Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — القمر 54:1 – الواقعة 56:96
المحتويات
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:18
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:21
- القمر 54:22
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:30
- القمر 54:31
- القمر 54:32
- القمر 54:33
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:39
- القمر 54:40
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- القمر 54:54
- القمر 54:55
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:2
- الرحمن 55:3
- الرحمن 55:4
- الرحمن 55:5
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:8
- الرحمن 55:9
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:11
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:13
- الرحمن 55:14
- الرحمن 55:15
- الرحمن 55:16
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:18
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:20
- الرحمن 55:21
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:23
- الرحمن 55:24
- الرحمن 55:25
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:27
- الرحمن 55:28
- الرحمن 55:29
- الرحمن 55:30
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:32
- الرحمن 55:33
- الرحمن 55:34
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:36
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:38
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:40
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:42
- الرحمن 55:43
- الرحمن 55:44
- الرحمن 55:45
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:47
- الرحمن 55:48
- الرحمن 55:49
- الرحمن 55:50
- الرحمن 55:51
- الرحمن 55:52
- الرحمن 55:53
- الرحمن 55:54
- الرحمن 55:55
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:57
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:59
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:61
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:63
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:65
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:67
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:69
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:71
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:73
- الرحمن 55:74
- الرحمن 55:75
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:77
- الرحمن 55:78
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:12
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:16
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:20
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:27
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:32
- الواقعة 56:33
- الواقعة 56:34
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:36
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:38
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:41
- الواقعة 56:42
- الواقعة 56:43
- الواقعة 56:44
- الواقعة 56:45
- الواقعة 56:46
- الواقعة 56:47
- الواقعة 56:48
- الواقعة 56:49
- الواقعة 56:50
- الواقعة 56:51
- الواقعة 56:52
- الواقعة 56:53
- الواقعة 56:54
- الواقعة 56:55
- الواقعة 56:56
- الواقعة 56:57
- الواقعة 56:58
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:62
- الواقعة 56:63
- الواقعة 56:64
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:66
- الواقعة 56:67
- الواقعة 56:68
- الواقعة 56:69
- الواقعة 56:70
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:72
- الواقعة 56:73
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:94
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
القمر 54:1
(p-٨٦)سُورَةُ القَمَرِ
مَقْصُودُها بَيانُ آخِرِ النَّجْمِ في أمْرِ السّاعَةِ مِن تَحَقُّقِها وشِدَّةِ قُرْبِها وتَصْنِيفِ أهْلِها - بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ هُناكَ مِنَ العَجَبِ مِنَ القُرْآنِ والضَّحِكِ والبُكاءِ والعَمَلِ - إلى طالِبِ عِلْمٍ مُهْتَدٍ بِهِ، وإلى مُتْبِعٍ نَفْسَهُ هَواها وشَهَواتِها ضالٍّ بِإهْمالِها فَهو خائِبٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وعَدَ بِذَلِكَ بِإخْبارِ نَبِيِّهِ (ﷺ) وتَحَقَّقَ صِدْقُهُ بِما أيَّدَهُ بِهِ مِن آياتِهِ الَّتِي ثَبَتَ بِها اقْتِدارُهُ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ، فَثَبَتَ تَفَرُّدُهُ بِالمُلْكِ وأيَّدَ اقْتِرابَها بِالتَّأْثِيرِ في آيَةِ اللَّيْلِ بِما يَدُلُّ عَلى الِاقْتِدارِ عَلى نَقْضِ السَّماواتِ المُسْتَلْزِمِ لِإهْلاكٍ. .. فَإنَّ ذَلِكَ. .. بِأنَّهُ ما بَقِيَ إلّا تَأْثِيرُ آيَةِ النَّهارِ وعِنْدَما يَكُونُ طَيَّ الِانْتِشارِ وعُمُومِ البَوارِ المُؤْذِنِ بِالإحْضارِ لَدى الواحِدِ القَهّارِ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا الغَرَضِ كُلِّهِ أوَّلُ آياتِها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الِاقْتِرابِ والسّاعَةِ والقَمَرِ، وكانَتْ تَسْمِيَتُها بِالقَمَرِ أشْهَرَ لِدَلالَتِهِ بِسُرْعَةِ سَيْرِهِ وكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِ عَلى الِاقْتِرابِ المُنَجَّمِ بِهِ النَّجْمُ بِالإشارَةِ لا بِالعِبارَةِ، ولَمْ تُسَمَّ بِالِانْشِقاقِ لِأنَّهُ إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلى الِاسْمِ، فالسَّماءُ أحَقُّ بِهِ (بِسْمِ اللَّهِ) الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ فَتَمَّتْ قُدْرَتُهُ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ فَعَمَّتِ الشَّقِيَّ والسَّعِيدَ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ مَنِ اصْطَفاهُ فَأسْعَدَتْهم رَحْمَتُهُ.
* *
لَمّا خُتِمَتِ النَّجْمُ بِالتَّهْدِيدِ بِاقْتِرابِ القِيامَةِ الَّتِي يُنْكِرُونَها بَعْدَ أنْ (p-٨٧)فَتَحَها بِالأقْسامِ البُلُسِ في النَّجْمِ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ القَمَرِ وغَيْرِهِ بِتَسْيِيرِهِ طُلُوعًا وأُفُولًا وصُعُودًا وهُبُوطًا، افْتَتَحَ هَذِهِ بِذَلِكَ مَعَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ عَقْلًا وسَمْعًا في التَّأْثِيرِ في أعْظَمِ آياتِ اللَّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِيَقْطَعَ العِبادَ عَنِ الفَسادِ، ويَسْتَعِدُّوا لَها قَبْلَ مَجِيئِها أحْسَنَ اسْتِعْدادٍ، فَقالَ دالًّا عَلى عَظِيمِ اقْتِدارِهِ عَلَيْها بِتَأْنِيثِ فِعْلِها: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ اشْتَدَّتْ قُرْبًا السّاعَةُ: اللَّحْظَةُ الَّتِي لا ساعَةَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ لِأنَّهُ قَلَّ ما بَقِيَ بَيْنَنا وبَيْنَها بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى مِن زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَعْثِ خاتَمِ الأنْبِياءِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ بَعْدَ أُمَّتِهِ أُمَّةٌ تُنْتَظَرُ، فَيَكُونُ في الزَّمانِ مُهْلَةٌ لِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِاقْتِرابِها يَحْتاجُ عِنْدَ المُعانِدِ إلى آيَةٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ، وكانَتِ الآياتُ السَّماوِيَّةُ أعْظَمَ، فالتَّأْثِيرُ فِيها أدَلُّ عَلى تَمامِ الِاقْتِدارِ، وكانَ القَمَرُ أدَلَّ عَلى الأنْواءِ الَّتِي بِها مَنافِعُ الخَلْقِ في مَعاشِهِمْ، وكانَتِ العَرَبُ أعْرَفَ النّاسِ بِها، دَلَّهم عَلى التَّأْثِيرِ فِيهِ عَلى اقْتِرابِها مَعَ الإرْهابِ مِن شَدائِدِ العَذابِ بِإعْدامِ الأسْبابِ فَقالَ: ﴿وانْشَقَّ﴾ بِغايَةِ السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ ﴿القَمَرُ﴾ آيَةً لِلرَّسُولِ المُنْذِرِ لَكم بِها، فَكانَ انْشِقاقُهُ - مَعَ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِإعْجازِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ - دالًّا عَلى كَوْنِها وقُرْبِها أيْضًا بِالتَّأْثِيرِ العَظِيمِ الخارِقِ لِعادَةِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ في أحَدِ النَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما أعْظَمُ الأسْبابِ المُقامَةِ لِلْمَعايِشِ الدّالِّ عَلى القُدْرَةِ عَلى التَّأْثِيرِ في الآخِرَةِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى القُدْرَةِ عَلى تَمامِ التَّصَرُّفِ فِيهِما مِن جَمْعِهِما وخَسْفِهِما واعْتِدامِهِما ولِسَبَبِهِما الَّذِي هو مِن أسْبابِ خَرابِ الأرْضِ، يَقُولُ الإنْسانُ عِنْدَهُ: أيْنَ المَفَرُّ؟ المُؤْذِنِ بِطَيِّ العالِمِ المُعْلِمِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ مُدَبِّرًا بِالحُكْمِ (p-٨٨)الدّالِّ عَلى بَعْثِ عِبادِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، فَيُثِيبَ مَن تابَعَ رُسُلَهُ ويُعاقِبَ مَن خالَفَهُمْ، وانْشِقاقُ القَمَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ أمْرٌ شَهِيرٌ جِدًّا، وإجْماعُ أهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِ كَما قالَهُ القُشَيْرِيُّ، وقالَ: رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولا مُخالِفَ لَهُ فِيهِ - انْتَهى. وذَلِكَ «أنَّ قُرَيْشًا سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً ”فَأراهُمُ انْشِقاقَ القَمَرِ بِحَيْثُ طَلَعَتْ فِرْقَةٌ عَنْ يَمِينِ حِراءٍ وأُخْرى عَنْ يَسارِهِ“» - رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومَعْلُومٌ أنَّ الأُمَّةَ تَلَقَّتْ كِتابَيْهِما بِالقَبُولِ فَهو يَكادُ يَلْحَقُ بِالمُتَواتِرِ وقَدْ أيَّدَهُ القُرْآنُ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ شَكٌّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ورَوى أيْضًا ابْنُ عُمَرَ وحُذَيْفَةُ وابْنُ عَبّاسٍ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وقالَ أبُو حَيّانَ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ مِن قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، ووَعَدُوهُ بِالإيمانِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وكانَتْ لَيْلَةَ البَدْرِ فَسَألَ رَبَّهُ فانْشَقَّ - انْتَهى، ومَن قالَ: المُرادُ بِهِ ”سَيَنْشَقُّ“ يَحْتاجُ في صَرْفِ الماضِي عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المُسْتَقْبَلِ إلى صارِفٍ وأنّى لَهُ ذَلِكَ ولا سِيَّما وقَدْ تَأيَّدَتِ الحَقِيقَةُ بِالنِّسْبَةِ الصَّحِيحَةِ الشَّهِيرَةِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أعْلَمَهم سُبْحانَهُ بِأنَّ إلَيْهِ المُنْتَهى، وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى، وإذْ ذاكَ يَقَعُ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما أسْلَفَتْ، أعْلَمَهم سُبْحانَهُ بِقُرْبِ ذَلِكَ وحِسابِهِ لِيَزْدَجِرَ مَن وفَّقَهُ لِلِازْدِجارِ فَقالَ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ثُمَّ إنَّ سُورَةَ ص تَضَمَّنَتْ مِن عِنادِ (p-٨٩)المُشْرِكِينَ وسُوءِ حالِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ في عِبادَتِهِمْ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ما يَكادُ يُوجَدُ في غَيْرِها مِمّا تَقَدَّمَها، وبَعْدَ التَّنْبِيهِ في السُّورَةِ قَبْلَها والتَّحْرِيكِ بِآياتٍ لا يَتَوَقَّفُ عَنْها إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وخَذَلَهُ، وأثْبَتَتِ السُّورَةُ بَعْدُ عَلى تَمْهِيدٍ ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ ص فَلَمْ يُخْلِ سُورَةً مِنها مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ لِقَوْلِهِ في الزُّمَرِ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] وقَوْلِهِ مَثَلًا لِحالِهِمْ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الآيَةِ إلى ما بَعْدُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلِهِ في سُورَةِ غافِرٍ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ [غافر: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] الآيَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] إلى ما تَخَلَّلَ هَذِهِ الآياتِ، وقَوْلِهِ في السَّجْدَةِ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ (p-٩٠)وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ في الشُّورى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] الآيَةِ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] الآيَةِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقَوْلِهِ في الزُّخْرُفِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] الآيَةِ،
﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] إلى ما تَرَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا قُرِّعُوا بِهِ أشَدَّ التَّقْرِيعِ، وتَكَرَّرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ فَتَأمَّلْها مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى في الدُّخانِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] إلى قَوْلِهِ ﴿هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] وقَوْلِهِ في الجاثِيَةِ: ”فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ“ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ في الأحْقافِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] ومُعْظَمُ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا إلى خِتامِها، وكَذَلِكَ سُورَةُ القِتالِ ولَمْ يَتَضَمَّنْ إلّا الأمْرَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ وتَعْجِيلِ حَرْبِهِمْ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] وأمّا سُورَةُ الفَتْحِ فَما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ البِشارَةِ والفَتْحِ أشَدُّ عَلى الكُفّارِ مِن كُلِّ ما قُرِّعُوا بِهِ، ولَمْ تَخْرُجْ عَنِ الغَرَضِ المُتَقَدِّمِ، وكَذا سُورَةُ الحُجُراتِ لِتَضَمُّنِها مِنَ الأمْرِ بِتَقْدِيرِ النَّبِيِّ ﷺ وإجْلالِهِ ما يُقِرُّ عَيْنَ المُؤْمِنِ ويَقْتُلُ العَدُوَّ الحاسِدَ وما فِيها (p-٩١)أيْضًا مِن إتْلافِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ وجَمْعِ كَلِمَتِهِمْ وتَآخِيهِمْ، ومَوْقِعُ هَذا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، وأمّا سُورَةُ الذّارِياتِ والطُّورِ والنَّجْمِ فَما تَضَمَّنَتْهُ مِمّا ذَكَرْناهُ قَبْلُ أوْضَحُ شَيْءٍ، وبِذَلِكَ افْتُتِحَتْ كُلُّ سُورَةٍ مِنها فَتَأمَّلْ مَطالِعَها فَفي ذَلِكَ كِفايَةٌ في الغَرَضِ - واللَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِالصَّوابِ، فَلَمّا انْتَهى ما قَصَدَ مِن تَقْرِيعِ مُكَذِّبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَلَغَتِ الآيُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن ذَلِكَ أقْصى غايَةٍ، وتَمَحَّضَ باطِلُهم وانْقَطَعَ دابِرُهُمْ، ولَمْ يُحِيرُوا جَوابًا فِيما عَرَضَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ في سُورَةِ القَمَرِ مِن أحْوالِ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وكانَ القَصْدُ مِن ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - مُجَرَّدَ التَّعْرِيفِ بِأنَّهم ذُكِّرُوا فَكَذَّبُوا فَأُخِذُوا لِيَتَبَيَّنَ لِهَؤُلاءِ أنْ لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ وأنْ لا يَغُرَّهم عَظِيمُ حِلْمِهِ سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، فَهَذِهِ السُّورَةُ إعْذارٌ عِنْدَ تَبْكِيتِهِمْ وانْقِطاعِ حُجَّتِهِمْ بِما تَقَدَّمَ وبَعْدَ أنِ انْتَهى الأمْرُ في وعْظِهِمْ وتَنْبِيهِهِمْ بِكُلِّ آيَةٍ إلى غايَةٍ يَعْجِزُ عَنْها البَشَرُ، ولِهَذا افْتَتَحَ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] وخَتَمَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] وهَذا يُبَيِّنُ ما قَدَّمْنا، وكانَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن تَقَدَّمَ حَتّى تَرْتَكِبُوا مُرْتَكَبَهم وتَظُنُّوا أنَّكم سَتَفُوزُونَ بِعَظِيمِ جَزائِكُمْ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ لَهم قِصَّةَ كُلِّ أُمَّةٍ وهَلاكَها عِنْدَ تَكْذِيبِها بِأعْظَمِ إيجازٍ وأجْزَلِ إيرادٍ وأفْخَمِ عِبارَةٍ وألْطَفِ إشارَةٍ، فَبَدَأ بِقِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ثُمَّ اسْتَمَرَّ في ذِكْرِ الأُمَمِ (p-٩٢)مَعَ أنْبِيائِهِمْ حَسْبَما ذُكِرُوا في السُّورَةِ الوارِدِ فِيها إخْبارُهم مِن ذِكْرِ أُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ إلّا أنَّ الواقِعَ هُنا مِن قِصَصِهِمْ أوْقَعُ في الزَّجْرِ وأبْلَغُ في الوَعْظِ وأعْرَقُ في الإفْصاحِ بِسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ وعاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ خُتِمَتْ كُلُّ قِصَّةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] وتَخَلَّلَ هَذِهِ القِصَصَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] وهي إشارَةٌ إلى ارْتِفاعِ عُذْرِ مَن تَعَلَّقَ بِاسْتِصْعابِ الأُمُورِ عَلى زَواجِرِهِ وتَنْبِيهاتِهِ ومَواعِظِهِ ويَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ واسْتِغْلاقِهِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ مُيَسَّرٌ قَرِيبُ المَرامِ، وهَذا فِيما يَحْصُلُ عِنْدَ التَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ لِما عِنْدَهُ بِكَوْنِ الِاسْتِجابَةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ووَراءَ ذَلِكَ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ ما لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ وحَسْبُ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ الإيمانُ بِجَمِيعِهِ والعَمَلُ بِمُحْكَمِهِ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ تَعالى فَهْمَ ذَلِكَ عَلى مَن شَرَّفَهُ بِهِ وأعْلى دَرَجَتَهُ، فَيَتَبَيَّنُ بِحَسَبِ ما يَشْرَحُ اللَّهُ تَعالى صَدْرَهُ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ومِن تَيَسُّرِ المَقْصُودِ المُتَقَدِّمِ تَكْرارُ قِصَصِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ في عِدَّةِ سُوَرٍ أيَّ حِفْظٍ مِنها اطَّلَعَ عَلى ما هو كافٍ في الِاعْتِبارِ بِهِمْ، ثُمَّ إذا ضُمَّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ اجْتَمَعَ مِنهُ ما لَمْ يَكُنْ لِيَحْصُلَ مِن بَعْضِ تِلْكَ السُّورَةِ، فَسُبْحانَ مَن جَعَلَهُ حُجَّةً باهِرَةً وبُرْهانًا عَلى صِدْقِ الآتِي بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وصِراطًا مُسْتَقِيمًا ونُورًا مُبِينًا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَواقِبَ الأُمَمِ في تَكْذِيبِهِمْ قالَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] ومِن هَذا النَّمَطِ قَوْلُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] (p-٩٣)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] أيْ إنَّكم تَعَلَّقْتُمْ بِتَألُّفِكم وجَماعَتِكم فَسَأُفَرِّقُ ذَلِكَ بِهَزِيمَتِكم يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ صَنادِيدِكم فَما حُجَّتُكم بَعْدَ هَذا، إنَّما مَساقُ القِصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ واعْتِمادُ التَّعْرِيفِ بِحالِ مَن ذُكِرَ في أنْ كَذَّبُوا وعانَدُوا، فَأعْقَبَ تَكْذِيبَهم أخْذُهم وهَلاكُهُمْ، ثُمَّ تَعَقَّبَ هَذا كُلَّهُ بِصَرْفِ الكَلامِ في مُشْرِكِي العَرَبِ في قَوْلِهِ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ السُّوَرِ المَذْكُورَةِ فِيها قِصَصٌ عَلى هَذا الِاسْتِيفاءِ كالأعْرافِ وهُودٍ، وبِظاهِرِهِما لَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَعْقِيبٌ بِذِكْرِ مُشْرِكِي العَرَبِ عَلى الصِّفَةِ الوارِدَةِ هُنا، فَأنْبَأ ذَلِكَ بِكَمالِ المَقْصُودِ مِنَ الوَعْظِ والتَّحْرِيكِ بِذِكْرِهِ وانْقِضاءِ هَذا الغَرَضِ، وذَلِكَ أنَّهم ذُكِّرُوا أوَّلًا بِعَرْضِ أحْوالِ الأُمَمِ والتَّعْرِيفِ بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُمْ، وكانَ ذَلِكَ في صُورَةِ عَرْضِ مَن يُرِيدُ تَأْدِيبَ طائِفَةِ مَن إلَيْهِ نَظَرُهم قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ مِنهم تَمَرُّدٌ وعِنادٌ، فَهو يَسْتَلْطِفُ في دُعائِهِمْ ولا يُكَلِّمُهم تَكْلِيمَ الواجِدِ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُفْهِمُ الإشْفاقَ والِاسْتِعْطافَ وإرادَةَ الخَيْرِ بِهِمْ ثُمَّ يُذَكِّرُهم بِذَلِكَ ويُكَرِّرُهُ عَلَيْهِمُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ وإنْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ ما يُبَيِّنُ مِنهم فَظاعَةَ التَّهْدِيدِ وشِدَّةَ الوَعِيدِ، فَلا يَصْحَبُهُ تَعْيِينُ المُخاطَبِ وصَرْفُ الكَلامِ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ لَوْ كانَ لا يَحْتَقِرُ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ مِنَ التَّلَطُّفِ حَتّى إذا تَكَرَّرَتِ المَوْعِظَةُ فَلَمْ تُقْبَلْ، فَهُنا مَحَلُّ الغَضَبِ وشِدَّةِ الوَعِيدِ، وعَلى هَذا ورَدَتِ السُّوَرُ المَذْكُورُ فِيها حالُ الأُمَمِ كَسُورَةِ الأعْرافِ وهُودٍ والمُؤْمِنِينَ والظُّلَّةِ والصّافّاتِ، وما مِن سُورَةٍ مِنها إلّا (p-٩٤)والَّتِي بَعْدَها أشَدُّ في التَّعْرِيفِ وآمَلُ في الزَّجْرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، فَتَأمَّلْ تَعْقِيبَ القِصَصِ في سُورَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٤] وقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ بِذِكْرِ مَن حَرَمَهُ بَعْدَ إشْرافِهِ عَلى الفَوْزِ وهو الَّذِي أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَقالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وتَذْكِيرَهُ إيّاهُ لِمِحْنَةِ الغَفْلَةِ إلى ما خُتِمَتْ بِهِ السُّورَةُ وذَلِكَ غَيْرُ خافٍ في التَّلَطُّفِ بِالمَوْعِظَةِ وقالَ تَعالى بَعْدَ قِصَصِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] - إلى قَوْلِهِ - ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] وتَكْرارُ الآيَةِ إلى آخِرِ السُّورَةِ يُجارِي ما ذَكَرَ ولَمْ تُبْقِ هَذِهِ وآيُ الأعْرافِ في تَلَطُّفِ الِاسْتِدْعاءِ، وقالَ تَعالى في قِصَصِ آخِرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] - إلى قَوْلِهِ - ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] اسْتَمَرَّتِ الآيُ عَلى شِدَّةِ الوَعِيدِ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ولَمْ يُبَيِّنْ هَذِهِ الآيَ، وبَيَّنَ الواقِعَةَ عَقِبَ قِصَصِ سُورَةِ هُودٍ، وقالَ في آخِرِ قِصَصِ الظُّلَّةِ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] إلى قَوْلِهِ خاتِمَةَ السُّورَةِ: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فَوَبَّخَهم وعَنَّفَهم ونَزَّهَ نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ تَوَهُّمِهِمْ وعَظِيمِ إفْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ، وكُلُّ هَذا تَعْنِيفٌ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مِثْلُهُ في السُّورَةِ المَذْكُورَةِ، ثُمَّ هو صَرِيحٌ في مُشْرِكِي العَرَبِ مُعَيِّنٌ لَهم في غَيْرِ (p-٩٥)تَلْوِيحٍ ولا تَعْرِيضٍ، ثُمَّ إنَّهُ وقَعَ عَقِبَ كُلِّ قِصَّةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [الشعراء: ٦٧] وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، وقالَ تَعالى في آخِرِ الصّافّاتِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] وهَذا أعْظَمُ التَّوْبِيخِ وأشَدُّ التَّقْرِيعِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَبِيَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ بُهْتانِ مَقالِهِمْ وسُوءِ ارْتِكابِهِمْ وقُبْحِ فِعالِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فَلَمّا أُخِذُوا بِكُلِّ مَأْخَذٍ فَما أغْنى ذَلِكَ عَنْهم قالَ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر: ٦] ولَمْ يَقَعْ أمْرُهُ ﷺ بِتَرْكِهِمْ والإعْراضِ عَنْهم والتَّوَلِّي إلّا بَعْدَ حُصُولِ القِصَصِ في السُّورَةِ المَذْكُورَةِ وأخْذِهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وأوَّلُ أمْرِهِ بِذَلِكَ ﷺ في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] ثُمَّ في سُورَةِ الذّارِياتِ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] بِأشَدِّ وعِيدٍ وأعْظَمِ تَهْدِيدٍ بِعَقِبِ كُلِّ قِصَّةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ثُمَّ صَرَفَ إلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] فَبَلَغَ ذَلِكَ أعْظَمَ مَبْلَغٍ في البَيانِ وإعْذارٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] فَفَرَّقَ سُبْحانَهُ بِسابِقِ حِكْمَتِهِ فِيهِمْ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وانْقَضى ذِكْرُ القِصَصِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَها مُسْتَوْفاةً عَلى هَذا المَساقِ فِيما بَعْدُ إلى آخِرِ الكِتابِ - فَسُبْحانَ مَن رَحِمَ بِهِ عِبادَهُ المُتَّقِينَ وجَعَلَهُ آيَةً وأيَّ (p-٩٦)آيَةٍ باهِرَةٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وقَطَعَ عِنادَ الجاحِدِينَ وغائِلَةَ المُعْتَدِينَ وجَعَلَهُ بَيانًا كافِيًا ونُورًا هادِيًا وواعِظًا شافِيًا - جَعَلَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمَّنِ اهْتَدى واعْتَلَقَ بِسَبَبِهِ إنَّهُ أهْلُ الِاسْتِجابَةِ والعَفْوِ والمَغْفِرَةِ - انْتَهى.
القمر 54:2
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَنْ آيَةِ انْشِقاقِهِ وقالُوا: سِحْرٌ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ دالٌّ قَطْعًا عَلى صِدْقِ مَنِ انْشَقَّ لِتَصْدِيقِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ الإعْلامَ بِحالِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ فَطْمًا لِمَن يَطْلُبُ مِنَ المُؤْمِنِينَ إجابَةَ مُقْتَرَحٍ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ رَجاءَ إيمانِهِمْ فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا﴾ أيْ فِيما يَأْتِي ﴿آيَةً﴾ أيَّ آيَةٍ كانَتْ ﴿يُعْرِضُوا﴾ أيْ: عَنِ الِانْتِفاعِ بِها كَما أنْ أعْرَضُوا عَنْ هَذِهِ لَمّا رَأوْها، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أمْهِلُوا حَتّى يَجِيءَ السُّفّارُ، فَإنْ قالُوا: إنَّهم رَأوْا كَما رَأيْتُمْ فَلَيْسَتْ بِسِحْرٍ، فَإنَّ مُحَمَّدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهُمْ، فَجاءَ السُّفّارُ وشَهِدُوا بِرُؤْيَتِهِ مُنْشَقًّا، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا ﴿ويَقُولُوا﴾ -أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ مِنهم والِاسْتِمْرارِ-: هَذا ﴿سِحْرٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي يَأْتِينا بِهِ هَذا الرَّجُلُ مِن وادِي الخَيالِ الَّذِي لا حَقِيقَةَ لَهُ وهو ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ: لِأنَّهُ فارَقَ السِّحْرَ بِأنَّهُ لا يَنْكَشِفُ في الحالِ لِأنَّهُ مُحْكَمٌ ثابِتٌ دائِمٌ بِشُمُولِهِ وإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ الأنْواعِ، ولِذَلِكَ يَتَأثَّرُ عَنْهُ غايَةُ الخَوارِقِ المُتَبايِنَةِ الأنْواعِ الكَثِيرَةِ.
القمر 54:3
ولَمّا فَطَمَ عَنِ التَّشَوُّفِ إلى إجابَتِهِمْ في المُقْتَرَحاتِ عَلى ما قَدَّرْتُهُ، تَسَبَّبَ مِنهم عَنِ الِانْشِقاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ أيْ: بِكَوْنِ الِانْشِقاقِ دالًّا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وجَزَمُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنادًا (p-٩٧)أوْ خُبْثًا مِنهم. ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ في نَفْسِهِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا، قالَ مُبَيِّنًا أنَّهُ باطِلٌ، فَبَيَّنَ عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ: بِمُعالَجَةِ فِطَرِهِمُ الأُولى المُسْتَقِيمَةِ في دُعائِها إلى التَّصْدِيقِ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: حَتّى نابَذُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ بَعْدَ الفِطْرَةِ الأُولى عُقُولُهُمْ، قالَ القُشَيْرِيُّ: إذا حَصَلَ اتِّباعُ الهَوى فَمِن شُؤْمِهِ يَحْصُلُ التَّكْذِيبُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُلَبِّسُ عَلى قَلْبِ صاحِبِهِ حَتّى لا يَسْتَبْصِرَ الرُّشْدَ، واتِّباعُ الرِّضى مَقْرُونٌ بِالتَّصْدِيقِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بِبَرَكاتِ الِاتِّباعِ لِلْحَقِّ يَفْتَحُ عَيْنَ البَصِيرَةِ فَيَأْتِي بِالتَّصْدِيقِ - واللَّهُ الهادِي. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْظِعًا لِقُلُوبِ المُحِقِّينَ، سَلّاهم بِالوُصُولِ إلى مَحَطٍّ تَظْهَرُ فِيهِ الحَقائِقُ وتَضْمَحِلُّ فِيهِ الشَّقاشِقُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَسَيَسْتَقِرُّ أمْرُ كُلٍّ مِن أمْرِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ في قَرارِهِ، ويَطَّلِعُ عَلى دَقائِقِهِ وأسْرارِهِ: ﴿وكُلُّ أمْرٍ﴾ مِن أُمُورِكم وغَيْرِها ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: ثابِتٌ ومَوْجُودٌ، انْتِهاؤُهُ إلى غايَةٍ تَظْهَرُ فِيها حَقِيقَتُهُ مِن غَيْرِ حِيلَةٍ تُصاحِبُهُ إلى رَدِّ ذَلِكَ القَرارِ ولا خَفاءَ عَلى أحَدٍ، فَلابُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ الحَقُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الآجالِ والهِداياتِ والضَّلالاتِ والسَّعاداتِ والشَّقاواتِ وغَيْرِها إلى نِهايَتِهِ فَيَثْبُتَ ثُبُوتًا لا زَوالَ لَهُ، ويَنْتَهِيَ الباطِلُ مِمّا دَعاهُ الخُلُقُ فِيهِ إلى غايَتِهِ فَيَتَلاشى تَلاشِيًا لا ثَباتَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإذا اسْتَقَرَّتِ الأُمُورُ ظَهَرَ ما لَهم عَلَيْهِ وعَلِمُوا الخاسِرَ مِنَ الفائِزِ، وفي مِثْلِ هَذا قالَ ابْنُ عَمْرٍو التَّيْمِيُّ أخُو القَعْقاعِ في وقْعَةِ السِّيِّ مِن بِلادِ العِراقِ:
؎والمَوْتُ خَيْلُنا لَمّا التَقَيْنا ∗∗∗ بِقارِنٍ والأُمُورُ لَها انْتِهاءْ
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِالجَرِّ صِفَةً لِـ ”أمْرٍ“، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى السّاعَةِ أيْ: واقْتَرَبَ (p-٩٨)كُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ أيْ: ثابِتٍ وهو الحَقُّ أيِ اقْتَرَبَ الظُّهُورُ وثَباتُهُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا وقَدْ كانَ خَفاءُ الباطِلِ وفَواتُهُ.
القمر 54:4
ولَمّا حَذَّرَ وبَشَّرَ قالَ مُعْلِمًا أنَّهُ مُحِيطٌ العِلْمَ بِأمْرِهِمْ مِن قَبْلِ الإجابَةِ إلى شَقِّ القَمَرِ وأنَّهُ ما شَقَّهُ لِطَمَعٍ في إيمانِهِمْ بَلْ لِلْإعْلامِ بِخِذْلانِهِمْ مُؤَكِّدًا لِمَن يَتَعَلَّقُ رَجاؤُهُ بِأنَّ تَواتُرَ الآياتِ رُبَّما أوْجَبَ لَهُمُ التَّصْدِيقَ المُتَضَمِّنَ لِأنَّ ما جاءَهم لَيْسَ فِيهِ كِفايَةٌ: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ مِن قَبِيلِ الِانْشِقاقِ ﴿مِنَ الأنْباءِ﴾ أيِ: الأُمُورِ العَظِيمَةِ المَرْئِيَّةِ، المَسْمُوعَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ لِعَظَمَتِها أنْ يُخْبِرَ بِها إخْبارًا عَظِيمًا سِيَّما ما جاءَ في القُرْآنِ مِن تَفْصِيلِ أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ وأخْبارِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ والأُولى والأُخْرى ﴿ما فِيهِ﴾ خاصَّةً ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ: مَوْضِعٌ لِلزَّجْرِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ لَهم بِهِ انْزِجارٌ عَظِيمٌ عَمّا فِيهِ مِنَ الباطِلِ، ولَكِنْ لَمْ يَزْدَجِرْ مِنهم إلّا مَن أرادَ اللَّهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: لِأنَّ اللَّهَ أسْبَلَ عَلى أبْصارِهِمْ سُجُوفَ الجَهْلِ فَعَمُوا عَنْ مَواضِعِ الرُّشْدِ.
القمر 54:5
ولَمّا كانَ ما فِيهِ ذَلِكَ قَدْ لا يَكُونُ مُحْكَمًا، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حِكْمَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ لَها مُعْظَمُ البُلُوغِ إلى مُنْتَهى غاياتِ الحِكْمَةِ لِصِحَّتِها وطَهارَتِها ووُضُوحِها، فَفِيها مَعَ الزَّجْرِ تَرْجِيَةٌ ومَواعِظُ وأحْكامٌ ودَقائِقُ تَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْها انْزِجارُهُمْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَما﴾ نَفْيًا صَرِيحًا أوْ بِاسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ مُوَبِّخٍ ﴿تُغْنِ النُّذُرُ﴾ الإنْذاراتُ والمُنْذِرُونَ والأُمُورُ المُنْذَرُ بِها - إنَّما المَعْنِيُّ بِذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَما شاءَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَكُنْ، ولَعَلَّ الإشارَةَ بِإسْقاطِ ياءِ ”تُغْنِي“ بِإجْماعِ المَصاحِفِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ في اللَّفْظِ إلى أنَّهُ كَما سَقَطَتْ غايَةُ (p-٩٩)أحْرُفِ الكَلِمَةِ سَقَطَتْ ثَمَرَةُ الإنْذارِ وهو القَبُولُ.
القمر 54:6
ولَمّا كانَ ﷺ شَدِيدَ التَّعَلُّقِ بِطَلَبِ نَجاتِهِمْ، فَهو لِذَلِكَ رُبَّما اشْتَهى إجابَتَهم إلى مُقْتَرَحاتِهِمْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ الإعْراضَ عَنْ ذَلِكَ فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، وأمّا الهِدايَةُ فَإلى اللَّهِ وحْدَهُ. ولَمّا بَيَّنَ اقْتِرابَ السّاعَةِ بِالإجابَةِ إلى بَعْضِ مُقْتَرَحاتِهِمُ القائِمَةِ مَقامَها كُلِّها بِدَلالَتِهِ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْها، وأتْبَعَ ذَلِكَ الفَطْمَ عَنْ طَلَبِ الإجابَةِ إلى شَيْءٍ فِيها لِأنَّها لا تُغْنِي شَيْئًا، تَطَلَّعَتِ النُّفُوسُ الكامِلَةُ إلى وصْفِ السّاعَةِ فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ بِذِكْرِ ظَرْفِها وذِكْرِ. . . ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، فَقالَ مُعَلِّقًا بِما تَقْدِيرُهُ: السّاعَةُ كائِنَةٌ عَلى وجْهِ الِاقْتِرابِ الشَّدِيدِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾ ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ النّاصِبُ لَهُ ﴿تَوَلَّ﴾ [النمل: ٢٨] لِأنَّهم لَمّا أعْرَضُوا حِينَ دَعاهم كانَ جَزاؤُهم أنْ يُعْرِضَ عَنْهم يَوْمَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ عَدَّ القِيامَةَ أمْرًا مُحَقَّقًا لا يَأْتِي النِّزاعُ فِيهِ: تَوَلَّ عَنْهم في ذَلِكَ اليَوْمِ العَبُوسِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ الشّافِعُ المَقْبُولُ... واتْرُكْهم لِأهْوالِهِ ودَواهِيهِ، فَقَدْ بانَ الخاسِرُ فَتَوَلِّيهِمْ إنَّما يَضُرُّهُمْ، لِأنَّ تَوَلِّيَهم عَنْكَ لا يَضُرُّكَ شَيْئًا أصْلًا، وتَوَلِّيكَ عَنْهم يَضُرُّهم ضَرَرًا ما بَعْدَهُ ضَرَرٌ واللَّهُ أعْلَمُ، وحَذْفُ واوِ ”يَدْعُو“ لِلرَّسْمِ بِإجْماعِ المَصاحِفِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ لِأنَّ المَقامَ لِبَيانِ اقْتِرابِها، فَكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بِأدْنى دُعاءٍ، وأيْضًا فَفي حَذْفِهِ تَشْبِيهٌ لِلْخَبَرِ بِالأمْرِ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ لابُدَّ عَلى أنْ يَكُونَ عَلى أعْظَمِ وجْهٍ وأتْقَنِهِ وأهْوَلِهِ وأمْكَنِهِ كَما يَكُونُ كُلُّ مَأْمُورٍ مِنَ الأمْرِ المُطاعِ، والوَقْفُ عَلى هَذا وأمْثالِهِ (p-١٠٠)بِغَيْرِ واوٍ لِجَمِيعِ القُرّاءِ مُوافَقَةً لِلرَّسْمِ لِأنَّ القاعِدَةَ أنَّ ما كانَ فِيها رِوايَةً اتُّبِعَتْ وإنْ خالَفَتِ الرَّسْمَ أوِ الأصْلَ، وما لَمْ يَرِدْ فِيهِ عَنْ أحَدٍ مِنهم رِوايَةٌ اتُّبِعَ فِيهِ الرَّسْمُ وإنْ خُولِفَ الأصْلُ، لِأنَّ التَّخْفِيفَ مَعْهُودٌ في كَلامِ العَرَبِ كالوالِ والمُتَعالِ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى، لَكِنْ قالَ عَلّامَةُ القِراءاتِ شَمْسُ الدِّينِ الجَزَرِيُّ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالنَّشْرِ في هَذِهِ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ: هَذا و﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ [الإسراء: ١١] في سُبْحانَ و﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] في شُورى و﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] في العَلَقِ: نَصَّ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو الدّانِي عَنْ يَعْقُوبَ عَلى الوَقْفِ عَلَيْها بِالواوِ عَلى الأصْلِ، ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: وهو مِنَ انْفِرادِهِ، وقَدْ قَرَأْتُ بِهِ مِن طَرِيقِهِ ﴿الدّاعِ﴾ أيِ: النَّفْخُ في الصُّورِ ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ عَظِيمِ الوَصْفِ في النَّكارَةِ بِما تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ فَتَوْجَلُ مِنهُ القُلُوبُ لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنهُ إلّا وهو خارِجٌ عَمّا تَقَدَّمَهُ مِنَ العادَةِ.
القمر 54:7
ولَمّا بَيَّنَ دُعاءَهُ بِما هالَ أمْرُهُ، بَيَّنَ حالَ المَدْعُوِّينَ زِيادَةً في الهَوْلِ فَقالَ: ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ نَظْرَةَ الخاضِعِ الذَّلِيلِ السّافِلِ المَنزِلَةِ المُسْتَوْحِشِ الَّذِي هو بِشَرِّ حالٍ، ونَسَبَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ مِنَ النَّظَرِ فَإنَّ الذُّلَّ أنْ يَرْمِيَ بِهِ صاحِبُهُ إلى الأرْضِ مَثَلًا مَعَ هَيْئَةٍ يُعْرَفُ مِنها ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] وإفْرادُهُ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ عَلى أنَّ الخُشُوعَ بَلَغَ في النِّهايَةِ مِنَ الشِّدَّةِ ونِسْبَتِهِ إلى كُلِّ بَصَرٍ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وجُمِعَ عَلى لُغَةِ ”أكَلُونِي البَراغِيثُ“ في قِراءَةِ الباقِينَ بِضَمِّ (p-١٠١)الخاءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ مَفْتُوحَةً أوْ مُسْتَنِدًا المَدْعُوِّينَ، والإبْصارُ يَدُلُّ بَعْضَ الإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُوَزَّعٌ عَلى الأبْصارِ.
ولَمّا بَيَّنَ مِن حالِهِمْ هَكَذا ما يَدُلُّ عَلى نَكارَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُرُوجِهِمْ بَيانًا لِما يَلْزَمُ مِن تَصَوُّرِهِ زِيادَةُ الذُّعْرِ فَقالَ: ﴿يَخْرُجُونَ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ الأشْرَفُ فالأشْرَفُ ﴿مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ المُهَيَّأةِ لِسَماعِ النَّفْخِ في الصُّورِ ﴿كَأنَّهُمْ﴾ في كَثْرَتِهِمْ وتَراكُمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِن كَبِيرِهِمْ وصَغِيرِهِمْ وضَعِيفِهِمْ وقَوِيِّهِمْ ﴿جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ: مُنْبَثٌّ مُتَفَرِّقٌ حَيْرانٌ مُطاوِعٌ لِمَن نَشَرَهُ بَعْدَما كانَ فِيهِ مِن سُكُونٍ مُخْتَلِطٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، لا جِهَةَ لَهُ في الحَقِيقَةِ يَقْصِدُها لَوْ خُلِّيَ ونَفْسَهُ.
القمر 54:8
ولَمّا كانَ الِانْتِشارُ قَدْ يَكُونُ وجْهَ المَهَلِ والوَقارِ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّ الأمْرَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ زِيادَةً في هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَقْرِيرًا لِما تَقَدَّمَ مِن وصْفِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ أيْ: مُسْرِعِينَ خائِفِينَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْهِ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، مادِّينَ أعْناقَهم نَحْوَهُ مُصَوِّبِي رُؤُوسِهِمْ لا يَلْتَفِتُونَ إلى سِواهُ كَما يَفْعَلُ مَن يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُضُوعٍ وصَمْتٍ واسْتِكانَةٍ.
ولَمّا بَيَّنَ حالَ الكُلِّ حَصَرَ حالَ المُبْطِلِينَ فَقالَ: ﴿يَقُولُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ: ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا عَرِيقِينَ في سَتْرِ الأدِلَّةِ وإظْهارِ الأباطِيلِ المُضِلَّةِ: ﴿هَذا﴾ أيِ: الوَقْتُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ بِما نَرى مِنَ الأهْوالِ ﴿يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أيْ: في غايَةِ العُسْرِ والصُّعُوبَةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ حالِهِمْ فِيهِ.
القمر 54:9
ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالتَّوَلِّي عَنْهم (p-١٠٢)تَهْدِيدًا لَهُمْ، وصَرَّحَ بِما أرادَ مِن أمْرِ السّاعَةِ لِما دَعا إلى ذَلِكَ مِن تَقَدُّمِ ذِكْرِها، ولِأنَّها أشَدُّ هَوْلٍ يُهَدَّدُونَ بِهِ، وبَيانًا أنَّ الخَلْقَ ما خُلِقَ إلّا لِأجْلِها لِأنَّها مَحَطُّ الحِكْمَةِ، وخَتَمَ بِعُسْرِها عَلى الكافِرِينَ، تَمَّمَ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الدُّنْيا رَدْعًا لِأهْلِ الغِلْظَةِ المُوكَلِينَ بِالمَحْسُوساتِ، فَذَكَرَ عُسْرَ يَوْمٍ كانَ عَلى الكافِرِينَ فِيها، فَقالَ مُهَدِّدًا لِقُرَيْشٍ بِجَعْلِ القِصَّةِ مَثَلًا لَهم في إهْلاكِهِمْ وفي أمْرِ السّاعَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَما أهْلَكَ أهْلَ الأرْضِ في آنٍ واحِدٍ بِما أرْسَلَهُ مِنَ الماءِ فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُهْلِكَهم في آنٍ واحِدٍ بِالصَّيْحَةِ، وكَما صَرَّفَ هَذا التَّصْرِيفَ الَّذِي [ما] سُمِعَ بِمِثْلِهِ في الإهْلاكِ فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُصَرِّفَهُ في الإحْياءِ عِنْدَ البَعْثِ عَلى وجْهٍ ما عُهِدَ مِثْلُهُ تَنْبُتُ فِيهِ الأجْسادُ وتَحْيا فِيهِ العِبادُ، جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا ما يُوعَدُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَهَلْ لَهم عَذابٌ قَبْلَهُ دالٌّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ: ﴿كَذَّبَتْ﴾ أيْ: أوْقَعَتِ التَّكْذِيبَ العَظِيمَ الَّذِي عَمُّوا بِهِ جَمِيعَ الرِّسالاتِ وجَمِيعَ الرُّسُلِ، وأنَّثَ فِعْلَهم تَحْقِيرًا لَهم وتَهْوِينًا لِأمْرِهِمْ في جَنْبِ قُدْرَتِهِ.
ولَمّا كانَ ما كانَ مِن تَصْمِيمِهِمْ عَلَيْهِ وعَزْمِهِمْ عَلى عَدَمِ الِانْفِكاكِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ جِبِلَّةً مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ ما بَعْدَهم مِنَ الزَّمانِ، وكانُوا قَدْ سَنُّوا سُنَّةَ التَّكْذِيبِ فَكانَ عَلَيْهِمْ مَعَ وِزْرِهِمْ وِزْرُ مَن أتى بَعْدَهُمْ، وكانَ ما قَبْلَهم مِنَ الزَّمانِ يَسِيرًا في جَنْبِ ما بَعْدَهُ عَدَمًا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الظَّرْفَ مِن غَيْرِ حَرْفِ [جَرٍّ] لِأنَّهُ مَعَ أنَّهُ الحَقُّ أعْظَمُ في التَّسْلِيَةِ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: في جَمِيعِ ما سَلَفَ مِنَ الزَّمانِ ومَضى بَعْضُهُ بِالفِعْلِ وبَعْضُهُ بِالقُوَّةِ لِقُوَّةِ العَزْمِ: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ مَعَ ما كانَ بِهِمْ مِنَ القُوَّةِ ولَهم مِنَ الِانْتِشارِ (p-١٠٣)فِي جَمِيعِ الأقْطارِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى أنَّهُ جِبِلَّةٌ لَهم جَحَدُوا بِها النُّبُوَّةَ رَأْسًا فَلا حَظَّ لَهم في التَّصْدِيقِ لِلْحَقِّ فَلا يَفْتَرِقُ حالُهم بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدٍ مِنَ النّاسِ كانَ مَن كانَ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ هَذا المُطْلَقِ قَوْلَهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ نِسْبَةً إلَيْنا لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَعَبَّدْ لِغَيْرِنا قَطُّ مَعَ تَشْرِيفِنا إيّاهُ بِالرِّسالَةِ، فَكانَ تَكْذِيبُهم فَرْعًا مِمّا دَخَلَ في تَكْذِيبِهِمُ المُطْلَقِ الشّامِلِ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ تَكْذِيبُهُ وهو مَيْدٌ ﴿وقالُوا﴾ مَعَ التَّكْذِيبِ أيْضًا زِيادَةً عَلى تَغْطِيَةِ ما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ الهِدايَةِ: ﴿مَجْنُونٌ﴾ أيْ فَهَذا الَّذِي يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الخَوارِقِ مِن أمْرِ الجِنِّ.
ولَمّا كانَ إعْلاءُ الصَّوْتِ عَلى النَّبِيِّ كائِنًا مَن كانَ عَظِيمَ القَباحَةِ جِدًّا زائِدَ الفَظاظَةِ فَكَيْفَ إذا كانَ مُرْسَلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مِن أُولِي العَزْمِ فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى صُورَةِ ما يُفْعَلُ مِمَّنْ لا خَطَرَ لَهُ بِوَجْهٍ، قالَ بانِيًا لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى تَبْشِيعِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى قائِلٍ وإيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِن أكابِرِهِمْ فَقَطْ بَلْ مِن كَبِيرِهِمْ وصَغِيرِهِمْ: ﴿وازْدُجِرَ﴾ أيْ: أعْمَلُوا أنْفُسَهم في انْتِهارِهِ وتَوَعُّدِهِ وتَهْدِيدِهِ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَمِيعِهِمْ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الغِلْظَةِ كَفًّا لَهُ عَنِ الرِّسالَةِ ومَنعًا لَهُ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم قالُوا: إنَّهُ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ.
القمر 54:10
ولَمّا طالَ ذَلِكَ مِنهم ومَضَتْ عَلَيْهِ أجْيالُهم جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ حَتّى مَضى لَهُ مِن إنْذارِهِمْ أكْثَرُ مِمّا مَضى مِنَ الزَّمانِ لِأُمَّةِ هَذا النَّبِيِّ الخاتَمِ إلى يَوْمِنا هَذا، وأخْبَرَهُ اللَّهُ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنهم إلّا مَن قَدْ آمَنَ مَعَهُ، (p-١٠٤)تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الدُّعاءُ بِالرّاحَةِ مِنهُمْ، فَلِذَلِكَ قالَ صارِفًا وجْهَ الخِطابِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ والرُّبُوبِيَّةِ والِامْتِنانِ إيذانًا بِأنَّهُ أجابَ دُعاءَهُ ولَبّى نِداءَهُ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاهُ بِالإحْسانِ إلَيْهِ بِرِسالَتِهِ مُعْلِمًا لَهُ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ: ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ﴾ أيْ مِن قَوْمِي كُلِّهِمْ بِالقُوَّةِ والمَنَعَةِ لا بِالحُجَّةِ، وأكَّدَهُ لِأنَّهُ مَن يَأْبى عَنِ المَلِكِ الأعْظَمِ يَكُونُ مَظِنَّةَ النُّصْرَةِ، وإبْلاغًا في الشِّكايَةِ إظْهارًا لِذُلِّ العُبُودِيَّةِ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِسِرِّ العَبْدِ وجَهْرِهِ، فَما شَرَعَ الدُّعاءَ في أصْلِهِ إلّا لِإظْهارِ التَّذَلُّلِ، وكَذا الإبْلاغِ فِيهِ ﴿فانْتَصِرْ﴾ أيْ أوْقِعْ نَصْرِي عَلَيْهِمْ أنْتَ وحْدَكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.
القمر 54:11
ولَمّا اسْتَجابَ لَهُ سُبْحانَهُ، سَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ قَوْلَهُ، عائِدًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إعْلامًا بِمَزِيدِ الغَضَبِ المُوجِبِ دائِمًا لِلِاسْتِيعابِ بِالغَضَبِ: ﴿فَفَتَحْنا﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ [أنّا فَتَحْنا] فَتْحًا يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿أبْوابَ السَّماءِ﴾ كُلَّها في جَمِيعِ الأقْطارِ، وعَبَّرَ بِجَمْعِ القِلَّةِ عَنِ الكَثْرَةِ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ أنْ تَسْتَعِيرَهُ لَها وهو أرْشَقُ وأشْهَرُ مِن بِيبانٍ، وسِياقُ العَظَمَةِ يَأْبى كَوْنَهُ لِغَيْرِها. ولَمّا كانَ المُرادُ تَهْوِيلَ أمْرِ الماءِ بِذِكْرِ حالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها حَتّى كَأنَّ المُحَدَّثَ بِذَلِكَ شاهَدَهُ جُعِلَتْ كَأنَّهُ آيَةٌ فُتِحَتْ بِها السَّماءُ فَقالَ: ﴿بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مُنْصَبٍّ بِأبْلَغِ ما يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ والصَّبِّ عِظَمًا وكَثْرَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: بِمَطَرٍ، لِأنَّهُ خارِجٌ عَنْ تِلْكَ العادَةِ، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا
القمر 54:12
﴿وفَجَّرْنا﴾ أيْ صَدَّعْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وشَقَقْنا وبَعَثْنا وأرْسَلْنا ﴿الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَمِيعَ عُيُونِ الأرْضِ، ولَكِنَّهُ (p-١٠٥)عَدَلَ عَنْهُ لِلتَّهْوِيلِ بِالإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ، وإفادَةً لِأنَّ وجْهَ الأرْضِ صارَ كُلُّهُ عُيُونًا.
ولَمّا كانَ الماءُ اسْمَ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ كَما يَقَعُ عَلى النَّوْعِ الواحِدِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ ماءَ السَّماءِ والأرْضِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فالتَقى الماءُ﴾ أيِ: المَعْهُودُ وهو ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ بِسَبَبِ فِعْلِنا هَذا، وزادَ في تَعْظِيمِهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى أمْرٍ﴾ ولَمّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ العَظَمَةُ لِهَذِهِ الواقِعَةِ، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ صارَ جُزافًا، وزادَ عَلى الحَدِّ المَأْمُورِ بِهِ، أشارَ إلى أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ في غايَةِ الحَقارَةِ فَقالَ: ﴿قَدْ قُدِرَ﴾ أيْ: مَعَ كَوْنِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ بِغايَةِ السُّهُولَةِ قَدْ وقَعَ تَقْدِيرُهُ في الأزَلِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَزِيدَ عَلى ذَلِكَ قَطْرَةً فَما فَوْقَها ولا أنْ يُهْلِكَ غَيْرَ مَن أمَرْناهُ بِإهْلاكِهِ، وأشارَ بِالتَّخْفِيفِ إلى غايَةِ السُّهُولَةِ في ذَلِكَ سُبْحانَهُ.
القمر 54:13
ولَمّا ذَكَرَ ما عُلِمَ مِنهُ بِقَرِينَةِ ما ذَكَرَ مِن خَرْقِهِ لِلْعادَةِ، وأنَّ إجابَتَهُ لِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ذَكَرَ تَمامَ الِانْتِصارِ بِنَجاتِهِ فَقالَ: ﴿وحَمَلْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلى مَتْنِ ذَلِكَ الماءِ بَعْدَ أنْ صارَ جَمِيعُ وجْهِ الأرْضِ مَجْرًى واحِدًا، وحَذَفَ المَوْصُوفَ تَهْوِيلًا بِالحَثِّ عَلى تَعَرُّفِهِ بِتَأمُّلِ الكَلامِ فَقالَ: ﴿عَلى ذاتِ﴾ أيْ سَفِينَةٍ ذاتِ ﴿ألْواحٍ﴾ أيْ أخْشابٍ نُجِرَتْ حَتّى صارَتْ عَرِيضَةً ﴿ودُسُرٍ﴾ جَمْعِ دِسارٍ وهو ما يُشَدُّ بِهِ السَّفِينَةُ وتُوصَلُ بِها ألْواحُها ويَلِجُ بَعْضُها بِبَعْضٍ بِمِسْمارٍ مِن حَدِيدٍ أوْ خَشَبٍ أوْ مِن خُيُوطِ اللِّيفِ عَلى وجْهِ الضَّخامَةِ والقُوَّةِ الدَّفْعِ والمَتانَةِ، ولَعَلَّهُ (p-١٠٦)عَبَّرَ عَنِ السَّفِينَةِ بِما شَرَحَها تَنْبِيهًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ مِن فَتْقِ الرَّتْقِ ورَتْقِ الفَتْقِ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَصْنُوعَ، فَكانَ إلى ما هَيَّأهُ لِيُرادَ مِنهُ وإنْ كانَ ذَلِكَ المُرادُ عَظِيمًا وذَلِكَ المَصْنُوعُ.
القمر 54:14
ولَمّا كانَ ذَلِكَ خارِقًا لِلْعادَةِ فَكانَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في السَّفِينَةِ خارِقٌ آخَرٌ بِإسْكانِها عَلى ظَهْرِ الماءِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ مُظْهِرًا خارِقًا آخَرَ في جَرْيِها: ﴿تَجْرِي﴾ أيِ السَّفِينَةُ ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ مَحْفُوظَةً أنْ تَدْخُلَ بَحْرَ الظُّلُماتِ، أوْ يَأْتِيَ عَلَيْها غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآفاتِ، بِحِفْظِنا عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ حِفْظَ مَن يَنْظُرُ الشَّيْءَ كَثْرَةً ولا يَغِيبُ عَنْهُ أصْلًا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِعَيْنِ الماءِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً﴾ أيْ: لِعَبْدِنا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ هُنا بِما يُفْهِمُ العِلَّةَ لِيَحْذَرَ السّامِعُ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ العَذابِ لَهُ إنْ وقَعَ مِنهُ مِثْلُ فِعْلِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿لِمَن﴾ وعَبَّرَ عَنْ طُولِ زَمانِ كُفْرِهِمْ [بِقَوْلِهِ]: ﴿كانَ كُفِرَ﴾ أيْ وقَعَ الكُفْرُ بِهِ وهو أجَلُّ النِّعَمِ، فَقالَ عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ وذَلِكَ جَزاءُ مَن كَفَرَ النِّعَمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ قَوْمَهُ بَيَّنَ أنَّهُ وقَعَ الكُفْرُ مِنهم وُقُوعًا كَأنَّهم مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ عَلَيْهِمْ لِتَوافُقِ قِراءَةِ مُجاهِدٍ بِالبِناءِ. لِلْفاعِلِ.
القمر 54:15
ولَمّا تَمَّ الخَبَرُ عَنْ نَجاتِهِ بِحَمْلِهِ فِيها، نَبَّهَ عَنْ آثارِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ أيْ هَذِهِ الفَعْلَةَ العَظِيمَةَ مِن جَرْيِ السَّفِينَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ وإبْقاءِ نَوْعِها دالَّةً عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وقِيلَ: تِلْكَ السَّفِينَةُ (p-١٠٧)بِعَيْنِها بَقِيَتْ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَ بَقاياها هَذِهِ الأُمَّةُ ﴿آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً عَظِيمَةً عَلى ما لَنا مِنَ العِلْمِ المُحِيطِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُجْتَهِدٍ في التَّذْكِيرِ بِسَبَبِ هَذا الأمْرِ لِما يَحِقُّ عَلى الخَلْقِ مِن شُكْرِ الخالِقِ بِما هَدَتْ إلَيْهِ رُسُلُهُ كَما قالُوهُ.
القمر 54:16
ولَمّا قَدَّمَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] وأتْبَعَهُ ذِكْرَ إهْلاكِهِ المُكَذِّبِينَ، وكانَ ما ذَكَرَهُ مِن شَأْنِهِمْ أمْرَهم في الجَلالَةِ والعَظَمَةِ بِحَيْثُ يَحِقُّ لِلسّامِعِ أنْ يَسْألَ عَنْهُ ويَتَعَرَّفَ أحْوالَهُ لِيَهْتَدِيَ بِها عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنِ التَّذْكِيرِ بِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ﴾ أيْ وُجِدَ وتَحَقَّقَ ﴿عَذابِي﴾ أيْ لِمَن كَذَّبَ وكَفَرَ وكَذَّبَ رُسُلِي ﴿ونُذُرِ﴾ أيِ الإنْذاراتُ الصّادِرَةُ عَنِّي والمُنْذِرُونَ المُبَلِّغُونَ عَنِّي فَإنَّهُ أنْجى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن أوْلادِهِ وغَيْرِهِمْ ومَتَّعَهم بَعْدَ إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وجَعَلَ النّاسَ الآنَ كُلَّهم مِن نَسْلِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: في هَذا قُوَّةٌ لِرَجاءِ أهْلِ الدِّينِ إذا لَقُوا في دِينِ اللَّهِ مِحْنَةً فَجَحَدَ غَيْرُهم ما آتاهُ اللَّهُ أنْ يُهْلِكَ اللَّهُ عَنْ قَرِيبٍ عَدُوَّهم ويُمَكِّنَهم مِن دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ ويُورِثَهم ما كانَ إلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ في جَمِيعِ أهْلِ الضَّلالِ - انْتَهى.
وكانَ المَعْنى في تَكْرِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِما أتَيْناهم بِهِ مِن قِصَصِ هَذِهِ الأُمَمِ مُيَسَّرًا لِفَهْمِ صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ وذَكَرِهِمْ وأُنْثاهم كَيْفَ كانَ أخْذِي لَهم وعاقِبَةُ تَخْوِيفِي إيّاهم لَعَلَّهم يَتَّعِظُونَ فَيَنْفَعُهم إنْذارُ المُنْذِرِينَ.
القمر 54:17
ولَمّا كانَ هَذا التَّفْصِيلُ مِمّا أُنْزِلَ أوَّلَ القُرْآنِ تَيْسِيرًا عَلى الأُمَّةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ (p-١٠٨)﴿القُرْآنَ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ الجَمْعِ والفَرْقِ والعَظَمَةِ المُناسِبَةِ لِكَوْنِهِ صِفَةً لَنا ﴿لِلذِّكْرِ﴾ أيِ الِاتِّعاظِ والتَّذَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والفَهْمِ والحِفْظِ والتَّشْرِيفِ لِمَن يُراعِيهِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: أنْزَلْناهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ وأنْزَلْناهُ لِلْأفْهامِ تَنْزِيلًا وخاطَبْناهم بِعَوائِدِهِمْ وأعْلَمْنا مِن قَبْلِ أعْمالِهِمْ وأقْبَسْناهُمُ المَعْرِفَةَ واليَقِينَ مِن قَبْلِ ذَواتِهِمْ وضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأطَلْنا لَهم في هَذِهِ الأعْمالِ لِيَتَذَكَّرُوا المِيثاقَ المَأْخُوذَ عَلَيْهِمْ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَسَّرَ قِراءَتَهُ عَلى ألْسِنَةِ قَوْمٍ، وعِلْمَهُ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ، وفَهْمَهُ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ، وحِفْظَهُ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ، وكُلُّهم أهْلُ القُرْآنِ وكُلُّهم أهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ - انْتَهى. والآيَةُ ناظِرَةٌ بِالعَطْفِ والمَعْنى إلى ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ﴾ [القمر: ٤] الآيَتَيْنِ، فالمَعْنى: أنّا ولَوْ شِئْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ لَجِئْناهم بِعِباراتٍ لا يَشُمُّونَ رائِحَتَها، وبَلاغاتٍ لا يَهْتَدُونَ إلى وجْهِ مَعْناها أصْلًا لَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ خاطَبْناهم بِأبْلَغَ مِن بَلاغَتِهِمْ مَعَ تَيْسِيرِ فَهْمِ ما خاطَبْناهم بِهِ فَكانَ [فِي] ذَلِكَ إعْجازانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَوْقَ بَلاغَتِهِمْ، والثّانِي: أنَّهُ مَعَ عُلُوِّهِ يَشْتَرِكُ في أصْلِ فَهْمِهِ الذَّكِيُّ والغَبِيُّ. ولَمّا كانَ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ الجامِعُ تَرْجَمَةً لِأفْعالِهِ سُبْحانَهُ في هَذا الوُجُودِ الشّاهِدِ والغائِبِ الَّذِي أخْبَرَنا عَنْهُ وشَرْحًا لِما أنْزَلَ عَلَيْنا مِن أسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا الَّتِي تَعَرَّفَ لَنا بِها، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَ خَلْقَ الآدَمِيِّ جامِعًا، فَما مِن شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إلّا وفي نَفْسِهِ مِنهُ أثَرٌ ظاهِرٌ ناظِرٌ لِلتَّفَكُّرِ في القُرْآنِ والتَّعَرُّفِ لِلْأسْرارِ مِنهُ بِالتَّذْكِيرِ الَّذِي يَكُونُ. . . لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْرِفُهُ ثُمَّ نَسِيَهُ حَتّى صارَ لا يَسْتَقِلُّ بِاسْتِحْضارِهِ فَإذا ذُكِّرَ بِهِ ذَكَرَهُ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظِيمِ فِعْلِ العِلْمِ والقُرْآنِ الَّذِي هو طَرِيقُهُ بِالتَّكْرارِ (p-١٠٩)والتَّعْبِيرِ بِما هو مِنَ الذِّكْرِ عَلى أنَّهُ المَحْفُوظُ لِلْإنْسانِ بِما هَيَّأ لَهُ مِن تَيْسِيرِ أمْرِهِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ البُخارِيُّ في آخِرِ صَحِيحِهِ: قالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ، وقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ، وذُكِرَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ مِنها مُنْفَكَّةً عَنْ تَيْسِيرِ القُرْآنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في أوَّلِ القِصَصِ وهي قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَرَّةً كَما يَأْتِي في آخِرِها، وذَلِكَ عَقِبَ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وهو قَوْلُهُ: ”فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونَذَرَ“ مِثْلَ ذَلِكَ، وكُرِّرَتْ ”فَبِأيِّ آلاء رَبّكُما تَكْذِبانِ“ في الرَّحْمَنِ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَنَظَرْتُ في سِرِّ ذَلِكَ فَظَهَرَ لِي - واللَّهُ الهادِي - أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُفَصَّلِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ أرْبَعُ سُوَرٍ هَذِهِ السُّورَةُ خاتِمَتُها فَأُشِيرَ إلى التَّذَكُّرِ بِكُلِّ سُورَةٍ مِنها حَثًّا عَلى تَدَبُّرِها بِآيَةٍ خُتِمَتْ كَلِماتُها بِكَلِمَةٍ عادَتْ حُرُوفُها [فِي] السُّوَرِ الخَمْسِ، وأُدْغِمَ حَرْفٌ مِنها في آخَرٍ بَعْدَ قَلْبِ كُلٍّ مِنهُما، فَكانَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي مَدْلُولُها الذِّكْرُ مُشِيرَةً إلى الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي مَبادِئُ العِلْمِ، وكانَ ما في أوَّلِ هَذِهِ المَواعِظِ وآخِرِها لِخُلُوِّهِ عَنْ ذِكْرِ القُرْآنِ مُوازِيًا لِلْحَرْفَيْنِ اللَّذَيْنِ طَرَفُهُما لِلْوَهْنِ بِالتَّعْبِيرِ والقَلْبِ لَكِنْ لَمّا كانَ الحَرْفانِ بِالإدْغامِ كَحَرْفٍ واحِدٍ، كانَتِ الجُمْلَتانِ المُوازِيَتانِ لَهُما كَآيَةٍ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأرْبَعِ، وكانَ هَذا الأوَّلُ والآخِرُ مُشارًا بِهِ إلى هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي جَمَعَتِ التَّذْكِيرَ بِالسُّوَرِ الأرْبَعِ، وأُعْرِيَتْ عَنْ ذِكْرِ تَيْسِيرِ القُرْآنِ لِافْتِتاحِ السُّوَرِ بِمَحْوٍ وما يَقْرُبُ مِنَ المَحْوِ وهو آيَةُ اللَّيْلِ والتَّيْسِيرُ فِيها والسّاعَةُ الَّتِي هي أغْيَبُ الغَيْبِ، وكُلُّ مَن فِيها سِوى اللَّهِ مَحْوٌ لِسَلْبِ الأمْرِ كُلِّهِ عَنْهم وخُصَّتْ بِها الأُولى والآخِرَةُ (p-١١٠)لِجامِعٍ بَيْنَهُما مِن غَرَقِ العَصا في الماءِ ونَجاةِ المُطِيعِينَ بَعْضُهم بِالسَّفِينَةِ وبَعْضُهم بِنَفْسِ البَحْرِ الَّذِي هو مَسْرَحُ السُّفُنِ، وكانَتِ المَوْعِظَةُ المَذْكُورُ فِيها القُرْآنُ في خِتامِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عُمُومِها لِجَمِيعِ القُرْآنِ إشارَةً إلى خُصُوصِ التَّذْكِيرِ بِسُورَةِ ق لِما بَيْنَهُما مِن جامِعِ الإحاطَةِ بِإحاطَةِ جَبَلِ ق بِالأرْضِ كُلِّها وطُوفانِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُمُومِ جَمِيعِ الأرْضِ والَّتِي في سُورَةِ عادٍ إشارَةٌ إلى سُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّ كِلَيْهِما كانَ بِالرِّيحِ، والَّتِي في قِصَّةِ ثَمُودَ إشارَةٌ إلى التَّذْكِيرِ بِالطُّورِ بِجامِعِ ما بَيْنَهُما مِنَ الرَّجِّ والرَّجْفِ والذُّلِّ والصَّعْقِ، أمّا في قِصَّةِ ثَمُودَ فَظاهِرٌ، وأمّا في الطُّورِ فَلِما كانَ مِن دَكِّهِ وصَعْقِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ الصَّعْقُ في آخِرِ الطُّورِ، وما في قِصَّةِ لُوطٍ إشارَةٌ إلى النَّجْمِ لِأنَّ مَدائِنَهُمُ ارْتَفَعَتْ إلى عَنانِ السَّماءِ ثُمَّ أُهْوِيَتْ وأُتْبِعَتِ الحِجارَةَ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ هَكَذا، وكانَتِ النِّعَمُ مُحِيطَةً بِالإنْسانِ مِن جِهاتِهِ السِّتِّ، فَضُرِبَتِ الحَواسُّ الخَمْسُ في الجِهاتِ السِّتِّ، فَكانَتْ ثَلاثِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ مُذَكِّرٌ بِهَذا القُرْآنِ، ولا سِيَّما ما تَقَدَّمَ [عَلى] هَذِهِ السُّورَةِ مِنهُ في المُفَصَّلِ ما لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ في نَفْسِهِ وفي الآفاقِ المُشارِ إلى القِسْمِ الأوَّلِ مِنها بِمُذَكِّرٍ، وإلى الثّانِي بِتَكْرِيرِ ذِكْرِ الآلاءِ فَكُلُّ آيَةٍ تَكْرِيرٌ انْتَهى إلى العَدَدِ المَخْصُوصِ وإلى المَجْمُوعِ بِالمَجْمُوعِ لِيَعْلَمَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِهِ عَلى وجْهٍ لا يَقْدِرُ عَلى صُنْعِهِ إلّا اللَّهُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي أعْظَمُها - مِن حَيْثُ كَوْنُهُ أساسًا يُبْنى عَلَيْهِ - الوَحْدانِيَّةُ المُنَزَّهَةُ عَنِ الشَّرِكَةِ فَيَخْشى مِن مَعْصِيَتِهِ أنْ يَسْلُبَهُ نِعَمَهُ أوْ واحِدَةً مِنها فَلا يَجِدُ مَن يَقُومُ بِها ولا بِشَيْءٍ مِنها (p-١١١)غَيْرَهُ أوْ يُعَذِّبُهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَمِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ مِن إحاطَةِ القُدْرَةِ والعِلْمِ فَلا يَجِدُ مَن يَرُدُّ عَنْهُ شَيْئًا مِنهُ سُبْحانَهُ، وأمّا الواحِدُ الزّائِدُ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ المَدارَ في ذَلِكَ الإدْراكِ هو العَقْلُ والحَواسُّ كَما أنَّ المَقْصُودَ بِذَلِكَ كُلِّهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ أسْبابٌ لِمَعْرِفَتِهِ وأيْضًا فالواحِدُ إشارَةٌ إلى أنَّ زِيادَةَ الآلاءِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَنْقَطِعُ كَما أنَّ الواحِدَ الَّذِي هو أصْلُ العَدَدِ لا يَزالُ، فَكُلَّما أغْنَتْ زِيادَتُها [ابْتَدَأ] دَوْرٌ ثُمَّ ابْتَدَأ دَوْرٌ آخَرُ دائِمًا أبَدًا، ولِلتَّكْرِيرِ نُكْتَةٌ أُخْرى بَدِيعَةٌ جِدًّا، وهي تَأْكِيدُ التَّقْرِيرِ دَلالَةً عَلى اشْتِدادِ الغَضَبِ المُقْتَضِي لِأنْهى العُقُوبَةِ كَما أنَّ مَنِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ مِن إنْكارِ شَخْصٍ لِشَيْءٍ مِن قَتْلِهِ إذا بَيَّنَهُ غايَةَ البَيانِ بِأُمُورٍ مُتَنَوِّعَةٍ وهو يَتَمَرَّدُ ويَلُدُّ غايَةَ اللَّدَدِ يَأْخُذُهُ فَيَجْمَعُ لَهُ جَمْعًا لا يَقْدِرُ عَلى العُدُولِ عَنِ الحَقِّ بِحَضْرَتِهِمْ، وهو يُذْعِنُ وهو في قَبْضَتِهِ فَيَذْكُرُ تِلْكَ المَعانِيَ بَيْنَ ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَصِيرُ كُلَّما ذَكَرَ لَهُ نَوْعًا مِنها بِحَضْرَتِهِمْ، قالَ لَهُ: هَلْ ظَهَرَ لَكَ هَذا؟ فَيَقُولُ ذاكَ المُنْكِرُ: نَعَمْ ظَهَرَ لِي، فَلا يَزِيدُ ذَلِكَ إلّا غَضَبًا لِما تَقَدَّمَ لَهُ مِن عَظِيمِ غَضَبِهِ [و]لَدَدِهِ فَيَذْكُرُ لَهُ مَعْنًى آخَرَ ثُمَّ يَقُولُ: هَلْ ظَهَرَ لَكَ هَذا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ واللَّهُ لا يُعَرِّجُ عَلى اعْتِرافِهِ ذَلِكَ ويَذْكُرُ لَهُ نَوْعًا آخَرَ، ويَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ يُرِيدُ الزِّيادَةَ في تَبْكِيتِهِ وتَخْجِيلِهِ، وهَكَذا إلى أنْ يَشْتَفِيَ كُلَّ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى لَدَدِهِ وكِفايَةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها لِما أُرِيدَ مِنهُ مِنَ البَيانِ، وقالَ في الكَشّافِ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلَيْهِ والبَعْثَ عَلى ذَلِكَ (p-١١٢)كُلِّهِ وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العِصِيَّ مَرّاتٍ ويُقَعْقِعَ لَهُمُ السِّنَّ تاراتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوَدُ ويَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الغَفْلَةِ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيراتِ لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في أوانٍ - انْتَهى، ولِمِثْلِ ما مَضى أوْ قَرِيبٍ مِنهُ كَرَّرَ التَّهْوِيلَ بِالعَذابِ سِتَّ مَرّاتٍ: أرْبَعٌ مِنها: ”فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونَذْرُ“ واثْنانِ مِنها: ”فَذُوقُوا عَذابِي ونَذَرَ“ فَهُما بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الأرْبَعِ لِيَرْجِعَ السِّتُّ إلى الخَمْسِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿مُدَّكِرٍ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ كَما ضُرِبَتْ في الجِهاتِ السِّتِّ لِأجْلِ النِّعَمِ الَّتِي هي جَلْبُ المَصالِحِ ضُرِبَتْ فِيها لِلتَّذْكِيرِ بِدَفْعِ النِّقَمِ الَّذِي هو دَرْأُ المَفاسِدِ والتَّحْذِيرُ مِنها، ومِن فَوائِدِ تَكَرُّرِ السِّتِّ الرّاجِعَةِ إلى الخَمْسِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِجَلْبِ النِّعَمِ وأُخْرى لِدَفْعِ النِّقَمِ أنَّ الحَواسَّ مُكَرَّرَةٌ ظاهِرًا وباطِنًا، فَمَن ذَلَّ لِسانُهُ بِالقُرْآنِ ظاهِرًا صَحَّتْ حَواسُّهُ الظّاهِرَةُ ونُوِّرَتْ لَهُ الباطِنَةُ، ومَن أبى عُذِّبَ بِسَبَبِ الباطِنَةِ فَتَفْسَدُ الظّاهِرَةُ، واخْتِيرَ لِلْمَوْعِظَتَيْنِ عَدَدُ السِّتِّ مَعَ إرادَةِ جَماعَةٍ إلى خَمْسٍ لِأنَّ السِّتَّ عَدَدٌ تامٌّ وذَلِكَ لِأنَّ عَدَدَ كُسُورِها إذا جُمِعَتْ سادَتْها ولَمْ تَزِدْ عَنْها ولَمْ تَنْقُصْ وهي النِّصْفُ والثُّلُثُ والسُّدُسُ، وهَذا العَدَدُ مُساوٍ لِدَعائِمِ الإسْلامِ الخَمْسِ وحَظِيرَتِهِ الجِهادِ الَّتِي هي عِمادُ تَقْوى المُتَّقِينَ أهْلِ مَقْعَدِ الصِّدْقِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلى نَبِيِّهِمْ ﷺ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ المُشارِ بِهِ إلى الصِّيامِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] والحَجِّ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] والجِهادِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ (p-١١٣)تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الدِّينَ تامٌّ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ لِأنَّ النَّبِيَّ الَّذِي أُرْسِلَ خِتامُ الأنْبِياءِ، وتَمامُ الرُّسُلِ الأصْفِياءِ. ولَمّا كانَ قَوْمُ عادٍ قَدْ تَكَبَّرُوا بِشِدَّتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، وكانَتْ حالُ قُرَيْشٍ قَرِيبَةً مِن ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ إنَّهم أمْنَعُ العَرَبِ وأقْواهم وأجْمَعُهم لِلْكَمالاتِ وأعْلاهُمْ، كَرَّرَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ مَرَّتَيْنِ زِيادَةً في تَذْكِيرِ قُرَيْشٍ وتَحْذِيرِهِمْ ولا سِيَّما وقَدْ كانَ بَدْءُ عَذابِهِمْ مِن بَلَدِهِمْ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ كَما هو مَشْرُوحٌ في قِصَّتِهِمْ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّوْقِ في قِصَّةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهم عُذِّبُوا بِما يَرْدَعُ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ بِالطَّمْسِ، فَلَمّا لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ أتاهم أكْبَرُ مِنهُ فَكانُوا كَأمْسِ الدّابِرِ، فَلِكُلِّ مَرَّةٍ مِنَ العَذابِ مِنَ الأمْرِ بِالذَّوْقِ، وخُصُّوا بِالأمْرِ بِالذَّوْقِ لِما في فاحِشَتِهِمُ الخَبِيثَةِ ما يَسْتَلِذُّونَهُ، وقَدْ عَمَّ عَذابُ هَذِهِ الأُمَمِ جَمِيعَ الجِهاتِ بِما لِقَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن جِهَةِ الغَرَقِ بِالماءِ الماطِرِ وحِجارَةِ السِّجِّيلِ ومِنَ البَحْثِ مِنَ الماءِ النّابِعِ والخَسْفِ، وما في عُمُومِ عَذابِهِمْ مِنَ اسْتِغْراقِ بَقِيَّةِ الجِهاتِ - واللَّهُ الهادِي.
القمر 54:18
ولَمّا انْقَضَتْ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا الهَوْلِ العَظِيمِ، كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلسّامِعِ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ لا يُقَصِّرُ أحَدٌ بَعْدَهم وإنْ لَمْ يُرْسِلْ بِرَسُولٍ فَكَيْفَ إذا أرْسَلَ، فَتَشَوَّفَ إلى عِلْمِ ما كانَ بَعْدَهُ هَلْ كانَ كَما ظَنَّ أمْ رَجَعَ النّاسُ إلى طِباعِهِمْ؟ وكانَتْ قِصَّةُ عادٍ أعْظَمَ قِصَّةٍ جَرَتْ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يَعْرِفُهُ العَرَبُ فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ واعِظًا لَهُمْ، وكانَ عَذابُهم بِالرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَتْهم ونَسَفَتْ جِبالَهُمُ الَّتِي كانَتْ في مَحالِّهِمْ (p-١١٤)مِنَ الرِّمالِ المُتَراكِمَةِ، فَنَقْلُها إلى أمْكِنَةٍ أُخْرى أقْرَبُ دَلِيلٍ إلى أنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُ الجِبالَ يَوْمَ الدِّينِ، هَذا إلى ما في صَفِّها الخارِجِ عَنِ العَوائِدِ مِن تَصْوِيرِ النَّفْخِ في الصُّورِ تارَةً لِلْقِيامَةِ وتارَةً لِلْإحْياءِ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أيْ أوْقَعَتِ التَّكْذِيبَ العامَّ المُطْلَقَ الَّذِي أوْجَبَ تَكْذِيبَهم بِرَسُولِي هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ لَهم إلَيَّ وإنْذارِهِ لَهم عَذابِي.
ولَمّا كانَ عادَةُ المُلُوكِ أوْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إذا أهْلَكَ قَوْمًا كَثِيرِينَ مِن جُنْدِهِ نَجا ناسٌ مِثْلُهم بِمِثْلِ ذُنُوبِهِمْ أنْ يَرْفَعَ بِهِمْ، ويَسْتَأْلِفَهم لِئَلّا يَهْلِكَ جُنْدُهُ، فَيَخْتَلَّ مُلْكُهُ، عَقَّبَ الإخْبارَ بِتَكْذِيبِهِمُ الإعْلامَ بِتَعَدِّيهِمْ لِأنَّهُ لا يُبالِي بِشَيْءٍ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ، ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم إلّا بِإرادَتِهِ كَما أنَّ عَذابَهُ بِمَشِيئَتِهِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ فَعَلى الأحْوالِ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿كانَ عَذابِي﴾ لَهم ﴿ونُذُرِ﴾ أيْ وإنْذارِي إيّاهم بِلِسانِ رَسُولِي، وكَرَّرَ في آخِرِ قِصَّتِهِمْ هَذا الِاسْتِخْبارَ، فَكانَ في قِصَّتِهِمْ مَرَّتَيْنِ كَما تَقَدَّمَ مِن سِرِّهِ - واللَّهُ أعْلَمُ.
القمر 54:19
ولَمّا ذَكَرَ تَكْذِيبَهم وأعْقَبَهُ تَعْذِيبَهُمْ، عَلِمَ السّامِعُ أنَّهُ شَدِيدُ العَظَمَةِ فاسْتَمْطَرَ أنْ يَعْرِفَهُ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قُرَيْشًا أفْعالُهم في التَّكْذِيبِ كَأفْعالِهِمْ كَأنَّهم يُكَذِّبُونَ بِعَذابِهِمْ: ﴿إنّا أرْسَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا، وعَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إعْلامًا بِالنِّقْمَةِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ولَمّا كانَتِ الرِّيحُ رُبَّما كانَتْ عِيانًا، وصَفَها بِما دَلَّ عَلى حالِها فَقالَ: ﴿صَرْصَرًا﴾ أيْ: شَدِيدَ البَرْدِ والصَّوْتِ. ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ تَقْرِيبَ قِيامِ السّاعَةِ (p-١١٥)ووَصْفَ سَيْرِهِمْ إلى الدّاعِي بِالإسْراعِ، ناسَبَ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ عَذابِهِمْ بِأقَلِّ ما يُمْكِنُ، فَعَبَّرَ بِاليَوْمِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يَتِمُّ فِيهِ أمْرٌ ظاهِرٌ سَواءٌ كانَ لَحْظَةً أوْ أيّامًا أوْ شُهُورًا أوْ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ أوْ أقَلَّ كَيَوْمِ البَعْثِ ويَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ المَوْتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: - ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] -: ﴿فِي يَوْمِ﴾ وأكَّدَ شُؤْمَها بِذَمِّ زَمانِها فَقالَ: ﴿نَحْسٍ﴾ أيْ شَدِيدِ القَباحَةِ، قِيلَ: كانَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ آخِرَ الشَّهْرِ وهو شَوّالٌ لِثَمانٍ بَقِيَتْ إلى غُرُوبِ الأرْبِعاءَ، وحَقَّقَ لِأنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ الجِنْسُ لا الواحِدُ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ أيْ قَوِيٍّ في نُحُوسَتِهِ نافِذٍ ماضٍ فِيما أُمِرَ بِهِ مِن ذَلِكَ شَدِيدٍ أسْبابُهُ، مَوْجُودٍ مَرارَتُهُ وُجُودًا مَطْلُوبًا مِن مُرْسِلِهِ في كُلِّ وقْتٍ، مُسْتَحْكِمِ المَرارَةِ قَوِيِّها دائِمِها إلى وقْتِ إنْفاذِ المُرادِ.
القمر 54:20
ولَمّا عُلِمَ وصْفُها في ذاتِها، أتْبَعَهُ وصْفَها [بِما] يُفْعَلُ فِيهِ فَقالَ: ﴿تَنْـزِعُ﴾ أيْ تَأْخُذُ مِنَ الأرْضِ بَعْضَهم مِن وجْهِها وبَعْضَهم مِن حُفَرٍ حَفَرُوها لِيَتَمَنَّعُوا بِها مِنَ العَذابِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِيَكُونَ نَصًّا في الذُّكُورِ، والإناثِ فَعَبَّرَ بِما هو مِنَ النَّوْسِ تَفْضِيلًا لَهم فَقالَ: ﴿النّاسَ﴾ الَّذِينَ هم صُوَرٌ لا ثَباتَ لَهم بِأرْواحِ التَّقْوى، فَتُطَيِّرُهم بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَأنَّهُمُ الهَباءُ المَنثُورُ، فَتَقْطَعُ رُؤُوسَهم مِن جُثَثِهِمْ وتُغَيِّرُ ألْوانَهم تَعْتِيمًا لَهم إلى السَّوادِ، ولِذا قالَ: ﴿كَأنَّهُمْ﴾ أيْ: حِينَ يُنْزَعُونَ فَيُلْقَوْنَ لا أرْواحَ فِيهِمْ كَأنَّهم ﴿أعْجازُ﴾ أيْ أُصُولُ ﴿نَخْلٍ﴾ قُطِعَتْ رُؤُوسُها، ولَمّا كانَ الحُكْمُ هُنا عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ، وكانَ الظّاهِرُ دُونَ الباطِنِ، حَمَلَ عَلى اللَّفْظِ قَوْلَهُ: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ (p-١١٦)أيْ مُنْقَصِفٍ أيْ مُنْصَرِعٍ مِن أسْفَلِ قَعْرِهِ وأصْلِ مَغْرِسِهِ، والتَّشْبِيهُ يُشِيرُ إلى أنَّهم طِوالٌ قَدْ قُطِعَتْ رُؤُوسُهُمْ، وفي الحاقَّةِ وقَعَ التَّشْبِيهُ في الباطِنِ الَّذِي فِيهِ الأعْضاءُ الرَّئِيسَةُ، والمَعانِي اللَّطِيفَةُ، فَأنَّثَ الوَصْفَ حَمْلًا عَلى مَعْنى النَّخْلِ لا لِلُطْفِها - واللَّهُ أعْلَمُ.
القمر 54:21
ولَمّا طابَقَ ما أخْبَرَ بِهِ مِن عَذابِهِمْ ما هَوَّلَهُ بِهِ أوَّلًا، أكَّدَ ذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ مِن سِرِّهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ مِمّا يَجِبُ السُّؤالُ عَنْهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ﴾ أيُّها السّائِلُ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى الإقْرارِ تَنْبِيهًا لِلْعَبِيدِ عَلى المُحافَظَةِ عَلى مَقامِ التَّوْحِيدِ: ﴿عَذابِي﴾ لِمَن كَذَّبَ رُسُلِي ﴿ونُذُرِ﴾ أيْ: وإنْذارِي أوْ رُسُلِي في إنْذارِهِمْ هَلْ صَدَقَ.
القمر 54:22
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ تَحْذِيرَهُ مِن مِثْلِ حالِهِمْ بِأمْرٍ ناظِرٍ أتَمَّ نَظَرٍ إلى تَدْبِيرِ ما في سُورَةِ الذّارِياتِ، أتْبَعَ ذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلسّامِعِ أنْ يَتَوَقَّعَ الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لِأكْثَرِ السّامِعِينَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقالِ أوْ بِالحالِ مُعْلِمًا أنَّهُ سَهَّلَ طَرِيقَ الفِرارِ مِن مِثْلِ هَذِهِ الفِتَنِ الكِبارِ إلَيْهِ، وسَوّى مِنَ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ، عائِدًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إيذانًا بِأنَّ تَيْسِيرَ القُرْآنِ لِما ذُكِرَ مِن إعْجازِهِ لا يَكُونُ إلّا لِعَظَمَةٍ تَفُوتُ قُوى البَشَرِ، وتَعْجِزُ عَنْها القُدْرَةُ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في الذّاتِ والصِّفاتِ ﴿القُرْآنَ﴾ الجامِعَ الفارِقَ كُلَّهُ وما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ القِصَّةُ مِن مَفْصِلِهِ ﴿لِلذِّكْرِ﴾ لِلْحِفْظِ والشَّرَفِ والفَهْمِ والتَّدْبِيرِ والوَعْظِ والِاتِّعاظِ ما صَرَّفْنا فِيهِ مِن أنْواعِ الوَعْظِ مَعَ التَّنْبِيهِ لِلْحِفْظِ بِالإيجازِ وعُذُوبَةِ اللَّفْظِ وقُرْبِ الفَهْمِ وجَلالَةِ المَعانِي وجَزالَةِ السَّبْكِ وتَنْوِيعِ الفُنُونِ وتَكْثِيرِ (p-١١٧)الشُّعَبِ وإحْكامِ الرَّبْطِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي فَعَلْناهُ أنَّهُ مَوْضِعُ السُّؤالِ عَنْ أحْوالِ السّامِعِينَ: هَلْ فِيهِمْ مَن يُقْبِلُ عَلى حِفْظِهِ ثُمَّ تَدَبُّرِهِ وفَهْمِهِ ويَتَّعِظُ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ، ويَتَذَكَّرُ جَمِيعَ ما صَرَّفَ مِنَ الأقْوالِ ويُنْزِلُها عَلى نَفْسِهِ وما لَها مِنَ الأحْوالِ، ويَجْعَلُ ذَلِكَ لِوَجْهِنا فَيُلْقِيهِ بِتَشْرِيفِهِ بِهِ أمْرَ دُنْياهُ وأُخْراهُ.
القمر 54:23
ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعَ الإقْبالِ عَلى تَدَبُّرِ مَواعِظِ القُرْآنِ، وكانَ ثَمُودُ أعْظَمَ وعْظٍ كانَ بَعْدَ عادٍ لِما في صَيْحَتِهِمُ الخارِجَةِ عَنِ العُهُودِ مِن تَصْوِيرِ السّاعَةِ بِنَفْخَتَيْها المُمِيتَةِ ثُمَّ المُحْيِيَةِ، وقالَ مُؤَنِّثًا فِعْلَهم إشارَةً إلى سُفُولِ هِمَمِهِمْ وسُفُولِ فِعْلِهِمْ مُعْلِمًا أنَّ مَن كَذَّبَ هَلَكَ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن لَعَلَّهُ يَقُولُ اسْتِبْعادًا لِتَكْذِيبٍ بَعْدَما جَرى في القِصَّتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ مِنَ التَّعْذِيبِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ أيْ قَوْمُ صالِحٍ ﴿بِالنُّذُرِ﴾ الإنْذاراتِ والمُنْذِرِينَ كُلِّهِمْ لِأنَّهم شَرْعٌ واحِدٌ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا بِالضَّمِيرِ أنَّ المُباشِرَ لِهَذا الكُفْرِ رِجالُهم لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهم نِساءٌ فَقَطْ:
القمر 54:24
﴿فَقالُوا﴾ مُنْكِرِينَ لِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ غايَةَ الإنْكارِ: ﴿أبَشَرًا﴾ إنْكارًا لِرِسالَةِ هَذا النَّوْعِ لِيَكُونَ إنْكارُ النُّبُوَّةِ [إنْكارًا] لِنُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ، وأعْظَمَ الإنْكارَ بِقَوْلِهِمْ مُقَدِّمِينَ عَدَمَ الِانْفِرادِ عَنْهم لِخُصُوصِيَّتِهِ: ﴿مِنّا﴾ أيْ: فَلا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا فَما وجْهُ اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ مِن بَيْنِنا، وزادُوا ذَلِكَ [تَأْكِيدًا] فَقالُوا: ﴿واحِدًا﴾ أيْ: لَيْسَ مَعَهُ مَن يُؤَيِّدُهُ، ثُمَّ فَسَّرَ النّاصِبَ لِقَوْلِهِ: بشرًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ أيْ نُجاهِدُ نَفْسَنا في خَلْعِ مَأْلُوفِنا وخِلافِ آبائِنا والإقْرارِ عَلى أنْفُسِنا بِسَخافَةِ العَقْلِ والعَراقَةِ في الجَهْلِ ونَحْنُ [أشَدُّ] النّاسِ كَثْرَةً (p-١١٨)وقُوَّةً وفَهْمًا ودِرايَةً، ثُمَّ اسْتَنْتَجُوا عَنْ هَذا الإنْكارِ الشَّدِيدِ قَوْلَهم مُؤَكِّدِينَ الِاسْتِشْعارَ بِأنَّ كَلامَهم أهْلٌ لِأنْ يُكَذَّبَ: ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ: إنِ اتَّبَعْناهُ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ ذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ مُحِيطٍ بِنا ﴿وسُعُرٍ﴾ أيْ: تَكُونُ عاقِبَتُنا في ذَلِكَ الضَّلالِ الكَوْنَ في أوائِلِ أمْرٍ لا نَدْرِي عاقِبَتَهُ، فَإنَّهُ لَمْ يُجَرَّبْ ولَمْ يُخْتَبَرْ ولَمْ يُمْعِنْ أحَدٌ قَبْلَنا سَلَفًا لَنا فَيَجُرُّنا ذَلِكَ إلى جُنُونٍ وجُوعٍ ونارٍ كَما يَكُونُ مَن يَأْتُوهُ في القِفارِ في أنْواعٍ مِنَ الحَرِّ بِتَوَقُّدِ حَرِّ الجِبالِ وحَرِّ الضَّلالِ وحَرِّ الهُمُومِ والأوْجالِ - وذَلِكَ مِنَ النّارِ الَّتِي تُوُعِّدْنا بِها- وهو مَعْنى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَهُ بِالعَذابِ، وجَعَلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَهُ جَمْعَ سَعِيرٍ، والمَعْنى إنّا [نَكُونُ] إذا اتَّبَعْناكَ كَما تَقُولُ جامِعِينَ بَيْنَ الضَّلالِ والعَذابِ بِسائِرِ أنْواعِهِ.
القمر 54:25
ولَمّا كانَ فِيما قالُوهُ أعْظَمُ تَكْذِيبٍ مَدْلُولٍ عَلى صِحَّتِهِ في زَعْمِهِمْ بِما أوْمَأُوا إلَيْهِ مِن كَوْنِهِ آدَمِيًّا مِثْلَهُمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ واحِدٌ مِن آحادِهِمْ فَلَيْسَ هو بِأمْثَلِهِمْ وهو مُنْفَرِدٌ فَلَمْ يَتَأيَّدْ فِكْرُهُ بِفِكْرِ غَيْرِهِ حَتّى يَكُونَ مَوْضِعَ الوُثُوقِ بِهِ، دَلُّوا عَلَيْهِ بِأمْرٍ آخَرَ ساقُوهُ أيْضًا مَساقَ الإنْكارِ، وأوْمَأُوا بِالإلْقاءِ إلى أنَّهُ في إسْراعِهِ كَأنَّهُ سَقَطَ مِن عُلُوٍّ فَقالُوا: ﴿أأُلْقِيَ﴾ أيْ أنَزَلَ بَغْتَةً في سُرْعَةٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم في مِضْمارِ هَذا الشَّأْنِ ولَمْ يَأْتَمِرُوا فِيهِ قَبْلَ إتْيانِهِ بِهِ شَيْءٌ مِنهُ بَلْ أتاهم بِهِ بَغْتَةً في غايَةِ الإسْراعِ. ولَمّا كانَ الإلْقاءُ يَكُونُ لِلْأجْسامِ غالِبًا، فَكانَ لِدَفْعِ هَذا الوَهْمِ تَقْدِيمُ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ أوْلى بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ في ص فَقالُوا: ﴿الذِّكْرُ﴾ (p-١١٩)أيِ: الوَحْيُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الشَّرَفُ الأعْظَمُ، وعَبَّرُوا بِعَلى إشارَةً إلى أنَّ مِثْلَ هَذا الَّذِي تَقَوَّلَهُ لا يُقالُ إلّا عَنْ قَضاءٍ غالِبٍ وأمْرٍ قاهِرٍ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ ودَلُّوا عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ بِالِاخْتِصاصِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن بَيْنِنا﴾ أيْ: وبَيْنَنا مَن هو أوْلى بِذَلِكَ سِنًّا وشَرَفًا ونُبْلًا.
ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِكَوْنِهِ إنْكارِيًّا بِمَعْنى النَّفْيِ، أضْرَبُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ عَلى وجْهِ النَّتِيجَةِ عَطْفًا عَلى ما أفْهَمَهُ الِاسْتِفْهامُ مِن نَحْوِ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمَ: ﴿بَلْ هُوَ﴾ لِما أبْدَيْناهُ مِنَ الشُّبَهِ ﴿كَذّابٌ﴾ أيْ بَلِيغٌ في الكَذِبِ ﴿أشِرٌ﴾ أيْ: مَرِحٌ غَلَبَتْ عَلَيْهِ البِطالَةُ حَتّى أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ بِمَرَحٍ وتَجَبُّرٍ وبَطَرٍ، ونَشِطَ في ذَلِكَ حَتّى صارَ كالمِنشارِ الَّذِي هو مُتَفَرِّغٌ لِلْقَطْعِ مُهَيَّأٌ لَهُ خَشِنُ الأمْرِ سَيِّئُ الخُلُقِ والأثَرِ فَهو يُرِيدُ التَّرَفُّعَ.
القمر 54:26
ولَمّا كانَ هَذا غايَةَ الذَّمِّ لِمَن يَسْتَحِقُّ مِنهم غايَةَ المَدْحِ، أجابَ تَعالى عَنْهُ مَوْعِظَةً لِعِبادِهِ لِئَلّا يَتَقَوَّلُوا ما يَعْلَمُونَ بُطْلانَهُ أوْ يَقُولُوا ما لا يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ. ولَمّا كانَ المُرادُ التَّقْرِيبَ لِأنَّهُ أقْعَدُ في التَّهْدِيدِ، قالَ: ﴿غَدًا﴾ أيْ في الزَّمَنِ الآتِي القَرِيبِ لِأنَّ كُلَّ ما حُقِّقَ إتْيانُهُ قَرِيبٌ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ، وقِراءَةُابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالخِطابِ التِفاتٌ يُعْلِمُ بِغايَةِ الغَضَبِ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ أيِ: الكَذِبُ والأشَرُ وهو احْتِقارُ النّاسِ والِاسْتِكْبارُ عَلى ما أبْدَوْهُ مِنَ الحَقِّ مُخْتَصٌّ بِهِ ومَقْصُودٌ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّاهُ إلى مُرْمِيهِ وذَلِكَ بِأنَّهم جَعَلُوا الكَذِبَ دَيْدَنَهُ ولَمْ يَتَعَدَّهم حَتّى (p-١٢٠)يُدَّعى شَيْءٌ مِنهُ لِصالِحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ الكَلامُ مُعَيِّنًا لَهم في الكَذِبِ قاصِرًا عَلَيْهِمْ بِسِياقِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُبْهَمِ المُنْصِفِ الَّذِي فِيهِ مِن رَوْعَةِ القَلْبِ وهَزِّ النَّفْسِ ما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وكُلَّما كانَ الإنْسانُ أسْلَمَ طَبْعًا وأكْثَرَ عِلْمًا كانَ لَهُ أعْظَمَ ذَوْقًا.
القمر 54:27
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ فَصَلَ الأمْرَ بَيْنَهُمْ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى عِلْمِ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى مُسْتَأْنِفًا دالًّا بِأنَّهم طالَبُوهُ بِآيَةٍ دالَّةٍ عَلى صِدْقِهِ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُوجِدُوها ومُخْرِجُوها كَما اقْتَرَحُوا مِن حَجَرٍ أهَّلْناهُ لِذَلِكَ وخَصَّصْناهُ مِن بَيْنِ الحِجارَةِ دَلالَةً عَلى إرْسالِنا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ: مُخَصِّصِينَ لَهُ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: نُرِيدُ أنْ نَعْرِفَ المُحِقَّ مِنّا بِأنْ نَدْعُوَ آلِهَتَنا وتَدْعُوَ إلَهَكَ فَمَن أجابَهُ إلَهُهُ عُلِمَ أنَّهُ المُحِقُّ، فَدَعَوْا أوْثانَهم فَلَمْ تُجِبْهُمْ، فَقالُوا: ادْعُ أنْتَ، فَقالَ: فَما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: تَخْرُجُ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ ناقَةٌ تَبْعَرُ عُشَراءُ، فَأجابَهم إلى ذَلِكَ بِشَرْطِ الإيمانِ، فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ وأكَّدُوا فَكَذَبُوا بَعْدَ ما كَذَبُوا في أنَّ آلِهَتَهم تُجِيبُهُمْ، وصَدَقَ هو ﷺ في كُلِّ ما قالَ فَأخْبَرَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُجِيبُهم إلى إخْراجِها ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيِ امْتِحانًا يُخالِطُهم بِهِ فَيُمِيلُهم عَنْ حالَتِهِمُ الَّتِي وعَدُوا بِها ويُجِيبُهم عَنْها، وسَبَّبَ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ أمْرَهُ بِانْتِظارِهِمْ فِيما يَصْنَعُونَ بَعْدَ إخْراجِهِمْ لِما تُوصِلُهم إلَيْهِ عَواقِبُ الفِتْنَةِ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ انْتِظارَهم فِيما يَكُونُ لَهم جَزاءً عَلى أعْمالِهِمُ انْتِظارَ مَن يَحْرُسُهم وهو عالِمٌ عَلِيمٌ فَإنَّهم واصِلُونَ بِأعْمالِهِمْ إلى الدّاهِيَةِ الَّتِي تُسَمّى بِأُمِّ العُرْقُوبِ (p-١٢١)لِيَكُونُوا كَمَن جُعِلَ في رَقَبَتِهِ، ودَلَّ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ عَلى أنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنهُ أذًى بالِغٌ قَبْلَ انْفِصالِ النِّزاعِ فَقالَ: ﴿واصْطَبِرْ﴾ أيْ: عالِجْ نَفْسَكَ واجْتَهِدْ في الصَّبْرِ عَلَيْهِمْ
القمر 54:28
﴿ونَبِّئْهُمْ﴾ أيْ: أخْبِرْهم إخْبارًا عَظِيمًا بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وهو أنَّ الماءَ الَّذِي يَشْرَبُونَهُ وهو ماءُ بِئْرِهِمْ ﴿أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، غَلَبَ عَلَيْها ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ، يَعْنِي: إذا بَعَثْناها كانَ لَهم يَوْمٌ لا تُشارِكُهم فِيهِ في الماءِ، ولَها يَوْمٌ لا تَدَعُ في البِئْرِ قَطْرَةً يَأْخُذُها أحَدٌ مِنهُمْ، وتُوسِعُ الكُلَّ بَدَلَ الماءِ لَبَنًا، ولَمّا أخْبَرَ بِتَوْزِيعِ الماءِ، أعْلَمَ أنَّهُ عَلى وجْهٍ غَرِيبٍ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿كُلُّ شِرْبٍ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ وحَظٍّ مِنهُ ومَوْرِدِ البُرُوكِ وقْتَ يُشْرَبُ فِيهِ ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ أيْ: أهْلٌ لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ العَجِيبِ أنْ يَحْضُرَهُ الحاضِرُونَ حُضُورًا عَظِيمًا، وتَتَكَلَّفَ أنْفُسُهم لِذَلِكَ لِأنَّهُ صارَ في كَثْرَتِهِ وحُسْنِهِ كَماءِ الحاضِرَةِ لِلْبادِيَةِ وتَأهَّلَ لِأنْ تَعارَضَهُ حاضِرُوهُ مِن حُسْنِهِ ويَرْجِعُوا إلَيْهِ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الكَثِيرُ ويُعَوِّدُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِ.
القمر 54:29
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْنا، واسْتَمَرَّ الأمَدُ الَّذِي ضَرَبْنا فافْتَتَنُوا [كَما] أخْبَرْنا ﴿فَنادَوْا﴾ بِسَبَبِ الفِتْنَةِ ﴿صاحِبَهُمْ﴾ قُذارَ بْنَ سالِفٍ الَّذِي انْتَدَبُوهُ بَطَرًا وأشَرًا لِقَتْلِ النّاقَةِ، وكُذِبْنا فِيها بِوَعْدِهِمُ الإيمانَ وإكْرامِها بِالإحْسانِ وهو أشْقى الأوَّلِينَ ﴿فَتَعاطى﴾ أيْ: أوْقَعَ بِسَبَبِ نِدائِهِمُ التَّعاطِيَ الَّذِي لا تَعاطِيَ مِثْلُهُ، فَتَناوَلَ ما لا يَحِقُّ لَهُ أنْ يَتَناوَلَهُ بِسَبَبِ النّاقَةِ وهو سَيْفُهُ بِيَدِهِ قائِمًا في الأمْرِ النّاشِئِ عَنْ هَذا الأخْذِ عَلى كُلِّ حالٍ، ورَفَعَ رَأْسَهُ بِغايَةِ الهِمَّةِ ومَدَّ يَدَيْهِ مَدًّا عَظِيمًا ورَفَعَها وقامَ عَلى (p-١٢٢)أصابِعِ رِجْلَيْهِ حِينَ عاطَوْهُ ذَلِكَ أيْ: سَألُوهُ فِيهِ فَطاوَعَهم وتَناوَلَ النّاقَةَ بِذَلِكَ السَّيْفِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ولا مُبالٍ ﴿فَعَقَرَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الجِدِّ العَظِيمِ أنْ صَدَقَ فِيما أثْبَتَ لَهُمُ الكَذِبَ في الوَعْدِ بِالإحْسانِ إلَيْها والأشَرِ، وهو إيقاعُ العَقْرِ الَّذِي ما كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ عَقْرٌ مِثْلُهُ وهو عَقْرُ النّاقَةِ الَّتِي هي آيَةُ اللَّهِ وإهْلاكُها.
القمر 54:30
ولَمّا وقَعَ كَذِبُهم عَلى هَذا الوَجْهِ العَظِيمِ المَبْنِيِّ عَلى غايَةِ الأشَرِ، حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى صِدْقَهُ في تَوَعُّدِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ، فَأوْقَعَ عَذابَهم سُبْحانَهُ عَلى وجْهٍ هو مِن عِظَمِهِ أهْلٌ لِأنْ يُتَساءَلَ عَنْهُ، فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى عِظَمِهِ بِإيرادِهِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ مُسَبَّبًا عَنْ فِعْلِ الأشْقى فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ﴾ وحافَظَ عَلى مَقامِ التَّوْحِيدِ كَما مَضى فَقالَ: ﴿عَذابِي﴾ أيْ كانَ عَلى حالٍ ووَجْهٍ هو أهْلٌ لِأنْ يُجْتَهَدَ في الإقْبالِ عَلى تَعَرُّفِهِ والسُّؤالِ عَنْهُ ﴿ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي.
القمر 54:31
ولَمّا عَلِمَ تَفَرُّغَ ذِهْنِ السّائِلِ الواعِي، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّ عَذابَهم مِمّا يُسْتَلَذُّ ويُنْجَحُ بِهِ، وإرْغامًا لِمَن يَسْتَبْعِدُ النَّصِيحَةَ الواحِدَةَ بِفِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ، وإعْلامًا بِأنَّ القُدْرَةَ عَلى عَذابِ مَن كَذَّبَ مِن غَيْرِهِمْ كَهي عَلى عَذابِهِمْ فَلا مَعْنى لِلتَّكْذِيبِ: ﴿إنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أرْسَلْنا﴾ إرْسالًا عَظِيمًا، ودَلَّ عَلى كَوْنِهِ عَذابًا بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَيْحَةً﴾ وحَقَّرَ شَأْنَهم بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ عَذابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحِدَةً﴾ صاحَها عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَكُنْ بِصَيْحَتِهِ هَذِهِ الَّتِي هي واحِدَةٌ طاقَةٌ، وتَلاشى عِنْدَها صِياحُهم حِينَ نادَوْا صاحِبَهم لِعَقْرِ النّاقَةِ. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْها هَلاكُهم قالَ: ﴿فَكانُوا﴾ كَوْنًا (p-١٢٣)عَظِيمًا ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ أيْ: مُحَطَّمِينَ كالشَّجَرِ اليابِسِ الَّذِي جَعَلَهُ الرّاعِي ومَن في مَعْناهُ مِمَّنْ يَجْعَلُ شَيْئًا يَأْوِي إلَيْهِ ويَحْتَفِظُ بِهِ ويَحْفَظُ بِهِ ماشِيَتَهُ في وقْتِ ما لا يُقالُّهُ وهو حَظِيرُهُ أيْ شَيْءٌ مُسْتَدِيرٌ مانِعٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِمَن يَدْخُلُ إلَيْهِ فَهو يَتَهَشَّمُ ويَتَحَطَّمُ كَثِيرٌ مِنهُ وهو يَعْمَلُهُ فَتَدُوسُهُ الغَنَمُ ثُمَّ تَتَحَطَّمُ أوَّلًا فَأوَّلًا، وكُلُّ ما سَقَطَ مِنهُ شَيْءٌ فَداسَتْهُ الغَنَمُ كانَ هَشِيمًا، وكَأنَّهُ الحَشِيشُ اليابِسُ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ.
القمر 54:32
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ أبْلَغْنا في المَوْعِظَةِ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ هَذِهِ القِصَّةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يُعْرِضُ عَنْ هَذا القُرْآنِ ويُعَلِّلُ إعْراضَهُ عَنْهُ بِصُعُوبَتِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ ﴿القُرْآنَ﴾ أيِ: الكِتابَ الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ، الفارِقَ بَيْنَ كُلِّ مُلَبَّسٍ ﴿لِلذِّكْرِ﴾ أيِ: الحِفْظِ والتَّذْكِيرِ والتَّذَكُّرِ وحُصُولِ النَّباهَةِ بِهِ والشَّرَفِ إلى الدّارَيْنِ. ولَمّا كانَ هَذا غايَةً في وُجُوبِ الإقْبالِ عَلَيْهِ لِجَمِيعِ المُتَوَلِّينَ، قالَ: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: ناظِرٍ فِيهِ بِسَبَبِ قَوْلِنا هَذا بِعَيْنِ الإنْصافِ والتَّجَرُّدِ عَنِ الهَوى لِيَرى كُلَّ ما أخْبَرْنا بِهِ فَنُعِينُهُ عَلَيْهِ.
القمر 54:33
ولَمّا كانَ النَّذِيرُ: كَأنَّهُ قالَ لِلْمُنْذَرِينَ ما لَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ فَزادَ في وعْظِهِمْ، وكانَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ أعْظَمَ ما كانَ بَعْدَ ثَمُودَ مِمّا تَعْرِفُهُ العَرَبُ بِالأخْبارِ ورُؤْيَةِ الآثارِ، ومَعَ ما في قِصَّتِهِمْ مِن تَصْوِيرِ السّاعَةِ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ أيْ: وهم في قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ وإنْ كانُوا في تَكْذِيبِهِمْ هَذا في ضَعْفِ وُقُوعِ النِّساءِ عَنِ التَّجَرُّدِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ تَأْنِيثُ الفِعْلِ بِالتّاءِ وكَذا (p-١٢٤)ما قَبْلَها مِنَ القِصَصِ ﴿بِالنُّذُرِ﴾ أيِ: الإنْذارِ والإنْذاراتِ والمُنْذِرِينَ، ودَلَّ عَلى تَناهِي القَباحَةِ في مُرْتَكَبِهِمْ بِتَقْدِيمِ الإخْبارِ عَنْ عَذابِهِمْ فَقالَ:
القمر 54:34
﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أرْسَلْنا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ إرْسالُ إهانَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ودَلَّ عَلى هَوانِهِمْ وبُلُوغِ أمْرِهِ كُلَّ ما يُرادُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَرْمِي بِحِجارَةٍ هي دُونَ مَلْءٍ فَكانَتْ مُهْلِكَةً لَهم مُحْرِقَةً خاسِفَةً مُفَرِّقَةً ﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ وهم مَن آمَنَ بِهِ وكانَ بِحَيْثُ إذا رَأيْتَهُ فَكَأنَّكَ رَأيْتَ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِما يَلُوحُ عَلَيْهِ مِن أفْعالِهِ والمَشْيِ عَلى مِنوالِهِ في أقْوالِهِ وأحْوالِهِ وأفْعالِهِ.
ولَمّا كانَ اسْتِثْناؤُهم مُفْهِمًا إنْجاءَهم مَعَ التَّجْوِيزِ لِإرْسالِ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِما ذَكَرَ، قالَ مُسْتَأْنِفًا جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما حالُهُمْ: ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ أيْ تَنْجِيَةً عَظِيمَةً بِالتَّدْرِيجِ، وذَكَرَ أوَّلَ الشُّرُوعِ لِإنْجائِهِمْ فَقالَ: ﴿بِسَحَرٍ﴾ أيْ: بِآخِرِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي وهي الَّتِي عُذِّبَ فِيها قَوْمُهُ، فَكَأنَّهُ تَنْكِيرُهُ لِأنّا لا نَعْرِفُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِعَيْنِها، ولَوْ قَصَدْتَ سَحَرَ اللَّيْلَةِ الَّتِي صُبِّحَتْ مِنها كانَ مَعْرِفَةً لا يَنْصَرِفُ، والسَّحَرُ: السُّدُسُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ: الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الإنْسانُ لا سِيَّما النِّساءُ والأطْفالُ في غايَةِ الغَفْلَةِ بِالِاسْتِغْراقِ في النَّوْمِ، ويَفْتَحُ اللَّهُ فِيها أبْوابَ السَّماءِ بِإذْنِ الدُّعاءِ لِيَحْصُلَ مِنهُ الإجابَةُ لِأنَّ المُلُوكَ إذا فَتَحُوا أبْوابَهم كانَ ذَلِكَ إذْنًا لِلنّاسِ في الدُّخُولِ لِقَضاءِ الحَوائِجِ، فالنُّزُولُ وفَتْحُ الأبْوابِ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَعالٍ عَنْ حاجَةٍ إلى نُزُولٍ أوْ فَتْحِ بابٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
القمر 54:35
ولَمّا كانَ المُرادُ مِنَ المُوعَظِينَ الطّاعَةَ الَّتِي هي سَبَبُ النَّجاةِ، فَلِذا (p-١٢٥)قالَ ذاكِرًا لِلْإنْعامِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِغايَةِ المَقْصُودِ مِنهُ مُعَرِّفًا أنَّ انْتِقامَهُ عَدْلٌ ومُعافاتَهُ فَضْلٌ، لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ أنْ يُكافِئَ نِعَمَهُ ولا نِعْمَةً مِنها، مُعَلِّلًا لِلنَّجاةِ: ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: عَظِيمَةً غَرِيبَةً جِدًّا لِشُكْرِهِمْ، ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ هَذا مُخْتَصٌّ بِهِمُ... الإنْجاءُ مِن بَيْنِ الظّالِمِينَ وهو مُخْتَصٌّ بِهِمْ، أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا الإنْجاءِ العَظِيمِ الَّذِي جَعَلْنا جَزاءً لَهم ﴿نَجْزِي﴾ بِقُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا ﴿مَن شَكَرَ﴾ أيْ: أوْقَعَ الشُّكْرَ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ فَآمَنَ وأطاعَ لَيْسَ. . . بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كائِنًا مَن كانَ مِن سُوقَةٍ أوْ سُلْطانٍ جائِرٍ شُجاعٍ أوْ جَبانٍ، فَإنَّنا عَلَيْهِ بِالإنْجاءِ بَعْدَ هَلاكِ عَدُوِّهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والشُّكْرُ عَلى نِعَمِ الدَّفْعِ أتَمُّ مِنَ الشُّكْرِ عَلى نِعَمِ النَّفْعِ، ولا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا كُلُّ مُوَفَّقٍ كَيِّسٍ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإنْعامَ أوَّلًا - لِأنَّهُ السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ - دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، والشُّكْرَ ثانِيًا - لِأنَّهُ السَّبَبُ الظّاهِرُ - دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.
القمر 54:36
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ دَفْعًا لِعِنادٍ. . . اسْتِشْرافُ السّامِعِ إلى ما كانَ مِن حالِهِ ﷺ مَعَهم قَبْلَ العَذابِ: لَقَدْ بالَغَ في شُكْرِنا بِوَعْظِهِمْ ونُصْحِهِمْ ودُعائِهِمْ إلَيْنا صَرْفًا لِما أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الرِّسالَةِ في أتَمِّ مَواضِعِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ إيماءً إلَيْهِ قَوْلَهُ، مُؤَكِّدًا لِأنَّ تَمادِيَ المَحْذُورِ مِنَ العَذابِ عَلى الإقامَةِ في مُوجِبِهِ يَكادُ أنْ لا يُصَدَّقُ: ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ أيْ رَسُولُنا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَطْشَتَنا﴾ أيْ: أخْذَتَنا لَهُمُ المَقْرُونَةَ بِشِدَّةِ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ووَحَّدَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُسْتَهانُ بِشَيْءٍ مِن عَذابِهِ سُبْحانَهُ بَلِ الأخْذَةُ الواحِدَةُ كافِيَةٌ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فَهي غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى التَّثْنِيَةِ، (p-١٢٦)ودَلَّ عَلى أنَّ إنْذارَهُ كانَ جَدِيرًا بِالقَبُولِ لِكَوْنِهِ واضِحَ الحَقِيقَةِ بِما سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَتَمارَوْا﴾ أيْ: تَكَلَّفُوا الشَّكَّ الواهِيَ ﴿بِالنُّذُرِ﴾ أيِ: الإنْذارِ مَصْدَرًا والإنْذاراتِ أوِ المُنْذِرِينَ حَتّى أدّاهم إلى التَّكْذِيبِ، فَكانَ سَبَبًا لِلْأخْذِ.
القمر 54:37
ولَمّا كانَ تَرْكُ الِاحْتِياطِ في إعْمالِ الحِيلَةِ في وجْهِ الخَلاصِ مِن إنْذارِ النَّذِيرِ عَظِيمَ العَراقَةِ في السَّفَهِ دَلَّ عَلى أنَّهم تَجاوَزُوا ذَلِكَ إلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ النَّذِيرِ، فَقالَ مُقْسِمًا لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَكادُ يَقَعُ فَلا يُصَدَّقُ مَن حَكاهُ: ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ﴾ أيْ: زادُوا في التَّكْذِيبِ المُوجِبِ لِلتَّعْذِيبِ أنْ عالَجُوا مُعالَجَةً طَوِيلَةً تَحْتاجُ إلى فَتْلٍ ودَوَرانٍ ﴿عَنْ ضَيْفِهِ﴾ لِيُسَلِّمَهم إلَيْهِمْ وهم مَلائِكَةٌ في هَيْئَةِ شَبابٍ مُرْدٍ، وأُفْرِدُوا وإنْ كانَ المُرادُ الجِنْسَ اسْتِعْظامًا لِذَلِكَ لَوْ كانَ الضَّيْفُ واحِدًا ﴿فَطَمَسْنا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ مُراوَدَتِهِمْ أنْ طَمَسْنا بِعَظَمَتِنا ﴿أعْيُنَهُمْ﴾ فَسَوَّيْناها مَعَ سائِرِ الوُجُوهِ فَصارَتْ بِحَيْثُ لا يُرى لَها شَقٌّ، قالَ البَغْوِيُّ: هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ بِصَفْقَةٍ صَفَقَها لَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: مَسَحَ بِجَناحَيْهِ عَلى وُجُوهِهِمْ فَعَمُوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِلْخُرُوجِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تَقُولُ: طَمَسَتِ الرِّيحُ الأعْلامَ إذا دَفَنَتْها بِما يُسْفى عَلَيْها مِنَ التُّرابِ، فانْطَلَقُوا هِرابًا مُسْرِعِينَ إلى البابِ لا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ ولا يَقَعُونَ عَلَيْهِ بَلْ يُصادِمُونَ الجُدْرانَ خَوْفًا مِمّا هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهم يَقُولُونَ: عِنْدَ لُوطٍ أسْحَرُ النّاسِ، وما أدَّتْهم عُقُولُهم أنْ يُؤْمِنُوا فَيُنَجُّوا أنْفُسَهم مِمّا حَلَّ بِهِمْ، قالَ القُشَيْرِيُّ: (p-١٢٧)وكَذَلِكَ أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ سُنَّتَهُ في أوْلِيائِهِ بِأنْ يَطْمِسَ عَلى قُلُوبِ أعْدائِهِمْ حَتّى يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمْ كَيْفَ يُؤْذُونَ أوْلِياءَهُ ويُخَلِّصُهم مِن كَيْدِهِمْ. ولَمّا كانَ..... أوَّلَ عَذابِهِمْ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ قالَ قائِلٌ عَنِ اللَّهِ بِلِسانِ القالِ أوِ الحالِ: أيُّها المُكَذِّبُونَ ذُوقُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبِكم لِرُسُلِي في إنْذارِهِمْ ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: وعاقِبَةَ إنْذارِي عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي.
القمر 54:38
ولَمّا كانَ بَقاؤُهم بَعْدَ هَذا عَلى حالِ كُفْرِهِمْ عَجَبًا إذِ العادَةُ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن أُخِذَ ارْعَوى ولَوْ كانَ أفْجَرَ الخَلْقِ، وسَألَ العَفْوَ عَنْهُ صِدْقًا أوْ كَذِبًا خِداعًا ومَكْرًا لِيُخَلَّصَ مِمّا هو فِيهِ. . . بِثَباتِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ حَتّى عُذِّبُوا عَلى قُرْبِ العَهْدِ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾ أيْ: أتاهم في وقْتِ الصَّباحِ، وحَقَّقَ المَعْنى [بِقَوْلِهِ]: ﴿بُكْرَةً﴾ أيْ في أوَّلِ النَّهارِ العَذابُ، ولَوْ كانَ أوَّلُ نَهارِكَ الَّذِي أنْتَ بِهِ كانَ مَعْرِفَةً فامْتَنَعَ. . .
﴿عَذابٌ﴾ أيْ قَلْعُ بِلادِهِمْ ورَفْعُها ثُمَّ قَلْبُها، وحَصْبُها بِحِجارَةٍ مِن نارٍ وخَسْفُها وغَمْرُها بِالماءِ المُنْتِنِ الَّذِي لا يَعِيشُ بِهِ حَيَوانٌ ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: ثابِتٌ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مُزايِلٍ بِخَيالٍ ولا سِحْرٍ كَما قالُوا عِنْدَ الطَّمْسِ فَإنَّهُ أهْلَكَهم فاتَّصَلَ بِعَذابِ البَرْزَخِ المُتَّصِلِ بِعَذابِ القِيامَةِ المُتَّصِلِ بِالعَذابِ الأكْبَرِ في الطَّبَقَةِ الَّتِي تُناسِبُ أعْمالَهم مِن عَذابِ النّارِ فَقالَ لَهم لِسانُ الحالِ إنْ لَمْ يَنْطَلِقْ لِسانُ القالِ:
القمر 54:39
﴿فَذُوقُوا﴾ بِسَبَبِ أعْمالِكم ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾
القمر 54:40
ولَمّا كَرَّرَ هَذا التَّكْرِيرَ، عُلِمَ مِنهُ أنَّ سَبَبَ العَذابِ التَّكْذِيبُ بِالإنْذارِ لِأيِّ رَسُولٍ كانَ، وكانَ اسْتِئْنافُ كُلِّ قِصَّةٍ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها أهْلٌ (p-١٢٨)عَلى حِدَّتِها لِأنْ يُتَّعَظَ [بِها]، عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ المَواعِظُ النِّهايَةَ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُذَكِّرًا بِالنِّعْمَةِ الَّتِي لا عَدْلَ لَها: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ أيْ: تَعالى جَدُّنا وتَناهى مَجْدُنا ﴿القُرْآنَ﴾ الجامِعَ الفارِقَ ﴿لِلذِّكْرِ﴾ ولَوْ شِئْنا لَأعْلَيْناهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ إلى الحَدِّ حَتّى تَعْجِزَ القُوى عَنْ فَهْمِهِ، كَما أعْلَيْناهُ إلى رُتْبَةٍ وقَفَتِ القُوى عَنْ مُعارَضَتِهِ في نَظْمِهِ، أوْ مَطْلَعٍ لا يَتَشَبَّثُ بِأذْيالِ أدْنى عِلْمِهِ، إلّا الأفْرادُ مِن حُذّاقِ العِبادِ، فَكَيْفَ بِما فَوْقَ ذَلِكَ.
ولَمّا كانُوا مَعَ ذَلِكَ واقِفِينَ عَنِ المُبادَرَةِ إلَيْهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ، قالَ تَلَطُّفًا بِهِمْ وتَعَطُّفًا عَلَيْهِمْ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَهَلْ﴾ وأكَّدَ فَقالَ: ﴿مِن مُدَّكِرٍ﴾ مُفْتِكٍ لِنَفْسِهِ مِن مِثْلِ هَذا الَّذِي أوْقَعَ فِيهِ هَؤُلاءِ أنْفُسَهم ظَنًّا مِنهم أنَّ الأمْرَ لا يَصِلُ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ جَهْلًا مِنهم وعَدَمَ اكْتِراثٍ بِالعَواقِبِ.
القمر 54:41
ولَمّا كانَ الآخِرُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَحْذَرَ ما وقَعَ لِلْأوَّلِ، وكانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ قَدْ [جاءَ] بَعْدَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهم لَمْ يُنْذَرُوا لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ العادَةَ جَرَتْ أنَّ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ هَلَكَ أنْكَرَ أنْ يَحْصُلَ مِمَّنْ تَبِعَ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ، قالَ مُقْسِمًا: ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: مَلِكَ القِبْطِ بِمِصْرَ وأشْرافَهُ الَّذِينَ [إذا] رُؤُوا كانَ كَأنَّهُ رُئِيَ فِيهِمْ لِشِدَّةِ قُرْبِهِمْ مِنهُ وتَخَلُّقِهِمْ بِأخْلاقِهِ ﴿النُّذُرُ﴾ أيِ الإنْذاراتُ والمُنْذِرُونَ بِنِذارَةِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ نِذارَةَ بَعْضِ الأنْبِياءِ كَنِذارَةِ الكُلِّ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ أحَدٌ مِنهم إلّا ولَهُ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ (p-١٢٩)عَلَيْهِ البَشَرُ، والمُعْجِزاتُ كُلُّها مُتَساوِيَةٌ في خَرْقِ العادَةِ، وكانَ قَدْ أنْذَرَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ،
القمر 54:42
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلُوا عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، قالَ: ﴿كَذَّبُوا﴾ أيْ تَكْذِيبًا عَظِيمًا مُسْتَهِينِينَ ﴿بِآياتِنا﴾ الَّتِي أتاهم بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِها لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِها عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ المُعَرِّفَةِ قَطْعًا [عَنْ] أنَّها مِن عِنْدِنا.
ولَمّا كانَتْ خَوارِقُ العاداتِ كَما مَضى مُتَساوِيَةَ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الآتِي بِها، وكانُوا قَدْ صَمَّمُوا عَلى أنَّهُ مَهْما أتاهم بِآيَةٍ كَذَّبُوا بِها، كانُوا كَأنَّهم قَدْ أتَتْهم كُلُّ آيَةٍ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿كُلِّها﴾ وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ: ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِنَحْوِ ما أخَذْنا بِهِ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ الإغْراقِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ أيْ لا يُعَجِّلُ بِالأخْذِ لِأنَّهُ [لا] يَخافُ الفَوْتَ ولا يَخْشى مُعَقِّبًا لِحُكْمِهِ، بالِغِ القُدْرَةِ إلى حَدٍّ لا يُدْرِكُ الوَصْفُ كُنْهَهُ لِأنَّ صِيغَةَ الِافْتِعالِ مَبْناها عَلى المُعاجَلَةِ ومَن عاجَلَ فِعْلًا أجْهَلَ نَفْسَهُ فِيهِ، فَكانَ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ، وهَذِهِ الغايَةُ هي المُرادَةُ لَيْسَ غَيْرُها، فَهو تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُخاطِبُنا بِما نَعْبُدُهُ، وبِهَذِهِ المُبالَغَةِ فَلَمْ يَلْفِتْ مِنهم أحَدٌ، وقَدْ خُتِمَتِ القِصَصُ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ مِن عَذابِ المُفْسِدِينَ بِالإغْراقِ لِيُطابِقَ الخَتْمُ البَدْءَ، وكانَتْ نَجاةُ المُصْلِحِينَ مِنَ الأوَّلِينَ بِالسَّفِينَةِ، وكانَتْ نَجاةُ المُصْلِحِينَ مِنَ الآخِرِينَ بِأرْضِ البَحْرِ كانَتْ هي سَفِينَتَهُمْ، لِيَكُونَ الخَتْمُ أعْظَمَ مِنَ البَدْءِ كَما هو شَأْنُ أهْلِ الِاقْتِدارِ.
القمر 54:43
ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ المَواعِظُ الِانْتِهاءَ، وعَلَتْ أقْدامُها عَلى رُتْبَةِ السُّها، (p-١٣٠)ولَمْ يُبِنْ ذَلِكَ كُفّارَ قُرَيْشٍ عَنْ شِرادِهِمْ، ولا فَتَّرَ مِن جُحُودِهِمْ وعِنادِهِمْ، كانَ لِسانُ حالِهِمْ قائِلًا: إنّا لا نَخافُ شَيْئًا مِن هَذا، فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُقالَ لَهم إلْزامًا بِالحُجَّةِ: ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ الرّاسِخُونَ مِنكم في الكُفْرِ الثّابِتُونَ عَلَيْهِ يا أيُّها المُكَذِّبُونَ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ السّاتِرُونَ لِشُمُوسِ دِينِهِ ﴿خَيْرٌ﴾ في الدُّنْيا بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ أوِ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ أوْ عِنْدَ النّاسِ ﴿مِن أُولَئِكُمْ﴾ أيِ: الكُفّارِ العُظَماءِ الجَبابِرَةِ الأشِدّاءِ الَّذِينَ وعَظْناكم بِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِافْتِراقِ حالِهِمْ مِنهم فَيَأْمَنُوا العَذابَ مَعَ جامِعِ التَّكْذِيبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ﴿أمْ لَكُمْ﴾ أجْمَعِينَ دُونَهم كُفّارِكم وغَيْرِ كُفّارِكم ﴿بَراءَةٌ﴾ مِنَ العَذابِ مِنَ اللَّهِ ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أيِ: الكُتُبِ الآتِيَةِ مِن عِنْدِهِ أأمِنتُمْ بِها مِنَ العَذابِ مَعَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكُمْ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الخَيْرِيَّةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها ثانِيًا، والبَراءَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا.
القمر 54:44
ولَمّا بَلَغُوا إلى هَذا الحَدِّ مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ مَعَ المَواعِظِ البالِغَةِ والِاسْتِعْطافِ المَكِينِ، اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ الغَضَبِ، فَأعْرَضَ عَنْهُمُ الخِطابُ إيذانًا بِذَلِكَ وإهانَةً لَهم واحْتِقارًا وإقْبالًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيَةً فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: أيَدَّعُونَ جَهْلًا ومُكابَرَةً شَيْئًا مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْتَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ تُعامِلُهم بِاللِّينِ في القالِ والقِيلِ والصَّفْحِ الجَمِيلِ امْتِثالًا لِأمْرِنا تَعْظِيمًا لِقَدْرِكَ فاسْتَهانُوا بِكَ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ: جَمْعٌ واحِدٌ مُبالِغٌ في اجْتِماعِهِ فَهو في الغايَةِ مِنَ الضَّمِّ فَلا افْتِراقَ لَهُ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ أيْ عَلى كُلِّ مَن (p-١٣١)يُناوِيهِ لِأنَّهم عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ، فالإفْرادُ لِلَفْظِ ”جَمِيعٌ“ ولِإفْهامِ هَذا المَعْنى، أوْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مَحْكُومٌ لَهُ بِالِانْتِصارِ.
القمر 54:45
ولَمّا كانَ لِسانُ الحالِ ناطِقًا بِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا كُلَّهُ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا ونَحْوَها، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ بُعِثْنا لَأُوتِينا مالًا ووَلَدًا، ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا في غايَةِ الِاسْتِحالَةِ لِغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ لَهم عَلى قِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمُ، اسْتَأْنَفَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُهْزَمُ﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ مِن أيِّ هازِمٍ كانَ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُفْهِمَةٌ لِلْعَظَمَةِ بِطَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ، فَهي أبْلَغُ مِن قِراءَةِ يَعْقُوبَ بِالنُّونِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ صَرِيحًا ﴿الجَمْعُ﴾ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ بُولِغَ في جَمْعِهِ فَصَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ وهُزِمُوا في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ في الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، ولَمْ يَزالُوا يَضْعُفُونَ حَتّى اضْمَحَلَّ أمْرُهم وزالَ بِالكُلِّيَّةِ سِرُّهُمْ، وهي مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ البَيِّنَةِ ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أيْ: يَقَعُ تَوْلِيَتُهم كُلِّهِمْ بِهَذا الجِنْسِ بِأنْ يَكُونَ والِيًا لَها مَن مِنهم مَعَ الهَزِيمَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَوَلَّهم في حالِ الهَزِيمَةِ نَوْعُ مَسْكَنَةٍ يَطْمَعُونَ بِها في الخَيارِ، وكُلٌّ مِن إفْرادِ الدُّبُرِ والمُنْتَصِرِ وجَمْعِ المُوَلِّينَ أبْلَغُ مِمّا لَوْ وُضِعَ غَيْرُهُ مَوْضِعَهُ وأقْطَعُ لِلتَّعَنُّتِ.
القمر 54:46
ولَمّا وقَعَ هَذا في الدُّنْيا، وكانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ هو النِّهايَةُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ المَوْعِدَ الأعْظَمَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ﴾ القِيامَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الجَمْعُ الأعْظَمُ والهَوْلُ الأكْبَرُ ﴿مَوْعِدُهُمْ﴾ أيِ الأعْظَمُ لِلْجَزاءِ المُتَوَعَّدِ بِهِ (p-١٣٢)﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ مِن كُلِّ ما يُفْرَضُ وُقُوعُهُ في الدُّنْيا، أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الدّاهِيَةِ وهي أمْرٌ هائِلٌ لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ ﴿وأمَرُّ﴾ لِأنَّ عَذابَها لِلْكافِرِ غَيْرُ مُفارِقٍ ومُزايِلٍ.
القمر 54:47
ولَمّا أخْبَرَ عَنِ السّاعَةِ بِهَذا الإخْبارِ الهائِلِ، عَلَّلَهُ مُقْسِمًا لِأهْلِها مُجْمِلًا بَعْضَ ما لَهم عِنْدَ قِيامِها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما [أظْهَرُوا] مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: القاطِعِينَ لِما أمَرَ اللَّهُ بِأنْ يُوصَلَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ: عَمًى عَنِ القَصْدِ بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ مُحِيطٍ بِهِمْ مانِعٍ مِنَ الخَلاصِ مِن دَواهِي السّاعَةِ وغَيْرِها، ومِنَ الوُصُولِ إلى شَيْءٍ مِن مَقاصِدِهِمُ الَّتِي هم عَلَيْها الآنَ مُعْتَمِدُونَ ﴿وسُعُرٍ﴾ أيْ نِيرانٍ تَضْطَرِمُ وتَتَّقِدُ غايَةَ الِاتِّقادِ
القمر 54:48
﴿يَوْمَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ بِهِ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أيْ: في السّاعَةِ دائِمًا بِأيْسَرِ وجْهِ إهانَةٍ لَهم مِن أيِّ ساحِبٍ كانَ ﴿فِي النّارِ﴾ أيِ الكامِلَةِ في النّارِيَّةِ ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ لِأنَّهم في غايَةِ الذُّلِّ والهَوانِ جَزاءً بِما كانُوا يُذِلُّونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى، مَقُولًا لَهم مِن أيِّ قائِلٍ اتَّفَقَ: ﴿ذُوقُوا﴾ أيْ: لِأنَّهم لا مَنَعَةَ لَهم ولا حَمِيَّةَ عِنْدَهم بِوَجْهٍ ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ أيْ: ألَمَ مُباشَرَةِ الطَّبَقَةِ النّارِيَّةِ الَّتِي تَلْفَحُ بِحَرِّها فَتَلُوحُ الجِسْمَ وتُذِيبُهُ فَيَسِيلُ دُهْنُهُ. . . وعُصارًا كَما يَسِيلُ الدِّبْسُ وعُصارَةُ الرُّطَبِ فَتُسَمّى النَّخْلَةُ بِذَلِكَ مِسْقارًا.
القمر 54:49
ولَمّا أخْبَرَ بِقِيامِ السّاعَةِ وما يَتَّفِقُ لَهم فِيها جَزاءً لِأعْمالِهِمُ الَّتِي قَدَّرَها عَلَيْهِمْ وهي سَتْرٌ فَرَضُوا بِها لِاتِّباعِ الشَّهَواتِ واحْتَجُّوا عَلى رِضاهُ بِها، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ تَمادِيَهم عَلى الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ، عَلَّلَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ الكُلَّ فِعْلُهُ، وإنَّما نِسْبَتُهُ إلى العِبادِ بِأُمُورٍ ظاهِرِيَّةٍ، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِها الحُجَّةُ في مَجارِي عاداتِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ (p-١٣٣)العَظَمَةِ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ كُلِّها صَغِيرِها وكَبِيرِها.
ولَمّا كانَ هَذا التَّعْمِيمُ في الخَلْقِ أمْرًا أفْهَمَهُ النَّصْبُ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَفْسِيرًا لِلْعامِلِ المَطْوِيِّ وإخْبارًا بِجَعْلِ ذَلِكَ الخَلْقِ كُلِّهِ عَلى نِظامٍ مُحْكَمٍ وأمْرٍ مُقَدَّرٍ مُبْرَمٍ ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ: قَضاءٍ وحِكَمٍ وقِياسٍ مَضْبُوطٍ وقِسْمَةٍ مَحْدُودَةٍ وقَوْدَةٍ بالِغَةٍ وتَدْبِيرٍ مُحْكَمٍ في وقْتٍ مَعْلُومٍ ومَكانٍ مَحْدُودٍ مَكْتُوبٍ في ذَلِكَ اللَّوْحِ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَقِيسُهُ المَلائِكَةُ بِالزَّمانِ وغَيْرِهِ مِنَ العَدِّ وجَمِيعِ أنْواعِ الأقْيِسَةِ - فَلا يَخْرِمُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ لِأنَّهُ لا مُنازِعَ لَنا مَعَ ما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ التّامِّ، فَهَذا العَذابُ بِقُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا فاصْبِرُوا عَلَيْهِ وارْضَوْا بِهِ كَما كُنْتُمْ تَرْضَوْنَ أعْمالَكُمُ السَّيِّئَةَ ثُمَّ تَحْتَجُّونَ عَلى عِبادِنا بِأنَّها مَشِيئَتُنا بِنَحْوِ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَقَدْ أوْصَلَكم إلى ما تَرَوْنَ وانْكَشَفَ أتَمَّ انْكِشافٍ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ عَلى خِلافِ مُرادِنا، ولا يُقالُ لِشَيْءٍ قَدَّرْناهُ: لِمَ؟ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: الكَمِّيَّةُ ساقِطَةٌ عَنْ أفْعالِهِ كَما أنَّ الكَيْفِيَّةَ والكَمِّيَّةَ ساقِطَتانِ عَنْ ذاتِهِ وصِفَتِهِ - انْتَهى.
ولا يَكُونُ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ سُبْحانَهُ إلّا ما هو عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ، ولَوْ كانَ الخَلْقُ لا يُبْعَثُونَ بَعْدَ المَوْتِ لِيَقَعَ القِصاصُ والقِياسُ العَدْلُ لِيَكُونَ القِياسُ جُزافًا لا بِقَدْرٍ وعَدْلٍ، لِأنَّ المُشاهَدَ أنَّ الفَسادَ في هَذِهِ الدّارِ مِنَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الصَّلاحِ أضْعافٌ مُضاعَفَةٌ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ بِرَفْعِ ”كُلَّ“ وجَعَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ أقْوى مِنَ النَّصْبِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ لا يُفِيدُ ما ذَكَرْتُهُ، وما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُعْتَزِلِيٌّ، والنَّصْبُ عَلى [ما] قَدَّرْتُهُ قاصِمٌ لِأهْلِ الِاعْتِزالِ.
القمر 54:50
(p-١٣٤)ولَمّا بَيَّنَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِفِعْلِهِ، بَيَّنَ يُسْرَ ذَلِكَ وسُهُولَتَهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وما أمْرُنا﴾ أيْ كُلُّ شَيْءٍ أرَدْناهُ وإنْ عَظُمَ أثَرُهُ، وعَظَّمَ القَدْرَ وحَقَّرَ المَقْدُوراتِ بِالتَّأْنِيثِ فَقالَ: ﴿إلا واحِدَةٌ﴾ أيْ فَعْلَةً يَسِيرَةً لا مُعالَجَةَ فِيها ولَيْسَ هُناكَ إحْداثُ قَوْلٍ لِأنَّهُ قَدِيمٌ بَلْ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ الأزَلِيَّةِ، ثُمَّ مَثَّلَ لَنا ذَلِكَ بِأسْرَعِ ما يَعْقِلُهُ وأخَفِّهِ فَقالَ؛ ﴿كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ فَكَما أنَّ لَمْحَ أحَدِكم بِبَصَرِهِ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها، بَلْ أيْسَرُ مِن ذَلِكَ.
القمر 54:51
ولَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ قُدْرَتِهِ، وكانَ إهْلاكُ مَن ذَكَرَ مِنَ الكُفّارِ وإنْجاءُ مَن ذَكَرَ مِنَ الأبْرارِ في هَذِهِ السُّورَةِ نَحْوًا مِمّا ذَكَرَ مِن أمْرِ السّاعَةِ في السُّهُولَةِ والسُّرْعَةِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإنْجاءِ أوْلِيائِهِ وإهْلاكِ أعْدائِهِ فَذَكَّرَ بِهِمْ جُمْلَةً وبِما كانَ مِن أحْوالِهِمْ بِأيْسَرِ أمْرٍ لِأنَّ ذَلِكَ أوْعَظُ لِلنُّفُوسِ وأزْجَرُ لِلْعُقُولِ، فَقالَ مُقْسِمًا تَنْبِيهًا عَلى عادَتِهِمْ في الكُفْرِ مَعَ هَذا الوَعْظِ فِعْلَ المُكَذِّبِ بِهَلاكِهِمْ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ أنْجَيْنا رُسُلَنا وأشْياعَهم مِن كُلِّ شَيْءٍ خَطِرٍ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أشْياعَكُمْ﴾ الَّذِينَ أنْتُمْ وهم شَرْعٌ واحِدٌ في التَّكْذِيبِ، والقُدْرَةُ عَلَيْكم كالقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فاحْذَرُوا أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهُمْ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: بِما وقَعَ لَهم أنَّهُ مِثْلُ مَن مَضى بَلْ أضْعافٌ. . .، وأنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْجِعَ عَنْ غَيِّهِ خَوْفًا مِن سَطْوَتِهِ سُبْحانَهُ.
القمر 54:52
ولَمّا تَمَّتِ الدَّلالَةُ عَلى إحاطَةِ القُدْرَةِ بِما شُوهِدَ مِنَ الأفْعالِ الهائِلَةِ (p-١٣٥)الَّتِي لا تَسَعُها قُدْرَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، وكانُوا يَظُنُّونَ أنَّ أحْوالَهُ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ ضَبْطُها ولا يَسَعُها عِلْمُ عالِمٍ ولا سِيَّما إذا ادَّعى أنَّهُ واحِدٌ، شَرَعَ في إتْمامِ الإخْبارِ بِعَظَمَةِ القُدْرَةِ بِالإخْبارِ بِأنَّ أفْعالَهم كُلَّها مَكْتُوبَةٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها مَحْفُوظَةً فَقالَ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ أيِ الأشْياعُ في أيِّ وقْتٍ كانَ، كائِنٌ بِالكِتابَةِ ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أيْ كُتُبِ الحَفَظَةِ فَلْيَحْذَرُوا مِن أفْعالِهِمْ فَإنَّها غَيْرُ مَنسِيَّةٍ، هَذا ما أطْبَقَ عَلَيْهِ القُرّاءُ مِمّا أدّى إلى هَذا المَعْنى مِن رَفْعِ ”كُلُّ“، لِأنَّهُ لَوْ نَصَبَ لَأوْهَمَ تَعَلُّقَ الجارِّ بِالفِعْلِ فَيُوهِمُ أنَّهم فَعَلُوا في الزُّبُرِ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وهو فاسِدٌ.
القمر 54:53
ولَمّا خَصَّهُمْ، عَمَّ بِقَوْلِهِ واعِظًا ومُخَوِّفًا ومُحَذِّرًا بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَحْفُوظٌ فَمَكْتُوبٌ فَمَعْرُوضٌ عَلى الإنْسانِ يَوْمَ الجَمْعِ: ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الجَواهِرِ والمَعانِي مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أيْ مَكْتُوبٌ عَلى وجْهٍ عَظِيمٍ مِنَ اجْتِهادِ الحَفَظَةِ في كِتابَتِهِ وتَحْرِيرِهِ مَعَ يُسْرِ ذَلِكَ وسُهُولَتِهِ.
القمر 54:54
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ أحْوالِ الكَفَرَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واعِظًا بِها وإعْلامًا بِعَظَمَتِهِ وعَلِيِّ صِفاتِهِ وسَعَةِ مَمْلَكَتِهِ وشامِلِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، خَتَمَ بِأحْوالِ القِسْمِ الآخَرِ مِن أهْلِ السّاعَةِ وهم أهْلُ طاعَتِهِ تَتْمِيمًا لِذَلِكَ وإشارَةً وبِشارَةً لِلسّالِكِ في أحْسَنِ المَسالِكِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى المُنْكِرِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وصْفِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أدّاهم إلى أنْ لا يَفْعَلُوا شَيْئًا إلّا بِدَلِيلٍ. ولَمّا كانَ مِنَ البَساتِينِ والمِياهِ وما هو ظاهِرٌ بِكُلِّ مُرادٍ عَلى عَكْسِ ما عَلَيْهِ الضّالُّ البَعِيدُ عَنِ القَصْدِ (p-١٣٦)الواقِعُ في الهَلاكِ والنّارِ [قالَ]: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ في بَساتِينَ ذاتِ أشْجارٍ تَسُرُّ داخِلَها، قالَ القُشَيْرِيُّ: والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ فالآحادُ تُقابِلُ الآحادَ. ولَمّا كانَتِ الجِنانُ لا تَقُومُ وتَدُومُ إلّا بِالماءِ قالَ: ﴿ونَهَرٍ﴾ وأفْرَدَهُ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِـ ”فِي“ مُفْهِمٌ لِعُمُومِهِمْ بِهِ عُمُومَ ما كَأنَّهُ ظَرْفٌ وهم مَظْرُوفُونَ لَهُ، ولِكَثْرَةِ الأنْهارِ وعِظَمِها حَتّى أنَّها لِقُرْبِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ واتِّصالِ مَنابِعِها وتَهَيُّؤِ جَمِيعِ الأرْضِ لِجَرْيِ الأنْهارِ مِنها كَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ، وما وُعِدَ بِهِ المُتَّقُونَ مِنَ النَّعِيمِ في تِلْكَ الدّارِ فَرَقائِقُهُ مُعَجَّلَةٌ لَهم في هَذِهِ الدّارِ، فَلَهُمُ اليَوْمَ جَنّاتُ العُلُومِ وأنْهارُ المَعارِفِ، وفي الآخِرَةِ الأنْهارُ الجارِيَةُ والرِّياضُ والأشْجارُ والقُصُورُ والزَّخارِفُ، وهو يَصْلُحُ مَعَ ذَلِكَ لِأنْ يَكُونَ مِمّا مِنهُ النَّهارُ فَيَكُونَ المَعْنى: أنَّهم في ضِياءٍ وسَعَةٍ لا يُزايِلُونَهُ أصْلًا بِضِدِّ ما عَلَيْهِ المُجْرِمُ مِنَ العَمى النّاشِئِ عَنِ الظَّلامِ، [و]لِمِثْلِ هَذِهِ الأغْراضِ أفْرَدَ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ لا لِلْفاصِلَةِ فَقَطْ.
القمر 54:55
ولَمّا كانَتِ البَساتِينُ لا تُسْكَنُ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها جَمِيعُ ما يَحْتاجُهُ الإنْسانُ، بَيَّنَ أنَّ حالَ تِلْكَ غَيْرُ حالِ هَذِهِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِمّا قَبْلَهُ: ﴿فِي مَقْعَدِ﴾ أيْ تِلْكَ الجِنانُ مَحَلُّ إقامَتِهِمُ الَّتِي تُرادُ لِلْقُعُودِ ﴿صِدْقٍ﴾ أيْ: فِيما أرادَهُ الإنْسانُ صَدَقَ وُجُودُهُ الإرادَةَ ولا يَقْعُدُ فِيهِ إلّا أهْلُ الصِّدْقِ، ولا يَكُونُ فِيهِ إلّا صِدْقُهُ، لا لَغْوَ فِيهِ ولا تَأْثِيمَ، والتَّوْحِيدُ لِإرادَةِ الجِنْسِ مَعَ أنَّ الإبْدالَ يُفْهِمُ أنَّهُ لا مَوْضِعَ في تِلْكَ الجِنانِ إلّا وهو الصّالِحُ لِلتَّسْمِيَةِ بِهَذا الِاسْمِ ولِأنَّهم لِاتِّحادِ قُلُوبِهِمْ ورِضاهم (p-١٣٧)كَأنَّهم في مَقْعَدٍ واحِدٍ عَلى أنَّهُ قُرِئَ بِالجَمْعِ.
ولَمّا كانَ هَذا غَيْرَ مَعْهُودٍ، بَيَّنَ أنَّ سَبَبَهُ تَمْكِينُ اللَّهِ لَهم مِنهُ لِاخْتِصاصِهِ لَهم وتَقْرِيبِهِ إيّاهم لِإرْضائِهِ لَهُمْ، فَقالَ مُقَيِّدًا لِذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِالعِنْدِيَّةِ لِأنَّ عِنْدِيَّتَهُ سُبْحانَهُ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنْ قُرْبِ الأجْسامِ والجِهاتِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ أيْ مَلِكٍ تامِّ المِلْكِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ أيْ شامِلِ القُدْرَةِ بالِغِها إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ إدْراكُهُ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَهو يُوصِلُهم إلى كُلِّ خَيْرٍ ويَدْفَعُ عَنْهم كُلَّ ضَيْرٍ، وكَما أنَّ لَهم في الآخِرَةِ عِنْدِيَّةَ الإشْهادِ فَلَهم في الدُّنْيا عِنْدِيَّةُ الإمْدادِ، ولِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ سِرٌّ في الِانْتِصارِ عَلى الظّالِمِينَ، ولَقَدْ خُتِمَتِ السُّورَةُ كَما تَرى كَما ابْتُدِئَتْ بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ، وكانَتِ البِدايَةُ لِلْبِدايَةِ والنِّهايَةُ لِلنِّهايَةِ، وزادَتِ النِّهايَةُ بَيانَ السَّبَبِ المُوجِدِ لَها، وهو قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ وعَظُمَتْ رَحْمَتُهُ وإحْسانُهُ، وعَفْوُهُ ومَغْفِرَتُهُ ورِضْوانُهُ، ولِتَصْنِيفِ النّاسِ فِيها إلى كافِرٍ مُسْتَحِقٍّ لِلِانْتِقامِ، ومُؤْمِنٍ مُؤَهَّلٍ لِغايَةِ الإكْرامِ، لَمْ يَذْكُرِ الِاسْمَ الأعْظَمَ الجامِعَ الَّذِي يَذْكُرُ في سِياقِ مُقْتَضى جَمْعِ الجَلالِ والإكْرامِ لِصِنْفٍ واحِدٍ وهو مَن يَقَعُ مِنهُ الإيمانُ و[لا] يَتَدَنَّسُ بِالعِصْيانِ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، ولِمُشارَكَتِها لِلسُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَها في هَذا العَرْضِ، وهو الكَلامُ في حَقِّ الصِّنْفَيْنِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ عارِضٍ مِمَّنْ آمَنَ، أشْرَكَ الثَّلاثَةَ في الخُلُوِّ عَنْ ذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ. فَلَمْ يَذْكُرْ في واحِدَةٍ مِنها وجاءَ فِيها مِنَ الصِّفاتِ ما يَقْتَضِي العَظَمَةَ عَلى أهْلِ الكُفْرانِ، وما يُنْبِئُ عَنِ الإكْرامِ والإحْسانِ لِأهْلِ الإيمانِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ولِهَذا خُتِمَتْ هَذِهِ بِصِفَةِ المُلْكِ المُقْتَضِي لِلسَّطْوَةِ التّامَّةِ (p-١٣٨)والإكْرامِ البالِغِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، لِأنَّ المَلِكَ مِن حَيْثُ هو مَلِكٌ إمّا يَقْتَضِي مَقامُهُ إهانَةَ العَدُوِّ وإكْرامَ الوَلِيِّ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ أيْضًا، كُلُّ ذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِأنَّ تَصْرِيفَهُ سُبْحانَهُ لِأحْوالِ الآخِرَةِ كَما قُصِدَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَصْرِيفِهِ في أحْوالِ الدُّنْيا مِن إهْلاكِ الأعْداءِ وإنْجاءِ الأوْلِياءِ، وكَأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كانَتْ هَكَذا لِأنَّها جاءَتْ عَقِبَ النَّجْمِ الَّتِي شَرَحَ فِيها الإسْراءَ وكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ العَظَمَةِ بِخَرْقِ العَوائِدِ بِاخْتِراقِ السَّماواتِ، والوُصُولِ إلى أنْهى الغايَةِ مِنَ المُناجاةِ، وغَيْرِها مِن سِرِّ المَلَكُوتِ ومَحَلِّ الجَبَرُوتِ، بَعْدَ أنْ لَوَّحَ بِمَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالطُّورِ لِيُعْلَمَ الفَرْقُ ويُوصَفَ كُلٌّ بِما هو الحَقُّ، فَكانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِئَلّا يَكُونَ بَعْدَهُ مِنَ النّاسِ إلّا مُؤْمِنٌ خالِصٌ، فَإنْ كانَ غَيْرَهُ فَهو مُعانِدٌ شَدِيدُ الكُفْرِ، وكَأنَّها جُعِلَتْ ثَلاثًا لِإرادَةِ غايَةِ التَّأْكِيدِ لِهَذا المَعْنى الشَّدِيدِ، فَلَمّا انْقَضَتِ الثَّلاثَةُ كانَ مُتَبَرَّكًا بِهِ في مُعْظَمِ آياتِ الحَدِيدِ ثُمَّ تُوِّجَتْ كُلُّ آيَةٍ مِن آياتِ المُجادِلَةِ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ غايَةُ التَّشَوُّفِ إلَيْهِ تَرْهِيبًا لِمَن يَعْصِي ولا سِيَّما مَن يُظاهِرُ، وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ لِلْمَلِكِ الغافِرِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِما يُرِيدُ إنَّهُ قَوِيٌّ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ.
الرحمن 55:1
(p-١٣٩)سُورَةُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ
وتُسَمّى عَرُوسَ القُرْآنِ.
مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى ما خُتِمَتْ بِهِ سُورَةُ القَمَرِ مِن عَظِيمِ المُلْكِ وتَمامِ الِاقْتِدارِ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ وسَبْقِها لِغَضَبِهِ، المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكَمالِ عِلْمِهِ، اللّازِمِ عَنْهُ شُمُولُ قُدْرَتِهِ، المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِتَفْصِيلِ عَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ وبَدائِعِ مَصْنُوعاتِهِ في أُسْلُوبِ التَّذْكِيرِ بِنَعْمائِهِ، والِامْتِنانِ بِجَزِيلِ آلائِهِ، عَلى وجْهٍ مُنْتِجٍ لِلْعِلْمِ بِإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ، فَمَقْصُودُها بِالذّاتِ إثْباتُ الِاتِّصافِ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ تَرْغِيبًا في إنْعامِهِ وإحْسانِهِ، وتَرْهِيبًا مِنَ انْتِقامِهِ بِقَطْعِ مَزِيدِ امْتِنانِهِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها الرَّحْمَنُ لِأنَّهُ العامُّ الِامْتِنانِ واسْمُها عَرُوسُ القُرْآنِ واضِحُ البَيانِ في ذَلِكَ، لِأنَّها الحاوِيَةُ لِما فِيهِ مِن حُلِيٍّ وحُلَلٍ، وجَواهِرَ وكِلَلٍ، والعَرُوسُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ والجَمالِ، والبَهْجَةِ مِن نَوْعِها والكَمالِ (بِسْمِ اللَّهِ) الَّذِي ظَهَرَتْ إحاطَةُ كَمالِهِ بِما ظَهَرَ مِن عَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي ظَهَرَ عُمُومُ رَحْمَتِهِ بِما بَهَرَ مِن بَدائِعِ مَصْنُوعاتِهِ واشْتَهَرَ مِن عَظِيمِ آياتِهِ وبَيِّناتِهِ (الرَّحِيمِ) الَّذِي ظَهَرَ اخْتِصاصُهُ لِأهْلِ طاعَتِهِ بِما تَحَقَّقُوا بِهِ مِنَ الذُّلِّ المُفِيدِ لِلْعِزِّ بِلُزُومِ عِباداتِهِ.
* *
لَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ القَمَرَ بِعَظِيمِ المُلْكِ وبَلِيغِ القُدْرَةِ، وكانَ المَلِكُ القادِرُ لا يَكْمُلُ مُلْكُهُ إلّا بِالرَّحْمَةِ، وكانَتْ رَحْمَتُهُ لا تَتِمُّ إلّا بِعُمُومِها، قَصَرَ (p-١٤٠)هَذِهِ السُّورَةَ عَلى تَعْدادِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ في الدّارَيْنِ، وذَلِكَ مِن آثارِ المُلْكِ، وفَصَّلَ فِيها ما أجْمَلَ في آخِرِ القَمَرِ مِن مَقَرِّ الأوْلِياءِ والأعْداءِ في الآخِرَةِ، وصَدَّرَها بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ بَراعَةً لِلِاسْتِهْلالِ، ومُوازَنَةً لِما حَصَلَ بِالمِلْكِ والِاقْتِدارِ مِن غايَةِ التَّبَرُّكِ والظُّهُورِ والهَيْبَةِ والرُّعْبِ بِاسْمٍ هو مَعَ أنَّهُ في غايَةِ الغَيْبِ دالٌّ عَلى أعْظَمِ الرَّجاءِ مُفْتَتِحًا لَها بِأعْظَمِ النِّعَمِ وهو تَعْلِيمُ الذِّكْرِ الَّذِي هَزَّ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ في القَمَرِ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] لِأنَّهُ لَمّا كانَ لِلْعَظَمَةِ الدّالَّةِ عَلَيْها نُونُ ”يُسْرنا“ الَّتِي هي عِمادُ المُلْكِ نَظَرانِ: نَظَرُ الكِبْرِياءِ والجَبَرُوتِ يَقْتَضِي أنْ يَتَكَلَّمَ بِما يُعْجِزُ خَلْقَهُ مِن كُلِّ جِهَةٍ في الفَهْمِ والحِفْظِ والإتْيانِ بِمِثْلِهِ وكُلِّ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ، ونَظَرُ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وكانَتْ رَحْمَتُهُ سابِقَةً لِغَضَبِهِ نَظَرَ بِها لِخَلْقِهِ لا سِيَّما هَذِهِ الأُمَّةُ المَرْحُومَةُ فَيَسَّرَ لَها الذِّكْرَ تَحْقِيقًا لِلرَّحْمَةِ بَعْدَ أنْ أبْقى مِن آثارِ الجَبَرُوتِ الإعْجازَ عَنِ النَّظَرِ، ومِنَ الإعْجازِ مِنَ الفَهْمِ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ أوائِلَ السُّوَرِ، ومَنَعَ المُتَعَنِّتَ مِن أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لا مَعانِيَ لَها بِأنْ فَهَّمَ [بَعْضَ] الأصْفِياءِ بَعْضَ أسْرارِها، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: مَن هَذا المَلِيكُ المُقْتَدِرُ، فَقِيلَ: ”الرَّحِمانِ“ أيِ العامُّ الرَّحْمَةِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: وهو ظاهِرُ اسْمِهِ اللَّهِ، وباطِنُ اسْمِهِ الرَّبِّ، جَعَلَ هَذِهِ الأسْماءَ الثَّلاثَةَ في ظُهُورِها (p-١٤١)مَقامَ الذّاتِ يُخْبِرُ بِها عَنْهُ وحِجابًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ، يُوَصِّلُ بِها الخِطابَ مِنهُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ أسْماؤُهُ الظّاهِرَةُ مُبَيِّنَةٌ لِهَذِهِ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ - انْتَهى.
ومِن مُقْتَضى اسْمِهِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ انْبَثَّتْ جَمِيعُ النِّعَمِ، ولِذا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أُمَّهاتِ النِّعَمِ في الدّارَيْنِ.
الرحمن 55:2
ولَمّا كانَ لا شَيْءَ مِنَ الرَّحْمَةِ أبْلَغُ ولا أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ مِن إيصالِ بَعْضِ صِفاتِ الخالِقِ إلى المَخْلُوقِ نَوْعَ إيصالٍ لِيَتَخَلَّقُوا بِهِ بِحَسَبِ ما يُمْكِنُهم مِنهُ فَيَحْصُلُوا عَلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والسَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ قالَ: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ أيِ المَرْئِيَّ المَشْهُودَ بِالكِتابَةِ والمَتْلُوَّ [المَسْمُوعَ] الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ، الفارِقَ بَيْنَ كُلِّ لَبْسٍ، وكانَ القِياسُ [يَقْتَضِي] أنْ لا يَعْلَمَ المَسْمُوعَ أحَدٌ لِأنَّهُ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وصِفاتُهُ في العِظَمِ كَذاتِهِ، وذاتُهُ غَيْبٌ مَحْضٌ، لِأنَّ الخَلْقَ أحْقَرُ مِن أنْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا، ”وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ“ فَدَلَّ تَعْلِيمُهُ القُرْآنَ عَلى أنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يُعَلِّمَ ما أرادَ مَن أرادَ ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِهِ عَلى جَمِيعِ النِّعَمِ مِنَ المُناسَبَةِ لِأنَّ [أجَلَّ النِّعَمِ] نِعْمَةُ الدِّينِ الَّتِي تَتْبَعُها نِعْمَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو أعْلى مَراتِبَ، فَهو سَنامُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وعِمادُها ومِصْداقُها والعَبّارُ عَلَيْها، وفائِدَتُها الإيصالُ إلى مَقْعَدِ الصِّدْقِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّهُ بَيَّنَ ما يُرْضِي اللَّهَ لِيُعْمَلَ بِهِ وما يُسْخِطُهُ لِيُجْتَنَبَ.
وقالَ الإمامُ جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الكِتابَ العَزِيزَ (p-١٤٢)وإنْ [كانَتْ] آيُهُ كُلُّها مُعْجِزَةً باهِرَةً وسُوَرُهُ في جَلِيلِ النَّظْمِ وبَدِيعِ التَّأْلِيفِ قاطِعَةً بِالخُصُومِ قاهِرَةً، فَبَعْضُها أوْضَحُ مِن بَعْضٍ في تَبَيُّنِ إعْجازِها، وتَظاهُرِ بَلاغَتِها وإيجازِها: ألا تَرى إلى تَسارُعِ الأفْهامِ إلى الحُصُولِ عَلى بَلاغَةِ آياتٍ وسُوَرٍ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ دُونَ كَبِيرِ تَأمُّلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] وقَوْلِهِ: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] الآياتِ، لا يَتَوَقَّفُ في باهِرِ إعْجازِها إلّا مَن طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ أوْ سَدَّ دُونَهُ بابَ الفَهْمِ فَأنّى لَهُ بِوُلُوجِهِ وقَرْعِهِ، وسُورَةُ القَمَرِ مِن هَذا النَّمَطِ، ألا تَرى اخْتِصارَ القِصَصِ فِيهِ مَعَ حُصُولِ أطْرافِها وتَوْفِيَةِ أغْراضِها، وما جَرى مَعَ كُلِّ قِصَّةٍ مِنَ الزَّجْرِ والوَعْظِ والتَّنْبِيهِ والإعْذارِ، ولَوْلا أنِّي لَمْ أقْصِدِ التَّعْلِيقَ ما بَنَيْتُهُ عَلَيْهِ مِن تَرْتِيبِ السُّوَرِ لَأوْضَحْتُ ما أشَرْتُ إلَيْهِ مِمّا لَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ، ولَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُيَسِّرُ ذَلِكَ فِيما بِاليَدِ مِنَ التَّفْسِيرِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ ويَسَّرَ فِيهِ، فَلَمّا انْطَوَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى ما ذَكَرْنا وبانَ فِيها عَظِيمُ الرَّحْمَةِ في تَكَرُّرِ القِصَصِ وشَفْعِ العِظاتِ، وظَهَرَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ألْطافِهِ تَعالى لِمَن يَسَّرَهُ لِتَدَبُّرِ القُرْآنِ ووَفَّقَهُ لِفَهْمِهِ واعْتِبارِهِ، أرْدَفَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ [الرحمن: ٣] ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] وخَصَّ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى هَذا الِاسْمَ إشْعارًا بِرَحْمَتِهِ بِالكِتابِ وعَظِيمِ إحْسانِهِ بِهِ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] ثُمَّ قَدْ تَمَهَّدَ أنَّ سُورَةَ القَمَرِ إعْذارٌ ومِن أيْنَ لِلْعِبادِ بِجَمِيلِ (p-١٤٣)هَذا اللُّطْفِ وعَظِيمِ هَذا الحِلْمِ حَتّى يُرادُّوا إلى بَسْطِ الدَّلالاتِ وإيضاحِ البَيِّناتِ إنْ تَعَذَّرَ إلَيْهِمْ زِيادَةً في البَلاغِ، فَأنْبَأ تَعالى أنَّ هَذا رَحْمَةٌ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ثُمَّ إذا تَأمَّلْتَ سُورَةَ القَمَرِ وجَدْتَ خِطابَها وإعْذارَها خاصًّا بِبَنِي آدَمَ بَلْ بِمُشْرِكِي العَرَبِ مِنهم فَقَطْ، فَأُتْبِعَتْ سُورَةُ القَمَرِ بِسُورَةِ الرَّحْمَنِ تَنْبِيهًا لِلثَّقَلَيْنِ وإعْذارًا إلَيْهِمْ وتَقْرِيرًا لِلْجِنْسَيْنِ عَلى ما أوْدَعَ سُبْحانَهُ في العالَمِ مِنَ العَجائِبِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ فَتَكَرَّرَ فِيها التَّقْرِيرُ والتَّنْبِيهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] خِطابًا لِلْجِنْسَيْنِ وإعْذارًا لِلثَّقَلَيْنِ فَبانَ اتِّصالُها بِسُورَةِ القَمَرِ أشَدَّ البَيانِ - انْتَهى.
الرحمن 55:3
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ [عَلَّمَهُ] وهو صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ ولِمَن عَلَّمَهُ، قالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ: قَدَّرَهُ وأوْجَدَهُ عَلى هَذا الشَّكْلِ المَعْرُوفِ والتَّرْكِيبِ المَوْصُوفِ مُنْفَصِلًا عَنْ جَمِيعِ الجَماداتِ وأصْلُهُ مِنها ثُمَّ عَنْ سائِرِ النّامِياتِ ثُمَّ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وجَعَلَهُ أصْنافًا، وفَصَلَ بَيْنَ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسانِهِمْ عَمَّنْ عَداهم وخَلْقُهُ لَهم دَلِيلٌ عَلى خَلْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] والإنْسانُ وإنْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ لَكِنَّ أحَقَّهم بِالإرادَةِ بِهَذا أوَّلُهم وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإرادَتُهُ - كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لا تَمْنَعُ إرادَةَ الجِنْسِ مِن حَيْثُ هو.
الرحمن 55:4
(p-١٤٤)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا بِخَلْقِهِ لَهُ، قالَ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ وهو القُوَّةُ النّاطِقَةُ، وهي الإدْراكُ لِلْأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والحُكْمِ الحاضِرِ والغائِبِ بِقِياسِهِ عَلى الحاضِرَةِ تارَةً بِالتَّوَسُّمِ وأُخْرى بِالحِسابِ ومَرَّةً بِالعِيافَةِ والزَّجْرِ وطَوْرًا بِالنَّظَرِ في الآفاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ مَعَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أوْدَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مَعَ تَعْبِيرِهِ عَمّا أدْرَكَهُ بِما هو غائِبٌ في ضَمِيرِهِ وإفْهامِهِ لِلْغَيْرِ تارَةً بِالقَوْلِ وتارَةً بِالفِعْلِ نُطْقًا وكِتابَةً وإشارَةً وغَيْرَها، فَصارَ بِذَلِكَ ذا قُدْرَةٍ عَلى الكَمالِ في نَفْسِهِ والتَّكْمِيلِ لِغَيْرِهِ، فَهَذا تَعْلِيمُ البَيانِ الَّذِي مَكَّنَ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، وهَذا وإنْ كانَ سُبْحانَهُ جَبَلَنا عَلَيْهِ وخَلَقَنا بِهِ قَدْ صارَ عِنْدَنا مَأْلُوفًا ومَشْهُورًا مَعْرُوفًا، فَهو عِنْدَ غَيْرِنا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أوْضَحَهُ لَنا سُبْحانَهُ نِعْمَةً عَلَيْنا بِمُحاجَّتِهِ لِمَلائِكَتِهِ الكِرامِ عَنْ نَبِيِّنا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أبْدى لَهم مِن عِلْمِهِ وبَهَرَهم مِن رَسْمِ كُلِّ شَيْءٍ بِمَعْناهُ واسْمِهِ.
الرحمن 55:5
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ النِّعْمَةَ في تَعْلِيمِ القُرْآنِ الَّذِي هو حَياةُ الأرْواحِ، وبَيَّنَ الطَّرِيقَ فِيها، دَلَّ عَلى البَيانِ بِذِكْرِ البَيِّناتِ الَّتِي يَجْمَعُها أمْرٌ ويُفَرِّقُها آخَرُ، ولَها مَدْخَلٌ في حَياةِ الأشْباحِ، وعَدَّدَها عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ بَيانًا لِأنَّها مِن أكْبَرِ النِّعَمِ فَقالَ في جَوابِ مَن قالَ: ما بَيانُهُ؟ بادِئًا بِالكَوْكَبِ الأعْظَمِ الَّذِي هو أعْظَمُ نُورًا وأكْبَرُ جِرْمًا وأعَمُّ نَفْعًا لِيَكُونَ خُضُوعُهُ (p-١٤٥)لِقَبُولِ الآثارِ أدَلَّ عَلى خُضُوعِ غَيْرِهِ بَيانًا لِحِكْمَتِهِ في تَدْبِيرِهِ وقُوَّتِهِ في تَقْدِيرِهِ: ﴿الشَّمْسُ﴾ وهي آيَةُ النَّهارِ ﴿والقَمَرُ﴾ وهو آيَةُ اللَّيْلِ اللَّذانِ كانَ بِهِما البَيانُ الإبْراهِيمِيُّ، ولَعَلَّهُ بَدَأ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِغايَةِ بَيانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَشْرِيفًا لَها بِالإشارَةِ إلى عُلُوِّ أفْهامِها ﴿بِحُسْبانٍ﴾ أيْ جَرْيُهُما، يَجْرِي كُلٌّ مِنهُما - مَعَ اشْتِراكِهِما في أنَّهُما كَوْكَبانِ سَماوِيّانِ - بِحِسابٍ عَظِيمٍ جِدًّا لا تَكادُ تُوصَفُ جَلالَتُهُ في دِقَّتِهِ وكَثْرَةِ سَعَتِهِ وعِظَمِ ما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ومِن عِظَمِ هَذا الحِسابِ الَّذِي أفادَتْهُ صِيغَةُ الفُعْلانِ أنَّهُ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ لا يَتَعَدّاهُ، تُعْلَمُ بِهِ الأعْوامُ والشُّهُورُ والأيّامُ والسّاعاتُ والدَّقائِقُ والفُصُولُ في مَنازِلَ مَعْلُومَةٍ، ويُعْرَفُ مَوْضِعُ كُلٍّ مِنهُما في الآفاقِ العُلْوِيَّةِ وما يَحْدُثُ لَهُ وما يَتَأثَّرُ عَنْهُ في الكَوائِنِ السُّفْلِيَّةِ بِحَيْثُ أنَّ بِهِ انْتِظامَ غالِبِ الأُمُورِ السُّفْلِيَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خَلَقَهُما اللَّهُ عَلَيْها ولَها، وبَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ كُلٍّ مِنهُما مِنَ المَسافاتِ ما لا يَعْلَمُهُ عَلى التَّحْرِيرِ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهَذا عَلى تَطاوُلِ الأيّامِ والدُّهُورِ لا يَخْتَلُّ ذَرَّةً دَلالَةً عَلى أنَّ صانِعَهُ قَيُّومٌ لا يَغْفُلُ، ثُمَّ بَعْدُ هَذا الحِسابُ المُسْتَجَدُّ والحِسابُ الأعْظَمُ الَّذِي قَدَّرَ لِتَكْوِيرِ الشَّمْسِ وانْكِدارِ القَمَرِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ مَعَ ما أفادَ ذَلِكَ مِن تَعاقُبِ المَلَوَيْنِ تارَةً بِالِاعْتِدالِ وتارَةً بِالزِّيادَةِ وأُخْرى بِالنَّقْصِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ في لَطائِفِ المَقْدُورِ.
الرحمن 55:6
(p-١٤٦)ولَمّا كانَ سَيْرُهُما عَلى هَذا المِنهاجِ مَعَ ما لَهُما فِيهِ مِنَ الدُّؤْبِ فِيهِ بِالتَّغَيُّرِ والتَّنَقُّلِ طاعَةً مِنهُما لِمُدَبِّرِهِما ومُبْدِعِهِما ومُسَيِّرِهِما، وكانَ خُضُوعُهُما - وهُما النَّيِّرانِ الأعْظَمانِ - دالًّا عَلى خُضُوعِ ما دُونَهُما مِنَ الكَواكِبِ بِطَرِيقِ الأوْلى، كانَ ذِكْرُهُما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ ما عَداهُما بِخُصُوصِهِ، فَأتْبَعَهُما حُضُورَ ما هو لِلْأرْضِ كالكَواكِبِ لِلسَّماءِ في الزِّينَةِ والنَّفْعِ والضُّرِّ والصِّغَرِ والكِبَرِ والكَثْرَةِ والقِلَّةِ مِنَ النَّباتِ مُقَدِّمًا صِغارَهُ لِعُمُومِ نَفْعِهِ وعَظِيمِ وقْعِهِ بِأنَّ مِنهُ أكْثَرَ الأقْواتِ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ والمَلابِسِ مِنَ القُطْنِ والكَتّانِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عَجِيبِ الشَّأْنِ، مُعَبِّرًا بِما يَصْلُحُ لِبَقِيَّةِ الكَواكِبِ فَقالَ: ﴿والنَّجْمُ﴾ أيْ: وجَمِيعُ الكَواكِبِ السَّماوِيَّةِ وكُلُّ نَبْتٍ ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ مِنَ النَّباتِ الأرْضِيَّةِ الَّتِي هي أصْلُ قِوامِ الإنْسانِ وسائِرِ الحَيَوانِ ﴿والشَّجَرُ﴾ وكُلُّ ما لَهُ ساقٌ ويُتَفَكَّهُ بِهِ أوْ يُقْتاتُ ﴿يَسْجُدانِ﴾ أيْ يَخْضَعانِ ويَنْقادانِ لِما يُرادُ مِنهُما ويَذِلّانِ لِلِانْتِفاعِ بِهِما انْقِيادَ السّاجِدِ مِنَ العُقَلاءِ لِما أُمِرَ بِهِ بِجَرْيِهِما لِما سُخِّرا لَهُ وطاعَتِهِما لِما قُدِّرا فِيهِ مِن غَيْرِ إباءٍ عَلى تَجَدُّدِ الأوْقاتِ مِن نُمُوٍّ [فِي] النَّباتِ ووُقُوفٍ واخْضِرارٍ ويُبْسٍ وإثْمارٍ وعُطْلٍ، لا يَقْدِرُ النَّجْمُ أنْ يَعْلُوَ إلى رُتْبَةِ الشَّجَرِ ولا الشَّجَرُ أنْ يَسْفُلَ إلى وهْدَةِ النَّجْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا صَرَّفْنا فِيهِ مِن سُجُودِ الظِّلالِ ودَوَرانِ الجِبالِ (p-١٤٧)والمِثالُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ الصّانِعِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ، ونَفْيِ الطَّبائِعِ، ومِن تَسْيِيرٍ في الكَواكِبِ وتَدْبِيرٍ في المَنافِعِ في الحَرِّ والبَرْدِ اللَّذَيْنِ جَعَلَ سُبْحانَهُ بِهِما الِاعْتِدالَ في النَّباتِ مِنَ الفَواكِهِ والأقْواتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الِانْتِفاعاتِ.
الرحمن 55:7
ولَمّا كانَ تَغَيُّرُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنَّجْمِ والشَّجَرِ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُؤَثِّرُ فِيهِ، وكانَتِ السَّماءُ والأرْضُ ثابِتَتَيْنِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ رُبَّما أشْكَلَ أمْرُهُما كَما ضَلَّ فِيهِما خَلْقٌ مِن أهْلِ الوَحْدَةِ أهْلِ الجُمُودِ والِاغْتِرارِ والوُقُوفِ مَعَ الشّاهِدِ وغَيْرِهِمْ، وكانَ إذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى المُؤَثِّرُ فِيهِما، فَلِذَلِكَ قالَ مُسْنِدًا التَّأْثِيرَ فِيهِما إلَيْهِ بَعْدَ أنْ أعْرى ما قَبْلَهُما مِن مِثْلِهِ لِما أغْنى عَنْهُ مِنَ الدَّلالَةِ بِالتَّغَيُّرِ والسَّيْرِ والتَّنَقُّلِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وهو الَّذِي دَبَّرَ ذَلِكَ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ أيْ: حِسًّا بَعْدَ أنْ كانَتْ مُلْتَصِقَةً بِالأرْضِ فَفَتَقَها مِنها وأعْلاها عَنْها بِما يَشْهَدُ لِذَلِكَ مِنَ العَقْلِ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ تَأمُّلٌ في أنَّ كُلَّ جِسْمٍ ثَقِيلٍ ما رَفَعَهُ عَمّا تَحْتَهُ إلّا رافِعٌ، ولا رافِعَ لِهَذِهِ إلّا اللَّهَ فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى التَّأْثِيرِ غَيْرُهُ، ولِعِظَمِها قَدَّمَها عَلى الفِعْلِ تَنْبِيهًا عَلى التَّفَكُّرِ فِيما فِيها مِن جَلالَةِ الصَّنائِعِ وأنْواعِ البَدائِعِ، ومَعْنًى بِأنَّهُ جَعَلَها مَنشَأ أحْكامِهِ ومَصْدَرَ قَضاياهُ ومُتَنَزَّلَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَهْبِطُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ.
ولَمّا كانَتِ السَّماءُ مَعَ عُلُوِّها الدّالِّ عَلى عِزَّةِ مُوجِدِها ومُدَبِّرِها (p-١٤٨)دالَّةً عَلى عَدْلِهِ بِاعْتِدالِ جَمِيعِ أحْوالِها مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ والمَطَرِ والثَّلْجِ [والنَّدى] والطَّلِّ وغَيْرِ ذَلِكَ في أنَّ كُلَّ فَصْلٍ مِنها مُعادِلٌ لِضِدِّهِ وأنَّها لا يُنْزِلُها سُبْحانَهُ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، وإلّا لَفَسَدَتِ الأرْضُ [كُلُّها]، ودَلَّنا عَلى أنَّهُ شَرَّعَ لَنا مِثْلَ ذَلِكَ العَدْلِ لِتَقُومَ أحْوالُنا وتَصْلُحَ أقْوالُنا وأفْعالُنا بِما قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ فَقالَ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ أيِ العَدْلَ الَّذِي بَدَرَ بِهِ الخافِقَيْنِ مِنَ المُوازَنَةِ وهي المُعادَلَةُ لِتَنْتَظِمَ أُمُورُنا.
الرحمن 55:8
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا القُرْآنَ الَّذِي هو مِيزانُ المَعْلُوماتِ، ودَلَّ عَلى رَحْمانِيَّتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ البَيانِ، الَّذِي رُقِّيَ بِهِ الإنْسانُ فَصارَ أهْلًا لِلْفَهْمِ، وذَكَّرَهُ نِعْمَةَ المِيزانِ لِلْمَحْسُوساتِ، أقْبَلَ بِالخِطابِ عَلَيْهِ لافِتًا لَهُ عَنْ أُسْلُوبِ الغِيبَةِ تَنْشِيطًا لَهُ إلى ارْتِقاءِ مَراتِبِ الكَمالِ بِحُسْنِ الِامْتِثالِ مُعَلِّلًا فَقالَ: ”أنْ“ أيْ [لِأنْ] ”لا تَطْغَوْا“ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا الحُدُودَ ﴿فِي المِيزانِ﴾ أيِ: الأشْياءِ المَوْزُونَةِ مِنَ المَوْزُوناتِ المَعْرُوفَةِ والعِلْمِ والعَمَلِ المُقَدَّرِ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وفي مُساواةِ الظّاهِرِ والباطِنِ والقَوْلِ والفِعْلِ، فالمِيزانُ الثّانِي عامٌّ لِمِيزانِ المَعْلُوماتِ ومِيزانِ المَحْسُوساتِ.
الرحمن 55:9
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاقْتَدُوا بِأفْعالِي وتَخَلَّقُوا بِكُلِّ ما آمُرُ بِهِ مِن أقْوالِي، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ أيْ: جَمِيعَ الأفْعالِ الَّتِي يُقاسُ لَها الأشْياءُ ﴿بِالقِسْطِ﴾
ولَمّا كانَ المُرادُ العَدْلَ العَظِيمَ، بَيَّنَهُ بِالتَّأْكِيدِ بَعْدَ الأمْرِ بِالنَّهْيِ عَنِ (p-١٤٩)الضِّدِّ فَقالَ: ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ أيْ: تُوقِعُوا في شَيْءٍ مِن آلَةِ العَدْلِ الَّتِي يُقَدَّرُ بِها الأشْياءُ مِنَ الذَّرْعِ والوَزْنِ والعَدْلِ والكَيْلِ ونَحْوِهِ - نَوْعًا مِن أنْواعِ الخُسْرِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَجْرِيدُ الفِعْلِ فَتَخْسَرُوا مِيزانَ أعْمالِكم وجَزائِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ عُلِمَ بِتَكْرِيرِ المِيزانِ ما أُرِيدَ مِنَ التَّأْكِيدِ في الأمْرِ بِهِ لِما لَهُ مِنَ الضَّخامَةِ سَواءٌ كانَ بِمَعْنًى واحِدٍ أوْ بِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ.
الرحمن 55:10
ولَمّا ذَكَرَ إنْعامَهُ الدّالَّ عَلى اقْتِدارِهِ بِرَفْعِ السَّماءِ، ذَكَرَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ مُقابِلَها بَعْدَ أنْ وسَّطَ بَيْنَهُما ما قامَتا بِهِ مِنَ العَدْلِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ بِهِ فَقالَ: ﴿والأرْضَ﴾ أيْ: ووَضَعَ الأرْضَ: ثُمَّ فَسَّرَ ناصِبَها لِيَكُونَ كالمَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ إشارَةً إلى عَظِيمِ تَدْبِيرِهِ لِشِدَّةِ ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ فَقالَ: ﴿وضَعَها﴾ أيْ: دَحاها وبَسَطَها عَلى الماءِ ﴿لِلأنامِ﴾ أيْ كُلِّ مَن فِيهِ قابِلِيَّةُ النَّوْمِ أوْ قابِلِيَّةُ الوَنِيمِ وهو الصَّوْتُ بَعْدَ أنْ وضَعَ لَهُمُ المِيزانَ الَّذِي لا تَقُومُ الأرْضُ إلّا بِهِ.
الرحمن 55:11
ولَمّا كانَ في سِياقِ بَيانِ الرَّحْمَةِ بِمَزِيدِ الإنْعامِ، وكانَ إقامَةُ البَيِّنَةِ أعْظَمَ نِعْمَةٍ، وكانَتِ الفَواكِهُ ألَذَّ ما يَكُونُ، وكانَتْ بِرِقَّتِها وشِدَّةِ لَطافَتِها مُنافِيَةً لِلْأرْضِ في يُبْسِها وكَثافَتِها، فَكانَ كَوْنُها فِيها عَجَبًا دالًّا عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وكانَ ذِكْرُها يَدُلُّ عَلى ما تَقَدَّمَها مِنَ النِّعَمِ مِن جَمِيعِ الأقْواتِ، (p-١٥٠)بَدَأ بِها لِيَصِيرَ ما يَتَقَدَّمُها كالمَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا وصْفَها بِما هو أعَمُّ: ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ أيْ: ضُرُوبٌ مِنها عَظِيمَةٌ جِدًّا يُدْرِكُ الإنْسانُ بِما لَهُ مِنَ البَيانِ تَبايُنَها في الصُّوَرِ والألْوانِ، والطُّعُومِ والمَنافِعِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِن بَدِيعِ الشَّأْنِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِتَنْكِيرِها تَعْظِيمَها، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِتَعْرِيفٍ بِنَوْعٍ مِنها، ونَوَّهَ بِهِ لِأنَّ فِيهِ مَعَ التَّفَكُّهِ التَّقَوُّتَ، وهو أكْثَرُ ثِمارِ العَرَبِ المَقْصُودِينَ بِهَذا الذِّكْرِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿والنَّخْلُ﴾ ودَلَّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذاتُ﴾ أيْ صاحِبَةُ ﴿الأكْمامِ﴾ أيْ: أوْعِيَةِ ثَمَرِها، وهو الطَّلْعُ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِقَ بِالثَّمَرِ، وكُلُّ نَبْتٍ يُخْرِجُ ما هو مُكَمَّمٌ فَهو ذُو كِمامٍ، ولَكِنَّهُ مَشْهُورٌ في النَّخْلِ لِشَرَفِهِ وشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ، قالَ البَغْوِيُّ: وكُلُّ ما سَتَرَ شَيْئًا فَهو كِمٌّ وكُمَّةٌ، ومِنهُ كُمُّ القَمِيصِ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِثَمَرِ الجَنَّةِ الَّذِي يَنْفَتِقُ عَنْ نَباهُمْ، وذَكَرَ أصْلَ النَّخْلِ دُونَ ثَمَرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَنْ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ مِنَ اللِّيفِ والسَّعَفِ والجَرِيدِ والجُذُوعِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ الَّتِي الثَّمَرُ مِنها.
الرحمن 55:12
ولَمّا ذَكَرَ ما يُقْتاتُ مِنَ الفَواكِهِ وهو في غايَةِ الطُّولِ، أتْبَعَهُ الأصْلَ في الِاقْتِياتِ لِلنّاسِ والبَهائِمِ وهو بِمَكانٍ مِنَ القِصَرِ، فَقالَ ذاكِرًا ثَمَرَتَهُ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ: ﴿والحَبُّ﴾ أيْ: مِنَ الحِنْطَةِ وغَيْرِها، ونَبَّهَ عَلى (p-١٥١)تَمامِ القُدْرَةِ بَعْدَ تَنْبِيهٍ بِتَمايُزِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ مَعَ أنَّ أصْلَ الكُلِّ الماءُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ أيِ الوَرَقِ والبَقْلِ الَّذِي إذا زالَ عَنْهُ ثِقْلُ الحَبِّ كانَ مِمّا تَعْصِفُهُ الرِّياحُ الَّتِي تُطِيرُهُ، وهو التِّبْنُ الَّذِي هو مِن قُوتِ البَهائِمِ.
ولَمّا كانَ الرَّيْحانُ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ نَبْتٍ [طَيِّبِ الرّائِحَةِ خُصُوصًا، وعَلى كُلِّ نَبْتٍ] عُمُومًا، أتْبَعَهُ بِهِ لِيَعُمَّ ويَخُصَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن سائِرِ النَّباتِ وغَيْرِهِ عَلى وجْهٍ مُذَكِّرٍ بِنِعَمِهِ بِغِذاءِ الأرْواحِ بَعْدَما ذَكَرَ غِذاءَ الأشْباحِ فَقالَ: ﴿والرَّيْحانُ﴾
الرحمن 55:13
ولَمّا كانَ مَن كَفَرَ بِهِ سُبْحانَهُ بِإنْكارِهِ أوْ إنْكارِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ، أوْ كَذَّبَ بِأحَدٍ مِن رُسُلِهِ قَدْ أنْكَرَ نِعَمَهُ أوْ نِعْمَةً مِنها فَلَزِمَهُ بِإنْكارِهِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ إنْكارُ جَمِيعِ النِّعَمِ، لِأنَّ الرُّسُلَ داعِيَةٌ إلى اللَّهِ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعَمِهِ، وكانَ ما مَضى مِن هَذِهِ السُّورَةِ إلى هُنا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ آيَةً عَلى عَدَدِ الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، عَدَّدَ فِيها أُصُولَ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ عَلى وجْهٍ دَلَّ بِغايَةِ البَيانِ عَلى أنَّ لَهُ كُلَّ كَمالٍ، وكانَ هَذا العَدَدُ أوَّلَ عَدَدٍ زائِدٍ إشارَةً إلى تَزايُدِ النِّعَمِ لِأنَّ كُسُورَهُ النِّصْفَ والثُّلُثَ والرُّبُعَ والسُّدُسَ تَزِيدُ عَلى أصْلِهِ، وكانَ قَدْ مَضى ذِكْرُ الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ في قَوْلِهِ: ”الأنام“ قالَ تَعالى إشارَةً إلى أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالوَعْظِ، مُنْكِرًا مُوَبِّخًا مُبَكِّتًا لِمَن أنْكَرَ شَيْئًا مِن نِعَمِهِ أوْ قالَ قَوْلًا أوْ فَعَلَ فِعْلًا يَلْزَمُ مِنهُ إنْكارُ شَيْءٍ مِنها مُسَبِّبًا عَمّا مَضى مِن تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ المُتَزايِدَةِ الَّتِي لا يَسُوغُ إنْكارُها ولا إنْكارُ شَيْءٍ مِنها فَيَجِبُ شُكْرُها: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ﴾ أيْ: نِعَمِ عَطايا ﴿رَبِّكُما﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكُما بِما أسْدى مِنَ المَزايا الَّتِي أسْداها إلَيْكم عَلى (p-١٥٢)وجْهِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ وهي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ مِن غَيْرِ [حاجَةٍ إلى] مُكافَأةِ أحَدٍ ولا غَيْرِها - أيُّها الثَّقَلانِ - المُدَبِّرِ لَكُما الَّذِي لا مُدَبِّرَ ولا سَيِّدَ لَكُما غَيْرُهُ، مِن آياتِهِ وصَنائِعِهِ وحُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ وعِزَّتِهِ في خَلْقِهِ واسْتِسْلامِ الكُلِّ لَهُ وخُضُوعِهِما إلَيْهِ، فَإنَّ كُلَّ هَذِهِ النِّعَمِ الكِبارِ آياتٌ دالَّةٌ عَلَيْهِ وصَنائِعُ مُحْكَمَةٌ وأحْكامٌ وحِكَمٌ ظَهَرَتْ بِها عِزَّتُهُ وبانَتْ بِها قُدْرَتُهُ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ فَمُخاطَبَتُهُ بِهَذا الثَّقَلَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَعُمُّ عَلى الجِنِّ كَما أنَّها تَعُمُّ عَلى الإنْسِ، وأنَّ لَهم مِن ذَلِكَ ما لَهُمْ، وذِكْرُهُ لِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذا العَدَدِ مِنَ الآياتِ إشارَةٌ إلى أنَّ زِيادَةَ النِّعَمِ إلى حَدٍّ لا يُحْصى بِحَيْثُ أنَّ اسْتِيفاءَ عَدَدِها لا تُحِيطُ بِهِ عُقُولُ المُكَلَّفِينَ لِئَلّا يَظُنُّوا أنَّهُ لا نِعْمَةَ غَيْرُ ما ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِلَفْظِ الآلاءِ مِن أجْلِ أنَّها النِّعَمُ المَخْصُوصَةُ بِالمُلُوكِ لِما لَها مِنَ اللَّمَعانِ والصَّفِّ المُمَيِّزِ لَها [مِن] غَيْرِها ولِما لِرُؤْيَتِها مِنَ الخَيْرِ والدُّعاءِ، وهي وإنْ كانَتْ مِنَ الوا فَيُمْكِنُ أخْذُها مِنَ اللُّؤْواءِ إلى أنَّ الأصْلَ الهَمْزَةُ واللّامُ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْهِما لامٌ أُخْرى أوْ ألِفٌ ازْدادَ المَعْنى الَّذِي كانَ ظُهُورًا لِأنَّ الألِفَ غَيَّبَ الهَمْزَةَ وباطِنِها، واللّامَ هي عَيْنُ ما كانَ فَلَمْ يَحْصُلْ خُرُوجٌ عَنْ ذَلِكَ المَعْنى، فَإذا نَظَرْتَ إلى الآلِ كانَ المَعْنى أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ الكِبارَ المُلُوكِيَّةَ تُظْهِرُ لِلْعِبادِ مَعْرِفَتَهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ يَؤُولُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ أوَّلًا مِن غَيْرِ نِزاعٍ كَما أنَّهُ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ، وتَكِلُّ عَنْ نَظَرِها الأبْصارُ النَّوافِذُ كَما تَكِلُّ عَنْ رُؤْيَةِ الأشْخاصِ الَّتِي يَرْفَعُها الآلُ لِأنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ... (p-١٥٣)نِعَمٌ عَظِيمَةٌ وإنْ كانَتْ نِقَمًا لِأنَّهُ لا نِعْمَةَ تَدُلُّ مِثْلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن هُنا بَعْدَ كُلِّ آيَةٍ إلى آخِرِها لِما تَقَدَّمَ في القَمَرِ مِن أنَّ المُنْكِرَ إذا تَكَرَّرَ إنْكارُهُ جِدًّا بِحَيْثُ أحْرَقَ الأكْبادَ في المُجاهَرَةِ بِالعِنادِ حَسُنَ سَرْدُ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِ، وكُلَّما ذُكِّرَ بِفَرْدٍ مِنهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ تُنْكِرُهُ؟ سَواءٌ أقَرَّ بِهِ حالَ التَّقْرِيرِ أوِ اسْتَمَرَّ عَلى العِنادِ، فالتَّكْرارُ حِينَئِذٍ يُفِيدُ التَّعْرِيفَ بِأنَّ إنْكارَهُ تَجاوَزَ الحَدَّ، ولِتَغايُرِ النِّعَمِ وتَعَدُّدِها واخْتِلافِها حَسُنَ تَكْرِيرُ التَّوْقِيفِ عَلَيْها واحِدَةً واحِدَةً تَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِها، فَإنْ كانَتْ نِعْمَةً فالأمْرُ فِيها واضِحٌ، وإنْ كانَتْ نِقْمَةً [فالنِّعْمَةُ] دَفْعُها أوْ تَأْخِيرُ الإيقاعِ بِها، ولَمّا تَقَدَّمَ [مِن] أنَّ كُلَّ تَذْكِيرٍ بِما أفادَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ بِالحَواسِّ الخَمْسِ مَضْرُوبَةٍ في الجِهاتِ السِّتِّ عَلى أنَّكَ إذا اعْتَبَرْتَ نَفْسَ الآيَةِ وجَدْتَها مُشِيرَةً إلى ذَلِكَ، فَإنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنها - إلّا الأخِيرَةَ في رَسْمِ مَن أثْبَتَ ألِفَها مِن كَتَبَةِ المَصاحِفِ - خَمْسَةُ أحْرُفٍ إنِ اعْتَبَرْتَ هِجاءَ الأُولَيَيْنِ والثّالِثَةِ خَمْسَةً في الرَّسْمِ سِتَّةً في الهِجاءِ والنُّطْقِ، فَهي لِلْحَواسِّ ولِلْجِهاتِ لِأنَّ الكُلَّ مِنَ الرَّبِّ، والكَلِمَةُ الأخِيرَةُ سِتَّةُ أحْرُفٍ إنِ اعْتَبَرْتَ رَسْمَها في المَصاحِفِ الَّتِي أسْقَطَتْ ألِفَها، فَإنَّ في إثْباتِها وحَذْفِها اخْتِلافًا بَيْنَ أئِمَّةِ المَصاحِفِ، وهي إشارَةٌ إلى الجِهاتِ لِأنَّها الَّتِي يَمْلِكُ الإنْسانُ التَّصَرُّفَ فِيها، أمّا الحَواسُّ فَلا اخْتِيارَ لَهُ فِيها، وإنِ اعْتَبَرْتَ هِجاءَها بِحَسَبِ النُّطْقِ كانَتْ سَبْعَةَ أحْرُفٍ إشارَةً إلى أنَّ النِّعَمَ (p-١٥٤)أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى لِما تَقَدَّمَ مِن أسْرارِ عَدَدِ السَّبْعَةِ وإلى أنَّ تَكْذِيبَ المُكَلَّفِينَ مُتَكاثِرٌ جِدًّا، فَلِذَلِكَ كانَ في غايَةِ المُناسَبَةِ أنْ تُبْسَطَ هَذِهِ النِّعَمُ عَلى عَدَدِ ضَرْبِ الحَواسِّ الخَمْسِ في الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ فائِدَةٌ، فَإنَّهُ مِنَ المَأْلُوفِ المَعْرُوفِ والجَمِيلِ المَوْصُوفِ أنَّ التَّكْرِيرَ [عِنْدَ] التَّكْذِيبِ يُوجِبُ التَّكْرِيرَ عِنْدَ التَّقْرِيرِ، ويَبْلُغُ بِهِ النِّهايَةَ في حُسْنِ التَّأْثِيرِ، وزادَ العَدَدُ عَلى مُسَطَّحِ الخَمْسِ في السِّتِّ واحِدًا إشارَةً إلى أنَّ نِعَمَ الواحِدَةِ لا انْقِطاعَ لَها، ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ إلى ثَمانٍ ذُكِرَتْ أوَّلًا عَقِبَ النِّعَمِ، فَكانَتْ عَلى عَدَدِ السَّبْعِ الَّذِي هو أوَّلُ عَدَدٍ تامٍّ لِأنَّهُ جَمَعَ الفَرْدَ والزَّوْجَ وزَوْجَ الفَرْدِ وزَوْجَ الزَّوْجِ، وزادَ بِواحِدٍ إشارَةً إلى أنَّهُ كُلَّما انْقَضى دَوْرٌ مِن عَدَدٍ تامٍّ جَدِيرٍ لِنِعَمٍ أُخْرى فَهي لا تَتَناهى لِأنَّ مُولِيَها لَهُ القُدْرَةُ الشّامِلَةُ والعِلْمُ التّامُّ ورَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وفي كَوْنِها ثَمانِيَةً إشارَةٌ إلى أنَّها سَبَبٌ إلى الجَنَّةِ ذاتِ الأبْوابِ الثَّمانِيَةِ إنْ شُكِرَتْ، وفي تَعْقِيبِها بِسَبْعٍ نارِيَّةٍ إشارَةٌ إلى أنَّها سَبَبٌ لِلنّارِ ذاتِ الأبْوابِ السَّبْعَةِ إنْ كُفِرَتْ، وفي تَعْقِيبِها بِها إشارَةٌ إلى أنَّ سَبَبِيَّتَها لِلنّارِ أقْرَبُ لِكَوْنِها حُفَّتْ بِالشَّهَواتِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ مَنِ اتَّقى ما تُوُعِّدَ عَلَيْهِ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ وُقِيَ أبْوابَ النّارِ السَّبْعَةَ، ثُمَّ عَقَّبَها بِثَمانِيَةٍ ذَكَرَ فِيها جَنَّةَ المُقَرَّبِينَ إشارَةً إلى أنَّ مَن عَمِلَ لِما وُعِدَهُ كَما أمَرَهُ بِهِ اللَّهُ نالَ أبْوابَ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةَ، وثَمانِيَةٍ أُخْرى عَقِبَ جَنَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ إشارَةً إلى مِثْلِ ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ، وكانَ تَرْتِيبُها في غايَةِ الحُسْنِ، ذُكِرَتِ النِّعَمُ أوَّلًا اسْتِعْطافًا وتَرْغِيبًا في الشُّكْرِ ثُمَّ الأهْوالُ تَرْهِيبًا ودَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ بِالعِصْيانِ والكُفْرِ ثُمَّ النِّعَمُ الباقِيَةُ لِجَلْبِ المَصالِحِ، وبَدَأ (p-١٥٥)بِأشْرَفِها فَذَكَرَ الجَنَّةَ العُلْيا لِأنَّ القَلْبَ إثْرَ التَّخْوِيفِ يَكُونُ أنْشَطَ والهِمَمَ تَكُونُ أعْلى والعَزْمَ يَكُونُ أشَدَّ، فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الآيَةُ الأُولى مِنَ الإحْدى والثَّلاثِينَ مُشِيرَةٌ إلى أنَّ نِعْمَةَ البَصَرِ مِن جِهَةِ الأمامِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أبِنِعْمَةِ البَصَرِ مِمّا يُواجِهُكم أوْ غَيْرِها [تُكَذِّبانِ].
الرحمن 55:14
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ في إشارَةِ الخِطابِ الِامْتِنانُ بِخَلْقِ الإنْسانِ، ثُمَّ ذَكَرَ أُصُولَ النِّعَمِ عَلَيْهِ عَلى وجْهٍ بَدِيعِ الشَّأْنِ، إلى أنْ ذَكَرَ غِذاءَ رُوحِهِ: الرَّيْحانَ، أتْبَعَ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِما أجْمَلَ فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ أصْلَ هَذا النَّوْعِ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ الأنامِ الَّذِي خَلَقْنا الرَّيْحانَ لَهم والغالِبُ عَلَيْهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ وبِما ألِفَهُ.
ولَمّا كانَ أغْلَبَ عَناصِرِهِ التُّرابُ وإنْ كانَ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، عَبَّرَ عَنْ إشارَةٍ بِهِ إلى مُطابَقَةِ اسْمِهِ - بِما فِيهِ مِمّا يَقْتَضِي الأُنْسَ الَّذِي حاصِلُهُ الثَّباتُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ - لِمُسَمّاهُ الَّذِي أغْلَبُهُ التُّرابُ لِنَقْلِهِ وثَباتِهِ ما لَمْ يُحَرِّكْهُ مُحَرِّكٌ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْ قابِلِيَّةِ البَيانِ فَقالَ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾ أيْ: طِينٍ يابِسٍ لَهُ صَوْتٌ إذا نُقِرَ عَلَيْهِ ﴿كالفَخّارِ﴾ أيْ:كالخَزَفِ المَصْنُوعِ المَشْوِيِّ بِالنّارِ لِأنَّهُ أخَذَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ خَلَطَهُ بِالماءِ حَتّى صارَ طِينًا ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى صارَ حَمَأً مَسْنُونًا مُبِينًا، ثُمَّ صَوَّرَهُ كَما يُصَوَّرُ الإبْرِيقُ وغَيْرُهُ مِنَ الأوانِي ثُمَّ أيْبَسَهُ حَتّى صارَ في غايَةِ الصَّلابَةِ فَصارَ كالخَزَفِ الَّذِي إذا نُقِرَ عَلَيْهِ صَوَّتَ صَوْتًا يُعْلَمُ [مِنهُ] هَلْ (p-١٥٦)فِيهِ عَيْبٌ أمْ لا، كَما أنَّ الآدَمِيَّ بِكَلامِهِ يَعْرِفُ حالَهُ وغايَةَ أمْرِهِ ومَآلِهِ، فالمَذْكُورُ هُنا غايَةُ تَخْلِيقِهِ وهو أنْسَبُ بِالرَّحْمانِيَّةِ، وفي غَيْرِها تارَةً مَبْدَؤُهُ وتارَةً إنْشاؤُهُ، فالأرْضُ أُمُّهُ والماءُ أبُوهُ مَمْزُوجَيْنِ بِالهَواءِ الحامِلِ لِلْجُزْءِ الَّذِي هو مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَمِنَ التُّرابِ جَسَدُهُ ونَفْسُهُ، ومِنَ الماءِ رُوحُهُ وعَقْلُهُ، ومِنَ النّارِ غَوايَتُهُ وحِدَّتُهُ، ومِنَ الهَواءِ حَرَكَتُهُ وتَقَلُّبُهُ في مَحامِدِهِ ومَذامِّهِ.
الرحمن 55:15
ولَمّا كانَ الجانُّ الَّذِي شَمِلَهُ أيْضًا اسْمُ الأنامِ مَخْلُوقًا مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، وأغْلَبُها في جِبِلَّتِهِ النّارُ، قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعَ المُسْتَتِرَ عَنِ العُيُونِ بِخَلْقِ أبِيهِمْ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْجِنِّ. ولَمّا كانَ الجِنُّ [يُطْلَقُ] عَلى المَلائِكَةِ لِاسْتِتارِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يُرادُوا بِهِ هُنا فَقالَ: ﴿مِن مارِجٍ﴾ أيْ شَيْءٍ صافٍ خالِصٍ مُضْطَرِبٍ شَدِيدِ الِاضْطِرابِ جِدًّا والِاخْتِلاطِ، قالَ البَغْوِيُّ: وهو الصّافِي مِن لَهَبِ النّارِ الَّذِي لا دُخانَ فِيهِ، وقالَ القُشَيْرِيُّ، هو اللَّهَبُ المُخْتَلِطُ بِسَوادِ النّارِ - انْتَهى. ومَرَجَتْ نارُهم - أيِ اخْتَلَطَتْ - بِبَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ. ولَمّا كانَ المارِجُ عامًّا في النّارِ وغَيْرِها، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نارٍ﴾ هي الأغْلَبُ مِن عَناصِرِهِ، فَتَعَيَّنَ المُرادُ بِذِكْرِ النّارِ لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن نُورٍ لا مِن نارٍ، ولَيْسَ عِنْدَهم مُرُوجٌ ولا اضْطِرابٌ، بَلْ هم في غايَةِ الثَّباتِ عَلى الطّاعَةِ فِيما أُمِرُوا بِهِ، وقَدْ عَرَفَ بِهَذا كُلُّ مُضْطَرِبٍ قَدْرَهُ (p-١٥٧)لِئَلّا يَتَعَدّى طَوْرَهُ.
الرحمن 55:16
ولَمّا كانَ خَلْقُ هَذَيْنِ القَبِيلَيْنِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما في غايَةِ التَّنافِي مَسْتُورًا أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ مَعَ مَنعِ كُلٍّ [مِنَ] التَّسَلُّطِ عَلى الآخَرِ إلّا نادِرًا، إظْهارًا لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ المُلُوكِيَّةِ النّاشِئَةِ عَنْ مُبْدِعِكُما ومُرَبِّيكُما وسَيِّدِكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أيْ: بِنِعْمَةِ البَصَرِ مِن جِهَةِ الوَراءِ وغَيْرِها مِن خَلْقِكم عَلى هَذا النَّمَطِ الغَرِيبِ، وإيداعِكم ما أوْدَعَكم مِنَ القُوى، وجَعْلِكم خُلاصَةَ مَخْلُوقاتِهِ، ومِن مَنعِ أحَدِ قَبِيلَيْكم عَنِ الآخَرِ، وتَيْسِيرِهِ لَكُمُ الأرْزاقَ والمَنافِعَ، وحَمْلِكم عَلى الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وقُدْرَتِهِ عَلى إعادَتِكم كَما قَدَرَ عَلى ابْتِدائِكم.
الرحمن 55:17
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ اللَّذَيْنِ أحَدُهُما ظاهِرٌ والآخَرُ مُسْتَتِرٌ، إرْشادًا إلى التَّأمُّلِ فِيما فِيهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَكانا مُحْتاجَيْنِ إلى ما هُما فِيهِ مِنَ المَحَلِّ، وكانَ صَلاحُهُ مِمّا دَبَّرَ سُبْحانَهُ فِيهِ مِن مَنازِلِ الشُّرُوقِ الَّذِي هو سَبَبُ الأنْوارِ والظُّهُورِ، والغُرُوبِ الَّذِي هو مَنشَأُ الظُّلْمَةِ والخَفاءِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ مُنَبِّهًا عَلى النَّظَرِ في بَدِيعِ صُنْعِهِ الدّالِّ عَلى تَوْحِيدِهِ: ﴿رَبُّ﴾ أيْ هو خالِقُ ومُدِيرُ ﴿المَشْرِقَيْنِ﴾ ومُدَبِّرُهُما عَلى كَيْفِيَّةٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها غَيْرُهُ ﴿ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ كَذَلِكَ، وهَذِهِ المَشارِقُ والمَغارِبُ هي ما لِلشِّتاءِ مِنَ البُرُوجِ، السّافِلَةِ الجَنُوبِيَّةِ الَّتِي (p-١٥٨)هِيَ سَبَبُ الأمْطارِ والثُّلُوجِ، الَّتِي هي سَبَبُ الحَياةِ والظُّهُورِ، حالَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُنْحَدِرَةً في آفاقِ السَّماءِ، وما لِلصَّيْفِ مِنَ البُرُوجِ العالِيَةِ في جِهَةِ الشَّمالِ الَّتِي هي سَبَبُ التَّهَشُّمِ والأُفُولِ والشَّمْسُ مُصَعِّدَةٌ في جَوِّ السَّماءِ، وما بَيْنَهُما مِنَ الرَّبِيعِ الَّذِي هو لِلنُّمُوِّ، والخَرِيفِ الَّذِي هو لِلذُّبُولِ، فَهي آيَةُ الإيجادِ والإعْدامِ، فَأوَّلُ المَشارِقِ الصَّيْفُ وقْتَ اسْتِواءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ [عِنْدَ] حُلُولِ الشَّمْسِ بِأوَّلِ البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ صاعِدَةً وهو الكَبْشُ، يَعْتَدِلُ الزَّمانُ حِينَئِذٍ بِقِطَعِها الجَنُوبِيَّةِ واسْتِقْبالِها الشَّمالِيَّةِ، ثُمَّ آخِرُ مَشارِقِهِ إذا كانَتِ الشَّمْسُ في آخِرِ الشَّمالِيَّةِ وأوَّلِ الجَنُوبِيَّةِ عِنْدَ حُلُولِها بِرَأْسِ المِيزانِ يَعْتَدِلُ الزَّمانُ ثانِيًا لِاسْتِقْبالِها البُرُوجَ الجَنُوبِيَّةَ، ثُمَّ بِحُلُولِها بِآخِرِ القَوْسِ ورَأْسِ الجَدْيِ يَكُونُ الِانْتِهاءُ في قِصَرِ الأيّامِ وطُولِ اللَّيالِي لِتَوَسُّطِها البُرُوجَ الجَنُوبِيَّةَ، ثُمَّ بِحُلُولِها كَذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِها مِن بُرْجِ التَّوْأمَيْنِ إلى السَّرَطانِ مِن بُرُوجِ الشَّمالِ، وهي آخِرُ دَرَجاتِ الشَّمْسِ، يَكُونُ طُولُ الأيّامِ وقِصَرُ اللَّيالِي، فَيَخْتَلِفُ عَلى هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ الحَرُّ والبَرْدُ، وكَوْنُ الشَّمْسِ في أوَّلِ بُرْجِ الحَمَلِ هو بِمَثابَةِ طُلُوعِها مِنَ المَشْرِقِ في أوَّلِ كُلِّ نَهارٍ، وكَوْنُها في الِاعْتِدالِ الثّانِي عِنْدَ اسْتِقْبالِها البُرُوجَ الجَنُوبِيَّةَ إذا حَلَّتْ بِرَأْسِ المِيزانِ هو بِمَثابَةِ غُرُوبِها، ثُمَّ بِكَوْنِها في الِانْتِهائَيْنِ في طُولِ الأيّامِ حِينَ حُلُولِها بُرْجَ السَّرَطانِ هو بِمَنزِلَةِ اسْتِوائِها في الصَّيْفِ في كَبِدِ السَّماءِ كَما أنَّ حُلُولَها بِرَأْسِ الجَدْيِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ في الشِّتاءِ [فِي] قِصَرِ الأيّامِ وطُولِ اللَّيالِي هو بِمَثابَةِ اسْتِوائِها فِيما يُقابِلُ (p-١٥٩)اسْتِواءَها في الشِّتاءِ في كَبِدِ السَّماءِ في النَّهارِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُرْجانَ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: سَخَّرَ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ جَهَنَّمَ - أيْ بِواسِطَةِ الشَّمْسِ - وهي أعْدى عَدُوٍّ لَهُمْ، فَأخْرَجَ لَهُما بِواسِطَتِها الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ والجِنانَ المَعْرُوشاتِ وغَيْرَ المَعْرُوشاتِ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ.
الرحمن 55:18
ولَمّا كانَ في هَذا مِنَ النِّعَمِ ما لا يُحْصى، قالَ مُسَبِّبًا: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ الَّذِي دَبَّرَ لَكم هَذا التَّدْبِيرَ العَظِيمَ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أيْ: بِنِعْمَةِ البَصَرِ مِن جِهَةِ اليَمِينِ أوْ غَيْرِها مِن تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ دائِبَيْنِ دائِرَيْنِ لِإدارَةِ الزَّمانِ وتَجْدِيدِ الأيّامِ، وعَدَدِ الشُّهُورِ والأعْوامِ، واعْتِدالِ الهَواءِ واخْتِلافِ الأحْوالِ عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لِمَصالِحِ الدُّنْيا ومَعايِشِها عَلى مِنهاجٍ مَحْفُوظٍ وقانُونٍ لا يَزِيغُ.
الرحمن 55:19
ولَمّا كانَتْ باحَةُ البَحْرِ لِجَرْيِ المَراكِبِ كَساحَةِ السَّماءِ لِسَيْرِ الكَواكِبِ مَعَ [ما] اقْتَضى ذِكْرُهُ مِن تَضَمُّنِ ذِكْرِ المَشارِقِ والمَغارِبِ لِلشِّتاءِ الحاصِلِ فِيهِ مِنَ الأمْطارِ ما لَوْ جَرى عَلى القِياسِ لَأفاضَ البِحارَ، فَأغْرَقَتِ البَرارِيَ والقِفارَ، وعَلَتْ عَلى الأمْصارِ وجَمِيعِ الأقْطارِ، فَقالَ: ﴿مَرَجَ﴾ أيْ: أرْسَلَ الرَّحْمَنُ ﴿البَحْرَيْنِ﴾ أيِ: المِلْحَ والعَذْبَ فَجَعَلَهُما مُضْطَرِبَيْنِ، مِن طَبْعِهِما الِاضْطِرابُ، حالَ كَوْنِهِما ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ يَتَماسّانِ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ بِلا فَصْلٍ بَيْنَهُما في رُؤْيَةِ العَيْنِ وفي باطِنِها، فَجَعَلَ الحُلْوَ آيَةً دالَّةً (p-١٦٠)عَلى مِياهِ الجَنَّةِ، والمِلْحَ آيَةً دالَّةً عَلى بَعْضِ شَرابِ أهْلِ النّارِ لا يَرْوِي شارِبَهُ ولا يُغْنِيهِ، بَلْ يُحْرِقُ بَطْنَهُ ويُعْيِيهِ، أوْ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ هُما مُلْتَقِيانِ في البَحْرِ المُحِيطِ لِكَوْنِهِما خَلِيجَيْنِ مِنهُ.
الرحمن 55:20
ولَمّا كانَ التِقاءُ المايِعَيْنِ ولا سِيَّما مَعَ الِاضْطِرابِ الدّائِمِ الِاخْتِلاطِ فَيُحِيلُ ما لِأحَدِهِما أوْ لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ الصِّفاتِ إلى الصِّفاتِ الأُخْرى، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى المانِعِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ في البَحْرَيْنِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ أيْ حاجِزٌ عَظِيمٌ مِنَ القُدْرَةِ المُجَرَّدَةِ عَلى الأوَّلِ وتَسَيُّبِ الأرْضِ عَلى الثّانِي يَمْنَعُهُما مَعَ الِالتِقاءِ مِنَ الِاخْتِلاطِ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: البَرْزَخُ ما لَيْسَ هو بِصَرِيحِ هَذا ولا بِصَرِيحِ هَذا، فَكَذَلِكَ السَّهْلُ والجَبَلُ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ يُسَمّى الخَيْفَ، كَذَلِكَ اللَّيْلُ والنَّهارُ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ يُسَمّى غَبَشًا، كَذَلِكَ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَرْزَخٌ لَيْسَ مِن هَذا ولا مِن هَذا ولا هو خارِجٌ عَنْهُما، وكَذَلِكَ الرَّبِيعانِ هُما بَرْزَخانِ بَيْنَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ بِمَنزِلَةِ غَبَشِ أوَّلِ النَّهارِ وغَبَشِ آخِرِهِ، جَعَلَ بَيْنَ كُلِّ صِنْفَيْنِ مِنَ المَوْجُوداتِ بَرْزَخًا لَيْسَ مِن هَذا ولا مِن هَذا وهو مِنهُما كالجَمادِ والنَّباتِ والحَيَوانِ.
ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ كَذَلِكَ قالَ: ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ أيْ: لا يَطْغَيانِ في هَلاكِ النّاسِ كَما طَغَيا فَأهْلَكا مَن عَلى الأرْضِ أيّامَ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-١٦١)والسَّلامُ، ولا يَبْغِي واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمارَجَةِ، ولا يَتَجاوَزانِ ما حَدَّهُ لَهُما خالِقُهُما ومُدَبِّرُهُما لا في الظّاهِرِ ولا في الباطِنِ، فَمَتى حَفَرْتَ عَلى جَنْبِ المالِحِ وجَدْتَ الماءَ العَذْبَ، وإنْ قَرَّبْتَ الحُفْرَةَ مِنهُ بَلْ كُلَّما قَرَّبْتَ كانَ أحْلى، فَخَلَطَهُما اللَّهُ سُبْحانَهُ في رَأْيِ العَيْنِ وحَجَزَ بَيْنَهُما في رَأْيِ عَيْنِ القُدْرَةِ، هَذا وهُما جَمادانِ لا نُطْقَ لَهُما ولا إدْراكَ، فَكَيْفَ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ أيُّها المُدْرِكُونَ العُقَلاءُ.
الرحمن 55:21
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا دالًّا دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ لا سِيَّما عَلى الآخِرَةِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُوجِدِ لَكُما والمُرَبِّي ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أيْ بِنِعْمَةِ الإبْصارِ مِن جِهَةِ اليَسارِ أوْ غَيْرِهِ، فَهَلّا اعْتَبَرْتُمْ بِهَذِهِ الأُصُولِ مِن أنْواعِ المَوْجُوداتِ فَصَدَّقْتُمْ بِالآخِرَةِ لِعِلْمِكم بِهَذِهِ البَرازِخِ أنَّ مَوْتَتَكم هَذِهِ بَرْزَخٌ وفَصْلٌ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ كالعِشاءِ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ولَوِ اسْتَقْرَأْتُمْ ذَلِكَ في آياتِ السَّماواتِ والأرْضِ وجَدْتُمُوهُ شائِعًا في جَمِيعِ الأكْوانِ.
الرحمن 55:22
ولَمّا ذَكَرَ المِنَّةَ بِالبَحْرِ ذَكَرَ النِّعْمَةَ بِما يَنْبُتُ فِيهِ كَما فَعَلَ بِالبَرِّ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ كُلًّا مِن وُجُودِهِ فِيهِ والتَّسْلِيطِ عَلى إخْراجِهِ مِنهُ خارِقٌ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَخْرَجٍ مُعَيَّنٍ، والنِّعْمَةُ نَفْسُ الخُرُوجِ، ولِذَلِكَ قَرَأ [غَيْرُ] نافِعٍ والبَصْرِيِّينَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِنَ الخُرُوجِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما﴾ أيْ: بِمُخالَطَةِ العَذْبِ المِلْحَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أوْ بِواسِطَةِ السَّحابِ، فَصارَ ذَلِكَ (p-١٦٢)كالذَّكَرِ والأُنْثى، قالَ الرّازِيُّ: فَيَكُونُ العَذْبُ كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي يَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ فَناسَبَ إسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وعِكْرِمَةُ مَوْلاهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ لِأنَّ الصَّدَفَ [وغَيْرَها] تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ - انْتَهى.
فَتَكُونُ الأصْدافُ كالأرْحامِ لِلنُّطَفِ وماءُ البَحْرِ كالجَسَدِ الغاذِي، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ مِن ماءِ المَطَرِ كَما قالَ الأُسْتاذُ حَمْزَةُ الكِرْمانِيُّ: إنَّ مِنَ المَشْهُورِ أنَّ السَّنَةَ إذا أجْدَبَتْ هَزَلَتِ الحِيتانُ، وقَلَّتِ الأصْدافُ والجَواهِرُ - انْتَهى. ثُمَّ لا شَكَّ في أنَّهُما وإنْ كانا بَحْرَيْنِ فَقَدْ جَمَعَها وصْفٌ واحِدٌ بِكَوْنِهِما [ماءً]، فَيَسُوغُ إسْنادُ الخُرُوجِ إلَيْهِما كَما يُسْنَدُ خُرُوجُ الإنْسانِ إلى جَمِيعِ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجَ مِن دارٍ مِنها كَما نُسِبَ الرُّسُلُ إلى الجِنِّ والإنْسِ بِجَمْعِهِما في خِطابٍ واحِدٍ فَقالَ: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] وكَذا ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] ومِثْلُهُ كَثِيرٌ ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ وهو الدُّرُّ الَّذِي [هُوَ] في غايَةِ البَياضِ والإشْراقِ والصَّفاءِ ﴿والمَرْجانُ﴾ أيِ القُضْبانُ الحُمْرُ الَّتِي هي في غايَةِ الحُمْرَةِ، فَسُبْحانَ مَن غايَرَ بَيْنَهُما في اللَّوْنِ والمَنافِعِ والكَوْنِ - نَقَلَ هَذا [القَوْلَ] ابْنُ عَطِيَّةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ: [و]هَذا هو المَشْهُورُ الِاسْتِعْمالِ - [انْتَهى]، وقالَ جَمْعٌ كَثِيرٌ: [إنَّ] اللُّؤْلُؤَ كِبارُ الدُّرِّ والمَرْجانَ صِغارُهُ.
الرحمن 55:23
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن جَلِيلِ النِّعَمِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ (p-١٦٣)أيِ: المالِكِ لَكُما الَّذِي هو المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ هَذِهِ الصَّنائِعِ [العُظْمى]، أبِنِعْمَةِ البَصَرِ مِن جِهَةِ الفَوْقِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن خَلْقِ المَنافِعِ في البِحارِ وتَسْلِيطِكم عَلَيْها وإخْراجِ الحُلِيِّ الغَرِيبَةِ وغَيْرِها.
الرحمن 55:24
ولَمّا كانَ قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الخارِجَ مِنهُ بِماءِ السَّماءِ، ذَكَرَ السّائِرَ عَلَيْهِ بِالهَواءِ، وأشارَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ إلى أنَّ السّائِرَ في الفُلْكِ لا تَصْرِيفَ لَهُ، وإنْ ظَهَرَ لَهُ تَصْرِيفٌ فَهو لِضَعْفِهِ كَلا تَصْرِيفٍ، فَقالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ: لا لِغَيْرِهِ، فَلا تَغْتَرُّوا بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ فَتَقِفُوا مَعَها فَتُسْنِدُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلَيْها كَما وقَفَ أهْلُ الِاغْتِرارِ بِالشّاهِدِ، الَّذِينَ هم أجْمَدُ أهْلِ الأرْضِ أذْهانًا وأحْقَرُهم شَأْنًا فَقالُوا بِالِاتِّحادِ والوَحْدَةِ ﴿الجَوارِ﴾ أيِ: السُّفُنُ الكِبارُ والصِّغارُ الفارِغَةُ والمَشْحُونَةُ. ولَمّا كانَتْ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ كَوْنَهُ عَلى صِفَةِ كَمالِهِ، وكانَتِ السُّفُنُ تُبْنى مِن خَشَبٍ مُجَمَّعٍ وتُوصَلُ حَتّى تَصِيرَ عَلى هَيْئَةٍ تَقْبَلُ المَنافِعَ الجَمَّةَ، وكانَتْ تُرَبّى بِذَلِكَ الجَمْعِ كَما تُرَبِّي النَّباتَ والحَيَوانَ، وكانَتْ تَرْتَفِعُ عَلى البَحْرِ ويُرْفَعُ شِراعُها وتَحْدُثُ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً بِجِبالِ الأمْواجِ قالَ تَعالى: ﴿المُنْشَآتُ﴾ مِن نَشَأ - إذا حَيِيَ ورَبا، والسَّحابَةُ: ارْتَفَعَتْ، وأصْلُ النّاشِئِ كُلُّ ما حَدَثَ بِاللَّيْلِ وبَدَأ، ومَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ وأبِي بَكْرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ أنَّها رافِعَةٌ شِراعَها بِسَبَبِ اسْتِمْساكِها عَنِ الرُّسُوبِ ومُنْشِئَةٌ لِلسَّيْرِ، ومَعْنى قِراءَةِ الباقِينَ أنَّهُ أنْشَأها الصّانِعُ وأرْسَلَها ورَفَعَ شِراعَها. (p-١٦٤)ولَمّا كانَتْ مَعَ كَوْنِها عالِيَةً عَلى الماءِ مُنْغَمِسَةً فِيهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَها مِن نَفْسِها إلّا الرُّسُوبُ والغَوْصُ قالَ: ﴿فِي البَحْرِ﴾ ولَمّا كانَتْ تُرى عَلى البُعْدِ كالجِبالِ عَلى وجْهِ الماءِ قالَ: ﴿كالأعْلامِ﴾ أيْ:كالجِبالِ الطِّوالِ.
الرحمن 55:25
ولَمّا كانَ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ بِالتَّكَسُّبِ مِنَ البَحْرِ بِالصَّيْدِ وغَيْرِهِ والتَّوَصُّلِ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ لِلْفَوائِدِ الهائِلَةِ، وكانَتْ أعْمالُهم في البَحْرِ الإخْلاصَ [الَّذِي] يَلْزَمُ مِنها الإخْلاصُ في البَرِّ، لِأنَّهُما بِالنِّسْبَةِ إلى إبْداعِهِ لَهُما وقُدْرَتِهِ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِما بِكُلِّ ما يُرِيدُهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعْمَةِ العُظْمى ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ البَصَرِ مِن تَحْتِكم أوْ غَيْرِها مِنَ الأسْفارِ، في مَحَلِّ الأخْطارِ، والإنْجاءِ عِنْدَ الِاضْطِرابِ والرِّيحِ في مَحَلِّ الخَسارِ، والإرْشادِ إلى ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ مَوادِّ السُّفُنِ وتَعْلِيمِ صَنْعَتِها وتَسْخِيرِها والفَلَك لعدصي لَوَهْمًا بِمَثابَةِ جَمِيعِ الكَوْنِ، فَخُدّامُها كالمَلائِكَةِ في إقامَةِ المَلَكُوتِ وتَحْسِينِ تَماسُكِهِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، والمُسافِرُونَ بِها الَّذِينَ أُنْشِئَتْ لِأجْلِهِمْ وِزانُ المَأْمُورِينَ المُكَلَّفِينَ المُتَهَيِّئِينَ الَّذِينَ مِن أجْلِهِمْ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَعَبَرَ بِهِمْ مِن غُرْبَتِهِمْ إلى قَرارِهِمْ، ومِن غَيْبَتِهِمْ إلى حُضُورِهِمْ ومَشاهِدِهِمْ، ومُدَبِّرُ أمْرِها في أعْلاها يَأْمُرُهم بِأمْرِهِ فَيَعْبُدُونَهُ ويَسْمَعُونَ لَهُ، ثُمَّ قَدْ يُصْرَفُ الِاعْتِبارُ إلى أنْ تَكُونَ آيَةً عَلى قَطْعِ المُؤْمِنِ أيّامَ الدُّنْيا فالدُّنْيا هي البَحْرُ، والسَّفِينَةُ جِسْمُهُ، وباطِنُ العَبْدِ هو المَحْمُولُ فِيها، والعَقْلُ صاحِبُ سِياسَتِها، والقُوى خِدْمَتُها، وأمْرُ اللَّهِ وتَدْبِيرُهُ مُحِيطٌ بِها، والإيمانُ أمَنَتُها، والتَّوْفِيقُ (p-١٦٥)رِيحُها، والذِّكْرُ شِراعُها، والرَّسُولُ سائِقُها بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ رَبِّهِ، والعَمَلُ الطَّيِّبُ يُصْلِحُ شَأْنَها، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُرْجانَ.
الرحمن 55:26
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَثَّ فِيهِما مِنَ المَنافِعِ [مِنَ الأعْيانِ] والمَعانِي، واسْتَوْفى الأرْضَ بِقِسْمَيْها بَرًّا وبَحْرًا، مُضَمِّنًا ذَلِكَ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ الَّتِي أسَّسَ عَلَيْها المُرَكَّباتِ، وكانَ أعْجَبَ ما لِلْمَخْلُوقِ مِنَ الصَّنائِعِ ما في البَحْرِ، وكانَ راكِبُهُ في حُكْمِ العَدَمِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ بِهَلاكِ الخَلْقِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُعَبِّرًا بِالِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ وبِـ ”مَن“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّصْرِيحِ تَهْوِيلًا بِفَناءِ العاقِلِ [عَلى فَناءِ غَيْرِ العاقِلِ] بِطَرِيقِ الأوْلى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ أيِ: الأرْضِ بِقِسْمَيْها والسَّماءِ أيْضًا ﴿فانٍ﴾ أيْ: هالِكٌ ومَعْدُومٌ بِالفِعْلِ بَعْدَ أنْ كانَ هو وغَيْرُهُ مِن سائِرِ ما [سِوى] إلَيْهِ، ولَيْسَ لِذَلِكَ كُلِّهِ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، فَهو فانٍ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنْ كانَ مَوْجُودًا فَوُجُودُهُ بَيْنَ عَدَمَيْنِ أوَّلُهُما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، [و]ثانِيهِما أنَّهُ يَزُولُ ثُمَّ هو فِيما [بَيْنَ] ذَلِكَ يَتَعاوَرُهُ الإيجادُ والإفْناءُ في حِينٍ مِن أحْوالِهِ وأعْراضِهِ وقُواهُ، وأسْبابُ الهَلاكِ مُحِيطَةٌ بِهِ حِسًّا ومَعْنًى وهو لا يَراها كَما أنَّها مُحِيطَةٌ بِمَن هو في السَّفِينَةِ مِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ ومِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.
الرحمن 55:27
ولَمّا كانَ الوَجْهُ أشْرَفَ ما في الوُجُودِ، وكانَ يُعَبَّرُ بِهِ عَمّا أُرِيدَ بِهِ صاحِبُ الوَجْهِ مَعَ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ بَقاءُ الوَجْهِ بِدُونِ صاحِبِهِ، فَكانَ (p-١٦٦)التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أعْظَمَ وأدَلَّ عَلى الكَمالِ، وكانَ مِنَ المُقَرَّرِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلا يَتَوَهَّمُ أحَدٌ [مِنهُمْ] مِنَ التَّعْبِيرِ بِهِ نَقْصًا قالَ: ﴿ويَبْقى﴾ أيْ: بَعْدَ فَناءِ الكُلِّ، بَقاءً مُسْتَمِرًّا إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُرَبِّي لَكَ بِالرِّسالَةِ والتَّرْقِيَةِ بِهَذا الوَحْيِ إلى ما لا يُحَدُّ مِنَ المَعارِفِ، وكُلُّ عَمَلٍ أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خالِصًا. ولَمّا ذَكَرَ مُبايَنَتَهُ لِلْمَخْلُوقاتِ، وصَفَهُ بِالإحاطَةِ الكامِلَةِ بِالنَّزاهَةِ والحَمْدِ، وقالَ واصِفًا الوَجْهَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الذّاتُ الَّذِي [هُوَ] أشْرَفُها مُعَبِّرًا بِهِ ولِأنَّها أبْلَغُ مِن ”صاحِبِ“ وبِما يُنَبِّهُ عَلى التَّنْزِيهِ عَمّا رُبَّما تَوَهَّمَهُ مِن ذِكْرِ الوَجْهِ بَلِيدٌ جامِدٌ مَعَ المَحْسُوساتِ يَقِيسُ الغائِبَ - الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ حاجَةٌ ولا يُلِمُّ بِجَنابِهِ الأقْدَسِ نَقْصٌ - بِالشّاهِدِ الَّذِي كُلُّهُ نَقْصٌ وحاجَةٌ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ أيِ: العَظَمَةِ الَّتِي لا تُرامُ وهو صِفَةُ ذاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي إجْلالَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ ﴿والإكْرامِ﴾ أيِ: الإحْسانِ العامِّ وهو صِفَةُ فِعْلِهِ.
الرحمن 55:28
ولَمّا كانَ المَوْتُ نَفْسُهُ فِيهِ نِعَمٌ لا تُنْكَرُ، وكانَ مَوْتُ ناسٍ نِعْمَةً عَلى ناسٍ، مَعَ ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ مِن وصْفِهِ بِالإنْعامِ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: [المُرَبِّي لَكُما عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي مَآلُهُ إلى العَدَمِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى] ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أيْ: أيُّها الثَّقَلانِ الإنْسُ والجانُّ، أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن جِهَةِ الأمامِ أوْ غَيْرِها مِن إيجادِ الخَلْقِ ثُمَّ إعْدامِهِمْ وتَخْلِيفِ بَعْضِهِمْ في أثَرِ بَعْضٍ (p-١٦٧)وإيراثِ البَعْضِ ما في يَدِ البَعْضِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُدْرِكُها عَلى جِهَتِها إلّا اللَّهُ تَعالى.
الرحمن 55:29
ولَمّا كانَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى العَدَمِ الحاجَةُ، وعَلى دَوامِ الوُجُودِ الغِنى، قالَ دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ: ﴿يَسْألُهُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿مَن في السَّماواتِ﴾ أيْ: كُلُّهم ﴿والأرْضِ﴾ أيْ: كُلُّهم مِن ناطِقٍ أوْ صامِتٍ بِلِسانِ الحالِ أوِ القالِ [أوْ بِهِما]، ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ عِنْدَ السُّؤالِ، وكانَ أقَلَّ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ المَحْسُوسَةِ ”اليَوْمَ“ عَبَّرَ بِهِ عَنْ أقَلِّ الزَّمانِ كَما عَبَّرَ [بِهِ] عَنْ أخَفِّ المَوْزُوناتِ بِالذَّرَّةِ فَقالَ مُجِيبًا لِذَلِكَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ أيْ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مِن يَوْمِ السَّبْتِ وعَلى اليَهُودِ لَعْنَةُ اللَّهِ وغَضَبُهُ حَيْثُ قالُوا في السَّبْتِ ما هو مُنافٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾ أيْ: مِن إحْداثِ أعْيانٍ وتَجْدِيدِ مَعانٍ أوْ إعْدامِ ذَلِكَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: [فِي] فُنُونِ أقْسامِ المَخْلُوقاتِ وما يُجْرِيهِ عَلَيْها مِنَ اخْتِلافِ الصِّفاتِ - انْتَهى.
وهُوَ شُؤُونٌ يُبْدِيها لا شُؤُونٌ يَبْتَدِئُها تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ عَلى ما تَعَلَّقَ بِهِ العِلْمُ في الأزَلِ أنَّهُ يَكُونُ أوْ يُعْدَمُ في أوْقاتِهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ قانِتٌ لَهُ خاضِعٌ لَدَيْهِ ساجِدٌ لِعَظَمَتِهِ شاهِدٌ لِقُدْرَتِهِ دالٌّ عَلَيْهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وذَلِكَ التَّعْبِيرُ - مَعَ أنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ - أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى (p-١٦٨)صِفاتِ الكَمالِ [لَهُ وصِفاتِ] النَّقْصِ لِلْمُتَغَيِّراتِ وأنَّها عَدَمٌ في نَفْسِها ولِأنَّها نِعَمٌ قالَ:
الرحمن 55:30
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ:المُرَبِّي لَكُما بِهَذا التَّدْبِيرِ العَظِيمِ لِكُلِّ ما يُصْلِحُكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن [جِهَةِ] الخَلْفِ أوْ غَيْرِها مِن تَصْرِيفِهِ إيّاكم فِيما خَلَقَكم لَهُ هو أعْلَمُ بِهِ مِنكم مِن مَعايِشِكم وجَمِيعِ تَقَلُّباتِكُمْ، وقَدْ تَكَرَّرَتْ في هَذِهِ الآيَةِ المُقَرِّرَةِ عَلى النِّعَمِ مِن أوَّلِها إلى هُنا ثَمانِيَ مَرّاتٍ عَقِبَ النِّعَمِ إشارَةً - واللَّهُ أعْلَمُ - إلى أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا تُحْصى لِأنَّها تَزِيدُ عَلى السَّبْعَةِ الَّتِي هي العَدَدُ التّامُّ الواحِدُ هو مَبْدَأٌ لِدَوْرٍ جَدِيدٍ مِنَ العَدَدِ إشارَةً إلى أنَّهُ كُلَّما انْقَضى مِنها دَوْرٌ ابْتَدَأ دَوْرٌ آخَرُ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الأخِيرَةَ صَرَّحَ فِيها بِـ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] والسَّبْعُ الَّتِي قَبْلَها يَخْتَصُّ بِأهْلِ الأرْضِ إشارَةً إلى أنَّ أُمَّهاتِ النِّعَمِ سَبْعٌ كالسَّماواتِ والأرْضِ والكَواكِبِ السَّيّارَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
الرحمن 55:31
ولَمّا انْقَضى عَدُّ النِّعَمِ العِظامِ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ الإمْكانِ مِنَ البَيانِ، وكانَ تَغَيُّرُ سائِرِ المُمْكِناتِ مِنَ النَّباتِ والجَمادِ والمَلائِكَةِ والسَّماواتِ [والأرْضِ] وما حَوَتا مِمّا عَدا الثَّقَلَيْنِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا تَفاوُتَ فِيهِ، وأمّا الثَّقَلانِ فَأحْوالُهُما لِأجْلِ تَنازُعِ العَقْلِ والشَّهَواتِ لا تَكادُ تَنْضَبِطُ، بَلْ تَغَيُّرُ حالِ الواحِدِ مِنهم في اللَّحْظَةِ الواحِدَةِ إلى ألْوانٍ كَثِيرَةٍ مُتَضادَّةٍ لِما فِيهِمْ مِنَ المَكْرِ وأحْوالِ المُغالَبَةِ والبَغْيِ والِاسْتِئْثارِ بِاللَّهْوِ (p-١٦٩)بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وكانَ أكْثَرُهم يَمُوتُ بِنارِهِ مِن غَيْرِ أخْذِ ثَأْرِهِ، واقْتَضَتِ الحِكْمَةُ ولابُدَّ أنَّهُ لابُدَّ لَهم مِن يَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ يَكُونُ بَيْنَهُما فِيهِ الفَصْلُ عَلى مِيزانِ العَدْلِ، خَصَّهُما بِالذِّكْرِ فَقالَ آتِيًا في النِّهايَةِ بِالوَعِيدِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْعُصاةِ بَعْدَ الإنْعامِ والبَيانِ إلّا التَّهْدِيدُ الشَّدِيدُ لِلرُّجُوعِ إلى طاعَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ، والِالتِفاتُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ إلى التَّكَلُّمِ أشَدُّ تَهْدِيدًا مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى نَسَقِ ما مَضى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ قَرِيبٍ لا خُلْفَ فِيهِ مِن جَمِيعِ الشُّؤُونِ الَّتِي ذُكِرَتْ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: نَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَفْرُغُ لِلشَّيْءِ فَلا يَكُونُ لَهُ شُغْلٌ سِواهُ بِفَراغِ جُنُودِنا مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِمّا أمَرْناهم بِهِ مِمّا سَبَقَتْ بِهِ كَلِمَتُنا ومَضَتْ بِهِ حِكْمَتُنا مِنَ الآجالِ والأرْزاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْتَهِي كُلُّهُ ولا يَكُونُ لَهم حِينَئِذٍ عَمَلٌ إلّا جَمْعَكم لِيَقْضِيَ بَيْنَكُمْ: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ بِالنَّصَفَةِ، والثِّقَلُ هو ما يَكُونُ بِهِ قِوامُ صاحِبِهِ، فَكَأنَّهُما سُمِّيا بِذَلِكَ تَمْثِيلًا لَهُما بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُما المَقْصُودانِ بِالذّاتِ مِنَ الخَلائِقِ، [و]قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وُصِفا بِذَلِكَ يُعَظِّمُ ذَلِكَ شَأْنَهُما، كَأنَّ ما عَداهُما لا وزْنَ لَهُ بِالإضافَةِ إلَيْهِما - انْتَهى. وهَذا كَما قالَ ﷺ «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتابَ اللَّهِ وعِتْرَتِي» وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما مُثْقَلانِ بِالذُّنُوبِ.
الرحمن 55:32
(p-١٧٠)ولَمّا كانَ هَذا مِن أجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها العِبادُ، ويَصْلُحُ بِها البِلادُ، وتَقُومُ بِها السَّماواتُ والأرْضُ، لِأنَّ مُطْلَقَ التَّهْدِيدِ يَحْصُلُ بِهِ انْزِجارُ النَّفْسِ عَمّا لَها مِنَ الِانْتِشارِ فِيما يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، فَكَيْفَ بِالتَّهْدِيدِ بِيَوْمِ الفَصْلِ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكُما بِهَذا الصُّنْعِ [المُحْكَمِ] ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ عَنِ اليَمِينِ أوْ بِغَيْرِها مِن إثابَةِ أهْلِ طاعَتِهِ وعُقُوبَةِ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ، وسَمّى ابْنُ بُرْجانَ هَذا الإخْبارَ الَّذِي لا نُونَ جَمْعٍ فِيهِ خِطابَ القَبْضِ يُخْبِرُ فِيهِ عَنْ مَوْجُوداتِهِ وما هو خالِقُهُ، قالَ: وذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ عَنْ مَحْضِ الوَحْدانِيَّةِ، وما قَبْلَهُ مِن ﴿سَنَفْرُغُ﴾ [الرحمن: ٣١] ونَحْوِهِ وما فِيهِ نُونُ الجَمْعِ إخْبارٌ عَنْ وصْفِ مَلَكُوتِهِ وجُنُودِهِ وهو خِطابُ البَسْطِ.
الرحمن 55:33
ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ بِالفَراغِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُمُ الآنَ مَعْجُوزٌ عَنْهم أوْ عَنْ بَعْضِ أمْرِهِمْ، بَيَّنَ بِخِطابِ القَبْضِ المُظْهِرِ لِمَحْضِ الوَحْدانِيَّةِ أنَّهم في القَبْضَةِ، لا فِعْلَ لِأحَدٍ مِنهم بِدَلِيلِ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى جَمِيعِ مُرادِهِمْ مِمّا هو في مَقْدُورِهِمْ، ولَكِنَّهُ سَتَرَ ذَلِكَ بِالأسْبابِ الَّتِي يُوجِدُ التَّقَيُّدُ بِها إسْنادَ الأُمُورِ إلى مُباشَرَتِها فَقالَ بَيانًا لِلْمُرادِ بِالثَّقَلَيْنِ: ﴿يا مَعْشَرَ﴾ أيْ: يا جَماعَةً فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ والعِشْرَةُ والتَّصادُقُ ﴿الجِنِّ﴾ قَدَّمَهم لِمَزِيدِ قُوَّتِهِمْ ونُفُوذِهِمْ في المَسامِّ وقُدْرَتِهِمْ عَلى الخَفاءِ والتَّشَكُّلِ في الصُّوَرِ بِما ظُنَّ أنَّهم لا يُعْجِزُهم شَيْءٌ ﴿والإنْسِ﴾ أيِ: الخَواصِّ والمُسْتَأْنِسِينَ والمُؤانَسِينَ المَبْنِيِّ أمْرُهم عَلى الإقامَةِ والِاجْتِماعِ.
ولَمّا بانَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ المُرادُ بِالتَّثْنِيَةِ، جَمَعَ دَلالَةً عَلى كَثْرَتِهِمْ فَقالَ: (p-١٧١)﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [أيْ] إنْ وُجِدَتْ لَكم طاعَةُ الكَوْنِ في ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾ أيْ: تَسْلُكُوا بِأجْسامِكم وتَمْضُوا مِن غَيْرِ مانِعٍ يَمْنَعُكم ﴿مِن أقْطارِ﴾ أيْ: نَواحِي ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الَّتِي يَتَخَلَّلُها القَطْرُ لِسُهُولَةِ انْفِتاحِها لِشَيْءٍ تُرِيدُونَهُ مِن هَرَبٍ مِنَ اللَّهِ مِن إيقاعِ الجَزاءِ بَيْنَكُمْ، أوْ عِصْيانٍ عَلَيْهِ في قَبُولِ أحْكامِهِ وجَرْيِ مُراداتِهِ وأقْضِيَتِهِ عَلَيْكم مِنَ المَوْتِ وغَيْرِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿فانْفُذُوا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مُحِيطَةٌ بِالأُخْرى لِأنَّ النُّفُوذَ لا يَكُونُ حَقِيقَةً إلّا مَعَ الخَرْقِ.
ولَمّا كانَ نُفُوذُهم في حَدِّ ذاتِهِ مُمْكِنًا ولَكِنَّهُ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ في أحَدٍ مِنهم قُوَّتَهُ ولا سِيَّما وقَدْ مَنَعَهم مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمُورٍ مِنها إحْداقُ أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ [بِهِمْ] صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ وسُرادِقُ النّارِ قَدْ أحاطَ بِالكافِرِينَ ولا مَنفَذَ لِأحَدٍ إلّا عَلى الصِّراطِ ولا يَجُوزُهُ إلّا كُلُّ ضامِرٍ يَخِفُّ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لا تَنْفُذُونَ﴾ أيْ [مِن] شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾ إلّا بِتَسْلِيطٍ عَظِيمٍ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأمْرٍ قاهِرٍ وقُدْرَةٍ بالِغَةٍ وأنّى لَكم بِالقُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، قالَ البَغْوِيُّ: وفي الخَبَرِ: يُحاطُ عَلى الخَلْقِ بِالمَلائِكَةِ وبِلِسانٍ مِن نارٍ ثُمَّ يُنادَوْنَ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ الآيَةُ - انْتَهى، وهَذا حِكايَةُ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ لا أنَّهُ خاصٌّ بِهِمْ.
الرحمن 55:34
(p-١٧٢)ولَمّا كانَ هَذا نَظَرَهم فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ بَقِيَّةِ الحَيَواناتِ بِما أعْطاهم مِنَ القُوى الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ وما نَصَبَ لَهُمُ المَصاعِدَ العَقْلِيَّةَ والمَعارِضَ النَّقْلِيَّةَ الَّتِي يَنْفُذُونَ بِها إلى غايَةِ الكائِناتِ ويَتَخَلَّلُونَ بِما يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ عِلْمُها إلى أعْلى المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ نَظَرَهم فِيما بَيْنَ الحَيَواناتِ وبَيْنَ النَّباتاتِ ثُمَّ بَيْنَها وبَيْنَ الجَماداتِ دالًّا دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعْطِي مَن يَشاءُ ما يَشاءُ، فَلَوْ أرادَ قَوّاهم عَلى النُّفُوذِ مِنها، ولَوْ قَوّاهم عَلى ذَلِكَ لَكانَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِنهُمْ، فَلَوْ شاءَ أهْلَكَهم ولَكِنَّهُ يُؤَخِّرُهم إلى آجالِهِمْ حِلْمًا مِنهُ وعَفْوًا مِنهُ عَنْهُمْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكُما المُرَبِّي لَكُما بِما تَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن جِهَةِ اليَسارِ أوْ غَيْرِها مِن جَعْلِكم سَواءً في أنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى مُخالَفَةِ مُرادِهِ سَواءٌ كُنْتُمْ جَمْعًا أوْ فُرادى، أوْ مِن ضَمِّكم إلى يَوْمِ الجَمْعِ وقَدْ جَمَعَكم قَبْلُ حِينَ ابْتَدَأ بِخَلْقِكم أوِ اليَوْمِ المَشْهُودِ وقَدْ أشْهَدَكم قَبْلُ عَلى أنْفُسِكم وعَهِدَ إلَيْكم أوْ بِتَكْشِيطِ السَّماواتِ وقَدْ شاهَدْتُمْ تَكْشِيطَ السَّحابِ بَعْدَ بَسْطِهِ أوْ بِالجَزاءِ وقَدْ رَأيْتُمُ الجَزاءَ العاجِلَ وشاهَدْتُمْ ما أصابَ الأُمَمَ الماضِيَةَ.
الرحمن 55:35
ولَمّا سَلَبَ عَنْهُمُ القُدْرَةَ عَلى النُّفُوذِ المَذْكُورِ تَنْبِيهًا عَلى سَلْبِ جَمِيعِ القُدْرَةِ عَنْهم وعَلى أنَّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ إنَّما هو بِتَقْدِيرِهِ لَهم نِعْمَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ مِنهم مَن بَلَغَ الغايَةَ في قَسْوَةِ القَلْبِ وجُمُودِ الفِكْرِ (p-١٧٣)فَهُوَ يُحِيلُ العَجْزَ عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ إلى أنَّهُ لَمْ يَجْرِ بِذَلِكَ عادَةٌ، لا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ المانِعُ مِن ذَلِكَ، فَعَمَّهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ سَطْوَتُهُ فَقالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما﴾ أيْ أيُّها المُعانِدُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: حِينَ [تُخْرَجُونَ مِنَ القُبُورِ] بِسَوْقِكم إلى المَحْشَرِ ﴿شُواظٌ﴾ أيْ: لَهَبٌ عَظِيمٌ مُنْتَشِرٌ مَعَ التَّضايُقِ مُحِيطٌ بِكم مِن كُلِّ جانِبٍ لَهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ كَهَيْئَةِ ذِي الخُلُقِ الضَّيِّقِ الشَّدِيدِ النَّفْسِ.
ولَمّا كانَ الشُّواظُ يُطْلَقُ عَلى اللَّهَبِ الَّذِي لا دُخانَ فِيهِ وعَلى دُخانِ النّارِ وحَرِّها وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ أيْ: دُخانٌ هو في غايَةِ الفَظاعَةِ فِيهِ شَرَرٌ مُتَطايِرٌ وقِطْرٌ مُذابٌ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخانَ نُحاسًا بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّها - انْتَهى. وجَرَّها أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ عَطْفًا عَلى ﴿نارٍ﴾ ورَفَعَهُ الباقُونَ عَطْفًا عَلى ﴿شُواظٌ﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا عَقْلًا وعادَةً، وكانُوا عارِفِينَ بِأنَّهم لَوْ وقَعُوا في مِثْلِ ذَلِكَ لَمْ يَتَخَلَّصُوا مِنهُ بِوَجْهٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: هَذا مِصْداقُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِن نارٍ فَيَقُولُ بِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ فَيَلْتَقِطُهم مِن بَيْنِ الجَمْعِ لَقْطَ الحَمامِ حَبَّ السِّمْسِمِ، ويَغْشى المُجْرِمِينَ دُخانُ جَهَنَّمَ مِن بَيْنِ المُؤْمِنِينَ ولا يَضُرُّهُمْ، وآيَةُ الشُّواظِ (p-١٧٤)وعُنُقِ النّارِ هُنالِكَ صَواعِقُ ما هُنا وبُرُوقُهُ والنّارُ المَعْهُودَةُ» .
الرحمن 55:36
ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ بِهَذا لُطْفًا بِهِمْ فَهو نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ والعَفْوُ عَنِ المُعالَجَةِ بِإرْسالِهِ لِذَلِكَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُرَبِّي لَكُما بِدَفْعِ البَلايا وجَلْبِ المَنافِعِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن فَوْقٍ أوْ غَيْرِها، ألَمْ يَكُنْ لَكم فِيما شَهِدْتُمُوهُ في الدُّنْيا مِن دَلائِلِ ذَلِكَ وآياتِهِ ما يُوجِبُ لَكُمُ الإيمانَ.
الرحمن 55:37
ولَمّا كانَ هَذا مِمّا لَمْ تَجْرِ عادَةٌ بِعُمُومِهِ وإنِ اسْتَطْرَدَتْ بِجَرَيانِهِ مِنهُ في أشْياءَ مِنهُ في أماكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ كَأشْخاصٍ كَثِيرَةٍ، بَيَّنَ لَهم وقْتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ هَذا الإرْسالِ أنَّهُ إذا ﴿انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ مِن هَوْلِهِ وعَظَمَتِهِ فَكانَتْ أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ﴿فَكانَتْ﴾ لِما يُصِيبُها مِنَ الحَرِّ ﴿ورْدَةً﴾ أيْ: حَمْراءَ مُشْرِقَةً مِن شِدَّةِ لَهِيبِهِ، وقالَ البَغْوِيُّ: كَلَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ وهو الأبْيَضُ الَّذِي يَضْرِبُ إلى حُمْرَةٍ وصُفْرَةٍ.
﴿كالدِّهانِ﴾ أيْ ذائِبَةً صافِيَةً كالشَّيْءِ الَّذِي يُدْهَنُ بِهِ أوْ كالأدِيمِ الأحْمَرِ والمَكانِ الزَّلِقِ، وآيَةُ ذَلِكَ في الدُّنْيا الشَّفَقانِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وعِنْدَ الغُرُوبِ، وجَوابُ ”إذا“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلِمْتُمْ ذَلِكَ عِلْمًا شُهُودِيًّا أوْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ حِينَئِذٍ ونَحْوُ ذا أنْ يَكُونَ الجَوابُ شَيْئًا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ الآتِيَةُ نَحْوَ: فَلا يَسْألُ أحَدٌ إذْ ذاكَ عَنْ ذَنْبِهِ، وحَذْفُهُ أفْخَمُ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ.
الرحمن 55:38
(p-١٧٥)ولَمّا كانَ حِفْظُ السَّماءِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بِتَأْخِيرِ إرْسالِ هَذا وغَيْرِهِ مِنَ الأسْبابِ وجَعْلِها مَحَلَّ الرُّوحِ والحَياةِ والرِّزْقِ مِن أعْظَمِ الفَواضِلِ قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُرَبِّي لَكُما هَذا التَّدْبِيرَ المُتْقَنَ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن تَحْتٍ أوْ غَيْرِها ولَيْسَ شَيْءٌ بِما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا قَدْ أقَمْتُ لَكم في الدُّنْيا ما تَهْتَدُونَ بِهِ إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ.
الرحمن 55:39
ولَمّا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ ذا ألْوانٍ كَثِيرَةٍ ومَواقِفَ مَهُولَةٍ طَوِيلَةٍ شَهِيرَةٍ تَكُونُ في كُلٍّ مِنها شُؤُونٌ عَظِيمَةٌ وأُمُورٌ كَبِيرَةٌ، ذَكَرَ بَعْضَ ما سَبَّبَهُ هَذا الوَقْتُ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالعاصِي والطّائِعِ بِآياتٍ جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا في عِلْمِها فَقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: فَسُبِّبَ عَنْ يَوْمِ انْشَقَّتِ السَّماءُ لِأنَّهُ ﴿لا يُسْألُ﴾ سُؤالَ تَعَرُّفٍ واسْتِعْلامٍ بَلْ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ وكَلامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لا يُقالُ لَهُ: هَلْ فَعَلْتَ كَذا؟ بَلْ يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا، عَلى أنَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ طَوِيلٌ، وهو ذُو ألْوانٍ تارَةً يُسْألُ فِيهِ وتارَةً لا يُسْألُ، والأمْرُ في غايَةِ الشِّدَّةِ، وكُلُّ لَوْنٍ مِن تِلْكَ الألْوانِ يُسَمّى يَوْمًا، فَقَدْ مَضى في الفاتِحَةِ أنَّ اليَوْمَ عِبارَةٌ عَنْ وقْتٍ يَمْتَدُّ إلى انْقِضاءِ أمْرٍ مُقَدَّرٍ فِيهِ ظاهِرٍ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ أوْ غَيْرِهِما لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: يَوْمَ إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ التَّراقِيَ وهو لا يَخْتَصُّ بِلَيْلٍ ولا نَهارٍ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِالإشارَةِ إلى أنَّ شَأْنَ المُعْتَرِفِ بِالذَّنْبِ لا يَكُونُ خاصًّا بِعَهْدٍ دُونَ عَهْدٍ بَلْ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَن أرادَ عِلْمَهُ، وأضْمَرَ قَبْلَ الذِّكْرِ لِما هو مُقَدَّمٌ في الرُّتْبَةِ لِيُفْهِمَ الِاخْتِصاصَ فَوَحَّدَ الضَّمِيرَ لِأجْلِ اللَّفْظِ فَقالَ: ﴿عَنْ ذَنْبِهِ﴾ أيْ: خاصَّةً وقَدْ سُئِلَ المُحْسِنُ عَنْ حَسَنَتِهِ سُؤالَ تَشْرِيفٍ لَهُ وتَنْدِيمٍ لِمَن دُونَهُ. (p-١٧٦)ولَمّا كانَ الإنْسُ أعْظَمَ مَقْصُودٍ بِهَذا، ولِهَذا كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنهُمْ، وكانَ التَّعْرِيفُ بِالشّاهِدِ المَأْلُوفِ أعْظَمَ في التَّعْرِيفِ، وكانَ عِلْمُ أحْوالِ الشَّيْءِ الظّاهِرِ أسْهَلَ، قَدَّمَهم فَقالَ: ﴿إنْسٌ﴾ ولَمّا كانَ لا يَلْزَمُ مِن عِلْمِ أحْوالِ الظّاهِرِ عِلْمُ أحْوالِ الخَفِيِّ، بَيَّنَ أنَّ الكُلَّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ هَيِّنٌ فَقالَ: ﴿ولا جانٌّ﴾
الرحمن 55:40
ولَمّا كانَ هَذا التَّمْيِيزُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ لِئَلّا يُؤَدِّيَ الِالتِباسُ إلى تَرْوِيعِ بَعْضِ المُطِيعِينَ عامِلًا أوْ نِكايَةً بِالسُّؤالِ عَنْهُ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: الَّذِي رَبّى كُلًّا مِنكم بِما لا مَطْمَعَ في إنْكارِهِ ولا خَفاءَ فِيهِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِنَ الأمامِ أمْ مِن غَيْرِها.
الرحمن 55:41
ولَمّا كانَ الكَلامُ عامًّا عَرَّفَ أنَّهُ خاصٌّ بِتَعَرُّفِ المُجْرِمِ مِن غَيْرِهِ دُونَ التَّعْزِيرِ بِالذَّنْبِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الأحْوالِ فَقالَ مُعَلِّلًا لِعَدَمِ السُّؤالِ: ﴿يُعْرَفُ﴾ أيْ: لِكُلِّ أحَدٍ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أيِ: العَلاماتِ الَّتِي صَوَّرَ اللَّهُ ذُنُوبَهم فِيها فَجَعَلَها ظاهِرَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ باطِنَةً، وظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِمْ كَما يُعْرَفُ أنَّ اللَّيْلَ إذا جاءَ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أصْلًا وكَذَلِكَ النَّهارُ ونَحْوُهُما لِغَيْرِ الأعْمى، وتِلْكَ السِّيما - واللَّهُ أعْلَمُ - زُرْقَةُ العُيُونِ وسَوادُ الوُجُوهِ والعَمى والصَّمَمُ والمَشْيُ عَلى الوُجُوهِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَما يُعْرَفُ المُحْسِنُونَ بِسِيماهم مِن بَياضِ الوُجُوهِ وإشْراقِها وتَبَسُّمِها، والغُرَّةِ والتَّحْجِيلِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسَبَّبَ عَنْ هَذِهِ المَعْرِفَةِ قَوْلَهُ مُشِيرًا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى سُهُولَةِ الأخْذِ مِن أيِّ آخِذٍ كانَ ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي﴾ أيْ مِنهم وهي مُقَدَّماتُ الرُّؤُوسِ ﴿والأقْدامِ﴾ بَعْدَ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما (p-١٧٧)كَما أنَّهم كانُوا [هُمْ] يَجْمَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُفَرَّقَ، ويُفَرِّقُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُجْمَعَ، فَيُسْحَبُونَ بِها سَحْبًا مِن كُلِّ ساحِبٍ أقامَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِامْتِناعِ بِوَجْهٍ فَيُلْقَوْنَ في النّارِ.
الرحمن 55:42
ولَمّا كانَ ذَلِكَ نِعْمَةً لا يُقامُ بِشُكْرِها لِكُلِّ مَن يَسْمَعُها لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنْتَفِي مِنَ الإجْرامِ ويَوَدُّ لِلْمُجْرِمِينَ عَظِيمَ الِانْتِقامِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الكِبارِ مِنَ الَّذِي دَبَّرَ مَصالِحَكم بَعْدَ أنْ أوْجَدَكم ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِنَ الوَراءِ أمْ بِغَيْرِها مِمّا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ مِنَ الجَزاءِ في الآخِرَةِ لِكُلِّ شَخْصٍ بِما كانَ يَعْمَلُ في الدُّنْيا أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَضْلِ.
الرحمن 55:43
ولَمّا كانَ أخْذُهم عَلى هَذا الوَجْهِ مُؤْذِنًا بِأنَّهُ [يَصِيرُ] إلى خِزْيٍ عَظِيمٍ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ، بانِيًا عَلى ما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ مِن نَحْوِ: أخْذًا مَقُولًا فِيهِ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلى مَحَلِّ النَّكالِ عَلى الحالِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِنَ الأخْذِ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ،
﴿هَذِهِ﴾ [أيِ] الحُفْرَةُ العَظِيمَةُ الكَرِيهَةُ المَنظَرِ ”القَرِيبَةُ مِنكُمُ“ [المُلازِمَةُ لِلْقُرْبِ لَكُمْ] ﴿جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ﴾ (p-١٧٨)أيْ ماضِيًا وحالًا ومَآلًا اسْتِهانَةً ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا - بَعْدَ إدْخالِهِمْ إيّاها - ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿بِها المُجْرِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الإجْرامِ، وهو قَطْعُ ما مِن حَقِّهِ أنْ يُوصَلَ [وهُوَ] ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وخَصَّ هَذا الِاسْمَ إشارَةً إلى أنَّها تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ والعُبُوسَةِ والكَلاحَةِ والفَظاظَةِ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ مَعَ الصّالِحِينَ عِنْدَ الإجْرامِ [المَذْكُورِ]، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبانِ فَتُصْلَيانِها لا تَمُوتانِ فِيها ولا تَحْيَيانِ“
الرحمن 55:44
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ فِيها فَقالَ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾ أيْ: بَيْنَ دَرَكَةِ النّارِ الَّتِي تَتَجَهَّمُهم ﴿وبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ أيْ ماءٍ حارٍّ هو مِن شِدَّةِ حَرارَتِهِ ذُو دُخانٍ.
ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلى البارِدِ، بَيَّنَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿آنٍ﴾ أيْ: بالِغٍ حَرُّهُ إلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وقِيلَ: حاضِرٌ، وبِهِ سُمِّيَ الحالُ بِالآنِ لِأنَّهُ الحاضِرُ المَوْجُودُ، فَإنَّ الماضِيَ لا تَدارُكَ لَهُ والمُسْتَقْبَلَ أمَلٌ ولَيْسَ لَنا إلّا الآنَ، ثُمَّ ”الآنَ“ لَيْسَ بِثابِتٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لِأنَّ الآنَ هو الجُزْءُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ زَمانَيْنِ، فَهم دائِمًا يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ عَذابَيِ النّارِ المُذِيبَةِ لِلظّاهِرِ والماءِ المُقَطِّعِ بِحَرِّهِ لِلْباطِنِ لا يَزالُ حاضِرًا لَهم تَرَدُّدَ الطّائِفِ الَّذِي لا أوَّلَ لِتَرَدُّدِهِ ولا آخِرَ.
الرحمن 55:45
ولَمّا كانَ عَذابُ المُجْرِمِ - القاطِعِ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا - مِن أكْبَرِ النِّعَمِ وأسَرِّها لِكُلِّ أحَدٍ حَتّى لِمَن سِواهُ مِنَ المُجْرِمِينَ، سَبَّبَ (p-١٧٩)قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكُما أيُّها الثَّقَلانِ بِإهْلاكِ المُجْرِمِ في الدّارَيْنِ وإنْجاءِ المُسْلِمِ مِمّا أهْلَكَ بِهِ المُجْرِمَ لُطْفًا بِالمُهَدَّدِينَ لِيَرْتَدِعُوا ويَنْزَجِرُوا عَمّا يَكُونُ سَبَبَ إهْلاكِهِمْ هم ومَن والاهم ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِنَ اليَمِينِ أمْ مِن غَيْرِها مِمّا أراكم مِن آياتِهِ، وظاهَرَ عَلَيْكم مِن بَيِّناتِهِ، في السَّماواتِ والأرْضِ، وما أراكم مِن مَطالِعِ الدُّنْيا مِنَ الشَّمْسِ الَّتِي هي آيَةُ النَّهارِ والقَمَرِ الَّذِي هو آيَةُ الزَّمْهَرِيرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِهِ المُحْكَمَةِ المَرْئِيَّةِ المَسْمُوعَةِ، وقَدْ كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِبَ ذِكْرِ النّارِ وأهْوالِها سَبْعَ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِدْفاعِ أبْوابِها السَّبْعَةِ كَما مَضى - واللَّهُ المُسْتَعانُ.
الرحمن 55:46
ولَمّا كانَ قَدْ عَرَّفَ ما لِلْمُجْرِمِ المُجْتَرِئِ عَلى العَظائِمِ، وقَدَّمَهُ لِما اقْتَضاهُ مَقامُ التَّكَبُّرِ مِنَ التَّرْهِيبِ وجَعَلَهُ سَبْعًا إشارَةً إلى أبْوابِ النّارِ السَّبْعَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما لِلْخائِفِ الَّذِي أدّاهُ خَوْفُهُ إلى الطّاعَةِ وجَعَلَهُ [ثَمانِيَةً] عَلى [عَدَدِ] أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ فَقالَ: ﴿ولِمَن﴾ [أيْ:] ولِكُلِّ [مَن،] ووَحَّدَ الضَّمِيرَ مُراعاةً لِلَفْظِ ”مَن“ إشارَةً إلى قِلَّةِ الخائِفِينَ ﴿خافَ﴾ أيْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ الخَوْفِ مِنَ الزَّمانِ المَضْرُوبِ لِلْحِسابِ [والتَّدْبِيرِ والمَكانِ المُعَدِّ لَهُما أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الخَوْفِ مِنَ المَلِكِ المُحاسِبِ] المُدَبِّرِ، والخَوْفُ مَعَ ذِكْرِ وصْفِ الإكْرامِ أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الخَوْفِ عِنْدَ ذِكْرِ (p-١٨٠)أوْصافِ الجَلالِ، قالَ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ المَذْكُورَ رَأْسُ الخائِفِينَ: ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: مَكانَ قِيامِهِ الَّذِي يُقِيمُهُ وغَيْرَهُ فِيهِ المُحْسِنُ إلَيْهِ لِلْحُكْمِ وزَمانِهِ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهُ وقِيامِهِ عَلَيْهِ وعَلى [غَيْرِهِ] بِالتَّدْبِيرِ، فَهو رَقِيبٌ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ إذا ذَكَرَ مَقامَ المُنْتَقِمِ الجَبّارِ المُتَكَبِّرِ فَتَرَكَ لِهَذا ما يُغْضِبُهُ وفَعَلَ ما يُرْضِيهِ ﴿جَنَّتانِ﴾ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، واحِدَةٌ لِلْعِلْمِ والعَقْلِ وأُخْرى لِلْعَمَلِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالتَّثْنِيَةِ المُبالَغَةُ إفْهامًا لِأنَّها جِنانٌ مُتَكَرِّرَةٌ ومُتَكَثِّرَةٌ مِثْلُ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] ونَحْوِ ذَلِكَ.
الرحمن 55:47
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ نِعْمَةً جامِعَةً، سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ: نِعْمَ المُرَبِّي لَكُما والمُحْسِنُ إلَيْكم بِإحْسانِهِ الكِبارِ الَّتِي لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى شَيْءٍ مِنها ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِنَ اليَسارِ المُنْبَعِثَةِ مِنَ القَلْبِ أوْ غَيْرِها مِن تُرْبَةِ جِنانِ الدُّنْيا بِنَفَسِ جَهَنَّمَ مِن حَرِّ الشَّمْسِ وحَرُورِها، فَجَعَلَ مِن ذَلِكَ جَمِيعَ الفَواكِهِ والزُّرُوعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَرافِقِ الَّتِي طَبَخَها بِها ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن نِعَمِهِ الَّتِي لا تُحْصى.
الرحمن 55:48
ولَمّا كانَتِ البَساتِينُ لا يَكْمُلُ مَدْحُها إلّا بِكَثْرَةِ الأنْواعِ [والألْوانِ] والفُرُوعِ المُشْتَبِكَةِ والأغْصانِ، قالَ واصِفًا لَهُما: ﴿ذَواتا﴾ أيْ صاحِبَتا (p-١٨١)بِرَدِّ عَيْنِ الكَلِمَةِ فَإنَّ أصْلَها ”ذَوُو“ ﴿أفْنانٍ﴾ أيْ: جَمْعِ فَنٍّ يَتَنَوَّعُ فِيهِ الثِّمارُ، وفَنَنٍ وهو الغُصْنُ المُسْتَقِيمُ طُولًا الَّذِي تَكُونُ بِهِ الزِّينَةُ بِالوَرَقِ والثَّمَرِ وكَمالِ الِانْتِفاعِ، قالَ عَطاءٌ: في كُلِّ غُصْنٍ فُنُونٌ مِنَ الفاكِهَةِ؛ ولِهَذا سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ:
الرحمن 55:49
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ [أيِ]: المُرَبِّي لَكُما والمُحْسِنِ إلَيْكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِن جِهَةِ الفَوْقِ أوْ غَيْرِها مِمّا ذَكَرَهُ لَكم مِن وصْفِ الجَنَّةِ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِن أمْثالِهِ ما تَعْتَبِرُونَ بِهِ.
الرحمن 55:50
ولَمّا كانَتِ الجِنانُ لا تَقُومُ إلّا بِالأنْهارِ قالَ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ﴾ أيْ: في كُلِّ واحِدَةٍ عَيْنٌ ﴿تَجْرِيانِ﴾ أيْ: في كُلِّ مَكانٍ شاءَ صاحِبُهُما وإنْ عَلا مَكانُهُ كَما تَصْعَدُ المِياهُ في الأشْجارِ في كُلِّ غُصْنٍ مِنها، وإنْ زادَ عُلُوُّها جَرى عَلى عَيْنَيْ دُمُوعِهِ الجارِيَتَيْنِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وذَلِكَ عَلى مِثالِ جِنانِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ صاعِدَةٌ في البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ مِن تَكامُلِ المِياهِ وتَفَجُّرِها عُيُونًا في أيّامِ الرَّبِيعِ والصَّيْفِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالأمْطارِ
الرحمن 55:51
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ المالِكِ لَكُما والمُحْسِنِ إلَيْكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِن جِهَةِ التَّحْتِ [أوْ غَيْرِها] مِمّا ذَكَرَهُ وجَعَلَ لَهُ في الدُّنْيا أمْثالًا كَثِيرًا.
الرحمن 55:52
ولَمّا كانَ بِالمِياهِ حَياةُ النَّباتِ وزَكاؤُهُ، قالَ ذاكِرًا أفْضَلَ النَّباتِ: ﴿فِيهِما﴾ أيْ: هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ العالِيَتَيْنِ، ودَلَّ عَلى جَمِيعِ كُلِّ ما يُعْلَمُ وزِيادَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ أيْ تَعْلَمُونَها أوْ لا تَعْلَمُونَها ﴿زَوْجانِ﴾ (p-١٨٢)أيْ صِنْفانِ يَكْمُلُ أحَدُهُما بِالآخَرِ كَما لا يُدْرَكُ كُنْهُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ العَمَلِ بِما يُرْضِي والآخَرِ بِالِانْتِهاءِ عَمّا يُسْخِطُ
الرحمن 55:53
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الكِبارِ الَّتِي رَبّاها المُوجِدُ لَكُما المُحْسِنُ إلَيْكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِنَ الأمامِ أوْ غَيْرِها مِن أنَّهُ أوْجَدَ لَكُما جِنانَ الدُّنْيا بِواسِطَةِ حَرِّ النّارِ الَّتِي هي أعْدى عَدُوِّكُما إشارَةً إلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنَّهُ يُوجِدُ بِرِضْوانِهِ ومَحَبَّتِهِ مِن مَوْضِعِ غَضَبِهِ وانْتِقامِهِ إكْرامًا، فَقَدْ جَعَلَ ما في الدُّنْيا مِثالًا لِما ذَكَرَ في الآخِرَةِ، فَبِأيِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تُكَذِّبانِ، لا يَكْمُلُ الإيمانُ حَتّى يُصَدِّقَ المُؤْمِنُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ مِن جَهَنَّمَ جَنَّةً بِأنْ يَجْعَلَ مِن مَوْضِعِ سُخْطِهِ رَحْمَةً ويَشاءَ ذَلِكَ ويَعْتَبِرَ ذَلِكَ بِما أرانا مِن نَمُوذَجِهِ.
الرحمن 55:54
ولَمّا كانَ التَّفَكُّهُ لا يَكْمُلُ حُسْنُهُ إلّا مَعَ التَّنَعُّمِ مِن طِيبِ الفَرْشِ وغَيْرِهِ، قالَ مُخْبِرًا عَنِ الَّذِينَ يَخافُونَ مَقامَ رَبِّهِمْ مِن قَبِيلَيِ الإنْسِ والجِنِّ مُراعِيًا مَعْنى ”مِن“ بَعْدَ مُراعاةِ لَفْظِها تَحْقِيقًا لِلْواقِعِ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أيْ: لَهم ما ذَكَرَ في حالِ الِاتِّكاءِ وهو التَّمْكِينُ بِهَيْئَةِ المُتَرَبِّعِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الكَوْنِ عَلى جَنْبٍ، قالَ في القامُوسِ: تَوَكَّأ عَلَيْهِ: تَحَمَّلَ، واعْتَمَدَ كَأوْكَأ، والتُّكَأةُ كَهُمَزَةٍ: العَصا، وما يُتَوَكَّأُ عَلَيْهِ، وضَرَبَهُ فَأتْكَأهُ: ألْقاهُ عَلى هَيْئَةِ المُتَّكِئِ أوْ عَلى جانِبِهِ الأيْسَرِ، وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: وضَرَبْتُهُ حَتّى أتْكَأْتُهُ (p-١٨٣)أيْ سَقَطَ عَلى جانِبِهِ، وهو يَدُلُّ عَلى تَمامِ التَّنَعُّمِ بِصِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ البالِ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ مُخاطِبًا لِلْمُكَلَّفِينَ بِما تَحْتَمِلُ عُقُولُهم وإلّا فَلَيْسَ في الجَنَّةِ ما يُشْبِهُهُ عَلى الحَقِيقَةِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا ﴿بَطائِنُها﴾ أيْ: فَما ظَنُّكَ بِظَواهِرِها ووُجُوهِها ﴿مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ثَخِينُ الدِّيباجِ يُوجَدُ فِيهِ مِن حُسْنِهِ بَرِيقٌ كَأنَّهُ [مِن] شِدَّةِ لَمَعانِهِ يَطْلُبُ إيجادَهُ حَتّى كَأنَّهُ نُورٌ مُجَرَّدٌ.
ولَمّا كانَ المُتَّكِئُ قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ القِيامُ لِتَناوُلِ ما يُرِيدُ قالَ: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ﴾ أيْ: مَجْنِيُّهُما اسْمٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَأنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِيُفْهِمَ سُهُولَةَ نَفْسِ المَصْدَرِ الَّذِي هو الِاجْتِناءُ ﴿دانٍ﴾ أيْ: قَرِيبٌ مِن كُلِّ مَن يُرِيدُهُ مِن مُتَّكِئٍ وغَيْرِهِ لا يَخْرُجُ إلى صُعُودِ شَجَرَةٍ، ومَوْجُودٌ مِن كُلِّ حِينٍ يُرادُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَمْنُوعٍ.
الرحمن 55:55
ولَمّا كانَ رُبَّما وُجِدَ مَثَلٌ مِن ذَلِكَ شاهِدٌ [لَهُ] مِن أغْصانٍ تَنْعَطِفُ بِجُمْلَتِها فَتَقْرُبُ وأُخْرى تَكُونُ قَرِيبَةً مِن ساقِ الشَّجَرَةِ فَيَسْهُلُ تَناوُلُها قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الكِبارِ المُلُوكِيَّةِ الَّتِي أوْجَدَها لَكُما هَذا المُرَبِّي لَكُما الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ الوَراءِ أمْ غَيْرِها مِن قُدْرَتِهِ [عَلى] عَطْفِ الأغْصانِ وتَقْرِيبِ الثِّمارِ.
الرحمن 55:56
(p-١٨٤)ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ لا تَتِمُّ نِعْمَتُهُ إلّا بِالنِّسْوانِ الحِسانِ، قالَ دالًّا عَلى الكَثْرَةِ بَعْدَ سِياقِ الِامْتِنانِ بِالجَمْعِ الَّذِي هو أوْلى مِنَ التَّثْنِيَةِ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ في كُلِّ بُسْتانٍ جَماعَةً مِنَ النِّسْوانِ، لِما بِهِنَّ مِن عَظِيمِ اللَّذَّةِ وفَرْطِ الأُنْسِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أيِ: الجِنانِ الَّتِي عُلِمَ مِمّا مَضى أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ مِنها جَنَّتَيْنِ. ولَمّا كانَ سِياقُ الِامْتِنانِ مُعَرِّفًا بِأنَّ جَمْعَ القِلَّةِ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ مَعَ ما ذُكِرَ مِن مُحَسِّناتِهِ في سُورَةِ ”ص“ قالَ مُعَبِّرًا بِهِ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ: نِساءٌ مُخَدَّراتٌ هُنَّ في وُجُوبِ السَّتْرِ بِحَيْثُ يُضَنُّ مِن ذِكْرِهِنَّ بِغَيْرِ الوَصْفِ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ، قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ وهِمَمَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ ولَهُنَّ مِنَ الجَمالِ ما قَصَرْنَ بِهِ أزْواجَهُنَّ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِنَّ لِفُتُورِ الطَّرْفِ وسِحْرِهِ وشِدَّةِ أخْذِهِ لِلْقُلُوبِ جَزاءً لَهم عَلى قَصْرِ هِمَمِهِمْ في الدُّنْيا عَلى رَبِّهِمْ.
ولَمّا كانَ الِاخْتِصاصُ بِالشَّيْءِ لا سِيَّما المَرْأةُ مِن أعْظَمِ المُلَذَّذاتِ [قالَ:] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ أيْ يُجامِعْهُنَّ ويَتَسَلَّطْ عَلَيْهِنَّ في هَذا الخَلْقِ الَّذِي أُنْشِئْنَ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ السُّلْطَةِ سَواءٌ مِن إنْسِيّاتٍ أوْ جِنِّيّاتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، يُقالُ: طَمَثَتِ المَرْأةُ كَضَرَبَ وفَرِحَ: حاضَتْ، وطَمَثَها الرَّجُلُ: افْتَضَّها وأيْضًا جامَعَها، والبَعِيرَ عَقَلْتَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هُنَّ أبْكارٌ لَمْ يُخالِطْ مَوْضِعَ الطَّمْثِ مِنهُنَّ ﴿إنْسٌ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ تَعْمِيمَ الزَّمانِ أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيِ المُتَّكِئِينَ ﴿ولا جانٌّ﴾ وقَدْ جَمَعَ هَذا (p-١٨٥)كُلَّ مَن يُمْكِنُ مِنهُ جِماعٌ مِن ظاهِرٍ وباطِنٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشى الإنْسِيَّ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ
الرحمن 55:57
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الجِسامِ مِنَ المُرَبِّي الكامِلِ العِلْمِ الشّامِلِ القُدْرَةِ القَيُّومِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ اليُمْنى أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَكم مِثالًا لِهَذا مِنَ الأبْكارِ الحِسانِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الإحْسانِ.
الرحمن 55:58
ولَمّا دَلَّ ما تَقَدَّمَ مِن وصْفِ المُسْتَمْتَعِ بِهِنَّ بِالعِزَّةِ والنَّفاسَةِ، زادَهُ عَلى وجْهٍ أفادَ أنَّهُ يَكُونُ بِهِنَّ غايَةُ ما يَكُونُ مِن سُكُونِ النَّفْسِ وقُوَّةِ القَلْبِ وشِدَّةِ البَدَنِ واعْتِدالِ الدَّمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خَواصِّ ما شَبَّهَهُنَّ بِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ﴾ الَّذِي هو في صَفائِهِ بِحَيْثُ يَشِفُّ عَنْ سِلْكِهِ وهو جَوْهَرٌ مَعْرُوفٌ، قالَ في القامُوسِ: أجْوَدُهُ الأحْمَرُ الرُّمّانِيُّ نافِعٌ لِلْوَسْواسِ والخَفَقانِ وضَعْفِ القَلْبِ شُرْبًا ولِجُمُودِ الدَّمِ تَعْلِيقًا: ﴿والمَرْجانُ﴾ في بَياضِهِ، وصِغارُ الدُّرِّ أنْصَعُ بَياضًا، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: والمَرْجانُ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهَذا الَّذِي يَخْرُجُ مِن نَباتِ البَحْرِ أحْمَرُ مَعْرُوفٌ - انْتَهى. وقَدْ يُسْتَفادُ مِن ذَلِكَ أنَّ ألْوانَهُنَّ البَياضُ والحُمْرَةُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الإشْرابِ هو في غايَةِ الإعْجابِ مِنَ الشُّفُوفِ والصَّفاءِ، وهو مَعَ ذَلِكَ ثابِتٌ لا يَعْتَرِيهِ تَغَيُّرٌ لِيُطابِقَ الحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ: «يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ سَبْعِينَ حُلَّةً» وقالَ أبُو حَيّانَ: شَبَّهَهُنَّ بِهِما فِيما يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ بِهِ فالياقُوتُ في إمْلاسِهِ وشُفُوفِهِ والمَرْجانُ في إمْلاسِهِ وجَمالِ مَنظَرِهِ
الرحمن 55:59
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ (p-١٨٦)النِّعَمِ الغَرِيبَةِ البالِغَةِ في الحُسْنِ مِنَ المالِكِ المَلِكِ المُرَبِّي بِبَدائِعِ التَّرْبِيَةِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ اليُسْرى أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِما ذَكَرَ مِن وصْفِهِنَّ مِن تَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْئَيْنِ لِبُلُوغِ الأمْرِ في الحُسْنِ إلى حَدٍّ لا يُساوِيهِ فِيهِ شَيْءٌ واحِدٌ لِيُشَبَّهَ بِهِ، فَهو [كَما] قِيلَ: بَيْضاءُ في دَعَجٍ صَفْراءُ في نَعَجٍ كَأنَّها فِضَّةٌ قَدْ شابَها ذَهَبُ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ الأشْياءَ الشَّفّافَةَ مَثَلًا لِذَلِكَ وأنْتَ تَرى بَعْضَ الأجْسامِ يَكادُ يُرى فِيهِ الوَجْهُ [بَلْ في سَوادِ العَيْنِ أعْظَمُ غُرَّةٍ حَيْثُ يُرى فِيهِ الوَجْهَ] فَإنَّ السَّوادَ مَنشَأُ الظَّلامِ.
الرحمن 55:60
ولَمّا كانَ ألَذَّ ما أفادَهُ الإنْسانُ مِنَ النِّعَمِ ما كانَ تَسَبَّبَ مِنهُ، قالَ سارًّا لَهم بِذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِن لَذَّةِ المَدْحِ لا سِيَّما والمادِحُ المَلِكُ الأعْلى، مُعَظِّمًا لَهُ بِسِياقِ الِاسْتِفْهامِ المُفِيدِ لِلْإثْباتِ بَعْدَ النَّفْيِ المُفِيدِ لِلِاخْتِصاصِ عَلى وجْهِ الإنْكارِ الشَّدِيدِ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ غَيْرَ ذَلِكَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ [الكائِنِ] مِنَ الإنْسِ أوِ الجِنِّ أوْ غَيْرِهِمْ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ في الثَّوابِ، فَهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي أُعِيدَتْ فِيها المَعْرِفَةُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ، رَوى البَغْوِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةَ» وذَلِكَ جَزاءُ إحْسانِ العَبْدِ في العَمَلِ في مُقابَلَةِ إحْسانِ رَبِّهِ إلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ
الرحمن 55:61
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ (p-١٨٧)أيِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الحُسْنِ مِنَ السَّيِّدِ الكَرِيمِ العَظِيمِ الرَّحِيمِ الجامِعِ لِأوْصافِ الكَمالِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ الفَوْقِ أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِثالًا في أنَّ مَن أحْسَنَ قُوبِلَ بِمِثْلِ إحْسانِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ خِتامُ ثَمانِ آياتٍ حاثَّةٍ عَلى العَمَلِ المُوصِلِ إلى الثَّمانِيَةِ الأبْوابِ الكائِنَةِ لِجَنَّةِ المُقَرَّبِينَ - واللَّهُ الهادِي.
الرحمن 55:62
ولَمّا كانَ قَدْ عُلِمَ مِمّا ذُكِرَ أوَّلَ هَذا الكَلامِ مِنَ الخَوْفِ مَعَ ذِكْرِ وصْفِ الإكْرامِ، وآخِرَهُ مِن ذِكْرِ الإحْسانِ أنَّ هَذا الفَرِيقَ مُحْسِنُونَ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العامِلِينَ طَبَقاتٌ، وأنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ أجْرُها عَلى مِقْدارِ أعْمالِها، اقْتَضى الحالُ بَيانَ ما أُعِدَّ لِمَن دُونَهُمْ: ﴿ومِن دُونِهِما﴾ أيْ: مِن أدْنى مَكانٍ، رُتْبَةً مِمّا تَحْتَ جَنَّتَيْ هَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ [المُقَرَّبِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ لِكُلِّ واحِدٍ لِمَن دُونَ هَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ] مِنَ الخائِفِينَ وهم أصْحابُ اليَمِينِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: دُونَهُما في الدَّرَجِ، وجَعَلَ ابْنُ بُرْجانَ الأرْبَعَ مُوَزَّعَةً بَيْنَ الكُلِّ، وأنَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ العِدَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّها تَكُونُ جامِعَةً لِما في فُصُولِ الدُّنْيا الأرْبَعَةِ: الشِّتاءِ والرَّبِيعِ والصَّيْفِ والخَرِيفِ، وفَسَّرَ بِذَلِكَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «”جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ أُوتِيتُهُما وما فِيهِما وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ أُوتِيتُهُما وما فِيهِما“،» ثُمَّ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدُّونِ الأدْنى إلى الإنْسانِ، وهو البَرْزَخُ، فَتَكُونَ هاتانِ لِأهْلِ البَرْزَخِ كَما كانَ ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] مِن عَذابِ القَبْرِ
الرحمن 55:63
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُحْسِنِ بِنِعَمِهِ السّابِغَةِ إلى الأعْلى ومَن دُونَهُ (p-١٨٨)﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ التَّحْتِ أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا مِثالًا لِهَذا مِن أنَّ بَعْضَ البَساتِينِ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَّفْضِيلِ.
الرحمن 55:64
ولَمّا كانَ ما في هاتَيْنِ مِنَ الماءِ دُونَ ما في الباقِيَتَيْنِ، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ ماءَهُما لا يَقُومُ بِأعْلى كِفايَتِهِما قالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ: خَضْراوانِ خُضْرَةً تَضْرِبُ مِن شِدَّةِ الرِّيِّ إلى السَّوادِ، مِنَ الدُّهْمَةِ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: الغالِبُ عَلى هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ النَّباتُ والرَّياحِينُ المُنْبَسِطَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ وفي الأُولَيَيْنِ الأشْجارُ والفَواكِهُ
الرحمن 55:65
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ: نِعَمِ المُحْسِنِ إلى العالِي مِنكُما ومَن دُونَهُ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن جِهَةِ الأمامِ أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِذَلِكَ مِن جِنانِ الدُّنْيا الكَثِيرَةِ الرِّيِّ وغَيْرِهِ.
الرحمن 55:66
ولَمّا كانَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلى رِيِّهِما، حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما﴾ أيْ: في كُلِّ جَنَّةٍ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنهم ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ: تَفُورانِ بِشِدَّةٍ تُوجِبُ لَهُما رَشّاشَ الماءِ بِحَيْثُ لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرْ جَرْيَهُما فَكَأنَّهُما بِحَيْثُ يَرْوِيانِ جَنَّتَهُما ولا يَبْلُغانِ الجَرْيَ، والنَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ وفَوْقَ النَّضْحِ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: وأصْلُ النَّضْخِ بِالمُعْجَمَةِ - انْتَهى. وكَأنَّهُما لِمَن تَغَرْغَرَ عَيْناهُ بِالدَّمْعِ فَتَمْتَلِئانِ مِن غَيْرِ جَرْيٍ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ ما مَعْناهُ إنَّ حَرَكَةَ عَدَمِ جَرْيِهِما لِكَوْنِهِما عَلى مِثالِ جَنَّةِ خَرِيفِ ما هَهُنا وشِتاءٍ [بِهِ] لِبُعْدِ عَهْدِهِما بِنُزُولِ الماءِ [و]سَكَنا في أعْماقِ الأرْضِ (p-١٨٩)لِيَنْعَكِسَ بِالنَّبْعِ والفَوَرانِ صاعِدًا مَعَ أنَّ الجَنَّةَ لا مَطَرَ فِيها
الرحمن 55:67
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ: نِعَمِ المُرَبِّي البَلِيغِ الحِكْمَةِ في التَّرْبِيَةِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن جِهَةِ ما وراءَ اللِّسانِ أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِذَلِكَ مِنَ الأعْيُنِ الَّتِي تَفُورُ ولا تَجْرِي والأنابِيبِ المَصْنُوعَةِ لِلْفَوَرانِ لِأنَّها بِحَيْثُ تَرُوقُ ناظِرَها لِصُعُودِها بِقُوَّةِ نَبْعِها وتَرْشِيشِها مِنَ النِّعَمِ الكِبارِ.
الرحمن 55:68
ولَمّا ذَكَرَ الرِّيَّ والسَّبَبَ فِيهِ، [ذَكَرَ] ما يَنْشَأُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ﴾ أيْ: مِن كُلِّ الفاكِهَةِ، وخَصَّ أشْرَفَها وأكْثَرَها وِجْدانًا في الخَرِيفِ والشِّتاءِ كَما في جِنانِ الدُّنْيا الَّتِي جُعِلَتْ مِثالًا لِهاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ فَقالَ: ﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما فاكِهَةٌ وإدامٌ، فَلِذا خَصَّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فِيهِما مِنَ التَّفَكُّهِ وأُولاهُما أعَمُّ نَفْعًا وأعْجَبُ [خَلْقًا] فَلِذا قُدِّمَ
الرحمن 55:69
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ: نِعَمِ المُحْسِنِ إلَيْكُما أيُّها الثَّقَلانِ بِجَلِيلِ التَّرْبِيَةِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِنَ اليَمِينِ أمْ مِن غَيْرِها مِمّا جُعِلَ مِثالًا لِهَذا مِن جِنانِ الدُّنْيا وغَيْرِ ذَلِكَ.
الرحمن 55:70
ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ لا تَكْمُلُ لَذَّتُهُ إلّا بِالأنِيسِ، وكانَ قَدْ ورَدَ أنَّهُ يَكُونُ في بَعْضِ ثِمارِ الجَنَّةِ وحِمْلِ أشْجارِها نِساءٌ ووِلْدانٌ كَما أنَّ أمْثالَ ذَلِكَ في بَطْنِ مِياهِ الدُّنْيا ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] قالَ جامِعًا عَلى نَحْوِ ما مَضى مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ الجَنَّتَيْنِ لِكُلِّ واحِدٍ مِن أفْرادِ هَذا الصِّنْفِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أيِ: الجِنانِ الأرْبَعِ أوِ الجِنانِ الَّتِي خُصَّتْ لِلنِّساءِ، وجَوَّزَ ابْنُ بُرْجانَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفاكِهَةِ والنَّخْلِ والرُّمّانِ فَإنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِنها نِساءٌ ووِلْدانٌ (p-١٩٠)فِي داخِلِ قِشْرِ الرُّمّانِ ونَحْوِهِ ﴿خَيْراتٌ﴾ أيْ: نِساءٌ بَلِيغٌ ما فِيهِنَّ مِنَ الخَيْرِ، أصْلُهُ خَيِّرٌ مُثَقَّلًا لِأنَّ ”خَيْرَ“ الَّذِي لِلتَّفْضِيلِ لا يُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ، ولَعَلَّهُ خُفِّفَ لِاتِّصافِهِنَّ بِالخِفَّةِ في وُجُودِهِنَّ وجَمِيعِ شَأْنِهِنَّ، ولِكَوْنِ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ ما قَبْلَهُما ﴿حِسانٌ﴾ أيْ: في غايَةِ الجَمالِ خَلْقًا وخُلُقًا
الرحمن 55:71
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ نِعَمِ الكامِلِ الإحْسانِ [إلَيْكُما] ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن جِهَةِ اليَسارِ أمْ مِن غَيْرِها مِمَّنْ جَعَلَهُ مِثالًا لِتَكْوِينِ النِّساءِ والوِلْدانِ والمَلابِسِ والحُلِيِّ مِن ثِمارِ الأشْجارِ والزُّرُوعِ الَّتِي مِنَ المِياهِ الَّتِي بِها العَيْشُ، فَفِيها التَّوْلِيدُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تُظْهِرُهُ الفِكْرَةُ لِأهْلِ العِبْرَةِ لِأنَّ كُلَّ ما في الجَنَّةِ يَنْشَأُ عَنِ الكَلِمَةِ مِنَ الرِّزْقِ كَما يَنْشَأُ عَنْهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الدّارِ عَلى تَسْبِيبٍ... والحِكْمَةُ،
الرحمن 55:72
ثُمَّ بَيَّنَهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿حُورٌ﴾ أيْ ذَواتُ أعْيُنٍ شَدِيدَةِ سَوادِ السَّوادِ وشَدِيدَةِ بَياضِ البَياضِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِيضٌ جُمْعٌ ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ أيْ: عَلى أزْواجِهِنَّ ومَحْبُوساتٌ، صِيانَةً عَنِ التَّبَذُّلِ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ عَظَمَتِهِنَّ ﴿فِي الخِيامِ﴾ الَّتِي هي مِنَ الدُّرِّ المُجَوَّفِ الشَّفّافِ جَزاءً لِمَن قَصَرَ نَفْسَهُ عَنْ. . . اللَّهِ فَكَفَّ جَوارِحَهُ عَنِ الزَّلّاتِ، وصانَ قَلْبَهُ عَنِ الغَفَلاتِ
الرحمن 55:73
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ الجَلِيلِ الإحْسانِ إلَيْكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن جِهَةِ الفَوْقِ (p-١٩١)أمْ بِغَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِهَذا في الدُّنْيا، فَإنَّهُ كَما خَلَقَنا مِن تُرابٍ ثُمَّ طَوَّرَنا في أطْوارِ الخِلْقَةِ بِحَسَبِ حِكْمَةِ الأسْبابِ كَذَلِكَ خَلَقَ أُولَئِكَ مِن أرْضِ الجَنَّةِ ورِياضِها وفَواكِهِها عَنْ كَلِمَةِ السُّكّانِ مِن غَيْرِ أسْبابٍ.
الرحمن 55:74
ولَمّا كانَتْ أنْفُسُ الأخْيارِ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ الكِبارِ في الِالتِفاتِ إلى الأبْكارِ قالَ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ أيْ يَتَسَلَّطْ عَلَيْهِنَّ نَوْعَ سُلْطَةٍ ﴿إنْسٌ﴾ وعَمَّ الزَّمانَ بِحَذْفِ الجارِّ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيِ: انْتَفى الطَّمْثُ المَذْكُورُ في جَمِيعِ الزَّمانِ الكائِنِ قَبْلَ طَمْثِ أصْحابِ هَذِهِ الجِنانِ لَهُنَّ، فَلَوْ وُجِدَ في لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ القَبْلِ لَما صَدَقَ النَّفْيُ ﴿ولا جانٌّ﴾ فَهُنَّ في غايَةِ الِاخْتِصاصِ كُلٌّ بِما عِنْدَهُ
الرحمن 55:75
﴿فَبِأيِّ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّعَدُّدِ لِمِثْلِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ أنّا نَقُولُ تَعْجِيبًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ تَوْبِيخًا لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى ما لَهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ الَّتِي تَفُوتُ الحَصْرَ: بِأيِّ ﴿آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الجَلِيلَةِ مِنَ المُدَبِّرِ لَكُما بِما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعَظَمَةِ الباهِرَةِ العامَّةِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن تَحْتٍ أمْ بِغَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِهَذا مِنَ الأبْكارِ المُخَدَّراتِ، وجَمِيعِ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ العامَّةِ الظّاهِرَةِ في كُلِّ حالَةٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وخُتِمَ بِالتَّقْرِيرِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ثَمانٍ مِنها أوَّلَ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْياوِيَّةِ، وسِتَّ عَشْرَةَ جِنانٍ، وجَعَلَها عَلى هَذا العَدَدِ، إشارَةً إلى تَعْظِيمِها بِتَكْثِيرِها فَإنَّهُ عَدَدٌ تامٌّ لِأنَّهُ جامِعٌ لِأكْثَرِ الكُسُورِ، ولِذا قُسِّمَ الدِّرْهَمُ وغَيْرُهُ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ قِيراطًا.
الرحمن 55:76
ولَمّا تَمَّ التَّقْرِيرُ بِالنِّعَمِ المُحِيطَةِ بِالجِهاتِ السِّتِّ والحَواسِّ الخَمْسِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ مِن دَرْءِ المَفاسِدِ وجَلْبِ المَصالِحِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِمُدَّكِرٍ، (p-١٩٢)بِقَوْلِهِ: ”فَهَلْ مِن مُدَّكِر“ في القَمَرِ، بِالحُسْنِ فِيها إلى الحَواسِّ الخَمْسِ وبِتَكْرارِها، وتَكْرارِ ”فكَيْفَ كانَ عَذابِي ونَذْر“ سِتًّا إلى الجِهاتِ السِّتِّ مِن جِهَةِ الوَراءِ والخَلْفِ، أوْتَرَها بِنِعْمَةٍ أُخْرى واحِدَةٍ إشارَةً إلى أنَّ السَّبَبَ في هَذا اعْتِقادُ وحْدانِيَّةِ الواحِدِ تَعالى اعْتِقادًا أدّى الخُضُوعَ لِأمْرِ مُرْسَلٍ كُلَّما جاءَ مِن عِنْدِهِ تَعالى فَلِذَلِكَ كانَتْ نِعْمَةً لا تَنْقَطِعُ أصْلًا، بَلْ كُلَّما تَمَّ دَوْرٌ مِنها ابْتَدَأ دَوْرٌ آخَرُ جَدِيدٌ، وهَكَذا عَلى وجْهٍ لا انْقِطاعَ لَهُ أبَدًا كَما أنَّ الواحِدَ الَّذِي هو أصْلُ العَدَدِ لا انْتِهاءَ لَهُ أصْلًا، وهَذِهِ النِّعْمَةُ الدّالَّةُ عَلى الرّاحَةِ الدّائِمَةِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ عَلى وجْهٍ لا يُرى أغْرَبُ مِنهُ ولا أشْرَفُ، فَقالَ تَعالى مُبَيِّنًا حالَ المُحْسِنِينَ ومَن دُونَهم مُشْرِكًا لَهم في الرّاحَةِ عَلى ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أيْ لَهم ذَلِكَ في حالِ الِاتِّكاءِ دَيْدَنًا لِأنَّهم لا شُغْلَ لَهم بِوَجْهٍ إلّا التَّمَتُّعَ ﴿عَلى رَفْرَفٍ﴾ أيْ ثِيابٍ ناعِمَةٍ وفُرُشٍ رَقِيقَةِ النَّسْجِ مِنَ الدِّيباجِ لَيِّنَةٍ ووَسائِدَ عَظِيمَةٍ [و]رِياضٍ باهِرَةٍ وبُسُطٍ لَها أطْرافٌ فاضِلَةٌ، ورَفْرَفُ السَّحابِ هُدْبُهُ أيْ ذَيْلُهُ المُتَدَلِّي.
ولَمّا كانَ الأخْضَرُ أحْسَنَ الألْوانِ وأبْهَجَها قالَ: ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ أيْ: مَتاعٍ كامِلٍ مِنَ البُسُطِ وغَيْرِها هو في كَمالِهِ وغَرابَتِهِ كَأنَّهُ مِن عَمَلِ الجِنِّ لِنِسْبَتِهِ إلى بَلَدِهِمْ، قالَ في القامُوسِ: عَبْقَرُ مَوْضِعٌ كَثِيرُ الجِنِّ، وقَرْيَةٌ بِناؤُها في غايَةِ الحُسْنِ، والعَبْقَرِيُّ الكامِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والسَّيِّدُ والَّذِي [لَيْسَ] فَوْقَهُ شَيْءٌ، وقالَ الرّازِيُّ: هو الطَّنافِسُ المُخَمَّلَةُ، (p-١٩٣)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الطَّنافِسُ الثِّخانُ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: العَبْقَرِيُّ عِنْدَ العَرَبِ كُلُّ ثَوْبٍ مُوَشًّى، وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ جَلِيلٍ نَفِيسٍ فاخِرٍ مِنَ الرِّجالِ وغَيْرِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» وقالَ قُطْرُبُ: لَيْسَ هو مِنَ المَنسُوبِ بَلْ هو بِمَنزِلَةِ كُرْسِيٍّ وبُخْتِيٍّ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ، دَلَّ عَلى كَثْرَتِهِ بِالجَمْعِ مَعَ التَّعْبِيرِ بِالمُفْرِدِ إشارَةً إلى وحْدَةِ تَكامُلِهِ بِالحُسْنِ فَقالَ: ﴿حِسانٍ﴾ أيْ هي في غايَةٍ مِن كَمالِ الصَّنْعَةِ وحُسْنِ المَنظَرِ لا تُوصَفُ
الرحمن 55:77
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ مِنَ المُحْسِنِ الواحِدِ الَّذِي لا مُحْسِنَ غَيْرُهُ [و]لا إحْسانَ إلّا مِنهُ ولا تُعَدُّ نِعَمُهُ ولا تُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ وبِهَذِهِ الآيَةِ تَمَّتِ النِّعَمُ الثَّمانِي المُخْتَصَّةُ بِجَنَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ إشارَةً إلى العَمَلِ لِأبْوابِها الثَّمانِيَةِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الرحمن 55:78
ولَمّا دَلَّ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ عَلى إحاطَةِ مُبْدِعِها بِأوْصافِ الكَمالِ، ودَلَّ بِالإشارَةِ بِالنِّعْمَةِ الأخِيرَةِ عَلى أنَّ نِعَمَهُ لا نِهايَةَ لَها لِأنَّهُ مَعَ أنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ مُتَعالٍ عَنْ شائِبَةِ نَقْصٍ، فَكانَتْ تَرْجَمَةُ ذَلِكَ قَوْلَهُ في خِتامِ نِعَمِ الآخِرَةِ مُناظَرَةً لِما تَقَدَّمَ مِن خِتامِ نِعَمِ الدُّنْيا مُعَبِّرًا هُناكَ بِالبَقاءِ لِما ذَكَرَ قَبْلَهُ، مِنَ الفَناءِ، وهَذا [بِما] مِنَ البَرَكَةِ إشارَةً (p-١٩٤)إلى [أنَّ نِعَمَهُ لا انْقِضاءَ [لَها]: ﴿تَبارَكَ﴾ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، ولا يَكادُ يَذْكُرُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إلّا عِنْدَ أمْرٍ مُعْجِبٍ - انْتَهى، ومَعْناهُ ثَبَتَ ثَباتًا لا يَسَعُ العُقُولَ جَمْعُ وصْفِهِ لِكَوْنِهِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ المُفِيدَةِ لِبَذْلِ الجُهْدِ إذا كانَتْ مِمَّنْ تُمْكِنُ مُنازَعَتُهُ، وذَلِكَ مَعَ اليُمْنِ والبَرَكَةِ والإحْسانِ. ولَمّا كانَ تَعْظِيمُ الِاسْمِ أقْعَدَ وأبْلَغَ في تَعْظِيمِ المُسَمّى قالَ: ﴿اسْمُ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِ هَذا القُرْآنِ الَّذِي جَبَلَكَ عَلى مُتابَعَتِهِ فَصِرْتَ مَظْهَرًا لَهُ وصارَ خُلُقًا لَكَ فَصارَ إحْسانُهُ إلَيْكَ فَوْقَ الوَصْفِ، ولِذَلِكَ قالَ واصِفًا لِلرَّبِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿ذِي الجَلالِ﴾ أيِ العَظَمَةِ الباهِرَةِ فَهو المُنْتَقِمُ مِنَ الأعْداءِ ﴿والإكْرامِ﴾ أيِ الإحْسانِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الإحاطَةُ بِهِ فَهو المُتَّصِفُ بِالجَمالِ الأقْدَسِ المُقْتَضِي لِفَيْضِ الرَّحْمَةِ عَلى جَمِيعِ الأوْلِياءِ، وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ”ذُو“ صِفَةً لِلِاسْمِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والوَصْفانِ الأخِيرانِ مِن شِبْهِ الِاحْتِباكِ لِأنَّهُ حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ مُتَعَلِّقَ الصِّفَةِ وهو النِّقْمَةُ لِلْأعْداءِ، ومِنَ الثّانِي أثَرَ الإكْرامِ وهو الرَّحْمَةُ لِلْأوْلِياءِ، فَإثْباتُ الصِّفَةِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّها ثانِيًا، وإثْباتُ الفِعْلِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: كَأنَّهُ يُرِيدُ بِالِاسْمِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ وقَدِ انْعَطَفَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها عَلى وجْهٍ أعَمَّ، فَيَشْمَلُ الإكْرامَ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ والِانْتِقامَ بِإدْخالِ النِّيرانِ وغَيْرِها - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
الواقعة 56:1
(p-١٩٥)سُورَةُ الواقِعَةِ
مَقْصُودُها شَرْحُ أحْوالِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الرَّحْمَنِ لِلْأوْلِياءِ مِنَ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ والأعْداءِ المُشاقِقِينَ مِنَ المُصارِحِينَ والمُنافِقِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ بِالفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ الرَّحْمَنِ بِإثْباتِ الكَمالِ [و]دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ هَذِهِ بِالتَّنْزِيهِ بِالنَّفْيِ لِكُلِّ شَيْءٍ بِهِ نَقْصٌ ثُمَّ الإثْباتِ بِوَصْفِ العَظَمَةِ بِجَمِيعِ الكَمالِ مِنَ الجَمالِ والجَلالِ، ولَوِ اسْتَوى النّاسُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن بَلِيغِ الحِكْمَةِ، فَإنَّ اسْتِواءَهم يَكُونُ شُبْهَةً لِأهْلِ الطَّبِيعَةِ، واسْمُها الواقِعَةُ دالٌّ عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ آياتِهِ وما يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ بِهِ (بِسْمِ اللَّهِ) الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ فَفاوَتَ بَيْنَ النّاسِ في الأحْوالِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ البَيانِ وفاضَلَ قَبُولَها بَيْنَ أهْلِ الإدْبارِ وأهْلِ الإقْبالِ (الرَّحِيمِ) الَّذِي أقْبَلَ بِأهْلِ حِزْبِهِ إلى أهْلِ قُرْبِهِ فَفازُوا بِمَحاسِنِ الأقْوالِ والأفْعالِ.
* *
لَمّا صَنَّفَ سُبْحانَهُ النّاسَ [فِي] تِلْكَ إلى ثَلاثِ أصْنافٍ: مُجْرِمِينَ وسابِقِينَ ولاحِقِينَ، وخَتَمَ بِعِلَّةِ ذَلِكَ وهو أنَّهُ ذُو الِانْتِقامِ والإكْرامِ، شَرَحَ أحْوالَهم في هَذِهِ السُّورَةِ وبَيَّنَ الوَقْتَ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ (p-١٩٦)إكْرامُهُ وانْتِقامُهُ بِما ذَكَرَ في الرَّحْمَنِ غايَةَ الظُّهُورِ فَقالَ بانِيًا عَلى ما أرْشَدَهُ السِّياقُ إلى أنَّ تَقْدِيرَهُ: يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ كَوْنًا يَشْتَرِكُ في عِلْمِهِ الخاصُّ والعامُّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيِ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِها ولا واقِعَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى الواقِعَةَ بِلامِ الكَمالِ وتاءِ المُبالَغَةِ غَيْرُها، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي يَكُونُ عَنْها البَعْثُ الأكْبَرُ الَّذِي هو القِيامَةُ الجامِعَةُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ لِلْحُكْمِ بَيْنَهم عَلى الِانْفِرادِ الظّاهِرِ الَّذِي لا مُدَّعِيَ لِلْمُشارَكَةِ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذا“ مَنصُوبًا بِالمَحْذُوفِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَكُونَ أهْوَلَ أيْ إذا وقَعَتْ كانَتْ أُمُورٌ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ الحَصْرِ.
الواقعة 56:2
ولَمّا كانَ هَذا مَعْناهُ السّاعَةَ الَّتِي أُبْرِمَ القَضاءُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِها، عَبَّرَ عَنْهُ بانِيًا عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ أيْ تَحَقُّقِ وُجُودِها ﴿كاذِبَةٌ﴾ [أيْ كَذِبٌ] فَهي مَصْدَرٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ في أحْوالِها شَيْءٌ يُمْكِنُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ كَذِبٌ ولا يَمْشِي فِيها كَذِبٌ أصْلًا ولا يُقَرُّ عَلَيْهِ، بَلْ كُلُّ ما أخْبَرَ بِمَجِيئِهِ جاءَ مِن غَيْرِ أنْ يَرُدَّهُ شَيْءٌ، وكُلُّ ما أخْبَرَ بِنَفْيِهِ انْتَفى فَلا يَأْتِي بِهِ شَيْءٌ، وقَرَّرَ عَظَمَتَها وحَقَّقَ بَعْثَ الأُمُورِ فِيها بِقَوْلِهِ مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ:
الواقعة 56:3
﴿خافِضَةٌ﴾ أيْ هي لِمَن يَشاءُ اللَّهُ خَفْضَهُ مِن عُظَماءِ أهْلِ النّارِ وغَيْرِهِمْ (p-١٩٧)مِمّا يَشاؤُهُ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها إلى أسْفَلِ سافِلِينَ ﴿رافِعَةٌ﴾ أيْ لِضُعَفاءِ أهْلِ الجَنَّةِ وغَيْرِهِمْ مِن مَنازِلِهِمْ وغَيْرِها مِمّا يَشاؤُهُ إلى عِلِّيِّينَ، لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
الواقعة 56:4
ولَمّا كانَ في هَذا مِنَ الهَوْلِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ الواعِيَةَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ وزادَ ما يَشاءُ مِنهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ مُبْدِلًا مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ بَعْضَ ما يَدْخُلُ في الرَّفْعِ والخَفْضِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ﴾ أيْ كُلُّها عَلى سَعَتِها وثِقْلِها بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿رَجًّا﴾ أيْ زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا بِعُنْفٍ فانْخَفَضَتْ وارْتَفَعَتْ ثُمَّ انْتَفَضَتْ بِأهْلِها انْتِفاضًا شَدِيدًا، قالَ البَغْوِيُّ: والرَّجُّ في اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ.
الواقعة 56:5
ولَمّا ذَكَرَ حَرَكَتَها المُزْعِجَةَ، أتْبَعَها غايَتَها فَقالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ أيْ فُتِّتَتْ عَلى صَلابَتِها وعِظَمِها بِأدْنى إشارَةٍ وخُلِطَ حَجَرُها بِتُرابِها حَتّى صارَ شَيْئًا واحِدًا، وصارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، وسُيِّرَتْ وكانَتْ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴿بَسًّا﴾
الواقعة 56:6
﴿فَكانَتْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هَباءً﴾ غُبارًا [هُوَ] في غايَةِ الِانْمِحاقِ، وإلى شِدَّةِ لَطافَتِهِ أشارَ بِصِيغَةِ الِانْفِعالِ فَقالَ: ﴿مُنْبَثًّا﴾ أيْ مُنْتَشِرًا مُتَفَرِّقًا بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى هَواءٍ يُفَرِّقُهُ فَهو كالَّذِي يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَ في كُوَّةٍ.
الواقعة 56:7
ولَمّا ذَكَرَ غايَةَ مَبادِئِها المُرْجِفَةِ المُرْهِبَةِ، ذَكَرَ مَبادِئَ غاياتِها فَقالَ: ﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ قُسِّمْتُمْ بِما كانَ في جِبِلّاتِكم وطِباعِكم في الدُّنْيا ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ أيْ أصْنافًا لا تَكْمُلُ حِكْمَةُ صِنْفٍ مِنها إلّا بِكَوْنِها [قِسْمَيْنِ]: أعْلى ودُونَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ المُنْقَسِمِينَ إلى سابِقِينَ وهُمُ المُقَرَّبُونَ، وإلى لاحِقِينَ وهُمُ (p-١٩٨)الأبْرارُ أوْ أصْحابُ اليَمِينِ، وكَأنَّهم مِن أُولِي القَلْبِ الَّذِي هو العَدْلُ السَّواءُ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ إلى آخِرِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ فَأصْحابُ السَّواءِ هُمُ المُقَرَّبُونَ، وبَقِيَّةُ أصْحابِ المَيْمَنَةِ أصْحابُ اليَمِينِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أصْحابُ القِسْمِ الثّالِثِ، وكُلٌّ مِنَ الثَّلاثَةِ يَنْقَسِمُ إلى أعْلى ودُونَهُ، وقَدْ تَبَيَّنَتِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ آخِرَ السُّورَةِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: وكُلُّ صِنْفٍ يَكُونُ أوْ يُذْكَرُ مَعَ صِنْفٍ آخَرَ زَوْجٌ.
الواقعة 56:8
ولَمّا قَسَّمَهم إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ وفَرَّعَ تَقْسِيمَهُمْ، ذَكَرَ أحْوالَهم وابْتَدَأ ذَلِكَ بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَيْسَ الخَبَرُ كالخَبَرِ كَما أنَّهُ لَيْسَ العَيْنُ كالأثَرِ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ جِهَةِ اليَمِينِ ومَوْضِعِها وأعْمالِها، ثُمَّ فَخَّمَ أمْرَهم بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ بِقَوْلِهِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم [أهْلٌ] لِأنْ يُسْألَ عَنْهم فِيما يُفْهِمُهُ اليَمِينُ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ فَكَيْفَ إذا عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ مُبالَغَةٍ فَقالَ: ﴿ما﴾ وهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ جِهَةِ اليَمِينِ ومَوْضِعِها وأعْمالِها، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأُولى، والرّابِطُ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، قالَ أبُو حَيّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَقَدَّمَ الإعْذارُ في السُّورَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ والتَّقْرِيرُ عَلى عَظِيمِ البَراهِينِ، وأعْلَمَ في آخِرِ سُورَةِ القَمَرِ أنَّ كُلَّ واقِعٍ في العالَمِ فَبِقَضائِهِ سُبْحانَهُ وقَدَرِهِ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (p-١٩٩)﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] وأعْلَمَهم سُبْحانَهُ في الواقِعَةِ بِانْقِسامِهِمُ الأُخْرَوِيِّ فافْتَتَحَ ذِكْرَ السّاعَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] فَتَجَرَّدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِلتَّعْرِيفِ بِأحْوالِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ، وصُدِّرَتْ بِذَلِكَ كَما جَرَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلُ التَّعْرِيفَ بِحالِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ، وما انْجَرَّ في السُّوَرِ الثَّلاثِ جارِيًا عَلى غَيْرِ هَذا الأُسْلُوبِ فَبِحُكْمِ اسْتِدْعاءِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لُطْفًا بِالعِبادِ ورَحْمَةً ومَطالِعُها مَبْنِيَّةٌ عَلى ما ذَكَرْتُهُ تَصْرِيحًا لا تَلْوِيحًا، وعَلى الِاسْتِيفاءِ لا بِالإشارَةِ والإيماءِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في آخِرِ القِصَصِ الأُخْراوِيَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] فَأخْبَرَ أنَّ هَذا حالُهم يَوْمَ الجَزاءِ وقَدْ قَدَّمَ حالَهُمُ الدُّنْياوِيَّ في السُّورَتَيْنِ قَبْلُ وتَأْكِيدِ التَّعْرِيفِ المُتَقَدِّمِ فِيما بَعْدُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] إلى خاتِمَتِها - انْتَهى.
الواقعة 56:9
ولَمّا ذَكَرَ النّاجِينَ بِقِسْمَيْهِمْ، أتْبَعَهم أضْدادَهم فَقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ: جِهَةِ الشُّؤْمِ ومَوْضِعِها وأعْمالِها، ثُمَّ عَظَّمَ ذَنْبَهم فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ: لِأنَّهم أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَمّا أصابَهم مِنَ الشُّؤْمِ والشَّرِّ والسُّوءِ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ الَّتِي ساقَتْهم إلى ما وصَلُوا إلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ عاقِلٌ بَلْ ولا بَهِيمَةٌ مَعَ ما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ والأفْكارِ العَظِيمَةِ وصانَ الأوَّلِينَ عَنْ خِذْلانِ هَؤُلاءِ فَأوْصَلَهم إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ.
الواقعة 56:10
ولَمّا ذَكَرَ القِسْمَيْنِ، وكانَ كُلٌّ مِنهُما قِسْمَيْنِ، ذَكَرَ أعْلى أهْلِ (p-٢٠٠)القِسْمِ الأوَّلِ تَرْغِيبًا في أحْسَنِ حالِهِمْ ولَمْ يُقَسِّمْ أهْلَ المَشْأمَةِ تَرْهِيبًا مِن سُوءِ مَآلِهِمْ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ أيْ: إلى أعْمالِ الطّاعَةِ أصْحابُ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ في الرَّحْمَنِ وهم أصْحابُ القَلْبِ ﴿السّابِقُونَ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الوَصْفَ بِالسَّبْقِ لا غَيْرُهم لِأنَّهُ مَنزِلَةٌ أعْلى مِن مَنزِلَتِهِمْ فَلِذَلِكَ سَبَقُوا إلى مَنزِلَتِهِمْ وهي جَنَّتُهم وهم قِسْمانِ كَما يَأْتِي عَنِ الرّازِيِّ، وعَنِ المَهْدَوِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «السّابِقُونَ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
الواقعة 56:11
ولَمّا بَيَّنَ عُلُوَّ شَأْنِهِمْ ونَسَبَ السَّبْقَ إلَيْهِمْ، تَرْجَمَهُ نازِعًا لِلْفِعْلِ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ جِدًّا مِنَ الَّذِينَ هم أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴿المُقَرَّبُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ تَعالى لِلسَّبْقِ فَأرادَهم لِقُرْبِهِ أوْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ [بِقُرْبِهِ] ولَوْلا فِعْلُهُ في تَقْرِيبِهِمْ لَمْ يَكُونُوا سابِقِينَ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: المُقَرَّبُونَ تَخَلَّصُوا مِن نُفُوسِهِمْ فَأعْمالُهم كُلُّها لِلَّهِ دِينًا ودُنْيا مِن حَقِّ اللَّهِ وحَقِّ النّاسِ، وكِلاهُما عِنْدَهم حَقُّ اللَّهِ، والدُّنْيا عِنْدَهم آخِرَتُهم لِأنَّهم يُراقِبُونَ ما يَبْدُو لَهم مِن مَلَكُوتِهِ فَيَتَلَقَّوْنَهُ بِالرِّضا والِانْقِيادِ، وهم صِنْفانِ فَصِنْفٌ قُلُوبُهم في جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ هائِمَةٌ قَدْ مَلَكَتْهم هَيْبَتُهم فالحَقُّ يَسْتَعْمِلُهُمْ، وصِنْفٌ آخَرُ قَدْ أرْخى مِن عِنانِهِ، فالأمْرُ عَلَيْهِ أسْهَلُ لِأنَّهُ [قَدْ] جاوَرَ بِقَلْبِهِ هَذِهِ الحِطَّةَ ومَحَلُّهُ أعْلى فَهو أمِينُ اللَّهِ في أرْضِهِ، فَيَكُونُ الأمْرُ عَلَيْهِ أسْهَلَ لِأنَّهُ قَدْ جاوَزَ - انْتَهى.
الواقعة 56:12
ثُمَّ (p-٢٠١)[بَيَّنَ] تَقْرِيبَهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيِ: الَّذِي لا نَعِيمَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ ولا مُنَغِّصَ، والصِّنْفُ الآخَرُ مِنهُمُ المُتَقَرِّبُونَ والمُتَشاقِقُونَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ، أُولَئِكَ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ المَبْعُودُونَ، ومِن دُونِهِمُ الضّالُّونَ البَعِيدُونَ وهم أصْحابُ الشِّمالِ.
الواقعة 56:13
ولَمّا ذَكَرَ السّابِقِينَ فَصَّلَهم فَقالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ، وقالَ البَغْوِيُّ: والثُّلَّةُ جَماعَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةِ العَدَدِ،
﴿مِنَ الأوَّلِينَ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ الماضُونَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
الواقعة 56:14
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهم مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذَلِكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِائَةَ ألْفٍ ونَيِّفًا وعِشْرِينَ ألْفًا، وكانَ مَن خَرَجَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مِصْرَ وهم مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الرِّجالِ المُقاتِلِينَ مِمَّنْ هو فَوْقَ العِشْرِينَ ودُونَ الثَّمانِينَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ فَما ظَنُّكَ بِمَن عَداهم مِنَ الشُّيُوخِ ومَن دُونَ العِشْرِينَ مِنَ التّابِعِينَ والصِّبْيانِ ومِنَ النِّساءِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ مِن سائِرِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُجَدِّدِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: «الثُّلَّةُ والقَلِيلُ كِلاهُما مِن هَذِهِ الأُمَّةِ»، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وفِيهِ أبانُ بْنُ أبِي عَيّاشٍ وهو مَتْرُوكٌ ورَواهُ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ومُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وإبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ والطَّبَرانِيُّ مِن رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ (p-٢٠٢)وهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبانَ عَنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا، والمَوْقُوفُ أوْلى بِالصَّوابِ، وتَطْبِيقُهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ سَواءٌ كانَ مَرْفُوعًا أوْ مَوْقُوفًا صَحِيحٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كُلُّهم مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ وكَذا مَن تَبِعَهم بِإحْسانٍ إلى رَأْسِ القَرْنِ الثّالِثِ وهم لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى، [و]مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَناقَصَ الأمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ صارَ السّابِقُ في النّاسِ أقَلَّ مِنَ القَلِيلِ لِرُجُوعِ الإسْلامِ [إلى الحالِ] الَّذِي بَدَأ عَلَيْها مِنَ الغُرْبَةِ «بَدَأ الإسْلامُ غَرِيبًا وسَيَكُونُ غَرِيبًا فَطُوبى لِلْغُرَباءِ» ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ أيْضًا: [و]ثُلَّةٌ - أيْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ هَلْكى - مِنَ الأوَّلِينَ، وهُمُ المُعانِدُونَ مِنَ الأُمَمِ الماضِينَ، وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وهُمُ المُعانِدُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
الواقعة 56:15
ولَمّا ذَكَرَ السّابِقِينَ في الخَيْرِ [بِصِنْفَيْهِمْ مُشِيرًا إلى السّابِقِينَ في الشَّرِّ] بِصِنْفَيْهِمْ، ذَكَرَ جَزاءَ أهْلِ الخَيْرِ لِيُعْلَمَ مِنهُ جَزاءُ أُولَئِكَ، فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّهم مُلُوكٌ لَكِنَّ مُلْكَهم لا يُنافَسُ [فِيهِ] ولا يُحاسَدُ، بَلْ هو كُلُّهُ يُقابَلُ بِالوِدادِ والصَّفاءِ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ وهو ما يَسُرُّ الإنْسانَ مِنَ المَقاعِدِ العالِيَةِ المَصْنُوعَةِ لِلرّاحَةِ والكَرامَةِ الَّتِي هي آيَةُ المُلْكِ وهو العَرْشُ ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ أيْ: مَنسُوجَةٍ نَسْجًا مُضاعَفًا مَنضُودَةٍ داخِلًا بَعْضُها في بَعْضٍ مُقارَبَ النَّسْجِ مُعْجِبًا كالدِّرْعِ لَكِنَّ نَسْجَها بِالذَّهَبِ مُفَصَّلًا بِالجَوْهَرِ مِنَ الدُّرِّ والياقُوتِ.
الواقعة 56:16
ولَمّا ذَكَرَ السُّرُرَ وبَيَّنَ عَظَمَتَها، ذَكَرَ غايَتَها فَقالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ (p-٢٠٣)أيْ: مُتَّكِئِينَ هَيْئَةَ المُتَرَبِّعِ أوْ غَيْرَها مِنَ الجَنْبِ أوْ غَيْرَها ﴿عَلَيْها﴾ ولَمّا كانَ الجَمْعُ إذا كَثُرَ كانَ ظُهُورُ بَعْضِ أهْلِهِ إلى بَعْضٍ، أعْلَمَ أنَّ جُمُوعَ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ فَلا بُعْدَ ولا مُدابَرَةَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ ولا يَكْرَهُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الواقعة 56:17
ولَمّا كانَ المُتَّكِئُ قَدْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ القِيامُ لِحاجَتِهِ قالَ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: لِكِفايَةِ كُلِّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ﴿وِلْدانٌ﴾ عَلى أحْسَنِ صُورَةٍ وزِيٍّ وهَيْئَةٍ ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ قَدْ حَكَمَ اللَّهُ بِبَقائِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ، قالَ البَغْوِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ لِمَن كَبِرَ ولِمَن شَمِطَ: إنَّهُ مُخَلَّدٌ، قالَ: قالَ الحَسَنُ: هم أوْلادُ أهْلِ الدُّنْيا، لَمْ يَكُنْ لَهم حَسَناتٌ يُثابُونَ عَلَيْها ولا سَيِّئاتٌ يُعاقَبُونَ عَلَيْها لِأنَّ الجَنَّةَ لا وِلادَةَ فِيها، فَهم خُدّامُ أهْلِ الجَنَّةِ.
الواقعة 56:18
ولَمّا كانَ مَدْحُهم هَذا في غايَةِ الإبْلاغِ مَعَ الإيجازِ، وكانَ فِيهِ - إلى تَبْلِيغِ ما لَهم - تَحْرِيكٌ إلى مِثْلِ أعْمالِهِمْ، وكانَ الأكْلُ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ المَآرِبِ مُشارًا إلَيْهِ بِالمَدْحِ العَظِيمِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الِاسْتِراحَةُ عَلى الأسِرَّةِ الَّتِي عُلِمَ أنَّ مِن عادَةِ المُلُوكِ أنَّهم لا يَتَسَنَّمُونَها إلّا بَعْدَ قَضاءِ الوَطَرِ مِنهُ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إلّا ما تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ مِنَ المَشارِبِ وما يَتْبَعُها قالَ تَعالى: ﴿بِأكْوابٍ﴾ أيْ: كِيزانٍ مُسْتَدِيرَةِ الأفْواهِ بِلا عُرًى ولا خَراطِيمَ لا يَعُوقُ الشّارِبَ مِنها عائِقٌ عَنِ الشُّرْبِ مِن أيِّ مَوْضِعٍ أرادَ مِنها فَلا يَحْتاجُ أنْ يُحَوِّلَ الإناءَ إلى الحالَةِ الَّتِي تَناوَلَهُ عَنْها لِيَشْرَبَ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ (p-٢٠٤)البَدْأةُ بِالشَّرابِ لِما نالُوا مِنَ المَتاعِبِ مِنَ العَطَشِ كَما لِمَن يَشْرَبُ مِنَ الحَوْضِ فَيَكُونَ حِينَئِذٍ قَبْلَ الأكْلِ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿وأبارِيقَ﴾ أيْ: أوانٍ لَها عُرًى وخَراطِيمُ فِيها مِن أنْواعِ المَشارِبِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ ﴿وكَأْسٍ﴾ أيْ إناءٍ مُعَدٍّ لِلشُّرْبِ فِيهِ والشَّرابِ نَفْسِهِ.
ولَمّا كانَ الشَّرابُ عامًّا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ صافِيَةٍ صَفاءَ الماءِ لَيْسَ يُتَكَلَّفُ عَصْرُها بَلْ يَنْبُعُ كَما يَنْبُعُ الماءُ.
الواقعة 56:19
ولَمّا أثْبَتَ نَفْعَها وما يُشَوِّقُ إلَيْها، نَفى ما يُنَفِّرُ عَنْها فَقالَ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ أيْ تَصَدُّعًا يُوجِبُ المُجاوَزَةَ ﴿عَنْها﴾ أيْ بِوَجَعٍ في الرَّأْسِ ولا تَفَرُّقٍ لِمَلالَةٍ ﴿ولا يُنْـزِفُونَ﴾ أيْ يَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أيْ يَصْرَعُ شَرابُهُمْ، مِن نَزَفَتِ البِئْرُ - إذا نَزَحَ ماؤُها كُلُّهُ، ونَزَفَ فُلانٌ: ذَهَبَ عَقْلُهُ أوْ سَكِرَ، وبُنِيَ الفِعْلانِ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّهُ لَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الفاعِلِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: قالَ الصّادِقُ: لا تَذْهَلُ عُقُولُهم عَنْ مَوارِدِ الحَقائِقِ عَلَيْهِمْ ولا يَغِيبُونَ عَنْ مَجالِسِ المُشاهَدَةِ بِحالٍ.
الواقعة 56:20
ولَمّا بَدَأ بِالألَذِّ الهاضِمِ لِلْأكْلِ، تَلاهُ بِما يَلِيهِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ الهَضْمُ تَصْرِيحًا بِهِ بَعْدَ التَّلْوِيحِ فَقالَ: ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ هو فِيها بِحَيْثُ لَوْ كانَ فِيها جَيِّدٌ وغَيْرُهُ واخْتارُوا وبالَغُوا في التَّنْقِيَةِ لَكانَ مِمّا يَقَعُ التَّخَيُّرُ عَلَيْهِ،
الواقعة 56:21
ولَمّا ذَكَرَ ما جَرَتِ العادَةُ بِتَناوُلِهِ لِمُجَرَّدِ اللَّذَّةِ، أتْبَعَهُ ما العادَةُ أنَّهُ لِإقامَةِ البَيِّنَةِ وإنْ كانَ هُناكَ لِمُجَرَّدِ اللَّذَّةِ أيْضًا فَقالَ: (p-٢٠٥)﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ ولَمّا كانَ في لَحْمِ الطَّيْرِ مِمّا يُرْغَبُ عَنْهُ، احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ: غايَةَ الشَّهْوَةِ بِحَيْثُ يَجِدُونَ لِآخِرِهِ مِنَ اللَّذَّةِ ما لِأوَّلِهِ.
الواقعة 56:22
ولَمّا كانَ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ أشْهى مِنَ الجِماعِ، قالَ عاطِفًا عَلى ﴿وِلْدانٌ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ أيْ: يَطُفْنَ عَلَيْهِمْ، وجَرَّهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَطْفًا عَلى ﴿سُرُرٍ﴾ [الواقعة: ١٥] فَإنَّ النِّساءَ في مَعْنى الِاتِّكاءِ لِأنَّهُنَّ يُسَمَّيْنَ فِراشًا.
الواقعة 56:23
ولَمّا كانَ المِثْلُ في الأصْلِ الشَّيْءَ نَفْسَهُ كَما مَضى في الشُّورى قالَ: ﴿كَأمْثالِ﴾ أيْ مِثْلِ أشْخاصِ ﴿اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ أيِ المَصُونِ في الصَّدَفِ عَمّا قَدْ يُدَنِّسُهُ.
الواقعة 56:24
ولَمّا أبْلَغَ في وصْفِ جَزائِهِمْ بِالحُسْنِ والصَّفاءِ، دَلَّ عَلى أنَّ أعْمالَهم كانَتْ كَذَلِكَ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ فَقالَ تَعالى: ﴿جَزاءً﴾ أيْ فُعِلَ لَهم ذَلِكَ لِأجْلِ الجَزاءِ ﴿بِما كانُوا﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِمْرارِ.
الواقعة 56:25
ولَمّا أثْبَتَ لَها الكَمالَ وجَعَلَهُ لَهُمْ، نَفى عَنْها النَّقْصَ فَقالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿فِيها لَغْوًا﴾ أيْ شَيْئًا مِمّا لا يَنْفَعُ فَإنَّ أنْكَأ. . . بِالسَّمِيعِ الحَكِيمِ ذَلِكَ، واللَّغْوُ: السّاقِطُ ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ أيْ ما يَحْصُلُ بِهِ الإثْمُ أوِ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ، بَلْ حَرَكاتُهم وسَكَناتُهم [كُلُّها] رِضى اللَّهِ، وما قَطَعَ قُلُوبَ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ إلّا هاتانِ الخَصْلَتانِ بَيْنا أحَدُهم (p-٢٠٦)يَبْنِي ما يَنْفَعُهُ مُجْتَهِدًا في البِناءِ إذْ هو غَلَبَهُ طَبْعُهُ فَهَدَمَ أكْثَرَ ما بَنى، وبَيْنا هو يَظُنُّ أنَّهُ قَدْ قَرُبَ إذا هو تَحَقَّقَ بِمِثْلِ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ بَعُدَ، نَزَحَتْ دارُهُ وشَطَّ مَزارُهُ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ.
الواقعة 56:26
ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ، مِعْيارَ العُمُومِ، ساقَ بِصُورَةِ الِاسْتِثْناءِ قَوْلَهُ: ﴿إلا قِيلا﴾ أيْ هو في غايَةِ اللَّطافَةِ والرِّقَّةِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ المَبْنِيُّ عَلى ما قَبْلَها مِن مَحاسِنَ مَعَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مادَّةُ قَوَلَ. ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلَيْهِ بِالتَّعْبِيرِ بِما ذَكَرَ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامًا﴾ ودَلَّ عَلى دَوامِهِ بِتَكْرِيرِهِ فَقالَ: ﴿سَلامًا﴾ أيْ: لا يَخْطِرُ في النَّفْسِ ولا يَظْهَرُ في الحِسِّ مِنهم قَوْلٌ إلّا دالًّا عَلى السَّلامَةِ لِأنَّهُ لا عَطَبَ فِيها أصْلًا، [و]ساقَهُ مَساقَ الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ إنْ كانَ فِيها لَغْوٌ فَهو ذَلِكَ حَسْبُ، وهو ما يُؤَمِّنُهم ويُنَعِّمُهم ويُبَشِّرُهم مَعَ أنَّهُ دالٌّ عَلى حُسْنِ العِشْرَةِ وجَمِيلِ الصُّحْبَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ المَوَدَّةِ.
الواقعة 56:27
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ القِسْمَ الأوَّلَ القَلْبِيَّ السَّوائِيَّ المُوَلِّيَ مِنَ الثَّلاثَةِ بِقِسْمَيْهِ، وذَكَرَ في جَزائِهِ مِمّا لِأصْحابِ المُدُنِ ما لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ الثّانِيَ الَّذِي هو دُونَهُ لِذَلِكَ وهم واللَّهُ أعْلَمُ الأبْرارُ وهم أيْضًا صِنْفانِ، وذَكَرَ في جَزائِهِمْ مِن جِنْسِ ما لِأهْلِ البَوادِي أنْهى ما يَتَصَوَّرُونَهُ ويَتَمَنَّوْنَهُ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ ثُمَّ فَخَّمَ أمْرَهم وأعْلى مَدْحَهم لِتَعْظِيمِ جَزائِهِمْ، والإشارَةِ إلى أنَّهم أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَنْ حالِهِمْ فَإنَّهم في غايَةِ الإعْجابِ فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾
الواقعة 56:28
ولَمّا عَبَّرَ عَنْهم بِما (p-٢٠٧)أفْهَمَ أنَّهم أُولُو القُوَّةِ والجِدِّ في الأعْمالِ، والبَرَكَةِ في جَمْعِ الأحْوالِ، ذَكَرَ عَيْشَهم بادِئًا بِالفاكِهَةِ لِأنَّ عَيْشَ الجَنَّةِ كُلَّهُ تَفَكُّهٌ، ذاكِرًا مِنها ما يَنْبُتُ في بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ بِغَرْسٍ ولا خِدْمَةٍ، وأشارَ إلى كَثْرَةِ ما يَذْكُرُهُ بِأنْ جَعَلَهُ ظَرْفَهُمْ، فَقالَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِسَرِيرِ المُلْكِ الَّذِي حَبا بِهِ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلِكِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وما مَعَهُ بِما يُتَصَوَّرُ لِلْبَهائِمِ: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ أيْ شَجَرِ نَبْقٍ مُتَدَلِّي الأغْصانِ مِن شِدَّةِ حَمْلِهِ، مِن سَدَرَ الشَّعْرَ - إذا سَدَلَهُ ﴿مَخْضُودٍ﴾ أيْ هو مَعَ أنَّهُ لا شَوْكَ لَهُ ولا عَجَمَ بِحَيْثُ تَنْثَنِي أغْصانُهُ مِن شِدَّةِ الحَمْلِ، مِن خَضَدَ الشَّوْكَ: قَطَعَهُ، والغُصْنَ: ثَناهُ وهو رَطْبٌ، وفي ذِكْرِ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا نَفْعَ فِيهِ أوْ فِيهِ نَوْعُ أذًى لَهُ في الجَنَّةِ وُجُودٌ كَرِيمٌ لِأنَّ الجَنَّةَ إنَّما خُلِقَتْ لِلنَّعِيمِ.
الواقعة 56:29
ولَمّا ذَكَرَ ما يَطْلُعُ في الجِبالِ والأماكِنِ المُعَطَّشَةِ والرِّمالِ، أتْبَعَهُ ما لا يَطْلُعُ إلّا عَلى المِياهِ دَلالَةً عَلى أنَّ أماكِنَهم في غايَةِ السُّهُولَةِ والرِّيِّ فَقالَ: ﴿وطَلْحٍ﴾ أيْ شَجَرِ مَوْزٍ أوْ نَخْلٍ، وقالَ الحَسَنُ: شَجَرٌ لَهُ ظِلٌّ بارِدٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: شَجَرٌ عِظامٌ لَها شَوْكٌ، وقِيلَ: هو أُمُّ غَيْلانَ، ولَهُ نَوْرٌ كَثِيرٌ، ويُحْكى عَنْ أبِي تُرابٍ النَّخْشَبِيِّ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ قَوْمٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ عَلى قَدَمِ التَّوَكُّلِ، فَجاعُوا أيّامًا فَقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَأْكُلُوا، قالُوا: نَعَمْ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى شَجَرَةِ غَيْلانَ فَإذا عَلَيْها عَراجِينُ مَوْزٍ، فَأكَلُوا إلّا شابًّا مِنهُمْ، فَقالَ: لا آكُلُ (p-٢٠٨)ولا أصْحَبُكَ بَعْدَها، لِأنِّي كُنْتُ أسِيرُ بِلا مَعْلُومٍ، وقَدْ صِرْتَ أنْتَ الآنَ مَعْلُومِيَ، كُلَّما جُعْتُ التَفَتَتْ نَفْسِي إلَيْكَ.
﴿مَنضُودٍ﴾ أيْ مَنظُومٍ بِالحَمْلِ مِن أعْلاهُ إلى أسْفَلِهِ مُتَراكِمٍ يَتَراكَبُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ عَلى تَرْتِيبٍ هو في غايَةِ الإعْجابِ، قالَ في القامُوسِ: الطَّلْحُ: شَجَرٌ عَظِيمٌ، والطَّلْعُ: والمَوْزُ، والطَّلْعُ مِنَ النَّخْلِ: شَيْءٌ يَخْرُجُ كَأنَّهُ نَعْلانِ مُطْبِقانِ والحِمْلُ بَيْنَهُما مَنضُودٌ، والطَّرَفُ مُحَدَّدٌ، أوْ ما يَبْدُو مِن ثَمَرَتِهِ أوَّلَ ظُهُورِها.
الواقعة 56:30
ولَمّا ذَكَرَ ما لا يَكُونُ إلّا في البِلادِ الحارَّةِ قالَ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أيْ مُسْتَوْعِبٍ لِلزَّمانِ والمَكانِ فَهو دائِمُ الِاسْتِمْدادِ كَما بَيْنَ الإسْفارِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ لا فَناءَ لَهُ ولا نِهايَةَ.
الواقعة 56:31
ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِنَ الرِّيِّ لا يَسْتَلْزِمُ الجَرْيَ قالَ: ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ أيْ جارٍ في مَنازِلِهِمْ مِن غَيْرِ أُخْدُودٍ ولا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى جَلْبٍ مِنَ الأماكِنِ البَعِيدَةِ، ولا الإدْلاءِ في بِئْرٍ كَما لِأهْلِ البَوادِي.
الواقعة 56:32
ولَمّا ذَكَرَ ما تَقَدَّمَ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أيْ أجْناسِها وأنْواعِها وأشْخاصِها.
الواقعة 56:33
ولَمّا كانَتْ لا تَكُونُ عِنْدَنا إلّا في أوْقاتٍ يَسِيرَةٍ، بَيَّنَ أنَّ أمْرَ الجَنَّةِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ ولَمّا كانَتْ في الدُّنْيا قَدْ يَعُزُّ التَّوَصُّلُ إلَيْها مَعَ وُجُودِها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أقَلُّهُ صُعُودُ الشَّجَرَةِ أوِ التَّحَجُّزُ بِجِدارٍ أوْ غَيْرِهِ قالَ: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾
الواقعة 56:34
ولَمّا كانَ التَّفَكُّهُ لا يَكْمُلُ الِالتِذاذُ بِهِ إلّا مَعَ الرّاحَةِ قالَ: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ هي رَفِيعَةُ القَدْرِ وعالِيَةٌ بِالفِعْلِ لِكَثْرَةِ الحَشْوِ ولِتَراكُمِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ (p-٢٠٩)ولِأنَّها عَلى السُّرُرِ، ورَوى البَغْوِيُّ مِن طَرِيقِ النَّسائِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ارْتِفاعُها كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ»
الواقعة 56:35
ولَمّا كانَتِ النِّساءُ يُسَمَّيْنَ فُرُشًا، قالَ تَعالى مُعِيدًا لِلضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ ما يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مِنَ الظّاهِرِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي لا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ أيِ الفُرُشَ الَّتِي مَعْناها النِّساءُ مِن أهْلِ الدُّنْيا بَعْدَ المَوْتِ ولَوْ عَنِ الهَرَمِ والعَجْزِ بِالبَعْثِ، وزادَ في التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿إنْشاءً﴾ أيْ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ، بَلْ جَمَعْناهُنَّ مِنَ التُّرابِ كَما فَعَلْنا في سائِرِ المُكَلَّفِينَ لِيَكُونُوا كَأبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في خَلْقِهِ مِن تُرابٍ، فَتَكُونَ الإعادَةُ كالبُداءَةِ، ولِذَلِكَ يَكُونُ الكُلُّ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَلى شَكْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِنَّ الحُورَ العِينَ فَيَكُونَ إنْشاءً مُبْتَدَعًا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وُجُودٌ.
الواقعة 56:36
ولَمّا كانَ لِلنَّفْسِ أتَمُّ التِفاتٍ إلى الِاخْتِصاصِ، وكانَ الأصْلُ في الأُنْثى المُنْشَأةِ أنْ تَكُونَ بِكْرًا، نَبَّهَ عَلى أنَّ المُرادَ بَكارَةٌ لا تَزُولُ إلّا حالَ الوَطْئِ ثُمَّ تَعُودُ، فَكُلَّما عادَ إلَيْها وجَدَها بِكْرًا، فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ﴾ أيِ الفُرُشَ الثَّيِّباتِ وغَيْرَهُنَّ بِعَظَمَتِنا المُحِيطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿أبْكارًا﴾ أيْ (p-٢١٠)بَكارَةً دائِمَةً لِأنَّهُ لا تَغْيِيرَ في الجَنَّةِ ولا نَقْصَ.
الواقعة 56:37
ولَمّا كانَ مِمّا جَرَتْ بِهِ العادَةُ أنَّ البِكْرَ تَتَضَرَّرُ مِنَ الزَّوْجِ لِما يَلْحَقُها مِنَ الوَجَعِ بِإزالَةِ البَكارَةِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لا نَكَدَ هُناكَ أصْلًا بِوَجَعٍ ولا غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ جَمْعَ عَرُوبٍ، وهي الغَنِجَةُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: الفَطِنَةُ بِمُرادِ الزَّوْجِ كَفِطْنَةِ العَرَبِ. ولَمّا كانَ الِاتِّفاقُ في السِّنِّ أدْعى إلى المَحَبَّةِ ومَزِيدِ الأُلْفَةِ قالَ: ﴿أتْرابًا﴾ أيْ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ وقَدٍّ واحِدٍ، بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وكَذا أزْواجُهُنَّ. قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: أُخِذَ مِن لَعِبِ الصِّبْيانِ بِالتُّرابِ - انْتَهى، ”ورَوى البَغْوِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ: قالَ «أتَتْ عَجُوزٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ، فَقالَ:“ يا أُمَّ فُلانٍ! إنَّ الجَنَّةَ لا تَدْخُلُها عَجُوزٌ، فَوَلَّتْ تَبْكِي، قالَ: أخْبِرُوها أنَّها لا تَدْخُلُها وهي عَجُوزٌ، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنّا أنْشَأْناهُنَّ،» الآيَةَ "رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ في الشَّمائِلِ هَكَذا مُرْسَلًا، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ البَعْثِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن وجْهٍ عَنْها، ومِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ شَيْخُنا حافِظُ عَصْرِهِ ابْنُ حَجَرٍ: وكُلُّ طُرُقِهِ ضَعِيفَةٌ، ورَوى البَغْوِيُّ أيْضًا مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ (p-٢١١)قالَ:«عَجائِزُكُنَّ في الدُّنْيا عُمْشًا رُمْصًا فَجَعَلَهُنَّ أبْكارًا».
الواقعة 56:38
ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ البَدِيعُ مُقْتَضِيًا لِما يَزْدَهِي عَنْهُ النَّفْسُ لِأنْ يُقالَ: لِمَن هَؤُلاءِ؟ وإنْ كانَ قَدْ عُلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] نَصًّا عَلى أنَّهُنَّ في أسْنانِ أزْواجِهِنَّ.
الواقعة 56:39
ولَمّا أنْهى وصْفَ ما فِيهِ أهْلُ هَذا الصِّنْفِ عَلى أنْهى ما يَكُونُ لِأهْلِ البادِيَةِ بَعْدَ أنْ وصَفَ ما لِلسّابِقِينَ بِأعْلى ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ الحاضِرَةِ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ المُقايَسَةَ في السّابِقِينَ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، فَعَلَ هُنا كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مِن أصْحابِ اليَمِينِ
الواقعة 56:40
﴿وثُلَّةٌ﴾ أيْ مِنهم ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَلَمْ يُبَيِّنْ فِيهِمْ قِلَّةً ولا كَثْرَةً، والظّاهِرُ أنَّ الآخِرِينَ أكْثَرُ، فَإنَّ وصْفَ الأوَّلِينَ بِالكَثْرَةِ لا يُنافِي كَوْنَ غَيْرِهِمْ أكْثَرَ لِيَتَّفِقَ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ ثُلُثا أهْلِ الجَنَّةِ، فَإنَّهم عِشْرُونَ ومِائَةُ صَفٍّ، هَذِهِ الأُمَّةُ مِنهم ثَمانُونَ صَفًّا» .
الواقعة 56:41
ولَمّا أتَمَّ وصْفَ ما فِيهِ الصِّنْفانِ المَحْمُودانِ، وبِهِ تَمَّتْ أقْسامُ أصْحابِ المَيْمَنَةِ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ هم أصْحابُ القَلْبِ واليَمِينِ، أتْبَعَهُ أضْدادَهم فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيِ الجِهَةِ الَّتِي تَتَشاءَمُ العَرَبُ بِها وعَبَّرَ بِها عَنِ الشَّيْءِ الأخَسِّ والحَظِّ الأنْقَصِ، والظّاهِرُ أنَّهم أدْنى أصْحابِ المَشْأمَةِ كَما (p-٢١٢)كانَ أصْحابُ اليَمِينِ دُونَ السّابِقِينَ مِن أصْحابِ المَيْمَنَةِ، ثُمَّ عَظَّمَ ذَمَّهم ومُصابَهم فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ إنَّهم بِحالٍ مِنَ الشُّؤْمِ هو جَدِيرٌ بِأنْ يُسْألَ عَنْهُ.
الواقعة 56:42
ولَمّا ذَمَّهم وعابَهُمْ، ذَكَرَ عَذابَهم لِيُعْلَمَ أنَّ القِسْمَ الأشَدَّ مِنهم في الشُّؤْمِ أشَدُّ عَذابًا فَقالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ أيْ ظَرْفُهُمُ المُحِيطُ بِهِمْ لَفْحٌ مِن لَفْحِ النّارِ شَدِيدٌ يَتَخَلَّلُ المَسامَّ ﴿وحَمِيمٍ﴾ أيْ ماءٍ حارٍّ بالِغٍ في الحَرارَةِ إلى حَدٍّ يُذِيبُ اللَّحْمَ.
الواقعة 56:43
ولَمّا كانَ لِلتَّهَكُّمِ في القَلْبِ مِن شَدِيدِ الوَقْدِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ والحَدِّ قالَ: ﴿وظِلٍّ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما صَرَّحَ بِأنَّهُ تَهَكُّمٌ فَقالَ: ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ أيْ دُخانٍ أسْوَدَ كالحُمَمِ أيِ الفَحْمِ شَدِيدِ السَّوادِ بِما أفْهَمَتْهُ الزِّيادَةُ وشِبْهُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ:
الواقعة 56:44
ولَمّا كانَ المَعْهُودُ مِنَ الظِّلِّ البَرْدَ والإراحَةَ، نَفى ذَلِكَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ لِيَرُوحَ النَّفْسَ ﴿ولا كَرِيمٍ﴾ لِيُؤْنَسَ بِهِ ويُلْجَأ إلَيْهِ ويُرْجى خَيْرُهُ ويُعَوَّلَ في حالٍ عَلَيْهِ بِأنْ يَفْعَلَ ما يَفْعَلُهُ الواسِعُ الخُلُقِ الصَّفُوحُ مِنَ الإكْرامِ، بَلْ هو مُهِينٌ، سَمّاهُ ظِلًّا لِتَرْتاحَ النَّفْسُ إلَيْهِ ثُمَّ نَفى عَنْهُ نَفْعَ الظِّلِّ وبَرَكَتَهُ لِيَنْضَمَّ حَرْقانِ: اليَأْسُ بَعْدَ الرَّجاءِ إلى إحْراقِ اليَحْمُومِ فَتَصِيرَ الغُصَّةُ غُصَّتَيْنِ.
الواقعة 56:45
ولَمّا أنْتَجَ هَذا أنَّهُ عَلى خُلُقِ اللَّئِيمِ فَهو مَوْضِعُ الحَرارَةِ والضِّيقِ والخِسَّةِ والشِّدَّةِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ أكَّدَهُ وإنْ كانَ فِيهِمْ أهْلُ (p-٢١٣)الضُّرِّ لِاجْتِماعِهِمْ في الِاسْتِرْواحِ إلى مُنابَذَةِ الدِّينِ بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ولِأنَّ ما مَضى لَهم بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا العَذابِ حالٌ ناعِمٌ، وعَبَّرَ بِالكَوْنِ دَلالَةً عَلى العَراقَةِ في ذَلِكَ ولَوْ بِتَهَيُّئِهِمْ لَهُ جِبِلَّةً وطَبْعًا فَقالَ: ﴿كانُوا﴾ أيْ في الدُّنْيا. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلازِمًا لِلِاسْتِغْراقِ في الزَّمانِ بِمَيْلِ الطِّباعِ، نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي وصَلُوا إلَيْهِ ﴿مُتْرَفِينَ﴾ أيْ في سَعَةٍ مِنَ العَيْشِ مُنْهَمِكِينَ في الشَّهَواتِ مُسْتَمْتِعِينَ بِها مُتَمَكِّنِينَ فِيها لِتَرامِي طِباعِهِمْ إلَيْها فَأعْقَبَهم ما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ الإخْلادِ إلى التَّرَفِ عَدَمَ الِاعْتِبارِ والِاتِّعاظِ في الدُّنْيا والتَّكَبُّرَ عَلى الدُّعاةِ إلى اللَّهِ، وفي الآخِرَةِ شِدَّةَ الألَمِ لِرِقَّةِ أجْسامِهِمُ المُهَيَّأةِ لِلتَّرَفِ بِتَعَوُّدِها بِالرّاحَةِ بِإخْلادِها إلَيْها وتَعْوِيلِها عَلَيْها
الواقعة 56:46
﴿وكانُوا﴾ أيْ مَعَ التَّرَفِ ﴿يُصِرُّونَ﴾ أيْ يُقِيمُونَ ويَدُومُونَ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ مِمّا لَهم مِنَ المَيْلِ الجِبِلِّيِّ إلى ذَلِكَ ﴿عَلى الحِنْثِ﴾ أيِ الذَّنْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: بَلَغَ الغُلامُ الحِنْثَ، أيِ الحُلُمَ الَّذِي هو وقْتُ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ، ويُطْلَقُ الحِنْثُ عَلى الكَذِبِ والمَيْلِ إلى الأباطِيلِ واليَمِينِ الغَمُوسِ ونَقْضِ العَهْدِ المُؤَكَّدِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنَ المَعْهُودِ مِمّا يُغْتَفَرُ بِكَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ في وقْتٍ يَسِيرٍ قالَ: ﴿العَظِيمِ﴾ دالًّا عَلى أنَّهم يَسْتَهِينُونَ العَظائِمَ مِنَ القَبائِحِ والفَواحِشِ.
الواقعة 56:47
ولَمّا وصَفَهم بِالتَّرَفِ والإصْرارِ عَلى السَّرَفِ، وكانَ ذَلِكَ يُلازِمُ (p-٢١٤)البِطالَةَ، وكانَ يَلْزَمُ عَنْها الغَباوَةُ والفَسادُ المُوجِبُ لِلشَّقاوَةِ، ذَكَرَ إنْكارَهم لِما لا أبْيَنَ مِنهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ عَنِ الإثْمِ بِالحِنْثِ مِن نَحْوِ: فَكانُوا يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ وأنَّ الرُّسُلَ كاذِبُونَ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾ أيْ إنْكارًا مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ دائِمًا جَلافَةً أوْ عِنادًا: ﴿أإذا﴾ أيْ أنُبْعَثُ إذًا، وحَذَفَ العامِلَ لِدَلالَةِ ”مَبْعُوثُونَ“ عَلَيْهِ، ولا يَعْمَلُ هو لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ وحَرْفَ التَّأْكِيدِ اللَّذَيْنِ لَهُما الصَّدْرُ مَعْناهُ ﴿مِتْنا﴾ أيْ فَلَمْ يَبْقَ في رَدِّ أرْواحِنا طِبٌّ بِوَجْهٍ ﴿وكُنّا﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا ﴿تُرابًا وعِظامًا﴾ ولَمّا كانَ اسْتِفْهامُهم هَذا لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِن إقامَةِ أبْدانِهِمْ أوْ رَدِّ أرْواحِهِمْ طِبٌّ، أعادَ الِاسْتِفْهامَ تَأْكِيدًا لِإنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ كائِنٌ وثابِتٌ بَعْثُنا ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ، وأكَّدُوا لِيَكُونَ إنْكارُهم لِما دُونَ المُؤَكَّدِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
الواقعة 56:48
ولَمّا كانَتْ أفْهامُهم واقِفَةً مَعَ المَحْسُوساتِ لِجُمُودِهِمْ. وكانَ البِلى كُلَّما كانَ أقْوى كانَ ذَلِكَ البالِي في زَعْمِهِمْ مِنَ البَعْثِ أبْعَدَ، قالُوا مُخْرِجِينَ في جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَطْفًا عَلى الواوِ مِن ”مَعْبُوثُونَ“ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِضَمِيرِ الفَصْلِ بِالِاسْتِفْهامِ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ أيْ يُبْعَثُ آباؤُنا أيْ يُوجَدُ بَعْثُهم مِن حِينٍ، وزادُوا الِاسْتِبْعادَ عَلى ما أفْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿الأوَّلُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدْ بَلِيَتْ مَعَ لُحُومِهِمْ عِظامُهُمْ، فَصارُوا كُلُّهم تُرابًا ولا سِيَّما إنْ حَمَلَتْهُمُ السُّيُولُ فَفَرَّقَتْ تُرابَهم في كُلِّ أوْبٍ، وذَهَبَتْ بِهِ في كُلِّ صَوْبٍ، وسَكَّنَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ الواوَ عَلى أنَّ العاطِفَ ”أوْ“ ويَجُوزُ أنْ (p-٢١٥)يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَحَلِّ ”إنَّ“ واسْمِها.
الواقعة 56:49
ولَمّا كانُوا في غايَةِ الجَلافَةِ، رَدَّ إنْكارَهم بِإثْباتِ ما نَفَوْهُ، وزادَهُمُ الإخْبارَ بِإهانَتِهِمْ ثُمَّ دَلَّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِمَن يَفْهَمُهُ، فَقالَ مُخاطِبًا لِأعْلى الخَلْقِ وأوْقَفِهِمْ بِهِ لِأنَّ هَذا المَقامَ لا يَذُوقُهُ حَقَّ ذَوْقِهِ إلّا هو كَما أنَّهُ لا يَقُومُ بِتَقْرِيرِهِ لَهم والرِّفْقِ بِهِمْ إلّا هُوَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم ولِكُلِّ مَن كانَ مِثْلَهُمْ، وأكَّدَ لِإنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ جَعَلْتُمُ الِاسْتِبْعادَ فِيهِمْ أوَّلِيًّا، ونَصَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿والآخِرِينَ﴾ ودَلَّ عَلى سُهُولَةِ بَعْثِهِمْ وأنَّهُ في غايَةِ الثَّباتِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ نَقْلَهم بِالمَوْتِ والبِلى تَحْصِيلٌ لا تَفْوِيتٌ:
الواقعة 56:50
﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، في المَكانِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الحِسابُ. ولَمّا كانَ جَمْعُهم بِالتَّدْرِيجِ، عَبَّرَ بِالغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى مِيقاتِ﴾ أيْ زَمانِ ومَكانِ ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ مُعَيَّنٍ عِنْدَ اللَّهِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ بِما عِنْدَهُ مِنَ الأماراتِ، والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ مِن زَمانِ أوْ مَكانِ أيِّ حَدٍّ.
الواقعة 56:51
ولَمّا كانَ زَمانُ البَعْثِ مُتَراخِيًا عَنْ نُزُولِ القُرْآنِ، عَبَّرَ بِأداتِهِ وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ البَعْثِ بَعْدَ الجَمْعِ المُدَرَّجِ ﴿إنَّكُمْ﴾ وأيَّدَ ما فَهَّمَهُ مِن أصْحابِ الشِّمالِ هُمُ القِسْمُ الأدْنى مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ أيِ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الغَباوَةُ فِيهِمْ لا يَفْهَمُونَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما أوْجَبَ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ فَقالَ: ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ أيْ تَكْذِيبًا ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ والتَّقَيُّدِ بِما لا يُكَذِّبُ (p-٢١٦)بِهِ إلّا عَرِيقٌ في التَّكْذِيبِ بِالصِّدْقِ
الواقعة 56:52
﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ﴾ مَنبَتُهُ النّارُ.
ولَمّا كانَ الشَّجَرُ مَعْدِنَ الثِّمارِ الشَّهِيَّةِ كالسِّدْرِ والطَّلْحِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن زَقُّومٍ﴾ أيْ شَيْءٍ هو في غايَةِ الكَراهَةِ والبَشاعَةِ في المَنظَرِ ونَتْنِ الرّائِحَةِ والأذى، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ الجامِعِ وعَبْدُ الحَقِّ في واعِيهِ: الزَّقْمُ: شُرْبُ اللَّبَنِ والإفْراطُ فِيهِ، يُقالُ: باتَ يَزْقُمُ اللَّبَنَ زَقْمًا، ومِن هَذا الزَّقُّومُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وقالا: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ غَبْراءُ صَغِيرَةُ الوَرَقِ لا شَوْكَ لَها ذَفِرَةٌ لَها كَعابِرُ في رُؤُوسِها ولَها ورْدٌ تَجْرُشُهُ النَّحْلُ، ونَوْرُها أبْيَضُ ورَأْسُ ورَقِها قَبِيحٌ جِدًّا، وهي مَرْعًى، ومَنابِتُها السَّهْلُ، وقالَ في القامُوسِ: في الدَّفْرِ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ، الدَّفَرُ - بِالتَّحْرِيكِ: وُقُوعُ الدُّودِ في الطَّعامِ والذُّلُّ والنَّتْنُ، ويُسَكَّنُ، وقالَ في المُعْجَمَةِ: الذَّفَرُ - مُحَرَّكَةً: شِدَّةُ ذَكاءِ الرِّيحِ كالذَّفَرَةِ أوْ يُخَصُّ بِرائِحَةِ الإبِطِ المُنْتِنِ، والنَّتْنُ وماءُ الفَحْلِ، والذَّفْراءُ مِنَ الكَتائِبِ: السَّهِكَةُ مِنَ الحَدِيدِ، والكُعْبُرَةُ بِضَمَّتَيْنِ وعَيْنٍ وراءٍ مُهْمَلَتَيْنِ: عُقْدَةُ أُنْبُوبِ الزَّرْعِ، وعَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّ أبا حَنِيفَةَ ذَكَرَ في النَّباتِ أنَّ شَجَرَةً بِاليَمَنِ يُقالُ لَها الزَّقُّومُ لا ورَقَ لَها، وفُرُوعُها أشْبَهُ شَيْءٍ بِرُؤُوسِ الحَيّاتِ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: شَجَرَةٌ صَغِيرَةُ الوَرَقِ ذَفِرَةٌ مُرَّةٌ تَكُونُ بِتِهامَةَ، وفي القامُوسِ: والزَّقْمَةُ: الطّاعُونُ وقالَ في النِّهايَةِ: فَعُّولٌ مِنَ الزَّقْمِ: اللَّقْمُ الشَّدِيدُ (p-٢١٧)والشُّرْبُ المُفْرِطُ، وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: زَقَمَ زَقْمًا: بَلِعَ، وقَدْ عُلِمَ مِن مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ تَفْسِيرُهُ بِالطّاعُونِ تارَةً والشُّرْبِ المُفْرِطِ أُخْرى، ومِنَ الِاشْتِراطِ والشَّجَرَةِ المُنْتِنَةِ والبَشِعَةِ المَنظَرِ أنَّهُ شَيْءٌ كَرِيهٌ يُضْطَرُّ آكِلُهُ إلى التَّمَلُّؤِ مِنهُ بِنَهْمَةٍ وهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحامِلَ لَهُ عَلى هَذا مَعَ هَذِهِ الكَراهَةِ لا يَكُونُ إلّا في أعْلى طَبَقاتِ الكَراهَةِ، ولِذَلِكَ حَسُنَ جِدًّا مَوْقِعُ قَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنِ الأكْلِ:
الواقعة 56:53
﴿فَمالِئُونَ﴾ أيْ مَلْأً هو في غايَةِ الثَّباتِ وأنْتُمْ في غايَةِ الإقْبالِ عَلَيْهِ مَعَ ما هو عَلَيْهِ مِن عَظِيمِ الكَراهَةِ ﴿مِنها﴾ أيِ الشَّجَرِ، أنَّثَهُ لِأنَّهُ جَمْعُ شَجَرٍ أوْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وهم يَكْرَهُونَ الإناثَ فَتَأْنِيثُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - زِيادَةٌ في تَنْفِيرِهِمْ مِنهُ ﴿البُطُونَ﴾ أيْ لِشَيْءٍ عَجِيبٍ يَضْطَرُّكم إلى تَناوُلِ هَذا الكَرِيهِ مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ كَراهَةً بِطَبَقاتٍ مِن جُوعٍ أوْ غَيْرِهِ، وإنْ فُسِّرَتْ بِما قالُوا مِن أنَّهُ مَعْرُوفٌ لَهم أنَّهُ الزُّبْدُ بِالتَّمْرِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بَلْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهم يَتَمَلَّؤُونَ مِنها تَمَلُّؤَ مَن يَأْكُلُ مِن هَذا في الدُّنْيا مَعَ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا شَيْءَ في النّارِ المُعَدَّةِ لِلْعَذابِ لِمَن أُعِدَّتْ لِعَذابِهِ حَسَنٌ.
الواقعة 56:54
ولَمّا كانَ مَن يَأْكُلُ كَثِيرًا يَعْطَشُ عَطَشًا شَدِيدًا فَيَشْرَبُ ما قَدَرَ عَلَيْهِ رَجاءَ تَبْرِيدِ ما بِهِ مِن حَرارَةِ العَطَشِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى هَذا المَلِيءِ أوِ الأكْلِ ﴿مِنَ الحَمِيمِ﴾ أيِ الماءِ الَّذِي هو في غايَةِ الحَرارَةِ بِحَيْثُ ضُوعِفَ إحْماؤُهُ وإغْلاؤُهُ.
الواقعة 56:55
ولَمّا كانَ شُرْبُهم لِأدْنى قَطْرَةٍ مِن ذَلِكَ في غايَةِ العَجَبِ، (p-٢١٨)أتْبَعَهُ ما هو أعْجَبُ مِنهُ وهو شِدَّةُ تَمَلُّئِهِمْ مِنهُ فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى: ﴿فَشارِبُونَ﴾ أيْ مِنهُ ﴿شُرْبَ﴾ بِالفَتْحِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وبِالضَّمِّ لِنافِعٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةَ، وقُرِئَ شاذًّا بِالكَسْرِ والثَّلاثَةُ مَصادِرُ، قالَ في القامُوسِ: وشَرِبَ كَسَمِعَ شُرْبًا ويُثَلَّثُ أوِ الشَّرابُ مَصْدَرٌ وبِالضَّمِّ والكَسْرِ اسْمانِ، وبِالفَتْحِ القَوْمُ: يَشْرَبُونَ، وبِالكَسْرِ: الماءُ والحَظُّ مِنهُ، والمَوْرِدُ ووَقْتُ الشُّرْبِ، والكُلُّ يَصْلُحُ هُنا ﴿الهِيمِ﴾ أيِ الإبِلِ العِطاشِ لِأنَّ بِها الهَيامَ وهو داءٌ يُشْبِهُ الِاسْتِسْقاءَ جَمْعِ أهْيَمَ، وقالَ القَزّازُ: جَمْعُ هَيْماءَ وهو أيِ - الهُيامُ - بِالضَّمِّ: داءٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى - انْتَهى. وقالَ: ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَأصْبَحَتْ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِدٌ ∗∗∗ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها
ويُقالُ: الهِيمُ: الرَّمْلُ، يَنْصَبُّ فِيهِ كُلُّ ما صُبَّ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى الأكْلِ ثُمَّ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى الشُّرْبِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ.
الواقعة 56:56
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا عَذابُهم كُلُّهُ، قِيلَ تَهَكُّمًا بِهِمْ ونِكايَةً لَهُمْ: ﴿هَذا نُـزُلُهُمْ﴾ أيْ ما يُعَدُّ لَهم أوَّلَ قُدُومِهِمْ مَكانَ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ أوَّلَ حُلُولِهِ كَرامَةً لَهُ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيِ الجَزاءِ الَّذِي هو حِكْمَةُ القِيامَةِ، وإذا كانَ هَذا نُزُلَهم فَما ظَنُّكَ بِما يَأْتِي بَعْدَهُ عَلى طَرِيقِ مَن يُعْتَنى بِهِ فَما ظَنُّكَ بِما يَكُونُ لِمَن هو أغْنى مِنهم مِنَ المُعانِدِينَ وهو في طَرِيقِ التَّهَكُّمِ مِثْلُ قَوْلِ أبِي الشُّعَراءِ الضَّبِّيِّ:
؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالسَّيْفِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
الواقعة 56:57
(p-٢١٩)ولَمّا ذَكَرَ الواقِعَةَ وما يَكُونُ فِيها لِلْأصْنافِ الثَّلاثَةِ، وخَتَمَ بِها عَلى وجْهٍ بَيَّنَ فِيهِ حِكْمَتَها وكانُوا يُنْكِرُونَها، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ لا غَيْرُنا ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ولَعَلَّ هَذا الخِطابَ لِلدَّهْرِيَّةِ المُعَطِّلَةِ مِنَ العَرَبِ. ولَمّا كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ عُدُّوا مُنْكِرِينَ لِلِابْتِداءِ وإنْ كانُوا مِنَ المُخَلِّصَةِ بِالمُقِرِّينَ بِالخالِقِ لِأنَّهُما لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلازَمَةِ لا انْفِكاكَ لِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: هَلّا ولِمَ لا ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ بِالخَلْقِ الَّذِي شاهَدْتُمُوهُ ولا مُنازِعَ لَنا فِيما فِيهِ فَتُصَدِّقُوا بِما لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَقَّ مِنهُ في مَجارِي عاداتِكُمْ، وهو الإعادَةُ فَتَعْمَلُوا عَمَلَ العَبِيدِ لِساداتِهِمْ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مُصَدِّقٍ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ.
الواقعة 56:58
ولَمّا حَضَّضَهم عَلى التَّصْدِيقِ بِالِاسْتِدْلالِ بِإيجادِهِمْ، وكانَ البَعْثُ إنَّما هو تَحْوِيلُهم مِن صُورَةٍ بالِيَةٍ إلى الصُّورَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِن قَبْلُ، سَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ مَعَ تَصْدِيقِهِمْ بِالخَلْقِ عَدَمَ النَّظَرِ في تَبْدِيلِ الصُّوَرِ في تَفاصِيلِهِ، أوْ سَبَّبَ عَنْ قَوْلِ مَن عَساهُ يَقُولُ مِن أهْلِ الطَّبائِعِ: إنَّما خُلِقْنا مِن نُطْفَةٍ حَدَثَتْ بِحَرارَةٍ كامِنَةٍ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ أنّا خَلَقْناكم فَيَهْدِيكم ذَلِكَ أنّا نَقْدِرُ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرْنا عَلى البُداءَةِ فَرَأيْتُمْ ﴿ما تُمْنُونَ﴾ أيْ تُرِيقُونَ - مِنَ النُّطَفِ الَّتِي هي مَنِيٌّ - في الأرْحامِ بِالجِماعِ.
الواقعة 56:59
ولَمّا كانَتِ العِبْرَةُ بِالمُسَبِّبِ لا بِالسَّبَبِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِتَجْدِيدِ الإنْكارِ (p-٢٢٠)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِتَفَرُّدِهِ بِالإبْداعِ، فَإنَّ إنْكارَهم لِلْبَعْثِ مُسْتَلْزِمٌ لِإنْكارِهِمْ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أيْ تُوجِدُونَهُ مُقَدَّرًا عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِواءِ والحِكْمَةِ بَعْدَ خَلْقِهِ مِن صُورَةِ النُّطْفَةِ إلى صُورَةِ العَلَقَةِ ثُمَّ مِن صُورَةِ العَلَقَةِ إلى صُورَةِ المُضْغَةِ ثُمَّ مِنها إلى صُورَةِ العِظامِ والأعْصابِ ﴿أمْ نَحْنُ﴾ خاصَّةً. ولَمّا كانَ المَقامُ لِتَقْرِيرِ المُنْكِرِينَ ذَكَرَ الخَبَرَ المَفْهُومَ مِنَ السِّياقِ عَلى وجْهٍ أفْهَمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: أوَ أنْتُمُ الخالِقُونَ لَهُ أمْ نَحْنُ؟ فَقالَ: بَلْ نَحْنُ ﴿الخالِقُونَ﴾ أيِ الثّابِتُ لَنا ذَلِكَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا ”تَخْلُقُونَ“ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ لَهُ سُبْحانَهُ ثانِيًا، وذَكَرَ الِاسْمَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ لَهم أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ ما هو الأوْفَقُ لِأعْمالِهِمْ مِمّا يَدُلُّ عَلى وقْتِ التَّجَدُّدِ ولَوْ وقْتًا ما، وما هو الأوْلى بِصِفاتِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ.
الواقعة 56:60
ولَمّا كانَ الجَوابُ: أنْتَ الخالِقُ وحْدَكَ، وكانَ الطَّبِيعِيُّ رُبَّما قالَ: اقْتَضى ذَلِكَ الحَرارَةَ المُخَمِّرَةَ لِلنُّطْفَةِ، وكانَتِ المُفاوَتَةُ لِلْآجالِ مَعَ المُساواةِ في اسْمِيَّةِ الحَياةِ مِنَ الدَّلائِلِ العَظِيمَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى الإفْناءِ والإبْداءِ بِالِاخْتِيارِ مُبْطِلَةً لِقَوْلِ أهْلِ الطَّبائِعِ دافِعَةً لَهُمْ، أكَّدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ لا غَيْرُنا ﴿قَدَّرْنا﴾ أيْ تَقْدِيرًا (p-٢٢١)عَظِيمًا، لا يَقْدِرُ سِوانا عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ ﴿بَيْنَكُمُ﴾ أيْ كُلِّكم لَمْ نَتْرُكْ أحَدًا مِنكم بِغَيْرِ حِصَّةٍ مِنهُ ﴿المَوْتَ﴾ أيْ أوْجَبْناهُ عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ لِكُلِّ أحَدٍ لا يَتَعَدّاهُ، فَقَصَّرْنا عُمْرَ هَذا ورُبَّما كانَ في الأوْجِ مِن قُوَّةِ البَدَنِ وصِحَّةِ المِزاجِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى إطالَةِ عُمْرِهِ ما قَدَرُوا أنْ يُؤَخِّرُوهُ لَحْظَةً، وأطَلْنا عُمْرَ هَذا وقَدْ يَكُونُ في الحَضِيضِ مِن ضَعْفِ البَدَنِ واضْطِرابِ المِزاجِ لَوْ تَمالَؤُوا عَلى تَقْصِيرِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَعَجَزُوا، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَتَّبَ أفْعالَهُ عَلى مُقْتَضى الكَمالِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ، فَلَوْ كانَتْ فائِدَةُ المَوْتِ مُجَرَّدَ القَهْرِ لَكانَتْ نَقْصًا لِكَوْنِهِ يَعُمُّ الغَنِيَّ والفَقِيرَ والظّالِمَ والمَظْلُومَ، ولَكانَ جَعْلُ الإنْسانِ مُخَلَّدًا أوْلى وأحْكَمَ، فَفائِدَتُهُ غَيْرُ مُجَرَّدِ القَهْرِ وهي الحَمْلُ عَلى إحْسانِ العَمَلِ لِلْقاهِرِ خَوْفًا مِنَ العَرْضِ عَلَيْهِ والمُحاسَبَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ النَّقْلَةِ إلى دارِ الجَزاءِ،والتَّرْقِيَةُ إلى العُلُومِ الَّتِي البَدَنُ حِجابُها مِن تَمْيِيزِ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ والعِلْمِ بِمَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُبْصِرُهُ أُولُو الألْبابِ.
ولَمّا كانَ حاصِلُ المَوْتِ أنَّهُ تَغْيِيرُ الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ إلى غَيْرِها، وكانَ مَن قَدَرَ عَلى تَحْوِيلِ صُورَةٍ إلى شَيْءٍ قَدَرَ عَلى تَحْوِيلِها إلى شَيْءٍ آخَرَ مُماثِلٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ قالَ: ﴿وما نَحْنُ﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ بِالمَوْتِ ولا عاجِزِينَ ولا مَغْلُوبِينَ
الواقعة 56:61
﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ تَبْدِيلًا عَظِيمًا ﴿أمْثالَكُمْ﴾ أيْ صُوَرَكم وأشْخاصَكم لِما تَقَدَّمَ في الشُّورى مِن أنَّ المِثْلَ في الأصْلِ هو الشَّيْءُ نَفْسُهُ ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ أيْ إنْشاءً جَدِيدًا بَعْدَ تَبْدِيلِ ذَواتِكم ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (p-٢٢٢)فَإنَّ بَعْضَهم تَأْكُلُهُ السِّباعُ أوِ الحِيتانُ أوِ الطُّيُورُ فَتَنْشَأُ أبْدانُها مِنهُ، بَعْضُهم يَصِيرُ تُرابًا فَرُبَّما نَشَأ مِنهُ نَباتٌ فَأكَلَتْهُ الدَّوابُّ، فَنَشَأ مِنهُ أبْدانُها، ورُبَّما صارَ تُرابُهُ مِن مَعادِنِ الأرْضِ كالذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والحَجَرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ لَمَّحَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا﴾ [الإسراء: ٥١] إلى آخِرِها، أوْ يَكُونُ المَعْنى كَما قالَ البَغْوِيُّ: نَأْتِي بِخَلْقٍ مِثْلِكم بَدَلًا مِنكم ونَخْلُقُكم فِيما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الصُّوَرِ. أيْ: بِتَغْيِيرِ أوْصافِكم وصُوَرِكم في صُوَرٍ أُخْرى بِالمَسْخِ، ومَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ.
الواقعة 56:62
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الثّانِيَةَ النُّطْفِيَّةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ بِخِلافِ ما يَعْلَمُونَ كانُوا كَأنَّهم مُنْكِرُونَ لِهَذا العِلْمِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أيْ أيُّها العَرَبُ ﴿النَّشْأةَ الأُولى﴾ التُّرابِيَّةَ لِأبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أوِ اللَّحْمِيَّةَ لِأُمِّكم حَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ طَبِيعَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وإلّا لَوُجِدَ مِثْلُ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، والنُّطْفِيَّةُ لَكُمْ، وكُلٌّ مِنها تَحْوِيلٌ مِن شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ، فالَّذِي شاهَدْتُمْ قُدْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْوِيلِكم بَعْدَ أنْ تَصِيرُوا تُرابًا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ أوَّلًا مِنَ الصُّورَةِ؟ ولِهَذا سَبَّبَ عَمّا تَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ فَهَلّا ولِمَ لا ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُّرًا عَظِيمًا تُكْرِهُونَ أنْفُسَكم وإنْ كانَ فِيهِ خَفاءٌ ما -مِمّا أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ مِن أنَّ المَلُومَ عَلَيْهِ غَيْبٌ، وكَذا (p-٢٢٣)بَعْضُ ما قِيسَ بِهِ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الإبْداءاتِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ، بَلْ هي أهْوَنُ في مَجارِي عاداتِكم.
الواقعة 56:63
ولَمّا كانَ عِلْمُهم بِأمْرِ النَّباتِ الَّذِي هو الآيَةُ العُظْمى لِإعادَةِ الأمْواتِ أعْظَمَ مِن عِلْمِهِمْ بِجَمِيعِ ما مَضى، وكانَ أمْرُهُ في الحَرْثِ وإلْقاءِ البَذْرِ [فِيهِ] أشْبَهَ شَيْءٍ بِالجِماعِ وإلْقاءِ النُّطْفَةِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ المَرْأةُ حَرْثًا، وصَلَ بِما مَضى مُسَبِّبًا عَنْهُ قَوْلَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أفَرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ ما نَبَّهْناكم عَلَيْهِ وفِيما تَقَدَّمَ فَتَسَبَّبَ عَنْ تَنَبُّهِكم لِذَلِكَ أنَّكم رَأيْتُمْ ﴿ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ حَرْثَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِتَهْيِئَةِ أرْضِهِ لِلْبَذْرِ وإلْقاءِ البَذْرِ فِيهِ.
الواقعة 56:64
ولَمّا كانُوا لا يَدَّعُونَ القُدْرَةَ عَلى الإنْباتِ بِوَجْهٍ، وكانَ القادِرُ عَلَيْهِ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهم يَعْتَقِدُونَ في أمْرِ البَعْثِ ما يُؤَدِّي إلى الطَّعْنِ في قُدْرَتِهِ، كَرَّرَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أيْ تُنْبِتُونَهُ بَعْدَ طَرْحِكُمُ البَذْرَ فِيهِ وتَحْفَظُونَهُ إلى أنْ يَصِيرَ مالًا ﴿أمْ نَحْنُ﴾ خاصَّةً، وأكَّدَ لِما مَضى بِذِكْرِ الخَبَرِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ فَقالَ: ﴿الزّارِعُونَ﴾ أيِ المُنْبِتُونَ لَهُ والحافِظُونَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ بِمِثْلِ ما مَضى في أُخْتِها قَرِيبًا سَواءٌ.
الواقعة 56:65
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: أنْتَ الفاعِلُ لِذَلِكَ وحْدَكَ؟ [قالَ] مُوَضِّحًا لِأنَّهُ ما زَرَعَهُ غَيْرُهُ بِأنَّ الفاعِلَ الكامِلَ مَن يَدْفَعُ عَمّا صَنَعَهُ ما (p-٢٢٤)يُفْسِدُهُ، ومَن إذا أرادَ إفْسادَهُ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى مَنعِهِ ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ أيْ لَوْ عامَلْناكم بِصِفَةِ العَظَمَةِ، وأكَّدَ لِأنَّ فِعْلَهم فِعْلُ الآمِنِ [مِن] ذَلِكَ مَعَ أنَّهم في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ لِأنْ يَهْلِكَ زَرْعُهم كَما زَرَعُوهُ أوْ لِأنَّ المَطْعُومَ أهَمُّ مِنَ المَشْرُوبِ وأعْظَمُ، فَإنَّهُ الأصْلُ في إقامَةِ البَدَنِ والمَشْرُوبُ تَبَعٌ لَهُ فَقالَ: ﴿لَجَعَلْناهُ﴾ أيْ بِتِلْكَ العَظَمَةِ ﴿حُطامًا﴾ أيْ مُكَسَّرًا مُفَتَّتًا لا حَبَّ فِيهِ قَبْلَ النَّباتِ حَتّى لا يَقْبَلَ الخُرُوجَ أوْ بَعْدَهُ بِبَرْدٍ مُفْرِطٍ أوْ حَرٍّ مُهْلِكٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلا يُنْتَفَعُ بِهِ ﴿فَظَلْتُمْ﴾ أيْ: فَأقَمْتُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ نَهارًا في وقْتِ الأشْغالِ العَظِيمَةِ وفي كُلِّ وقْتٍ وتَرَكْتُمْ كُلَّ ما يُهِمُّكم ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ قالَ في القامُوسِ: فَكَّهَهم بِمُلَحِ الكَلامِ: أطْرَفَهم بِها وفَكِهَ - كَفَرِحَ فَكَهًا فَهو فَكِهٌ وفاكِهٌ-: طَيِّبُ النَّفْسِ أوْ يُحَدِّثُ صَحْبَهُ فَيُضْحِكُهم ومِنهُ تَعَجَّبَ كَتَفَكَّهَ، والتَّفاكُهُ: التَّمازُحُ، وتَفَكَّهَ: تَنَدَّمَ: والأُفْكُوكَةُ: الأُعْجُوبَةُ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: الفَكِهُ هو المُتَرَدِّدُ في القَوْلِ الذّاهِبُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ - انْتَهى.
فَأقَمْتُمْ دائِمًا تَنْدَمُونَ عَلى إلْعاقِكم أوْ مَعاصِيكُمُ الَّتِي سَبَّبَتْ ذَلِكَ التَّلَفَ أوْ تَتَعَجَّبُونَ أوْ تُحَدِّثُونَ في ذَلِكَ ولَمْ تُعَرِّجُوا عَلى شَغْلِ غَيْرِهِ كَما تَفْعَلُونَ عِنْدَ الأشْياءِ السّارَّةِ الَّتِي هي في غايَةِ الإعْجابِ والمَلاحَةِ والمُلاءَمَةِ، ولِهَذا عَبَّرَ عَمّا المُرادُ بِهِ الإقامَةُ مَعَ الدَّوامِ بِـ ”ظِلّ“ الَّذِي مَعْناهُ أقامَ نَهارًا إشارَةً [إلى تَرْكِ الأشْغالِ الَّتِي تَهُمُّ ومَحَلُّها النَّهارُ ويُمْنَعُ الإنْسانُ مِن أكْثَرِ ما يُهِمُّهُ مِنَ الكَلامِ لِهَذا النّازِلِ الأعْظَمِ، وحَذَفَ إحْدى لامَيْ ظَلَّ وتاءَ التَّفَعُّلِ مِن تَفَكَّهَ إشارَةً] (p-٢٢٥)إلى ضَعْفِ المُصابِينَ عَنِ الدِّفاعِ في بَقائِهِمْ وفي كَلامِهِمْ حالَ بَقائِهِمُ الضَّعِيفِ، وكَوْنُ المَحْذُوفِ عَيْنَ الفِعْلِ وهو الوَسَطُ، إشارَةٌ إلى خَلْعِ القَلْبِ واخْتِراقِ الجَوْفِ والقَهْرِ العَظِيمِ، فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ مِنهم عَلى مُمانَعَةِ هَذا النّازِلِ بِوَجْهٍ ولا عَلى تَبْرِيدِ ما اعْتَراهُ مِنهُ مِن حَرارَةِ الصَّدْرِ وخَوْفِ الفَقْرِ بِغَيْرِ الشِّكايَةِ إلى آمالِهِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا ضُرَّ في يَدِهِ ولا نَفْعَ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى [أنَّهُ] عادَتُهُ سُبْحانَهُ قُرْبَ الفَرَجِ في شَدائِدِ الدُّنْيا لِيَكُونَ الإنْسانُ مُتَمَكِّنًا مِنَ الشُّكْرِ لا عُذْرَ لَهُ في تَرْكِهِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّكم مَعَ [كَثْرَةِ] اعْتِيادِكم لِلْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ عَنْ قُرْبٍ تَيْأسُونَ أوَّلَ ما يَصْدِمُكُمُ البَلاءُ، فَتُقْبِلُونَ عَلى كَثْرَةِ الشِّكايَةِ، ولا يَنْفَعُكم كَثْرَةُ التَّجارِبِ لِإدْرارِ النِّعَمِ أبَدًا.
الواقعة 56:66
ولَمّا ذَكَرَ تَفَكُّهَهُمْ، وكانَ التَّفَكُّهُ يُطْلَقُ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّعَجُّبِ والتَّنَدُّمِ وعَلى التَّنَعُّمِ، قالَ الكِسائِيُّ: هو مِنَ الأضْدادِ، تَقُولُ العَرَبُ: تَفَكَّهْتُ أيْ تَنَعَّمْتُ، وتَفَكَّهْتُ، أيْ حَزِنْتُ، بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً لِتَفَكُّهِهِمْ: ﴿إنّا﴾ وأكَّدَ إعْلامًا بِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ [فَقالَ]: ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ أيْ مُولَعٌ بِنا ومُلازِمُونَ بِشَرٍّ دائِمٍ وعَذابٍ وهَلاكٍ لِهَلاكِ رِزْقِنا، أوْ مُكْرَمُونَ بِغَرامَةِ ما أنْفَقْنا ولَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، وقِراءَةُ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالِاسْتِفْهامِ لِإنْكارِ هَذا الواقِعِ والِاسْتِعْظامِ لَهُ والتَّعَجُّبِ مِنهُ، وهي مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّهم لِشِدَّةِ اضْطِرابِهِمْ مِن ذَلِكَ الحادِثِ مُذَبْذَبُونَ تارَةً يَجْزِمُونَ بِاليَأْسِ والشَّرِّ وتارَةً يَشُكُّونَ فِيهِ ويَنْسُبُونَ الأمْرَ إلى سُوءِ تَصَرُّفِهِمْ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ (p-٢٢٦)إضْرابُهُمْ:
الواقعة 56:67
﴿بَلْ نَحْنُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿مَحْرُومُونَ﴾ أيْ: حَرَمَنا غَيْرُنا وهو مَن لا يُرَدُّ قَضاؤُهُ، فَلا حَظَّ لَنا في الِاكْتِسابِ، فَلَوْ كانَ الزّارِعُ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ لَأفْلَحَ زَرْعُهُ، قالَ في القامُوسِ: الغَرامُ: الوَلُوعُ والشَّرُّ الدّائِمُ والهَلاكُ والعَذابُ، والغَرامَةُ ما يَلْزَمُ أداؤُهُ، وحَرَمَهُ: مَنَعَهُ، والمَحْرُومُ، المَمْنُوعُ عَنِ الخَيْرِ ومَن لا يُنَمّى لَهُ مالٌ والمُحارَفُ - [أيْ] بِفَتْحِ الرّاءِ - وهو المَمْنُوعُ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي لا يَكادُ يَكْتَسِبُ، وقالَ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: والمَحْرُومُ ضِدُّ المَرْزُوقِ، أيْ والمَرْزُوقُ المَجْرُودُ بِالجِيمِ وهو المَحْظُوظُ.
الواقعة 56:68
ولَمّا وقَفَهم عَلى قُدْرَتِهِ في الزَّرْعِ مَعَ وُجُودِ أسْبابِهِ، وقَدَّمَهم بِشِدَّةٍ إلَيْهِ، وكانَ رُبَّما ألْبَسَ نَوْعَ لَبْسٍ لِأنَّ لَهم فِيهِ سَبَبًا في الجُمْلَةِ، أتْبَعَهُ التَّوْقِيفَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى التَّصَرُّفِ في سَبَبِهِ الَّذِي هو الماءُ الَّذِي لا سَبَبَ لَهم في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ أصْلًا، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا أفادَهم هَذا التَّنْبِيهُ مُذَكِّرًا بِنِعْمَةِ الشُّرْبِ الَّذِي يُحْوِجُ إلَيْهِ الغِذاءُ:﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ أيْ أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ ما نَبَّهْنا عَلَيْهِ مِمّا مَضى في المَطْعَمِ وغَيْرِهِ، أفَرَأيْتُمُ ﴿الماءَ﴾ ولَمّا كانَ مِنهُ ما لا يُشْرَبُ، وكانَتِ النِّعْمَةُ في المَشْرُوبِ أعْظَمَ، قالَ واصِفًا لَهُ بِما أغْنى عَنْ وصْفِهِ بِالعُذُوبَةِ، وبَيَّنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ الَّتِي لا مَحِيدَ عَنْها فَقالَ: ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾
الواقعة 56:69
ولَمّا كانَ عُنْصُرُهُ في جِهَةِ العُلُوِّ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُقَرِّرًا لَهُمْ: ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ﴾ ولَمّا كانَ الإنْزالُ (p-٢٢٧)قَدْ يُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ إيجادِ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وكانَ السَّحابُ مِن عادَتِهِ المُرُورُ مَعَ الرِّيحِ لا يَكادُ يَثْبُتُ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ تَحْقِيقًا لِجِهَةِ العُلُوِّ وتَوْقِيفًا عَلى مَوْضِعِ النِّعْمَةِ في إثْباتِهِ إلى أنْ يَتِمَّ حُصُولُ النَّفْعِ بِهِ: ﴿مِنَ المُزْنِ﴾ أيِ السَّحابِ المَمْلُوءِ المَمْدُوحِ الَّذِي شَأْنُهُ الإسْراعُ في المُضِيِّ، وقالَ الأصْبَهانِيُّ، [و]قِيلَ: السَّحابُ الأبْيَضُ خاصَّةً، وهو أعْذَبُ ماءً ﴿أمْ نَحْنُ﴾ أيْ خاصَّةً، وأكَّدَ بِذِكْرِ الخَبَرِ وهو لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ في أصْلِ المَعْنى فَقالَ: ﴿المُنْـزِلُونَ﴾ أيْ لَهُ، رَحْمَةً [لَكُمْ] وإحْسانًا إلَيْكم بِتَطْيِيبِ عَيْشِكم عَلى ما لَنا مِن مَقامِ العَظَمَةِ الَّذِي شَأْنُهُ الكِبْرُ والجَبَرُوتُ وعَدَمُ المُبالاةِ بِشَيْءٍ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ بِمِثْلِ ما مَضى في الآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ سَواءٌ.
الواقعة 56:70
ولَمّا كانَ الجَوابُ: أنْتَ وحْدَكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ عَلى غِناكَ عَنِ الخَلْقِ بِما لَكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وكَمالِ الذّاتِ والصِّفاتِ، قالَ مُذَكِّرًا بِنِعْمَةٍ أُخْرى: ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ أيْ: حالَ إنْزالِهِ وبُعْدِهِ قَبْلَ أنْ يُنْتَفَعَ بِهِ. ولَمّا كانَتْ صَيْرُورَةُ الماءِ [مِلْحًا] أكْثَرَ مِن صَيْرُورَةِ النَّبْتِ حُطامًا، لَمْ يُؤَكِّدْ لِذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ السّامِعِينَ لَمّا مَضى التَّوْقِيفُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ صارُوا في حَيِّزِ المُعْتَرِفِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿جَعَلْناهُ﴾ أيْ بِما تَقْتَضِيهِ صِفاتُ العَظَمَةِ ﴿أُجاجًا﴾ أيْ: مِلْحًا مُرًّا مُحْرِقًا كَأنَّهُ في الأحْشاءِ لَهِيبُ النّارِ المُؤَجَّجُ فَلا يُبْرِدُ عَطَشًا ولا يُنْبِتُ نَبْتًا يُنْتَفَعُ بِهِ. ولَمّا كانَ هَذا مِمّا لا يُساغُ لِإنْكارِهِ، (p-٢٢٨)سَبَّبَ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّحْضِيضِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أيْ فَهَلّا ولِمَ لا تُجَدِّدُونَ الشُّكْرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِاسْتِعْمالِ ما أفادَكم ذَلِكَ مِنَ القُوى في طاعَةِ الَّذِي أوْجَدَهُ لَكم ومَكَّنَكم مِنهُ وجَعَلَهُ مُلائِمًا لِطِباعِكم مُشْتَهًى لِنُفُوسِكم نافِعًا لَكم في كُلِّ ما تَرَوْنَهُ.
الواقعة 56:71
ولَمّا كانَتِ النّارُ سَبَبًا لِعُنْصُرِ ما فِيهِ الماءُ فَيَتَحَلَّبُ فَيَتَقاطَرُ كَما كانَ الماءُ سَبَبًا لِتَشْقِيقِ الأرْضِ بِالزَّرْعِ، ولَمْ يَكُنْ لِمَخْلُوقٍ قُدْرَةٌ عَلى التَّوَصُّلِ بِنَوْعِ سَبَبٍ، أتْبَعَهُ بِها كَما أتْبَعَ الزَّرْعَ بِالماءِ لِذَلِكَ ولِبَيانِ القُدْرَةِ عَلى ما لا سَبَبَ فِيهِ لِمَخْلُوقٍ في السُّفْلِ كَما كانَ إنْزالُ الماءِ عَرِيًّا عَنْ سُنَّتِهِمْ في العُلُوِّ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أهَّلَهم لِلتَّأمُّلِ في مَصْنُوعاتِهِ والتَّبَصُّرِ في عَجائِبِ آياتِهِ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ أيْ أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالأبْصارِ والبَصائِرِ ما تَقَدَّمَ فَرَأيْتُمُ ﴿النّارَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ نارًا مَخْصُوصَةً تُوقِفُهم عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وتَكْشِفُ لَهم ذَلِكَ كَشْفًا بَيِّنًا بِإيجادِ الأشْياءِ مِن أضْدادِها فَقالَ: ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَسْتَخْرِجُونَ مِنَ الزَّنْدِ فَتُوقِدُونَ بِهِ سَواءٌ كانَ الزَّنْدُ يابِسًا أوْ أخْضَرَ بَعْدَ أنْ كانَتْ خَفِيَّةً فِيهِ لا يَظُنُّ مَن لَمْ يُجَرِّبْ ذَلِكَ أنَّ فِيهِ نارًا أصْلًا، فَكانَ ذَلِكَ مِثْلَ التَّوْرِيَةِ الَّتِي يُظْهَرُ فِيها شَيْءٌ ويُرادُ غَيْرُهُ، ثُمَّ صارَ بَعْدَ ذَلِكَ الخَفاءِ إلى ظُهُورٍ عَظِيمٍ وسُلْطَةٍ مُتَزايِدَةٍ وعَظَمَةٍ ظاهِرَةٍ تُحْرِقُ كُلَّ ما لابَسَها حَتّى ما خَرَجَتْ مِنهُ، والعَرَبُ أعْرَفُ النّاسِ بِأمْرِ الزَّنْدِ، وذَلِكَ أنَّهم يَقْطَعُونَ (p-٢٢٩)غُصْنًا مِن شَجَرِ المَرْخِ وآخَرَ مِنَ العَفارِ، ويَحُكُّونَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ فَتَتَقَدَّحُ مِنها النّارُ عَلى أنَّ النّارَ في كُلِّ شَجَرٍ، وإنَّما خُصَّ المَرْخُ والعَفارُ لِسُهُولَةِ القَدْحِ مِنهُما، وقَدْ قالُوا: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ.
الواقعة 56:72
ولَمّا كانَ هَذا مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ، كَرَّرَ التَّقْرِيرَ والإنْكارَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ﴾ أيِ: اخْتَرَعْتُمْ وأوْجَدْتُمْ وأوْدَعْتُمْ وأحْيَيْتُمْ ورَبَّيْتُمْ وأوْقَعْتُمْ ﴿شَجَرَتَها﴾ أيِ المَرْخَ والعَفارَ الَّتِي تَتَّخِذُونَ مِنها الزِّنادَ الَّذِي يُخْرَجُ مِنهُ، وأسْكَنْتُمُوها النّارَ مُخْتَلِطَةً بِالماءِ الَّذِي هو ضِدُّها وخَبَّأْتُمُوها في تِلْكَ الشَّجَرَةِ لا يَعْدُو واحِدٌ مِنها عَلى الآخَرِ مَعَ المُضادَّةِ فَيَغْلِبُهُ حَتّى يَمْحَقَهُ ويَعْدَمَهُ ﴿أمْ نَحْنُ﴾ أيْ خاصَّةً، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿المُنْشِئُونَ﴾ أيْ لَها بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ، فَمَن قَدَرَ عَلى [إيجادِ] النّارِ الَّتِي هي أيْبَسُ ما يَكُونُ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ المُضادَّةِ لَها في كَيْفِيَّتِها، كانَ أقْدَرَ عَلى إعادَةِ الطَّراوَةِ والغَضاضَةِ في تُرابِ الجَسَدِ الَّذِي كانَ غَضًّا طَرِيًّا فَيَبِسَ وبَلِيَ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ بِمِثْلِ ما مَضى في أخَواتِها سَواءٌ.
الواقعة 56:73
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: أنْتَ وحْدَكَ، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ هَذا الخَبَرِ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿جَعَلْناها﴾ بِما اقْتَضَتْهُ عَظَمَتُنا، وقَدَّمَ مِن مَنافِعِها ما هو أوْلى بِسِياقِ البَعْثِ الَّذِي هو مَقامُهُ فَقالَ: ﴿تَذْكِرَةً﴾ أيْ شَيْئًا تَتَذَكَّرُونَهُ وتَتَذَكَّرُونَ بِهِ تَذَكُّرًا عَظِيمًا جَلِيلًا عَنْ (p-٢٣٠)كُلِّ ما أخْبَرْنا بِهِ مِنَ البَعْثِ وعَذابِ النّارِ الكُبْرى وما يَنْشَأُ فِيها مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نُنِيرُهُ لِأُولِي البَصائِرِ والفُهُومِ مِنَ العُلُومِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَوِزانٌ قَدْحُ الزِّنادِ مِنَ الشَّجَرِ، والزِّنادُ وِزانُ الصَّيْحَةِ بِهِمْ ووِزانُ إنْشائِهِ الأجْسامَ وِزانُ إنْشائِهِ الشَّجَرَةَ النّارَ، ويُتَذَكَّرُ بِإنْشائِها في الشَّجَرِ إنْشاءُ الحَياةِ في الأجْسامِ وبِإنْشائِها مِن غَيْبِها أنَّ النّارَ الكُبْرى في غَيْبِ ما نُشاهِدُهُ، وهَذا مِن آثارِ كَوْنِها في الجَوِّ - انْتَهى. وعَلَّقَ بِها سُبْحانَهُ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَعاشِ الَّتِي لا غِنى عَنْها لِيَكُونَ مُذَكِّرًا لَهم بِما أوْقَدُوا بِهِ حاضِرًا دائِمًا فَيَكُونَ أجْدَرَ بِاتِّعاظِهِمْ ﴿ومَتاعًا﴾ أيْ إنْشاءً وبَقاءً وتَعْمِيرًا ونَفْعًا وإيصالًا إلى غايَةِ المُرادِ مِنَ الِاسْتِضاءَةِ والِاصْطِلاءِ والإنْضاجِ والتَّحْلِيلِ والإذابَةِ والتَّعْقِيدِ والتَّكْلِيسِ، وهُرُوبِ السِّباعِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ أنَّها سَبَبٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ أيِ الجِياعِ الَّذِينَ أقْوَتْ بُطُونُهم - أيْ خَلَتْ - مِنَ الفَقْرِ والإغْناءِ مِنَ النّازِلِينَ بِالأرْضِ القَواءِ، والقَواءُ بِالكَسْرِ والمَدِّ أيِ القَفْرُ الخالِيَةُ المُتَباعِدَةُ الأطْرافِ البَعِيدَةُ مِنَ العُمْرانِ، وكُلُّ آدَمِيٍّ مُهَيَّأٍ لِلْقَواءِ فَهو مَوْصُوفٌ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حالَ الوَصْفِ كَذَلِكَ، وقالَ الرّازِيُّ: أقْوى مِنَ الأضْدادِ: اغْتَنى وافْتَقَرَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: وهَذِهِ الأرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى ووَقَّفَهم عَلَيْها مِن أمْرِ خَلْقِهِمْ وما بِهِ قِوامُ عَيْشِهِمْ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ، والنّارِ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى البَعْثِ إذْ فِيها انْتِقالٌ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ وإحْداثُ (p-٢٣١)شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، ولِذَلِكَ أمَرَ في آخِرِها بِتَنْزِيهِهِ - انْتَهى.
الواقعة 56:74
ولَمّا دَلَّ [سُبْحانَهُ] في هَذِهِ الآياتِ عَلى عَجائِبِ القُدْرَةِ وغَرائِبِ الصُّنْعِ، فَبَدَأ بِالزَّرْعِ وخَتَمَ بِالنّارِ والشَّجَرِ، وأوْجَبَ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنَ التَّذَكُّرِ لِأمْرِها والتَّبَصُّرِ في شَأْنِها [أنَّها] مِن أسْبابِ ما قَبْلَها، وأنَّهُ سَبَبٌ لَها لِكَوْنِهِ سَبَبًا لَها لِإثْباتِ ما هي لَهُ، وكانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ إشارَةً إلى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: إلّا أنَّ الماءَ والأرْضَ لِخَلْقِ الأرْكانِ، والأخْلاقَ والصِّفاتِ لِلْهَواءِ والنّارِ، وكانَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ أمْرًا باهِرًا، أشارَ إلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ بِالأمْرِ بِالتَّنْزِيهِ مُسَبِّبًا عَمّا أفادَ ذَلِكَ، فَقالَ مُعْرِضًا عَمَّنْ قَدْ يُلِمُّ بِهِ الإنْكارُ مُقْبِلًا عَلى أشْرَفِ خَلْقِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا المَقامَ حَقَّ فَهْمِهِ سِواهُ ولا يَعْمَلُ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ غَيْرُهُ: ﴿فَسَبِّحْ﴾ أيْ: أوْقِعِ التَّنْزِيهَ العَظِيمَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مِن تَرْكِ البَعْثِ وغَيْرِهِ ولا سِيَّما بَعْدَ بُلُوغِ هَذِهِ الأدِلَّةِ إلى حَدِّ المَحْسُوسِ تَسْبِيحَ مُتَعَجِّبٍ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَسْبِيحَ شُكْرٍ لَهُ وتَعْظِيمٍ لَهُ وإكْبارٍ وتَنْزِيهٍ عَمّا يَقُولُ الجاحِدُونَ وتَعْجِيبٍ مِنهم مُقْتَدِيًا بِجَمِيعِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن أعْجَبِ ذَلِكَ أنَّهُ سَخَّرَ لَنا في هَذِهِ الدّارِ جَهَنَّمَ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: جَعَلَ مِنها بِحَرارَةِ الشَّمْسِ جَنّاتٍ وثَمَراتٍ وفَواكِهَ وزُرُوعًا ومَعايِشَ. (p-٢٣٢)ولَمّا كانَ تَعْظِيمُ الِاسْمِ أقْعَدَ في تَعْظِيمِ المُسَمّى قالَ: ﴿بِاسْمِ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا بِذِكْرِ اسْمِ ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ بَعْدَ التَّرْبِيَةِ إلَيْكَ بِهَذا البَيانِ الأعْظَمِ بِما خَصَّكَ بِهِ مِمّا لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا غَيْرَكَ، وأثْبَتُوا ألِفَ الوَصْلِ هُنا لِأنَّهُ لَمْ يَكْثُرْ دَوْرُهُ كَثْرَتَهُ في البَسْمَلَةِ مِنها وحَذَفُوهُ مِنها لِكَثْرَةِ دَوْرِها وهم شَأْنُهُمُ الإيجازُ وتَقْلِيلُ الكَثِيرِ إذا عُرِفَ مَعْناهُ، وهَذا مَعْرُوفٌ لا يُجْهَلُ، وإثْباتُ ما أُثْبِتَ مِن أشْكالِهِ مِمّا لا يَكْثُرُ دَلِيلٌ عَلى الحَذْفِ مِنهُ، وكَذا لا تُحْذَفُ الألِفُ مَعَ غَيْرِ الباءِ في اسْمِ اللَّهِ ولا مَعَ الباءِ في غَيْرِ الجَلالَةِ مِنَ الأسْماءِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ العِلَّةِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْظِيمِ قالَ: ﴿العَظِيمِ﴾ الَّذِي مَلَأ الأكْوانَ كُلَّها عَظَمَةً، فَلا شَيْءَ مِنها إلّا وهو مَمْلُوءٌ بِعَظَمَتِهِ تَنَزُّهًا عَنْ أنْ تَلْحَقَهُ شائِبَةُ نَقْصٍ أوْ يَفُوتَهُ شَيْءٌ مِن كَمالٍ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهَذِهِ الآياتُ الَّتِي عَدَّدَها سُبْحانَهُ تَمْهِيدٌ لِسُلُوكِ طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ وكَما في الخَبَرِ ”تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً“ هَذِهِ الفِكْرَةُ الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ عَلَيْها.
الواقعة 56:75
ولَمّا كانَ مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ ما ظَهَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أفانِينِ الإنْعامِ في الدّارَيْنِ، وبَدَأ بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ لِكَوْنِها النَّتِيجَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلَيْها بِإنْعامِهِ في الدُّنْيا فَكانَ تَذْكِيرًا بِالنِّعَمِ لِتُشْكَرَ، ودَلالَةً عَلى النَّتِيجَةِ لِتُذْكَرَ، وفي كُلِّ حالَةٍ تُسْتَحْضَرُ فَلا تُكْفَرُ، فَوَصَلَتِ الدَّلالَةُ إلى حَدٍّ هو أوْضَحُ مِنَ المَحْسُوسِ وأضْوَأُ مِنَ المَشْمُوسِ، وكانَ مَعَ هَذِهِ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ (p-٢٣٣)فِي مَظْهَرٍ أعْجَزَ الخَلائِقَ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، [أمّا] مِن جِهَةِ الجَوابِ عَنْ تَشَبُّهِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ فَلِكَوْنِهِ يُطابِقُ ذَلِكَ مُطابَقَةً لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِثْلَها، ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ بِما شاءَ اللَّهُ مِنَ المَعارِفِ مِن غَيْرِ أنْ يَدَعَ لَبْسًا، و[أمّا] مِن جِهَةِ المُفْرَداتِ فَلِكَوْنِها النِّهايَةَ في جَلالَةِ الألْفاظِ ورَشاقَةِ الحُرُوفِ وجَمْعِ المَعانِي، فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّهُ لا تَقُومُ كَلِمَةٌ أُخْرى مَقامَ كَلِمَةٍ مِنهُ أصْلًا، وأمّا مِن جِهَةِ التَّرْكِيبِ فَلِكَوْنِ كُلِّ [كَلِمَةٍ] مِنها أحَقَّ في مَواضِعِها بِحَيْثُ أنَّهُ لَوْ قُدِّمَ شَيْءٌ مِنها أوْ أُخِّرَ لاخْتَلَّ المَعْنى المُرادُ في ذَلِكَ السِّياقِ بِحَسَبِ ذَلِكَ المَقامِ، وأمّا مِن جِهَةِ التَّرْتِيبِ في الجُمَلِ والآياتِ والقِصَصِ في المَبادِئِ والغاياتِ فَلِكَوْنِهِ مِثْلَ تَرْكِيبِ الكَلِماتِ، كُلُّ جُمْلَةٍ مُنْتَظَمَةٌ بِما قَبْلَها انْتِظامَ [الدُّرِّ] اليَتِيمِ في العِقْدِ المُحْكَمِ النَّظِيمِ، لِأنَّها إمّا أنْ تَكُونَ عِلَّةً لِما تَلَتْهُ أوْ دَلِيلًا أوْ مُتَمِّمَةً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الفائِقَةِ عَلى وجْهٍ مُمْتِعِ الجَنابِ جَلِيلِ الحِجابِ لِتَكُونَ أحْلى في فَمِهِ، وأجْلى بَعْدَ ذَوْقِهِ في نَظْمِهِ وسائِرِ عِلْمِهِ، فَكانَ ثُبُوتُ جَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ عَلى وجْهٍ لا مُغْتَمَرَ فِيهِ ولا وقْفَةَ في اعْتِقادِ حُسْنِهِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ الآتِيَ بِهَذا القُرْآنِ ﷺ بِالهُدى وبِالحَقِّ، لا أنَّهُ آتاهُ كُلَّ ما يَنْبَغِي لَهُ، فَآتاهُ الحِكْمَةَ وهي البَراهِينُ القاطِعَةُ واسْتِعْمالَها عَلى وُجُوهِها، والمَوْعِظَةَ الحَسَنَةَ، وهي الأُمُورُ المُرَقِّقَةُ لِلْقُلُوبِ المُنَوِّرَةُ لِلصُّدُورِ، والمُجادَلَةَ الَّتِي هي عَلى أحْسَنِ الطُّرُقِ في نَظْمٍ مُعْجِزٍ مُوجِبٍ لِلْإيمانِ، فَكانَ مَن سَمِعَهُ (p-٢٣٤)ولَمْ يُؤْمِن لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنَ المُمْحِلاتِ إلّا أنْ يَقُولَ: هَذا البَيانُ لَيْسَ لِظُهُورِ المُدَّعى وثُبُوتِهِ بَلْ لِقُوَّةِ عارِضَةِ المُدَّعِي وقُوَّتِهِ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ وصَوْغِ الكَلامِ وتَصْرِيفِ وُجُوهِ المَقالِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَغْلِبُ لِقُوَّةِ جِدالِهِ لا لِظُهُورِ مَقالِهِ، كَما أنَّهُ رُبَّما يَقُولُ أحَدُ المُتَناظِرَيْنِ عِنْدَ انْقِطاعِهِ لِخَصْمِهِ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ مَعِي لَكِنَّكَ تَسْتَضْعِفُنِي ولا تُنْصِفُنِي، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلْخَصْمِ جَوابٌ إلّا الإقْسامَ بِالأيْمانِ الَّتِي لا مَخْرَجَ عَنْها أنَّهُ غَيْرُ مُكابِرٍ وأنَّهُ مُنْصِفٌ، وإنَّما يَفْزَعُ إلى الأيْمانِ لِأنَّهُ لَوْ أتى بِدَلِيلٍ آخَرَ لَكانَ مُعَرَّضًا لِمِثْلِ هَذا، فَيَقُولُ: وهَذا غَلَبْتَنِي فِيهِ لِقُوَّةِ جِدالِكَ وقُدْرَتِكَ عَلى سَوْقِ الأدِلَّةِ بِبَلاغَةِ مَقالِكَ، فَلِذَلِكَ كانُوا إذا أفْحَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْنا فِيما نَعْلَمُ خِلافَهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الإقْسامُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ أنْواعًا مِنَ الأقْسامِ بَعْدَ الدَّلائِلِ العِظامِ، ولِهَذا كَثُرَتِ [الآياتُ] في أواخِرِ القُرْآنِ، وفي السَّبْعِ الأخِيرَةِ خاصَّةً أكْثَرَ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ هَذِهِ الأدِلَّةِ الرّائِعَةِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ بِإثْباتِ ”لا“ النّافِيَةِ، إمّا عَلى أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدَةً بِأنْ يَنْفِيَ ضِدَّ ما أثْبَتَهُ القَسَمُ، فَيَجْمَعَ الكَلامُ بَيْنَ إثْباتِ المَعْنى المُخْبَرِ بِهِ ونَفْيِ ضِدِّهِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: أنَّ هَذا المَقامَ يَسْتَحِقُّ لِعَظَمَتِهِ وإنْكارِهِمْ لَهُ أنْ (p-٢٣٥)يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِأعْظَمَ مِن هَذا عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ لِمَن لَهُ عِلْمٌ - واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ [الكَلامُ] السّابِقُ في الماءِ الَّذِي جَعَلَهُ سُبْحانَهُ مَجْمَعًا لِلنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الظّاهِرَةِ وقَدْ رَتَّبَ سُبْحانَهُ لِإنْزالِهِ الأنْواءَ عَلى مِنهاجٍ دَبَّرَهُ وقانُونٍ أحْكَمَهُ، وجَعَلَ إنْزالَ القُرْآنِ نُجُومًا مُفَرَّقَةً وبَوارِقَ مُتَلالِئَةً مُتَألِّقَةً قالَ: ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: بِمَساقِطِ الطَّوائِفِ القُرْآنِيَّةِ المُنِيرَةِ النّافِعَةِ المُحْيِيَةِ لِلْقُلُوبِ، وبِهُبُوطِها الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ ما يَنْبَنِي مِنَ الآثارِ الجَلِيلَةِ وأزْمانِ ذَلِكَ وأماكِنِهِ وأحْوالِهِ، وبِمَساقِطِ الكَواكِبِ وأنْوائِها وأماكِنِ ذَلِكَ وأزْمانِهِ في تَدْبِيرِهِ عَلى ما تَرَوْنَ مِنَ الصُّنْعِ المُحْكَمِ والفِعْلِ المُتْقَنِ المُقَوَّمِ، الدّالِّ بِغُرُوبِ الكَواكِبِ عَلى القُدْرَةِ عَلى الطَّيِّ بَعْدَ النَّشْرِ والإعْدامِ بَعْدَ الإيجادِ، وبِطُلُوعِها الَّذِي يُشاهِدُ أنَّها مُلْجَأةٌ إلَيْهِ إلْجاءَ السّاقِطِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، لِقُدْرَتِهِ عَلى الإيجادِ بَعْدَ الإعْدامِ، وبِآثارِ الأنْواءِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ بِأوْضَحَ مِنهُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلالاتِ الَّتِي يَضِيقُ عَنْها العِباراتُ- ويَقْصُرُ دُونَ عُلْياها مَدِيدُ الإشاراتِ، ولِمِثْلِ هَذِهِ المَعانِي الجَلِيلَةِ والخُطُوبِ العَظِيمَةِ جَعَلَ في الكَلامِ اعْتِراضًا بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ، وفي الِاعْتِراضِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ، وهَزًّا لِنافِذِ الأفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأمْرَ عَظِيمٌ والخَطْبَ فادِحٌ جَسِيمٌ، فَقالَ مُوَضِّحًا لَهُ بِالتَّأْكِيدِ رَحْمَةً لِلْعَبِيدِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم جَرَوْا عَلى غَيْرِ ما يَعْلَمُونَ مِن عَظَمَتِنا فَعُدُّوا غَيْرَ عالِمِينَ:
الواقعة 56:76
﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: هَذا القَسَمُ عَلى (p-٢٣٦)[هَذا] المَنهَجِ ﴿لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ تَجَدَّدَ لَكم في وقْتٍ عِلْمٌ لَعَلِمْتُمْ أنَّهُ ﴿عَظِيمٌ﴾ وإقْسامُهُ لَنا عَلى ذَلِكَ ونَحْنُ أقَلُّ قَدْرًا وأضْعَفُ أمْرًا إعْلامًا بِما لَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي مِن عِظَمِها أنَّهُ لا يَتْرُكُنا سُدًى - كُلُّ ذَلِكَ لِيُصْلِحَ أنْفُسَنا بِاتِّباعِ أمْرِهِ والوُقُوفِ عِنْدَ زَجْرِهِ- قالَ ابْنُ بُرْجانَ: ومِن إتْقانِهِ جَلَّ جَلالُهُ في خَلِيقَتِهِ وحِكَمِهِ في بَرِيَّتِهِ أنْ جَعَلَ لِكُلِّ واقِعٍ مِنَ النُّجُومِ الفَلَكِيَّةِ طالِعًا يُسَمّى بِالإضافَةِ إلى الواقِعِ الرَّقِيبِ دُونَ تَأخُّرٍ، وذَلِكَ هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] يَجْمَعُ ذَلِكَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ وهي نُجُومُ مَنازِلِ القَمَرِ عَدَدُها ثَمانٍ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً سِوى تَحْجُبُها الشَّمْسُ فَتَمَّتْ تِسْعٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً يَسْتَشْرِفُها القَمَرُ، فَرُبَّما اسْتَتَرَ لَيْلَةً ورُبَّما اسْتَتَرَ لَيْلَتَيْنِ، فالقَمَرُ يَنْزِلُ في هَذِهِ المَنازِلِ كُلَّ لَيْلَةٍ مَنزِلَةً حَتّى يُتِمَّها [لِتَمامِ] الشَّهْرِ، وأمّا الشَّمْسُ فَإنَّها تُقِيمُ في كُلِّ مَنزِلَةٍ [مِنها] ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا خَلا الجِهَةِ فَإنَّها تُقِيمُ فِيها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ويُسَمّى حُلُولُها في هَذِهِ المَحالِّ ثُمَّ طُلُوعُ المَنزِلَةِ الَّتِي تَلِيها لِوُقُوعِ هَذا رَقِيبًا لَها نَوْءًا - انْتَهى، وهو يَعْنِي أنَّ مَن تَأمَّلَ هَذِهِ الحِكَمِ عَلِمَ ما في هَذا القَسَمِ مِنَ العِظَمِ، وأشْبَعَ القَوْلَ فِيها أبُو الحَكَمِ، وبَيَّنَ ما فِيها مِن بَدائِعِ النِّعَمِ، ثُمَّ قالَ: ويَفْضُلُ [اللَّهُ] بِفَتْحِ رَحْمَتِهِ كَما يَشاءُ فَيُنْزِلُ [مِنَ السَّماءِ] ماءً مُبارَكًا يَكْسِرُ بِهِ مِن بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ فَيُرَطِّبُهُ ويُبْرِدُ مِن حَرِّ السَّعِيرِ فَيَعْدِلُهُ، وقَسَّمَ السَّنَةَ عَلى أرْبَعَةِ فُصُولٍ أتَمَّ فِيها أمْرَهُ في الأرْضِ بَرَكاتِها وتَقْدِيرَ (p-٢٣٧)أقْواتِها، [قالَ: وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ بِها أقْواتَها] في أرْبَعَةِ أيّامٍ ثُمَّ قالَ: وجَعَلَ هَذِهِ الدُّنْيا عَلى هَذا الِاعْتِبارِ الجَنَّةَ الصُّغْرى، ولَوْ أتَمَّ القَسْمَ عَلى هَذا الوَجْهِ تَمَّ عَلى الِاعْتِبارِ تَخْفِيفُهُ الفَيْحَ وإنارَتُهُ الزَّمْهَرِيرَ والسَّعِيرُ هي جَهَنَّمُ الصُّغْرى.
الواقعة 56:77
ولَمّا أتَمَّ القَسَمَ عَلى هَذا الوَجْهِ الجَلِيلِ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا [لِما] لَهم مِن ظاهِرِ الإنْكارِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ الَّذِي أفْهَمَتْهُ النُّجُومُ بِعُمُومِ أفْهامِها ﴿لَقُرْآنٌ﴾ [أيْ] جامِعٌ سَهْلٌ قَرِيبٌ مُفْقَهٌ مُبَيِّنٌ لِلْغَوامِضِ ذُو أنْواعٍ جَلِيلَةٍ ﴿كَرِيمٌ﴾ ظَهَرَتْ فِيهِ أفانِينُ إنْعامِهِ سُبْحانَهُ فِيما دَقَّ مِن أُمُورِ هَذِهِ الدُّنْيا وجَلَّ مِن أُمُورِ الدّارَيْنِ بِما ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ وما تَقَدَّمَها مِن إصْلاحِ المَعاشِ والمَعادِ، فَهو بالِغُ الكَرَمِ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ولُؤْمٍ ودَناءَةٍ، مِن كَرَمِهِ كَوْنُهُ مِنَ المَلِكِ الأعْلى إلى خَيْرِ الخَلْقِ بِسِفارَةِ رُوحِ القُدُسِ وبِلِسانِ العَرَبِ [الَّذِينَ اتَّفَقَ الفِرَقُ عَلى أنَّ لِسانَهم أفْصَحُ الألْسُنِ وعَلى وجْهٍ أعْجَزَ العَرَبَ].
الواقعة 56:78
ولَمّا ذَكَرَ المَعْنى، ذَكَرَ مَحَلَّ النَّظْمِ الدّالَّ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ دالٍّ عَلى نَفْسِ النَّظْمِ فَقالَ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أيْ خَطٍّ ومَخْطُوطٍ فِيهِ جامِعٍ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ الثَّباتِ ﴿مَكْنُونٍ﴾ أيْ هو في سَتْرٍ مَصُونٍ لِما لَهُ مِنَ النَّفاسَةِ والعُلُوِّ في السَّماءِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وفي الأرْضِ في الصُّدُورِ المُشَرَّفَةِ، (p-٢٣٨)وفِي السُّطُورِ في المَصاحِفِ المُكَرَّمَةِ المُطَهَّرَةِ، مَحْفُوظًا مَعَ ذَلِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ.
الواقعة 56:79
ولَمّا كانَ ما هو كَذَلِكَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ خَلَلٌ يَسُوءُ خُدّامَهُ قالَ: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ أيِ: الكِتابَ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ فِيهِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في السَّماءِ أوْ في الأرْضِ أوِ القُرْآنَ أوِ المَكْتُوبَ مِنهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يُتَصَرَّفَ فِيهِ ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾ أيِ: الطّاهِرُونَ الَّذِينَ بُولِغَ في تَطْهِيرِهِمْ وهم رُؤُوسُ المَلائِكَةِ الكِرامِ، ولَمْ يَكُنِ السَّفِيرُ بِهِ إلّا هم ولَمْ يُيَسِّرِ [اللَّهُ] حِفْظَهُ إلّا لِأطْهَرِ عِبادِهِ، ولَمْ يُعَرِّفْ مَعْناهُ إلّا لِأشْرَفِ حُفّاظِهِ وأطْهَرِهِمْ قُلُوبًا، ومِن عُمُومِ ما يَتَحَمَّلُهُ اللَّفْظُ مِنَ المَعْنى بِكَوْنِهِ كَلامَ العالِمِ لِكُلِّ شَيْءٍ فَهو لا يَحْمِلُ لَفْظًا إلّا وهو مُرادٌ لَهُ أنَّهُ يُحْرَمُ مِنهُ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ في غايَةِ الطَّهارَةِ بِالبُعْدِ عَنِ الحَدَثَيْنِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ، فَهو عَلى هَذا نَفْيٌ بِمَعْنى النَّهْيِ وهو أبْلَغُ، قالَ البَغْوِيُّ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، ورُوِيَ بِإسْنادٍ مِن طَرِيقِ أبِي مُصْعَبٍ عَنْ مالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أنْ لا يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ)» والمُرادُ بِهِ المُصْحَفُ لِلْجِوارِ كَما في النَّهْيِ أنْ يُسافَرَ بِالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ. ومِمّا يَحْتَمِلُهُ أيْضًا التَّعْبِيرُ بِاللَّمْسِ أنَّهُ لا يَقْرَؤُهُ بِلِسانِهِ إلّا طاهِرٌ، (p-٢٣٩)فَإنْ أُرِيدَ الجَنابَةُ كانَ النَّهْيُ لِلْحُرْمَةِ أوْ لِلْأكْمَلِ.
الواقعة 56:80
ولَمّا ذَكَرَ الَّذِي مِنهُ صِيانَتُهُ، أتْبَعَهُ شَرَفَهُ بِشَرَفِ مُنْزِلِهِ وإنْزالِهِ عَلى حالٍ هو في غايَةِ العَظَمَةِ مُسَمِّيًا لَهُ بِاسْمِ المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ ولِأنَّ هَذا المَصْدَرَ أغْلَبُ أحْوالِهِ، ولِذَلِكَ [غَلَبَ] عَلَيْهِ هَذا الِاسْمُ: ﴿تَنْـزِيلٌ﴾ أيْ وُصُولُهُ إلَيْكم بِالتَّدْرِيجِ بِحَسَبِ الوَقائِعِ والتَّقْرِيبِ لِلْأفْهامِ والتَّأنِّي والتَّرْقِيَةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وحِكَمٍ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ مِنَ المَلائِكَةِ.
ولَمّا كانَ هَذا في غايَةِ الِاتِّفاقِ واليُسْرِ ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ ما يُناسِبُهُ فَقالَ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مِنَ الخالِقِ العالِمِ بِتَرْبِيَتِهِمْ.
الواقعة 56:81
ولَمّا أفْصَحَ مِن وصْفِ هَذا الكِتابِ العَظِيمِ ما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِهِ مُثْبِتًا لِما لا تُدْرِكُهُ العُقُولُ مِن كَمالِهِ وكافِيًا في الإذْعانِ لِاعْتِقادِهِ فَكَيْفَ إذا كانَ ما تَحْكُمُ العُقُولُ وتَقْضِي بِفَسادِ ما سِواهُ، فَكَيْفَ إذا كانَ مِمّا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ مِثْلَهُ في نَفْسِهِ، عَجِبَ مِنهم في جَعْلِهِ سَبَبًا لِإنْكارِ البَعْثِ الَّذِي إذا ذَكَرَ الإنْسانُ أحْوالَ نَفْسِهِ كَفاهُ ذَلِكَ في الجَزْمِ بِهِ فَقالَ مُنْكِرًا تَعَجُّبًا: ﴿أفَبِهَذا﴾ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُغْرَمًا بِما يُجَدَّدُ لَهُ مِنَ النِّعَمِ ولَوْ هانَ فَكَيْفَ إذا كانَ أعْلى النِّعَمِ قالَ: ﴿الحَدِيثِ﴾ أيِ: الَّذِي تَقَدَّمَتْ أوْصافُهُ العالِيَةُ وهو مُتَجَدِّدٌ إلَيْكم إنْزالُهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ ﴿أنْتُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمُ العَرَبُ الفُصَحاءُ والمُفَوَّهُونَ البُلَغاءُ ﴿مُدْهِنُونَ﴾ (p-٢٤٠)أيْ: كَذّابُونَ مُنافِقُونَ بِسَبَبِهِ تُظْهِرُونَ غَيْرَ ما تُبْطِنُونَ أنَّهُ كَذّابٌ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَهُ بِحُسْنِ مَعانِيهِ، وعَجْزِكم عَنْ مُماثَلَتِهِ في نُظُومِهِ ومَبانِيهِ، وتَقُولُونَ: لَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذا: وجَمِيعُ أفْعالِكم تُخالِفُ هَذا فَإنَّكم تَصْبِرُونَ لِوَقْعِ السُّيُوفِ ومُعانَقَةِ الحُتُوفِ، ولا تَأْتُونَ بِشَيْءٍ يُعارِضُهُ يُبادِئُ شَيْئًا مِنهُ أوْ يُناقِضُهُ أوْ تُلايِنُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ مَن يُكَذِّبُ بِهِ ويَطْعَنُ في عُلاهُ أوْ يَتَوَصَّلُ ولَوْ عَلى وجْهٍ خَفِيٍّ إلى نَقْضِ شَيْءٍ مِن عُراهُ، تَهاوُنًا بِهِ ولا يَتَصَلَّبُونَ في تَصَرُّفِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ حَتّى يَكُونُوا أصْلَبَ مِنَ الحَدِيدِ، قالَ في القامُوسِ: دَهَنَ: نافَقَ، [و]المُداهَنَةُ: إظْهارُ خِلافِ ما تُبْطِنُ كالإدْهانِ والغِشُّ، وقالَ البَغْوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو الإدْهانُ وهو الجَرْيُ في الباطِنِ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، وقالَ الرّازِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المُداراةِ والمُداهَنَةِ يَرْجِعُ إلى القَصْدِ، فَما قُصِدَ بِهِ غَرَضٌ سِوى اللَّهِ فَهو المُداهَنَةُ، وما قُصِدَ بِهِ أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَهو المُداراةُ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: الإدْهانُ والمُداهَنَةُ: المُلايَنَةُ في الأُمُورِ والتَّغافُلُ والرُّكُونُ إلى التَّجاوُزِ - انْتَهى. فَهو عَلى هَذا إنْكارٌ عَلى مَن سَمِعَ أحَدًا يَتَكَلَّمُ في القُرْآنِ بِما لا يَلِيقُ ثُمَّ لا يُجاهِرُهُ بِالعَداوَةِ، وأهْلُ الِاتِّحادِ كابْنِ عَرَبِيٍّ الطّائِيِّ صاحِبِ الفُصُوصِ وابْنِ الفارِضِ صاحِبِ التّائِيَّةِ أوَّلُ مَن صُوِّبَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهم تَكَلَّمُوا في القُرْآنِ عَلى وجْهٍ يُبْطِلُ الدِّينَ أصْلًا ورَأْسًا ويَحُلُّهُ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَهم أضَرُّ النّاسِ عَلى هَذا الدِّينِ، ومَن يُؤَوِّلُ لَهم أوْ يُنافِحُ عَنْهم (p-٢٤١)ويَعْتَذِرُ لَهم أوْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِمْ مُخالِفٌ لِإجْماعِ الأُمَّةِ أنْجَسُ حالًا مِنهم فَإنَّ مُرادَهُ إبْقاءُ كَلامِهِمُ الَّذِي لا أفْسَدَ لِلْإسْلامِ مِنهُ مِن [غَيْرِ] أنْ يَكُونَ لِإبْقائِهِ مَصْلَحَةٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
الواقعة 56:82
ولَمّا كانَ هَذا القُرْآنُ مُتَكَفِّلًا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أيْ حَظَّكم [ونَصِيبَكُمْ] وجَمِيعَ ما تَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن هَذا الكِتابِ وهو نَفْعُكم كُلُّهُ ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ تُوجِدُونَ حَقِيقَةَ التَّكْذِيبِ في الماضِي والحالِ، وتُجَدِّدُونَ ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ بِهِ وبِما أرْشَدَ إلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ وهي كُلُّ ما هو أهْلٌ لِلتَّصْدِيقِ بِهِ وتَصِفُونَهُ بِالأوْصافِ المُتَناقِضَةِ، ومِن ذَلِكَ ما أرْشَدَ إلَيْهِ مِن أنَّهُ لا فاعِلَ إلّا اللَّهَ تَعالى فَتَقُولُونَ أنْتُمْ إذا أمْطَرَكم ما يَرْزُقُكم بِهِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، مُعْتَقِدِينَ تَأْثِيرَ ذَلِكَ النَّوْءِ، وإنَّما هو بِاللَّهِ تَعالى، فَجَعَلْتُمْ جَزاءَ الرِّزْقِ وبَذْلَ الشُّكْرِ عَلى الرِّزْقِ التَّكْذِيبَ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: وتَجْعَلُونَ رِزْقِي إيّاكم مِن قُرْآنٍ عَظِيمٍ أنْزَلْتُهُ، وكَلامٍ عَظِيمٍ نَزَّلْتُهُ، ونُورِ إيمانٍ بَيَّنْتُهُ، وضِياءِ يَقِينٍ جَلَيْتُهُ، وما أنْزَلْتُهُ مِنَ السَّماءِ [مِن] بَرَكاتٍ قَدَّرْتُها [و]مِن رِياحٍ أرْسَلْتُها، وسُحُبٍ ألَّفْتُها، تَجْعَلُونَ مَكانَ الشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ التَّكْذِيبَ.
الواقعة 56:83
ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا الإنْكارَ، وعَجِبَ مِنهم هَذا التَّعْجِيبَ في أنْ يَنْسُبُوا لِغَيْرِهِ فِعْلًا أوْ يُكَذِّبُوا لَهُ خَبَرًا، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِأنَّهُ لا فاعِلَ سِواهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلا﴾ وهي أداةٌ تُفْهِمُ طَلَبًا بِزَجْرٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ (p-٢٤٢)بِمَعْنى هَلْ لا ولِمَ لا ﴿إذا بَلَغَتِ﴾ [أيِ] الرُّوحُ مِنكم ومِن غَيْرِكم عِنْدَ الِاحْتِضارِ، أُضْمِرَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها دَلالَةً ظاهِرَةً ﴿الحُلْقُومَ﴾ وهو مَجْرى الطَّعامِ في الحَلْقِ، والحَلْقُ مَساغُ الطَّعامِ والشَّرابِ مَعْرُوفٌ، فَكانَ الحُلْقُومُ أدْنى الحَلْقِ إلى جِهَةِ اللِّسانِ لِأنَّ المِيمَ لِمُنْقَطِعِ التَّمامِ،
الواقعة 56:84
﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم أيُّها العاكِفُونَ حَوْلَ المُحْتَضَرِ المُتَوَجِّعُونَ لَهُ ﴿حِينَئِذٍ﴾ أيْ حِينَ إذْ بَلَغَتِ الرُّوحُ ذَلِكَ المَوْضِعَ.
ولَمّا كانَ بَصَرُهم لِكَوْنِهِ لا يَنْفُذُ في باطِنٍ كالعَدَمِ [قالَ:] ﴿تَنْظُرُونَ﴾ أيْ ولَكم وصْفُ التَّحْدِيقِ إلَيْهِ ولا حِيلَةَ لَكم ولا فِعْلَ بِغَيْرِ النَّظَرِ، ولَمْ يَقُلْ: تُبْصِرُونَ، لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ لَهم إدْراكًا بِالبَصَرِ لِشَيْءٍ مِنَ البَواطِنِ مِن حَقِيقَةِ الرُّوحِ وغَيْرِها نَحْوَها
الواقعة 56:85
﴿ونَحْنُ﴾ أيْ والحالُ أنّا نَحْنُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أقْرَبُ إلَيْهِ﴾ أيِ المُحْتَضَرِ حَقِيقَةً بِعِلْمِنا وقُدْرَتِنا التّامَّةِ ومَلائِكَتِنا ﴿مِنكُمْ﴾ عَلى شِدَّةِ قُرْبِكم مِنهُ ﴿ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ مَعَ تَحْدِيقِكم إلَيْهِ لا يَتَأثَّرُ عَنْ ذَلِكَ التَّحْدِيقِ غايَتُهُ، وهو الإبْصارُ لِقُرْبِنا مِنهُ، ولا مَلائِكَتُنا المُوكَلِينَ بِقَبْضِ رُوحِهِ، لِتَعْلَمُوا أنَّ الفِعْلَ لَنا لا لِغَيْرِنا، فَلا يَتَجَدَّدُ لَكم شَيْءٌ مِن هَذا الوَصْفِ لِتُدْرِكُوا بِهِ حَقِيقَةَ ما هو فِيهِ، فَثَبَتَ ما أخْبَرْنا بِهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ بِباطِنِ العِلْمِ والقُدْرَةِ اللَّذَيْنِ عَبَّرْنا عَنْهُما بِالقُرْبِ الَّذِي هو أقْوى أسْبابِها.
الواقعة 56:86
ولَمّا كانَ الكَلامُ لِإثْباتِ هَذِهِ الأغْراضِ المُهِمَّةِ قَبْلَ جَوابِ ”لَوْلا“ أعادَها تَأْكِيدًا لَها وتَبْيِينًا فَقالَ: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ﴾ أيُّها المُكَذِّبُونَ (p-٢٤٣)بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: مَقْهُورِينَ مَمْلُوكِينَ مُجَرَّبِينَ مُحاسَبِينَ بِما عَمِلْتُمْ في دارِ البَلاءِ الَّتِي أقامَكم فِيها أحْكَمُ الحاكِمِينَ بِامْتِناعِكم بِأنْفُسِكم عَنْ أنْ يُجازِيَكم أوْ يَمْنَعَ غَيْرُكم لَكم مِنهُ، وأصْلُ تَرْكِيبِ (دانَ) لِلذُّلِّ والِانْقِيادِ - قالَهُ البَيْضاوِيُّ
الواقعة 56:87
﴿تَرْجِعُونَها﴾ أيِ الرُّوحَ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ في أنَّكم غَيْرُ مَقْهُورِينَ عَلى الإحْضارِ عَلى المَلِكِ الجَبّارِ الَّذِي أقامَكم في هَذِهِ الدّارِ لِلِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِكم أمْرُكُمْ، وفي تَكْذِيبِكم لِما يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بَذْلُ شُكْرِكُمْ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا حَياةَ لِمَن بَلَغَتْ رُوحُهُ الحُلْقُومَ أصْلًا وهَذا إلْزامٌ لَهم بِالبَعْثِ حاصِلُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنْ كانَ لا يُعِيدُكم فَلَيْسَ هو الَّذِي قَدَّرَ المَوْتَ عَلَيْكُمْ، وإنْ [كانَ] لَمْ يُقَدِّرْهُ فَما لَكم لا تَرْفَعُونَهُ عَنْهُ لِأنَّهُ مِنَ الفَوادِحِ الَّتِي لا يُدْرَكُ عِلاجُها، وأنْتُمْ تُعالِجُونَ مُقَدِّماتِهِ. وإنْ قُلْتُمْ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ لا يُمْكِنُ عِلاجُهُ، لَزِمَكُمُ الإقْرارُ بِأنَّ البَعْثَ مُقَدَّرٌ لا يُمْكِنُ عِلاجُهُ، فَإنْ أنْكَرْتُمْ أحَدَهُما فَأنْكِرُوا الآخَرَ، وإنْ أقْرَرْتُمْ بِأحَدِهِما فَأقِرُّوا بِالآخَرِ، وإلّا فَلَيْسَ إلّا العِنادُ، فَإنْ قُلْتُمْ: [نَحْنُ] لا نَعْلَمُ أنَّهُ قَدَّرَهُ فاعْلَمُوا أنَّهُ [لَوْ] لَمْ يَكُنْ بِتَقْدِيرِهِ لَأمْكَنَتْ مُقاوَمَتُهُ وقْتًا ما لا سِيَّما والنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلى كَراهَتِهِ، وفي المَوْتى الحُكَماءُ والمُلُوكُ، وتَقْرِيبُهُ أنَّكم قَدْ بالَغْتُمْ في الجُحُودِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ في كُلِّ شَيْءٍ إنْ أرْسَلَ إلَيْكم رَسُولًا قُلْتُمْ: ساحِرٌ كَذّابٌ، وإنْ صَدَقَهُ مُرْسِلُهُ بِكِتابٍ مُعْجِزٍ قُلْتُمْ: سِحْرٌ وافْتِراءٌ وأمْرٌ عُجابٌ، وإنْ رَزَقَكم مِنَ الماءِ الَّذِي بِهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ مَطَرًا يُنْعِشُكم (p-٢٤٤)بِهِ قُلْتُمْ: صَدَقَ نَوْءُ كَذا، عَلى حالٍ مُؤَدٍّ إلى التَّعْطِيلِ والإهْمالِ والعَبَثِ، فَما لَكم لا تُرْجِعُونَ الرُّوحَ إلى البَدَنِ عِنْدَ بُلُوغِهِ الحُلْقُومَ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُدَبِّرٌ لِهَذا الكَوْنِ بِالإرْسالِ والإنْزالِ وإفاضَةِ الأرْواحِ وقَبْضِها وبَعْثِ العِبادِ لِدَيْنُونَتِهِمْ عَلى ما فَعَلُوا فِيما أقامَهم فِيهِ، فَهو تَمْثِيلٌ بِأفْعالِ المُلُوكِ عَلى ما يُعْهَدُ، فَكَما أنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا لا يُرْسِلُ أحَدٌ مِنهم إلى أحَدٍ مِن رَعِيَّتِهِ فَيَأْخُذُهُ قَهْرًا إلّا لِلدَّيْنُونَةِ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِمَلِكِ المُلُوكِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَتَكُونُ مُلُوكُ الدُّنْيا أحْكَمَ مِنهُ، فَإنْ كانَ لَيْسَ بِتَمامِ القُدْرَةِ فافْعَلُوا بِرُسُلِهِ كَما تَفْعَلُونَ بِرُسُلِ المُلُوكِ، فَإنَّهُ رُبَّما خَلَصَ المَطْلُوبُ مِنهم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الخَلاصِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إلى بابِ [المَلِكِ] فَإرْسالُهُ سُبْحانَهُ هو مِثْلُ إرْسالِ المُلُوكِ غَيْرَ أنَّهُ لِتَمامِ قُدْرَتِهِ يَأْخُذُ أخْذًا لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، ولا أنْ يَتْبَعَ مَأْخُوذَهُ أصْلًا لا لِيَخْدُمَهُ بَعْدَ الأخْذِ ولا لِيُخَفِّفَ عَنْهُ شَيْئًا مِمّا هو فِيهِ بِغَيْرِ ما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ مِنَ الدُّعاءِ والصَّدَقَةِ ولا لِيَعْلَمَ حالَهُ بِوَجْهٍ [مِنَ الوُجُوهِ] بَلِ الأمْرُ كَما قِيلَ:
؎إذا غُيِّبَ المَرْءُ اسْتُسِرَّ حَدِيثُهُ ∗∗∗ ولَمْ يُخْبِرِ الأفْكارُ عَنْهُ بِما يُغْنِي
الواقعة 56:88
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أصْلًا عَلى رَدِّها بَعْدَ بُلُوغِها إلى ذَلِكَ المَحَلِّ لِأنّا نُرِيدُ جَمْعَ الخَلائِقِ لِلدَّيْنُونَةِ بِما فَعَلُوا فِيما أقَمْناهم فِيهِ وأمَرْناهم بِهِ ولا يَكُونُ إلّا ما نُرِيدُ، فَكَما أنَّكم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ وبِأنَّهُ يُعِيدُكم قَهْرًا إلى التُّرابِ [يَلْزَمُكم حَتْمًا أنْ تُقِرُّوا بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَكم (p-٢٤٥)مِنَ التُّرابِ] فَإنْ أنْكَرْتُمْ هَذا اللّازِمَ لَزِمَكم إنْكارُ مَلْزُومِهِ، وذَلِكَ مُكابَرَةٌ في الحِسِّ فَلْيَكُنِ الآخَرُ مِثْلَهُ، فَثَبَتَ أنّا إنَّما نُعِيدُ الخَلائِقَ إلى التُّرابِ لِنَجْمَعَهم فِيهِ ثُمَّ نَبْعَثُهم مِنهُ لِنُجازِيَ كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّ ونُقَسِّمُهم إلى أزْواجٍ ثَلاثَةٍ ﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾ أيِ: المَيِّتُ مِنهم ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيِ: السّابِقِينَ الَّذِينَ اجْتَذَبَهُمُ الحَقُّ مِن أنْفُسِهِمْ فَقَرَّبَهم مِنهُ فَكانُوا مُرادِينَ قَبْلَ أنْ يَكُونُوا مُرِيدِينَ، ولَيْسَ القُرْبُ قُرْبَ مَكانٍ لِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وإنَّما هو بِالتَّخَلُّقِ بِالصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ عَلى قَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ لِيَصِيرَ الإنْسانُ رُوحًا خالِصًا كالمَلائِكَةِ لا سَبِيلَ لِلْحُظُوظِ والشَّهَواتِ عَلَيْهِ، فَإنَّ قُرْبَهم إنَّما هو بِالِانْخِلاعِ مِنَ الإرادَةِ أصْلًا ورَأْسًا، وذَلِكَ أنَّهُ لا شَهَواتِ لَهم فَلا أغْراضَ فَلا فِعْلَ إلّا ما أُمِرُوا بِهِ فَلا إرادَةَ، إنَّما الإرادَةُ لِلْمَوْلى سُبْحانَهُ وهو مَعْنى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] أيْ مُطْلَقُ الإرادَةِ في [غَيْرِ] أمْرٍ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ المَمْلُوكَ الَّذِي هو لِغَيْرِهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ لا إرادَةَ ولا غَيْرَها - وفَّقَنا اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ
الواقعة 56:89
﴿فَرَوْحٌ﴾ [أيْ] فَلَهُ راحَةٌ ورَحْمَةُ ما يُنْعِشُهُ مِن نَسِيمِ [الرِّيحِ] ومَعْنى قِراءَةِ يَعْقُوبَ بِالضَّمِّ طُمَأْنِينَةٌ في القَلْبِ وسَكِينَةٌ وحَياةٌ لا مَوْتَ بَعْدَها ﴿ورَيْحانٌ﴾ أيْ رِزْقٌ عَظِيمٌ ونَباتٌ حَسَنٌ بَهِجٌ وأزاهِيرُ طَيِّبَةُ الرّائِحَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ اللَّذاذَةَ، ذَكَرَ ما يَجْمَعُها وغَيْرَها فَقالَ: ”وجَنّات“ أيْ بُسْتانٌ جامِعٌ لِلْفَواكِهِ والرَّياحِينِ وما يَكُونُ عَنْها وتَكُونُ عَنْهُ. (p-٢٤٦)ولَمّا كانَ جِنانُ الدُّنْيا قَدْ يَكُونُ فِيها نَكَدٌ، أضافَ [هَذِهِ الجَنَّةَ] إلى المُرادِ بِهَذِهِ الجِنانِ إعْلامًا بِأنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْهُ فَقالَ: ﴿نَعِيمٍ﴾ أيْ لَيْسَ فِيها غَيْرُهُ بَلْ هي مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ
الواقعة 56:90
﴿وأمّا إنْ كانَ﴾ أيِ المَيِّتُ مِنهم ﴿مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ أيِ الَّذِينَ هُمُ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن أصْحابِ المَيْمَنَةِ
الواقعة 56:91
﴿فَسَلامٌ﴾ [أيْ سَلامَةٌ] ونَجاةٌ وأمْرٌ وقَوْلٌ دالٌّ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ ما يُواجَهُ بِهِ الشَّرِيفُ مِن ذَلِكَ أعْلى قالَ: ﴿لَكَ﴾ أيْ: يا أعْلى الخَلْقِ أوْ يا أيُّها المُخاطَبُ.
ولَمّا كانَ مَن [أصابَ] السَّلامَ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فائِزًا، فَكَيْفَ إذا كانَ مَصْدَرًا لِلسَّلامِ ومَنبَعًا مِنهُ قالَ: ﴿مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ أيْ أنَّهم في غايَةٍ [مِنَ] السَّلامَةِ وإظْهارِ السَّلامِ، لا يُدْرَكُ وصْفُها، وهو تَمْيِيزٌ فِيهِ مَعْنى التَّعْجِيبِ، فَإنَّ إضافَتَهُ لَمْ تُفِدْهُ تَعْرِيفًا، وفي اللّامِ ”ومِن“ مُبالَغَةٌ في ذَلِكَ، فالمَعْنى: فَأمّا هم فَعَجَبًا لَكَ وأنْتَ أعْلى النّاسِ في كُلِّ مَعْنًى، وأعْرَفُهم بِكُلِّ أمْرٍ غَرِيبٍ مِنهم في سَلامَتِهِمْ وسَلامِهِمْ وتَعافِيهِمْ ومُلْكِهِمْ وشَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَقامِهِمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ إنَّما أعْطَوْهُ لِأجْلِكَ زِيادَةً في شَرَفِكَ لِاتِّباعِهِمْ لِدِينِكَ، فَهو مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ حَيْثُ قالَ:
؎فَيا لَكَ مِن لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ ∗∗∗ بِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
وقَوْلِ القائِلِ أيْضًا حَيْثُ قالَ:
؎لِلَّهِ دَرُّ أنُو شِرْوانَ مِن رَجُلٍ ∗∗∗ ما كانَ أعْرَفَهُ بِالدُّونِ والسُّفْلِ
أيْ عَجَبًا لَكَ مِن لَيْلٍ وعَجَبًا مِن أنُو شِرْوانَ.
الواقعة 56:92
(p-٢٤٧)ولَمّا ذَكَرَ الصِّنْفَيْنِ النّاجِيَيْنِ، أتْبَعَهُما الهالِكِينَ جامِعًا لَهم في صِنْفٍ واحِدٍ لِأنَّ مَن أُرِيدَتْ لَهُ السَّعادَةُ يَكْفِيهِ ذَلِكَ، ومَن خُتِمَ بِشَقائِهِ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ الإغْلاظُ والإكْثارُ فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أخَذْناهُ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ وأنْتُمْ حَوْلَهُ تَنْقَطِعُ أكْبادُكم لَهُ ولا تَقْدِرُونَ لَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾
ولَمّا كانَ المُكَذِّبُ تارَةً يَكُونُ مُعانِدًا، وتارَةً [يَكُونُ] جاهِلًا مُقْتَصِرًا، قالَ: ﴿الضّالِّينَ﴾ أيْ أصْحابِ الشِّمالِ الَّذِينَ وُجِّهُوا وِجْهَةَ هُدًى فَزاغُوا عَنْها لِتَهاوُنِهِمْ في البَعْثِ
الواقعة 56:93
﴿فَنُـزُلٌ﴾ أيْ لَهم وهو ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عَلى ما لاحَ ﴿مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ ماءٍ مُتَناهٍ في [الحَرارَةِ] بَعْدَ ما نالُوا مِنَ العَطَشِ كَما يَرِدُ أصْحابُ المَيْمَنَةِ الحَوْضَ كَما يُبادَرُ بِهِ القادِمُ لِيُبْرِدَ بِهِ غُلَّةَ عَطَشِهِ ويَغْسِلَ بِهِ وجْهَهُ ويَدَيْهِ
الواقعة 56:94
﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أيْ لَهم بَعْدَ النُّزُلِ يُصْلَوُا النّارَ الشَّدِيدَةَ التَّوَقُّدِ صَلْيًا عَظِيمًا.
الواقعة 56:95
ولَمّا تَمَّ ما أُرِيدَ مِن إثْباتِ البَعْثِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُحْكَمِ البَيِّنِ، وكانُوا مَعَ البَيانِ يُكَذِّبُونَ بِهِ، لَفَتَ الخِطابَ عَنْهم إلى أكْمَلِ الخَلْقِ، وأكَّدَ تَسْمِيعًا لَهم فَقالَ سائِقًا لَهُ مَساقَ النَّتِيجَةِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أمْرِ البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ومِن قِيامِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مِنَ الظُّهُورِ في حَدٍّ لا يُساوِيهِ فِيهِ غَيْرُهُ. زادَ في التَّأْكِيدِ عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ فَقالَ: (p-٢٤٨)﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ لِكَوْنِهِ -لِما عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ المُشاهَدَةِ- كَأنَّهُ مُشاهَدٌ مُباشَرٌ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: قالَ قَتادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ تارِكًا أحَدًا مِنَ النّاسِ حَتّى يُوقِفَهُ عَلى اليَقِينِ مِن هَذا القُرْآنِ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَأيْقَنَ في الدُّنْيا فَنَفَعَهُ ذَلِكَ، وأمّا المُنافِقُ فَأيْقَنَ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ - انْتَهى.
الواقعة 56:96
ولَمّا تَحَقَّقَ لَهُ هَذا اليَقِينُ، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَهُ بِالتَّنْزِيهِ لَهُ سُبْحانَهُ عَمّا وصَفُوهُ بِهِ مِمّا يَلْزَمُ مِنهُ وصْفُهُ بِالعَجْزِ بَعْدَ تَقْسِيمِهِ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ كَما أمَرَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ الفَراغِ مِن تَقْسِيمِهِمْ عَلى طَرِيقِ الإطْنابِ إشارَةً إلى أنَّ المُفاوَتَةَ بَيْنَهم مَعَ ما لَهم مِنَ العُقُولِ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ وعَلى فَسادِ القَوْلِ بِالطَّبِيعَةِ: ﴿فَسَبِّحْ﴾ أيْ: أوْقِعِ التَّنْزِيهَ كُلَّهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ بِالِاعْتِقادِ والقَوْلِ والفِعْلِ والصَّلاةِ وغَيْرِها بِأنْ تَصِفَهُ بِكُلِّ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى وتُنَزِّهَهُ عَنْ كُلِّ ما نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ، ولِقَصْرِهِ الفِعْلَ لِإفادَةِ العُمُومِ أثْبَتَ الجارَّ بِقَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِما خَصَّكَ بِهِ مِمّا لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا غَيْرَكَ عَمّا وصَفَهُ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالواقِعَةِ، وإذا كانَ هَذا لِاسْمِهِ فَكَيْفَ بِما لَهُ وهو ﴿العَظِيمِ﴾ الَّذِي مَلَأتْ عَظَمَتُهُ جَمِيعَ الأقْطارِ والأكْوانِ، وزادَتْ عَلى ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ العِلْمِ سِواهُ لِأنَّ مَن لَهُ هَذا الخَلْقُ عَلى هَذا الوَجْهِ المُحْكَمِ، وهَذا الكَلامُ [الأعَزُّ الأكْرَمُ]، لا يَنْبَغِي (p-٢٤٩)لِشائِبَةِ نَقْصٍ أنْ تُلِمَّ بِجَنابِهِ، أوْ تَدْنُوَ مِن فِناءِ بابِهِ، وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها في الإخْبارِ بِالبَعْثِ وتَصْنِيفِ الخَلائِقِ فِيهِ إلى الأصْنافِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِها أيَّ انْطِباقٍ، وزادَ هَذا الآخِرُ بِأنِ اعْتَنَقَ بِدَلِيلِهِ أيَّ اعْتِناقٍ، واتَّفَقَ مَعَ أوَّلِ الَّتِي بَعْدَها أيَّ اتِّفاقٍ، وطابَقَهُ أجَلَّ طِباقٍ، وخُتِمَتْ بِصِفَتَيِ الرَّحْمَةِ والعَظَمَةِ، وجَلَتْ عَنِ الِاسْمِ الجامِعِ كاللَّتَيْنِ قَبْلَها لِما ذَكَرَهُ في أواخِرِ القَمَرِ مِن أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ في واحِدَةٍ مِنَ الثَّلاثِ أحَدٌ مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ المُصاحِبَةِ لِلْإيمانِ، لِيُخاطَبَ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِلْإهانَةِ والإحْسانِ، وإنَّما ذُكِرَ أهْلُ الكُفْرانِ المُسْتَوْجِبِينَ لِلْهَوانِ بِالخُلُودِ في النِّيرانِ، وأهْلُ الإيمانِ المُتَأهِّلِينَ لِلْإحْسانِ بِتَأْبِيدِ الإمْكانِ في أعْلى الجِنانِ - انْتَهى.