِي حُرُوفِها مِن دُونِ إحاطاتِ حُرُوفِ اللَّوامِيمِ، وإحاطَةُ الحَوامِيمِ مِن دُونِ إحاطَةِ الطَّواسِيمِ لِما تَتَخَصَّصُ بِهِ مَعانِي حُرُوفِها مِن دُونِ إحاطاتِ حُرُوفِ الطَّواسِيمِ عَلى ما يَتَّضِحُ تَراتُبُهُ وعِلْمُهُ لِمَن آتاهُ اللَّهُ فَهْمًا بِمَنزِلَةِ قُرْآنِ الحُرُوفِ المَخْصُوصِ بِإنْزالِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، الَّذِي [هُوَ] مِنَ العِلْمِ الأزَلِيِّ العُلْوِيِّ؛ ثُمَّ قالَ: ولَمّا كانَتْ أعْظَمُ الإحاطاتِ إحاطَةَ [عَظَمَةِ اسْمِهِ ”اللَّهِ“ الَّذِي هو مُسَمّى التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ اسْمًا الَّتِي أوَّلُها ”إلَه“ كانَ ما أفْهَمَهُ أوَّلَ الفَهْمِ هُنا اسْمَ ألِفٍ بِناءً في مَعْنى إحاطاتِ الحُرُوفِ عَلى نَحْوِ إحاطَةِ] اسْمِهِ ”اللَّهِ“ في الأسْماءِ، فَكانَتْ هَذِهِ الألِفُ مُسَمّى كُلِّ ألِفٍ كَما كانَ اسْمُهُ ”الله“ سُبْحانَهُ وتَعالى مُسَمّى كُلِّ اسْمٍ سِواهُ حَتّى أنَّهُ مُسَمّى سائِرِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ الَّتِي هي أسْماؤُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في جَمِيعِ الألْسُنِ كُلِّها مَعَ أسْماءِ العَرَبِيَّةِ أسْماءٍ لِمُسَمّىً هو هَذا الِاسْمُ العَظِيمُ (p-٢٠٣)الَّذِي هو ”الله“ الأحَدُ الَّذِي لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ شِرْكٌ، كَما تَطَرَّقَ إلى أسْمائِهِ مِنَ اسْمِهِ ”إلَه“ إلى غايَةِ اسْمِهِ ”الصَّبُورِ“ وكَما كانَ إحاطَةُ هَذا الألِفِ أعْظَمَ إحاطَةٍ حَرْفِيَّةٍ وسائِرُ الألِفاتِ أسْماءً لِعَظِيمِ إحاطَتِهِ؛ وكَذَلِكَ هَذِهِ المِيمُ أعْظَمُ إحاطَةِ مِيمٍ تَفَصَّلَتْ فِيهِ وكانَتْ لَهُ أسْماءٌ بِمَنزِلَةِ ما هي سائِرُ الألِفاتِ أسْماءً لِمُسَمّى هَذا الألِفِ كَذَلِكَ سائِرُ المِيماتِ اسْمٌ لِمُسَمّى هَذا المِيمِ، كَما أنَّ اسْمَهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ أعْظَمُ تَمامِ كُلِّ عَظِيمٍ مِن أسْماءِ عَظَمَتِهِ؛ وكَذَلِكَ هَذِهِ اللّامُ بِمَنزِلَةِ ألِفِهِ ومِيمِهِ، وهي لامُ الإلَهِيَّةِ الَّذِي أسْرارُهُ لَطِيفُ التَّنَزُّلِ إلى تَمامِ مِيمِ قَيُّومِيَّتِهِ؛ فَمَن لَمْ يَنْتَهِ إلى فَهْمِ مَعانِي الحُرُوفِ في هَذِهِ الفاتِحَةِ نَزَلَ لَهُ الخِطابُ إلى ما هو إفْصاحُ إحاطَتِها في الكَلِمِ والكَلامِ المُنْتَظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَهو قُرْآنٌ حَرْفِيٌّ يُفَصِّلُهُ قُرْآنٌ كَلِمِيٌّ يُفَصِّلُهُ قُرْآنٌ كَلامِيٌّ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي آمَنَ بِهِ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ مُتَوَحِّدٌ لا كُفْؤَ لَهُ فَقَدَ [فازَ] قَصْدُكم إلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وتَعْوِيلُكم عَلَيْهِ في المَسْألَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَما أعْلَنَ بِهِ هَذا الِاسْمُ العَظِيمُ [أيِ] اللَّهُ في هَذِهِ (p-٢٠٤)الفاتِحَةِ هو ما اسْتَعْلَنَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَمّا كانَ إحاطَةُ العَظَمَةِ أمْرًا خاصًّا لِأنَّ العَظَمَةَ إزاءَ اللَّهِ الَّذِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا صاحِبُ سِرٍّ كانَ البادِي لِمَن دُونَ أهْلِ الفَهْمِ مِن رُتْبَةِ أهْلِ العِلْمِ اسْمَهُ ”اللَّهَ الصَّمَدَ“ الَّذِي يُعْنى إلَيْهِ بِالحاجاتِ والرَّغَباتِ المُخْتَصَّ بِالفَوْقِيَّةِ والعُلُوِّ الَّذِي يُقالُ لِلْمُؤْمِنِ عَنْهُ: أيْنَ اللَّهُ؟ فَيَقُولُ: في السَّماءِ، إلى حَدِّ عُلُوِّ أنْ يَقُولَ: فَوْقَ العَرْشِ، فَذَلِكَ الصَّمَدُ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ اسْمُهُ إلَه الَّذِي أنْزَلَ فِيهِ إلْزامَ الإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ مُنْذُ عُبِدَتْ في الأرْضِ الأصْنامُ، فَلِذَلِكَ نَضُمُّ تَوْحِيدَ اسْمِهِ الإلَهِ بِأحَدِيَّةِ مُسَمّىً هو مِنَ اسْمِهِ العَظِيمِ ”اللَّهِ“، ورَجَعَ عَلَيْهِ بِاسْمِ المُضْمَرِ الَّذِي هو في جِبِلّاتِ الأنْفُسِ وغَرائِزِ القُلُوبِ الَّذِي تَجِدُهُ غَيْبًا في بَواطِنِها فَتَقُولُ فِيهِ: هُوَ، فَكانَ هَذا الخِطابُ مَبْدُوءًا بِالِاسْمِ العَظِيمِ المُظْهَرِ مُنْتَهِيًا إلى الِاسْمِ المُضْمَرِ، كَما كانَ خِطابُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] [مَبْدُوءًا بِالِاسْمِ المُضْمَرِ مُنْتَهِيًا إلى الِاسْمِ العَظِيمِ المُظْهَرِ، وكَذَلِكَ أيْضًا اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في سُورَةِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ] كَما هو في [هَذِهِ] الفاتِحَةِ.
ولَمّا كانَ لِبادِي الخَلْقِ افْتِقارٌ [إلى قَوّامٍ] لا يَثْبُتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ دُونَ قَوّامِهِ كانَ القَوّامُ البادِي آيَتُهُ هي الحَياةَ فَما حَيِيَ ثَبَتَ وما ماتَ فَنِيَ وهَلَكَ؛ انْتَهى ولَمّا كانَ المُتَفَرِّدُ بِالمُلْكِ مِن أهْلِ الدُّنْيا (p-٢٠٥)يَمُوتُ قالَ: ﴿الحَيُّ﴾ أيِ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي لا مَوْتَ مَعَها. ولَمّا كانَ الحَيُّ قَدْ يَحْتاجُ في التَّدْبِيرِ إلى وزِيرٍ لِعَجْزِهِ عَنِ الكِفايَةِ بِنَفْسِهِ في جَمِيعِ الأعْمالِ قالَ: ﴿القَيُّومُ﴾ إعْلامًا بِأنَّ بِهِ قِيامَ كُلِّ شَيْءٍ وهو قائِمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكَما أنَّ الحَياةَ بِنَفْخَةٍ مِن رُوحِ أمْرِهِ فَكُلُّ مُتَماسِكٍ عَلى صُورَتِهِ حَيٌّ بِقَيُّومِيَّتِهِ انْتَهى.
وفِي وصْفِهِ بِذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى نَصْرِ جُنْدِهِ وإعْزازِ دِينِهِ وعَوْنِ ولِيِّهِ، وحَثٌّ عَلى مُراقَبَتِهِ بِجِهادِ أعْدائِهِ ودَوامِ الخُضُوعِ لَدَيْهِ والضَّراعَةِ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ مِن مَعْنى القَيُّومِ أنَّهُ المُدَبِّرُ لِلْمَصالِحِ اتَّصَلَ بِهِ الإعْلامُ بِتَنْزِيلِ ما يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، وهو الكِتابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] والكُتُبُ المَذْكُورَةُ في أوَّلِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] وفي آخِرِها [بِقَوْلِهِ] ﴿وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ اللَّذانِ فِيهِما الآصارُ المَرْفُوعَةُ عَنّا، ثُمَّ شَرَحَ بَعْدَهُ أمْرَ التَّصْوِيرِ في الأحْشاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَصالِحَ قِسْمانِ: رُوحانِيَّةٌ وجِسْمانِيَّةٌ، وأشْرَفُ المَصالِحِ الرُّوحانِيَّةِ العِلْمُ الَّذِي هو الرُّوحُ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ فَإنَّها تَصِيرُ بِهِ مِرْآةً مَجْلُوَّةً يَنْجَلِي فِيها صُوَرُ الحَقائِقِ، (p-٢٠٦)وأشْرَفُ المَصالِحِ الجِسْمانِيَّةِ تَعْدِيلُ المِزاجِ وتَسْوِيَةُ البِنْيَةِ في أحْسَنِ هَيْئَةٍ، وقَدَّمَ الرُّوحانِيَّةَ المُتَكَفِّلَ بِها الكِتابُ لِأنَّها أشْرَفُ.
آل عمران 3:3
ولَمّا كانَتْ مادَّةُ ”كَتَبَ“ دائِرَةً عَلى مَعْنى الجَمْعِ عَبَّرَ بِالتَّنْزِيلِ الَّذِي مَعْناهُ التَّفْرِيقُ لِتَشْمَلَ هَذِهِ الجُمْلَةُ [عَلى] وجازَتِها مِن أمْرِهِ عَلى إجْمالٍ وتَفْصِيلٍ فَقالَ: وقالَ الحَرالِّيُّ: [و] لَمّا كانَتْ إحاطَةُ الكِتابِ أيْ في البَقَرَةِ ابْتِداءً وأعْقَبَها أيْ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إحاطَةَ الإلَهِيَّةِ جاءَ [هَذا] الخِطابُ رَدًّا عَلَيْهِ، فَتَنَزَّلَ مِنَ الإحاطَةِ الإلَهِيَّةِ إلى الإحاطَةِ الكِتابِيَّةِ بِالتَّنْزِيلِ الَّذِي [هُوَ] تَدَرُّجٌ مِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ دُونَها؛ انْتَهى فَقالَ: ﴿نَـزَّلَ﴾ أيْ شَيْئًا فَشَيْئًا في هَذا العَصْرِ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ خاصَّةً بِما اقْتَضاهُ تَقْدِيمُ الجارِّ مِنَ الحَصْرِ، وكَأنَّ مُوجِبَ ذَلِكَ ادِّعاءُ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ هَذا الوَحْيِ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ الجامِعَ لِلْهُدى مُنَجَّمًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ، لَمْ يَغْفُلْ عَنْ واحِدَةٍ مِنها ولا قَدَّمَ جَوابَها ولا أخَّرَهُ عَنْ مَحَلِّ الحاجَةِ، لِأنَّهُ قَيُّومٌ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ.
(p-٢٠٧)قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذا الكِتابُ هو الكِتابُ المُحِيطُ الجامِعُ الأوَّلُ الَّذِي لا يَنْزِلُ إلّا عَلى الخاتَمِ الآخِرِ المُعَقِّبِ لِما أقامَ بِهِ حِكْمَتَهُ مِن أنَّ صُوَرَ الأواخِرِ مُقامَةٌ بِحَقائِقِ الأوائِلِ، فَأوَّلُ الأنْوارِ الَّذِي هو نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ هو قُثَمُ خاتَمِ الصُّوَرِ الَّتِي هي صُورَةُ مُحَمَّدٍ انْتَهى. تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ، فَهو ثابِتٌ في نَفْسِهِ، وكُلُّ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ كَذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وكَما أنَّ هَذا الكِتابَ هو الكِتابُ الجامِعُ الأوَّلُ المُحِيطُ بِكُلِّ كِتابٍ كَذَلِكَ هو الحَقُّ المُنَزَّلُ بِهِ هَذا الكِتابُ هو الحَقُّ الجامِعُ المُحِيطُ الَّذِي كُلُّ حَقٍّ مِنهُ، وهو الحَقُّ الَّذِي أقامَ بِهِ حِكْمَتَهُ فِيما رَفَعَ ووَضَعَ. انْتَهى. حالَ كَوْنِهِ ﴿مُصَدِّقًا﴾ ولَمّا كانَ العامِلُ مَرْفُوعًا لِأنَّهُ أمْرُ فاعِلٍ قَوّاهُ في اللّامِ فَقالَ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي أتَتْ بِها الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ هَذا الكِتابُ أوَّلًا وجامِعًا ومُحِيطًا كانَ كُلُّ كِتابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ مِن ورائِهِ كِتابٌ انْتَهى.
ولَمّا [كانَ] نِزاعُ وفْدِ نَجْرانَ في الإلَهِ أوِ النَّبِيِّ أوْ فِيهِما (p-٢٠٨)كانَ هَذا الكَلامُ كَفِيلًا عَلى وجازَتِهِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ بِبَيانِ الحَقِّ في الإلَهِ بِالقَيُّومِيَّةِ، وفي المَعْنى بِالكِتابِ المُعْجِزِ، ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ أشارَ إلى أنَّ لَيْسَ لَهم إنْكارُ هَذا الكِتابِ وهو أعْلى مِنها في كُلِّ أمْرٍ أوْجَبَ تَصْدِيقَها وإلى [أنَّ] مَن أنْكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ مِنَ الأمْرِ الظّاهِرِ أنَّهُ مُعانِدٌ لا شَكَّ في عِنادِهِ فَقالَ: ﴿وأنْـزَلَ التَّوْراةَ﴾ وهو ”فَوْعَلَةٌ“ لَوْ صُرِفَتْ مِنَ الوَرْيِ وهو قَدْحُ النّارِ مِنَ الزَّنْدِ، اسْتُثْقِلَ اجْتِماعُ الواوَيْنِ فَقُلِبَ أوَّلُهُما تاءً كَما في اتِّحادٍ [و] اتِّلاجٍ واتِّزارٍ واتِّزانٍ ونَحْوِهِ قالَ الحَرالِّيُّ: فَهي تَوْراةٌ بِما هي نُورٌ أعْقَبَتْ ظَلامَ ما ورَدَتْ عَلَيْهِ مِن [كُفْرٍ] دُعِيَ إلَيْها مِنَ الفَراعِنَةِ، فَكانَ فِيها هُدىً ونُورٌ ﴿والإنْجِيلَ﴾ مِنَ النَّجْلِ، وُضِعَ عَلى زِيادَةِ ”إفْعِيلٍ“ لِمَزِيدِ مَعْنى ما وُضِعَتْ لَهُ هَذِهِ الصِّيغَةُ، وزِيادَتاها مُبالَغَةٌ في المَعْنى، وأصْلُ النَّجْلِ اسْتِخْراجُ خُلاصَةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْوَلَدِ: نَجْلُ أبِيهِ. كَأنَّ الإنْجِيلَ اسْتَخْلَصَ خُلاصَةَ نُورِ التَّوْراةِ فَأظْهَرَ باطِنَ ما شُرِعَ في التَّوْراةِ ظاهِرَةً، فَإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ إحاطَةٍ لِأمْرِ الظّاهِرِ الَّذِي يُحِيطُ بِالأعْمالِ وإصْلاحِ أمْرِ الدُّنْيا وحُصُولِ الفَوْزِ مِن عاقِبَةِ [يَوْمِ الأُخْرى فَهو جامِعُ إحاطَةِ (p-٢٠٩)الظَّواهِرِ، وكُلُّ آيَةٍ ظاهِرَةٍ فَمِن كِتابِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كِتابِ إحاطَةٍ] لِأمْرِ البَواطِنِ يُحِيطُ بِالأُمُورِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي بِها يَقَعُ لَمْحُ مَوْجُودِ الآخِرَةِ مَعَ الإعْراضِ عَنْ إصْلاحِ الدُّنْيا بَلْ مَعَ هَدْمِها، فَكانَ الإنْجِيلُ مُقِيمًا لِأمْرِ الآخِرَةِ هادِمًا لِأمْرِ الدُّنْيا مَعَ حُصُولِ أدْنى بُلْغَةٍ، وكانَتِ التَّوْراةُ مُقِيمَةً لِإصْلاحِ الدُّنْيا مَعَ تَحْصِيلِ الفَوْزِ في الآخِرَةِ، فَجَمَعَ هَذانِ الكِتابانِ إحاطَتَيِ الظّاهِرِ والباطِنِ، فَكانَ مَنزِلُ التَّوْراةِ مِن مُقْتَضى اسْمِهِ الظّاهِرِ، وكانَ مَنزِلُ الإنْجِيلِ مِن مُقْتَضى اسْمِهِ الباطِنِ، كَما كانَ مَنزِلُ الكِتابِ الجامِعِ مِن مُقْتَضى ما في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن أسْمائِهِ العَظِيمَةِ مَعَ لَحْظِ التَّوْحِيدِ لِيَعْتَبِرَ الكِتابُ والسُّورَةُ بِما نَبَّهَ بِتَنْزِيلِهِ مِنَ اسْمِهِ اللَّهِ وسائِرِ أسْمائِهِ عَلى وُجُوهِ إحاطاتِها انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ؛ فَأحاطَ هَذا الكِتابُ إحاطَةً ظاهِرَةً بِأمْرَيِ الظّاهِرِ والباطِنِ بِما أذِنَ مِنهُ تَصْدِيقُهُ لِلْكِتابَيْنِ، وخَصَّهُما سُبْحانَهُ وتَعالى بِالتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِما إعْلامًا بِعَلِيِّ قَدْرِهِما.
آل عمران 3:4
ولَمّا لَمْ يَكُنْ إنْزالُهُما مُسْتَغْرِقًا لِلْماضِي لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في أوَّلِ الزَّمانِ أدْخَلَ الجارَّ مَعْرِيًّا مِنَ التَّقَيُّدِ بِمَن نَزَلا عَلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ وعَدَمِ النِّزاعِ بِخِلافِ القُرْآنِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ إنْزالًا انْقَضى (p-٢١٠)أمْرُهُ ومَضى زَمانُهُ حالَ كَوْنِ الكُلِّ ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا، ولِذا عَمَّ فَقالَ: ﴿لِلنّاسِ﴾ وأمّا في أوَّلِ البَقَرَةِ فَبِمَعْنى خَلْقِ الهِدايَةِ في القَلْبِ، فَلِذا خَصَّ المُتَّقِينَ؛ والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالتَّعْلِيلِ لِآخِرِ البَقَرَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ لِأنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، لِأنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالحَياةِ، لِأنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالقَيُّومِيَّةِ؛ وآمَنَ بِرُسُلِهِ الَّذِينَ جاؤُوا بِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ بِالحَقِّ مِن عِنْدِهِ بِواسِطَةِ مَلائِكَتِهِ.
ولَمّا كانَتْ مادَّةُ ”فَرَقَ“ لِلْفَصْلِ عَبَّرَ بِالإنْزالِ الَّذِي لا يَدُلُّ عَلى التَّدْرِيجِ لِما تَقَدَّمَ مِن إرادَةِ التَّرْجَمَةِ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ عَلى غايَةِ الإيجازِ لِاقْتِضاءِ الإعْجازِ، وجَمَعَ الكِتابَيْنِ في إنْزالٍ واحِدٍ واسْتَجَدَّ لِكِتابِنا إنْزالًا تَنْبِيهًا عَلى [عُلُوِّ] رُتْبَتِهِ عَنْهُما بِمِقْدارِ عُلُوِّ رُتْبَةِ المُتَّقِينَ الَّذِينَ هو هُدىً لَهُمْ، وبِتَقْواهم يَكُونُ لَهم فُرْقانٌ عَلى رُتْبَةِ النّاسِ الَّذِينَ هُما هُدىً لَهم فَقالَ تَعالى: ﴿وأنْـزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ الكِتابَ المُصاحِبَ لِلْعِزِّ الَّذِي يُكْسِبُ صاحِبَهُ قُوَّةَ التَّصَرُّفِ فِيما يُرِيدُ مِنَ الفَصْلِ والوَصْلِ الَّذِي هو وظِيفَةُ السّادَةِ المَرْجُوعِ إلَيْهِمْ عِنْدَ المُلِمّاتِ، المُقْتَرِنَ بِالمُعْجِزاتِ الفارِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وسَتَرى هَذا المَعْنى إنْ شاءَ (p-٢١١)اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ بِأوْضَحَ مِن هَذا؛ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُنَفِّذَ قائِلُهُ أمْرَ الكِتابِ المُقَرَّرِ فِيهِ الشَّرْعُ الحَقُّ المُبايِنُ لِجَمِيعِ المِلَلِ الباطِلَةِ والأهْواءِ المُضِلَّةِ والنِّحَلِ الفاسِدَةِ، وذَلِكَ هو رُوحُ النَّصْرِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ المُرْشِدُ إلى الدُّعاءِ بِهِ خِتامُ البَقَرَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ الفُرْقانُ جامِعًا لِمَنزِلِ ظاهِرِ التَّوْراةِ ومَنزِلِ باطِنِ الإنْجِيلِ جَمْعًا يُبْدِي ما وراءَ مَنزِلِهِما بِحُكْمِ اسْتِنادِهِ لِلتَّقْوى الَّتِي هي تَهَيُّؤٌ لِتَنَزُّلِ الكِتابِ ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] فَكانَ الفُرْقانُ أقْرَبَ الكُتُبِ لِلْكِتابِ الجامِعِ، فَصارَ التَّنْزِيلُ في ثَلاثِ رُتَبٍ: رُتْبَةِ الكِتابِ المُنَزَّلِ بِالحَقِّ الجامِعِ، ثُمَّ رُتْبَةِ الفُرْقانِ المُظْهِرِ لِمَحَلِّ الجَمْعِ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، ثُمَّ مَنزِلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ [المُخْتَفِي فِيهِ مَوْضِعُ ظاهِرِ التَّوْراةِ بِباطِنِ الإنْجِيلِ] انْتَهى.
ومُناسَبَةُ ابْتِدائِها بِالتَّوْحِيدِ لِما في أثْنائِها أنَّهُ لَمّا خَلَقَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أُنْثى فَقَطْ وهي أدْنى أسْبابِ النَّماءِ كانَ (p-٢١٢)وُجُودُهُ إشارَةً إلى أنَّ الزِّيادَةَ قَدِ انْتَهَتْ، وأنَّ الخَلْقَ أخَذَ في النُّقْصانِ، وهَذا العالَمُ أشْرَفَ عَلى الزَّوالِ، فَلَمْ يَأْتِ بَعْدَهُ مِن قَوْمِهِ نَبِيٌّ بَلْ كانَ خاتَمَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ [هَذا] النَّبِيُّ الَّذِي أتى بَعْدَهُ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ خاتَمَ الأنْبِياءِ مُطْلَقًا، وكانَ مَبْعُوثًا مَعَ نَفْسِ السّاعَةِ، وكانَ نُزُولُهُ هو آخِرَ الزَّمانِ عَلَمًا عَلى السّاعَةِ، وصُدِّرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي نَزَلَ كَثِيرٌ مِنها بِسَبَبِهِ بِالوَحْدانِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّ الوارِثَ قَدْ دَنا زَمانُ إرْثِهِ، وأنْ يَكُونَ ولا شَيْءَ مَعَهُ كَما كانَ، وأنَّ الحِينَ الَّذِي يَتَمَحَّضُ فِيهِ تَفَرُّدُ الواحِدِ قَدْ حانَ، والآنَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ سُبْحانَهُ لَهُ المُلْكُ اليَوْمَ قَدْ آنَ؛ ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَخْلُوقًا مِنَ التُّرابِ الَّذِي هو أمْتَنُ أسْبابِ النَّماءِ، وهو غالِبٌ عَلى كُلِّ ما جاوَرَهُ، وكانَتِ الأُنْثى مَخْلُوقَةً مِن آدَمَ الَّذِي هو الذَّكَرُ وهو أقْوى سَبَبَيِ التَّناسُلِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى كَثْرَةِ الخَلائِقِ ونَمائِهِمْ وازْدِيادِهِمْ، فَصَدَّرَ أوَّلَ سُورَةٍ ذَكَرَ فِيها خَلْقَهُ وابْتِداءَ أمْرِهِ بِالكِتابِ إشارَةً إلى أنَّ ما يُشِيرُ إلَيْهِ ذِكْرُهُ مِن تَكَثُّرُ الخَلائِقِ وانْتِشارِ الأُمَمِ والطَّوائِفِ داعٍ إلى إنْزالِ الشَّرائِعِ وإرْسالِ الرُّسُلِ بِالأحْكامِ والدَّلائِلِ، فالمَعْنى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا كانَ مِنهُ الِابْتِداءُ (p-٢١٣)وعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا كانَ دَلِيلًا عَلى الِانْتِهاءِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما مِمّا كانَ مِنهُ، وأنْ تُصَدَّرَ سُورَةُ كُلٍّ بِما صُدِّرَتْ بِهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ما حاصِلُهُ: إنَّ اتِّصالَها بِسُورَةِ البَقَرَةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ مِن جِهاتٍ: إحْداها ما تَبَيَّنَ في صَدْرِ السُّورَةِ مِمّا [هُوَ] إحالَةٌ عَلى ما ضُمِّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِأسْرِها، ثانِيها الإشارَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ أيْضًا إلى أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ قَدْ تَبَيَّنَ شَأْنُهُ لِمَن تَقَدَّمَ في كُتُبِهِمْ، فَإنَّ هَذا الكِتابَ جاءَ مُصَدِّقًا لِما نَزَلَ ( ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣]، فَهو بَيانٌ لِحالِ الكِتابِ الَّذِي هو هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، ولَمّا بَيَّنَ افْتِراقَ الأُمَمِ بِحَسَبِ السّابِقَةِ إلى أصْنافٍ ثَلاثَةٍ، وذَكَرَ مِن تَعَنُّتِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوَقُّفِهِمْ ما تَقَدَّمَ أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ، وأنْزَلَ بَعْدَها الإنْجِيلَ، وأنَّ كُلَّ ذَلِكَ هُدىً لِمَن وفَّقَ، إعْلامًا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ مَن تَقَدَّمَهم قَدْ بَيَّنَ لَهم ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] والثّالِثَةُ قِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وابْتِداءِ أمْرِهِ مِن غَيْرِ أبٍ والِاعْتِبارِ بِهِ نَظِيرَ الِاعْتِبارِ بِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِهَذا أشارَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ (p-٢١٤)عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] انْتَهى.
ولَمّا عَلَّمَ بِذَلِكَ أمْرَ القَيُّومِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالحَقِّ وهو الإيمانُ عَلَّمَ أنَّ لِمُخالِفِي أمْرِهِ مِن أضْدادِ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ وهُمُ الكَفَرَةُ المَدْعُوُّ بِخِذْلانِهِمُ المُنْزَلُ الفُرْقانُ لِمَحْوِ أدْيانِهِمُ الوَيْلَ والثُّبُورَ، فاتَّصَلَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى الَّتِي فَطَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْها، ثُمَّ ما بَيَّنَتْ لَهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ البَيانِ الَّذِي لا لَبْسَ مَعَهُ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ إقْبالًا مِنهم عَلى ما لَيْسَ لَهُ أصْلًا صِفَةُ كَمالٍ، وهَذا الكُفْرُ كَما قالَ الحَرالِّيُّ دُونَ الكُفْرِ بِأسْماءِ اللَّهِ الَّذِي هو دُونَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، قالَ: [فَكَما] بَدَأ خِطابَ التَّنْزِيلِ مِن أعْلاهُ نَظَّمَ بِهِ ابْتِداءَ الكُفْرِ مِن أدْناهُ انْتَهى.
﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ كَما تَقْتَضِيهِ صِفَتا العِزَّةِ والنِّقْمَةِ، وفي وصْفِهِ بِالشِّدَّةِ إيذانٌ بِأنَّ مَن كَفَرَ دُونَ هَذا الكُفْرِ كانَ لَهُ مُطْلَقُ عَذابٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إشْعارِهِ أنَّ لِمَن داخِلُهُ كُفْرٌ ما حُطَّ بِحَسَبِ خَفاءِ ذَلِكَ الكُفْرِ، فَأفْصَحَ الخِطابُ بِالأشَدِّ وألاحَ بِالأضْعَفِ. انْتَهى. (p-٢١٥)والآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ مِمَّنْ كَأنَّهُ قالَ: ماذا يَفْعَلُ بِمَن أعْرَضَ عَنِ الكُتُبِ المَوْصُوفَةِ؟ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وأنْـزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ الفارِقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِنَ الآياتِ والأحْكامِ عَلَيْكَ وعَلى غَيْرِكَ مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يُبْقِ لِأحَدٍ شُبْهَةً فَقالَ: وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَمّا أنْزَلَ سُورَةَ البَقَرَةِ عَلى طُولِها في بَيانِ أنَّ الكِتابَ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، وبَيَّنَ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ وحْدانِيَّتُهُ وحَياتُهُ وقَيُّومِيَّتُهُ الدّالَّةُ عَلى تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ صِدْقَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أيَّدَ ذَلِكَ بِالإعْلامِ بِأنَّ ذَلِكَ الكِتابَ مَعَ أنَّهُ هادٍ إلَيْهِ حَقٌّ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ لِمُصادَقَتِهِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ.
ولَمّا خَتَمَ أوْصافَهُ بِأنَّهُ فُرْقانٌ لا يَدَعُ لَبْسًا ولا شُبْهَةً أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا أنَّ الَّذِينَ قَدَّمَ أوَّلَ تِلْكَ أنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ بِهِ خاسِرُونَ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ مُؤَكِّدًا مُظْهِرًا لِما كانَ مِن حَقِّهِ الإضْمارُ، لَوْلا إرادَةُ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ وهو الكُفْرُ أيِ السَّتْرُ لِما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الآياتِ؛ ثُمَّ قَرَّرَ قُدْرَتَهُ عَلى ما هَدَّدَ بِهِ وعَبَّرَ بِهِ فَقالَ: عاطِفًا عَلى ما أرْشَدَ السِّياقُ مَعَ العَطْفِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ إلى أنَّهُ: فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِما لَهُ (p-٢١٦)مِنَ القَيُّومِيَّةِ بِجَمِيعِ أحْوالِهِمْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ العَظِيمُ مَعَ كَوْنِهِ رَقِيبًا ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ تَسَلُّطٍ وبَطْشٍ شَدِيدٍ بِسَطْوَةٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَأظْهَرَ وصْفَ العِزَّةِ مَوْصُولًا بِما أدامَ مِنَ انْتِقامِهِ بِما يُعْرِبُ عَنْهُ كَلِمَةُ ذُو المُفْصِحَةُ بِمَعْنى صُحْبَةٍ ودَوامٍ، فَكَأنَّ في إشْعارِهِ دَوامًا لِهَذا الِانْتِقامِ بِدَوامِ أمْرِ الكِتابِ الجامِعِ المُقابِلِ عُلُوُّهُ لِدُنُوِّ هَذا الكُفْرِ، وكانَ في طَيِّ إشْعارِ الِانْتِقامِ أحَدُ قِسْمَيْ إقامَةِ القَيُّومِيَّةِ في طَرَفَيِ النِّقْمَةِ والرَّحْمَةِ، فَتَقابَلَ هَذانِ الخِطابانِ إفْصاحًا وإفْهامًا مِن حَيْثُ ذَكَرَ تَفْصِيلَ الكُتُبِ إفْصاحًا فَأفْهَمَ مُتَنَزِّلَ الفِتْنَةِ في الِابْتِداءِ إلاحَةً، فَإنَّهُ كَما أنْزَلَ الكُتُبَ هُدىً أنْزَلَ مُتَشابِهَها فِتْنَةً، فَتَعادَلَ الإفْصاحانِ والإلاحَتانِ، وتَمَّ بِذَلِكَ أمْرُ الدِّينِ في هَذِهِ السُّورَةِ انْتَهى. وما أحْسَنَ إطْلاقَ [العَذابِ بَعْدَ ذِكْرِ الفُرْقانِ لِيَشْمَلَ الكَوْنُ في الدُّنْيا نُصْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ اسْتِجابَةً لِدُعائِهِمْ، وفي الآخِرَةِ] تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِمْ وزِيادَةً في سُرُورِهِمْ ونَعِيمِهِمْ، وتَهْدِيدًا لِمَن تُرِكَ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ السُّورَةِ بِسَبَبِهِمْ وهم وفْدُ نَصارى نَجْرانَ. يُجادِلُونَ النَّبِيَّ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-٢١٧)والسَّلامُ، فَتارَةً يَقُولُونَ: هو اللَّهُ، وتارَةً يَقُولُونَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يَقُولُونَ، هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وكانَ بَعْضُهم عالِمًا بِالحَقِّ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِأنَّ أحْمَدَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ هو هَذا النَّبِيُّ العَرَبِيُّ فَقالَ لَهُ بَعْضُ أقارِبِهِ: فَلِمَ لا تَتَّبِعُهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عِيسى أمَرَ بِاتِّباعِهِ؟ فَقالَ لَهُ: لَوِ اتَّبَعْناهُ لَسَلَبَنا مَلِكُ الرُّومِ جَمِيعَ ما تَرى مِنَ النِّعْمَةِ، وكانَ مُلُوكُ الرُّومِ قَدْ أحَبُّوهم لِاجْتِهادِهِمْ في دِينِهِمْ وعَظَّمُوهم وسَوَّدُوهم وخَوَّلُوهم في النِّعَمِ حَتّى عَظُمَتْ رِئاسَتُهم وكَثُرَتْ أمْوالُهم عَلى ما بُيِّنَ في السِّيرَةِ الهِشامِيَّةِ وغَيْرِها، واسْتَمَرَّ سُبْحانَهُ وتَعالى [يُؤَكِّدُ] اسْتِجابَتَهُ لِدُعاءِ أوْلِيائِهِ بِالنُّصْرَةِ آخِرَ البَقَرَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] إلى أنْ خَتَمَ السُّورَةَ بِشَرْطِ الِاسْتِجابَةِ فَقالَ: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]
آل عمران 3:5
ثُمَّ قالَ تَوْضِيحًا لِما قَدَّمَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ مِن إثْباتِ العِلْمِ، واسْتِدْلالًا عَلى وصْفِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالقَيُّومِيَّةِ الَّتِي فارَقَ بِها كُلَّ مَن يَدَّعِي فِيهِ الإلَهِيَّةَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن جادَلَ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأطْراهُ بِدَعْواهُ أنَّهُ إلَهٌ، ومُوَضِّحًا لِأنَّ كُتُبَهُ هُدىً (p-٢١٨)وأنَّهُ عالِمٌ بِالمُطِيعِ والعاصِي بِما تَقَدَّمَ أنَّهُ أرْشَدَ العَطْفَ في ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ [آل عمران: ٤] إلى تَقْدِيرِهِ، ومُعَلِّلًا لِوَصْفِهِ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ لِما يَأْتِي في سُورَةِ طَهَ مِن أنَّ تَمامَ العِلْمِ يَسْتَلْزِمُ شُمُولَ القُدْرَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها القَيُّومِيَّةُ ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وإنْ دَقَّ، ولَمّا كانَ تَقْرِيبُ المَعْلُوماتِ بِالمَحْسُوساتِ أقْيَدَ في التَّعْلِيمِ والبُعْدِ عَنِ الخَفاءِ قالَ وإنْ كانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ: ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ ولا هم يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَدَّعُوا في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلَ هَذا العِلْمِ، بَلْ في إنْجِيلِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ في حُدُودِ السَّبْعِينَ والثَّمانِمِائَةِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ بَعْضُ الأُمُورِ، قالَ في تَرْجَمَةِ إنْجِيلِ مُرْقُسَ في قِصَّةِ الَّتِي كانَتْ بِها نَزْفُ الدَّمِ: إنَّها أتَتْ مِن ورائِهِ فَأمْسَكَتْ ثَوْبَهُ فَبَرِأتْ فَعَلِمَ القُوَّةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنهُ، فالتَفَتَ إلى الجَمْعِ وقالَ: مَن مَسَّ ثَوْبِي؟ فَقالَ لَهُ تَلامِيذُهُ: ما نَدْرِي، الجَمْعُ يَزْحَمُكَ، ويَقُولُ: مَنِ اقْتَرَبَ؟ فَجاءَتْ وقالَتْ لَهُ الحَقَّ، فَقالَ: يا ابْنَةُ! إيمانُكِ خَلَّصَكِ؛ وهو في إنْجِيلِ لُوقا بِمَعْناهُ ولَفْظِهِ: فَجاءَتْ مِن ورائِهِ وأمْسَكَتْ طَرَفَ ثَوْبِهِ، فَوَقَفَ جَرْيُ دَمِها الَّذِي كانَ يَسِيلُ مِنها، فَقالَ يَسُوعُ [مَن لَمَسَنِي؟ فَأنْكَرَ جَمِيعُهُمْ، فَقالَ بُطْرُسُ والَّذِي (p-٢١٩)مَعَهُ: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ! الجَمِيعُ يَزْحَمُكَ ويُضَيِّقُ عَلَيْكَ ويَقُولُ: مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي] مِن قُرْبٍ مِنِّي؟ قَدْ عَلِمْتُ أنَّ قُوَّةً خَرَجَتْ مِنِّي إلى آخِرِهِ. وقالَ ابْنُ زُبَيْرٍ: ثُمَّ أشارَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ أيْ في البَقَرَةِ مِن تَفْصِيلِ أخْبارِهِمْ. فَكانَ الكَلامُ في قُوَّةِ أنْ لَوْ قِيلَ: أيَخْفى عَلَيْهِ مُرْتَكَباتُ العِبادِ! وهو مُصَوِّرُهم في الأرْحامِ والمُطَّلِعُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُ انْتَهى.
آل عمران 3:6
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى شُمُولَ عِلْمِهِ أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ فَقالَ: وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ كُلُّ تَفْصِيلٍ يَتَقَدَّمُهُ بِالرُّتْبَةِ مُجْمَلٌ جامِعٌ، وكانَتْ تَراجِمُ السُّورَةِ مَوْضِعَ الإجْمالِ لِيَكُونَ تَفْصِيلُها مَوْضِعَ التَّفاصِيلِ، وكانَ مِنَ المَذْكُورِ في سُورَةِ الكِتابِ ما وقَعَ مِنَ اللَّبْسِ كَذَلِكَ كانَ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي تَرْجَمَها جَوامِعُ إلَهِيَّةٌ ما وقَعَ مِنَ اللَّبْسِ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ في هَذِهِ الآيَةِ الجامِعَةِ تَوْطِئَةٌ لِبَيانِ الأمْرِ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِمّا صَوَّرَ في الرَّحِمِ وحَمَلَتْهُ الأُنْثى ووَضَعَتْهُ، وأنَّ جَمِيعَ ما حَوَتْهُ السَّماءُ والأرْضُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ فِيهِ لَبْسٌ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ؛ انْتَهى (p-٢٢٠)فَقالَ مُبَيِّنًا أمْرَ قُدْرَتِهِ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا غَيْرُهُ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي﴾ وقَرَّعَهم بِصَرْفِ القَوْلِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِيَعْظُمَ تَنَبُّهُهم عَلى ما هم فِيهِ مِن قَهْرِ المُصَوِّرِ لَهم عَلى ما أوَجَدَهم عَلَيْهِ مِمّا يَشْتَهُونَهُ ولا يَفْقَهُونَهُ فَقالَ: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ نُطَفًا مِنَ التَّصْوِيرِ وهو إقامَةُ الصُّورَةِ. وهي تَمامُ البادِي الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها حِسُّ النّاظِرِ لِظُهُورِها، فَصُورَةُ كُلِّ شَيْءٍ تَمامُ بُدُوِّهِ قالَ الحَرالِّيُّ: ﴿فِي الأرْحامِ﴾ أيِ الَّتِي لا اطِّلاعَ لَكم عَلَيْها بِوَجْهٍ، ولَمّا كانَ التَّصْوِيرُ في نَفْسِهِ أمْرًا مُعْجِبًا وشَيْنًا لِلْعَقْلِ إذا تَأمَّلَهُ وإنْ كانَ قَدْ هانَ لِكَثْرَةِ الإلْفِ باهِرًا فَكَيْفَ بِأحْوالِهِ المُتَبايِنَةِ وأشْكالِهِ المُتَخالِفَةِ المُتَبايِنَةِ أشارَ إلى التَّعَجُّبِ مِن أمْرِهِ وجَلِيلِ سِرِّهِ بِآلَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنْ قالُوا: إنَّها في هَذا الوَطَنِ شَرْطٌ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ﴾ أيْ كَما ﴿يَشاءُ﴾ أيْ عَلى أيِّ حالَةٍ أرادَ، سَواءٌ عِنْدَهُ كَوْنُكم مِن نُطْفَتَيْ ذَكَرٍ وأُنْثى أوْ نُطْفَةِ أُنْثى وحْدَها دَلِيلًا عَلى كَمالِ العِلْمِ والقَيُّومِيَّةِ، وإيماءً إلى أنَّ مَن صُوِّرَ في الأرْحامِ كَغَيْرِهِ مِنَ العَبِيدِ لا يَكُونُ إلّا عَبْدًا، إذِ الإلَهُ مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن [أنْواعِ] الِاحْتِياجِ والنَّقْصِ. (p-٢٢١)وقالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ في إلاحَةِ هَذِهِ الآيَةِ تَوْزِيعُ أمْرِ الإظْهارِ عَلى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ تُناظِرُ وُجُوهَ التَّقْدِيرِ الثَّلاثَةِ الَّتِي في [فاتِحَةِ] سُورَةِ البَقَرَةِ، فَيُنْتِجُ هُدىً وإضْلالًا وإلْباسًا أكْمَلَ اللَّهُ بِهِ وحْيَهُ، كَما أقامَ بِتَقْدِيرِ الإيمانِ والكُفْرِ والنِّفاقِ خَلْقَهُ فَطابَقَ الأمْرُ الخَلْقَ فَأقامَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ قائِمَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ، فَكانَ في انْتِظامِ هَذِهِ الإفْهاماتِ أنَّ بادِيَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ عِنْدَ انْتِهاءِ الخَلْقِ إنَّما ظَهَرَتْ لِأنَّها مُودَعَةٌ في أصْلِ التَّصْوِيرِ فَصُورَةٌ نُورانِيَّةٌ يُهْتَدى بِها وصُورَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ يُكْفَرُ لِأجْلِها، وصُورَةٌ مُلْتَبِسَةٌ عَيْشِيَّةٌ عِلْمِيَّةٌ يُفْتَتَنُ ويَقَعُ الإلْباسُ والِالتِباسُ مِن جِهَتِها، مِمّا لا يَفِي بِبَيانِها إلّا الفُرْقانُ المُنَزَّلُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا تَتِمُّ إحاطَةُ جَمِيعِها إلّا في القُرْآنِ المَخْصُوصَةُ بِهِ أئِمَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ انْتَهى. فَقَدْ عُلِمَ أنَّ التَّصْوِيرَ في الرَّحِمِ أدَقُّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَعُلِمَ فاعِلُهُ بِغَيْرِهِ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن بابِ الأوْلى فَثَبَتَ أنَّهُ لا كُفْؤَ لَهُ؛ فَلِذَلِكَ وصَلَ بِهِ كَلِمَةَ الإخْلاصِ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا تَضَمَّنَتْ إلاحَةُ هَذِهِ الآيَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الإلْباسِ والتَّكْفِيرِ أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى كَلِمَةَ الإخْلاصِ لِيُظْهِرَ نُورُها أرْجاسَ تِلْكَ الإلْباساتِ وتِلْكَ التَّكْفِيراتِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ (p-٢٢٢)إيذانًا بِما هي لَهُ [الإلْباسُ] والتَّكْفِيرُ مِن وُقُوعِ الإشْراكِ بِالإلَهِيَّةِ والكُفْرِ فِيها والتَّلَبُّسِ والِالتِباسِ في أمْرِها؛ فَكانَ في طَيِّ هَذا التَّهْلِيلِ بُشْرى بِنُصْرَةِ أهْلِ الفُرْقانِ وأهْلِ القُرْآنِ عَلى أهْلِ الِالتِباسِ والكُفْرانِ وخُصُوصًا عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ كُتُبُهم صَرِيحًا في هَذا التَّنْزِيلِ [بَلْ] يُؤَيِّدُ إلاحَتَهُ في التَّهْلِيلِ إظْهارُ الخَتْمِ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفَتَيِ العِزَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلِانْتِقامِ مِن أهْلِ عَداوَتِهِ والحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإكْرامِ أهْلِ وِلايَتِهِ؛ انْتَهى فَقالَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً لا يَجِدُ مَعَها المَغْلُوبُ وجْهَ مُدافَعَةٍ ولا انْفِلاتٍ، ولا مُعْجِزَ لَهُ في إنْفاذِ شَيْءٍ مِن أحْكامِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ الحاكِمُ بِالحِكْمَةِ، فالحُكْمُ المَنعُ عَمّا يَتَرامى إلَيْهِ المَحْكُومُ عَلَيْهِ وحَمْلُهُ عَلى ما يَمْتَنِعُ مِنهُ مِن جَمِيعِ أنْواعِ الصَّبْرِ ظاهِرًا بِالسِّياسَةِ العالِيَةِ نَظَرًا لَهُ، والحِكْمَةُ العِلْمُ بِالأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ مِن قِوامِ أمْرِ العاجِلَةِ وحُسْنِ العُقْبى في الآجِلَةِ؛ فَفي ظاهِرِ ذَلِكَ الجُهْدُ، وفي باطِنِهِ الرِّفْقُ، وفي عاجِلِهِ الكُرْهُ، وفي آجِلِهِ الرِّضى والرَّوْحُ؛ ولا يَتِمُّ الحُكْمُ وتَسْتَوِي الحِكْمَةُ إلّا بِحَسَبِ سَعَةِ العِلْمِ، فَبِذَلِكَ يَكُونُ (p-٢٢٣)تَنْزِيلُ أمْرِ العِزَّةِ عَلى وزْنِ الحِكْمَةِ قالَهُ الحَرالِّيُّ بِالمَعْنى.
آل عمران 3:7
ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِوَصْفِ العِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى الغَلَبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ المُقْتَضِي لِوَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ في أحْسَنِ مَحالِّهِ وأكْمَلِها المُسْتَلْزِمِ لِكَمالِ العِلْمِ، تَقْدِيرًا لِما مَرَّ مِنَ التَّصْوِيرِ وغَيْرِهِ، وكانَ هَذا الكِتابُ أكْمَلَ مَسْمُوعاتِ العِبادِ لِنُزُولِهِ عَلى وجْهٍ هو أعْلى الوُجُوهِ، ونَظْمِهِ عَلى أُسْلُوبٍ أعْجَزَ الفُصَحاءَ وأبْكَمَ البُلَغاءَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الباهِرَةِ والأسْرارِ الظّاهِرَةِ، وعَلى عَبْدٍ هو أكْمَلُ الخَلْقِ؛ أعْقَبَ الوَصْفَيْنِ بِقَوْلِهِ بَيانًا لِتَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي﴾ ولَمّا فَصَّلَ أمْرَ المُنْزَلِ إلى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ نَظَرَ إلَيْهِ جُمْلَةً كَما اقْتَضاهُ التَّعْبِيرُ بِالكِتابِ فَعَبَّرَ بِالإنْزالِ دُونَ التَّنْزِيلِ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ عَلَيْكَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ، وقَصَرَ الخِطابَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ الرّاسِخِينَ وهو رَأْسُهم دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا حَقَّ فَهْمِهِ مِنَ الخَلْقِ غَيْرُهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِيما اخْتُصَّتْ بِهِ مِن عَلَنِ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُناظَرَةً بِسُورَةِ البَقَرَةِ فِيما أنْزَلَتْ مِن إظْهارِ كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ المُنْتَظَمُ بِمَنزِلِ فاتِحَتِها ما يُناظِرُ المُنْتَظَمَ بِفاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلَمّا (p-٢٢٤)كانَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ مَنزِلَ كِتابٍ [هُوَ] الوَحْيُ انْتَظَمَ بِتَرْجَمَتِها الإعْلامُ بِأمْرِ كِتابِ الخَلْقِ الَّذِي هو القَدَرُ، فَكَما بَيَّنَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ كِتابَ تَقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ وكَتَبَهُ في ذَواتٍ مِن مُؤْمِنٍ [وكافِرٍ] ومُرَدَّدٍ بَيْنَهُما هو المُنافِقُ فَتَنَزَّلَتْ سُورَةُ كِتابٍ لِلْوَحْيِ إلى بَيانِ قَدْرِ الكِتابِ الخُلُقِيِّ لِذَلِكَ كانَ مُتَنَزَّلُ هَذا الِافْتِتاحِ الإلَهِيِّ إلى أصْلِ مَنزِلِ الكِتابِ الوَحْيَ؛ ولَمّا بَيَّنَ أمْرَ الخَلْقِ أنَّ مِنهم مَن فَطَرَهُ عَلى الإيمانِ ومِنهم مَن جَبَلَهُ عَلى الكُفْرِ ومِنهم مَن أناسَهُ بَيْنَ الخُلُقَيْنِ، بَيَّنَ في الكِتابِ أنَّ مِنهُ ما أنْزَلَهُ عَلى الإحْكامِ ومِنهُ ما أنْزَلَهُ عَلى الِاشْتِباهِ؛ وفي إفْهامِهِ ما أنْزَلَهُ عَلى الِافْتِنانِ والإضْلالِ بِمَنزِلَةِ خَتْمِ الكُفّارِ؛ انْتَهى فَقالَ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ أيْ لا خَفاءَ بِها. قالَ الحَرالِّيُّ: وهي الَّتِي أبْرَمَ حُكْمَها فَلَمْ يَنْبَتِرْ كَما يُبْرَمُ الحَبْلُ الَّذِي يُتَّخَذُ حِكْمَةً أيْ زِمامًا يُزَمُّ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي يُخافُ خُرُوجُهُ عَلى الِانْضِباطِ، كَأنَّ الآيَةَ المُحْكَمَةَ تَحْكُمُ النَّفْسَ عَنْ جَوَلانِها وتَمْنَعُها مِن جِماحِها وتَضْبِطُها إلى مَحالِّ مَصالِحِها، ثُمَّ قالَ: فَهي آيُ التَّعَبُّدِ مِنَ الخُلُقِ لِلْخَلْقِ (p-٢٢٥)اللّائِي لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُنَّ في كِتابٍ مِن هَذِهِ الكُتُبِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ، فَهُنَّ لِذَلِكَ أُمٌّ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ الإحْكامُ في غايَةِ البَيانِ فَكانَ في تَكامُلِهِ ورَدِّ بَعْضِ مَعانِيهِ إلى بَعْضٍ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وكانَ رَدُّ المُتَشابِهِ إلَيْهِ في غايَةِ السُّهُولَةِ لِمَن رَسَخَ إيمانُهُ وصَحَّ قَصْدُهُ واتَّسَعَ عِلْمُهُ لِيَصِيرَ الكُلُّ شَيْئًا واحِدًا أخْبَرَ عَنِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ فَقالَ: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ والأُمُّ الأمْرُ الجامِعُ الَّذِي يُؤَمُّ أيْ يُقْصَدُ، وقالَ الحَرالِّيُّ: هي الأصْلُ المُقْتَبَسُ مِنهُ الشَّيْءُ في الرُّوحانِيّاتِ والنّابِتُ مِنهُ أوْ فِيهِ في الجِسْمانِيّاتِ ﴿وأُخَرُ﴾ أيْ مِنهُ ﴿مُتَشابِهاتٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: والتَّشابُهُ تُرادُ التَّشَبُّهِ في ظاهِرِ أمْرَيْنِ لِشَبَهِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ بِحَيْثُ يَخْفى خُصُوصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ ثُمَّ قالَ: وهُنَّ الآيُ الَّتِي أخْبَرَ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِنَّ عَنْ نَفْسِهِ وتَنَزُّلاتِ تَجَلِّياتِهِ ووُجُوهِ إعانَتِهِ لِخَلْقِهِ وتَوْفِيقِهِ وإجْرائِهِ ما أجْرى مِنَ اقْتِدارِهِ وقُدْرَتِهِ في بادِئِ (p-٢٢٦)ما أجْراهُ عَلَيْهِمْ، فَهُنَّ لِذَلِكَ مُتَشَبِّهاتٌ مِن حَيْثُ إنَّ نَبَأ الحَقِّ عَنْ نَفْسِهِ لا تَنالُهُ عُقُولُ الخَلْقِ، ولا تُدْرِكُهُ أبْصارُهُمْ، وتَعَرَّفَ لَهم فِيما تَعَرَّفَ بِمِثْلِ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ المُحْكَمَ لِلْعَمَلِ والمُتَشابِهَ لِظُهُورِ العَجْزِ، فَكانَ لِذَلِكَ حَرْفُ المُحْكَمِ أثْبَتَ الحُرُوفِ عَمَلًا، وحَرْفُ المُتَشابِهِ أثْبَتَ الحُرُوفِ إيمانًا، واجْتَمَعَتْ عَلى إقامَتِهِ الكُتُبُ الثَّلاثُ، واخْتَلَفَتْ في الأرْبَعِ اخْتِلافًا كَثِيرًا فاخْتَلَفَ حَلالُها وحَرامُها وأمْرُها ونَهْيُها، واتُّفِقَ عَلى مُحْكَمِها ومُتَشابِهِها انْتَهى. فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا أنَّهُ كَما يَفْعَلُ الأفْعالَ المُتَشابِهَةَ مِثْلَ تَصْوِيرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ نُطْفَةِ ذَكَرٍ، مَعَ إظْهارِ الخَوارِقِ عَلى يَدَيْهِ لِتُبَيِّنَ الرّاسِخَ في الدِّينِ مِن غَيْرِهِ كَذَلِكَ يَقُولُ الأقْوالَ المُتَشابِهَةَ، وأنَّهُ فَعَلَ في هَذا الكِتابِ ما فَعَلَ في غَيْرِهِ مِن كُتُبِهِ مِن تَقْسِيمِ آياتِهِ إلى مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ ابْتِلاءً لِعِبادِهِ لِيُبَيِّنَ فَضْلَ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ المُوقِنِينَ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ، وأنَّ كُلَّ ما كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَلا اخْتِلافَ فِيهِ في نَفْسِ الأمْرِ، لِأنَّ سَبَبَ الِاخْتِلافِ الجَهْلُ أوِ العَجْزُ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُتَعالٍ جَدُّهُ مُنَزَّهٌ قَدْرُهُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَبَيَّنَ فَضْلَهم بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ، ولا يَزالُونَ يُسْتَنْصَرُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَتْحَ المُنْغَلِقِ وبَيانَ المُشْكِلِ حَتّى يَفْتَحَهُ عَلَيْهِمْ بِما يَرُدُّهُ إلى المُحْكَمِ، وهَذا عَلى وجْهٍ يُشِيرُ إلى المَهْمَهِ الَّذِي تاهَ (p-٢٢٧)فِيهِ النَّصارى، والتِّيهِ الَّذِي ضَلُّوا فِيهِ عَنِ المَنهَجِ، واللُّجِّ الَّذِي أغْرَقَ جَماعاتِهِمْ، وهو المُتَشابِهُ الَّذِي مِنهُ [أنَّهم زَعَمُوا] أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ لَهُ القائِلُ: يا رَبُّ! افْعَلْ لِي كَذا ويَسْجُدُ لَهُ، فَيُقِرُّهُ عَلى ذَلِكَ ويُجِيبُ سُؤالَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إلَهٌ، ومِنهُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أبًا وعَلى نَفْسِهِ أنَّهُ ابْنُهُ، فابْتَغَوُا الفِتْنَةَ فِيهِ واعْتَقَدُوا الأُبُوَّةَ والنُّبُوَّةَ عَلى حَقِيقَتِهِما ولَمْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إلى المُحْكَمِ الَّذِي قالَهُ لَهم فَأكْثَرَ مِنهُ، كَما أخْبَرَ عَنْهُ أصْدَقُ القائِلِينَ سُبْحانَهُ وتَعالى في الكِتابِ المُتَواتِرِ الَّذِي حَفِظَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وهو ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] هَذا مِمّا ورَدَ في كِتابِنا الَّذِي لَمْ يُغَيِّرُوا ما عِنْدَهم فَإنْ كانُوا قَدْ بَدَّلُوهُ فَقَدْ ولِلَّهِ الحَمْدُ مِنهُ في الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ في أواخِرِ هَذا القَرْنِ التّاسِعِ مِنَ المُحْكَمِ ما يَكْفِي في (p-٢٢٨)رَدِّ المُتَشابِهِ إلَيْهِ، فَفي إنْجِيلِ لُوقا أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَلاكَ الرَّبِّ لَمّا تَبَدّى لِمَرْيَمَ [مُبَشِّرًا بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ وخافَتْ مِنهُ قالَ لَها: لا تَخافِي يا مَرْيَمُ] ظَفِرْتِ بِنِعْمَةٍ مِن [عِنْدِ] اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنْتِ تَقْبَلِينَ حَبَلًا وتَلِدِينَ ابْنًا يُدْعى يَسُوعَ، يَكُونُ عَظِيمًا، وابْنَ العَذْراءِ يُدْعى؛ ويُعْطِيهِ الرَّبُّ الإلَهُ كُرْسِيَّ داوُدَ أبِيهِ؛ وفي إنْجِيلِهِ أيْضًا وإنْجِيلِ مَتّى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ وقَدْ أمَرَهُ إبْلِيسُ أنْ يُجَرِّبَ قَدْرَهُ عِنْدَ اللَّهِ بِأنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ مِن شاهِقٍ: مَكْتُوبٌ: لا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إلَهَكَ، وقالَ وقَدْ أمَرَهُ أنْ يَسْجُدَ لَهُ: مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إلَهِكَ اسْجُدْ، وإيّاهُ وحْدَهُ اعْبُدْ، وصَرَّحَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى واحِدٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا أنَّهُ دَفَعَ إلى المَسِيحِ سِفْرَ أشْعِيا [النَّبِيِّ] فَلَمّا فَتَحَهُ وجَدَ المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ مَكْتُوبٌ: رَوْحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، مِن أجْلِ هَذا مَسَحَنِي وأرْسَلَنِي لِأُبَشِّرَ المَساكِينَ وأُبَشِّرَ بِالسُّنَّةِ المَقْبُولَةِ لِلرَّبِّ، والأيّامِ الَّتِي أعْطانا إلَهُنا، ثُمَّ طَوى السِّفْرَ ودَفَعَهُ (p-٢٢٩)إلى الخادِمِ؛ وفِيهِ وفي غَيْرِهِ مِن أناجِيلِهِمْ: مَن قَبِلَ هَذا فَقَدْ قَبِلَنِي، ومَن قَبِلَنِي فَقَدْ قَبِلَ الَّذِي أرْسَلَنِي، [ومَن سَمِعَ مِنكم فَقَدْ سَمِعَ مِنِّي، ومَن جَحَدَكم فَقَدْ جَحَدَنِي، ومَن جَحَدَنِي فَقَدْ شَتَمَ الَّذِي أرْسَلَنِي] ومَن أنْكَرَنِي قُدّامَ النّاسِ أنْكَرْتُهُ قُدّامَ النّاسِ، أنْكَرْتُهُ قُدّامَ مَلائِكَةِ اللَّهِ، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا أنَّهُ قالَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إنَّما يَنْطِقُ بِكَلامِ اللَّهِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِالكَيِّسِ، أعْطاهُ اللَّهُ الرَّوْحَ، وقالَ: قَدْ سَألَهُ تَلامِيذُهُ أنْ يَأْكُلَ فَقالَ لَهُمْ: طَعامِي أنْ أُعْمِلَ مَسَرَّةَ مَن أرْسَلَنِي وأُتِمَّ عَمَلَهُ؛ وفِيهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! أنَّ مَن يَسْمَعُ كَلامِي وآمَنَ بِمَن أرْسَلَنِي وجَبَتْ لَهُ الحَياةُ المُؤَبَّدَةُ، لَسْتُ أقْدِرُ أعْمَلُ شَيْئًا مِن ذاتِ نَفْسِي، وإنَّما أحْكُمُ بِما أسْمَعُ، ودِينِي عَدْلٌ لِأنِّي لَسْتُ أطْلُبُ مَسَرَّتِي بَلْ مَسَرَّةَ مَن أرْسَلَنِي؛ وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ أنَّهُ قالَ لِناسٍ: تَعَلَّمْتُمْ وصايا النّاسِ وتَرَكْتُمْ وصايا اللَّهِ، وزَجَرَ بَعْضَ مَنِ اتَّبَعَهُ فَقالَ: اذْهَبْ يا شَيْطانُ! فَإنَّكَ لَمْ تُفَكِّرْ في (p-٢٣٠)ذاتِ اللَّهِ، وتُفَكِّرُ في ذاتِ النّاسِ؛ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ إلَهَهُ ورَبَّهُ ومَعْبُودَهُ، واعْتَرَفَ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وجَعَلَ ذاتَهُ مُبايِنًا لِذاتِ النّاسِ الَّذِي هو مِنهُمْ؛ وفي جَمِيعِ أناجِيلِهِمْ نَحْوُ هَذا، وأنَّهُ كانَ يَصُومُ ويُصَلِّي لِلَّهِ ويَأْمُرُ تَلامِيذَهُ بِذَلِكَ، فَفي إنْجِيلِ لُوقا أنَّهم قالُوا لَهُ: يا رَبُّ! عَلِّمْنا نُصَلِّي كَما عَلَّمَ يُوحَنّا تَلامِيذَهُ، فَقالَ لَهُمْ: إذا صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أبانا الَّذِي في السَّماواتِ يَتَقَدَّسُ اسْمُكَ! كَفافَنا أعْطِنا في كُلِّ يَوْمٍ، واغْفِرْ لَنا خَطايانا لِأنّا نَغْفِرُ لِمَن لَنا عَلَيْهِ، ولا تُدْخِلْنا في التَّجارِبِ، لَكِنْ نَجِّنا مِنَ الشِّرِّيرِ؛ ولَمّا دَخَلَ الهَيْكَلَ بَدَأ يَخْرُجُ الَّذِينَ يَبِيعُونَ ويَشْتَرُونَ فِيهِ، فَقالَ لَهُمْ: مَكْتُوبٌ أنَّ بَيْتِي هو بَيْتُ الصَّلاةِ وأنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَفازَةَ اللُّصُوصِ! فَعُلِمَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الرَّبِّ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أذِنَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ بَعْضَ أفْعالِهِ الَّتِي لَيْسَتْ في قُدْرَةِ البَشَرِ، والرَّبُّ يُطْلَقُ عَلى السَّيِّدِ أيْضًا، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ثُمَّ وجَدْتُ في [أوائِلِ] إنْجِيلِ يُوحَنّا أنَّ الرَّبَّ تَأْوِيلُهُ العِلْمُ، ولَوْ رَدُّوا أيْضًا الأبَ والِابْنَ إلى هَذا المُحْكَمِ وأمْثالِهِ وهي كَثِيرَةٌ في جَمِيعِ أناجِيلِهِمْ لَعَلِمُوا بِلا شُبْهَةٍ أنَّ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ (p-٢٣١)وتَعالى يَفْعَلُ مَعَهُ ما يَفْعَلُ الوالِدُ مَعَ ولَدِهِ مِنَ التَّرْبِيَةِ والحِياطَةِ والنُّصْرَةِ والتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، كَما لَزِمَهم حَتْمًا أنْ يُأوِّلُوا قَوْلَهُ فِيما قَدَّمْتُهُ: أبانا الَّذِي في السَّماواتِ، وقَوْلَهُ في إنْجِيلِ مَتّى لِتَلامِيذِهِ: هَكَذا فَلْيُضِئْ نُورُكم قُدّامَ النّاسِ لِيَرَوْا أعْمالَكُمُ الحَسَنَةَ ويُمَجِّدُوا أباكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ، وقالَ: وأحْسِنُوا إلى مَن أبْغَضَكُمْ، وصَلُّوا عَلى مَن يَطْرُدُكم ويُخْزِيكم لِكَيْما تَكُونُوا بَنِي أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ، لِأنَّهُ المُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلى الأخْيارِ والأشْرارِ، والمُمْطِرُ عَلى الصِّدِّيقِينَ والظّالِمِينَ، انْظُرُوا! لا تَصْنَعُوا أمْرَ حِكَمٍ قُدّامَ النّاسِ لِكَيْ يَرَوْكُمْ، فَلَيْسَ لَكم أجْرٌ عِنْدَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ، وإذا صَنَعْتَ رَحْمَةً فَلا تَضْرِبْ قُدّامَكَ بِالبُوقِ، ولا تَصْنَعْ كَما يَصْنَعُ المُراؤُونَ في المَجامِعِ وفي الأسْواقِ لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النّاسِ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! لَقَدْ أخَذُوا أجْرَهُمْ؛ وأنْتَ إذا صَنَعْتَ رَحْمَةً لا تُعْلِمْ شِمالَكَ ما صَنَعَتْهُ يَمِينُكَ، لِتَكُونَ صَدَقَةً في خُفْيَةٍ، وأبُوكَ الَّذِي يَرى الخَفِيَّةَ يُعْطِيكَ عَلى نِيَّةٍ؛ وقالَ في الفَصْلِ العاشِرِ مِنهُ: وصَلِّ لِأبِيكَ سِرًّا، وأبُوكَ يَرى السِّرَّ فَيُعْطِيكَ عَلانِيَةً.
(p-٢٣٢)وهَكَذا في جَمِيعِ آياتِ الأحْكامِ مِنَ الإنْجِيلِ كَرَّرَ لَهم هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَكْرِيرًا كَثِيرًا، فَكَما تَأوَّلَ لَها النَّصارى بِأنَّ المُرادَ مِنها تَعْظِيمُهم لَهُ أشَدَّ مِن تَعْظِيمِهِمْ لِآبائِهِمْ لِيُعْتَنى بِهِمْ أكْثَرَ مِنَ اعْتِناءِ الوالِدِ بِالوَلَدِ فَكَذَلِكَ يُأوِّلُونَ ما في إنْجِيلِ لُوقا وغَيْرِهِ أنَّ أُمَّ عِيسى وإخْوَتَهُ أتَوْا إلَيْهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا لِكَثْرَةِ الجَمْعِ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ فَقالُوا لَهُ أُمُّكَ وإخْوَتُكَ خارِجًا يُرِيدُونَ أنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ، فَأجابَ: أُمِّي وإخْوَتِي الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللَّهِ ويَعْمَلُونَ بِها؛ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهم تَأْوِيلُها في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِذَلِكَ لِيُرَدَّ المُتَشابِهُ إلى المُحْكَمِ. وإنْ لَمْ يُأوِّلُوا ذَلِكَ في حَقِّ أنْفُسِهِمْ وحَمَلُوهُ عَلى الظّاهِرِ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] كانُوا مُكابِرِينَ في المَحْسُوسِ بِلا شُبْهَةٍ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم مُساوٍ لِجَمِيعِ النّاسِ ولِلْبَهائِمِ في أنَّ لَهُ أبَوَيْنِ، وكانَتْ دَعْواهم هَذِهِ ساقِطَةً لا يَرُدُّها عَلَيْهِمْ إلّا مَن تَبَرَّعَ بِإلْزامِهِمْ بِمَحْسُوسٍ آخَرَ هم بِهِ يَعْتَرِفُونَ، وقَدْ أقامَ هو نَفْسُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أدِلَّةً عَلى صَرْفِها عَنْ ظاهِرِها، مِنها غَيْرُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ كَثِيرًا ما كانَ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ابْنُ الإنْسانِ يَفْعَلُ كَذا، (p-٢٣٣)ابْنُ البَشَرِ [قالَ كَذا] يَعْنِي نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، فَحَيْثُ نَسَبَ نَفْسَهُ إلى البَشَرِ كانَ مُرِيدًا لِلْحَقِيقَةِ، لِأنَّهُ ابْنُ امْرَأةٍ مِنهُمْ، وهو مِثْلُهم في الجَسَدِ، والمَعانِي حَيْثُ نَسَبَها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ عَلى المَجازِ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا السُّجُودُ فَقَدْ ورَدَ في التَّوْراةِ كَثِيرًا لِآحادِ النّاسِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَأنَّهُ كانَ جائِزًا في شَرائِعِهِمْ فِعْلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وأمّا نَحْنُ فَلا يَجُوزُ فِعْلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولا يَجُوزُ في شَرِيعَتِنا أصْلًا إطْلاقُ الأبِ ولا الِابْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وكَذا كُلُّ لَفْظٍ أوْهَمَ نَقْصًا سَواءٌ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ جائِزًا في شَرْعِهِمْ أمْ لا، وإذا راجَعْتَ تَفْسِيرَ البَيْضاوِيِّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في البَقَرَةِ ”إذا قَضى أمرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ“ زادَكَ بَصِيرَةً فِيما هُنا؛ والحاصِلُ أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوا ذَلِكَ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ وتَحَكَّمُوا بِأنَّ المُرادَ مِنهُ المَجازُ وهو هُنا إطْلاقُ اسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، وكَذا غَيْرُهُ مِن مُتَشابِهِ الإنْجِيلِ، كَما فَعَلْنا نَحْنُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في وصْفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالرِّضى والغَضَبِ والرَّحْمَةِ والضَّحِكِ وغَيْرِ ذَلِكَ [مِمّا يَسْتَلْزِمُ حَمْلَهُ عَلى الظّاهِرِ وصِفاتِ المُحْدَثِينَ، وكَذا ذِكْرُ اليَدِ والكَفِّ والعَيْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ] (p-٢٣٤)فَحَمَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ لَوازِمُهُ وغاياتُهُ مِمّا يَلِيقُ بِجَلالِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ تَنْزِيهِنا لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وإثْباتِنا لَهُ كُلَّ كَمالٍ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عِزُّهُ وجَدُّهُ وجَلَّ قَدْرُهُ ومَجْدُهُ أنْزَلَ حَرْفَ المُتَشابِهِ ابْتِلاءً لِعِبادِهِ لِتَبَيُّنِ الثّابِتِ مِنَ الطّائِشِ والمُوقِنِ مِنَ الشّاكِّ.
قالَ الحَرالِّيُّ في كِتابِهِ عُرْوَةُ المِفْتاحِ: وجْهُ إنْزالِ هَذا الحَرْفِ تَعَرُّفُ الحَقِّ لِلْخَلْقِ بِمُعْتَبَرِ ما خَلَقَهم عَلَيْهِ لِيُلْفَتُوا عَنْهُ ولِيَفْهَمُوا خِطابَهُ، ولِيَتَّضِحَ لَهم نُزُولُ رُتَبِهِمْ عَنْ عُلُوِّ ما تَعَرَّفَ بِهِ لَهُمْ، ولِيَخْتِمَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ إدْراكِ هَذا الحَرْفِ عَلَّمَهم بِالأرْبَعَةِ يَعْنِي الأمْرَ والنَّهْيَ والحَلالَ والحَرامَ، وحَبَسَهم بِالخامِسِ وتَوَقُّفِهِمْ عَنْهُ والِاكْتِفاءِ بِالإيمانِ مِنهُ ما تَقَدَّمَ مِن عَمَلِهِمْ بِالأرْبَعَةِ، واتِّصافُهم بِالخامِسِ لِيُتِمَّ لَهُمُ العِبادَةَ بِالوَجْهَيْنِ مِنَ العَمَلِ والوُقُوفِ والإدْراكِ والعَجْزِ ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] عِلْمًا وحِسًّا (p-٢٣٥)﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] عَجْزًا، أعْلَمَهم بِحَظٍّ مِن عِلْمِ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ بَعْدَ أنْ أخْرَجَهم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ثُمَّ أعْجَزَهم عَنْ عِلْمِ أمْرِهِ وأيّامِهِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ وغائِبِ الحاضِرَةِ لِيُسَلِّمُوا لَهُ اخْتِيارًا فَيَرْزُقُهُمُ اليَقِينَ بِأمْرِهِ وغائِبِ أيّامِهِ، كَما أسْلَمُوا لَهُ في الصِّغَرِ اضْطِرارًا، فَرَزَقَهم حَظًّا مِن عِلْمِ خَلْقِهِ، فَمَن لَمْ يُوقِفْهُ في حَدِّ الإيمانِ اشْتِباهُ خِطابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ نَفْسِهِ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ وحاوَلَ تَدَرُّكَهُ بِدَلِيلٍ أوْ فِكْرٍ أوْ تَأْوِيلٍ حُرِمَ اليَقِينَ بِعَلِيِّ الأمْرِ والتَّحْقِيقَ في عِلْمِ الخَلْقِ، وأُوخِذَ بِما أضاعَ مِن مُحْكَمِ ذَلِكَ المُتَشابِهِ حِينَ اشْتَغَلَ لِما يَعْنِيهِ مِن حالِ نَفْسِهِ بِما لا يَعْنِيهِ مِن أمْرِ رَبِّهِ، فَكانَ كالمُتَشاغِلِ بِالنَّظَرِ في ذِي المُلْكِ، وتَنَظُّرُهُ يَرْمِي نَفْسَهُ عَنْ مُراقَبَةِ ما يَلْزَمُهُ مِن تَفَهُّمِ حُدُودِهِ وتَذَلُّلِهِ لِحُرْمَتِهِ؛ وجَوامِعُ مَنزِلِ هَذا الحَرْفِ في رُتْبَتَيْنِ: مُبْهَمَةٍ ومُفَصَّلَةٍ، (p-٢٣٦)أمّا انْبِهامُهُ فَلِوُقُوفِ العِلْمِ [بِهِ] عَلى تَعْرِيفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ مِن وسائِطِ النَّفْسِ مِن فِكْرٍ ولا اسْتِدْلالٍ، ولِيَتَدَرَّبَ المُخاطَبُ بِتَوَقُّفِهِ عَلى المُبْهَمِ عَلى تَوَقُّفِهِ عَنْ مُفَصَّلِهِ ومُبْهَمِهِ، وهو جامِعُ الحُرُوفِ المُنْزَلَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ التِّسْعِ والعِشْرِينَ مِن سُوَرِهِ وبِهِ افْتُتِحَ التَّرْتِيبُ في القُرْآنِ، لِيَتَلَقّى الخَلْقُ بادِيَ أمْرِ اللَّهِ بِالعَجْزِ والوُقُوفِ والِاسْتِسْلامِ إلى أنْ يَمُنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِلْمِهِ بِفَتْحٍ مِن لَدُنْهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في تَنْزِيلِهِ في هَذِهِ الرُّتْبَةِ رَيْبٌ لِمَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كُنْهَهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّفْسِ مَدْخَلٌ في عِلْمِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] لِمَن عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] وُقُوفًا عَنْ مُحاوَلَةِ عِلْمِ ما لَيْسَ في وُسْعِ الخَلْقِ عِلْمُهُ، حَتّى تَلْحَقَهُ العِنايَةُ مِن رَبِّهِ فَعَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ في عِلْمِهِ؛ وأمّا الرُّتْبَةُ الثّانِيَةُ فَمُتَشابِهُ الخِطابِ المُفَصَّلِ المُشْتَمِلِ عَلى إخْبارِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ وتَنَزُّلاتِ أمْرِهِ، ورُتَبِ إقاماتِ خَلْقِهِ بِإبْداعِ كَلِمَتِهِ وتَصْيِيرِ حِكْمَتِهِ وباطِنِ مَلَكُوتِهِ وعَزِيزِ جَبَرُوتِهِ وأحْوالِ أيّامِهِ؛ وأوَّلُ ذَلِكَ في تَرْتِيبِ القُرْآنِ إخْبارُهُ عَنِ اسْتِوائِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] (p-٢٣٧)إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] إلى سائِرِ ما أخْبَرَ عَنْهُ مِن عِظَمِ شَأْنِهِ في جُمْلَةِ آياتٍ مُتَعَدِّداتٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ﴾ [آل عمران: ٦] ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٩] ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [النحل: ٣] ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [يونس: ٣] ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨] ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿وهُوَ (p-٢٣٨)الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحديد: ٣] ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧] ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] إلى سائِرِ ما أخْبَرَ فِيهِ عَنْ تَنَزُّلاتِ أمْرِهِ وتَسْوِيَةِ خَلْقِهِ وما أخْبَرَ عَنْهُ حَبِيبُهُ ﷺ مِن مَحْفُوظِ الأحادِيثِ الَّتِي عَرَّفَ بِها أُمَّتَهُ ما يَحْمِلُهم في عِبادَتِهِمْ عَلى الِانْكِماشِ والجِدِّ والخَشْيَةِ والوَجَلِ والإشْفاقِ وسائِرِ الأحْوالِ المُشارِ إلَيْها في حَرْفِ المُحْكَمِ مِن نَحْوِ حَدِيثِ النُّزُولِ والقَدَمَيْنِ والصُّورَةِ والضَّحِكِ والكَفِّ والأنامِلِ، وحَدِيثِ عِنايَةِ لُزُومِ التَّقَرُّبِ بِالنَّوافِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي ورَدَ بَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ، واعْتَنى بِجَمْعِها الحافِظُ المُتْقِنُ أبُو الحَسَنِ الدّارَقُطْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (p-٢٣٩)تَعالى، ودَوَّنَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ جُمْلَةً مِنها لِقَصْدِ التَّأْوِيلِ، وشَدَّدَ النَّكِيرَ في ذَلِكَ أئِمَّةُ المُحَدِّثِينَ، يُؤْثَرُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورَحِمَهُ أنَّهُ قالَ: آياتُ الصِّفاتِ وأحادِيثُ الصِّفاتِ صَنادِيقُ مُقْفَلَةٌ مَفاتِيحُها بِيَدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، تَأْوِيلُها تِلاوَتُها، ولِذَلِكَ أئِمَّةُ الفُقَهاءِ وفُتْياهم لِعامَّةِ المُؤْمِنِينَ والَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ ولُقِّنَتْهُ العَرَبُ كُلُّها أنَّ وُرُودَ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ ومِن رَسُولِهِ ومِنَ الأئِمَّةِ إنَّما هو لِمَقْصِدِ الإفْهامِ، لا لِمَقْصِدِ الإعْلامِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَشْكِلِ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ شَيْئًا قَطُّ، بَلْ كُلَّما كانَ وارِدُهُ عَلَيْهِمْ أكْثَرَ كانُوا بِهِ أفْرَحَ، ولِلْخِطابِ بِهِ أفْهَمَ، حَتّى قالَ بَعْضُهم لَمّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَضْحَكُ مِن عَبْدِهِ: لا نَعْدِمُ الخَيْرَ مِن رَبٍّ يَضْحَكُ» وهم وسائِرُ العُلَماءِ بَعْدَهم صِنْفانِ: إمّا مُتَوَقِّفٌ عَنْهُ في حَدِّ الإيمانِ، قانِعٌ بِما أفادَ مِنَ الإفْهامِ، وإمّا مَفْتُوحٌ عَلَيْهِ بِما هو في صَفاءِ الإيقانِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَعَرَّفَ لِعِبادِهِ في الأفْعالِ والآثارِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ تَعْلِيمًا، وتَعَرَّفَ لِلْخاصَّةِ مِنهم (p-٢٤٠)بِالأوْصافِ العُلْيا والأسْماءِ الحُسْنى مِمّا يُمْكِنُهُمُ اعْتِبارُهُ تَعْجِيزًا، فَجاوَزُوا حُدُودَ التَّعَلُّمِ بِالإعْلامِ إلى عَجْزِ الإدْراكِ فَعَرَفُوا أنْ لا مَعْرِفَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ هو حَدُّ العِرْفانِ وإحْكامِ قِراءَةِ هَذا الحَرْفِ المُتَشابِهِ في مَنزِلِ القُرْآنِ، وتَحَقَّقُوا أنْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] و﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] فَتَهَدَّفُوا بِذَلِكَ لِما يَفْتَحُهُ اللَّهُ عَلى مَن يُحِبُّهُ مِن صَفاءِ الإيقانِ، واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ. ثُمَّ قالَ فِيما بِهِ تَحْصُلُ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ: اعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الإسْلامِ بِقِراءَةِ حَرْفِ المُحْكَمِ لا يَتِمُّ إلّا بِكَمالِ الإيمانِ بِقِراءَةِ حَرْفِ المُتَشابِهِ تَمامًا لِأنَّ حَرْفَ المُحْكَمِ حالٌ يَتَحَقَّقُ لِلْعَبْدِ. ولَمّا كانَ حَرْفُ المُتَشابِهِ إخْبارًا عَنْ نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما يَتَعَرَّفُ بِهِ لِخَلْقِهِ مِن أسْماءٍ وأوْصافٍ كانَتْ قِراءَتُهُ بِتَحَقُّقِ العَبْدِ أنَّ تِلْكَ الأسْماءَ والأوْصافَ لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ حَواسُّ الخَلْقِ ولا ما تَنالُهُ عُقُولُهُمْ، وإنْ أجْرى عَلى تِلْكَ الأسْماءِ والأوْصافِ عَلى الخَلْقِ فَيُوَجَّهُ، لا يَلْحَقُ أسْماءَ الحَقِّ ولا أوْصافَهُ مِنها تَشْبِيهٌ في وهْمٍ ولا تَمْثِيلٌ في عَقْلٍ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] فالَّذِي يَصِحُّ بِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ أمّا مِن جِهَةِ القَلْبِ (p-٢٤١)فالمَعْرِفَةُ بِأنَّ جَمِيعَ أسْماءِ الحَقِّ وأوْصافِهِ تَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَتِها إدْراكاتُ الخَلْقِ وتَقِفُ عَنْ تَأْوِيلِها إجْلالًا وإعْظامًا مَعْلُوماتُهُمْ، وأنَّ حَسْبَها مَعْرِفَتُها بِأنَّها لا تَعْرِفُها، وأمّا مِن جِهَةِ حالِ النَّفْسِ والِاسْتِكانَةِ لِما يُوجِبُهُ تَعَرُّفُ الحَقِّ بِتِلْكَ الأسْماءِ والأوْصافِ مِنَ التَّحَقُّقِ بِما يُقابِلُها والبَراءَةِ مِنَ الاتِّصافِ بِها لِأنَّ ما صَلَحَ لِلسَّيِّدِ حَرُمَ عَلى العَبْدِ لِتَحَقُّقِ فَقْرِ الخَلْقِ مِن تَسَمِّي الحَقِّ بِالغِنى، ولا يَتَسَمّى بِالغِنى فَيَقْدَحُ في هُداهُ، فَيَهْلِكُ بِاسْمِهِ ودَعْواهُ، ولِتَحَقُّقِ ذُلِّهِمْ مِن تَسْمِيَتِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ [و] عَجْزِهِمْ عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِالقُدْرَةِ، واسْتِحْقاقِ تَخَلِّيهِمْ مِن جَمِيعِ ما تَعَرَّفَ بِهِ مِن أوْصافِ المُلْكِ والسُّلْطانِ والغَضَبِ والرِّضى والوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ إلى سائِرِ ما تَسَمّى بِهِ في جَمِيعِ تَصَرُّفاتِهِ مِمّا ذَكَرَ في المُتَشابِهِ مِنَ الآيِ، وأُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأحادِيثِ، وما عَلَيْهِ اشْتَمَلَتْ ”وارِداتُ الأخْبارِ“ في جَمِيعِ الصُّحُفِ والكُتُبِ، ومَرائِي الصّالِحِينَ ومَواقِفُ المُحَدِّثِينَ ومَواجِدُ المُرَوَّعِينَ؛ وأمّا مِن جِهَةِ (p-٢٤٢)العَمَلِ فَحِفْظُ اللِّسانِ عَنْ إطْلاقِ ألْفاظِ التَّمْثِيلِ والتَّشْبِيهِ تَحْقِيقًا لِما في مَضْمُونِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] لِأنَّ مُقْتَضاها الرَّدَّ عَلى المُشَبِّهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ولَيْسَ لِعَمَلِ الجَوارِحِ في هَذا الحَرْفِ مَظْهَرٌ سِوى ما ذَكَرَ مِن لَفْظِ اللِّسانِ، فَقِراءَتُهُ كالتَّوْطِئَةِ لِتَخْلِيصِ العِبادَةِ بِالقَلْبِ في قِراءَةِ مُفْرَدِ حَرْفِ الأمْثالِ؛ واللَّهُ العَلِيُّ الكَبِيرُ انْتَهى.
وقَدْ تَقَدَّمَ حَرْفُ الأمْثالِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لا يَضِلُّ بِحَرْفِ المُتَشابِهِ إلّا ذَوُو الطَّبْعِ العِوَجِ الَّذِينَ لَمْ تَرْسُخْ أقْدامُهم في الدِّينِ ولا اسْتَنارَتْ مَعارِفُهم في العِلْمِ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أيِ اعْوِجاجٌ عَدَلُوا بِهِ عَنِ الحَقِّ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو مَيْلُ المائِلِ إلى ما يُزَيِّنُ لِنَفْسِهِ المَيْلَ إلَيْهِ، والمُرادُ هُنا أشَدُّ المَيْلِ الَّذِي هو مَيْلُ القَلْبِ عَنْ جادَّةِ الِاسْتِواءِ [و] في إشْعارِهِ ما يُلْحَقُ بِزَيْغِ القُلُوبِ مِن سَيِّئِ الأحْوالِ في الأنْفُسِ وزَلَلِ الأفْعالِ في الأعْمالِ، فَأنْبَأ تَعالى عَمّا هو الأشَدُّ وأبْهَمَ ما هو الأضْعَفُ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾ في إشْعارِ هَذِهِ الصِّيغَةِ بِما تُنْبِئُ عَنْهُ (p-٢٤٣)مِن تَكَلُّفِ المُتابَعَةِ بِأنَّ مَن وقَعَ لَهُ المَيْلُ فَلَفَتَهُ لَمْ تَلْحَقْهُ مَذَمَّةُ هَذا الخِطابِ، فَإذا وقَعَ الزَّلَلُ ولَمْ يَتَتابَعْ حَتّى يَكُونَ اتِّباعًا سَلِمَ مِن حَدِّ الفِتْنَةِ بِمُعالَجَةِ التَّوْبَةِ ﴿ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ فَأبْهَمَهُ إبْهامًا يُشْعِرُ بِما جَرَتْ بِهِ الكُلِّيّاتُ فِيما يَقَعُ نَبَأً عَنِ الحَقِّ وعَنِ الخَلْقِ [مِن نَحْوِ أوْصافِ النَّفْسِ كالتَّعْلِيمِ والحَكِيمِ وسائِرِ أزْواجِ الأوْصافِ كالغَضَبِ والرِّضى بِناءً عَلى الخَلْقِ] في بادِئِ الصُّورَةِ مِن نَحْوِ العَيْنِ واليَدِ والرِّجْلِ والوَجْهِ وسائِرِ بَوادِي الصُّورَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مِمّا أنَّهُ مُتَشابِهاتٌ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى لِيَتَعَرَّفَ لِلْخَلْقِ بِما جَبَلَهم عَلَيْهِ مِمّا لَوْ لَمْ يَتَعَرَّفْ لَهم بِهِ لَمْ يَعْرِفُوهُ، فَفائِدَةُ إنْزالِها التَّعَرُّفُ بِما يَقَعُ بِهِ الِامْتِحانُ بِإحْجامِ الفِكْرِ عَنْهُ والإقْدامِ عَلى التَّعَبُّدِ لَهُ، فَفائِدَةُ إنْزالِهِ عَمَلٌ في المُحْكَمِ وفائِدَةُ إنْزالِهِ فِيهِ تَوَقُّفٌ عَنْهُ لِيَقَعَ الِابْتِلاءُ بِالوَجْهَيْنِ: عَمَلٍ بِالمُحْكَمِ ووُقُوفٍ عَنِ المُتَشابِهِ، «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا تَتَفَكَّرُوا في اللَّهِ“» وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن تَفَكَّرَ في ذاتِ اللَّهِ تَزَنْدَقَ، ووافَقَ العُلَماءُ إنْكارَ الخَلْقِ عَنِ التَّصَرُّفِ في تَكْيِيفِ شَيْءٍ مِنهُ، كَما ذُكِرَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: الكَيْفُ مَجْهُولٌ والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، فالخَوْضُ في المُتَشابِهِ بِدْعَةٌ، والوُقُوفُ عَنْهُ سُنَّةٌ؛ وأفْهَمَ عَنْهُ الإمامُ أحْمَدُ يَعْنِي فِيما تَقَدَّمَ في آياتِ الصِّفاتِ مِن أنَّ تَأْوِيلَها (p-٢٤٤)تِلاوَتُها، هَذا هو حَدُّ الإيمانِ ومَوْقِفُهُ، وإلَيْهِ أذْعَنَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وهُمُ الَّذِينَ تَحَقَّقُوا في أعْلامِ العِلْمِ، ولَمْ يُصْغُوا إلى وهْمِ التَّخْيِيلِ والتَّمَثُّلِ بِهِ في شَيْءٍ مِمّا أنْبَأ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ نَفْسُهُ ولا في شَيْءٍ مِمّا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ و[كانَ فِي] تَوَقُّفِهِمْ عَنِ الخَوْضِ في المُتَشابِهِ تَفَرُّغُهم لِلْعَمَلِ في المُحْكَمِ، لِأنَّ المُحْكَمَ واضِحٌ وِجْدانِيٌّ، مُتَفَقِّهٌ عَلَيْهِ مَدارِكُ الفَطِنِ وإذْعانُ الجِبِلّاتِ ومُنَزَّلاتُ الكُتُبِ، لَمْ يَقَعْ فِيهِ اخْتِلافٌ بِوَجْهٍ حَتّى كانَ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ، لِلُزُومِ الواجِبِ مِنَ العَمَلِ بِالمُحْكَمِ في إذْعانِ النَّفْسِ، فَكَما لا يَصْلُحُ العَراءُ عَنِ الاتِّصافِ بِالمُحْكَمِ لا يَصْلُحُ التَّرامِي إلى شَيْءٍ مِنَ الخَوْضِ في المُتَشابِهِ لِأحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ أهْلِ الدَّرَجاتِ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى جَبَلَ الخَلْقَ وفَطَرَهم عَلى إدْراكِ حَظٍّ مِن أنْفُسِهِمْ مِن أحْوالِهِمْ، وأوْقَفَهم عَنْ إدْراكِ ما هو راجِعٌ إلَيْهِ، فَأمْرُ اللَّهِ وتَجَلِّياتُهُ لا تُنالُ إلّا بِعِنايَةٍ مِنهُ، يَزُجُّ العَبْدُ زَجَّهُ يَقْطَعُ بِهِ الحُجُبَ الظَّلْمانِيَّةَ والنُّورانِيَّةَ (p-٢٤٥)الَّتِي فِيها مَواقِفُ العُلَماءِ؛ فَلَيْسَ في هَذا الحَرْفِ المُتَشابِهِ إلّا أخْذُ لِسانَيْنِ: لِسانِ وقْفَةٍ عَنْ حَدِّ الإيمانِ لِلرّاسِخِينَ في العِلْمِ المُشْتَغِلِينَ بِالِاتِّصافِ بِالتَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ والتَّقْوى والبِرِّ الَّذِي أمَرَ ﷺ أنْ يُتْبَعَ فِيهِ حَتّى يَنْتَهِيَ العَبْدُ إلى أنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ، فَيَرْفَعَ عَنْهُ عَجْزَ الوَقْفَةِ عَنِ المُتَشابِهِ، ويُنْقِذَهُ مِن حِجابِ النُّورانِيَّةِ، فَلا يُشْكِلُ عَلَيْهِ دَقِيقٌ ولا يُعْيِيهِ خَفِيٌّ بِما أحَبَّهُ اللَّهُ، وما بَيْنَ ذَلِكَ مِن خَوْضٍ دُونَ إنْقاذِ هَذِهِ العِنايَةِ فَنَقْصٌ عَنْ حَدِّ رُتْبَةِ الإيمانِ والرُّسُوخِ في العِلْمِ، فَكُلُّ خائِضٍ فِيهِ ناقِصٌ مِن حَيْثُ يُحِبُّ أنْ يَزِيدَ، فَهو إمّا عَجْزٌ إيمانِيٌّ مِن حَيْثُ الفَطْرُ الخُلُقِيُّ، وإمّا تَحَقُّقٌ إيقانِيٌّ تُوجِبُهُ العِنايَةُ والمَحَبَّةُ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى اتِّباعَهم لَهُ ذَكَرَ عِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ أيْ تَمْيِيلِ النّاسِ عَنْ عَقائِدِهِمْ بِالشُّكُوكِ ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أيْ تَرْجِيعِهِ إلى ما يَشْتَهُونَهُ وتَدْعُوا إلَيْهِ نُفُوسُهُمُ المائِلَةُ وأهْوِيَتُهُمُ الباطِلَةُ بِادِّعاءِ أنَّهُ مَآلُهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: والِابْتِغاءُ افْتِعالٌ: تَكَلُّفُ البَغْيِ، وهو شِدَّةُ الطَّلَبِ، وجَعَلَهُ تَعالى ابْتِغاءَيْنِ لِاخْتِلافِ وجْهَيْهِ، فَجَعَلَ (p-٢٤٦)الأوَّلَ فِتْنَةً لِتَعَلُّقِهِ بِالغَيْرِ وجَعَلَ الثّانِيَ تَأْوِيلًا أيْ طَلَبًا لِلْمَآلِ عِنْدَهُ، لِاقْتِصارِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَكانَ أهْوَنَ الزَّيْغَيْنِ. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ زَيْغَهم بَيَّنَ أنَّ نِسْبَةَ خَوْضِهِمْ فِيما لا يُمْكِنُهم عِلْمُهُ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ [ما] ﴿يَعْلَمُ﴾ في الحالِ وعَلى القَطْعِ ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ الشَّيْءِ في مَآلِهِ إلى مَعادِهِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ قُدْرَةً وعِلْمًا، قالَ: ولِكُلِّ بادٍ مِنَ الخَلْقِ مَآلٌ كَما أنَّ الآخِرَةَ مَآلُ الدُّنْيا ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] لِذَلِكَ كُلُّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ مَآلٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، فَيَوْمُ الخُلُودِ مَآلُ يَوْمِ الجَزاءِ، ومَآلُ الأبَدِ مَآلُ يَوْمِ الخُلُودِ؛ وأبَدُ الأبَدِ مَآلُ الأبَدِ، وكَذَلِكَ كُلُّ الخَلْقِ لَهُ مَآلٌ مِنَ الأمْرِ فَأمْرُ اللَّهِ مَآلُ خَلْقِهِ وكَذَلِكَ الأمْرُ، كُلُّ تَنْزِيلٍ أعْلى مِنهُ مَآلُ التَّنْزِيلِ الأدْنى إلى كَمالِ الأمْرِ، وكُلُّ أمْرِ اللَّهِ مَآلٌ مِن أسْمائِهِ وتَجَلِّياتِهِ، وكُلُّ تَجَلٍّ أجْلى مَآلٍ لِما دُونَهُ مِن تَجَلٍّ أخْفى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
”فَيَأْتِيهِمْ [رَبُّهُمْ] في غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَها، الحَدِيثَ إلى قَوْلِهِ: أنْتَ رَبُّنا“ فَكانَ تَجَلِّيهِ (p-٢٤٧)الأظْهَرُ لَهم مَآلَ تَجَلِّيهِ الأخْفى عَنْهُمْ؛ فَكانَ كُلُّ أقْرَبَ لِلْخَلْقِ مِن غَيْبِ خَلْقٍ وقائِمِ أمْرٍ وعَلِيِّ تَجَلٍّ إبْلاغًا إلى ما وراءَهُ فَكانَ تَأْوِيلَهُ، فَلَمْ تَكُنِ الإحاطَةُ بِالتَّأْوِيلِ المُحِيطِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ولَمّا ذَكَرَ الزّائِغِينَ ذَكَرَ الثّابِتِينَ فَقالَ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهُمُ المُتَحَقِّقُونَ في أعْلامِ العِلْمِ مِن حَيْثُ إنَّ الرُّسُوخَ النُّزُولُ بِالثِّقْلِ في الشَّيْءِ الرَّخْوِ لَيْسَ الظُّهُورَ عَلى الشَّيْءِ، فَلِرُسُوخِهِمْ كانُوا أهْلَ إيمانٍ، ولَوْ أنَّهم كانُوا ظاهِرِينَ عَلى العِلْمِ كانُوا أهْلَ إيقانٍ، لَكِنَّهم راسِخُونَ في العِلْمِ لَمْ يَظْهَرُوا بِصَفاءِ الإيقانِ عَلى نُورِ العِلْمِ، فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِنْدَ حَدِّ التَّوَقُّفِ فَكانُوا دائِمِينَ عَلى الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ بِصِيغَةِ الدَّوامِ انْتَهى أيْ هَذا حالُهم في رُسُوخِهِمْ.
ولَمّا كانَ هَذا قَسِيمًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ كانَ ذَلِكَ واضِحًا في كَوْنِهِ ابْتِداءً وأنَّ الوُقُوفَ عَلى ما قَبْلَهُ، ولَمّا كانَ هَذا الضَّمِيرُ مُحْتَمِلًا لِلْمُحْكَمِ فَقَطْ قالَ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الكَلِمَةُ مَعْرِفَةٌ بِتَعْرِيفِ الإحاطَةِ الَّتِي أهَّلَ النُّحاةُ ذِكْرَها في وُجُوهِ التَّعْرِيفِ إلّا مَن ألاحَ مَعْناها مِنهم (p-٢٤٨)فَلَمْ يُلَقِّنْ ولَمْ يَنْقُلْ جَماعَتُهم ذَلِكَ؛ وهو مِن أكْمَلِ وُجُوهِ التَّعْرِيفِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّعْرِيفِ التَّعَيُّنُ بِعِيانٍ أوْ عَقْلٍ، وهي إشارَةٌ إلى إحاطَةِ ما أنْزَلَهُ عَلى إبْهامِهِ، فَكانَ مَرْجِعُ المُتَشابِهِ والمُحْكَمِ عِنْدَهم مَرْجِعًا واحِدًا، آمَنُوا بِمَحَلِّ اجْتِماعِهِ الَّذِي مِنهُ نَشَأ فُرْقانُهُ، لِأنَّ كُلَّ مُفْتَرِقٍ بِالحَقِيقَةِ إنَّما هو مَعْرُوجٌ مِن حَدِّ اجْتِماعٍ، فَما رَجَعَ إلَيْهِ الإيمانُ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا بِهِ، هو مَحَلُّ اجْتِماعِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ في إحاطَةِ الكِتابِ قَبْلَ تَفْصِيلِهِ انْتَهى.
﴿مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْنا بِكُلِّ اعْتِبارٍ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِعِنْدِ وهي بِالأمْرِ الظّاهِرِ بِخِلافِ لَدُنْ إشارَةً إلى ظُهُورِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّأمُّلِ، وعَبَرُوهُ عَنِ الاشْتِباهِ.
ولَمّا كانَ مَعَ كُلِّ مُشْتَبِهٍ أمْرٌ إذا دَقَّقَ النَّظَرَ فِيهِ رَجَعَ إلى مِثالٍ حاضِرٍ لِلْعَقْلِ إمّا مَحْسُوسٌ وإمّا في حَدِّ ظُهُورِ المَحْسُوسِ قالَ مُعَمِّمًا لِمَدْحِ المُتَأمِّلِينَ عَلى دِقَّةِ الأمْرِ وشِدَّةِ غُمُوضِهِ بِإدْغامِ تاءِ التَّفَعُّلِ مُشِيرًا إلى أنَّهم تَأهَّلُوا بِالرُّسُوخِ إلى الِارْتِقاءِ عَنْ رُتْبَتِهِ، مُلَوِّحًا إلى أنَّهُ لا فَهْمَ لِغَيْرِهِمْ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِن مَعانِي المُتَشابِهِ بِبَرَكَةِ إيمانِهِمْ وتَسْلِيمِهِمْ بِما نَصَبَهُ مِنَ الآياتِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ما يُمْكِنُ أنْ (p-٢٤٩)يَكُونَ إرادَةً مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وإنْ لَمْ [يَكُنْ] عَلى القَطْعِ بِأنَّهُ إرادَةٌ: ﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ [أيْ] مِنَ الرّاسِخِينَ بِما سَمِعَ مِنَ المُتَشابِهِ ما في حِسِّهِ وعَقْلِهِ مِن أمْثالِ ذَلِكَ ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الَّذِينَ لَهم لُبُّ العَقْلِ الَّذِي لِلرّاسِخِينَ في العِلْمِ ظاهِرُهُ، فَكانَ بَيْنَ أهْلِ الزَّيْغِ وأهْلِ التَّذَكُّرِ مُقابَلَةٌ بَعِيدَةٌ، فَمِنهم مُتَذَكِّرٌ يَنْتَهِي إلى إيقانٍ، وراسِخٌ في العِلْمِ يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ إيمانٍ، ومُتَأوِّلٌ يَرْكَنُ إلى لَبْسِ بِدْعَةٍ، وفاتِنٌ يَتَّبِعُ هَوىً؛ فَأنْبَأ جُمْلَةُ هَذا البَيانِ عَنْ أحْوالِ الخَلْقِ بِالنَّظَرِ إلى تَلَقِّي الكِتابِ كَما أنْبَأ بَيانُ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ جِهاتِ تَلَقِّيهِمْ لِلْأحْكامِ انْتَهى.
آل عمران 3:8
ولَمّا عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ الرّاسِخِينَ أيْقَنُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ المُسْتَلْزِمِ لِأنَّهُ لا عِوَجَ فِيهِ أخْبَرَ أنَّهم أقْبَلُوا عَلى التَّضَرُّعِ إلَيْهِ في أنْ يُثَبِّتَهم بَعْدَ هِدايَتِهِ ثُمَّ أنْ يَرْحَمَهم بِبَيانِ ما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ حاكِيًا عَنْهم وهو في الحَقِيقَةِ تَلْقِينٌ مِنهُ لَهم لُطْفًا بِهِمْ مُقَدِّمًا ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ مِنَ السُّؤالِ في تَطْهِيرِ القَلْبِ عَمّا لا يَنْبَغِي عَلى طَلَبِ تَنْوِيرِهِ بِما يَنْبَغِي لِأنَّ إزالَةَ المانِعِ قَبْلَ إيجادِ المُقْتَضِي عَيْنُ الحِكْمَةِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْنا (p-٢٥٠)﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ.
ولَمّا كانَ صَلاحُ القَلْبِ [صَلاحَ الجُمْلَةِ] و[فَسادُهُ] فَسادَها وكانَ ثَباتُ الإنْسانِ عَلى سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ مِن غَيْرِ عِوَجٍ أصْلًا مِمّا لَمْ يُجْرِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عادَتَهُ لِغَيْرِ المَعْصُومِينَ قالَ نازِعًا الجارَّ مُسْنِدًا الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ الجُمْلَةِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ إلَيْهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إلاحَةِ مَعْناهُ أنَّ هَذا الِابْتِهالَ واقِعٌ مِن أُولِي الألْبابِ لِيَتَرَقَّوْا مِن مَحَلِّهِمْ مِنَ التَّذَكُّرِ إلى ما هو أعْلى وأبْطَنُ انْتَهى. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ أيْ أمْرِكَ الخاصِّ بِحَضْرَتِكَ القُدْسِيَّةِ، الباطِنِ عَنْ غَيْرِ خَواصِّكَ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ فَضْلًا ومِنحَةً مِنكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنّا، ونَكَّرَها تَعْظِيمًا بِأنَّ أيْسَرَ شَيْءٍ مِنها يَكْفِي المَوْهُوبَ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ أصْلًا فَكانَ كُلُّ عَطاءٍ مِن فَضْلِهِ قالُوا وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ الأمْرُ اللَّدُنِيُّ لَيْسَ مِمّا في فِطَرِ الخَلْقِ وجِبِلّاتِهِمْ وإقامَةِ حِكْمَتِهِمْ، وإنَّما هو مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِحَسَبِ العِنايَةِ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ (p-٢٥١)الوَهْبِ والهِبَةِ، وهي العَطِيَّةُ سَماحًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنَ المَوْهُوبِ انْتَهى.
آل عمران 3:9
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن أوَّلِ ما فَرَغَ السَّمْعُ مِنَ الكِتابِ في الفاتِحَةِ وأوَّلِ البَقَرَةِ وأثْنائِها أنَّ لِلنّاسِ يَوْمًا يُدانُونَ فِيهِ وصَلُوا بِقَوْلِهِمُ السّابِقِ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الجَمْعِ، وهو ضَمُّ ما شَأْنُهُ الِافْتِراقُ والتَّنافُرُ لُطْفًا أوْ قَهْرًا انْتَهى.
﴿النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ يُدانُونَ فِيهِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا نَفْيَ الرَّيْبِ بِقَوْلِهِمْ عادِلِينَ عَنِ الخِطابِ آتِينَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِأنَّ المَقامَ لِلْجَلالِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُخْلِفُ﴾ ولَمّا كانَ نَفْيُ الخُلْفِ في زَمَنِ الوَعْدِ ومَكانِهِ أبْلَغَ مِن نَفْيِ خِلافِهِ نَفْسِهِ عَبَّرَ بِالمِفْعالِ فَقالَ: ﴿المِيعادَ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: هو مِفْعالٌ مِنَ الوَعْدِ، وصِيغَ لِمَعْنى تَكَرُّرِهِ ودَوامِهِ، والوَعْدُ العَهْدُ في الخَيْرِ انْتَهى. وكُلُّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَجِبُ التَّثَبُّتُ في فَهْمِ الكِتابِ والإحْجامُ عَنْ مُشْكِلِهِ خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ يَوْمَ الجَمْعِ يَوْمَ يُساقُونَ إلَيْهِ ويَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلنَّصارى: هَبْ أنَّهُ أشْكَلَ عَلَيْكم بَعْضُ أفْعالِي (p-٢٥٢)وأقْوالِي في الإنْجِيلِ فَهَلّا فَعَلْتُمْ فِعْلَ الرّاسِخِينَ فَنَزَّهْتُمُونِي عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِي مِنَ التَّناقُضِ وغَيْرِهِ، ووَكَلْتُمْ أمْرَ ذَلِكَ إلَيَّ، وعَوَّلْتُمْ في فَتْحِ مُغْلَقِهِ عَلَيَّ خَوْفًا مِن يَوْمِ الدِّينِ؟ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ثُمَّ لَمّا بَلَغَ الكَلامُ إلى هُنا أيْ إلى آيَةِ التَّصْوِيرِ كانَ كَأنَّهُ قَدْ قِيلَ: فَكَيْفَ طَرَأ عَلَيْهِمْ ما طَرَأ مَعَ وُجُودِ الكُتُبِ؟ أخْبَرَ تَعالى بِشَأْنِ الكِتابِ وأنَّهُ مُحْكَمٌ ومُتَشابِهٌ، وكَذا غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، فَحالُ أهْلِ التَّوْفِيقِ تَحْكِيمُ المُحْكَمِ، وحالُ أهْلِ الزَّيْغِ اتِّباعُ المُتَشابِهِ والتَّعَلُّقُ بِهِ، وهَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وكُلُّ هَذا بَيانٌ لِكَوْنِ الكِتابِ العَزِيزِ أعْظَمَ فُرْقانٍ وأوْضَحَ بَيانٍ إذْ قَدْ أوْضَحَ أحْوالَ المُخْتَلِفِينَ ومِن أيْنَ أتى عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ الكُتُبِ، وفي أثْناءِ ذَلِكَ تَنْبِيهُ العِبادِ عَلى عَجْزِهِمْ وعَدَمِ اسْتِبْدادِهِمْ لِئَلّا يَغْتَرَّ الغافِلُ فَيَقُولَ مَعَ هَذا البَيانِ ووُضُوحِ الأمْرِ: لا طَرِيقَ إلى تَنَكُّبِ الصِّراطِ، فَنُبِّهُوا حِينَ عُلِّمُوا الدُّعاءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ثُمَّ كَرَّرَ تَنْبِيهَهم لِشِدَّةِ الحاجَةِ لِيُذَّكَّرَ هَذا أبَدًا، فَفِيهِ مُعْظَمُ البَيانِ، ومِنَ اعْتِقادِ الِاسْتِبْدادِ يَنْشَأُ الشِّرْكُ الأكْبَرُ إذِ اعْتِقادُ الِاسْتِبْدادِ بِالأفْعالِ إخْراجٌ لِنِصْفِ المَوْجُوداتِ عَنْ يَدِ بارِئِها ﴿واللَّهُ خَلَقَكم (p-٢٥٣)وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فَمِنَ التَّنْبِيهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] ومِنهُ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ومِنهُ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى خاتِمَتِها، هَذا مِن جَلِيِّ التَّنْبِيهِ ومُحْكَمِهِ، ومِمّا يَرْجِعُ إلَيْهِ ويَجُوزُ مَعْناهُ بَعْدَ اعْتِبارِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَمَن رَأى الفِعْلَ أوْ بَعْضَهُ لِغَيْرِهِ تَعالى حَقِيقَةً فَقَدْ قالَ بِإلَهِيَّةِ غَيْرِهِ، ثُمَّ حُذِّرُوا أشَدَّ التَّحْذِيرِ لَمّا بَيَّنَ لَهم فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤] ثُمَّ ارْتَبَطَتِ الآياتُ إلى آخِرِها انْتَهى.
آل عمران 3:10
ولَمّا تَحَقَّقَ أنَّ يَوْمَ الجَمْعِ كائِنٌ لا مَحالَةَ تَحَقَّقَ أنَّ مِن نَتائِجِهِ تَحْقِيقًا لِعِزَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وانْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ لِسَتْرِهِمْ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مَرْأى عُقُولِهِمْ أنَّهم يَمْتَنِعُونَ مِن أمْرِ اللَّهِ لِأنَّهم يَفْعَلُونَ في عِصْيانِهِ وعَداوَةِ أوْلِيائِهِ فِعْلَ مَن يُرِيدُ المُغالَبَةَ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ أيْ وإنْ كَثُرَتْ، وقَدَّمَها لِأنَّ بِها قِوامَ ما بَعْدَها وتَمامَ لَذّاتِهِ، وأكَّدَ بِإعادَةِ النّافِي لِيُفِيدَ النَّفْيَ عَنْ كُلِّ حالَةٍ وعَنِ المَجْمُوعِ فَيَكُونَ أصْرَحَ في المَرامِ (p-٢٥٤)﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِن إغْناءٍ مُبْتَدِئًا مِن جِهَةِ اللَّهِ، وإذا كانَتْ تِلْكَ الجِهَةُ عارِيَةً عَمّا يُغْنِي كانَ كُلُّ ما يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن بَأْسٍ واقِعًا بِهِمْ لا مانِعَ لَهُ، فَمَهْما أرادَ بِهِمْ كانَ مِن خِذْلانٍ في الدُّنْيا وبَعْثٍ بَعْدَ المَوْتِ وحَشْرٍ بَعْدَ البَعْثِ وعَذابٍ في الآخِرَةِ، فَأُولَئِكَ المُعَرَّضُونَ مِنهُ لِكُلِّ بَلاءٍ ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وفي ذَلِكَ [أعْظَمُ] تَنْبِيهٍ عَلى أنَّ الزّائِغِينَ الَّذِينَ خالَفُوا الرّاسِخِينَ فَوَقَفَتْ بِهِمْ نِعَمُهُ المُقْتَضِيَةُ لِتَصْدِيقِهِ [عَنْ تَصْدِيقِهِ] لَيْسَتْ مُغْنِيَةً عَنْهم تِلْكَ النِّعَمُ شَيْئًا، وأنَّهم مَغْلُوبُونَ لا مَحالَةَ في الدُّنْيا ومَحْشُورُونَ في الآخِرَةِ إلى جَهَنَّمَ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ التَّوْحِيدِ كانَ الألْيَقُ بِخِطابِها أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ فِيهِ إلى الزُّهْدِ أتَمَّ مِنَ الدُّعاءِ في غَيْرِها، والإشارَةُ فِيهِ إلى ذَلِكَ أكْثَرَ مِنَ الإشارَةِ في غَيْرِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاطِعَةً لِلْقُلُوبِ النَّيِّرَةِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ مِن فِتْنَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ المُوجِبَةِ لِلْهَلاكِ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن مَضْمُونِ تَرْجَمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ إطْلاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى سِرِّ التَّقْدِيرِ الَّذِي صُرِفَ عَنِ الجَوابِ فِيهِ وإظْهارِ (p-٢٥٥)سِرِّهِ مُوسى كَلِيمُ اللَّهِ وعِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِمّا أظْهَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعامَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إعْلاءً لَها عَلى كُلِّ أُمَّةٍ، واخْتِصاصًا لَها بِما عَلا اخْتِصاصَ نَبِيِّها ﷺ حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: أخْبِرْهم أنِّي بَرِيءٌ مِنهم وأنَّهم بَراءٌ مِنِّي لِقَوْمٍ لَمْ يُظْهَرُوا عَلى سِرِّ القَدَرِ، وقالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ أنَّ لِأحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ ما قُبِلَ مِنهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، فَأفْهَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلَماءَ هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّ أعْمالَها لا تُقْبَلُ إلّا عَلى مَعْرِفَةِ سِرِّ التَّقْدِيرِ لِتَكُونَ قُلُوبُها بَرِيئَةً مِن أعْمالِ ظَواهِرِها، كَما قِيلَ في أثارَةٍ مِنَ العِلْمِ: مَن لَمْ يَخْتِمْ عَمَلَهُ بِالعِلْمِ لَمْ يَعْمَلْ، ومَن لَمْ يَخْتِمْ عِلْمَهُ بِالجَهْلِ لَمْ يَعْلَمْ فَخَتْمُ العامِلِ عَمَلَهُ بِالعِلْمِ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ، وأنَّ المُجْرى عَلى يَدَيْهِ أمْرٌ مُقَدَّرٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأقامَهُ فِيهِ لِما خَلَقَهُ لَهُ مِن حِكْمَتِهِ مِن وصْفِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ومِن تَمامِ كَلِمَتِهِ في رَحْمَتِهِ أوْ عُقُوبَتِهِ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ حِكْمَةَ الحَكِيمِ، ولا حُجَّةَ لِلْعَبْدِ عَلى رَبِّهِ ولا حُجَّةَ لِلصَّنْعَةِ عَلى صانِعِها ولِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ؛ وكَذَلِكَ العالِمُ مَتى (p-٢٥٦)لَمْ يَنْطَوِ سِرُّهُ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ وإنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عِلْمٌ، فَذَلِكَ خَتْمُ العَمَلِ بِالعِلْمِ وخَتْمُ العِلْمِ بِالجَهْلِ، فَكَما أطْلَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى سِرِّ تَقْدِيرِهِ في خَلْقِهِ أظْهَرَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عَلى عَلَنِ قَيُّومِيَّتِهِ الَّذِي هو شاهِدُهُ في وحْيِ رَبِّهِ، كَما هو بَصِيرٌ بِسِرِّ القَدَرِ في تَفَرُّقِ أفْعالِ خَلْقِهِ، فَكانَ مَنزِلُ سُورَةِ البَقَرَةِ قِوامَ الأفْعالِ ومَنزِلُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قِوامَ التَّنْزِيلِ والإنْزالِ فَكانَ عَلَنُ القَيُّومِيَّةِ قِوامَ التَّنْزِيلِ لِلْكِتابِ الجامِعِ الأوَّلِ، والتَّنْزِيلُ قِوامُ إنْزالِ الكُتُبِ، وإنْزالُ الكِتابِ الجامِعِ لِتَفْسِيرِ الكُتُبِ قِوامُ تَفْصِيلِ الآياتِ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ، والإحْكامُ والتَّشابُهُ إقامَةُ الهُدى والفِتْنَةِ، والهُدى والفِتْنَةُ إقامَةُ مُتَصَرَّفِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والأحْوالُ وما دُونَها مِنَ الأفْعالِ عَلى وجْهِ جَمْعٍ يَكُونُ قِوامًا لِما تَفَصَّلَ مِن مُجْمَلِهِ وتَكَثَّرَ مِن وحْدَتِهِ وتَفَرَّقَ مِنَ اجْتِماعِهِ، ولِعُلُوِّ مَضْمُونِ هَذِهِ السُّورَةِ لَمْ يَقَعْ فِيها تَوَجُّهُ الخِطابِ بِها لِصِنْفِ النّاسِ، واخْتَصَّ خِطابُها بِالَّذِينَ آمَنُوا في عُلُوٍّ مِن مَعانِي الإيمانِ لِما ذُكِرَ مِن شَرَفِ سِنِّ الإيمانِ عَلى سِنِّ النّاسِ في تَنامِي أسْنانِ (p-٢٥٧)القُلُوبِ، وكانَ خِطابُ سُورَةِ البَقَرَةِ بِمُقْتَضى رُتْبَةِ العَقْلِ الَّذِي بِهِ يَقَعُ أوَّلُ الإصْغاءِ والِاسْتِماعِ، كَما ظَهَرَ في آياتِ الِاعْتِبارِ فِيها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] فَكانَ خِطابُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إقْبالًا عَلى أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ لَهم لُبُّ العَقْلِ، بِما ظَهَرَ في أوَّلِها وخاتِمَتِها في قَوْلِهِ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] وفي خاتِمَتِها في آياتِ اعْتِبارِها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] فَبِالعَقْلِ يَقَعُ الِاعْتِبارُ لِمَنزِلِ الكِتابِ وبِاللُّبِّ يَكُونُ التَّذَكُّرُ، إيلاءً إلى الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ، وبِالجُمْلَةِ فَمَثانِي هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَفاصِيلِ آياتِها وجُمَلِ جَوامِعِها مِمّا هو أعْلَقُ بِطِيبِ الإيمانِ واعْتِبارِ اللُّبِّ، كَما أنَّ مَنزِلَ سُورَةِ البَقَرَةِ أعْلَقُ بِما هو مِن أمْرِ الأعْمالِ وإقامَةِ مَعالِمِ الإسْلامِ بِما ظَهَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن عَلَنِ أمْرِ اللَّهِ، وبِما افْتُتِحَتْ بِهِ مِنَ اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي جَمِيعُ الأسْماءِ أسْماءٌ لَهُ لِإحاطَتِهِ واخْتِصاصِها بِوَجْهٍ ما، فَكانَ فِيها عَلَنُ التَّوْحِيدِ وكَمالُهُ وقِوامُ تَنْزِيلِ الأمْرِ وتَطَوُّرِ الخَلْقِ في جَمِيعِ مُتَنَزِّلِها ومَثانِيها، وظَهَرَ (p-٢٥٨)فِيها تَفْصِيلُ وُجُوهِ الحِكَمِ العَلِيَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَ جُمْلَةَ ذِكْرِها الآيَةُ الجامِعَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَكانَ مِن جُمْلَةِ بِناءِ الحِكْمَةِ ما هو السَّبَبُ في ظُهُورِ الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفِتْنَةِ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ حَتّى ألْهَتْهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فانْتَهَوْا فِيهِ إلى حَدِّ الكُفْرِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] انْتَهى.
آل عمران 3:11
ولَمّا كانَ السَّبَبُ المُقْتَضِي اسْتِمْرارَ الكُفْرِ مِنَ النَّصارى المُجادِلِينَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الخَوْفَ مِمَّنْ فَوْقَهم مِن مُلُوكِ النَّصْرانِيَّةِ نَبَّهَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أوَّلِ قِصَّةِ أسْلافِهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ، وما كانَ فِيهِ فِرْعَوْنُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تُقْسَرُ بِها مُلُوكُ زَمانِهِمْ، ثُمَّ لَمّا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَهْرَ أسْلافِهِمْ لَهُ لَمْ تَضُرَّهم ذِلَّتُهم ولا قِلَّتُهُمْ، ولا نَفَعَتْهُ عِزَّتُهُ ولا كَثْرَةُ آلِهِ، فَلِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى وطَوى ذِكْرَ مَن قَبْلَهم فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ﴾ أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهم ذَلِكَ شَيْئًا مِثْلُ عادَةِ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ الَّذِينَ اشْتَهَرَ لَدَيْكُمُ اسْتِكْبارُهم وعَظَمَتُهم وفَخارُهُمْ، قالَ الحَرالِّيُّ: (p-٢٥٩)الدَّأْبُ العادَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي تَتَأبَّدُ بِالتِزامِها، وآلُ الرَّجُلِ مَن إذْ أُحْصِرَ تَراءى فِيهِمْ فَكَأنَّهُ لَمْ يَغِبْ؛ وفِرْعَوْنُ اسْمُ مَلِكِ مِصْرَ في الكُفْرِ، ومِصْرُ أرْضٌ جامِعَةٌ كُلِّيَّتَها وجُمْلَةً، إقْلِيمُها نازِلٌ مَنزِلَةَ الأرْضِ كُلِّها، فَلَها إحاطَةٌ بِوَجْهٍ ما، فَلِذَلِكَ أُعْظِمَ شَأْنُها في القُرْآنِ وشَأْنُ العالِي فِيها مِنَ الفَراعِنَةِ، وكانَ الرَّسُولُ المَبْعُوثُ إلَيْهِ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِما وراءَ أوَّلِ الخَلْقِ مِن طَلِيعَةِ ظُهُورِ الحَقِّ لِسَماعِ كَلامِهِ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، فَكانَ أوَّلَ مَن طَوى في رُتْبَةِ نُبُوَّتِهِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ ذاتِ الواسِطَةِ، فَلِذَلِكَ بُدِئَ بِهِ في هَذا الخِطابِ لِعُلُوِّ رُتْبَةِ نُبُوَّتِهِ بِما هو كَلِيمُ اللَّهِ ومُصْطَفاهُ عَلى النّاسِ، ولَحِقَ بِهِ مَن تَقَدَّمَهم بِما وقَعَتْ في نُبُوَّتِهِ مِن واسِطَةِ زَوْجٍ أوْ مَلِكٍ، وخُصَّ آلُهُ لِأنَّهُ هو كانَ عارِفًا بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَكانَ جاحِدًا لا مُكَذِّبًا انْتَهى.
﴿والَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُكَذِّبُونَ إنَّما هم بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقَدْ نَقَلْتُ إلَيْكم أخْبارَهم وقُوَّتَهم واسْتِظْهارَهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا كانَتْ عادَتُهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿كَذَّبُوا﴾ ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ مُوجِبًا لِلْعُقُوبَةِ (p-٢٦٠)كانَ مَظْهَرُ العَظَمَةِ بِهِ ألْيَقَ، فَصَرَفَ القَوْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ السُّوَرِيَّةِ والصُّوَرِيَّةِ مَعَ ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِما لَها مِن إضافَتِها إلَيْنا ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ ولَمّا أفْحَشُوا في التَّكْذِيبِ عَدَلَ إلى أعْظَمَ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَهْوِيلًا لِأخْذِهِمْ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ فَأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ تَنْبِيهًا عَلى باهِرِ العَظَمَةِ ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ مِنَ التَّكْذِيبِ وغَيْرِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ صَرِيحَ المُؤاخَذَةِ مُناطٌ بِالذُّنُوبِ، وأنَّ المُؤاخَذَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لا تَصِلُ إلى حَدِّ الِانْتِقامِ عَلى التَّكْذِيبِ، فَكانَ ما ظَهَرَ مِن أمْرِ الدُّنْيا يَقَعُ عِقابًا عَلى ما ظَهَرَ مِنَ الأعْمالِ، وما بَطَنَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ يَسْتَوْفِي العِقابَ عَلى ما أصَرَّتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ مِنَ التَّكْذِيبِ، ولِذَلِكَ يَكُونُ عِقابُ الدُّنْيا طُهْرَةً لِلْمُؤْمِنِ لِصَفاءِ باطِنِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، ويَكُونُ واقِعُ يَوْمِ الدُّنْيا كَفافَ ما جَرى عَلى ظاهِرِهِ مِنَ المُخالَفَةِ فَكَأنَّ الذَّنْبَ مِنَ المُؤْمِنِ يَقَعُ في دُنْياهُ خاصَّةً، والذَّنْبَ مِنَ الكافِرِ يَقَعُ في دُنْياهُ وأُخْراهُ مِنَ اسْتِغْراقِهِ لِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ ولَمْ يُضْمِرْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى زِيادَةِ العَظَمَةِ في عَذابِهِمْ لِمَزِيدِ اجْتِرائِهِمْ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ في جَبَرُوتِهِ ولا شَيْءٍ مِن نُعُوتِهِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
آل عمران 3:12
(p-٢٦١)ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الظّاهِرَةِ الَّتِي أوْجَبَتِ اليَقِينَ لِكُلِّ مُنْصِفٍ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ وصَلَ بِها أمْرَهُ ﷺ وهو الحَبِيبُ العَزِيزُ بِأنْ يُصَرِّحَ لَهم بِمَضْمُونِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن أهْلِ زَمانِكَ جَرْيًا عَلى مِنهاجِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أخَذْناهم ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ كَما غُلِبُوا وإنْ كُنْتُمْ مَلَأ الأرْضِ لِأنَّكم إنَّما تُغالِبُونَ خالِقَكم وهو الغالِبُ لِكُلِّ شَيْءٍ: ”ولَيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلّابِ“ واللّامُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخِطابِ مَعْدِيَّةٌ، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبِ مُعَلِّلَةٌ، أيْ قُلْ لِأجْلِهِمْ، أوْ هي بِمَعْنى عَنْ، أيْ قُلْ عَنْهُمْ، وقَدْ أفْهَمَ الإخْبارُ بِمُجَرَّدِ الغَلَبَةِ دُونَ ذِكْرِ العَذابِ كَما كانَ يُذْكَرُ في تَهْدِيدِ مَن قَبْلَهم أنَّ أخْذَهم بِيَدِ المُغالَبَةِ والمُدافَعَةِ والنُّصْرَةِ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِمْ ﷺ لِأنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ عَذابُهم فَأبى إلّا المُدافَعَةَ عَلى سُنَّةِ المُصابَرَةِ، فَكانَ أوَّلُ ذَلِكَ غَلَبَتَهُ ﷺ عَلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، وكانَ فَتْحُها فَتْحًا لِجَمِيعِ الأرْضِ لِأنَّها أُمُّ القُرى نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الحَرالِّيُّ.
﴿وتُحْشَرُونَ﴾ أيْ تُجْمَعُونَ بَعْدَ مَوْتِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ قَبْلَ المَوْتِ (p-٢٦٢)﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهي مِنَ الجَهامَةِ، وهي كَراهَةُ المَنظَرِ انْتَهى؛ فَتَكُونُ مِهادَكُمْ، لا مِهادَ لَكم غَيْرُها ﴿وبِئْسَ﴾ أيْ والحالُ أنَّها بِئْسَ ﴿المِهادُ﴾
آل عمران 3:13
ولَمّا كانَ الكَفَرَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ بِمَعْرِضِ أنْ يَقُولُوا حِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ: كَيْفَ نُغْلَبُ وما هم فِينا إلّا كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ ؟ قِيلَ لَهُمْ: إنْ كانَتْ قِصَّةُ آلِ فِرْعَوْنَ لَمْ تَنْفَعْكم لِجَهْلٍ أوْ طُولِ عَهْدٍ فَإنَّهُ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ بِدَلالَةِ تَذْكِيرِ كانَ ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ تَثْنِيَةِ فِئَةٍ لِلطّائِفَةِ الَّتِي يَفِيءُ إلَيْها أيْ يَرْجِعُ مَن يَسْتَعْظِمُ شَيْئًا، اسْتِنادًا إلَيْها حِمايَةً بِها لِقُوَّتِها ومَنَعَتِها ﴿التَقَتا﴾ أيْ في بَدْرٍ ﴿فِئَةٌ﴾ أيْ مِنهُما مُؤْمِنَةٌ، لِما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَطْعًا إلّا مُؤْمِنًا ﴿وأُخْرى﴾ أيْ مِنهُما ﴿كافِرَةٌ﴾ (p-٢٦٣)أيْ تُقاتِلُ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، فالآيَةُ كَما تَرى مِن وادِي الِاحْتِباكِ، وهو أنْ يُؤْتى بِكَلامَيْنِ يُحْذَفُ مِن كُلٍّ مِنهُما شَيْءٌ إيجازًا، يَدُلُّ ما ذُكِرَ مِن كُلٍّ عَلى ما حُذِفَ مِنَ الآخَرِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: هو أنْ يُحْذَفَ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ شَيْءٌ إيجازًا ويُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُخْرى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الِاعْتِبارِ بِذِكْرِ الآيَةِ نَبَّهَ عَلى مَوْضِعِها بِقَوْلِهِ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ وضَمَّنَ يَرى البَصِيرِيَّةَ القاصِرَةَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فِعْلَ الظَّنِّ، وانْتَزَعَ مِنهُ حالًا ودَلَّ عَلَيْها بِنَصْبِ مَفْعُولٍ ثانٍ فَصارَ التَّقْدِيرُ: ظانِّيهِمْ ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ فَعَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ يَكُونُ المَعْنى: تَرَوْنَ أيُّها المُخاطَبُونَ الكُفّارَ المُقاتِلِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ بِالغَيْبِ المَعْنى، يَرى المُسْلِمُونَ الكُفّارَ مَثَلَيِ المُسْلِمِينَ ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ أيْ بِالحَزْرِ والتَّخْمِينِ، لا بِحَقِيقَةِ العَدَدِ، هَذا أقَلُّ (p-٢٦٤)ما يُجَوِّزُونَهُ فِيهِمْ، وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ ومَعَ ذَلِكَ فَجَزاهُمُ اللَّهُ عَلى مُصادَمَتِهِمْ ونَصَرَهم عَلَيْهِمْ، أوْ يَرى الكُفّارُ المُسْلِمِينَ مَثَلَيِ الكُفّارِ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلى الثُّلُثِ مِن عِدَّتِهِمْ، كَما هو المَشْهُورُ في الآثارِ تَأْيِيدًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأوْلِيائِهِ لِيُرْعِبَ الأعْداءَ فَيَنْهَزِمُوا، أوْ يَرى الكُفّارُ المُسْلِمِينَ ضِعْفَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ قالَ الحَرالِّيُّ: لِتَقَعَ الإراءَةُ عَلى صِدْقِهِمْ في مَوْجُودِ الإسْلامِ الظّاهِرِ والإيمانِ الباطِنِ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِما هو مُسْلِمٌ ذاتًا، وبِما هو مُؤْمِنٌ ذاتًا، فالمُؤْمِنُ المُسْلِمُ ضِعْفانِ أبَدًا ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] وذَلِكَ بِما أنَّ الكافِرَ ظاهِرٌ لا باطِنَ لَهُ فَكانَ ذاتَ عَيْنٍ، لا ذاتَ قَلْبٍ لَهُ، فَكانَ المُؤْمِنُ ضِعْفَهُ، فَوَقَعَتِ الإراءَةُ لِلْفِئَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى ما هي عَلَيْهِ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِثَباتِ إسْلامِهِمْ وإيمانِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ أدْنى الإراءَةِ لِمَزِيدِ مَوْجُودِ الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمِقْدارِ الضِّعْفِ الَّذِي هو أقَلُّ (p-٢٦٥)الزِّيادَةِ الصَّحِيحَةِ، وأمّا بِالحَقِيقَةِ فَإنَّ التّامَّ الدِّينَ بِما هو مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ صاحِبُ يَقِينٍ إنَّما هو بِالحَقِيقَةِ عَشْرٌ تامٌّ نَظِيرَ مَوْجُودِ الوُجُودِ الكامِلِ، فَهو عَشْرُ ذَواتٍ بِما هو صاحِبُ يَقِينٍ ودِينٍ
﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] انْتَهى. وهَذا التَّقْلِيلُ والتَّكْثِيرُ واقِعٌ بِحَسَبِ أوَّلِ القِتالِ وآخِرِهِ، وقَبْلَ اللِّقاءِ وبَعْدَهُ، لِما أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الحُكْمِ كَما في آيَةِ الأنْفالِ، والمَعْنى: إنّا فاعِلُونَ بِكم أيُّها الكُفّارُ عَلى أيْدِيهِمْ ما فَعَلْناهُ بِأُولَئِكَ، وقَدْ كانُوا قائِلِينَ أعْظَمَ مِن مَقالاتِكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهم شَيْئًا، ولا شِدَّةُ شَكِيمَتِهِمْ ونَخْوَتُهم فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِيُّ المُؤْمِنِينَ لِطِيبِهِمْ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَصَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الفِئَةَ القَلِيلَةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُؤَيِّدُ﴾ والأيْدُ تَضْعِيفُ القُوَّةِ الباطِنَةِ ﴿بِنَصْرِهِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: والنَّصْرُ لا يَكُونُ إلّا لِمُحِقٍّ، وإنَّما (p-٢٦٦)يَكُونُ لِغَيْرِ المُحِقِّ الظَّفَرُ والِانْتِقامُ انْتَهى.
﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ فَلا عَجَبَ فِيهِ في التَّحْقِيقِ، فَلِذَلِكَ اتَّصَلَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ الباهِرِ، وفي أداةِ البُعْدِ كَما قالَ الحَرالِّيُّ إشارَةُ بُعْدٍ إلى مَحَلِّ عُلُوِّ الآيَةِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ قالَ: هي المُجاوَزَةُ مِن عُدْوَةٍ دُنْيا إلى عُدْوَةٍ قُصْوى، ومِن عِلْمٍ أدْنى إلى عِلْمٍ أعْلى، فَفي لَفْظِها بُشْرى بِما يَنالُونَ مِن ورائِها مِمّا هو أعْظَمُ مِنها إلى غايَةِ العِبْرَةِ العُظْمى مِنَ الغَلَبَةِ الخاتِمَةِ الَّتِي عِنْدَها تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَيْثُ يَكُونُ مِن أهْلِ الكَمالِ بِعَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ثَلاثُمِائَةِ ثَلاثَةَ عَشَرَ، فَهو غايَةُ العِبْرَةِ لِمَن لَهُ بَصَرٌ نافِذٌ ونَظَرٌ جامِعٌ بَيْنَ البِدايَةِ والخاتِمَةِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] انْتَهى.
﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ أيْ يَصِيرُونَ بِها مِن حالٍ إلى أشْرَفَ مِنها في قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ. قالَ الحَرالِّيُّ: أوَّلُ مَوْقِعِ العَيْنِ عَلى الصُّورَةِ نَظَرٌ، ومَعْرِفَةُ خِبْرَتِها الحِسِّيَّةِ بَصَرٌ، ونُفُوذُهُ إلى حَقِيقَتِها رُؤْيَةٌ، فالبَصَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ النَّظَرِ والرُّؤْيَةِ (p-٢٦٧)كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] فالعِبْرَةُ هي المَرْتَبَةُ الأُولى لِأُولِي الأبْصارِ الَّذِينَ يُبْصِرُونَ الأواخِرَ بِالأوائِلِ، فَأعْظَمُ غَلَبَةِ بَطْشِهِ في الِابْتِداءِ غَلَبَةُ بَدْرٍ، وأعْظَمُها في الِانْتِهاءِ الغَلَبَةُ الخاتِمَةُ الَّتِي لا حَرْبَ وراءَها، الَّتِي تَكُونُ بِالشّامِ في آخِرِ الزَّمانِ. انْتَهى.
آل عمران 3:14
ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الَّذِي وقَفَ بِهِمْ عَنِ الإيمانِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ المَتاعِ إنَّما هو شَهَواتٌ وعَرَضٌ زائِلٌ، لا يُؤْثِرُهُ عَلى اتِّباعِ ما شَرَعَهُ المَلِكُ إلّا مَنِ انْسَلَخَ مِن صِفاتِ البَشَرِ إلى طَوْرِ البَهائِمِ الَّتِي لا تَعْرِفُ إلّا الشَّهَواتِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِذِكْرِ آيَةِ الفِئَتَيْنِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: الآيَةُ العَلامَةُ، ومِن شَأْنِها الظُّهُورُ، فَما حَجَبَها عَنْهُمْ؟ فَقِيلَ: تَزْيِينُ الشَّهَواتِ لِمَن دَنَتْ هِمَّتُهُ. وقالَ (p-٢٦٨)الحَرالِّيُّ: لَمّا أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ما أظْهَرَهُ بَقاءً لِعَلَنِ قَيُّومِيَّتِهِ مِن تَنْزِيلِ الكِتابِ الجامِعِ الأوَّلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ: إنْزالِ التَّوْراةِ بِما أنْشا عَلَيْهِ قَوْمَها مِن وضْعِ رَغْبَتِهِمْ ورَهْبَتِهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا، فَكانَ وعِيدُهم فِيها ووَعْدُهم عَلى إقامَةِ ما فِيها إنَّما هو بِرَغْبَةٍ في الدُّنْيا ورَهْبَتِها، لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى لِنَحْوِ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، فَمِن مَجْبُولٍ عَلى رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ في أمْرِ الدُّنْيا، ومِن مَجْبُولٍ عَلى ما هو مِن نَحْوِ ذَلِكَ في أمْرِ الآخِرَةِ ومِن مَفْطُورٍ عَلى ما هو مِن غَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَيَرِدُ خِطابُ كُلِّ أُمَّةٍ ويَنْزِلُ عَلَيْها كِتابُها مِن نَحْوِ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ كِتابُ التَّوْراةِ كِتابَ رَجاءٍ ورَغْبَةٍ وخَوْفٍ ورَهْبَةٍ في مَوْجُودِ الدُّنْيا، وكانَ كِتابُ الإنْجِيلِ كِتابَ دَعْوَةٍ إلى مَلَكُوتِ الآخِرَةِ، وكانا مُتَقابِلَيْنِ، بَيْنَهُما مُلابَسَةٌ، لَمْ يَفْصِلْ أمْرَهُما فُرْقانٌ واضِحٌ، فَكَثُرَ فِيهِما الِاشْتِباهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الفُرْقانَ لِرَفْعِ لَبْسِ ما فِيهِما فَأبانَ فِيهِ المُحْكَمَ والمُتَشابِهَ مِن مَنزِلِ الوَحْيِ، وكَما أبانَ فِيهِ فُرْقانَ الوَحْيِ أبانَ فِيهِ أيْضًا فُرْقانَ الخَلْقِ وما اشْتَبَهَ مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وما التَبَسَ عَلى (p-٢٦٩)أهْلِ الدُّنْيا مِن أمْرِ الخَلْقِ بِلَوائِحِ آياتِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، فَتَبَيَّنَ في الفُرْقانِ مُحْكَمُ الوَحْيِ مِن مُتَشابِهِهِ، ومُحْكَمُ الخَلْقِ مِن مُتَشابِهِهِ وكانَ مُتَشابِهُ الخَلْقِ هو المُزَيَّنَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ومُحْكَمُ الخَلْقِ هو المُحَقَّقَ مِن دَوامِ خَلْقِ الآخِرَةِ، فاطَّلَعَ نَجْمُ هَذِهِ الآيَةِ لِإنارَةِ غَلَسِ ما بُنِيَ عَلَيْهِ أمْرُ التَّوْراةِ مِن إثْباتِ أمْرِ الدُّنْيا لَهم وعْدًا ووَعِيدًا، لِتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَوْطِئَةً لِتَحْقِيقِ صَرْفِ النُّهى عَنْ مَدِّ اليَدِ والبَصَرِ إلى ما مَتَّعَ بِهِ أهْلَها، فَأنْبَأ تَعالى أنَّ مَتاعَ الدُّنْيا أمْرٌ مُزَيَّنٌ، لا حَقِيقَةَ لِزِينَتِهِ ولا حُسْنَ لِما وراءَ زُخْرُفِهِ فَقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ فَأبْهَمَ المُزَيِّنَ لِتَرْجِعَ إلَيْهِ ألْسِنَةُ التَّزْيِينِ مِمّا كانَتْ في رُتْبَةِ عُلُوٍّ أوْ دُنُوٍّ، وفي إناطَةِ التَّزْيِينِ بِالنّاسِ دُونَ الَّذِينَ آمَنُوا ومَن فَوْقَهم إيضاحٌ لِنُزُولِ سِنِّهِمْ في أسْنانِ القُلُوبِ وأنَّهم مُلُوكُ الدُّنْيا وأتْباعُهم ورُؤَساءُ القَبائِلِ وأتْباعُهُمُ الَّذِينَ هم أهْلُ الدُّنْيا ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وهي (p-٢٧٠)نُزُوعُ النَّفْسِ إلى مَحْسُوسٍ لا تَتَمالَكُ عَنْهُ. انْتَهى.
وفِي هَذا الكَلامِ إعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّزَيُّنُ الحُبُّ، لا الشَّيْءُ المَحْبُوبُ، فَصارَ اللّازِمُ لِأهْلِ الدُّنْيا إنَّما هو مَحَبَّةُ الأمْرِ الكُلِّيِّ مِن هَذِهِ المُسَمَّياتِ ورُبَّما إذا تَشَخَّصَ في الجُزْئِيّاتِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الجُزْئِيّاتُ مَحْبُوبَةً لَهُمْ، وفِيهِ تَحْرِيكٌ لِهِمَمِ أهْلِ الفُرْقانِ إلى العُلُوِّ عَنْ رُتْبَةِ النّاسِ الَّذِينَ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ولا يَشْكُرُونَ ولا يَعْقِلُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِما هو مَحَطُّ القَصْدِ كُلِّهِ، وآخِرُ العَمَلِ مِن حَيْثُ إنَّ الأعْلَقَ بِالنَّفْسِ حُبُّ أُنْثاها الَّتِي هي مِنها ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] فَقالَ: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ أيِ المُبْتَدِئَةِ مِنهُنَّ، وأتْبَعَهُ ما هو مِنهُ أيْضًا وهو بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُنْثى فَقالَ: ﴿والبَنِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وأخْفى فِتْنَةَ النِّساءِ بِالرِّجالِ سَتْرًا لَهُنَّ، كَما أخْفى أمْرَ حَوّاءَ في ذِكْرِ المَعْصِيَةِ لِآدَمَ حَيْثُ قالَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] فَأخْفاهُنَّ لِما في سَتْرِ الحُرُمِ مِنَ الكَرَمِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ. انْتَهى.
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما يُكْمِلُ بِهِ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿والقَناطِيرِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ (p-٢٧١)قِنْطارٍ، يُقالُ: هو مِائَةُ رِطْلٍ ويُقالُ: إنَّ الرِّطْلَ اثْنَتا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، والدِّرْهَمُ خَمْسُونَ حَبَّةً وخَمْسًا مِن حَبِّ الشَّعِيرِ، وأحَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِن شَعِيرِ المَدِينَةِ ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ أيِ المُضاعَفَةِ مَرّاتٍ. انْتَهى. ثُمَّ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ ثُمَّ أتْبَعَها الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ الَّتِي هي أكْبَرُ الأسْبابِ في تَحْصِيلِ الأمْوالِ فَقالَ: ﴿والخَيْلِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: اسْمُ جَمْعٍ لِهَذا الجِنْسِ المَجْبُولِ عَلى هَذا الِاخْتِيالِ لِما خُلِقَ لَهُ مِنَ الاعْتِزازِ بِهِ وقُوَّةِ المِنَّةِ في الِافْتِراسِ عَلَيْهِ الَّذِي مِنهُ سُمِّيَ واحِدُهُ فَرَسًا ﴿المُسَوَّمَةِ﴾ أيِ المُعَلَّمَةِ بِأعْلامٍ هي سِمَتُها وسِيماها الَّتِي تَشْتَهِرُ بِها جَوْدَتُها، مِنَ السُّومَةِ - بِضَمِّ السِّينِ، وهي العَلامَةُ الَّتِي تُجْعَلُ عَلى الشّاةِ لِتُعْرَفَ بِها، وأصْلُ السَّوْمِ (p-٢٧٢)بِالفَتْحِ الإرْسالُ لِلرَّعْيِ مُكْتَفىً في المُرْسَلِ بِعَلاماتٍ تُعْرَفُ بِها نِسْبَتُها لِمَن تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي لِلْحَفِيظَةِ عَلَيْها مِن أجْلِهِ مِنَ الواقِعِ عَلَيْها مِنَ الخاصِّ والعامِّ، فَهي مُسَوَّمَةٌ بِسِيمَةٍ تُعْرَفُ بِها جَوْدَتُها ونِسْبَتُها ﴿والأنْعامِ﴾ وهي جَمْعُ نَعَمٍ، وهي الماشِيَةُ فِيها إبِلٌ، والإبِلُ واحِدُها، فَإذا خَلَتْ مِنها الإبِلُ لَمْ يَجْرِ عَلى الماشِيَةِ اسْمُ نَعَمٍ. انْتَهى. وقالَ في القامُوسِ: النَّعَمُ - وقَدْ تُسَكَّنُ عَيْنُهُ - الإبِلُ والشِّياءُ جَمْعُ أنْعامٍ، وجَمْعُ جَمْعِهِ أناعِيمٌ. وقالَ القَزّازُ في جامِعِهِ: النَّعَمُ اسْمٌ يَلْزَمُ الإبِلَ خاصَّةً، ورُبَّما دَخَلَ في النَّعَمِ سائِرُ المالِ، وجَمْعُ النَّعَمِ أنْعامٌ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ النَّعَمَ في الإبِلِ خاصَّةً، فَإذا قُلْتَ: الأنْعامُ - دَخَلَ فِيها البَقَرُ والغَنَمُ، قالَ: وإنْ أفْرَدْتَ الإبِلَ والغَنَمَ لَمْ يُقَلْ فِيها نَعَمٌ ولا أنْعامٌ. وقالَ قَوْمٌ: النَّعَمُ والأنْعامُ بِمَعْنىً، وقالَ في المُجْمَلِ: والأنْعامُ البَهائِمُ، وقالَ الفارابِيُّ في دِيوانِ الأدَبِ: والنَّعَمُ واحِدُ الأنْعامِ، وأكْثَرُ ما يَقَعُ هَذا الِاسْمُ عَلى الإبِلِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأعْيانَ الَّتِي زُيِّنَ حُبُّها في نَفْسِها أتْبَعَها ما يُطْلَبُ لِأجْلِ تَحْصِيلِها (p-٢٧٣)أوْ تَنْمِيَتِها وتَكْثِيرِها فَقالَ: ﴿والحَرْثِ﴾
ولَمّا فَصَّلَها وخَتَمَها بِما هو مِثْلُ الدُّنْيا في البِدايَةِ والنِّهايَةِ والإعادَةِ أجْمَلَ الخَبَرَ عَنْ ثَمَرَتِها وبَيانِ حَقِيقَتِها فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذَكَرَ مِنَ الشَّهَواتِ المُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأعْيانِ تَأْكِيدًا لِتَخْسِيسِهِ البَعِيدِ مِن إخْلادِ ذَوِي الهِمَمِ إلَيْهِ لِيَقْطَعَهم عَنِ الدّارِ الباقِيَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الإشارَةُ إلى بُعْدِهِ عَنْ حَدِّ التَّقْرِيبِ إلى حَضْرَةِ الجَنَّةِ انْتَهى.
﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ الَّتِي هي مَعَ دَناءَتِها إلى فَناءٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أحاطَ بِهِ حِسُّ النَّظَرِ العاجِلِ مِن مَوْجُودِ العادِلِ أدْنى، فَأفْهَمَ أنَّ ما أنْبَأ بِهِ عَلى سَبِيلِ السَّمْعِ أعْلى، فَجَعَلَ تَعالى مِن أمْرِ اشْتِباهِ كِتابِ الكَوْنِ المَرْئِيِّ بِهِ وذِكْرِ المَشْهُودِ أنْ عَجَّلَ مَحْسُوسَ العَيْنِ وحَمَلَ عَلى تَرْكِهِ وقَبَضَ اليَدَ بِالوَرَعِ والقَلْبَ بِالحُبِّ عَنْهُ، وأخَّرَ مَشْهُودَ مَسْمُوعِ الأُذُنِ مِنَ الآخِرَةِ (p-٢٧٤)وأنْبَأ بِالصِّدْقِ عَنْهُ ونَبَّهَ بِالآياتِ عَلَيْهِ لِيُؤْثِرَ المُؤْمِنُ مَسْمَعَهُ عَلى مَنظَرِهِ، كَما آثَرَ النّاسُ مَنظَرَهم عَلى مَسْمَعِهِمْ، حَرَّضَ لِسانُ الشَّرْعِ عَلى تَرْكِ الدُّنْيا والرَّغْبَةِ في الأُخْرى، فَأبَتِ الأنْفُسُ وقَبِلَتْ قُلُوبٌ وهَيَّمَ لِسانُ الشِّعْرِ في زِينَةِ الدُّنْيا فَقَبِلَتْهُ الأنْفُسُ ولَمْ تَسْلَمِ القُلُوبُ مِنهُ إلّا بِالعِصْمَةِ، فَلِسانُ الحَقِّ يَصْرِفُ إلى حَقِّ الآخِرَةِ ولِسانُ الخَلْقِ يَصْرِفُهُ إلى زِينَةِ الدُّنْيا، فَأنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ ما في الدُّنْيا مَتاعٌ، والمَتاعُ ما لَيْسَ لَهُ بَقاءٌ، وهو في نَفْسِهِ خَسِيسٌ خَساسَةَ الجِيفَةِ انْتَهى.
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى حالًا مِن فاعِلِ مَعْنى الإشارَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وهو سُوءُ المَبْدَإ في هَذا الذَّهابِ إلى غايَةِ الحَياةِ، واللَّهُ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مَفْعِلٌ مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ إلى ما مِنهُ كانَ الذَّهابُ انْتَهى. فَأرْشَدَ هَذا الخِطابُ اللَّطِيفُ كُلَّ مَن يَنْصَحُ نَفْسَهُ إلى مُنافَرَةِ هَذا العَرَضِ الخَسِيسِ بِأنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ بِأنْ يَكُونَ في يَدِهِ، لا في قَلْبِهِ فَلا يَفْرَحُ بِهِ بِحَيْثُ (p-٢٧٥)يَشْغَلُهُ عَنِ الخَيْرِ، بَلْ يُجْعَلُ عَوْنًا عَلى الطّاعَةِ وأنَّهُ إنْ مُنِعَ مِنهُ لا يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ لِتَحَقُّقِ زَوالِهِ ولِرَجاءِ الأوَّلِ إلى ما عِنْدَ خالِقِهِ الَّذِي تَرَكَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ.
آل عمران 3:15
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أوْجَبَ الإعْراضَ عَنْ هَذا العَرَضِ فَكانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ فَعَلامَ أُقْبِلُ؟ أمَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أقْرَبَ الخَلْقِ إلَيْهِ وأعَزَّهم لَدَيْهِ بِجَوابِهِ لِتَكُونَ البِشارَةُ داعِيَةً إلى حُبِّهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِمَن فِيهِ قابِلِيَّةُ الإقْبالِ إلَيْنا، ولَمّا أجْرى سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ البِشارَةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى العِبادِ بِحالِهِ كَما تَقُومُ بِمَقالِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدْعُو إلى شَيْءٍ إلّا كانَ أوَّلَ فاعِلٍ لَهُ، ولا يَنْهى عَنْ شَيْءٍ إلّا كانَ أوَّلَ تارِكٍ لَهُ، لِإيثارِهِ الغائِبَ المَسْمُوعَ مِن بِناءِ الآخِرَةِ عَلى العاجِلِ المَشْهُودِ مِن أثَرِ الدُّنْيا كَما «قالَ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أشْفَقَ عَلَيْهِ مِن تَأْثِيرِ رِمالِ السَّرِيرِ في جَنْبِهِ فَذَكَرَ ما فِيهِ فارِسُ والرُّومُ مِنَ النَّعِيمِ: ”أوَ في شَكٍّ أنْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ ؟ (p-٢٧٦)أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيا ولَنا الآخِرَةُ؟“» شَوَّقَ إلَيْها بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الشَّهَواتِ، وعَظَّمَهُ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ لِعَظَمَتِهِ عِنْدَهم والزِّيادَةِ في التَّعْظِيمِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ هَذا الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّصَفُوا بِالتَّقْوى فَكانَ مِمّا أثْمَرَ لَهُمُ اتِّصافُهم بِها أنْ أعْرَضُوا عَنْ هَذِهِ الشَّهَواتِ مِن حَيْثُ إنَّها شَهَواتٌ وجَعَلُوها عِباداتٍ واقِيَةً لَهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ، فَتَلَذَّذُوا بِالنِّساءِ لا لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ بَلْ لِغَضِّ البَصَرِ مِنَ الجانِبَيْنِ وابْتِغاءَ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الوَلَدِ إنْفاذًا لِمُرادِ رَبِّهِمْ مِن تَكْثِيرِ خَلائِفِهِمْ في الأرْضِ لِلْإصْلاحِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ:
«تَناكَحُوا تَناسَلُوا فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ» ونَحْوِ ذَلِكَ وفَرِحُوا بِالبَنِينَ لا لِمُجَرَّدِ المُكاثَرَةِ بَلْ لِتَعْلِيمِهِمُ العِلْمَ وحَمْلِهِمْ عَلى الذِّكْرِ والجِهادِ والشُّكْرِ وأنْواعِ السَّعْيِ في رِضى السَّيِّدِ، وحازُوا النَّقْدَيْنِ لا لِلْكَنْزِ، بَلْ لِلْإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْراتِ، ورَبَطُوا (p-٢٧٧)لِلْجِهادِ، لا لِلْفَخْرِ والرِّئاسَةِ عَلى العِبادِ بَلْ لِقَمْعِ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ ورَفْعِ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ المُسْتَلْزَمِ لِظُهُورِ الإيمانِ، كَما بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَشابِهَ اقْتِنائِها فَقالَ: «”وهِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ ولِرَجُلٍ سَتْرٌ وعَلى رَجُلٍ وِزْرٌ»“ ثُمَّ عَظَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لَهم بِقَوْلِهِ مُرَغِّبًا بِلَفْتِ القَوْلِ إلى وصْفِ الإحْسانِ المُقْتَضِي لِتَرْبِيَةِ الصَّدَقاتِ وغَيْرِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحاتِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِلِباسِ التَّقْوى المُوجِبِ لِإيثارِهِمُ الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتٌ﴾ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إذا كانَ (لِلَّذِينَ)، مُتَعَلِّقًا بِـ (خَيْرٌ)، ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ أنَّ ماءَها غَيْرُ مَجْلُوبٍ، بَلْ كُلُّ مَكانٍ مِنها مُتَهَيِّئٌ لِأنْ يَنْبُعَ مِنهُ ماءٌ يَجْرِي لِتَثْبُتَ بَهْجَتُها وتَدُومَ زَهْرَتُها ونَضْرَتُها، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إلى أنَّها هي المُشْتَمِلَةُ عَلى جَمِيعِ الإحْسانِ المُغْنِيَةُ عَنِ الحَرْثِ والأنْعامِ، (p-٢٧٨)وأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا انْقِطاعَ لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي مَعْنى لَفْظِ الخُلُودِ إعْلامٌ بِسُكُونِ الأنْفُسِ إلَيْها لِما فِيها مِن مُوافَقَتِها انْتَهى. ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّ مِن بَيْنِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّهَواتِ ذِكْرَ النِّسْوانِ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجٌ﴾ لِأنَّها أعْظَمُ المُشْتَهَياتِ، ولا يَكْمُلُ التَّلَذُّذُ بِها إلّا بِحُصُولِ جَمِيعِ ما يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَصارَ ذِكْرُهُنَّ عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ مِنَ القادِرِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
ولَمّا كانَتِ التَّقْوى حامِلَةً عَلى تَطْهِيرِ الأنْفُسِ مِن أوْضارِ الأدْناسِ مِنَ الأوْصافِ السَّيِّئَةِ وكانَ الوَصْفُ بِالمُفْرَدِ أدَلَّ عَلى أنَّهُنَّ في أصْلِ الطَّهارَةِ كَأنَّهُنَّ نَفْسٌ واحِدَةٌ قالَ عادِلًا عَمّا هو الأوْلى مِنَ الوَصْفِ بِالجَمْعِ لِجَمْعِ مَن يَعْقِلُ: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ لِأنَّهُنَّ مُقْتَبَساتٌ مِن أنْفُسِهِمْ ﴿خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [الروم: ٢١]
ولَمّا ذَكَرَ حَظَّ البَدَنِ قَرَّرَ لَذَّةَ هَذا النَّعِيمِ بِما لِلرُّوحِ، وزادَهُ مِنَ الأضْعافِ المُضاعَفَةِ ما لا حَدَّ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها، اسْمُ مُبالَغَةٍ في مَعْنى الرِّضى، وهو عَلى عِبْرَةِ امْتِلاءٍ بِما تُعْرِبُ عَنْهُ الألِفُ والنُّونُ وتُشْعِرُ ضَمَّةُ رائِهِ بِظاهِرِ إشْباعِهِ، وكَسْرَتُها بِباطِنِ إحاطَتِهِ - انْتَهى. (p-٢٧٩)ولَمّا جَرى وعْدُ الجَنّاتِ عَلى اسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ النّاظِرِ إلى الإحْسانِ بِالتَّرْبِيَةِ فَخَّمَ أمْرَ هَذا الجَزاءِ وأعْلاهُ عَلى ذَلِكَ بِنَوْطِهِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ شامِلًا لِجَمِيعِهِمْ وكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهم فِيهِ مُتَساوُونَ أشارَ إلى التَّفاوُتِ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ إشارَةً إلى الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ بِحَيْثِيَّةٍ ما: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ ﴿بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ بِنِيّاتِهِمْ ومَقادِيرِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِها عَلى حَسَبِ إخْلاصِها، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وسائِرِ أحْوالِهِمْ.
آل عمران 3:16
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ بَصِيرٌ بِمَن يَسْتَحِقُّ ما أعَدَّ مِنَ الفَوْزِ أتْبَعَهُ ما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِهِ مِنَ الأوْصافِ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ بِها وبِإيجابِ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ حَثًّا لَهم عَلى التَّخَلُّقِ بِتِلْكَ الأوْصافِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا وصَفَ تَعالى قُلُوبَهم بِالتَّقْوى وبَرَّأهم مِنَ الاسْتِغْناءِ بِشَيْءٍ مِن دُونِهِ وصَفَ أدَبَهم في المَقالِ فَقالَ؛ انْتَهى - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا﴾ أيْ يا مَن رَبّانا بِإحْسانِهِ وعادَ عَلَيْنا بِفَضْلِهِ، وأسْقَطَ أداةَ (p-٢٨٠)النِّداءِ إشْعارًا بِما لَهم مِنَ القُرْبِ لِأنَّهم في حَضْرَةِ المُراقَبَةِ؛ ولَمّا كانَتْ أحْوالُهم في تَقْصِيرِها عَنْ أنْ يُقَدَّرَ اللَّهُ حَقَّ قَدْرِهِ كَأنَّها أحْوالُ مَن لَمْ يُؤْمِنِ اقْتَضى المَقامُ التَّأْكِيدَ فَقالُوا: ﴿إنَّنا﴾ فَأثْبَتُوا النُّونَ إبْلاغًا فِيهِ ﴿آمَنّا﴾ أيْ بِما دَعَوْتَنا إلَيْهِ، وأظْهَرُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ فَإنَّنا عاجِزُونَ عَنْ دَفْعِها ورَفْعِ الهِمَمِ عَنْ مُواقَعَتِها وإنِ اجْتَهَدْنا لِما جُبِلْنا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ والنَّقْصِ، تَنْبِيهًا مِنهُ تَعالى عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في التَّقْوى إذا هُدِمَ بِالتَّوْبَةِ لِأنَّهُ ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها. قالَ الحَرالِّيُّ: وبَيَّنَ المَغْفِرَةَ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تُغَيِّرُها الأفْعالُ، مَن تَرَتَّبَ إيمانُهُ عَلى تَقْوى غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، فَكانَتْ مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِأهْلِ هَذا الأدَبِ في مُقابَلَةِ الَّذِينَ آخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا، فَفي شُمُولِ ذِكْرِ الذُّنُوبِ في الصِّنْفَيْنِ إعْلامٌ بِإجْراءِ قَدْرِ الذُّنُوبِ عَلى الجَمِيعِ، فَما كانَ مِنها مَعَ التَّكْذِيبِ أخَذَ بِهِ، وما كانَ مِنها مَعَ التَّقْوى والإيمانِ غَفَرَ لَهُ. انْتَهى.
ولَمّا رَتَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى الغُفْرانَ عَلى التَّقْوى ابْتِداءً رَتَّبَ عَلَيْها الوِقايَةَ انْتِهاءً فَقالَ: ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَحْقَقْناهُ بِسُوءِ أعْمالِنا.
آل عمران 3:17
(p-٢٨١)قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا وصَفَ تَقْوى قُلُوبِهِمْ باطِنًا وأدَبَ مَقالِهِمْ ظاهِرًا وصَفَ لَهم أحْوالَ أنْفُسِهِمْ لِيَتَطابَقَ ظاهِرُ أمْرِهِمْ بِمُتَوَسِّطِهِ وباطِنِهِ فَقالَ: ﴿الصّابِرِينَ﴾ فَوَصَفَهم بِالصَّبْرِ إشْعارًا بِما يَنالُهم مِن سَجْنِ الدُّنْيا وشَدائِدِها، والصَّبْرُ أمْدَحُ أوْصافِ النَّفْسِ، بِهِ تَنْحَبِسُ عَنْ هَواها وعَمّا زُيِّنَ مِنَ الشَّهَواتِ المَذْكُورَةِ بِما تَحَقَّقَ مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الدُّنْيا لِلْآخِرَةِ فَصَبَرُوا عَنِ الشَّهَواتِ؛ أمّا النِّساءُ فَبِالِاقْتِصارِ عَلى ما مَلَكُوهُ وأمّا البَنُونَ فَبِمُراعاةِ أنَّ ما تَقَدَّمَ خَيْرٌ مِمّا تَأخَّرَ، قالَ ﷺ - يَعْنِي فِيما رَواهُ ابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”لَسَقَطٌ أُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ أحَبُّ إلَيَّ مِن فارِسٍ أُخَلِّفُهُ خَلْفِي“ وأمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ فَبِالنَّظَرِ إلَيْها أصْنامًا يَضُرُّ مَوْجُودُها، وبِالحَرِيِّ أنْ يَنالَ مِنها السَّلامَةَ بِنَفَقَةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إنْفاقُها إلى أنْ يَكُونَ كَفّارَةَ كَسْبِها وجَمْعِها، فَكانَ الصَّبْرُ عَنْها أهْوَنَ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنها؛ وأمّا (p-٢٨٢)الخَيْلُ فَلِما يَصْحَبُها مِنَ التَّعَزُّزِ المُمِدِّ لِخُيَلاءِ النَّفْسِ الَّذِي هو أشَدُّ ما عَلى النَّفْسِ أنْ تَخْرُجَ عَنْ زَهْوِها وخُيَلائِها إلى احْتِمالِ الضَّيْمِ والسُّكُونِ بِحُبِّ الذُّلِّ، يُقالُ: إنَّهُ آخِرُ ما يَخْرُجُ مِن رُؤُوسِ الصِّدِّيقِينَ حُبُّ الرِّئاسَةِ؛ وأمّا الأنْعامُ فَبِالِاقْتِصارِ مِنها عَلى قَدْرِ الكَفافِ، لِأنَّ كُلَّ مُسْتَزِيدٍ تَمَوُّلًا مِنَ الدُّنْيا زائِدًا عَلى كَفافٍ مِنهُ مِن مَسْكَنٍ أوْ مَلْبَسٍ أوْ مَرْكَبٍ أوْ مالٍ فَهو مُحْجِرٌ عَلى مَن سِواهُ مِن عِبادِ اللَّهِ ذَلِكَ الفَضْلَ الَّذِي هم أحَقُّ بِهِ مِنهُ، قالَ ﷺ:
«لَنا غَنَمُ مِائَةٍ لا نُرِيدُ أنْ تَزِيدَ» الحَدِيثَ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وأمّا الحَرْثُ فَبِالِاقْتِصارِ مِنهُ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ لِما يَكُونُ راتِبًا لِلْإلْزامِ ومُرْصَدًا لِلنَّوائِبِ ومُخْرِجًا لِلْبَذْرِ، فَإنْ أعْطاهُ اللَّهُ فَضْلًا أخْرَجَهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الإخْراجِ ولَوْ بِالبَيْعِ، ولا يُمْسِكُهُ مُتَمَوِّلًا لِقَلْبِهِ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأعْيانِ فَيَكُونُ مُحْتَكِرًا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ (p-٢٨٣)تَعالى عَنْهُما ”مَنِ احْتَكَرَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدَ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وبَرِئَ اللَّهُ مِنهُ“ فَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الصَّبْرُ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَمّا زُيِّنَ لِلنّاسِ مِنَ التَّمَوُّلاتِ مِنَ الدُّنْيا الزّائِدَةِ عَلى الكَفافِ الَّتِي هي حَظُّ مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ يَحِقُّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَلِماتُ مُعْرَبَةً بِالنَّصْبِ مَدْحًا، لِأنَّ الصِّفاتِ المُتَّبَعَةَ لِلْمَدْحِ حِلْيَتُها النَّصْبُ في لِسانِ العَرَبِ، وإنَّما يَتْبَعُ في الإعْرابِ ما كانَ لِرَفْعِ لَبْسٍ أوْ تَخْصِيصٍ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ سِنُّ التَّقْوى فَوْقَ سِنِّ الإيمانِ عَطَفَ أمْداحَهم كُلَّها بِالواوِ إيذانًا بِكَمالِهِمْ في كُلِّ وصْفٍ مِنها وتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ بِخِلافِ ما في آيَةِ بَراءَةٍ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿والصّادِقِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في عَطْفِ الصِّفاتِ ما يُؤْذِنُ بِكَمالِ الوَصْفِ لِأنَّ العَرَبَ تَعْطِفُها إذا كَمُلَتْ وتَتَبَّعَ بَعْضُها بَعْضًا إذا تَرَكَّبَتْ والتَأمَتْ، يَعْنِي مِثْلَ: الرُّمّانِ حُلْوٌ حامِضٌ - إذا كانَ غَيْرَ صادِقِ الحَلاوَةِ ولا الحُمُوضَةِ، فَفي العَطْفِ إشْعارٌ بِكَمالِ صَبْرِهِمْ عَنِ العاجِلَةِ عَلى ما عَيَّنَهُ حُكْمُ النَّظْمِ، في الآيَةِ (p-٢٨٤)السّابِقَةِ، ومِن شَأْنِ الصّابِرِ عَنِ الدُّنْيا الصِّدْقُ، لِأنَّ أكْثَرَ المُداهَنَةِ والمُراءاةِ إنَّما ألْجَأ إلَيْها التَّسَبُّبُ إلى كَسْبِ الدُّنْيا، فَإذا رَغِبَ عَنْها لَمْ يَحْمِلْهُ عَلى تَرْكِ الصِّدْقِ حامِلٌ فَيَتَحَقَّقُ بِهِ فَيَصْدُقُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ والصِّدْقُ مُطابَقَةُ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ لِباطِنِ حالِهِ في نَفْسِهِ وعِرْفانِ قَلْبِهِ - انْتَهى ﴿والقانِتِينَ﴾ أيِ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمُ الدّائِمِينَ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى العَمَلَ الحامِلَ عَلَيْهِ خَوْفُ الحَقِّ ورَجاؤُهُ أتْبَعَهُ ما الحامِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ الشَّفَقَةِ عَلى الخَلْقِ، لِأنَّ مَن أكْرَمَ المُنْتَمِي إلَيْكَ فَقَدْ بالَغَ في إكْرامِكَ فَقالَ: ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ أيْ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في كُلِّ ما يُرْضِيهِ، فَإنَّهُ لا قِوامَ لِشَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ إلّا بِالنَّفَقَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن صَبَرَ نُوِّلَ، ومَن صَدَقَ أُعْلِيَ، ومَن قَنَتَ جَلَّ وعَظُمَ قَدْرُهُ، فَنَوَّلَهُ اللَّهُ ما يَكُونُ لَهُ مُنْفِقًا، والمُنْفِقُ أعْلى حالًا مِنَ المُزَكِّي، لِأنَّ المُزَكِّيَ يُخْرِجُ ما وجَبَ عَلَيْهِ فَرْضًا، والمُنْفِقَ يَجُودُ بِما في يَدِهِ فَضْلًا. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأعْمالَ الزّاكِيَةَ الجامِعَةَ العالِيَةَ أتْبَعَها الإشارَةَ إلى أنَّ الِاعْتِرافَ بِالعَجْزِ عَنِ الوَفاءِ بِالواجِبِ هو العُمْدَةُ في الخَلاصِ: (p-٢٨٥)﴿والمُسْتَغْفِرِينَ﴾ أيْ مِن نَقائِصِهِمْ مَعَ هَذِهِ الأفْعالِ والأحْوالِ الَّتِي هي نِهايَةُ ما يَصِلُ إلَيْهِ الخَلْقُ مِنَ الكَمالِ ﴿بِالأسْحارِ﴾ الَّتِي هي أشَقُّ الأوْقاتِ اسْتِيقاظًا عَلَيْهِمْ، وأحَبُّها راحَةً لَدَيْهِمْ، وأوْلاها بِصِفاتِ القُلُوبِ، وأقْرَبُها إلى الإجابَةِ المُعَبَّرِ عَنْها في الأحادِيثِ بِالنُّزُولِ كَما يَأْتِي بَيانُهُ في آيَةِ التَّهَجُّدِ في سُورَةِ الإسْراءِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو جَمْعُ سَحَرٍ، وأصْلُ مَعْناهُ التَّعَلُّلُ عَنِ الشَّيْءِ بِما يُقارِبُهُ ويُدانِيهِ ويَكُونُ مِنهُ بِوَجْهٍ ما، فالوَقْتُ مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يُتَعَلَّلُ فِيهِ بِدُنُوِّ الصَّباحِ هو السَّحَرُ، ومِنهُ السَّحُورُ، تَعَلُّلٌ عَنِ الغَداءِ؛ ثُمَّ قالَ: وفي إفْهامِهِ تَهَجُّدُهم في اللَّيْلِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] فَهم يَسْتَغْفِرُونَ مِن حَسَناتِهِمْ كَما يَسْتَغْفِرُ أهْلُ السَّيِّئاتِ مِن سَيِّئاتِهِمْ تَبَرُّؤًا مِن دَعْوى الأفْعالِ ورُؤْيَةِ الأعْمالِ التِئامًا بِصِدْقِ قَوْلِهِمْ في الِابْتِداءِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ [آل عمران: ١٦] وكَمالِ الإيمانِ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، فَبِاجْتِماعِ هَذِهِ الأوْصافِ السَّبْعَةِ مِنَ التَّقْوى والإيمانِ والصَّبْرِ (p-٢٨٦)والصِّدْقِ والقُنُوتِ والإنْفاقِ والِاسْتِغْفارِ كانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا لَهم مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، وقَدْ بانَ بِهَذا مُحْكَمُ آياتِ الخَلْقِ مِن مُتَشابِهِها بَعْدَ الإعْلامِ بِمُحْكَمِ آياتِ الأمْرِ ومُتَشابِهِها، فَتَمَّ بِذَلِكَ مَنزِلُ الفُرْقانِ في آياتِ الوَحْيِ المَسْمُوعِ والكَوْنِ المَشْهُودِ. انْتَهى. ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أشارَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسِ المُتَعاطِفَةِ إلى دَعائِمِ الإسْلامِ الخَمْسِ، فَأشارَ بِالصَّبْرِ إلى الإيمانِ، وبِالصِّدْقِ إلى الزَّكاةِ المُصَدِّقَةِ لِدَعْواهُ، وبِالقُنُوتِ الَّذِي مَدارُ مادَّتِهِ عَلى الإخْلاصِ إلى الصَّلاةِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُراقَبَةِ، وبِالإنْفاقِ إلى الحَجِّ الَّذِي أعْظَمُ مُقَوِّماتِهِ المالُ، وبِالِاسْتِغْفارِ إلى الصِّيامِ الَّذِي مَبْناهُ التَّخَلِّي مِن أحْوالِ البَشَرِ والتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ المَلَكِ لا سِيَّما في القِيامِ ولا سِيَّما في السَّحَرِ؛ وسِرُّ تَرْتِيبِها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما بَيْنَ العَبْدِ والخالِقِ في التَّوْحِيدِ الَّذِي هو العُدُولُ أتْبَعَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلائِقِ في الإحْسانِ، ولَمّا ذَكَرَ عِبادَةَ القَلْبِ والمالِ ذَكَرَ عِبادَةَ البَدَنِ الدّالَّةَ عَلى الإخْلاصِ في الإيمانِ، ولَمّا ذَكَرَ عِبادَةَ البَدَنِ مُجَرَّدًا بَعْدَ عِبادَةِ المالِ مُجَرَّدًا ذَكَرَ عِبادَةً ظاهِرَةً مُرَكَّبَةً مِنهُما، شِعارُها تَعْرِيَةُ الظّاهِرِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ (p-٢٨٧)عِبادَةً بَدَنِيَّةً خَفِيَّةً، عِمادُها تَعْرِيَةُ الباطِنِ، فَخَتَمَ بِمِثْلِ ما بَدَأ بِهِ، وهو ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ الِاطِّلاعِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
آل عمران 3:18
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِوَحْدانِيَّتِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ واسْتَدَلَّ عَلَيْها وأخْبَرَ عَمّا أعَدَّ لِلْكافِرِينَ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما دَلَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وخَتَمَ بِالإخْبارِ بِما أعَدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا جَرَّ إلى ذِكْرِهِ تَعالى بِما يَقْتَضِي الوَحْدانِيَّةَ أيْضًا مِنَ الأوْصافِ المَبْنِيَّةِ عَلى الإيمانِ أنْتَجَ ذَلِكَ ثُبُوتَها ثُبُوتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَكَرَّرَ تَعالى هَذِهِ النَّتِيجَةَ عَلى وجْهٍ أضْخَمَ مِنَ الماضِي كَما اقْتَضَتْهُ الأدِلَّةُ فَقالَ - وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أنْهى تَعالى الفُرْقانَ نِهايَتَهُ بِبَيانِ المُحْكَمَيْنِ والمُتَشابِهَيْنِ في الوَحْيِ والكَوْنِ انْتُظِمَتْ هَذِهِ الشَّهادَةُ الَّتِي هي أعْظَمُ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ بِآيَةِ القَيُّومِيَّةِ الَّتِي هي أعْظَمُ آيَةِ الوُجُودِ لِيَنْتَظِمَ آيَةَ الشُّهُودِ بِآيَةِ الوُجُودِ، انْتَهى.
فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ﴿أنَّهُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَأعادَ بِالإضْمارِ لِيَكُونَ الشّاهِدُ والمَشْهُودُ لَهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَأعادَ بِالهُوِيَّةِ لِمَعْنى الوَحْدانِيَّةِ في الشَّهادَةِ ولَمْ يَقُلْ: إلّا اللَّهُ، لِما يُشْعِرُ بِهِ تَكْرارُ الِاسْمِ في مَحَلِّ الإضْمارِ مِنَ التَّنَزُّلِ (p-٢٨٨)العَلِيِّ. انْتَهى. والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَعَلَ فِعْلَ الشّاهِدِ في إخْبارِهِ عَمّا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُبَراءِ إذا رَأوْا تَقاعُسَ أتْباعِهِمْ عَمّا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنَ المُهِمّاتِ في تَعاطِيهِمْ لَهُ بِأنْفُسِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخَطْبَ قَدْ فَدَحَ والأمْرَ قَدْ تَفاقَمَ، فَيَتَساقَطُ حِينَئِذٍ إلَيْهِ الأتْباعُ ولَوْ أنَّ فِيهِ الهَلاكَ تَساقُطَ الذُّبابِ في أحْلى الشَّرابِ، وإلى ذَلِكَ يَنْظُرُ قَوْلُ وفْدِ ثَقِيفٍ: ما لِمُحَمَّدٍ يَأْمُرُنا بِأنْ نَشْهَدَ لَهُ بِالرِّسالَةِ ولا يَشْهَدُ هو لِنَفْسِهِ! فَكانَ ﷺ بَعْدُ لا يَخْطُبُ خُطْبَةً إلّا شَهِدَ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ الشَّهادَةَ لِلَّهِ فِيها بِالرِّسالَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي أسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً قَدْ نَصَبَ لَكُمُ الأدِلَّةَ بِخَلْقِ ما خَلَقَ عَلى تَفَرُّدِهِ بِحَيْثُ انْتَفى كُلُّ رَيْبٍ فَكانَ ذَلِكَ أعْظَمَ شَهادَةٍ مِنهُ سُبْحانَهُ (p-٢٨٩)لِنَفْسِهِ، وإلَيْهِ أوْمَأ مَن قالَ:
؎ولِلَّهِ في كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ∗∗∗ وتَسْكِينَةٍ أبَدًا شاهِدُ
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
ثُمَّ شَهِدَ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ بِكَلامِهِ جَمْعًا بَيْنَ آيَتَيِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَلَمْ يُبْقِ لَكم عُذْرًا. قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الشَّهادَةُ الَّتِي هي مِنَ اللَّهِ لِلَّهِ هي الشَّهادَةُ الَّتِي إلَيْها قَصَدَ القاصِدُونَ وسَلَكَ السّالِكُونَ وإلَيْهِ انْتَهَتِ الإشارَةُ، وعِنْدَها وقَفَتِ العِبارَةُ، وهي أنْهى المَقاماتِ وأعْظَمُ الشَّهاداتِ، فَمَن شَهِدَ بِها فَقَدْ شَهِدَ شَهادَةً لَيْسَ وراءَها مَرْمى، ومَن شَهِدَ بِما دُونَها كانَتْ شَهادَتُهُ مَشْهُودًا عَلَيْها لا شَهادَةً، يُؤْثَرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ مُنْذُ كانَ وقْتُ العَصْرِ إلى أنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ في حَجَّتِهِ الَّتِي كَمُلَ بِها الدِّينُ وتَمَّتْ بِها النِّعْمَةُ يَقُولُ هَذِهِ الآيَةَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، فَأيُّ عَبْدٍ شَهِدَ لِلَّهِ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ الَّتِي هي شَهادَةُ اللَّهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ فَقَدْ كَمُلَتْ شَهادَتُهُ، وأتَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى النِّعْمَةَ عَلَيْهِ، وهي سِرُّ كُلِّ شَهادَةٍ مِن دُونِها، وهي آيَةُ عَلَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُنْتَهى المَقاماتِ وغايَةُ الدَّرَجاتِ في الوُصُولِ إلى مَحَلِّ الشُّهُودِ الَّذِي مِنهُ النُّفُوذُ إلى المَوْجُودِ بِمُقْتَضى الأعْظَمِيَّةِ الَّتِي في الآيَةِ الفاتِحَةِ - انْتَهى. (p-٢٩٠)ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ نَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ أخْبَرَ عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِن خَلْقِهِ فَقالَ مُقَدِّمًا لِأنَّ المَقامَ لِلْعِلْمِ لِمَن هم أعْلَمُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمَّنْ أطْلَعَهم مِنَ المُلْكِ والمَلَكُوتِ عَلى ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الإنْسانُ ولا شاغِلَ لَهم مِن شَهْوَةٍ ولا حَظٍّ ولا فُتُورٍ: ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيِ العِبادُ المُقَرَّبُونَ المُصَفَّوْنَ مِن أدْناسِ البَشَرِ، الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. ولَمّا خَصَّ أهْلَ السَّماواتِ عَمَّ فَقالَ: ﴿وأُولُو العِلْمِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ فَفَعَلُوا ما فَعَلَ العَظِيمُ مِنَ الشَّهاداتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى لِغَيْرِهِمْ إلَيْهِ وأحَثَّ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ قَدْ تَكُونُ عَلى غَيْرِ وجْهِ العَدْلِ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قائِمًا﴾ وأفْرَدَ لِيُفْهَمَ أنَّهُ حالُ كُلٍّ مِنَ المَذْكُورِينَ لا المَجْمُوعِ بِقَيْدِ الجَمْعِ، ويَجُوزُ - وهو الأقْرَبُ - أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الاسْمِ الشَّرِيفِ إشارَةً إلى أنَّهُ ما وحَّدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقَّ تَوْحِيدِهِ غَيْرُهُ، لِأنَّهُ لا يُحِيطُ بِهِ أحَدٌ عِلْمًا. وقالَ الحَرالِّيُّ: أفْرَدَ القِيامَ فانْدَرَجَ مَن ذَكَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ في هَذا القِيامِ إفْهامًا، كَما انْدَرَجُوا في الشَّهادَةِ إفْصاحًا، فَكانَ في إشْعارِهِ أنَّ المَلائِكَةَ وأُولِي العِلْمِ لا يُقادُ مِنهم فِيما يُجْرِيهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أيْدِيهِمْ، لِأنَّ أمْرَهم قائِمٌ بِالقِسْطِ مِنَ اللَّهِ، يُذْكَرُ أنَّ عَظِيمَ عادٍ لَمّا كُشِفَ لَهُ عَنِ المَلائِكَةِ في يَوْمِ النِّقْمَةِ قالَ (p-٢٩١)لِهُودَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا هُودُ! ما هَذا الَّذِي أراهم في السَّحابِ كَأنَّهُمُ البَخاتِيُّ؟ فَقالَ: مَلائِكَةُ رَبِّي، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِإلَهِكَ أيُقِيدُنِي مِنهم بِمَن قَتَلُوا مِن قَوْمِي؟ قالَ: ويْحَكَ! وهَلْ رَأيْتَ مَلِكًا يُقِيدُ مِن جُنْدِهِ. انْتَهى.
﴿بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ السَّواءِ الَّذِي لا حَيْفَ فِيهِ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ التَّوْحِيدَ في نَفْسِ الأمْرِ عَلى ما وقَعَتْ بِهِ الشَّهادَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ قِيامَهُ بِالعَدْلِ فِعْلُهُ في خَلْقِهِ فَإنَّهُ عَدْلٌ وإنْ كانَ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ ظُلْمًا، فَإنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنهُ سُبْحانَهُ في مُلْكِهِ الَّذِي لا شائِبَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، فَهو إذا نُسِبَ إلَيْهِ كانَ عَدْلًا، لِأنَّهُ فَعَلَهُ بِالحِكْمَةِ، وإذا نُسِبَ إلى الظّالِمِ كانَ ظُلْمًا، لِأنَّهُ فَعَلَهُ لِحَظِّهِ لا لِلْحِكْمَةِ فَلِذَلِكَ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ والتَّعْلِيلِ لِلْقِيامِ بِالقِسْطِ والتَّلْقِينِ لِلْعِبادِ لِأنْ يَقُولُوها بَعْدَ ثُبُوتِها بِما تَقَدَّمَ وأنْ يُكَرِّرُوها دائِمًا أبَدًا: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: كَرَّرَ هَذا التَّهْلِيلَ لِأنَّهُ في مَرْتَبَةِ القِسْطِ الفِعْلِيِّ، لِأنَّ التَّهْلِيلَ الأوَّلَ في مَرْتَبَةِ الشَّهادَةِ العِلْمِيَّةِ فاسْتَوْفى التَّهْلِيلانِ جَمِيعَ البادِي عِلْمًا وفِعْلًا. انْتَهى. وأتْبَعَهُ سُبْحانَهُ (p-٢٩٢)وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ دَلِيلًا عَلى قِسْطِهِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أبَدًا لِذِي العِزَّةِ الكامِلَةِ والحِكْمَةِ الشّامِلَةِ أنْ يَتَصَرَّفَ بِجَوْرٍ، وعَلى وحْدانِيَّتِهِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ التَّفَرُّدُ بِدُونِ الوَصْفَيْنِ ولَيْسا عَلى الإطْلاقِ لِأحَدٍ غَيْرِهِ أصْلًا، ولَمّا كانَتِ الآياتُ كُلُّها في الإيقاعِ بِالكافِرِينَ قَدَّمَ الوَصْفَ المُلائِمَ لِذَلِكَ.
قالَ الحَرالِّيُّ: وقِسْطُ اللَّهِ هو إخْفاءُ عَدْلِهِ في دارِ الدُّنْيا مِن حَيْثُ إنَّهُ خَفْضٌ ورَفْعٌ، يُعادِلُ خَفْضُهُ رَفْعَهُ ورَفْعُهُ خَفْضَهُ، فَيَؤُولُ إلى عَدْلٍ، ويَراهُ بِذَلِكَ في حالِ تَفاوُتِهِ كُلُّ ذِي لُبٍّ بِما أنَّهُ عَزِيزٌ يُظْهِرُ عِزَّتَهُ فِيما يَرْفَعُ، حَكِيمٌ يُخْفِي مَعْنى حِكَمِهِ فِيما يَخْفِضُ، فَكُلُّ ما هو بادٍ مِنَ الخَلْقِ جُودٌ فَهو مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قِسْطٌ، طَيَّتُهُ عَدْلٌ، سِرُّهُ سَواءٌ، فَيُظْهِرُ عِزَّتَهُ فِيما حَكَمَ انْتِقامًا وحِكْمَتَهُ في المُوازَنَةِ بَيْنَ الأعْمالِ والجَزاءِ عَدْلًا. انْتَهى.
آل عمران 3:19
ولَمّا كانَ ذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَخْضَعَ لَهُ الرِّقابُ ويُخْلِصَ لَهُ التَّوْحِيدَ جَمِيعُ الألْبابِ وذَلِكَ هو الإسْلامُ فَقالَ مُعَلِّلًا لِلشَّهادَةِ مِنهم بِالعَدْلِ - وقِراءَةُ الكِسائِيِّ بِالفَتْحِ أظْهَرُ في التَّعْلِيلِ: ﴿إنَّ الدِّينَ﴾ وأصْلُهُ الجَزاءُ، أُطْلِقَ هُنا عَلى الشَّرِيعَةِ لِأنَّها مُسَبَّبَةٌ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ (p-٢٩٣)أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿الإسْلامُ﴾ فاللّامُ لِلْعَهْدِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ فَإنَّها أُسٌّ لِكُلِّ طاعَةٍ، فَلِأجْلِ أنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ هَذا شَهِدُوا لَهُ هَذِهِ الشَّهادَةَ المُقْتَضِيَةَ لِنِهايَةِ الإذْعانِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُصَرِّحًا بِأنَّهُ لا دِينَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ كانَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَكانَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ الماضُونَ والأُمَمُ السّالِفُونَ لِيَلْزَمُوهُ ويُلْزِمُوهُ أتْباعَهُمْ! فَقِيلَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: فَما لَهم لَمْ يَلْزَمُوهُ؟ فَقِيلَ: قَدْ لَزِمُوهُ مُدَّةً مَدِيدَةً ﴿وما﴾ ويَجُوزُ وهو أحْسَنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِشَهادَتِهِ ما يُرْضِيهِ بِآياتِهِ المَرْئِيَّةِ ثُمَّ أوْضَحَهُ غايَةَ الإيضاحِ بِآياتِهِ المَسْمُوعَةِ بِكُتُبِهِ وما ﴿اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هَذا الِاخْتِلافَ الَّذِي تَرَوْنَهُ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وما كانَ اخْتِلافُهم لِجَهْلِهِمْ بِذَلِكَ بَلْ ﴿بَغْيًا﴾ واقِعًا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لا بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ، بَلْ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِلْحَسَدِ والتَّنافُسِ في الدُّنْيا لِشُبَهٍ أبْدَوْها ودَعاوٍ ادَّعَوْها، طالَ بَيْنَهم فِيها النِّزاعُ وعَظُمَ الدِّفاعُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِكَشْفِها، قادِرٌ عَلى صَرْفِها. قالَ الحَرالِّيُّ: والبَغْيُ السَّعْيُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ (p-٢٩٤)فِي إزالَةِ نِعَمٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى خَلْقٍ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ الباغِي مِنَ الحَسَدِ لَهُ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الإيمانِ فَإنَّ اللَّهَ عَظِيمُ الثَّوابِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ﴾ أيْ يَسْتَمِرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَقُلْ حِلْمًا مِنهُ: ومَن كَفَرَ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى إحاطَتِهِ بِالكَمالِ وُقُوفًا مَعَ تِلْكَ الشُّبَهِ وعَمِيَ عَنِ الدَّلِيلِ فاللَّهُ مُهْلِكُهُ عاجِلًا ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ولا كُفْؤَ لَهُ ﴿سَرِيعُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ السُّرْعَةِ وهي وحاءُ النِّجازِ فِيما شَأْنُهُ الإبْطاءُ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَنّى بِالسُّرْعَةِ عَنِ القُرْبِ فالمَعْنى: قَرِيبُ ﴿الحِسابِ﴾ أيْ عَنْ قَرِيبٍ يُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا بِأيْدِي بَعْضِهِمْ وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُنْقَلُونَ إلى حِسابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الدّارِ الآخِرَةِ المُقْتَضِي لِعَذابِ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السُّرْعَةُ عَلى بابِها، والمُرادُ أنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ في حِسابِهِ ما يَتَهَيَّأُ في حِسابِ غَيْرِهِ مِنَ المُغالَطَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلنَّجاةِ أوِ المُطاوَلَةِ في مُدَّةِ الحِسابِ المُقْتَضِيَةِ لِتَأخُّرِ الجَزاءِ في مُدَّةِ المُراوَغَةِ (p-٢٩٥)واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِنَ الكُفْرِ بِالآياتِ الكُفْرُ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ انْتَحَلُوا فِيهِ الإلَهِيَّةَ. قالَ الحَرالِّيُّ: كانَ آيَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْهِدايَةِ، فَوَقَعَ عِنْدَهم بِحالِ مَن كَفَرُوا بِهِ، فَكانَ سَبَبُ كُفْرِهِمْ ما كانَ مُسْتَحِقًّا أنْ يَكُونَ سَبَبَ هِدايَةِ المُهْتَدِي، وكانَ ذَلِكَ فِيهِ لِمَحَلِّ اشْتِباهِهِ لِأنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ خَلْقُهُ بِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي التَّعْرِيضِ بِهِ إلاحَةٌ لِما يَقَعُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في نَحْوِهِ مِمَّنْ هو مَقامُ الهِدايَةِ فَوَقَعَ في طائِفَةٍ مَوْقِعَ آيَةٍ كَفَرُوا بِها، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «مَثَلُكَ يا عَلِيُّ كَمَثَلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أبْغَضَهُ يَهُودُ فَبَهَتُوا أُمَّهُ وأحَبَّهُ النَّصارى فَأنْزَلُوهُ بِالمَحَلِّ الَّذِي لَيْسَ بِهِ» كَذَلِكَ تَفَرَّقَتْ فِرَقٌ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن بَيْنِ خارِجِيهِمْ ورافِضِيهِمُ انْتَهى.
آل عمران 3:20
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْناكَ بِالأمْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ بَعْدَهُ في شَيْءٍ مِمّا تَضَمَّنَهُ وهَدى إلَيْهِ ودَلَّ صَرِيحًا أوْ تَلْوِيحًا عَلَيْهِ فاعْلَمْ أنَّ جِدالَهم عَنْ عِنادٍ مَعَ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الحالِ ﴿فَقُلْ﴾ أيْ فَأعْرِضْ عَنْهم إلى أنْ آمُرَكَ بِالقِتالِ، لِأنَّ مِنَ الواجِباتِ - كَما تَقَرَّرَ في آدابِ البَحْثِ - الإعْراضَ عَمَّنْ كابَرَ في (p-٢٩٦)المَحْسُوسِ، وقُلْ أنْتَ عَمَلًا بِالآيَةِ السّالِفَةِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ أخْلَصْتُ قَصْدِي وتَوَجُّهِي، وانْقَدْتُ غايَةَ الِانْقِيادِ ﴿لِلَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَلا كُفْؤَ لَهُ.
قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا أدْرَجَ تَعالى شَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ في شَهادَتِهِ لَقَّنَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُدْرِجَ مَنِ اتَّبَعَهُ في إسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ لِيَكُونَ إسْلامُهم بِإسْلامِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لا بِإسْلامِ أنْفُسِهِمْ، لِتَلْحَقَ التّابِعَةُ مِنَ الأُمَّةِ بِالأئِمَّةِ، وذَلِكَ حالُ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ مُؤْثَرَةِ الفِرَقِ الِاثْنَتَيْنِ والسَّبْعِينَ الَّتِي قالَ النَّبِيُّ ﷺ «وما أنا عَلَيْهِ”فِيما أُوتِيَ مِنَ اليَقِينِ“وأصْحابِي» فِيما أُوتُوهُ مِنَ الانْقِيادِ وبَراءَتِهِمْ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أنْفُسِهِمْ في أمْرٍ، كَما كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ كُلِّ ناشِئَةِ عِلْمٍ أوْ أمْرٍ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَمَن دَخَلَ بِرَأْيِهِ في أمْرٍ نَقَصَ حَظُّهُ مِنَ الاتِّباعِ بِحَسَبِ اسْتِبْدادِهِ. انْتَهى. فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ لِأجْلِ الفِعْلِ: ﴿ومَنِ﴾ أيْ وأسْلَمَ مَنِ ﴿اتَّبَعَنِ﴾ وُجُوهَهم لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
ولَمّا كانَ المُكَمِّلُ لِنَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ في إكْمالِ غَيْرِهِ أعْلَمَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ﴾ تَهْدِيدًا وتَعْجِيزًا وتَبْكِيتًا وتَقْرِيعًا (p-٢٩٧)﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ عامَّةً مِن هَؤُلاءِ النَّصارى الَّذِينَ يُجادِلُونَكَ ومِنَ اليَهُودِ أيْضًا ﴿والأُمِّيِّينَ﴾ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهُمْ، مُشِيرًا بِالِاسْتِفْهامِ إلى عِنادِهِمْ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهُمْ: ﴿أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فَنَفَعُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي صِيغَةِ ”افْتَعَلُوا“ ما يُلِيحُ إلى أنَّ الأنْفُسَ مائِلَةٌ إلى الضَّلالِ زائِغَةٌ عَنْ طَرِيقِ الكَمالِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنِ الإسْلامِ فَهم مُعانِدُونَ فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُهم ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ وعَلَيْهِمْ وبالُ تَوَلِّيهِمْ، وفي بِنْيَةِ التَّفَعُّلِ ما يُومِئُ إلى أنَّ طُرُقَ الهُدى بَعْدَ البَيانِ آخِذٌ مَحاسِنُها بِمَجامِعِ القُلُوبِ، وأنَّ الصّادِفَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ قاهِرٌ لِظاهِرِ عَقْلِهِ وقَوِيمِ فِطْرَتِهِ الأوْلى بِرَجاسَةِ نَفْسِهِ واعْوِجاجِ طَبْعِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ يُوَفِّقُ لِقَبُولِ البَلاغِ عَنْكَ مَن عَلِمَ فِيهِ الخَيْرَ، ويُنَكِّبُ عَنْهُ مَن عَلِمَ فِيهِ الشَّرَّ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ فَهو يُوَفِّقُ مَن خَلَقَهُ لِلْخَيْرِ مِنهم ويَخْذُلُ غَيْرَهُ. لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ.
آل عمران 3:21
ولَمّا أشْرَكَ اليَهُودَ في هَذا الخِطابِ وأفْهَمَ شَرْطُ التَّوَلِّي بِأداةِ (p-٢٩٨)الشَّكِّ وُقُوعَهُ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ أشارَ إلَيْهِ واصِفًا لَهم بِبَعْضِ ما اشْتَدَّ فُحْشُهُ مِن أفْعالِهِمْ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُنَزَّلَةً لِتَبْيِينِ ما اشْتَبَهَ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ جَرى ذِكْرُ أهْلِ التَّوْراةِ فِيها مُجْمَلًا بِجَوامِعِ مَن ذَكَرَهُمْ، لِأنَّ تَفاصِيلَ أمْرِهِمْ قَدِ اسْتَقْرَأتْهُ سُورَةُ البَقَرَةِ، فَكانَ أمْرُ أهْلِ التَّوْراةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانًا وأهْلِ الإنْجِيلِ إجْمالًا، وكانَ أمْرُ أهْلِ الإنْجِيلِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ بَيانًا وذِكْرُ أهْلِ التَّوْراةِ إجْمالًا، لَمّا كانَ لَبْسُ أهْلِ التَّوْراةِ في الكِتابِ فَوَقَعَ تَفْصِيلُ ذِكْرِهِمْ في سُورَةِ
﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] ولَمّا كانَ اشْتِباهُ أمْرِ أهْلِ الإنْجِيلِ في شَأْنِ الإلَهِيَّةِ كانَ بَيانُ ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] فَجاءَ هَذا الذِّكْرُ لِأهْلِ التَّوْراةِ مُعادَلَةً بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الإنْجِيلِ بِما كَفَرُوا بِالآياتِ مِنَ المَعْنى الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ في عُزَيْرٍ واخْتَصُّوا بِقَتْلِ الأنْبِياءِ وقَتْلِ أهْلِ الخَيْرِ الآمِرِينَ بِالقِسْطِ؛ انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ في إبْرازِ الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةٌ (p-٢٩٩)إلى عَظِيمِ كُفْرِهِمْ بِكَوْنِهِ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ذِكْرِهِ بِصِيغَةِ الدَّوامِ ما يَقَعُ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ في خَتْمِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ مَعَ الدَّجّالِ فَإنَّهم أتْباعُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ في إشْعارِهِ ما تَمادَوْا عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى كانَ لَهم مَدْخَلٌ في شَهادَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَزَقَهُ اللَّهُ فِيما كانَ يَدْعُو بِهِ حَيْثُ كانَ يَقُولُ ﷺ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهادَةً في يُسْرٍ مِنكَ وعافِيَةٍ» .
ولَمّا كانَ قَتْلُهم إيّاهم بِدُونِ شُبْهَةٍ أصْلًا بَلْ لِمَحْضِ الكُفْرِ والعِنادِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مُبَرَّؤُونَ مِن أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قَبْلَهم حَقٌّ دُنْيَوِيٌّ أوْ أُخْرَوِيٌّ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ لا صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ في نَفْسِ الأمْرِ ولا في اعْتِقادِهِمْ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في البَقَرَةِ عَلى عادَةِ أفْعالِ الحُكَماءِ في الِابْتِداءِ بِالأخَفِّ فالأخَفِّ. ولَمّا خَصَّ ذِكْرَ أكْمَلِ الخَلْقِ عَبَّرَ بِما يَعُمُّ أتْباعَهم فَقالَ مُعِيدًا لِلْفِعْلِ زِيادَةً في لَوْمِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ: (p-٣٠٠)﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ شامِلًا لِمَن لا قُدْرَةَ لَهم عَلى قَتْلِهِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ، سَواءٌ كانُوا أنْبِياءَ أوْ لا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا القَيْدِ زِيادَةَ تَوْبِيخِهِمْ بِأنَّهم يَقْتُلُونَ جِنْسَهُمُ الَّذِي مِن حَقِّهِمْ أنْ يَأْلَفُوهُ ويَسْعَوْا في بَقائِهِ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِأنَّ قَتْلَهم لِمُجَرَّدِ العُدْوانِ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِتَمادِي تَسَلُّطِهِمْ عَلى أهْلِ الخَيْرِ مِنَ المُلُوكِ والرُّؤَساءِ، فَكانَ في طَيِّهِ إلاحَةٌ لِما اسْتَعْمَلُوا فِيهِ مِن عِلْمِ التَّطَبُّبِ ومُخالَطَتِهِمْ رُؤَساءَ النّاسِ بِالطِّبِّ الَّذِي تَوَسَّلَ كَثِيرٌ مِنهم إلى قَتْلِهِمْ بِهِ عَمْدًا وخَطَأً، لِيَجْرِيَ ذَلِكَ عَلى أيْدِيهِمْ خُفْيَةً في هَذِهِ الأُمَّةِ نَظِيرَ ما جَرى عَلى أيْدِي أسْلافِهِمْ في قَتْلِ الأنْبِياءِ جَهْرَةً. انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عَنْهم مَحْذُوفًا والتَّقْدِيرُ: أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوْ: لا يُؤْمِنُونَ، أوْ: لا يَزالُونَ يُجادِلُونَكَ ويُنازِعُونَكَ ويَبْغُونَ لَكَ الغَوائِلَ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيِ اجْعَلْ إخْبارَهم بِأنَّهُ لَهم مَوْضِعَ البِشارَةِ، فَهو (p-٣٠١)مِن وادِي: تَحِيَّتُهم بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ.
آل عمران 3:22
ولَمّا كانَ الحالُ رُبَّما اقْتَضى أنْ يُقالَ مِن بَعْضِ أهْلِ الضَّلالِ: إنَّ لِهَؤُلاءِ أعْمالًا حِسانًا واجْتِهاداتٍ في الطّاعَةِ عَظِيمَةً، بَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ مُجَرَّدُ صُوَرٍ لا مَعانِيَ لَها لِتَضْيِيعِ القَواعِدِ، كَما أنَّهم هم أيْضًا ذَواتٌ بِغَيْرِ قُلُوبٍ، لِتَقَعَ المُناسَبَةُ بَيْنَ الأعْمالِ والعامِلِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ﴾ أيْ فَسَدَتْ فَسَقَطَتْ، وأشارَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ إلى ضَعْفِها مِن أصْلِها ﴿أعْمالُهُمْ﴾ أيْ كُلُّها الدُّنْياوِيَّةُ والدِّينِيَّةُ، وأنْبَأ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ كَما قالَ الحَرالِّيُّ - أنَّهم يَتَعَقَّبُونَ أعْمالَ خَيْرِهِمْ بِبَغْيٍ يَمْحُوها فَلا يَطْمَعُونَ بِجَزائِها في عاجِلٍ ولا آجِلٍ، وبِذَلِكَ تَمادى عَلَيْهِمُ الذُّلُّ وقَلَّ مِنهُمُ المُهْتَدِي - انْتَهى ﴿والآخِرَةِ﴾ فَلا يُقِيمُ لَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ الدِّينِ وزْنًا، وأسْقَطَ ذِكْرَ الحَياةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا حَياةَ لَهم في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا يَنْتَصِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ أصْلًا، فَإنَّهم لا يُدَبِّرُونَ تَدْبِيرًا إلّا كانَ فِيهِ تَدْمِيرُهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ (p-٣٠٢)قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِوُقُوعِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ غَلَبَةً لا نُصْرَةَ لَهم فِيها في يَوْمِ النَّصْرِ المَوْعُودِ في سُورَةِ الرُّومِ الَّتِي هي تَفْصِيلٌ مِن مَعْنى هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] فَهم غَيْرُ داخِلِينَ فِيمَن يَنْصُرُ بِما قَدْ ورَدَ أنَّهم ”يُقْتَلُونَ في آخِرِ الزَّمانِ حَتّى يَقُولَ الحَجَرُ: يا مُسْلِمُ ! خَلْفِي يَهُودِيٌّ فاقْتُلْهُ، حَتّى لا يَبْقى مِنهم إلّا مَن يَسْتُرُهُ شَجَرُ الفَرْقَدِ“ كَما قالَ ﷺ: «إنَّهُ مِن شَجَرِهِمْ» وفي إفْهامِهِ أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الإنْجِيلِ يَقُومُونَ بِحَقِّهِ، فَيَكُونُونَ مِمَّنْ تَشْمَلُهم نُصْرَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ المُسْلِمِينَ، فَتَنْتَسِقُ المِلَّةُ واحِدَةً مِمّا يَقَعُ مِنَ الاجْتِماعِ حِينَ تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. انْتَهى.
آل عمران 3:23
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ثَباتَ الأعْمالِ وزَكاءَها إنَّما هو بِاتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ ﷺ وأمْرِ الَّذِينَ ورِثُوا العِلْمَ عَنْهُ دَلَّ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الحُبُوطِ وعَدَمِ النَّصْرِ بِما يُشاهَدُ مِن أحْوالِهِمْ في مُنابَذَةِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وكانَ المَوْضِعُ لِأنْ يُقالَ: إلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ (p-٣٠٣)لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ضَلالَهم عَلى عِلْمٍ، وأنَّ الَّذِي أُوتُوهُ مِنهُ قِراءَتُهم لَهُ بِألْسِنَتِهِمْ وادِّعاءُ الإيمانِ بِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: كِتابُهُمُ الخاصُّ بِهِمْ نَصِيبٌ مِنَ الكِتابِ الجامِعِ، وما أخَذُوا مِن كِتابِهِمْ نَصِيبٌ مِنَ اخْتِصاصِهِ، فَإنَّهم لَوِ اسْتَوْفَوْا حَظَّهم مِنهُ لَما عَدَلُوا في الحُكْمِ عَنْهُ ولَرَضُوا بِهِ، وكانَ في هَذا التَّعْجِيبِ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم يَرْضى بِحُكْمِ كِتابِهِمْ ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ هم بِهِ. انْتَهى.
﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ أظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ ولَمْ يَقُلْ: إلى كِتابِهِمُ، احْتِرازًا عَمّا غَيَّرُوا وبَدَّلُوا ولِأنَّهم إنَّما دَعَوْا إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا إلى ما عَساهُ أنْ يَكُونَ بِأيْدِيهِمْ مِمّا غَيَّرُوا - نَبَّهَ عَلَيْهِ الحَرالِّيُّ. وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى عَظِيمِ اجْتِرائِهِمْ بِتَوَلِّيهِمْ عَمَّنْ لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في إشْعارِهِ أنَّ طائِفَةً مِنهم عَلى حَقٍّ مِنهُ، أيْ وهُمُ المُذْعِنُونَ لِذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ اتِّباعُهُ واجِبًا واضِحًا نَفْعُهُ لِمَن جَرَّدَ نَفْسَهُ عَنِ الهَوى عَبَّرَ عَنْ مُخالَفَتِهِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: في إمْهالِهِ ما يَدُلُّ عَلى تَلَدُّدِهِمْ وتَبَلُّدِهِمْ في ذَلِكَ بِما يُوقِعُهُ اللَّهُ مِنَ المَقْتِ والتَّحَيُّرِ عَلى مَن دُعِيَ إلى حَقٍّ فَأباهُ، وفي صِيغَةِ يَتَفَعَّلُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَلّى﴾ (p-٣٠٤)ما يُناسِبُ مَعْنى ذَلِكَ في تَكَلُّفِ التَّوَلِّي عَلى انْجِذابٍ مِن بَواطِنِهِمْ لِما عَرَفُوهُ وكَتَمُوهُ، وصَرَّحَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ بِما أفْهَمَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فَأفْهَمَ أنَّ طائِفَةً مِنهم ثابِتُونَ قائِلُونَ لِحُكْمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأنْبَأ قَوْلُهُ المُشِيرُ إلى كَثْرَةِ أفْرادِ هَذا الفَرِيقِ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ بِما سُلِبُوهُ مِن ذَلِكَ التَّرَدُّدِ والتَّكَلُّفِ، فَصارَ وصْفًا لَهم بَعْدَ أنْ كانَ تَعَمُّلًا، ما أنْكَرَ مُنْكِرٌ حَقًّا وهو يَعْلَمُهُ إلّا سَلَبَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَهُ حَتّى يَصِيرَ إنْكارُهُ لَهُ بِصُورَةِ وبِوَصْفِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلِمَهُ. انْتَهى.
وفِي هَذا تَحْذِيرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ذَلِكَ ولَوْ بِأنْ يُدْعى أحَدُهم مِن حَسَنٍ إلى أحْسَنَ مِنهُ - نَبَّهَ عَلَيْهِالحَرالِّيُّ وقالَ: إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ حِكايَةَ ما مَضى فَقَطْ ولا ما هو كائِنٌ فَحَسْبُ، بَلْ خِطابُ القُرْآنِ قائِمٌ دائِمٌ ماضٍ كُلِّيَّةُ خِطابِهِ في غابِرِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ مَعَ مَن يُناسِبُ أحْوالَ مَن تَقَدَّمَ مِنهُمْ، وفي حَقِّ المَرْءِ مَعَ نَفْسِهِ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. انْتَهى.
آل عمران 3:24
ثُمَّ عَلَّلَ اجْتِراءَهم عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإعْراضُ البَعِيدُ عَنْ أفْعالِ أهْلِ الكَرَمِ المُبْعِدُ مِنَ اللَّهِ ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ كَذِبًا عَلى اللَّهِ - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا﴾ ولَمّا (p-٣٠٥)كانَ المَقامُ هُنا لِتَناهِي اجْتِرائِهِمْ عَلى العَظائِمِ لِاسْتِهانَتِهِمْ بِالعَذابِ لِاسْتِقْصارِهِمْ لِمُدَّتِهِ والتَّصْرِيحِ بِقَتْلِ الآمِرِينَ بِالقِسْطِ عامَّةً وبِحُبُوطِ الأعْمالِ، وكانَ جَمْعُ القِلَّةِ قَدْ يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ أكَّدَتْ إرادَتَهم حَقِيقَةَ القِلَّةِ بِجَمْعٍ آخَرَ لِلْقِلَّةِ، فَقِيلَ عَلى ما هو الأوْلى مِن وصْفِ جَمْعِ القِلَّةِ لِما لا يَعْقِلُ بِجَمْعٍ جَبْرًا لَهُ: ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وتَطاوَلَ الزَّمانُ وهم عَلى هَذا الباطِلِ حَتّى آنَسُوا بِهِ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ لِأنَّهُ ما كَذَّبَ أحَدٌ بِحَقٍّ إلّا عُوقِبَ بِتَصْدِيقِهِ بِباطِلٍ، وما تَرَكَ قَوْمٌ سُنَّةً إلّا أحْيَوْا بِدْعَةً، عَلى أنَّ كَذِبَهم أيْضًا جَرَّهم إلى الِاسْتِهانَةِ بِعَذابِ اللَّهِ الَّذِي لا يُسْتَهانُ بِشَيْءٍ مِنهُ ولَوْ قَلَّ.
ولَمّا نَسَبُوا ذَلِكَ إلى الكِتابِ فَجَعَلُوهُ دِينًا قالَ: ﴿وغَرَّهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الغُرُورِ وهو إخْفاءُ الخُدْعَةِ في صُورَةِ النَّصِيحَةِ - انْتَهى ﴿فِي دِينِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ بِما هُيِّؤُوا لَهُ وجُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ، قالَ الحَرالِّيُّ: فَتُقابِلُ التَّعْجِيباتِ في رَدِّهِمْ حَقَّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وسُكُونِهِمْ إلى باطِلِهِمُ. انْتَهى.
آل عمران 3:25
(p-٣٠٦)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ اجْتِرائِهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ أنْ يُسْألَ عَنْ حالِهِمْ مَعَهُ قالَ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ المُقْتَضِي لِلْمُجازاةِ والمُناقَشَةِ: ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا جَمَعْناهُمْ﴾ أيْ وقَدْ رَفَعْنا حِجابَ العَظَمَةِ وشَهَرْنا سَيْفَ العِزَّةِ والسَّطْوَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالجَمْعِ الجَزاءَ قالَ: ﴿لِيَوْمٍ﴾ ووَصْفُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ- كَما قالَ الحَرالِّيُّ - بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ في باطِلِهِمْ بِمَنزِلَةِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلُ كِتابٍ، فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ إلى أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ اليَوْمُ.
ولَمّا كانَ الجَزاءُ أمْرًا مُتَحَقِّقًا لا بُدَّ مِنهُ أشارَ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿ووُفِّيَتْ﴾ والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ لِلْإفْهامِ بِسُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وإنْ كانَ يَفُوتُ الحَصْرُ وتَأْنِيثُ الفِعْلِ لِلْإشارَةِ إلى دَناءَةِ النُّفُوسِ وضَعْفِها وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الفَصْلُ المُوقِعُ لِلْجَزاءِ مَخْصُوصٌ بِوُجُودِ النَّفْسِ الَّتِي دَأْبُها أنْ تُنَفِّسَ فَتُرِيدَ وتَخْتارَ وتُحِبَّ وتَكْرَهَ، فَهي الَّتِي تُوَفّى، فَمَن سُلِبَ الِاخْتِيارَ والإرادَةَ والكَراهَةَ بِتَحَقُّقِ الإسْلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ ارْتَفَعَ عَنْهُ التَّوْفِيَةُ، إذْ لا وُجُودَ نَفْسٍ لَهُ (p-٣٠٧)بِما أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَّ وعِيدُ القُرْآنِ كُلُّهُ بِالنَّفْسِ في نَفاسَتِها بِإرادَتِها وما تَنْشَأُ لَها عَلَيْهِ مِن أحْوالِها وأفْعالِها ودَعْواها في مِلْكِها ومُلْكِها، فَمَتى نَفَّسَتْ فَتَمَلَّكَتْ مِلْكًا أوْ تَشَرَّفَتْ مُلْكًا خَرَجَتْ عَنْ إسْلامِها حَتّى يَنالَها سَلْبُ القَهْرِ مِنهُ وإلْزامُ الذُّلِّ عَنْهُ، وبِلَمْحٍ مِن هَذا المَعْنى اتَّصَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها بِخَتْمِ هَذِهِ الآيَةِ وناظَرَتْ رَأْسَ آيَةِ ذِكْرِ الإسْلامِ، فَإنَّما هو مُسْلِمٌ لِلَّهِ وذُو نَفَسٍ مُتَمَلِّكٍ عَلى اللَّهِ حَتّى يَسْلُبَهُ اللَّهُ في العُقْبى أوْ يُذِلَّهُ في الدُّنْيا، فَشَمِلَ هَذا الوَفاءُ لِكُلِّ نَفْسٍ أهْلَ الكِتابِ وغَيْرَهُمْ، وعَمَّ الوَفاءُ لِكُلِّ مَن يَعُمُّهُ الجَمْعُ، كَذَلِكَ خِطابُ القُرْآنِ يَبْدَأُ بِخُصُوصٍ فَيَخْتِمُ بِعُمُومٍ، ويَبْدَأُ بِعُمُومٍ فَيَثْنِيهِ تَفْصِيلٌ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ شامِلًا لِلْخَيْرِ والشَّرِّ قالَ: ﴿ما﴾ أيْ جَزاءَ ما ﴿كَسَبَتْ﴾ فَأتى بِهِ مُخَفَّفًا لِيَشْمَلَ المُباشَرَةَ بِكَسْبٍ أوِ اكْتِسابٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ مَعَ جَوازِ التَّذْكِيرِ مُراعاةً لِلَفْظِ (كُلُّ) إشارَةً إلى الإحاطَةِ بِالأفْعالِ ولَوْ كانَتْ في غايَةِ الحَقارَةِ، وراعى مَعْنى ”كُلُّ“ لِلْوَفاءِ بِالمَعْنى مَعَ مُوافَقَةِ الفَواصِلِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَقَعُ عَلَيْهِمْ ظُلْمٌ (p-٣٠٨)بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ، ولا يَتَوَقَّعُونَهُ.
آل عمران 3:26
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ سَيُغْلَبُونَ وأنَّهُ لَيْسَ لَهم مِن ناصِرِينَ كانَ حالُهم مُقْتَضِيًا لِأنْ يَقُولُوا: كَيْفَ ونَحْنُ أكْثَرُ مِنَ الحَصى وأشَدُّ شَكائِمَ مِن لُيُوثِ الشَّرى، فَكَيْفَ نُغْلَبُ؟ أمْ كَيْفَ لا يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا وفِينا المُلُوكُ والأُمَراءُ والأكابِرُ والرُّؤَساءُ ومُناوُونا القَلِيلُ الضُّعَفاءُ، أهْلُ الأرْضِ الغَبْراءِ، وأُولُو البَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَقالَ تَعالى لِيَنْتَبِهَ الرّاقِدُونَ مِن فُرُشِ الغَفَلاتِ المُتَقَلِّبُونَ في فَلَواتِ البِلاداتِ مِن تَلَهِّيهِمْ بِما رَأوْا وسَمِعُوا مِن نَزْعِ المُلْكِ مِن أقْوى النّاسِ وإعْطائِهِ لِأضْعَفِهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ أعْدائِهِ جَدِيرٌ بِأنْ يَفْعَلَ أضْعافَهُ لِأوْلِيائِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ نُبُوَّةً ثُمَّ خِلافَةً ثُمَّ مُلْكًا فانْتَظَمَ بِما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ أمْرُ النُّبُوَّةِ في التَّنْزِيلِ والإنْزالِ، وأمْرُ الخِلافَةِ في ذِكْرِ الرّاسِخِينَ (p-٣٠٩)فِي العِلْمِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] وكانَتْ مِن هِجِّيرِيِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، يَقْنُتُ بِها في وتْرِ صَلاةِ النَّهارِ في آخِرِ رَكْعَةٍ مِنَ المَغْرِبِ - انْتَظَمَ بِرُؤُوسِ تِلْكَ المَعانِي ذِكْرُ المُلْكِ الَّذِي آتى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، وخَصَّ بِهِ مَن لاقَ بِهِ المُلْكُ، كَما خَصَّ بِالخِلافَةِ مَن صَلُحَتْ لَهُ الخِلافَةُ، كَما تَعَيَّنَ لِلنُّبُوَّةِ الخاتِمَةِ مَن لا يَحْمِلُها سِواهُ - انْتَهى؛ فَقالَ: ”قُلْ“ أيْ يا مُحَمَّدُ أوْ يا مَن آمَنَ بِنا مُخاطِبًا لِإلَهِكَ مُسْمِعًا لَهم ومُعْرِضًا عَنْهم ومُنَبِّهًا لَهم مِن سَكَراتِ غَفَلاتِهِمْ في إقْبالِهِمْ عَلى مُلُوكٍ لا شَيْءَ في أيْدِيهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَنْ هَذا المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: لِعُلُوِّ مَنزِلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَثُرَ الإقْبالُ فِيها بِالخِطابِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وجُعِلَ القائِلَ لَمّا كانَتِ المُجاوَرَةُ مَعَهُ، لِأنَّ مُنْزَلَ القُرْآنِ ما كانَ مِنهُ لِإصْلاحِ ما بَيْنَ الخَلْقِ ورَبِّهِمْ يَجِيءُ الخِطابُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلَيْهِمْ مُواجَهَةً حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الإعْراضِ عِنْدَ إباءِ مَن يَأْبى مِنهُمْ، وما كانَ لِإصْلاحِ ما بَيْنَ الأُمَّةِ ونَبِيِّها يُجْرِي اللَّهُ الخِطابَ فِيهِ عَلى لِسانِهِ مِن حَيْثُ تَوَجُّهُهم بِالمُجاوَرَةِ إلَيْهِ، فَإذا قالُوا قَوْلًا (p-٣١٠)يَقْصِدُونَهُ بِهِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ لَهُمْ، ولِكَوْنِ القُرْآنِ مَتْلُوًّا ثَبَتَتْ فِيهِ كَلِمَةُ (قُلْ). انْتَهى.
﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنهُ غَيْرُكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَأقْنَعَهُ ﷺ مُلْكُ رَبِّهِ، فَمَن كانَ مِنهُ ومِن آلِهِ وخُلَفائِهِ وصَحابَتِهِ يَكُونُ مِن إسْلامِهِ وجْهَهُ لِرَبِّهِ إسْلامُ المُلْكِ كُلِّهِ الَّذِي مِنهُ شَرَفُ الدُّنْيا لِلَّهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ﷺ يَتَظاهَرُ بِالمُلْكِ ولا يَأْخُذُهُ مَآخِذَهُ، لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا عَبْدًا، لا نَبِيًّا مَلِكًا، فَأسْلَمَ المُلْكَ لِلَّهِ، كَذَلِكَ خُلَفاؤُهُ أسْلَمُوا المُلْكَ لِلَّهِ فَلَبِسُوا الخُلْقانَ والمُرَقَّعاتِ واقْتَصَرُوا عَلى شَظَفِ العَيْشِ، ولانُوا في الحَقِّ، وحَمَلُوا جَفاءَ الغَرِيبِ، واتَّبَعُوا أثَرَهُ في العُبُودِيَّةِ، فَأسْلَمُوا المُلْكَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولَمْ يُنازِعُوهُ شَيْئًا مِنهُ، حَمَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِرْبَةً عَلى ظَهْرِهِ في زَمَنِ خِلافَتِهِ حَتّى سَكَبَها في دارِ امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ في أقْصى المَدِينَةِ، فَلَمّا جاءَ اللَّهُ بِزَمَنِ المُلْكِ واسْتُوفِيَتْ أيّامُ الخِلافَةِ عَقِبَ وفاءِ زَمانِ النُّبُوَّةِ أظْهَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُلْكَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَما خَصَّصَ بِالنُّبُوَّةِ والإمامَةِ بَيْتَ مُحَمَّدٍ وآلَ (p-٣١١)مُحَمَّدٍ ﷺ وخَصَّصَ بِالخِلافَةِ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ خَصَّصَ بِالمُلْكِ الطُّلَقاءَ الَّذِينَ كانُوا عُتَقاءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لِيَنالَ كُلٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، الَّتِي ولّى جَمِيعَها نَبِيُّهُ ﷺ كُلَّ طائِفَةٍ عَلى قَدْرِ قُرْبِهِمْ مِنهُ، حَتّى اخْتَصَّ بِالتَّقَدُّمِ قُرَيْشًا ما كانَتْ، ثُمَّ العَرَبَ ما كانَتْ إلى ما صارَ لَهُ الأمْرُ بَعْدَ المُلْكِ مِن سَلْطَنَةٍ وتَجَبُّرٍ إلى ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن دَجَلٍ كُلُّ ذَلِكَ مُخَوَّلٌ لِمَن يُخَوِّلُهُ بِحَسَبِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنهُ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ في الإيتاءِ إشْعارٌ بِأنَّهُ تَنْوِيلٌ مِنَ اللَّهِ مِن غَيْرِ قُوَّةٍ وغَلَبَةٍ ولا مُطاوَلَةٍ فِيهِ وفي التَّعْبِيرِ بِمَنِ العامَّةِ لِلْعُقَلاءِ إشْعارٌ بِمَنالِ المُلْكِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ وأخَصُّ النّاسِ بِالبُعْدِ مِنهُ العَرَبُ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ اللَّهَ يُنَوِّلُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ العَرَبَ كَما وقَعَ مِنهُ ما وقَعَ، ويَنْتَهِي مِنهُ ما بَقِيَ إلى مَن نالَ المُلْكَ بِسَبَبِها وعَنِ الاسْتِنادِ إلَيْها مِن سائِرِ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في هَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَبائِلِ الأعاجِمِ وصُنُوفِ أهْلِ الأقْطارِ حَتّى يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى أنْ يَسْلُبَ اللَّهُ المُلْكَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، فَيُعِيدَهُ إلى إمامِ العَرَبِ الخاتِمِ (p-٣١٢)لِلْهِدايَةِ مِن ذُرِّيَّتِهِ خَتْمَهُ ﷺ لِلنُّبُوَّةِ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ويُؤْتِيهِمْ مِنَ المُكْنَةِ، كَما قالَ ﷺ:
«لَوْ شاءَ أحَدُهم أنْ يَسِيرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ في خُطْوَةٍ لَفَعَلَ» ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنَ الدُّنْيا ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِنهُمْ، فَيُؤْتِيهِمُ اللَّهُ مُلْكًا مِن مُلْكِهِ - ظاهِرَ هِدايَةِ مَن هَداهُ، شَأْفَةً عَنْ سِرِّهِ الَّذِي يَسْتَعْلِنُ بِهِ في خاتِمَةِ يَوْمِ الدُّنْيا لِيَتَّصِلَ بِظُهُورِهِ مَلِكَ يَوْمِ الدِّينِ، والمُلْكُ التَّلَبُّسُ بِشَرَفِ الدُّنْيا والِاسْتِئْثارُ بِخَيْرِها؛ قالَ أبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في وصِيَّتِهِ: إذا جَنَيْتَ فَلْتَهْجُرْ يَدُكَ فاكَ حَتّى يَشْبَعَ مَن جَنَيْتَ لَهُ، فَإنْ نازَعَتْكَ نَفْسُكَ في مُشارَكَتِهِمْ فَشارِكْهم غَيْرَ مُسْتَأْثِرٍ عَلَيْهِمْ، وإيّاكَ والذَّخِيرَةَ! فَإنَّ الذَّخِيرَةَ تُهْلِكُ دِينَ الإمامِ وتَسْفِكُ دَمَهُ، فالمُلْكُ التِباسٌ بِشَرَفِ الدُّنْيا واسْتِئْثارٌ بِخَيْرِها واتِّخاذُ ذَخِيرَةٍ مِنها.
لَمّا أرادُوا أنْ يُغَيِّرُوا عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ زِيَّهُ عِنْدَ إقْبالِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ نَبَذَ زِيَّهم وقالَ: إنّا قَوْمٌ أعَزَّنا اللَّهُ بِالإسْلامِ! فَلَنْ نَلْتَمِسَ العِزَّةَ بِغَيْرِهِ. فَمَنِ التَمَسَ الشَّرَفَ بِجاهِ الدُّنْيا فَهو مَلِكٌ بِقَدْرِ ما يَلْتَمِسُ مِن شَرَفِها قَلَّ ذَلِكَ الحَظُّ أوْ جَلَّ، وهو بِهِ مِن أتْباعِ (p-٣١٣)مُلُوكِ الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مَنِ التَمَسَ الِاسْتِئْثارَ بِخَيْرِها واتَّخَذَ الذَّخِيرَةَ مِنها، كُلٌّ يَنالُ مِنَ المُلْكِ ويَكُونُ مِن شِيعَةِ المُلُوكِ بِحَسَبِ ما يَنالُ ويُحِبُّ مِن ذَلِكَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَشْرِهِ مَعَ الصِّنْفِ الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ، فَمَن تَذَلَّلَ وتَقَلَّلَ وتَوَكَّلَ بُعِثَ مَعَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ والخُلَفاءِ، كَما أنَّ مَن تَشَرَّفَ بِالدُّنْيا واسْتَأْثَرَ وادَّخَرَ مِنها حُشِرَ مَعَ المُلُوكِ والسَّلاطِينِ؛ جَلَسَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمًا وسَلْمانُ وكَعْبٌ وجَماعَةٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَقالَ: أخْبِرُونِي أخَلِيفَةٌ أنا أمْ مَلِكٌ؟ فَقالَ لَهُ سَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! إنْ جَبَيْتَ دِرْهَمًا مِن هَذا المالِ فَوَضَعْتَهُ في غَيْرِ حَقِّهِ فَأنْتَ مَلِكٌ، وإنْ لَمْ تَضَعْهُ إلّا في حَقِّهِ فَأنْتَ خَلِيفَةٌ، فَقالَ كَعْبٌ: رَحِمَ اللَّهُ تَعالى! ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يَعْرِفُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَلِيفَةِ والمَلِكِ غَيْرِي، فالتِزامُ مَرارَةِ العَدْلِ وإيثارُ الغَيْرِ خِلافَةٌ وتَشَيُّعٌ في سَبِيلِها، ومَنالُ حَلاوَةِ الِاسْتِئْثارِ بِالعاجِلَةِ شَرَفِها ومالِها مُلْكٌ وتَحَيُّزٌ لِتُبّاعِهِ. انْتَهى.
وفِي تَقْدِيمِ الإيتاءِ عَلى (p-٣١٤)النَّزْعِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي أنْ يَبْدَأ بِالتَّرْغِيبِ ﴿وتَنْـزِعُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ النَّزْعِ، وهو الأخْذُ بِشِدَّةٍ وبَطْشٍ. انْتَهى.
﴿المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدُّعاءَ بِاللِّينِ إنْ لَمْ يُجْدِ ثَنّى بِالتَّرْهِيبِ، وعَلى هَذا المِنوالِ أبْرَزَ قَوْلَهُ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ إعْزازَهُ ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ إذْلالَهُ، وهو كَما قالَ: «إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» قالَ الحَرالِّيُّ: وفي كَلِمَةِ النَّزْعِ بِما يُنْبِئُ عَنْهُ مِنَ البَطْشِ والقُوَّةِ ما يُناسِبُ مَعْنى الإيتاءِ، فَهو إيتاءٌ لِلْعَرَبِ ونَزْعٌ مِنَ العَجَمِ، كَما ورَدَ أنَّ كِسْرى رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ يُقالُ لَهُ: سَلِّمْ ما بِيَدِكَ لِصاحِبِ الهِراوَةِ، فَنَزَعَ مُلْكَ المُلُوكِ مِنَ الأكاسِرَةِ والقَياصِرَةِ وخَوَّلَهُ قُرَيْشًا ومَن قامَ بِأمْرِها وانْتَحَلَ المُلْكَ بِاسْمِها مِن صُنُوفِ الأُمَمِ غَرْبًا وشَرْقًا وجَنُوبًا وشَمالًا، إلى ما يَتِمُّ بِهِ الأمْرُ في الخَتْمِ، والعِزُّ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - عِزَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: لِأهْلِهِ ولِآلِ نَبِيِّهِ ﷺ والأنْصارِ والصُّلَحاءِ مِن صَحابَتِهِ وعَشِيرَتِهِ وأبْنائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ سَلَبَهُمُ اللَّهُ مُلْكَ الدُّنْيا فَحَلّاهم بِعِزِّ الآخِرَةِ وبِعِزَّةِ الدِّينِ كَما قالَ (p-٣١٥)سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِيَكُونَ في الخِطابِ إنْباءُ بُشْرى لَهم أنَّهُ أتاهم مِنَ العِزِّ بِالدِّينِ ما هو خَيْرٌ مِنَ الشَّرَفِ بِمُلْكِ الدُّنْيا ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] فالمُلُوكُ وإنْ تَشَرَّفُوا بِمُلْكِ الدُّنْيا فَلَيْسَ لَهم مِن عِزَّةِ الدِّينِ شَيْءٌ، أعَزَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدِّينِ، تَخْدُمُهُمُ الأحْرارُ وتَتَوَطَّدُ لَهُمُ الأمْصارُ، لا يَجِدُونَ وحْشَةً، ولا يُحْصَرُونَ في مَحَلٍّ، ولا تَسْقُطُ لَهم حُرْمَةٌ حَيْثُ ما حَلُّوا وحَيْثُ ما كانُوا اسْتَتَرُوا أوِ اشْتَهَرُوا، والمُتَلَبِّسُونَ بِالمُلْكِ لا يَخْدُمُهم إلّا مَنِ اسْتَرَقُّوهُ قَهْرًا، يَمْلِكُونَ تَصَنُّعَ الخَلْقِ ولا يَمْلِكُونَ مَحابَّ قُلُوبِهِمْ، مَحْصُورُونَ في أقْطارِ مَمالِكِهِمْ، لا يَخْرُجُونَ عَنْها ولا يَنْتَقِلُونَ مِنها حَتّى يَمْنَعَهم مِن كَمالِ الدِّينِ، فَلا يَنْصَرِفُونَ في الأرْضِ ولا يَضْرِبُونَ فِيها، حَتّى يَمْتَنِعَ مُلُوكٌ مِنَ الحَجِّ مَخافَةَ نَيْلِ الذُّلِّ في غَيْرِ مَوْطِنِ المُلْكِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: «إنَّ عَبْدًا أصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وأوْسَعْتُ عَلَيْهِ في رِزْقِهِ، يُقِيمُ خَمْسَةَ أعْوامٍ لا يَفِدُ عَلى المَحْرُومِ» (p-٣١٦)فالمُلُوكُ مَمْلُوكُونَ بِما مَلَكُوا، وأعِزّاءُ اللَّهِ مُمَكَّنُونَ فِيما إلَيْهِ وُجِّهُوا، لا يَصُدُّهم عَنْ تَكْمِلَةِ أمْرِ الدِّينِ وإصْلاحِ أمْرِ الآخِرَةِ صادٌّ، ولا يَرُدُّهم عَنْهُ رادٌّ لِخُرُوجِهِمْ مِن سِجْنِ المُلْكِ إلى سَعَةِ العِزِّ بِعِزَّةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقارَضَ اللَّهُ أهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ ﷺ ورَضِيَ عَنْهُمْ، ولَمْ يَرْضَهُ لِلْمُلْكِ بِعِزِّ الإمامَةِ ورِفْعَةِ الوِلايَةِ والِاسْتِيلاءِ عَلى مَحابِّ القُلُوبِ فاسْتَرْعاهُمُ اللَّهُ قُلُوبَ العالَمِينَ بِما اسْتَرْعى المُلُوكُ بَعْضَ حَواسِّ المُسْتَخْدَمِينَ والمُسْتَتْبَعِينَ، والذُّلُّ مُقابِلُ ذَلِكَ العِزَّةُ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِزُّ عِزًّا دِينِيًّا رَبّانِيًّا عِوَضًا عَنْ سَلْبِ المُلْكِ كانَ هَذا الذُّلُّ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - ذُلَّ أهْلِ الدُّنْيا في دُنْياهُمُ الَّذِي ألْزَمَهم سُبْحانَهُ وتَعالى إيّاهُ بِما أذَلَّتْهم أنْفُسُهُمْ، فاسْتَعْمَلَتْهم في شَهَواتِها وأذَلَّهم أتْباعُهم فَتَوَسَّلُوا بِهِمْ إلى قَضاءِ أغْراضِهِمْ في أهْوائِهِمْ، ويَسْتَذِلُّهم مَن يَظْلِمُونَهُ بِما يَنْتَصِفُونَ مِنهُمْ، ويَنالُهم مِن ذُلِّ تَضْيِيعِ الدِّينِ، ويَبْدُو عَلى وُجُوهِهِمْ مِن ظُلْمَةِ الظُّلْمِ ما يَشْهَدُ ذُلَّهم فِيهِ أبْصارُ العارِفِينَ. انْتَهى.
ولَعَلَّ نَصارى نَجْرانَ أشَدُّ قَصْدًا بِهَذا الخِطابِ، فَإنَّهم خافُوا أنْ يَنْزِعَ مِنهُ مُلُوكُ الرُّومِ ما خَوَّلُوهم فِيهِ مِنَ الدُّنْيا إنْ أخْبَرُوا بِما يَعْلَمُونَ مِن أمْرِ هَذا النَّبِيِّ (p-٣١٧)الأُمِّيِّ ﷺ.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ مالِكٌ لِما تَقَدَّمَ أنْتَجَ أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِيَدِكَ﴾ أيْ وحْدَكَ ﴿الخَيْرُ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الشَّرَّ تَعْلِيمًا لِعِبادِهِ الأدَبَ في خِطابِهِ، وتَرْغِيبًا لَهم في الإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ، لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ النّاسَ أسْرَعُ شَيْءٍ إلى مُعْطِي النَّوالِ وباذِلِ الأمْوالِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشَّرَّ أهْلٌ لِلْإعْراضِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ حَتّى عَنْ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ وإخْطارِهِ بِالبالِ، مَعَ أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الخَيْرِ بِمِلْكِ الخَيْرِ كُلِّهِ مُسْتَلْزِمٌ لِمِثْلِ ذَلِكَ في الشَّرِّ، لِأنَّهُما ضِدّانِ، كُلٌّ مِنهُما مُساوٍ لِنَقِيضِ الآخَرِ، فَإثْباتُ أحَدِهِما نَفْيٌ لِلْآخَرِ ونَفْيُهُ إثْباتٌ لِلْآخَرِ، فَلا يُعْطى الخَيْرُ إلّا وقَدْ نُفِيَ الشَّرُّ، ولا يُنْزَعُ الخَيْرُ إلّا وقَدْ وُضِعَ الشَّرُّ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. ولَمّا أفْهَمَ أنَّ الشَّرَّ بِيَدِهِ كَما أعْلَمَ أنَّ الخَيْرَ بِيَدِهِ وخاصٌّ بِهِ قَرَّرَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ أعَمَّ بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
آل عمران 3:27
فَلَمّا ثَبَتَتْ خُصُوصِيَّتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ القُدْرَةِ عَلى الوَجْهِ (p-٣١٨)الأعَمِّ ذَكَرَ بَعْضَ ما تَحْتَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنهُ تَحْتَ قُدْرَةِ غَيْرِهِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً تَقَلُّباتٍ نَفْسانِيَّةً في العالِمِ القائِمِ الآدَمِيِّ اتَّصَلَ بِها ذِكْرُ تَقَلُّباتٍ في العالَمِ الدّائِرِ لِيُؤْخَذَ لِكُلٍّ مِنها اعْتِبارٌ مِنَ الآخَرِ. ولَمّا ظَهَرَ في هَذِهِ الآيَةِ افْتِراقُ النَّزْعِ والإيتاءِ والإعْزازِ والإذْلالِ أبْدى في الآيَةِ التّالِيَةِ تَوالُجَ بَعْضِها في بَعْضٍ لِيُؤْذِنَ بِوُلُوجِ العِزِّ في الذُّلِّ والذُّلِّ في العِزِّ، والإيتاءِ في النَّزْعِ والنَّزْعِ في الإيتاءِ، وتَوالُجِ المُفْتَرِقاتِ والمُتَقابِلاتِ بَعْضِها في بَعْضٍ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنَةً لِبَيانِ الإحْكامِ والتَّشابُهِ في مَنزِلِ الكِتابِ بِحُكْمِ الفُرْقانِ أظْهَرَ تَعالى في آياتِها ما أحْكَمَ وبَيَّنَ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وما التَبَسَ وأوْلَجَ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، فَكانَ مِن مُحْكَمِ آيَةٍ في الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ ما تَضَمَّنَهُ إيتاءُ المُلْكِ ونَزْعُهُ والإعْزازُ والإذْلالُ، وكانَ مِنَ الاشْتِباهِ إيلاجُ العِزِّ في الذُّلِّ وإيلاجُ الذُّلِّ في العِزِّ، فَلَمّا صَرَّحَ بِالإحْكامِ بِبَيانِ الطَّرَفَيْنِ في الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ، وضَمَّنَ الخِطابَ اشْتِباهَهُ في ذِكْرِ العِزِّ والذُّلِّ صَرَّحَ بِهِ في آيَةِ الكَوْنِ الدّائِرِ، فَذَكَرَ آيَةَ الآفاقِ وهو اللَّيْلُ والنَّهارُ بِما يُعايَنُ فِيها مِنَ التَّوالُجِ حَيْثُ ظَهَرَ ذَلِكَ فِيها وخَفِيَ في تَوالُجِ أحْوالِ الكائِنِ القائِمِ، لِأنَّ الإحْكامَ والِاشْتِباهَ (p-٣١٩)مُتَرادٌّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: آيَةِ الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ وآيَةِ الكَوْنِ الدّائِرِ العَرْشِيِّ، فَما وقَعَ اشْتِباهُهُ في أحَدِهِما ظَهَرَ إحْكامُهُ في الآخَرِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تُولِجُ﴾ مِنَ الوُلُوجِ، وهو الدُّخُولُ في الشَّيْءِ السّاتِرِ لِجُمْلَةِ الدّاخِلِ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِن مَضاءِ قُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى يَجْعَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَقابِلَيْنِ بِطانَةً لِلْآخَرِ والِجًا فِيهِ عَلى وجْهٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ مَنالُ العُقُولِ لِما في المَعْقُولِ مِنَ افْتِراقِ المُتَقابِلاتِ، فَكانَ في القُدْرَةِ إيلاجُ المُتَقابِلاتِ بَعْضِها في بَعْضٍ وإيداعُ بَعْضِها في بَعْضٍ عَلى وجْهٍ لا يَتَكَيَّفُ بِمَعْقُولٍ ولا يُنالُ بِفِكْرٍ. انْتَهى.
﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ تُدْخِلُ كُلًّا مِنهُما في الآخَرِ بَعْدَ ظُهُورِهِ حَتّى يَذْهَبَ فِيهِ فَيَخْفى ولا يَبْقى لَهُ أثَرٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا جَعَلَ المُتَعاقِبَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُتَوالِجَيْنِ جَعَلَ المُتَباطِنَيْنِ مِنَ الحَيِّ والمَيِّتِ مُخْرَجَيْنِ، فَما ظَهَرَ فِيهِ المَوْتُ بَطَنَتْ فِيهِ الحَياةُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِ الحَياةُ بَطَنَ فِيهِ المَوْتُ؛ انْتَهى. فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ﴾ أيْ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ مِنهُما ﴿وتُخْرِجُ (p-٣٢٠)المَيِّتَ﴾ مِنهُما ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ مِنهُما كَذَلِكَ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ في الكائِنِ القائِمِ وفي الكَوْنِ الدّائِرِ، فَأمّا في الكَوْنِ الدّائِرِ فَبِإخْراجِ حَيِّ الشَّجَرِ والنَّجْمِ مِن مَواتِ البَذْرِ والعَجَمِ، وبِظُهُورِهِ في العِيانِ كانَ أحْكَمَ في البَيانِ مِمّا يَقَعُ في الكائِنِ القائِمِ، كَذَلِكَ الكائِنُ القائِمُ يَخْرُجُ الحَيُّ المُؤْمِنُ المُوقِنُ مِنَ المَيِّتِ الكافِرِ الجاهِلِ
﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ويَخْرُجُ الكافِرُ الآبِي مِنَ المُؤْمِنِ الرّاحِمِ ﴿يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ وُجُوهَ الإحْكامِ والِاشْتِباهِ في آيَتَيْ خَلْقِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً عَلى ما في أمْرِهِ، ولِيَشِفَّ ذَلِكَ عَمّا يَظْهَرُ مِن أمْرِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى مَن شاءَ مِن عِبادِهِ كَما أظْهَرَ في مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ، وكَما خَصَّصَ بِما شاءَ مِن إظْهارِ عَظِيمِ أمْرِهِ في المَثَلَيْنِ الأعْظَمَيْنِ: مَثَلِ آدَمَ وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِبَيانِ الأمْرِ فِيما اشْتَبَهَ عَلى مَنِ التَبَسَ عَلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، (p-٣٢١)فَهُوَ تَعالى أظْهَرَ مِن مَواتِ الإنْسانِيَّةِ ما شاءَ مِنَ الإحْياءِ بِإذْنِهِ، وأظْهَرَ في آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما شاءَ مِن عِلْمِهِ حِينَ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها كَذَلِكَ أظْهَرَ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما شاءَ مِن قُدْرَتِهِ كَما أظْهَرَ في الخَلْقِ ما شاءَ مِن مُلْكِهِ، فَمَلَّكَ مَن شاءَ ونَزَعَ المُلْكَ مِمَّنْ شاءَ، وأعَزَّ مَن شاءَ وأذَلَّ مَن شاءَ، وأظْهَرَ بِالنَّهارِ ما شاءَ وطَمَسَ بِاللَّيْلِ ما شاءَ، وأوْلَجَ المُتَقابِلَيْنِ بَعْضَهُما في بَعْضٍ وأخْرَجَ المُتَباطِنَيْنِ بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ. انْتَهى.
ولَمّا بَدَأ الآيَةَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا يَقْتَضِي التَّرْغِيبَ بِما هو مَحَطُّ أحْوالِ الأنْفُسِ مِنَ المُلْكِ وأنْواعِ الخَيْرِ خَتَمَها بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا يَقُومُ المُلْكُ ولا يَطِيبُ العَيْشُ إلّا بِهِ فَقالَ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ﴾ قَوِيًّا كانَ أوْ ضَعِيفًا ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ تُعْطِيهِ عَطاءً واسِعًا جِدًّا مُتَّصِلًا مِن غَيْرِ تَضْيِيقٍ ولا عُسْرٍ، كَما فَعَلَ بِأوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ القِلَّةِ والضَّعْفِ حَيْثُ أبادَ بِهِمُ الأكاسِرَةَ والقَياصِرَةَ وآتاهم كُنُوزَهم وأخْدَمَهم أبْناءَهم وأحَلَّهم دِيارَهم. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا الإحْكامَ والِاشْتِباهَ في أمْرِ العِلْيَةِ مِنَ الخَلْقِ أهْلِ شَرَفِ المُلْكِ وأهْلِ عِزَّةِ الدِّينِ خَتَمَ الخِطابَ بِأمْرِ الرِّزْقِ الَّذِي هو (p-٣٢٢)تَتِمَّةُ الخَلْقِ، وفِيهِ مِنَ الإحْكامِ والِاشْتِباهِ نَحْوُ ما في الإيتاءِ والنَّزْعِ ولِما فِيهِ مِنَ الوَزْنِ والإيتاءِ بِقَدْرٍ خَتَمَ بِأعَزِّيهِ وهو الإرْزاقُ الَّذِي لا يَقَعُ عَلى وزْنٍ ولا يَكُونُ بِحِسابٍ، وفِيهِ إشْعارٌ بِالإرْزاقِ الخَتْمِيِّ الَّذِي يَكُونُ في آخِرِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ لِلَّذِينَ يُؤْتِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما شاءَ مِن مُلْكِهِ وعِزِّهِ وسَعَةِ رِزْقِهِ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَكَما خَتَمَ المُلْكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِمُلْكِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ص: ٣٩] كَذَلِكَ يَخْتِمُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْ يَرْزُقَهم بِغَيْرِ حِسابٍ حِينَ تُلْقِي الأرْضُ بَرَكاتِها وتَتَطَهَّرُ مِن فِتْنَتِها، فَتَقَعُ المُكْنَةُ في خَتْمِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ بِالهِدايَةِ والهُدْنَةِ كَما انْقَضَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالمُلْكِ والقُوَّةِ. انْتَهى.
آل عمران 3:28
ولَمّا بانَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا شَيْءَ في يَدِ غَيْرِهِ، واقْتَضى ذَلِكَ قَصْرَ الهِمَمِ عَلَيْهِ، وكانَ نَصارى نَجْرانَ إنَّما دامُوا عَلى مُوالاةِ مُلُوكِ الرُّومِ لِمَحْضِ الدُّنْيا مَعَ العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن مُداناةِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ كَما وقَعَ لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمّا قَصَّ في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تَجْتَمِعُ (p-٣٢٣)مُوالاةُ المُؤْمِنِينَ ومُوالاةُ الكافِرِينَ في قَلْبٍ إلّا أوْشَكَتْ إحْداهُما أنْ تَغْلِبَ عَلى الأُخْرى فَتَنْزِعَها، فَقالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ سائِقًا مَساقَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بُشْرى لِخُصُوصِ هَذِهِ الأُمَّةِ وعُمُومِها بِالعِزِّ والمُلْكِ وخَتْمِ الرِّزْقِ الَّذِي لا حِسابَ فِيهِ كانَ مِنَ الحَقِّ أنْ تَظْهَرَ عَلى المُبَشَّرِينَ عِزَّةُ البُشْرى فَلا يَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ، ولَمّا قَبَضَ ما بِأيْدِي الخَلْقِ إلَيْهِ في إيتاءِ المُلْكِ ونَزْعِهِ والإعْزازِ والإذْلالِ، وأظْهَرَ إحاطَةَ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإقامَةَ امْتِحانِهِ بِما أوْلَجَ وأخْرَجَ، وأنْبَأ عَنْ إطْلاقِ حَدِّ العَدِّ عَنْ أرْزاقِهِ فَسَدَّ عَلى النَّفْسِ الأبْوابَ الَّتِي مِنها تَتَوَهَّمُ الحاجَةَ إلى الخَلْقِ؛ نَهى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَتْ لَهم عادَةٌ بِمُباطَنَةِ بَعْضِ كَفَرَةِ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ومَن شَمِلَهُ وصْفُ الكُفْرِ أنْ يَجْرُوا عَلى عادَتِهِمْ في مُوالاتِهِمْ ومُصافاتِهِمْ والحَدِيثِ مَعَهُمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يُفاوِضُونَهم بِصَفاءٍ، والكافِرُونَ يَتَسَمَّعُونَ ويَأْخُذُونَ مِنهم بِدَغَلٍ ونِفاقٍ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى
﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] فَنَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا غابَ عَنْهم خِبْرَتُهُ وطَيَّتُهُ فَقالَ تَعالى: (p-٣٢٤)﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في الإيمانِ وعَبَّرَ في أضْدادِهِمْ بِالوَصْفِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَلَبَّسَ بِكُفْرٍ في وقْتٍ ما فَقالَ:﴿الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ وِلايَةَ أوْلِيائِهِ مِن وِلايَتِهِ، وأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ إنَّما هو الوِلايَةُ الَّتِي قَدْ تُوهِنُ الرُّكُونَ إلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّ في ذَلِكَ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - تَبْعِيدَ القَرِيبِ وتَقْرِيبَ البَعِيدِ، والمُؤْمِنُ أوْلى بِالمُؤْمِنِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» فَأقْواهم لَهُ رُكْنٌ، وضَعِيفُهم مُسْتَنِدٌ لِذَلِكَ الرُّكْنِ القَوِيِّ، فَإذا والاهُ قَوِيَ بِهِ مِمّا يُباطِنُهُ ويُصافِيهِ، وإذا اتَّخَذَ الكافِرَ ولِيًّا مِن دُونِ مُؤْمِنِهِ القَوِيِّ رُبَّما تَداعى ضَعْفُهُ في إيمانِهِمْ إلى ما يُنازِعُهُ فِيهِ مِن مُلابَسَةِ أحْوالِ الكافِرِينَ، كَما أنَّهم لَمّا أصاخُوا إلَيْهِمْ إصاخَةً أوْقَعُوا بَيْنَهم سِبابَ الجاهِلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] وكَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ولَمْ يَمْنَعْ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِلَةِ أرْحامِ مَن لَهم مِنَ الكافِرِينَ، ولا مِن خِلْطَتِهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا فِيما يَجْرِي مَجْرى المُعامَلَةِ مِنَ البَيْعِ والشَّرْيِ (p-٣٢٥)والأخْذِ والعَطاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِيُوالُوا في الدِّينِ أهْلَ الدِّينِ، ولا يَضُرُّهم أنْ يُبارُوا مَن لَمْ يُحارِبْهم مِنَ الكافِرِينَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن تَوَلّاهم وُكِلَ إلَيْهِمْ وكانَ في عِدادِهِمْ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرّاسِخِينَ في صِفَةِ الإيمانِ عَطَفَ عَلَيْهِ تَرْهِيبًا لِمَن قَدْ تَتَقاصَرُ هِمَّتُهُ فَيَرْضى بِمَنزِلَةِ ما دُونَ الرُّسُوخِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ هَذا الأمْرَ البَعِيدَ مِن أفْعالِ ذَوِي الهِمَمِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ في عِدادِ الأعْداءِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ومَعَ رَفْعِ هَذا الحِجابِ الَّذِي كانَ مَسْدُولًا عَلى أكْثَرِ الخَلْقِ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ فَلا كُفْؤَ لَهُ ﴿فِي شَيْءٍ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ مَن تَمَسَّكَ بِوِلايَةِ المُؤْمِنِينَ فَهو مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ بِما هو مُتَمَسِّكٌ بِعِنانِ مَن هو لَهُ وسِيلَةٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ القَوِيُّ والضَّعِيفُ والشَّدِيدُ واللَّيِّنُ نَظَرَ إلى أهْلِ الضَّعْفِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَوَسَّعَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ أيْ إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم أمْرًا خَطِرًا مَجْزُومًا بِهِ، لا كَما خافَهُ نَصارى نَجْرانَ وتَوَهَّمَهُ حاطِبٌ، فَحِينَئِذٍ يُباحُ إظْهارُ المُوالاةِ (p-٣٢٦)وإنْ كانَتْ دَرَجَةَ مَن تَصَلَّبَ في مُكاشَرَتِهِمْ وتَعَزَّزَ لِمُكابَرَتِهِمْ ومُكاثَرَتِهِمْ، وإنْ قَطَعَ أعْظَمُ فَإيّاكم أنْ تَرْكَنُوا إلَيْهِمْ! فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُحَذِّرُكم إقْبالَكم عَلى عَدُوِّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِإعْراضِهِ عَنْكم ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿نَفْسَهُ﴾ فَإنَّهُ عالِمٌ بِما تَفْعَلُونَهُ. وهو الحَكَمُ في الدُّنْيا كَما تَرَوْنَ مِن إذْلالِهِ العَزِيزَ وإعْزازِهِ الذَّلِيلَ، وهَذا المُحَذَّرُ مِنهُ وهو نَفْسُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - مَجْمُوعُ أسْماءِ تَعالِيهِ المُقابَلَةِ بِأسْماءِ أوْصافِهِمُ الَّتِي مَجْمُوعُها أنْفُسُهم. ومَوْجُودُ النَّفْسِ ما تَنَفَّسَ، وإنْ كانَتْ أنْفُسُ الخَلْقِ تَنَفَّسُ عَلى ما دُونَها إلى حَدِّ مُسْتَطاعِها، فَكانَ ما حَذَّرَهُ اللَّهُ مِن نَفْسِهِ أوْلى وأحَقَّ بِالنَّفاسَةِ في تَعالِي أوْصافِهِ وأسْمائِهِ أنْ تُنَفَّسَ عَلى مَن يُغْنِيهِ فَلا يَسْتَغْنِي، ويَكْفِيهِ فَلا يَكْتَفِي ويُرِيهِ مَصارِفَ سَدِّ خَلّاتِهِ وحاجاتِهِ فَلا يَنْصَرِفُ إلَيْها ولا يَتَوَجَّهُ نَحْوَها، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى يُعَذِّبُ مَن تَعَرَّفَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ أشَدَّ مِن عَذابِ مَن يَتَعَرَّفُ لَهُ بِآياتِهِ فَلا يَعْتَبِرُ بِها، بِما أنَّ كُلَّ ما أبْداهُ مِن نَفْسِهِ بِلا واسِطَةٍ فَهو أعْظَمُ مِمّا أبْداهُ بِالواسِطَةِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ، فَلا أعْظَمَ مِن نَعِيمِ مَن تَعَرَّفَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَعَرَفَهُ، ولا أشَدَّ مِن عَذابِ مَن تَعَرَّفَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَأنْكَرَهُ - انْتَهى. (p-٣٢٧)ولَمّا كانَتْ مَصائِبُ الدُّنْيا قَدْ تُسْتَهانُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عاطِفًا عَلى نَحْوِ ما تَقْدِيرُهُ: فَمِنَ اللَّهِ المَبْدَأُ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ الزّائِلُ أبَدًا مُؤْذِنًا بِتَرْكِ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ أقامَ تَعالى عَلى المُتَمَسِّكِ بِما دُونَهُ حُجَّةً بِزَوالِهِ، فَلا يَسْتَطِيعُ الثَّباتَ عَلَيْهِ عِنْدَ ما تَنالُهُ الإزالَةُ والإذْهابُ، ويَصِيرُ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَأعْلَمَ أنَّ المَصِيرَ المُطْلَقَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَمَن تَعَرَّفَ إلَيْهِ فَعَرَفَهُ نالَ أعْظَمَ النَّعِيمِ، ومَن تَعَرَّفَ إلَيْهِ فَأنْكَرَهُ نالَ أشَدَّ الجَحِيمِ - انْتَهى؛ فَقالَ -: ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ وإنْ طالَ إمْلاؤُهُ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ فَيُوشِكُ أنْ يَنْتَقِمَ مِنهُ.
آل عمران 3:29
ولَمّا كانَتِ المُوالاةُ بِالباطِنِ المَنهِيُّ عَنْها مُطْلَقًا ودائِمًا قَدْ تُفْعَلُ ويُدَّعى نَفْيُها لِخَفائِها أمَرَهُ ﷺ بِتَحْذِيرِهِمْ مِن مُوالاةِ أعْدائِهِ عَلى وجْهِ النِّفاقِ أوْ غَيْرِهِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ حَقِيقَةُ ما نَهى عَنْهُ في الوِلايَةِ والتُّقاةِ أمْرًا باطِنًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِعْلٌ ظاهِرٌ فَوَقَعَ التَّحْذِيرُ فِيهِ عَلى الفِعْلِ كَرَّرَ فِيهِ التَّحْذِيرَ عَلى ما وراءَ الفِعْلِ مِمّا في الصُّدُورِ ونَبَّهَ فِيهِ عَلى مَنالِ العِلْمِ خُفْيَةً، فَإنَّهُ قَدْ يُتْرَكُ الشَّيْءُ فِعْلًا (p-٣٢٨)ولا تَتْرُكُ النَّفْسُ الغَيَّةُ صَغْوًا ونُزُوعًا إلَيْهِ في أوْقاتٍ، وكَرَّرَ في خَتْمِهِ التَّحْذِيرَ لِيَتَثَنّى التَّحْذِيرانِ تَرَقِّيًا مِنَ الظّاهِرِ في الفِعْلِ إلى باطِنِ الحِمايَةِ في العِلْمِ كَما تَثَنّى الأمْرانِ في الظّاهِرِ والباطِنِ، وكانَ في إجْراءِ هَذا الخِطابِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ بِما أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم يَلْزَمُهُمُ الاقْتِداءُ بِهِ فِيما لَمْ يُبادِرُوا إلى أخْذِهِ مِنَ اللَّهِ في خِطابِهِ الَّذِي عَرَّضَ بِهِ نَحْوَهُمُ؛ انْتَهى. فَقالَ تَعالى -: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا﴾ أيْ يا أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ قُدْرَةً وعِلْمًا، ثُمَّ قالَ عاطِفًا عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي مَقُولُ القَوْلِ إرادَةَ التَّعْمِيمِ: ﴿ويَعْلَمُ ما﴾ أيْ جَمِيعَ ما ﴿فِي السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَطْبُوعًا عَلى ظَنِّ أنَّهُ إذا أخْفى شَيْئًا في نَفْسِهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ أكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ وجَمِيعَ ما ﴿فِي الأرْضِ﴾ ظاهِرًا كانَ أوْ باطِنًا.
ولَمّا كانَ ذُو العِلْمِ لا يَكْمُلُ إلّا بِالقُدْرَةِ، وكانَ يَلْزَمُ مِن تَمامِ العِلْمِ شُمُولُ القُدْرَةِ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُرْهانُهُ في سُورَةِ طَهَ - كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ (p-٣٢٩)مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن نَمَطِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] مَعَ ذِكْرِ التَّصْوِيرِ كَيْفَ يَشاءُ والخَتْمِ بِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، وقَدْ دَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالتَّفَرُّدِ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والقُدْرَةِ عَلى التَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ.
آل عمران 3:30
ولَمّا تَمَّ الوَصْفُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِن سَطَواتِهِ ذَكَرَ يَوْمَ المَصِيرِ المُحَذَّرَ مِنهُ، المُحْصى فِيهِ كُلُّ كَبِيرٍ وصَغِيرٍ، المُعامَلَ فِيهِ كُلُّ عامِلٍ بِما يَلِيقُ بِهِ، الَّذِي يَتِمُّ فِيهِ انْكِشافُ الأوْصافِ لِكُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ﴾ وهو مَعْمُولٌ لِعامِلٍ مِن مَعْنى ”يُحَذِّرُ“ ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ والَّذِي يُرْشِدُ إلى تَعْيِينِ تَقْدِيرِ هَذا العامِلِ - إذا جُعِلَ العامِلُ مُقَدَّرًا - قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ سابِقًا لَها ولاحِقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ في قَوْلِهِ
﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وتَكُونَ فَتْحَتُهُ لِلْبِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والمُرادُ بِالنَّفْسِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - المُكَلَّفَةُ ﴿ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ أيْ لا نَقْصَ فِيهِ ولا زِيادَةَ، بِأمْرِ القاهِرِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ حاضِرًا مُلازِمًا، فَما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ (p-٣٣٠)تَوَدُّ أنَّها لا تُفارِقُهُ ولا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ [ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ ] أيْ تُحِبُّ حُبًّا شَدِيدًا ﴿لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ العَمَلِ السُّوءِ ﴿أمَدًا﴾ أيْ زَمانًا. قالَ الحَرالِّيُّ: وأصْلُهُ مِقْدارُ ما يَسْتَوْفِي جُهْدَ الفَرَسِ مِنَ الجَرْيِ، فَهو مِقْدارُ ما يَسْتَوْفِي ظُهُورَ ما في التَّقْدِيرِ إلى وفاءِ كِيانِهِ ﴿بَعِيدًا﴾ مِنَ البُعْدِ، وهو مُنْقَطَعُ الوَصْلَةِ في حِسٍّ أوْ مَعْنىً. انْتَهى. فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ إحْضارَ الخَيْرِ دَلالَةً عَلى حُضُورِ السُّوءِ، ووَدَّ بَعْدَ السُّوءِ دَلالَةً عَلى ودِّ لُزُومِ الخَيْرِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ كانَ كَأنَّهُ قالَ: فاتَّقُوهُ فَإنَّ اللَّهَ يُحَذِّرُكُمُوهُ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الَّتِي لا يُحاطُ بِها ﴿نَفْسَهُ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ تَعَدّى طَوْرَهُ ونَسِيَ أنَّهُ عَبْدٌ، قالَ الحَرالِّيُّ: أنْ تَكُونَ لَكم أنْفُسٌ فَتَجِدَ ما عَمِلَتْ، ويُلْزِمَها وطْأةَ هَذِهِ المُؤاخَذَةِ، بَلِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَبْرَأ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ تَبْرِئَتَهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ إرادَةٌ، وأنْ يُلاحِظَ عِلْمَ اللَّهِ وقُدْرَتَهَ في كُلِّيَّةِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ وظاهِرِ الكَوْنِ وباطِنِهِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ تَكْرِيرُ التَّحْذِيرِ قَدْ يُنَفِّرُ بَيَّنَ أنَّ تَحْذِيرَهُ لِلِاسْتِعْطافِ، (p-٣٣١)فَإنَّهُ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الدُّعاةِ والتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّرْهِيبِ مِنَ المَعْصِيَةِ المُسَبَّبِ عَنْهُ سَعادَةُ الدّارَيْنِ، فَهو مِن رَأْفَتِهِ بِالمُحَذَّرِينَ فَقالَ بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ويَعِدُكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَضْلَهُ ويُبَشِّرُكم بِهِ لِرَأْفَتِهِ بِكُمْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لَهُ وحْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ هَذا التَّحْذِيرُ الخاتِمُ ابْتِدائِيًّا، والتَّحْذِيرُ السّابِقُ انْتِهائِيًّا، فَكانَ هَذا رَأْفَةً سابِقَةً، وكانَ الأوَّلُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلى الفِعْلِ تَحْذِيرًا لاحِقًا مُتَّصِلًا بِالمَصِيرِ إلى اللَّهِ، وهَذا الخاتِمُ مُبْتَدَأً بِالرَّأْفَةِ مِنَ اللَّهِ.
والرَّأْفَةُ - يَقُولُ أهْلُ المَعانِي - هي أرَقُّ الرَّحْمَةِ، والَّذِي يُفْصِحُ عَنِ المَعْنى - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - أنَّها عَطْفُ العاطِفِ عَلى مَن يَجِدُ عِنْدَهُ مِنهُ وصْلَةً، فَهي رَحْمَةُ ذِي الصِّلَةِ بِالرّاحِمِ، فَمَن تَحَقَّقَ أنَّ الأمْرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَدَ رِفْقَهُ وفَضْلَهُ ورَحْمَتَهُ عَلَيْهِ لِما بَرِئَ مِن دَعْوى شَيْءٍ مِن نِسْبَةِ الخَيْرِ إلى نَفْسِهِ، فَأحَبَّهُ لِذَلِكَ، قِيلَ لِأعْرابِيٍّ: إنَّكَ تَمُوتُ وتُبْعَثُ وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ؟ فَقالَ: أتُهَدِّدُونَنِي بِمَن لَمْ أرَ الخَيْرَ قَطُّ إلّا مِنهُ فَلِذَلِكَ إذا تَحَقَّقَ العَبْدُ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ أحَبَّهُ بِما وحَّدَهُ وبِما وجَدَهُ (p-٣٣٢)فِي العاجِلَةِ فَحَماهُ أنْ يَجِدَ عَمَلَ نَفْسِهِ في الآجِلَةِ. انْتَهى.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الاحْتِباكِ: التَّحْذِيرُ أوَّلًا دالٌّ عَلى الوَعْدِ بِالخَيْرِ ثانِيًا، والرَّأْفَةُ ثانِيًا دالَّةٌ عَلى الِانْتِقامِ أوَّلًا - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
آل عمران 3:31
ولَمّا فَطَمَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ ظاهِرًا وباطِنًا بِما اقْتَضى القَصْرَ عَلى مُوالاةِ أهْلِ اللَّهِ لِنَفْيِهِ مِن تَوَلِّي الكُفْرِ عَنْ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وكانَ الإنْسانُ رُبَّما والى الكافِرَ وهو يَدَّعِي مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وخَتَمَ بِرَأْفَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِبادِهِ، وكانَتِ الرَّأْفَةُ قَدْ تَكُونُ عَنِ المَحَبَّةِ المُوجِبَةِ لِلْقُرْبِ، فَكانَ الإخْبارُ بِها رُبَّما دَعا إلى الِاتِّكالِ، ووَقَعَ لِأجْلِهِ الِاشْتِباهُ في الحِزْبَيْنِ، جَعَلَ لِذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلامَةً فَقالَ: - وقالالحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ أعْظَمُ ما يَتَرامى إلَيْهِ مَقاماتُ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى القاصِدِينَ إلَيْهِ مِن مَبْدَإ حالِ الذِّكْرِ الَّذِي هو مُنْتَهى المَقاماتِ العَشْرِ المُتَرَتِّبَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحزاب: ٣٥] مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما أنَّ المَحَبَّةَ وصْلَةٌ خَفِيَّةٌ يَعْرِفُ الحاسُّ بِها كُنْهَها، أقامَ سُبْحانَهُ وتَعالى الحُجَّةَ عَلى المُتَرامِينَ لِدَعْوى القُرْبِ مِنَ اللَّهِ والِادِّعاءِ في أصْلِ ما يَصِلُ إلَيْهِ القَوْلُ مِن مَحَبَّتِهِ بِما (p-٣٣٣)أنْبَأهم أنَّ مَنِ انْتَهى إلى أنْ يُحِبَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَلْيَتَّبِعْ هَذا النَّبِيَّ الَّذِي أحَبَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَمَنِ اتَّبَعَهُ أحَبَّهُ اللَّهُ، فَقامَتْ بِذَلِكَ الحُجَّةُ عَلى كُلِّ قاصِدٍ وسالِكٍ ومُتَقَرِّبٍ، فَإنَّ نِهايَةَ الخَلْقِ أنْ يُحِبُّوا اللَّهَ، وعِنايَةَ الحَقِّ أنْ يُحِبَّ العَبْدَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ وتَعالى جَمِيعَ مَن أحاطَ بِهِ الِاصْطِفاءُ والِاجْتِباءُ والِاخْتِصاصُ، ووَجَّهَهم إلى وُجْهَةِ الِاتِّباعِ لِحَبِيبِهِ الَّذِي أحَبَّهُ، كَما قالَ ﷺ ”لَوْ أنَّ مُوسى بَيْنَ أظْهُرِكم ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي“ وإذا كانَ ذَلِكَ في مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في المُنْتَحِلِينَ لِمِلَّتِهِ ألْزَمَ بِما هم مُتَّبِعُونَ لِمُتَّبَعِهِ عِنْدَهُمْ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ لَمّا كانَ المَبْدَأ في الأبَدِ وجَبَ أنْ يَكُونَ النِّهايَةَ في المَعادِ، فَألْزَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الخَلِيقَةِ مِمَّنْ أحَبَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَتَّبِعُوهُ، وأجْرى ذَلِكَ عَلى لِسانٍ إشْعارًا بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والوُصُولِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن حَيْثُ إنَّهُ نَبِيُّ البُشْرى، ولِيَكُونَ ذَلِكَ أكْظَمَ لِمَن أبى اتِّباعَهُ - انْتَهى، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ مُخْلِصِينَ في حُبِّهِ لِاعْتِقادِ أنَّهُ عَلى غايَةِ الكَمالِ، فَإنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ (p-٣٣٤)﴿فاتَّبِعُونِي﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: قَدْ فَسَّرَ ﷺ ظاهِرَ اتِّباعِهِ فَقالَ ”فِي البِرِّ“ وأصْلُ حَقِيقَتِهِ الإيمانُ بِاللَّهِ والإيثارُ لِعِبادِهِ، والتَّقْوى وهي مِلاكُ الأمْرِ وأصْلُ الخَيْرِ، وهي اطِّراحُ اسْتِغْناءِ العَبْدِ بِشَيْءٍ مِن شَأْنِهِ، لا مِن مِلْكٍ ولا مِن مُلْكٍ ولا مِن فِعْلٍ ولا مِن وصْفٍ ولا مِن ذاتٍ حَتّى يَكُونَ عِنْدَهُ كَما هو عِنْدَ رَبِّهِ في أزَلِهِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا لِنَفْسِهِ لِيَكُونَ أمْرُهُ كُلُّهُ بِرَبِّهِ في وُجُودِهِ كَما كانَ أمْرُهُ بِرَبِّهِ قَبْلَ وُجُودِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ فُسِّرَ حَقُّ التُّقاةِ الَّتِي هي غايَةُ التَّقْوى بِأنْ يَكُونَ العَبْدُ يَشْكُرُ فَلا يَكْفُرُ، ويَذْكُرُ فَلا يَنْسى، ويُطِيعُ فَلا يَعْصِي. انْتَهى.
قالَ الإمامُ: المَحَبَّةُ تُوجِبُ الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى المَحْبُوبِ والإعْراضَ عَنْ غَيْرِهِ. انْتَهى. فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّتَهُ وخالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو كَذّابٌ، وكِتابُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى يُكَذِّبُهُ ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى حُبًّا ظَهَرَتْ أماراتُهُ بِما أعْلَمَ بِهِ الفَكُّ، فَإنَّ الأمْرَ المُنَجِّيَ غايَةَ النَّجاةِ إنَّما هو مَحَبَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْعَبْدِ، لا مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَتْ لَهُ حالَةٌ (p-٣٣٥)يَظُنُّ بِها أنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ والواقِعُ أنَّهُ لَيْسَ كَما ظَنَّ لِكَوْنِهِ يَعْمَلُ بِما يُسْخِطُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والأمارَةُ الصَّحِيحَةُ لِذَلِكَ رَدُّ الأمْرِ كُلِّهِ إلى اللَّهِ، وحِينَئِذٍ يَفْعَلُ اللَّهُ مَعَ العَبْدِ فِعْلَ المُحِبِّ مِن حُسْنِ الثَّناءِ والإكْرامِ بِالثَّوابِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَإنَّ مَن رَدَّ الأمانَةَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أحَبَّهُ اللَّهُ فَكانَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ ويَدَهُ ورِجْلَهُ، وإذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أراحَهُ وأنْقَذَهُ مِن مَنالِهِ في أنْ يَكُونَ هو يُحِبُّ اللَّهَ، فَمَن أحَبَّ اللَّهَ ولِهَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ سَكَنَ في ابْتِداءِ عِنايَتِهِ وثَبَّتَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. انْتَهى. فَقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى أنَّ الدَّلالَةَ النّاشِئَةَ عَنِ الرَّأْفَةِ مِنَ الإكْرامِ بِالنِّعَمِ مِنَ الهِدايَةِ بِالبَيانِ والإبْلاغِ في الإحْسانِ عامَّةٌ لِلْمَحْبُوبِ وغَيْرِهِ، وأنَّ الدَّلِيلَ عَلى المَحَبَّةِ الإلَهِيَّةِ هو الِاتِّباعُ الدّاعِي «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ فَأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ» «ما تَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِمْ، ولا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ» .
ولَمّا كانَ الدِّينُ شَدِيدًا لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، لِما عَلَيْهِ العَبْدُ مِنَ العَجْزِ والمَعْبُودُ مِن عَظِيمِ الأمْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ الإعْلامَ بِأنَّهُ مَعَ (p-٣٣٦)إيصالِ الثَّوابِ يَرْفَعُ العِقابَ فَقالَ - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن آيَةِ حُبِّ اللَّهِ لَهُ ﷺ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] أجْرى لِمَن أحَبَّهُ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ حَظًّا مِنهُ في قَوْلِهِ -: ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ مُطْلَقًا، وذَنْبَ كُلِّ عَبْدٍ بِحَسَبِهِ، لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الذَّنْبِ أدْنى مَقامِ العَبْدِ، فَكُلُّ ذِي مَقامٍ أعْلاهُ حَسَنَتُهُ وأدْناهُ ذَنْبُهُ، ولِذَلِكَ في كُلِّ مَقامٍ تَوْبَةٌ، حَتّى تَقَعَ التَّوْبَةُ مِنَ التَّوْبَةِ فَيَكْمُلَ الوُجُودُ والشُّهُودُ.
ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ مِن أخَصِّ ما يَقَعُ، وكانَ مِمّا دُونَهُ مَقاماتُ خَواصِّ الخَلْقِ فِيما بَيْنَ إسْلامِهِمْ إلى مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى خَتَمَ تَعالى بِما يُفْهِمُ أحْوالَ ما يَرْجِعُ إلى مَن دُونَ هَذا الكَمالِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لِمَن لَمْ يَنْتَهِ لِرُتْبَةِ حُبِّ اللَّهِ لَهُ بِما يَقَعُ في أثْناءِ أحْوالِهِ مِن مُوجِبِ المَغْفِرَةِ واسْتِدْعاءِ الرَّحْمَةِ حَيْثُ لَمْ يَصِلْ إلى المَحَبَّةِ، فَمَرْحُومٌ بَعْدَ مَغْفِرَةٍ وهو القاصِدُ، ومَغْفُورٌ بَعْدَ مَحَبَّةٍ وهو الواصِلُ. انْتَهى.
آل عمران 3:32
ولَمّا كانَ الِاتِّباعُ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَلَبَةٍ لا عَنْ طاعَةٍ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ الإذْعانِ فَقالَ - أوْ يُقالُ: لَمّا كانَ ﷺ في غايَةِ (p-٣٣٧)الرَّأْفَةِ بِالعِبادِ وكانَ يَعْلَمُ أنَّ آحادَ الأُمَّةِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَمالِ اتِّباعِهِ لِما لَهُ مَعَ العِصْمَةِ مِنَ الطَّبْعِ عَلى خِصالِ الكَمالِ كانَ كَأنَّهُ قالَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى كَمالِ اتِّباعِي؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْذِيرَيْنِ، في رُتْبَتَيْنِ أُولاهُما في الذِّكْرِ نَجاتَيْنِ مِن مُوجِبِ التَّحْذِيرَيْنِ، فَكانَ الِاتِّباعُ مُوجِبَ النَّجاةِ مِنَ التَّحْذِيرِ الثّانِي الباطِنِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ الرَّأْفَةُ، وكانَ الطّاعَةُ مُوجِبَ النَّجاةِ مِنَ التَّحْذِيرِ الأوَّلِ السّابِقِ، فَمَن أطاعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فِيما نَهى عَنْهُ مِنَ اتِّخاذِ وِلايَةِ الكافِرِينَ مِن دُونِ وِلايَةِ المُؤْمِنِينَ سَلِمَ مِنَ التَّحْذِيرِ الظّاهِرِ، ومَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ سَلِمَ مِنَ التَّحْذِيرِ الباطِنِ، فَخَتَمَ الخِطابَ بِما بِهِ بَدَأ، أوْ لَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الِاتِّباعِ عُلْيا ولِيَتْها رُتْبَةُ الِائْتِمارِ، فَهو إمّا مُتَّبِعٌ عَلى حُبٍّ وإمّا مُؤْتَمِرٌ عَلى طاعَةٍ، فَمَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الِاتِّباعِ فَلْيَكُنْ مِن أهْلِ الطّاعَةِ، فَكَأنَّ الخِطابَ يُفْهَمُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] فَإنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَتَّبِعُونِي فَأطِيعُونِي، انْتَهى فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيْ لِما لَهُ مِن صِفاتِ (p-٣٣٨)الكَمالِ. ولَمّا قَدَّمَ أنَّ رِضاهُ في اتِّباعِهِ ﷺ فَدَلَّ عَلى أنَّ الطّاعَتَيْنِ واحِدَةٌ قالَ مُوَحِّدًا لِلْعامِلِ: ﴿والرَّسُولَ﴾ أيِ الكامِلَ في الرُّسْلِيَّةِ لِما لَهُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن مَزايا الِاتِّصالِ، وهو وإنْ كانَ اسْمًا كُلِّيًّا لَكِنَّهُ كانَ حِينَ إنْزالِ هَذا الخِطابِ مُخْتَصًّا بِأكْمَلِ الخَلْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ المُرْسَلِ إلى الخَلْقِ كافَّةً عَلى أنَّ طاعَتَهُ طاعَةٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ بَيَّنُوا لِلنّاسِ أمْرَهُ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وسَلَّمَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ إشارَةُ ذَلِكَ إلى ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ التَّوَلِّي إلى ما يَنْتَظِمُ في مَعْنى ذَلِكَ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ يَكُونُ فِيهِ مَحُوطًا بِالرَّحْمَةِ مِن حَيْثُ ذُكِرَ الرَّسُولُ فِيهِ بِما هو رَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنْ طاعَةِ خِطابِ اللَّهِ والرَّسُولِ المَحْفُوفِ بِاللُّطْفِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والرَّحْمَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ. انْتَهى. و﴿تَوَلَّوْا﴾ يَحْتَمِلُ المُضارِعَ والمُضِيَّ، فَكانَ الأصْلُ في الكَلامِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ لا يُحِبُّكُمْ، أوْ: لا يُحِبُّهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ المُعْلِمَ بِأنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ فَقالَ: ﴿لا يُحِبُّ (p-٣٣٩)الكافِرِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أفْرَدَ لِلَّهِ لَمّا كانَ وعِيدًا، إبْقاءً لِرَسُولِهِ ﷺ في حَيِّزِ الرَّحْمَةِ.
ولَمّا نَفى عَمَّنْ تَوَلّى أنْ يُحِبَّهُ كانَ في إشْعارِهِ أنَّ هَذا الكُفْرَ عُمُومُ كُفْرٍ يُداخِلُ رُتَبًا مِنَ الإيمانِ مِن حَيْثُ نَفى عَنْهُ الحُبَّ فَنَفى مِنهُ ما يَنالُهُ العَفْوُ أوِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ ونَحْوُ ذَلِكَ بِحَسَبِ رُتَبِ تَناقُصِ الكُفْرِ، لِأنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، ومَن فِيهِ كُفْرٌ فَهو غَيْرُ مُسْتَوْفِي اتِّباعِ الرَّسُولِ بِما أنَّهُ الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ، وإنَّما يُحِبُّ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رَسُولَهُ، فَعادَ الخَتْمُ في الخِطابِ إلى إشْعارٍ مِن مَعْنى أوَّلِهِ وفي إلاحَتِهِ أنَّ حُبَّ اللَّهِ لِلْعَبْدِ بِحَسَبِ تَوْحِيدِهِ، فَكُلَّما كانَ أكْمَلَ تَوْحِيدًا كانَ أحَبَّ، وما سَقَطَ عَنْ رُتْبَةِ أدْنى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مَحَلُّ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ورَسُولِهِ ﷺ كانَ كُفْرًا بِحَسَبِ ما يُغَطِّي عَلى تِلْكَ الرُّتْبَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ، لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةٌ إلَهِيَّةٌ إيمانِيَّةٌ حِبِّيَّةٌ تَوْحِيدِيَّةٌ، فَخِطابُها مَخْصُوصٌ بِما يَجْرِي في حُكْمِ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ والمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ وكَشْفِ غِطاءِ الأعْيُنِ ورَفْعِ حُجُبِ القُلُوبِ. انْتَهى.
وقَدْ وضَحَ أنَّ الآيَةَ مِن الِاحْتِباكِ - فَأصْلُ نَظْمِها: فَإنْ تَوَلَّوْا (p-٣٤٠)فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهم لِكُفْرانِهِمْ، وإنْ أقْبَلُوا فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهم لِإيمانِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ واللَّهُ يُحِبُّ المُؤْمِنِينَ - إثْباتُ التَّوْلِيَةِ في الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ الإقْبالِ مِنَ الثّانِي، إثْباتُ الكَراهَةِ في الثّانِي يَدُلُّ عَلى حَذْفِ مِثْلِها في الأوَّلِ.
آل عمران 3:33
ولَمّا كانَ الأصْفِياءُ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الأحْبابِ بَيَّنَ بَعْضَ الأصْفِياءِ وما أكْرَمَهم بِهِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الشَّرِيفِ ”فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها“ تَنْبِيهًا لِوَفْدِ نَصارى نَجْرانَ وغَيْرِهِمْ عَلى أنَّهُ مِثْلَ ما اصْطَفى لِنَفْسِهِ دِينًا اصْطَفى لِلتَّخَلُّقِ بِهِ ناسًا يُحِبُّونَهُ ويُطِيعُونَهُ ويُوالُونَ أوْلِياءَهُ ويُعادُونَ أعْداءَهُ، ولَيْسُوا مِن صِفاتِ الكافِرِينَ في شَيْءٍ فَقالَ - أوْ يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَبَّهَ أفْعالَهُ في التَّشابُهِ وغَيْرِهِ بِأقْوالِهِ وعَرَّفَ أنَّ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ رَدُّ المُتَشابِهِ مِنها إلى الواضِحِ المُحْكَمِ والِالتِجاءُ في كَشْفِ المُشْكِلِ إلَيْهِ مَعَ الِاعْتِقادِ الجازِمِ المُسْتَقِيمِ، وبَيَّنَ أنَّ المُوقِفَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ الأقْوَمِ الوُقُوفُ مَعَ العَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ مَعَ الرِّئاسَةِ وغَيْرِها وألْفُ الدِّينِ مَعَ التَّعَلُّلِ فِيهِ (p-٣٤١)بِالتَّمَنِّي الفارِغِ، وأنْهى ذَلِكَ وتَوابِعَهُ إلى أنْ خَتَمَ بِتَهْدِيدِ مَن تَوَلّى عَنِ الحَقِّ أخَذَ في تَصْوِيرِ تَصْوِيرِهِ في الأرْحامِ كَيْفَ شاءَ بِما شُوهِدَ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَشُكَّ فِيهِ مِن أحْوالٍ أُناسٌ هم مِن خُلَّصِ عِبادِهِ المُقْبِلِينَ عَلى ما يُرْضِيهِ فَقالَ: أوْ يُقالُ ولَعَلَّهُ أحْسَنُ: ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أهْلَ الكِتابِ ما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ، وألْحَقَ بِهِ ما تَبِعَهُ إلى أنْ خَتَمَ بِالأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ وبِأنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ بِالتَّوَلِّي عَنْ رُسُلِهِ اشْتَدَّ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ الرُّسُلِ الآتِينَ بِالعِلْمِ الَّذِينَ تُوجِبُ مُخالَفَتُهُمُ الكُفْرَ فَبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ مَنزِلُ هَذِهِ السُّورَةِ لِإظْهارِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ في الخَلْقِ والأمْرِ قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ يَدَيْ إبانَةِ مُتَشابِهِ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجْهَ الِاصْطِفاءِ المُتَقَدِّمَ لِلْآدَمِيَّةِ ومَن مِنها مِنَ الذُّرِّيَّةِ لِتَظْهَرَ مُعادَلَةُ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آخِرًا لِمُتَقَدِّمِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلًا، حَتّى يَكُونا مَثَلَيْنِ مُحِيطَيْنِ بِطَرَفَيِ الكَوْنِ في عُلُوِّ رُوحِهِ ودُنُوِّ أدِيمِ تُرْبَتِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَّلَ (p-٣٤٢)الرُّوحَ إلى الخَلْقِ الآدَمِيِّ كَما قالَ
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وظَهَرَ أثَرُ ذَلِكَ اللَّبْسِ بِما وقَعَ لِأهْلِ الزَّيْغِ في عِيسى كَما أنَّهُ رَقّى الخَلْقَ الطِّينِيَّ رُتْبَةً رُتْبَةً إلى كَمالِ التَّسْوِيَةِ إلى أنْ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، فَكانَ تَرَقِّي الآدَمِيِّ إلى النَّفْخَةِ لِتَنْزِلَ الرُّوحُ إلى الطِّينَةِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي تَمَّ بِها وُجُودُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما كَمَّلَ وُجُودَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّفْخَةِ.
ولَمّا كانَ أصْلُ الإبْداءِ نُورًا عَلِيًّا نَزَّلَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى في رُتَبِ التَّطْوِيرِ والتَّصْيِيرِ والجَعْلِ إلى أنْ بَدَأ عالَمًا دُنْياوِيًّا مُحْتَوِيًا عَلى الأرْكانِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وخَفِيَتْ نُورانِيَّتُهُ في مَوْجُودِ أصْنافِهِ صَفّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن وُجُودِ كُلِّيَّةِ ذَلِكَ هَذا الخَلْقَ الآدَمِيَّ فَكانَ صَفِيَّ اللَّهِ، فَأنْبَأ الخِطابُ عَنْ تَصْيِيرِهِ إلى الصَّفاءِ بِالِافْتِعالِ؛ انْتَهى - فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ في إحاطَتِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿اصْطَفى﴾ أيْ لِلْعِلْمِ والرِّسالَةِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى خَلْقِهِ والخِلافَةِ لَهُ في مُلْكِهِ ﴿آدَمَ﴾ أباكُمُ الأوَّلَ الَّذِي لا تَشُكُّونَ في أنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، وهو تَنْبِيهٌ لِمَن غَلِطَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ أعْظَمَ ما اسْتَغْرَبُوا مِن عِيسى كَوْنُهُ مِن (p-٣٤٣)غَيْرِ ذَكَرٍ، وآدَمُ أغْرَبُ حالًا مِنهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن ذَكَرٍ ولا أُنْثى ولا مِن جِنْسِ الأحْياءِ - كَما سَيَأْتِي ذَلِكَ صَرِيحًا بَعْدَ هَذا التَّلْوِيحِ لِذِي الفَهْمِ الصَّحِيحِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فاصْطَفاهُ مِن كُلِّيَّةِ مَخْلُوقِهِ الَّذِي أبْداهُ مُلْكًا ومَلَكُوتًا خَلْقًا وأمْرًا، وأجْرى اسْمَهُ مِن أظْهَرِ ظاهِرِهِ الأرْضِيِّ وأدْنى أدْناهُ، فَسَمّاهُ آدَمَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، عَلى صِيغَةِ أفْعَلُ، الَّتِي هي نِهايَةُ كَمالِ الآدَمِيَّةِ والأدِيمِيَّةِ. فَكانَ مِمّا أظْهَرَ تَعالى في اصْطِفاءِآدَمَ ما ذَكَرَ جَوامِعَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أبانَ فَضْلَهُ لِلْمَلائِكَةِ وأراهم ما اخْتَصَّهُ بِهِ مِن سابِقِ العِلْمِ مِن حَيْثُ عَلَّمَهُ عِنْدَ اسْتِنْبائِهِ إيّاهُ أسْماءَ الأشْياءِ فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى آدَمَ مِحْرابًا وكَعْبَةً وبابًا وقِبْلَةً، أسْجَدَ لَهُ الأبْرارَ والرُّوحانِيِّينَ الأنْوارَ، ثُمَّ نَبَّهَ آدَمَ عَلى مُسْتَوْدَعِهِ وكَشَفَ لَهُ خَطَرَ ما ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ سَمّاهُ عِنْدَ المَلائِكَةِ إمامًا، فَكانَ تَنْبِيهُهُ عَلى خَطَرِ أمانَتِهِ ثَمَرَةَ اصْطِفائِهِ - انْتَهى ﴿ونُوحًا﴾ أباكُمُ الثّانِيَ الَّذِي أخْرَجَهُ مِن بَيْنِ أبَوَيْنِ شابَّيْنِ عَلى عادَتِكُمُ المُسْتَمِرَّةِ فِيكم. وقالَ الحَرالِّيُّ: أنْبَأ تَعالى أنَّهُ عَطَفَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اصْطِفاءً عَلى اصْطِفاءِ آدَمَ تَرَقِّيًا إلى كَمالِ الوُجُودِ الآدَمِيِّ وتَعالِيًا إلى الوُجُودِ الرُّوحِيِّ العِيسَوِيِّ، فاصْطَفى نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٣٤٤)بِما جَعَلَهُ أوَّلَ رَسُولٍ بِتَوْحِيدِهِ مِن حَيْثُ دَحَضَ الشِّرْكَ وأقامَ كَلِمَةَ الإيمانِ بِقَوْلِ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، لِما تَقَدَّمَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والأوْثانِ، فَكانَ هَذا الِاصْطِفاءُ اصْطِفاءً باطِنًا لِذَلِكَ الِاصْطِفاءِ الظّاهِرِ فَتَأكَّدَ الِاصْطِفاءُ وجَرى مَن أهْلَكَتْهُ طامَّةُ الطُّوفانِ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الذَّرِّ الآدَمِيِّ مَجْرى تَخْلِيصِ الصَّفاواتِ مِن خَثارَتِها، وكَما صَفّى آدَمَ مِنَ الكَوْنِ كُلِّهِ صَفّى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ووَلَدَهُ النّاجِينَ مَعَهُ مِن مَطْرَحِ الخَلْقِ الآدَمِيِّ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ولا في مُسْتَوْدَعِ ذَرارِيهِمْ صَفاوَةٌ تَصْلُحُ لِمَزِيَّةِ الإخْلاصِ الَّذِي اخْتُصَّ بِصَفْوَتِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فَكانَ مِيثاقُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قامَ بِهِ مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ورَفْضِ الأصْنامِ والطّاغُوتِ الَّتِي اتَّخَذَها الظَّلْمانِيُّونَ مِن ذَرِّ آدَمَ، فَتَصَفّى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ النُّورانِيُّونَ مِنهُ، فَكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن نَجا مَعَهُ صَفْوَةَ زَمانِهِ، كَما كانَ آدَمُ صَفْوَةَ حِينِهِ - انْتَهى. (p-٣٤٥)ولَمّا كانَ أكْثَرُ الأنْبِياءِ مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زادَ في تَعْظِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآلَ إبْراهِيمَ﴾ أيِ الَّذِينَ أوْجَدَ فِيهِمُ الخَوارِقَ ولا سِيَّما في إخْراجِ الوَلَدِ مِن بَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِما، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُهم لِأنَّهُ أحَدُهُمْ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وآلَ عِمْرانَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كَسائِرِ أقارِبِهِ مِنهُمْ،
آل عمران 3:34
وأفْصَحَ بِذَلِكَ إفْصاحًا جَلِيًّا في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أيْ فَهم كُلُّهم مِن بَنِي آدَمَ، لا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ، لا مَزِيَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأنْتُمْ لا تَشُكُّونَ فِيهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الخَصائِصِ مِمّا دُونَ أمَدِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَما لَكم لَمّا خَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى آلَ عِمْرانَ مِن بَيْنِ العالَمِينَ بِخَرْقِ العادَةِ فِيهِمْ بِإخْراجِ ولَدٍ مِن أُنْثى فَقَطْ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ لَمْ تَرُدُّوا ما لَمْ تَعْرِفُوا مِنهُ إلى ما تَعْرِفُونَ مِنَ الخَوارِقِ حَتّى انْجَلى لَكم واتَّضَحَ لَدَيْكُمْ؟ بَلْ أشْكَلَ عَلَيْكم وقامَتْ فِيكم قِيامَتُكم بِما يُفْضِي إلى الشَّكِّ في قُدْرَةِ الإلَهِ الَّذِي لا تَشُكُّونَ أنَّ مَن شَكَّ في تَمامِ قُدْرَتِهِ كَفَرَ. (p-٣٤٦)وقالَ الحَرالِّيُّ: فَإثْباتُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِتَشابُهٍ وتَماثُلٍ تَتَعالى عَنْ نَحْوِهِ الإلَهِيَّةُ، فَأبانَ هَذا الخِطابُ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اصْطِفاءً مِن جُمْلَةِ هَذا الِاصْطِفاءِ، فَكَما لَمْ يَقَعْ فِيمَن سِواهُ لَبْسٌ مِن أمْرِ الإلَهِيَّةِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ فِيهِ هو أيْضًا لَبْسٌ لِمَن يَتَلَقَّنُ بَيانَ الإحْكامِ والتَّشابُهِ مِنَ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا وأظْهَرَ الخَلْقَ بادِيًا ومُلْتَبِسًا انْتَهى. وقَدْ عادَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا الخِطابِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ إلى قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها في المُجادَلَةِ في أمْرِهِ والإخْبارِ عَنْ حَمْلِهِ ووِلادَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ الإلَهُ عَنْها، وكَراماتِهِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا لِلْقُرَّبِ، فَأخْبَرَ أوَّلًا عَنْ حالِ أُمِّهِ وأُمِّها وأُخْتِها وما اتَّفَقَ لَهُنَّ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِوُقُوعِ مِثْلِها مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَن كَفَرَ بِرَفْعِهِ فَوْقَ طَوْرِهِ، ثُمَّ شَرَعَ في قَصِّ أمْرِهِ حَتّى لَمْ يَدَعْ فِيهِ لَبْسًا بِوَجْهٍ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: في التَّعْبِيرِ عَنِ اصْطِفاءِ إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إشْعارِ الخِطابِ اخْتِصاصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٣٤٧)بِما هو أخَصُّ مِن هَذا الِاصْطِفاءِ مِن حَيْثُ انْتَظَمَ في سِلْكِهِ آلُهُ لِاخْتِصاصِهِ هو بِالخَلَّةِ الَّتِي لَمْ يَشْرَكْهُ فِيها أهْلُ هَذا الِاصْطِفاءِ، فاخْتَصَّ نَمَطَ هَذا الِاصْطِفاءِ بِآلِهِ، وهم - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - إسْحاقُ ويَعْقُوبُ والعِيصُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن هو مِنهم مِن ذُرِّيَّتِهِمْ لِأنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتَصَّ بِالوَصْلَةِ بَيْنَ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ ومُحَمَّدٍ الحَبِيبِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مُتَرَقّى ما هو لَهم مِن وراءِ هَذا الِاصْطِفاءِ، ولِأنَّ إنْزالَ هَذا الخِطابِ لِخَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو مِن ولَدِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يُذْكَرُ، وداوُدُ مِن سِبْطِ لاوِي بْنِ إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يُنْسَبُ، فَلِذَلِكَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - جَرى هَذا الِاصْطِفاءُ عَلى آلِهِ، فَظَهَرَ مِن مَزِيَّةِ هَذا الِاصْطِفاءِ لِآلِهِ ما كانَ مِنَ اصْطِفاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّكْلِيمِ وإنْزالِ الكِتابِ السّابِقِ
﴿يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] فَكانَ هَذا الِاصْطِفاءُ اسْتِخْلاصَ صَفاوَةٍ مِن صَفاوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَخْلَصِينَ مِن صَفاوَةِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وآلُ عِمْرانَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - مَرْيَمُ وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَقَعَ الِاصْطِفاءُ في نَمَطٍ يَتَّصِلُ مِن آدَمَ إلى عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ (p-٣٤٨)والسَّلامُ لِيَحُوزُوا طَرَفَيِ الكَوْنِ رُوحًا وسُلالَةً، و(العالَمُونَ) عَلَمُ اللَّهِ الَّذِي لَهُ المُلْكُ، فَكَما أنَّ المَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن عَلَمٍ يُعْلَمُ بِهِ بُدُوُّهُ وظُهُورُهُ جَعَلَ اللَّهُ ما أبْداهُ مِن خَلْقِهِ عَلَمًا عَلى ظُهُورِ مُلْكِهِ بَيْنَ يَدَيْ ظُهُورِ خَلْقِهِ في غايَةِ يَوْمِ الدِّينِ عامًّا، وفي يَوْمِ الدُّنْيا لِمَن شاءَ مِن أهْلِ اليَقِينِ والعِيانِ خاصًّا، وأعْلى مَعْناهُ بِما ظَهَرَ في لَفْظِهِ مِنَ الألِفِ الزّائِدَةِ عَلى لَفْظِ العِلْمِ، فاصْطَفى سُبْحانَهُ وتَعالى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المَوْجُودِينَ في وقْتِهِ، وكَذَلِكَ نُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ كُلًّا عَلى عالَمِ زَمانِهِ، ومَن هو بَعْدُ في غَيْبٍ لَمْ تَبْدُ صُورَتُهُ في العالَمِ العِيانِيِّ لَمْ يَلْحَقْهُ بَعْدُ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ اسْمُ العالَمِ وأشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذِكْرِ الذُّرِّيَّةِ مِن مَعْنى الذَّرْءِ الَّذِي هو مَخْصُوصٌ بِالخَلْقِ لِيَظْهَرَ انْتِظامُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سِلْكِ الجَمِيعِ ذَرْءًا، وأنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ الذَّرْءِ لَبْسُ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أحَدٌ، فَكانَ نَصْبُ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ تَكْيِيفًا لِهَذا الِاصْطِفاءِ المُسْتَخْلَصِ عَلى وجْهِ الذَّرِّ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ النُّحاةُ حالًا. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَؤُلاءِ الَّذِينَ اصْطَفاهُمْ، وكانَ مَدارُ (p-٣٤٩)أمْرِ الِاصْطِفاءِ عَلى العِلْمِ، ومَدارُ ما يُقالُ لَهم وفِيهِمْ مِمّا يَكُونُ كُفْرًا أوْ إيمانًا عَلى السَّمْعِ خَتَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى الآيَةَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ بِإحاطَتِهِ ما يُرِيدُ: ﴿واللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أيِ المُحِيطُ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ اصْطَفاهم عَلى تَمامِ العِلْمِ بِهِمْ تَرْغِيبًا في أحْوالِهِمْ والِاقْتِداءِ بِأفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ.
آل عمران 3:35
ولَمّا كانَ جُلُّ المَقْصُودِ هُنا بَيانَ الكَراماتِ في آلِ عِمْرانَ لا سِيَّما في الوِلادَةِ، وكانَ آدَمُ المُمَثَّلُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أمْرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ سُورَةِ الكِتابِ المُثْمِرِ لِلْعِلْمِ، وكَذا بَيانُ كَثِيرٍ مِمّا اصْطَفى بِهِ إبْراهِيمَ وآلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ كانَ مُعْظَمُ القَصْدِ بِالكَلامِ لِذُرِّيَّتِهِ، وكانَ مُعْظَمُ المَقْصُودِ مِن ذِكْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنَهُ في عَمُودِ النَّسَبِ، ولَيْسَ في أمْرِ وِلادَتِهِ ما هو خارِجٌ عَنِ العادَةِ قالَ طاوِيًا لِمَن قَبْلُ: ﴿إذْ﴾ أيِ اذْكُرْ جَوابًا لِمَن يُجادِلُكَ في أمْرِهِمْ ويَسْألُكَ عَنْ حالِهِمْ حِينَ ﴿قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ وهي حامِلٌ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ مَن ذُكِرَ في الِاصْطِفاءِ إنَّما ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَصَّ التَّفْصِيلُ بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ سائِرِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ، وكانَ في هَذِهِ المُناظَرَةِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ حَظٌّ مِنَ التَّكافُؤِ مِن حَيْثُ ذَكَرَ أمْرَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٣٥٠)فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، فَذَكَرَ خَلْقَ المَثَلِ المُناظِرِ لَهُ في السُّورَةِ المُناظِرَةِ لِسُورَةِ البَقَرَةِ وهي هَذِهِ السُّورَةُ، فَعادَ تَوْقِيتُ هَذا القَوْلِ إلى غايَةِ هَذا الِاصْطِفاءِ، فَأنْبَأ عَنِ ابْتِداءِ ما اخْتَصَّ مِنهُ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِ أُمِّ مَرْيَمَ امْرَأةِ عِمْرانَ حِينَ أجْرى عَلى لِسانِها وأخْطَرَ بِقَلْبِها أنْ تَجْعَلَ ما في بَطْنِها نَذْرًا، فَفَصَّلَ ما بِهِ خَتَمَ مِنَ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، ولِذَلِكَ عُرِّفَتْ أُمُّ مَرْيَمَ في هَذا الخِطابِ بِأنَّها امْرَأةُ عِمْرانَ لِيَلْتَئِمَ التَّفْصِيلُ بِجُمْلَتِهِ السّابِقَةِ ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ وكانَ نَذْرُ الوَلَدِ شائِعًا في بَنِي إسْرائِيلَ إلّا أنَّهُ كانَ عِنْدَهم مَعْهُودًا في الذُّكُورِ لِصَلاحِهِمْ لِسَدانَةِ بَيْتِ اللَّهِ والقِيامِ بِهِ، فَأكْمَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَرْيَمَ لِما كَمُلَ لَهُ الرِّجالُ - كَما قالَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ» فَذَكَرَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ عَلَيْها السَّلامُ، فَكانَ مِن كَمالِها خُرُوجُ والِدَتِها عَنْها، وكانَ أصْلُهُ مِنَ الأُمِّ الَّتِي لَها الإشْفاقُ، فَكانَ خُرُوجُها أكْمَلَ مِن خُرُوجِ الوَلَدِ لِأنَّها لَها في زَمَنِ الحَمْلِ والرَّضاعِ والتَّرْبِيَةِ إلى أنْ يَعْقِلَ الوَلَدُ أباهُ فَحِينَئِذٍ يَتَرَقّى إلى حِزْبِ أبِيهِ، ولِذَلِكَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - أُرِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَبْحَ ولَدِهِ عِنْدَ تَمْيِيزِهِ، وخَرَجَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ عَنْ حَمْلِها وهو في بَطْنِها حِينَ ما هو أعْلَقُ بِها - (p-٣٥١)انْتَهى. ونَذَرَتْهُ لِلَّهِ تَعالى حالَ كَوْنِهِ ﴿مُحَرَّرًا﴾ أيْ لا اعْتِراضَ ولا حُكْمَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلَيْهِ، قالَ الحَرالِّيُّ: والتَّحْرِيرُ طَلَبُ الحُرِّيَّةِ، والحُرِّيَّةُ رَفْعُ اليَدِ عَنِ الشَّيْءِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وفي الإتْيانِ بِصِيغَةِ التَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ إشْعارٌ بِمُضِيِّ العَزِيمَةِ في قَطْعِ الوِلايَةِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ لِتُسَلِّمَ وِلايَتَهُ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ ولَمّا كانَ حُسْنُ إجابَةِ المَهْتُوفِ بِهِ المُلْتَجَإ إلَيْهِ عَلى حَسَبِ إحاطَةِ سَمْعِهِ وعِلْمِهِ عَلَّلَتْ سُؤالَها في التَّقَبُّلِ بِأنْ قَصَرَتِ السَّمْعَ والعِلْمَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقالَتْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ وحْدَكَ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَقالَتْ كَما قالَ سَلَفُها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧] أيْ فَلا يَسْمَعُ أحَدٌ قَوْلِي مِثْلَ سَمْعِكَ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ نِيَّتِي مِثْلَ عِلْمِكَ ولا أنا، فَإنْ كانَ فِيهِما شَيْءٌ لا يَصْلُحُ فَتَجاوَزْ عَنْهُ.
آل عمران 3:36
ولَمّا أخْبَرَ بِما اقْتَضى مُضِيُّ عَزْمِها قَبْلَ الوَضْعِ أخْبَرَ بِتَحْقِيقِهِ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ﴾ أيْ تَحَسُّرًا ذاكِرَةً وصْفَ الإحْسانِ اسْتِمْطارًا لِلِامْتِنانِ ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الوَضْعِ وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ المُسْتَثْقَلِ ﴿أُنْثى﴾ هي أدْنى زَوْجَيِ الحَيَوانِ المُتَناكِحِ - انْتَهى. (p-٣٥٢)ولَمّا كانَ الإخْبارُ عادَةً إنَّما هو لِمَن لا يَعْلَمُ الخَبَرَ بَيَّنَتْ أنَّ أمْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِإخْبارِهِ لَيْسَ مَضْمُونَ الخَبَرِ وإنَّما هو شَيْءٌ مِن لَوازِمِهِ وهُنا التَّحَسُّرُ فَقالَتْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْجِيبَ مِن هَذِهِ المَوْلُودَةِ بِأنَّها مِن خَوارِقِ العاداتِ عَبَّرَتْ عَنْها بِما فَقالَتْ: ﴿أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وعَبَّرَتْ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الخِطابِ إشارَةً إلى السُّؤالِ في أنْ يَهَبَها مِن كَمالِهِ ويَرْزُقَها مِن هَيْبَتِهِ وجَلالِهِ، وفي قِراءَةِ إسْكانِ التّاءِ الَّذِي هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْها - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - إلاحَةُ مَعْنى أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ ظاهِرُها الأُنُوثَةَ فَفِيها حَقِيقَةُ المَعْنى الَّذِي ألْحَقَها بِالرِّجالِ في الكَمالِ، حَتّى كانَتْ مِمَّنْ كَمُلَ مِنَ النِّساءِ لِما لا يَصِلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن رِجالِ عالَمِها، فَكانَ في إشْعارِهِ أنَّ المَوْضُوعَ كانَ ظاهِرُهُ ذَكَرًا وحَقِيقَتُهُ أُنْثى.
ولَمّا كانَ مَقْصُودُها مَعَ إمْضاءِ نَذْرِها بَعْدَ تَحَقُّقِ كَوْنِها أُنْثى التَّحَسُّرَ عَلى ما فاتَها مِنَ الأجْرِ في خِدْمَةِ البَيْتِ المُقَدَّسِ بِما يُقابِلُ فَضْلَ قُوَّةِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى وصَلاحِيَتَهُ لِلْخِدْمَةِ في كُلِّ أحْوالِهِ قالَتْ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ﴾ (p-٣٥٣)أيِ الَّذِي هو مُعْتادٌ لِلنَّذْرِ وكُنْتُ أُحِبُّ أنْ تَهَبَهُ لِي لِأفُوزَ بِمِثْلِ أجْرِهِ في هَذا الفَرْضِ في قُوَّتِهِ وسَلامَتِهِ مِنَ العَوارِضِ المانِعَةِ مِنَ المُكْثِ في المَسْجِدِ ومُخالَطَةِ القَوْمَةِ ﴿كالأُنْثى﴾ الَّتِي وضَعْتُها، وهي داخِلَةٌ في عُمُومِ النَّذْرِ بِحُكْمِ الإطْلاقِ في الضَّعْفِ وعارِضِ الحَيْضِ ونَحْوِهِ فَلا يَنْقُصُ يا رَبُّ أجْرِي بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَوْ قالَتْ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ، لَفُهِمَ أنَّ مُرادَها أنَّ نَذْرَها لَمْ يَشْمَلْها فَلا حَقَّ لِلْمَسْجِدِ فِيها مِن جِهَةِ الخِدْمَةِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِ هَذا القَوْلِ تَفَصُّلٌ مِمّا تَتَخَوَّفُهُ أنْ لا يَكُونَ ما وضَعَتْهُ كَفافًا لِنَذْرِها، لِما شَهِدَتْ مِن ظاهِرِ أُنُوثَةِ ما وضَعَتْ، فَجَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها أكْمَلَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عَزِيمَتُها مِن رُتْبَةِ الذُّكُورَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْهَدُها، فَكانَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ أتَمَّ مِن مَعْهُودِ نَذْرِها مَزِيدَ فَضْلٍ مِن رَبِّها عَلَيْها بَعْدَ وفاءِ حَقِيقَةِ مَقْصُودِها في نَذْرِها. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كالحالِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهُ إذا أُسْكِنَتِ التّاءُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ كَذا والحالُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ مِنها بِما وضَعَتْ، والحالُ أيْضًا أنَّهُ لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي أرادَتْهُ بِحُكْمِ مُعْتادِ النَّذْرِ كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ لَها فَدَخَلَتْ فِيهِ بِحُكْمِ إطْلاقِهِ، (p-٣٥٤)بَلْ هي أعْلى، لِأنَّ غايَةَ ما تَعْرِفُهُ مِنَ المَنذُورِينَ أنْ يَكُونَ كَأنْبِيائِهِمُ المُقَرِّرِينَ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وهَذِهِ الأُنْثى مَعَ ما لَها مِنَ العُلُوِّ في نَفْسِها سَتَكُونُ سَبَبًا في السُّؤالِ في نَبِيٍّ هو أعْظَمُ أنْبِيائِهِمْ، وتَلِدُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، ثُمَّ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِأعْظَمِ الشَّرائِعِ.
ولَمّا تَمَّ ما قالَتْهُ عِنْدَ الوَضْعِ أوْ قالَهُ اللَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ أتَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى الخَبَرَ عَنْ بَقِيَّةِ كَلامِها وأنَّها عَدَلَتْ عَنْ مَظْهَرِ الجَلالَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقِ أهْلِ الحَضْرَةِ، وأكَّدَتْ إعْلامًا بِشِدَّةِ رَغْبَتِها في مَضْمُونِ كَلامِها فَقالَ حاكِيًا: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ ومَعْنى هَذا الِاسْمِ بِلِسانِهِمُ: العابِدَةُ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن جاءَ بِشَيْءٍ أوْ قَرَّبَهُ فَحَقُّهُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ اسْمًا، ورَدَ أنَّ السَّقْطَ إذا لَمْ يُسَمَّ يُطالِبُ مَن حَقُّهُ أنْ يُسَمِّيَهُ فَيَقُولُ: يا رَبُّ! أضاعُونِي، فَكانَ مِن تَمامِ أنْ وضَعَتْها أنْ تُسَمِّيَها، فَيَكُونَ إبْداؤُها لَها وضْعَ عَيْنٍ وإظْهارَ اسْمٍ، لِما في وُجُودِ الِاسْمِ مِن كَمالِ الوُجُودِ في السَّمْعِ كَما هو في العَيْنِ، لِيَقَعَ التَّقَرُّبُ والنَّذْرُ بِما هو كامِلُ الوُجُودِ عَيْنًا واسْمًا.
ولَمّا كانَتْ مُحَرَّرَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ حَقًّا أنْ يُجْرِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إعاذَتَها قَوْلًا كَما هو جاعِلُها مُعاذَةً كَوْنًا مِن حَيْثُ هي لَهُ، وما (p-٣٥٥)كانَ في حِمى المَلِكِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ طَرِيدَةٌ فَقالَتْ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وذُرِّيَّتَها﴾ إشْعارٌ بِما أُوتِيَتْهُ مِن عِلْمٍ بِأنَّها ذاتُ ذُرِّيَّةٍ، فَكَأنَّها نَطَقَتْ عَنْ غَيْبٍ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَهو مُعْلِمُهُ لِمَن شاءَ.
ولَمّا كانَ مَن في حِصْنِ المَلِكِ وحِرْزِهِ بِجِوارِهِ بَعِيدًا مِمَّنْ أحْرَقَهُ بِنارِ البُعْدِ وأهانَهُ بِالرَّجْمِ حَقَّقَتِ الإعاذَةَ بِقَوْلِها: ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي هَذا التَّخْلِيصِ لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالإعاذَةِ ولِذُرِّيَّتِها حَظٌّ مِنَ التَّخْلِيصِ المُحَمَّدِيِّ لَمّا شُقَّ صَدْرُهُ ونُبِذَ حَظُّ الشَّيْطانِ مِنهُ وغُسِلَ قَلْبُهُ بِالماءِ والثَّلْجِ في البِدايَةِ الكَوْنِيَّةِ، وبِماءِ زَمْزَمَ في البِدايَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ الكَوْنِيِّ، فَلِذَلِكَ كانَ لِمَرْيَمَ ولِذُرِّيَّتِها بِمُحَمَّدٍ ﷺ اتِّصالٌ واصِلٌ؛ قالَ ﷺ: «أنا أوْلى النّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، مِن أجْلِ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وبِما هو حَكَمٌ أمامَهُ في خاتِمَةِ يَوْمِهِ وقائِمٌ مِن قَوْمَةِ دِينِهِ» .
آل عمران 3:37
(p-٣٥٦)ولَمّا أخْبَرَ بِدُعائِها أخْبَرَ بِإجابَتِها فِيهِ فَقالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها﴾ فَجاءَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ مُطابَقَةً لِقَوْلِها ﴿فَتَقَبَّلْ﴾ [آل عمران: ٣٥] فَفِيهِ إشْعارٌ بِتَدَرُّجٍ وتَطَوُّرٍ وتَكَثُّرٍ، كَأنَّهُ يَشْعُرُ بِأنَّها مَزِيدٌ لَها في كُلِّ طَوْرٍ تَتَطَوَّرُ إلَيْهِ، مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فاقْبَلْ مِنِّي فَلَمْ تَكُنْ إجابَتُهُ ”فَقَبْلها“، فَيَكُونُ إعْطاءً واحِدًا مُنْقَطِعًا عَنِ التَّواصُلِ والتَّتابُعِ، فَلا تَزالُ بَرَكَةُ تَحْرِيرِها مُتَجَدِّدًا لَها في نَفْسِها وعائِدًا بَرَكَتُهُ عَلى أُمِّها حَتّى تَتَرَقّى إلى العُلُوِّ المُحَمَّدِيِّ فَيَتَكَوَّنَ في أزْواجِهِ ومَن يَتَّصِلُ بِهِ. انْتَهى.
وجاءَ بِالوَصْفِ المُشْعِرِ بِالإحْسانِ مُضافًا إلَيْها إبْلاغًا في المَعْنى فَقالَ: ﴿رَبُّها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وظَهَرَ سِرُّ الإجابَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ”بِتَقَبُّلٍ“ - جَرْيًا عَلى الأوَّلِ.
ولَمّا أنْبَأ القَبُولُ عَنْ مَعْنى ما أُولِيَتْهُ باطِنًا أنْبَأ الإنْباتُ عَمّا أُولِيَتْهُ ظاهِرًا في جِسْمانِيَّتِها، وفي ذِكْرِ الفِعْلِ مِن ”أفْعَلَ“ في قَوْلِهِ: (p-٣٥٧)﴿وأنْبَتَها﴾ والِاسْمِ مِن ”فَعَلَ“ في قَوْلِهِ: ﴿نَباتًا حَسَنًا﴾ إعْلامٌ بِكَمالِ الأمْرَيْنِ مِن إمْدادِها في النُّمُوِّ الَّذِي هو غَيْبٌ عَنِ العُيُونِ وكَمالِها في ذاتِيَّةِ النَّباتِ الَّذِي هو ظاهِرٌ لِلْعَيْنِ، فَكَمُلَ في الإنْباءِ والوُقُوعِ حُسْنُ التَّأْثِيرِ وحُسْنُ الأثَرِ، فَأعْرَبَ عَنْ إنْباتِها ونَباتِها مَعْنىً حَسَنًا. انْتَهى. فَوَقَعَ الجَوابُ لِأنَّها عِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِها عَلى ما وقَعَ سُؤالُها فِيهِ، فَلَقَدْ ضَلَّ وافْتَرى مَن قَذَفَها وبَهَتَها، وكَفَرَ وغَلا مَنِ ادَّعى في ولَدِها مِنَ الإطْراءِ ما ادَّعى.
وقالَ الحَرالِّيُّ: وقَدْ أنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الخاصَّةِ بِقِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَقَبُّلِها وإنْباتِها وحُسْنِ سِيرَتِها بِما نَفى اللَّبْسَ في أمْرِها وأمْرِ ولَدِها، لِأنَّ المَخْصُوصَ بِمَنزِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما هو في بَيانِ رَفْعِ اللَّبْسِ الَّذِي ضَلَّ بِهِ النَّصارى، فَيَذْكُرُ في كُلِّ سُورَةٍ ما هو الألْيَقُ والأوْلى بِمَخْصُوصِ مَنزِلِها، فَلِذَلِكَ يَنْقُصُ الخِطابَ في القِصَّةِ الواحِدَةِ في سُورَةٍ ما يَسْتَوْفِيهِ في سُورَةٍ أُخْرى لِاخْتِلافِ مَخْصُوصِ مَنزِلِها، كَذَلِكَ الحالُ في القِصَصِ المُتَكَرِّرَةِ في القُرْآنِ مِن قِصَصِ الأنْبِياءِ وما ذَكَرَ فِيهِ لِمَقْصِدِ التَّرْغِيبِ والتَّثْبِيتِ والتَّحْذِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَّنْبِيهِ - انْتَهى، وفِيهِ تَصَرُّفٌ. (p-٣٥٨)ولَمّا كانَ الصَّغِيرُ لا بُدَّ لَهُ فِيما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن كَبِيرٍ يَتَوَلّى أمْرَهُ قالَ: ﴿وكَفَّلَها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الكَفْلِ وهو حِياطَةُ الشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ حَتّى يَصِيرَ عَلَيْهِ كالفَلَكِ الدّائِرِ ﴿زَكَرِيّا﴾ وفي قِراءَةِ التَّشْدِيدِ إنْباءٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو في الحَقِيقَةِ كَفِيلُها بِما هو تَقَبَّلَها، وفِيهِ اسْتِخْلاصٌ لِزَكَرِيّا مِن حَيْثُ جَعَلَهُ يَدَ وكالَةٍ لَهُ فِيها. انْتَهى.
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الكَفِيلِ القِيامُ بِما يَعْجِزُ عَنْهُ المَكْفُولُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ تِلْكَ الكَفالَةَ إنَّما كانَتْ جَرْيًا عَلى العَوائِدِ وأنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّ تَقَبُّلَ اللَّهِ لَها أغْناها عَنْ سِواهُ فَقالَ في جَوابِ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ: ما فَعَلَ في كَفالَتِها؟: ﴿كُلَّما﴾ أيْ كانَ كُلَّما ﴿دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ أيْ مَوْضِعَ العِبادَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو صَدْرُ البَيْتِ ومُقَدَّمُهُ الَّذِي لا يَكادُ يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بِفَضْلٍ مِنهُ وقُوَّةٍ وجُهْدِ حَرْبٍ ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ وذَلِكَ كَما وُجِدَ عِنْدَ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِطْفُ العِنَبِ - كَما سَيَأْتِي في آخِرِ المائِدَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ أيْ مِن أوَّلِها إلاحَةٌ لِمَعْنى حُسْنِ كَفالَتِهِ (p-٣٥٩)وأنَّهُ كانَ يَتَفَقَّدُها عِنْدَ تَقْدِيرِ حاجَتِها إلى الطَّعامِ بِما تُفِيدُهُ كَلِمَةُ ﴿كُلَّما﴾ مِنَ التَّكْرارِ، فَيَجِدُ الكَفِيلُ الحَقَّ قَدْ عاجَلَها بِرِزْقٍ مِن غَيْبٍ بِما هو سُبْحانَهُ وتَعالى المُتَوَلِّي لِإنْباتِها لِيَكُونَ نَباتُها مِن غَيْبِ رِزْقِهِ فَتَصْلُحَ لِنَفْخِ رُوحِهِ ومُسْتَوْدَعِ كَلِمَتِهِ، ولا يَلْحَقَها بَعْدَ الإعاذَةِ ما فِيهِ مَسٌّ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ الَّذِي أعاذَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنهُ بِكَثْرَةِ الِاخْتِلاطِ في مَوْجُوداتِ الأرْزاقِ، فَكانَ مِن حِفْظِها أنْ تَوَلّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أرْزاقَها مِن غَيْبٍ إلّا ما يُطَيِّبُهُ مَن بادَ، ولِيَكُونَ حُسْنُ نَباتِها مِن أحْسَنِ رِزْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يُقالُ: مَن غُذِّيَ بِطَعامِ قَوْمٍ غُذِّيَ بِقُلُوبِهِمْ ومَن غُذِّيَ بِقُلُوبِهِمْ آلَ إلى مُنْقَلَبِهِمْ، وكانَتْ هي مِثْلَ ما كَفَلَها كافِلُها ظاهِرًا كَفَلَتْهُ باطِنًا حِينَ أبْدى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مِن أمْرِهِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ بَدا لَهُ، فَكانَ لِمَرْيَمَ عَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ تَوْطِئَةٌ في رِزْقِها لِما يَكُونُ كَمالُهُ في حَمْلِها فَيَكُونُ رِزْقُها بِالكَلِمَةِ ابْتِداءً لِيَكُونَ حَمْلُها بِالكَلِمَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوَ ما عايَنَ لَها مِن أنْ يَرْزُقَهُ الوَلَدَ في غَيْرِ إبّانِهِ كَما رَزَقَ مَرْيَمَ الرِّزْقَ في غَيْرِ أوانِهِ، وفي (p-٣٦٠)تَعْيِينِ مَحَلِّها بِالمِحْرابِ ما يُلِيحُ مَعْنى ما ذُكِرَ مِن رُجُولِيَّتِها باطِنًا مِن حَيْثُ إنَّ مَحَلَّ النِّساءِ أنْ يَتَأخَّرْنَ فَأبْدى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في مَحَلِّها ذِكْرَ المِحْرابِ إشارَةً بِكَمالِها، والمِحْرابُ صَدْرُ البَيْتِ المُتَّخَذُ لِلْعِبادَةِ، وفي لُزُومِها لِمِحْرابِها في وقْتِ تَناوُلِ الرِّزْقِ إعْلامٌ بِأنَّ الحَبِيسَ والمُعْتَكِفَ بَيْتُهُ مِحْرابُهُ ومِحْرابُهُ بَيْتُهُ، بِخِلافِ مَن لَهُ مُتَّسَعٌ في الأرْضِ ومَحَلٌّ مِن غَيْرِ بَيْتِ اللَّهِ، إنَّما المَساجِدُ بُيُوتُ أهْلِ اللَّهِ المُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ، فَهو مَحَلُّهم في صَلاتِهِمْ ومَحَلُّهم في تَناوُلِ أرْزاقِهِمْ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِحُضُورِها، وحُضُورُ أهْلِ العُكُوفِ حُضُورٌ سَواءٌ في صَلاتِهِمْ وطَعامِهِمْ، ولِذَلِكَ أنْمى حالُ العَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ بِما هو عَلَيْهِ في حالِ تَناوُلِ طَعامِهِ وشَرابِهِ، فَأهْلُ اللَّهِ سَواءٌ مَحْياهم ومَماتُهم وأكْلُهم وصَلاتُهُمْ، مَن غَفَلَ عِنْدَ طَعامِهِ قَلْبُهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَحْضُرَ في صَلاتِهِ قَلْبُهُ، ومَن حَضَرَ عِنْدَ طَعامِهِ قَلْبُهُ لَمْ يَغِبْ في صَلاتِهِ قَلْبُهُ، وفي ذِكْرِ الرِّزْقِ شائِعًا إشْعارٌ بِأنَّها أنْواعٌ مِن أرْزاقٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَوِ اخْتَصَّ يَخُصُّ بِهِ ما هو أخَصُّ مِن هَذا الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ يَقُولُ لَها إذا رَأى ذَلِكَ؟ قِيلَ: (p-٣٦١)كانَ كُلَّما وجَدَ ذَلِكَ، أوْ: لَمّا تَكَرَّرَ وِجْدانُهُ لِذَلِكَ ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى﴾ أيْ مِن أيْنَ ﴿لَكِ هَذا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: كَلِمَةُ أنّى تُشْعِرُ بِاسْتِغْرابِهِ وُجُودَ ذَلِكَ الرِّزْقِ مِن وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ: مِن جِهَةِ الزَّمانِ أنَّهُ لَيْسَ زَمانَهُ، ومِن جِهَةِ المَكانِ أنَّهُ لَيْسَ مَكانَهُ، ومِن جِهَةِ الكَيْفِ ووُصُولِهِ إلَيْها أنَّهُ لَيْسَ حالَهُ، وفي ذِكْرِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إيذانٌ بِنَظَرِها إلى مَجْمُوعِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الرِّزْقِ لا إلى أعْيانِهِ، فَهو إنْباءٌ عَنْ رُؤْيَةِ قَلْبٍ، لا عَنْ نَظَرِ عَيْنٍ لِأنَّ هو كَلِمَةُ إضْمارٍ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما تَفَصَّلَتْ صُوَرُهُ مِمّا اتَّحَدَ مُضْمَرُهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ مِن مَعْهُودِ ما أظْهَرَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ مِمّا يُجْرِيهِ عَلى مُعالَجاتِ أيْدِي الخَلْقِ قالَتْ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ، لِأنَّ ما خَرَجَ مِن مَعْهُودِ مُعالَجَةِ الحِكْمَةِ فَهو مِن عِنْدِهِ، وما كانَ مُسْتَغْرَبًا فِيما هو مِن عِنْدِهِ فَهو مِن لَدُنْهُ، فَهي ثَلاثُ رُتَبٍ: رُتْبَةُ لَدُنِيَّةٍ، ورُتْبَةُ عِنْدِيَّةٍ، ورُتْبَةُ حِكْمِيَّةٍ عادِيَّةٍ؛ فَكانَ هَذا وسَطَ الثَّلاثِ - كَما قالَ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] حَيْثُ كانَ مُسْتَغْرَبًا عِنْدَ أهْلِ الخُصُوصِ كَما قالَ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ (p-٣٦٢)أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] والإمْرُ العَجَبُ، ولِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عَنِ الرُّتْبَةِ العادِيَّةِ جَرى النَّبَأُ عَنْهُ مُضافًا إلى الِاسْمِ العَظِيمِ الَّذِي هو مُسَمّى الأسْماءِ كُلِّها مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ”مِن عِنْدِ رَبِّي“ لِما في ذِكْرِ اسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن إشْعارٍ بِمادَّةٍ أوْ قَرِيبٍ مِنها أوْ ما كانَ مِن نَحْوِها كَما قالَ ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] لَمّا كانَ مِن عادَتِهِ المُكْنَةُ عَلى المُلُوكِ، وكانَ مُمَكَّنًا فِيما أحاطَ بِهِ مَوْجُودُ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ. انْتَهى.
ولَمّا أخْبَرَتْ بِخَرْقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها العادَةَ عَلَّلَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها مُؤَكِّدَةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في قُدْرَةِ مُلُوكِ الدُّنْيا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكُلِّيَّةُ. قالَ الحَرالِّيُّ: في تَجْدِيدِ الِاسْمِ العَظِيمِ في النَّبَأِ إشْعارٌ بِاتِّساعِ النَّبَأِ وإيذانٌ وإلاحَةٌ بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَكَ ولِمَن شاءَ اللَّهُ كَما هو لِي بِما شاءَ اللَّهُ، مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أنَّهُ فَيَكُونُ مَلِيحًا لِاخْتِصاصِ ما بِها، ويُؤَيِّدُهُ عُمُومُ قَوْلِها: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ وقَوْلُها: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَطاءٌ مُتَّصِلٌ، فَلا يَتَحَدَّدُ ولا يَتَعَدَّدُ، فَهو رِزْقٌ لا مُتَعَقَّبَ عَلَيْهِ، لِأنَّ كُلَّ مَحْسُوبٍ في الإبْداءِ (p-٣٦٣)مُحاسَبٌ عَلَيْهِ في الإعادَةِ، فَكانَ في الرِّزْقِ بِغَيْرِ حِسابٍ مِن عِلاجِ الحِكْمَةِ بُشْرى بِرَفْعِ الحِسابِ عَنْهم في المَعادِ وكَفالَةٌ بِالشُّكْرِ عَنْهُ، لِأنَّ أعْظَمَ الشُّكْرِ لِرِزْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعْرِفَةُ العَبْدِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إنَّما يَشْكُرُ رِزْقَ اللَّهِ مَن أخَذَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. انْتَهى.
آل عمران 3:38
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ زَكَرِيّا حِينَئِذٍ؟ قِيلَ: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ وذَلِكَ المَكانِ العَظِيمِ المِقْدارِ ﴿دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ تَذَكُّرًا لِما عَوَّدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ مِنَ الإكْرامِ، فَظَهَرَتْ عَلَيْهِ كَراماتُ هَذِهِ الكَفالَةِ، قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أشْهَدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ يَخْرِقُ عادَتَهُ لِمَن شاءَ بِكَلِمَتِهِ في حَقِّ كَفِيلَتِهِ في الظّاهِرِ، الكافِلَةِ لَهُ في هَذا المَعْنى، دَعا رَبَّهُ الَّذِي عَوَّدَهُ بِالإحْسانِ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا في غَيْرِ إبّانِهِ كَما رَزَقَ مَرْيَمَ رِزْقًا في غَيْرِ زَمانِهِ فَوَجَبَ دُعاؤُهُ. انْتَهى.
﴿قالَ رَبِّ﴾ أيِ الَّذِي عَوَّدَنِي بِإحْسانِهِ ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: طَلَبَ عَلَيْهِ مِن باطِنِ الأمْرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ (p-٣٦٤)مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] وكَما قالَ فِيهِ ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ [مريم: ١٣] لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مِن (لَدُنْ) فَهو أبْطَنُ مِن (عِنْدَ) ﴿ذُرِّيَّةً﴾ فِيهِ إشْعارٌ بِكَثْرَةٍ ونَسْلٍ باقٍ، فَأُجِيبَ بِوَلَدٍ فَرْدٍ لَمّا كانَ زَمانَ انْتِهاءٍ في ظُهُورِ كَلِمَةِ الرُّوحِ وبِأنَّهُ لا يُنْسِلُ فَكانَ يَحْيِى حَصُورًا لِغَلَبَةِ الرُّوحانِيَّةِ عَلى إنْسانِيَّتِهِ. انْتَهى.
﴿طَيِّبَةً﴾ أيْ مُطِيعَةً لَكَ لِأنَّ ذَلِكَ طِلْبَةُ أهْلِ الخُصُوصِ، ثُمَّ عَلَّلَ إدْلالَهُ عَلى المَقامِ الأعْظَمِ بِالسُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ مُرِيدُهُ ومُجِيبُهُ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَن يَسْمَعُ - ولَمْ يَمْنَعْ - أنْ يُجِيبَ إذا كانَ قادِرًا كامِلًا، وقَدْ ثَبَتَتِ القُدْرَةُ بِالرُّبُوبِيَّةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الحَيِّ القَيُّومِ، بِخِلافِ الأصْنامِ ونَحْوِها مِمّا عُبِدَ فَإنَّها لا تَسْمَعُ، ولَوْ سَمِعَتْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الإجابَةِ إلى ما تُسْألُ فِيهِ لِأنَّها مَرْبُوبَةٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: أعْلَمَ الدّاعِي بِما لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الإجابَةِ، والقُرْبُ ”وسِيلَةٌ في قَبُولِ“ دُعائِهِ - انْتَهى.
آل عمران 3:39
ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ سَمِعَ دُعاءَهُ كَما قالَ ﴿فَنادَتْهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ وحُسْنِ رَجائِهِ أنْ نادَتْهُ ﴿المَلائِكَةُ﴾ (p-٣٦٥)يَعْنِي هَذا النَّوْعَ، لا كُلَّهم بَلْ ناداهُ البَعْضُ، وكانَ مُتَهَيِّئًا بِما آتاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الفَضْلِ لِمُناداةِ الكُلِّ، كَما هو شَأْنُ أهْلِ الكَمالِ مِنَ الرُّسُلِ ﴿وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ وهو مَوْضِعُ مُحارَبَةِ العابِدِ لِلشَّيْطانِ، وهو أشْرَفُ الأماكِنِ لِذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ ولُزُومِهِ مُعْتَكَفَهُ وقُنُوتِهِ في قِيامِهِ وأنَّ الغالِبَ عَلى صَلاتِهِ القِيامُ لِأنَّ الصَّلاةَ قِيامٌ، وسُجُودٌ يُقابِلُهُ، ورُكُوعٌ مُتَوَسِّطٌ، فَذُكِرَتْ صَلاتُهُ بِالقِيامِ إشْعارًا بِأنَّ حُكْمَ القِيامِ غالِبٌ عَلَيْها. انْتَهى. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ في قِراءَةِ حَمْزَةَ وابْنِ عامِرٍ بِالكَسْرِ لِجَوابِ مِن كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ نادَتْهُ المَلائِكَةُ؟ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ المُحِيطَ مَعْناهُ بِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ، ولَمْ يَقُلْ إنَّ رَبَّكَ لَمّا كانَ أمْرُ إجابَتِهِ مِن وراءِ الحِكْمَةِ العادِيَّةِ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِيَحْيى﴾ مُسَمّىً بِصِيغَةِ الدَّوامِ - مَعَ أنَّهُ كَما قِيلَ: قُتِلَ - إشْعارٌ بِوَفاءِ حَقِيقَةِ الرُّوحانِيَّةِ الحَياتِيَّةِ فِيهِ دائِمًا، لا يَطْرُقُهُ طارِقُ مَوْتِ الظّاهِرِ حَيْثُ قُتِلَ شَهِيدًا. انْتَهى.
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ أيْ نَبِيٍّ خُلِقَ بِالكَلِمَةِ (p-٣٦٦)لا بِالمُعالَجَةِ العادِيَّةِ، يُرْسِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى عِبادِهِ فَيُكَذِّبُهُ أكْثَرُهم ويُصَدِّقُهُ هُوَ، وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلِمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَحْيى مُصَدِّقَهُ بِما هو مِنهُ كَمالُ كَلِمَتِهِ حَتّى أنَّهُما في سَماءٍ واحِدَةٍ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إشْعارٌ بِإحاطَتِهِ في ذاتِ الكَلِمَةِ. انْتَهى.
﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ أيْ فَلا يَتَزَيَّنُ بِزِينَةٍ لِأنَّهُ بالِغُ الحَبْسِ لِنَفْسِهِ والتَّضْيِيقِ عَلَيْها في المَنعِ مِنَ النِّكاحِ. قالَ في القامُوسِ: والحَصُورُ مَن لا يَأْتِي النِّساءَ وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، أوِ المَمْنُوعُ مِنهُنَّ، أوْ مَن لا يَشْتَهِيهِنَّ ولا يَقْرَبُهُنَّ، والمَجْبُوبُ - والهَيُوبُ المُحْجِمُ عَنِ الشَّيْءِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو مِنَ الحَصْرِ وهو المَنعُ عَمّا شَأْنُ الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ - انْتَهى ﴿ونَبِيًّا﴾ (p-٣٦٧)ولَمّا كانَ النَّبِيُّ لا يَكُونُ إلّا صالِحًا لَمْ يَعْطِفْ بَلْ قالَ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إعْلامًا بِمَزِيَّةِ رُتْبَةِ الصَّلاحِ واحْتِرازًا مِنَ المُتَنَبِّيِينَ،
آل عمران 3:40
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ حِينَ أجابَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ يَسْتَثْبِتُ بِذَلِكَ ما يَزِيدُهُ طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا وسَكِينَةً ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ.
ولَمّا كانَ مَطْلُوبُهُ ولَدًا يَقُومُ مَقامَهُ فِيما هو فِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ الَّتِي لا يُطِيقُها إلّا الذُّكُورُ الأقْوِياءُ الكَلِمَةِ، وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ ولَدَ الشَّيْخِ يَكُونُ ضَعِيفًا لا سِيَّما إنْ كانَ حَرْثُهُ مَعَ الطَّعْنِ في السِّنِّ في أصْلِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلزَّرْعِ أحَبَّ أنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِمَطْلُوبِهِ فَقالَ: ﴿أنّى﴾ أيْ كَيْفَ ومِن أيْنَ ﴿يَكُونُ لِي﴾ وعَبَّرَ بِما تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى الغَلَبَةِ والقُوَّةِ زِيادَةً في الكَشْفِ فَقالَ: ﴿غُلامٌ﴾ وفي تَعْبِيرِهِ بِهِ في سِياقِ الحَصُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن صِحَّةِ الجِسْمِ وقُوَّتِهِ اللّازِمِ مِنهُ شِدَّةُ الدّاعِيَةِ إلى النِّكاحِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنهُ مَنعًا زائِدًا عَلى الحَدِّ، لِما عِنْدَهُ مِن غَلَبَةِ شُهُودِ اللّازِمِ مِنهُ الإقْبالُ عَلى العِبادَةِ بِكُلِّيَّتِهِ والإعْراضُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ عَنْها جُمْلَةً لا سِيَّما النِّكاحُ، (p-٣٦٨)بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّهُ لا إرْبَ لَهُ فِيهِ، وهَذا المُوافِقُ لِلتَّعْبِيرِ الأوَّلِ لِلْحَصُورِ في القامُوسِ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي ألّا يُعَرَّجَ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن مُتَعَدٍّ، ولِأنَّهُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، ومَهْما دارَ الشَّيْءُ عَلى صِفَةِ الكَمالِ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يُعْدَلَ عَنْهُ، وما ورَدَ - كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:
”ذَكَرُهُ مِثْلُ هَذِهِ القَذاةِ“» فَقَدْ ضَعَّفُوهُ، وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ أنَّهُ لَمّا أعْرَضَ عَنْهُ رَأْسًا ضَعُفَ ما مَعَهُ لِذَلِكَ، فَهو إخْبارٌ عَنْ آخِرِ أمْرِهِ الَّذِي أدَّتْ إلَيْهِ عَزِيمَتُهُ، والآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى ما اقْتَضَتْهُ خِلْقَتُهُ وغَرِيزَتُهُ وإنْ كانَ الجَمْعُ لِكَمالِ الوُجُودِ الإنْسانِيِّ بِالنِّكاحِ أكْمَلَ كَما وقَعَ لِنَبِيِّنا ﷺ ويَقَعُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ إلى حَدٍّ لا يُولَدُ فِيهِ عادَةً ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ العُقْرِ وهو البُلُوغُ إلى حَدِّ انْقِطاعِ النَّسْلِ هَرَمًا - انْتَهى؛ كَذا قالَ، وآيَةُ سُورَةِ مَرْيَمَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى أنَّها لَمْ تَزَلْ عَقِيمًا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ في القامُوسِ في الرّاءِ: العَقْرَةُ وتُضَمُّ: العُقْمُ، وقَدْ (p-٣٦٩)عُقِرَتْ كَعُنِيَ فَهي عاقِرٌ، ورَجُلٌ عاقِرٌ وعَقِيرٌ: لا يُولَدُ لَهُ ولَدٌ، والعُقَرَةُ كَهُمَزَةٍ: خَرَزَةٌ تَحْمِلُها المَرْأةُ لِئَلّا تَلِدَ، وقالَ في المِيمِ: العُقْمُ بِالضَّمِّ: هَزْمَةٌ تَقَعُ في الرَّحِمِ فَلا تَقْبَلُ الوَلَدَ، عَقِمَتْ كَفَرِحَ ونَصَرَ وكَرُمَ وعُنِيَ، ورَحِمٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ ورَجُلٌ عَقِيمٌ: لا يُولَدُ لَهُ، وقالَ الإمامانِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ وعَبْدُ الحَقِّ في واعِيهِ: والعُقْرُ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ مَصْدَرُ العاقِرِ مِنَ النِّساءِ وهي الَّتِي لا تَحْمِلُ مِن غَيْرِ داءٍ ولا كِبَرٍ، يُقالُ: امْرَأةٌ عاقِرٌ، وبِها عُقْرٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ كَأنَّ في رَحِمِها عُقْرًا يَمْنَعُها مِنَ الوِلادَةِ، وقالَ الإمامُ أبُو غالِبٍ ”ابْنُ التَّيّانِيِّ“ في كِتابِهِ المُوعِبِ صاحِبُ [ تَلْقِيحِ ] العَيْنِ: العُقْرُ مَصْدَرُ العاقِرِ مِنَ النِّساءِ وهي الَّتِي لا تَحْمِلُ مِن غَيْرِ داءٍ ولا كِبَرٍ، لَكِنْ خِلْقَةً، ثُمَّ قالَ وتَعَقَّرَتْ: إذا ولَدَتْ ثُمَّ أمْسَكَتْ - واللَّهُ المُوَفِّقُ. (p-٣٧٠)ثُمَّ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ الجَلِيلِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ. ولَمّا كانَ اسْتِنْباؤُهُ عَنِ القُوَّةِ والكَمالِ لا عَنِ الخُلُقِ عَبَّرَ سُبْحانَهُ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ بِالفِعْلِ بِخِلافِ ما يَأْتِي في قِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ لِأنَّهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ فَما قالَ؟
آل عمران 3:41
قِيلَ ﴿قالَ﴾ إرادَةَ تَعْجِيلِ البُشْرى وتَحْقِيقِ السَّرّاءِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْلَمُ بِها ذَلِكَ ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تُكَلِّمَهم بِكَلامٍ دُنْيَوِيٍّ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾
ولَمّا كانَ الكَلامُ يُطْلَقُ عَلى الفِعْلِ مَجازًا اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلا رَمْزًا﴾ لِتَخْلُصَ هَذِهِ المُدَّةُ لِلذِّكْرِ شُكْرًا عَلى النِّعْمَةِ فاحْمَدْ رَبَّكَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: والرَّمْزُ تَلَطُّفٌ في الإفْهامِ بِإشارَةِ تَحَرُّكِ طَرَفٍ كاليَدِ واللَّحْظِ والشَّفَتَيْنِ ونَحْوِها، والغَمْزُ أشَدُّ مِنهُ بِاليَدِ ونَحْوِها. انْتَهى. فَعَدَمُ الكَلامِ مَعَ صِحَّةِ آلَتِهِ دَلِيلُ إيجادِ المُتَكَلِّمِ مَعَ (p-٣٧١)ضَعْفِ آلَتِهِ إلى حَدٍّ لا يَتَكَوَّنُ عَنْها عادَةً، ولَمّا كانَ الأتَمُّ في القُدْرَةِ أنْ يُحْبَسَ عَنْ كَلامٍ دُونَ آخَرَ قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيْ بِالحَمْدِ وهو أنْ تُثْبِتَ لَهُ الإحاطَةَ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿كَثِيرًا﴾ في الأيّامِ الَّتِي مُنِعْتَ فِيها مِن كَلامِ النّاسِ خُصُوصًا، وفي سائِرِ أوْقاتِكَ عُمُومًا ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ أوْقِعِ التَّسْبِيحَ لِمُطْلَقِ الخَلِيلِ رَبِّكَ بِأنْ تَنْفِيَ عَنْهُ كُلَّ نَقْصٍ ﴿بِالعَشِيِّ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ العَشْوِ وأصْلُ مَعْناهُ: إيقادُ نارٍ عَلى عَلَمٍ لِمَقْصِدِ هُدىً أوْ قِرىً ومَأْوىً عَلى حالِ وهْنٍ، فَسُمِّيَ بِهِ عَشِيُّ النَّهارِ لِأنَّهُ وقْتُ فِعْلِ ذَلِكَ، ويَتَأكَّدُ مَعْناهُ في العِشاءِ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّعامُ: العَشاءَ ﴿والإبْكارِ﴾ وأصْلُهُ المُبادَرَةُ لِأوَّلِ الشَّيْءِ، ومِنهُ التَّبْكِيرُ وهو السُّرْعَةُ، والباكُورَةُ وهو أوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الثَّمَرِ، فالإبْكارُ اقْتِطافُ زَهْرَةِ النَّهارِ وهو أوَّلُهُ. انْتَهى.
آل عمران 3:42
ولَمّا فَرَغَ مِمّا لِلْكافِلِ بَعْدَ ما نَوَّهَ بِأمْرِ المَكْفُولَةِ بَيانًا لِاسْتِجابَةِ الدُّعاءِ مِن أُمِّها لَها أعادَ الإشارَةَ بِذِكْرِها والإعْلامَ بِعَلِيِّ قَدْرِها فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هَذا ما لِلْكافِلِ فاذْكُرْهُ لَهم فَإنَّهم لا يَشُكُّونَ مَعَهُ في نُبُوَّتِكَ: ”و“ اذْكُرْ ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وعَبَّرَ بِالجَمْعِ والمُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها (p-٣٧٢)السَّلامُ لِتَهَيُّئِها لِخِطابِ كُلٍّ مِنهم كَما مَضى ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿اصْطَفاكِ﴾ أيِ اخْتارَكِ في نَفْسِكِ، لا بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ آخَرَ عَمّا يَشِينُ بَعْضَ مَن هو في نَفْسِهِ خِيارٌ ﴿وطَهَّرَكِ﴾ أيْ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ ﴿واصْطَفاكِ﴾ أيِ اصْطِفاءً خاصًّا ﴿عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ فَمِن هَذا الِاصْطِفاءِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: أنْ خَلُصَتْ مِنَ الاصْطِفاءِ الأوَّلِ العِبْرانِيِّ إلى اصْطِفاءٍ عَلى عَرَبِيٍّ حَتّى أنُكِحَتْ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ العَرَبِيِّ؛ «قالَ ﷺ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”أما شَعَرْتِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى زَوَّجَنِي مَعَكِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ»“. انْتَهى.
آل عمران 3:43
ولَمّا أخْبَرَها سُبْحانَهُ وتَعالى بِما اخْتَصَّها بِهِ أمَرَها بِالشُّكْرِ فَقالَ: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ أيْ أخْلِصِي أفْعالَكِ لِلْعِبادَةِ ﴿لِرَبِّكِ﴾ الَّذِي عَوَّدَكِ الإحْسانَ بِأنْ رَبّاكِ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ.
ولَمّا قَدَّمَ الإخْلاصَ الَّذِي هو رُوحُ العِبادَةِ أتْبَعَهُ أشْرَفَها فَقالَ: ﴿واسْجُدِي﴾ فَإنَّ أقْرَبَ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: وكانَ مِنَ اخْتِصاصِ هَذا الِاصْطِفاءِ العَلِيِّ - أيِ الثّانِي - ما اخْتَصَّها مِنَ الخِطابِ بِالرُّكُوعِ الَّذِي لَحِقَتْ بِهِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الرّاكِعَةِ الَّتِي أطْلَعَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن سِرِّ عَظَمَتِهِ الَّتِي هي إزارُهُ (p-٣٧٣)عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا مِمَّنْ سِواها في قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ كَما قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ الأمْرِ بِالمِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] - إلى ما يَقَعُ مِن كَمالِ ما بُشِّرَتْ بِهِ حَيْثُ يُكَلِّمُ النّاسَ كَهْلًا في خاتِمَةِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ، ويُكْمِلُ لَهُ الوُجُودَ الإنْسانِيَّ حَيْثُ يَتَزَوَّجُ ويُولَدُ لَهُ - كَما ذُكِرَ، وذَلِكَ كُلُّهُ فِيما يُشْعِرُ بِهِ مِيمُ التَّمامِ في ابْتِداءِ الِاسْمِ وانْتِهائِهِ، وفِيما بَيْنَ التَّمامَيْنِ مِن كَرِيمِ التَّرْبِيَةِ لَها ما يُشْعِرُ بِهِ الرّاءُ مِن تَوَلِّي الحَقِّ لَها في تَرْبِيَتِها ورِزْقِها، وما تُشْعِرُ بِهِ الياءُ مِن كَمالِها الَّذِي اخْتُصَّتْ عَلى عالَمِها. انْتَهى.
والمُرادُ بِاتِّباعِ قِصَّتِها لِما مَضى التَّنْبِيهُ عَلى انْخِراطِها في سِلْكِ ما مَضى مِن أمْرِ آدَمَ ويَحْيى إفْصاحًا، وإبْراهِيمَ في أبْنِيَةِ إلاحَةٍ في خَرْقِ العادَةِ فِيهِمْ، وأنَّ تَخْصِيصَها بِالإنْكارِ أوِ التَّعَجُّبِ والتَّنازُعِ مَعَ الإقْرارِ بِأمْرِهِمْ لَيْسَ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ؛ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالسُّجُودِ في هَذا المَقامِ ظاهِرُهُ وبِالرُّكُوعِ الصَّلاةُ نَفْسُها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: واسْجُدِي مُصَلِّيَةً (p-٣٧٤)ولْتَكُنْ صَلاتُكِ مَعَ المُصَلِّينَ أيْ في جَماعَةٍ، فَإنَّكِ في عِدادِ الرِّجالِ لِما خُصِّصْتِ بِهِ مِنَ الكَمالِ، ولَمْ يَقُلْ: مَعَ الرّاكِعاتِ، لِأنَّ الِاقْتِداءَ بِالرِّجالِ أفْضَلُ وأشْرَفُ وأكْمَلُ، وإنَّما قُلْتُ هَذا لِأنِّي تَتَبَّعْتُ التَّوْراةَ فَلَمْ أرَهُ ذَكَرَ فِيها الرُّكُوعَ في صَلاةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا مَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا أتْباعِهِمْ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ لا يَحْسُنُ جَعْلُهُ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ، ورَأيْتُهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ فِيها عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ: الأوَّلُ إطْلاقُ لَفْظِها مِن غَيْرِ بَيانِ كَيْفِيَّةٍ، والثّانِي إطْلاقُ لَفْظِ السُّجُودِ مُجَرَّدًا، والثّالِثُ إطْلاقُهُ مَقْرُونًا بِرُكُوعٍ أوْ جُثُوٍّ أوْ خُرُورٍ عَلى الوَجْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَفي السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ ماتَتْ زَوْجَتُهُ سارَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وسَألَ بَنِي حاثَ أهْلَ تِلْكَ الأرْضِ أنْ يُعْطُوهُ مَكانًا يَدْفِنُها فِيهِ فَأجابُوهُ: فَقامَ إبْراهِيمُ فَسَجَدَ لِشَعْبِ الأرْضِ بَنِي حاثَ وكَلَّمَهُمْ؛ وفِيهِ في قِصَّةٍ رَبّانِيَّةٍ قالَ: وسَجَدَ عَلى الأرْضِ وقالَ: يا رَبُّ - فَذَكَرَ دُعاءً ثُمَّ قالَ: وصَلّى إبْراهِيمُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ وفِيهِ في قِصَّةِ عَبْدٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى بِلادِ حَرّانَ يَخْطُبُ لِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ امْرَأةً فَظَفِرَ بِقَصْدِهِ: فَجَثا الرَّجُلُ - أيْ عَبْدُ إبْراهِيمَ - عَلى الأرْضِ (p-٣٧٥)فَسَجَدَ لِلرَّبِّ وقالَ: تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ سَيِّدِي إبْراهِيمَ؛ وفِيهِ لَمّا أجابَهُ أهْلُ المَرْأةِ: فَلَمّا سَمِعَ غُلامُ إبْراهِيمَ كَلامَهم سَجَدَ عَلى الأرْضِ قُدّامَ المَرْأةِ، وفِيهِ عِنْدَ لِقاءِ عِيصُو لِأخِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَدَنَتِ الأُمّانِ وأوْلادُهُما فَسَجَدُوا - أيْ لِعِيصُو، ودَنَتْ لِيا ووَلَدُها فَسَجَدُوا؛ فَلَمّا كانَ أخِيرًا دَنَتْ راحِيلُ ويُوسُفُ فَسَجَدُوا؛ وفِيهِ في قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ودَنا إخْوَتُهُ فَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالُوا لَهُ: ها نَحْنُ لَكَ عَبِيدٌ؛ وفي السِّفْرِ الثّانِي عِنْدَ قُدُومِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإخْبارِهِ لَهم بِإرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ وإظْهارِهِ لَهُمُ الآياتِ: فَآمَنَ الشَّعْبُ وسَمِعُوا أنَّ الرَّبَّ قَدْ ذَكَرَ بَنِي إسْرائِيلَ وأبْصَرَ إلى خُضُوعِهِمْ وجَثا الشَّعْبُ وسَجَدُوا لِلرَّبِّ؛ وفِيهِ في خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ: فَرَكَعَ الشَّعْبُ كُلُّهُ ساجِدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ وفِيهِ: فاسْتَعْجَلَ مُوسى فَخَرَّ عَلى وجْهِهِ عَلى الأرْضِ ساجِدًا؛ وفِيهِ في (p-٣٧٦)تَلَقِّي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِخَتْنِهِ شُعَيْبَ عَلَيْهِما السَّلامُ إذْ جاءَهُ يُهَنِّئُهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ: فَخَرَجَ مُوسى يَتَلَقّى خَتْنَهُ وسَجَدَ لَهُ وقَبَّلَهُ وسَألَ كُلٌّ مِنهُما عَنْ سَلامَةِ صاحِبِهِ؛ وفِيهِ: وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ما بَشَّرَهُ بِقَتْلِ الكَنْعانِيِّينَ وغَيْرِهِمْ مِن سُكّانِ بِلادِ القُدْسِ: لا تَسْجُدُوا لِآلِهَتِهِمْ ولا تَعْبُدُوها ولا تَفْعَلُوا كَأفْعالِهِمْ - بَلْ كُبَّهم كَبًّا عَلى وُجُوهِهِمْ وكَسِّرْ أصْنامَهم - واعْبُدُوا الرَّبَّ إلَهَكُمْ، وفي أوائِلِ السِّفْرِ الثّالِثِ في ذِكْرِ ظُهُورِ مَجْدِ الرَّبِّ لَهم في قُبَّةِ الزَّمانِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها عَلى حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وعايَنَ ذَلِكَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وحَمِدُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وخَرَّ الشَّعْبُ كُلُّهُ عَلى وجْهِهِ، وفي الرّابِعِ عِنْدَما هَمَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِالرُّجُوعِ إلى مِصْرَ تَضَجُّرًا مِن حالِهِمْ: فَخَرَّ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى وُجُوهِهِما ساجِدَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّها؛ وفِيهِ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وهارُونَ وقالَ لَهُما: تَنَحَّيا عَنْ هَذِهِ الجَماعَةِ لِأنِّي مُهْلِكُها، فَخَرّا ساجِدَيْنِ عَلى وُجُوهِهِما؛ وفِيهِ عِنْدَما تَذَمَّرُوا عَلَيْهِ مِن أجْلِ العَطَشِ: فَجاءَ مُوسى وهارُونُ مِن عِنْدِ الجَماعَةِ إلى بابِ قُبَّةِ الزَّمانِ (p-٣٧٧)فَخَرّا عَلى وُجُوهِهِما فَظَهَرَ لَهُما مَجْدُ الرَّبِّ - فَذَكَرَ قِصَّةَ ضَرْبِ الحَجَرِ بِالعَصا وانْفِجارِ الماءِ؛ وفِيهِ في قِصَّةِ بِلْعامِ بْنِ باعُورَ حِينَ رَأى مَلَكًا في طَرِيقِهِ فَجَثا عَلى وجْهِهِ ساجِدًا.
وأمّا إطْلاقُ لَفْظِ الصَّلاةِ فَقالَ في آخِرِ سِفْرِ الثّانِي: وكانَ إذا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى قُبَّةِ الزَّمانِ كانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَقِفُونَ ويَسْتَعِدُّ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم عَلى بابِ خَيْمَتِهِ، ويَنْظُرُونَ إلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن خَلْفِهِ حَتّى يَدْخُلَ إلى القُبَّةِ، وإذا دَخَلَ مُوسى القُبَّةَ كانَ يَنْزِلُ عَمُودُ السَّحابِ فَيَقِفُ عَلى بابِ القُبَّةِ، ويُكَلِّمُ مُوسى وكانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَنْظُرُونَ إلى عَمُودِ السَّحابِ واقِفًا عَلى بابِ القُبَّةِ وكانَ يَقِفُ جَمِيعُ الشَّعْبِ ويُصَلِّي كُلُّ امْرِئٍ مِنهم عَلى بابِ خَيْمَتِهِ؛ وفِيهِ: وعَمِلَ سَطْلًا مِن نُحاسٍ فَنَصَبَهُ عِنْدَ مَنظَرِ النِّسْوَةِ اللّاتِي يَأْتِينَ فَيُصَلِّينَ عَلى بابِ قُبَّةِ الأمَدِ.
وكُلُّ ما فِيها مِن ذِكْرِ الصَّلاةِ فَهَكَذا يُطْلَقُ لَفْظُهُ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِما يُرْشِدُ إلى كَيْفِيَّةٍ، فَلا فائِدَةَ في سَرْدِهِ؛ وهَذِهِ القُبَّةُ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-٣٧٨)وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاتِّخاذِها مَظْهَرَ المَجْدِ وأنْ يَجْعَلَها كَهَيْئَةِ الغَمامِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ مَجْدُهُ تَعالى فِيهِ في جَبَلِ طُورِ سَيْناءَ، وهي مِن غَرائِبِ الدَّهْرِ في الِارْتِفاعِ والسَّعَةِ والهَيْئَةِ، فَفِيها مِنَ الخَشَبِ والبُيُوتِ والتَّوابِيتِ والأعْمِدَةِ والجَواهِرِ وصَفائِحِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والنُّحاسِ والسُّرادِقاتِ والسُّتُورِ مِنَ الحَرِيرِ والأُرْجُوانِ والكَتّانِ والأطْنابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكِلُّ عَنْهُ الوَصْفُ، وكُلُّهُ بِنَصٍّ نَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الطُّولِ والعَرْضِ والوَزْنِ والمَحَلِّ بِحَيْثُ إنَّهُ كانَ فِيها مِن صَفائِحِ الذَّهَبِ ومَسامِيرِهِ ونَحْوِها تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ قِنْطارًا وأرْبَعُمِائَةٍ وثَلاثُونَ مِثْقالًا بِمِثْقالِ القُدْسِ، ومِنَ الفِضَّةِ مِائَةُ قِنْطارٍ وألْفٌ وسَبْعُمِائَةٍ وسَبْعُونَ مِثْقالًا، ومِنَ النُّحاسِ سَبْعُونَ قِنْطارًا وألْفانِ وأرْبَعُمِائَةِ مِثْقالٍ؛ وكانَتْ هَذِهِ القُبَّةُ تُنْصَبُ في مَكانٍ مِنَ الأرْضِ ويَنْزِلُ بَنُو لاوِي سِبْطِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهارُونَ حَوْلَها يَخْدُمُونَها بَيْنَ يَدَيْ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَنِيهِ، ومَن دَنا مِنها مِن غَيْرِهِمُ احْتَرَقَ، ويَنْزِلُ أسْباطُ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ بَنِي لاوِي، لِكُلِّ سِبْطٍ مَنزِلَةٌ لا يَتَعَدّاها مِن شَرْقِها وغَرْبِها وجَنُوبِها وشَمالِها، كُلُّ ذَلِكَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وكانَ (p-٣٧٩)السَّحابُ يَغْشاها بِالنَّهارِ، وكانَ النّارُ تُضِيءُ عَلَيْها بِاللَّيْلِ وتُزْهِرُ، فَما دامَ السَّحابُ مُجَلِّلًا لَها فَهم مُقِيمُونَ، فَإذا ارْتَفَعَ عَنْها كانَ إذْنًا في سَفَرِهِمْ.
فالَّذِي فَهِمْتُهُ مِن هَذِهِ الأماكِنِ وغَيْرِها أنَّ الصَّلاةَ عِنْدَهم تُطْلَقُ عَلى الدُّعاءِ وعَلى فِعْلٍ هو مُجَرَّدُ السُّجُودِ، فَإنْ ذُكِرَ مَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى وضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ فَذاكَ حِينَئِذٍ يُسَمّى صَلاةً، وإلّا كانَ المُرادُ بِهِ مُطْلَقَ الِانْحِناءِ لِلتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِلُّغَةِ، قالَ في القامُوسِ: سَجَدَ: خَضَعَ؛ والخُضُوعُ التَّطامُنُ، وأمّا المَكانُ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الرُّكُوعِ فالظّاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: فَصَلّى الشَّعْبُ كُلُّهُ ساجِدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، لِأنَّ الرُّكُوعَ في اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ مِنها الصَّلاةُ، يُقالُ: رَكَعَ - أيْ صَلّى، ورَكَعَ - إذا انْحَنى كَبْوًا، والرّاكِعُ مَن يَكْبُو عَلى وجْهِهِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الرُّكُوعِ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ في حالِ السُّجُودِ، وإنِ ارْتُكِبَ فِيهِ تَأْوِيلٌ لَمْ يَكُنْ بِأوْلى مِمّا ذَكَرْتُهُ في الرُّكُوعِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، واحْتَجَجْتُ بِاللُّغَةِ لِأنَّ مُتَرْجِمَ النُّسْخَةِ الَّتِي وقَعَتْ لِي في عِدادِ البُلَغاءِ، يُعْرَفُ ذَلِكَ مِن تَأمُّلِ مَواقِعِ تَرْجَمَتِهِ لَها، عَلى أنِّي سَألْتُ عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ الآنَ فَأُخْبِرْتُ أنَّهُ لَيْسَ فِيها رُكُوعٌ، ثُمَّ رَأيْتُ البَغْوِيَّ (p-٣٨٠)صَرَّحَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] بِأنَّ صَلاتَهم لا رُكُوعَ فِيها، وكَذا ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآياتِ بَيانَ الخَوارِقِ الَّتِي كانَتْ لِآلِ عِمْرانَ مِن زَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُجادَلَةِ بِالحَقِّ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيانَ أنَّ ما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِهِ لَيْسَ خارِجًا عَنْ إشْكالِ الخَوارِقِ في آلِهِ، وكانَ الرَّدُّ عَلى كُلِّ طائِفَةٍ بِما تَعْتَقِدُ أوْلى وجَبَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِنَ الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ المَوْجُودَةِ الآنَ بَيْنَ أظْهُرِ النَّصارى: ذِكْرُ قِصَّةِ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَمْلِهِ ووِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ وما اتَّفَقَ في ذَلِكَ مِنَ الخَوارِقِ مِنَ الأناجِيلِ وقَدْ مَزَجْتُ بَيْنَ ألْفاظِها فَجَعَلْتُها شَيْئًا واحِدًا عَلى وجْهٍ ألَمَّ بَعْضُهُ بِأوَّلِ أمْرِ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ قالَ مُتَرْجِمُها في أوَّلِ إنْجِيلِ لُوقا: كانَ في أيّامِ هِيرُودُسْ مَلِكِ اليَهُودِيَّةِ كاهِنٌ، أيْ حَبْرٌ إمامٌ، اسْمُهُ زَكَرِيّا مِن خَدَمَةِ آلِ أبِيّا، وامْرَأتُهُ مِن بَناتِ هارُونَ واسْمُها إلِيصاباتُ، وكانا كِلاهُما تَقِيَّيْنِ قُدّامَ اللَّهِ سائِرَيْنِ في (p-٣٨١)جَمِيعِ وصاياهُ وحُقُوقِ الرَّبِّ بِغَيْرِ عَيْبٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُما ولَدٌ لِأنَّ إلِيصاباتَ كانَتْ عاقِرًا، وكانا كِلاهُما قَدْ طَعَنا في أيّامِهِما، فَبَيْنَما هو يَكْهُنُ في أيّامِ تَرْتِيبِ خِدْمَتِهِ أمامَ اللَّهِ كَعادَةِ الكَهَنُوتِ إذْ بَلَغَتْهُ نَوْبَةُ وضْعِ البَخُورِ فَجاءَ لِيُبَخِّرَ، فَدَخَلَ إلى هَيْكَلِ اللَّهِ وجَمِيعُ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خارِجًا في وقْتِ البَخُورِ، فَتَراءى لَهُ مَلَكُ الرَّبِّ قائِمًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ البَخُورِ، فَلَمّا رَآهُ زَكَرِيّا اضْطَرَبَ ووَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ فَقالَ لَهُ المَلَكُ: لا تَخَفْ يا زَكَرِيّا! قَدْ سُمِعَتْ طِلْبَتُكَ، وامْرَأتُكَ إلِيصاباتُ تَلِدُ ابْنًا، ويُدْعى اسْمُهُ يُوحَنّا، ويَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وتَهَلُّلٌ، وكَثِيرٌ يَفْرَحُونَ بِمَوْلِدِهِ، ويَكُونُ عَظِيمًا قُدّامَ الرَّبِّ، لا يَشْرَبُ خَمْرًا ولا سُكْرًا، ويَمْتَلِئُ مِن رُوحِ القُدُسِ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، ويُعِيدُ كَثِيرًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى إلَهِهِمْ، وهو يَتَقَدَّمُ أمامَهُ بِالرُّوحِ وبِقُوَّةِ ألَيّاءَ، ويُقْبِلُ بِقُلُوبِ الآباءِ عَلى الأبْناءِ والعُصاةِ إلى عِلْمِ الأبْرارِ، ويُعِدُّ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَقِيمًا، فَقالَ زَكَرِيّا لِلْمَلَكِ: كَيْفَ أعْلَمُ هَذا وأنا شَيْخٌ وامْرَأتِي قَدْ طَعَنَتْ في أيّامِها؟ فَأجابَ المَلَكُ وقالَ: أنا جِبْرِيلُ الواقِفُ (p-٣٨٢)قُدّامَ اللَّهِ، أُرْسِلْتُ أُكَلِّمُكَ بِهَذا وأُبَشِّرُكَ، ومِنَ الآنَ تَكُونُ صامِتًا، لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَكَلَّمَ إلى اليَوْمِ الَّذِي يَكُونُ هَذا.
وكانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ زَكَرِيّا مُتَعَجِّبِينَ مِن إبْطائِهِ في الهَيْكَلِ، فَلَمّا خَرَجَ لَمْ يَقْدِرْ يُكَلِّمُهُمْ، فَعَلِمُوا أنَّهُ قَدْ رَأى رُؤْيا في الهَيْكَلِ، فَكانَ يُشِيرُ إلَيْهِمْ، وأقامَ صامِتًا، فَلَمّا كَمُلَتْ أيّامُ خِدْمَتِهِ مَضى إلى بَيْتِهِ، ومِن بَعْدِ تِلْكَ الأيّامِ حَمَلَتْ إلِيصاباتُ امْرَأتُهُ، وكَتَمَتْ حَمْلَها خَمْسَةَ أشْهُرٍ قائِلَةً: هَذا ما صَنَعَ بِيَ الرَّبُّ في الأيّامِ الَّتِي نَظَرَ إلَيَّ فِيها لِيَنْزِعَ عَنِّي العارَ بَيْنَ النّاسِ، ولَمّا كانَتْ في الشَّهْرِ السّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَلَكُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى مَدِينَةٍ في الجَلِيلِ تُسَمّى ناصِرَةً إلى عَذْراءَ خَطِيبَةٍ لِرَجُلٍ اسْمُهُ يُوسُفُ مِن بَيْتِ داوُدَ، واسْمُ العَذْراءِ مَرْيَمُ، فَلَمّا دَخَلَ إلَيْها المَلَكُ قالَ لَها: افْرَحِي يا مُمْتَلِئَةً نِعْمَةً الرَّبُّ مَعَكِ! مُبارَكَةٌ أنْتِ في النِّساءِ، فَلَمّا رَأتْهُ اضْطَرَبَتْ مِن كَلامِهِ وفَكَّرَتْ قائِلَةً ما هَذا السَّلامُ؟ فَقالَ لَها المَلَكُ: لا تَخافِي يا مَرْيَمُ! فَقَدْ ظَفِرْتِ (p-٣٨٣)بِنِعْمَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنْتِ تَقْبَلِينَ حَبَلًا وتَلِدِينَ ابْنًا، ويُدْعى اسْمُهُ يَسُوعُ، هَذا يَكُونُ عَظِيمًا، وابْنَ العَذْراءِ يُدْعى، ويُعْطِيهِ الرَّبُّ الإلَهُ كُرْسِيَّ داوُدَ أبِيهِ، ويُمَلَّكُ عَلى بَيْتِ يَعْقُوبَ إلى الأبَدِ، ولا يَكُونُ لِمُلْكِهِ انْقِضاءٌ، فَقالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلَكِ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا ولا أعْرِفُ رَجُلًا؟ فَأجابَ المَلَكُ وقالَ لَها: رُوحُ القُدُسِ يَحِلُّ عَلَيْكِ وقُوَّةُ العَلِيِّ تَقْبَلُكِ، فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرٌ عَسِيرٌ، فَقالَتْ مَرْيَمُ: هَأنَذا عَبْدَةُ الرَّبِّ فَيَكُونُ فِيَّ كَقَوْلِكَ، وانْصَرَفَ عَنْها المَلَكُ، فَقامَتْ مَرْيَمُ في تِلْكَ الأيّامِ ومَضَتْ مُسْرِعَةً إلى عَيْنِ كَرَمٍ إلى مَدِينَةِ يَهُودا، ودَخَلَتْ إلى بَيْتِ زَكَرِيّا فَسَلَّمَتْ عَلى إلِيصاباتَ، فَلَمّا سَمِعَتْ إلِيصاباتُ صَوْتَ سَلامِ مَرْيَمَ تَحَرَّكَ الطِّفْلُ في بَطْنِها، فامْتَلَأتْ إلِيصاباتُ مِن رُوحِ القُدُسِ وصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وقالَتْ: مُبارَكَةٌ أنْتِ في النِّساءِ! ومُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! مِن أيْنَ لِي هَذا أنْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّي إلَيَّ، مُنْذُ وقَعَ صَوْتُ سَلامِكِ في أُذُنِي تَحَرَّكَ الطِّفْلُ بِتَهْلِيلٍ في بَطْنِي، فَطُوبى لِلَّتِي آمَنَتْ أنْ يَتِمَّ لَها ما قِيلَ مِنَ الرَّبِّ! فَقالَتْ (p-٣٨٤)مَرْيَمُ: تَعْظُمُ نَفْسِي بِالرَّبِّ ويَتَهَلَّلُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي لِأنَّهُ نَظَرَ إلى تَواضُعِ عَبْدَتِهِ، وقُدُّوسِ اسْمِهِ، ورَحْمَتِهِ لِخائِفِيهِ، صَنَعَ القُوَّةَ بِذِراعِهِ وفَرَّقَ المُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ، أنْزَلَ القادِرِينَ عَنِ الكَراسِي ورَفَعَ المُتَواضِعِينَ، أشْبَعَ الجِياعَ مِنَ الخَيْراتِ، فَأقامَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ عِنْدَها نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أشْهُرٍ وعادَتْ إلى بَيْتِها.
ولَمّا تَمَّ زَمانُ إلِيصاباتَ لِتَلِدَ ولَدَتِ ابْنًا، فَسَمِعَ جِيرانُها وأقارِبُها أنَّ الرَّبَّ قَدْ أعْظَمَ رَحْمَتَهُ مَعَها، فَفَرِحُوا لَها، فَلَمّا كانَتْ في اليَوْمِ الثّامِنِ جاؤُوا لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ ودَعَوْهُ بِاسْمِ أبِيهِ زَكَرِيّا فَأجابَتْ أُمُّهُ قائِلَةً: لا ولَكِنِ ادْعُوهُ يُوحَنّا، فَقالُوا لَها: لَيْسَ أحَدٌ في جِنْسِكِ يُدْعى بِهَذا الِاسْمِ، فَأشارُوا إلى أبِيهِ: ما تُرِيدُ أنْ تُسَمِّيَهُ؟ فاسْتَدْعى لَوْحًا وكَتَبَ قائِلًا: يُوحَنّا، فَتَعَجَّبَ جَمِيعُهُمْ، وانْفَتَحَ فُوهُ قائِلًا مِن ساعَتِهِ ولِسانِهِ، وتَكَلَّمَ وبارَكَ، ووَقَعَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلى جَمِيعِ جِيرانِهِمْ، وتُحُدِّثَ بِهَذا الكَلامِ في جَمِيعِ تُخُومِ يَهُودا، وفَكَّرَ جَمِيعُ السّامِعِينَ (p-٣٨٥)فِي قُلُوبِهِمْ قائِلِينَ: ماذا تُرى يَكُونُ مِن هَذا الصَّبِيِّ! ويَدُ الرَّبِّ كانَتْ مَعَهُ، فامْتَلَأ زَكَرِيّا أبُوهُ مِن رُوحِ القُدُسِ وبَدَأ قائِلًا: تَبارَكَ الرَّبُّ إلَهُ إسْرائِيلَ الَّذِي اطَّلَعَ وصَنَعَ نَجاةً لِشَعْبِهِ وأقامَ لَنا قَرْنَ خَلاصٍ مِن بَيْتِ داوُدَ فَتاهُ كالَّذِي تَكَلَّمَ عَلى أفْواهِ أنْبِيائِهِ القِدِّيسِينَ مِنَ الأبَدِ، خَلاصٌ مِن أعْدائِنا ومِن يَدَيْ كُلِّ مُبْغِضِنا، صُنْعُ رَحْمَةٍ مَعَ آبائِنا، وذِكْرُ عُهْدَةِ القِدِّيسِ: القَسَمِ الَّذِي عَهِدَ بِهِ لِإبْراهِيمَ أبِينا لِيُعْطِيَنا الخَلاصَ بِلا خَوْفٍ مِن يَدَيْ أعْدائِنا لِنَخْدُمَهُ بِالبِرِّ والعَدْلِ قُدّامَهُ في كُلِّ أيّامِ حَياتِنا، وأنْتَ أيُّها الصَّبِيُّ نَبِيَّ العَلاءِ تُدْعى، وتَنْطَلِقُ قُدّامَ وجْهِ الرَّبِّ لِتُصْلِحَ طَرِيقَهُ لِيُعْطِيَ عِلْمَ الخَلاصِ لِشَعْبِهِ لِمَغْفِرَةِ الخَطايا بِتَحَنُّنٍ ورَحْمَةٍ، إلَهُنا الَّذِي افْتَقَدْنا شَرَقَ مِنَ العُلُوِّ لِيُضِيءَ لِلْجالِسِ في الظُّلْمَةِ وظِلالَ المَوْتِ لِتَسْتَقِيمَ سُبُلُ أرْجُلِنا لِلسَّلامَةِ. (p-٣٨٦)فَأمّا الصَّبِيُّ فَكانَ يَشِبُّ ويَتَقَوّى بِالرُّوحِ وأقامَ في البَرِّيَّةِ إلى يَوْمِ ظُهُورِهِ لِإسْرائِيلَ، وفي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِن وِلايَةِ طِيبارْيُوسْ قَيْصَرَ وفِيلاطُوسِ النَّبَطِيُّ عَلى اليَهُودِيَّةِ وهِيرُودُسْ رَئِيسُ الجَلِيلِ، وفِيلْفُوسْ أخُوهُ عَلى رَبْعِ الصُّورِيَّةِ وكُورَةِ أبْطَرَحْيُونَ وأُوساسُوسْ رَئِيسٌ عَلى رَبْعِ الإيلِيّا، وحَنانُ وقَيافا رُؤَساءُ الكَهَنَةِ، حَلَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى يُوحَنّا بْنِ زَكَرِيّا في البَرِّيَّةِ فَجاءَ إلى كُلِّ البِلادِ المُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الخَطايا - كَما هو مَكْتُوبٌ في سِفْرِ كَلامِ أشْعَيا النَّبِيِّ - قائِلًا: صَوْتٌ صارِخٌ في البَرِّيَّةِ: أعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ فاصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً، جَمِيعُ الأوْدِيَةِ تَمْتَلِئْ وجَمِيعُ الجِبالِ والآكامِ تَتَّضِعْ، ويَصِيرُ الوَعْرُ سَهْلًا والخَشِنَةُ إلى طَرِيقٍ سَهْلَةً، ويُعايِنُ كُلُّ ذِي جَسَدٍ خَلاصَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ (p-٣٨٧)وفِي إنْجِيلِ مَتّى: وفي تِلْكَ الأيّامِ جاءَ يُوحَنّا المَعْمَدانُ يَكْرِزُ في بَرِّيَّةِ يَهُودا ويَقُولُ: تُوبُوا فَقَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماواتِ - هَذا هو الَّذِي في أشْعَيا النَّبِيِّ: إذْ يَقُولُ صَوْتٌ صارِخٌ، وقالَ مُرْقُسُ: مَكْتُوبٌ في أشْعَيا النَّبِيِّ: هُوذا أنا مُرْسِلٌ مَلاكِيَ أمامَ وجْهِكَ لِيَسْهُلَ طَرِيقُكَ قُدّامَكَ، ثُمَّ اسْتَنْعى صَوْتَ صارِخٍ في البَرِّيَّةِ: أعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ وسَهِّلُوا سُبُلَهُ، وكانَ لِباسُ يُوحَنّا وبَرَ الإبِلِ، ومِنطَقَتُهُ جِلْدًا عَلى حَقْوَيْهِ، وكانَ طَعامُهُ الجَرادَ وعَسَلَ البَرِّ، حِينَئِذٍ خَرَجُوا إلَيْهِ مِن يَرُوشَلِيمَ، وكُلِّ اليَهُودِيَّةِ وجَمِيعِ كُوَرِ الأُرْدُنِّ، وكانَ يُعَمِّدُهم في نَهْرِ الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطاياهُمْ؛ وفي مُرْقُسَ: كانَ يُوحَنّا يُعَمِّدُ في القَفْرِ ويَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِغُفْرانِ الخَطايا، وكانَ يَخْرُجُ إلَيْهِ جَمِيعُ (p-٣٨٨)كُوَرِ يَهُودا وكُلُّ يَرُوشَلِيمَ فَيُعَمِّدُهم في نَهْرِ الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطاياهم فَقالَ لِلْجَمْعِ الَّذِينَ يَأْتُونَ إلَيْهِ ويَعْتَمِدُونَ مِنهُ: يا ثَمَرَةَ الأفاعِي! وفي مَتّى: فَلَمّا رَأى كَثِيرًا مِنَ الفَرِيسِيِّينَ والزَّنادِقَةِ يَأْتُونَ إلى مَعْمُودِيَّتِهِ قالَ لَهُمْ: يا أوْلادَ الأفاعِي - ثُمَّ اتَّفَقَ هو ولُوقا - مَن دَلَّكم عَلى الهَرَبِ مِنَ الغَضَبِ الآتِي؟ اعْمَلُوا الآنَ ثِمارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ ولا تَقُولُوا في نُفُوسِكُمْ: إنَّ أبانا إبْراهِيمُ، أقُولُ لَكُمْ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ أنْ يُقِيمَ مِن هَذِهِ الحِجارَةِ أوْلادًا لِإبْراهِيمَ ها هو ذا الفَأْسُ مَوْضُوعٌ عَلى أُصُولِ الشَّجَرِ، وكُلُّ شَجَرَةٍ لا تُثْمِرُ ثَمَرَةً طَيِّبَةً تُقْطَعُ وتُلْقى في النّارِ، فَسَألَهُ الجُمُوعُ، ماذا نَصْنَعُ؟ أجابَ وقالَ لَهُمْ: مَن لَهُ ثَوْبانِ فَلْيُعْطِ مَن لَيْسَ لَهُ، ومَن لَهُ طَعامٌ فَلْيَصْنَعْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأتى العَشّارُونَ لِيَعْتَمِدُوا مِنهُ فَقالُوا: ماذا نَصْنَعُ يا مُعَلِّمُ؟ فَقالَ لَهُمْ: لا تَفْعَلُوا أكْثَرَ مِمّا أُمِرْتُمْ بِهِ، وسَألَهُ أيْضًا الجُنْدُ قائِلِينَ: ماذا نَصْنَعُ نَحْنُ أيْضًا؟ فَقالَ لَهُمْ: لا تَعِيبُوا أحَدًا ولا تَظْلِمُوا أحَدًا، واكْتَفُوا بِأرْزاقِكم. (p-٣٨٩)وإنَّ جَمِيعَ الشَّعْبِ فَكَّرُوا في قُلُوبِهِمْ وظَنُّوا أنَّ يُوحَنّا المَسِيحُ، أجابَهم يُوحَنّا أجْمَعِينَ وقالَ لَهُمْ: أمّا أنا فَأُعَمِّدُكم بِالماءِ لِلتَّوْبَةِ، وسَيَأْتِي الَّذِي هو أقْوى مِنَ الَّذِي لا أسْتَحِقُّ أنْ أحُلَّ سُيُورَ حِذائِهِ؛ وقالَ مَتّى: لا أسْتَحِقُّ أنْ أحْمِلَ حِذاءَهُ؛ وقالَ مُرْقُسُ: وكانَ يُبَشِّرُ قائِلًا: الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي أُوقى مِنِّي، لَسْتُ أهْلًا - أعْنِي لِحَلِّ سُيُورِ حِذائِهِ، أنا أُعَمِّدُكم بِالماءِ وهو يُعَمِّدُكم بِرُوحِ القُدُسِ والنّارِ، الَّذِي بِيَدِهِ المِرْفَشُ، يُنَقِّي بِهِ الذُّرَةَ، ويَجْمَعُ القَمْحَ إلى أهْرائِهِ، ويَحْرِقُ التِّبْنَ بِنارٍ لا تُطْفَأُ، ولا يَخْبِزُ الشَّعْبَ، ويُبَشِّرُهم بِأشْياءَ كَثِيرَةٍ؛ وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا: كانَ إنْسانٌ أُرْسِلَ مِنَ اللَّهِ، اسْمُهُ يُوحَنّا، جاءَ لِلشَّهادَةِ لِلنُّورِ الَّذِي هو نُورُ الحَقِّ الَّذِي يُضِيءُ لِكُلِّ إنْسانٍ، (p-٣٩٠)الآتِي إلى العالَمِ، إلى خاصَّتِهِ، جاءَ وخاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ، فَأمّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأعْطاهم سُلْطانًا، والكَلِمَةُ صارَتْ جَسَدًا، وحَلَّ فِينا، ورَأيْنا مَجْدَهُ مَجْدًا مِثْلَ الوَحِيدِ المُمْتَلِئِ نِعْمَةً، وحَقًّا يُوحَنّا شَهِدَ مِن أجْلِهِ وصَرَخَ وقالَ: هَذا الَّذِي قُلْتُ إنَّهُ يَأْتِي بَعْدِي كانَ قَبْلِي، لِأنَّهُ أقْدَمُ مِنِّي، ومِنَ امْتِلائِهِ نَحْنُ بِأجْمَعِنا أخَذْنا نِعْمَةً مِن أجْلِ أنَّ النّامُوسَ بِمُوسى أُعْطى، والنِّعْمَةَ والحَقَّ أُوحِيا بِيَسُوعَ المَسِيحِ الَّذِي لَمْ يَرَهُ أحَدٌ قَطُّ، الِابْنِ الوَحِيدِ.
هَذِهِ شَهادَةُ يُوحَنّا إذْ أرْسَلَ إلَيْهِ اليَهُودُ مِن يَرُوشَلِيمَ كَهَنَةً ولاوِيِّينَ - أيْ ناسًا مِن أوْلادِ لاوِي - لِيَسْألُوهُ: مَن أنْتَ، فاعْتَرَفَ وأقَرَّ أنِّي لَسْتُ المَسِيحَ، فَسَألُوهُ: فَمَن ألَيّاءُ؟ فَقالَ: لَسْتُ أنا النَّبِيَّ، قالَ: كَلّا! فَقالُوا لَهُ: فَمَن أنْتَ لِنَرُدَّ الجَوابَ إلى الَّذِينَ أرْسَلُونا، ماذا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟ قالَ: أنا الصَّوْتُ الصّارِخُ في البَرِّيَّةِ: سَهِّلُوا طَرِيقَ الرَّبِّ - كَما قالَ أشْعَيا النَّبِيُّ. فَأمّا أُولَئِكَ الَّذِينَ أرْسَلُوا فَكانُوا مِنَ الفَرِيسِيِّينَ فَقالُوا: ما بالُكَ تُعَمِّدُ إنْ كُنْتَ لَسْتَ المَسِيحَ ولا ألَيّاءَ ولا النَّبِيَّ؟ أجابَهم يُوحَنّا: أنا أُعَمِّدُكم بِالماءِ، وفي وسَطِكم قائِمٌ ذاكَ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، (p-٣٩١)الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي وهو أقْوى مِنِّي، وهو قَبْلِي كانَ، ذاكَ الَّذِي لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أنْ أحُلَّ سُيُورَ حِذائِهِ. هَذا كانَ في بَيْتِ عَنَيا في عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كانَ يُوحَنّا يُعَمِّدُ. قالَ لُوقا: فَأمّا هِيرُودُسْ رَئِيسُ الرَّبْعِ فَكانَ يُوحَنّا يُبَكِّتُهُ مِن أجْلِ هِيرُودْيا امْرَأةِ أخِيهِ فِيلْفُوسْ ولِأجْلِ الشَّرِّ الَّذِي كانَ هِيرُودُسْ يَفْعَلُهُ، وزادَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ طَرَحَ يُوحَنّا في السِّجْنِ؛ وقالَ مُرْقُسُ وقَدْ ذَكَرَ آياتٍ أظْهَرَها المَسِيحُ: وسَمِعَ هِيرُودُسِ المَلِكُ وقالَ: إنَّ يُوحَنّا المَعْمَدانِ قامَ مِنَ الأمْواتِ، ومِن أجْلِ تِلْكَ القُوّاتِ يَعْمَلُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ ألَيّاءُ، وآخَرُونَ: إنَّهُ نَبِيٌّ كَواحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلَمّا سَمِعَ هِيرُودُسْ قالَ: أنا قَطَعْتُ رَأْسَ يُوحَنّا؛ وفي مَتّى: وفي ذَلِكَ الزَّمانِ سَمِعَ هِيرُودُسْ رَئِيسُ الرَّبْعِ خَبَرَ يَسُوعَ فَقالَ لِغِلْمانِهِ: هَذا هو يُوحَنّا المَعْمَدانِ، وهو قامَ مِنَ الأمْواتِ، مِن أجْلِ هَذِهِ القُوّاتِ يَعْمَلُ، وكانَ هِيرُودُسْ قَدْ (p-٣٩٢)أمْسَكَ يُوحَنّا وشَدَّهُ وجَعَلَهُ في السِّجْنِ، وقالَ مُرْقُسُ: وحَبَسَهُ مِن أجْلِ هِيرُودْيا امْرَأةِ فِيلْفُوسْ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَزَوَّجَها وقالَ لَهُ يُوحَنّا: ما يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ امْرَأةَ أخِيكَ، وكانَتْ هِيرُودْيا حَنِقَةً عَلَيْهِ تُرِيدُ قَتْلَهُ، ولَمْ تَقْتُلْهُ لِأنَّ هِيرُودُسْ كانَ يَخافُ مِن يُوحَنّا، لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ رَجُلٌ صِدِّيقٌ قِدِّيسٌ ويَحْفَظُهُ ويَسْمَعُ مِنهُ كَثِيرًا بِشَهْوَةٍ، وكانَ في يَوْمٍ مِنَ الزَّمانِ وافى هِيرُودُسْ مَوْلُودٌ، فَصَنَعَ ولِيمَةً لِعُظَمائِهِ ورُؤَسائِهِ ومُقَدَّمِي الجَلِيلِ، ودَخَلَتِ ابْنَةُ هِيرُودْيا فَرَقَصَتْ، فَوافَقَ ذَلِكَ هِيرُودُسْ وجُلَساءَهُ، فَقالَ المَلِكُ لِلصَّبِيَّةِ: سَلِي ما أرَدْتِ فَأُعْطِيَكِ! وحَلَفَ لَها أنِّي أُعْطِيكِ ما سَألْتِ ولَوْ كانَ نِصْفَ مُلْكِي، فَخَرَجَتْ وقالَتْ لِأُمِّها: أيَّ شَيْءٍ أسْألُهُ؟ فَقالَتْ: رَأْسَ يُوحَنّا المَعْمَدانِ، فَرَجَعَتْ لِلْوَقْتِ بِسُرْعَةٍ إلى المَلِكِ وسَألَتْ رَأْسَ يُوحَنّا عَلى طَبَقٍ، فَحَزِنَ المَلِكُ، ومِن أجْلِ اليَمِينِ والمَنكِبَيْنِ لَمْ يَرَ مَنعَها، (p-٣٩٣)فَأنْفَذَ سَيّافًا مِن ساعَتِهِ وأمَرَ أنْ يُؤْتى بِرَأْسِهِ في طَبَقٍ، فَمَضى وقَطَعَ رَأْسَهُ في الحَبْسِ وجاءَ بِهِ في طَبَقٍ وأعْطاهُ لِلصَّبِيَّةِ، فَأخَذَتْهُ الصَّبِيَّةُ ودَفَعَتْهُ لِأُمِّها؛ وسَمِعَ تَلامِيذُهُ فَجاؤُوا ورَفَعُوا جُثَّتَهُ وجَعَلُوها في قَبْرٍ؛ قالَ مَتّى: وجاءَ تَلامِيذُهُ فَأخَذُوا جَسَدَهُ ودَفَنُوهُ وأتَوْا فَأخْبَرُوا يَسُوعَ فَلَمّا سَمِعَ يَسُوعُ مَضى مِن هُناكَ في سَفِينَةٍ إلى البَرِّيَّةِ مُفْرَدًا، فَسَمِعَ الجَمْعُ فَتَبِعُوهُ ماشِينَ مِنَ المُدُنِ، فَلَمّا خَرَجَ أبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وأبْرَأ أعِلّاءَهم ومَرْضاهُمُ انْتَهى.
آل عمران 3:44
ولَمّا أتى نَبِيُّنا ﷺ بِهَذِهِ الأخْبارِ الغَرِيبَةِ المُحَرَّرَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي لا يَعْرِفُها عَلى وجْهِها إلّا الحُذّاقُ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ مِن حَقِّ سامِعِها أنْ يَتَنَبَّهَ مِن غَفْلَتِهِ ويَسْتَيْقِظَ مِن رَقْدَتِهِ، لِأنَّها مُنَبِّهَةٌ بِنَفْسِها لِلْمُنْصِفِ الفَطِنِ عَلى أنَّ الآتِيَ بِها - والسّامِعُ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ عالِمًا قَطُّ - صادِقٌ لا مِرْيَةَ في صِدْقِهِ في كُلِّ ما يَدَّعِيهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وكانَ مِن حَقِّ مَن يَتَنَبَّهُ أنْ يُبادِرَ إلى الإذْعانِ فَيُصَرِّحَ بِالإيمانِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا التَفَتَ إلى تَنْبِيهِ الغَبِيِّ وتَبْكِيتِ (p-٣٩٤)العَتِيِّ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الخِطابُ العَلِيُّ المَقامِ الصّادِقُ المَرامِ البَدِيعُ النِّظامِ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ﴾ أيْ نُجَدِّدُ إيحاءَهُ في أمْثالِهِ ﴿إلَيْكَ﴾ في كُلِّ حِينٍ فَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ في هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ لَكَ يَوْمًا عَلى هَذا التَّحْرِيرِ مَعَ الإعْجازِ في البَلاغَةِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا تَقْدِيرُها: ”و“ الحالُ أنَّكَ ”ما كُنْت“ ولَمّا كانَ هَذا مَعَ كَوْنِهِ مِن أبْطَنِ السِّرِّ هو مِن أخْفى العِلْمِ عَبَّرَ فِيهِ بِـ (لَدى) لِما هو في أعْلى رُتَبِ الغَرابَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] وكَرَّرَها زِيادَةً في تَعْظِيمِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يُسْتَغْرَبُ جِدًّا حَتّى عِنْدَ أهْلِ الِاصْطِفاءِ فَقالَ: ﴿لَدَيْهِمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: لَدى هي (عِنْدَ) حاضِرَةٌ لِرِفْعَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يُنَبَّأُ بِهِ عَنْهُ. انْتَهى.
﴿إذْ يُلْقُونَ﴾ لِأجْلِ القُرْعَةِ - ﴿أقْلامَهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ قَلَمٍ، وهو مُظْهِرُ الآثارِ المُنْبِئَةِ عَمّا وراءَها مِنَ الاعْتِبارِ - انْتَهى ﴿أيُّهُمْ﴾ (p-٣٩٥)أيْ يَسْتَهِمُونَ أيُّهم ﴿يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها ويُرَبِّيها تَنافُسًا في أمْرِها لِما شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى بِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ في ذَلِكَ حَتّى نَقُصَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ السَّدِيدِ - يَعْنِي أنَّهُ لا وجْهَ لَكَ إلى عِلْمِ ذَلِكَ إلّا بِالكَوْنِ مَعَهم إذْ ذاكَ، أوْ أخْذِ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، أوْ بِوَحْيٍ مِنّا؛ ومِنَ الواضِحِ الجَلِيِّ أنَّ بُعْدَ نِسْبَتِكَ إلى التَّعَلُّمِ مِنَ البَشَرِ كَبُعْدِ نِسْبَتِكَ إلى الحُضُورِ بَيْنَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِشُهْرَتِكَ بِالنَّشْأةِ أُمِّيًّا مُباعِدًا لِلْعِلْمِ والعُلَماءِ حَتّى ما يَتَفاخَرُ بِهِ قَوْمُكَ مِنَ السَّجْعِ ومُعاناةِ الصَّوْغِ لِفُنُونِ الكَلامِ عَلى الوُجُوهِ الفائِقَةِ، فانْحَصَرَ إخْبارُكَ بِذَلِكَ في الوَحْيِ مِنّا، وجُعِلَ هَذا التَّنْبِيهُ في نَحْوٍ وسَطَ هَذا القَصَصِ لِيَكُونَ السّامِعُ عَلى ذِكْرٍ مِمّا مَضى ويُلْقِي السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ لِما بَقِيَ، وجَعَلَهُ بَعْدَ الِافْتِتاحِ بِقِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ شَأْنِها وأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِلرَّدِّ عَلى وفْدِ نَصارى نَجْرانَ، وكَأنَّهُ أتْبَعَ التَّنْبِيهَ ما كانَ في أوَّلِ (p-٣٩٦)القِصَّةِ مِنَ اقْتِراعِهِمْ بِالأقْلامِ واخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها لِخَفائِهِ إلّا عَلى خَواصِّ أهْلِ الكِتابِ، هَذا مَعَ ما في مُناسَبَةِ الأقْلامِ لِلْبِشارَةِ بِمَن يَعْلَمُهُ الكِتابُ، واسْتَمَرَّ في إكْمالِ المَقالِ عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ حَتّى تَمَّتِ الحُجَّةُ واسْتَقامَتِ المَحَجَّةُ فَقالَ تَعالى مُبْدِلًا مِن (إذْ) الأُولى إيذانًا بِأنَّ ما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِما نَبَّهَ عَلَيْهِ مِن شَرِيفِ الأغْراضِ:
آل عمران 3:45
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِلتَّفَرُّدِ بِالعَظَمَةِ عَبَّرَ بِما صُدِّرَتْ بِهِ مِنَ اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ، فَلا رادَّ لِأمْرِهِ ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ وكَرَّرَ هَذا الِاسْمَ الشَّرِيفَ في هَذا المَقامِ زِيادَةً في إيضاحِ هَذا المَرامِ بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ أيْ مُبْتَدِئَةٍ ﴿مِنهُ﴾ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ هو مِن تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، والتَّعْبِيرُ بِها أوْفَقُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ وأنْفى لِما يَدَّعِيهِ المُجادِلُونَ في أمْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالكَلِمَةِ حَقِيقَتَها، بَلْ ما يَكُونُ عَنْها ويَكُونُ فَعّالًا بِها فَقالَ مُذَكِّرًا لِلضَّمِيرِ: ﴿اسْمُهُ﴾ أيِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ عَمَّنْ سِواهُ مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أشْياءَ: (p-٣٩٧)﴿المَسِيحُ﴾ أصْلُ هَذا الوَصْفِ أنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِمْ: مَن مَسَحَهُ الإمامُ بِدُهْنِ القُدْسِ كانَ طاهِرًا مُتَأهِّلًا لِلْمُلْكِ والعِلْمِ والمَزايا الفاضِلَةِ مُبارَكًا، فَدَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُلازِمٌ لِلْبَرَكَةِ النّاشِئَةِ عَنِ المَسْحِ وإنْ لَمْ يُمْسَحْ؛ وأمّا وصْفُ الدَّجّالِ بِذَلِكَ فَإمّا أنْ يَكُونَ لَمّا كانَ هَلاكُهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وُصِفَ بِوَصْفِهِ - مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِالضِّدِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى أنَّهُ مُلازِمٌ لِلنَّجاسَةِ فَهو بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ - ولَوْ مُسِحَ - عَنِ الاحْتِياجِ إلى التَّطْهِيرِ بِالمَسْحِ مِنَ الدُّهْنِ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ المُذْنِبُونَ ومَن كانَ بِهِ بَرَصٌ ونَحْوُهُ فَيَبْرَأُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
ولَمّا وصَفَهُ بِهَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ ذَكَرَ اسْمَهُ فَقالَ ﴿عِيسى﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ يَكُونُ مِنها وحْدَها مِن غَيْرِ ذَكَرٍ بِقَوْلِهِ مَوْضِعَ ابْنِكِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وذَلِكَ أنْفى لِما ضَلَّ بِهِ مَن ضَلَّ في أمْرِهِ، وأوْضَحُ في تَقْرِيرِ مَقْصُودِ السُّورَةِ وفي تَفْخِيمِ هَذا الذِّكْرِ بِجَعْلِهِ نَفْسَ الكَلِمَةِ وبِإبْهامِهِ أوَّلًا ثُمَّ تَفْسِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اسْمُهُ﴾ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِهِ وبَيانٌ لِفَضْلِهِ (p-٣٩٨)عَلى يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلُ لَهُ في البِشارَةِ بِهِ مِثْلُ هَذا الذِّكْرِ، ثُمَّ أتَمَّ لَها البِشارَةَ بِأوْصافٍ جَعَلَها أحْوالًا دالَّةً عَلى أنَّهُ يَظْهَرُ اتِّصافُهُ بِها حالَ الوِلادَةِ تَحْقِيقًا لِظُهُورِ أثَرِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وجِيهًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِمّا مِنهُ الوَجاهَةُ، وأصْلُ مَعْناهُ الوَجْهُ وهو المُلاحَظُ المُحْتَرَمُ بِعُلُوٍّ ظاهِرٍ فِيهِ. انْتَهى.
﴿فِي الدُّنْيا﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ لا يُلازِمُ الوَجاهَةَ بَعْدَ المَوْتِ قالَ: ﴿والآخِرَةِ﴾ ولَمّا كانَتِ الوَجاهَةُ ثَمَّ مُخْتَلِفَةً ذَكَرَ أعْلاها عاطِفًا بِالواوِ إشارَةً إلى تَمَكُّنِهِ في الصِّفاتِ فَقالَ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ عِنْدَ اللَّهِ.
آل عمران 3:46
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ لا يَقْتَضِي خَرْقَ العاداتِ قالَ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ أيْ مَن كَلَّمَهُ مِن جَمِيعِ هَذا النَّوْعِ، بِأيِّ لِسانٍ كانَ كَلِمُهُ، حالَ كَوْنِهِ ﴿فِي المَهْدِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو مَوْطِنُ الهُدُوءِ والسُّكُونِ لِلْمُتَحَسِّسِ اللَّطِيفِ الَّذِي يَكُونُ بِذَلِكَ السُّكُونِ والهُدُوِّ قِوامُهُ. انْتَهى.
وبَشَّرَها بِطُولِ حَياتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَهْلا﴾ أيْ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ في خاتِمَةِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ، ويَكُونُ كَلامُهُ في الحالَتَيْنِ كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. (p-٣٩٩)قالَ الحَرالِّيُّ: والكُهُولَةُ سِنٌّ مِن أسْنانِ أرابِيعِ الإنْسانِ، وتَحْقِيقُ حَدِّهِ أنَّهُ الرُّبُعُ الثّالِثُ المُوتِرُ لِشَفْعِ مُتَقَدِّمِ سِنِيهِ مِنَ الصِّبا والشَّبابِ فَهو خَيْرُ عُمْرِهِ، يَكُونُ فِيمَن عُمْرُهُ ألْفُ شَهْرٍ - بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً - مِن حَدِّ نَيِّفٍ وأرْبَعِينَ إلى بِضْعٍ وسِتِّينَ، إذا قُسِّمَ الأرْباعُ لِكُلِّ رُبُعٍ إحْدى وعِشْرُونَ سَنَةً صِبًا، وإحْدى وعِشْرُونَ شَبابًا، وإحْدى وعِشْرُونَ كُهُولَةً، وإحْدى وعِشْرُونَ شُيُوخَةً، فَذَلِكَ بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً. انْتَهى. وهَذا تَحْقِيقُ ما اخْتَلَفَ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الإمامِ أبِي مَنصُورٍ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أحْمَدَ الثَّعالِبِيِّ في البابِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن كِتابِهِ (فِقْهُ اللُّغَةِ): ثُمَّ ما دامَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ فَهو شابٌّ، ثُمَّ كَهْلٌ إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ السِّتِّينَ؛ ويُقالُ: شابَ الرَّجُلُ، ثُمَّ شَمِطَ، ثُمَّ شاخَ، ثُمَّ كَبُرَ. انْتَهى. والكَهْلُ - قالَ أهْلُ اللُّغَةِ - مَأْخُوذٌ مِنِ: اكْتَهَلَ النَّباتُ - إذا تَمَّ طُولُهُ قَبْلَ أنْ يَهِيجَ، وكَلامُ الفُقَهاءِ لا يُخالِفُهُ، فَإنَّ مَبْناهُ العُرْفُ، فالنَّصُّ عَلى كُهُولَتِهِ إشارَةٌ لِأُمِّهِ بِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن أعْدائِهِ إذا قَصَدُوهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ دَعْواهم لِصَلْبِهِ كاذِبَةٌ. (p-٤٠٠)ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الصَّلاحِ في غايَةِ العَظَمَةِ قالَ مُشِيرًا إلى عُلُوِّ مِقْدارِها: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومُعْلِمًا بِأنَّها مُحِيطَةٌ بِأمْرِهِ، شامِلَةٌ لِآخِرِ عُمْرِهِ، كَما كانَتْ مُقارِنَةً لِأوَّلِهِ،
آل عمران 3:47
وكَأنَّها لَمّا سَمِعَتْ ذَلِكَ امْتَلَأتْ تَعَجُّبًا فاسْتَخَفَّها ذَلِكَ إلى الِاسْتِعْجالِ بِالسُّؤالِ قَبْلَ إكْمالِ المَقالِ بِأنْ ﴿قالَتْ رَبِّ﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿أنّى﴾ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ ﴿يَكُونُ لِي﴾ ولَمّا كانَ اسْتِبْعادُها لِمُطْلَقِ الحَبَلِ، لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ ذَكَرًا كَما في قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَتْ ﴿ولَدٌ﴾ وقالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لِفَهْمِها ذَلِكَ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْها فَقَطْ. قالَ الحَرالِّيُّ: والبَشَرُ هو اسْمُ المَشْهُودِ مِنَ الآدَمِيِّ في جُمْلَتِهِ بِمَنزِلَةِ الوَجْهِ في أعْلى قامَتِهِ، مِن مَعْنى البَشَرَةِ، وهو ظاهِرُ الجِلْدِ انْتَهى (ولَعَلَّ هَذا الكَلامَ خَطَرَ لَها ولَمْ تَلْفِظْ بِهِ فَعَلِمَ المَلَكُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ شَغَلَ فِكْرَها فَأجابَها عَنْهُ لِتَفْرِيغِ الفَهْمِ بِأنْ ﴿قالَ كَذَلِكِ﴾ أيْ مِثْلِ هَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الشَّأْنِ العالِي الرُّتْبَةِ يَكُونُ ما بَشَّرْتُكِ بِهِ) ولَمّا كانَ اسْتِبْعادُها لِمُطْلَقِ التَّكْوِينِ مِن (p-٤٠١)غَيْرِ سَبَبٍ أصْلًا عَبَّرَ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ بِالخَلْقِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿يَخْلُقُ﴾ أيْ يُقَدِّرُ ويَصْنَعُ ويَخْتَرِعُ ﴿ما يَشاءُ﴾ فَعَبَّرَ بِالخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّ العَجَبَ فِيهِ لا في مُطْلَقِ الفِعْلِ كَما في يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جَعْلِ الشَّيْخِ كالشّابِّ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ سُهُولَتَهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ جَلَّ أوْ قَلَّ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بَيانًا لِلْكَلِمَةِ،
آل عمران 3:48
فَلَمّا أجابَها عَمّا شَغَلَ قَلْبَها مِنَ العَجَبِ فَتَفَرَّغَ الفَهْمُ أخَذَ في إكْمالِ المَقالِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ [آل عمران: ٤٦] بِالياءِ كَما قَبْلَهُ في قِراءَةِ نافِعٍ وعاصِمٍ، وبِالنُّونِ في قِراءَةِ الباقِينَ نَظَرًا إلى العَظَمَةِ إظْهارًا لِعَظَمَةِ العِلْمِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ﴾ أوْ يَكُونُ مُسْتَأْنَفًا فَيُعْطَفُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَنَخْلُقُهُ كَذَلِكَ ونُعَلِّمُهُ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ الكِتابَةَ أوْ جِنْسَ الكِتابِ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ مَعْرِفَةَ الكِتابِ وحِفْظَهُ وفَهْمَهُ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ العُلُومَ الإلَهِيَّةَ (p-٤٠٢)لِتُفِيدَهُ تَهْذِيبَ الأخْلاقِ فَيَفِيضُ عَلَيْهِ قَوْلُ الحَقِّ وفِعْلُهُ عَلى أحْكَمِ الوُجُوهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِمّا يُبْرِمُهُ.
ولَمّا وصَفَهُ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ فَصارَ مُتَأهِّلًا لِأسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ قالَ: ﴿والتَّوْراةَ﴾ أيِ الَّتِي تَعْرِفِينَها ﴿والإنْجِيلَ﴾ بِإنْزالِهِ عَلَيْهِ تالِيًا لَهُما، وتَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ يُفِيدُ تَعْظِيمَهُ بِأنَّ ما قَبْلَهُ مُقَدِّماتٌ لِتَلَقِّيهِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى: فَيَكُونُ، لِأنَّهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ فَيَقْتَضِي اتِّصافَ كُلِّ مَقْضِيٍّ بِهَذِهِ الأوْصافِ كُلِّها.
آل عمران 3:49
ولَمّا ذَكَرَ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ حَسُنَ ذِكْرُ الرِّسالَةِ فَقالَ بَعْدَ ما أفادَ عَظَمَتَها بِجَعْلِهِ ما مَضى مُقَدِّماتٍ لَها: ﴿ورَسُولا﴾ عَطْفًا عَلى ”تالِيًا“ المُقَدَّرِ، أوْ يُنْصَبُ بِتَقْدِيرِ: يَجْعَلُهُ ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ بِالإنْجِيلِ. ولَمّا كانَ ذِكْرُ الرِّسالَةِ مُوجِبًا لِتَوَقُّعِ الآيَةِ دَلالَةً عَلى صِحَّتِها، وكانَ مِن شَأْنِ الرَّسُولِ مُخاطَبَةُ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وإقْبالُهُ بِجَمِيعِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِمْ أتْبَعَهُ بِبَيانِ الرِّسالَةِ مَقْرُونًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ فَقالَ: ﴿أنِّي﴾ أيْ ذاكِرًا أنِّي ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْكُمْ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”آيَةٍ“ ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ تَرْبِيَتِكم بِصَنائِعِ اللَّهِ (p-٤٠٣)﴿مِنَ الطِّينِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو مُتَخَمِّرُ الماءِ والتُّرابِ حَيْثُ يَصِيرُ مُتَهَيِّئًا لِقَبُولِ وقْعِ الصُّورَةِ فِيهِ ﴿كَهَيْئَةِ﴾ وهي كَيْفِيَّةُ وضْعِ أعْضاءِ الصُّورَةِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ الَّتِي يُدْرِكُها ظاهِرُ الحِسِّ - انْتَهى وهي الصُّورَةُ المُتَهَيِّئَةُ لِما يُرادُ مِنها ﴿الطَّيْرِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِياجَهُ في إحْيائِهِ إلى مُعالَجَةٍ بِقَوْلِهِ مُعْقِبًا لِلتَّصْوِيرِ: ﴿فَأنْفُخُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ النَّفْخِ، وهو إرْسالُ الهَواءِ مِن مُنْبَعَثِهِ بِقُوَّةٍ انْتَهى.
﴿فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ الَّذِي هو مِثْلُ الهَيْئَةِ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ أيْ طائِرًا بِالفِعْلِ - كَما في قِراءَةِ نافِعٍ، وذَكَرَ المُعالَجَةَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ خالِقٌ حَقِيقَةً، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ إزالَةً لِجَمِيعِ الشُّبَهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، لَهُ رُوحٌ كامِلٌ لِحَمْلِهِ في الهَواءِ تَذْكِيرًا بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ، وإشارَةً إلى أنَّ هَذا أعْجَبُ مِن خَلْقِ آدَمِيٍّ مِن أُنْثى فَقَطْ فَلا تَهْلِكُوا في ذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ ما يُشْبِهُ أمْرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْبَعَهُ عِلاجَ أجْسادِ أوْلادِهِ بِما يَرُدُّها إلى مُعْتادِها بِما يُعْجِزُ أهْلَ زَمانِهِ، وكانَ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الطِّبَّ وبَدَأ بِأجْزائِها فَقالَ: ﴿وأُبْرِئُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإبْراءِ (p-٤٠٤)وهُوَ تَمامُ التَّخَلُّصِ مِنَ الدّاءِ، والدّاءُ ما يُوهِنُ القُوى ويُغَيِّرُ الأفْعالَ العامَّةَ لِلطَّبْعِ والِاخْتِيارِ. انْتَهى.
﴿الأكْمَهَ والأبْرَصَ﴾ بِإيجادِ ما فُقِدَ مِنها مِنَ الرُّوحِ المَعْنَوِيِّ؛ والكَمَهُ - قالَ الحَرالِّيُّ - ذَهابُ البَصَرِ في أصْلِ الخِلْقَةِ كالَّذِي يُولَدُ أعْمى أوْ يَعْمى قَبْلَ أنْ يُمَيِّزَ الأشْياءَ أوْ يُدْرِكَها. والبَرَصُ أصْلُ مَعْناهُ: تَلَمُّعُ الشَّيْءِ بِلَمْعٍ خِلافَ ما هو عَلَيْهِ، ومِنهُ بِراصُ الأرْضِ - لِبُقَعٍ لا نَبْتَ فِيها، ومِنهُ البَرِيصُ في مَعْنى البَصِيصِ، فَما تَلَمَّعَ مِنَ الجِلْدِ عَلى غَيْرِ حالِهِ فَهو لِذَلِكَ بَرَصٌ وقالَ الحَرالِّيُّ: البَرَصُ عِبارَةٌ عَنْ سُوءِ مِزاجٍ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ تَكَرُّجٌ، أيْ فَسادُ بَلْغَمٍ يُضْعِفُ القُوَّةَ المُغَيِّرَةَ عَنْ إحالَتِهِ إلى لَوْنِ الجَسَدِ. انْتَهى.
ولَمّا فَرَغَ مِن رَدِّ الأرْواحِ إلى أجْزاءِ الجِسْمِ أتْبَعَهُ رَدَّ الرُّوحِ الكامِلَ في جَمِيعِهِ المُحَقِّقَ لِأمْرِ البَعْثِ المُصَوِّرَ لَهُ بِإخْراجِهِ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ في بَعْضِ الآدَمِيِّينَ فَقالَ: ﴿وأُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ بِرَدِّ أرْواحِهِمْ إلى أشْباحِهِمْ، بَعْضُهم بِالفِعْلِ وبَعْضُهم بِالقُوَّةِ، لِأنَّ الَّذِي أقْدَرَنِي عَلى البَعْضِ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ في الكُلِّ، وقَدْ أعْطانِي قُوَّةَ ذَلِكَ، (p-٤٠٥)وهَذا كَما نَقَلَ القُضاعِيُّ أنَّ الحَسَنَ قالَ: «أتى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أنَّهُ طَرَحَ بُنَيَّةً لَهُ في وادِي كَذا، فَمَضى مَعَهُ إلى الوادِي وناداها بِاسْمِها: يا فُلانَةُ! أجِيبِي بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى! فَخَرَجَتْ وهي تَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ! فَقالَ لَها: إنَّ أبَوَيْكِ قَدْ أسْلَما فَإنْ أحْبَبْتِ أرُدُّكِ إلَيْهِما، فَقالَتْ: لا حاجَةَ لِي بِهِما، وجَدْتُ اللَّهَ خَيْرًا لِي مِنهُما» وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ عِنْدَ ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] ما يَنْفَعُ هُنا، وقِصَّةُ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةٍ في رَدِّهِ ﷺ عَيْنَهُ بَعْدَ أنْ أصابَها سَهْمٌ فَسالَتْ عَلى خَدِّهِ، فَصارَتْ أحْسَنَ مِن أُخْتِها شَهِيرَةٌ، وقِصَّةُ أُوَيْسٍ القَرْنِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في إبْراءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مِنَ البَرَصِ بِبِرِّهِ لِأُمِّهِ كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن أمْرِ الإحْياءِ الَّذِي هو مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةِ وأبْطَنِ آياتِ المَلَكُوتِيَّةِ رُبَّما أوْرَثَ لَبْسًا في أمْرِ الإلَهِ تَبَرَّأ مِنهُ ورَدَّهُ إلى مَن هو لَهُ، مُزِيلًا لِلَّبْسِ ومُوَضِّحًا لِلْأمْرِ فَقالَ مُكَرِّرًا لِما قَدَّمَهُ في مِثْلِهِ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى عِظَمِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ، (p-٤٠٦)ثُمَّ أتْبَعَهُ ما هو مِن جِنْسِهِ في الإخْراجِ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ فَقالَ: ﴿وأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ مِنَ الأخْبارِ الجَلِيلَةِ مِن عالَمِ الغَيْبِ ﴿بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ مِمّا لَمْ أُشاهِدْهُ، بَلْ تَقْطَعُونَ بِأنِّي كُنْتُ غائِبًا عَنْهُ ﴿وما تَدَّخِرُونَ﴾ ولَمّا كانَ مَسْكَنُ الإنْسانِ أعَزَّ البُيُوتِ عِنْدَهُ وأخْفى لِما يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَهُ قالَ: ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الادِّخارِ: افْتِعالٌ مِنَ الدُّخْرَةِ، قُلِبَ حَرْفاهُ الدّالُ لِتَوَسُّطِ الدّالِ بَيْنَ تَطَرُّفِهِما في مُتَقابِلَيْ حالِهِما؛ والدُّخْرَةُ ما اعْتُنِيَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ عُدَّةً لِما شَأْنُهُ أنْ يُحْتاجَ إلَيْهِ فِيهِ، فَما كانَ لِصَلاحٍ خاصَّةِ الماسِكِ فَهو ادِّخارٌ، وما كانَتْ لِتُكْسَبَ فِيما يَكُونُ مِنَ القِوامِ فَهو احْتِكارٌ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الخَوارِقَ نَبَّهَ عَلى أمْرِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ ﴿لآيَةً لَكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُشاهِدُونَ عَلى أنِّي عَبْدُ اللَّهِ ومُصْطَفاهُ، فَلا تَهْلِكُوا في تَكْوِينِي مِن أُنْثى فَقَطْ فَتُطْرُونِي، فَإنِّي لَمْ أعْمَلْ شَيْئًا مِنها إلّا ناسِبًا لَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وصانِعًا فِيهِ ما يُؤْذِنُ بِالحاجَةِ المُنافِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ ولَوْ بِالدُّعاءِ، وأفْرَدَ كافَ الخِطابِ أوَّلًا لِكَوْنِ ما عَدَّهُ ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ عَلى انْفِرادِهِ أنَّهُ آيَةٌ لِجَمِيعِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وكَذا (p-٤٠٧)جَمَعَ ثانِيًا قَطْعًا لِتَعَنُّتِ مَن قَدْ يَقُولُ: إنَّها لا تَدُلُّ إلّا بِاجْتِماعِ أنْظارِ جَمِيعِهِمْ - لَوْ جَمَعَ الأوَّلَ، وإنَّها لَيْسَتْ آيَةً لِكُلِّهِمْ بَلْ لِواحِدٍ مِنهم - لَوْ وحَّدَ في الثّانِي، ولَمّا كانَتِ الآياتُ لا تَنْفَعُ مَعَ المُعانَداتِ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُذْعِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، وأهْلًا لِتَصْدِيقِ ما يَنْبَغِي التَّصْدِيقُ بِهِ.
آل عمران 3:50
ولَمّا كانَ تَرْجَمَةُ ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] آتِيًا إلَيْكم بِآيَةِ كَذا، مُصَدِّقًا بِها لِما أتَيْتُ بِهِ، عَطَفَ عَلى الحالِ المُقَدَّرِ مِنهُ تَأْكِيدًا لِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ قَوْلَهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أيْ كانَ قَبْلَ إتْيانِي إلَيْكم ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾ أيِ المُنْزَلَةِ عَلى أخِي مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأنَّ القَبْلِيَّةَ تَقْتَضِي العَدَمَ الَّذِي هو صِفَةُ المَخْلُوقِ؛ أوْ يُعْطَفُ عَلى ﴿بِآيَةٍ﴾ إذا جَعَلْنا الباءَ لِلْحالِ، لا لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ وجِئْتُكم مَصْحُوبًا بِآيَةٍ ومُصَدِّقًا.
ولَمّا ذَكَرَ التَّوْراةَ أتْبَعَها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إقْرارِها كُلِّها عَلى (p-٤٠٨)ما هي عَلَيْهِ وتَحْدِيدِ أمْرِها عَلى ما كانَ زَمَنَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هو مَعَ تَصْدِيقِها يَنْسَخُ بَعْضَها فَقالَ: ﴿ولأُحِلَّ﴾ أيْ صَدَّقْتُها لِأحُثَّكم عَلى العَمَلِ بِها ولِأُحِلَّ ﴿لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ فِيها تَخْفِيفًا عَلَيْكم ﴿وجِئْتُكُمْ﴾ الآيَةُ لَيْسَ مُكَرَّرًا لِتَأْكِيدِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: ٤٩] عَلى ما تُوُهِّمَ، بَلِ المَعْنى - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أتاهم بِهَذِهِ الخَوارِقِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياءُ المَوْتى، وكانَ مِنَ المُقَرَّرِ عِنْدَهم - كَما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ - التَّحْذِيرُ مِنَ الدَّجّالِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن حالِهِ أنَّهُ يَأْتِي بِخَوارِقَ، مِنها إحْياءُ مَيِّتٍ ويَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشُبْهَةٍ تَعْرِضُ لِبَعْضِ النّاسِ، فَخَتَمَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى رِسالَتِهِ بِما هو البُرْهانُ الأعْظَمُ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، وذَلِكَ مُطابَقَتُهُ لِما دَعا إلَيْهِ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ كُلُّهم مِن إخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: وجِئْتُكم ﴿بِآيَةٍ﴾ أيْ عَظِيمَةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ ﴿مِنَ﴾ عِنْدِ ﴿رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكم بَعْدَ التَّفَرُّدِ بِخَلْقِكُمْ، وهي أجَلُّ الأماراتِ وأدَلُّها عَلى صِدْقِي في رِسالَتِي، هو عَدَمُ تُهْمَتِي بِوُقُوعِ شُبْهَةٍ في عُبُودِيَّتِي. (p-٤٠٩)ولَمّا تَقَرَّرَ بِذِكْرِ الآيَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعَ ما أفادَتْهُ مِن تَأْسِيسِ التَّفْصِيلِ لِأنْواعِ الآياتِ تَأْكِيدُ رِسالَتِهِ تَلْطِيفًا لِطِباعِهِمُ الكَثِيفَةِ، فَيَنْقَطِعُ مِنها ما كانَتْ ألِفَتْهُ في الأزْمانِ المُتَطاوِلَةِ مِنَ العَوائِدِ الباطِلَةِ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما يُصَرِّحُ بِعُبُودِيَّتِهِ أيْضًا فَقالَ مُبادِرًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الأدَبَ مَعَ المُحْسِنِ آكَدُ والخَوْفَ مِنهُ أحَقُّ وأوْجَبُ لِئَلّا يَقْطَعَ إحْسانَهُ ويُبَدِّلَ امْتِنانَهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿وأطِيعُونِ﴾ أيْ في قَبُولِها فَإنَّ التَّقْوى مُسْتَلْزِمَةٌ لِطاعَةِ الرَّسُولِ.
آل عمران 3:51
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما تِلْكَ الآيَةُ الَّتِي سَمَّيْتَها ”آيَةً“ بَعْدَ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الأشْياءِ الباهِرَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ أيْ خالِقُنا ومُرَبِّينا، أنا وأنْتُمْ في ذَلِكَ شَرْعٌ واحِدٌ، وقِراءَةُ مَن فَتَحَ ”إنَّ“ أظْهَرُ في المُرادِ ﴿فاعْبُدُوهُ هَذا﴾ أيِ الَّذِي دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أنا وأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ، لا أدْعُوكم (p-٤١٠)إلى شَيْءٍ إلّا كُنْتُ أوَّلَ فاعِلٍ لَهُ، ولا أدَّعِي أنِّي إلَهٌ ولا أدْعُو إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يَدَّعِي الدَّجّالُ ويَغُرُّهُ مِنَ الكَذَبَةِ الَّذِينَ تَظْهَرُ الخَوارِقُ عَلى أيْدِيهِمُ امْتِحانًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعِبادِهِ فَيَجْعَلُونَها سَبَبًا لِلْعُلُوِّ في الأرْضِ والتَّرَفُّعِ عَلى النّاسِ، وجاءَ بِالتَّحْذِيرِ مِنهم وتَزْيِيفِ أحْوالِهِمُ الأنْبِياءُ، وإلى هَذا يُرْشِدُ قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما سَيَأْتِي عَنْ إنْجِيلِ يُوحَنّا أنَّ مَن يَتَكَلَّمُ مِن عِنْدِهِ إنَّما يَطْلُبُ المَجْدَ لِنَفْسِهِ، فَأمّا الَّذِي يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أرْسَلَهُ فَهو صادِقٌ ولَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ؛ وإلى مِثْلِ ذَلِكَ أرْشَدَتِ التَّوْراةُ فَإنَّهُ جَعَلَ العَلامَةَ عَلى صِدْقِ الصّادِقِ وكَذِبِ الكاذِبِ الدَّعْوَةَ، فَمَن كانَتْ دَعْوَتُهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَبَ تَصْدِيقُهُ، مَن كَذَّبَهُ هَلَكَ، ومَن دَعا إلى غَيْرِهِ وجَبَ تَكْذِيبُهُ، ومَن صَدَّقَهُ هَلَكَ؛ قالَ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنها: وإذا دَخَلْتُمُ الأرْضَ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَلا تَعْمَلُوا مِثْلَ أعْمالِ تِلْكَ الشُّعُوبِ، ولا يُوجَدْ فِيكم مَن يَقْبُرُ ابْنَهُ أوِ ابْنَتَهُ في النّارِ نَذْرًا لِلْأصْنامِ، ولا مَن يَطْلُبُ تَعْلِيمَ العَرّافِينَ، ولا مَن يَأْخُذُ بِالعَيْنِ، ولا يُوجَدْ فِيكم (p-٤١١)مَن يَتَطَيَّرُ طِيَرَةً، ولا ساحِرٌ، ولا مَن يَرْقِي رُقْيَةً، ولا مَن يَنْطَلِقُ إلى العَرّافِينَ والقافَةِ فَيَطْلُبُ إلَيْهِمْ ويَسْألُهم عَنِ المَوْتى، لِأنَّ كُلَّ مَن يَعْمَلُ هَذِهِ الأعْمالَ هو نَجِسٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ رَبِّكُمْ، ومِن أجْلِ هَذِهِ النَّجاسَةِ يُهْلِكُ اللَّهُ هَذِهِ الشُّعُوبَ مِن بَيْنِ أيْدِيكُمْ؛ ولَكِنْ كُونُوا مُتَواضِعِينَ مُخْبِتِينَ أمامَ اللَّهِ رَبِّكُمْ، لِأنَّ هَذِهِ الشُّعُوبَ الَّتِي تَرِثُونَها كانَتْ تُطِيعُ العَرّافِينَ والمُنَجِّمِينَ، فَأمّا أنْتُمْ فَلَيْسَ هَكَذا يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، بَلْ يُقِيمُ لَكم نَبِيًّا مِن إخْوَتِكم مِثْلِي، فَأطِيعُوا ذَلِكَ النَّبِيَّ كَما أطَعْتُمُ اللَّهَ رَبَّكم في حُورِيبَ يَوْمَ الجَماعَةِ وقُلْتُمْ: لا نَسْمَعُ صَوْتَ اللَّهِ رَبِّنا ولا نُعايِنُ هَذِهِ النّارَ العَظِيمَةَ لِئَلّا نَمُوتَ، فَقالَ الرَّبُّ: ما أحْسَنَ ما تَكَلَّمُوا! سَأُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأُجْرِي قَوْلِي فِيهِ ويَقُولُ لَهم ما آمُرُهُ بِهِ، والرَّجُلُ الَّذِي لا يَقْبَلُ (p-٤١٢)قَوْلَ النَّبِيِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِي أنا أنْتَقِمُ مِنهُ، فَأمّا النَّبِيُّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ ويَتَجَرَّأُ بِاسْمِي ويَقُولُ ما لَمْ آمُرْهُ أنْ يَقُولَهُ ويَتَكَلَّمُ بِأسْماءِ الآلِهَةِ الأُخْرى لِيَقْتُلَ ذَلِكَ النَّبِيَّ، وإنْ قُلْتُمْ في قُلُوبِكُمْ: كَيْفَ لَنا أنْ نَعْرِفَ القَوْلَ الَّذِي لَمْ يَقُلْهُ الرَّبُّ، إذا تَكَلَّمَ ذَلِكَ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ فَلَمْ يَكْمُلْ قَوْلُهُ: ولَمْ يَتِمَّ فَلَذَلِكَ القَوْلُ لَمْ يَقُلْهُ الرَّبُّ ولَكِنْ تَكَلَّمَ ذَلِكَ النَّبِيُّ جَراءَةً وصَفاقَةَ وجْهٍ، فَلا تَخافُوهُ ولا تَفْزَعُوا مِنهُ؛ وقالَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ: وإذا أهْلَكَ اللَّهُ الشُّعُوبَ الَّتِي تَنْطَلِقُونَ إلَيْها وأبادَهم مِن بَيْنِ أيْدِيكم ووَرِثْتُمُوهم وسَكَنْتُمْ أرْضَهُمُ، احْفَظُوا، لا تَتَّبِعُوا آلِهَتَهم مِن بَعْدِ ما يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ مِن بَيْنِ أيْدِيكُمْ، ولا تَسْألُوا عَنْ آلِهَتِهِمْ ولا تَقُولُوا: كَيْفَ كانَتْ هَذِهِ الشُّعُوبُ تَعْبُدُ آلِهَتَها حَتّى نَفْعَلَ نَحْنُ مِثْلَ فِعْلِها؟ ولا تَفْعَلُوا مِثْلَ فِعالِها أمامَ اللَّهِ رَبِّكُمْ، لِأنَّهم عَمِلُوا بِكُلِّ ما أبْغَضَ اللَّهَ وأحْرَقُوا بَنِيهِمْ وبَناتِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ، ولَكِنَّ القَوْلَ الَّذِي آمُرُكم بِهِ إيّاهُ احْفَظُوا وبِهِ اعْمَلُوا! لا تَزِيدُوا ولا تَنْقُصُوا مِنهُ شَيْئًا (p-٤١٣)فَإنْ قامَ بَيْنَكم نَبِيٌّ أوْ مَن يُفَسِّرُ أحْلامًا وعَمِلَ آيَةً أوْ عَجِيبَةً ويَقُولُ: أقْبِلُوا بِنا نَعْبُدُ الآلِهَةَ الأُخْرى الَّتِي لا تَعْرِفُونَها ونَتَّبِعُها - لا يُقْبَلُ قَوْلُ ذَلِكَ النَّبِيِّ وصاحِبِ الأحْلامِ، لِأنَّهُ إنَّما يُرِيدُ، أنْ يُجَرِّبَكم لِيَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ اللَّهَ رَبَّكُمُ، احْفَظُوا وصاياهُ واتَّقُوا واسْمَعُوا قَوْلَهُ واعْبُدُوهُ والحَقُوا بِهِ، فَأمّا ذَلِكَ النَّبِيُّ وذَلِكَ الَّذِي تَحَلَّمَ الأحْلامَ فَلْيُقْتَلْ، لِأنَّهُ نَطَقَ بِإثْمٍ أمامَ اللَّهِ رَبِّكُمُ الَّذِي أخْرَجَكم مِن أرْضِ مِصْرَ وخَلَّصَكم مِنَ العُبُودِيَّةِ فَأرادَ أنْ يُضِلَّكم عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم أنْ تَسِيرُوا فِيهِ، واسْتَأْصِلُوا الشَّرَّ مِن بَيْنِكُمْ، وإنْ شَوَّقَكَ أخُوكَ ابْنُ أُمِّكَ وأبِيكَ أوِ ابْنَتُكَ أوْ حَلِيلَتُكَ أوْ صَدِيقُكَ ويَقُولُ لَكَ: هَلُمَّ بِنا نَتَّبِعُ الآلِهَةَ الأُخْرى الَّتِي لَمْ تَعْرِفْها أنْتَ ولا آباؤُكَ مِن آلِهَةِ الشُّعُوبِ الَّتِي حَوْلَكُمُ - القَرِيبَةِ مِنكم والبَعِيدَةِ - ومِن أقْطارِ الأرْضِ إلى أقْصاها - لا تَقْبَلْ قَوْلَهُ ولا تُطِعْهُ ولا تُشْفِقْ عَلَيْهِ ولا تَرْحَمْهُ ولا تَلْتَمَّ عَلَيْهِ ولا تَتَعَطَّفْ عَلَيْهِ، ولَكِنِ اقْتُلْهُ قَتْلًا، وابْدَأْ بِهِ (p-٤١٤)أنْتَ قَتْلًا، ثُمَّ يَبْدَأُ بِهِ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، وارْجُمُوهُ بِالحِجارَةِ ولْيَمُتْ، لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُضِلَّكَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ رَبِّكَ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن أرْضِ مِصْرَ وخَلَّصَكَ مِنَ العُبُودِيَّةِ، ويَسْمَعُ بِذَلِكَ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويَفْزَعُونَ فَلا يَعُودُوا أنْ يَعْمَلُوا مِثْلَ هَذا العَمَلِ السُّوءِ بَيْنَكُمْ، وإذا سَمِعْتُمْ أنَّ في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى الَّتِي أعْطاكُمُ اللَّهُ قَوْمًا قَدِ ارْتَكَبُوا خَطِيئَةً وأضَلُّوا أهْلَ قَرْيَتِهِمْ وقالُوا لَهُمْ: نَنْطَلِقُ فَنَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرى لَمْ تَعْرِفُوها، ابْحَثُوا نِعْمًا وسَلُوا حَسَنًا، إنْ كانَ القَوْلُ الَّذِي بَلَغَكم يَقِينًا وفُعِلَتْ هَذِهِ النَّجاسَةُ في تِلْكَ القَرْيَةِ اقْتُلُوا أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ بِالسَّيْفِ، واقْتُلُوا كُلَّ مَن فِيها مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ والبَهائِمِ بِالسَّيْفِ، واجْمَعُوا جَمِيعَ نَهْبِها خارِجَ القَرْيَةِ وأحْرِقُوا القَرْيَةَ بِالنّارِ وأحْرِقُوا كُلَّ نَهْبِها أمامَ اللَّهِ رَبِّكُمْ، وتَصِيرُ القَرْيَةُ تَلًّا خَرابًا إلى الأبَدِ ولا تُبْنى أيْضًا، ولا يَلْصَقْ بِأيْدِيكم مِن خَرابِها شَيْءٌ لِيَصْرِفَ الرَّبُّ غَضَبَهُ عَنْكم ويَعْطِفَ عَلَيْكم ويُفِيضَ رَحْمَتَهُ عَلَيْكم ويُجِيبَكم ويَرْحَمَكم ويُكَثِّرَكم كَما قالَ لِآبائِكُمْ؛ هَذا إنْ أنْتُمْ سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكُمْ، وحَفِظْتُمْ وصاياهُ الَّتِي أمَرْتُكم بِها اليَوْمَ، وعَمِلْتُمُ الحَسَناتِ أمامَ اللَّهِ رَبِّكُمْ، فَإذا فَعَلْتُمْ هَذا صِرْتُمْ لِلَّهِ رَبِّكُمْ، لا تَأْثَمُوا (p-٤١٥)ولا تَصِيرُوا شِبْهَ الوَحْشِ ولا تَخْدِشُوا وُجُوهَكم وبَيْنَ أعْيُنِكم عَلى المَيِّتِ، لِأنَّكم شَعْبٌ طاهِرٌ لِلَّهِ رَبِّكُمْ، وإيّاكُمُ اخْتارَ اللَّهُ رَبُّكم أنْ تَكُونُوا لَهُ شَعْبًا حَبِيبًا أفْضَلَ مِن جَمِيعِ شُعُوبِ الأُمَمِ. انْتَهى.
فَقَدْ تَبَيَّنَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ في الدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّ الآيَةَ الكُبْرى عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ الحَقِّ اخْتِصاصُهُ اللَّهَ تَعالى بِالدَّعْوَةِ وتَسْوِيَتُهُ بَيْنَ نَفْسِهِ وجَمِيعِ مَن يَدْعُوهُ في الإقْبالِ عَلَيْهِ والتَّعَبُّدِ لَهُ والتَّخَشُّعِ لَدَيْهِ، وأنَّ الآيَةَ عَلى كَذِبِ الكاذِبِ دُعاؤُهُ إلى غَيْرِ اللَّهِ؛ وفي ذَلِكَ وأمْثالِهِ مِمّا سَيَأْتِي عَنِ الإنْجِيلِ في سُورَةِ النِّساءِ تَحْذِيرٌ مِنَ الدَّجّالِ وأمْثالِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ما قَدَّمَتْهُ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى رَبُّ الكُلِّ والأمْرِ بِعِبادَتِهِ، وهَذا كَما يَأْتِي مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَبِيِّنا ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]
آل عمران 3:52
ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ البِشارَةَ بِالآيَةِ القاطِعَةِ القَوِيمَةِ الجامِعَةِ، وكانَ قَوْلُهُ: في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ (p-٤١٦)كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] وقَوْلُهُ هُنا ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ حَمْلِها، طَواهُ وأرْشَدَ السِّياقُ حَتْمًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَصَدَقَ اللَّهُ فِيما قالَ لَها، فَحَمَلَتْ بِهِ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَوَلَدَتْهُ - عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى - وجِيهًا وكَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ وبَعْدَهُ، وعَلَّمَهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وأرْسَلَهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَأتَمَّ لَهُمُ الدَّلائِلَ ونَفى الشُّبَهَ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ الَّذِي أرْسَلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَلِمُوا أنَّهُ ناسِخٌ لا مُقَرِّرٌ، فَتابَعَهُ قَوْمٌ وخالَفَهُ آخَرُونَ فَغَطَّوْا جَمِيعَ الآياتِ وأعْرَضُوا عَنِ الهُدى والبَيِّناتِ، ونَصَبُوا لَهُ الأشْراكَ والحَبائِلَ وبَغَوْهُ الدَّواهِيَ والغَوائِلَ، فَضَلُّوا عَلى عِلْمٍ وظَهَرَ مِنهُمُ الكُفْرُ البَيِّنُ واعْوَجُّوا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُسَلِّيًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإحْساسِ وهو مَنالُ الأمْرِ بادِرًا إلى العِلْمِ والشُّعُورِ الوِجْدانِيِّ - انْتَهى ﴿عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ أيْ عَلِمَهُ عِلْمَ مَن شاهَدَ الشَّيْءَ بِالحِسِّ ورَأى مَكْرَهم عَلى ذَلِكَ يَتَزايَدُ وعِنادَهم يَتَكاثَرُ (p-٤١٧)بَعْدَ أنْ عَلِمَ كُفْرَهم عِلْمًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، فاسْتَغاثَ بِالأنْصارِ وعَلِمَ أنَّ مَنجَنُونَ الحَرْبِ قَدْ دارَ، فَعَزَمَ عَلى إلْحاقِهِمْ دارَ البَوارِ ﴿قالَ مَن أنْصارِي﴾
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ ثَباتَ الأنْصارِ مَعَهُ إلى أنْ يَتِمَّ أمْرُهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِصِلَةٍ دَلَّتْ عَلى تَضْمِينِ هَذِهِ الكَلِمَةِ كَلِمَةً تُوافِقُ الصِّلَةَ فَقالَ: ﴿إلى﴾ أيْ سائِرِينَ أوْ واصِلِينَ مَعِي بِنَصْرِهِمْ إلى ﴿اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١] أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ حَوارِيٍّ وهو المُسْتَخْلِصُ نَفْسَهُ في نُصْرَةِ مَن تَحِقُّ نُصْرَتُهُ بِما كانَ مِن إيثارِهِ عَلى نَفْسِهِ بِصَفاءٍ وإخْلاصٍ لا كَدَرَ فِيهِ ولا شَوْبَ. انْتَهى.
وهُوَ مَصْرُوفٌ لِأنَّ ياءَهُ عارِضَةٌ ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أرْسَلَكَ وأقْدَرَكَ عَلى ما تَأْتِي بِهِ مِنَ الآياتِ، فَهو المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِزَّةً وعِلْمًا، ثُمَّ صَحَّحُوا النُّصْرَةَ وحَقَّقُوا بِأنْ عَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أيْ عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ مُخاطِبِينَ لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولِهِمْ أكْمَلِ الخَلْقِ إذْ ذاكَ: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِجَمِيعِ ما تَأْمُرُنا بِهِ كَما هو حَقُّ مَن آمَنَ لِتَكُونَ (p-٤١٨)شَهادَتُكَ عَلَيْنا أجْدَرَ لِثَباتِنا ولِتَشْهَدَ لَنا بِها يَوْمَ القِيامَةِ.
آل عمران 3:53
ثُمَّ لَمّا خاطَبُوا الرَّسُولَ أدَبًا تَرَقَّوْا إلى المُرْسِلِ في خِطابِهِمْ إعْظامًا لِلْأمْرِ وزِيادَةً في التَّأْكِيدِ فَقالُوا مُسْقِطِينَ لِأداةِ النِّداءِ اسْتِحْضارًا لِعَظَمَتِهِ بِالقُرْبِ لِمَزِيدِ القُدْرَةِ وتَرَجِّي مَنزِلَةِ أهْلِ الحُبِّ: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْـزَلْتَ﴾ أيْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ كُلِّهِمْ ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ الآتِيَ إلَيْنا بِذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ رِسالَتَهُ مِنكَ وعُبُودِيَّتَهُ لَكَ ﴿فاكْتُبْنا﴾ لِتَقَبُّلِكَ شَهادَتَنا واعْتِدادِكَ بِها ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدَّمْتَ أنَّهم شَهِدُوا لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ مَعَ المَلائِكَةِ،
آل عمران 3:54
ولَعَلَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا﴾ المَعْطُوفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] بِالإضْمارِ الصّالِحِ لِشُمُولِ كُلِّ مَن تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ إشارَةً إلى أنَّ التَّمالُؤَ عَلَيْهِ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، أمّا مَكْرُ اليَهُودِ فَمَشْهُورٌ، وأمّا الحَوارِيُّونَ الِاثْنا عَشَرَ فَنَقَضَ أحَدُهم وهو الَّذِي تَوَلّى (p-٤١٩)كِبْرَ الأمْرِ وجَرَّ اليَهُودَ إلَيْهِ ودَلَّهم عَلَيْهِ - كَما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ، وتَرْتِيبُ المَكْرِ عَلى الشَّرْطِ يُفْهِمُ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا إحْساسَهُ بِكُفْرِهِمْ خافُوا غائِلَتَهُ فَأعْمَلُوا الحِيلَةَ في قَتْلِهِ. والمَكْرُ - قالَ الحَرالِّيُّ - إعْمالُ الخَدِيعَةِ والِاحْتِيالِ في هَدْمِ بِناءٍ ظاهِرٍ كالدُّنْيا، والكَيْدُ إعْمالُ الخُدْعَةِ والِاحْتِيالِ في هَدْمِ بِناءٍ باطِنٍ كالتَّدَيُّنِ والتَّخَلُّقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكانَ المَكْرُ خَدِيعَةَ حِسٍّ والكَيْدُ خَدِيعَةَ مَعْنىً. انْتَهى. ثُمَّ إنَّ مَكْرَهم تَلاشى واضْمَحَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِزِيادَةِ العَظَمَةِ أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يُفْهَمَ الإضْمارُ خُصُوصًا مِن جِهَةٍ ما فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ الَّذِي لَهُ هَذا الِاسْمُ الشَّرِيفُ فَلَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ أحَدٌ بِوَجْهٍ ﴿خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ بِإرادَتِهِ تَأْخِيرَ حَرْبِهِ لَهم إلى وقْتٍ قَضاهُ في الأزَلِ فَأمْضاهُ وذَلِكَ عِنْدَ مَجِيءِ الدَّجّالِ بِجَيْشِ اليَهُودِ فَيَكُونُ أنْصارُهُ الَّذِينَ سَألَهم رَبَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ ما فَعَلَهُ بِهِمْ مِنَ القَضاءِ الَّذِي هو عَلى صُورَةِ المَكْرِ في كَوْنِهِ أذىً يَخْفى عَلى المَقْصُودِ بِهِ بِأنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ وشَبَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (p-٤٢٠)حَتّى ظَنُّوا أنَّهم صَلَبُوهُ وإنَّما صَلَبُوا أحَدَهُمْ، ويُقالُ: إنَّهُ الَّذِي دَلَّهُمْ، وأمّا هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصانَهُ عِنْدَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ إلى مَحَلِّ أوْلِيائِهِ ومَوْطِنِ قُدْسِهِ لِيُنْزِلَهُ في آخِرِ الزَّمانِ لِاسْتِئْصالِهِمْ بَعْدَ أنْ ضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ بَعْدَ قَصْدِهِمْ لَهُ بِالأذى الَّذِي طَلَبُوا بِهِ العِزَّ إلى آخِرِ الدَّهْرِ فَكانَ تَدْمِيرُهم في تَدْبِيرِهِمْ، وذَلِكَ أخْفى الكَيْدِ فَقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ مُبَشِّرٍ لَهُ بِأنَّهُ عاصِمُهُ مِن أنْ يَقْتُلُوهُ ومُمِيتُهُ حَتْفَ أنْفِهِ:
آل عمران 3:55
﴿إذْ﴾ أيْ مَكَرَ حِينَ ﴿قالَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ فَإنَّ عِصْمَتَهُ مِن قَتْلِ الكُفّارِ مَلْزُومَةٌ لِلْمَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ، وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ مُسْتَوْفِي أجَلَكَ ومَعْناهُ: إنِّي عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرُكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا قَتْلًا بِأيْدِيهِمْ - لِيَكُونَ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنِ العِصْمَةِ مِنَ القَتْلِ لِأنَّها مَلْزُومَةٌ لِتَأْخِيرِهِ إلى الأجَلِ المَكْتُوبِ والتَّأْخِيرَ مَلْزُومٌ لِلْمَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ - فَلا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ القاتِلَ (p-٤٢١)قَطَعَ أجَلَ المَقْتُولِ المَكْتُوبَ، وكَأنَّ القاضِيَ البَيْضاوِيَّ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ فَتَرْجَمَ هَذِهِ العِبارَةَ بِما يُؤَدِّيها؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى مُتَوَفِّيكَ: آخِذَكَ إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا مِنكَ إلى مِحْجَمِ دَمٍ ولا ما فَوْقَهُ مِن عُضْوٍ ولا نَفْسٍ فَلا تَخْشَ مَكْرَهم.
قالَ في القامُوسِ: أوْفى فُلانًا حَقَّهُ: أعْطاهُ وافِيًا، كَوَفّاهُ ووافاهُ فاسْتَوْفاهُ وتَوَفّاهُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ وتَعالى في بِشارَتِهِ بِالرِّفْعَةِ إلى مَحَلِّ كَرامَتِهِ ومَوْطِنِ مَلائِكَتِهِ ومَعْدِنِ النَّزاهَةِ عَنِ الأدْناسِ فَقالَ: ﴿ورافِعُكَ﴾ وزادَ إعْظامَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
ولَمّا كانَ لِذَوِي الهِمَمِ العَوالِي، أشَدُّ التِفاتٍ إلى ما يَكُونُ عَلَيْهِ خَلائِفُهم بَعْدَهم مِنَ الأحْوالِ، بَشَّرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَلِكَ بِما يَسُرُّهُ فَقالَ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ أيْ ولَوْ بِالِاسْمِ ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما يَعْرِفُونَ مِن نُبُوَّتِكَ بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ الَّتِي أتَيْتَ بِها مُطابِقَةً لِما عِنْدَهم مِنَ البَشائِرِ بِكَ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وكَذا (p-٤٢٢)كانَ، لَمْ يَزَلْ مَنِ اتَّسَمَ بِالنَّصْرانِيَّةِ حَقًّا أوْ باطِلًا فَوْقَ اليَهُودِ، ولا يَزالُونَ كَذَلِكَ إلى أنْ يُعْدَمُوا فَلا يَبْقى مِنهم أحَدٌ.
ولَمّا كانَ البَعْثُ عامًّا دَلَّ عَلَيْهِ بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ فَقالَ تَكْمِيلًا لِما بَشَّرَ بِهِ مِنَ النُّصْرَةِ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ في الآخِرَةِ ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
آل عمران 3:56
ثُمَّ فَصَّلَ لَهُ الحُكْمَ فَقالَ مُرَهِّبًا لِمُخالِفِيهِ مُرَغِّبًا لِمُوافِقِيهِ، وقَدَّمَ المُخالِفِينَ لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ إذْلالِهِمْ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا﴾ بِالذُّلِّ والهَوانِ والقَتْلِ والأسْرِ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِالخِزْيِ الدّائِمِ ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ وإنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ
آل عمران 3:57
ولَمْ يَقُلْ: وأمّا الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ - لِئَلّا يَلْتَبِسَ الحالُ وإنْ كانَ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ فَقَدِ اتَّبَعَهُ في بِشارَتِهِ بِهِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ بَلْ قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ تَرْجَمَةُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ حَقَّ الِاتِّباعِ.
ولَمّا كانَ تَمامُ الِاعْتِناءِ بِالأوْلِياءِ مُتَضَمِّنًا لِغايَةِ القَهْرِ لِلْأعْداءِ أبْدى (p-٤٢٣)فِي مَظْهَرِ العَظَمَةِ قَوْلَهُ تَعْظِيمًا لَهم وتَحْقِيرًا لِأعْدائِهِمْ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أيْ نَحْبَهم مِن غَيْرِ أنْ نَبْخَسَهم مِنها شَيْئًا أوْ نَظْلِمَ أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ في شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ مَن كانُوا، أيْ لا يَفْعَلُ مَعَهم فِعْلَ المُحِبِّ، فَهو يُحْبِطُ أعْمالَهم لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسِ الإيمانِ، فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ، ونَظْمُها عَلى الأصْلِ: فَنُوَفِّيهِمْ لِأنّا نُحِبُّهم واللَّهُ يُحِبُّ المُؤْمِنِينَ، والَّذِينَ ظَلَمُوا نُحْبِطُ أعْمالَهم لِأنّا لا نُحِبُّهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ؛ فَتَوْفِيَةُ الأجْرِ أوَّلًا يَنْفِيها ثانِيًا، وإثْباتُ الكَراهَةِ ثانِيًا يُثْبِتُ ضِدَّها أوَّلًا، وحَقِيقَةُ الحالِ أنَّهُ أثْبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ لازِمَ المَحَبَّةِ المُرادَ مِنها في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهُ أسَرُّ، (p-٤٢٤)ولازِمَ المُرادَ مِن عَدَمِها في الظّالِمِينَ لِأنَّهُ أنْكَأُ.
آل عمران 3:58
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أرادَ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ ابْتِداءِ تَكْوِينِهِ إلى انْتِهاءِ رَفْعِهِ وما كانَ بَعْدَهُ مِن أمْرِ أتْباعِهِ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى ما فِيهِ مِن بَدائِعِ الحِكَمِ وخَزائِنِ العُلُومِ واللَّطائِفِ المُتَنَزِّلَةِ عَلى مَقادِيرِ الهِمَمِ عَلى أتْقَنِ وجْهٍ وأحْكَمِهِ وأتَمِّهِ وأخْلَصِهِ وأسْلَمِهِ، وخَتَمَهُ بِالتَّنْفِيرِ مِنَ الظُّلْمِ، وكانَ الظُّلْمُ وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وكانَ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ قَدْ حازَ مِن حُسْنِ التَّرْتِيبِ ورَصانَةِ النَّظْمِ بِوَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ لَفْظًا ومَعْنىً في مَحَلِّهِ الألْيَقِ بِهِ المَحَلَّ الأعْلى، لا سِيَّما هَذِهِ الآياتُ الَّتِي أتَتْ بِالتَّفْصِيلِ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهِ شَكًّا ولا أبْقَتْ شُبْهَةً ولا لَبْسًا، أتْبَعَ ما تَقَدَّمَ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ البَيِّناتِ قَوْلَهُ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الآياتِ الشّاهِداتِ الآتِي بِها ﷺ بِأوْضَحِ الصِّدْقِ بِإعْجازِها في نَظْمِها وفي العِلْمِ بِمَضامِينِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ البَشَرِ كَما تَقَدَّمَ نَحْوُ ذَلِكَ في ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأُ العَظِيمُ والأمْرُ الجَسِيمُ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ شَيْئًا مِنهُ ولا عَلِمَهُ مِن شُبّانِ قَوْمِكَ (p-٤٢٥)﴿نَتْلُوهُ﴾ أيْ نُتابِعُ قَصَّهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ حالَ كَوْنِهِ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ أيِ الَّتِي لا إشْكالَ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ،
﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ إشارَةً إلى ذَلِكَ لِأنَّ الحِكْمَةَ وضْعُ الشَّيْءِ في أعْدَلِ مَواضِعِهِ وأتْقَنِها، وأشارَ بِأداةِ البُعْدِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ مَنزِلَتِهِ ورَفِيعِ قَدْرِهِ.
آل عمران 3:59
ثُمَّ أكَّدَ ظُلْمَهم وصُوَرَ حِكْمَتِهِ بِمِثْلِ هَذا الفُرْقانِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكاشِفِ لِما في ذَلِكَ مِمّا أُلْبِسَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ أيْ في كَوْنِهِ مِن أُنْثى فَقَطْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا في إخْراجِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ حُكْمِيٍّ عادِيٍّ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ في أنَّ كُلًّا مِنهُما أُبْدِعَ مِن غَيْرِ أبٍ، بَلْ أمْرُ آدَمَ أعْجَبُ فَإنَّهُ أوْجَدَهُ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ مَثَلَهُ بِأنَّهُ ﴿خَلَقَهُ﴾ أيْ قَدَّرَهُ وصَوَّرَهُ جَسَدًا مِن غَيْرِ جِنْسِ البَشَرِ، بَلْ ﴿مِن تُرابٍ﴾ فَعَلِمْنا أنَّ تَفْسِيرَ مَثَلِ عِيسى كَوْنُهُ خَلَقَهُ مِن جِنْسِ البَشَرِ مِن أُمٍّ فَقَطْ بِغَيْرِ أبٍ، فَمَثَلُ عِيسى أقَلُّ غَرابَةً مِن هَذِهِ الجِهَةِ وإنْ كانَ أغْرَبَ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَعْهَدُوا مِثْلَهُ، فَلِذَلِكَ كانَ مَثَلُ آدَمَ مَثَلًا لَهُ مُوَضِّحًا لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أغْرَبَ أشْهَرُ (وعَبَّرَ بِالتُّرابِ دُونَ الماءِ والطِّينِ والحَمَإ وغَيْرِهِ كَما في (p-٤٢٦)غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ، لِأنَّ التُّرابَ أغْلَبُ أجْزائِهِ ولِأنَّ المَقامَ لِإظْهارِ العَجَبِ، وإبْداعُ ما أسْكَنَهُ أنْواعَ الأنْوارِ بِالهِدايَةِ والعُلُومِ الباهِرَةِ مِنَ التُّرابِ الَّذِي هو أكْثَفُ الأشْياءِ أغْرَبُ كَما أنَّ تَغْلِيبَ ظَلامِ الضَّلالِ عَلى الشَّياطِينِ مِن كَوْنِهِمْ مِن عُنْصُرٍ نَيِّرٍ أعْجَبُ) .
ولَمّا شَبَّهَ المَثَلَ بِالمَثَلِ عَلِمْنا أنَّ مِثْلَ عِيسى كُلُّ ولَدٍ نُشاهِدُهُ تَوَلَّدَ مِن أُنْثى، ومِثْلَ آدَمَ كُلُّ حَيَوانٍ نُشاهِدُهُ تَوَلَّدَ مِن تُرابٍ، وما شاهَدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ مِن خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الطَّيْرَ مِنَ الطِّينِ فَهَذا المَثَلُ الَّذِي هو كُلُّ ما تَوَلَّدَ مِن أُنْثى مِثْلُ ذَلِكَ المَثَلِ الَّذِي هو كُلُّ ما تَوَلَّدَ مِن تُرابٍ في أنَّ كُلًّا مِنهُما لَمْ يَكُنْ إلّا بِتَكْوِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإلّا لَكانَ كُلُّ جِماعٍ مُوجِبًا لِلْوَلَدِ وكُلُّ تُرابٍ مُوجِبًا لِتَوَلُّدِ الحَيَوانِ مِنهُ، فَلَمّا كانَ أكْثَرُ الجِماعِ لا يَكُونُ مِنهُ ولَدٌ عَلِمْنا أنَّ الإيجادَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى إنَّما هو بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإرادَتِهِ، ومِن إرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ كَوْنُهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، فَلا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يُرِيدَ كَوْنَهُ مِن أُنْثى بِتَسْبِيبِ جِماعٍ مِن ذَكَرٍ يَخْرِقُ بِهِ عادَةَ الجِماعِ فَيَجْعَلُهُ مُوجِبًا لِلْحَبَلِ وبَيْنَ أنْ يُرِيدَ كَوْنَهُ مِن (p-٤٢٧)أُنْثى فَقَطْ فَيَخْرِقَ بِهِ عادَةَ ما نُشاهِدُهُ الآنَ مِنَ التَّوْلِيدِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، كَما أنّا لَمّا عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ تُرابٍ يَكُونُ مِنهُ حَيَوانٌ عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ هَذا المُتَوَلِّدَ مِن تُرابٍ إنَّما هو بِإرادَةِ القادِرِ واخْتِيارِهِ لا بِشَيْءٍ آخَرَ، وإلى ذَلِكَ أشارَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ فِيما سَلَفَ قَرِيبًا: إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُقِيمَ مِنَ الحِجارَةِ أوْلادًا لِإبْراهِيمَ، أيْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ المُسَبِّباتِ فَلا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مُسَبِّبٍ وسَبَبٍ، بَلْ كُلُّها في قُدْرَتِهِ سَواءٌ، وإلى ذَلِكَ أشارَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ بَشَرًا كامِلًا رُوحًا وجَسَدًا، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُقْتَرِنِ بِالفاءِ في ﴿فَيَكُونُ﴾ دُونَ الماضِي وإنْ كانَ المُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ حِكايَةً لِلْحالِ وتَصْوِيرًا لَها إشارَةً إلى أنَّهُ كانَ مَعَ الأمْرِ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا هو الشَّأْنُ دائِمًا، يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ مُرادٍ، لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مُرادِ الآمِرِ أصْلًا - كَما تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهِ في آيَةِ
﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧] وذَلِكَ أغْرَبُ مِمّا كانَ سَبَبَ ضَلالِ النَّصارى الَّذِينَ يُجادِلُ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ وفْدُ نَجْرانَ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهم ظَلَمُوا في القِياسِ، وكانَ العَدْلُ أنْ يُقاسَ في خَرْقِهِ لِلْعادَةِ بِأبِي أُمِّهِ الَّذِي كانَ يَعْلَمُ الأسْماءَ كُلَّها وسَجَدَ لَهُ المَلائِكَةُ، لا بِخالِقِهِ ومُكَوِّنِهِ تَعالى عَمّا (p-٤٢٨)يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قالَ الحَرالِّيُّ: جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَثَلًا مَبْدَؤُهُ السُّلالَةُ الطِّينِيَّةُ، وغايَتُهُ النَّفْخَةُ الأمْرِيَّةُ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَثَلًا مَبْدَؤُهُ الرُّوحِيَّةُ والكَلِمَةُ، وغايَتُهُ التَّكَمُّلُ بِمُلابَسَةِ السُّلالَةِ الطِّينِيَّةِ، حَتّى قالَ ﷺ: إنَّهُ عِنْدَ نُزُولِهِ في خاتِمَةِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ يَتَزَوَّجُ امْرَأةً مِن بَنِي أسَدٍ ويُولَدُ لَهُ غُلامٌ لِتُكْمَلَ بِهِ الآدَمِيَّةُ في العِيسَوِيَّةِ كَما كَمُلَتِ العِيسَوِيَّةُ في الآدَمِيَّةِ ولِيَكُونَ مَثَلًا واحِدًا أعْلى جامِعًا ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] - انْتَهى.
آل عمران 3:60
ولَمّا ابْتَدَأ القِصَّةَ بِالحَقِّ في قَوْلِهِ: ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] خَتَمَها بِذَلِكَ عَلى وجْهٍ آكَدَ وأضْخَمَ فَقالَ: ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في الثَّباتِ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأنَّهُ لا يَدَعُ لِخَصْمٍ عَلَيْكَ مَقالًا، ولَمّا تَسَبَّبَ عَمّا مَضى نَقْلًا وعَقْلًا الِاعْتِقادُ الحَقُّ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ مُشِيرًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى أنَّهُ لا يَشُكُّ فِيهِ بَعْدَ هَذا إلّا مَن أمْعَنَ الفِكْرَ في شُبَهٍ يُثِيرُها وأوْهامٍ يُزاوِلُها ويَسْتَزِيرُها، وما أحْسَنَ ما في سِفْرِ الأنْبِياءِ (p-٤٢٩)الإسْرائِيلِيِّينَ الَّذِي هو بِأيْدِي الطّائِفَتَيْنِ اليَهُودِ ثُمَّ النَّصارى، يَتَناقَلُونَهُ مُعْتَقِدِينَ ما فِيهِ، وأوْضَحَهُ في خِلافِ مُعْتَقَدِهِمْ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُوافَقَةِ مُعْتَقَدِنا فِيهِ، لَكِنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ في نُبُوَّةِ أشْعَيا عَلَيْهِ السَّلامُ: اسْمَعْ مِنِّي يا يَعْقُوبُ عَبْدِي وأنْتَ يا إسْرائِيلُ الَّذِي انْتَخَبْتُهُ! أنا الَّذِي خَلَقْتُكَ في الرَّحِمِ وأعَنْتُكَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا يَقُولُ: يَقُولُ الرَّبُّ: أنا الَّذِي جَبَلْتُكَ في الرَّحِمِ وخَلَّصْتُكَ وأعَنْتُكَ، أنا الَّذِي خَلَقْتُ الكُلَّ، وأنا الَّذِي مَدَدْتُ السَّماءَ وحْدِي، وأنا الَّذِي ثَبَّتُّ الأرْضَ، أنا الَّذِي أُبْطِلُ آياتِ العَرّافِينَ، وأُصَيِّرُ كُلَّ تَعْرِيفِهِمْ جَهْلًا، وأرُدُّ الحُكَماءَ إلى خَلْفِهِمْ، وأُعَرِّفُ أعْمالَهم لِلنّاسِ، وأُثَبِّتُ كَلِمَةَ عَبِيدِي، وأُتَمِّمُ قَوْلَ رُسُلِي؛ ثُمَّ قالَ: أنا الرَّبُّ الَّذِي خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ، الوَيْلُ لِلَّذِي يُخاصِمُ خالِقَهُ ولا يَعْلَمُ أنَّهُ مِن خَزَفِ الطِّينِ! لَعَلَّ الطِّينَ يَقُولُ لِلْفاخُورِيِّ: لِماذا تَصْنَعُنِي؟ أوْ لَعَلَّهُ يَقُولُ لَهُ: لَسْتُ أنا مَن صَنَعْتُكَ، الوَيْلُ لِلَّذِي يَقُولُ لِأبِيهِ: لِماذا ولَدْتَنِي؟ أوْ لِأُمِّهِ: لِماذا حَبِلْتِ بِي؟ هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ قُدُّوسُ (p-٤٣٠)إسْرائِيلَ ومُخَلِّصُهُ: أنا الَّذِي خَلَقْتُ السَّماءَ ومَدَدْتُها بِيَدَيَّ وجَمِيعَ أجْنادِها، وجَعَلْتُ فِيها الكَواكِبَ البَهِيَّةَ.
ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ - ويُثْمِرُ إنْ شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى زِيادَةَ الإيقانِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ - مِن قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وِلادَتِهِ وما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّورَةِ مِن مَبْدَإ أمْرِهِ ومُنْتَهاهُ وبَعْضِ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ ولِسانِهِ مِنَ الحِكَمِ المُشِيرَةِ إلى أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي في أيْدِي النَّصارى اليَوْمَ، وقَدْ أدْخَلْتُ كَلامَ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ وجَمَعْتُ ما تَفَرَّقَ مِنَ المَعانِي في سِياقاتِهِمْ بِحَيْثُ صارَ الكُلُّ حَدِيثًا واحِدًا:
قالَ مَتّى - ومُعْظَمُ السِّياقِ لَهُ -: كِتابُ مِيلادِ يَسُوعَ المَسِيحِ بْنِ داوُدَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ قالَ: لِكُلِّ الأجْيالِ مِن إبْراهِيمَ إلى داوُدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، ومِن داوُدَ إلى زِرْبابِلَ أرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، ومِن زِرْبابِلَ إلى المَسِيحِ أرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا؛ لَمّا خَطَبَتْ مَرْيَمَ أُمُّهُ لِيُوسُفَ قَبْلَ أنْ يَفْتَرِقا وجَدَتْ حَبَلًا مِن (p-٤٣١)رُوحِ القُدُسِ، وكانَ يُوسُفُ خَطِيبُها صِدِّيقًا ولَمْ يُرِدْ أنْ يَنْشُرَها، وهَمَّ بِتَخْلِيَتِها سِرًّا، وفِيما هو مُفَكِّرٌ في هَذا إذْ ظَهَرَ لَهُ مَلَكُ الرَّبِّ في الحُلْمِ قائِلًا: يا يُوسُفُ بْنُ داوُدَ! لا تَخَفْ أنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ خَطِيبَتَكَ، فَإنَّ الَّذِي تَلِدُهُ هو مِن رُوحِ القُدُسِ، وسَتَلِدُ ابْنًا ويُدْعى اسْمُهُ يَسُوعَ، وهو يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِن خَطاياهُمْ، هَذا كُلُّهُ كانَ لِكَيْ يَتِمَّ ما قِيلَ مِن قِبَلِ الرَّبِّ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ القابِلِ: ها هو ذا العَذْراءُ تَحْبَلُ وتَلِدُ ابْنًا، ويُدْعى اسْمُهُ ”عَمانْوِيلَ“ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اللَّهُ مَعَنا، فَقامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ وصَنَعَ كَما أمَرَهُ مَلَكُ الرَّبِّ وأخَذَ مَرْيَمَ خَطِيبَتَهُ ولَمْ يُعَرِّفْها حَتّى ولَدَتِ ابْنَها البِكْرَ، ودُعِيَ اسْمُهُ يَسُوعَ.
وفِي إنْجِيلِ لُوقا: ولَمّا كانَ في تِلْكَ الأيّامِ - أيْ أيّامِ وِلادَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِمُ السَّلامُ - خَرَجَ أمْرٌ مِن أُوغُوسْطُوسَ قَيْصَرَ (p-٤٣٢)بِأنْ يُكْتَبَ جَمِيعُ المَسْكُونَةِ هَذِهِ الكَتْبَةَ الأُولى في وِلايَةِ فَرْسُوسَ عَلى الشّامِ، فَمَضى جَمِيعُهم لِيَكْتَتِبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في مَدِينَتِهِ، فَصَعِدَ يُوسُفُ أيْضًا مِنَ الجَلِيلِ مِن مَدِينَةِ النّاصِرَةِ إلى اليَهُودِيَّةِ إلى مَدِينَةِ داوُدَ الَّتِي تُدْعى بَيْتَ لَحْمٍ، لِأنَّهُ كانَ مِن بَيْتِ داوُدَ وقَبِيلَتِهِ لِيَكْتَتِبَ مَعَ مَرْيَمَ خَطِيبَتِهِ وهي حُبْلى، فَبَيْنَما هُما هُناكَ إذْ تَمَّتْ أيّامُ وِلادَتِها لِتَلِدَ، فَوَلَدَتِ ابْنَها البِكْرَ ولَفَّتْهُ وتَرَكَتْهُ في مِزْوَدٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُما مَوْضِعٌ حَيْثُ نَزَلا، وكانَ في تِلْكَ الكُورَةِ رُعاةٌ يَسْهَرُونَ لِحِراسَةِ اللَّيْلِ نَوْبًا عَلى مَراعِيهِمْ، وإذا مَلَكُ الرَّبِّ قَدْ وقَفَ بِهِمْ ومَجْدُ الرَّبِّ أشْرَقَ عَلَيْهِمْ، فَخافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، قالَ لَهُمُ المَلَكُ: لا تَخافُوا الآنَ، هو ذا أُبَشِّرُكم بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لَكم ولِجَمِيعِ الشُّعُوبِ، لِأنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ اليَوْمَ مُخَلِّصٌ، الَّذِي هو المَسِيحُ في مَدِينَةِ داوُدَ، وهَذِهِ عَلامَةٌ لَكم أنَّكم تَجِدُونَ طِفْلًا مَلْفُوفًا مَوْضُوعًا في مِزْوَدٍ، ولِلْوَقْتِ بَغْتَةً تَراءى مَعَ المَلَكِ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ سَماوِيُّونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَقُولُونَ: المَجْدُ لِلَّهِ في العُلى، وعَلى الأرْضِ السَّلامُ، وفي النّاسِ المَسَرَّةُ؛ فَلَمّا صَعِدَ المَلائِكَةُ إلى السَّماءِ قالَ الرِّجالُ الرُّعاةُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: امْضُوا بِنا إلى بَيْتِ لَحْمٍ لِنَنْظُرَ الكَلامَ الَّذِي أعْلَمَنا بِهِ الرَّبُّ، فَجاؤُوا مُسْرِعِينَ فَوَجَدُوا مَرْيَمَ ويُوسُفَ والطِّفْلَ مَوْضُوعًا في (p-٤٣٣)مِزْوَدٍ؛ فَلَمّا رَأوْهُ عَلِمُوا أنَّ الكَلامَ الَّذِي قِيلَ لَهم عَنِ الصَّبِيِّ حَقٌّ، وكُلُّ مَن سَمِعَ تَعَجَّبَ مِمّا تَكَلَّمَ بِهِ الرُّعاةُ، وكانَتْ مَرْيَمُ تَحْفَظُ هَذا الكَلامَ كُلَّهُ وتَقِيهِ، ورَجَعَ الرُّعاةُ يُمَجِّدُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ويُسَبِّحُونَ عَلى كُلِّ ما سَمِعُوا وعايَنُوا كَما قِيلَ لَهم.
ولَمّا تَمَّتْ ثَمانِيَةُ أيّامٍ أتَوْا بِهِ لِيُخْتَنَ ودَعَوُا اسْمَهُ يَسُوعَ كالَّذِي دَعاهُ المَلَكُ قَبْلَ أنْ تَحْبَلَ بِهِ في البَطْنِ، فَلَمّا كَمَّلَتْ أيّامَ تَطْهِيرِها - عَلى ما في نامُوسِ مُوسى - صَعِدُوا بِهِ إلى يَرُوشَلِيمَ لِيُقِيمُوهُ لِلرَّبِّ، كَما هو مَكْتُوبٌ في نامُوسِ الرَّبِّ أنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فاتِحٍ رَحِمَ أُمِّهِ يُدْعى قُدُّوسَ الرَّبِّ، ويُقَرَّبُ عَنْهُ - كَما هو مَكْتُوبٌ في نامُوسِ الرَّبِّ - زَوْجُ (p-٤٣٤)يَمامٍ أوْ فَرْخا حَمامٍ؛ وكانَ إنْسانٌ بِيَرُوشَلِيمَ اسْمُهُ شَمْعُونُ، وكانَ رَجُلًا بارًّا تَقِيًّا، يَرْجُو عِزَّ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوحُ القُدُسِ كانَ عَلَيْهِ، وكانَ يُوحى إلَيْهِ مِن رُوحِ القُدُسِ أنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يُعايِنَ المَسِيحَ الرَّبَّ، فَأقْبَلَ بِالرُّوحِ إلى الهَيْكَلِ عِنْدَما جاؤُوا بِالطِّفْلِ يَسُوعَ لِيُصَفّى عَنْهُ كَما يَجِبُ في النّامُوسِ، فَحَمَلَهُ عَلى ذِراعِهِ وبارَكَ الرَّبَّ قائِلًا: الآنَ يا سَيِّدُ! أطْلِقْ عَبْدَكَ بِسَلامٍ لِكَلامِكَ، لِأنَّ عَيْنِي أبْصَرَتْكَ خَلاصَكَ الَّذِي أعْدَدْتَ قُدّامَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ، نُورٌ اسْتَعْلَنَ لِلْأُمَمِ ومَجْدٌ لِشَعْبِكَ إسْرائِيلَ، وكانَ يُوسُفُ وأُمُّهُ يَتَعَجَّبانِ مِمّا يُقالُ عَنْهُ، وبارَكَهُما شَمْعُونُ وقالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: هو ذا هَذا مَوْضُوعٌ لِسُقُوطِ كَثِيرٍ وقِيامِ كَثِيرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وكانَتْ حَنَّةُ النَّبِيَّةُ ابْنَةُ فانُوئِلَ مِن سِبْطِ أشِيرَ قَدْ طَعَنَتْ في أيّامِها وأقامَتْ مَعَ (p-٤٣٥)زَوْجِها سَبْعَةً وسِتِّينَ بَعْدَ بُكُورِيَّتِها، وتَرَمَّلَتْ أرْبَعَةً وثَمانِينَ عامًا غَيْرَ مُفارِقَةٍ لِلْهَيْكَلِ عائِدَةً لِلصَّوْمِ، ولِلطَّلَبَةِ لَيْلًا ونَهارًا، وفي تِلْكَ السّاعَةِ جاءَتْ قُدّامَهُ مُعْتَرِفَةً لِلَّهِ وكانَتْ تَتَكَلَّمُ مِن أجْلِهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، تَتَرَجّى خَلاصَ يَرُوشَلِيمَ، فَلَمّا أكْمَلُوا كُلَّ شَيْءٍ عَلى ما في نامُوسِ الرَّبِّ رَجَعُوا إلى الجَلِيلِ إلى مَدِينَتِهِمُ النّاصِرَةِ، فَأمّا الصَّبِيُّ فَكانَ يَنْشَأُ ويَتَقَوّى بِالرُّوحِ ويَمْتَلِئُ بِالحِكْمَةِ، ونِعْمَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ، وأبَواهُ يَمْضِيانِ إلى يَرُوشَلِيمَ في كُلِّ سَنَةٍ في عِيدِ الفِصْحِ.
وقالَ مَتّى: فَلَمّا وُلِدَ يَسُوعُ في بَيْتِ لَحْمِ يَهُودا في أيّامِ هِيرُودُسَ المَلِكِ إذا مَجُوسٌ وافَوْا مِنَ المَشْرِقِ إلى يَرُوشَلِيمَ قائِلِينَ: أيْنَ هو المَوْلُودُ مَلِكُ اليَهُودِ لِأنّا رَأيْنا نَجْمَةً في المَشْرِقِ، ووافَيْنا لِنَسْجُدَ لَهُ، فَلَمّا سَمِعَ هِيرُودُسُ المَلِكُ اضْطَرَبَ وجَمَعَ يَرُوشَلِيمَ وجَمَعَ كُلَّ رُؤَساءِ الكَهَنَةِ وكَتَبَةِ الشَّعْبِ واسْتَخْبَرَهُمْ: أيْنَ يُولَدُ المَسِيحُ؟ فَقالُوا (p-٤٣٦)لَهُ: في بَيْتِ لَحْمِ أرْضِ يَهُودا - كَما هو مَكْتُوبٌ في النَّبِيِّ: وأنْتَ يا بَيْتَ لَحْمِ أرْضِ يَهُودا لَسْتَ بِصَغِيرَةٍ في مُلُوكِ يَهُودَ، يَخْرُجُ مِنكَ مُقَدَّمٌ، الَّذِي يَرْعى شَعْبَ بَنِي إسْرائِيلَ.
حِينَئِذٍ دَعا هِيرُودُسْ والرُّومُ المَجُوسَ سِرًّا، وتَحَقَّقَ مِنهُمُ الزَّمانَ الَّذِي ظَهَرَ لَهم فِيهِ النَّجْمُ وأرْسَلَهم إلى بَيْتِ لَحْمٍ قائِلًا: امْضُوا فابْحَثُوا عَنِ الصَّبِيِّ بِاجْتِهادٍ، فَإذا وجَدْتُمُوهُ فَأخْبِرُونِي لِآتِيَ أنا وأسْجُدَ لَهُ، فَلَمّا سَمِعُوا مِنَ المَلِكِ ذَهَبُوا، وإذا النَّجْمُ الَّذِي رَأوْهُ في المَشْرِقِ يَقْدُمُهم حَتّى جاءَ ووَقَفَ حَيْثُ كانَ الصَّبِيُّ، فَلَمّا رَأوُا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا، وأتَوْا إلى البَيْتِ فَرَأوُا الصَّبِيَّ، مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ، فَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وفَتَحُوا أوْعِيَتَهم وقَدَّمُوا لَهُ قَرابِينَ ذَهَبًا ولُبانًا ومُرًّا، وأُوحِيَ إلَيْهِمْ في الحُلْمِ أنْ لا يَرْجِعُوا إلى هِيرُودُسْ، بَلْ يَذْهَبُوا في طَرِيقٍ أُخْرى إلى كُورَتِهِمْ، فَلَمّا ذَهَبُوا وإذا مَلَكُ الرَّبِّ تَراءى لِيُوسُفَ في الحُلْمِ قائِلًا: قُمْ، خُذِ الصَّبِيَّ وأُمَّهُ واهْرُبْ إلى أرْضِ مِصْرَ وكُنْ هُناكَ حَتّى أقُولَ لَكَ فَإنَّ هِيرُودُسْ مُزْمِعٌ أنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ، فَقامَ وأخَذَ الصَّبِيَّ وأُمَّهُ (p-٤٣٧)لَيْلًا، ومَضى إلى مِصْرَ وكانَ هُناكَ إلى وفاةِ هِيرُودُسْ، لِكَيْ يَتِمَّ ما قِيلَ مِن قِبَلِ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ القابِلِ مِن مِصْرَ: دَعَوْتُ ابْنِي؛ حِينَئِذٍ لَمّا رَأى هِيرُودُسْ سُخْرِيَةَ المَجُوسِ بِهِ غَضِبَ جِدًّا وأرْسَلَ، فَقَتَلَ كُلَّ صِبْيانِ بَيْتِ لَحْمٍ وكُلِّ تُخُومِها مِنَ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَما دُونَ، كَنَحْوِ الزَّمانِ الَّذِي تَحَقَّقَ عِنْدَهُ مِنَ المَجُوسِ، حِينَئِذٍ تَمَّ ما قِيلَ مِن أرْمِيا النَّبِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: صَوْتٌ سُمِعَ في الزَّأْمَةِ، بُكاءٌ ونَوْحٌ وعَوِيلٌ كَثِيرٌ، راحِيلُ تَبْكِي عَلى بَنِيها ولا تُرِيدُ أنْ تَتَعَزّى لِفَقْدِهِمْ؛ فَلَمّا ماتَ هِيرُودُسْ ظَهَرَ مَلَكُ الرَّبِّ لِيُوسُفَ في الحُلْمِ بِمِصْرَ قائِلًا: قُمْ، خُذِ الصَّبِيَّ وأُمَّهُ واذْهَبْ إلى أرْضِ إسْرائِيلَ؛ فَلَمّا سَمِعَ أنَّ أُورْشَلاوَشَ قَدْ مُلِّكَ عَلى اليَهُودِيَّةِ عِوَضَ هِيرُودُسْ أبِيهِ خافَ أنْ يَذْهَبَ إلى هُناكَ، فَأُخْبِرَ في الحُلْمِ وذَهَبَ إلى حَوَرَ ناحِيَةَ الجَلِيلِ، فَأتى وسَكَنَ في مَدِينَةٍ تُدْعى ناصِرَةَ لِكَيْ يَتِمَّ ما قِيلَ في الأنْبِياءِ: إنَّهُ يُدْعى ناصِرِيًّا (p-٤٣٨)وفِي إنْجِيلِ لُوقا: فَلَمّا تَمَّتْ لَهُ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً مَضَوْا إلى يَرُوشَلِيمَ إلى العِيدِ كالعادَةِ، فَلَمّا كَمُلَتِ الأيّامُ لِيَعُودُوا تَخَلَّفَ عَنْهُما يَسُوعُ في يَرُوشَلِيمَ ولَمْ تَعْلَمْ أُمُّهُ ويُوسُفُ، لِأنَّهُما كانا يَظُنّانِ أنَّهُ مَعَ السّائِرِينَ في الطَّرِيقِ، فَلَمّا سارُوا نَحْوَ يَوْمٍ طَلَباهُ عِنْدَ أقْرِبائِهِما ومَعارِفِهِما فَلَمْ يَجِداهُ، فَرَجَعا إلى يَرُوشَلِيمَ يَطْلُبانِهِ، وبَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ وجَداهُ في الهَيْكَلِ جالِسًا بَيْنَ العُلَماءِ يَسْمَعُ مِنهم ويَسْألُهُمْ، وكانَ كُلُّ مَن يَسْمَعُهُ مَبْهُوتِينَ مِن عِلْمِهِ وإجابَتِهِ لَهُمْ، فَلَمّا أبْصَراهُ بُهِتا، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يا بُنَيَّ! ما هَذا الَّذِي صَنَعْتَ بِنا؟ إنَّ أباكَ وأنا كُنّا نَطْلُبُكَ بِاجْتِهادٍ مُعَذَّبَيْنِ، فَقالَ لَهُما: لِمَ تَطْلُبانِي؟ أما تَعْلَمانِ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ أكُونَ في الَّذِي لِأبِي؟ فَأمّا هُما فَلَمْ يَفْهَما الكَلامَ ونَزَلَ مَعَهُما وجاءَ إلى النّاصِرَةِ وكانَ يُطِيعُهُما، فَأمّا يَسُوعُ فَكانَ يَنْشَأُ في قامَتِهِ وفي الحِكْمَةِ والنِّعْمَةِ عِنْدَ اللَّهِ والنّاسِ.
قالَ مَتّى: وفي تِلْكَ الأيّامِ جاءَ يُوحَنّا المَعْمَدانِ يَكْرِزُ في بَرِّيَّةِ (p-٤٣٩)يَهُودا - إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن بِشارَةِ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: حِينَئِذٍ أتى يَسُوعُ مِنَ الجَلِيلِ إلى الأُرْدُنِّ لِيَعْتَمِدَ مِن يُوحَنّا، فامْتَنَعَ يُوحَنّا مِنهُ وقالَ: أنا المُحْتاجُ أنْ أعْتَمِدَ مِنكَ وأنْتَ تَأْتِي إلَيَّ، فَأجابَ يَسُوعُ: دَعِ الآنَ، هَكَذا يَجِبُ لَنا أنْ نُكْمِلَ كُلَّ البَرِّ، حِينَئِذٍ تَرَكَهُ فاعْتَمَدَ يَسُوعُ، ولِلْوَقْتِ صَعِدَ مِنَ الماءِ فانْفَتَحَتْ لَهُ السَّماواتُ، ورَأى رُوحَ اللَّهِ نازِلًا كَمِثْلِ حَمامَةٍ جائِيًا إلَيْهِ. وقالَ مُرْقُسُ: وكانَ تِلْكَ الأيّامَ جاءَ يَسُوعُ مِن ناصِرَةِ الجَلِيلِ واصْطَنَعَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ مِن يُوحَنّا، فَساعَةَ صَعِدَ مِنَ الماءِ رَأى السَّماواتِ قَدِ انْشَقَّتْ، ورُوحَ القُدُسِ كالحَمامَةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِ، ولِلْوَقْتِ أخْرَجَهُ الرُّوحُ إلى البَرِّيَّةِ، وأقامَ بِها أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهو مَعَ الوُحُوشِ، والمَلائِكَةُ تَخْدُمُهُ. وقالَ مَتّى: وصامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً. وقالَ لُوقا: وكانَ لَمّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ واعْتَمَدَ يَسُوعُ فَبَيْنَما هو يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَ عَلَيْهِ رُوحُ القُدُسِ شِبْهَ جَسَدِ حَمامَةٍ، وكانَ قَدْ صارَ لِيَسُوعَ ثَلاثُونَ سَنَةً وكانَ يَظُنُّ أنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ وأنَّ يَسُوعَ امْتَلَأ مِن رُوحِ القُدُسِ ورَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ، فانْطَلَقَ بِهِ الرُّوحُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، (p-٤٤٠)لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا في تِلْكَ الأيّامِ؛ ثُمَّ قالَ: ورَجَعَ يَسُوعُ إلى الجَلِيلِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ وخَرَجَ خَبَرُهُ في كُلِّ الكُورَةِ، وكانَ يُعَلِّمُ في مَجامِعِهِمْ ويُمَجِّدُهُ كُلُّ أحَدٍ، وجاءَ إلى النّاصِرَةِ حَيْثُ كانَ تَرَبّى ودَخَلَ كَعادَتِهِ إلى مَجْمَعِهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، وقامَ لِيَقْرَأ فَدُفِعَ إلَيْهِ سِفْرُ أشْعَيا النَّبِيِّ فَلَمّا فَتَحَ السِّفْرَ وجَدَ المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ مَكْتُوبٌ: رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، مِن أجْلِ هَذا مَسَحَنِي وأرْسَلَنِي لِأُبَشِّرَ المَساكِينَ وأشْفِيَ مُنْكَسِرِي القُلُوبِ وأُبَشِّرَ المَأْسُورِينَ بِالتَّخْلِيَةِ والعُمْيانَ بِالنَّظَرِ، وأُرْسِلَ المَرْبُوطِينَ بِالتَّخْلِيَةِ، وأُبَشِّرَ بِالسُّنَّةِ المَقْبُولَةِ لِلرَّبِّ والأيّامِ الَّتِي أعْطانا إلَهُنا؛ ثُمَّ طَوى السِّفْرَ ودَفَعَهُ إلى الخادِمِ وجَلَسَ، وكُلُّ مَن كانَ في الجَمْعِ كانَتْ عُيُونُهم مُحَدِّقَةً إلَيْهِ، فَبَدَأ يَقُولُ لَهُمُ: اليَوْمَ كَمُلَ هَذا المَكْتُوبُ بِأسْماعِكُمْ؛ وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا: أنَّ يَسُوعَ قالَ: إنْ كُنْتُ أنا أشْهَدُ لِنَفْسِي فَلَيْسَتْ شَهادَتِي حَقًّا، ولَكِنَّ الَّذِي يَشْهَدُ لِي بِها حَقٌّ، أنْتُمْ أرْسَلْتُمْ إلَيَّ يُوحَنّا فَشَهِدَ لِي بِالحَقِّ، وأمّا أنا فَلَسْتُ أطْلُبُ شَهادَةً مِن إنْسانٍ ولَكِنِّي (p-٤٤١)أقُولُ هَذا لِتُخَلَّصُوا أنْتُمْ، وأنا عَلى أعْظَمَ مِن شَهادَةِ يُوحَنّا لِأنَّ الأعْمالَ الَّتِي أعْمَلُها تَشْهَدُ مِن أجْلِي أنَّ الرَّبَّ أرْسَلَنِي، والَّذِي أرْسَلَنِي قَدْ شَهِدَ لِي ولَمْ تَسْمَعُوا قَطُّ صَوْتَهُ ولا عَرَفْتُمُوهُ ولا رَأيْتُمُوهُ، وكَلِمَتُهُ لا تَثْبُتُ فِيكم لِأنَّكم لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالَّذِي أرْسَلَ، فَتِّشُوا الكُتُبَ الَّتِي تَظُنُّونَ أنْ تَكُونَ لَكم بِها حَياةُ الأبَدِ فَهي تَشْهَدُ مِن أجْلِي، لَسْتُ آخُذُ المَجْدَ مِنَ النّاسِ أنا أتَيْتُ بِاسْمِ أبِي فَلَمْ تَقْبَلُونِي، وإنْ أتاكم آخَرُ بِاسْمِ نَفْسِهِ قَبِلْتُمُوهُ، كَيْفَ تَقْدِرُونَ أنْ تُؤْمِنُوا وإنَّما تَقْبَلُونَ المَجْدَ بَعْضُكُمْ، مِن بَعْضٍ ولا تَظُنُّونَ أنَّ المَجْدَ مِنَ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ، لا تَظُنُّوا أنِّي أشْكُوكُمْ، إنَّ لَكم مَن يَشْكُوكُمْ: مُوسى الَّذِي عَلَيْهِ تَتَوَكَّلُونَ، فَلَوْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِمُوسى آمَنتُمْ بِي، لِأنَّ ذَلِكَ كُتِبَ مِن أجْلِي، وإنْ كُنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِكَتْبِ ذَلِكَ فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِكَلامِي - انْتَهى ما وقَعَ الِاخْتِيارُ أخِيرًا عَلى إثْباتِهِ هُنا، وفِيهِ مِنَ الألْفاظِ المُنْكَرَةِ في شَرْعِنا إطْلاقُ الأبِ والِابْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
آل عمران 3:61
ولَمّا أتاهم سُبْحانَهُ وتَعالى مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالفَصْلِ في البَيانِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ إلّا العِنادُ، فَبَيَّنَ أوَّلًا ما تَفَضَّلَ (p-٤٤٢)فِيهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أطْوارِ الخَلْقِ المُوجِبَةِ لِلْحاجَةِ المُنافِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ، ثُمَّ فَضَحَ بِتَمْثِيلِهِ بِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شُبْهَتَهُمْ، ألْزَمَهم عَلى تَقْدِيرِهِ بِالفَيْصَلِ الأعْظَمِ لِلْمُعانِدِ المُوجِبِ لِلْعَذابِ المُسْتَأْصِلِ أهْلَ الفَسادِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَمّا آتَيْناكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ في أمْرِهِ أنّا نَقُولُ لَكَ: مَن ﴿حاجَّكَ فِيهِ﴾ أيْ خاصَمَكَ بِإيرادِ حُجَّةٍ، أيْ كَلامٍ يَجْعَلُهُ في عِدادِ ما يَقْصِدُ.
ولَمّا كانَ المَلُومُ إنَّما هو مَن بَلَغَتْهُ هَذِهِ الآياتُ وعَرَفَ مَعْناها دُونَ مَن حاجَّ في الزَّمانِ الَّذِي هو بَعْدَ نُزُولِها دُونَ اطِّلاعِهِ عَلَيْها قالَ: ﴿مِن﴾ أيْ مُبْتَدِئًا المُحاجَّةَ مِن، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمِن لِئَلّا يُفْهَمَ أنَّ المُباهَلَةَ تَخْتَصُّ بِمَنِ اسْتَغْرَقَ زَمانَ البُعْدِ بِالمُجادَلَةِ ﴿بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧] أيِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ في أمْرِهِ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ أيْ أقْبِلُوا أيُّها المُجادِلُونَ إلى أمْرٍ نَعْرِفُ فِيهِ عُلُوَّ المُحِقِّ وسُفُولَ المُبْطِلِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أعَزُّ ما عِنْدَ الإنْسانِ لِكَوْنِهِمْ بَعْضَهُ ﴿ونِساءَنا ونِساءَكُمْ﴾ أيِ اللّاتِي هُنَّ أُولى ما يُدافِعُ عَنْهُ (p-٤٤٣)أُولُو الهِمَمِ العَوالِي ﴿وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ فَقَدَّمَ ما يُدافِعُ عَنْهُ ذَوُو الأحْسابِ ويَفْدُونَهُ بِنُفُوسِهِمْ، وقَدَّمَ مِنهُ الأعَزَّ الألْصَقَ بِالأكْبادِ وخَتَمَ بِالمُدافِعِ، وهَذا التَّرْتِيبُ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إذا اعْتَبَرْتَ أنَّهُ قَدَّمَ الفَرْعَ ثُمَّ الأصْلَ وبَدَأ بِالأدْنى وخَتَمَ بِالأعْلى، وفائِدَةُ الجَمْعِ الإشارَةُ إلى القَطْعِ بِالوُثُوقِ بِالكَوْنِ عَلى الحَقِّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما لَهُ هَذا الجَمْعُ مُشِيرًا بِحَرْفِ التَّراخِي إلى خَطَرِ الأمْرِ وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِهِ والتَّرَوِّي لَهُ وإمْعانُ النَّظَرِ فِيهِ لِوَخامَةِ العاقِبَةِ وسُوءِ المُنْقَلَبِ لِلْكاذِبِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَضَرَّعْ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما نَقَلَهُ الإمامُ أبُو حَيّانَ في نَهْرِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الِابْتِهالُ طَلَبُ البَهْلِ، والبَهْلُ أصْلُ مَعْناهُ التَّخَلِّي والضَّراعَةُ في مُهِمٍّ مَقْصُودٍ. انْتَهى.
﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها فَهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، أيْ إبْعادَهُ وطَرْدَهُ ﴿عَلى الكاذِبِينَ﴾ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِ: ثُمَّ لَمّا أُتْبِعَتْ قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَعْنِي في البَقَرَةِ - بِذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ لِوُقُوفِهِمْ مِن تِلْكَ القِصَصِ عَلى ما (p-٤٤٤)لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ، وأُنْذِرُوا وحُذِّرُوا؛ أُتْبِعَتْ قِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَعْنِي هُنا - بِذِكْرِ الحَوارِيِّينَ وأمْرِ النَّصارى إلى آيَةِ المُباهَلَةِ. انْتَهى.
آل عمران 3:62
ولَمّا كانَ العِلْمُ الأزَلِيُّ حاصِلًا بِأنَّ المُجادِلِينَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَكُفُّونَ عَنِ المُباهَلَةِ بَعْدَ المُجادَلَةِ خَوْفًا مِنَ الاسْتِئْصالِ في العاجِلَةِ مَعَ الخِزْيِ الدّائِمِ في الآجِلَةِ، وكانَ كَفُّهم عَنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ بِإبْطالِهِمْ في دَعْواهم لِكُلِّ مَن يُشاهِدُهم أوْ يَتَّصِلُ بِهِ خَبَرُهُمْ، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: - تَنْبِيهًا عَلى ما فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ - ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ ﴿لَهُوَ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُضادُّهُ ﴿القَصَصُ الحَقُّ﴾ والقَصَصُ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - تَتَبُّعُ الوَقائِعِ بِالإخْبارِ عَنْها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ عَلى تَرْتِيبِها، في مَعْنى قَصِّ الأثَرِ، وهو اتِّباعُهُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى مَحَلِّ ذِي الأثَرِ. انْتَهى.
ولَمّا بَدَأ سُبْحانَهُ وتَعالى القِصَّةَ أوَّلَ السُّورَةِ بِالإخْبارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ صَرِيحًا خَتَمَها بِمِثْلِ ذَلِكَ إشارَةً وتَلْوِيحًا فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما أنْتَجَهُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ عِيسى ﷺ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ مُعَمِّمًا لِلْحُكْمِ مُعْرِقًا بِزِيادَةِ الجارِّ في النَّفْيِ: ﴿وما مِن إلَهٍ﴾ أيْ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ، لِأنَّ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو بِحَيْثُ (p-٤٤٥)يَضُرُّ ويَنْفَعُ ﴿إلا اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ، لِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ - كَما مَضى التَّصْرِيحُ بِهِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرُهُ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا السِّياقِ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا تَفَرُّدَهُ تَرَكُوا المُباهَلَةَ رَهْبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِلْمًا مِنهم بِأنَّهم لَهُ عاصُونَ ولِحَقِّهِ مُضَيِّعُونَ وأنَّ ما يَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ لا شَيْءَ في يَدِهِ مِنَ الدَّفْعِ عَنْهم ولا مِنَ النَّفْعِ لَهُمْ، فَلا بُرْهانَ أقْطَعُ مِن هَذا.
ولَمّا كانَ في نَفْيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى نَوْعُ خَفاءٍ أتى بِالوَصْفَيْنِ عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ مِمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّهُ عِلَّةُ ما قَبْلَهُ مِن نَفْيٍ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لَهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وهَذا بِخِلافِ الحَياةِ والقَيُّومِيَّةِ فَإنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِهِما عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ لِظُهُورِهِما، وقَدْ عُلِمَ بِلا شُبْهَةٍ بِما عُلِمَ مِن أنَّهُ لا عَزِيزَ ولا حَكِيمَ إلّا هو أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.
آل عمران 3:63
ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَبَّبَ عَنْهُ تَهْدِيدَهم عَلى الإعْراضِ بِقَوْلِهِ - مُنَبِّهًا بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ عَلى أنَّهُ لا يُعْرِضُ عَنْ هَذا المَحَلِّ البَيِّنِ إلّا مَن كانَ عالِمًا بِأنَّهُ مُبْطِلٌ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يُظَنُّ بِذِي عَقْلٍ ولا مُرُوءَةٍ، (p-٤٤٦)فَمِن حَقِّ ذِكْرِهِ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ فَرْضِ المُحالاتِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنْ إجابَتِكَ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿عَلِيمٌ﴾ بِهِمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، فَعَدَلَ عَنْهُ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ تَنْفِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيْ فَهو يَحْكُمُ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ فَيَنْتَقِمُ مِنهم لِفَسادِهِمْ بِعِزَّتِهِ انْتِقامًا يُتْقِنُهُ بِحِكْمَتِهِ فَيَنْقَلِبُونَ مِنهُ بِصَفْقَةِ خاسِرٍ ولا يَجِدُونَ مِن ناصِرٍ.
آل عمران 3:64
ولَمّا نَكَصُوا عَنِ المُباهَلَةِ بَعْدَ أنْ أوْرَدَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ الحُجَجِ فانْقَطَعُوا، فَلَمْ تَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ وقَبِلُوا الصَّغارَ والجِزْيَةَ، فَعُلِمَ انْحِلالُهم عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ المُحاجَّةِ ولَمْ يَبْقَ إلّا إظْهارُ النَّتِيجَةِ، اقْتَضى ذَلِكَ عِظَمَ تَشَوُّفِهِ ﷺ إلَيْها لِعِظَمِ حِرْصِهِ ﷺ عَلى هِدايَةِ الخَلْقِ، فَأمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَها مُكَرِّرًا إرْشادَهم بِطَرِيقٍ أخَفَّ مِمّا مَضى بِأنْ يُؤْنِسَهم فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِالمُؤاساةِ، فَيَدْعُو دُعاءً يَشْمَلُ المُحاجِّينَ مِنَ النَّصارى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ كِتابٌ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي قامَتِ البَراهِينُ عَلى حَقِّيَّتِها ونَهَضَتِ الدَّلائِلُ عَلى صِدْقِها، (p-٤٤٧)دُعاءً لا أعْدَلَ مِنهُ، عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ ما قَدْ يُتَخَيَّلُ مِن إرادَةِ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والِاخْتِصاصِ بِأمْرٍ دُونَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ بَدَأ بِمُباشَرَةِ ما دَعاهم إلَيْهِ ورَضِيَ لَهم ما رَضِيَ لِنَفْسِهِ وما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الكُتُبُ واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْ﴾ ولَمّا كانَ قَدِ انْتَقَلَ مِن طَلَبِ الإفْحامِ خاطَبَهم تَلَطُّفًا بِهِمْ بِما يُحِبُّونَ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ إشارَةً إلى ما عِنْدَهم في ذَلِكَ مِنَ العِلْمِ ﴿تَعالَوْا﴾ أيِ ارْفَعُوا أنْفُسَكم مِن حَضِيضِ الشِّرْكِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٍ﴾ أيْ ذاتِ عَدْلٍ لا شَطَطَ فِيهِ بِوَجْهٍ ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ لِأنَّهُ الحائِزُ لِصِفاتِ الكَمالِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ أيْ لا نَعْتَقِدُ لَهُ شَرِيكًا وإنْ لَمْ نَعْبُدْهُ.
ولَمّا كانَ التَّوَجُّهُ إلى غَيْرِ اللَّهِ خِلافَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ فَقالَ: ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا﴾ أيْ كَعُزَيْرٍ والمَسِيحِ والأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ يُحِلُّونَ ويُحَرِّمُونَ. ولَمّا كانَ الرَّبُّ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُعَلِّمِ والمُرَبِّي بِنَوْعِ تَرْبِيَةٍ نَبَّهَ عَلى (p-٤٤٨)أنَّ المَحْذُورَ إنَّما هو اعْتِقادُ الِاسْتِبْدادِ، والِاجْتِراءُ عَلى ما يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي اخْتَصَّ بِالكَمالِ.
ولَمّا زاحَتِ الشُّكُوكُ وانْتَفَتِ العِلَلُ أمَرَ بِمُصارَحَتِهِمْ بِالخِلافِ في سِياقٍ ظاهِرُهُ المُتارَكَةُ وباطِنُهُ الإنْذارُ الشَّدِيدُ المُعارَكَةِ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ مُشِيرًا بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ الإعْراضَ عَنْ هَذا العَدْلِ لا يَكادُ يَكُونُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنِ الإسْلامِ لَهُ في التَّوْحِيدِ ﴿فَقُولُوا﴾ أنْتُمْ تَبَعًا لِأبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وامْتِثالًا لِوَصِيَّتِهِ إذْ قالَ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿اشْهَدُوا بِأنّا﴾ أيْ نَحْنُ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُتَّصِفُونَ بِالإسْلامِ مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ، فَيُوشِكُ أنْ يَأْمُرَنا نَبِيُّهُ ﷺ بِقِتالِكم لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكم جَرْيًا عَلى عادَةِ الرُّسُلِ، فَنُجِيبَهُ بِما أجابَ بِهِ الحَوارِيُّونَ المُشْهِدُونَ بِأنَّهم مُسْلِمُونَ، ثُمَّ نُبارِزَكم مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ مُعْتَمِدِينَ عَلَيْهِ، وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ أيّامَهُ الماضِيَةَ ووَقائِعَهُ السّالِفَةَ.
آل عمران 3:65
ولَمّا عَلِمَ أهْلُ الكِتابِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ العَرَبُ مِن مَحَبَّةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أتى بِدِينِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى
﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ (p-٤٤٩)المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] اجْتَمَعَ مَلَأٌ مِن قَرابَتِهِمْ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وضَلَّلَ كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ وادَّعى كُلٌّ مِنهم قَصْدًا لِاجْتِذابِ المُسْلِمِينَ إلى ضَلالِهِمْ بِكَيْدِهِمْ ومُحالِهِمُ اتِّباعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ ﷺ كانَ عَلى دِينِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ في كِتابِهِمْ، مَعَ أنَّ العَقْلَ يَرُدُّهُ بِأدْنى التِفاتٍ، لِأنَّ دِينَ كُلٍّ مِنهم إنَّما قُرِّرَ بِكِتابِهِمْ، وكِتابُهم إنَّما نَزَلَ عَلى نَبِيِّهِمْ، ونَبِيُّهم إنَّما كانَ بَعْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِدُهُورٍ مُتَطاوِلَةٍ، واليَهُودُ يُنْسَبُونَ إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأخْذِهِ البَكُورِيَّةَ عَنْ أخِيهِ بِنْيامِينَ لِأمْرٍ مَذْكُورٍ في كِتابِهِمْ، والنَّصارى يُنْسَبُونَ إلى النّاصِرَةِ مَخْرَجِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَبَلِ الجَلِيلِ، ولا يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ عَلى دِينٍ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَهُ وعَلى نِسْبَةٍ مُتَأخِّرَةٍ عَنْهُ، وكانَ دِينُهُ ﷺ إنَّما هو الإسْلامُ، وهو الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبَكِّتًا لَهُمْ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ كالمُعَلِّلِ لِتَبْكِيتِهِمْ، لِأنَّ الزَّلَّةَ مِنَ العالِمِ أشْنَعُ ﴿لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ فَيَدَّعِيهِ كُلٌّ مِن فَرِيقِكم ”و“ (p-٤٥٠)الحالُ أنَّهُ ”ما أنْزَلَتْ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ“ المُقَرِّرُ كُلٌّ مِنهُما لِأصْلِ دِينٍ مُتَجَدِّدٍ مِنكم ﴿إلا﴾ ولَمّا كانَ إنْزالُ كِتابِ كُلٍّ مِنهم غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ الآتِي بَعْدَهُ أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ وأعْظَمُ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهُما السَّبْتُ والأحَدُ، ولَمْ يَكُنْ ما يَدَّعُونَهُ فِيهِما في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ في دَعْوى أنَّهُ مُسْلِمٌ لِأنَّ الإسْلامَ الَّذِي هو الإذْعانُ لِلدَّلِيلِ مَعْنىً قَدِيمٌ مَوْجُودٌ مِن حِينِ خَلَقَ اللَّهُ العَقْلَ، والدَّلِيلُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قِيلَ في الدِّينَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ واضِحًا في ذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ هَبْ أنَّكم لَبَّسْتُمْ وادَّعَيْتُمْ أنَّ ذَلِكَ في كِتابِكم زُورًا وبُهْتانًا، وظَنَنْتُمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى مَن لا إلْمامَ لَهُ بِكِتابِكُمْ، فَكَيْفَ غَفَلْتُمْ عَنِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ!
آل عمران 3:66
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَبْكِيتًا آخَرَ فَقالَ مُنَبِّهًا لَهم مُكَرِّرًا التَّنْبِيهَ إشارَةً إلى طُولِ رُقادِهِمْ أوْ شِدَّةِ عِنادِهِمْ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الأشْخاصُ الحَمْقى، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿حاجَجْتُمْ﴾ أيْ قَصَدْتُمْ مُغالَبَةَ مَن يَقْصِدُ الرَّدَّ عَلَيْكم ﴿فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ نَوْعٌ (p-٤٥١)مِنَ العِلْمِ مِن أمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لِذِكْرِ كُلٍّ مِنهُما في كِتابِكم وإنْ كانَ جِدالُكم فِيهِما عَلى خِلافِ ما تَعْلَمُونَ مِن أحْوالِهِما عِنادًا أوْ طُغْيانًا ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ﴾ أيْ تُغالِبُونَ بِما تَزْعُمُونَ أنَّهُ حُجَّةٌ، وهو لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ حُجَّةً ﴿فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أصْلًا، لِكَوْنِهِ لا ذِكْرَ لَهُ في كِتابِكم بِما حاجَجْتُمْ فِيهِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِصَرِيحِ العَقْلِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ مُجادَلَتَكم في الحَقِيقَةِ إنَّما هي مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وتَعْلَمُونَ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ما جادَلْتُمْ فِيهِ ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ وتَعْلَمُونَ أنَّكم أنْتُمْ ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم عِلْمٌ أصْلًا إلّا ما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ”ها“ في ”ها أنْتُمْ“ لِلتَّنْبِيهِ، ونَقَلَ شَيْخُنا ابْنُ الجَزَرِيِّ في كِتابِهِ ”النَّشْرُ في القِراءاتِ العَشْرِ“ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ وعَنْ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ أنَّها بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي حَمْدُونَ عَنِ اليَزِيدِيِّ أنَّ أبا عَمْرٍو قالَ: وإنَّما هي ”أأنْتُمْ“ مَمْدُودَةً، فَجَعَلُوا الهَمْزَةَ (p-٤٥٢)هاءً، والعَرَبُ تَفْعَلُ هَذا، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ اسْتِفْهامًا مَعْناهُ التَّعْجِيبُ مِنهم والتَّوْبِيخُ لَهم.
آل عمران 3:67
ولَمّا وبَّخَهم عَلى ذَلِكَ مِن جَهْلِهِمْ نَفى سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ادَّعاهُ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنهم طِبْقَ ما بَرْهَنَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الأُولى، ونَفى عَنْهُ كُلَّ شِرْكٍ أيْضًا، وأثْبَتَ أنَّهُ كانَ مائِلًا عَنْ كُلِّ باطِلٍ مُنْقادًا مَعَ الدَّلِيلِ إلى كُلِّ حَقٍّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ أيْ كَما ادَّعى اليَهُودُ ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ كَما ادَّعى النَّصارى - لِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلِيلِ ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ بَيَّنَ مَعْنى الحَنِيفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] بِما يَصْدُقُ عَلى المُسْلِمِ، وقالَ الإمامُ العارِفُ ولِيُّ الدِّينِ المَلْوِيُّ في كِتابِهِ حِصْنُ النُّفُوسِ في السُّؤالِ في القَبْرِ: واليَهُودِيُّ أصْلُهُ مَن آمَنَ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَزَمَ أحْكامَ التَّوْراةِ، والنَّصْرانِيُّ مَن آمَنَ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَزَمَ أحْكامَ الإنْجِيلِ، ثُمَّ صارَ اليَهُودِيُّ مَن كَفَرَ بِما أُنْزِلَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والنَّصْرانِيُّ مَن كَفَرَ بِما أُنْزِلَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والحَنِيفُ المائِلُ عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ، والمُسْلِمُ (p-٤٥٣)المُطِيعُ لِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في أيِّ كِتابٍ أُنْزِلَتْ مَعَ أيِّ رَسُولٍ أُورِدَتْ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: هو المُنْقادُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وحْدَهُ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَمِيعِ جَوارِحِهِ المُخْلِصُ عَمَلَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَن قالَ لَهُ: قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ ”قُلْ: آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ“» انْتَهى.
ثُمَّ خَصَّ بِالنَّفْيِ مَن عُرِفُوا بِالشِّرْكِ مَعَ الصَّلاحِ لِكُلِّ مَن داخَلَهُ شِرْكٌ مِن غَيْرِهِمْ كَمَن أشْرَكَ بِعُزَيْرٍ والمَسِيحِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفي ذِكْرِ وصْفَيِ الإسْلامِ والحَنَفِ تَعْرِيضٌ لَهم بِأنَّهم في غايَةِ العِنادِ والجَلافَةِ واليُبْسِ في التَّمَسُّكِ بِالمَأْلُوفاتِ وتَرْكِ ما أتاهم مِن واضِحِ الأدِلَّةِ وقاطِعِ الحُجَجِ البَيِّناتِ.
آل عمران 3:68
ولَمّا نَفى عَنْهُ ﷺ كُلَّ زَيْغٍ بَعْدَ أنْ نَفى عَنْهُ أنْ يَكُونَ عَلى مِلَّةٍ هو مُتَقَدِّمٌ عَنْ حُدُوثِها شَرَعَ في بَيانِ ما يُتِمُّ بِهِ (p-٤٥٤)نَتِيجَةَ ما مَضى بِبَيانِ مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُ، فَقَرَّرَ أنَّ الأوْلى بِهِ إنَّما هو مَنِ اتَّبَعَهُ في أصْلِ الدِّينِ، وهو التَّوْحِيدُ والتَّنْزِيهُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ نَبِيّانِ أصْلًا، وفي الِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ وتَرْكِ المَأْلُوفِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ حَتّى صارُوا أحِقّاءَ بِالإسْلامِ الَّذِي هو وصْفُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لِمُحاجَّتِهِمْ: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ﴾ أيْ أقْرَبَهم وأحَقَّهم ﴿بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ في دِينِهِ مِن أُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، لا الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّهُ تابِعٌ لَهُمْ، ثُمَّ صَرَّحَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ فَقالَ: ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ أيْ هو أوْلى النّاسِ بِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ مِن أُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ وإنْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ - ولِيُّهُمْ، هَذا الأصْلُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ لِيَعُمَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم وأتْباعَهم مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، ويُعْلِمَ أنَّ الوَصْفَ المُوجِبَ لِلتَّقْرِيبِ العَراقَةُ في الإيمانِ تَرْغِيبًا لِمَن لَمْ يَبْلُغْهُ في بُلُوغِهِ.
آل عمران 3:69
ولَمّا كانَ قَصْدُ بَعْضِهِمْ بِدَعْواهُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى دِينِهِ إنَّما هو إضْلالُ أهْلِ الإسْلامِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالإعْرابِ عَنْ مُرادِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما كانَ مُرادُ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِدَعْواهم (p-٤٥٥)فِيهِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِصَرِيحِ العَقْلِ؟ ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ﴾ أيْ مِن شَأْنِها أنْ تَطُوفَ حَوْلَكم طَوافَ التّابِعِ المُحِبِّ مَكْرًا وخِداعًا ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ حَسَدًا لَكم ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِهِمُ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ قَدْ نُسِخَ ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ما ﴿يُضِلُّونَ﴾ بِذَلِكَ التَّمَنِّي أوِ الإضْلالِ لَوْ وقَعَ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِأنَّ كُلًّا مِن تَمَنِّيهِمْ وإضْلالِهِمْ ضَلالٌ لَهم مَعَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُضِلُّوا مَن هَداهُ اللَّهُ، فَمَن تابَعَهم عَلى ضَلالِهِمْ فَإنَّما أضَلَّهُ اللَّهُ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ولَيْسَ يَتَجَدَّدُ لَهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ نَوْعُ شُعُورٍ، فَكَيْدُهم لا يَتَعَدّاهم فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والجَهْلِ، إمّا حَقِيقَةً لِبُغْضِهِمْ وإمّا لِأنَّهم لَمّا عَمِلُوا بِغَيْرِ ما يَعْلَمُونَ عُدَّ عِلْمُهم جَهْلًا وعُدُّوا هم بَهائِمَ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى غايَةِ التَّناسُبِ، لِأنَّ أهَمَّ شَيْءٍ في حَقِّ مَن رَمى بِباطِلٍ - إنَّما غَلَبَةُ الرّامِي لِيَتَعاظَمَ بِأنَّهُ شَأْنُهُ - بَيانُ إبْطالِهِ في دَعْواهُ، ثُمَّ تَبْكِيتُهُ المُتَضَمِّنُ لِبَراءَةِ المَقْذُوفِ، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِبَراءَتِهِ، ثُمَّ بَيانُ مَن هو أوْلى بِالكَوْنِ مِن حَرْبِهِ، ثُمَّ بَيانُ المُرادِ مِن تِلْكَ الدَّعْوى الكاذِبَةِ لِيَحْذَرَ غائِلَتَها السّامِعُ.
آل عمران 3:70
ولَمّا خَتَمَ الكَلامَ فِيهِمْ بِنَفْيِ شُعُورِهِمْ بَيَّنَ تَعالى في مَعْرِضِ التَّبْكِيتِ (p-٤٥٦)أنَّ نَفْيَهم عَنْهُ إنَّما هو لِأنَّهم مُعانِدُونَ، لا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ، بَلْ يَعْمَلُونَ بِخِلافِهِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا بِما يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّبْكِيتِ المُؤْذِنَةِ بِشَدِيدِ الغَضَبِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم أهْلُ العِلْمِ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ كُفْرًا تُجَدِّدُونَهُ في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْتُرُونَ ما عِنْدَكم مِنَ العِلْمِ بِسَبَبِ الآياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْكم مِنَ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وعِزًّا وعِلْمًا ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِلْمًا هو عِنْدَكم في غايَةِ الِانْكِشافِ أنَّها آياتُهُ؛
آل عمران 3:71
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ اسْتِئْنافًا آخَرَ مِثْلَ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ قاصِرٌ عَلى ضَلالِهِمْ وهَذا مُتَعَدٍّ إلى إضْلالِهِمْ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ﴾ أيِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ﴿بِالباطِلِ﴾ أيْ بِأنْ تُؤَوِّلُوهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلِهِ، أوْ تَحْمِلُوهُ عَلى غَيْرِ مَحَلِّهِ ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيِ الَّذِي لا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا، وهو ما تَعْلَمُونَ مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَوابِعِها ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ مِن (p-٤٥٧)ذَوِي العِلْمِ، فَأنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ قَطْعًا وأنَّ عَذابَ الضّالِّ المُضِلِّ عَظِيمٌ جِدًّا.
آل عمران 3:72
ولَمّا ذَكَرَ لَبْسَهم دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ٦٩] مُبَيِّنًا لِنَوْعِ إضْلالٍ آخَرَ: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ ﴿آمِنُوا﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ ﴿بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُتابَعَةً لَهم ﴿وجْهَ﴾ أيْ أوَّلَ ﴿النَّهارِ﴾ سُمِّيَ وجْهًا لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَسْتَقْبِلُكَ مِنهُ وهو ما يَظْهَرُ ولِذا عَبَّرُوا بِهِ عَنِ الأوَّلِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاسْتِغْراقِ النِّصْفِ، لِأنَّ مُرادَهُمُ التَّلْبِيسُ بِظاهِرٍ لا باطِنَ لَهُ، ولَفْظٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، في جُزْءٍ يَسِيرٍ جِدًّا ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ أيْ لِيَظُنُّوا أنَّهُ لا غَرَضَ لَكم إلّا الحَقَّ، وأنَّهُ ما رَدَّكم عَنْ دِينِهِمْ بَعْدَ اتِّباعِكم لَهُ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنْ دِينِهِ
آل عمران 3:73
﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ أيْ تُوقِعُوا التَّصْدِيقَ الحَقِيقِيَّ ﴿إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ فَصَوِّبُوا طَرِيقَتَهُ وصَدِّقُوا دِينَهُ وعَقِيدَتَهُ.
ولَمّا كانَ هَذا عَيْنَ الضَّلالِ أمَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَعْجَبَ (p-٤٥٨)مِن حالِهِمْ مُنَبِّهًا عَلى ضَلالِهِمْ بِقَوْلِهِ مُعْرِضًا عَنْهم إيذانًا بِالغَضَبِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِالعَظَمَةِ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، أيْ لا تَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِنّا عَنْهُ، ولا نَقْدِرُ عَلى إرْشادِ أحَدٍ مِنكم إلَيْهِ إلّا بِإذْنِهِ، ثُمَّ وصَلَ بِهِ تَقْرِيعَهم فَقالَ: ﴿أنْ﴾ بِإثْباتِ هَمْزَةِ الإنْكارِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَقْدِيرِها في قِراءَةِ غَيْرِهِ، أيْ أفَعَلْتُمُ الإيمانَ عَلى الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ خَشْيَةَ أنْ ﴿يُؤْتى أحَدٌ﴾ أيْ مِن طَوائِفِ النّاسِ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ أيْ مِنَ العِلْمِ والهُدى الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ أوَّلَ الأمْرِ ﴿أوْ﴾ كَراهَةَ أنْ ﴿يُحاجُّوكُمْ﴾ أيْ يُحاجَّكم أُولَئِكَ الَّذِينَ أُوتُوا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْكم بِالشَّهادَةِ عَلَيْكم أنَّهم آمَنُوا وكَفَرْتُمْ بَعْدَ البَيانِ الواضِحِ فَيَفْضَحُوكم.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةً بِآيَةِ البَقَرَةِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] في الحَسَدِ عَلى ما أُوتِيَ غَيْرُهم مِنَ الدِّينِ الحَقِّ وكالشّارِحَةِ لَها بِبَيانِ ما يَلْبِسُونَهُ لِقَصْدِ الإضْلالِ خُتِمَتْ بِما خُتِمَتْ بِهِ تِلْكَ، لَكِنْ لَمّا قَصَدَ بِها (p-٤٥٩)الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في كِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ دَبَّرُوا هَذا المَكْرَ لِأجْلِهِما زِيدَتْ ما لَهُ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ فَقالَ تَعالى مُجِيبًا لِمَن تَشَوَّفَ إلى تَعْلِيمِ ما لَعَلَّهُ يَكُفُّ مِن مَكْرِهِمْ ويُؤَمِّنُ مِن شَرِّهِمْ مُعْرِضًا عَنْهم بِالخِطابِ بَعْدَ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ بِهِ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ﴾ في التَّشْرِيفِ بِإنْزالِ الآياتِ وغَيْرِها ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ المُخْتَصِّ بِأنَّهُ لا كُفْؤَ لَهُ، فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وأتْبَعَهُ نَتِيجَتَهُ فَقالَ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَلَهُ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ كَمالُ الِاجْتِباءِ، ثُمَّ قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا ورادًّا عَلَيْهِمْ في الأمْرِ الثّانِي: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ مِنَ العَظَمَةِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ ما لا تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ ولا تَبْلُغُهُ الأوْهامُ ﴿واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ يُوَسِّعُ عَلى مَن عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، ويُهْلِكُ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِخَيْرٍ، ويَعْلَمُ دَقِيقَ أمْرِكم وجَلِيلَهُ، فَلا يَحْتاجُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى تَنْبِيهِ أحَدٍ بِمُحاجَّتِكم عَلَيْهِ عِنْدَهُ.
آل عمران 3:74
ولَمّا كانَ هَذا مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى تَأْكِيدٍ انْتَقَلَ عَنْهُ إلى تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في الأمْرِ الأوَّلِ بِثَمَرَةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ونَتِيجَتِها (p-٤٦٠)مِن أنَّهُ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ تامُّ الِاقْتِدارِ فَقالَ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ ثُمَّ أكَّدَ تَعْظِيمَ ما لَدَيْهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَن يَظُنُّ أنَّ اخْتِصاصَ البَعْضِ لِضِيقِ الرَّحْمَةِ عَنِ العُمُومِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ فَلا يَنْقُصُ ما عِنْدَهُ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ هُنا تَعْظِيمًا لِما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ مُشِيرًا بِذَلِكَ كُلِّهِ إلى التَّمَكُّنِ مِنَ الإعْطاءِ بِاخْتِبارِهِ وغَزارَةِ فَضْلِهِ وإلى القُدْرَةِ عَلى الإنْجاءِ مِن حَبائِلِ المَكْرِ بِسَعَةِ عِلْمِهِ.
آل عمران 3:75
فَلَمّا تَقَرَّرَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ ذَكَرَ دَلِيلَ ذَلِكَ فِيهِمْ بِأنَّهُ فَضَّلَ فَرِيقًا مِنهم فَأعْلاهُ، ورَذَلَ فَرِيقًا مِنهم فَأرْداهُ، فَلَمْ يَرُدَّهُمُ الكِتابُ - وهم يَتْلُونَهُ - إلى الصَّوابِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما مَضى مِن مَخازِيهِمْ مُقَرِّرًا لِكِتْمانِهِمْ لِلْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ الحَقُّ بِأنَّ الخِيانَةَ دَيْدَنُهم في الأعْيانِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمَعانِي الدِّينِيَّةِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم وإنْ شارَكُوا النّاسَ في انْقِسامِهِمْ إلى أمِينٍ وخائِنٍ فَهم يُفارِقُونَهم مِن حَيْثُ إنَّ خائِنَهم يَتَدَيَّنُ بِخِيانَتِهِ ويُسْنِدُها - مُرُوقًا مِن رِبْقَةِ الحَياءِ - إلى اللَّهِ، مادِحًا لِلْأمِينِ مِنهُمْ: ﴿ومِن (p-٤٦١)أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ المَوْصُوفِينَ ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ أيْ مِنَ الذَّهَبِ المَذْكُورِ في الفَرِيقِ الآتِي ﴿يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ غَيْرَ خائِنٍ فِيهِ، فَلا تَسُوقُوا الكُلَّ مَساقًا واحِدًا في الخِيانَةِ ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ﴾ أيْ واحِدٍ ﴿لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ دَناءَةً وخِيانَةً ﴿إلا ما﴾ أيْ وقْتَ ما ﴿دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ تُطالِبُهُ بِهِ غالِبًا لَهُ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أداةُ الِاسْتِعْلاءِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عِلَّةَ الخِيانَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ البَعِيدُ مِنَ الكَمالِ ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ كَذِبًا عَلى شَرْعِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ﴾ يَعْنِي مَن لَيْسَ لَهُ كِتابٌ فَلَيْسَ عَلى دِينِهِمْ ﴿سَبِيلٌ﴾
ولَمّا كانَ الكَذِبُ مِن عِظَمِ القَباحَةِ بِمَكانٍ يُظَنُّ بِسَبَبِهِ أنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ ذُو عَقْلٍ فَكَيْفَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿وهم (p-٤٦٢)يَعْلَمُونَ﴾ أيْ ذَوُو عِلْمٍ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذِبٌ.
آل عمران 3:76
ولَمّا ادَّعَوْا نَفْيَ الجُناحِ عَنْهم فِيهِمْ وبَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَتَحاشَوْنَ عَنِ الكَذِبِ صَرَّحَ بِكَذِبِهِمْ في هَذا الأمْرِ بِخُصُوصِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ أيْ عَلَيْكم في خِيانَتِهِمْ لِتَحْرِيمِ العُذْرِ عَلَيْكم مُطْلَقًا، أيْ سَبِيلٌ - كَما هو في التَّوْراةِ وقَدْ مَضى نَقْلُهُ في البَقَرَةِ في آيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] وآيَةِ ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]
ولَمّا مَضى تَقْسِيمُهم إلى أمِينٍ وخائِنٍ اسْتَأْنَفَ بِشارَةَ الأوَّلِ ونِذارَةَ الثّانِي عَلى وجْهٍ عامٍّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ لِتَحْرِيمِ الخِيانَةِ في كُلِّ شَرْعٍ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ مِنهُما، إنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الخائِنَ فَقالَ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ في الدِّينِ والدُّنْيا ﴿واتَّقى﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ ذا الجَلالِ والإكْرامِ يُحِبُّهُ، هَكَذا الأصْلُ، لَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِهِ وإشْعارًا بِأنَّهُ العِلَّةُ الحامِلَةُ لَهُ عَلى الأمانَةِ فَقالَ: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾
آل عمران 3:77
ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ نَزّاعَةً إلى الخِيانَةِ رَواغَةً عِنْدَ مَضائِقِ الأمانَةِ، (p-٤٦٣)وكانَتِ الخِيانَةُ تَجُرُّ إلى الكَذِبِ بَسَطَ في الإنْذارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أيْ يَلِجُونَ في أنْ يَأْخُذُوا عَلى وجْهِ العِوَضِ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي عاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ الَّذِي عاهَدَهم عَلى الإيمانِ بِهِ وذِكْرِ صِفَتِهِ لِلنّاسِ، وهو سُبْحانُهُ أعْلى وأعَزُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَهو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿وأيْمانِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي عَقَدُوها بِالتِزامِ مُتابَعَةِ الحَقِّ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ في الدُّنْيا ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البَعِيدُو الرُّتْبَةِ في الدَّناءَةِ ﴿لا خَلاقَ﴾ أيْ نَصِيبَ ﴿لَهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ لِبَيْعِهِمْ لَهُ بِنَصِيبِ الدُّنْيا ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ اسْتِهانَةً بِهِمْ وغَضَبًا عَلَيْهِمْ بِما انْتَهَكُوا مِن حُرْمَتِهِ.
ولَمّا زادَتْ هَذِهِ عَنْ آيَةِ البَقَرَةِ العَهْدَ والحَلِفَ، وكانَ مِن عادَةِ الحالِفِ والمُعاهِدِ النَّظَرُ إلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ زادَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾ أيْ بَلْ يَعُدُّهم أحْقَرَ شَيْءٍ بِما أعْرَضُوا عَنْهُ، ولَمّا كانَ لِكَثْرَةِ الجَمْعِ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في مَشَقَّةِ الخِزْيِ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي مَنِ افْتَضَحَ في جَمْعِهِ لَمْ يَفُزْ ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ لِأنَّهم لَمْ يُزَكُّوا (p-٤٦٤)اسْمَهُ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يَعْرِفُونَ بِهِ ما جَهِلُوا مِن عَظَمَتِهِ.
آل عمران 3:78
ولَمّا نَسَبَهم إلى الكَذِبِ عُمُومًا نَبَّهَ عَلى نَوْعٍ خاصٍّ مِنهُ هو أكْذَبُ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا﴾ أيْ جُبِلُوا عَلى الفُرْقَةِ، فَهم لا يَزالُونَ يَسْعَوْنَ في التَّفْرِيقِ ﴿يَلْوُونَ﴾ أيْ يَفْتِلُونَ ويُحَرِّفُونَ ﴿ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ بِأنْ يَنْقُلُوا اللِّسانَ لِتَغْيِيرِ الحَرْفِ مِن مَخْرَجٍ إلى آخَرَ - مَثَلًا بِأنْ يَقُولُوا في ”اعْبُدُوا اللَّهَ“ اللّاتَ، وفي ”لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ“ بِالحَدِّ، وفي ”مَن زَنى فارْجُمُوهُ“ فارْحَمُوهُ بِالمُهْمَلَةِ، أوْ فَحَمِّمُوهُ، أوِ اجْلِدُوهُ - ونَحْوَ هَذا.
ولَمّا كانَ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما لَهُ مِنَ الحَلاوَةِ والجَلالَةِ لا يُلْبَسُ بِغَيْرِهِ إلّا عَلى ضَعِيفِ العَقْلِ ناقِصِ الفِطْرَةِ عَبَّرَ بِالحُسْبانِ تَنْفِيرًا عَنِ السَّماعِ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى بُعْدِ ما يَسْمَعُهُ الإنْسانُ مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ أيِ الَّذِي لُوِيَ بِهِ اللِّسانُ فَحُرِّفَ ﴿مِنَ (p-٤٦٥)الكِتابِ﴾ أيِ المُنْزَلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَمّا عُلِمَ بِهَذِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ أعادَهُ ظاهِرًا تَصْرِيحًا بِالتَّعْمِيمِ.
ولَمّا كانَ إيهامُهم هَذا مِنَ الجُرْأةِ بِمَكانٍ أعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم تَجاوَزُوا إلى ما هو أعْظَمُ مِنهُ فَصَرَّحُوا بِما أوْهَمُوهُ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ مُجَدِّدِينَ التَّصْرِيحَ بِالكَذِبِ في كُلِّ وقْتٍ بِأنْ يَقُولُوا ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِكَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِ - مُبْعِدًا لِما لَوَوْا بِهِ ألْسِنَتَهم عَنْ أنْ يَكُونَ فِيهِ ثُبُوتُ حَقٍّ مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِأنَّ الِاسْمَ الَّذِي لَمْ يُشارِكْ فِيهِ أحَدٌ بِوَجْهٍ أنَصُّ عَلى المُرادِ وأنْفى لِكُلِّ احْتِمالٍ:﴿وما هُوَ﴾ أيِ الَّذِي لَوَوْا بِهِ ألْسِنَتَهم حَتّى أحالُوهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ العامَّةُ، فَما لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِهِ فَلا حَقَّ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لا بِكَوْنِهِ مِنَ الكِتابِ ولا مِن غَيْرِهِ.
ولَمّا بَيَّنَ بِهَذا كَذِبَهم عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تَصْرِيحًا بَعْدَ أنْ قَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى بَيانَهُ بِما يُظَنُّ تَلْوِيحًا أخْبَرَ بِأنَّ ذَلِكَ عادَةٌ لَهُمْ، لا يَقِفُونَ (p-٤٦٦)مِنهُ عِنْدَ عَدٍّ، ولا يَنْحَصِرُونَ فِيهِ بِحَدٍّ، فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الحائِزِ لِجَمِيعِ العَظَمَةِ جُرْأةً مِنهم ﴿الكَذِبَ﴾ أيِ العامَّ كَما قالُوا عَلَيْهِ هَذا الكَذِبَ الخاصَّ، ولَمّا كانَ الكَذِبُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما لَمْ يُتَعَمَّدْ، بَلْ وقَعَ خَطَأً احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّهُ كَذِبٌ، لا يَشُكُّونَ فِيهِ.
آل عمران 3:79
ولَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ ما أرادَ مِن كِتْمانِهِمْ لِلْحَقِّ مَعَ الإشارَةِ إلى بَعْضِ تَوابِعِهِ إلى أنْ خَتَمَ بِأنَّهم لا يَتَحاشَوْنَ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ المُقْتَضِي لِلْكَذِبِ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلّا بِواسِطَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَهْما كانَ القَوْلُ كَذِبًا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى اقْتَضى أنْ يَكُونَ تَعَبُّدًا لِلْمَنسُوبِ إلَيْهِ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي شَرَعَهُ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِأنْ يُدَّعى أنَّ النَّبِيَّ دَعا إلى عِبادَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِفاتِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٤٦٧)المُقْتَضِيَةِ لِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ ما لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أنَّهم كاذِبُونَ فِيما يَدَّعُونَهُ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَنَفى أنْ يَكُونَ قالَ لَهم ذَلِكَ أوْ شَيْئًا مِنهُ عَلى وجْهٍ شامِلٍ لَهُ ولِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِ وبِسِياقٍ هو بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ صَحَّ ولا تُصُوِّرَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لِبَشَرٍ﴾ أيْ مِنَ البَشَرِ كائِنًا مَن كانَ مِن عِيسى وعُزَيْرٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِما ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿الكِتابَ والحُكْمَ﴾ أيِ الحِكْمَةَ المُهَيِّئَةَ لِلْحُكَمِ، وهي العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ والعَمَلُ المُتْقَنُ بِالعِلْمِ، لِأنَّ أصْلَها الإحْكامُ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ في مَحَلِّهِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ فَسادُهُ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ وهي الخَبَرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُقْتَضِي لِأتَمِّ الرِّفْعَةِ، يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ الأمْرَ الجَلِيلَ ويَنْصِبُهُ لِلدُّعاءِ إلى اخْتِصاصِهِ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وتَرْكِ الأنْدادِ ﴿ثُمَّ﴾ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنْ ﴿يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ تَجَوُّزًا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ والمُبادَرَةِ (p-٤٦٨)لِامْتِثالِ أمْرِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ إذْ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّ مَن أُوتِيَ نُبُوَّةً وحِكْمَةً - وهو بَشَرٌ - في غايَةِ البُعْدِ عَنِ ادِّعاءِ مِثْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ - لا سِيَّما تَغَيُّرُ بَشْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِعالاتِهِ - مُسْتَقِلَّةٌ بِالإبْعادِ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوى، فَلَمْ يَبْقَ لَهم مُسْتَنَدٌ، لا مِن جِهَةِ عَقْلٍ ولا مِن طَرِيقِ نَقْلٍ، فَصارَ قَوْلُ مِثْلِ ذَلِكَ مُنافِيًا لِلْحِكْمَةِ الَّتِي هو مُتَلَبِّسٌ بِها، فَصَحَّ قَطْعًا انْتِفاؤُهُ عَنْهُ.
ولَمّا ذَكَرَ ما لا يَكُونُ لَهُ أتْبَعَهُ ما لَهُ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ يَقُولُ ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ أيْ تابِعِينَ طَرِيقَ الرَّبِّ مَنسُوبِينَ إلَيْهِ بِكَمالِ العِلْمِ المُزَيَّنِ بِالعَمَلِ، والألِفُ والنُّونُ زِيدَتا لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِهِمْ في المُتابَعَةِ ورُسُوخِهِمْ في العِلْمِ اللَّدُنِيِّ، فَإنَّ الرَّبّانِيَّ هو الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وطاعَتِهِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا ماتَ: ماتَ رَبّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ بِهِ مُعَلِّمِينَ لَهُ ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ فَإنَّ فائِدَةَ الدَّرْسِ العِلْمُ، وفائِدَةَ العِلْمِ العَمَلُ، ومِنهُ الحَثُّ عَلى الخَيْرِ والمُراقَبَةِ لِلْخالِقِ.
آل عمران 3:80
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ مِنَ البَشَرِ داعِيًا إلى نَفْسِهِ (p-٤٦٩)وأثْبَتَ أنَّهُ يَكُونُ ولا بُدَّ داعِيًا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ أثْبَتَ أنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ، لِأنَّ بَعْضَ الشَّياطِينِ يُحْكِمُ مَكْرَهُ بِإبْعادِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِالدُّعاءِ إلى غَيْرِهِ عَلى وجْهِ الشِّرْكِ لا سِيَّما إنْ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ رَبّانِيًّا كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ البَشَرُ ﴿أنْ تَتَّخِذُوا﴾ أتى بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إيذانًا بِأنَّ الفِطَرَ مَجْبُولَةٌ عَلى التَّوَجُّهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ﴿المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ﴾ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ ﴿أرْبابًا﴾ أيْ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ مِن دُونِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ كانَ فِيها أدْنى شائِبَةٍ فَهي باطِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الإنْكارِ تَبْرِئَةً لِعِبادَةِ الخُلَّصِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى غَنِيٌّ، لا يَقْبَلُ إلّا ما كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِأحْكامِهِ، أوْ مُتَهَيِّئُونَ لِلتَّوْحِيدِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى.
آل عمران 3:81
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما مَضى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الرُّسُلِ كُفْرٌ، وذَكَرَ كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ فَخَصَّ في ذِكْرِهِمْ وعَمَّمَ، ذَكَرَ قانُونًا كُلِّيًّا لِمَعْرِفَةِ الرَّسُولِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاذِبِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ كافَّةً، والمَعْنى: ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ (p-٤٧٠)الإنْعامِ عَلَيْكم بِالإسْلامِ والإنْعامِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلى النّاسِ - الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ - بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إذا أتاهُمْ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكَفِّرًا لِغَيْرِهِ وكافِرًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَما﴾ أيْ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لَما ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ وقِراءَةُ نافِعٍ: آتَيْناكُمْ، أوْفَقُ لِسِياقِ الجَلالَةِ - قالَهُ الجَعْبَرِيُّ ﴿مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ أيْ أمَرْتُكم بِها بِشَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَأمَرْتُمْ بِذَلِكَ مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِ ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ﴾ أيْ مِن عِنْدِي، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُعْلِمُ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ فَقالَ: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أيْ أنْتُمْ وأُمَمُكم ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أيْ عَلى مَن يُخالِفُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا المِيثاقَ عَظِيمٌ، فَقِيلَ: إنْ، زادَ في تَأْكِيدِهِ اهْتِمامًا بِهِ فَقالَ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ أيْ يا مَعْشَرَ النَّبِيِّينَ ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ﴾ أيِ العَهْدِ المُعَظَّمِ بِالإشارَةِ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ ﴿إصْرِي﴾ أيْ عَهْدِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الثِّقَلِ، فَإنَّهُ يَشُدُّ في نَفْسِهِ بِالتَّوْثِيقِ والتَّوَثُّقِ، ويَشْتَدُّ بَعْدَ كَوْنِهِ عَلى النُّفُوسِ لِما لَها مِنَ النُّزُوعِ إلى الإطْلاقِ عَنْ (p-٤٧١)عَهْدِ التَّقَيُّدِ بِنَوْعٍ مِنَ القُيُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا أقْرَرْنا﴾ أيْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: ما قالَ؟ فَقِيلَ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ يا أنْبِياءُ! بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، أوْ يا مَلائِكَةُ! عَلَيْهِمْ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْهُ أنَّهُ مَن ﴿تَوَلّى﴾ أيْ مِنكم أوْ مِن أُمَمِكُمُ الَّذِي بَلَغَهم ذَلِكَ عَنْ نُصْرَةِ نَبِيٍّ مَوْصُوفٍ بِما ذَكَرَ.
ولَمّا كانَ المُسْتَحِقُّ لِغايَةِ الذَّمِّ إنَّما هو مَنِ اتَّصَلَ تَوَلِّيهِ بِالمَوْتِ لَمْ يَقْرِنِ الظَّرْفَ بِجارٍّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المِيثاقِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ بِما فِيهِ مِنَ الوَثاقَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالخُرُوجِ العَظِيمِ عَنْ دائِرَةِ الحَقِّ.
آل عمران 3:82
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما مَضى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الرُّسُلِ كُفْرٌ، وذَكَرَ كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ فَخَصَّ في ذِكْرِهِمْ وعَمَّمَ، ذَكَرَ قانُونًا كُلِّيًّا لِمَعْرِفَةِ الرَّسُولِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاذِبِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ كافَّةً، والمَعْنى: ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ (p-٤٧٠)الإنْعامِ عَلَيْكم بِالإسْلامِ والإنْعامِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلى النّاسِ - الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ - بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إذا أتاهُمْ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكَفِّرًا لِغَيْرِهِ وكافِرًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَما﴾ أيْ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لَما ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ وقِراءَةُ نافِعٍ: آتَيْناكُمْ، أوْفَقُ لِسِياقِ الجَلالَةِ - قالَهُ الجَعْبَرِيُّ ﴿مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ أيْ أمَرْتُكم بِها بِشَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَأمَرْتُمْ بِذَلِكَ مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِ ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ﴾ أيْ مِن عِنْدِي، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُعْلِمُ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ فَقالَ: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أيْ أنْتُمْ وأُمَمُكم ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أيْ عَلى مَن يُخالِفُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا المِيثاقَ عَظِيمٌ، فَقِيلَ: إنْ، زادَ في تَأْكِيدِهِ اهْتِمامًا بِهِ فَقالَ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ أيْ يا مَعْشَرَ النَّبِيِّينَ ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ﴾ أيِ العَهْدِ المُعَظَّمِ بِالإشارَةِ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ ﴿إصْرِي﴾ أيْ عَهْدِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الثِّقَلِ، فَإنَّهُ يَشُدُّ في نَفْسِهِ بِالتَّوْثِيقِ والتَّوَثُّقِ، ويَشْتَدُّ بَعْدَ كَوْنِهِ عَلى النُّفُوسِ لِما لَها مِنَ النُّزُوعِ إلى الإطْلاقِ عَنْ (p-٤٧١)عَهْدِ التَّقَيُّدِ بِنَوْعٍ مِنَ القُيُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا أقْرَرْنا﴾ أيْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: ما قالَ؟ فَقِيلَ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ يا أنْبِياءُ! بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، أوْ يا مَلائِكَةُ! عَلَيْهِمْ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْهُ أنَّهُ مَن ﴿تَوَلّى﴾ أيْ مِنكم أوْ مِن أُمَمِكُمُ الَّذِي بَلَغَهم ذَلِكَ عَنْ نُصْرَةِ نَبِيٍّ مَوْصُوفٍ بِما ذَكَرَ.
ولَمّا كانَ المُسْتَحِقُّ لِغايَةِ الذَّمِّ إنَّما هو مَنِ اتَّصَلَ تَوَلِّيهِ بِالمَوْتِ لَمْ يَقْرِنِ الظَّرْفَ بِجارٍّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المِيثاقِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ بِما فِيهِ مِنَ الوَثاقَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالخُرُوجِ العَظِيمِ عَنْ دائِرَةِ الحَقِّ.
آل عمران 3:83
ولَمّا كانَ المُدْرِكُ لِكُلِّ نَبِيٍّ إنَّما هم أُمَّةُ النَّبِيِّ الَّذِي قَبْلَهُ، وكانُوا يُكَذِّبُونَهُ ويُخالِفُونَهُ قالَ - خاتِمًا لِهَذِهِ القِصَصِ بَعْدَ الشَّهادَةِ بِنَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ بِما بَدَأها بِهِ في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] الآيَةِ إلى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] عَلى وجْهِ الإنْكارِ والتَّهْدِيدِ عاطِفًا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: ﴿أفَغَيْرَ﴾ أيْ أتَوَلَّوْا فَفَسَقُوا، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم غَيْرُ دِينِ اللَّهِ، وأُورِدَ بِأنَّ تَقْدِيمَ (p-٤٧٢)”غَيْرَ“ يُفْهِمُ أنَّ الإنْكارَ مُنْحَطٌّ عَلى طَلَبِهِمُ اخْتِصاصًا لِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ هو المُرادَ كَما لا يَخْفى، وأُجِيبُ بِأنَّ تَقْدِيمَهُ الِاهْتِمامُ بِشَأْنِهِ في الإنْكارِ، والِاخْتِصاصَ مُتَأخِّرٌ مُراعاتُهُ عَنْ نَكْبَةِ غَيْرِهِ - كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ ﴿دِينِ اللَّهِ﴾ الَّذِي اخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَبْغُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ بِفِسْقِهِمْ، أوْ أتَوَلَّيْتُمْ - عَلى قِراءَةِ الخِطابِ ﴿ولَهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَهُ خاصَّةً ﴿أسْلَمَ﴾ أيْ خَضَعَ بِالِانْقِيادِ لِأحْكامِهِ والجَرْيِ تَحْتَ مُرادِهِ وقَضائِهِ، لا يَقْدِرُونَ عَلى مُغالَبَةِ قَدَرِهِ بِوَجْهٍ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهم مَن لَهم قُوَّةُ الدِّفاعِ بِالبَدَنِ والعَقْلِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ ﴿طَوْعًا﴾ بِالإيمانِ أوْ بِما وافَقَ أغْراضَهم ﴿وكَرْهًا﴾ بِالتَّسْلِيمِ لِقَهْرِهِ في إسْلامِ أحَدِهِمْ وإنْ كَثُرَتْ أعْوانُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ إلى أكْرَهِ ما يَكْرَهُ وهو صاغِرٌ داخِرٌ، لا يَسْتَطِيعُ أمْرًا ولا يَجِدُ نَصْرًا ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ بِالحَشْرِ، لا تُعالِجُونَ مَقَرًّا ولا تَلْقَوْنَ (p-٤٧٣)مَلْجَأً ولا مَفَرًّا، فَإذا كانُوا كَذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّفَصِّي مِن قَبْضَتِهِ بِنَوْعِ قُوَّةٍ ولا حِيلَةٍ في سُكُونٍ ولا حَرَكَةٍ فَكَيْفَ يُخالِفُونَ ما أتاهم مِن أمْرِهِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهم رُسُلُهُ بِما أتى بِهِ كُلٌّ مِنهم مِنَ المُعْجِزَةِ! ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُعانِدَ لِلرَّسُولِ ﷺ مُعانِدٌ لِلْمُرْسِلِ.
آل عمران 3:84
ولَمّا تَمَّ تَنْزِيهُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الدُّعاءِ إلى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ هَدَّدَ مَن تَوَلّى، فَكانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ: أنا مُقْبِلٌ غَيْرُ مُتَوَلٍّ فَما أقُولُ وما أفْعَلُ؟ قالَ مُخاطِبًا لِرَأْسِ السّامِعِينَ لِيَكُونَ أجْدَرَ لِامْتِثالِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ لافِتًا لِمَن نَفَعَهُ هَذا التَّذْكِيرُ والتَّهْدِيدُ فَأقْبَلَ ﴿آمَنّا﴾ أنا ومَن أطاعَنِي مِن أُمَّتِي - مُبَكِّتًا لِأهْلِ الكِتابِ بِما تَرَكُوهُ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن بَعْدَهُ مِن خُلَّصِ أبْنائِهِ، وأبَوْهُ وجادَلُوا فِيهِ عُدْوانًا وادَّعَوْهُ؛ ثُمَّ فَصَّلَ المَأْمُورَ بِالإيمانِ بِهِ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ.
ولَمّا كانَ الإنْزالُ عَلى الشَّيْءِ مَقْصُودًا بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ كانَ الأنْسَبُ أنْ يُقالَ: ﴿وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةً ولِأتْباعِهِ مَجازًا، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِذَلِكَ أحَقَّ لِأنَّها سُورَةُ التَّوْحِيدِ (p-٤٧٤)﴿وما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ أبِينا ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيِ ابْنَيْهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ ابْنِ إسْحاقَ ﴿والأسْباطِ﴾ أيْ أوْلادِ يَعْقُوبَ.
ولَمّا كانَ ما نالَهُ صاحِبا شَرِيعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكِتابَيْنِ المُنَزَّلَيْنِ عَلَيْهِما والمُعْجِزاتِ المَمْنُوحَيْنِ بِها أعْظَمَ مِمّا كانَ لِمَن قَبْلَهُما غَيَّرَ السِّياقَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِن أوْلادِ الأسْباطِ مِنَ التَّوْراةِ والشَّرِيعَةِ ﴿وعِيسى﴾ مِن ذُرِّيَّةِ داوُدَ مِنَ الإنْجِيلِ والشَّرِيعَةِ النّاسِخَةِ لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ النَّظَرُ هُنا إلى الرَّسُولِ ﷺ أكْثَرَ لِكَوْنِها سُورَةَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أخْلَقُ بِهِ وأغْرَقُ فِيهِ ناسَبَ الإعْراءُ عَنِ التَّأْكِيدِ بِما في البَقَرَةِ، ونَظَرَ إلى الكُلِّ لَمْحًا واحِدًا فَقالَ: ﴿والنَّبِيُّونَ﴾ أيْ كافَّةً مِنَ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ لِيَكُونَ الإيمانُ بِالمُنْزَلِ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ لِشَرَفِهِ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ خاصَّةً وإلى العِبادِ عامَّةً بِإرْسالِهِمْ إلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ هَذا الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى المَوْضِعِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ لِلَّهِ وما أنْزَلَ مِن عِنْدِهِ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ عَلى طَرِيقِ الإخْلاصِ والرِّضى.
آل عمران 3:85
(p-٤٧٥)ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإظْهارِ الإيمانِ بِهَذا القَوْلِ، وكانَ ذَلِكَ هو الإذْعانَ الَّذِي هو الإسْلامُ قالَ - مُحَذِّرًا مِنَ الرِّدَّةِ عَنْهُ عاطِفًا عَلى ﴿آمَنّا﴾ [آل عمران: ٨٤] ومُظْهِرًا لِما مِن حَقِّهِ الإضْمارُ لَوْلا إرادَةُ التَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ مُشِيرًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى مُخالَفَةِ الفِطْرَةِ الأُولى -: ﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ أيْ يَتَطَلَّبْ ﴿غَيْرَ﴾ دِينِ ﴿الإسْلامِ﴾ الَّذِي هو ما ذَكَرَ مِنَ الانْقِيادِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُشْتَمِلِ عَلى الشَّرائِعِ المَعْرُوفَةِ الَّتِي أساسُها الإيمانُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ حَقِيقَةً بِإظْهارِ اتِّباعِ الرُّسُلِ أوْ مَجازًا بِالكَوْنِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى بِما أشْعَرَ بِهِ الِابْتِغاءُ - كَما تَقَدَّمَ، وكَرَّرَ الإسْلامَ في هَذا السِّياقِ كَثِيرًا لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ بِمُتابَعَةِ الرَّسُولِ المُصَدِّقِ حَثًّا عَلى تَمامِ الِانْقِيادِ لَهُ ﴿دِينًا﴾ وأتى بِالفاءِ الرّابِطَةِ إعْلامًا بِأنَّ ما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَها ومَرْبُوطٌ بِهِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ أيْ في الدُّنْيا، وأشْعَرَ تَرْتِيبُ هَذا عَلى السَّبَبِ بِأنَّهُ يُرْجى زَوالُ السَّبَبِ لِأنَّهُ مِمّا عَرَضَ لِلْعَبْدِ كَما جَرى في الرِّدَّةِ في خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَإنَّهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ أكْثَرُ المُرْتَدِّينَ وحَسُنَ إسْلامُهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ مَعْناهُ: ولا يُقْبَلُ مِنهم في الآخِرَةِ، مَعَ زِيادَةِ التَّصْرِيحِ بِالخَسارَةِ - وهي حِرْمانُ الثَّوابِ - المُنافِيَةِ لِمَقاصِدِهِمْ، والقَصْدُ الأعْظَمُ بِهَذا أهْلُ الكِتابِ مَعَ العُمُومِ لِغَيْرِهِمْ لِإقْرارِهِمْ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (p-٤٧٦)وتَوَقُّعِهِمْ لَهُ، عالِمِينَ قَطْعًا بِصِدْقِهِ لِما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ.
آل عمران 3:86
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِخَسارَةِ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ شَرَعَ يَسْتَدِلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ مَعَ ما لَهُ مِن كَمالِ العَظَمَةِ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ ناسٍ بِهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَهُ ﴿كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ رَبِّهِمْ وبِما ذَكَرَ مِمّا أتَتْ بِهِ رُسُلُهُ إعْراضًا عَنْهُ وعَنْهُمْ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِكَمالِ الذَّمِّ مَنِ اسْتَمَرَّ كُفْرُهُ إلى المَوْتِ قالَ مِن غَيْرِ جارٍّ: ﴿بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ بِذَلِكَ كُلِّهِ ﴿وشَهِدُوا﴾ أيْ وبَعْدَ أنْ شَهِدُوا ﴿أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِهِ ﴿وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ القاطِعَةُ بِأنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ قَطْعًا، لا شَيْءَ أقْوى مِن بَيانِهِ ولا أشَدَّ مِن ظُهُورِهِ بِما أشْعَرَ بِهِ إسْقاطُ تاءِ التَّأْنِيثِ مِن جاءَ.
ولَمّا كانَ الحائِدُ عَنِ الدَّلِيلِ بَعْدَ البَيانِ لا يُرْجى في الغالِبِ عَوْدُهُ كانَ الِاسْتِبْعادُ بِكَيْفَ مُوَضِّحًا لِأنَّ التَّقْدِيرَ لِأجْلِ التَّصْرِيحِ بِالمُرادِ: أُولَئِكَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لِظُلْمِهِمْ بِوَضْعِهِمْ ثَمَرَةَ الجَهْلِ بِنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُؤَكَّدِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ مَوْضِعَ ثَمَرَةِ العِلْمِ، فَعَطَفَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ المَعْلُومِ تَقْدِيرُهُ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يَهْدِي (p-٤٧٧)القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الغَرِيقِينَ في الظُّلْمِ لِكَوْنِهِ جَبَلَهم عَلى ذَلِكَ، تَحْذِيرًا مِن مُطْلَقِ الظُّلْمِ،
آل عمران 3:87
ولَمّا عُلِمَتْ بَشاعَةُ خِيانَتِهِمْ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وهي غَضَبُهُ وطَرْدُهُ ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ حَتّى أنَّهم هم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، فَإنَّ الكافِرَ يُطْبَعُ عَلى قَلْبِهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ عَلى هُدىً ويَصِيرُ يَلْعَنُ الكافِرَ ظانًّا أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ، وهَذا اللَّعْنُ واقِعٌ عَلَيْهِمْ حالَ تَلَبُّسِهِمْ بِالفِعْلِ لِوَضْعِهِمُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَصارَ كُلُّ مَن لَهُ عِلْمٌ يُبْعِدُهم لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ لِتَبْدِيلِهِمُ الحَسَنَ بِالسَّيِّئِ، وحَذَرًا مِن فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَهُ
آل عمران 3:88
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ اللَّعْنَةِ دائِمًا.
ولَمّا كانَ المُقِيمُ في الشِّدَّةِ قَدْ تَنْقُصُ شِدَّتُهُ عَلى طُولٍ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ مُفِيدًا أنَّ عَلَيْهِمْ مَعَ مُطْلَقِ الشِّدَّةِ بِالطَّرْدِ شَدائِدَ أُخْرى بِالعُقُوبَةِ. ولَمّا كانَ المُعَذَّبُ عَلى شَيْءٍ رُبَّما اسْتَمْهَلَ وقْتًا ما لِيَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ لِيَعْتَذِرَ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُؤَخَّرُونَ لِلْعِلْمِ بِحالِهِمْ باطِنًا وظاهِرًا حالًا ومَآلًا، ولِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، لَمْ يُتْرَكْ شَيْءٌ مِنها (p-٤٧٨)لِأنَّ المُقِيمَ لَها مُنَزَّهٌ عَنِ العَجْزِ والنِّسْيانِ.
آل عمران 3:89
ولَمّا انْخَلَعَتِ القُلُوبُ بِهَذِهِ الكُرُوبِ نَفَّسَ عَنْها سُبْحانَهُ وتَعالى مُشِيرًا إلى أنَّ فِيهِمْ - وإنِ اسْتُبْعِدَ رُجُوعُهم - مَوْضِعًا لِلرَّجاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ رَجَعُوا إلى رَبِّهِمْ مُتَذَكِّرِينَ لِإحْسانِهِ، ولَمّا كانَ التّائِبُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ ما بَعْدَ الإيمانِ بِالكُفْرِ، وكانَتِ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً ولَوْ قَلَّ زَمَنُها أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الِارْتِدادِ حَيْثُ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مِنَ الثَّمَراتِ الحَسَنَةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهم لِأنَّ اللَّهَ ﴿غَفُورٌ﴾ يَمْحُو الزَّلّاتِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِإعْطاءِ المَثُوباتِ، هَذِهِ صِفَةٌ لَهم ولِكُلِّ مَن تابَ مِن ذَنْبِهِ.
آل عمران 3:90
ولَمّا رَغَّبَ في التَّوْبَةِ رَهَّبَ مِنَ التَّوانِي عَنْها فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ وأوامِرِهِ، وأسْقَطَ الجارَّ لِما مَضى مِن قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ بِذَلِكَ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ لِفَظاعَتِهِ وقُبْحِهِ وشَناعَتِهِ جَدِيرًا بِالنَّفْرَةِ عَنْهُ والبُعْدِ مِنهُ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ بِاسْتِبْعادِ إيقاعِهِ، فَكَيْفَ بِالتَّمادِي عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِالِازْدِيادِ مِنهُ! وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ أيْ بِأنْ تَمادَوْا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُبادِرُوا (p-٤٧٩)بِالتَّوْبَةِ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أيْ إنْ تابُوا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَتُوبُونَ تَوْبَةً نَصُوحًا يَدُومُونَ عَلَيْها ويُصْلِحُونَ ما فَسَدَ، أوْ لَنْ تُوجَدَ مِنهم تَوْبَةٌ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْها القَبُولُ لِأنَّهم زادُوا عَنْ أهْلِ القِسْمِ الأوَّلِ بِالتَّمادِي، ولَمْ يَأْتِ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَهُ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مُهَيَّؤُونَ لِلْكُفْرِ مِن أصْلِ الجِبِلَّةِ، فَلا يَتُوبُونَ أبَدًا تَوْبَةً صَحِيحَةً، فالعِلَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الطَّبْعُ لا الذَّنْبُ، وهَذا شامِلٌ لِمَن تابَ عَنْ شَيْءٍ وقَعَ مِنهُ كَأبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ، ولِمَن لَمْ يَتُبْ كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الضّالُّونَ﴾ أيِ الغَرِيقُونَ في الضَّلالِ وإلَيْهِ أشارَ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ [الأنفال: ٢٣] لِوُقُوعِهِمْ في أبْعَدِ شِعابِهِ وأضْيَقِ نِقابِهِ، فَأنّى لَهم بِالرُّجُوعِ مِنهُ والتَّفَصِّي عَنْهُ!
آل عمران 3:91
ولَمّا أثْبَتَ لَهُمُ الخُصُوصِيَّةَ بِذَلِكَ لائِنًا لَهم فِيهِ إلى حَدٍّ أُيِسَ مَعَهُ مِن رُجُوعِهِمْ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى حالِهِمْ في الآخِرَةِ فَقالَ مُبَيِّنًا لَهم (p-٤٨٠)أنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ تَفْوِيتُ مَحَلِّها بِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ هَذا الكُفْرَ أوْ غَيْرَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ثَلاثَةُ أقْسامٍ: التّائِبُونَ تَوْبَةً صَحِيحَةً وهُمُ الَّذِينَ أصْلَحُوا، والتّائِبُونَ تَوْبَةً فاسِدَةً، والواصِلُونَ كُفْرَهم بِالمَوْتِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِذا قالَ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ ولَمّا كانَ المَوْتُ كَذَلِكَ سَبَبًا لِلْخُلُودِ في النّارِ لِأنَّ السِّياقَ لِلْكُفْرِ والمَوْتِ عَلَيْهِ، صَرَّحَ بِنَفْيِ قَبُولِ الفِداءِ كائِنًا مَن كانَ، ورَبَطَهُ بِالفاءِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ أيْ بِسَبَبِ شَناعَةِ فِعْلِهِمُ الَّذِي هو الِاجْتِراءُ عَلى الكُفْرِ ثُمَّ المَوْتُ عَلَيْهِ ﴿مِن أحَدِهِمْ﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ ﴿مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ أيْ مِنَ الذَّهَبِ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ قَبُولُ ذَلِكَ لَوْ بَذَلَهُ هِبَةً أوَ هَدِيَّةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ لَوْ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ تَجِيءُ مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ ﷺ «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ» فَكَوْنُهُ (p-٤٨١)جاءَ عَلى فَرَسٍ يُؤْذِنُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُعْطى فَنَصَّ عَلَيْهِ؛ وأمّا هُنا فَلَمّا كانَ قَبُولُ الفِدْيَةِ واجِبًا عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ - كَما مَرَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى
﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] كانَ بِحَيْثُ رُبَّما ظُنَّ أنَّ بَذْلَهُ - عَلى طَرِيقِ الِافْتِداءِ يُخالِفُ بَذْلَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ حَتّى يَجِبَ قَبُولُهُ، فَنَصَّ عَلَيْهِ؛ وأيْضًا فَحالَةُ الِافْتِداءِ حالَةٌ لا يَمْتَنُّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي - قالَهُ أبُو حَيّانَ. فالمَعْنى: لا يُقْبَلُ مِن أحَدِهِمْ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مِنَ الذَّهَبِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ عَلى حالِ الِافْتِداءِ، والمُرادُ بِالمِثالِ المُبالَغَةُ في الكَثْرَةِ، أيْ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ؛ وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى مَلْءِ الأرْضِ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يَدْخُلُ تَحْتَ أوْهامِ النّاسِ ويَجْرِي في مُحاوَراتِهِمْ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ بِهِمْ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ولِعَظَمَتِهِ أغْرَقَ في النَّفْيِ بَعْدَهُ بِزِيادَةِ الجارِّ فَقالَ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ يَنْصُرُونَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فانْتَفى عَنْهم كُلُّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ الِاسْتِنْقاذِ.
آل عمران 3:92
(p-١)ولَما كانَ آخِرُ هَذِهِ القِصَصِ في الحَقِيقَةِ إبْطالَ كُلِّ ما خالَفَ الإسْلامَ؛ الَّذِي هو مَعْنى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] - وما بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما جَرُّهُ - خَتَمَ الآيَةَ بِدَعْوى أنَّ المُخالِفِينَ مِنَ الخاسِرِينَ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ لا يُقْبَلُ إنْفاقُهُ لِلْإنْقاذِ مِمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الشَّدائِدِ؛ لا بِدَفْعٍ لِقاهِرٍ؛ ولا بِتَقْوِيَةٍ لِناصِرٍ؛ فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الوَقْتِ الَّذِي يُفِيدُ فِيهِ الإنْفاقُ؛ وأيِّ وُجُوهِهِ أنْفَعُ؛ فَأُرْشِدُ إلى ذَلِكَ؛ وإلى أنَّ الأحَبَّ مِنهُ أجْدَرُ بِالقَبُولِ؛ رُجُوعًا إلى ما قَرَّرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ قَبْلَ آيَةِ الشَّهادَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ مِن صِفَةِ عِبادِهِ المُنْفِقِينَ؛ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ؛ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾؛ وهو كَمالُ الخَيْرِ؛ ﴿حَتّى تُنْفِقُوا﴾؛ أيْ: في وُجُوهِ الخَيْرِ؛ ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ ما تَقْتَضُّونَ؛ كَما تَرَكَ إسْرائِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى. (p-٢)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أنْفَقْتُمْ مِنهُ؛ عَلِمَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ فَأنالَكم بِهِ البِرَّ؛ وإنْ تَيَمَّمْتُمُ الخَبِيثَ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ؛ فَأنْفَقْتُمُوهُ؛ لَمْ تَبَرُّوا؛ وكانَ كُلٌّ مِنَ المَحَبَّةِ والكَراهَةِ؛ أمْرًا خَفِيًّا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنَ المَحْبُوبِ وغَيْرِهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ - وقَدَّمَ الجارَّ اهْتِمامًا بِهِ؛ إظْهارًا لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن سَألَكَ: ”هَلْ تَعْلَمُ كَذا“: ”لا أعْلَمُ إلّا هُوَ“ - فَقالَ: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ فَهَذا كَما تَرى احْتِباكٌ.
آل عمران 3:93
ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّهُ كانَ دَيْدَنَ أهِلِ الكَمالِ؛ عَلى وجْهٍ يُقَرِّرُ بِهِ ما مَضى مِنَ الإخْبارِ بِعَظِيمِ اجْتِراءِ أهْلِ الكِتابِ عَلى الكَذِبِ بِأمْرٍ حِسِّيٍّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾؛ أيْ: مِنَ الشُّحُومِ مُطْلَقًا؛ وغَيْرِها؛ ﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: أكْلُهُ؛ كَما كانَ حِلًّا لِمَن قَبْلَهُمْ؛ عَلى أصْلِ الإباحَةِ؛ ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ﴾؛ تَبَرُّرًا؛ وتَطَوُّعًا؛ ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾؛ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ اسْتِجْلابًا لِبَنِيهِ إلى ما يَرْفَعُهم بَعْدَ اجْتِذابِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى ما يَضُرُّهُمْ؛ ولا يَنْفَعُهُمْ؛ ولَمّا كانُوا؛ بِما أغْرَقُوا فِيهِ مِنَ الكَذِبِ؛ رُبَّما قالُوا: إنَّما حَرَّمَ ذَلِكَ اتِّباعًا لِحُكْمِ التَّوْراةِ؛ قالَ: (p-٣)﴿مِن قَبْلِ﴾؛ وأثْبَتَ الجارَّ لِأنَّ تَحْرِيمَهُ كانَ في بَعْضِ ذَلِكَ الزَّمانِ؛ لا مُسْتَغْرِقًا لَهُ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى التَّجَدُّدِ؛ فَقالَ: ﴿أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ﴾؛ وكانَ قَدْ تَرَكَ لُحُومَ الإبِلِ؛ وألْبانَها؛ وكانَتْ أحَبَّ الأطْعِمَةِ إلَيْهِ؛ لِلَّهِ؛ وإيثارًا لِعِبادِهِ - كَما تَقَدَّمَ ذَلِكَ في ”البَقَرَةِ“؛ عِنْدَ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلْزامًا لِلْيَهُودِ بِاعْتِقادِ النَّسْخِ الَّذِي طَعَنُوا بِهِ في هَذا الدِّينِ؛ في أمْرِ القِبْلَةِ؛ وكانُوا يُنْكِرُونَهُ؛ لِيَصِيرَ عُذْرًا لَهم في التَّخَلُّفِ عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ؛ فَكانُوا يَقُولُونَ: ”لَمْ تَزَلِ الشُّحُومُ؛ وما ذُكِرَ مَعَها حَرامًا عَلى مَن قَبْلَنا؛ كَما كانَتْ حَرامًا عَلَيْنا“؛ فَأمَرَ بِجَوابِهِمْ بِأنْ قالَ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِلْيَهُودِ؛ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾؛ أيْ: لِتَدُلَّ لَكُمْ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ فِيما ادَّعَيْتُمُوهُ؛ فَلَمْ يَأْتُوا بِها؛ فَبانَ كَذِبُهُمْ؛ فافْتُضِحُوا فَضِيحَةً لا مِثْلَ لَها في الدُّنْيا؛
آل عمران 3:94
﴿فَمَنِ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ مَن ﴿افْتَرى﴾؛ أيْ: تَعَمَّدَ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: في أمْرِ المَطاعِمِ؛ أوْ غَيْرِها.
ولَمّا كانَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ إيقاعِ الكَذِبِ في أيِّ زَمَنٍ كانَ؛ لا عَنْ إيقاعِهِ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: البَيانِ العَظِيمِ الظّاهِرِ جِدًّا؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الأباعِدُ الأباغِضُ؛ ﴿هُمُ﴾؛ خاصَّةً؛ (p-٤)لِتَعَمُّدِهِمُ الكَذِبَ عَلى مَن هو مُحِيطٌ بِهِمْ؛ ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ ﴿الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: المُتَناهُو الظُّلْمِ بِالمَشْيِ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ؛ فِعْلَ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ فَهو لا يَضَعُ شَيْئًا في مَوْضِعِهِ؛ وذَلِكَ بِتَعَرُّضِهِمْ إلى أنْ يَهْتِكَهُمُ التّامُّ العِلْمِ؛ ويُعَذِّبُهُمُ الشّامِلُ القُدْرَةِ.
آل عمران 3:95
ولَمّا اتَّضَحَ كَذِبُهُمْ؛ وافْتُضِحَ تَدْلِيسُهم - لِأنَّهُ لَمّا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِكِتابِهِمْ؛ فَلَمْ يَأْتُوا بِهِ؛ صارَ ظاهِرًا كالشَّمْسِ؛ لا شَكَّ فِيهِ؛ ولا لَبْسَ؛ ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا تَمادِيًا في الكَذِبِ - أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِأهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ أنْكَرُوا النَّسْخَ؛ فَأقَمْتُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ مِن كِتابِهِمْ؛ ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ؛ وتُخْبِرُ بِهِ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ وغَيْرِهِ مِن بَنِيهِ؛ أسْلافِكُمْ؛ وتَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِكُمْ؛ هو ولا أحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لِأنَّكم لَوْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لِأتَيْتُمْ بِالتَّوْراةِ؛ نافِيًا بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ تَأخُّرُهم عَنِ الإتْيانِ بِها لِعِلَّةٍ يَعْتَلُّونَ بِها غَيْرِ ذَلِكَ؛ وإذْ قَدْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ (تَعالى) في جَمِيعِ ما قالَ؛ وجَبَ اتِّباعُهُ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ؛ وأعْظَمُهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ؛ فَإنَّها الجامِعَةُ لِلْمَحاسِنِ.
ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ بِهَذا الدَّلِيلِ المُحْكَمِ؛ لَزِمَ قَطْعًا أنَّهُ ما كانَ يَهُودِيًّا؛ (p-٥)ولا نَصْرانِيًّا؛ ولا مُشْرِكًا؛ وقَدْ أقَرُّوا بِأنْ مِلَّتَهُ هي الحَقُّ؛ وأنَّهم أتْباعُهُ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وُجُوبُ اتِّباعِهِ فِيما أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهِ؛ فَبانَ كالشَّمْسِ صِدْقُهُ؛ لا فِيما افْتَرَوْهُ هم مِنَ الكَذِبِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -:﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ وهي الإسْلامُ؛ أيْ: الِانْقِيادُ لِلدَّلِيلِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: تابِعًا لِلْحُجَّةِ إذا تَحَرَّرَتْ؛ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِمَأْلُوفٍ؛ ولَمّا كانَ ﷺ مَفْطُورًا عَلى الإسْلامِ؛ فَلَمْ يَكُنْ في جِبِلَّتِهِ شَيْءٌ مِنَ العِوَجِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ؛ نَفى الكَوْنَ؛ فَقالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛ أيْ: بِعُزَيْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ مِنَ الأكابِرِ؛ كالأحْبارِ الَّذِينَ تُقَلِّدُونَهُمْ؛ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّهم يَدْعُونَ إلى ضِدِّ ما دَعا إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.
آل عمران 3:96
ولَمّا ألْزَمَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلى النَّسْخِ أنَّهم عَلى غَيْرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ اتِّباعَها؛ بَعْدَ بَيانِ أنَّها هي ما عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ وأتْباعُهُ؛ أخْبَرَ عَنِ البَيْتِ الَّذِي يُخَوِّلُ إلَيْهِ التَّوَجُّهَ في الصَّلاةِ؛ فَعابُوهُ عَلى أهْلِ الإسْلامِ أنَّهُ أعْظَمَ شَعائِرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ الَّتِي كَفَرُوا بِتَرْكِها؛ ولِذَلِكَ أبْلَغَ في تَأْكِيدِهِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ﴾؛ (p-٦)أيْ: مِنَ البُيُوتِ الجامِعَةِ لِلْعِبادَةِ؛ ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: عَلى العُمُومِ؛ مُتَعَبَّدًا؛ واجِبًا عَلَيْهِمْ قَصْدُهُ وحَجُّهُ بِما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ واسْتِقْبالُهُ في الصَّلاةِ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في ذَلِكَ؛ ولَعَلَّ بِناءَ "وُضِعَ؛ لِلْمَفْعُولِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ وضْعَهُ كانَ قَبْلَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾؛ أيْ: البَلْدَةِ الَّتِي تَدُقُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ؛ ويَزْدَحِمُ النّاسُ فِيها ازْدِحامًا لا يَكُونُ في غَيْرِها مِثْلُهُ؛ ولا قَرِيبٌ مِنهُ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَدُقَّ هَذا النَّبِيُّ الَّذِي أظْهَرْتُهُ مِنها الأعْناقَ مِن كُلِّ مَن ناوَأهُ؛ ويَزْدَحِمَ النّاسُ عَلى الدُّخُولِ في دِينِهِ ازْدِحامًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ؛ فَإنْ فاتَكم ذَلِكَ خِبْتُمْ في الدّارَيْنِ غايَةَ الخَيْبَةِ؛ ودامَ ذُلُّكُمْ؛ وصَغارُكُمْ؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُبارَكًا﴾؛ أيْ: عَظِيمَ الثَّباتِ؛ كَثِيرَ الخَيْراتِ في الدِّينِ والدُّنْيا؛ ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومَن قَبْلَهُمْ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ فَعابَ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلَهم مِنَ النَّسْخِ ما أنْكَرُوهُ عَلى مَوْلاهُمْ؛ وذَلِكَ نَسْخُهم لِما شَرَعَهُ مِن حُجَّةٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ؛ تَحْرِيفًا مِنهُمْ؛ مِثالًا لِما قَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ بِهِ عَنْ كَذِبِهِمْ؛ وهَذا أمْرٌ شَهِيرٌ يُسَجَّلُ عَلَيْهِمْ بِالمُخالَفَةِ؛ ويُثْبِتُ لِلْمُؤْمِنِينَ (p-٧)المُؤالَفَةَ؛ فَإنَّ حَجَّ البَيْتِ الحَرامِ؛ وتَعْظِيمَهُ؛ مِن أعْظَمِ ما شَرَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما هو مُبَيَّنٌ في السِّيَرِ وغَيْرِها؛ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ؛ وقَدْ حَجَّهُ أنْبِياؤُهم - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأسْلافُهُمْ؛ إبْراهِيمُ؛ وإسْماعِيلُ؛ وإسْحاقُ؛ ويَعْقُوبُ؛ والأسْباطُ؛ وغَيْرُهم مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأتْباعِهِمْ؛ كَما رُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى إنَّ في بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّهُ كانَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في حَجِّهِ إلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومِنَ المُحالِ عادَةً أنْ يَخْفى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ ومِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّهم قَدْ تَرَكُوا هَذِهِ الشَّرِيعَةَ العَظِيمَةَ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهم دَعْوى أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مَعَ انْسِلاخِهِمْ مِن مُعْظَمِ شَرائِعِهِ!
آل عمران 3:97
ثُمَّ فَسَّرَ الهُدى بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾؛ وقَوْلِهِ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أثَرُ قَدَمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الحَجَرِ؛ حَيْثُ قامَ لِتَغْسِلَ كَنَّتُهُ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ؛ أعْرَبَهُ أبُو حَيّانَ بَدَلًا؛ أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنَ المَوْصُولِ الَّذِي هو خَبَرُ ”إنَّ“؛ في قَوْلِهِ: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَمَقامُ إبْراهِيمَ“؛ وأعْرَبَهُ غَيْرُهُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن قَوْلِهِ: ”آياتٌ“؛ وهو وحْدَهُ آياتٌ؛ لِعِظَمِهِ؛ ولِتَعَدُّدِ ما فِيهِ مِن تَأْثِيرِ القَدَمِ؛ وحِفْظِهِ (p-٨)إلى هَذا الزَّمانِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مَنقُولًا؛ وتَذْكِيرِهِ بِجَمِيعِ قَضايا إبْراهِيمَ؛ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ أمْنُ أهْلِهِ في بِلادِ النَّهْبِ والغاراتِ الَّتِي لَيْسَ بِها حاكِمٌ يُفْزَعُ إلَيْهِ؛ ولا رَئِيسٌ يُعَوَّلُ في ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ مِن أدَلِّ الآياتِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ومَن دَخَلَهُ﴾؛ أيْ: فَضْلًا عَنْ أهْلِهِ؛ ﴿كانَ آمِنًا﴾؛ أيْ: عَرِيقًا في الأمْنِ؛ أوْ: ”فَأمِّنُوهُ بِأمانِ اللَّهِ“؛ وتَحْوِيلُ العِبارَةِ عَنْ ”وأمِنَ داخِلُهُ“؛ لِأنَّ هَذا أدَلُّ عَلى المُرادِ مِن تَمَكُّنِ الأمْنِ؛ وفِيهِ بِشارَةٌ بِدُخُولِ الجَنَّةِ.
ولَمّا أوْضَحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَراءَتَهم مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ بَعْدَ دَعْواهم - بُهْتانًا - أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ؛ وكانَتِ المُخالَفَةُ في الواجِبِ أدَلَّ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿عَلى النّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ فَأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ دَلالَةً عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ - كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ عَنِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ الحَرالِّيِّ في ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ [الكهف: ٧٧]؛ في ”الكَهْفِ“؛ (p-٩)وذَلِكَ لِئَلّا يُدَّعى خُصُوصَةٌ بِالعَرَبِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ ﴿حِجُّ البَيْتِ﴾؛ أيْ: زِيارَتُهُ زِيارَةً عَظِيمَةً؛ وأظْهَرَ أيْضًا تَنْصِيصًا عَلَيْهِ؛ وتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ؛ تَفْخِيمًا لِقَدْرِهِ؛ وعَبَّرَ هُنا بِالبَيْتِ؛ لِأنَّهُ في الزِّيارَةِ؛ وعادَةُ العَرَبِ زِيارَةُ مَعاهِدِ الأحْبابِ؛ وأطْلالِهِمْ؛ وأماكِنِهِمْ؛ وحِلالَهُمْ؛ وأعْظَمُ ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزِّيارَةِ عِنْدَهُمُ الحَجُّ؛ ثُمَّ ”مَن“؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ بِقَوْلِهِ - مُبْدَلًا مِن ”النّاسِ“؛ تَأْكِيدًا بِالإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ؛ وحَمْلًا عَلى الشُّكْرِ بِالتَّخْفِيفِ بَعْدَ التَّشْدِيدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَلاغَةِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿إلَيْهِ سَبِيلا﴾؛ فَمَن حَجَّهُ كانَ مُؤْمِنًا.
ولَمّا كانَ مِنَ الواضِحِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”ومَن لَمْ يَحُجَّهُ؛ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ؛ كَفَرَ بِالنِّعْمَةِ؛ إنْ كانَ مُعْتَرِفًا بِالوُجُوبِ؛ وبِالمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ إنْ جَحَدَ“؛ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾؛ أيْ: بِالنِّعْمَةِ؛ أوْ بِالدِّينِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ ﴿غَنِيٌّ﴾؛ ولَمّا كانَ غِناهُ مُطْلَقًا؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مَوْضِعَ ”عَنْهُ“ -: ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: طائِعِهِمْ؛ وعاصِيهِمْ؛ صامِتِهِمْ وناطِقِهِمْ؛ رَطْبِهِمْ؛ ويابِسِهِمْ؛ فَوَضَحَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما شاكَلَها أنَّهم لَيْسُوا عَلى دِينِهِ؛ كَما وضَحَ بِما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِهِمْ؛ فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ بَراءَتُهُ مِنهُمْ؛ (p-١٠)والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ لِأنَّ إثْباتَ فَرْضِهِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى كُفْرِ مَن أباهُ؛ وإثْباتَ ”ومَن كَفَرَ“؛ ثانِيًا؛ يَدُلُّ عَلى إيمانِ مَن حَجَّهُ.
آل عمران 3:98
ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ - البَراهِينَ؛ وأحْكَمَ الدَّلائِلَ عَقْلًا وسَمْعًا؛ ولَمْ يَبْقَ لِمُتَعَنِّتٍ شُبْهَةٌ؛ ولَمْ يُبادِرُوا الإذْعانَ؛ بَلْ زادُوا في الطُّغْيانِ؛ وكادُوا أنْ يُوقِعُوا الضِّرابَ والطِّعانَ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ؛ أعْرَضَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ خِطابِهِمْ؛ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ؛ ورابِعِ الِانْتِقامِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ؛ الَّذِي يَكُونُ قَتْلُهم عَلى يَدِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ وأثْبَتَ أداةً دالَّةً عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: تُوقِعُونَ الكُفْرَ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: وهي - لِكَوْنِهِ الحائِزَ بِجَمِيعِ الكَمالِ - البَيِّناتُ؛ نَقْلًا وعَقْلًا؛ الدّالَّةُ عَلى أنَّكم عَلى الباطِلِ؛ لِما وضَحَ مِن أنَّكم عَلى غَيْرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ كُفْرُهم ظاهِرًا ذَكَرَ شَهادَتَهُ (تَعالى)؛ فَقالَ مُهَدِّدًا: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّ اللَّهَ - الَّذِي هو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ فَلا إلَهَ غَيْرُهُ؛ وقَدْ أشْرَكْتُمْ بِهِ -؛ ﴿شَهِيدٌ عَلى﴾؛ كُلِّ؛ ﴿ما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ (p-١١)- سُبْحانَهُ - السِّرَّ وأخْفى؛ وإنْ حَرَّفْتُمْ وأسْرَرْتُمْ“؛
آل عمران 3:99
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ إيذانًا بِالِاسْتِقْلالِ؛ تَقْرِيعًا آخَرَ لِزِيادَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ التَّكْفِيرَ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: المُدَّعِينَ لِلْعِلْمِ؛ واتِّباعِ الوَحْيِ؛ كُرِّرَ هَذا الوَصْفُ لِأنَّهُ - مَعَ أنَّهُ أبْعَدُ في التَّقْرِيعِ - أقْرَبُ إلى التَّلَطُّفِ في صَرْفِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ؛ ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ كُفْرِكُمْ؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ القَهْرُ؛ والعِزُّ؛ والعَظَمَةُ؛ والِاخْتِصاصُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ وسَبِيلُهُ: دِينُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ نَبِيُّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ وقَدَّمَهُ اهْتِمامًا بِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المَفْعُولَ؛ فَقالَ: ﴿مَن آمَنَ﴾؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿تَبْغُونَها﴾؛ أيْ: السَّبِيلَ؛ ﴿عِوَجًا﴾؛ أيْ: بِلَيِّكم ألْسِنَتَكُمْ؛ وافْتِرائِكم عَلى اللَّهِ؛ ولَمْ يَفْعَلْ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ إذْ أعْرَضَ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ ما فَعَلَ مِن قَبْلُ؛ إذْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذِ خِطابِهِ - تَعالى جَدُّهُ؛ وتَعاظَمَ مَجْدُهُ - إذْ قالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]؛ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ وقالَ أبُو البَقاءِ - في إعْرابِهِ -: ”إنَّ“تَبْغُونَ”؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في“تَصُدُّونَ”؛ أوْ مِنَ السَّبِيلِ؛ (p-١٢)لِأنَّ فِيها ضَمِيرَيْنِ راجِعَيْنِ إلَيْها؛ فَلِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ وعِوَجًا حالٌ“؛ انْتَهى.
وقالَ صاحِبُ القامُوسِ - في بَناتِ الواوِ -: ”بَغا الشَّيْءَ بَغْوًا“: نَظَرُ إلَيْهِ كَيْفَ هُوَ؛ وقالَ - في بَناتِ الياءِ -: ”بَغَيْتُهُ أبْغِيهِ“: طَلَبْتُهُ؛ فالظّاهِرُ أنَّ جَعْلَ عِوَجًا حالًا - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أصْوَبُ مِن جَعْلِهِ مَفْعُولًا - كَما قالَ في الكَشّافِ -؛ ويَكُونُ ”تَبْغُونَ“؛ إمّا يائِيًّا؛ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ”تُرِيدُونَها مُعْوَجَّةً؛ أوْ ذاتَ عِوَجٍ“؛ فَإنَّ ”طَلَبَ“؛ بِمَعْنى: أرادَ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ واوِيًّا بِمَعْنى: ”تَرَوْنَها ذاتَ عِوَجٍ“؛ أيْ: ”تَجْعَلُونَها في نَظَرِكُمْ“؛ يَعْنِي: ”تَتَكَلَّفُونَ وصْفَها بِالعِوَجِ؛ مَعَ عِلْمِكم بِاسْتِقامَتِها“؛ لَكِنَّ قَوْلَهُ ﷺ في الصَّحِيحِ: «”ابْغِنِي أحْجارًا أسَتَنْفِضْ بِهِنَّ“؛» يُؤَيِّدُ قَوْلَ صاحِبِ الكَشّافِ.
ولَمّا ذَكَرَ صَدَّهُمْ؛ وإرادَتَهُمُ العِوَجَ الَّذِي لا يَرْضاهُ ذُو عَقْلٍ؛ قالَ مُوَبِّخًا: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾؛ أيْ: بِاسْتِقامَتِها بِشَهادَتِكم بِاسْتِقامَةِ دِينِ إبْراهِيمَ؛ مَعَ قِيامِ أدِلَّةِ السَّمْعِ؛ والعَقْلِ؛ أنَّها دِينُهُ؛ وأنَّ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ أوْلى النّاسِ بِهِ؛ (p-١٣)لِانْقِيادِهِمْ لِلْأدِلَّةِ؛ ولَمّا كانَ الشَّهِيدُ قَدْ يَغْفُلُ؛ وكانُوا يُخْفُونَ مَكْرَهم في صَدِّهِمْ؛ هَدَّدَهم بِإحاطَةِ عِلْمِهِ؛ فَقالَ: ﴿وما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ؛ ولَهُ صِفاتُ الكَمالِ كُلُّها؛ ﴿بِغافِلٍ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛
آل عمران 3:100
ولَمّا تَمَّ إيذانُهُ بِالسُّخْطِ عَلى أعْدائِهِ؛ وأبْلَغَ في إنْذارِهِمْ عَظِيمَ انْتِقامِهِ؛ إنْ دامُوا عَلى إضْلالِهِمْ؛ أقْبَلَ بِالبِشْرِ عَلى أحِبّائِهِ؛ مُواجِهًا لَهم بِلَذِيذِ خِطابِهِ؛ وصَفِيِّ غَنائِهِ؛ مُحَذِّرًا لَهم الِاغْتِرارَ بِالمُضِلِّينَ؛ ومُنَبِّهًا؛ ومُرْشِدًا؛ ومُذَكِّرًا؛ ودالًا عَلى ما خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها؛ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ بِدَقِيقِ مَكْرِ اليَهُودِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾؛ أتى بِهَذا اللَّفْظِ لَمّا كانَ المُحَذَّرُ مِنهُ الِافْتِراقَ؛ والمُقاطَعَةَ؛ الَّذِي يَأْتِي عَيْبُ أهْلِ الكِتابِ بِهِ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: القاطِعِينَ بَيْنَ الأحْبابِ؛ مِثْلِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ الَّذِي مَكَرَ بِكم إلى أنْ أوْقَعَ الحَرْبِ بَيْنَكُمْ؛ فَلَوْلا النَّبِيُّ الَّذِي رَحِمَكم بِهِ رَبُّكُمْ؛ لَعُدْتُمْ إلى شَرِّ ما كُنْتُمْ فِيهِ؛ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؛ وزادَ في تَقْبِيحِ هَذا الحالِ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا بِإسْقاطِ الجارِّ إلى الِاسْتِغْراقِ زَمانَ البُعْدِ -: ﴿بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ (p-١٤)؛ أيْ: غَرِيقِينِ في صِفَةِ الكُفْرِ؛ فَيا لَها مِن صَفْقَةٍ؛ ما أخْسَرَها! وطَرِيقَةٍ؛ ما أجْوَرَها!
آل عمران 3:101
ولَمّا حَذَّرَهم مِنهم عَظَّمَ عَلَيْهِمْ طاعَتَهم بِالإنْكارِ؛ والتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ؛ مَعَ ما هم عَلَيْهِ؛ بَعْدَ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ؛ مِنَ الأحْوالِ الشَّرِيفَةِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَكَيْفَ تُطِيعُونَهم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ عَداوَتَهُمْ؟“ -: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يَقَعُ مِنكم ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى﴾؛ أيْ: تُواصَلُ بِالقِراءَةِ؛ ﴿عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَلاماتُ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ البَيِّناتِ؛ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾؛ الهادِي مِنَ الضَّلالَةِ؛ المُنْقِذُ مِنَ الجَهالَةِ؛ فَتَكُونُونَ قَدْ جَمَعْتُمْ إلى مُوافَقَةِ العَدُوِّ؛ مُخالَفَةَ الوَلِيِّ؛ وأنْتُمْ بِعَيْنِهِ؛ وفِيكم أمِينُهُ؛ ﴿ومَن﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّهُ مَن“؛ ﴿يَعْتَصِمْ﴾؛ أيْ: ”يُجْهِدْ نَفْسَهُ في رَبْطِ أُمُورِهِ“؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ في جَمِيعِ أحْوالِهِ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ولَمّا (p-١٥)كانَ مَن قَصَرَ نَفْسَهُ عَلى مَن لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مُتَوَقِّعًا لِلْفَلاحِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّوَقُّعِ مَقْرُونَةً؛ بِفاءِ السَّبَبِ؛ فَقالَ:﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾؛ وعَبَّرَ بِالمَجْهُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
آل عمران 3:102
ولَمّا انْقَضى هَذا التَّحْذِيرُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ والتَّعْجِيبُ؛ والتَّرْغِيبُ؛ أمَرَ بِما يُثْمِرُ ذَلِكَ مِن رِضاهُ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: صَدِّقُوا دَعْواكم بِتَقْوى ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾؛ فَأدِيمُوا الِانْقِيادَ لَهُ؛ بِدَوامِ مُراقَبَتِهِ؛ ولا تَقْطَعُوا أمْرًا دُونَهُ؛ ﴿ولا تَمُوتُنَّ﴾؛ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ ﴿إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: مُنْقادُونَ أتَمَّ الِانْقِيادِ؛ ونُقِلَ عَنِ العارِفِ أبِي الحَسَنِ الشّاذِلِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في أصْلِ الدِّينِ؛ وهو التَّوْحِيدُ؛ وقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؛ في فُرُوعِهِ.
آل عمران 3:103
ولَمّا كانَ عَزْمُ الإنْسانِ فاتِرًا؛ وعَقْلُهُ قاصِرًا؛ دَلَّهم - بَعْدَ أنْ أوْقَفَتْهُمُ التَّقْوى - عَلى الأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ؛ المُتَكَفِّلِ بِالحِفْظِ مِن جَمِيعِ الزَّلّاتِ؛ فَقالَ: ﴿واعْتَصِمُوا﴾؛ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم الِارْتِباطَ الشَّدِيدَ؛ والِانْضِباطَ العَظِيمَ؛ ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِ دِينِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ الَّتِي نَهَجَها لَكُمْ؛ ومَهَّدَها؛ وأصْلُ الحَبْلِ: السَّبَبُ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ (p-١٦)إلى البُغْيَةِ؛ والحاجَةِ؛ وكُلُّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تُزْلَقَ رِجْلُهُ عَنْهُ إذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ الخَوْفَ؛ ولا يَخْفى دِقَّةُ الصِّراطِ بِما ورَدَ بِهِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ؛ وهَذا الدِّينُ مِثالُهُ؛ فَصُعُوبَتُهُ وشِدَّتُهُ عَلى النُّفُوسِ؛ بِما لَها مِنَ النَّوازِعِ؛ والحُظُوظِ؛ مِثالُ دِقَّتِهِ؛ فَمَن قَهَرَ نَفْسَهُ؛ وحَفِظَها عَلى التَّمَسُّكِ بِهِ؛ حُفِظَ عَنِ السُّقُوطِ عَمّا هو مِثالُهُ.
ولَمّا أفْهَمَ كُلٌّ مِنَ الضَّمِيرِ؛ والحَبْلِ؛ والِاسْمِ الجامِعِ؛ إحاطَةَ الأمْرِ بِالكُلِّ؛ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ لا تَدَعُوا أحَدًا مِنكم يَشِذُّ عَنْها؛ بَلْ كُلَّما عَثَرْتُمْ عَلى أحَدٍ فارَقَها؛ ولَوْ قَيْدَ شِبْرٍ؛ فَرُدُّوهُ إلَيْها؛ ولا تُناظِرُوهُ؛ ولا تُهْمِلُوا أمْرَهُ؛ ولا تَغْفُلُوا عَنْهُ؛ فَيَخْتَلَّ النِّظامُ؛ وتَتْعَبُوا عَلى الدَّوامِ؛ بَلْ لا تَزالُوا كالرّابِطِ رَبْطًا شَدِيدًا حُزْمَةَ نِبْلٍ بِحَبْلٍ؛ لا يَدَعُ واحِدَةً مِنها تَنْفَرِدُ عَنِ الأُخْرى؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾؛ ثُمَّ ذَكَّرَهم نِعْمَةَ الِاجْتِماعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ باعِثٌ عَلى شُكْرِها؛ وهو باعِثٌ (p-١٧)عَلى عَلى إدامَةِ الِاعْتِصامِ والتَّقْوى؛ وبَدَأ مِنها بِالدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأنَّها أُسُّ الأُخْرَوِيَّةِ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧]؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ يا مَنِ اعْتَصَمَ بِعِصامِ الدِّينِ؛ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾؛ مُتَنافِرِينَ أشَدَّ تَنافُرٍ؛ ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾؛ بِالجَمْعِ عَلى هَذا الصِّراطِ القَوِيمِ؛ والمَنهَجِ العَظِيمِ؛ ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾؛ قَدْ نَزَعَ ما في قُلُوبِكم مِنَ الإحَنِ؛ وأزالَ تِلْكَ الفِتَنَ؛ والمِحَنَ.
ولَمّا ذَكَرَ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْقَذَتْهم مِن هَلاكِ الدُّنْيا؛ ثَنّى بِما تَبِعَ ذَلِكَ مِن نِعْمَةِ الدِّينِ الَّتِي عَصَمَتْ مِنَ الهَلاكِ الأبَدِيِّ؛ فَقالَ: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا﴾؛ أيْ: حَرْفٍ؛ وطَرْفِ ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾؛ بِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الجاهِلِيَّةِ؛ ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾
ولَمّا تَمَّ هَذا البَيانُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الغَرِيبِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن يَقُولُ: "لِلَّهِ دَرُّ هَذا البَيانِ! ما أغْرَبَهُ مِن بَيانٍ! - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ البَعِيدِ المَنالِ؛ البَدِيعِ المِثالِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ عِلْمُهُ؛ الشّامِلَةُ قُدْرَتُهُ بِعَظَمَتِهِ؛ ﴿لَكم آياتِهِ﴾؛ وعَظَّمَ الأمْرَ (p-١٨)بِتَخْصِيصِهِمْ بِهِ؛ وإضافَةِ الآيِ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبَيانِ دَقائِقِ الكُفّارِ في إرادَةِ إضْلالِهِمْ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم عِنْدَ مَن يَنْظُرُكم حالَ مَن تُرْجى وتُتَوَقَّعُ هِدايَتُهُ؛ هَذا التَّرَجِّي حالُكم فِيما بَيْنَكُمْ؛ وأمّا هو - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِالسَّعِيدِ؛ والشَّقِيِّ؛ ثُمَّ الأمْرُ إلَيْهِ؛ فَمَن شاءَ هَداهُ؛ ومَن أرادَ أرْداهُ.
آل عمران 3:104
ولَمّا عابَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الكُفّارَ بِالضَّلالِ؛ ثُمَّ بِالإضْلالِ؛ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالهُدى في أنْفُسِهِمْ؛ وأتْبَعَهُ الأمْرَ بِهِدايَةِ الغَيْرِ بِالِاجْتِماعِ؛ وكانَ الأمْرُ بِالِاجْتِماعِ المُؤَكَّدِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ رُبَّما أفْهَمَ الوُجُوبَ؛ لِتَفَرُّدِ الجَمِيعِ في كُلِّ جُزْئِيَّةٍ مِن جُزْئِيّاتِ العِبادَةِ؛ في كُلِّ وقْتٍ؛ عَلى سَبِيلِ الِاجْتِماعِ؛ مَعَ الإعْراضِ عَنْ كُلِّ عائِقٍ عَنْ ذَلِكَ؛ سَواءٌ كانَ وسِيلَةً؛ أوْ لا؛ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ؛ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ - مُنَبِّهًا عَلى الرِّضا بِإيقاعِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ؛ سَواءٌ كانَ بِالبَعْضِ؛ أوِ الكُلِّ؛ كَما هو شَأْنُ فُرُوضِ الكِفاياتِ -: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ تَصْلُحُ لِأنْ يَقْصِدَها غَيْرُها؛ ويَكُونَ بَعْضُها قاصِدًا بَعْضًا؛ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ شَيْءٍ ائْتِلافًا؛ واجْتِماعًا في (p-١٩)كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ عَلى البَدَلِ؛ ﴿يَدْعُونَ﴾؛ مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ؛ ﴿إلى الخَيْرِ﴾؛ أيْ: بِالجِهادِ؛ والتَّعْلِيمِ؛ والوَعْظِ؛ والتَّذْكِيرِ.
ولَمّا عَمَّ كُلَّ خَيْرٍ؛ خَصَّ؛ لِيَكُونَ المَخْصُوصُ مَأْمُورًا بِهِ مَرَّتَيْنِ؛ دَلالَةً عَلى جَلِيلِ أمْرِهِ؛ وعَلِيِّ قَدْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مِنَ الدِّينِ؛ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ فِيهِ؛ بِحَيْثُ لا يَخْلُو وقْتٌ مِنَ الأوْقاتِ عَنْ قَوْمٍ قائِمِينَ بِذَلِكَ؛ وهو تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنْ يُلازِمُوا ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ؛ ومَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - مِن أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ؛ حِينَ اسْتَفَزَّهُمُ الشَّيْطانُ بِمَكْرِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ في التَّذْكِيرِ بِالأحْقادِ؛ والأضْغانِ؛ والأنْكادِ؛ وإعْلامٌ بِأنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ.
ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ مُفْهِمًا لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَإنَّهم يَنالُونَ بِذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا؛ ولَهم نَعِيمٌ مُقِيمٌ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - مُرَغِّبًا -: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ العَظِيمُو النَّفْعِ؛ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾؛ حَقَّ الإفْلاحِ؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ الِاجْتِماعَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو بِالقُلُوبِ الجاعِلَةِ لَهم كالجَسَدِ الواحِدِ؛ ولا يَضُرُّ فِيهِ صَرْفُ بَعْضِ الأوْقاتِ إلى المَعاشِ؛ وتَنْعِيمِ البَدَنِ بِبَعْضِ المُباحاتِ؛ وإنْ كانَ الأكْمَلُ صَرْفَ الكُلِّ بِالنِّيَّةِ إلى العِبادَةِ.
آل عمران 3:105
(p-٢٠)ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُضادُّهُ؛ مُعَرِّضًا بِمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ فِيهِمْ؛ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ مُبَكِّتًا لَهم بِضَلالِهِمْ؛ واخْتِلافِهِمْ في دِينِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾؛ بِما ابْتَدَعُوهُ في أُصُولِ دِينِهِمْ؛ وبِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ المَعاصِي؛ فَقادَهم ذَلِكَ - ولا بُدَّ - إلى التَّخاذُلِ؛ والتَّواكُلِ؛ والمُداهَنَةِ الَّتِي قَصَدُوا بِها المُسالَمَةَ؛ فَجَرَّتْهم إلى المُصارَمَةِ؛ ولَمّا كانَ التَّفَرُّقُ رُبَّما كانَ بِالأبْدانِ فَقَطْ؛ مَعَ الِاتِّفاقِ في الآراءِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿واخْتَلَفُوا﴾؛ بِما أثْمَرَ لَهُمُ الحِقْدُ الحامِلُ عَلى الِاتِّصافِ بِحالَةِ مَن يَظُنُّ أنَّهم جَمِيعٌ وقُلُوبُهم شَتّى.
ولَمّا ذَمَّهم بِالِاخْتِلافِ الَّذِي دَلَّ العَقْلُ عَلى ذَمِّهِ؛ زادَ في تَقْبِيحِهِ بِأنَّهم خالَفُوا فِيهِ - بَعْدَ نَهْيِ العَقْلِ - واضِحَ النَّقْلِ؛ فَقالَ: ”مِن“؛ أيْ: وابْتَدَأ اخْتِلافُهم مِنَ الزَّمانِ الَّذِي هو ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾؛ وعَظَّمَهُ بِإعْرائِهِ عَنِ التَّأْنِيثِ؛ ﴿البَيِّناتُ﴾؛ أيْ: بِما يَجْمَعُهُمْ؛ ويُعْلِيهِمْ؛ ويَرْفَعُهُمْ؛ ويُوجِبُ اتِّفاقَهُمْ؛ ويَنْفَعُهُمْ؛ فَأرْداهم ذَلِكَ الِافْتِراقُ؛ وأهْلَكَهم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ قَدْ تَعَجَّلُوا الهَلاكَ في الدُّنْيا؛ فَهُمُ الخائِبُونَ“؛ (p-٢١)عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: في الدّارِ الآخِرَةِ؛ بَعْدَ عَذابِ الدُّنْيا؛ بِاخْتِلافِهِمْ؛ مُنابِذِينَ لِما مِن شَأْنِهِ الجَمْعُ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ ”المُفْلِحُونَ“؛ أوَّلًا؛ يَدُلُّ عَلى ”الخاسِرُونَ“؛ ثانِيًا؛ والعَذابُ العَظِيمُ؛ ثانِيًا؛ يَدُلُّ عَلى النَّعِيمِ المُقِيمِ؛ أوَّلًا.
آل عمران 3:106
ولَمّا قَدَّمَ ما لِأهْلِ الكِتابِ المُقْدِمِينَ عَلى الكُفْرِ؛ عَلى عِلْمِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ وخَتَمَ تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّهم لَهم عَذابٌ ألِيمٌ؛ واسْتَمَرَّ حَتّى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ عَظِيمٌ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ - بادِئًا بِما هو أنَكى لَهم مِن تَنْعِيمِ أضْدادِهِمْ -: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾؛ أيْ: بِما لَها مِنَ المَآثِرِ الحَسَنَةِ؛ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾؛ بِما عَلَيْها مِنَ الجَرائِرِ السَّيِّئَةِ؛ ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (p-٢٢)بَدَأ بِهِمْ لِأنَّ النَّشْرَ المُشَوَّشَ أفْصَحُ؛ ولِأنَّ المَقامَ لِلتَّرْهِيبِ؛ وزِيادَةِ النِّكايَةِ لِأهْلِهِ؛ فَيُقالُ لَهم - تَوْبِيخًا؛ وتَقْرِيعًا -: ﴿أكَفَرْتُمْ﴾؛ يا سُودَ الوُجُوهِ؛ وعَبِيدَ الشَّهَواتِ! ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾؛ بِما جُبِلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفِطَرِ السَّلِيمَةِ؛ ومُكِّنْتُمْ بِهِ مِنَ العُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ؛ مِنَ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ؛ ثُمَّ بِما أخَذَ عَلَيْكم أنْبِياؤُكم مِنَ العُهُودِ؛ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾؛ أيْ: الألِيمَ العَظِيمَ؛ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ؛ فَإنَّكم في لَعْنَةِ اللَّهِ ماكِثُونَ؛
آل عمران 3:107
﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾؛ إشْراقًا؛ وبَهاءً؛ لِأنَّهم آمَنُوا؛ فَأمِنُوا مِنَ العَذابِ؛ ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ثَمَرَةِ فِعْلِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ الَّذِي هو فِعْلُ الرّاحِمِ؛ لا في غَيْرِ رَحْمَتِهِ؛ ثُمَّ أجابَ عَنْ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ”هَلْ تَزُولُ عَنْهُمْ؛ كَما هو حالُ النِّعَمِ في الدُّنْيا؟“؛ بِقَوْلِهِ - عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ لُزُومَها لَهم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ -: ﴿هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿فِيها خالِدُونَ﴾؛ فَلِذا كانُوا يُؤْمِنُونَ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الكُفْرِ؛ أوَّلًا؛ دَلَّ عَلى إرادَةِ الإيمانِ؛ ثانِيًا؛ وإثْباتُ الرَّحْمَةِ؛ ثانِيًا؛ دَلَّ عَلى حَذْفِ اللَّعْنَةِ أوَّلًا.
آل عمران 3:108
(p-٢٣)ولَمّا حازَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ التَّهْذِيبِ؛ وإحْكامِ التَّرْتِيبِ؛ وحُسْنِ السِّياقِ؛ قَصَبَ السِّباقِ؛ أشارَ إلَيْها - مَعَ قُرْبِها - بِأداةِ البُعْدِ؛ وأضافَها إلى أعْظَمِ أسْمائِهِ؛ فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: هَذِهِ دَلائِلُ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ العالِيَةُ الرُّتَبِ؛ البَعِيدَةُ المُتَناوَلِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْها؛ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ قائِلًا: ﴿نَتْلُوها﴾؛ أيْ: نُلازِمُ قَصَّها؛ وزادَ في تَعْظِيمِها بَعْدَ المُبْتَدَإ بِالمُنْتَهى؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْكَ﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: ثابِتَةَ المَعانِي؛ راسِخَةَ المَقاصِدِ؛ صادِقَةَ الأقْوالِ في كُلِّ ما أخْبَرَتْ بِهِ؛ مِن فَوْزِكُمْ؛ وهَلاكِهِمْ؛ مِن غَيْرِ أنْ نَظْلِمَ أحَدًا مِنهُمْ؛ ﴿وما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الحائِزُ لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ ﴿يُرِيدُ ظُلْمًا﴾؛ قَلَّ؛ أوْ جَلَّ؛ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: ما ظَلَمَهُمْ؛ ولا يُرِيدُ ظُلْمَ أحَدٍ مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ؛ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ؛ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ؛ لِأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ.
آل عمران 3:109
ولَمّا كانَ أمْرُهم بِالإقْبالِ عَلَيْهِ؛ ونَهْيُهم عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ؛ رُبَّما أوْقَعَ في وهْمِ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى ضَبْطِهِمْ؛ أوْ مُحْتاجٌ إلى رَبْطِهِمْ؛ أزالَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الظُّلْمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: (p-٢٤)كُلُّ شَيْءٍ؛ في السَّمَواتِ و؛ كُلُّ؛ ما في الأرْضِ؛ مِن جَوْهَرٍ؛ وعَرَضٍ؛ مِلْكًا ومُلْكًا؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ سَعَةَ المُلْكِ لَمْ يُضْمِرْ؛ لِئَلّا يُظَنَّ تَخْصِيصُ الثّانِي بِما في حَيِّزِ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿وإلى اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾؛ أيْ: كُلُّها؛ الَّتِي فِيهِما؛ والَّتِي في غَيْرِهِما؛ فَلا داعِيَ لَهُ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ وقادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
آل عمران 3:110
ولَمّا كانَ مِن رُجُوعِ الأُمُورِ إلَيْهِ هِدايَتُهُ مَن يَشاءُ؛ وإضْلالُهُ مَن يَشاءُ؛ قالَ - مادِحًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِيُمْعِنُوا في رِضاهُ حَمْدًا؛ وشُكْرًا؛ ومُؤَيِّسًا لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ إضْلالِهِمْ لِيَزْدادُوا حَيْرَةً؛ وسُكْرًا -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾؛ أيْ: وُجِدْتُمْ عَلى هَذا الوَصْفِ الثّابِتِ لَكُمْ؛ جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ثُمَّ وصَفَ الأُمَّةَ بِما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرِّسالَةِ؛ وأنَّهم سَيَقْهَرُونَ أهْلَ الكِتابِ؛ فَقالَ: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ الخَيْرِيَّةِ بِما لَمْ يَحْصُلْ؛ مَجْمُوعَةً لِغَيْرِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ المُكْنَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: كُلِّ ما عَرَّفَهُ الشَّرْعُ؛ وأجازَهُ؛ (p-٢٥)﴿وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ وهو ما خالَفَ ذَلِكَ؛ ولَوْ وصَلَ الأمْرُ إلى القِتالِ؛ مُبَشِّرًا لَهم بِأنَّهُ قَضى في الأزَلِ أنَّهم يَمْتَثِلُونَ ما أمَرَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]؛ إراحَةً لَهم مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ في أنَّهم هَلْ يَمْتَثِلُونَ فَيُفْلِحُوا؛ وإزاحَةً لِحَمْلِهِمْ أعْباءَ الخَطَرِ بِكَوْنِهِمْ يُعانُونَ عَلَيْهِ لِيَفُوزُوا؛ ويَرْبَحُوا؛ فَصارَتْ فائِدَةُ الأمْرِ كَثِيرَةَ الثَّوابِ؛ بِقَصْدِ امْتِثالِ الواجِبِ؛ ولِلتِّرْمِذِيِّ - وقالَ: حَسَنٌ - عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ؛ «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ”أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها؛ وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى“؛» ولِلْبُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: ”أنْتُمْ خَيْرُ النّاسِ لِلنّاسِ؛ تَأْتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِلِ في أعْناقِهِمْ؛ حَتّى يَدْخُلُوا في الإسْلامِ“.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِهَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ في نَفْسِهِ؛ أتْبَعَهُ ما زادَهُ شَرَفًا؛ وهو أنَّهم فَعَلُوهُ في حالِ إيمانِهِمْ؛ فَهو مُعْتَبَرٌ بِهِ؛ لِوُجُودِ شَرْطِهِ؛ (p-٢٦)الَّذِي هو أساسُ كُلِّ خَيْرٍ؛ فَقالَ ﴿وتُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي تاهَتِ الأفْكارُ في مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذاتِهِ؛ وارْتَدَّتْ نَوافِذُ أبْصارِ البَصائِرِ خاسِئَةً عَنْ حَصْرِ صِفاتِهِ؛ أيْ: تُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ؛ ورُسُلَهُ بِسَبَبِهِ؛ في كُلِّ ما أخْبَرُوا بِهِ؛ قَوْلًا؛ وفِعْلًا؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ وتَفْعَلُونَ جَمِيعَ أوامِرِهِ؛ وتَنْهَوْنَ عَنْ جَمِيعِ مَناهِيهِ؛ وهَذا يُفْهِمُ أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن كَإيمانِهِمْ؛ فَلَيْسَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أصْلًا؛ لِأنَّ الكَوْنَ المَذْكُورَ لا يَحْصُلُ إلّا بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ؛ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ؛ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ؛ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا؟!
قالَ الإمامُ أبُو عُمَرَ؛ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ البَرِّ النَّمَرِيُّ؛ في خُطْبَةِ كِتابِ الِاسْتِيعابِ: رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ”لَمّا دَخَلَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشّامَ؛ نَظَرَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ: ما كانَ أصْحابُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ الَّذِينَ قُطِّعُوا بِالمَناشِيرِ؛ وصُلِبُوا عَلى الخَشَبِ؛ بِأشَدَّ اجْتِهادًا مِن هَؤُلاءِ“؛ انْتَهى.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّقْدِيرَ: "وذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ؛ عُطِفَ عَلَيْهِ (p-٢٧)قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الإيمانَ؛ كَما آمَنتُمْ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ؛ وجَمِيعِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ؛ وغَيْرِهِ؛ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ﴿لَكانَ﴾؛ أيْ: الإيمانُ؛ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ إشارَةً إلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ؛ في وُقُوفِهِمْ مَعَ ما مَنَعَهم عَنِ الإيمانِ مِنَ العَرَضِ القَلِيلِ الفانِي؛ والرِّئاسَةِ التّافِهَةِ؛ وتَرْكِهِمُ الغِنى الدّائِمَ؛ والعِزَّ الباهِرَ الثّابِتَ.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم أحَدٌ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الثّابِتُونَ في الإيمانِ؛ ولَكِنَّهم قَلِيلٌ؛ ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: الخارِجُونَ مِن رُتْبَةِ الأوامِرِ والنَّواهِي؛ خُرُوجًا يَضْمَحِلُّ مَعَهُ خُرُوجُ غَيْرِهِمْ؛
آل عمران 3:111
ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الأكْثَرِ قاصِمَةً خَفَّفَ عَنْ أوْلِيائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الضُّرُّ - كَما تَقَدَّمَ عَنِ الحَرالِّيِّ - إيلامَ الجِسْمِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الحَواسِّ؛ والأذى إيلامَ النَّفْسِ؛ وما يَتْبَعُها مِنَ الأحْوالِ؛ أطْلَقَ الضُّرَّ هُنا عَلى جُزْءِ مَعْناهُ؛ وهو مُطْلَقُ الإيلامِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا أذًى﴾؛ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِتَصْوِيرِ مَفْهُومَيِ الأذى؛ والضُّرِّ؛ لِيُسْتَحْضَرَ في الذِّهْنِ؛ فَيَكُونَ الِاسْتِثْناءُ أدَلَّ عَلى نَفْيِ وُصُولِهِمْ إلى المُواجَهَةِ؛ ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ أيْ: يَوْمًا مِنَ الأيّامِ؛ ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾ (p-٢٨)صَرَّحَ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ نَصًّا في المَطْلُوبِ؛ ﴿الأدْبارَ﴾؛ أيْ: انْهِزامًا؛ ذُلًّا؛ وجُبْنًا.
ولَمّا كانَ المَوْلى قَدْ تَعُودُ لَهُ كَرَّةٌ بَعْدَ فَرَّةٍ؛ قالَ - عادِلًا عَنْ حُكْمِ الجَزاءِ؛ لِئَلّا يُفْهَمَ التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ؛ مُشِيرًا بِحَرْفِ التَّراخِي إلى عَظِيمِ رُتْبَةِ خِذْلانِهِمْ -: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ مِن غَيْرِهِمْ أبَدًا؛ وإنْ طالَ المَدى؛ فَلا تَهْتَمُّوا بِهِمْ؛ ولا بِأحَدٍ يُمالِئُهم مِنَ المُنافِقِينَ؛ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ؛ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا؟! لَمْ يُقاتِلُوا في مَوْطِنٍ إلّا كانُوا كَذَلِكَ.