Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الحديد 57:1 – الحشر 59:24
المحتويات
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:5
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:9
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:17
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:26
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:4
- المجادلة 58:5
- المجادلة 58:6
- المجادلة 58:7
- المجادلة 58:8
- المجادلة 58:9
- المجادلة 58:10
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:14
- المجادلة 58:15
- المجادلة 58:16
- المجادلة 58:17
- المجادلة 58:18
- المجادلة 58:19
- المجادلة 58:20
- المجادلة 58:21
- المجادلة 58:22
- الحشر 59:1
- الحشر 59:2
- الحشر 59:3
- الحشر 59:4
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:9
- الحشر 59:10
- الحشر 59:11
- الحشر 59:12
- الحشر 59:13
- الحشر 59:14
- الحشر 59:15
- الحشر 59:16
- الحشر 59:17
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:20
- الحشر 59:21
- الحشر 59:22
- الحشر 59:23
- الحشر 59:24
الحديد 57:1
(p-٢٥٠)سُورَةُ الحَدِيدِ
مَقْصُودُها بَيانُ عُمُومِ الرِّسالَةِ لِعُمُومِ الإلَهِيَّةِ بِالبَعْثِ [إلى] الأزْواجِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في السُّورَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ تَحْقِيقًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصٌّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ تَحْقِيقًا لِتَنَزُّهِهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ المَبْدُوءِ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ المَخْتُومِ بِهِ ما قَبْلَها الرّادِّ لِقَوْلِهِمْ: ”أئِنّا لَمَجْمُوعُونَ أوَ آباؤُنا الأوَّلُونَ“ المُقْتَضِي لِجِهادِ مَن يَحْتاجُ إلى الجِهادِ مِمَّنْ عَصى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ رَدًّا لَهم عَنِ النَّقائِصِ الجِسْمانِيَّةِ وإعْلاءً إلى الكَلِماتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي دَعا إلَيْها الكِتابُ حَذَرًا مِن سَواءِ الحِسابِ يَوْمَ التَّجَلِّي لِلْفَصْلِ بَيْنَ العِبادِ [بِالعَدْلِ] لِيَدْخُلَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم في الدِّينِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ويَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ أحَدٌ أفْضَلَ مِنهُ، فَضِيلَةَ هَذا الرَّسُولِ ﷺ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُمُومِ رِسالَتِهِ وشُمُولِ خِلافَتِهِ، وانْتِشارِ دَعْوَتِهِ وكَثْرَةِ أُمَّتِهِ تَحْقِيقًا لِأنَّهُ لا حَدَّ لِفائِضِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي هي آخِرُ النِّصْفِ الأوَّلِ والَّتِي بَعْدَها الَّتِي هي أوَّلُ النِّصْفِ الثّانِي مِن حَيْثُ العَدَدُ غايَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي أوَّلُهُ عِنْدَ الِالتِفاتِ والرَّدِّ كَما كانَتِ السُّورَةُ الَّتِي غايَةُ النِّصْفِ الأوَّلِ (p-٢٥١)فِي المِقْدارِ وهي الإسْراءُ، وكَذا السُّورَةُ الَّتِي هي أوَّلُ النِّصْفِ الثّانِي وهي الكَهْفُ كاشِفَتَيْنِ لِمَقْصِدِ الأُولى فِيما دَعَتْ إلَيْهِ مِنَ الهِدايَةِ وشَدَّتْ إلَيْهِ مِنَ الإنْذارِ، عَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها الحَدِيدُ بِتَأمُّلِ آياتِهِ وتَدَبُّرِ سِرِّ ما ذُكِرَ فِيهِ وغاياتِهِ، أسْنَدَ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لا تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الثُّلاثاءِ فَإنَّ سُورَةَ الحَدِيدِ أُنْزِلَتْ يَوْمَ الثُّلاثاءِ“» .. (بِسْمِ اللَّهِ) الَّذِي أحاطَتْ إلاهِيَّتُهُ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي وسِعَهم جُودُهُ في جَمِيعِ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ مِن بَيْنِهِمْ بِما لَهُ مِنَ الِاخْتِيارِ في كَمالِ الِاقْتِدارِ أهْلَ وِلايَتِهِ بِما يُرْضِيهِ مِنَ العِباداتِ.
* *
ولَمّا خُتِمَتِ الواقِعَةُ بِالأمْرِ بِتَنْزِيهِهِ عَمّا أنْكَرَهُ الكَفَرَةُ مِنَ البَعْثِ، جاءَتْ هَذِهِ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ التَّنْزِيهِ [و]تَبْيِينِهِ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ والسَّيْفِ والسِّنانِ فَقالَ تَعالى كالتَّعْلِيلِ لِآخِرِ الواقِعَةِ: ﴿سَبَّحَ﴾ أيْ: أوْقِعِ التَّسْبِيحَ بِدَلالَةِ الجِبِلَّةِ تَعْظِيمًا لَهُ سُبْحانَهُ وإقْرارًا بِرُبُوبِيَّتِهِ وإذْعانًا لِطاعَتِهِ، وقَصَرَهُ وهو مُتَعَدٍّ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ بِقَصْرِهِ، وعَلى الإخْلاصِ بِتَعْدِيَتِهِ بِاللّامِ وجَعَلَهُ ماضِيًا هُنا وفي الحَشْرِ والصَّفِّ ومُضارِعًا في الجُمُعَةِ والتَّغابُنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مِمّا أُسْنِدَ إلَيْهِ التَّسْبِيحُ هو مِن شَأْنِهِ وهِجِّيراهُ ودَيْدَنِهِ وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ الماضِي والمُضارِعِ بِما افْتَتَحَ بِهِ لِما يَأْتِي [فِي] أوَّلِ الجُمُعَةِ، والإتْيانُ بِالمَصْدَرِ أوَّلَ الإسْراءِ أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ إطْلاقُهُ (p-٢٥٢)عَلى اسْتِحْقاقِ التَّسْبِيحِ [مِن كُلِّ شَيْءٍ] وفي كُلِّ حالٍ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ أيِ الأجْرامُ العالِيَةُ والَّذِي فِيها وهي الأرْضُ ومَن فِيها وكُلُّ سَماءٍ ومَن فِيها، وما بَيْنَهُما لِأنَّها كُلَّها في العَرْشِ الَّذِي هو أعْلى الخَلْقِ.
ولَمّا كانَ الكَلامُ آخِرَ الواقِعَةِ مَعَ أهْلِ الخُصُوصِ بَلْ هو أخَصُّ أهْلِ الخُصُوصِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْكِيدٍ فَحَذَفَ ما جُعِلا لِلْخافِقَيْنِ كَشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ نَظَرَهُ لَهُما نَظَرُ عُلُوٍّ نَظَرًا واحِدًا لِما أخْبَرَ بِهِ عَنْهُما مِنَ التَّنْزِيهِ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ وما فِيها وكَذا [نَفْسُ] الأراضِي كَما تَقَدَّمَ، فَشَمِلَ، ذَلِكَ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ لِأنَّهُ إذا سَبَّحَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَتَسْبِيحُ العَرْشِ بِطَرِيقِ الأوْلى وتَنْزِيهُ هَذِهِ الأشْياءِ بِما فِيها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُلِمُّ بِجَنابِهِ شائِبَةُ نَقْصٍ، وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ واقِفٌ عَلى البابِ يُشاهِدُ الطَّلَبَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: التَّسْبِيحُ: التَّقْدِيسُ والتَّنْزِيهُ، ويَكُونُ بِمَعْنى سِباحَةِ الأسْرارِ في بِحارِ الإجْلالِ، فَيَظْفَرُونَ بِجَواهِرِ التَّوْحِيدِ، ويَنْظِمُونَها في عِقْدِ الإيمانِ، ويُرَصِّعُونَها في أطْواقِ الوَصْلَةِ.
ولَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِشَيْءٍ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ، وأنَّ لَهُ كُلَّ كَمالٍ، فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّسْبِيحِ والحَمْدِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ.
وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ العاصِمِيُّ في بُرْهانِهِ: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (p-٢٥٣)[سُبْحانَهُ] وتَعالى: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧] وفِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِمَن قُرِّعَ بِهِ ما لا خَفاءَ بِهِ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] فَعُزِّرُوا ووُبِّخُوا عَلى سُوءِ جَهْلِهِمْ وقُبْحِ ضَلالِهِمْ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] واسْتَمَرَّ تَوْبِيخُهم إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] فَلَمّا أشارَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى قَبائِحِ مُرْتَكَباتِهِمْ، أعْقَبَ تَعالى [ذَلِكَ] تَنْزِيهَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ سُوءِ ما انْتَحَلُوهُ وضَلالَهم فِيما جَهِلُوهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ نَزِّهْهُ عَنْ عَظِيمِ ضَلالِهِمْ وسُوءِ اجْتِرائِهِمْ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ، فَهي سُنَّةُ العالَمِ بِأسْرِهِمْ،
﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ [التغابن: ١] [فَبَيَّنَ تَعالى انْفِرادَهُ بِصِفَةِ الجَلالِ ونُعُوتِ الكَمالِ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالمُلْكِ والحَمْدِ] وأنَّهُ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦] فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ إرْغامَ مَن أُشِيرَ إلى حالِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن سُورَةِ الواقِعَةِ وقَطْعَ ضَلالِهِمْ والتَّعْرِيفَ بِما جَهِلُوهُ مِن صِفاتِهِ العُلى وأسْمائِهِ الحُسْنى جَلَّ وتَعالى، وافْتُتِحَتْ آيُ السُّورَتَيْنِ واتَّصَلَتْ مَعانِيها ثُمَّ صَرَفَ الخِطابَ إلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] واسْتَمَرَّتِ الآيُ عَلى خِطابِهِمْ إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.
الحديد 57:2
(p-٢٥٤)ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ، دَلَّ عَلى وجْهٍ مُصَرَّحٍ بِما أفْهَمَهُ الأوَّلُ مِن تَسْبِيحِ السَّماواتِ والأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ومُلْكُ ما فِيهِما وما بَيْنَهُما ظاهِرًا وباطِنًا، فالمُلْكُ الظّاهِرُ ما هو الآنَ مَوْجُودٌ في الدُّنْيا مِن أرْضٍ مَدْحِيَّةٍ وسَماءٍ مَبْنِيَّةٍ وكَواكِبَ مُضِيَّةٍ وأفْلاكٍ عَلِيَّةٍ ورِياحٍ مَحْسُوسَةٍ وسَحابٍ مَرْئِيَّةٍ - وما تَفَصَّلَ إلى ذَلِكَ مِن خَلْقٍ وأمْرٍ، والمُلْكُ الباطِنُ [الغائِبُ] عَنّا، وأعْظَمُهُ المُضافُ إلى الآخَرِ وهو المَلَكُوتُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: المُلْكُ مُبالَغَةٌ مِنَ المِلْكِ يَعْنِي بِدَلالَةِ الضَّمَّةِ، قالَ، والمِلْكُ بِالكَسْرِ أيِ القُدْرَةُ عَلى الإبْداعِ فَلا مالِكَ إلّا اللَّهَ، وإذا قِيلَ لِغَيْرِهِ: مالِكٌ، فَعَلى المَجازِ بِالأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ في الشَّرِيعَةِ عَلى مِلْكِ النّاسِ أيْ بِتَصْحِيحِهِ أوْ إفْسادِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ما بَيْنَهُما ثانِيًا، وذَكَرَ الخافِقَيْنِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِ ذَلِكَ أوَّلًا لِيَكُونَ التَّسْبِيحُ والمُلْكُ شامِلًا لِلْكُلِّ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ، وكانَ رُبَّما عانَدَ مُعانِدٌ، دَلَّ عَلَيْهِ بِما لا مَطْمَعَ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَقالَ مُقَدِّمًا الإحْياءَ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في الخارِجِ ولِأنَّ زَمَنَ الحَياةِ أكْثَرُ لِأنَّ البَعْثَ حَياةٌ دائِمَةٌ لا مَوْتَ بَعْدَها: ﴿يُحْيِي﴾ أيْ لَهُ صِفَةُ الإحْياءِ فَيُحْيِي ما يَشاءُ مِنَ الخَلْقِ بِأنْ يُوجِدَهُ عَلى صِفَةِ الإحْياءِ كَيْفَ شاءَ في أطْوارٍ يَتَقَلَّبُها كَيْفَ شاءَ وكَيْفَ يَشاءُ ومِمّا يَشاءُ (p-٢٥٥)﴿ويُمِيتُ﴾ أيْ لَهُ هاتانِ الصِّفَتانِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ والتَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، فَهو قادِرٌ عَلى البَعْثِ بِدَلِيلِ ما ثَبَتَ لَهُ مِن صِفَةِ الإحْياءِ. ولَمّا كانَ هَذا شامِلًا لِلْقُدْرَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والإعادَةِ، عَمَّ الحُكْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ وغَيْرِهِما مِن كُلِّ مُمْكِنٍ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ.
الحديد 57:3
ولَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ القُدْرَةِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الأوَّلُ﴾ أيْ بِالأزَلِيَّةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَلا أوَّلَ لَهُ، والقَدِيمُ الَّذِي مِنهُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ ولَيْسَ وُجُودُهُ مِن شَيْءٍ لِأنَّ كُلَّ ما نُشاهِدُهُ مُتَأثِّرٌ لِأنَّهُ حَقِيرٌ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ غَيْرِ مُتَأثِّرٍ ﴿والآخِرُ﴾ بِالأبَدِيَّةِ، الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في سِلْسِلَةِ التَّرَقِّي وهو بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيْءٍ ولَوْ بِالنَّظَرِ إلى ما لَهُ مِن ذاتِهِ فَلا آخِرَ لَهُ لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ [نَعْتُ] العَدَمِ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ ما تَغَيَّرَ بِنَوْعٍ مِنَ التَّغْيِيرِ جازَ إعْدامُهُ، وما جازَ إعْدامُهُ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْدِمٍ يَكُونُ بَعْدَهُ ولا يُمْكِنُ إعْدامُهُ.
ولَمّا كانَ السَّبْقُ يَقْتَضِي البُطُونَ، والتَّأخُّرُ يُوجِبُ الظُّهُورَ، وكانا أمْرَيْنِ مُتَضادَّيْنِ لا يَكادُ الإنْسانُ يَسْتَقِلُّ بِتَعَلُّقِهِما في شَيْءٍ واحِدٍ، نَبَّهَ عَلى اجْتِماعِهِما فِيهِ، فَقالَ مُشِيرًا بِالواوِ إلى تَمامِ الِاتِّصافِ وتَحَقُّقِهِ: ﴿والظّاهِرُ﴾ أيْ بِالأحَدِيَّةِ لِلْعَقْلِ بِأدِلَّتِهِ الظّاهِرَةِ في المَصْنُوعاتِ بِما لَهُ مِنَ الأفْعالِ ظُهُورًا لا يَجْهَلُهُ عاقِلٌ، وهو الغالِبُ في رِفْعَتِهِ وعُلُوِّهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ (p-٢٥٦)﴿والباطِنُ﴾ بِالصَّمَدِيَّةِ وعَنِ انْطِباعِ الحَواسِّ وارْتِسامِ الخَيالِ وتَصَوُّرِ الفَهْمِ والفِكْرِ وبِتَمامِ العِلْمِ والحِكْمَةِ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ في ذاتِهِ بِكَثْرَةِ التَّعالِي والحُجُبِ بُطُونًا[ لا] يَكْتَنِهُهُ شَيْءٌ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: الأوَّلُ بِلا ابْتِداءٍ، الآخِرُ بِلا انْتِهاءٍ. الظّاهِرُ بِلا خَفاءٍ، [الباطِنُ] بِنَعْتِ العُلا وعِزِّ الكِبْرِياءِ - انْتَهى، والعَطْفُ لِلدَّلالَةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ عَلى الإحاطَةِ التّامَّةِ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مُتَضادَّةً كانَتْ بِحَيْثُ لَوْ أُعْرِيَتْ عَنِ الواوِ لَرُبَّما ظُنَّ أنَّ وُجُودَها لا عَلى سَبِيلِ التَّمَكُّنِ، فَلا تَكُونُ مُحِيطَةً بَلْ مُقَيَّدَةً بِحَيْثِيَّةٍ مَثَلًا،فَجاءَتِ الواوُ دَلالَةً عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ وإحاطَتِهِ وأنَّهُ واقِعٌ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لَيْسَ واحِدٌ مِنَ الأوْصافِ مُكَمِّلًا لِشَيْءٍ آخَرَ ولا شارِحًا لِمَعْناهُ، فَهو أوَّلٌ عَلى الإطْلاقِ وآخِرٌ كَذَلِكَ، وظاهِرٌ حَتّى في حالِ بُطُونِهِ وباطِنٌ كَذَلِكَ، وهَذا عَلى الأصْلِ فَإنَّ صِفاتِهِ تَعالى مُحِيطَةٌ فَلا إشْكالَ، إنَّما الإشْكالُ عِنْدَ الخُلُوِّ مِنَ العَطْفِ فَهو الأغْلَبُ في إيرادِها كَما آخِرُ الحَشْرِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مُرادُ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: [إنَّ] الواوَ الأُولى مَعْناها الدَّلالَةُ عَلى الجامِعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ، أيْ جَمْعًا هو في غايَةِ المَكِنَةِ، والثّالِثَةَ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ، وأمّا الوُسْطى فَعَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ومَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ، فَهو المُسْتَمِرُّ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ مَن ظَهَرَ لِشَيْءٍ بَطَنَ عَنْ غَيْرِهِ، ومَن بَطَنَ لِشَيْءٍ غابَ (p-٢٥٧)عَنْهُ عِلْمُهُ، وكانَ سُبْحانَهُ في ظُهُورِهِ عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وفي بُطُونِهِ بِحَيْثُ لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ، فَقَدْ جَمَعَتِ الأوْصافُ إحاطَةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ، أعْلَمَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ لِكَوْنِ الأشْياءِ عِنْدَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ،،[و]البُطُونُ والظُّهُورُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَلا باطِنَ مِنَ الخَلْقِ عِنْدَهُ بَلْ هو في غايَةِ الظُّهُورِ لَدَيْهِ لِأنَّهُ الَّذِي أوَجَدَهُمْ، وهَذا مَعْنى ما قالَ البَغْوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: سَألَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَعْبًا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: مَعْناها أنَّ عِلْمَهُ بِالأوَّلِ كَعِلْمِهِ بِالآخِرِ، وعِلْمَهُ بِالظّاهِرِ كَعِلْمِهِ بِالباطِنِ - انْتَهى.
لِأنَّ العِلْمَ يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ عَلى حَسَبِهِ.
الحديد 57:4
ولَمّا كانَ الصّانِعُ لِلشَّيْءِ عالِمًا بِهِ، دَلَّ عَلى عِلْمِهِ وما تَقَدَّمَ مِن وصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وجَمَعَها لِعِلْمِ العَرَبِ بِتَعَدُّدِها ﴿والأرْضَ﴾ أيِ الجِنْسَ الشّامِلَ لِلْكُلِّ، أفْرَدَها لِعَدَمِ تَوَصُّلِهِمْ إلى العِلْمِ بِتَعَدُّدِها ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ سَنًّا لِلتَّأنِّي وتَقْرِيرًا لِلْأيّامِ الَّتِي أوْتَرَها سابِعُها الَّذِي خَلَقَ فِيهِ الإنْسانَ الَّذِي دَلَّ خَلْقُهُ بِاسْمِهِ الجُمْعَة عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ وبِأنَّهُ السّابِعُ عَلى أنَّهُ نِهايَةُ المَخْلُوقاتِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ تَمَكُّنُ المَلِكِ مِن سَرِيرِ المُلْكِ كِنايَةً عَنِ انْفِرادِهِ بِالتَّدْبِيرِ (p-٢٥٨)وإحاطَةِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، وكانَ ذَلِكَ هو رُوحُ المُلْكِ، دَلَّ عَلَيْهِ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ أيْ أوْجَدَ السَّواءَ وهو العَدْلُ إيجادَ مَن هو شَدِيدُ العِنايَةِ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ بِالتَّدْبِيرِ المُحْكَمِ لِلْعَرْشِ وما دُونَهُ ومَن دُونَهُ لِيَتَصَوَّرَ لِلْعِبادِ أنَّ العَرْشَ مَنشَأُ التَّدْبِيرِ، ومَظْهَرُ التَّقْدِيرِ، كَما يُقالُ في مُلُوكِنا: جَلَسَ فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، بِمَعْنى أنَّهُ انْفَرَدَ بِالتَّدْبِيرِ، وقَدْ لا يَكُونُ هُناكَ سَرِيرٌ فَضْلًا عَنْ جُلُوسٍ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالِاسْتِواءِ الِانْفِرادَ بِالتَّدْبِيرِ، وكانَ التَّدْبِيرُ لا يَصِحُّ إلّا بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، كَشَفَهُ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّ عِلْمَهُ بِالخَفايا كَعِلْمِهِ بِالجَلايا: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ﴾ أيْ يَدْخُلُ دُخُولًا يَغِيبُ بِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ مِن أجْزاءِ الأمْواتِ وغَيْرِها [وإنْ] كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِنَ العَرْشِ، فَإنَّ الأماكِنَ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ في القُرْبِ والبُعْدِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ كَذَلِكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى ما أوْدَعَ في الخافِقَيْنِ مِنَ القُوى فَصارَ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ مِنهُما ذَلِكَ بِخَلْقِهِ تَجَدُّدَ اسْتِمْرارٍ إلى حِينِ خَرابِهِما.
ولَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ فِيما قَدْ يُتَوَهَّمُ بُعْدُهُ لِبُعْدِهِ عَنِ العَرْشِ بِسُفُولِهِ تَنْبِيهًا عَلى التَّنَزُّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ فَكانَ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ، أتْبَعَهُ قَسِيمَهُ وهو جِهَةُ العُلُوِّ تَعْمِيمًا لِلْعَمَلِ بِسائِرِ الخَلْقِ فَقالَ: ﴿وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ ولَمْ يَجْمَعْ (p-٢٥٩)لِأنَّ المَقْصُودَ حاصِلٌ بِالواحِدَةِ مَعَ إفْهامِ التَّعْبِيرِ بِها الجِنْسَ السّافِلَ لِلْكُلِّ، وذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ والأمْطارِ والحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِهِما مِنَ الأعْيانِ والمَنافِعِ الَّتِي يُوجِدُها سُبْحانَهُ مِن مَقادِيرِ أعْمارِ بَنِي آدَمَ وأرْزاقِهِمْ وغَيْرِها مِن جَمِيعِ شُؤُونِهِمْ ﴿وما يَعْرُجُ﴾ أيْ يَصْعَدُ ويَرْتَقِي ويَغِيبُ ﴿فِيها﴾ كالأبْخِرَةِ والأنْوارِ والكَواكِبِ والأعْمالِ وغَيْرِها.
ولَمّا كانَ مَن يَتَّسِعُ مُلْكُهُ يَغِيبُ عَنْهُ عِلْمُ بَعْضِهِ لِبُعْدِهِ عَنْهُ، عَرَّفَ أنَّهُ لا مَسافَةَ أصْلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ أيْ أيُّها الثَّقَلانِ المُحْتاجانِ إلى التَّهْذِيبِ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ المُسَبَّبَيْنِ عَنِ القُرْبِ ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ فَهو عالِمٌ بِجَمِيعِ أُمُورِكم وقادِرٌ عَلَيْكم تَعالِيًا عَنِ اتِّصالٍ بِالعِلْمِ ومُماسَّةٍ، أوِ انْفِصالٍ عَنْهُ بِغَيْبَةٍ أوْ مَسافَةٍ، قالَ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في كِتابِهِ الفُرْقانُ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ: لَفْظُ [”مَعَ“]لا يَقْتَضِي في لُغَةِ العَرَبِ أنْ يَكُونَ أحَدُ الشَّيْئَيْنِ مُخْتَلِطًا بِالآخَرِ لِقَوْلِهِ
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] ولَفْظُ ”مَعَ“ جاءَتْ في القُرْآنِ عامَّةً وخاصَّةً، فالعامَّةُ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةُ، فافْتَتَحَ الكَلامَ بِالعِلْمِ واخْتَتَمَهُ بِالعِلْمِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والضَّحّاكُ (p-٢٦٠)وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هو مَعَهم بِعِلْمِهِ، وأمّا المَعِيَّةُ الخاصَّةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهو مَعَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ دُونَ فِرْعَوْنَ، ومَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصاحِبِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ أبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِ مِن أعْدائِهِ، ومَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ دُونَ الظّالِمِينَ المُعْتَدِينَ، فَلَوْ كانَ مَعْنى المَعِيَّةِ أنَّهُ بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ تَناقَضَ الخَبَرُ الخاصُّ والخَبَرُ العامُّ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ مَعَ هَؤُلاءِ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ دُونَ أُولَئِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أيْ هو إلَهٌ في السَّماءِ وإلَهٌ في الأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] كَما فَسَّرَهُ أئِمَّةُ العِلْمِ كَأحْمَدَ وغَيْرِهِ أنَّهُ المَعْبُودُ في السَّماواتِ والأرْضِ.
ولَمّا كانَتِ الأعْمالُ مِنها ظاهِرٌ وباطِنٌ، عَبَّرَ في أمْرِها بِاسْمِ الذّاتِ دَلالَةً عَلى شُمُولِها بِالعِلْمِ والقَدْرِ وتَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ الإحاطَةِ بِها وبِكُلِّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وقَدَّمَ الجارَّ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ الإحاطَةِ كَما مَضى (p-٢٦١)التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ [غَيْرَ مَرَّةٍ] وتَمْثِيلُهُ بِنَحْوِ: أعْرِفُ فُلانًا ولا أعْرِفُ غَيْرَهُ؛ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَلائِلِهِ ودَقائِقِهِ.
الحديد 57:5
ولَمّا كانَ صانِعُ الشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ مَلِكًا، وكانَ المَلِكُ لا يَكْمُلُ مُلْكُهُ إلّا بِعِلْمِ جَمِيعِ ما يَكُونُ في مَمْلَكَتِهِ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وكانَ إنْكارُهم لِلْبَعْثِ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ مَلِكًا، أكَّدَ ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ الإخْبارِ بِهِ فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾ وجَمَعَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ ﴿والأرْضِ﴾ أفْرَدَ لِخَفاءِ تَعَدُّدِها عَلَيْهِمْ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ، ودَلَّ عَلى دَوامِ مُلْكِهِ وإحاطَتِهِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمِنَ اللَّهِ المَبْدَأُ، مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِئَلّا يُظَنَّ الخُصُوصُ بِأُمُورِ ما تَقَدَّمَ: ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُ﴾ بِكُلِّ اعْتِبارٍ عَلى غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿الأُمُورُ﴾ أيْ كُلُّها حِسًّا بِالبَعْثِ ومَعْنًى بِالإبْداءِ والإفْناءِ، ودَلَّ عَلى هَذا الإبْداءِ والإفْناءِ بِأبْدَعِ الأُمُورِ وأرْوَقِها فَقالَ:
الحديد 57:6
﴿يُولِجُ﴾ أيْ يُدْخِلُ ويُغَيِّبُ بِالنَّقْصِ والمَحْوِ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ فَإذا قَدْ قَصُرَ بَعْدَ طُولِهِ، وقَدِ انْمَحى بَعْدَ تَشَخُّصِهِ وحُلُولِهِ، فَمَلَأ الضِّياءُ الأقْطارَ بَعْدَ ذَلِكَ الظَّلامِ ﴿ويُولِجُ النَّهارَ﴾ الَّذِي عَمَّ الكَوْنَ ضِياؤُهُ وأنارَهُ لَأْلاؤُهُ ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ الَّذِي قَدْ كانَ غابَ في عِلْمِهِ، فَإذا الظَّلامُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، والطُّولُ، الَّذِي (p-٢٦٢)[كانَ] لَهُ قَدْ صارَ نَقْصًا.
ولَمّا كانَ في هَذا إظْهارُ أخْفى الأشْياءِ حَتّى يَصِيرَ في غايَةِ الجَلاءِ، أتْبَعَهُ عِلْمَ ما هو عِنْدَ النّاسِ أخْفى ما يَكُونُ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ ما يَصْحَبُها فَتُخْفِيهِ فَلا يَخْرُجُ مِنها الهَمَزاتُ عَلى مَدى الأيّامِ عَلى كَثْرَةِ اخْتِلافِها وتَغَيُّرِها وإنْ خَفِيَتْ عَلى أصْحابِها.
الحديد 57:7
ولَمّا قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى تَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ شائِبَةِ كُلِّ نَقْصٍ، وإحاطَتِهِ بِكُلِّ صِفَةِ كَمالٍ، المُقْتَضِي لِثُبُوتِ أنَّ المُلْكَ لَهُ، المُوجِبِ قَطْعًا لِتَفَرُّدِهِ بِعُمُومِ الإلَهِيَّةِ، المُقْتَضِي لِإرْسالِ مَن يُرِيدُهُ إلى جَمِيعِ مَن في مُلْكِهِ، وخَتَمَ بِالعِلْمِ بِالضَّمائِرِ الَّتِي أجَلُّها الإيمانُ، قالَ آمِرًا بِالإذْعانِ لَهُ ولِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿آمِنُوا﴾ أيْ أيُّها الثَّقَلانِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ. ولَمّا كانَ الإيمانُ أساسًا، والإنْفاقُ وجْهًا ظاهِرًا ورَأْسًا، قالَ جامِعًا بَيْنَ الأساسِ الحامِلِ الخَفِيِّ والوَجْهِ الظّاهِرِ الكامِلِ البَهِيِّ: ﴿وأنْفِقُوا﴾ أيْ في إظْهارِ دِينِهِ: ورَغَّبَهم في ذَلِكَ بِطَلَبِ اليَسِيرِ مِمّا أعْطاهُمُ [اللَّهُ] وزَهَّدَهم مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا جَعَلَكُمْ﴾ أيْ بِقُدْرَتِهِ ﴿مُسْتَخْلَفِينَ﴾ أيْ مَطْلُوبًا مَوْجُودًا خِلافَتُكم ﴿فِيهِ﴾ وهو لَهُ دُونَكم بِما يُرْضِي مَنِ اسْتَخْلَفَكم في تَمْهِيدِ سَبِيلِهِ فَطِيبُوا بِها نَفْسًا لِأنَّها لَيْسَتْ في الحَقِيقَةِ لَكم وإنَّما أنْتُمْ خُزّانٌ، وخافُوا مِن عَزْلِكم مِنَ الخِلافَةِ بِانْتِزاعِها مِن أيْدِيكم بِتَوْلِيَةِ غَيْرِكم أمْرَها، إمّا في حَياتِكُمْ، وإمّا (p-٢٦٣)بَعْدَ مَماتِكُمْ، كَما فَعَلَ بِغَيْرِكم حِينَ أوْصَلَ إلَيْكم ما وصَلَ مِن أمْوالِهِمْ، فَلَيْسَ لَكم مِنها إلّا ما أكَلْتُمْ فَأفْنَيْتُمْ أوْ لَبِسْتُمْ فَأبْلَيْتُمْ أوْ تَصَدَّقْتُمْ فَأبْقَيْتُمْ - وفي رِوايَةٍ: فَأمْضَيْتُمْ، ولْيَهُنِ الإنْفاقُ مِنها عَلَيْكم كَما يَهُونُ عَلى الإنْسانِ النَّفَقَةُ مِن مالِ غَيْرِهِ إذا كانَ أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ ووَصَفَهُ بِما سَهَّلَهُ، سَبَّبَ عَنْهُ ما يُرَغِّبُ فِيهِ فَقالَ مُبالِغًا في تَأْكِيدِ الوَعْدِ لِما في ارْتِكابِهِ مِنَ العُسْرِ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وبِناءِ [الحُكْمِ] عَلى الضَّمِيرِ بِالوَصْفِ بِالكَبِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبَيَّنَ أنَّ هَذا خاصٌّ بِهِمْ لِضِيقِ الحالِ في زَمانِهِمْ فَقالَ: ﴿مِنكم وأنْفَقُوا﴾ أيْ مِن أمْوالِهِمْ في الوُجُوهِ الَّتِي نَدَبَ إلَيْها عَلى وجْهِ الإصْلاحِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالإنْفاقِ ﴿لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ لا تَبْلُغُ عُقُولُكم حَقِيقَةَ كِبَرِهِ فاغْتَنِمُوا الإنْفاقَ في أيّامِ اسْتِخْلافِكم قَبْلَ عَزْلِكم وإتْلافِكم.
الحديد 57:8
ولَمّا رَغَّبَ في الإنْفاقِ والإيمانِ، وكانَ الإيمانُ مُقْتَضًى بِالإنْفاقِ، عَجِبَ مِمَّنْ لا يُبادِرُ إلى الحاصِلِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، فَقالَ مُفَصِّلًا لِما أجْمَلَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيهِما، بادِئًا بِأبْيَنِ كُلِّ خَيْرٍ، مُنَفِّسًا عَنْهم بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الِاسْتِقْبالِ بِالبِشارَةِ بِالعَفْوِ عَنِ الماضِي مُرَهِّبًا مُوَبِّخًا لِمَن لا يُبادِرُ إلى مَضْمُونِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَما لَكم لا تُبادِرُونَ إلى ذَلِكَ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ ﴿لَكُمْ﴾ مِنَ الأعْذارِ أوْ غَيْرِها في أنَّكُمْ، أوْ حالَ كَوْنِكم ﴿لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ الإيمانَ - أيْ تَجْدِيدًا (p-٢٦٤)مُسْتَمِرًّا - بِالمَلِكِ الأعْلى أيِ الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ والأمْرُ كُلُّهُ بَعْدَ سَماعِكم لِهَذا الكَلامِ: لِأنَّ ”لا“ لا تَدْخُلُ عَلى مُضارِعٍ إلّا وهو بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ولَوْ عَبَّرَ بِعِبارَةٍ تَدُلُّ عَلى الحالِ لَرُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ فَقالَ: فَأْتِ ما طَلَبَ مِنّا، والَّذِي بَعْدَ هَذا مِنَ الحالِ الَّتِي هي في مَعْنى العِلَّةِ دالَّةٌ عَلى هَذا، وهي قَوْلُهُ: ﴿والرَّسُولُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لَهُ الرِّسالَةُ العامَّةُ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ صَباحًا ومَساءً عَلى ما لَهُ مِن مُقْتَضَياتِ القَبُولِ مِنهُ مِن حُسْنِ السَّمْتِ وجَلالَةِ القَدْرِ وإظْهارِ الخَوارِقِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ تُجَدِّدُوا الإيمانَ ﴿بِرَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ تَرْبِيَتَكم بِأنْ جَعَلَكم مِن أُمَّةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ وشَرَّفَكم بِهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ أيْ وقَعَ أخْذُهُ [فَصارَ] في غايَةِ [القَباحَةِ] تَرْكُ ما وقَعَ التَّوَثُّقُ بِسَبَبِهِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ والتَّمْكِينِ مِنَ النَّظَرِ بِإبْداعِ العُقُولِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُنْضَمٌّ إلى أخْذِ الذُّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإشْهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ وإشْهادِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو لِيَكُونَ المَعْنى أيَّ أخْذٍ كانَ لِأنَّ الغَدْرَ عِنْدَ الكُرَماءِ شَدِيدٌ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُعَيَّنٍ لا سِيَّما العَرَبُ فَكَيْفَ إذا كانَ الآخِذُ المَلِكَ الأعْظَمَ القادِرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ العالِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ، ورَسُولُهُ الَّذِي تَعْظِيمُهُ مِن تَعْظِيمِهِ، كَما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ولا يَخْفى الإعْرابُ، والحاصِلُ أنَّهم نَقَضُوا المِيثاقَ في الإيمانِ، فَلَمْ يُؤاخِذْهم (p-٢٦٥)حَتّى أرْسَلَ الرُّسُلَ.
ولَمّا حَثَّهم عَلى تَجْدِيدِ الإيمانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِالتَّعَجُّبِ مِن تَرْكِ ذَلِكَ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ يَدَّعِي العَراقَةَ في الخَيْرِ، هَيَّجَهم وألْهَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً ووَصْفًا ثابِتًا ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في وصْفِ الإيمانِ، وهو الكَوْنُ عَلى نُورِ الفِطْرَةِ الأُولى.
الحديد 57:9
ولَمّا وصَفَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ [لا غَيْرُهُ] ﴿الَّذِي يُنَـزِّلُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ والمُوالاةِ بِحَسَبِ الحاجَةِ. ولَمّا كانَ الخِطابُ في هَذِهِ السُّورَةِ لِلْمُخْلَصِ، قالَ مُضِيفًا إلى ضَمِيرِهِ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِما يَدُلُّ عَلى الجَلالِ والكِبْرِياءِ ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ أيِ الَّذِي هو أحَقُّ النّاسِ بِحَضْرَةِ جَمالِهِ وإكْرامِهِ لِأنَّهُ ما تَعَبَّدَ لِغَيْرِهِ قَطُّ ﴿آياتٍ﴾ أيْ عَلاماتٍ هي مِن ظُهُورِها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُرْجَعَ إلَيْها ويُتَقَيَّدَ [بِها] ﴿بَيِّنَتٍ﴾ [فاطر: ٤٠] جِدًّا عَلى ما لَهُ مِنَ النُّعُوتِ الَّتِي هي في غايَةِ الوُضُوحِ ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيِ اللَّهُ أيْ عَبْدُهُ بِما أنْزَلَ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، والجِنْسُ إلى جِنْسِهِ أمْيَلُ ومِنهُ أقْبَلُ، ولا سِيَّما إنْ كانَ قَرِيبًا ولَبِيبًا أرِيبًا ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الَّتِي أنْتُمْ مُنْغَمِسُونَ فِيها مِنَ الحُظُوظِ والنَّقائِصِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها الإنْسانُ والغَفْلَةِ والنِّسْيانِ، الحامِلَةِ عَلى تَراكُمِ الجَهْلِ، فَمَن آتاهُ سُبْحانَهُ العِلْمَ والإيمانَ فَقَدْ أخْرَجَهُ مِن هَذِهِ الظُّلُماتِ الَّتِي طَرَأتْ عَلَيْهِ ﴿إلى النُّورِ﴾ الَّذِي كانَ وصْفًا لِرُوحِهِ وفِطْرَتِهِ الأُولى السَّلِيمَةِ. (p-٢٦٦)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ بِهِ لَلَطِيفٌ خَبِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ زِلْزالِ مَن يَطُولُ بِهِ البَلاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وإنْكارِ الكُفّارِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِكُمْ﴾ قَدَّمَ الجارَّ لِأنَّ عَظِيمَ رَحْمَتِهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مُوجِبٌ لِعَدِّ نِعْمَتِهِ عَلى غَيْرِنا عَدَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى نِعْمَتِهِ عَلَيْنا ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كُنْتُمْ بِالنَّظَرِ إلى رَحْمَتِهِ الخاصَّةِ الَّتِي هي لِإتْمامِ النِّعْمَةِ صِنْفَيْنِ: مِنكم مَن كانَ لَهُ بِهِ وصْلَةٌ بِما يَفْعَلُ في أيّامِ جاهِلِيَّتِهِ مِنَ الخَيْراتِ كالإنْفاقِ في سَبِيلِ المَعْرُوفِ، وعَبَّرَ بِالإنْفاقِ لِكَوْنِهِ [خَيْرًا[ لا رِياءَ ونَحْوَهُ [فِيهِ] كالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعادَ عَلَيْهِ، بَعْدَ عُمُومِ رَحْمَتِهِ بِالبَيانِ، بِخُصُوصِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ أوْصَلَتْهُ إلى أعْظَمِ دَرَجاتِ العِرْفانِ، ومِنكم مَن كانَ بالِغًا في اتِّباعِ الهَوى فابْتَدَأهُ بَعْدَ عُمُومِ رَحْمَةِ البَيانِ بِخُصُوصِ رَحْمَةٍ هَداهُ بِها إلى أعْمالِ الجِنانِ، وهي دُونَ ما قَبْلَها في المِيزانِ. وفَوْقَها مِن حَيْثُ إنَّها بِدُونِ سَبَبٍ مِنَ المَرْحُومِ.
الحديد 57:10
ولَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ والإنْفاقِ، وكانَ الإيمانُ مَعَ كَوْنِهِ الأساسَ الَّذِي لا يَصِحُّ عَمَلٌ بِدُونِهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن خُسْرانٍ أوْ نُقْصانٍ، فَبَدَأ بِهِ لِذَلِكَ، ورَغَّبَ بِخَتْمِ الآيَةِ بِالإشارَةِ بِالرَّأْفَةِ إلى أنَّ [مَن] تَوَصَّلَ (p-٢٦٧)إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ أوْ غَيْرِهِ زادَهُ مِن فَضْلِهِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا - إلى قَوْلِهِ: ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» عَطَفَ عَلَيْهِ التَّرْغِيبَ في التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِالإنْفاقِ مُنْكِرًا عَلى مَن تَرَكَهُ مُوَبِّخًا لِمَن حادَ عَنْهُ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ فانٍ، مُفْهِمًا بِزِيادَةِ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةِ اللَّوْمَ عَلى تَرْكِهِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ ﴿لَكُمْ﴾ في ﴿ألا تُنْفِقُوا﴾ أيْ تُوجِدُوا الإخْراجَ لِلْمالِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في كُلِّ ما يُرْضِي المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ لِتَكُونَ لَكم بِهِ وصْلَةٌ فَيَخُصَّكم بِالرَّأْفَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ الرَّحْمَةِ، فَإنَّهُ ما بَخِلَ [بِهِ] أحَدٌ عَنْ وجْهِ خَيْرٍ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ غَرامَةً في وجْهِ شَرٍّ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ باعِثًا عَلى الإنْفاقِ بِأبْلَغِ بَعْثٍ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ﴾ تَأْكِيدًا لِلْعَظَمَةِ بِالنَّدْبِ إلى ذَلِكَ بِاسْتِحْضارِ جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ لا سِيَّما صِفَةُ الإرْثِ المُقْتَضِيَةُ لِلزُّهْدِ في المَوْرُوثِ ﴿مِيراثُ﴾ [أيِ] الإرْثُ والمَوْرُوثُ والمَوْرُوثُ عَنْهُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ جَمِيعًا لا شَيْءَ فِيهِما أوْ مِنهُما إلّا هو كَذَلِكَ يَزُولُ عَنِ المُنْتَفِعِ بِهِ ويَبْقى لِلَّهِ بَقاءَ الإرْثِ، ومَن تَأمَّلَ أنَّهُ زائِلٌ هو وكُلُّ ما في يَدِهِ والمَوْتَ مِن ورائِهِ، ويَدَ طَوارِقِ الحَوادِثِ مُطْبِقَةٌ بِهِ، وعَمّا قَلِيلٍ يُنْقَلُ ما في يَدِهِ إلى غَيْرِهِ (p-٢٦٨)هانَ عَلَيْهِ الجُودُ بِنَفْسِهِ ومالِهِ.
ولَمّا رَغَّبَهم في الإنْفاقِ عَلى الإطْلاقِ، رَغَّبَهم في المُبادَرَةِ إلَيْهِ، مادِحًا أهْلَهُ خاصًّا مِنهم أهْلَ السِّباقِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوِي﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ أهْلَ الإسْلامِ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكم مَن أنْفَقَ﴾ أيْ أوْجَدَ الإنْفاقَ في مالِهِ وجَمِيعِ قُواهُ وما يَقْدِرُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإنْفاقَ في زَمانِ الإيمانِ لا مُطْلَقَ الزَّمانِ، خَصَّ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ أيِ الَّذِي هو فَتْحُ جَمِيعِ الدُّنْيا في الحَقِيقَةِ وهو فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِظُهُورِ الدِّينِ [عَلى الدِّينِ] كُلِّهِ لِما نالَ المُنْفِقَ إذْ ذاكَ بِالإنْفاقِ مِن كَثْرَةِ المَشاقِّ لِضِيقِ المالِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ المُنْفِقِ أنْفَذَ بَصِيرَةً ونَفَقَتِهِ أعْظَمَ غِنًى وأشَدَّ نَفْعًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ أوَّلُ مَن أنْفَقَ ولَمْ يَسْبِقْهُ في ذَلِكَ أحَدٌ، وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ - كَما حَكاهُ البَغْوِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالإيمانِ خِدْمَةَ الرَّحْمَنِ، وكانَ الإنْفاقُ وإنْ كانَ مُصَدِّقًا لِلْإيمانِ لا يَكْمُلُ تَصْدِيقُهُ إلّا بِبَذْلِ النَّفْسِ قالَ: ﴿وقاتَلَ﴾ أيْ سَعْيًا في إنْفاقِ نَفْسِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وحَذَفَ المَنفِيَّ لِلتَّسْوِيَةِ بِهِ وهو [مَن] لَمْ يُنْفِقْ مُطْلَقًا أوْ بِقَيْدِ القَبْلِيَّةِ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى قِلَّةِ السّابِقِينَ.
ولَمّا كانَ نَفْيُ المُساواةِ لا يُعْرَفُ مِنها الفاضِلُ مِن غَيْرِهِ، وقَدْ كانَ (p-٢٦٩)حَذْفُ قَسِيمِ مَن أنْفَقَ لِوُضُوحِهِ والتَّنْفِيرِ مِنهُ ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، نَفى اللَّبْسَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُنْفِقُونَ المُقاتِلُونَ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، المُقَرَّبُونَ مِن أهْلِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ لِمُبادَرَتِهِمْ إلى الجُودِ بِالنَّفْسِ والمالِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ وبِعِظَمِ الدَّرَجَةِ يَكُونُ عِظَمُ صاحِبِها ﴿مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ التَّفْضِيلَ عَلى مَن أوْجَدَ الإنْفاقَ والقِتالَ [فِي زَمانٍ بَعْدَ ذَلِكَ، لا عَلى مَنِ اسْتَغْرَقَ كُلَّ زَمانٍ بَعْدَهُ بِالإنْفاقِ والقِتالِ] أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ ولَمّا كانَ التَّفْضِيلُ مُفْهِمًا اشْتِراكَ الكُلِّ في الفَضْلِ، صَرَّحَ بِهِ تَرْغِيبًا في الإنْفاقِ عَلى كُلِّ حالٍ فَقالَ: ﴿وكُلا﴾ أيْ مِنَ القِسْمَيْنِ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الجَلالُ والكَمالُ والإكْرامُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ الدَّرَجَةَ الَّتِي هي غايَةُ الحُسْنِ وإنْ كانَتْ في نَفْسِها مُتَفاوِتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”وكُلّ“ وهو أوْفَقُ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ زَكاءُ الأعْمالِ إنَّما هو بِالنِّيّاتِ، وكانَ التَّفْضِيلُ مَناطَ العِلْمِ، قالَ مُرَغِّبًا في إحْسانِ النِّيّاتِ مُرَهِّبًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِيها: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وقَدَّمَ الجارَّ إعْلامًا بِمَزِيدِ اعْتِناءٍ بِالتَّمْيِيزِ عِنْدَ التَّفْضِيلِ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ عَلى مَرِّ الأوْقاتِ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِباطِنِهِ وظاهِرِهِ عِلْمًا لا مَزِيدَ (p-٢٧٠)عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، فَهو يَجْعَلُ جَزاءَ الأعْمالِ عَلى قَدْرِ النِّيّاتِ الَّتِي هي أرْواحُ صُوَرِها.
الحديد 57:11
ولَمّا فَضَّلَ السّابِقِينَ بِالإنْفاقِ، ووَعَدَ بِالحُسْنى اللّاحِقِينَ بِحُسْنِ الِاتِّباعِ، وأشارَ إلى أنَّهُ رُبَّما ألْحَقَهم بِبَعْضِهِمْ بِصَفاءِ الإخْلاصِ فَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى البَذْلِ، أثْمَرَ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُسَمِّيًا الصَّدَقَةَ الَّتِي صُورَتُها [صُورَةُ] إخْراجٍ مِن غَيْرِ عِوَضٍ بِاسْمِ القَرْضِ الَّذِي هو إخْراجٌ بِعِوَضٍ تَرْغِيبًا فِيها لِما أعَدَّ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ المُحَقَّقِ فَكَيْفَ إذا كانَ مُضاعَفًا: ﴿مَن﴾ وأكَّدَ بِالإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذا﴾ لِأجْلِ ما لِلنُّفُوسِ مِنَ الشُّحِّ ﴿الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ أيْ يُعْطِي الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ بِإعْطاءِ المُسْتَحِقِّ لِأجْلِهِ عَطاءً مِن مالِهِ هو عَلى صُورَةِ القَرْضِ لِرَجائِهِ الثَّوابَ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ طَيِّبًا خالِصًا فِيهِ مُتَحَرِّيًا بِهِ أفْضَلَ الوُجُوهِ طَيِّبَةً بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَنٍّ ولا كَدَرٍ بِتَسْوِيفٍ ونَحْوِهِ.
ولَمّا كانَ ما يُعْطِي اللَّهُ المُنْفِقَ مِنَ الجَزاءِ مُسَبَّبًا عَنْ إنْفاقِهِ، رَبَطَهُ بِالفاءِ فَقالَ عَطْفًا عَلى ﴿يُقْرِضُ﴾ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ مُرَغِّبًا فِيهِ بِجَعْلِهِ مُبالَغًا بِالتَّضْعِيفِ أوَّلًا وجَعْلِهِ مِن بابِ المُفاعَلَةِ ثانِيًا، وكَذا التَّفْضِيلُ (p-٢٧١)فِي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ ”فَيُضْعِفُهُ“ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ [ويَعْقُوبُ]بِالنَّصْبِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ تَأْكِيدًا لِلرَّبْطِ والتَّسْبِيبِ. ولَمّا كانَتِ المُضاعَفَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَها إلّا هو قالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيِ المُقْرِضِ مِن بَعْدِ ما تَعْقِلُونَهُ مِنَ المُضاعَفَةِ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ ﴿أجْرٌ﴾ لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ، وهو مَعْنى وصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَرِيمٌ﴾ أيْ حَسَنٌ طَيِّبٌ زاكٍ نامٍ.
الحديد 57:12
ولَمّا بَيَّنَ ما لِهَذا المُقْرِضِ، بَيَّنَ بَعْضَ وصْفِهِ بِالكَرَمِ بِبَيانِ وقْتِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ لَهم ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي ﴿تَرى﴾ فِيهِ [بِالعَيْنِ]، وأشارَ إلى أنَّ المَحْبُوبَ مِنَ المالِ لا يَخْرُجُ عَنْهُ ولا سِيَّما [مَعَ] الإقْتارِ إلّا مَن وقَرَ الدِّينُ في قَلْبِهِ بِتَعْبِيرِهِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ الَّذِي صارَ الإيمانُ لَهم صِفَةً راسِخَةً ﴿يَسْعى﴾ شِعارًا لَهم وأمارَةً عَلى سَعادَتِهِمْ ﴿نُورُهُمْ﴾ الَّذِي يُوجِبُ إبْصارَهم لِجَمِيعِ ما يَنْفَعُهم فَيَأْخُذُوهُ وما يَضُرُّهم فَيَتْرُكُوهُ، وذَلِكَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها بِنُورِ العِلْمِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كَما أنَّهم قَدَّمُوا المالَ الَّذِي إنَّما يَقْتَنِيهِ الإنْسانُ لِمِثْلِ ذَلِكَ جَزاءً وِفاقًا.
ولَمّا كانَ مَن يُرادُ تَعْظِيمُهُ يُعْطى ما يَجِبُ وما بَعْدَهُ شَرِيفًا في الأماكِنِ الَّتِي يُحِبُّها قالَ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ حَيْثُ ما تَوَجَّهُوا، ولِذَلِكَ (p-٢٧٢)حَذَفَ الجارَّ ﴿وبِأيْمانِهِمْ﴾ [أيْ] وتَلْتَصِقُ بِتِلْكَ الجِهَةِ لِأنَّ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ أشْرَفُ جِهاتِهِمْ، وهم إمّا مِنَ السّابِقِينَ، وإمّا مِن أهْلِ اليَمِينِ، ويُعْطَوْنَ صَحائِفَهم مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، والشَّقِيُّ بِخِلافِ ذَلِكَ لا نُورَ لَهُ ويُعْطى صَحِيفَتَهُ بِشِمالِهِ ومِن وراءِ ظَهْرِهِ، فالأوَّلُ نُورُ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ والأعْمالِ المَقُولَةِ، والثّانِي نُورُ الإنْفاقِ لِأنَّهُ بِالإيمانِ - [نَبَّهَ] - عَلَيْهِ الرّازِيُّ
ولَمّا ذَكَرَ نُفُوذَهم فِيما يُحِبُّونَ مِنَ الجِهاتِ وتَيْسِيرَهُ لَهُمْ، أتْبَعَهُ ما يُقالُ لَهم مِنَ المَحْبُوبِ في سُلُوكِهِمْ لِذَلِكَ المَحْبُوبِ فَقالَ: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ بِشارَتُكُمُ العَظِيمَةُ في جَمِيعِ ما يَسْتَقْبِلُكم مِنَ الزَّمانِ.
ولَمّا تَشَوَّفُوا لِذَلِكَ أُخْبِرُوا بِالمُبَشَّرِ بِهِ بِقَوْلِهِ مُخْبِرًا إشارَةً إلى أنَّ المُخْبَرَ بِهِ يُحْسَدُ مِنَ البُشْرى لِكَوْنِهِ مَعْدِنَ السُّرُورِ ﴿جَنّاتٌ﴾ أيْ كائِنَةٌ لَكم تَتَصَرَّفُونَ فِيها أعْظَمَ تَصَرُّفٍ، والخَبَرُ في الأصْلِ دُخُولُ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِما ذَكَرَ مِنَ المُبالَغَةِ ثُمَّ وصَفَها بِما لا تَكْمُلُ اللَّذَّةُ إلّا بِهِ فَقالَ؛ ﴿تَجْرِي﴾ وأفْهَمَ القُرْبَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ مَعَ خَوْفِ الِانْقِطاعِ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ خُلُودًا لا آخِرَ لَهُ لِأنَّ اللَّهَ أوْرَثَكم ذَلِكَ ما لا يُورَثُ عَنْكم كَما كانَ حُكّامُ الدُّنْيا لِأنَّ الجَنَّةَ لا مَوْتَ فِيها. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا سارًّا في ذَلِكَ المَقامِ الضَّنْكِ مُحَبًّا بِأمْرٍ اسْتَأْنَفَ مَدْحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ هَذا الأمْرُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ (p-٢٧٣)﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيِ الَّذِي مَلَأ بِعَظَمَتِهِ جَمِيعَ الجِهاتِ مِن ذَواتِكم وأبْدانِكم ونُفُوسِكم وأرْواحِكم.
الحديد 57:13
ولَمّا عَظَّمَ هَذا الأجْرَ الكَرِيمَ بِبَيانِ ما لِأهْلِهِ في الوَقْتِ الكائِنِ فِيهِ، عَظَّمَهُ بِما لِأضْدادِهِمْ مِنَ النَّكالِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ أيْ قَوْلًا مُجَدَّدًا لِما يُلْجِئُ إلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ الشّاقَّةِ ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ أيْ بِالعَراقَةِ في إظْهارِ الإيمانِ وإبْطانِ الكُفْرانِ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا، وأمّا مَن عَلا مِن هَذا السِّنِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومَن فَوْقَهم فالظّاهِرُ أنَّهم لا يَرَوْنَهم لِيَطْمَعُوا في مُناداتِهِمْ ”وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ“ ﴿انْظُرُونا﴾ أيِ انْظُرُونا بِأنْ تَمْكُثُوا في مَكانِكم لِنَلْحَقَ بِكُمْ، وكَأنَّ الفِعْلَ جُرِّدَ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِاقْتِضاءِ الحالِ الإيجازَ بِغايَةِ [ما] تُوصِلُ المَقْدِرَةُ إلَيْهِ خَوْفَ الفَوْتِ، لِأنَّ المَسْؤُولِينَ يُسْرِعُونَ إلى الجَنَّةِ كالبَرْقِ الخاطِفِ، وقَدْ حَقَّقَتِ المَعْنى قِراءَةُ حَمْزَةَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الظّاءِ أيْ أخِّرُونا في المَشْيِ وتَأنَّوْا عَلَيْنا وأمْهِلُوا عَلَيْنا، لا تَطْلُبُوا مِنّا السُّرْعَةَ فِيهِ بَلِ امْكُثُوا في مَكانِكم لِنَنْظُرَ في أمْرِنا كَيْفَ نَلْحَقُ بِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهم عَدُّوا تَأنِّيَهم في المَشْيِ وتَلَبُّثَهم لِيَلْحَقُوا بِهِمْ إنْظارًا لَهم ﴿نَقْتَبِسْ﴾ أيْ نَأْخُذْ ونُصِبْ ونَسْتَصْبِحْ ﴿مِن نُورِكُمْ﴾ أيْ هَذا الَّذِي نَراهُ لَكم ولا يَلْحَقُنا مِنهُ بِشَيْءٍ كَما كُنّا في الدُّنْيا نَرى إيمانَكم بِما نَرى مِن ظَواهِرِكم (p-٢٧٤)ولا نَتَعَلَّقُ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ جَزاءً وِفاقًا، وسَبَبُ هَذا القَوْلِ أنَّهم يُعْطَوْنَ مَعَ المُؤْمِنِينَ نُورًا خَدِيعَةً لَهم بِما خادَعُوا في الدُّنْيا لِتَعْظُمَ عَلَيْهِمُ المَشَقَّةُ بِفَقْدِهِ لِأنَّهُ لا يَلْبَثُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا وظُلْمَةً فَتُطْفِئُ نُورَهم ويَبْقَوْنَ في الظُّلْمَةِ، وإلى ذَلِكَ يَنْظُرُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ ﴿أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨] أيْ [لا] تُطْفِئْهُ كَما أطْفَأْتَ نُورَ المُنافِقِينَ.
ولَمّا كانَ المُنْكِئُ لَهم إنَّما هو الرَّدُّ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿قِيلَ﴾ أيْ لَهم جَوابًا لِسُؤالِهِمْ قَوْلَ رَدٍّ وتَوْبِيخٍ وتَهَكُّمٍ وتَنْدِيمٍ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ أيْ في جَمِيعِ جِهاتِ الوَراءِ الَّتِي هي أبْعَدُ الجِهاتِ عَنِ الخَيْرِ كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا لا تَزالُونَ مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِكم عَمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْبَلَ عَلَيْهِ ويُسْعى إلَيْهِ ﴿فالتَمِسُوا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الرُّجُوعِ ﴿نُورًا﴾ ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالوَراءِ الدُّنْيا لِأنَّ هَذا النُّورَ إنَّما هو مِنها بِسَبَبِ ما عَمِلُوا فِيها مِنَ الأعْمالِ الزّاكِيَةِ والمَعارِفِ الصّافِيَةِ، ولِهَذا قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ المَحَبَّةِ مِنَ الإحْياءِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْوارَ لا بُدَّ أنْ يَتَجَدَّدَ أصْلُها في الدُّنْيا ثُمَّ يَزْدادَ في الآخِرَةِ إشْراقًا [فَأمّا] أنْ يَتَجَدَّدَ ثَمَّ نُورٌ فَلا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَجَعُوا أوْ فَأقامُوا في الظُّلْمَةِ، سَبَّبَ عَنْهُ وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿فَضُرِبَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى نَحْوِ الأوَّلِ، ولِإفادَةِ أنَّ الضَّرْبَ كانَ في غايَةِ السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ مُعَقِّبَةً عَلى ما (p-٢٧٥)قَبْلَهُ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ في [جَمِيعِ] المَسافَةِ الَّتِي بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا وأضْدادِهِمْ في وقْتِ قَوْلِهِمْ هَذا.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ أنَّ ضَرْبَهُ كانَ في غايَةِ السُّرْعَةِ، لَمْ يُوقِعِ الفِعْلَ وأتى بِالفاءِ لِيُفِيدَ أنَّهُ كانَ كَأنَّهُ عَصًا ضُرِبَتْ بِهِ الأرْضُ ضَرْبَةً واحِدَةً، فَقالَ: ﴿بِسُورٍ﴾ أيْ جِدارٍ مُحِيطٍ مُحِيلٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا يَشِذُّ عَنْهُ أحَدٌ مِنهم ولا يَقْدِرُ أحَدٌ مِمَّنْ سِواهم أنْ يَتَجاوَزَهُ إلَيْهِمْ ﴿لَهُ بابٌ﴾ مُوكَلٌ بِهِ حِجابٌ لا يَفْتَحُونَ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ مِن نُورِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِشَفاعَةٍ أوْ نَحْوِها ﴿باطِنُهُ﴾ أيْ ذَلِكَ السُّورِ والبابِ وهو الَّذِي مِن جِهَةِ الَّذِينَ آمَنُوا جَزاءً لِإيمانِهِمُ الَّذِي هو غَيْبٌ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ وهي ما لَهم مِنَ الكَرامَةِ بِالجَنَّةِ الَّتِي هي ساتِرَةٌ بِبَطْنِ مَن فِيها بِأشْجارِها وبِأسْبابِها كَما كانَتْ بَواطِنُهم مِلاءً رَحْمَةً ﴿وظاهِرُهُ﴾ أيِ السُّورِ أوِ البابِ الَّذِي يَظْهَرُ لِأهْلِ النّارِ، مُبْتَدِئٌ ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ أيْ تُجاهَ ذَلِكَ الظّاهِرِ وناحِيَتَهُ وجِهَتَهُ وعِنْدَهُ ﴿العَذابُ﴾ مِنَ النّارِ ومُقَدِّماتِها لِاقْتِصارِ أهْلِهِ عَلى الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم نُفُوذٌ إلى باطِنٍ وعَكْسُ ما أرادُوا مِن حِفْظِ ظَواهِرِهِمْ في الدُّنْيا مَعَ فَسادِ بَواطِنِهِمْ، ودَلَّ عَلى ما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ”يَقُولُ“ مِنَ التَّكْرِيرِ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا:
الحديد 57:14
﴿يُنادُونَهُمْ﴾ أيِ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ، يُواصِلُونَ النِّداءَ وهم في الظُّلْمَةِ لِلَّذِينِ آمَنُوا يَتَرَفَّقُونَ لَهم في مُدَّةِ هَذا القَوْلِ والضَّرْبِ: ﴿ألَمْ نَكُنْ﴾ أيْ بِكُلِّيَّتِنا (p-٢٧٦)﴿مَعَكُمْ﴾ أيْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الدِّينِ فَنَسْتَحِقُّ المُشارَكَةَ فِيما صِرْتُمْ إلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ [الدِّينِ] الَّذِي كُنّا مَعَكم فِيهِ ﴿قالُوا﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿بَلى﴾ قَدْ كُنْتُمْ مَعَنا ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ﴾ أيْ كُنْتُمْ بِما كانَ لَكم مِنَ الذَّبْذَبَةِ تَخْتَبِرُونَ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ فَتُخالِطُونَها بِاخْتِبارِ أحْوالِ الدِّينِ مُخالَطَةً مُحِيلَةً لَها مُمِيلَةً عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ، تُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنْ تَظْهَرَ لَكم فِيهِ أُمُورٌ مَحْسُوسَةٌ لِتُخَلَّصُوا فِيهِ مِنَ الشُّكُوكِ فَتُخْلِصُوا، فَما آمَنتُمْ بِالغَيْبِ فَأهْلَكْتُمُوها وتَبِعْتُمْ أيْضًا الأُمُورَ الَّتِي كُنْتُمْ تُفْتَنُونَ بِها [مِنَ]الشَّهَواتِ، فَأوْجَبْتُمْ لَكُمُ الإعْراضَ عَنِ المَعالِي الباطِناتِ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ أيْ كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم أنْ أخْرَجْتُمُوها عَنِ الفِطْرَةِ الأُولى فَأمْهَلْتُمْ وانْتَظَرْتُمْ لِتَرَوُا الأمْرَ عِيانًا أوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَما فَعَلْنا مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ وتَرْكِ التَّجْرِبَةِ ونِسْبَةِ ما يَحْصُلُ لَنا مِمّا فِيهِ فِتْنَةٌ إلى أنْفُسِنا بِتَقْصِيرِنا، وكُنّا كُلَّما حَصَلَ لَنا ما يُزَلْزِلُ نَقُولُ: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَزِيدُنا ذَلِكَ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا، وانْتَظَرْتُمْ أيْضًا الدَّوائِرَ بِأهْلِ الإيمانِ لِتُظْهِرُوا النِّفاقَ ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ شَكَكْتُمْ بِتَكْلِيفِ أنْفُسِكُمُ الشَّكَّ بِذَلِكَ التَّرَبُّصِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ أيْ ما تَتَمَنَّوْنَ أيْ تُرِيدُونَ وتُقَدِّرُونَ مِنَ الإراداتِ الَّتِي مَعَها شَهْوَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الأطْماعِ الفارِغَةِ الَّتِي لا سَبَبَ لَها غَيْرُ شَهْوَةِ النَّفْسِ إيّاها بِما كُنْتُمْ تَتَوَقَّعُونَ لَنا مِن دَوائِرِ السُّوءِ ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ قَضاءُ المَلِكِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَلا كُفْؤَ لَهُ ولا خُلْفَ لِقَوْلِهِ مِنَ المَوْتِ، ومُقَدِّماتٌ مِنَ الأُمُورِ الدَّهِشَةِ، (p-٢٧٧)فَكَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا مُقَصِّرِينَ كُنْتُمْ في هَذا المَوْطِنِ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ، فَهو بِحَيْثُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ وهو الوَلِيُّ الوَدُودُ ﴿الغَرُورُ﴾ أيْ مَن [لا] صُنْعَ لَهُ إلّا الكَذِبَ وهو الشَّيْطانُ وهو العَدُوُّ الحَسُودُ، فَإنَّهُ يُنَوِّعُ لَكم بِغُرُورِهِ التَّسْوِيفَ ويَقُولُ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [و]عَفُوٌّ كَرِيمٌ، وماذا عَسى أنْ تَكُونَ ذُنُوبُكم عِنْدَهُ وهو عَظِيمٌ ومُحْسِنٌ وحَلِيمٌ ونَحْوُ هَذا، فَلا يَزالُ حَتّى يُوقِعَ الإنْسانَ، فَإذا أوْقَعَ واصَلَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتّى يَتَمادى، فَإذا تَمادى صارَ الباعِثَ لَهُ حِينَئِذٍ مِن قَبْلِ نَفْسِهِ فَصارَ طَوْعَ يَدِهِ.
الحديد 57:15
ولَمّا أقَرُّوا لَهم بِالكَوْنِ الجامِعِ، وذَكَرُوا ما حَصَلَ بِهِ والفَرْقَ المانِعَ فَظَهَرَ أنْ لا كَوْنَ، سَبَّبُوا عَنْهُ قَوْلَهُمْ: ﴿فاليَوْمَ﴾ أيْ بِسَبَبِ أفْعالِكم تِلْكَ ﴿لا يُؤْخَذُ﴾ بِناءً لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الضّارَّ عَدَمُ الأخْذِ ”لا كَوْنُهُ“ مِن آخِذٍ مُعَيَّنٍ ولِيُفِيدَ سَدَّ بابِ الأخْذِ مُطْلَقًا ﴿مِنكم فِدْيَةٌ﴾ أيْ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفِداءِ وهو البَدَلُ والعُضْوُ لِلنَّفْسِ عَلى أيِّ حالٍ مِن قِلَّةٍ أوْ كَثْرَةٍ أوْ حُسْنٍ أوْ غَيْرِهِ لِأنَّ الإلَهَ غَنِيٌّ وقَدْ فاتَ مَحَلُّ العَمَلِ الَّذِي شَرَعَهُ لِإنْقاذِ أنْفُسِكم. ولَمّا كانُوا مُكَذِّبِينَ أكَّدَ فَقالَ: ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أظْهَرُوا كَفْرَهم ولَمْ يَسْتُرُوهُ كَما سَتَرْتُمُوهُ أنْتُمْ لِمُساواتِكم لَهم في الكُفْرِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأيْنَ نَكُونُ؟ قالَ: ﴿مَأْواكُمُ﴾ أيْ مَنزِلُكم ومَسْكَنُكم ومَجْمَعُكُمُ ﴿النّارُ﴾ لا مَقَرَّ لَكم غَيْرُها، تَحْرُقُكم كَما كُنْتُمْ تَحْرُقُونَ قُلُوبَ الأوْلِياءِ بِإقْبالِكم عَلى الشَّهَواتِ، وإضاعَتِكم حُقُوقَ ذَوِي الحاجاتِ، وأكَّدَ ذَلِكَ (p-٢٧٨)بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ﴾ أيْ لا غَيْرُها ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أيْ قَرِينَتُكم ومَوْضِعُ قُرْبِكم ومَصِيرُكم وناصِرُكم عَلى نَحْوِ ”تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ“ فَهي أوْلى لَكُمْ، لا قُرْبَ لَكم إلى غَيْرِها، ولا غَيْرُها مَوْلًى ولا مَصِيرَ [إلى] سِواها ولا ناصِرَ إلّا هي. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِئْسَ المَوْلى هِيَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ هَذِهِ النّارُ الَّتِي صِرْتُمْ إلَيْها.
الحديد 57:16
ولَمّا كانَ هَذا وعْظًا شافِيًا لِسَقامِ القُلُوبِ، وكاشِفًا لِغِطاءِ الكُرُوبِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ حاثًّا عَلى الإقْبالِ عَلى كِتابِهِ الَّذِي رَحِمَ بِهِ عِبادَهُ بِإنْزالِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِإعْجازِهِ أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَعْطِفًا لَهم إلى جَنابِهِ زاجِرًا لَهم عَمّا سَألَ بَعْضُهم فِيهِ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنْ يُحَدِّثَهم عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكانُوا كُلَّما سَألُوهُ عَنْ شَيْءٍ أنْزَلَ سُبْحانَهُ آيَةً يَزْجُرُهم بِها ويُنَبِّهُهم عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ فِيهِ [كُلُّ ما] يُطْلَبُ إلى أنْ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ زاجِرَةً هَذا الزَّجْرَ العَظِيمَ لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ كافٍ، مُخَوِّفًا لَهم بِما وقَعَ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ كِتابِهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ أيْ يَحِنْ ويَنْتَهِ ويُدْرِكْ إلى غايَةٍ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ صِدْقًا أوْ كَذِبًا ﴿أنْ تَخْشَعَ﴾ أيْ أنْ يَكُونَ لَهم رُتْبَةٌ عالِيَةٌ في الإيمانِ بِأنْ تَلِينَ وتَسْكُنَ وتَخْضَعَ وتَذِلَّ وتَطْمَئِنَّ فَتُخْبِتَ فَتُعْرِضَ عَنِ الفانِي وتُقْبِلَ عَلى الباقِي ﴿قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (p-٢٧٩)أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا خَيْرَ إلّا مِنهُ فَيَصْدُقُ في إيمانِهِ مَن كانَ كاذِبًا ويَقْوى في الدِّينِ مَن كانَ ضَعِيفًا، فَلا يَطْلُبُ لِذَلِكَ دِينُهُ دَواءً ولا لِمَرَضِ قَلْبِهِ شِفاءٌ في غَيْرِ القُرْآنِ، فَإنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَجْلُو أصْداءَ القُلُوبِ ويَصْقُلُ مَرائِيَها.
ولَمّا كانَ الذِّكْرُ وحْدَهُ كافِيًا في الخُشُوعِ والإنابَةِ والخُضُوعِ لِأنَّهُ مَجْمَعٌ لِكُلِّ رَغْبَةٍ ومَنبَعٌ لِكُلِّ رَهْبَةٍ، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن لا نُفُوذَ لَهُ فِيما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَلالِ والإكْرامِ قالَ: ﴿وما نَـزَلَ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى بِالتَّدْرِيجِ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وما وُجِدَ إنْزالُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلى خاتَمِ رُسُلِهِ ﷺ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٍ بِخِلْفٍ عَنْهُ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والوَعْظِ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى نَبِيِّكم ﷺ مِنَ القُرْآنِ إشارَةً إلى أنَّ غَيْرَ هَذا الذِّكْرِ دَخَلَهُ الدَّخِيلُ، وأمّا هَذا فَثابِتٌ ثَباتًا لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إزالَتِهِ.
ولَمّا كانَ لِلْمُسابَقَةِ والمُنافَسَةِ أمْرٌ عَظِيمٌ في تَحْرِيكِ الهِمَمِ لِأهْلِ الأنَفَةِ وأُولِي المَعالِي قالَ: ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ بِمُجَرَّدِهِ كافِيًا في إعْلاءِ الهِمَّةِ فَكَيْفَ [إذا] كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَكَيْفَ إذا كانَ بِكِتابٍ، إشارَةً إلى ذَلِكَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ فَقالَ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ لَوْ كانَ الإتْيانُ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَكانَ جَدِيرًا بِالهِدايَةِ فَكَيْفَ وهو مِن عِنْدِهِ. ولَمّا كانَ إنْزالُ الكُتُبِ لَمْ يَكُنْ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ (p-٢٨٠)فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا لِلزَّمانِ الماضِي أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ ما نَزَلَ إلَيْكم وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
ولَمّا كانُوا في كُلِّ قَلِيلٍ يَعْبُرُونَ قالَ عاطِفًا عَلى ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ الزَّمانُ الَّذِي ضَرَبْناهُ لِشَرَفِهِمْ ومَدَدْناهُ لِعُلُوِّهِمْ مِن أوَّلِ إيتائِهِمُ الكِتابَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ تَرْقِيقُ القُلُوبِ، والأمَدُ الأجَلُ، وكُلٌّ مِنهُما يُطْلَقُ عَلى المُدَّةِ كُلِّها وعَلى آخِرِها، وكَذا الغايَةُ بِقَوْلِ النُّحاةِ: ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ و”إلى“ لِانْتِهائِها، والمُرادُ جَمِيعُ المُدَّةِ ﴿فَقَسَتْ﴾ أيْ بِسَبَبِ الطُّولِ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ واعْوَجَّتْ حَتّى كانَتْ بِحَيْثُ لا تَنْفَعِلُ لِلطّاعاتِ والخَيْرِ فَكانُوا كُلَّ القَلِيلِ في تَعَنُّتٍ شَدِيدٍ عَلى أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْألُونَهُمُ المُقْتَرَحاتِ، وأمّا بَعْدَ إيتائِهِمْ فَأبْعَدُوا في القَساوَةِ، فَمالُوا إلى دارِ الكَدَرِ بِكُلِّيّاتِهِمْ وأعْرَضُوا عَنْ دارِ الصَّفاءِ فانْجَرُّوا إلى الهَلاكِ بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَسْوَةُ القَلْبِ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ اتِّباعِ الشَّهْوَةِ وإنَّ الشَّهْوَةَ والصَّفْوَةَ لا تَجْتَمِعانِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبَعْضُهم ثَبَتَ عَلى تَزَلْزُلٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ أخْرَجَتْهُ قَساوَتُهُ عَنِ الدِّينِ أصْلًا ورَأْسًا فَهم ﴿فاسِقُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في وصْفِ الإقْدامِ عَلى الخُرُوجِ مِن دائِرَةِ الحَقِّ الَّتِي عَداها لَهُمُ الكِتابُ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلامِهِمْ وبَيْنَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يُعاتِبُهُمُ اللَّهُ (p-٢٨١)بِها إلّا أرْبَعُ سِنِينَ“ - رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، قالَ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ مُوسى بْنُ يَعْقُوبَ الرَّبْعِيُّ وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُ وضَعَّفَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ وبَقِيَّةُ رِجالِهِ رِجالُ الصَّحِيحِ- . انْتَهى.
الحديد 57:17
ولَمّا كانَ المُوجِبَ الأعْظَمَ لِلْقَسْوَةِ إنْكارُ البَعْثِ، وكانَ العَرَبُ يَزِيدُونَ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِن مُوجِباتِ القَسْوَةِ بِهِ، وكانَ عَمَلُ العامِلِ بِما يَدُلُّ عَلى القَسْوَةِ عَمَلَ مَن يُنْكِرُهُ، قالَ مُهَدِّدًا بِهِ مُقَرِّرًا لِما ابْتَدَأ بِهِ السُّورَةَ مِن أمْرِ الإحْياءِ مُشِيرًا إلى القُدْرَةِ عَلى إحْياءِ القُلُوبِ مُمَثِّلًا لِإزالَةِ القَسْوَةِ عَنْها بِصَقْلِ الذِّكْرِ والتِّلاوَةِ تَرْغِيبًا في إدامَةِ ذَلِكَ: ﴿اعْلَمُوا﴾ أيْ يا مَن آمَنَ بِلِسانِهِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ﴿يُحْيِي﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ كَما تُشاهِدُونَهُ ﴿الأرْضَ﴾ اليابِسَةَ بِالنَّباتِ. ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ ثابِتًا دائِمًا بِالفِعْلِ وبِالقُوَّةِ أُخْرى، وكانَ الجارُّ هُنا مُقْتَضِيًا لِلتَّعْمِيمِ قالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الجارِّ وكَما أنَّهُ يُحْيِيها فَيُخْرِجُ بِها النَّباتَ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ تَفَتَّتَ وصارَ تُرابًا فَكَذَلِكَ يُحْيِي بِجَمْعِ أجْسامِهِمْ وإفاضَةِ الأرْواحِ عَلَيْها كَما فَعَلَ بِالنَّباتِ وكَما فَعَلَ بِالأجْسامِ أوَّلَ مَرَّةٍ سَواءً، لا فَرْقَ بِوَجْهٍ إلّا بِأنْ يُقالَ: الِابْتِداءُ أصْعَبُ في العادَةِ، فاحْذَرُوا سَطْوَتَهُ واخْشَوْا غَضَبَهُ وارْجُوا رَحْمَتَهُ لِإحْياءِ القُلُوبِ، فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى إحْيائِها بِرُوحِ الوَحْيِ كَما (p-٢٨٢)أحْيا الأرْضَ بِرُوحِ الماءِ لِتَصِيرَ بِإحْيائِها بِالذِّكْرِ خاشِعَةً بَعْدَ قَسْوَتِها كَما صارَتِ الأرْضُ بِالماءِ رابِيَةً بَعْدَ خُشُوعِها ومَوْتِها.
ولَمّا انْكَشَفَ الأمْرُ بِهَذا غايَةَ الِانْكِشافِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ بَيَّنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ولَمّا كانَ العَرَبُ يَفْهَمُونَ مِن لِسانِهِمْ ما لا يَفْهَمُ غَيْرُهم فَكانُوا يَعْرِفُونَ - مِن إعْجازِ القُرْآنِ بِكَثْرَةِ فَوائِدِهِ وجَلالَةِ مَقاصِدِهِ ودِقَّةِ مَسالِكِهِ وعَظَمَةِ مَدارِكِهِ، وجَزالَةِ تَراكِيبِهِ ومَتانَةِ أسالِيبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ وأنْواعِهِ وفُنُونِهِ، المُنْتِجِ لِتَحَقُّقِ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ - ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهم فَكَأنَّما كانُوا مَخْصُوصِينَ بِهَذا البَيانِ، فَقَدَّمَ الجارَّ فَقالَ: ﴿لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ العَلاماتِ المُنِيراتِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْبَعْثِ، وكانَ مِن دَعائِمِ أُصُولِ الدِّينِ، وكانَ العَقْلُ كافِيًا في قِياسِهِ عَلى النَّباتِ، وكانَ الفِعْلُ الَّذِي لا يَعُودُ إلى سَعادَةِ الآخِرَةِ ناقِصًا، وكانَ العَقْلُ الَّذِي لا يُنْجِي صاحِبَهُ مُساوِيًا لِلْعَدَمِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي بِخِلافِ ما سَبَقَ في آلِ عِمْرانَ فَإنَّهُ مِن مَصالِحِ النَّفْسِ الَّتِي اخْتَفَتْ، ودَواعٍ تَدْعُو إلى فَهْمِها، وتَبْعَثُ إلى إتْقانِ عِلْمِها ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عِنْدَ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ويَسْمَعُهُ مِنَ الخَلائِقِ عَلى رَجاءٍ مِن حُصُولِ العَقْلِ لَكم بِما يَتَجَدَّدُ لَكم مِن فَهْمِهِ عَلى سَبِيلِ التَّواصُلِ الدّارِّ بِالِاسْتِمْرارِ.
الحديد 57:18
ولَمّا كانَتِ الصَّدَقَةُ كالبَذْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِيهِ ويُضاعِفُهُ أضْعافًا كَثِيرَةً عَلى حَسَبِ زَكاءِ الأرْضِ، قالَ مُنْتِجًا مِمّا مَضى ما يُعَرِّفُ (p-٢٨٣)أنَّ مِن أعْظَمِ ما دَلَّ عَلى الخُشُوعِ المَحْثُوثِ عَلَيْهِ والبُعْدِ عَنْ حالِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ في القَسْوَةِ الصَّدَقَةَ بِالإنْفاقِ الَّذِي قَرَنَهُ في أوَّلِها بِالإيمانِ، وحَثَّ عَلَيْهِ في كَثِيرٍ مِن آياتِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ثَمَرَتُهُ الَّتِي لا تُخْلَفُ عَنْهُ، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِما يُرْشِدُ إلى أنَّهُ المُصَدِّقُ لِدَعْواهُ، وأكَّدَهُ لِمَن يَشُكُّ في البَعْثِ مِن إنْكارِ بَرَكَةِ الصَّدَقَةِ عاجِلًا أوْ آجِلًا تَقَيُّدًا بِالمَحْسُوساتِ: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ مِنَ الرِّجالِ ﴿والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيْ مِنَ النِّساءِ بِأمْوالِهِمْ عَلى الضُّعَفاءِ الَّذِينَ إعْطاؤُهم يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ في الإيمانِ لِكَوْنِ المُعْطى لا يُرْجى مِنهُ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ، ولَعَلَّهُ أدْغَمَ إشارَةً إلى إخْفاءِ الصَّدَقاتِ، وقِراءَةُ [أُبَيٍّ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالإظْهارِ تُرْشِدُ إلى الإكْثارِ مِنَ الصَّدَقَةِ حَتّى تَصِيرَ ظاهِرَهُ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّخْفِيفِ تَدُلُّ مَعَ ذَلِكَ عَلى التَّصْدِيقِ بِالإيمانِ، فَكُلٌّ مِنَ القِراءاتِ يَدُلُّ عَلَيْهِما، ومِنَ التَّفْصِيلِ بِذِكْرِ النَّوْعَيْنِ تُعْرَفُ شِدَّةُ الِاعْتِناءِ.
ولَمّا كانَتْ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّفِ حَثًّا عَلى حَمْلِ النَّفْسِ عَلى التَّطَبُّعِ بِذَلِكَ حَتّى يَصِيرَ لَها خُلُقًا في غايَةِ الخِفَّةِ عَلَيْها فَقالَ عاطِفًا عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ في اسْمِ الفاعِلِ مُعَبِّرًا بِالماضِي بَعْدَ إفْهامِ الوَصْفِ الثَّباتَ دَلالَةً عَلى الإيقاعِ بِالفِعْلِ عَطْفًا عَلى [ما] تَقْدِيرُهُ مَوْقِعًا ضَمِيرُ المُذَكَّرِ عَلى الصِّنْفَيْنِ تَغْلِيبًا الَّذِينَ صَدَقُوا إيمانَهم بِالتَّصَدُّقِ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ (p-٢٨٤)الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ بِتَصْدِيقِهِمْ سَواءٌ كانُوا مِنَ الذُّكُورِ أوِ الإناثِ، وإنْفاقِهِمْ في كُلِّ ما نَدَبَ [إلى الإنْفاقِ] فِيهِ، وأكَّدَ ووَصَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِن طِيبِ النَّفْسِ وإخْلاصِ النِّيَّةِ في الصَّدَقَةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، وحُسْنُهُ أنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ إلى النَّظَرِ إلى فِعْلِهِ والِامْتِيازِ بِهِ وطَلَبِ العِوَضِ عَلَيْهِ، قالَ الرّازِيُّ: ﴿يُضاعَفُ﴾ أيْ ذاكَ القَرْضُ ﴿لَهُمْ﴾ ويُثابُونَ بِحَسَبِ تِلْكَ المُضاعَفَةِ لِأنَّ الَّذِي كانَ القَرْضُ لَهُ سُبْحانَهُ حَلِيمٌ كَرِيمٌ ولا يَرْضى في الخَيْرِ إلّا بِالفَضْلِ، وثَقَّلَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ [ويَعْقُوبَ] دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ في التَّكْثِيرِ، وعَبَّرَ بِالمُفاعَلَةِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِإفْهامِ أنَّ تِلْكَ الكَثْرَةَ مِمّا لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ، وأنَّهُ عَمِلَ فِيهِ عَمَلَ مَن يُبارِي آخَرَ ويُغالِبُهُ، وبَنى لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى باهِرِ العَظَمَةِ اللّازِمِ عَنْهُ كَوْنُهُ بِغايَةِ السُّهُولَةِ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ المُضاعَفَةِ ﴿أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ لا كَدَرَ فِيهِ بِانْقِطاعٍ ولا قِلَّةٍ ولا زِيادَةٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا.
الحديد 57:19
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الصَّدَقَةَ كالبَذْرِ الَّذِي هو مِن أحْسَنِ الأرْباحِ وأبْهَجِها، بَيَّنَ الحامِلَ عَلَيْها تَرْغِيبًا فِيها، فَقالَ عاطِفًا بِالواوِ، إشارَةً إلى التَّمَكُّنِ في جَمِيعِ هَذِهِ الصِّفاتِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ العَظِيمَةَ في أنْفُسِهِمْ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿ورُسُلِهِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ لِما لَهم مِنَ النِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَمَن (p-٢٨٥)كَذَبَ بِشَيْءٍ عَلى أحَدٍ مِنهم أوَعَمِلَ عَمَلَ المُكَذِّبِ لَهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهُمُ الرُّتَبُ العالِيَةُ والمَقاماتُ السّامِيَةُ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ لِما يَحِقُّ لَهُ أنْ يُصَدِّقَهُ مَن سَمِعَهُ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: الصِّدِّيقُ مَنِ اسْتَوى ظاهِرُهُ وباطِنُهُ، ويُقالُ: هو الَّذِي يَحْمِلُ الأمْرَ عَلى الأشَقِّ ولا يَنْزِلُ إلى الرُّخْصِ، ولا يَحْتاجُ لِلتَّأْوِيلاتِ، ولَمّا كانَ الصِّدِّيقُ لا يَكُونُ عَرِيقًا في الصِّدِّيقِيَّةِ إلّا بِالتَّأْهِيلِ لِرُتْبَةِ الشَّهادَةِ قالَ تَعالى: ﴿والشُّهَداءُ﴾ مُعَبِّرًا بِما مُفْرَدُهُ شَهِيدٌ عاطِفًا بِالواوِ إشارَةً إلى قُوَّةِ التَّمَكُّنِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ، [قالَ القُشَيْرِيُّ]: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِقُلُوبِهِمْ بَواطِنَ الوَصْلِ ويَعْتَكِفُونَ بِأسْرارِهِمْ في أوْطانِ القُرْبَةِ، وزادَ الأمْرَ عِظَمًا بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِالقُرْبَةِ [بِمِثْلِ تِلْكَ الرُّتْبَةِ] العالِيَةِ مِنَ الشَّهادَةِ لِلَّهِ بِكُلِّ ما أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ والأنْبِياءَ الماضِينَ عَلى أُمَمِهِمْ والحُضُورِ في جَمِيعِ المَلاذِّ بِالشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ - وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن مَضى مِنَ المَوْصُوفِينَ [بِالخَيْرِ] ﴿أجْرُهُمْ﴾ أيِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّهم [لَهُمْ] ﴿ونُورُهُمْ﴾ [أيِ] الَّذِي زادَهُمُوهُ مِن فَضْلِهِ بِرَحْمَتِهِ، أُولَئِكَ أصْحابُ النَّعِيمِ المُقِيمِ.
ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ السَّعادَةِ جامِعًا لِأصْنافِهِمْ، أتْبَعَهم أهْلَ الشَّقاوَةِ لِذَلِكَ قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ أنْوارُ عُقُولِهِمْ ومَرائِي (p-٢٨٦)فِكْرِهِمْ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا سَواءٌ كانُوا في ذَلِكَ مُساتِرِينَ أوْ مُجاهِرِينَ أوْ عَمِلَ العالِمُ بِها عَمَلَ المُكَذِّبِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُبْعَدُونَ مِنَ الخَيْرِ [خاصَّةً] ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيِ النّارِ الَّتِي هي غايَةٌ في تَوَقُّدِها، خالِدُونَ فِيها مِن بَيْنِ العُصاةِ، وأمّا غَيْرُهم فَدُخُولُهم [لَها] إذا دَخَلُوها لَيْسَ عَلى [وجْهِ] الصُّحْبَةِ الدّالَّةِ عَلى المُلازَمَةِ، وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ الَّذِينَ لا تُقْبَلُ لَهم شَهادَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، لَهم عِقابُهم و[عَلَيْهِمْ] ظَلامُهُمْ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الصِّدِّيقِيَّةَ وما مَعَها أوَّلًا دَلِيلًا عَلى أضْدادِها ثانِيًا، والجَحِيمَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى النَّعِيمِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّ الأوَّلَ أعْظَمُ في الكَرامَةِ، والثّانِي أعْظَمُ في الإهانَةِ.
الحديد 57:20
ولَمّا ذَكَرَ [سُبْحانَهُ] حالَ الفَرِيقَيْنِ: الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، فَتَقَرَّرَ بِذَلِكَ أمْرُ الآخِرَةِ، فَعَلِمُوا أنَّها الحَيَوانُ الَّذِي لا انْقِضاءَ لَهُ مِن إكْرامٍ أوْ هَوانٍ، وكانَ المُوجِبَ لِلْهَوانِ فِيها إنَّما هو الإقْبالُ عَلى الدُّنْيا لِحُضُورِها ونِسْيانِ الآخِرَةِ لِغِيابِها، قالَ مُنْتِجًا مِمّا مَضى مُبَيِّنًا لِحَقِيقَةِ ما يَرْغَبُ فِيهِ المُكَلَّفُ المُرَكَّبُ عَلى الشَّهْوَةِ مِنَ العاجِلَةِ بِما نَزَّهَهُ فِيهِ مُصَدِّرًا لَهُ بِما يُوجِبُ (p-٢٨٧)غايَةَ اليَقَظَةِ والحُضُورِ: ﴿اعْلَمُوا﴾ أيْ أيُّها العِبادُ المُبْتَلَوْنَ، وأكَّدَ المَعْنى بِزِيادَةِ ”ما“ [لِما] لِلنّاسِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْهُ فَقالَ قاصِرًا قَصْرَ قَلْبٍ: ﴿أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيِ الحاضِرَةُ الَّتِي رَغَّبْتُ في الزُّهْدِ فِيها والخُرُوجِ عَنْها بِالصَّدَقَةِ والقَرْضِ الحَسَنِ ﴿لَعِبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ لا ثَمَرَةَ لَهُ فَهو باطِلٌ كَلَعِبِ الصِّبْيانِ ﴿ولَهْوٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْرَحُ الإنْسانُ بِهِ فَيُلْهِيهِ ويَشْغَلُهُ عَمّا يَعْنِيهِ ثُمَّ يَنْقَضِي كَلَهْوِ الفِتْيانِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ عِظَمَ ما يُلْهِي في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وزِينَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُبْهِجُ العَيْنَ ويَسُرُّ النَّفْسَ كَزِينَةِ النِّسْوانِ، وأتْبَعَها ثَمَرَتَها فَقالَ: ﴿وتَفاخُرٌ﴾ أيْ كَتَفاخُرِ الأقْرانِ يَفْتَخِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِأهْلِ الشَّهَواتِ قالَ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ يَجُرُّ إلى التَّرَفُّعِ الجارِّ إلى الحَسَدِ والبَغْضاءِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما يَحْصُلُ بِهِ الفَخْرُ فَقالَ: ﴿وتَكاثُرٌ﴾ أيْ مِنَ الجانِبَيْنِ ﴿فِي الأمْوالِ﴾ أيِ الَّتِي لا يَفْتَخِرُ بِها إلّا أحْمَقٌ لِكَوْنِها مائِلَةً ﴿والأوْلادِ﴾ الَّذِينَ لا يَغْتَرُّ بِهِمْ إلّا سَفِيهٌ لِأنَّهُمُ الأعْداءُ، وأنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَ زائِلٌ وأنَّ الدُّنْيا آفاتُها هائِلَةٌ، وإنَّما هي فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ يَظْهَرُ بِها الشّاكِرُ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْ يَكُونُ ذَهابُهُ عَنْ قُرْبٍ فَتَكُونُ عَلى أضْدادِ ما كانَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ أشَدَّ في الحَسْرَةِ، ومُطابَقَةُ ذَلِكَ لِما بَعْدَهُ أنَّ الإنْسانَ يَنْشَأُ في حِجْرِ ولِيِّهِ فَيَشِبُّ ويَقْوى ويَكْسَبُ المالَ والوَلَدَ وتَغْشاهُ النّاسُ فَيَكُونُ بَيْنَهم أُمُورٌ مُعْجِبَةٌ وأحْوالٌ مُلْهِيَةٌ مُطْرِبَةٌ، فَإذا تَمَّ شَبابُهُ وأطْفَأهُ مَجِيؤُهُ وذَهابُهُ (p-٢٨٨)وأشْكالُهُ وأتْرابُهُ، أخَذَ في الِانْحِطاطِ ولا يَزالُ حَتّى يَشِيبَ ويَسْقَمَ ويَضْعُفَ ويَهْرَمَ وتُصِيبَهُ النَّوائِبُ والقَوارِعُ والمَصائِبُ في مالِهِ وجِسْمِهِ وأوْلادِهِ وأصْحابِهِ، ثُمَّ في آخِرِ ذَلِكَ يَمُوتُ، فَإذا قَدِ اضْمَحَلَّ أمْرُهُ ونُسِيَ عَمّا قَلِيلٍ ذِكْرُهُ، وصارَ مالُهُ لِغَيْرِهِ وزِينَتُهُ مُتَمَتِّعًا بِها سِواهُ فالدُّنْيا حَقِيرَةٌ وأحْقَرُ مِنها طالِبُها وأقَلُّ مِنها خَطَرُ المُزاحِمِ فِيها، فَما هي إلّا جِيفَةٌ، وطُلّابُ الجِيفَةِ لَيْسَ لَهم خَطَرٌ، وأخَسُّهم مَن بَخِلَ بِها، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهَذِهِ الدُّنْيا المَذْمُومَةُ هي ما يَشْغَلُ العَبْدَ عَنِ الآخِرَةِ [فَكُلُّ ما يَشْغَلُهُ عَنِ الآخِرَةِ] فَهو الدُّنْيا - انْتَهى.
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ أنَّها ظِلٌّ زائِلٌ وعَرَضٌ هائِلٌ، وكانَ بَعْضُ النّاسِ يَتَنَبَّهُ فَيَشْكُرُ وبَعْضُهم يَعْمى فَيَكْفُرُ، وكانَ القِسْمُ الثّانِي أكْثَرَ لِأنَّ وُجُودَها وإقْبالَها يُعْمِي أكْثَرَ القُلُوبِ عَنْ حَقارَتِها، ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا مُقَرِّرًا لِما مَضى مِن وصْفِها لِأنَّ لِلْأمْثالِ في تَقْرِيرِ الأشْياءِ وتَصْوِيرِها ما لَيْسَ لِغَيْرِها فَقالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِن أمْرِها يُشْبِهُ مَثَلَ ﴿غَيْثٍ﴾ أيْ مَطَرٍ حَصَلَ بَعْدَ جَدْبٍ [و]سُوءِ حالٍ.
ولَمّا كانَ المَثَلُ في سِياقِ التَّحْقِيرِ لِلدُّنْيا والتَّنْفِيرِ عَنْها، عَبَّرَ عَنِ الزّارِعِ بِما يُنَفِّرُ فَقالَ: ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيِ الزُّرّاعَ الَّذِينَ حَصَلَ مِنهُمُ الحَرْثُ والبَذْرُ الَّذِي يَسْتُرُهُ الحارِثُ بِحَرْثِهِ كَما يَسْتُرُ الكافِرُ حَقِيقَةَ أنْوارِ الإيمانِ لِما يَحْصُلُ مِنَ الجَحْدِ والطُّغْيانِ ولا يَتَناهى إعْجابُ الزّارِعِ [إلى] (p-٢٨٩)حَدٍّ يُلْهِي عَنِ اللَّهِ إلّا مَعَ الكُفْرِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ المُؤْمِنَ وإنْ أعْجَبَهُ ذَلِكَ يَتَذَكَّرُ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَظَمَتَهُ وما أعَدَّ لِأهْلِ طاعَتِهِ في الآخِرَةِ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الطّاعَةِ، فالتَّعْبِيرُ بِالكُفّارِ الَّذِي هو بِمَعْنى الزُّرّاعِ دُونَهُ إشارَةٌ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ النَّباتِ فَإنَّهُ لا يُعْجِبُ العارِفِينَ بِهِ المُمارِسِينَ لَهُ الَّذِينَ لَهم غايَةُ الإقْبالِ عَلى تِلْكَ الحِرْفَةِ فالمُنافَسَةُ فِيها إلّا ما يَكُونُ مِنها نِهايَةً في الإعْجابِ، وإلى أنَّهُ لا يُعْجِبُ أحَدًا شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا إعْجابًا يَرْكَنُ ويَأْنَسُ بِهِ أُنْسًا يُؤَدِّي إلى ما في الآيَةِ مِنَ اللَّهْوِ وما مَعَهُ إلّا لِكُفْرٍ في نَفْسِهِ أقَلُّهُ كُفْرُ النِّعْمَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَدْعُوَ إلى تَذَكُّرِ الخالِقِ وتَذَكُّرِ الجَمِيلِ عَلى الشُّكْرِ، وتَرْكُ الشُّكْرِ كُفْرٌ ﴿نَباتُهُ﴾ أيْ نَباتُ ذَلِكَ الغَيْثِ كَما يُعْجِبُ الكافِرَ في الكُفْرِ في الغالِبِ بَسْطُ الدُّنْيا لَهُ اسْتِدْراجًا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ولَمّا كانَ الزَّرْعُ يَشِيخُ بَعْدَ مُدَيْدَةٍ فَيَضْمَحِلُّ كَما هو شَأْنُ الدُّنْيا كُلِّها قالَ: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ يُسْرِعُ تَحَرُّكُهُ فَيَتِمُّ جَفافُهُ فَيَحِينُ حَصادُهُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ عَقِبَ ذَلِكَ بِالقُرْبِ مِنهُ عَلى حالَةٍ لا ثَمَرَ مَعَها [بَلْ] ولا نَباتَ، ولِذَلِكَ قالَ مُعَبِّرًا بِالكَوْنِ لِأنَّ السِّياقَ لِلتَّزْهِيدِ في الدُّنْيا وأنَّها ظِلٌّ زائِلٌ لا حَقِيقَةَ لَها: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ تَناهِي جَفافِهِ وابْيِضاضِهِ ﴿يَكُونُ﴾ أيْ كَوْنًا كَأنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلَيْهِ، وأبْلَغَ سُبْحانَهُ في تَقْرِيرِ اضْمِحْلالِهِ بِالإتْيانِ مَعَ فِعْلِ الكَوْنِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ السِّياقَ لِتَقْرِيرِ (p-٢٩٠)أنَّ الدُّنْيا عَدَمٌ وإنْ كانَتْ في غايَةِ الكَثْرَةِ والإقْبالِ والمُؤاتاةِ بِخِلافِ ما مَضى في الزُّمَرِ فَقالَ: ﴿حُطامًا﴾ كَأنَّ الحُطامِيَّةَ كانَتْ في جِبِلَّتِهِ وأصْلِ طَبْعِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ الظِّلَّ الزّائِلَ، ذَكَرَ أثَرَهُ الثّابِتَ الدّائِمَ مُقَسِّمًا لَهُ عَلى قِسْمَيْنِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ هَذا حالُ الدُّنْيا في سُرْعَةِ زَوالِها وتَحَقُّقِ فَنائِها [واضْمِحْلالِها]: ﴿وفِي﴾ أيْ هَذا الَّذِي غَرَّ مِن حالِ الدُّنْيا وهو في ﴿الآخِرَةِ﴾ عَلى أحَدِهِما ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أيْ لِمَن أخَذَها بِغَيْرِ حَقِّها مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِأنَّ الِاغْتِرارَ بِها سَبَّبَهُ، فَكانَ كَأنَّهُ هو.
ولَمّا قَدَّمَ ما هو السَّبَبُ الأغْلَبُ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالِكٌ، أتْبَعَهُ الصِّنْفَ النّاجِيَ. فَقالَ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ لِأهْلِ الدَّرَجَةِ الأُولى في الإيمانِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ لِمَن يَذْكُرُ بِما صَنَعَهُ لَهُ في الدُّنْيا عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ وجَلالَهُ فَتابَ مِن ذُنُوبِهِ، ورَجَعَ إلَيْهِ في التَّطْهِيرِ مِن عُيُوبِهِ ﴿ورِضْوانٌ﴾ لِأهْلِ الدَّرَجَةِ العُلْيا وهم مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَشَكَرَهُ حَقَّ شُكْرِهِ بِبَذْلِ وُسْعِهِ فِيما يُرْضِيهِ، فَآخِرُ الآيَةِ تَقْسِيمٌ لِلدُّنْيا عَلى الحَقِيقَةِ لِئَلّا يُظَنَّ مِن حَصْرِها فِيما ذَكَرَ أوَّلَ الآيَةِ أنَّها لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، فالمَعْنى أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ أوَّلًا هو الأغْلَبُ لِأحْوالِها وعاقِبَتُهُ النّارُ، وما كانَ مِنها مِن إيمانٍ وطاعَةٍ ونَظَرِ تَوْحِيدٍ لِلَّهِ وتَعْظِيمٍ ومَعْرِفَةٍ تُؤَدِّي إلى (p-٢٩١)أخْذِها تَزَوُّدًا ونَظَرِها اعْتِبارًا وتَعَبُّدًا، فَهو آخِرَةٌ لا دُنْيا، وقَدْ تَحَرَّرَ أنَّ مِثْلَ الغَيْثِ المَذْكُورِ الحُطامُ وتارَةً يَعْقُبُهُ نَكَدٌ لازِمٌ وأُخْرى سُرُورٌ دائِمٌ، فَمَن عَمِلَ في ذَلِكَ عَمَلَ الحُزْمَةِ فَحَرَسَ الزَّرْعَ مِمّا يُؤْذِيهِ وحَصَدَهُ في وقْتِهِ وعَمِلَ فِيهِ ما يَنْبَغِي ولَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ سَرَّهُ أثَرُهُ وحُمِدَتْ عاقِبَتُهُ، ومَن أهْمَلَ ذَلِكَ [أعْقَبَهُ الأسَفَ، وذَلِكَ هو مَثَلُ الدُّنْيا: مَن عَمِلَ فِيها بِأمْرِ اللَّهِ أعْقَبَتْهُ حُطامِيَّتُها سُرُورًا دائِمًا، ومَن أهْمَلَ ذَلِكَ] أوْرَثَتْهُ حُزْنًا لازِمًا، وكَما كانَ التَّقْدِيرُ: فَما الآخِرَةُ لِمَن سَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ إلّا حَقٌّ مَشْهُورٌ وسَعْيٌ مَشْكُورٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ لِكَوْنِها تَشْغَلُ بِزِينَتِها مَعَ أنَّها زائِلَةٌ ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ أيْ لَهْوٌ في نَفْسِهِ [غُرُورٌ] لا حَقِيقَةَ لَهُ إلّا ذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِمَن أقْبَلَ عَلى التَّمَتُّعِ إلّا ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَسُرُّ بِقَدْرِ ما يَضُرُّ.
الحديد 57:21
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الدُّنْيا خَيالٌ ومِحالٌ لِيَصْرِفَ الكَمَلَةَ مِنَ العِبادِ عَنْها لِسُفُولِها وحَقارَتِها، وأنَّ الآخِرَةَ بَقاءٌ وكَمالٌ لِيَرْغَبُوا غايَةَ الرَّغْبَةِ فِيها ولِيَشْتاقُوا كُلَّ الِاشْتِياقِ لِكَمالِها وشَرَفِها وجَلالِها، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سابِقُوا﴾ أيِ افْعَلُوا في السَّعْيِ لَها بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ حَقَّ السَّعْيِ فِعْلَ (p-٢٩٢)مَن يُسابِقُ شَخْصًا فَهو يَسْعى ويَجْتَهِدُ غايَةَ الِاجْتِهادِ في سَبْقِهِ، ولَكِنْ رُبَّما كانَ قَرِينُهُ بَطِيئًا فَسارَ هُوَيْنًا، وأمّا المُسارَعَةُ فَلا تَكُونُ إلّا بِجُهْدِ النَّفْسِ مِنَ الجانِبَيْنِ مَعَ السُّرْعَةِ في العُرْفِ، فَآيَةُ آلِ عِمْرانَ الآمِرَةُ بِالمُسارَعَةِ الأخَصِّ مِنَ المُسابَقَةِ أبْلَغُ لِأنَّها لِلْحَثِّ عَلى التَّجَرُّدِ عَنِ النَّفْسِ والمالِ وجَمِيعِ الحُظُوظِ أصْلًا ورَأْسًا، ولِذَلِكَ كانَتْ جَنَّتُها لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ، وأمّا هَذِهِ فَفي سِياقِ التَّصْدِيقِ الَّذِي هو تَجَرُّدٌ عَنْ فُضُولِ الأمْوالِ ولِذَلِكَ كانَتْ [جَنَّتُهُ] لِلَّذِينَ آمَنُوا.
ولَمّا كانَ المَقامُ عَظِيمًا، والإنْسانُ - وإنْ بِذَلِكَ الجُهْدِ - ضَعِيفًا، لا يَسَعُهُ إلّا العَفْوُ سَواءٌ كانَ سابِقًا أوْ لاحِقًا مِنَ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في السّابِقِينَ؛ ﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ أيْ سَتْرٍ لِذُنُوبِكم عَيْنًا وأثَرًا ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكم بِأنْ رَبّاكم وطَوَّرَكم بَعْدَ الإيجادِ بِأنْواعِ الأسْبابِ بِأنْ تَفْعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ سُبْحانَهُ واجْتِنابِ زَواجِرِهِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ المَغْفِرَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن نَتِيجَتِها قالَ: ﴿وجَنَّةٍ﴾ أيْ وبُسْتانٍ هو مِن عِظَمِ أشْجارِها واطِّرادِ أنْهارِها بِحَيْثُ يَسْتُرُ داخِلَهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ إلّا بِالسَّعَةِ قالَ: ﴿عَرْضُها﴾ أيْ فَما ظَنُّكَ بِطُولِها. ولَمّا كانَ السِّياقُ كَما بَيَّنَ لِلتَّجَرُّدِ عَنْ فُضُولِ الأمْوالِ فَقَطْ لِأنَّ المَوْعُودَ بِهِ دُونَ ما في آلِ عِمْرانَ فَأفْرَدَهُ وصَرَّحَ بِالعَرْضِ فَقالَ: ﴿كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ لَوْ وُصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَآيَةُ آلِ عِمْرانَ تَحْتَمِلُ الطُّولَ وجَمِيعُ السَّماواتِ والأرْضُ عَلى هَيْئَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٢٩٣)يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تُقَدَّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما ويُوصَلَ [رَأْسُ] كُلِّ قِدَةٍ بِرَأْسِ الأُخْرى، وتَمْتَدَّ جَمِيعُ القِداتِ إلى نِهايَتِها عَلى مِثْلِ الشِّراكِ، وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرُها عَرْضٌ واحِدٌ وأرْضٌ واحِدَةٌ ﴿أُعِدَّتْ﴾ أيْ هُيِّئَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ المَوْعُودُ بِها وفُرِغَ مِن أمْرِها بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ وهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إيقاعًا لا رَيْبَ مَعَهُ ولَوْ أنَّهُ عَلى أدْنى الوُجُوهِ فَكانُوا مِنَ السّابِقِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الآنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وأنَّ الإيمانَ كافٍ في اسْتِحْقاقِها، وأحادِيثُ الشَّفاعَةِ مُؤَيِّدَةٌ لِذَلِكَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ لِأجْلِ ذاتِهِ مُخْلِصِينَ لَهُ بِالإيمانِ ﴿ورُسُلِهِ﴾ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، فَهَذِهِ الجَنَّةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في آلِ عِمْرانَ، وإنْ قِيلَ: إنَّ السَّماءَ هُنا لِلْجِنْسِ لِكَوْنِ السِّياقِ فِيهِ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ كانَتْ أبْلَغَتْهُ تِلْكَ بِالتَّصْرِيحِ بِالجَمْعِ وعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالعَرْضِ لِكَوْنِها في سِياقٍ صَرَّحَ فِيهِ بِالجِهادِ، وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِإعْظامٍ لِلْمُجاهِدِينَ لِشِدَّةِ الخَطَرِ في أمْرِ النَّفْسِ وصُعُوبَةِ الخُرُوجِ عَنْها وعَنْ جَمِيعِ المَأْلُوفاتِ.
ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ مِنَ الوَعْدِ بِالمَغْفِرَةِ والجَنَّةِ عَظِيمًا لا سِيَّما لِمَن آمَنَ ولَوْ كانَ إيمانُهُ عَلى أعْلى الدَّرَجاتِ ومَعَ التَّجَرُّدِ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ، عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلى مَن يُوجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ (p-٢٩٤)فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا خاصٌّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هي أقَلُّ عَمَلًا وأكْثَرُ أجْرًا، فَإذا حَسَدَهم أهْلُ الكِتابِ قالَ تَعالى: [هَلْ] ظَلَمْتُكم مِن أمْرِكم شَيْئًا، فَإذا قالُوا: لا، لِأنَّ المَصْرُوفَ مِنَ الأجْرِ لِجَمِيعِ الطَّوائِفِ عَلى حَسَبِ الشَّرْطِ، قالَ: ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ.
﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المَلِكَ المُخْتَصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ أيِ الَّذِي جَلَّ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِوَصْفِهِ العُقُولُ.
الحديد 57:22
ولَمّا كانَتِ الدُّنْيا مانِعَةً عَنِ العُكُوفِ إلى الآخِرَةِ بِلَذّاتِها وآلائِها، وكانَتْ كَما أنَّها مَنزِلُ رَخاءٍ هي دارُ [بَلاءٍ]، وكانَ قَدِ اقْتَصَرَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ عَلى الأوَّلِ لِأنَّ السِّياقَ لِلْإنْفاقِ والتَّرْغِيبِ في مَعالِي الأخْلاقِ وجَعْلِ المُسابَقَةِ إلى السَّعادَةِ نَتِيجَةَ الزُّهْدِ فِيها، تَحَرَّكَتِ النَّفْسُ إلى السُّؤالِ عَمّا يَعُوقُ عَنِ الخَيْرِ مِنَ الضَّرْبِ بِسِياطِ البَلاءِ فَقالَ مُسَلِّيًا عَنْهُ لِأنَّ النُّفُوسَ أشَدُّ تَأثُّرًا بِالمَكارِهِ وأسْرَعُ انْفِعالًا بِالمَقارِعِ ومُحَقِّقًا ومُغْرِيًا بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها خَيْرٌ ولا شَرٌّ إلّا بِقَضاءٍ حُتِّمَ في الأزَلِ وقَدَرٍ أُحْكِمَ ووَجَبَ حِينَ لَمْ يَكُنْ [غَيْرَهُ] شَيْءٌ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ فِعْلَ المُؤَنَّثِ الجائِزَ التَّذْكِيرِ لِكَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ إشارَةً إلى عِظَمِ وقْعِ الشَّرِّ: ﴿ما أصابَ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ وهي في الأصْلِ لِكُلِّ آتٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلّا أنَّ العُرْفَ خَصَّها بِالشَّرِّ، وعَمَّ السّاكِنَ (p-٢٩٥)والمُتَحَرِّكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ مِن مَنابِتِها ومِياهِها ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ [أيْ ]بِمَوْتٍ ومَرَضٍ وعَيْنٍ وعَرَضٍ ﴿إلا﴾ هي كائِنَةٌ ﴿فِي كِتابٍ﴾ أيْ مَكْتُوبٍ لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ مَفْرُوغٌ مِنَ القِدَمِ، وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَةَ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ كانَ هو سُبْحانَهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ بِإدْخالِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ نَخْلُقَ ونُوجِدَ ونُقَدِّرَ المُصِيبَةَ والأرْضَ والأنْفُسَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اكْتِسابَ العِبادِ يَجْعَلُهُ سُبْحانَهُ وتَقْدِيرَهُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُتَعَذِّرًا عَلى المَخْلُوقِ فَهو أشَدُّ شَيْءٍ تَكَرُّهًا لَهُ وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرَ الجَلِيلَ وهو عِلْمُهُ بِالشَّيْءِ وكَتْبُهُ لَهُ عَلى تَفاصِيلِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ، ثُمَّ سَوْقُهُ النُّفُوسَ والأسْبابَ إلى إخْراجِهِ بَعْدَ التَّكْوِينِ عَلى مِقْدارِ ما سَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ وكَتْبُهُ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيْ عَلى ما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِالكَمالِ ﴿يَسِيرٌ﴾ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وقُدْرَتَهُ شامِلَةٌ لا يُعْجِزُها شَيْءٌ.
الحديد 57:23
ولَمّا بَيَّنَ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ الدّالَّ عَلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، بَيَّنَ ثَمَرَةَ أعْمالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا﴾ أيْ أعْلَمْناكم بِأنَّ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ قَدْ فَرَغْنا مِنَ التَّقْدِيرِ، فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ، لِأنَّ الحُزْنَ لا يَدْفَعُهُ، ولا السُّرُورُ يَجْلِبُهُ ويَجْمَعُهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يا مُعاذُ لِيَقِلَّ هَمُّكَ ما قُدِّرَ يَكُنْ» لِأجْلِ أنْ لا ﴿تَأْسَوْا﴾ أيْ تَحْزَنُوا حُزْنًا كَبِيرًا زائِدًا ﴿عَلى﴾ [ما] في أصْلِ الجِبِلَّةِ، يُوصِلُ إلى المَبْلَغِ بِتَعاطِي أسْبابِهِ والتَّمادِي فِيها لِيَتَأثَّرَ عَنْها (p-٢٩٦)السُّخْطُ وعَدَمُ الرِّضا بِالقَضاءِ، فَرُبَّما جَرَّ ذَلِكَ إلى أمْرٍ عَظِيمٍ ﴿ما فاتَكُمْ﴾ مِنَ المَحْبُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولا تَفْرَحُوا﴾ أيْ تُسَرُّوا سُرُورًا يُوصِلُ إلى البَطَرِ بِالتَّمادِي مَعَ [ما] في أصْلِ الجِبِلَّةِ ﴿بِما آتاكُمْ﴾ أيْ جاءَكم مِنها عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالقَصْرِ، وأعْطاكُمُ [اللَّهُ] عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالمَدِّ، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ النِّعَمَ لا بُدَّ في إيجادِها وإبْقائِها مِن حافِظٍ، ثُمَّ إنَّها لَوْ خُلِّيَتْ ونَفْسَها فاتَتْ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في تَقْدِيرِهِ هَذا وكَتْبِهِ مِنَ السِّرِّ أنَّ مَن وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى فَقْدِ ما لَدَيْهِ مِن أعْيانٍ ومَعانٍ قَبْلَ أنْ تَأْمُرَهُ بِالعَدَمِ والوِجْدانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ ذَلِكَ عَنِ المُسابَقَةِ المَذْكُورَةِ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ التَّمادِي مَعَ الحُزْنِ حَتّى يَخْرُجَ عَنِ الصَّبْرِ ومَعَ الفَرَحِ حَتّى يُلْهِيَ عَنِ الشُّكْرِ، لا أصْلُ المَعْنى لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: ما لَكَ تَأْسَفُ عَلى مَفْقُودٍ ولا يَرُدُّهُ إلَيْكَ الفَوْتُ، وما لَكَ تَفْرَحُ بِوُجُودٍ ولا يَتْرُكُهُ في يَدِكَ المَوْتُ - انْتَهى، ولَقَدْ عَزّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ رَحْمَةً لَهم في مَصائِبِهِمْ وزَهَّدَهم في رَغائِبِهِمْ بِأنَّ أسَفَهم عَلى فَوْتِ المَطْلُوبِ لا يُعِيدُهُ، وفَرَحَهم بِحُصُولِ المَحْبُوبِ لا يُفِيدُهُمْ، ولِأنَّ ذَلِكَ لا مَطْمَعَ في بَقائِهِ إلّا بِادِّخارِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ في المُصِيبَةِ: قَدَّرَ [اللَّهُ] وما شاءَ اللَّهُ فَعَلَ ويَصِيرَ في النِّعْمَةِ هَكَذا قَضى، وما أدْرِي ما مِثْلُهُ
﴿هَذا مِن فَضْلِ (p-٢٩٧)رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] فَلا يَزالُ [خائِفًا] عِنْدَ النِّقْمَةِ راجِيًا أثَرَ النِّعْمَةِ، قائِلًا في الحالَيْنِ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأكْمَلُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ مَسْرُورًا بِذِكْرِ رَبِّهِ لَهُ في كِلْتَيِ الحالَتَيْنِ كَما قالَ [القائِلُ]:
؎سَقْيًا لِمَعْهَدِكَ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ ما كانَ قَلْبِي لِلصَّبابَةِ مَعْهَدا
وهَذِهِ صِفَةُ المُتَحَرِّرِينَ مِن رِقِّ النَّفْسِ، وقِيمَةُ الرِّجالِ إنَّما تُعْرَفُ بِالوارِداتِ المُغَيِّرَةِ، فَمَن لَمْ تُغَيِّرْهُ المَضارُّ ولَمْ يَتَأثَّرْ بِالمَسارِّ فَهو سَيِّدُ وقْتِهِ، أشارَ إلَيْهِ القُشَيْرِيُّ. ولَمّا كانَ الإمْعانُ في اسْتِجْلابِ الأسى إنَّما هو مِنَ اليَأْسِ ونِسْيانِ النِّعَمِ وزِيادَةُ الفَرَحِ المُوصِلِ إلى المَرَحِ إنَّما يَجُرُّهُ الكِبْرُ والمَرَحُ، وكانَ في أوْصافِ أهْلِ الدُّنْيا التَّفاخُرُ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ سابِقًا التَّمادِي مَعَ الجِبِلَّةِ في الحُزْنِ والفَرَحِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلّ يئوس كَفُور“ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ أيْ لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ بِأنْ يُكْرِمَ ﴿كُلَّ مُخْتالٍ﴾ أيْ مُتَكَبِّرٍ نَظَرَ إلى ما في يَدِهِ في الدُّنْيا ﴿فَخُورٍ﴾ قالَ القُشَيْرِيُّ: الِاخْتِيالُ مِن بَقايا النَّفْسِ ورُؤْيَتِها، والفَخْرُ [مِن] رُؤْيَةِ خَطَرِ ما بِهِ يَفْتَخِرُ.
الحديد 57:24
ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ صِفاتِ المُخْتالِ المُكاثِرِ بِالمالِ البُخْلُ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلى الإنْفاقِ، وكانَ ما يُوجِبُهُ لَذَّةُ الفَخارِ والِاخْتِيالِ (p-٢٩٨)الَّتِي أوْصَلَ إلَيْها المالُ حامِلَةً عَلى البُخْلِ خَوْفًا مِنَ الإقْتارِ المُوجِبِ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا لِلصَّغارِ، قالَ تَعالى واصِفًا لِلْمُخْتالِ أوْ لِكُلّ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ مَعَ الِاسْتِمْرارِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ﴾ أيْ كُلَّ مَن يَعْرِفُونَهُ ﴿بِالبُخْلِ﴾ إرادَةَ أنْ يَكُونَ لَهم رُفَقاءُ يَعْمَلُونَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ فَيُحامُونَ عَنْهم أوْ أنَّهم يُوجِبُونَ بِأعْمالِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ والبَطَرِ في الأمْوالِ الَّتِي حَصَّلَها لَهُمُ البُخْلُ اسْتِدْراجًا مِنَ اللَّهِ لَهم بُخْلَ غَيْرِهِمْ لِأنَّهُ إذا رَآهم عُظِّمُوا بِالمالِ بَخِلَ لِيَكْثُرَ مالُهُ ويُعَظَّمَ، وذَلِكَ كُلُّهُ نَتِيجَةُ فَرَحِهِمْ بِالمَوْجُودِ وبَطَرِهِمْ عِنْدَ إصابَتِهِ، فَكانُوا آمِرِينَ بِالبُخْلِ لِكَوْنِهِمْ أسْبابًا لَهُ والسَّبَبُ كالآمِرِ في إيجادِ شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أقْبَلَ عَلى ما نُدِبَ [إلَيْهِ] مِنَ الإقْراضِ الحَسَنِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَإنَّ اللَّهَ شَكُورٌ حَلِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ] ذامًّا لِلْبُخْلِ مُحَذِّرًا مِنهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ [مِن] الإعْراضِ ضِدَّ ما في فِطْرَتِهِ مِن مَحَبَّةِ الخَيْرِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ مالِهِ وإنْفاقِهِ وكُلُّ شَيْءٍ إلى اللَّهِ مُفْتَقِرٌ ﴿الحَمِيدُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وسَواءٌ حَمَدَهُ الحامِدُونَ أمْ لا، وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِإسْقاطِ [هُوَ] مُفِيدَةٌ لِحَصْرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ لِلتَّعْرِيفِ وإنْ كانَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ آكَدَ.
الحديد 57:25
(p-٢٩٩)ولَمّا ظَهَرَتِ الأدِلَّةُ [حَتّى] لَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ عِلَّةٌ، وانْتَشَرَ نُورُها حَتّى مَلَأ الأكْوانَ، وعَلا عُلُوًّا تَضاءَلَ دُونَ عَلْيائِهِ كِيوانُ، وكانَ فِيما تَقَدَّمَ شَرْحُ مَآلِ الدُّنْيا وبَيانُ حَقِيقَتِها، وأنَّ الآدَمِيَّ إذا خُلِّيَ ونَفْسَهُ ارْتَكَبَ ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّفاخُرِ وما شاكَلَهُ وتَرَكَ ما يُرادُ بِهِ مِمّا دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ جَهْلًا مِنهُ وانْقِيادًا مَعَ طَبْعِهِ، وكانَ خَتْمُ الآيَةِ السّابِقَةِ رُبَّما أوْهَمَ المُشارَكَةَ، قالَ تَعالى نافِيًا ذَلِكَ في جَوابِ مَن تَوَقَّعَ الإخْبارَ عَنْ سائِرِ الأنْبِياءِ: هو أُوتُوا مِنَ البَيانِ ما أزالَ اللَّبْسَ، مُؤَكِّدًا لِإزالَةِ العُذْرِ بِإقامَةِ الحُجَجِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ الحاضِرَةِ والكُتُبِ الباقِيَةِ، مُعْلِمًا أنَّ مَن أعْرَضَ كُلِّفَ الإقْبالَ بِالسَّيْفِ، فَإنَّ الحَكِيمَ العَظِيمَ تَأْبى عَظْمَتُهُ وحِكْمَتُهُ أنْ يُخْلِيَ المُعْرِضَ عَنْ بَيِّنَةٍ تَرُدُّهُ عَمّا هو فِيهِ، وقَسْرٍ يَكْفِيهِ عَمّا يُطْغِيهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿رُسُلَنا﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم نِهايَةُ الإجْلالِ بِما لَهم بِنا مِنَ الِاتِّصالِ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ [والتَّحِيَّةِ] والإكْرامِ، ومِنَ الأنْبِياءِ إلى الأُمَمِ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ في الحالِ لِكَوْنِها لا لَبْسَ فِيها أصْلًا، ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم لِعُلُوِّ مَقاماتِهِمْ بِالإرْسالِ كَأنَّهم أتَوْا إلى العِبادِ مِن مَوْضِعٍ عالٍ جِدًّا فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا (p-٣٠٠)الَّتِي لا شَيْءَ أعْلى مِنها ﴿مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ الحافِظَ في زَمَنِ الِاسْتِقْبالِ في الأحْكامِ والشَّرائِعِ.
ولَمّا كانَ فَهْمُ الكِتابِ رُبَّما أشْكَلَ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى ذِهْنٍ صَقِيلٍ وفِكْرٍ طَوِيلٍ، وصَبْرٍ كَبِيرٍ وعِلْمٍ كَثِيرٍ - قالَ الرّازِيُّ: وبِهَذا [قِيلَ]: لَوْلا الكِتابُ لَأصْبَحَ العَقْلُ [حائِرًا ولَوْلا العَقْلُ - ] لَمْ يُنْتَفَعْ بِالكِتابِ،- عَقَّبَهُ بِما يَشْتَرِكُ في مَعْرِفَتِهِ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ، والجاهِلُ والنِّحْرِيرُ، وهو أقْرَبُ الأشْياءِ إلى الكِتابِ في العِلْمِ بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِما يُرادُ فَقالَ: ﴿والمِيزانَ﴾ أيِ العَدْلَ والحِكْمَةَ، ولَعَلَّهُ كُلُّ ما يَقَعُ بِهِ التَّقْدِيرُ حِسًّا أوْ مَعْنًى، وتَعْقِيبُهُ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ زَيْغِهِ لِعَدَمِ حَظٍّ ونَحْوِهِ، فَمَن حَكَّمَ الكِتابَ خالِيًا عَنْ حَظِّ نَفْسٍ وصَلَ إلى المَقْصُودِ ﴿لِيَقُومَ النّاسُ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ التَّحَرُّكِ إلى المَعالِي كُلُّهم ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ الَّذِي لا مَزِيدَ عَلَيْهِ لِانْتِظامِ جَمِيعِ أحْوالِهِمْ،[ هَذا] لِمَن أذْعَنَ لِلْبَيِّناتِ لِذاتِ مَن أقامَها أوْ لِلرَّغْبَةِ فِيها عِنْدَهُ.
ولَمّا كانَ الإعْراضُ بَعْدَ الإبْلاغِ في الإيضاحِ مُوجِبًا لِلرَّدِّ عَنِ الفَسادِ بِأنْواعِ الجِهادِ، قالَ مُهَدِّدًا ومُمْتَنًّا تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا مُعَبِّرًا عَنِ الخَلْقِ بِالإنْزالِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ أيْ خَلَقْنا خَلْقًا عَظِيمًا بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ ﴿الحَدِيدَ﴾ أيِ المَعْرُوفَ عَلى وجْهٍ مِنَ القُوَّةِ والصَّلابَةِ (p-٣٠١)واللِّينِ والحِدَّةِ لِقَبُولِ التَّأْثِيرِ يُعَدُّ بِهِ كالبائِنِ لِما في الأرْضِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ إيجادُهُ إنْزالًا، ولِأنَّ الأوامِرَ بِالإيجادِ والإعْدامِ تُنْزَلُ مِنَ السَّماءِ عَلى أيْدِي المَلائِكَةِ لِأنَّ السَّماءَ مَحَلُّ الحَوادِثِ الكِبارِ، والبَدائِعِ والأسْرارِ، لِأنَّ الماءَ الَّذِي هو أصْلُهُ [وأصْلُ] كُلِّ نامٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وتَكُونُ الأرْضُ لَهُ بِمَنزِلَةِ الرَّحِمِ لِلنُّطْفَةِ.
ولَمّا وقَعَ التَّشَوُّفُ إلى سَبَبِ إنْزالِهِ، قالَ: ﴿فِيهِ بَأْسٌ﴾ أيْ قُوَّةٌ وشِدَّةٌ وعَذابٌ ﴿شَدِيدٌ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الصَّلابَةِ المُلائِمَةِ لِلْمَضاءِ والحِدَّةِ ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ بِما يُعْمَلُ مِنهُ مِن مَرافِقِهِمْ ومَعاوِنِهِمْ لِتَقُومَ أحْوالُهم بِذَلِكَ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ما مِن صَنْعَةٍ إلّا والحَدِيدُ آلَتُها. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَعْصِيهِ ويَخْذُلُ أوْلِياءَهُ، بِوَضْعِ بَأْسِهِ في غَيْرِ ما أمَرَ بِهِ نُصْرَةً لِشَيْطانِهِ وهَواهُ وافْتِنانِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ عِلْمَ شَهادَةٍ لِأجْلِ إقامَةِ الحُجَّةِ بِما يَلِيقُ بِعُقُولِ الخَلْقِ فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى العَمَلِ لا عَلى العِلْمِ، وأوْقَعَ ضَمِيرَ الدِّينِ [عَلَيْهِ] سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لَهُ لِأنَّهُ شارِعُهُ فَقالَ: ﴿مَن يَنْصُرُهُ﴾ أيْ يُقْبِلُ مُجِدًّا عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى نَصْرِ دِينِهِ ﴿ورُسُلَهُ﴾ بِالذَّبِّ عَنْهم والدُّعاءِ إلَيْهِمْ، كائِنًا ذَلِكَ النَّصْرُ ﴿بِالغَيْبِ﴾ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، [أيْ] بِسَبَبِ تَصْدِيقِ (p-٣٠٢)النّاصِرِ لِما غابَ عَنْهُ مِن ذَلِكَ، أوْ غائِبًا عَنْ كُلِّ ما أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يَنْصُرُونَهُ ولا يُبْصِرُونَهُ - انْتَهى. فَلَمْ يَدَعْ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ لِأحَدٍ عُذْرًا بِالرُّسُلِ الَّذِينَ هُمُ الجِنْسُ مَعَ تَأْيِيدِهِمْ بِما يَنْفِي عَنْهُمُ اللَّبْسَ، والكِتابِ العالِي عَنْ كَلامِ الخَلْقِ، والعَقْلِ الَّذِي عَرَفَ العَدْلَ، والسِّلاحِ الَّذِي يَرُدُّ أُولِي الجَهْلِ، كَما قالَ ﷺ:
«بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ بِالسَّيْفِ» فَبَيانُ الشَّرائِعِ بِالكِتابِ، وتَقْوِيمُ أبْوابِ العَدْلِ بِالمِيزانِ، وتَنْفِيذُ هَذِهِ المَعانِي بِالسَّيْفِ، فَإنَّ مَصالِحَ الدِّينِ مِن غَيْرِ هَيْبَةِ السُّلْطانِ لا يُمْكِنُ رِعايَتُها، فالمَلِكُ والدِّينُ تَوْأمانِ، فالدِّينُ بِلا مَلِكٍ ضائِعٌ، والمَلِكُ مِن غَيْرِ دِينٍ باطِلٌ، والسُّلْطانُ ظِلُّ اللَّهِ في الأرْضِ، فَظَواهِرُ الكِتابِ لِلْعَوامِّ، ووَزْنُ مَعارِفِهِ لِأهْلِ الحَقائِقِ بِالمِيزانِ، ومَن خَرَجَ عَنِ الطّائِفَتَيْنِ فَلَهُ الحَدِيدُ وهو السَّيْفُ، لِأنَّ تَشْوِيشَ الدِّينِ مِنهُ - نَبَّهَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ
ولَمّا كانَ طَلَبُ النُّصْرَةِ مَظِنَّةً لِتَوَهُّمِ الضَّعْفِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ مُؤَكِّدًا قَطْعًا لِتَعَنُّتِ المُتَعَنِّتِينَ مُظْهِرًا لِلِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ لا يُمْكِنُ أنْ تَطْرُقَهُ حاجَةٌ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها. ولَمّا لَمْ يَكُنْ هُنا داعٍ إلى أكْثَرَ مِن هَذا التَّأْكِيدِ: بِخِلافِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ المَذْكُورَةِ في الحَجِّ ونَحْوِهِ، قالَ مُعْلِمًا بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مُعَرِّيًا الخَبَرَ مِنَ اللّامِ: ﴿قَوِيٌّ﴾ أيْ فَهو قادِرٌ عَلى (p-٣٠٣)إهْلاكِ جَمِيعِ أعْدائِهِ وتَأْيِيدِ مَن يَنْصُرُهُ مِن أوْلِيائِهِ ﴿عَزِيزٌ﴾ فَهو غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى نَصْرِ أحَدٍ، وإنَّما دَعا عِبادَهُ إلى نَصْرِ دِينِهِ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَ مَن أرادَ بِامْتِثالِ المَأْمُورِ، ويُعَذِّبَ مَن يَشاءُ بِارْتِكابِ المَنهِيِّ، بِبِنائِهِ هَذِهِ الدّارَ عَلى حِكْمَةِ رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِالأسْبابِ.
الحديد 57:26
ولَمّا عَمَّ الرُّسُلَ جامِعًا لَهم في البَيِّناتِ، فَكانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَتَوَقَّعَ التَّعْيِينَ، وخَصَّ مِن بَيْنِهِمْ مِن أُولِي العَزْمِ أبَوَيْنِ جامِعَيْنِ في الذُّرِّيَّةِ والرِّسالَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ لِتَبْيِينِ فَضْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي عَمَّ بِرِسالَتِهِ عُمُومًا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرِهِ، فَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أُرْسِلَ لِأهْلِ الأرْضِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا عَلى لِسانٍ واحِدٍ، وعُمُومُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأوْلادِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَصَّ بَعْدَهُما عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِن عُمُومِ الرِّسالَةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالنَّسْخِ والتَّشْرِيعِ، ثُمَّ مِن نُزُولِهِ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِالتَّقْرِيرِ والتَّجْدِيدِ فَقالَ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ والجَلالِ ﴿نُوحًا﴾ الأبَ الثّانِيَ، وجَعَلْنا الأغْلَبَ عَلى رِسالَتِهِ مَظْهَرَ الجَلالِ ﴿وإبْراهِيمَ﴾ أبا العَرَبِ والرُّومِ وبَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي أكْثَرُ الأنْبِياءِ مِن نَسْلِهِ، وجَعَلْنا الأغْلَبَ عَلى رِسالَتِهِ مَجْلى الإكْرامِ ﴿وجَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ﴾ المُقْتَضِيَةَ لِلْوَصْلَةِ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ لِتَنْفِيذِ الأوامِرِ (p-٣٠٤)﴿والكِتابَ﴾ الجامِعَ لِلْأحْكامِ الضّابِطَ لِلشَّرائِعِ بِأنِ اسْتَنْبَأْنا بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِما وأنْزَلْنا إلَيْهِمُ الكُتُبَ فَلا يُوجَدُ نَبِيٌّ ولا كِتابٌ إلّا وهو مُدْلٍ إلَيْهِما بِأمْتَنِ الأسْبابِ وأعْظَمِ الأنْسابِ.
ولَمّا كانَ مَظْهَرُ العَظَمَةِ مُقْتَضِيًا لِإشْقاءِ مَن أُرِيدَ إشْقاؤُهُ مَعَ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِ، كائِنًا مَن كانَ، سَواءٌ اتَّصَلَ بِالأوْلِياءِ أوِ الأعْداءِ لِئَلّا يَأْمَنَ أحَدٌ فَيَقَعَ في الخُسْرانِ أوْ يَيْأسَ أحَدٌ فَيَلْزَمَ الهَوانَ [قالَ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ ذُرِّيَّةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ ﴿مُهْتَدٍ﴾ هو بِعَيْنِ الرِّضا مِنّا -] وهو مَن لَزِمَ طَرِيقَ الأصْفِياءِ واسْتَمْسَكَ بِعَهْدِهِمْ ولَمْ يَزُغْ أصْلًا وإنْ كانَ مِن أوْلادِ الأعْداءِ.
ولَمّا كانَ مَن زاغَ بَعْدَ تَذْكِيرِهِ بِالكُتُبِ والرُّسُلِ، كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ ولَوْ أنَّهُ واحِدٌ فَكَيْفَ إذا كانَ كَثِيرًا، نَبَّهَ بِتَغْيِيرِ السِّياقِ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ الأغْلَبَ الضَّلالُ فَقالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ أيِ الذُّرِّيَّةِ المَوْصُوفِينَ ﴿فاسِقُونَ﴾ هم بِعَيْنِ السُّخْطِ وإنْ كانُوا أوْلادَ الأصْفِياءِ وهم مَن خالَفَ الأوْلِياءَ بِمُنابَذَةٍ أوِ ابْتِداعٍ أوْ زَيْغٍ عَنْ سَبِيلِهِمْ بِما لَمْ يَنْهَجُوهُ مِن تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ.
الحديد 57:27
ولَمّا كانَ مِن مَقاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ العُظْمى الإعْلامُ بِنَسْخِ الشَّرائِعِ كُلِّها بِشَرِيعَةِ هَذا النَّبِيِّ الفاتِحِ العامِّ الرِّسالَةِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ ﷺ، قالَ مُشِيرًا إلى عَظَمَةِ الإرْسالِ والرُّسُلِ بِأداةِ التَّراخِي: (p-٣٠٥)﴿ثُمَّ قَفَّيْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ تَقْفِيَةً لَها مِنَ العَظَمَةِ ما يَجِلُّ وصْفُهُ ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أيِ الأبَوَيْنِ المَذْكُورَيْنِ ومَن مَضى قَبْلَهُما مِنَ الرُّسُلِ، ولا يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى ”الذُّرِّيَّة“ لِأنَّها باقِيَةٌ مَعَ الرُّسُلِ وبَعْدَهم ﴿بِرُسُلِنا﴾ أيْ فَأرْسَلْناهم واحِدًا في أثَرِ واحِدٍ بَيْنَ ما لا يُحْصى مِنَ الخَلْقِ مِنَ الكَفَرَةِ مَحْرُوسِينَ مِنهم في الأغْلَبِ بِما تَقْتَضِيهِ العَظَمَةُ، لا نُنْشِئُ آثارَ الأوَّلِ مِنهم حَتّى نُرْسِلَ الَّذِي بَعْدَهُ في قَفاهُ،[ فَكُلُّ رَسُولٍ بَيْنَ يَدَيِ الَّذِي بَعْدَهُ، والَّذِينَ بَعْدَهُ في قَفاهُ -] فَهو مُقَفٍّ لَهُ لِأنَّ الأوَّلَ ذاهِبٌ إلى اللَّهِ والثّانِيَ تابِعٌ لَهُ، فَنَبِيُّنا ﷺ أعْرَقُ النّاسِ في هَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، ولِهَذا كانَ الوَصْفُ أحَدَ أسْمائِهِ.
ولَمّا كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أعْظَمَ مَن جاءَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَهو النّاسِخُ لِشَرِيعَتِهِ والمُؤَيَّدُ بِهِ هَذا النَّبِيُّ الخاتَمُ ﷺ في تَجْدِيدِ دِينِهِ وتَقْرِيرِ شَرِيعَتِهِ، وكانَ الزُّهْدُ والرَّأْفَةُ والرَّحْمَةُ في تابِعِيهِ في غايَةِ الظُّهُورِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهم مِنَ القَسْوَةِ المُنَبِّهَةِ سابِقًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لَها طُولُ الأمَدِ النّاشِئِ عَنْها الإعْراضُ عَنِ الآياتِ الحاضِرَةِ مَعَهُ والكِتابِ الباقِي بَعْدَهُ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ وأعادَ العامِلَ فَقالَ: ﴿وقَفَّيْنا﴾ أيْ أتْبَعْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلى آثارِهِمْ قَبْلَ أنْ تَدْرُسَ ﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وهو آخِرُ مَن قَبْلَ النَّبِيِّ الخاتَمِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأُمَّتُهُ أوَّلُ الأُمَمِ بِالأمْرِ بِاتِّباعِهِ ﷺ ﴿وآتَيْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ (p-٣٠٦)﴿الإنْجِيلَ﴾ كِتابًا ضابِطًا لِما جاءَ بِهِ مُقِيمًا لِمِلَّتِهِ مُبَيِّنًا لِلْقِيامَةِ مُبَشِّرًا بِالنَّبِيِّ العَرَبِيِّ مُوَضِّحًا لِأمْرِهِ مُكْثِرًا مِن ذِكْرِهِ ﴿وجَعَلْنا﴾ لِعِزَّتِنا ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، فَكانُوا عَلى مَناهِجِهِ ﴿رَأْفَةً﴾ أيْ أشَدَّ رِقَّةً عَلى مَن كانَ يَتَسَبَّبُ إلى الِاتِّصالِ بِهِمْ ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ رِقَّةً وعَطْفًا عَلى مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ في الصِّلَةِ بِهِمْ كَما كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم رُحَماءَ بَيْنَهم حَتّى كانُوا أذِلَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ قُلُوبَهم في غايَةِ الصَّلابَةِ فَهم أعِزَّةٌ عَلى الكافِرِينَ، وتَرْتِيبُ الوَصْفَيْنِ هَكَذا أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُما لَمْ يُقْصَدْ بِهِما مُراعاةُ الفَواصِلِ في ”رَءوفَ رَحِيم“ كَما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وتَقَدَّمَ في آخِرِ بَراءَةٍ أنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ لا يَحِلُّ التَّصْوِيبُ إلَيْهِ ولا التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وإنْ قالَهُ مَن قالَ ﴿ورَهْبانِيَّةً﴾ أيْ أُمُورًا حامِلَةً عَلى الرَّهْبِيَّةِ والتَّزَيِّي بِزِيِّها والعَمَلِ عَلى حَسَبِها مُبالَغَةً في العِبادَةِ والرِّياضَةِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ.
ولَمّا قَدَّمَ المَعْمُولَ لِفِعْلٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ بِما يُفَسِّرُهُ لِيَكُونَ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لَهُ إفْهامًا لِذَمِّ نَفْسِ الِابْتِداعِ، أتْبَعَهُ المُفَسِّرَ لِعامِلِهِ فَقالَ: ﴿ابْتَدَعُوها﴾ أيْ حَمَلُوا أنْفُسَهم عَلى عَمَلِها والتَّطْوِيقِ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم فِيها سَلَفٌ يَعْلَمُونَهُ أوْ يَكُونَ بِما صَرَّحَ بِهِ كِتابُهُ وإنْ كانَتْ مَقاصِدُهُ لا تَأْباها فاعْتَزَلُوا لِأجْلِها النّاسَ، وانْقَطَعُوا في الجِبالِ (p-٣٠٧)عَلى الِاسْتِئْناسِ، وكانَتْ لَهم [بِذَلِكَ] أخْبارٌ شائِعَةٌ في النَّواحِي والأمْصارِ، وفي التَّقْدِيمِ عَلى العامِلِ سِرٌّ آخَرُ وهو الصَّلاحِيَةُ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها لِئَلّا يُتَوَهَّمَ في لَفْظِ الِابْتِداعِ أنْ لا صُنْعَ لِلَّهِ فِيها ﴿ما كَتَبْناها﴾ أيْ فَرَضْناها [بِعَظَمَتِنا] ﴿عَلَيْهِمْ﴾ في كِتابِهِمْ ولا [عَلى] لِسانِ رَسُولِهِمْ ﴿إلا﴾ أيْ [لَكِنِ] ابْتَدَعُوها ﴿ابْتِغاءَ﴾ أيْ لِأجْلِ تَكْلِيفِهِمْ أنْفُسَهُمُ الوُقُوعَ بِغايَةِ الِاجْتِهادِ في تَصْفِيَةِ القُلُوبِ وتَهْذِيبِ النُّفُوسِ وتَزْكِيَةِ الأعْمالِ عَلى ﴿رِضْوانِ اللَّهِ﴾ أيِ الرِّضا العَظِيمِ مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ، وساقَ المُنْقَطِعَ مَساقَ المُتَّصِلِ إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ، وأنَّهُ ما تَرَكَ فَرْضَها عَلَيْهِمْ إلّا رَحْمَةً لَهم لِأجْلِ صُعُوبَتِها، وأنَّهُ صَيَّرَها بَعْدَ إلْزامِهِمْ بِها كالمَكْتُوبَةِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ حِينَئِذٍ: إلّا لِأجْلِ أنْ يَبْتَغُوا رِضْوانَهُ عَلى وجْهِ الثَّباتِ والدَّوامِ، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عَبْدِ] الحَكَمِ المِصْرِيُّ في كِتابِهِ ”فُتُوحُ مِصْرَ والمَغْرِبِ“: فَلَمّا أنْ أغْرَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ كَما حَدَّثَنا هانِئُ بْنُ المُتَوَكِّلِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ تُبَيْعٍ قالَ: اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ كانُوا آمَنُوا مِنَ السَّحَرَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى أهْلِهِ ومالِهِ بِمِصْرَ فَأذِنَ لَهم ودَعا لَهم فَتَرَهَّبُوا مَعَ رُؤُوسِ الجِبالِ، فَكانُوا أوَّلَ مَن (p-٣٠٨)تَرَهَّبَ، وكانَ يُقالُ لَهُمُ الشِّيعَةُ، وبَقِيَتْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ انْقَطَعَتِ الرَّهْبانِيَّةُ بَعْدَهم حَتّى ابْتَدَعَها بَعْدَ ذَلِكَ أصْحابُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ صُعُوبَتِها أنَّهم أضاعُوها بِالتَّقْصِيرِ عَنْ شُؤُونِها والسُّفُولِ عَنْ عَلْيائِها قالَ: ﴿فَما رَعَوْها﴾ أيْ حَفِظُوها كُلُّهم بِحِفْظِ مَن هو مُرْتاعٌ مِن خَوْفِ ضَياعِها ﴿حَقَّ رِعايَتِها﴾ بِصَوْنِ العِنايَةِ في رِعايَةِ الأعْمالِ والأحْوالِ والأقْوالِ، فَصَوْنُ الأعْمالِ تَوْفِيرُها لِتَحْقِيرِها مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلَيْها، ورِعايَةُ الأحْوالِ عِنْدَ الِاجْتِهادِ مَن أتاهُ والحالُ دَعْوى، ورِعايَةُ الوَقْتِ الوُقُوفُ مَعَ حُضُورٍ عَلى بِساطِ شُهُودِ الجَلالِ - ذَكَرَهُ الرّازِيُّ. بَلْ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ البَشَرِ فَقَصَّرَ بَعْضُهم عَنْ عالِي مَداها، وانْحَطُّوا عَنْ شامِخِ ذُراها، هَذا تَنْفِيرٌ عَظِيمٌ عَنِ البِدَعِ، وحَثٌّ شَدِيدٌ عَلى لُزُومِ ما سَنَّهُ اللَّهُ وشَرَعَ، وتَحْذِيرٌ مِنَ التَّشْدِيدِ، فَإنَّهُ لَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ وهو التَّرْحالُ إلى البِدْعَةِ ولِهَذا أكْثَرَ في أهْلِ الرَّهْبانِيَّةِ المُرُوقُ مِنَ الدِّينِ بِالِاتِّحادِ والحُلُولِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَلايا ولَوْ كانَ يُظْهِرُ أنَّ التَّشَدُّدَ والتَّعَمُّقَ خَيْرٌ لِأنَّ الشّارِعَ الَّذِي أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ نَهى عَنْهُ، وقَدْ أفادَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّهُ قَدْ يَغُرُّ لِأنَّ هَؤُلاءِ ابْتَدَعُوا ما أرادُوا الخَيْرَ، فَكانَ داعِيًا لِكَثِيرٍ مِنهم إلى دارِ البَوارِ، وفِيهِ أيْضًا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى المُداوَمَةِ عَلى ما اعْتِيدَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ خُصُوصًا، ما عَمِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَلًا إلّا داوَمَ عَلَيْهِ، وكانَ يَنْهى (p-٣٠٩)عَنِ التَّعَمُّقِ في الدِّينِ، ويَأْمُرُ بِالرِّفْقِ والقَصْدِ.
ولَمّا كانَتْ مُتابَعَةُ النَّفْسِ في التَّقْصِيرِ بِالإفْراطِ قَدْ تُوصِلُ إلى المُرُوقِ مِنَ الدِّينِ فَيُوجِبُ الكُفْرَ فَيَحُطُّ عَلى الهَلاكِ كُلِّهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآتَيْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ الكامِلِ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ بِالماضِي بَعْدَ إرادَةِ التَّعْمِيمِ لِلْأدْنى والأعْلى إشارَةً إلى أنَّ المُتَعَمِّقَ بَيْنَ إيمانٍ وكُفْرٍ لا تُجَرَّدُ مَعْصِيَتُهُ كَما أشارَ إلَيْهِ خَتْمُ الآيَةِ فَهو في غايَةِ الذَّمِّ لِلتَّعَمُّقِ والمَدْحِ لِلِاقْتِصادِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن هَؤُلاءِ المُبْتَدِعِينَ لِأنَّهم رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ووَصَلُوا إيمانَهم بِعِيسى ومَن قَبْلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي دَعا إلَيْهِ الخُرُوجُ عَنِ النَّفْسِ الَّذِي هو رُوحُ الرَّهْبانِيَّةِ بِمُوافَقَتِهِمْ لِما في كِتابِهِمْ مِنَ البَشائِرِ بِهِ ﴿أجْرَهُمْ﴾ أيِ اللّائِقَ بِهِمْ وهو الرِّضْوانُ المُضاعَفُ.
ولَمّا كانَتْ مُتابَعَةُ الأهْواءِ تُكْسِبُ صِفاتٍ ذَمِيمَةً تَصِيرُ مَلَكاتٍ راسِخَةً لِلْأنْفُسِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالعُدُولِ عَنِ النَّهْجِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا فَضَيَّعُوا ﴿فاسِقُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في وصْفِ الخُرُوجِ عَنِ الحُدُودِ الَّتِي حَدَّها اللَّهُ تَعالى، رَوى البَغْوِيُّ (p-٣١٠)مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن آمَنَ بِي فَقَدْ رَعاها [حَقَّ رِعايَتِها]، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِي فَأُولَئِكَ هُمُ الهالِكُونَ» - انْتَهى. ومِثْلُ هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةِ في أنَّها لا تَأْباها قَواعِدُ الدِّينِ ما يَفْهَمُهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَيَتَذَكَّرُهُ، فَيَكُونُ أخْذُنا لَهُ مِنَ الأُصُولِ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْها لا مِنهُ، كَما أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم [كانُوا] يَفْعَلُونَ أشْياءَ فَإنْ قَرَّرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ كانَتْ شَرْعًا لَنا وكُنّا آخِذِينَ لَها مِن تَفْسِيرِهِ ﷺ لا مِنهُمْ، فَإنَّ مَن مَلَّكَهُ اللَّهُ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ في شَيْءٍ وأمْكَنَهُ فِيهِ مِنَ القَواعِدِ فَأدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى أنَّ هَذا مَندُوبٌ إلَيْهِ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَثَلًا، كانَ ذَلِكَ بِما يَشْهَدُ لَهُ مِن قَواعِدِ الدِّينِ بِمَنزِلَةِ ما قالَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُقَرِّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنَفْسِهِ أوْ بِقَواعِدِ شَرِيعَتِهِ، ومَهْما كانَ مُقَرَّرًا بِقَواعِدِ شَرْعِهِ كانَ عَلَيْهِ أمْرُهُ، ومَهْما لَمْ يَكُنْ مُقَرَّرًا بِها كانَ مِمّا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُهُ فَهو رَدٌّ عَلى قائِلِهِ، فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ البِدَعِ الحَسَنَةِ والبِدَعِ القَبِيحَةِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ، وذَكَرَ ابْنُ بُرْجانَ تَنْزِيلَ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ» فَذَكَرَ أنَّ أصْحابَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلُوا بَعْدَهُ بِالإنْجِيلِ حَتّى قامَ فِيهِمْ مَلِكٌ بَدَّلَ كِتابَهُمْ، وشايَعَهُ عَلى ذَلِكَ رُومٌ ويُونانٌ، فَضَعُفَ أهْلُ الإيمانِ، فاسْتَذَلُّوهم حَتّى هَرَبُوا إلى البَرارِي، وعَمِلُوا الصَّوامِعَ (p-٣١١)وابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ، وكَذَلِكَ كانَ في هَذِهِ لِتَصْدِيقِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ فَإنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبِعَهُ خُلَفاؤُهُ بِإحْسانٍ، فَلَمّا مَضَتِ الخِلافَةُ الرّاشِدَةُ تَراكَمَتِ الفِتَنُ كَما أخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واشْتَدَّ البَلاءُ عَلى المُتَمَسِّكِينَ بِصَرِيحِ الإيمانِ، ورُجِمَ البَيْتُ العَتِيقُ بِحِجارَةِ المَنجَنِيقِ وهُدِمَ، وقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما واسْتُبِيحَتْ مَدِينَةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقُتِلَ خِيارُ مَن فِيها فَرَأى المُسْلِمُونَ العُزْلَةَ واجِبَةً، فَلَزِمُوا الزَّوايا والمَساجِدَ وابْتَنَوُا الرَّوابِطَ عَلى سَواحِلِ البَحْرِ وأخَذُوا في الجِهادِ لِلْعَدُوِّ والنُّفُوسِ، وعالَجُوا تَصْفِيَةَ أخْلاقِهِمْ ولَزِمُوا الفَقْرَ أخْذًا مِن أحْوالِ أهْلِ الصُّفَّةِ، وتَسَمَّوْا بِالصُّوفِيَّةِ وتَكَلَّمُوا عَلى الوَرَعِ والصِّدْقِ والمَنازِلِ والأحْوالِ والمَقاماتِ فَهَؤُلاءِ وِزانُ أُولَئِكَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ذِكْرُ ما في الإنْجِيلِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي تُوجِبُ الزُّهْدَ في الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى اللَّهِ الَّتِي يَصِحُّ تَمَسُّكُ أهْلِ هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةِ بِها: قالَ مَتّى وغَيْرُهُ وأغْلَبُ السِّياقِ لِمَتّى: إنْ أخْطَأ عَلَيْكَ أخُوكَ فاذْهَبْ أعْتِبْهُ وحْدَكُما، فَإنْ سَمِعَ مِنكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أخاكَ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنكَ [فَخُذْ مَعَكَ-] واحِدًا أوِ اثْنَيْنِ، لِأنَّ مِن فَمِ شاهِدَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ تَقُومُ كُلُّ كَلِمَةٍ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْ (p-٣١٢)مِنهم فَقُلْ لِلْبَيْعَةِ، فَإنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ البَيْعَةِ فَيَكُونُ عِنْدَكَ كالوَثَنِيِّ والعَشّارِ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ، وقالَ لُوقا: انْظُرُوا [الآنَ] إنْ أخْطَأ إلَيْكَ أخُوكَ فانْهَهُ، فَإنْ تابَ فاغْفِرْ لَهُ، فَإنْ أخْطَأ إلَيْكَ سَبْعَ دُفْعاتٍ في اليَوْمِ ورَجَعَ إلَيْكَ سَبْعَ دُفْعاتٍ يَقُولُ لَكَ: أنا تائِبٌ، فاغْفِرْ لَهُ، وقالَ مَتّى: حِينَئِذٍ جاءَ إلَيْهِ بُطْرُسُ وقالَ لَهُ: إذا أخْطَأ إلَيَّ أخِي لَمْ أغْفِرْ لَهُ سَبْعَ مَرّاتٍ، قالَ: لَيْسَ أقُولُ لَكَ إلى سَبْعِ مَرّاتٍ، بَلْ إلى سَبْعِينَ مَرَّةً، ولِهَذا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ مَلِكًا أرادَ أنْ يُحاسِبَ عَبِيدَهُ، فَلَمّا بَدَأ بِمُحاسَبَتِهِمْ قُدِّمَ إلَيْهِ عَبْدٌ مَدْيُونٌ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وزْناتٍ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ ما يُوَفِّي، فَأمَرَ سَيِّدَهُ أنْ تُباعَ امْرَأتُهُ وبَنُوهُ وكُلُّ ما لَهُ حَتّى يُوَفِّيَ، فَخَرَّ ذَلِكَ العَبْدُ [لَهُ] ساجِدًا قائِلًا: يا رَبُّ، تَرَأَّفْ عَلَيَّ تَأنَّ، أُوَفِّكَ كُلَّ مالِكَ، فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ وتَرَكَ لَهُ كُلَّ ما عَلَيْهِ، فَخَرَجَ ذَلِكَ العَبْدُ فَوَجَدَ عَبْدًا مِن أصْدِقائِهِ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينارٍ فَأمْسَكَهُ وخَنَقَهُ وقالَ: أعْطِنِي ما عَلَيْكَ، فَخَرَّ ذَلِكَ العَبْدُ عَلى رِجْلَيْهِ وطَلَبَ [إلَيْهِ] قائِلًا: تَرَأَّفْ عَلَيَّ فَأنا أُعْطِيكَ مالَكَ، فَأبى ومَضى وتَرَكَهُ في السِّجْنِ حَتّى يُوَفِّيَ الدَّيْنَ، فَرَأى العَبْدُ أصْحابَهُ فَحَزِنُوا عَلَيْهِ [جِدًّا] وأعْلَمُوا سَيِّدَهُ بِكُلِّ ما كانَ مِنهُ، حِينَئِذٍ دَعاهُ سَيِّدُهُ وقالَ لَهُ: أيُّها العَبْدُ الشِّرِّيرُ! كُلُّ ما كانَ عَلَيْكَ تَرَكْتُ بِذَلِكَ لِأنَّكَ سَألْتَنِي، ما كانَ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَرْحَمَ ذَلِكَ العَبْدَ صاحِبَكَ كَرَحْمَتِي (p-٣١٣)إيّاكَ، وغَضِبَ سَيِّدُهُ ودَفَعَهُ إلى المُعَذِّبِينَ حَتّى يُوَفِّيَ جَمِيعَ ما عَلَيْهِ، هَكَذا أبِي السَّماوِيُّ يَصْنَعُ بِكم إنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِإخْوانِكم سَيِّئاتِهِمْ مِن كُلِّ قُلُوبِكُمْ، فَلَمّا أكْمَلَ يَسُوعُ هَذا الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ الجَلِيلِ وجاءَ إلى تُخُومِ يَهُودَ عَبْرَ الأُرْدُنِّ فَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ فَأبْرَأهم هُناكَ، قالَ لُوقا: فَلَمّا أكْمَلَ أيّامَ صُعُودِهِ أقْبَلَ بِوَجْهِهِ إلى يَرُوشَلِيمَ، وأرْسَلَ مُخْبِرِينَ قُدّامَ وجْهِهِ فَمَضَوْا ودَخَلُوا قَرْيَةَ السّامِرَةِ، لِكَيْما يُعِدُّوا لَهُ فَلَمْ يَقْبَلُوهُ فَقالَ تِلْمِيذاهُ يَعْقُوبُ ويُوحَنّا: يا رَبُّ تُرِيدُ أنْ نَقُولَ فَتَنْزِلَ عَلَيْهِمْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُهْلِكُهم كَما فَعَلَ إلْيا، فالتَفَتَ فَنَهَرَهُما قائِلًا: لَسْتُما تَعْرِفانِ أيَّ رُوحٍ أنْتُما، إنَّ ابْنَ البَشَرِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ نُفُوسَ النّاسِ بَلْ يُحْيِيَ، ومَضى إلى قَرْيَةٍ أُخْرى، وقالَ مَتّى: حِينَئِذٍ قُدِّمَ إلَيْهِ صِبْيانٌ لِيَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ ويُبارِكَهم فَنَهَرَهُمُ التَّلامِيذُ فَقالَ لَهم يَسُوعُ: دَعُوا الصِّبْيانَ ولا تَمْنَعُوهم أنْ يَأْتُوا إلَيَّ لِأنَّ مَلَكُوتَ السَّماواتِ لِمِثْلِ هَؤُلاءِ، ووَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ وبارَكَ لَهُمْ، وقالَ مَرْقَسُ: الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ، إنَّ مَن لا يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللَّهِ مِثْلَ صَبِيٍّ لا يَدْخُلُها، واحْتَضَنَهم ووَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ وبارَكَهُمْ، وقالَ مَتّى: ومَضى مِن هُناكَ وجاءَ إلَيْهِ واحِدٌ وقالَ: يا مُعَلِّمٌ صالِحٌ - وقالَ مَرْقَسُ: أيُّها المُعَلِّمُ الصّالِحُ - ما أعْمَلُ مِنَ (p-٣١٤)الصَّلاحِ لِأرِثَ الحَياةَ الدّائِمَةَ، قالَ لَهُ: لِماذا تَقُولُ: صالِحٌ، ولا صالِحَ إلّا اللَّهَ الواحِدَ، إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ تُدْخَلَ الحَياةَ احْفَظِ الوَصايا، قالَ لَهُ: وما هِيَ؟ قالَ يَسُوعُ: لا تَقْتُلْ ولا تَسْرِقْ ولا تَزْنِ ولا تَشْهَدِ الزُّورَ، وقالَ مَرْقَسُ: لا تَجُرْ، أكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ - حِبَّ قَرِيبَكَ مِثْلَكَ، قالَ لَهُ الشّابُّ: كُلُّ هَذا قَدْ حَفِظْتُهُ مِن صِغَرِي، قالَ لَهُ يَسُوعُ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ تَكُونَ كامِلًا فاذْهَبْ، وقالَ مَرْقَسُ: [فَنَظَرَ إلَيْهِ يَسُوعُ وأحَبَّهُ، وقالَ: تُرِيدُ أنْ تَكُونَ كامِلًا-]، واحِدَةٌ بَقِيَتْ عَلَيْكَ: امْضِ وبِعْ كُلَّ شَيْءٍ لَكَ وأعْطِهِ لِلْمَساكِينِ لِيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ في السَّماءِ وتَعالَ اتْبَعْنِي، فَلَمّا سَمِعَ الشّابُّ الكَلامَ مَضى حَزِينًا لِأنَّهُ كانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، فَقالَ يَسُوعُ لِتَلامِذَتِهِ: الحَقَّ أقُولُ [لَكُمْ]! إنَّهُ يَعْسُرُ عَلى الغَنِيِّ الدُّخُولُ إلى مَلَكُوتِ السَّماءِ، وأيْضًا أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ أسْهَلُ أنْ يَدْخُلَ الجَمَلُ في ثَقْبِ الإبْرَةِ مِن غَنِيٍّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ، فَلَمّا سَمِعَ التَّلامِيذُ بُهِتُوا جِدًّا وقالُوا: مَن يَقْدِرُ أنْ يُخْلِصَ، فَنَظَرَ يَسُوعُ وقالَ لَهُمْ: أمّا عِنْدَ النّاسِ فَلا يُسْتَطاعُ هَذا، وأمّا عِنْدَ اللَّهِ فَكُلٌّ يُسْتَطاعُ، حِينَئِذٍ أجابَ بُطْرُسُ وقالَ لَهُ: هو ذا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنا كُلَّ شَيْءٍ وتَبِعْناكَ، فَماذا عَسى أنْ يَكُونَ لَنا، قالَ لَهم يَسُوعُ: الحَقُّ والحَقَّ أقُولُ [لَكُمْ]! أنْتُمُ الَّذِينَ اتَّبَعْتُمُونِي في الجَبَلِ الآتِي إذا جَلَسَ ابْنُ الإنْسانِ عَلى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ تَجْلِسُونَ (p-٣١٥)أنْتُمْ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا، تَدِينُونَ اثْنَيْ عَشَرَ سَبْطَ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلُّ مَن تَرَكَ بَنِينَ أوْ أخًا أوْ أخَواتٍ أوْ أبًا أوْ أُمًّا أوِ امْرَأةً أوْ بَيْتًا أوْ حَقْلًا مِن أجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِائَةَ ضِعْفٍ ويَرِثُ حَياةَ الأبَدِ، وقالَ [لُوقا: ما مِن أحَدٍ تَرَكَ مَنزِلًا أوْ والِدَيْنِ أوْ إخْوَةً أوِ امْرَأةً أوْ مالًا مِن أجْلِ مَلَكُوتِ اللَّهِ إلّا ويَنالُ العِوَضَ أضْعافًا كَثِيرَةً في هَذا الزَّمانِ وفي الدَّهْرِ الآتِي حَياةَ الأبَدِ، وقالَ] مَتّى وغَيْرُهُ: كَثِيرًا أوَّلُونَ يَصِيرُونَ آخِرِينَ: وآخِرُونَ يَصِيرُونَ أوَّلِينَ، يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ إنْسانًا رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ الغَداةَ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ، فَشارَكَ الأُكْرَةَ عَلى دِينارٍ واحِدٍ في اليَوْمِ - إلى آخِرِ ما مَضى في الأعْرافِ مِنَ البِشارَةِ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في مِثْلِ الفَعَلَةِ في الكَرْمِ الَّذِي فُضِّلَ آخِرُهم وهو العامِلُ قَلِيلًا عَلى مَن عَمِلَ أكْثَرَ النَّهارِ وقَدْ ساقَهُ ابْنُ بُرْجانَ في آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الحَدِيدِ عَنِ الإنْجِيلِ بِعِبارَةٍ أُخْرى تَفْسِيرًا كَثِيرًا مِن عِبارَةِ النُّسْخَةِ الَّتِي نَقَلْتُ ذاكَ مِنها، فَأحْبَبْتُ أنْ أذْكُرَ عِبارَةَ ابْنِ بُرْجانَ هُنا تَكْمِيلًا لِلْفائِدَةِ، قالَ: وفي الكِتابِ الَّذِي [يُذْكَرُ] أنَّهُ الإنْجِيلُ: وكَثِيرًا يَتَقَدَّمُ الآخِرُونَ الأوَّلِينَ ويَكُونُ [الأوَّلُونَ] ساقَةَ الآخِرِينَ، ولِذَلِكَ يُشَبَّهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ بِرَجُلٍ مَلِيٍّ خَرَجَ في اسْتِئْجارِ الأعْوانِ لِحَفْرِ كَرْمٍ في (p-٣١٦)أوَّلِ النَّهارِ، وعامَلَ كُلَّ واحِدٍ في نَهارِهِ عَلى دِرْهَمٍ ثُمَّ أدْخَلَهم كَرْمَهُ، فَلَمّا كانَ في السّاعَةِ الثّالِثَةِ بَصُرَ لِغَيْرِهِمْ في الرِّحابِ لا شُغْلَ لَهم فَقالَ: اذْهَبُوا أنْتُمْ [أيْضًا] إلى الكَرْمِ وسَآمُرُ لَكم بِحُقُوقِكُمْ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ في السّاعَةِ السّادِسَةِ [والتّاسِعَةِ]، فَلَمّا كانَ في السّاعَةِ الإحْدى عَشْرَةَ وجَدَ غَيْرَهم وُقُوفًا فَقالَ لَهُمْ: لِمَ وقَفْتُمْ هُنا طُولَ نَهارِكم دُونَ عَمَلٍ؟ فَقالُوا لَهُ: إنّا لَمْ يَسْتَأْجِرْنا أحَدٌ، فَقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا أنْتُمْ سَآمُرُ لَكم بِحُقُوقِكُمْ، فَلَمّا انْقَضى النَّهارُ قالَ لِوَكِيلِهِ: ادْعُ الأعْوانَ وأعْطِهِمْ أُجْرَتَهم وابْدَأْ بِالآخِرِينَ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى الأوَّلِينَ، فَبَدَأ بِالَّذِينِ دَخَلُوا في السّاعَةِ الإحْدى عَشْرَةَ وأعْطى كُلَّ واحِدٍ [مِنهُمْ] دِرْهَمًا، فَأقْبَلَ الأوَّلُونَ وهُمُ الَّذِينَ يَرْجُونَ الزِّيادَةَ، فَأعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم دِرْهَمًا، فاسْتَذْكَرُوا ذَلِكَ عَلى صاحِبِ الكَرْمِ وقالُوا: سَوَّيْتَنا بِالَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ في شُخُوصِنا طُولَ نَهارِنا وعَذابِنا بِحَرارَتِهِ، فَأجابَ أحَدَهم وقالَ: لَسْتُ أظْلِمُكَ يا صَدِيقُ، أما عامَلْتَنِي عَلى دِرْهَمٍ فَخُذْ حَقَّكَ وانْطَلِقْ فَإنَّهُ يُوافِقُنِي أنْ أُعْطِيَ الآخَرَ كَما أعْطَيْتُكَ، أفَلا يَحِلُّ لِي ذَلِكَ؟ وإنْ كُنْتَ حَسُودًا فَإنِّي أنا رَحِيمٌ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُ الآخِرُونَ الأوَّلِينَ، ويَكُونُ الأوَّلُونَ ساقَةَ الآخِرِينَ فالمَدْعُوُّونَ كَثِيرٌ، والخَيِّرُونَ قَلِيلٌ، وذَكَرَ ابْنُ بُرْجانَ أنَّ السّاعَةَ السّادِسَةَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابِهِ (p-٣١٧)فِي أوَّلِ الأمْرِ والتّاسِعَةَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ والحادِيَةَ عَشْرَةَ لِآخِرِ الزَّمانِ - كَأنَّهُ يَعْنِي ما بَعْدَ الدَّجّالِ مِن أيّامِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي يَكُونُ فِيها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُجَدَّدًا، ولِهَذا جَعَلَهُما النَّبِيُّ ﷺ الَّتِي يَكُونُ فِيها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُجَدَّدًا، ولِهَذا جَعَلَهُما النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ الصَّحِيحِ شَيْئًا واحِدًا مِنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ قالَ مَتّى في بَقِيَّةِ ما مَضى مِنَ الإنْجِيلِ في النُّسْخَةِ الَّتِي نَقَلْتُ مِنها عَقِبَ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ في الأعْرافِ: فَصَعِدَ يَسُوعُ إلى يَرُوشَلِيمَ وأخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، حِينَئِذٍ جاءَتْ إلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي - هُما يَعْقُوبُ ويُوحَنّا - مَعَ ابْنَيْها وسَجَدَتْ لَهُ، فَقالَ لَها: ماذا تُرِيدِينَ؟ قالَتْ: أنْ يَجْلِسَ ابْنايَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ والآخَرُ عَنْ يَسارِكَ في مَلَكُوتِكَ، أجابَ يَسُوعُ: أمّا جُلُوسُهُما عَنْ يَمِينِي ويَسارِي فَلَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أعَدَّهُ لَهُمُ رَبِّي، فَلَمّا سَمِعَ العَشْرَةُ تَقَمْقَمُوا عَلى الآخَرِينَ - وقالَ مَرْقَسُ: عَلى يَعْقُوبَ ويُوحَنّا - فَدَعاهم يَسُوعُ وقالَ لَهُمْ: أما عَلِمْتُمْ [أنَّ] رُؤَساءَ الأُمَمِ يُسَوِّدُونَهم وعُظَماءَهم مُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ، لَيْسَ هَكَذا يَكُونُ فِيكُمْ، لَكِنْ مَن أرادَ أنْ يَكُونَ فِيكم كَبِيرًا فَيَكُونَ لَكم خادِمًا، ومَن أرادَ أنْ يَكُونَ فِيكم أوَّلًا فَيَكُونَ لَكم عَبْدًا، وقالَ مَرْقَسُ: فَيَكُونُ آخِرًا لِلْكُلِّ وخادِمًا لِلْجَمِيعِ، كَذَلِكَ ابْنُ (p-٣١٨)الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، ويَبْذُلَ نَفْسَهُ فِداءً عَنْ كَثِيرٍ، فَلَمّا خَرَجَ مِن أرِيحا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ وإذا أعْمَيانِ جالِسانِ عَلى الطَّرِيقِ فَسَمِعا أنَّ يَسُوعَ مُجْتازٌ فَصَرَخا قائِلَيْنِ: ارْحَمْنا يا رَبُّ يا ابْنَ داوُدَ، فَوَقَفَ يَسُوعُ ودَعاهُما وقالَ لَهُما: ما تُرِيدانِ أنْ أفْعَلَ لَكُما، قالا لَهُ: يا رَبُّ، أنْ تَفْتَحَ أعْيُنَنا، فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ ولَمَسَ أعْيُنَهُما ولِلْوَقْتِ أبْصَرَتْ أعْيُنُهُما وتَبِعاهُ، وعِبارَةُ مَرْقَسَ عَنْ ذَلِكَ: وجاءَ إلى أرِيحا وخَرَجَ مِن هُناكَ وتَبِعَهُ تَلامِيذُهُ وجَمْعٌ كَثِيرٌ وإذا طَيْماسُ بْنُ طَيْماسَ الأعْمى جالِسٌ يَسْألُ عَنِ الطَّرِيقِ - وقالَ لُوقا: يَتَوَسَّلُ - فَسَمِعَ الجَمْعَ المُجْتازَ فَسَألَ: ما هَذا، فَأخْبَرُوهُ أنَّ يَسُوعَ النّاصِرِيَّ جاءَ، [و]قالَ مَرْقَسُ: فَلَمّا سَمِعَ بِأنَّ يَسُوعَ مُقْبِلٌ بَدَأ يَصِيحُ ويَقُولُ: يا يَسُوعُ النّاصِرِيُّ بْنُ داوُدَ ارْحَمْنِي، فانْتَهَرُوهُ لِيَسْكُتَ، فازْدادَ صِياحًا قائِلًا: يا رَبُّ يا ابْنَ داوُدَ، ارْحَمْنِي، فَوَقَفَ يَسُوعُ وقالَ: ادْعُوهُ، فَدُعِيَ [الأعْمى] وقالُوا لَهُ: ثِقْ وقُمْ فَإنَّهُ يَدْعُوكَ، وطَرَحَ ثَوْبَهُ ونَهَضَ وجاءَ إلى يَسُوعَ فَأجابَهُ يَسُوعُ وقالَ لَهُ: ما تُرِيدُ أنْ أصْنَعَ بِكَ؟ فَقالَ لَهُ الأعْمى: يا مُعَلِّمُ، وقالَ لُوقا: يا رَبُّ - أنْ أُبْصِرَ، فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ إيمانُكَ خَلَّصَكَ، ولِلْوَقْتِ أبْصَرَ، وتَبِعَهُ في الطَّرِيقِ - قالَ لُوقا: يُمَجِّدُ اللَّهَ - وكانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِينَ رَأوْهُ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ.
وقالَ أيْضًا: وكانَ بَيْنَما هو مُنْطَلِقٌ إلى يَرُوشَلِيمَ اجْتازَ بَيْنَ السّامِرَةِ والجَلِيلِ، وفِيما هو داخِلٌ (p-٣١٩)إلى إحْدى القُرى اسْتَقْبَلَهُ عَشْرَةُ رِجالٍ بُرْصٍ فَوَقَفُوا مِن بَعِيدٍ ورَفَعُوا أصْواتَهم قائِلِينَ: يا يَسُوعُ المُعَلِّمُ ارْحَمْنا! فَنَظَرَ إلَيْهِمْ وقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا وأرُوا أنْفُسَكم لِلْكَهَنَةِ، وفِيما هم مُنْطَلِقُونَ طَهُرُوا، فَلَمّا رَأى أحَدُهم أنَّهُ قَدْ طَهُرَ رَجَعَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ يُمَجِّدُ اللَّهَ وخَرَّ عَلى وجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ شاكِرًا لَهُ، وكانَ سامِرِيًّا، أجابَ يَسُوعُ وقالَ: ألَيْسَ العَشْرَةُ قَدْ طَهُرُوا فَأيْنَ التِّسْعَةُ، ألَمْ يَجِدُوا لِيَرْجِعُوا ويُمَجِّدُوا اللَّهَ ما خَلا هَذا الغَرِيبَ، ثُمَّ قالَ لَهُ: قُمْ فامْضِ، إيمانُكَ خَلَّصَكَ.
قالَ مَتّى: ولَمّا قَرُبُوا مِن يَرُوشَلِيمَ وجاؤُا إلى بَيْتِ فاجِي عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ - وقالَ [مَرْقَسُ]: عِنْدَ بابِ فاجِي وبَيْتِ عَنْيا جانِبَ طُورِ الزَّيْتُونِ - قالَ مَتّى: حِينَئِذٍ أرْسَلَ يَسُوعُ اثْنَيْنِ مِن تَلامِيذِهِ: وقالَ لَهُما: اذْهَبا إلى القَرْيَةِ الَّتِي أمامَكُما فَتَجِدانِ أتانَةً مَرْبُوطَةً وجَحْشًا مَعَها فَحُلّاهُما وائْتِيانِي بِهِما! فَإنْ قالَ لَكُما أحَدٌ شَيْئًا فَقُولا لَهُ: إنَّ الرَّبَّ مُحْتاجٌ إلَيْهِما! فَهو يُرْسِلُهُما لِلْوَقْتِ، كانَ هَذا لِيَتِمَّ ما قِيلَ في النَّبِيِّ القائِلِ قُولُوا لِابْنَةِ صِهْيَوْنَ هو ذا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ مُتَواضِعًا راكِبًا عَلى أتانَةٍ (p-٣٢٠)وجَحْشٍ ابْنِ أتانَةٍ، فَذَهَبَ التِّلْمِيذانِ وصَنَعا كَما أمَرَهُما يَسُوعُ، فَأتَيا بِالأتانَةِ والجَحْشِ وتَرَكُوا ثِيابَهم عَلَيْهِما، وجَلَسَ مَعَهُما، وجَمْعٌ كَثِيرٌ فَرَشُوا ثِيابَهم في الطَّرِيقِ [وآخَرُونَ قَطَعُوا أغْصانًا مِنَ الشَّجَرِ وفَرَشُوها في الطَّرِيقِ]، وعِبارَةُ مَرْقَسَ عَنْ ذَلِكَ: تَجِدُ أنَّ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَرْكَبْهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ قَطُّ، فَحُلّاهُ وائْتِيا بِهِ، فَإنْ قالَ لَكُما أحَدٌ: ما تَفْعَلانِ بِهَذا؟ فَقُولا: إنَّ الرَّبَّ مُحْتاجٌ إلَيْهِ فَمِن ساعَةٍ يُرْسِلُهُ، فَذَهَبا ووَجَدا الجَحْشَ مَرْبُوطًا عِنْدَ البابِ خارِجًا عَلى الطَّرِيقِ فَحَلّاهُ فَقالَ لَهُما قَوْمٌ مِنَ القِيامِ هُناكَ: ما تَصْنَعانِ؟ فَقالا لَهم كَما قالَ يَسُوعُ فَتَرَكُوهُما، وجاءا بِالجَحْشِ إلى يَسُوعَ فَألْقَوْا عَلَيْهِمْ ثِيابَهم وجَلَسَ عَلَيْهِمْ وكَثِيرٌ بَسَطُوا ثِيابَهم في الطَّرِيقِ وآخَرُونَ [قَطَعُوا] أغْصانًا مِنَ الحَقْلِ وفَرَشُوها في الطَّرِيقِ.
قالَ مَتّى: والجَمْعُ الَّذِي تَقَدَّمَهُ والَّذِي تَبِعُوا صَرَخُوا قائِلِينَ: أوْصِنا يا ابْنَ داوُدَ مُبارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ، قالَ مَرْقَسُ: ومُبارَكَةٌ المَمْلَكَةُ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ لِأبِينا داوُدَ أوْصِنا في العَلاءِ، وقالَ لُوقا: وكانَ لَمّا قَرُبَ مِن مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ بَدَأ جَمْعُ المَلَأِ والتَّلامِيذِ (p-٣٢١)[يَفْرَحُونَ و] يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويُمَجِّدُونَهُ بِجَمِيعِ الأصْواتِ مِن أجْلِ جَمِيعِ القُوّاتِ الَّتِي نَظَرُوا قائِلِينَ: تَبارَكَ المَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ والسَّلامَةُ في السَّماءِ والمَجْدُ في العُلا، وقَوْمٌ مِنَ الفَرِيسِيِّينَ مِن بَيْنِ الجَمْعِ قالُوا لَهُ: يا مُعَلِّمُ انْتَهِرْ تَلامِيذَكَ، فَقالَ لَهُمْ: إنْ سَكَتَ التَّلامِيذُ نَطَقَتِ الحِجارَةُ، فَلَمّا قَرُبَ نَظَرَ المَدِينَةَ وبَكى عَلَيْها وقالَ: لَوْ عَلِمْتِ في هَذا اليَوْمِ ما لَكِ فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ، فَأمّا الآنَ فَإنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ، وسَوْفَ تَأْتِي أيّامٌ تَلْقى أعْداؤُكِ مَعْلَمَكِ ويُحِيطُونَ بِكِ ويُضَيِّقُونَ عَلَيْكِ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ ويَقْتُلُونَكِ وبَنِيكِ فِيكِ ولا يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا، وقالَ مَتّى: فَلَمّا دَخَلَ إلى يَرُوشَلِيمَ ارْتَجَّتِ المَدِينَةُ كُلُّها قائِلِينَ: مَن هَذا؟ فَقالَ الجَمْعُ: هَذا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي هو مِن ناصِرَةِ الجَلِيلِ، فَدَخَلَ يَسُوعُ إلى هَيْكَلِ اللَّهِ وأخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَبِيعُونَ ويَشْتَرُونَ في الهَيْكَلِ وقَلَبَ مَوائِدَ الصَّيارِفِ وكَراسِيَّ باعَةِ الحَمامِ وقالَ لَهُمْ: مَكْتُوبٌ أنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاةِ يُدْعى، وأنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغارَةً لِلُّصُوصِ. وقالَ يُوحَنّا: فَصَعِدَ يَسُوعُ إلى يَرُوشَلِيمَ فَوَجَدَ في الهَيْكَلِ باعَةَ البَقَرَةِ والكِباشِ والحَمامِ وصَيارِفَ جُلُوسًا، فَصَنَعَ (p-٣٢٢)مُحَضَّرَةً مِن حَبْلٍ وأخْرَجَ جَمِيعَهم مِنَ الهَيْكَلِ فَطَرَدَ البَقَرَ والخِرافَ وبَدَّدَ دَراهِمَ الصَّيارِفِ وقَلَبَ مَوائِدَهُمْ، [و]قالَ مَتّى: وقَدِمَ [إلَيْهِ] عُمْيانٌ وعُرْجٌ في الهَيْكَلِ فَشَفاهُمْ، فَرَأى رُؤَساءُ الكَهَنَةِ العَجائِبَ الَّتِي صَنَعَ والصِّبْيانُ يَصِيحُونَ في الهَيْكَلِ ويَقُولُونَ: أوْصِنا يا ابْنَ داوُدَ، مُبارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ، فَتَقَمْقَمُوا وقالُوا: ما تَسْمَعُ ما يَقُولُ هَؤُلاءِ، فَقالَ لَهم يَسُوعُ: نَعَمْ، أما قَرَأْتُمْ قَطُّ أنَّ مِن فَمِ الأطْفالِ والمُرْضَعِينَ أعْدَدْتُ سُبَحًا، وتَرَكَهم وخَرَجَ خارِجَ المَدِينَةِ وباتَ هُناكَ في بَيْتِ عَنْيا وفي غَدٍ عَبَرَ إلى المَدِينَةِ فَجاعَ ونَظَرَ إلى شَجَرَةِ تِينٍ عَلى الطَّرِيقِ فَجاءَ إلَيْها فَلَمْ يَجِدْ فِيها شَيْئًا إلّا الوَرَقَ، فَقالَ لَها: لا يَخْرُجُ مِنكِ ثَمَرَةٌ إلى الأبَدِ، فَيَبِسَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ لِلْوَقْتِ، فَنَظَرَ التَّلامِيذُ وتَعَجَّبُوا وقالُوا: كَيْفَ يَبِسَتِ التِّينَةُ لِلْوَقْتِ، أجابَ يَسُوعُ وقالَ لَهُمُ: الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! إنْ كانَ لَكم إيمانٌ ولا تَشُكُّونَ لَيْسَ مِثْلَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ التِّينِ [فَقَطْ] تَصْنَعُونَ ولَكِنْ تَقُولُونَ لِهَذا الجَبَلِ: تَعالَ واسْقُطْ في البَحْرِ، فَيَكُونُ، وقالَ مَرْقَسُ: إنْ كانَ لَكم إيمانٌ بِاللَّهِ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ: إنَّ مَن قالَ لِهَذا (p-٣٢٣)الجَبَلِ: انْتَقِلْ واسْقُطْ في هَذا البَحْرِ، ولا يَشُكُّ في قَلْبِهِ بَلْ يُصَدِّقُ فَيَكُونُ لَهُ الَّذِي قالَ، مِن [أجْلِ] هَذا أقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ ما تَسْألُونَهُ في الصَّلاةِ بِإيمانٍ أنَّكم تَنالُونَهُ فَيَكُونُ لَكُمْ، وقالَ مَتّى: وكُلُّ ما تَسْألُونَهُ في الصَّلاةِ بِإيمانٍ تَنالُونَهُ، وقالَ مَرْقَسُ: فَقالَ لَهُ يُوحَنّا، يا مُعَلِّمُ! رَأيْنا واحِدًا يُخْرِجُ الشَّياطِينَ بِاسْمِكَ فَمَنَعْناهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْنا، قالَ لَهم يَسُوعُ: لا تَمْنَعُوهُ لَيْسَ يَصْنَعُ أحَدٌ قُوَّةً بِاسْمِي، ويَقْدِرُ سَرِيعًا أنْ يَقُولَ عَلى الشَّرِّ، كُلُّ مَن لَيْسَ [هُوَ] عَلَيْكم فَهو مَعَكم ومَن سَقاكم كَأْسَ ماءٍ بِاسْمِ أبِيكُمُ المَسِيحِ [الحَقَّ] أقُولُ لَكُمْ: إنَّ أجْرَهُ لا يَضِيعُ.
وفِيهِ مِمّا لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ في شَرْعِنا إطْلاقُ الأبِ عَلى اللَّهِ و[إطْلاقُ] الرَّبِّ عَلى غَيْرِهِ [بِلا قَيْدٍ]، وقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.
الحديد 57:28
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرُّسُلَ دُعاةٌ لِلْحَقِّ إلى سَيِّدِهِمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا بِالكِتابِ والحَدِيدِ، وقَرَّرَ أنَّ السَّعادَةَ كُلَّها في اتِّباعِهِمْ، وأنَّ البِدَعَ لا تَأْتِي بِخَيْرٍ وإنْ زَيَّنَ الشَّيْطانُ أمْرَها وخَيَّلَ أنَّهُ خَيْرٌ، وأنَّ أصْحابَ الَّذِي كانَ نَسَخَ شَرِيعَةَ مَن قَبْلَهُ ابْتَدَعُوا بِدْعَةً حَسَنَةً فَوُكِلُوا إلَيْها فَفَسَقَ أكْثَرُهُمْ، فاقْتَضى ذَلِكَ إرْسالَ مَن يَنْسَخُ كُلَّ شَرِيعَةٍ تَقَدَّمَتْهُ نَسْخًا لا زَوالَ (p-٣٢٤)لَهُ لِأنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ ونَهى عَنِ البِدَعِ نَهْيًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أحَدٌ إلى مِثْلِهِ، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِذَلِكَ إقْرارًا صَحِيحًا بِنَبِيٍّ مِمّا تَقَدَّمَ أوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ خافُوا عِقابَهُ فاجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِهِ - لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ - وِقايَةً بِحِفْظِ الأدَبِ مَعَهُ ولا تَأْمَنُوا مَكْرَهُ، فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ [مِن] أنْ يَسْلُبَكم ما وهَبَكُمْ، فاتَّبِعُوا الرَّسُولَ تَسْلَمُوا، وحافِظُوا عَلى اتِّباعِهِ لِئَلّا تَهْلِكُوا ﴿وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ أيِ الَّذِي لا رَسُولَ لَهُ الآنَ غَيْرُهُ، إيمانًا مَضْمُومًا إلى إيمانِكم بِاللَّهِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ بِهِ إلّا مَعَ الإيمانِ بِرَسُولِهِ، وبِأنْ تَثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِهِ، وتَضُمُّوا الإيمانَ بِهِ إلى الإيمانِ بِمَن تَقَدَّمَهُ يا أهْلَ الكِتابِ، لِأنَّ رِسالَتَهُ عامَّةٌ، لَقَدْ نَسَخَ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأدْيانِ فَإيّاكم أنْ يُمِيلَكم عَنْهُ مَيْلٌ مِن حَسَدٍ أوْ غَيْرِهِ، فَبادِرُوا إلى إجابَتِهِ والزَمُوا جَمِيعًا حَذَرَهُ فَلا تَمِيلُوا إلى بِدْعَةٍ أصْلًا ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ ثَوابًا عَلى اتِّباعِهِ ﴿كِفْلَيْنِ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ ضَخْمَيْنِ ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ تَحْصِينًا لَكم مِنَ العَذابِ كَما يُحَصِّنُ الكِفْلُ الرّاكِبَ مِنَ الوُقُوعِ، وهو كِساءٌ يُعْقَدُ عَلى ظَهْرِ البَعِيرِ فَيُلْقى مُقَدَّمُهُ عَلى الكاهِلِ ومُؤَخَّرُهُ عَلى العَجُزِ، وهَذا التَّحْصِينُ لِأجْلِ إيمانِكم بِهِ ﷺ وإيمانِكم بِمَن تَقَدَّمَهُ مَعَ خِفَّةِ العَمَلِ ورَفْعِ الآصارِ وهو [أعْلى] بِالأجْرِ مِنَ الَّذِي عَمِلَ الخَيْرَ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ النَّبِيُّ (p-٣٢٥)ﷺ لِمَن سَألَهُ عَنْهُ "أسْلَمْتَ عَلى ما أسْلَفْتَ مِن خَيْرٍ
ودَلَّ عَلى أنَّ الكِفْلَيْنِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ وإفاضَةِ خَواصٍّ مِنَ الخَيْراتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ ﴿نُورًا﴾ مَجازِيًّا في الأُولى بِالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ مِنَ المَعْلُومِ والمَعارِفِ القَلْبِيَّةِ وحِسِّيًّا في الآخِرَةِ بِسَبَبِ العَمَلِ ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ أيْ مَجازًا في الأُولى بِالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ، وحَقِيقَةً في الآخِرَةِ بِسَبَبِ العَمَلِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَخْلُو مِن نُقْصانٍ، فَلا يَبْلُغُ جَمِيعَ ما يَحِقُّ لِلرَّحْمَنِ، قالَ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ [ما] فَرَطَ مِنكم مِن سَهْوٍ وعَمْدٍ وهَزْلٍ وجِدٍّ. ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، أتْبَعَهُ التَّعْرِيفَ بِأنَّ الغُفْرانَ وما يَتْبَعُهُ صِفَةٌ لَهُ شامِلَةٌ لِمَن يُرِيدُهُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ والعَظَمَةِ والكِبْرِياءِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ المَحْوِ لِلذَّنْبِ عَيْنًا وأثَرًا ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ لِمَن يَغْفِرُ لَهُ ويُوَفِّقُهُ لِلْعَمَلِ بِما يُرْضِيهِ.
الحديد 57:29
ولَمّا كانَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ تابَعُوا أهْوِيَتَهم عَلى بُغْضِ الأُمِّيِّينَ، وأُشْرِبَتْ قُلُوبُهم أنَّ النُّبُوَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ لِأنَّهم أوْلادُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنَةِ عَمِّهِ، والعَرَبُ - وإنْ كانُوا أوْلادَهُ - فَإنَّهم مِنَ الأمَةِ وما دَرَوْا [أنَّ] كَوْنَهم مِن أوْلادِهِ مُرَشِّحٌ لِنُبُوَّةِ بَعْضِهِمْ وكَوْنَهم مِنَ الأمَةِ، مُهَيِّئٌ لِعُمُومِ الرِّسالَةِ لِأجْلِ عُمُومِ النَّسَبِ، قالَ دالًّا عَلى أنَّهم صارُوا (p-٣٢٦)كالبَهائِمِ لا يُبْصِرُونَ إلّا المَحْسُوساتِ مُعَلِّقًا الجارَّ بِـ ”آمَنُوا“ و”يُؤْتِكم“ وما بَعْدَهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ عِلْمًا عَظِيمًا [يُثْبِتُ] مَضْمُونَ خَبَرِهِ ويَنْتَفِي ضِدُّهُ - بِما أفادَهُ زِيادَةُ النّافِي ﴿أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ اقْتَصَرُوا عَلى كِتابِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ الخاتَمِ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ألا﴾ أيْ أنَّهم لا ﴿يَقْدِرُونَ﴾ أيْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ [أيْ وإنْ قَلَّ] ﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي خَصَّكم [بِما خَصَّكُمْ] بِهِ لا يُمْنَعُ ولا بِإعْطائِكم [حَيْثُ] نَزَعَ النُّبُوَّةَ مِنهم ووَضَعَها في بَنِي عَمِّهِمْ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا لا يُقِيمُونَ لَهم وزْنًا فَيَقُولُونَ: إنَّهم بَنُو الأمَةِ، وإنَّهم أُمِّيُّونَ، وإنَّهم لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنهم سَبِيلٌ، وجَعَلَ النُّبُوَّةَ الَّتِي خَصَّكم بِها عامَّةً - كَما أشارَ إلَيْهِ ما في ابْنِ الأمَةِ مِن شُمُولٍ بِنِسْبَتِهِ وانْشِعابِهِ وحَيْثُ عَمِلُوا كَثِيرًا وأعْطَوْا قَلِيلًا: «”اليَهُودُ مِن أوَّلِ النَّهارِ عَلى قِيراطٍ قِيراطٍ، والنَّصارى مِنَ الظُّهْرِ عَلى قِيراطٍ قِيراطٍ، وهَذِهِ الأُمَّةُ مِن صَلاةِ العَصْرِ عَلى قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ، فَقالَ الفَرِيقانِ: ما لَنا أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ أجْرًا، قالَ: هَلْ ظَلَمْتُكم مِن حَقِّكم شَيْئًا، قالُوا: لا، قالَ: ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ».
وذَكَرَ ابْنُ بُرْجانَ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ - كَما تَقَدَّمَ عَنْهُ قَرِيبًا - مِنَ الإنْجِيلِ وطَبَّقَهُ عَلَيْهِ وذَكَرْتُهُ [أنا] في الأعْرافِ، رَوى الإمامُ [أحْمَدُ] في (p-٣٢٧)مَواضِعَ مِنَ المُسْنَدِ والبُخارِيُّ في سَبْعَةِ مَواضِعَ في الصَّلاةِ والإجارَةِ وذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ وفَضائِلِ القُرْآنِ والتَّوْحِيدِ، والتِّرْمِذِيُّ في الأمْثالِ - وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ - مِن وُجُوهٍ شَتّى جَمَعْتُ بَيْنَ ألْفاظِها عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [قالَ]:“مَثَلُكُمْ”- وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ: مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وفي رِوايَةٍ: مَثَلُ أُمَّتِي وفي رِوايَةٍ: إنَّما مَثَلُكم ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارى كَرَجُلٍ، وفي رِوايَةٍ: مَثَلُكم ومَثَلُ أهْلِ الكِتابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَلاءَ، وفي رِوايَةٍ: اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ فَقالَ: مَن يَعْمَلُ لِي مِن صَلاةِ الصُّبْحِ[ و]فِي رِوايَةٍ [أُخْرى]: مِن غُدْوَةٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ عَلى قِيراطٍ، ألا فَعَمِلَتِ اليَهُودُ“ - وفي رِوايَةٍ: ”قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ - فَعَمِلُوا، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ لِي مِن نِصْفِ النَّهارِ إلى صَلاةِ العَصْرِ عَلى قِيراطٍ، ألا فَعَمِلَتْهُ النَّصارى، وفي رِوايَةٍ: قالَتِ النَّصارى: نَحْنُ، فَعَمِلُوا، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ لِي مِن صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ -وفِي رِوايَةٍ: إلى أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ - عَلى قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ، ألا فَأنْتُمُ الَّذِينَ عَمِلْتُمْ، وفي رِوايَةٍ: تَعْمَلُونَ، وفي رِوايَةٍ: وأنْتُمُ المُسْلِمُونَ تَعْمَلُونَ مِن صَلاةِ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ، وفي رِوايَةٍ إلى مَغارِبَ، وفي رِوايَةٍ: مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلى قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ ألا لَكُمُ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ، فَغَضِبَتِ (p-٣٢٨)اليَهُودُ والنَّصارى وقالُوا: نَحْنُ - وفي رِوايَةٍ: ما لَنا - أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ عَطاءً، وفي رِوايَةٍ:أجْرًا، قالَ اللَّهُ تَعالى هَلْ - وفي رِوايَةٍ: وهَلْ - نَقَصْتُكم - وفي رِوايَةٍ: هَلْ ظَلَمْتُكم - مِن حَقِّكم شَيْئًا - وفي رِوايَةٍ: أجْرِكم شَيْئًا، قالُوا: لا، قالَ: فَإنَّهُ - وفي رِوايَةٍ: فَإنَّما - هو فَضْلٌ، وفي رِوايَةٍ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ، وفي رِوايَةٍ: أُعْطِيهِ مَن شِئْتُ.
وفِي رِوايَةٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو قائِمٌ عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: ألا إنَّ بَقاءَكم، وفي رِوايَةٍ: إنَّما بَقاؤُكم، وفي رِوايَةٍ: إنَّما أجَلُكم في أجَلِ مَن خَلا مِنَ الأُمَمِ - وفي رِوايَةٍ:“فِيما سَلَفَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ والمَغْرِبِ - وفي رِوايَةٍ: إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وفي رِوايَةٍ: ألا إنَّ مَثَلَ آجالِكم في آجالِ الأُمَمِ قَبْلَكم كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى مُغَيْرِبانِ، وفي رِوايَةٍ: إلى مَغْرِبٍ، وفي رِوايَةٍ: إلى مَغارِبِ الشَّمْسِ، أُعْطِيَ - وفي رِوايَةٍ: أُوتِيَ - أهْلُ التَّوْراةِ التَّوْراةَ، فَعَمِلُوا بِها حَتّى انْتَصَفَ النَّهارُ فَعَجَزُوا، فَأُعْطَوْا قِيراطًا [قِيراطًا]، وأُعْطِيَ - وفي رِوايَةٍ: ثُمَّ أُوتِيَ - أهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ حَتّى - وفي رِوايَةٍ: إلى - صَلاةِ العَصْرِ، وفي رِوايَةٍ: حَتّى صُلِّيَتِ العَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطَوْا قِيراطًا قِيراطًا، ثُمَّ أُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وفي رِوايَةٍ: [حَتّى غُرُوبِ الشَّمْسِ] (p-٣٢٩)فَأُعْطِيتُمْ قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ، وفي رِوايَةٍ: ثُمَّ أُوتِينا القُرْآنَ فَعَمِلْنا إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينا قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ، فَقالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ - وفي رِوايَةٍ: أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ - رَبَّنا هَؤُلاءِ أقَلُّ مِنّا عَمَلًا وأكْثَرُ أجْرًا، وفي رِوايَةٍ: جَزاءً، وفي رِوايَةٍ: أيْ رَبَّنا أعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ وأعْطَيْتَنا قِيراطًا قِيراطًا، ونَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا مِنهُمْ، قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: [هَلْ] وفي رِوايَةٍ: فَهَلْ ظَلَمْتُكم مِن أجْرِكم - وفي رِوايَةٍ: مِن أُجُورِكم - مِن شَيْءٍ؟ فَقالُوا: لا، فَقالَ: فَهو فَضْلِي، وفي رِوايَةٍ فَذَلِكَ فَضْلِي، أُوتِيهِ مَن أشاءُ وقَدْ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذا الحَدِيثِ ما قَبْلَ هَذِهِ الأُمَمِ وتَرَكَ عَلى ذَلِكَ أحْوالَهم فَقالَ: إنَّهُ دالٌّ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، كانَ لَهُمُ اللَّيْلُ، فَكانَ قَوْمُ نُوحٍ في أوَّلِهِ في ظَلامٍ صِرْفٍ طَوِيلٍ لَمْ يَلُحْ لَهم شَيْءٌ مِن تَباشِيرِ الضِّياءِ ولا أماراتِ الصُّبْحِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ يُخْبِرُهم بِهِ ويَأْمُرُهم بِالتَّهَيُّؤِ لَهُ، فَلِذَلِكَ طالَ بَلاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِمْ، وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، وأمّا قَوْمُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانُوا كَأنَّهم في أواخِرِ اللَّيْلِ، قَدْ لاحَتْ لَهم تَباشِيرُ الصَّباحِ وأوْمَضَتْ لَهم بَوارِقُ الفَلاحِ، فَلِذَلِكَ آمَنَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا سارَّةُ زَوْجَتُهُ وأوْلادُهُ مِنها ومِن غَيْرِها كُلُّهُمْ، واسْتَمَرَّ الإسْلامُ في أوْلادِهِ والنُّبُوَّةُ حَتّى جاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَ وقْتُهُ كَما بَيْنَ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، فَكانَ قَوْمُهُ تارَةً وتارَةً، تارَةً يَحْسَبُونَ أنَّهم في ضِياءٍ كَيْفَما كانُوا، فَيَرُوغُونَ يَمِينًا وشِمالًا (p-٣٣٠)فَيَكُونُونَ كَمَن دَخَلَ غِيرانًا وكُهُوفًا وأسْرابًا ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنها فَيَرْجِعُونَ إلى الضِّياءِ، فَكانَتْ غَلَطاتُهم تارَةً كِبارًا وتارَةً صِغارًا، وأمّا قَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانُوا كَمَن هو في الظَّهِيرَةِ في شِدَّةِ الضِّياءِ فالغَلَطُ مِنهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمًى عَظِيمٍ، فَلِذَلِكَ كانَ غَلَطُهم أفْظَعَ الغَلَطِ وأفْحَشَهُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ - ﴿وأنَّ﴾ أيْ ولْتَعْلَمُوا أنَّ ﴿الفَضْلَ﴾ [أيِ] الَّذِي لا يَحْتاجُ إلَيْهِ مَن هو عِنْدَهُ ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ [نُبُوَّةً كانَتْ أوْ غَيْرَها].
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهُ لا يَخُصُّ بِهِ إلّا لِأنَّهُ لا يَسَعُ جَمِيعَ النّاسِ دَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ أيْ مالِكُهُ مِلْكًا لا يَنْفَكُّ عَنْهُ ولا مِلْكَ لِأحَدٍ [فِيهِ] مَعَهُ ولا تَصَرُّفَ بِوَجْهٍ أصْلًا، فَلِذَلِكَ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِما شاءَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى اعْتِراضٍ بِوَجْهٍ، فَقَدْ نَزَّهَ لَهُ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ الَّذِي لا عَزِيزَ غَيْرُهُ ولا حَكِيمَ سِواهُ، فَقَدِ انْطَبَقَ كَما تَرى آخِرُها عَلى أوَّلِها، ورَجَعَ مُفْصَلُها عَلى مُوصَلِها - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
المجادلة 58:1
(p-٣٣١)سُورَةُ المُجادِلَةِ
مَقْصُودُها الإعْلامُ بِإيقاعِ البَأْسِ الشَّدِيدِ، الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الحَدِيدُ، بِمَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ لِما لَهُ سُبْحانَهُ مِن تَمامِ العِلْمِ، اللّازِمِ عَنْهُ تَمامُ القُدْرَةِ، اللّازِمُ عَنْهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِالمُجادِلَةِ بِأوَّلِ قِصَّتِها وآخِرِها، وعَلى تَكْرِيرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ في القِصَّةِ وجَمِيعِ السُّورَةِ تَكْرِيرًا لَمْ يَكُنْ في سِواها بِحَيْثُ لَمْ تَخْلُ مِنهُ آيَةٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَكَرَّرَ في كُلٍّ مِنها المَرَّتَيْنِ فَأكْثَرَ فَكَثْرَةُ كُلِّ ذَلِكَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأكْثَرَ مِنها المُرادَ فِيها بِالخِطابِ مَن يَصِحُّ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ تارَةً بِالجَلالِ، وتارَةً بِالكَمالِ، فَيُجْمَعُ لَهُ الوَصْفانِ، وهو مَن آمَنَ ووَقَعَ مِنهُ هَفْوَةٌ أوْ عِصْيانٌ، ولِهَذا ضَمَّتْها أشْياءُ شَدَّدَ النَّكِيرَ فِيها حِينَ وقَعَ بَعْضُ أهْلِ الإيمانِ، ولَمْ يُبِحْها لَهم عِنْدَ وُقُوعِهِمْ فِيها رَدًّا لِلشَّرْعِ إلى ما دَعا إلَيْهِ الطَّبْعُ كَما فَعَلَ في غَيْرِها كالأكْلِ والجِماعِ في لَيْلِ رَمَضانَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِيَقَظَةٍ ولا مَنامٍ، لِمُنابَذَتِها لِلْحِكْمَةِ، وبُعْدِها عَنْ مُوجِباتِ الرَّحْمَةِ، (p-٣٣٢)وهَذا مُؤَيِّدٌ لِما تَقَدَّمَ مِن سِرِّ إخْلاءِ الواقِعَةِ والرَّحْمَنِ والقَمَرِ مِن هَذا الِاسْمِ الجامِعِ- واللَّهُ المُوَفِّقُ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ فَتَمَّتْ قُدْرَتُهُ فَكَمُلَتْ جَمِيعُ صِفاتِهِ ”الرَّحْمَن“ ”الَّذِي شَمِلَ الخَلائِقَ جُودًا بِالإيجادِ وإرْسالِ هُداتِهِ“ الرَّحِيم ”الَّذِي خَصَّ أصْفِياءَهُ فَتَمَّتْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةُ مَرْضاتِهِ.
* *
لَمّا خُتِمَتِ الحَدِيدُ بَعْدَ إثْباتِ عَجْزِ الخَلْقِ بِعَظِيمِ الفَضْلِ لَهُ سُبْحانَهُ، وكانَ سَماعُ أصْواتِ جَمِيعِ الخَلائِقِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْغَلَ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ وكَلامٌ عَنْ كَلامٍ مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ابْتِداعُ بَعْضِ المُتَعَبِّدِينَ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ بِما لَمْ يُصَرَّحْ لَهم بِالإذْنِ فِيهِ، فَكانَ سَبَبًا لِلتَّضْيِيعِ، وكانَ الظِّهارُ عَلى نَوْعَيْنِ: مُوَقَّتٍ ومُطْلَقٍ، وكانَ المُوَقَّتُ مِمّا يَدْخُلُ في الرَّهْبانِيَّةِ لِأنَّهُ مِنَ التَّبَتُّلِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّباتِ، وكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قَدْ مَنَعَ نَفْسَهُ بِالمُوَقَّتِ مِنهُ مِن مَرْغُوبِها مِمّا لَمْ يَأْتِ عَنِ اللَّهِ، فَظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ مُحافَظَةً عَلى كَمالِ التَّعَبُّدِ خَوْفًا (p-٣٣٣)مِنَ الجِماعِ في نَهارِ رَمَضانَ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُأْذَنْ بِهِ بَلْ نُهِيَ عَنْهُ كَما رَوى أبُو داوُدَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُشَدِّدُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِتَشْدِيدِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ، وسَتَجِدُونَ بَقاياهم في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ»
وكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ - قَدْ ظاهَرَ مُطْلَقًا فَشَكَتِ امْرَأتُهُ ما لَحِقَها مِنَ الضَّرَرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهَتَفَتْ بِاسْمِ اللَّهِ، وكانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِخُصُوصِ شِكايَةِ هَذِهِ المَرْأةِ المِسْكِينَةِ وإزالَةِ ضَرَرِها [بِحُكْمٍ] عامٍّ لَها ولِغَيْرِها مِن عِبادِهِ حَتّى صارَتْ واقِعَتُها رُخْصَةً عامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مُعْلِمًا بِأنَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ، وأنَّهُ الظّاهِرُ الباطِنُ، ذُو المُلْكِ كُلِّهِ، وكانَ قَدْ أمَرَ بِالإيمانِ بِهِ وبِرَسُولِهِ ووَعَدَ عَلى ذَلِكَ بِالنُّورِ، [كانَ] السّامِعُ لِذَلِكَ جَدِيرًا بِتَوَقُّعِ البَيانِ الَّذِي هو النُّورُ في هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي ابْتُدِعَتْ [فِي] هَذِهِ الأُمَّةِ، وتَخْفِيفِ الشَّدِيدِ الَّذِي وقَعَ عَنْ بَعْضِهِمْ لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ما لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الكَرامَةِ عَلى رَبِّها وأنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ فَقالَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ أيْ أجابَ بِعَظِيمِ فَضْلِهِ الَّذِي أحاطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَوَسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ ﴿قَوْلَ﴾ وعَبَّرَ بِالوَصْفِ دُونَ الِاسْمِ (p-٣٣٤)تَعْرِيفًا بِرَحْمَتِهِ الشّامِلَةِ فَقالَ: ﴿الَّتِي تُجادِلُكَ﴾ أيْ تُبالِغُ في أنْ تُقْبِلَكَ إلى مُرادِها ﴿فِي زَوْجِها﴾ أيْ في الأمْرِ المُخَلِّصِ لَهُ مِن ظِهارِهِ رَحْمَةً لَها ﴿وتَشْتَكِي﴾ أيْ تَتَعَمَّدُ بِتِلْكَ المُجادَلَةِ الشَّكْوى، مُنْتَهِيَةً ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ العَظِيمِ الرَّحِيمِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، ولِصِدْقِها في شَكْواها وقَطْعِ رَجائِها في كَشْفِ ما بِها مِن غَيْرِ اللَّهِ كانَتْ هي والنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَقِّعَيْنِ أنَّ اللَّهَ يَكْشِفُ ضُرَّها ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ لِأنَّهُ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ أيْ مُراجَعَتَكُما الَّتِي يَحُورُ - أيْ يَرْجِعُ [فِيها] إلى كُلٍّ مِنكُما جَوابُ كَلامِهِ مِنَ الآخَرِ كَأنَّها لِثِقَلِ ما قَدَحَ في أمْرِها ونَزَلَ مِن ضُرِّها ناشِئَةٌ عَنْ حَيْرَةٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن خَرْقِ العادَةِ بِحَيْثُ إنَّ الصِّدِّيقَةَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ كَلَّمَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأنا في جانِبِ البَيْتِ ما أسْمَعُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ» أكَّدَهُ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ غَرابَتِهِ [ولِأنَّهُ] رُبَّما اسْتَبْعَدَهُ مَنِ اشْتَدَّ جَهْلُهُ لِعَراقَتِهِ في التَّقَيُّدِ بِالعاداتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَلا كُفْؤَ لَهُ ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ السَّمْعِ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ، والبَصَرِ لِكُلِّ ما يُبْصَرُ والعِلْمِ لِكُلِّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ أزَلًا وأبَدًا، وقَدْ مَضى نَحْوُ هَذا التَّناسُبِ (p-٣٣٥)فِي المائِدَةِ حِينَ أتْبَعَ تَعالى آيَةَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] غَيْرَ أنَّ هَذا خاصٌّ وذاكَ عامٌّ، فَهَذا فَرْدٌ مِنهُ، فالمُناسَبَةُ واحِدَةٌ لِأنَّ الأخَصَّ في ضِمْنِ الأعَمِّ، والحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِما جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ وغَيْرِها، وأخْبَرَ أنَّهم لَمْ يُوَفُّوها حَقَّها، وأنَّهُ آتى مُؤْمِنِيهِمُ الأجْرَ، وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِالتَّقْوى واتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ لِيَحْصُلَ لَهم مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ ضِعْفُ ما حَصَلَ لِأهْلِ الكِتابِ، ونَهاهم عَنِ التَّشْدِيدِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالرَّهْبانِيَّةِ، فَصارُوا مُفَضَّلِينَ مِن وجْهَيْنِ: كَثْرَةِ الأجْرِ وخِفَّةِ العَمَلِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ - واللَّهُ أعْلَمُ، رَوى البَزّارُ مِن طَرِيقِ خَصِيفٍ عَنْ عَطاءٍ ومِن غَيْرِها أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي ظاهَرْتُ مِنَ امْرَأتِي ورَأيْتُ ساقَها في القَمَرِ فَواقَعْتُها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، قالَ: كَفِّرْ ولا تَعُدْ»
ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ ثُمَّ واقَعَها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَقالَ:“ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟ قالَ: رَأيْتُ بَياضَ ساقَيْها في القَمَرِ، قالَ: فاعْتَزِلْها حَتّى تُكَفِّرَ عَنْكَ»
قالَ المُنْذِرِيُّ: وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ [ابْنِ] عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْناهُ، (p-٣٣٦)وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَةَ والتِّرْمِذِيُّ - وقالَ: [حَدِيثٌ] حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ - وقالَ النَّسائِيُّ: المُرْسَلُ أوْلى بِالصَّوابِ مِنَ المُسْنَدِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ المُعافِرِيُّ: لَيْسَ في الظِّهارِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، قالَ المُنْذِرِيُّ: وفِيما قالَهُ نَظَرٌ، فَقَدْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ كَما تَرى، ورِجالُ إسْنادِهِ ثِقاتٌ، وسَماعُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ مَشْهُورٌ، وتَرْجَمَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ احْتَجَّ بِها البُخارِيُّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ - انْتَهى. ولِلتِّرْمِذِيِّ - وقالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في المُظاهِرِ يُواقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ قالَ: كَفّارَةٌ واحِدَةٌ
ورَوى أحْمَدُ والحاكِمُ وأصْحابُ السُّنَنِ إلّا النَّسائِيَّ وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ قالَ ابْنُ المُلَقِّنِ: وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ - مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ امْرَءًا أُصِيبُ مِنَ النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضانَ خِفْتُ أنْ أُصِيبَ مِنَ امْرَأتِي شَيْئًا [يُتابِعُ بِي] حَتّى أُصْبِحَ فَظاهَرْتُ مِنها حَتّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضانَ، فَبَيْنا هي تَخْدُمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ تَكَشَّفَ لِي مِنها شَيْءٌ فَما لَبِثَ أنْ نَزَوْتُ عَلَيْها، فَلَمّا أصْبَحْتُ (p-٣٣٧)خَرَجْتُ إلى قَوْمِي فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ وقُلْتُ: امْشُوا مَعِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالُوا: لا واللَّهِ: فانْطَلَقْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ أنْتَ بِذاكَ يا سَلَمَةُ؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ- مَرَّتَيْنِ، وأنا صابِرٌ لِأمْرِ اللَّهِ، فاحْكم فِيَّ بِما أراكَ اللَّهُ، وفي رِوايَةٍ: فَأمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ فَإنِّي صابِرٌ لِذَلِكَ، قالَ حَرِّرْ رَقَبَةً، قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أمْلِكُ غَيْرَها - وضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قُلْتُ: وهَلْ أصَبْتُ الَّذِي أصَبْتُ إلّا مِنَ الصِّيامِ، قالَ: فَأطْعِمْ وسْقًا مِن تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ بِتْنا وحْشَيْنِ ما لَنا طَعامٌ، قالَ: فانْطَلِقْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ وكُلْ أنْتَ وعِيالُكَ بَقِيَّتَها، فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْيِ، ووَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ السَّعَةَ وحُسْنَ الرَّأْيِ، وفي رِوايَةٍ: والبَرَكَةَ، وقَدْ أمَرَنِي - أوْ أمَرَ لِي - بِصَدَقَتِكُمْ، وفي رِوايَةٍ: فادْفَعُوها إلَيَّ، فَدَفَعُوها إلَيَّ» . وأعَلَّهُ عَبْدُ الحَقِّ بِالِانْقِطاعِ، وأنَّ سُلَيْمانَ لَمْ يُدْرِكْ سَلَمَةَ، حَكى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ البُخارِيِّ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ يُقالُ لَهُ سَلْمانُ أيْضًا، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ [أيْضًا] مِن طَرِيقٍ أُخْرى قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ - هو الأوْدِيُّ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ (p-٣٣٨)عَمْرِو بْنِ عَطاءٍ عَنْ [سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ «عَنْ] سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ امْرَءًا أُصِيبُ مِنَ النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضانَ خِفْتُ فَتَظاهَرْتُ مِنَ امْرَأتِي في الشَّهْرِ فَبَيْنا هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنها شَيْءٌ فَلَمْ ألْبَثْ أنْ وقَعْتُ عَلَيْها، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ:حَرِّرْ رَقَبَةً، فَقُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، ما أمْلِكُ غَيْرَ رَقَبَتِي، قالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قُلْتُ: وهَلْ أصابَنِي ما أصابَنِي إلّا في الصِّيامِ؟ قالَ: فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» . وهَذا سَنَدٌ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ إنْ شاءَ اللَّهُ إنْ سَلِمَ مِن تَدْلِيسِ ابْنِ إسْحاقَ، ورَوى [الحاكِمُ و]البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ وأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ البَياضِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ أنَّهُ إنْ غَشِيَها حَتّى يَمْضِيَ رَمَضانُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً». وقِصَّةُ سَلَمَةَ هَذِهِ أصْلُ الظِّهارِ المُؤَقَّتِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا عَوْدَ فِيهِ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ [إلّا] بِوَطْئِها في مُدَّةِ الظِّهارِ، ورَوى أبُو داوُدَ «عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أوْسُ بْنُ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشْكُو إلَيْهِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجادِلُنِي فِيهِ (p-٣٣٩)ويَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ فَإنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ، فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ [القُرْآنُ] ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ إلى الفَرْضِ، فَقالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً، قالَتْ: لا يَجِدُ، قالَ: يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ما بِهِ مِن صِيامٍ، قالَ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قالَتْ: ما عِنْدَهُ مِن شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ قالَتْ: فَأتى ساعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: قَدْ أحْسَنْتِ اذْهَبِي فَأطْعِمِي بِها عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِي إلى ابْنِ عَمِّكِ» قالَ: والعَرَقُ سِتُّونَ صاعًا، وفي رِوايَةٍ: والعَرَقُ مِكْتَلٌ يَسَعُ ثَلاثِينَ صاعًا، ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «إنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَشَكَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي [حِينَ] كَبِرَ سِنِّي ورَقَّ عَظْمِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الظِّهارِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأوْسٍ: أعْتِقْ رَقَبَةً، قالَ: مالِي بِذَلِكَ يَدانِ، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قالَ: أما إنِّي إذا أخْطَأنِي أنْ آكُلَ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ يَكِلُّ بَصَرِي، قالَ: فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قالَ: ما أجِدُ إلّا [أنْ] تُعِينَنِي مِنكَ بِعَوْنٍ وصِلَةٍ، فَأعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٣٤٠)بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا حَتّى جَمَعَ اللَّهُ لَهُ، واللَّهُ رَحِيمٌ» قالَ: وكانُوا يَرَوْنَ أنَّ عِنْدَهُ مِثْلَها، وذَلِكَ لِسِتِّينَ مِسْكِينًا، ولِلدّارَقُطْنِيِّ [أيْضًا] والبَيْهَقِيِّ «أنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَآها زَوْجُها وهو أوْسُ بْنُ الصّامِتِ أخُو عُبادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وهي تُصَلِّي فَراوَدَها فَأبَتْ فَغَضِبَ، وكانَ بِهِ لَمَمٌ وخِفَّةٌ فَظاهَرَ مِنها، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمّا خَلا سِنِّي ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ». ولِلطَّبَرانِيِّ مِن طَرِيقِ أبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَحْتَ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ وكانَ بِهِ لَمَمٌ، فَقالَ في بَعْضِ هِجْراتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، قالَ: ما أظُنُّكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فَجاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ أبُو ولَدَيَّ وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما ذَكَرَ طَلاقًا، قالَ: ما أراكَ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَقُلْ كَذَلِكَ واللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا، فَرادَّتِ النَّبِيَّ ﷺ (p-٣٤١)مِرارًا، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ فاقَتِي ووَحْدَتِي وما يَشُقُّ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ» - الحَدِيثَ، ومِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ قالَ: «فَجَعَلَ كُلَّما قالَ لَها ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ هَتَفَتْ وقالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ، فَلَمْ تَرِمْ مَكانَها حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ،» ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ أنَّ جَمِيلَةَ كانَتْ تَحْتَ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ وكانَ رَجُلًا بِهِ لَمَمٌ فَكانَ إذا اشْتَدَّ بِهِ لَمَمُهُ ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ، وأخْرَجَهُ مِن حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِثْلَهُ. [و]قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي الخَبَرِ «أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي شابَّةً غَنِيَّةً ذاتَ أهْلٍ ومالٍ كَثِيرٍ، فَلَمّا كَبِرَ عِنْدَهُ سِنِّي، وذَهَبَ مالِي وتَفَرَّقَ أهْلِي، جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، وقَدْ نَدِمَ ونَدِمْتُ، وإنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، يَعْنِي فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْها،» وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا مَسْألَةٌ، وهو أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ ظاهِرُ العِلْمِ يَحْكُمُ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ الضَّرُورَةُ تُغَيِّرُ ذَلِكَ الحُكْمَ لِصاحِبِها، قالَ البَغْوِيُّ: وكانَ هَذا أوَّلَ ظِهارٍ في الإسْلامِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكْرِمُ خَوْلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إذا دَخَلَتْ [عَلَيْهِ ويَقُولُ]: سَمِعَ اللَّهُ لَها، فالمُظاهَرَةُ في حَدِيثِ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُؤَقَّتًا، وفي حَدِيثِ خَوْلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (p-٣٤٢)مُطْلَقَةٌ وهي في قِصَّةِ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَن نَحا نَحْوَهُ رَهْبانِيَّةٌ مُبْتَدَعَةٌ لَمْ تُرْعَ حَقَّ رِعايَتِها كَرَهْبانِيَّةِ النَّصارى، ولَمْ يَتْبَعِ النَّبِيُّ ﷺ في ابْتِداعِها حَقَّ الِاتِّباعِ، وأمّا في قِصَّةِ خَوْلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَهي مُصِيبَةٌ كانَ يَنْبَغِي فِيها التَّسْلِيمُ وعَدَمُ الحُزْنِ كَما في آيَةِ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] الآيَةِ عَلى أنَّ امْتِناعَها مِن زَوْجِها حِينَ راوَدَها فِيهِ إلْمامٌ بِالرَّهْبانِيَّةِ، وإزالَةُ شِكايَتِها مَعَ أنَّها امْرَأةٌ ضَعِيفَةٌ مِن عَظِيمِ الفَضْلِ، وزادُهُ عِظَمًا جَعْلُهُ [حُكْمًا] عامًّا لِمَن وقَعَ فِيهِ مِن جَمِيعِ الأُمَّةِ.
المجادلة 58:2
ولَمّا أتَمَّ تَعالى الخَبَرَ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ حُكْمِ الأمْرِ المُجادَلِ بِسَبَبِهِ، فَقالَ ذامًّا لِلظِّهارِ. وكاسِيًا لَهُ ثَوْبَ العارِ: ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ الظِّهارُ مُنْكَرًا لِكَوْنِهِ كَذِبًا، عَبَّرَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] أيْ يُوجِدُونَ الظِّهارَ في أيِّ رَمَضانَ [كانَ] وكَأنَّهُ أدْغَمَ تاءَ التَّفَعُّلِ والمُفاعَلَةِ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ أنَّهُ يُذْهِبُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِن مُجامَعَةِ زَوْجَتِهِ. ولَمّا كانَ الظِّهارُ خاصًّا بِالعَرَبِ دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ تَهْجِينًا لَهُ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحًا لِعادَتِهِمْ فِيهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَكُونُوا أبْعَدَ النّاسِ مِن هَذا الكَلامِ لِأنَّ الكَذِبَ لَمْ يَزَلْ (p-٣٤٣)مُسْتَهْجَنًا عِنْدَهم في الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ [ما] زادَهُ الإسْلامُ [إلّا] اسْتِهْجانًا فَقالَ: ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ أيُّها العَرَبُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَسْتَقْبِحُونَ الكَذِبَ ما لا يَسْتَقْبِحُهُ غَيْرُهم وكَذا مَن دانَ دِينَهم ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ أيْ يُحَرِّمُونَ نِساءَهم عَلى أنْفُسِهِمْ تَحْرِيمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ظُهُورَ أُمَّهاتِهِمْ بِأنْ يَقُولَ أحَدُهم لِزَوْجَتِهِ شَيْئًا مِن صَرائِحِهِ مِثْلِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وكِناياتِهِ كَأنْتِ أُمِّي، وكُلُّ زَوْجٍ صَحَّ طَلاقُهُ صَحَّ ظِهارُهُ مِن حُرٍّ أوْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أوْ ذِمِّيٍّ دَخَلَ بِالزَّوْجَةِ أوْ لا قادِرًا كانَ عَلى الجِماعِ أوْ عاجِزًا، صَغِيرَةً كانَتِ الزَّوْجَةُ أوْ كَبِيرَةً، عاقِلَةً كانَتْ أمْ مَجْنُونَةً، سَلِيمَةً كانَتْ أوْ رَتْقاءَ، مُسْلِمَةً كانَتْ أوْ ذِمِّيَّةً، ولَوْ كانَتْ رَجْعِيَّةً.
ولَمّا كانَ وجْهُ الشَّبَهِ التَّحْرِيمَ، وكانَ لِلتَّحْرِيمِ رُتْبَتانِ: عُلْيا مَوْصُوفَةٌ بِالتَّأْبِيدِ والِاحْتِرامِ، ودُنْيا خالِيَةٌ عَنْ كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ، وكانَ التَّقْدِيرُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ: مُخْطِئُونَ في ذَلِكَ لِأنَّهُ كَذِبٌ، لِأنَّ التَّشْبِيهَ إنْ أُسْقِطَتْ أداتُهُ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ لِيَكُونَ مِنَ الرُّتْبَةِ العُلْيا ولَوْ عَلى أدْنى أحْوالِها مِن أنَّهُ طَلاقٌ لا رَجْعَةَ فِيهِ، كَما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وإنْ أُثْبِتَتْ لِيَكُونَ مِنَ (p-٣٤٤)الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنهُ لِأنَّ التَّشْرِيعَ إنَّما هو لِلَّهِ، واللَّهُ لَمْ يَكُنْ يُشَرِّعُ ذَلِكَ، وكانَ تَعْلِيلُ شِقَّيِ التَّشْبِيهِ يُفِيدُ مَعْنى الخَبَرِ بِزِيادَةِ التَّعْلِيلِ، حَذَفَ الخَبَرَ، واكْتَفى بِالتَّعْلِيلِ فَقالَ مُعَلِّلًا لَهُ مُهَجِّنًا لِلظِّهارِ الَّذِي تَعَوَّدَهُ العَرَبُ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ: ﴿ما هُنَّ﴾ أيْ نِساؤُهم ﴿أُمَّهاتِهِمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ أحَدِهِمْ [أعْلى] رُتْبَتَيِ التَّحْرِيمِ، والحاصِلُ أنَّهم لَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ طَلاقٌ لا رَجْعَةَ فِيهِ جَعَلُوا مُعْتَقِدِينَ أنَّ المَرْأةَ أُمٌّ لِأنَّ الحُرْمَةَ المُؤَبَّدَةَ مِن خَصائِصِ الأُمِّ فَخُوطِبُوا بِذَلِكَ تَقْرِيعًا لَهم لِأنَّهُ أرْدَعُ، وفي سُورَةِ الأحْزابِ ما يُوَضِّحُ هَذا.
ولَمّا كانُوا قَدْ مَرَنُوا عَلى هَذا الحُكْمِ في الجاهِلِيَّةِ، واسْتَقَرَّ في أنْفُسِهِمُ اسْتِقْرارًا لا يَزُولُ إلّا بِغايَةِ التَّأْكِيدِ، ساقَ الكَلامَ كَذَلِكَ في الشِّقَّيْنِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿أُمَّهاتِهِمْ﴾ [أيْ] حَقِيقَةً ﴿إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾ ونِساؤُهم لَمْ تَلِدْهُمْ، فَلا يَحْرُمْنَ عَلَيْهِمْ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً لِلْإكْرامِ والِاحْتِرامِ، ولا هُنَّ مِمَّنْ أُلْحِقَ بِالأُمَّهاتِ بِوَجْهٍ يَصِحُّ وكَأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُنَّ أُمَّهاتٌ لِما لَهُنَّ مِن حَقِّ الإكْرامِ والِاحْتِرامِ والإعْظامِ ما لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِنَّ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْظَمُ في أُبُوَّةِ الدِّينِ مِن أبِ النَّسَبِ [و]كَذَلِكَ المُرْضِعاتُ لِما لَهُنَّ مِنَ الإرْضاعِ (p-٣٤٥)الَّذِي هو وظِيفَةُ الأُمِّ بِالأصالَةِ، وأمّا الزَّوْجَةُ فَمُبايِنَةٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ.
ولَمّا فَرَغَ مِن تَعْلِيلِ الشِّقِّ الأوَّلِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، أتْبَعَهُ تَعْلِيلَ الآخَرِ كَذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّهم كانُوا قَدْ ألِفُوا قَوْلَهُ فَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ: ﴿وإنَّهُمْ﴾ أيِ المُظاهِرِينَ ﴿لَيَقُولُونَ﴾ أيْ في هَذا التَّظَهُّرِ عَلى كُلِّ حالَةٍ ﴿مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾ يُنْكِرُهُ الحَقِيقَةُ والأحْكامُ، قالَ ابْنُ المُلَقِّنِ في عُمْدَةِ المُحْتاجِ: وهو حَرامٌ اتِّفاقًا كَما ذَكَرَهُ الرّافِعِيُّ في الشَّهاداتِ.
﴿وزُورًا﴾ أيْ قَوْلًا مائِلًا عَنِ السَّدادِ، مُنْحَرِفًا عَنِ القَصْدِ، لِأنَّ الزَّوْجَةَ مُعَدَّةٌ لِلِاسْتِمْتاعِ الَّذِي هو في الغايَةِ مِنَ الِامْتِهانِ، والأُمُّ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّها أهْلٌ لِكُلِّ احْتِرامٍ، فَلا هي أُمٌّ حَقِيقَةً ولا شَبِيهَةٌ بِها بِأمْرٍ نَصَبَهُ الشّارِعُ لِلِاحْتِرامِ كالإرْضاعِ، وكَوْنِها فِراشًا لِعَظِيمٍ كالنَّبِيِّ أوْ لِلْأبِ أوْ لِلْحُرْمَةِ كاللِّعانِ، فَقَدْ عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ لَيْسَ بِصِدْقٍ ولا جاءَ بِهِ مُسَوِّغٌ، فَهو زُورٌ مَحْضٌ، وأخْصَرُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: ولَمّا كانَ ظِهارُهم هَذا يَشْتَمِلُ عَلى فِعْلٍ وقَوْلٍ، وكانَ الفِعْلُ هو التَّحْرِيمَ الَّذِي هو مَوْضِعُ وجْهِ الشَّبَهِ، [وكانَتِ العادَةُ في وجْهِ الشَّبَهِ] أنْ يُقْنَعَ مِنهُ بِأدْنى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وكانُوا قَدْ خالَفُوا ذَلِكَ فَجَعَلُوهُ في أعْلى (p-٣٤٦)طَبَقاتِهِ وهو الحُرْمَةُ المُؤَبَّدَةُ الَّتِي يَلْزَمُ مِنها أنْ تَكُونَ المُشابَهَةُ مِن كُلِّ وجْهٍ في الحُرْمَةِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ، ألْزَمَهم أنْ يَكُونَ الشَّبَهُ مِن كُلِّ وجْهٍ مُطْلَقًا لِيَكُونُوا جاعِلِينَ الزَّوْجَةَ إمّا حَقِيقَةً لا دَعْوى كَما جَعَلُوا الحُرْمَتَيْنِ [كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَلْ أوْلى لِأنَّ الشَّبَهَ إنَّما وقَعَ بَيْنَ الحَيْثِيَّتَيْنِ لا بَيْنَ الحُرْمَتَيْنِ -] ثُمَّ وقَفَهم عَلى جَهْلِهِمْ فِيهِ فَقالَ ﴿ما هُنَّ﴾ إلى آخِرِهِ، ولَمّا وقَفَهم عَلى جَهْلِهِمْ في الفِعْلِ وقَفَهم عَلى جَهْلِهِمْ في القَوْلِ: فَقالَ: [و]أنَّهم إلى آخِرِهِ، قالَ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ: قالَ الأصْحابُ: الظِّهارُ حَرامٌ، ولَهُ حُكْمانِ: أحَدُهُما تَحْرِيمُ الوَطْئِ إذا وجَبَتِ الكَفّارَةُ إلى أنْ يُكَفِّرَ، والثّانِي وُجُوبُ الكَفّارَةِ بِالعَوْدِ - انْتَهى. وهَذا القَوْلُ وإنْ أفادَ التَّحْرِيمَ فَإنَّهُ يُفِيدُ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنهُ عَلى وجْهٍ ضَيِّقٍ حَرِجِ المَوْرِدِ عَسِرِ المَخْرَجِ لِيَكُونَ عُسْرُهُ زاجِرًا عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ الجامِعِ: وظاهَرَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ وظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أوْ كَذاتِ مَحْرَمٍ، وإنَّما اسْتَخَصُّوا الظَّهْرَ في الظِّهارِ لِأنَّ الظَّهْرَ مَوْضِعُ الرُّكُوبِ، والمَرْأةُ مَرْكَبُ الرَّجُلِ في النِّكاحِ فَكُنِّيَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: رُكُوبُكِ عَلَيَّ لِلنِّكاحِ كَرُكُوبِ أُمِّي، وكانَ الظِّهارُ في الجاهِلِيَّةِ طَلاقًا، ولِذَلِكَ أشْكَلَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ: ظاهَرَ الرَّجُلُ [مِنَ] (p-٣٤٧)امْرَأتِهِ ظِهارًا وتَظَهَّرَ وتَظاهَرَ [إذا قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكانَ في الجاهِلِيَّةِ طَلاقًا]، وقِيلَ: إنَّهم أرادُوا أنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أيْ كَجِماعِها، فَكَنَّوْا بِالظَّهْرِ عَنِ البَطْنِ لِلْمُجاوَرَةِ، وقِيلَ إنَّ إتْيانَ المَرْأةِ وظَهْرُها إلى السَّماءِ كانَ حَرامًا عِنْدَهُمْ، وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: إذا أتَيْتَ المَرْأةَ ووَجْهُها إلى الأرْضِ جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَلِقَصْدِ الرَّجُلِ المُطْلَقِ مِنهم إلى التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ امْرَأتِهِ عَلَيْهِ شَبَّهَها بِالظَّهْرِ ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتّى جَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ، وإنَّما عَدّى الظِّهارَ بِـ ”مِن“ لِأنَّهم كانُوا إذا ظاهَرُوا المَرْأةَ تَجَنَّبُوها كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ ويَحْتَرِزُونَ مِنها، فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ، أيْ بَعُدَ واحْتَرَزَ مِنها كَما قِيلَ: آلى مِنَ امْرَأتِهِ، لِما ضِمْنَ مَعْنى التَّباعُدِ عَدّى بِـ ”مِن“ -[ انْتَهى]، قالَ: وقالَ ابْنُ المُلَقِّنِ في العُمْدَةِ شَرْحِ المِنهاجِ: وكانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ الحاوِي أنَّهُ عِنْدَهم لا رَجْعَةَ فِيهِ، قالَ: فَنَقَلَ الشّارِعُ حُكْمَهُ إلى تَحْرِيمٍ بَعْدَ العَوْدِ ووُجُوبِ الكَفّارَةِ - انْتَهى وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ أبُو قِلابَةَ [وغَيْرُهُ]: كانَ الظِّهارُ في الجاهِلِيَّةِ يُوجِبُ عِنْدَهم فُرْقَةً مُؤَبَّدَةً.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُرَغِّبًا في التَّوْبَةِ وداعِيًا إلَيْها قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما يَعْتَقِدُونَ مِن غِلَظِهِ وأنَّهُ لا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ (p-٣٤٨)﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ [الَّذِي] لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ في شَرْعٍ ولا غَيْرِهِ ﴿لَعَفُوٌّ﴾ مِن صِفاتِهِ أنْ يَتْرُكَ عِقابَ مَن شاءَ ﴿غَفُورٌ﴾ مِن صِفاتِهِ أنْ يَمْحُوَ عَيْنَ الذَّنْبِ وأثَرَهُ حَتّى أنَّهُ كَما لا يُعاقِبُ عَلَيْهِ لا يُعاتِبُ، فَهَلْ مِن تائِبٍ طَلَبًا لِلْعَفْوِ عَنْ زَلَلِهِ، والإصْلاحِ لِما كانَ مِن خَلَلِهِ.
المجادلة 58:3
ولَمّا هَجَّنَ سُبْحانَهُ الظِّهارَ، وأثْبَتَ تَحْرِيمَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وكانَ ما مَضَتْ عَلَيْهِ العَوائِدُ لا بُدَّ أنْ يَبْقى مِنهُ بَقايا، أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانَ حُكْمِ هَذِهِ الواقِعَةِ وما لَعَلَّهُ يَقَعُ مِن نَظائِرِها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ ولَمّا كانَ في بَيانِ الحُكْمِ، أسْقَطَ التَّقْيِيدَ إعْلامًا بِعُمُومِهِ الكافِرَ كَعُمُومِهِ المُسْلِمَ لِيُفِيدَ تَغْلِيظَ العِقابِ [عَلَيْهِ] لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ يَخُصُّ العَرَبَ الَّذِينَ قَصَدَ تَهْجِينَهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ سائِرِ النّاسِ فَقالَ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ بِدُونِ ”مِنكم“ .
ولَمّا كانَ مُقْتَضى اللَّفْظِ المُباعَدَةَ مِمَّنْ قِيلَ ذَلِكَ فِيها، فَكانَ إمْساكُها بَعْدَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في غايَةِ البُعْدِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ [بِأداةِ] (p-٣٤٩)البُعْدِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا القَوْلِ ﴿لِما قالُوا﴾ بِالفِعْلِ بِأنْ يُعادَ هَذا القَوْلُ مَرَّةً أُخْرى أوْ بِالقُوَّةِ بِأنْ يُمْسِكُوا المَقُولَ ذَلِكَ لَها زَمَنًا يُمْكِنُ أنْ يُعادَ فِيهِ هَذا القَوْلُ مَرَّةً ثانِيَةً مِن غَيْرِ مُفارَقَةٍ بِلَفْظٍ مِمّا ناطَ اللَّهُ الفُرْقَةَ بِهِ مِن طَلاقٍ [أوْ] سَراحٍ أوْ نَحْوِهِما، فَيَكُونُ المُظاهِرُ عائِدًا إلى هَذا القَوْلِ بِالقُوَّةِ لِإمْكانِ [هَذا] القَوْلِ في ذَلِكَ الزَّمَنِ، وذَلِكَ لِأنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن قالَ قَوْلًا [ولَمْ يَبُتَّهُ] ويُنْجِزْهُ ويُمْضِهِ بِأنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ مَرَّةً أُخْرى وهَلُمَّ جَرّا، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ لِنَقْضِ ما قالُوا: فَيُحِلُّوا ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِعَدَمِ البَتِّ بِالطَّلاقِ، فَإنْ كانَ الظِّهارُ مُعَلَّقًا لَمْ يُلْزَمْ حُكْمَهُ إلّا بِالحِنْثِ، فَإنْ طَلَّقَ في الحالِ وإلّا لَزِمَتْهُ [الكَفّارَةُ]، وحَقُّ العِبارَةِ التَّعْبِيرُ بِاللّامِ لِدَلالَتِها عَلى الِاتِّصالِ كَما يَقْتَضِيهِ الحالُ بِخِلافِ ”إلى“ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى مُهْلَةٍ وتَراخٍ، هَذا في الظِّهارِ المُطْلَقِ، وأمّا المُوَقَّتُ بِيَوْمٍ أوْ شَهْرٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ عائِدًا فِيهِ إلّا بِالوَطْئِ في الوَقْتِ المُظاهَرِ فِيهِ، وأمّا مُجَرَّدُ إمْساكِها فَلَيْسَ بِعَوْدٍ لِأنَّهُ إنَّما أمْسَكَها لِما [لَهُ] فِيها مِنَ الحِلِّ بَعْدَ وقْتِ الظِّهارِ.
ولَمّا كانَ المُبْتَدَأُ المَوْصُولُ مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ، أدْخَلَ الفاءَ في خَبَرِهِ لِيُفِيدَ السَّبَبِيَّةَ فَيَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ فَقالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ (p-٣٥٠)أيْ فَعَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الظِّهارِ والعَوْدِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ﴾ أيْ سَلِيمَةٍ عَنْ عَيْبٍ يُخِلُّ بِالعَمَلِ كامِلَةِ الرِّقِّ مُقَيَّدَةٍ [أيْضًا] بِمُؤْمِنَةٍ لِأنَّها قُيِّدَتْ [بِذَلِكَ] في كَفّارَةِ القَتْلِ، فَيُحْمَلُ هَذا عَلى ذاكَ، ولِأنَّ «مُعاوِيَةَ بْنَ الحَكَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: عَلَيَّ رَقَبَةٌ أفَأعْتِقُها، فَسَألَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ فَأخْبَرَتْهُ بِما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِها فَقالَ: مَن أنا؟ فَقالَتْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ-» رَواهُ مالِكُ ومُسْلِمٌ، فَعَلَّلَ الإجْزاءَ بِالإيمانِ ولَمْ يَسْألْهُ عَنْ سَبَبِ الوُجُوبِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ واجِبٍ وواجِبٍ، والمُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ [الظِّهارُ] والعَوْدُ جَمِيعًا كَما أنَّ المُوجِبَ في اليَمِينِ [اليَمِينُ] والحِنْثُ مَعًا.
ولَمّا كانَ التَّحْرِيرُ لا يَسْتَغْرِقُ زَمَنَ القَبْلِ بَلْ يَكُونُ في بَعْضِهِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ المَسَّ بَعْدَ المُظاهَرَةِ لا مُطْلَقًا قالَ: ﴿أنْ يَتَماسّا﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ مِنهُما مَسٌّ وهو الجِماعُ سَواءٌ كانَ ابْتِداءُ المُباشَرَةِ مِنهُ أوْ مِنها بِما أفادَتْهُ صِيغَةُ التَّفاعُلِ، وهو حَرامٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى وُجُوهِ التَّماسِّ وأخْفاها بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ ولَوْ كانَ بِإيلاجِ الحَشَفَةِ فَقَطْ مَعَ الإنْزالِ أوْ بِدُونِهِ، وأمّا (p-٣٥١)مُقَدِّماتُ الجِماعِ فَهي فِيها كالحائِضِ لا تَحْرُمُ عَلى الأظْهَرِ، فَإنْ جامَعَ عَصى ولَمْ تَجِبْ كَفّارَةٌ أُخْرى، لِما رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المُظاهِرِ يُواقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، قالَ: كَفّارَةٌ واحِدَةٌ» .
ولَمّا كانَ الوَعْظُ هو الزَّجْرَ عَنِ الفِعْلِ المَوْعُوظِ لِأجْلِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الزَّجْرُ العَظِيمُ جِدًّا الَّذِي هو عامٌّ لَكم مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ يَكُونُ بِمَشَقَّةٍ زاجِرًا لَكم عَنِ العَوْدِ إلى مُقارَبَةِ مِثْلِ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ مُقارَفَتِهِ لِأنَّ مَن حَرَّمَ مِن أجْلِها اللَّهُ تَحْرِيمًا مُتَأبِّدًا عَلى زَعْمِهِ [كانَ] كَأنَّهُ قَدْ قَتَلَها، ولِكَوْنِ [ذَلِكَ] بِلَفْظٍ اخْتَرَعَهُ وانْتَهَكَ فِيهِ حُرْمَةَ أُمِّهِ كانَ كَأنَّهُ قَدْ عَصى مَعْصِيَةً أوْبَقَ بِها نَفْسَهُ كُلَّها إيباقًا أخْرَجَهُ إلى [أنْ] يَقْتُلَها عُضْوًا عُضْوًا بِإعْتاقِ [رَقَبَةٍ] تُماثِلُ رَقَبَتَهُ ورَقَبَةَ مَن كانَ قَتَلَها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِما يَرْدَعُكم بَصِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ، وقَدَّمَ الجارَّ إشارَةً إلى إرادَةِ المُبالَغَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِإلْزامِ الِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ فِعْلَهُ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، فَهو عالِمٌ بِما يُكَفِّرُهُ، فافْعَلُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وقِفُوا عِنْدَ حُدُودِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: [والظِّهارُ -] وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ في (p-٣٥٢)الحَقِيقَةِ أصْلٌ ولا بِتَصْحِيحِهِ نُطْقٌ ولا لَهُ شَرْعٌ، بَعْدَ ما رُفِعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمْرُهُ ولَوَّحَ بِشَيْءٍ ما وقالَ: إنَّهُ حُكْمُهُ لَمْ يُخْلِ اللَّهُ مِن بَيانٍ ساقَ إلَيْهِ شَرْعَهُ فَقَضى فِيهِ بِما انْتَظَمَ فِيهِ الجَوابُ ارْتِفاعَ شَكْواها.
المجادلة 58:4
ولَمّا كانَتِ الكَفّارَةُ مَرْتَبَةً، وكانَ المُظاهِرُ كَأنَّهُ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِقَتْلِ المُظاهَرِ عَنْها كَما مَضى، فَكانَ مُفْتَقِرًا إلى ما يُحْيِي نَفْسَهُ فَشُرِعَ لَهُ العِتْقُ الَّذِي هو كالإحْياءِ، شُرِعَ لَهُ عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ ما يُمِيتُ نَفْسَهُ الَّتِي إماتَتُها لَهُ إحْياؤُها، وكانَ الشَّهْرانِ نِصْفَ المُدَّةِ الَّتِي يُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ، فَكانَ صَوْمُها كَنِصْفِ قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَها إحْياءُ الرُّوحِ وإنْعاشُ العَقْلِ، فَكانَ كَأنَّهُ إماتَتُها فَجَعَلَهُ سُبْحانَهُ بَدَلًا عَنِ القَتْلِ الَّذِي هو كالإحْياءِ فَقالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ الرَّقَبَةَ المَأْمُورَ بِها بِأنْ كانَ فَقِيرًا، فَإنْ كانَ غَنِيًّا ومالُهُ غائِبٌ فَهو واجِدٌ ﴿فَصِيامُ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ صِيامُ ﴿شَهْرَيْنِ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ كَسْرَ النَّفْسِ كَما مَضى، وكانَتِ المُتابَعَةُ أنْكا ولِذَلِكَ سُمِّيَ رَمَضانُ شَهْرَ الصَّبْرِ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَتابِعَيْنِ﴾ أيْ عَلى أكْمَلِ وُجُوهِ التَّتابُعِ عَلى حَسَبِ الإمْكانِ بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ، فَلَوْ قَطَعَ التَّتابُعَ بِشَيْءٍ ما ولَوْ كانَ بِنِسْيانِ النِّيَّةِ وجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنافُ والإغْماءُ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ لِأنَّهُ لَيْسَ في الوُسْعِ وكَذا الإفْطارُ بِحَيْضٍ أوْ نِفاسٍ أوْ جُنُونٍ بِخِلافِ الإفْطارِ بِسَفَرٍ أوْ مَرَضٍ أوْ خَوْفٍ (p-٣٥٣)عَلى حَمْلٍ أوْ رَضِيعٍ لِأنَّ الحَيْضَ مَعْلُومٌ فَهو مُسْتَثْنًى شَرْعًا، وغَيْرُهُ مُغَيِّبٌ [لِلْعَقْلِ -] مُزِيلٌ لِلتَّكْلِيفِ، وأمّا المَرَضُ ونَحْوُهُ فَفِيهِ تَعَمُّدُ الإفْطارِ مَعَ وُجُودِ العَقْلِ.
ولَمّا كانَ الإمْساكُ عَنِ المَسِيسِ قَدْ يَكُونُ أوْسَعَ مِنَ الشَّهْرَيْنِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ﴾ وحَلَّ المَصْدَرُ إفادَةً لِمَن يَكُونُ بَعْدَ المُظاهَرَةِ فَقالَ: ﴿أنْ يَتَماسّا﴾ فَإنْ جامَعَ لَيْلًا عَصى ولَمْ يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ. ولَمّا كانَ إطْعامُ نَفْسٍ قُوتَ نِصْفِ يَوْمٍ كَإماتَةِ نَفْسِهِ بِالصِّيامِ يَوْمًا قالَ تَعالى /: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيْ يَقْدِرْ عَلى الصِّيامِ قُدْرَةً تامَّةً - بِما أشارَ إلَيْهِ إظْهارُ التّاءِ لِهَرَمٍ أوْ مَرَضٍ أوْ شَبَقٍ مُفْرِطٍ يُهَيِّجُهُ الصَّوْمُ ﴿فَإطْعامُ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ إطْعامُ ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ما يَقُوتُهُ نِصْفَ يَوْمٍ، وهو مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ نَحْوُ نِصْفِ قَدَحٍ بِالمِصْرِيِّ، وهو مَلْءُ حَفْنَتَيْنِ بِكَفَّيْ مُعْتَدِلِ الخَلْقِ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ، وهو كَما في الفِطْرَةِ سَواءٌ، وحَذَفَ قَيْدَ المُماسَّةِ لِذِكْرِهِ في الأوَّلَيْنِ، ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في تَخْصِيصِ هَذا بِهِ أنَّ ذِكْرَهُ في أوَّلِ الخِصالِ لا بُدَّ مِنهُ، وإعادَتَهُ في الثّانِي لِطُولِ مُدَّتِهِ فالصَّبْرُ عَنْهُ فِيها مَشَقَّةٌ، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يُفْعَلَ في لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ لا مَشَقَّةَ لِلصَّبْرِ فِيها عَنِ المُماسَّةِ، هَذا إذا عادَ، فَإنْ وصَلَ الظِّهارَ بِالطَّلاقِ أوْ ماتَ أحَدُهُما في الحالِ قَبْلَ إمْكانِ الطَّلاقِ فَلا (p-٣٥٤)كَفّارَةَ، قالَ البَغْوِيُّ: لِأنَّ العَوْدَ في القَوْلِ هو المُخالَفَةُ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما العَوْدَ بِالنَّدَمِ فَقالَ: يَنْدَمُونَ ويَرْجِعُونَ إلى الأُلْفَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإنْ ظاهَرَ [عَنِ] الرَّجْعِيَّةِ انْعَقَدَ ظِهارُهُ فَإنْ راجَعَها لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ لِأنَّ الرَّجْعَةَ عَوْدٌ.
ولَمّا ذَكَرَ الحُكْمَ، بَيَّنَ عِلَّتَهُ تَرْغِيبًا فِيهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ التَّرْخِيصُ العَظِيمُ لَكم والرِّفْقُ بِكم والبَيانُ الشّافِي مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو مُوافِقٌ لِلْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ مِلَّةِ أبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ [أيْ] وهَذا الفِعْلُ العَظِيمُ الشّاقُّ لِيَتَجَدَّدَ إيمانُكم ويَتَحَقَّقَ وُجُودُهُ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَتُطِيعُوهُ بِالِانْسِلاخِ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ الَّذِي تَعْظِيمُهُ مِن تَعْظِيمِهِ وقَدْ بُعِثَ بِمِلَّةِ [أبِيهِ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ تَرَكَ هَذا الحُكْمَ الشَّدِيدَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ لَكانَ مُشَكِّكًا في البَعْثِ بِتِلْكَ المِلَّةِ السَّمْحَةِ.
ولَمّا رَغَّبَ في هَذا الحُكْمِ، رَهَّبَ مِنَ التَّهاوُنِ بِهِ فَقالَ: ﴿وتِلْكَ﴾ أيْ هَذِهِ الأفْعالُ المُزَكِّيَةُ وكُلُّ ما سَلَفَ مِن أمْثالِها في هَذا الكِتابِ الأعْظَمِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ أوامِرُ المَلِكِ الأعْظَمِ ونَواهِيهِ وأحْكامُهُ الَّتِي يَجِبُ امْتِثالُها والتَّقَيُّدُ بِها لِتُرْعى حَقَّ رِعايَتِها فالتَزِمُوها وقِفُوا (p-٣٥٥)عِنْدَها ولا تَعْتَدُوها فَإنَّهُ لا يُطاقُ انْتِقامُهُ إذا تَعَدّى نَقْضُهُ أوْ إبْرامُهُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلِلْمُؤْمِنِينَ بِها جَنّاتُ النَّعِيمِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ [بِها] أوْ بِشَيْءٍ مِن شَرائِعِهِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِما آلَمُوا المُؤْمِنِينَ بِهِ مِنَ الِاعْتِداءِ.
المجادلة 58:5
ولَمّا ذَكَرَ حُدُودَهُ، ولَوَّحَ بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ إلى بِشارَةِ حافِظِها، وصَرَّحَ بِتَهْدِيدِ مُتَجاوِزِيها أتْبَعَ ذَلِكَ تَفْصِيلَ عَذابِهِمُ الَّذِي مِنهُ بِشارَةُ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لِأنْ يُغْلَبُوا عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وضَعْفِ حِزْبِهِ وقِلَّتِهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ﴾ أيْ يُغالِبُونَ المَلِكَ الأعْلى عَلى حُدُودِهِ لِيَجْعَلُوا حُدُودًا غَيْرَها، وذَلِكَ صُورَتُهُ صُورَةُ العَداوَةِ، مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ بِأيِّ مُحادَّةٍ [كانَتْ] ولَوْ كانَتْ خَفِيَّةً - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ كَمُحادَّةِ أهْلِ الِاتِّحادِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ فَيُجْرُونَهُ عَلى ظاهِرِهِ فَيُخِلُّونَ بِهِ المُحْكَمَ لِتَخِلَّ الشَّرِيعَةُ بِأسْرِها، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ السُّورَةِ نَزَلَ في المُنافِقِينَ واليَهُودِ والمُهادِنِينَ كَما يَأْتِي في النَّجْوى وغَيْرِها ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي عِزُّهُ مِن عِزِّهِ ﴿كُبِتُوا﴾ أيْ صُرِعُوا وكُبُّوا لِوُجُوهِهِمْ وكُسِرُوا وأُذِلُّوا وأُخْزَوْا فَلَمْ يَظْفَرُوا (p-٣٥٦)ورُدُّوا بِغَيْظِهِمْ في [كُلِّ] أمْرٍ يَرُومُونَهُ مِن أيِّ كابِتٍ كانَ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ، وعَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ والفَراغِ مِن قَضائِهِ كَما فَرَغَ مِمّا مَضى، فَلِذا قالَ لِتَكُونَ الدَّعْوى مَقْرُونَةً بِدَلِيلِها: ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُحادُّونَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا جَمِيعَ الأزْمانِ الماضِيَةِ والأماكِنِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيِ المُحادِّينَ كَقَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ أصَرَّ عَلى العِصْيانِ، ولَمْ يَنْقَدْ لِدَلِيلٍ ولا بُرْهانٍ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن ضَيَّعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةً وأحْدَثَ في دِينِهِ بِدْعَةً انْخَرَطَ في هَذا السِّلْكِ، ووَقَعَ في هَذا الذُّلِّ.
ولَمّا اسْتَوْفى المَقامُ حَظَّهُ بَيانًا وتَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، عَطَفَ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ أوْ عَلى ما يُقَدَّرُ مِن نَحْوِ: فَقَدْ كانَ لَكم فِيما مَضى مِن أوَّلِ الإسْلامِ إلى هَذا الأوانِ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ وأتْباعِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مُعْتَبَرٌ، قَوْلَهُ: ﴿وقَدْ أنْـزَلْنا﴾ [أيْ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلَيْكم وعَلى مَن قَبْلَكم ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ عَظِيمَةً هي في غايَةِ البَيانِ لِذَلِكَ ولِكُلِّ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الإيمانُ بِتَرْكِ المُحادَّةِ ويَحْصُلُ الإذْعانُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلِلْمُؤْمِنِينَ بِها نَعِيمٌ مُقِيمٌ في مَقامٍ أمِينٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ [أيِ] (p-٣٥٧)الرّاسِخِينَ في الكُفْرِ بِها وبِغَيْرِها مِن أمْرِ اللَّهِ ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بِما تَكَبَّرُوا واغْتَرُّوا عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ، يُهِينُهم ذَلِكَ العَذابُ ويُذْهِبُ عِزَّهم وشَماخَتَهم ويَتْرُكُونَ بِهِ مُحادَّتَهم.
المجادلة 58:6
ولَمّا ذَكَرَ عَذابَهُمْ، [ذَكَرَ] وقْتَهُ عَلى وجْهٍ مُقَرِّرٍ لِما مَضى مِن شُمُولِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يَكُونُ ذَلِكَ في وقْتِ إعادَةِ المَلِكِ الأعْظَمِ لِلْكافِرِينَ المُصَرَّحِ بِهِمْ والمُؤْمِنِينَ المُشارِ إلَيْهِمْ أحْياءً كَما كانُوا ﴿جَمِيعًا﴾ في حالِ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في البَعْثِ. ولَمّا كانَ لا أوْجَعَ مِنَ التَّبْكِيتِ بِحَضْرَةِ بَعْضِ النّاسِ فَكَيْفَ إذا كانَ بِحَضْرَتِهِمْ كُلِّهِمْ فَكَيْفَ إذا كانَ بِمَرْأًى مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ ومَسْمَعٍ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ [أيْ] يُخْبِرُهم إخْبارًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى ﴿بِما عَمِلُوا﴾ إخْزاءً لَهم وإقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
ولَمّا كانَ ضَبْطُ ذَلِكَ أمْرًا عَظِيمًا، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لِهَوانِهِ عَلَيْهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ أيْ أحاطَ بِهِ عَدَدًا كَمًّا وكَيْفًا وزَمانًا ومَكانًا بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ. ولَمّا ذَكَرَ إحْصاءَهُ لَهُ، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ مِمّا يُمْكِنُ في العادَةِ إحْصاؤُهُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَسُوهُ﴾ أيْ كُلُّهم مُجْتَمِعِينَ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحَدِّ في الكَثْرَةِ فَكَيْفَ بِكُلِّ واحِدٍ عَلى انْفِرادِهِ ونَسُوا ما فِيهِ مِنَ المَعاصِي تَهاوُنًا بِها، وذَلِكَ عَيْنُ التَّهاوُنِ بِاللَّهِ والِاجْتِراءِ عَلَيْهِ، (p-٣٥٨)قالَ القُشَيْرِيُّ: إذا حُوسِبَ أحَدٌ في القِيامَةِ عَلى عَمَلٍ عَمِلَهُ تَصَوَّرَ لَهُ ما فَعَلَهُ ثُمَّ يَذْكُرُ حَتّى كَأنَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ قامَ مِن بِساطِ الزَّلَّةِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ الخَجَلِ والنَّدَمِ ما يَنْسى في جَنْبِهِ كُلَّ عُقُوبَةٍ، فَسَبِيلُ المُسْلِمِ أنْ لا يُخالِفَ أمْرَ مَوْلاهُ ولا يَحُومَ حَوْلَ مُخالَفَةِ أمْرِهِ، فَإنْ جَرى المَقْدُورُ ووَقَعَ في هُجْنَةِ التَّقْصِيرِ فَلْيَكُنْ مِن زَلَّتِهِ عَلى بالٍ، ولْيَتَضَرَّعْ إلى اللَّهِ بِحُسْنِ الِابْتِهالِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ: فاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ عَلِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ الشّامِلَةِ والعِلْمِ المُحِيطِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ أصْلًا ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ حَفِيظٌ حاضِرٌ لا يَغِيبُ، ورَقِيبٌ لا يَغْفُلُ، حِفْظُهُ لَهُ ورَقْبُهُ وحُضُورُهُ إيّاهُ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِ قاهِرٌ لَهُ بِإحاطَةِ قَهْرِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ لِيُمْكِنَ حِفْظُهُ لَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ يُرِيدُهُ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ [بْنُ] الزُّبَيْرِ: لَمّا نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ تَقَوُّلِ المُلْحِدِينَ، وأعْلَمَ أنَّ العالَمَ بِأسْرِهِ يُنَزِّهُهُ عَنْ ذَلِكَ بِألْسِنَةِ أحْوالِهِمْ لِشَهادَةِ العَوالِمِ عَلى أنْفُسِها بِافْتِقارِها لِحَكِيمٍ أوْجَدَها، لا يُمْكِنُ [أنْ] يُشْبِهَ شَيْئًا مِنها بَلْ يَتَنَزَّهُ مِن أوْصافِها ويَتَقَدَّسُ عَنْ سِماتِها، فَقالَ (p-٣٥٩)﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ١] ومَضَتْ أيْ تَعَرَّفَ بِعَظِيمِ سُلْطانِهِ وعَلِيِّ مُلْكِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ الخِطابُ إلى عِبادِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الآيِ، وكانَ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ الِالتِفاتِ، والواقِعُ [هُنا] مِنهُ أشْبَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ تَفْصِيلِ حالِ المُتَّقِينَ وحالِ مَن جُعِلَ في طَرَفٍ مِنهم وحالِ مَن يُشَبَّهُ بِظاهِرِهِ بِالمُتَّقِينَ وهو مَعْدُودٌ في شِرارِ الكافِرِينَ، فَلَمّا تَمَّ هَذا النَّمَطُ عَدَلَ بَعْدَهُ إلى دُعاءِ الخَلْقِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثُمَّ عَدَلَ بِالكَلامِ جُمْلَةً وصَرَفَ الخِطابَ إلى تَعْرِيفِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ أيْدِي الخَلْقِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَجاءَ ضَرْبًا مِنَ الِالتِفاتِ فَكَذا الواقِعُ هُنا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ مُشْرِكِي العَرَبِ وقَبَّحَ عِنادَهم وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم في عِدَّةِ سُوَرٍ غالِبُ آيِها جارٍ عَلى ذَلِكَ ومُجَدِّدٌ لَهُ أوَّلُها سُورَةُ ”ص“ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ في سُورَةِ القَمَرِ، وإلى الغايَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها إلى أنْ ورَدَتْ سُورَةُ القَمَرِ مُنْبِئَةً بِقَطْعِ دابِرِهِمْ، وانْجَرَّ فِيها الإعْذارُ المُنَبَّهُ عَلَيْهِ وكَذا في سُورَةِ الرَّحْمَنِ بَعْدَها، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالتَّعْرِيفِ بِحالِ النُّزُلِ الأُخْراوِيِّ في سُورَةِ الواقِعَةِ مَعَ زِيادَةِ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ عَلى مُرْتَكَباتٍ اسْتَدْعَتْ تَسْبِيحَهُ تَعالى وتَقْدِيسَهُ عَنْ شَنِيعِ افْتِرائِهِمْ فَأُتْبِعَتْ بِسُورَةِ الحَدِيدِ، ثُمَّ صَرَفَ فِيها (p-٣٦٠)الخِطابَ إلى المُؤْمِنِينَ، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى آخِرِ السُّورَةِ، جَرَتْ سُورَةُ المُجادِلَةِ عَلى هَذا القَصْدِ مَصْرُوفًا خِطابُها إلى نازِلَةِ تَشَوُّفِ المُؤْمِنِينَ إلى تَعَرُّفِ حُكْمِها، وهو الظِّهارُ المُبَيَّنُ أمْرُهُ فِيها، فَلَمْ يَعُدْ في الكَلامِ بَعْدُ كَما كانَ قَدْ صَرَفَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] بِأكْثَرَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِبَيانِ حُكْمٍ يَقَعُ مِنهُمْ، ثُمَّ أنَّ السُّوَرَ الوارِدَةَ بَعْدُ إلى آخِرِ الكِتابِ اسْتَمَرَّ مُعْظَمُها عَلى هَذا الغَرَضِ لِانْقِضاءِ ما قَصَدَ مِنَ التَّعْرِيفِ بِأخْبارِ القُرُونِ /السّالِفَةِ والأُمَمِ الماضِيَةِ، وتَقْرِيعِ مَن عانَدَ وتَوْبِيخِهِ، وذِكْرِ مِثالِ الخَلْقِ واسْتِقْرارِهِمُ الأُخْراوِيِّ، وذِكْرِ تَفاصِيلِ التَّكالِيفِ والجَزاءِ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وما بِهِ اسْتِقامَةُ مَنِ اسْتَجابَ وآمَنَ وما يَجِبُ أنْ يَلْتَزِمَهُ عَلى دَرَجاتِ التَّكالِيفِ وتَأْكِيدِها، فَلَمّا كَمَّلَ ذَلِكَ صَرَفَ الكَلامَ إلى ما يَخُصُّ المُؤْمِنِينَ في أحْكامِهِمْ وتَعْرِيفِهِمْ بِما فِيهِ مِن خَلاصِهِمْ، فَمُعْظَمُ آيِ سُورَةٍ بَعْدُ هَذا شَأْنُها، وإنِ اتَّجَرَ غَيْرُها فَلِاسْتِدْعاءٍ مُوجِبٍ وهو الأقَلُّ كَما بَيَّنّا - انْتَهى.
المجادلة 58:7
ولَمّا كانَ هَذا الإخْبارُ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ مَعَ أنَّهُ بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ - يَحْتاجُ عِنْدَ مَن جَرَّهُ الهَوى إلى الشِّرْكِ المُقْتَضِي لِلنَّقْصِ إلى دَلِيلٍ [مَعَهُ] فَقَدْ كانَ العَرَبُ يُنْكِرُونَ أنْ يَسَعَ النّاسَ كُلَّهم إلَهٌ (p-٣٦١)واحِدٌ، قالَ تَعالى دالًّا عَلى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ لِيُفِيدَ الإنْسانُ بِما يَراهُ مِنَ المَحْسُوساتِ، قاصِرًا الخِطابَ عَلى أعْلى الخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ ذَلِكَ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعْلَمْ عِلْمًا هو في وُضُوحِهِ كالرُّؤْيَةِ بِالعَيْنِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ كُلُّها ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾ كُلِّها. ولَمّا كانَ الخِطابُ لِأعْلى الخَلْقِ، وكانَ المَقامُ لِإحاطَةِ العِلْمِ، وكانَ خِطابُهُ ﷺ بِذَلِكَ إشارَةً لِلسّامِعِينَ إلى وُعُورَةِ هَذا المَقامِ وأنَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَتَصَوَّرُهُ ولا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ إلّا هو ﷺ ومَن أُلْحِقَ بِهِ مِمَّنْ صَفا فَهْمُهُ وسَوِيَ ذِهْنُهُ وانْخَلَعَ مِنَ الهَوى والعَوائِقِ، جَمَعَ وأكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، فَإفْرادُهُ ﷺ بِالخِطابِ بَعْدَ أنْ كانَ مَعَ المُظاهِرِينَ ثُمَّ المُحادِّينَ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ وتَأْكِيدُهُ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَقامِ بِالتَّعْمِيمِ لِيُرْعى حَقَّ الرَّعْيِ تَوْفِيَةً بِحَقِّ التَّعْلِيمِ كَما رَعَتْهُ الصِّدِّيقَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في قَوْلِها (سُبْحانَ مَن وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ) يَعْنِي في سَماعِهِ مُجادَلَةَ المَرْأةِ وهو في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ تَعالى: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ كُلِّيّاتِ ذَلِكَ وجُزْئِيّاتِهِ، لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنهُ، بِدَلِيلِ أنَّ تَدْبِيرَهُ مُحِيطٌ بِذَلِكَ عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ، وهو يُخْبِرُ مَن يَشاءُ مِن أنْبِيائِهِ وأصْفِيائِهِ بِما يَشاءُ مِن أخْبارِ ذَلِكَ، القاصِيَةِ والدّانِيَةِ، الحاضِرَةِ والغائِبَةِ، الماضِيَةِ (p-٣٦٢)والآتِيَةِ، فَيَكُونُ كَما أخْبَرَ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ وإنْ كانَ مَعْلُومًا يَتَعَذَّرُ إحاطَةُ الإنْسانِ بِكُلِّ جُزْئِيٍّ مِنهُ، دَلَّ عَلَيْهِ بِما هو أقْرَبُ [مِنهُ] فَقالَ: ”ما تَكُونُ“ بِالفَوْقانِيَّةِ في قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ لِتَأْنِيثِ النَّجْوى إشارَةً إلى العِلْمِ بِها ولَوْ ضَعُفَتْ إلى أعْظَمِ حَدٍّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتانِيَّةِ لِلْحائِلِ، ولِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وهي عَلى كُلِّ حالٍ مِن ”كانَ“ التّامَّةِ، وعَمَّمَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَجْوى﴾ أيْ تَناجِي مُتَناجِينَ، جُعِلُوا نَجْوى مُبالَغَةً، والنَّجْوى: السِّرُّ والمُسارُّونَ، اسْمٌ ومَصْدَرٌ - قالَهُ في القامُوسِ، وقالَ عَبْدُ الحَقِّ في الواعِي: النَّجْوى /الكَلامُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ كالسِّرِّ والتَّشاوُرِ - انْتَهى. [و]أصْلُهُ مِنَ النَّجْوى - لِلْمُرْتَفِعِ مِنَ الأرْضِ، والنَّجْوُ: الخُلُوصُ والقَطْعُ وكَشْطُ الجِلْدِ والحَدَثُ والكَشْفُ، لِأنَّ المُسارِرَ يَرْفَعُ ما كانَ في ضَمِيرِهِ إلى صاحِبِهِ ويُخَلِّصُهُ بِمُسارَرَتِهِ لَهُ ويَقْطَعُهُ مِن ضَمِيرِهِ ويَكْشِطُهُ مِنهُ ويُحَدِّثُهُ ويَكْشِفُهُ.
ولَمّا كانَتِ النَّجْوى لا تَكْمُلُ إلّا بِثالِثٍ يَحْفَظُ الأُنْسَ بِإدامَةِ الِاجْتِماعِ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ يَنْفَرِدانِ عِنْدَ عُرُوضِ حاجَةٍ لِأحَدِهِما ويَكُونانِ [فِي] التَّناجِي والتَّشاوُرِ كالمُتَنازِعَيْنِ، والثّالِثُ وسَطٌ بَيْنَهُما مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ (p-٣٦٣)وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، والثَّلاثَةُ أوَّلُ أوْتارِ العَدَدِ، كَما كانَ حافِظًا لَها في أزَلِ الأزَلِ قالَ: ﴿ثَلاثَةٍ﴾ أيْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا هو رابِعُهُمْ﴾ أيْ مُصَيِّرُهم أرْبَعَةً، فَهو اسْمُ فاعِلٍ والمَعْنى بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ كَما يَكُونُ كُلٌّ مِنَ المُتَناجِينَ عالِمًا بِنَجْوى البَعْضِ، فَرُوحُ النَّجْوى العِلْمُ بِالسِّرِّ.
ولَمّا كانَ الثَّلاثَةُ قَدْ يُرِيدُ أحَدُهم أنْ يَنْفَرِدَ بِآخَرَ مِنهُمْ، فَيَصِيرُ الثّالِثُ وحْدَهُ، فَإذا كانُوا أرْبَعَةً دامَ الأُنْسُ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَكْمُلُ إلّا بِخامِسٍ يَحْفَظُ الِاجْتِماعَ إذا عَرَضَتْ لِأحَدِ الِاثْنَيْنِ حاجَةٌ قالَ: ﴿ولا خَمْسَةٍ﴾ أيْ مِن نَجْواهم ﴿إلا هو سادِسُهُمْ﴾ كَذَلِكَ، فالحاصِلُ أنَّهُ ما يَكُونُ مِن وِتْرٍ إلّا كانَ هو سُبْحانَهُ شافِعَ وتَرِيَّتِهِ، وأمّا وتَرِيَّتُهُ [هُوَ] سُبْحانَهُ فَقَدْ كانَتْ ولا شَيْءَ مَعَها أصْلًا، وسَتَكُونُ ولا حَيَّ مَعَها، فَلا وِتْرَ في الوُجُودِ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ.
ولَمّا عُلِمَ بِالتَّكْرِيرِ أنَّ ما ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ المِثالِ لا لِمَعْنًى يَخُصُّهُ مِن جِهَةٍ بِالعِلْمِ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أدْنى﴾ فَبَدَأ بِالقَلِيلِ لِأنَّهُ قَبْلَ الكَثِيرِ و[هُوَ] أخْفى مِنهُ ﴿مِن ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرَ وهو الواحِدُ والِاثْنانِ والأرْبَعَةُ الَّذِي بَعِيدٌ عَنْ رُتْبَتِهِ وإنْ كانَ قَدْ شَرَّفَهُ سُبْحانَهُ بِإطْلاقِ مَعِيَّتِهِ بَعْدَ أنْ لا نِسْبَةَ لَهُ مِنها.
ولَمّا كانَ العِلْمُ بِالكَثِيرِ أعْسَرَ مِن أجْلِ انْتِشارِهِ [قالَ]: (p-٣٦٤)﴿ولا﴾ أيْ يَكُونُ مِن نَجْوى ﴿أكْثَرَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ كالسِّتَّةِ فَما فَوْقَها لا إلى نِهايَةٍ - هَذا التَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالجَرِّ بِفَتْحَةِ الرّاءِ ورَفَعَ يَعْقُوبُ عَلى مَحَلِّ مِن ﴿نَجْوى﴾ ﴿إلا هو مَعَهُمْ﴾ أيْ يَعْلَمُ ما يَجْرِي مِنهم وبَيْنَهُمْ، ويَلْزَمُ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ إحاطَةُ قُدْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ في طَهَ لِتَكْمُلَ شَهادَتُهُ.
ولَمّا كانَ العُمُومُ في المَكانِ يَسْتَلْزِمُ [العُمُومَ] في الزَّمانِ، وكانَ المَكانُ أظْهَرَ في الحِسِّ قالَ: ﴿أيْنَ ما﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ ﴿كانُوا﴾ فَإنَّهُ لا مَسافَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَ المَسافَةَ، وعِلْمُهُ بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبِ مَكانٍ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ ولا بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ غَيْرِ وُجُودِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، قالَ الرّازِيُّ: ما فارَقَ الأكْوانَ الحَقُّ ولا قارَنَها، كَيْفَ يُفارِقُها وهو مُوجِدُها وحافِظُها ومُظْهِرُها، وكَيْفَ يُقارِنُ الحَدَثَ القِدَمُ وهو بِهِ قِوامُ الكُلِّ، وهو القَيُّومُ عَلى الكُلِّ - انْتَهى. والحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العالَمِ وإنْ بَلَغَ في دِقَّتِهِ إلى ما لا يَنْقَسِمُ، وهو شاهِدٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ حِفْظًا وعِلْمًا وإحاطَةً وحُضُورًا، وآيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ أنَّ جُمْلَةَ الجِسْمِ يَحْيى بِالرُّوحِ، فَلا يَبْقى جُزْءٌ مِنهُ إلّا وهو مَحْفُوظٌ بِالرُّوحِ (p-٣٦٥)يُحِسُّ بِسَبَبِها وهو سُبْحانَهُ لا يَحْجُبُ عِلْمَهُ ولا شَيْئًا مِن صِفاتِهِ حِجابٌ، فَقَدْ صَحَّتِ المَعِيَّةُ وهو بِحَيْثُ لا يَحْوِيهِ المَكانُ ولا يَحْصُرُهُ العَدُّ، يَقْبِضُ المَخْلُوقَ ويَبْسُطُهُ، لا يَصْعَدُ المَخْلُوقُ ولا صِفَتُهُ ولا فِعْلُهُ ولا مَعْنًى مِن مَعانِيهِ إلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، إنَّما لَهُ مِنَ المَكانِ المَكانَةُ، ومِنَ العِلْمِ العُلا، ومِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ مُقْتَضاها - أشارَ إلى ذَلِكَ ابْنُ بُرْجانَ وقالَ: ومَن تَدَبَّرَ ما قَرَأهُ وتَفَهَّمَ ما تَعَلَّمَهُ أدْرَكَ مِنَ التَّحْقِيقِ ما نَحْنُ بِسَبِيلِ تِبْيانِهِ ما قُدِّرَ لَهُ، ألا تَرى إلى الجِنِّ أيْنَ مَكانُهم وإنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهِ ثُمَّ المَلائِكَةُ أرْفَعُ قَدْرًا ومَكانَةً، بَلْ إنَّ الرُّوحَ مِن جَمِيعِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَحْمِلُهُ، بِهِ حَيِيَتْ وبِهِ تَدْبِيرُها وبِهِ قِيامُها بِإذْنِ اللَّهِ خالِقِهِ،
"قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في خُطْبَتِهِ الكُبْرى وهي آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَها أخْرَجَها الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ: رَقِيَ المِنبَرَ وقالَ: «أيُّها النّاسُ ادْنُوا وأوْسِعُوا لِمَن خَلْفَكم - ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَدَنا النّاسُ وانْضَمَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، والتَفَتُوا فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم بَعْدَ الثّالِثَةِ: لِمَن نُوَسِّعُ يا رَسُولَ اللَّهِ ألِلْمَلائِكَةِ؟ فَقالَ: لا إنَّهم إذْ كانُوا مَعَكم لَمْ يَكُونُوا بَيْنَ أيْدِيكم [ولا مِن خَلْفِكُمْ] ولَكِنْ عَنْ أيْمانِكم وعَنْ شَمائِلِكم» [وعَلى ذَلِكَ] فَلَيْسُوا في مَكانِ (p-٣٦٦)الأيْمانِ هُنا والشَّمائِلِ بَلْ في المَكانِ مِن ذَلِكَ، فاللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ أعْلى وأجَلُّ وأنْزَهُ مَكانَةً وأكْرَمُ اسْتِواءً - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ نَسّاءً ولا سِيَّما إنْ تَمادى [بِهِ] الزَّمانُ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيَضْبِطُ عَلَيْهِمْ حَرَكاتِهِمْ وسَكَناتِهِمْ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، ويَحْفَظُها عَلى طُولِ الزَّمانِ كَما كانَ حافِظًا لَها قَبْلَ خَلْقِها ثُمَّ أزَلِ الأزَلِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ يُخْبِرُ أصْحابَها إخْبارًا عَظِيمًا ﴿بِما عَمِلُوا﴾ دَقِيقَةً وجَلِيلَةً ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي هو المُرادُ الأعْظَمُ مِنَ الوُجُودِ لِإظْهارِ الصِّفاتِ العُلى فِيهِ أتَمَّ إظْهارٍ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ، عَلَّلَهُ بِما هو دَلِيلٌ عَلى الشَّهادَةِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لَهم [مِنَ الإنْكارِ] قَوْلًا أوْ فِعْلًا بِالِاشْتِراكِ الَّذِي [يَلْزَمُ] مِنهُ النَّقْصُ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ. ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْإبْلاغِ في إحاطَةِ العِلْمِ، قَدَّمَ الجارَّ كَما مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ قالَ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا ذَكَرَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ الأقْدَسِ إلى الأشْياءِ كُلِّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا فَرْقَ أصْلًا بَيْنَ شَيْءٍ وآخَرَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: مَعِيَّةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإنْ كانَتْ عَلى العُمُومِ بِالعِلْمِ والرُّؤْيَةِ وعَلى الخُصُوصِ بِالفَضْلِ والنُّصْرَةِ، فَلِهَذا الخِطابِ في قُلُوبِ أهْلِ المَعْرِفَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ إلى أنْ يَنْتَهِيَ الأمْرُ بِهِمْ (p-٣٦٧)إلى التَّأْوِيلِ، فَلِلْوَلِهِ والهَيْمانِ في خِمارِ سَماعِ هَذا عَيْنُ رَغَدٍ.
المجادلة 58:8
ولَمّا كانَ هَذا الدَّلِيلُ [أيْضًا] تَتَعَذَّرُ الإحاطَةُ بِهِ، قالَ دالًّا عَلَيْهِ بِأمْرٍ جُزْئِيٍّ واقِعٍ بِعِلْمِ المُحَدَّثِ عَنْهُ حَقِيقَةً، فَإنْ عانَدَ بَعْدَهُ سَقَطَ عَنْهُ الكَلامُ إلّا بِحَدِّ الحُسامِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعْلَمْ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ، ودَلَّ عَلى سُفُولِ رُتْبَةِ المَرْئِيِّ بِإبْعادِهِ عَنْ أعْلى النّاسِ قَدْرًا بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن إذا زُجِرَ عَنْ شَيْءٍ انْزَجَرَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلَيْهِ في فِعْلِ ما زُجِرَ عَنْهُ، [عَبَّرَ] بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿نُهُوا﴾ أيْ مِن ناهٍ ما لا يَنْبَغِي لِلْمَنهِيِّ مُخالَفَتُهُ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ مَأْمُونُ الغائِلَةِ ﴿عَنِ النَّجْوى﴾ أيِ الإسْرارِ لِإحْلالِ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ في مَحَلِّ التُّهْمَةِ بِما لا يُرْضى [مِن] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - كَما قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ:
؎والخِلُّ كالماءِ يُبْدِي لِي ضَمائِرَهُ ∗∗∗ مَعَ الصَّفاءِ ويُخْفِيها مِنَ الكَدَرِ
ولَمّا كانَ النّاهِي هو اللَّهَ، فَكانَ هَذا لِلنَّهْيِ أهْلًا لِأنْ يُبْعَدَ مِنهُ غايَةَ البُعْدِ، عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ لِأنَّهُ إذا وقَعَتْ مَرَّةً بادَرُوا إلى التَّوْبَةِ مِنها أوْ فَلْتَةً وقَعَتْ مَعْفُوًّا عَنْها ﴿لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يُعِدُّوا لِما يُتَوَقَّعُ مِن جِهَةِ النّاهِي مِنَ (p-٣٦٨)الضَّرَرِ عُدَّةً ﴿ويَتَناجَوْنَ﴾ أيْ يُقْبِلُ جَمِيعُهم عَلى المُناجاةِ إقْبالًا واحِدًا، فَيَفْعَلُ كُلٌّ مِنهم ما يَفْعَلُهُ الآخَرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ ”ويُنْتِجُونَ“ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ يَدُلُّ عَلى التَّعَمُّدِ والمُعانَدَةِ ﴿بِالإثْمِ﴾ [أيْ] بِالشَّيْءِ الَّذِي يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ بِهِ الإثْمُ بِالذَّنْبِ وبِالكَذِبِ وبِما لا يَحِلُّ. ولَمّا ذَكَرَ المُطْلَقَ أتْبَعَهُ المُقَيَّدَ بِالشِّدَّةِ فَقالَ: ﴿والعُدْوانِ﴾ أيِ العَدُوِّ الَّذِي هو نِهايَةٌ في قَصْدِ الشَّرِّ بِالإفْراطِ في مُجاوَزَةِ الحُدُودِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَرًّا في نَفْسِهِ أتْبَعَهُ الإشارَةَ إلى أنَّ الشَّيْءَ يَتَغَيَّرُ وصْفُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُفْعَلُ مَعَهُ فَيَكْبُرُ بِكِبَرِ المَعْصِيِّ فَقالَ: ﴿ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أيِ الَّذِي جاءَ إلَيْهِمْ مِنَ المَلِكِ الأعْلى، وهو كامِلُ الرُّسْلِيَّةِ، لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا إلى جَمِيعِ الخَلْقِ وفي كُلِّ الأزْمانِ، فَلا نَبِيَّ بَعْدَهُ، فَهو لِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ غايَةَ الإكْرامِ.
ولَمّا أنْهى تَعْظِيمَ الذَّنْبِ إلى غايَتِهِ آذَنَ بِالغَضَبِ بِأنْ لَفَتَ الكَلامَ إلى الخِطابِ فَقالَ: ﴿وإذا جاءُوكَ﴾ أيُّها الرَّسُولُ الأعْظَمُ الَّذِي يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِمَّنْ أرْسَلَهُ ولَمْ يَغِبْ أصْلًا عَنْهُ لِأنَّهُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿حَيَّوْكَ﴾ أيْ واجَهُوكَ بِما يُعِدُّونَهُ تَحِيَّةً مِن قَوْلِهِمُ: السّامُّ عَلَيْكَ ونَحْوِهِ، وعَمَّ كَلَّ لَفْظٍ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ (p-٣٦٩)لِأحَدٍ مَعَهُ فَمَن تَجاوَزَ ما شَرَعَهُ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِسُخْطِهِ، ومِمّا دَخَلَ فِيهِ قَوْلُ بَعْضِ النّاسِ لِبَعْضٍ ”صَباحُ الخَيْرِ“ ونَحْوُهُ مُعْرِضًا عَنِ السَّلامِ. ولَمّا كانَ المَشْهُورُ عَنْهم أنَّهم يُخْفُونَ ذَلِكَ جُهْدَهم ويُعْلِنُونَ بِإمْلاءِ اللَّهِ لَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وإنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يَنْتَقِمَ مِنهُمْ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ عِنْدَ الِاسْتِدْراجِ بِالإمْلاءِ مُجَدِّدِينَ قَوْلَهم مُواظِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُطْلِعُوا عَلَيْهِ أحَدًا: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿يُعَذِّبُنا اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلى زَعْمِ مَن باهانا ﴿بِما نَقُولُ﴾ مُجَدِّدِينَ مَعَ المُواظَبَةِ إنْ كانَ يَكْرَهُهُ - كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا عِلْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذِهِ الجُزْئِيَّةِ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ ما في الكَوْنِ، لِأنَّ نِسْبَةَ الكُلِّ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَإذا ثَبَتَ عِلْمُهُ بِالبَعْضِ ثَبَتَ عِلْمُهُ بِالكُلِّ [فَثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ عَلى الكُلِّ] فَكانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا، [قالَ] مُهَدِّدًا لَهم مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذا إلّا إنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ عَذابٌ، أوْ يَحْصُلُ لَهُ مِنهُ ما لا يُبالِي بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ بِقُوَّتِهِ: ﴿حَسْبُهُمْ﴾ أيْ كِفايَتُهم في الِانْتِقامِ مِنهم وفي عَذابِهِمْ ورَشْقِهِمْ بِسِهامِ لَهِيبِها ومَنكَأِ شَرَرِها وتَصْوِيبِ صَواعِقِها ﴿جَهَنَّمُ﴾ أيِ الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ والعُبُوسَةِ والتَّكَرُّهِ والفَظاظَةِ. فَإنْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا عَذابٌ كانَ (p-٣٧٠)زِيادَةً عَلى الكِفايَةِ، فاسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مَحْضُ رُعُونَةٍ ﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ يُقاسُونَ عَذابَها دائِمًا فَإنِّي أعْدَدْتُها لَهم. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ فَإنَّهم [يَصِيرُونَ] إلَيْها ولا بُدَّ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ مَصِيرُهُمْ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم يَنْظُرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ ويَتَغامَزُونَ يُوهِمُونَهم أنَّهم يَتَناجَوْنَ فِيما يَسُوءُهم فَيَظُنُّونَ أنَّهُ بَلَغَهم شَيْءٌ مِن إخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا في السَّرايا غُزاةً في سَبِيلِ اللَّهِ مِن قَتْلٍ أوْ هَزِيمَةٍ فَيُحْزِنُهم ذَلِكَ، فَشَكَوْا [ذَلِكَ] إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهاهم عَنِ التَّناجِي في هَذِهِ الحالَةِ فَلَمْ يَنْتَهُوا، [و]رَوى أحْمَدُ والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ - قالَ الهَيْثَمِيُّ في المَجْمَعِ إنَّهُ جَيِّدٌ لِأنَّ حَمّادًا سَمِعَ مِن عَطاءِ بْنِ السّائِبِ في حالَةِ الصِّحَّةِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سامٌ عَلَيْكَ. ثُمَّ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ فَنَزَلَتْ». ورَوى أبُو يَعْلى عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ فَقُولُوا”وعَلَيْكَ»“ .
المجادلة 58:9
ولَمّا نَهى عَنِ النَّجْوى وذَمَّ عَلى فِعْلِها وتَوَعَّدَ عَلَيْهِ فَكانَ ذَلِكَ (p-٣٧١)مَوْضِعَ أنْ يُظَنَّ أنَّ النَّهْيَ عامٌّ لِكُلِّ نَجْوى وإنْ كانَتْ بِالخَيْرِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُنادِيًا بِالأداةِ الَّتِي لا يَكُونُ ما بَعْدَها لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، مُعَبِّرًا بِأوَّلِ أسْنانِ الإيمانِ بِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا أنَّهم أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ﴿إذا تَناجَيْتُمْ﴾ أيْ قَلَعَ كُلٌّ مِنكُمُ الكَلامَ مِن نَفْسِهِ فَرَفَعَهُ وكَشَفَهُ لِصاحِبِهِ سِرًّا ﴿فَلا تَتَناجَوْا﴾ أيْ تُوجِدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ظاهِرَةً كَتَناجِي المُنافِقِينَ ﴿بِالإثْمِ﴾ أيِ الذَّنْبِ وكُلِّ فِعْلٍ يُكْتَبُ بِسَبَبِهِ عُقُوبَةٌ.
ولَمّا عَمَّ خَصَّ فَقالَ: ﴿والعُدْوانِ﴾ أيِ الَّذِي هو العَدُوُّ الشَّدِيدُ بِما يُؤْذِي وإنْ كانَ العادِيُّ يَظُنُّ أنَّهُ لا يُكْتَبُ عَلَيْهِ بِهِ إثْمٌ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإجْلالِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أنَّهُ لا تُعْرَفُ حَقِيقَةُ الإثْمِ إلّا مِنهُ قالَ تَعالى: ﴿ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أيِ الكامِلِ في الرُّسْلِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ يُشَوِّشُ فِكْرَهُ فَلا يَدَعُهُ يُبَلِّغُ رِسالاتِ رَبِّهِ وهو مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ طَيِّبُ النَّفْسِ.
ولَمّا عُلِمَ أنَّ نَهْيَهم إنَّما هو عَنْ شَرٍّ يُفْسِدُ ذاتَ البَيْنِ هو ما لا يُرِيدُونَ إطْلاعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ [عَلَيْهِ] وسَلَّمَ، صَرَّحَ بِقَوْلِهِ حَثًّا عَلى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ لِأنَّ خَيْرَ الأُمُورِ ما عادَ [بِإصْلاحِها، وشَرَّ الأُمُورِ ما عادَ] بِإفْسادِها: ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيْ بِالخَيْرِ الواسِعِ الَّذِي فِيهِ [حُسْنُ] (p-٣٧٢)التَّرْبِيَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُعْمَلُ طَبْعًا، حَثَّ عَلى القَصْدِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿والتَّقْوى﴾ وهي ما يَكُونُ في نَفْسِهِ ظاهِرًا أنَّهُ يَكُونُ سُتْرَةً تَقِي مِن عَذابِ اللَّهِ بِأنْ يَكُونَ مُرْضِيًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.
ولَمّا كانَتِ التَّقْوى أُمَّ المَحاسِنِ، أكَّدَها ونَبَّهَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اقْصُدُوا قَصْدًا يَتْبَعُهُ العَمَلُ أنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِ المَلِكِ الأعْظَمِ وِقايَةً. ولَمّا كانَتْ ذِكْرى الآخِرَةِ هي مَجْمَعَ المَخاوِفِ ولا سِيَّما فَضائِحُ الأسْرارِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ قالَ: ﴿الَّذِي إلَيْهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿تُحْشَرُونَ﴾ أيْ تُجْمَعُونَ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ بِقَهْرٍ وكُرْهٍ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَيَتَجَلّى فِيهِ سُبْحانَهُ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الخَلْقِ والإنْصافِ بَيْنَهم بِالعَدْلِ ومُحاسَبَتِهِمْ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ولا تَقِي مِنهُ واقِيَةٌ، تَنْكَشِفُ فِيهِ سُرادِقاتُ العَظَمَةِ، ويَظْهَرُ [ظُهُورًا] تامًّا نُفُوذُ الكَلِمَةِ، ويَتَجَلّى في مَجالِي العِزِّ سَطَواتُ القَهْرِ، وتَنْبَثُّ لَوامِعُ الكِبْرِ، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مُسْتَحْضِرِينَ لِذَلِكَ لَمْ تُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ تُرِيدُونَ إخْفاءَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقَرَّ لِعَيْنِهِ وأطْهَرَ لَكم.
المجادلة 58:10
ولَمّا شَدَّدَ سُبْحانَهُ في أمْرِ النَّجْوى وكانَ لا يَفْعَلُها إلّا أهْلُ النِّفاقِ، فَكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهُ يَحْدُثُ عَنْها ضَرَرٌ لِأهْلِ الدِّينِ، قالَ سارًّا لِلْمُخْلِصِينَ (p-٣٧٣)[و]غامًّا لِلْمُنافِقِينَ ومُبَيِّنًا أنَّ ضَرَرَها إنَّما يَعُودُ عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّما النَّجْوى﴾ أيِ المَعْهُودَةُ وهي المَنهِيُّ عَنْها، وهي ما كَرِهَ صاحِبُهُ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: ما خَيَّلَهُ الشَّيْطانُ مِنَ الأحْكامِ المَكْرُوهَةِ لِلْإنْسانِ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ مُبْتَدِئَةٌ مِنَ المُحْتَرِقِ بِطَرْدِهِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ الحامِلُ عَلَيْها بِتَزْيِينِها فَفاعِلُها تابِعٌ لِأعْدى أعْدائِهِ مُخالَفَةً لِأوْلِيائِهِ.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّها مِنهُ، بَيَّنَ الحامِلَ لَهُ عَلى تَزْيِينِها فَقالَ: ﴿لِيَحْزُنَ﴾ أيِ الشَّيْطانُ لِيُوقِعَ الحُزْنَ في قُلُوبِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يَتَوَهَّمُهم أنَّهم بِسَبَبِ شَيْءٍ وقَعَ ما يُؤْذِيهِمْ، والحُزْنُ: هَمٌّ غَلِيظٌ وتَوَجُّعٌ يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، حَزَنَهُ وأحْزَنَهُ بِمَعْنًى، وقالَ في القامُوسِ: أوْ أحْزَنَهُ: جَعْلُهُ حَزِينًا، وحَزَنَهُ: جَعَلَ فِيهِ حُزْنًا، فَعَلى هَذا قِراءَةُ نافِعٍ مِن أحْزَنَ أشَدُّ في المَعْنى مِن قِراءَةِ الجَماعَةِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما خَيَّلَ هَذا مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ أنَّ في يَدِ الشَّيْطانِ شَيْئًا [مِنَ الأشْياءِ]، سَلَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَ﴾ أيِ الشَّيْطانُ وما حَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّناجِي، وأكَّدَ النَّفْيَ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿بِضارِّهِمْ﴾ أيِ (p-٣٧٤)الَّذِينَ آمَنُوا ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ وإنْ قَلَّ وإنْ خَفِيَ - بِما أفْهَمَهُ الإدْغامُ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ تَمْكِينِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ إلّا بِإذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ».
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقَدْ عُلِمَ أنَّهُ لا يُخْشى أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ لِأنَّهُ لا يُنَفَّذُ إلّا ما أرادَهُ، فَإيّاهُ فَلْيَخْشَ المَرْبُوبُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ، لا عَلى أحَدٍ غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في الإيمانِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، فَإنَّهُ القادِرُ وحْدَهُ عَلى إصْلاحِها وإفْسادِها، ولا يَحْزَنُوا مِن أحَدٍ أنْ يَكِيدَهم بِسِرِّهِ ولا بِجَهْرِهِ، فَإنَّهُ إذا تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وفَوَّضُوا أُمُورَهم إلَيْهِ، لَمْ يَأْذَنْ في حُزْنِهِمْ، وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا أحْزَنَهُمْ، وخَصَّ الرّاسِخِينَ لِإمْكانِ ذَلِكَ مِنهم في العادَةِ، وأمّا أصْحابُ البِداياتِ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِنهم إلّا خَرْقَ عادَةٍ.
المجادلة 58:11
ولَمّا ذَكَرَ ما يُحْزِنُ مِنَ السِّرِّ لِكَوْنِهِ اخْتِصاصًا عَنِ الجَلِيسِ بِالمَقالِ فَيَنْشَأُ عَنْهُ ظَنُّ الكَدَرِ وتَباعُدُ القُلُوبِ، أتْبَعَهُ الِاخْتِصاصَ بِالمَجْلِسِ الَّذِي هو مُباعَدَةُ الأجْسامِ اللّازِمُ لَها مِنَ الظَّنِّ ما لَزِمَ مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالسِّرِّ في الكَلامِ فَيَنْشَأُ عَنْهُ الحُزْنُ، مُعْلِمًا لَهم بِكَمالِ رَحْمَتِهِ وتَمامِ رَأْفَتِهِ بِمُراعاةِ (p-٣٧٥)حُسْنِ الأدَبِ بَيْنَهم وإنْ كانَ مِن أُمُورِ العادَةِ دُونَ أحْكامِ العِبادَةِ، فَقالَ مُخاطِبًا لِأهْلِ الدَّرَجَةِ الدُّنْيا في الإيمانِ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ لِمِثْلِ هَذا الأدَبِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حَداهم بِهَذا الوَصْفِ عَلى الِامْتِثالِ ﴿إذا قِيلَ لَكُمْ﴾ أيْ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ فَإنَّ الخَيْرَ يُرْغَبُ فِيهِ لِذاتِهِ: ﴿تَفَسَّحُوا﴾ أيْ تَوَسَّعُوا أيْ كَلِّفُوا أنْفُسَكم في إيساعِ المَواضِعِ ﴿فِي المَجالِسِ﴾ أيِ الجُلُوسِ أوْ مَكانِهِ لِأجْلِ مَن يَأْتِي فَلا يَجِدُ مَجْلِسًا يَجْلِسُ فِيهِ، والمُرادُ بِالمَجْلِسِ جِنْسُ المَكانِ الَّذِي هم ماكِثُونَ بِهِ بِجُلُوسٍ أوْ قِيامٍ في صَلاةٍ أوْ غَيْرِها لِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُجْلَسَ فِيهِ. وذَلِكَ في كُلِّ عَصْرٍ، ومَجْلِسُ النَّبِيِّ ﷺ أوْلى بِذَلِكَ، وقِراءَةُ عاصِمٍ بِالجَمْعِ مُوَضِّحَةٌ لِإرادَةِ الجِنْسِ ﴿فافْسَحُوا﴾ أيْ وسِّعُوا فِيهِ عَنْ سَعَةِ صَدْرٍ ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ والعَظَمَةُ الكامِلَةُ ﴿لَكُمْ﴾ في كُلِّ ما تَكْرَهُونَ ضِيقَهُ مِنَ الدّارَيْنِ.
ولَمّا كانَتِ التَّوْسِعَةُ يَكْفِي فِيها التَّزَحْزُحُ مَعَ دَوامِ الجُلُوسِ تارَةً وأُخْرى تَدْعُو الحاجَةُ فِيها إلى القِيامِ لِلتَّحَوُّلِ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ قالَ: ﴿وإذا قِيلَ﴾ أيْ مِن قائِلٍ كانَ - كَما مَضى - إذا كانَ يُرِيدُ الإصْلاحَ (p-٣٧٦)والخَيْرَ ﴿انْشُزُوا﴾ أيِ ارْتَفِعُوا وانْهَضُوا إلى المَوْضِعِ الَّذِي تُؤْمَرُونَ بِهِ أوْ يَقْتَضِيهِ الحالُ لِلتَّوْسِعَةِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأوامِرِ كالصَّلاةِ أوِ الجِهادِ وغَيْرِهِما ﴿فانْشُزُوا﴾ [أيْ] فارْتَفِعُوا وانْهَضُوا ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، عَبَّرَ بِالجَلالَةِ وأعادَ إظْهارَها مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَرْغِيبًا في الِامْتِثالِ لِما لِلنَّفْسِ مِنَ الشُّحِّ بِما يُخالِفُ المَأْلُوفَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإنْ كانُوا غَيْرَ عُلَماءَ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المَأْمُورُونَ بِالتَّفَسُّحِ السّامِعُونَ لِلْأوامِرِ، المُبادِرُونَ إلَيْها في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الذِّكْرِ بِالتَّمَكُّنِ في وصْفِ الإيمانِ المُوجِبِ لِعُلُوِّ الشَّأْنِ بِطاعَتِهِمْ لِرَسُولِهِ ﷺ في سَعَةِ صُدُورِهِمْ بِتَوْسِعَتِهِمْ لِإخْوانِهِمْ.
ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ قَدْ لا يَكُونُ مِنَ المَشْهُورِينَ بِالعِلْمِ قالَ: ﴿والَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ في نَفْسِهِ كافِيًا في الإعْلاءِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُؤْتٍ مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ وهم مُؤْمِنُونَ ﴿دَرَجاتٍ﴾ دَرَجَةً بِامْتِثالِ الأمْرِ وأُخْرى بِالإيمانِ، ودَرَجَةً بِفَضْلِ عِلْمِهِمْ وسابِقَتِهِمْ - رَوى الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في كِتابِ العِلْمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن جاءَهُ أجَلُهُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ (p-٣٧٧)بِهِ الإسْلامَ لَمْ يَفْضُلْهُ النَّبِيُّونَ إلّا بِدَرَجَةٍ واحِدَةٍ»، رَواهُ الدّارِمِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ في رِياضَةِ المُتَعَلِّمِينَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرَ مَنسُوبٍ، قالَ شَيْخُنا: فَقِيلَ: هو البَصْرِيُّ فَيَكُونُ مُرْسَلًا، وعَنِ الزُّبَيْرِ: العِلْمُ ذَكَرٌ فَلا يُحِبُّهُ إلّا ذُكُورُ الرِّجالِ.
وكُلَّما كانَ الإنْسانُ أعْلَمَ كانَ أذْكَرَ، ولَعَلَّهُ تَرَكَ التَّقْيِيدَ بِـ ”مِن“ في هَذا وإنْ كانَتْ مُرادَةً لِيُفْهِمَ أنَّ العِلْمَ يُعْلِي صاحِبَهُ مُطْلَقًا، فَإنْ كانَ مُؤْمِنًا عامِلًا بِعِلْمِهِ كانَ النِّهايَةَ، وإنْ كانَ عاصِيًا كانَ أرْفَعَ مِن مُؤْمِنٍ عاصٍ وعارٍ عَنِ العِلْمِ، وإنْ كانَ كافِرًا كانَتْ رِفْعَتُهُ دُنْيَوِيَّةً بِالنِّسْبَةِ إلى كافِرٍ لا يَعْلَمُ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِخَتْمِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ حالَ الأمْرِ وغَيْرِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، فَإنْ كانَ العِلْمُ مُزَيَّنًا بِالعَمَلِ بِامْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي وتَصْفِيَةِ الباطِنِ كانَتِ الرِّفْعَةُ عَلى حَسَبِهِ، وإنْ كانَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ، وقَدَّمَ الجارَّ ومَدْخُولَهُ وإنْ كانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِالأشْياءِ كُلِّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالأعْمالِ، لا سِيَّما الباطِنَةُ مِنَ الإيمانِ والعِلْمِ اللَّذَيْنِ هُما الرُّوحُ الأعْظَمُ، لِأنَّ المَقامَ لِنُزُولِ الإنْسانِ عَنْ مَكانِهِ بِالتَّفَسُّحِ والِانْخِفاضِ والِارْتِفاعِ، ولا يَخْفى (p-٣٧٨)ما في ذَلِكَ مِن حَظِّ النَّفْسِ الحامِلِ عَلى الجَرْيِ مَعَ الدَّسائِسِ، فَكانَ جَدِيرًا بِمَزِيدِ التَّرْهِيبِ، وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ أهْلَ العِلْمِ لَمّا كانُوا أحَقَّ بِصَدْرِ المَجْلِسِ لِأنَّهم أوَعى لِما يَقُولُ صاحِبُ المَجْلِسِ، كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لِيَلِيَنِي أُولُو الأحْلامِ مِنكم والنُّهى»، «وكانَ ﷺ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَجاءَ أُناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ مِنهم ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ وقَدْ سَبَقَ غَيْرُهم إلى المَجْلِسِ فَقامُوا حِيالَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ سَلَّمُوا عَلى القَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهم فَلَمْ يَفْعَلُوا فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ مِن [غَيْرِ] أهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يا فُلانُ وأنْتَ يا فُلانُ، فَأقامَ مِنَ المَجْلِسِ بِقَدْرِ القادِمِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى مَن أُقِيمَ، وعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ الكَراهِيَةَ في وُجُوهِهِمْ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ألَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ صاحِبَكم يَعْدِلُ، فَواللَّهِ ما عَدَلَ عَلى هَؤُلاءِ، إنَّ قَوْمًا أخَذُوا مَجالِسَهم وأحَبُّوا القُرْبَ مِن نَبِيِّهِمْ فَأقامَهم وأجْلَسَ مَن أبْطَأ عَنْهُ مَكانَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ،» وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لا يُقِيمُ الرَّجُلُ [الرَّجُلَ] مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، ولَكِنِ افْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي «أنَّ (p-٣٧٩)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قاتَلَ المُشْرِكِينَ فَصَفَّ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِلْقِتالِ تَشاحُّوا عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِإخْوانِهِ: تَوَسَّعُوا لِنَلْقى العَدُوَّ فَنُصِيبَ الشَّهادَةَ، فَلا يُوَسِّعُونَ لَهُ رَغْبَةً مِنهم في الجِهادِ والشَّهادَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ،» وهي دالَّةٌ عَلى أنَّ الصّالِحَ إنْ كَرِهَ مُجاوَرَةَ فاسِقٍ مُنِعَ مِن مُجاوَرَتِهِ لِأنَّهُ يُؤْذِيهِ ويَشْغَلُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِن مُهِمّاتِهِ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» وقالَ: «أعُوذُ بِكَ مِن جارِ السُّوءِ في دارِ المُقامَةِ فَإنَّ جارَ البادِيَةِ يَتَحَوَّلُ». وقالَ: «شَرُّ النّاسِ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ،» فَقالَ تَعالى مُعَظِّمًا لِرَسُولِهِ ﷺ وناهِيًا عَنْ إبْرامِهِ ﷺ بِالسُّؤالِ والمُناجاةِ، ونافِعًا لِلْفُقَراءِ والتَّمْيِيزِ بَيْنَ المُخْلِصِ والمُنافِقِ ومُحِبِّ الآخِرَةِ ومُحِبِّ الدُّنْيا،
المجادلة 58:12
ولَمّا نَهى عَمّا يُحْزِنُ مِنَ المَقالِ والمَقامِ، وكانَ المَنهِيُّ عَنْهُ مِنَ التَّناجِي إنَّما هو لِحِفْظِ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ عَمّا يُكَدِّرُهُ فَهو مُنْصَرِفٌ إلى مُناجاتِهِمْ غَيْرَهُ، وكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا أنَّ مُناجاتَهم لَهُ ﷺ لا حَرَجَ فِيها، وكانَ كَثِيرٌ مِنهم يُناجِيهِ ولا قَصْدَ لَهُ إلّا التَّرَفُّعَ بِمُناجاتِهِ فَأكْثَرُوا في ذَلِكَ حَتّى شَقَّ عَلَيْهِ ﷺ، وكانَ النّافِعُ لِلْإنْسانِ إنَّما هو كَلامُ مَن يُلائِمُهُ في الصِّفاتِ ويُشاكِلُهُ في الأخْلاقِ، وكانَ (p-٣٨٠)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ الدُّنْيا تَقَذُّرًا لَها لِأجْلِ بُغْضِ اللَّهِ لَها، أمَرَ مَن أرادَ أنْ يُناجِيَهُ بِالتَّصَدُّقِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أمارَةً عَلى الِاجْتِهادِ في التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِهِ الطّاهِرَةِ مِنَ الصُّرُوفِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى اللَّهِ، ومُظْهِرًا لَهُ عَمّا سَلَفَ مِنَ الإقْبالِ [عَلَيْها] فَإنَّ الصَّدَقَةَ بُرْهانٌ عَلى الصِّدْقِ في الإيمانِ، ولِيُخَفِّفَ عَنْهُ ﷺ ما كانُوا قَدْ أكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ المُناجاةِ، فَلا يُناجِيهِ إلّا مَن قَدْ خَلَصَ إيمانُهُ فَيَصَّدَّقُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِانْتِفاعِهِ بِتِلْكَ المُناجاةِ [كَما أنَّ الهَدِيَّةَ تَكُونُ مُهَيِّئَةً لِلْقَبُولِ كَما ورَدَ ”نِعْمَ الهَدِيَّةُ أمامَ الحاجَةِ“] فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا أنَّهم أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ أغْنِياءً كانُوا أوْ فُقَراءً ﴿إذا ناجَيْتُمُ﴾ أيْ أرَدْتُمْ أنْ تُناجُوا ﴿الرَّسُولَ﴾ ﷺ أيِ الَّذِي لا أكْمَلَ مِنهُ في الرُّسْلِيَّةِ فَهو أكْمَلُ الخَلْقِ ووَظِيفَتُهُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنهُ الكَلامُ بِما أرْسَلَهُ بِهِ المَلِكُ وتَكُونُ هَيْبَتُهُ مانِعَةً مِنَ ابْتِدائِهِ بِالكَلامِ، فَلا يَكُونُ مِنَ المُبْلَغِينَ إلّا الفِعْلُ بِالِامْتِثالِ لا غَيْرُ ﴿فَقَدِّمُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الإرادَةِ العالِيَةِ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ ومَثَّلَ النَّجْوى كَشَخْصٍ لَهُ يَدانِ يَحْتاجُ أنْ يُطَهِّرَ نَفْسَهُ لِيَتَأهَّلَ لِلْقُرْبِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ [فَقالَ]: ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ أيْ (p-٣٨١)قَبْلَ سِرِّكُمُ الَّذِي تُرِيدُونَ أنْ تَرْتَفِعُوا بِهِ ﴿صَدَقَةً﴾ تَكُونُ لَكم بُرْهانًا قاطِعًا عَلى إخْلاصِكم كَما ورَدَ أنَّ الصَّدَقَةَ بُرْهانٌ، فَهي مُصَدِّقَةٌ لَكم في دَعْوى الإيمانِ الَّتِي هي التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ومُعْظَمُهُ الإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الخُلُقُ العالِي جِدًّا مِن تَقْدِيمِ التَّصَدُّقِ قَبْلَ المُناجاةِ يا خَيْرَ الخَلْقِ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَهُ بِالخِطابِ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ كُلَّ ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ غَيْرُهُ.
وعادَ إلى الأوَّلِ فَقالَ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ في دِينِكم مِنَ الإمْساكِ عَنِ الصَّدَقَةِ ﴿وأطْهَرُ﴾ لِأنَّ الصَّدَقَةَ طُهْرَةٌ ونَماءٌ وزِيادَةٌ في كُلِّ خَيْرٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ زَكاةً ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] والتَّعْبِيرُ بِأفْعَلَ لِأنَّهم مُطَهَّرُونَ [قَبْلَهُ] بِالإيمانِ.
ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ، وكانَتْ عادَتُهُ أنْ لا يُكَلِّفَ بِما فَوْقَ الوُسْعِ لِلتَّخْفِيفِ عَلى عِبادِهِ لا سِيَّما هَذِهِ الأُمَّةُ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أيْ ما تُقَدِّمُونَهُ.
ولَمّا كانَ المَعْنى الكافِي في التَّخْفِيفِ: فَلَيْسَ عَلَيْكم شَيْءٌ، دَلَّ عَلَيْهِ بِأحْسَنَ مِنهُ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، وأكَّدَهُ لِاسْتِبْعادِ مِثْلِهِ فَإنَّ المَعْهُودَ مِنَ المَلِكِ إذا ألْزَمَ رَعِيَّتَهُ بِشَيْءٍ أنَّهُ لا يُسْقِطُهُ (p-٣٨٢)أصْلًا ورَأْسًا، ولا سِيَّما إنْ كانَ يَسِيرًا، ودَلَّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَنْ يُكَلِّفَ بِما فَوْقَ الطّاقَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لَهُ صِفَتا السَّتْرِ لِلْمَساوِئِ والإكْرامِ بِإظْهارِ المَحاسِنِ ثابِتَتانِ عَلى الدَّوامِ فَهو يَغْفِرُ ويَرْحَمُ تارَةً بِعَدَمِ العِقابِ لِلْعاصِي وتارَةً لِلتَّوْسِعَةِ لِلضِّيقِ بِأنْ يَنْسَخَ ما يَشُقُّ [إلى ما يَخِفُّ]، وهَذِهِ الآيَةُ قِيلَ: إنَّها نُسِخَتْ قَبْلَ العَمَلِ بِها، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي، أرَدْتُ المُناجاةَ ولِي دِينارٌ فَصَرَفْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ وناجَيْتُهُ عَشْرَ مَرّاتٍ أتَصَدَّقُ في كُلِّ مَرَّةٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ ظَهَرَتْ مَشَقَّةُ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، فَنَزَلَتِ الرُّخْصَةُ في تَرْكِ الصَّدَقَةِ، ورَوى النَّسائِيُّ في الكُبْرى والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى والبَزّارُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُرْهم أنْ يَتَصَدَّقُوا. قُلْتُ: بِكَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: بِدِينارٍ، قُلْتُ: لا يُطِيقُونَ. قالَ: فَنِصْفُ دِينارٍ، قُلْتُ: لا يُطِيقُونَ، قالَ:”فَبِكَمْ؟“قُلْتُ: بِشُعَيْرَةٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ». وكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: بِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ. وعَدَمُ عَمَلِ غَيْرِهِ لا يَقْدَحُ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لَمْ يَجِدْ عِنْدَ المُناجاةِ شَيْئًا أوْ أنْ [لا] يَكُونَ احْتاجَ (p-٣٨٣)إلى المُناجاةِ.
المجادلة 58:13
ولَمّا دَلَّ خَتْمُ الآيَةِ عَلى التَّخْفِيفِ، وكانَ قَدْ يَدَّعِي مُدَّعُونَ عَدَمَ الوِجْدانِ كَذِبًا فَيَحْصُلُ لَهم حَرَجٌ، وكانَ تَعالى شَدِيدَ العِنايَةِ بِنَجاةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، دَلَّ عَلى لُطْفِهِ بِهِمْ بِنَسْخِهِ بَعْدَ فَرْضِهِ. فَقالَ مُوَبِّخًا لِمَن يَشِحُّ عَلى المالِ نادِبًا إلى الخُرُوجِ عَنْهُ مِن غَيْرِ إيجابٍ: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ أيْ خِفْتُمْ مِنَ العَيْلَةِ لِما يَعِدُكم بِهِ الشَّيْطانُ مِنَ الفَقْرِ خَوْفًا كادَ أنْ يَفْطُرَ قُلُوبَكم ﴿أنْ تُقَدِّمُوا﴾ [أيْ] بِإعْطاءِ الفُقَراءِ وهم إخْوانُكم ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ أيْ لِلرَّسُولِ ﷺ، وجَمَعَ لِأنَّهُ أكْثَرُ تَوْبِيخًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّجْوى تَتَكَرَّرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ خَوْفِهِمْ مِن مَشَقَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن ذَلِكَ ووُجُودِ خَوْفِهِمْ مِن فِعْلِ التَّصَدُّقِ فَقالَ: ﴿صَدَقاتٍ﴾ وكانَ بَعْضُهم تَرَكَ وهو واجِدٌ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ رَحْمَتَهُ لَهم بِنَسْخِها عَنْهم لِذَلِكَ في مَوْضِعِ العِقابِ لِغَيْرِهِمْ عِنْدَ التَّرْكِ.
ولَمّا كانَ مَن قَبْلَنا [إذا] كُلِّفُوا الأمْرَ الشّاقَّ وحُمِلُوا عَلى التِزامِهِ بِمِثْلِ رَفْعِ الجَبَلِ فَوْقِهِمْ، فَإذا خالَفُوا عُوقِبُوا، بَيَّنَ فَضْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِأنَّهُ خَفَّفَ عَنْهُمْ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِما قَدْ يُشْعِرُ بِأنَّ بَعْضَهم تَرَكَ عَنْ قُدْرَةٍ: ﴿فَإذْ﴾ أيْ فَحِينَ ﴿لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ لِلنَّجْوى بِسَبَبِ هَذا الإشْفاقِ ﴿وتابَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي كانَ مِن شَأْنِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ أنْ يُعاقِبَ مَن تَرَكَ أمْرَهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ رَجَعَ (p-٣٨٤)بِمَن تَرَكَ الصَّدَقَةَ عَنْ وِجْدانٍ، وبِمَن تَصَدَّقَ وبِمَن لَمْ يَجِدْ إلى مِثْلِ حالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن سَعَةِ الإباحَةِ والعَفْوِ والتَّجاوُزِ والمَعْذِرَةِ والرُّخْصَةِ والتَّخْفِيفِ قَبْلَ الإيجابِ ولَمْ يُعاقِبْكم عَلى التَّرْكِ ولا عَلى ظُهُورِ اشْتِغالِ ذَلِكَ مِنكُمْ، قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: كانَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ ثُمَّ نُسِخَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ما كانَتْ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ. وعَلى كُلٍّ مِنهُما فَهي لَمْ تَتَّصِلْ بِما قَبْلَها نُزُولًا وإنِ اتَّصَلَتْ بِها تِلاوَةً وحُلُولًا ﴿فَأقِيمُوا﴾ بِسَبَبِ العَفْوِ عَنْكم شُكْرًا عَلى هَذا الكَرَمِ والحِلْمِ ﴿الصَّلاةَ﴾ الَّتِي هي طُهْرَةٌ لِأرْواحِكم ووَصْلَةٌ لَكم بِرَبِّكم ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ الَّتِي هي نَزاهَةٌ لِأبْدانِكم وتَطْهِيرٌ ونَماءٌ لِأمْوالِكم وصِلَةٌ بِإخْوانِكُمْ، ولا تُفَرِّطُوا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتُهْمِلُوهُ، فالصَّلاةُ نُورٌ تَهْدِي إلى المَقاصِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الدّارَيْنِ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ عَلى صِحَّةِ القَصْدِ في الصَّلاةِ.
ولَمّا خَصَّ أشْرَفَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ وأعْلى المَناسِكِ المالِيَّةِ، عَمَّ فَقالَ حاثًّا عَلى زِيادَةِ النُّورِ والبُرْهانِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَقَعُ المُشاكَلَةُ في الأخْلاقِ فَتَكُونُ المُناجاةُ عَنْ أعْظَمِ إقْبالٍ وإنْفاقٍ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ فَلَمْ يَشْرَكْهُ في إبْداعِهِ لَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أحَدٌ (p-٣٨٥)﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ في سائِرِ ما يَأْمُرُ بِهِ فَإنَّهُ ما أمَرَكم لِأجْلِ إكْرامِ رَسُولِكم ﷺ إلّا بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وجَعَلَ المُحافَظَةَ عَلى ذَلِكَ قائِمَةً مَقامَ ما أمَرَكم بِهِ، ثُمَّ نَسَخَهُ عَنْكم مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلى النَّجْوى.
ولَمّا كانَ قَدْ عَفا عَنْ أمْرٍ أشْعَرَ السِّياقُ بِأنَّهُ وقَعَ فِيهِ تَفْرِيطٌ، فَكانَ ذَلِكَ رُبَّما جَرى عَلى انْتِهاكِ الحُرُماتِ، رَهَّبَ مِن جَنابِهِ بِإحاطَةِ العِلْمِ، وعَبَّرَ بِالخَبَرِ لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ وبَّخَ عَلى أمْرٍ باطِنٍ ولَمْ يُبالِغْ بِتَقْدِيمِ الجارِّ لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ. فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ يُحِبُّ الَّذِينَ يُطِيعُونَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ، يَعْلَمُ بَواطِنَهُ كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَهُ.
المجادلة 58:14
ولَمّا أخْبَرَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ رَدْعًا لِمَن يَغْتَرُّ بِطُولِ حِلْمِهِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِاطِّلاعِهِ عَلى نِفاقِ المُنافِقِينَ الَّذِي هو أبْطَنُ الأشْياءِ، فَقالَ مُعَجِّبًا مُرَهِّبًا مُعَظِّمًا لِلْمَقامِ بِتَخْصِيصِ الخِطابِ بِأعْلى الخَلْقِ ﷺ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ ذَلِكَ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ ودَلَّ عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الخَيْرِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَكَلَّفُوا بِغايَةِ جُهْدِهِمْ أنْ جَعَلُوا أوْلِياءَهُمُ الَّذِينَ يُنْزِلُونَ بِهِمْ أُمُورَهم ﴿قَوْمًا﴾ ابْتَغَوْا عِنْدَهُمُ العِزَّةَ اغْتِرارًا بِما يَظْهَرُ لَهم مِنهم مِنَ القُوَّةِ ﴿غَضِبَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ (p-٣٨٦)الأعْلى الَّذِي لا نِدَّ لَهُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى المُتَوَلِّينَ والمُتَوَلَّيْنَ لِأنَّهم قَطَعُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، والأوَّلُونَ هُمُ المُنافِقُونَ تَوَلَّوُا اليَهُودَ، وزادَ في الشَّناعَةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ما هُمْ﴾ أيِ اليَهُودُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ لِتُوالُوهم خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ ورَغْبَةً في السِّلْمِ ﴿ولا مِنهُمْ﴾ أيِ المُنافِقِينَ، فَتَكُونُ مُوالاتُهم لَهم لِمَحَبَّةٍ سابِقَةٍ وقَرابَةٍ شابِكَةٍ، لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهم عُذْرًا، بَلْ هم مُذَبْذَبُونَ، فَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ بِأقْوالِهِمْ، ومَعَ الكُفّارِ بِقُلُوبِهِمْ، فَما تَوَلَّوْهم إلّا عِشْقًا في النِّفاقِ لِمُقارَبَةِ ما بَيْنَهم فِيهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ما المُنافِقُونَ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ولا مِنَ اليَهُودِ المُتَوَلَّيْنَ، وزادَ في الشَّناعَةِ عَلَيْهِمْ بِأقْبَحِ الأشْياءِ الحامِلِ عَلى كُلِّ رَذِيلَةٍ، فَقالَ ذاكِرًا لِحالِهِمْ في هَذا الِاتِّحادِ: ﴿ويَحْلِفُونَ﴾ أيِ المُنافِقُونَ يُجَدِّدُونَ الحَلِفَ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ودَلَّ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ عَلى أنَّهم في غايَةِ الجُرْأةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: مُجْتَرِئِينَ ﴿عَلى الكَذِبِ﴾ في دَعْوى الإسْلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُونَ فِيهِ مِن عَظائِمِ الآثامِ، فَإذا عُوتِبُوا عَلَيْهِ بادَرُوا إلى الأيْمانِ.
ولَمّا كانَ الكَذِبُ قَدْ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى ما يُخالِفُ الواقِعَ وإنْ كانَ عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ بِأنْ يَكُونَ الحالِفُ يَجْهَلُ عَدَمَ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ، قالَ (p-٣٨٧)نافِيًا لِذَلِكَ مُبَيِّنًا أنَّهم جَرُؤُوا عَلى اليَمِينِ الغَمُوسِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّهم كاذِبُونَ فَهم مُتَعَمِّدُونَ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: «يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبّارٍ ويَنْظُرُ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ وكانَ أزْرَقَ أسْمَرَ قَصِيرًا خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما فَعَلَ، فَقالَ لَهُ: فَعَلْتَ. فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما سَبُّوهُ، فَنَزَلَتْ».
المجادلة 58:15
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ، أتْبَعَهُ الإخْبارَ عَنْ مَآلِهِمْ، فَقالَ دالًّا - كَما قالَ القُشَيْرِيُّ - [عَلى أنَّ -] مَن وافَقَ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ أشْرَكَ نَفْسَهُ في اسْتِحْقاقِ غَضَبِ مَن هو غَضْبانٌ عَلَيْهِ، فَمَن تَوَلّى مَغْضُوبًا عَلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ وكَفى بِذَلِكَ هَوانًا [و]حُزْنًا وحِرْمانًا، مُعَبِّرًا بِما دَلَّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الباهِرَةُ فَلا كُفْؤَ لَهُ، وعَبَّرَ بِما دَلَّ عَلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ فَقالَ: ﴿لَهم عَذابًا﴾ أيْ أمْرًا قاطِعًا لِكُلِّ عُذُوبَةٍ ﴿شَدِيدًا﴾ يَعْلَمُ مَن رَآهُ ورَآهم أنَّ ذَواتَهم مُتَداعِيَةٌ إلَيْهِ ضَعِيفَةٌ عَنْهُ. (p-٣٨٨)ولَمّا أخْبَرَ بِعَذابِهِمْ، عَلَّلَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّهُ واقِعٌ في أتَمِّ مَواقِعِهِ فَقالَ مُؤَكِّدًا تَقْبِيحًا عَلى مَن كانَ يَسْتَحْسِنُ أفْعالَهُمْ: ﴿إنَّهم ساءَ﴾ أيْ بَلَغَ الغايَةَ مِمّا يَسُوءُ، ودَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ لَهم كالجِبِلَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ مِن غِشِّهِمُ المُؤْمِنِينَ ونُصْحِهِمُ الكافِرِينَ وعَيْبِهِمْ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، واجْتِرائِهِمْ عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى زادَهُمُ التَّمَرُّنُ عَلَيْهِ جُرْأةً عَلى جَمِيعِ المَعاصِي.
المجادلة 58:16
ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ ومُداوَمَتِهِمْ عَلَيْها، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ كَلَّفُوا فِطَرَهُمُ الأُولى المُسْتَقِيمَةَ لِما لَهم مِنَ العَراقَةِ في اعْوِجاجِ الطَّبْعِ والمَحَبَّةِ لِلْأذى ﴿أيْمانَهُمْ﴾ الكاذِبَةَ الَّتِي لا تَهُونُ عَلى مَن في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ ﴿جُنَّةً﴾ أيْ وِقايَةً وسُتْرَةً مِن كُلِّ ما يَفْضَحُهم مِنَ النِّفاقِ كائِنًا ما كانَ، أوْ يُوجِبُ قَتْلَهم بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ الكُفْرانِ.
ولَمّا كانَ عِلْمُهم بِأنَّهُ يَرْضى مِنهم بِالظّاهِرِ ويُصَدِّقُ أيْمانَهم هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى العَظائِمِ، فَكانُوا يُرَغِّبُونَ النّاسَ في النِّفاقِ بِعاجِلِ الشَّهَواتِ (p-٣٨٩)ويُثَبِّطُونَهم عَنِ الدِّينِ بِما فِيهِ مِن عاجِلِ الكُلَفِ وآجِلِ الثَّوابِ، سَبَّبَ عَنْ قَبُولِ إيمانِهِمْ قَوْلَهُ مُظْهِرًا بِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ [لَهُمْ]: ﴿فَصَدُّوا﴾ أيْ كانَ قَبُولُ ذَلِكَ مِنهم وتَأْخِيرُ عِقابِهِمْ سَبَبًا لِإيقاعِهِمُ الصَّدَّ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ شَرْعِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي هو الطَّرِيقُ إلى رِضْوانِهِ الَّذِي هو سَبَبُ الفَوْزِ الأعْظَمِ، فَإنَّهم كانُوا يُثَبِّطُونَ مَن لَقُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ ويُوهُونَ أمْرَهُ ويُحَقِّرُونَهُ، ومَن رَآهم قَدْ خَلَصُوا مِنَ المَكارِهِ بِأيْمانِهِمُ الحانِثَةِ [و]رُدَّتْ عَلَيْهِمُ الأرْزاقُ اسْتِدْراجًا وحَصَلَتْ لَهُمُ الرِّفْعَةُ عِنْدَ النّاسِ بِما يُرْضُونَهم مِن أقْوالِهِمُ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ غَرَّهُ ذَلِكَ فاتَّبَعَ سُنَّتَهم في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، ونَسَجَ عَلى مِنوالِهِمْ، غُرُورًا بِظاهِرِ أمْرِهِمْ، مُعْرِضًا عَمّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ مِن جَزاءِ خِداعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وأجْرى الأمْرَ عَلى أُسْلُوبِ التَّهَكُّمِ بِاللّامِ الَّتِي تَكُونُ في المَحْبُوبِ فَقالَ: ﴿فَلَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ صَدِّهِمْ أنَّهم كانَ لَهم ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ جَزاءً بِما طَلَبُوا بِذَلِكَ الصَّدِّ إعْزازَ أنْفُسِهِمْ وإهانَةَ أهْلِ الإسْلامِ.
المجادلة 58:17
ولَمّا كانَ لَهم أمْوالٌ وأوْلادٌ يَتَعَزَّزُونَ بِها، قالَ مُسْتَأْنِفًا [دالًّا] عَلى أنَّ مَنِ اسْتَتَرَ بِجُنَّةٍ دُونَ طاعَتِهِ لِتَسْلَمَ دُنْياهُ وراءَهُ تَكَشَّفَ لِسِهامِ (p-٣٩٠)التَّقْدِيرِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، ثُمَّ لا دِينُهُ يَبْقى ولا دُنْياهُ تَسْلَمُ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ بِالِافْتِداءِ ولا بِغَيْرِهِ ﴿أمْوالُهُمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإعادَةِ النّافِي لِلتَّنْصِيصِ عَلى كُلٍّ مِنهُما فَقالَ: ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ والمُدافَعَةِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ إغْناءً مُبْتَدِئًا مِنَ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِن إغْناءٍ ولَوْ قَلَّ جِدًّا، فَمَهْما أرادَ بِهِمْ سُبْحانَهُ كانَ ونَفَذَ ومَضى، لا يَدْفَعُهُ شَيْءٌ تَكْذِيبًا لِمَن قالَ مِنهُمْ: لَئِنْ كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَنَكُونَنَّ أسْعَدَ فِيهِ مِنكم كَما نَحْنُ الآنَ ولَنُنْصَرُنَّ بِأنْفُسِنا وأمْوالِنا وأوْلادِنا. ولَمّا انْتَفى الإغْناءُ المُبْتَدِئُ مِنَ اللَّهِ [فانْتَفى] بِانْتِفائِهِ كُلُّ إغْناءٍ سِواهُ، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِن كُلِّ خَيْرٍ [ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ] ولَمّا أفْهَمَتِ الصُّحْبَةُ المُلازَمَةَ، أكَّدَها بِقَوْلِهِ: ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً لِاضْمِحْلالِ عَذابِ غَيْرِهِمْ - لِكَوْنِهِمْ في الهاوِيَةِ - في جَنْبِ عَذابِهِمْ ﴿فِيها﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ شَيْءٍ يَقْصُرُ عَنْها ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ مُقِيمُونَ باقُونَ دائِمُونَ لازِمُونَ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ.
المجادلة 58:18
ولَمّا كانَ إفْسادُهم لِذاتِ البَيْنِ سِرًّا، وحَلِفُهم عَلى نَفْيِ ذَلِكَ جَهْرًا مَعَ الإلْزامِ بِقَبُولِ ما ظَهَرَ مِن ذَلِكَ مِنهم مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ كَذَبَ غائِظًا مُوجِعًا، وكانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ تَعالى كَما ألْزَمَ بِقَبُولِنا لِما ظَهَرَ مِنهم في دارِ العَمَلِ يَأْمُرُ بِقَبُولِهِمْ في دارِ الجَزاءِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ (p-٣٩١)مُعَزِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ وتَحْقِيقِ الأُمُورِ، لِأنَّ الإنْسانَ يُبْعَثُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ذَلِكَ جِبِلَّتَهُ الَّتِي لا يَنْفَكُّ عَنْها، ولا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، ذاكِرًا ظَرْفَ الخُلُودِ وإظْهارِ التَّعْذِيبِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ بِإحْيائِهِمْ عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ المَوْتِ ورَدِّهِمْ إلى ما كانُوا قَبْلَهُ ﴿جَمِيعًا﴾ لا يَتْرُكُ أحَدًا مِنهم ولا مِن غَيْرِهِمْ إلّا أعادَهُ إلى ما كانَ [عَلَيْهِ] قَبْلَ مَوْتِهِ ﴿فَيَحْلِفُونَ﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ظُهُورِ القُدْرَةِ التّامَّةِ لَهم ومُعايَنَةِ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ البَعْثِ والنّارِ أنَّهم يَحْلِفُونَ ﴿لَهُ﴾ أيِ اللَّهِ في الآخِرَةِ أنَّهم مُسْلِمُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوَهُ مِنَ الأُكْذُوباتِ الَّتِي تَزِيدُهم ضَرَرًا، ولا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، جَرْيًا عَلى ما طُبِعُوا عَلَيْهِ مِن إيثارِ الهَوى والقُصُورِ عَلى النَّظَرِ في المَحْسُوساتِ الَّتِي ألِفُوها ﴿كَما يَحْلِفُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿لَكُمْ﴾ لِكَوْنِكم لا تَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَعَ تَوَقُّعِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَفْضَحُهم كَما فَعَلَ لَهم ذَلِكَ مِرارًا، وحَلِفُهم ناشِئٌ عَنِ اعْتِقادِ بُعْدِهِمْ مِنَ القَبُولِ فَإنَّهُ لا يَحْلِفُ لَكَ إلّا مَن يَظُنُّ أنَّكَ تُكَذِّبُهُ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: عُقُوبَتُهُمُ الكُبْرى ظَنُّهُمُ الأجْنَبِيَّةَ، وغايَةُ الجُهْدِ كَبُّهم عَلى مَناخِرِهِمْ في وهْدَةِ نَدَمِهِمْ. (p-٣٩٢)ولَمّا كانَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ ضَعْفُ عُقُولِهِمْ وتَوَغُّلُهم في النِّفاقِ ومُرُودُهم عَلَيْهِ حَتّى بُعِثُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُنْجِيهِمْ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، عَبَّرَ بِالحُسْبانِ، فَقالَ دالًّا عَلى أنَّهم في الغايَةِ مِنَ الجَهْلِ وقِلَّةِ العَقْلِ: ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أيْ في القِيامَةِ بِأيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ ﴿أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ يَحْصُلُ لَهم بِهِ نَفْعٌ لِتَخَيُّلِهِمْ أنَّ أيْمانَهم تَرُوجُ عَلى اللَّهِ فَتُنْجِيهِمْ كَما كانَتْ في الدُّنْيا تُنْجِيهِمْ.
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ أُمُورَهم لا حَقائِقَ لَها لا في إخْباراتِهِمْ ولا في أيْمانِهِمْ ولا في حُسْبانِهِمْ، [قالَ مُنادِيًا عَلَيْهِمْ مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِ حُسْبانِهِمْ]: ﴿ألا إنَّهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيِ المَحْكُومُ بِكَذِبِهِمْ في حُسْبانِهِمْ وفي أخْبارِهِمْ في الدّارَيْنِ لِعَراقَتِهِمْ في وصْفِ الكَذِبِ حَيْثُ لا يَسْتَحْيُونَ مِنَ الكَذِبِ عِنْدَ اللَّهِ.
المجادلة 58:19
ولَمّا كانَ هَذا الِانْهِماكُ فِيما لا يُغْنِي مِمّا يَحْصُلُ لِسامِعِهِ غايَةُ العَجَبِ مِن وُقُوعِ عاقِلٍ فِيهِ مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ، فَضْلًا عَنْ مُلازَمَتِهِ، أخْبَرَ عَنِ الحامِلِ لَهم عَلَيْهِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ أيْ طَلَبَ أنْ يَغْلِبَ ويَسُوقَ ويُسْرِعَ ويَضْرِبَ الحَوْطَةَ ويَحُثَّ ويَقْهَرَ ويَسْتَوْلِيَ ﴿عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ مَعَ [أنَّهُ] طَرِيدٌ ومُحْتَرِقٌ، ووُجِدَ مِنهُ جَمِيعُ ذَلِكَ، ووَصَلَ مِنهم إلى ما يُرِيدُهُ، ومَلَكَهم مِلْكًا لَمْ يَبْقَ لَهم مَعَهُ اخْتِيارٌ فَصارُوا (p-٣٩٣)رَعِيَّتَهُ وأقْطاعَهُ، وصارَ هو مُحِيطًا بِهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، غالِبًا عَلَيْهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا، مِن قَوْلِهِمْ: حُذْتُ الإبِلَ أيِ اسْتَوْلَيْتُ عَلَيْها، وحاذَ الحِمارُ العانَةَ - إذا جَمَعَها وساقَها غالِبًا لَها، والحَوْذُ: السَّوْقُ السَّرِيعُ، ومِنهُ الأحْوَذِيُّ: الخَفِيفُ في المَشْيِ لِحِذْقِهِ، وجاءَ عَلى الأصْلِ عَلى حُكْمِ الصَّحِيحِ لِأنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلى حاذَ كافْتَقَرَ فَإنَّهُ لا مُجَرَّدَ لَهُ، لَمْ يَقُولُوا: فَقَرَ: ﴿فَأنْساهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اسْتِحْواذِهِ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أنْساهم ﴿ذِكْرَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى بَعْدَ أنْ كانَ ذِكْرُهُ مَرْكُوزًا في فِطَرِهِمُ الأُولى، فَصارُوا لا يَذْكُرُونَهُ أصْلًا بِقَلْبٍ ولا لِسانٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ، أنْتَجَ ولا بُدَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ أحَلُّوا أنْفُسَهم أبْعَدَ مَنزِلٍ ﴿حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ أيْ أتْباعُهُ وجُنْدُهُ وجَماعَتُهُ وطائِفَتُهُ وأصْحابُهُ والمُحْدِقُونَ بِهِ والمُتَحَيِّزُونَ إلَيْهِ لِدَفْعِ [ما] حَزَبَهُ أيْ نابَهُ واشْتَدَّ عَلَيْهِ، المُبْعَدُونَ المُحْتَرِقُونَ لِأنَّهم تَبِعُوهُ ولَمْ يَخافُوا [فِي] مَجازِيَّتِهِ وإنْفاذِ ما يُرِيدُ لَوْمَةَ لائِمٍ مَعَ أنَّهُ كُلُّهُ نَقائِصُ ومَعايِبُ، وهم مَطْبُوعُونَ عَلى بُغْضِهِ، وتَرَكُوا مَن [لَهُ] الكَمالُ كُلُّهُ، وذِكْرُهُ وحُبُّهُ مَرْكُوزٌ في فِطَرِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانَتْ تَرْجَمَةُ هَذا ونَتِيجَتُهُ قَوْلَهُ: (p-٣٩٤)﴿ألا﴾ وأكَّدَ لِظَنِّهِمُ الرِّبْحَ بِما لَهم في الدُّنْيا مِنَ الكَثْرَةِ وظُهُورِ التَّعاضُدِ والِاسْتِدْراجِ بِالبَسْطِ والسَّعَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ﴾ أيِ الطَّرِيدِ المُحْتَرِقِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الخاسِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ لِأنَّهم لَمْ يَظْفَرُوا بِغَيْرِ الطَّرْدِ والِاحْتِراقِ.
المجادلة 58:20
ولَمّا بَيَّنَ ما أوْصَلَهم إلَيْهِ نِسْيانُ الذِّكْرِ مِنَ الخَسارِ، بَيَّنَ أنَّهُ أوْقَعَهم في العَداوَةِ، فَقالَ مُعَلِّلًا الخَسارَ والنِّسْيانَ والتَّحَزُّبَ، وأكَّدَ تَكْذِيبًا لِحالِفِهِمْ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ مُظْهِرًا مَوْضِعَ الإضْمارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الوَصْفِ المُوقِعِ في الهَلاكِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ﴾ ولَعَلَّ الإدْغامَ لِسَتْرِهِمْ ذَلِكَ الإيمانَ، ويُفْهَمُ مِنهُ الحُكْمُ [عَلى] مَن جاهَرَ بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿اللَّهَ﴾ أيْ يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ فِعْلَ مَن يُنازِعُ آخَرَ في أرْضٍ فَيَغْلِبُ عَلى طائِفَةٍ مِنها فَيَجْعَلُ لَها حَدًّا لا يَتَعَدّاهُ خَصْمُهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ.
ولَمّا كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلّا لِكَثْرَةِ أعْوانِهِمْ وأتْباعِهِمْ، فَيَظُنُّ مَن رَآهم أنَّهُمُ الأعِزّاءُ الَّذِينَ لا أحَدَ أعَزُّ مِنهُمْ، قالَ تَعالى نَفْيًا لِهَذا الغُرُورِ الظّاهِرِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الأباعِدُ الأسافِلُ ﴿فِي الأذَلِّينَ﴾ [أيِ] (p-٣٩٥)الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنَّهم أذَلُّ الخَلْقِ بِحَيْثُ يُوصَفُ كُلٌّ مِنهم بِأنَّهُ الأذَلُّ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَن يُمْكِنُ مِنهُ ذُلٌّ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ سَواءٌ كانُوا فارِسَ والرُّومَ أوْ أعْظَمَ مِنهم سَواءٌ كانُوا مُلُوكًا كَفَرَةً كانُوا أوْ فَسَقَةً، كَما قالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلْمَعْصِيَةِ في قُلُوبِهِمْ لَذُلًّا، وإنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ اللُّجُمُ.
المجادلة 58:21
ولَمّا أنْزَلَهم بِالحَضِيضِ الأسْفَلِ، عَلَّلَ ذَلِكَ [بِما يَدُلُّ عَلى] أنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَرِيكَ لَهُ بِإتْمامِ كَلِماتِهِ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ عَلى ضَعْفِهِمْ وخِذْلانِ أعْدائِهِ عَلى قُوَّتِهِمْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ [غَيْبٌ] مَحْضٌ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ إلّا بِأفْعالِهِ فَقالَ: ﴿كَتَبَ﴾ أيْ فَعَلَ فِعْلَ مَن أبْرَمَ أمْرًا فَفَرَغَ مِنهُ وكَتَبَهُ فَأوْجَبَ وحَتَّمَ وقَضى وبَتَّ ﴿اللَّهُ﴾ [أيِ المَلِكُ] الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ﴿لأغْلِبَنَّ﴾ أكَّدَ لِما لَهم مِن ظَنِّ الغَلَبِ بِالكَثْرَةِ والقُوَّةِ ﴿أنا ورُسُلِي﴾ أيْ بِقُوَّةِ الجِدالِ وشِدَّةِ الجِلادِ، فَهو صادِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بَعَثَ بِالحَرْبِ، وإلى مَن بَعَثَ بِالحُجَّةِ، وعَلَّلَ هَذا القَهْرَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أفْعالَهم مَعَ أوْلِيائِهِ أفْعالُ مَن يَظُنُّ ضَعْفَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿قَوِيٌّ﴾ فَهو يُفِيضُ مِن باطِنِ قُوَّتِهِ (p-٣٩٦)ما يُظْهِرُ بِهِ ظاهِرَ قُدْرَةِ أوْلِيائِهِ، فَإنَّ القَوِيَّ مَن لَهُ اسْتِقْلالٌ باطِنٌ بِما يَحْمِلُهُ القائِمُ في الأمْرِ ولَوْ ضُوعِفَ عَلَيْهِ ما عَسى أنْ يُضاعَفَ وحِمايَتُهُ مِمّا يَتَطَرَّقُ إلى الإجْلالِ بِشِدَّةٍ وبَطْشٍ مُنْبَعِثٍ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِقْلالِ الباطِنِ، وما ظَهَرَ مِن أثَرِ ذَلِكَ فَهو قُدْرَةٌ، فَلا اقْتِدارَ يَظْهَرُ مِنَ الخَلْقِ إلّا بِالِاسْتِنادِ إلى القُوَّةِ بِاللَّهِ، ولا قِيامَ بِالحَقِيقَةِ لِباطِنٍ إلّا بِاللَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَلِذَلِكَ كانَ بِالحَقِيقَةِ لا قَوِيَّ إلّا هو.
ولَمّا كانَ القَوِيُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ قَدْ يَكُونُ غَيْرُهُ [أقْوى مِن غَيْرِهِ] ولَوْ في وقْتٍ، [نَفى] ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ غالِبٌ غَلَبَةً لا يَجِدُ مَعَها المَغْلُوبُ نَوْعَ مُدافَعَةٍ وانْفِلاتٍ، ثابِتٌ لَهُ هَذا الوَصْفُ دائِمًا.
المجادلة 58:22
ولَمّا ظَهَرَ بِهَذا كالشَّمْسِ أنَّ مَن والاهُ سُبْحانَهُ كانَ فائِزًا، ومَن عاداهُ كانَ خاسِرًا، كانَتْ نَتِيجَتُهُ قَطْعًا التَّحْذِيرَ مِن مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ في سِياقِ النَّفْيِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْهُ والزَّجْرِ عَنْ قُرْبانِهِ فَقالَ: ﴿لا تَجِدُ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ ناسًا لَهم قُوَّةٌ عَلى ما يُرِيدُونَ مُحاوَلَتَهُ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الإيمانَ ويُدِيمُونَهُ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي هو مَوْضِعُ الجَزاءِ لِكُلِّ عامِلٍ [بِكُلِّ ما] عَمِلَ، الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ ﴿يُوادُّونَ﴾ (p-٣٩٧)أيْ يَحْصُلُ مِنهم وُدٌّ [لا] ظاهِرًا ولا باطِنًا - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ وأقَلُّهُ المُوافَقَةُ في المُظاهَرَةِ ﴿مَن حادَّ اللَّهَ﴾ أيْ عادى بِالمُناصَبَةِ في الحُدُودِ المَلِكَ الأعْلى لِذَلِكَ فالمُحادَّةُ لا تَخْفى وإنْ كانَتْ باطِنَةً يَسْتَتِرُ بِها صاحِبُها، لِأنَّ الظّاهِرَ عُنْوانُ الباطِنِ، والأفْعالَ دَلِيلٌ [عَلى] الأقْوالِ، وهَذا حامِلٌ عَلى زِيادَةِ النَّفْرَةِ مِنهم ﴿ورَسُولَهُ﴾ فَإنَّ مَن حادَّهُ فَقَدْ حادَّ الَّذِي أرْسَلَهُ، بَلْ لا تَجِدُهم إلّا يُحادُّونَهُمْ، لا أنَّهم يُوادُّونَهُمْ، وزادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ الَّذِينَ أوْجَبَ اللَّهُ عَلى الأبْناءِ طاعَتَهم بِالمَعْرُوفِ، وذَلِكَ كَما فَعَلَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَتَلَ أباهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الجَرّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿أوْ أبْناءَهُمْ﴾ الَّذِينَ جُبِلُوا عَلى مَحَبَّتِهِمْ ورَحْمَتِهِمْ كَما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى المُبارَزَةِ، وقالَ: «دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أكُنْ في الرَّعْلَةِ الأُولى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَتِّعْنا بِنَفْسِكَ يا أبا بَكْرٍ، أما تَعْلَمُ أنَّكَ بِمَنزِلَةِ سَمْعِي وبَصَرِي» ﴿أوْ إخْوانَهُمْ﴾ [الَّذِينَ] هم أعْضادُهم (p-٣٩٨)كَما فَعَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ وخَرَقَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصُّفُوفَ يَوْمَئِذٍ عَلى أخِيهِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي وقّاصٍ غَيْرَ مَرَّةٍ لِيَقْتُلَهُ فَراغَ عَنْهُ رَوَغانَ الثَّعْلَبِ، فَنَهاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ وقَتَلَ [مُحَمَّدُ] بْنُ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أخاهُ مِنَ الرَّضاعِ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّ رَأْسَ بَنِي النَّضِيرِ ﴿أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الَّذِينَ هم أنْصارُهم وأمْدادُهم كَما فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَتَلَ خالَهُ العاصِيَ بْنَ هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ وعَلِيٌّ وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قَتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ بَنِي عَمِّهِمْ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وعَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّ السَّلَفَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن يَصْحَبُ السُّلْطانَ - انْتَهى. ومَدارُ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ يَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن غَيْرِ اللَّهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُخْلِصًا في إيمانِهِ.
ولَمّا كانَ لا يَحْمِلُ عَلى البَراءَةِ مِمَّنْ هَذا شَأْنُهُ إلّا صَرِيحُ الإيمانِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الأعْظَمُونَ شَأْنًا الأعْلَوْنَ هِمَمًا ﴿كَتَبَ﴾ (p-٣٩٩)أيْ وصَلَ وأثْبَتَ وصْلًا وهو في لُحْمَتِهِ كالخَرَزِ في الأدِيمِ، وكالطِّرازِ في الثَّوْبِ الرَّقِيمِ، فَلا انْفِكاكَ لَهُ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ فَجَعَلَها أوْعِيَةً لَهُ فَأثْمَرَ ذَلِكَ نُورَ الباطِنِ واسْتِقامَةَ الأعْمالِ في الظّاهِرِ ﴿وأيَّدَهُمْ﴾ أيْ قَوّاهم وشَدَّدَهم وأعانَهم وشَجَّعَهم وعَظَّمَهم وشَرَّفَهم ﴿بِرُوحٍ﴾ أيْ نُورٍ شَرِيفٍ جِدًّا يَفْهَمُونَ بِهِ ما أوْدَعَ في كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ مِن كُنُوزِ العِلْمِ والعَمَلِ فَهو لِقُلُوبِهِمْ كالرُّوحِ لِلْأبْدانِ، فَلا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِن أحْوالِ [أهْلِ] الجاهِلِيَّةِ كالمُظاهَرَةِ، وزادَ هَذا التَّأْيِيدَ شَرَفًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾ أيْ أحْياهم بِهِ فَلا انْفِكاكَ لِذَلِكَ عَنْهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَأثْمَرَ لَهُمُ اسْتِقامَةَ المَناهِجِ ظاهِرًا وباطِنًا، فَقَهَرُوا بِالدَّلائِلِ والحُجَجِ، وظَهَرُوا بِالسَّيْفِ المُفْنِي لِلْمُهَجِ، وعَمِلُوا الأعْمالَ الصّالِحَةَ فَكانُوا لِلدُّنْيا كالسُّرُجِ، فَلا تَجِدُ شَيْئًا أدْخَلَ في الإخْلاصِ مِن مُوالاةِ أوْلِياءِ اللَّهِ ومُعاداةِ أعْدائِهِ، بَلْ هو عَيْنُ الإخْلاصِ، ومَن جَنَحَ إلى مُنْحَرِفٍ عَنْ دِينِهِ أوْ داهَنَ مُبْتَدِعًا في عَقْدِهِ نَزَعَ اللَّهُ نُورَ التَّوْحِيدِ مِن قَلْبِهِ.
ولَمّا أخْبَرَ بِما آتاهم في الدُّنْيا وهو غَيْرُ مُفارِقٍ لَهم في الآخِرَةِ، أخْبَرَ بِما يُؤْتِيهِمْ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ (p-٤٠٠)يُسْتَرُ داخِلُها مِن كَثْرَةِ أشْجارِها، وأخْبَرَ عَنْ رَيِّها بِقَوْلِهِ: [ ﴿تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَتِ المِياهُ لَوْ عَمَّتِ الأرْضَ لَمْ يَكُنْ بِها مُسْتَقَرٌّ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ]: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ فَهي لِذَلِكَ كَثِيرَةُ الرِّياضِ والأشْجارِ والسّاحاتِ والدِّيارِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَلَذُّ إلّا بِالدَّوامِ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِرِضا مالِكِها قالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا التِفاتَ إلى غَيْرِهِ ﴿عَنْهُمْ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ سُرُورُهُ إلّا بِرِضاهم لِيَتِمَّ حُسْنُ المُجاوَرَةِ قالَ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ لِأنَّهُ أعْطاهم فَوْقَ ما يُؤَمِّلُونَ. ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِما يَسُرُّ كُلَّ سامِعٍ فَيَشْتاقُ إلى مُصاحَبَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ومُرافَقَتِهِمْ ومُقارَبَتِهِمْ مَدَحَهم وعَرَّفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في الدَّرَجَةِ العُلْيا مِنَ العَظَمَةِ لِكَوْنِهِمْ قَصَرُوا وُدَّهم عَلى اللَّهِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لَيْسَ النَّفْعُ [والضُّرُّ] إلّا بِيَدِهِ ﴿حِزْبُ اللَّهِ﴾ أيْ جُنْدُ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي [أحاطَ] بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وأوْلِياؤُهُ، فَإنَّهم هم يَغْضَبُونَ لَهُ ولا يَخافُونَ فِيهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. ولَمّا تَبَيَّنَ مِمّا أعَدَّ لَهم وأعَدَّ لِأضْدادِهِمْ أنَّهُمُ المُخْتَصُّونَ بِكُلِّ خَيْرٍ، قالَ عَلى طَرِيقِ الإنْتاجِ مِمّا مَضى مُؤَكِّدًا لِما لِأضْدادِهِمْ مِنَ الأنْكادِ: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ أيْ جُنْدَ المَلِكِ الأعْلى وهم هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ ومَن (p-٤٠١)والاهم ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿المُفْلِحُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ حازُوا الظَّفَرَ بِكُلِّ ما يُؤَمِّلُونَ في الدّارَيْنِ، وقَدْ عُلِمَ مِنَ الرِّضى مِنَ الجانِبَيْنِ والحِزْبِيَّةِ والإفْلاحِ عَدَمُ الِانْفِكاكِ عَنِ السَّعادَةِ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ تَقْيِيدِ الخُلُودِ بِالتَّأْبِيدِ، خَصَّهم بِذَلِكَ لِأنَّ لَهُ العِزَّةَ والقُوَّةَ والعِلْمَ والحِكْمَةَ، فَلِذَلِكَ عَلِمَ أمْرَ المُجادِلَةِ ورَحِمَ شَكْواها لِأنَّها مِن حِزْبِهِ وسَمِعَ لَها، ومَن سَمِعَ لَهُ فَهو مَرْضِيٌّ عَنْهُ، وحَرَّمَ الظِّهارَ بِسَبَبِ شَكْواها إكْرامًا لَها بِحِكْمَتِهِ لِأنَّهُ مُنابِذٌ لِلْحِكْمَةِ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ خارِجٌ عَنْ قاعِدَةِ التَّشْبِيهاتِ، وفِيهِ امْتِهانٌ لِلْأُمِّ الَّتِي لَها في دِينِهِ غايَةُ الإكْرامِ بِالتَّسْوِيَةِ بِالزَّوْجَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ الِافْتِراشِ، وخَتَمَ آيَها بِأنَّ مَن تَعَدّى حُدُودَهُ فَعاوَدَ أحْوالَ الجاهِلِيَّةِ فَهو مُجادِلُهُ سُبْحانَهُ فَهو مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ، فَقَدْ عادَ آخِرُها إلى أوَّلِها بِأدَلِّ دَلِيلٍ عَلى أحْسَنِ سَبِيلٍ، لِأنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ أشْرَفُ حَدِيثٍ وأقْوَمُ قِيلٍ وهَذا مَقْصُودُ الَّتِي بَعْدَها، ولا شَكَّ أنَّهُ مُوجِبٌ لِلتَّنْزِيهِ مُبْعِدٌ عَنِ التَّشْرِيكِ والتَّشْبِيهِ، فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ آيَةً دائِمَةَ البَيانِ، مُوجِبَةً لِلْإيمانِ، قامِعَةً لِلطُّغْيانِ، عَلى مَدى الدُّهُورِ وتَطاوُلِ الأزْمانِ.
الحشر 59:1
(p-٤٠٢)سُورَةُ الحَشْرِ
مَقْصُودُها بَيانُ ما دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ المُجادِلَةِ مِنَ التَّنَزُّهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ بِإثْباتِ القُدْرَةِ الشّامِلَةِ بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ عَلى أنَّهُ يَغْلِبُ هو ورُسُلُهُ، ومَن حادَّهُ في الأذَلِّينَ، لِأنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، المُسْتَلْزِمَةِ لِلْعِلْمِ التّامِّ المُسْتَلْزِمِ [لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ المُسْتَلْزِمَةِ] لِلْحَشْرِ المُظْهِرِ لِفَلاحِ المُفْلِحِ وخَسارِ الخاسِرِ عَلى وجْهِ الثَّباتِ الكاشِفِ أتَمَّ كَشْفٍ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ تَأمُّلُ قِصَّةِ [بَنِي] النَّضِيرِ المُعْلِمُ بِأوَّلِ الحَشْرِ المُؤْذِنُ بِالحَشْرِ الحَقِيقِيِّ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ إطْباقِ الوَلِيِّ والعَدُوِّ عَلى ظَنِّ أنَّهُ لا يَكُونُ، فَلِذا سُمِّيَتْ بِالحَشْرِ وبِبَنِي النَّضِيرِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَشَرَهم بِقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ إلى خَيْبَرَ والشّامِ والحِيرَةِ ثُمَّ حَشَرَهم [وغَيْرَهُمْ] مِنَ اليَهُودِ الحَشْرَ الثّانِيَ مِن خَيْبَرَ إلى الشّامِ الَّذِي هو آيَةُ الحَشْرِ الأعْظَمِ إلى أرْضِ الحَشْرِ لِقَهْرِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ أهْلَ الكِتابِ المُدَّعِينَ لِأنَّهم أفْضَلُ النّاسِ (p-٤٠٣)وأنَّهم مُؤَيَّدُونَ بِما لَهم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أصْلُهُ قَوِيمٌ بِما لَوَّحَتْ إلَيْهِ الحَدِيدُ كَما قَهَرَ أهْلَ الأوْثانِ الَّذِينَ هم عالِمُونَ بِأنَّهم بَدَّلُوا الدِّينَ الصَّحِيحَ فَثَبَتَ- بِظُهُورِ دِينِهِ عَلى كُلِّ دِينٍ عَلى حَدٍّ سَواءٍ كَما وعَدَ بِهِ سُبْحانَهُ صِدْقَهُ في كُلِّ ما جاءَ بِهِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ - الإيمانُ بِالبَعْثِ الآخِرِ لِأنَّهُ مَحَطُّ الحِكْمَةِ ومَوْضِعُ إظْهارِ النِّقْمَةِ والرَّحْمَةِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ فَلا خُلْفَ لِعِبادِهِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَةُ إيجادِهِ فَلا مَحِيصَ عَنْ مَعادِهِ( الرَّحِيمِ )الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِدادِهِ بِالتَّوْفِيقِ لِما يُرْضِيهِ عَنْهم فَيُوجِبُ لَهُمُ الفَوْزَ بِإسْعادِهِ.
* *
لَمّا خُتِمَتِ المُجادِلَةُ بِأنَّهُ مُعِزُّ أهْلِ طاعَتِهِ، ومُذِلُّ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ ومُحادَّتِهِ، عَلَّلَهُ بِتَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقائِصِ تَأْيِيدًا لِلْوَعْدِ بِنَصْرِهِمْ فَقالَ: ﴿سَبَّحَ﴾ أيْ أوْقَعَ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ﴿لِلَّهِ﴾ الَّذِي أحاطَ بِجَمِيعِ [صِفاتِ] الكَمالِ.
ولَمّا كانَ الكُفّارُ مِن جَمِيعِ بَنِي آدَمَ قَدْ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّمْسَ (p-٤٠٤)وبَعْضُهُمُ القَمَرَ وبَعْضُهم [غَيْرَهُما مِنَ] الكَواكِبِ، وكانَتِ الكَواكِبُ مَبْثُوثَةً في السَّماواتِ كُلِّها لا تَخُصُّ سَماءً بِعَيْنِها وكَذا المَلائِكَةُ، جَمَعَ دَلالَةً عَلى أنَّ الكُلَّ عَبِيدٌ فَقالَ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾ أيْ كُلِّها. ولَمّا كانَ الكَلامُ في النَّهْيِ عَنْ مُوادَّةِ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ، وكانَ ذَلِكَ لِمَن دُونَ الخُلَّصِ، أكَّدَ بِإعادَةِ النّافِي لِاحْتِياجِهِمْ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿وما﴾ ولَمّا كانَ جَمِيعُ ما عَبَدُوهُ مِمّا أشْرَكُوا بِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ مِن شَجَرٍ وصَنَمٍ وبَقَرٍ وغَيْرِها لا يَعْدُو الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها، أفْرَدَ فَقالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾
ولَمّا شَمِلَ هَذا جَمِيعَ العالَمِ، أشارَ إلى أنَّ عَظَمَتَهُ لا تَنْتَهِي فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي نَفَذَ عِلْمُهُ في الظَّواهِرِ والبَواطِنِ وأحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ فَأتْقَنَ ما أرادَ، فَكُلُّ ما خَلَقَهُ جَعَلَهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ دَلِيلًا، وإلى بَيانِ ما لَهُ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ سَبِيلًا.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لا خَفاءَ بِاتِّصالِ أيُّها بِما تَأخَّرَ مِن آيِ سُورَةِ المُجادِلَةِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] إنَّما يُرادُ بِهِ يَهُودُ فَذَكَرَ سُبْحانَهُ سُوءَ سَرِيرَتِهِمْ وعَظِيمَ جُرْأتِهِمْ ثُمَّ قالَ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فَحَصَلَ مِن هَذا كُلِّهِ (p-٤٠٥)تَنْفِيرُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم وإعْلامُهم بِأنَّ بُغْضَهم مِنَ الإيمانِ ووُدَّهم مِنَ النِّفاقِ لِقَبِيحِ ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ وشَنِيعِ ما ارْتَكَبُوهُ، فَلَمّا أشارَتْ هَذِهِ الآيُ إلى ما ذَكَرَ أُتْبِعَتْ بِالإعْلامِ في أوَّلِ سُورَةِ الحَشْرِ بِما عَجَّلَ لَهم مِن هَوانِهِمْ وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وتَمْكِينِ المُسْلِمِينَ مِنهُمْ، جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ الإيماءُ إلَيْهِ مِن سُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، والتَحَمَتِ الآيُ بِاتِّحادِ المَعْنى وتَناسُبِهِ، وتَناسُجِ الكَلامِ، وافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْزِيهِ لِبِنائِها عَلى ما أشارَ إلَيْهِ غَضَبُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ إذْ لا يَكُونُ إلّا عَلى أعْظَمِ جَرِيمَةٍ وأسْوَأِ مُرْتَكَبٍ وهو اعْتِداؤُهم وعِصْيانُهُمُ المُفَصَّلُ في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ وقَدْ قالَ تَعالى فِيهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] وقالَ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ لَعْنَتَهُ إيّاهم إنَّما تَرَتَّبَتْ عَلى عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، وقَدْ فَصَّلَ اعْتِداءَهم أيْضًا في مَواضِعَ، فَلَمّا كانَ الغَضَبُ مُشِيرًا إلى ما ذَكَرَ مِن عَظِيمِ الشِّرْكِ، أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَنْزِيهَ نَفْسِهِ جَلَّ وتَعالى فَقالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وإنَّما يَرِدُ مَثَلُهُ مِنَ التَّنْزِيهِ إثْرَ جَرِيمَةٍ تَقَعُ مِنَ العِبادِ وعَظِيمَةٍ يَرْتَكِبُونَها وتَأمَّلْ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى الإخْبارِ بِما فَعَلَ تَعالى بِأهْلِ الكِتابِ مِمّا يَتَّصِلُ بِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَناسَجَتِ الآيُ - انْتَهى.
الحشر 59:2
(p-٤٠٦)ولَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ الأقْدَسَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ التَّنَزُّهِ [و]عَلى العِزَّةِ والحِكْمَةِ بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ مِن أنَّهُ أنْفَذَ ما كَتَبَ مِن أنَّهُ يَغْلِبُ [هُوَ] ورُسُلُهُ ومِن أنَّهُ كَبَتَ الَّذِينَ حادُّوهُ وخَيَّبَ ظَنَّ الَّذِينَ نافَقُوا، فَتَوَلَّوُا اليَهُودَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ، فَأذَلَّ اليَهُودَ وطَرَدَهم مِن مَهْبِطِ الوَحْيِ وأخْزى المُنافِقِينَ الَّذِينَ جَعَلُوهم مَحَطَّ اعْتِمادِهِمْ ومَوْضِعَ وِلايَتِهِمْ ووِدادِهِمْ، فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ مِن غَيْرِ إيجافِ خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴿الَّذِي أخْرَجَ﴾ عَلى وجْهِ القَهْرِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي تَشْهَدُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهُ النَّبِيُّ الخاتَمُ وما في فِطَرِهِمُ الأُولى مِن أنَّ اتِّباعَ الحَقِّ أحَقُّ، وقَبَّحَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ مَوْضِعَ ”مِن بَنِي النَّضِير“ أوِ ”اليَهُود“ مَثَلًا: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مُوسى صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ بِـ ”كَفَرُوا“ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ أزالُوا بِالتَّبْدِيلِ أوِ الإخْفاءِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِمّا بَقِيَ مِنَ التَّوْراةِ دالًّا عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
ولَمّا كانَ الوَطَنُ عَدِيلَ الرُّوحِ لِأنَّهُ لِلْبَدَنِ كالبَدَنِ لِلرُّوحِ، فَكانَ الخُرُوجُ مِنهُ في غايَةِ العُسْرِ، دَلَّ عَلى مَزِيدِ قَهْرِهِمْ بِهِ بِأنْ قالَ: ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ مِنهم مَن جَلا مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ إلى خَيْبَرَ، وهم آلُ أبِي الحَقِيقِ وآلُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ ولَحِقَ سائِرُهم بِأرِيحا مِن (p-٤٠٧)أرْضِ الشّامِ أرْضِ المَحْشَرِ، ولَحِقَ بَعْضُهم بِالحِيرَةِ، لَوَّحَ إلى فَتْحِ خَيْبَرَ وحَشْرِهِمْ مِنها حَشْرًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا أوْ مُوَقِّتًا: ﴿لأوَّلِ﴾ أيْ لِأجَلِ أوَّلِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ ﴿الحَشْرِ﴾ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ بَلَدٍ حُشِرُوا إلَيْهِ سَيُفْتَحُ، ويُزَلْزَلُونَ [مِنهُ] زَلْزَلَةً أُخْرى، لا تَزالُ مَصائِبُهم بِأهْلِ الإسْلامِ قائِمَةً حَتّى يَكُونَ الحَشْرُ الأعْظَمُ بِالقِيامَةِ، والحَشْرُ: الجَمْعُ مِن مَكانٍ والسَّوْقُ إلى غَيْرِهِ بِكُرْهٍ، وسُمِّيَ أوَّلًا لِأنَّهم أوَّلُ مَن أُجْلِيَ مِنَ اليَهُودِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، والحَشْرُ الثّانِي لَهم مِن خَيْبَرَ عَلى زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ إجْلاءَهم في مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أُحُدٍ وفَتْحَ قُرَيْظَةَ في مَرْجِعِهِ مِنَ الأحْزابِ وبَيْنَهُما سَنَتانِ، «قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: اخْرُجُوا قالُوا: إلى أيْنَ، قالَ: إلى أرْضِ المَحْشَرِ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ بِأرْضِ الشّامِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى، وهَذا الحَشْرُ يَدُلُّ عَلى المَحْشَرِ الأعْظَمِ وبَيْنَهُ [عَلى قَوْلِهِ] ﷺ:
«بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» .
(p-٤٠٨)ولَمّا كانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ حَشْرَهم لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَحْضِ قُدْرَتِهِ، اسْتَأْنَفَ شَرْحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿أنْ يَخْرُجُوا﴾ أيْ يُوقِعُوا الخُرُوجَ مِن شَيْءٍ أُورِثْتُمُوهُ مِنهم لِما كانَ لَكم مِنَ الضَّعْفِ ولَهم مِنَ القُوَّةِ لِكَثْرَتِهِمْ وشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وشَكِيمَتِهِمْ وقُرْبِ بَنِي قُرَيْظَةَ [مِنهُمْ] فَكانُوا بِصَدَدِ مُظاهَرَتِهِمْ، وأهْلُ خَيْبَرَ أيْضًا غَيْرُ بَعِيدِينَ عَنْهم وكُلُّهم أهْلُ مِلَّتِهِمْ، والمُنافِقُونَ مِن أنْصارِهِمْ وأُسْرَتِهِمْ، فَخابَتْ ظُنُونُهم في جَمِيعِ ذَلِكَ وفالَتْ آراؤُهم وسُلِّطَ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ عَلى قِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ، وإذا أرادَ اللَّهُ نَصْرَ عَبْدٍ اسْتَأْسَدَ أرْنَبُهُ وإذا أرادَ قَهْرَ عَدُوٍّ اسْتَنْوَقَ أسَدُهُ.
ولَمّا كانَتِ الحُصُونُ تَمْنَعُ إلى إتْيانِ الأمْدادِ قالَ: ﴿وظَنُّوا أنَّهُمْ﴾ ودَلَّ عَلى قُوَّةِ ظَنِّهِمْ وثَباتِهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَقالَ: ﴿مانِعَتُهم حُصُونُهُمْ﴾ أيْ ثابِتٌ لَها المَنعُ ولَهُمُ الِامْتِناعُ، قالُوا: وفي تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها ومَنعِها إيّاهُمْ، وفي جَعْلِ ضَمِيرِهِمُ اسْمَ (إنَّ) [و]إسْنادِ الجُمْلَةِ إلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزٍّ (p-٤٠٩)ومَنَعَةٍ لا مَطْمَعَ مَعَها في مُعازَّتِهِمْ، ودَلَّ عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ بِأنْ عَبَّرَ عَنْ جُنْدِهِ بِاسْمِهِ وبِاسْمِهِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا عِزَّ إلّا لَهُ وأنْتُمْ جُنْدُهُ، لا تُقاتِلُونَ إلّا فِيهِ وبِهِ، بَأْسُكم مِن بَأْسِهِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ الظَّنّانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. ولَمّا كانَ إسْنادُ ما لِلْمُضافِ إلى المُضافِ إلَيْهِ شائِعًا في لِسانِ العَرَبِ وكَثِيرًا جِدًّا لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِكَلامِهِمْ، وبَلِيغًا جِدًّا لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ، قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أيْ جاءَهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُونَ مَجِيئَهُ بِما صَوَّرَ لَهم مِن حَقارَةِ أنْفُسِهِمُ الَّتِي اضْطَرَّتْهم إلى الجَلاءِ ﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لَمْ يَحْمِلُوا أنْفُسَهم عَلى حَسَبِها وهي خِذْلانُ المُنافِقِينَ لَهم رُعْبًا كَرُعْبِهِمْ واسْتِضْعافًا كاسْتِضْعافِ أنْفُسِهِمْ عَنْ مُقاوَمَةِ جُنْدِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ كانَ الشَّيْطانُ زَيَّنَ لَهم غَيْرَ ذَلِكَ، ومَلَأ قُلُوبَهم مِنَ الأطْماعِ الفارِغَةِ حَتّى قَطَعُوا بِما مَنّاهم وقَرَّبَهُ لَهم وأغْواهم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأوْهَنَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقَذَفَ﴾ أيْ أنْزَلَ إنْزالًا كَأنَّهُ قَذَفَهُ بِحِجارَةٍ، فَثَبَتَ وارْتَكَزَ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (p-٤١٠)أيِ الخَوْفَ الَّذِي سَكَنَها فَرَضَّها ومَلَأها وعَبَرَ مِنها إلى جَمِيعِ قُواهم فاجْتَثَّها مِن أصْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم عِنْدَ ذَلِكَ أوْ فَسَّرَ قَذْفَ الرُّعْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ أيْ يُبالِغُونَ - عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ - في إخْرابِها، أيْ إفْسادِها، فَإنَّ الخُرْبَةَ الفَسادُ، وقِراءَةُ غَيْرِهِ يُفْهِمُ الفِعْلَ المُطْلَقَ الَّذِي لا يُنافِي المُقَيَّدَ ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ ضَعْفًا مِنهم - بِما أشارَ إلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ، ويَأْسًا مِن قُوَّتِهِمْ لِيَأْخُذُوا ما اسْتَحْسَنُوا مِن آلاتِها، فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم [لَمّا] تَحَمَّلُوا لِلرَّحِيلِ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجافِ بابِهِ وما اسْتَحْسَنَ مِن خَشَبِهِ فَيَضَعُهُ عَلى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَأْخُذُهُ ويَنْقُبُ الجِدارَ ويَهْدِمُ السَّقْفَ حَسَدًا لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوها بَعْدَهم لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهم أنْ يُخَلُّوا لَهُ عَنِ البَلَدِ ولَهم ما حَمَلَتْ إبِلُهم.
ولَمّا كانَ السَّبَبُ في تَخْرِيبِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِبُيُوتِهِمْ ما أحْرَقُوهم بِهِ مِنَ المَكْرِ والغَدْرِ كانُوا كَأنَّهم أمَرُوهم بِذَلِكَ، فَنابُوا عَنْهم فِيهِ، فَقالَ أيْضًا بِجَمْعِ القِلَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ لَهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ: ﴿وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ اسْتِيلاءً وغَلَبَةً عَلَيْهِمْ وقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ يُخَرِّبُونَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمُ المَجالَ مِنها لِأجْلِ القِتالِ، وقَدَّمَ (p-٤١١)تَخْرِيبَهم لِأنَّهُ أعْجَبُ.
ولَمّا كانَ في غايَةِ الغَرابَةِ أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ في نَفْسِهِ كَما يَفْعَلُ فِيهِ عَدُوُّهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا﴾ أيِ احْمِلُوا أنْفُسَكم بِالإمْعانِ في التَّأمُّلِ في عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْ تَعْبُرُوا مِن ظَواهِرِ العِلْمِ في هَذِهِ القَضِيَّةِ بِما دَبَّرَ اللَّهُ في إخْراجِهِمْ إلى بَواطِنِ الحِكْمَةِ بِأنْ لا تَعُدُّوا لَكم ناصِرًا مِنَ الخَلْقِ ولا تَعْتَمِدُوا عَلى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ - كَما قالَ القُشَيْرِيُّ - أحَدُ قَوانِينِ الشَّرْعِ، ومَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِغَيْرِهِ اعْتَبَرَ بِهِ غَيْرُهُ - انْتَهى. وقَدِ احْتَجَّ بِالآيَةِ مُثْبِتُو القِياسِ فَإنَّهُ مُجاوَزَةٌ مِنَ الأصْلِ إلى الفَرْعِ، والمُجاوَزَةُ اعْتِبارٌ، وهو مَأْمُورٌ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو واجِبٌ.
ولَمّا كانَ الِاعْتِبارُ عَظِيمُ النَّفْعِ، لا يَحْصُلُ إلّا لِلْكُمَّلِ، زادَهُ تَعْظِيمًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أُولِي الأبْصارِ﴾ بِالنَّظَرِ بِأبْصارِكم وبَصائِرِكم في غَرِيبِ هَذا الصُّنْعِ لِتُحَقِّقُوا بِهِ ما وعَدَكم عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ مِن إظْهارِ دِينِهِ وإعْزازِ نَبِيِّهِ ولا تَعْتَمِدُوا عَلى غَيْرِ اللَّهِ كَما اعْتَمَدَ هَؤُلاءِ عَلى المُنافِقِينَ، فَإنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلى مَخْلُوقٍ أسْلَمَهُ ذَلِكَ إلى صَغارِهِ ومَذَلَّتِهِ، ولا تُلِمُّوا بِغَدْرٍ كَما أرادُوا أنْ يَغْدِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَطْرَحُوا عَلَيْهِ وهو قاعِدٌ بِفَناءِ دارٍ مِن دُورِهِمْ رَحًى مِنَ السَّطْحِ لِيَقْتُلُوهُ [بِها] - زَعَمُوا، ولا تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن قَبِيحِ أفْعالِهِمْ لِئَلّا يَحْصُلَ لَكم مِثْلُ (p-٤١٢)نَكالِهِمْ كَما أحْكَمَهُ قَوْلُهُ ﷺ «"لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمُ» الحَدِيثُ، وذَلِكَ الغَدْرُ مِنهم بَعْدَ أنْ حَرَّضُوا قُرَيْشًا عَلى غَزْوَةِ أُحُدٍ ودَلُّوهم عَلى بَعْضِ العَوْراتِ، وقالَ البَغْوِيُّ: إنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ أتى قُرَيْشًا بَعْدَ أُحُدٍ في أرْبَعِينَ راكِبًا فَحالَفَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وقالَ: إنَّهُ لَمّا قَصَدَهم عَلَيْهِ السَّلامُ أرْسَلُوا إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ في ثَلاثِينَ ويَخْرُجَ مِنهم ثَلاثُونَ لِيَسْمَعُوا مِنهُ، فَإنْ آمَنُوا بِهِ آمَنَ الكُلُّ. فَأجابَهم فَأرْسَلُوا أنَّ الجَمْعَ كَثِيرٌ فاخْرُجْ في ثَلاثَةٍ لِيَخْرُجَ ثَلاثَةٌ مِنّا، فَأرْسَلَتِ امْرَأةٌ مِنهم إلى أخِيها وكانَ مُسْلِمًا أنَّهُمُ اشْتَمَلُوا عَلى الخَناجِرِ يُرِيدُونَ الفَتْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ قِصَّتِهِمْ [كَما تَرى] دائِرٌ عَلى المَكْرِ بَلْ هو عَيْنُ المَكْرِ.
الحشر 59:3
ولَمّا دَلَّ هَذا عَلى غايَةِ الوَهْنِ مِنهم فَكانَ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ مِنَ الكَفِّ عَنْ قَتْلِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أمْرُهُ الباهِرُ وعِزُّهُ القاهِرُ حَثًّا عَلى ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ السّابِقَةَ مِنَ الِاعْتِبارِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِبْصارِ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ﴾ أيْ فَرَضَ فَرْضًا حَتْمًا المَلِكُ الَّذِي لَهُ (p-٤١٣)الأمْرُ كُلُّهُ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ كَتَبَ إذْلالًا وإخْزاءً بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أيْ بِخُصُوصِهِمْ فِيما كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في الأزَلِ كَما كَتَبَ عَلى بَنِي قَيْنُقاعَ ﴿الجَلاءَ﴾ أيِ الخُرُوجَ مِن دِيارِهِمْ والجَوَلانَ في الأرْضِ، فَأمّا مُعْظَمُهم فَأجْلاهم بُخْتُ نَصَّرْ مِن بِلادِ الشّامِ إلى العِراقِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَحَماهُمُ اللَّهُ بِمُهاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذَلِكَ الجَلاءِ وجَعَلَهُ عَلى يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأجْلاهم فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى خَيْبَرَ وبَعْضُهم إلى الشّامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ﴿لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا﴾ أيْ بِالسَّيْفِ كَما سَيَفْعَلُ بِأخْوالِهِمْ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ الَّذِينَ كَتَبَ عَلَيْهِمُ العَذابَ دُونَ الجَلاءِ مِن قَتْلِ المُقاتِلَةِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ قَضى قَضاءً حَتْمًا أنَّهُ يُطَهِّرُ المَدِينَةَ بَلَدَ الوَحْيِ مِنهم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَهو عَذابُهُمُ الآنَ في الدُّنْيا لا مَحالَةَ وإنِ اجْتَمَعَ أهْلُ الأرْضِ عَلى نَصْرِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ النَّفْعِ: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ عَلى كُلِّ حالٍ أُجْلُوا أوْ تُرِكُوا ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هي دارُ البَقاءِ ﴿عَذابُ النّارِ﴾ وهو العَذابُ الأكْبَرُ.
الحشر 59:4
ولَمّا أخْبَرَ بِما نالَهم في الدُّنْيا ويَنالُهم في الآخِرَةِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ [العَظِيمُ] الَّذِي فَعَلَهُ بِهِمْ مِنَ الجَلاءِ ومُقَدِّماتِهِ (p-٤١٤)[فِي الدُّنْيا] ويَفْعَلُهُ بِهِمْ في الآخِرَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ ولَمّا كانُوا قَدْ ضَمُّوا فى هَذِهِ القَضِيَّةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ الظّاهِرِ كُفْرًا باطِنًا بِما أرادُوا مِن إلْقاءِ الرَّحى وغَيْرِهِ مِنَ الأذى مَكْرًا مِنهُمْ، أدْغَمَ في قَوْلِهِ: ﴿شاقُّوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ، فَكانُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ بِأنْ صارُوا في شِقِّ الأعْداءِ المُحارِبِينَ بَعْدَ ما كانُوا في شِقِّ المُوادَعِينَ.
ولَمّا جارى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إخْفاءَهم لِما أرادُوا [أنْ] يَفْعَلُوا بِهِ بِالإخْفاءِ لِخَلاصِهِ مِنهم بِأنْ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وتَرَكَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عِنْدَهم قالَ: ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي إجْلالُهُ مِن إجْلالِهِ. ولَمّا أخْبَرَ بِفِعْلِهِ وبِسَبَبِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ وإفادَةً لِأنَّهُ يَفْعَلُ في غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كانَ عَلى أمْرِهِمْ أعْظَمَ مِن فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ أيْ يُوقِعْ في الباطِنِ مُشاقَقَةَ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ في الحالِ أوِ الماضِي أوِ الِاسْتِقْبالِ سَواءٌ أبْطَنَ مَعَها مُشاقَقَةً أُخْرى أوْ لا، وتَرَكَ الإدْغامَ عَلى حالِهِ لِأنَّهم ما أظْهَرُوا مُعاداةً وإنَّما كانَ ما فَعَلُوا مَكْرًا ومُساتَرَةً، وذَلِكَ أخَفُّ مِنَ المُجاهَرَةِ، وأظْهَرَ في الأنْفالِ (p-٤١٥)لِقُوَّةِ [أمْرِ] المُجاهِرِينَ كَما مَضى، ولَمْ يُعِدْ ذِكْرَ الرَّسُولِ تَفْخِيمًا لَهُ بِإفْهامِ أنَّ مُشاقَقَتَهُ مُشاقَقَةٌ لِلَّهِ مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ أصْلًا، وإشارَةً إلى أنَّهم بالَغُوا في إخْفاءِ مُشاقَقَتِهِمْ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ مِنهم في ذَلِكَ مُفاعَلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ فَإنَّهُ لَمْ يَمْكُرْ بِهِمْ، وإنَّما جاهَرَهم حِينَ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِمَكْرِهِمْ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْفالِ، فَإنَّ المَقامَ اقْتَضى هُناكَ الذِّكْرَ لِأنَّهم مَكَرُوا بِهِ كَما قالَ تَعالى
﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآيَةَ وهو ﷺ أخْفى أمْرَ هِجْرَتِهِ وأعْمَلَ الحِيلَةَ في الخَلاصِ مِن مَكْرِهِمْ عَلى حَسَبِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَحَصَلَتِ المُفاعَلَةُ في تَحَيُّزِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ خُفْيَةً ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِجَمِيعِ العَظَمَةِ يُشَدِّدُ عِقابَهُ لَهُ لِأنَّهُ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وذَلِكَ كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ هَذا حَيْثُ نَقَضُوا عَهْدَهم وأظْهَرُوا المُشاقَقَةَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ وكَما فَعَلَ أهْلُ خَيْبَرَ، وكانُوا يُماكِرُونَ ويُساتِرُونَ في الأُولى عِنْدَ فَتْحِها وفي الثّانِيَةِ عِنْدَ إجْلائِهِمْ مِنها، فَقَدْ سَوّى بَيْنَ المُساتِرِينَ والمُجاهِرِينَ في العَذابِ وهو لِلْمُجاهِرِينَ أشَدُّ عَذابًا كَما هو واضِحٌ.
الحشر 59:5
ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ بِما فَعَلَ بِبَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ يَقُولُونَ (p-٤١٦)إنَّهم أشْجَعُ النّاسِ وأشَدُّهم شَكِيمَةً بِما لَهم مِنَ الأصالَةِ والِاصْطِفاءِ عَلى العالَمِينَ، مَعَ التَّأْيِيدِ بِالكِتابِ والحِكْمَةِ، وخَتَمَ بِأنَّ مَن شاقَّ رَسُولَهُ فَقَدْ شاقَّهُ، ومَن شاقَّهُ فَقَدْ شَدَّدَ عِقابَهُ، أتْبَعَهُ بَيانَ ما عاقَبَهم بِهِ مِن قَطْعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِنَخْلِهِمُ الَّذِي هو أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن أبْكارِهِمْ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لا يُغْنُونَ شَيْئًا ولا مَنَعَةَ لَدَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ما﴾ وهي شَرْطِيَّةٌ وأتْبَعَها بِشَرْطِها النّاصِبِ لَها فَقالَ: ﴿قَطَعْتُمْ﴾ أيْ كُلُّ ما قَطَعْتُمُوهُ، وبَيَّنَ ما [فِي ”ما“] مِنَ الإبْهامِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا عَنِ النَّخْلِ، بِما يُفِيدُ نَوْعَهُ وأنَّهُ هانَ عَلَيْهِمُ القَطْعُ ولانَ: ﴿مِن لِينَةٍ﴾ وهي ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو ما خالَفَ العَجْوَةَ مِنَ النَّخْلِ، [و]قالَ ابْنُ هِشامٍ: اللِّينَةُ مِنَ الألْوانِ، وهي ما لَمْ يَكُنْ بَرْنِيَّةً ولا عَجْوَةً مِنَ النَّخْلِ فِيما حَدَّثَنِي أبُو عُبَيْدَةَ - انْتَهى. وقالَ صاحِبُ القامُوسِ اللَّوْنُ: الدَّقْلُ مِنَ النَّخْلِ، وهي جَماعَةٌ واحِدَتُها لَوْنَةٌ ولِينَةٌ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ومُجاهِدٍ [وغَيْرِهِما] أنَّها النَّخْلُ كُلُّهُ، وقالَ البَغْوِيُّ: ورِوايَةُ زاذانَ عَنِ (p-٤١٧)ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ [يَقْطَعُ] نَخْلَهم إلّا العَجْوَةَ». وأهْلُ المَدِينَةِ يُسَمُّونَ ما خَلا العَجْوَةَ مِنَ التَّمْرِ الألْوانَ واحِدُها لَوْنٌ ولِينَةٌ، وقالَ عَطِيَّةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ، اسْمانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وجَمْعُها لِينٌ ولِيانٌ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: اللِّينَةُ ما تَمْرُها لَوْنٌ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ يَشِفُّ عَنْ نَواةٍ فَيُرى مِن خارِجٍ، قالَ البَغْوِيُّ: يَغِيبُ فِيها الضِّرْسُ، وكانَ مِن أجْوَدِ تَمْرِهِمْ وأعْجَبِها إلَيْهِمْ، وكانَتِ [النَّخْلَةُ] الواحِدَةُ ثَمَنُها ثَمَنُ وصِيفٍ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن وصِيفٍ، فَلَمّا رَأوْهم يَقْطَعُونَها شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنَّكم تَكْرَهُونَ الفَسادَ وأنْتُمْ تُفْسِدُونَ، دَعُوا هَذِهِ النَّخْلَةَ، فَإنَّما هي لِمَن غَلَبَ عَلَيْها، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: واخْتِلافُ الألْوانِ فِيها ظاهِرٌ لِأنَّها أوَّلَ حالِها [بَيْضاءُ] كَصَدَفٍ مُلِئَ دُرًّا مُنَضَّدًا، ثُمَّ غَبْراءُ ثُمَّ خَضْراءُ كَأنَّها قِطَعُ زَبَرْجَدٍ خُلِقَ فِيها الماءُ [ثُمَّ] حَمْراءُ كَأنَّها ياقُوتٌ رُصَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ثُمَّ صَفْراءُ كَأنَّها شَذْوُ عِقْيانٍ، ولِذَلِكَ إذا بَلَغَ الإرْطابَ نِصْفُها [سُمِّيَتْ] مُجَزَّعَةً لِاخْتِلافِ ألْوانِها كَأنَّها الجَزْعُ الظَّفارِيُّ.
ولَمّا كانَ ما فُسِّرَ بِمُؤَنَّثٍ هو اللِّينَةُ، أعادَ الضَّمِيرَ مُؤَنَّثًا فَقالَ: (p-٤١٨)﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾ ولَمّا كانَ التَّرْكُ يَصْدُقُ بِبَقائِها مَغْرُوسَةً أوْ مَقْطُوعَةً قالَ: ﴿قائِمَةً﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ نَخِيلًا كَثِيرَةً لِإرادَةِ الجِنْسِ قالَ: ﴿عَلى أُصُولِها﴾ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ فَقَطْعُها بِتَمْكِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ ورِضاهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى [أنَّ] الشَّرِيعَةَ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ وإذا جاءَ الأمْرُ الشَّرْعِيُّ بَطَلَ طَلَبُ التَّعْلِيلِ وسَكَتَتِ الألْسِنَةُ عَنِ التَّقاضِي بِـ ”لِمَ“ وحُضُورُ الِاعْتِراضِ والِاسْتِقْباحُ بِالبالِ خُرُوجٌ عَنْ حَدِّ العِرْفانِ.
ولَمّا فَطَمَ عَنْ طَلَبِ العِلَلِ خِطابًا لِلْكُمَّلِ، طَيَّبَ قُلُوبَ مَن دُونَهم بِعِلَّةٍ مَعْطُوفَةٍ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَسادٍ ولَكِنَّهُ صَلاحٌ أُذِنَ لَكم فِيهِ لِيَشْفِيَ بِهِ صُدُورَ المُؤْمِنِينَ ويُذْهِبَ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ واضِعًا مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ظاهِرًا يَدُلُّ عَلى ما أوْجَبَ خِزْيَهُمْ: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم أُصَلاءُ في المُرُوقِ مِن دائِرَةِ الحَقِّ بِأنْ يُذِلَّهم ويَفْضَحَهم بِبَيانِ كَذِبِهِمْ في دَعْواهُمُ العِزَّ والشَّجاعَةَ والتَّأْيِيدَ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ وأنَّهُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ نَسْخٌ، ورَوى أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «رَخَّصَ لَهم في قَطْعِ النَّخْلِ ثُمَّ شَدَّدَ [عَلَيْهِمْ] فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَيْنا إثْمٌ فِيما قَطَعْنا أوْ عَلَيْنا فِيما تَرَكْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» - انْتَهى وكانَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ مالُوا إلى (p-٤١٩)الكَفِّ عَنِ القَطْعِ لِما سَمَّوْهُ اليَهُودُ فَسادًا وطائِفَةٌ أشارُوا بِالِاسْتِمْرارِ عَلى القَطْعِ لِأنَّهُ يَغِيظُهُمْ، فَصَوَّبَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ مَن أمَرَ بِالكَفِّ وحَلَّلَ [مَن أشارُوا بِالِاسْتِمْرارِ بِالقَطْعِ] مِنَ الإثْمِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ إفْسادِ [أمْوالِ] أهْلِ الحَرْبِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ مُثْمِرًا كانَ أوْ لا بِالتَّحْرِيقِ والتَّغْرِيقِ والهَدْمِ وغَيْرِهِ لِإخْزائِهِمْ بِذَلِكَ
.
الحشر 59:6
ولَمّا كانَتِ الغَنائِمُ الَّتِي تُقَسَّمُ بَيْنَ الجَيْشِ إنَّما هي ما قاتَلُوا عَلَيْهِ، وأمّا ما أتى مِنها بِغَيْرِ قِتالٍ فَهو فَيْءٌ يَأْخُذُهُ الإمامُ فَيُقَسِّمُهُ خَمْسَةَ أخْماسٍ، ثُمَّ يُقَسِّمُ خُمْسًا مِنها خَمْسَةَ أقْسامٍ، أحَدُها وهو كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ بَعْدَهُ لِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ، والأقْسامُ الأرْبَعَةُ [الأُخْرى] مِن هَذا الخُمْسِ لِمَن ذُكِرَ في الآيَةِ بَعْدَها، والأرْبَعَةُ الأخْماسِ الكائِنَةُ مِن أصْلِ القِسْمَةِ وهي الَّتِي كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّها حَصَلَتْ بِكِفايَتِهِ وإرْعابِهِ لِلْعَدُوِّ، تُفَرَّقُ بَيْنَ المُرْتَزِقَةِ مِن جَمِيعِ النَّواحِي، فَكانَتِ الأمْوالُ كُلُّها لِلَّهِ إنْعامًا عَلى مَن يَعْبُدُهُ بِما شَرَعَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَتْ أمْوالُ الكُفّارِ في أيْدِيهِمْ غَصْبًا غَصَبُوهُ (p-٤٢٠)مِن أوْلِيائِهِ، فَخَصَّ سُبْحانَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ يَضَعُها حَيْثُ يَشاءُ لِأنَّها فَيْءٌ فَقالَ: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ﴾ أيْ رَدَّ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ رَدًّا سَهْلًا بَعْدَ أنْ كانَ فِيما يَظْهَرُ في غايَةِ العُسْرِ والصُّعُوبَةِ ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ فَصَيَّرَهُ في يَدِهِ بَعْدَ أنْ كانَ خُرُوجُهُ عَنْها بِوَضْعِ أيْدِي الكُفّارِ عَلَيْهِ ظُلْمًا وعُدْوانًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالفَيْءِ الَّذِي هو عَوْدُ الظِّلِّ إلى النّاحِيَةِ الَّتِي كانَ ابْتَدَأ مِنها ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ رَدًّا مُبْتَدِئًا مِنَ الفاسِقِينَ، فَبَيَّنَ أنَّ هَذا فَيْءٌ لا غَنِيمَةٌ، ويَدْخُلُ في الفَيْءِ أمْوالُ مَن ماتَ مِنهم عَنْ غَيْرِ وارِثٍ وكَذا الجِزْيَةُ، وأمّا الغَنِيمَةُ فَهي ما كانَ بِقِتالٍ وإيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ.
ولَمّا كانَ الحَرْبُ إنَّما هو كَرٌّ وفَرٌّ في إسْراعٍ وخِفَّةٍ ورَشاقَةٍ بِمُخاتَلَةِ الفُرْسانِ ومُراوَغَةِ الشُّجْعانِ ومُغاوَرَةِ أهْلِ الضَّرْبِ والطِّعانِ، قالَ مُعَلِّلًا لِكَوْنِهِ فَيْئًا: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ﴾ أيْ أسْرَعْتُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَرَّكْتُمْ واتَّبَعْتُمْ في السَّيْرِ - انْتَهى، وذَلِكَ الإيجافُ لِلْغَلَبَةِ ﴿عَلَيْهِ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن خَيْلٍ﴾ وأكَّدَ بِإعادَةِ النّافِي لِظَنِّ مَن ظَنَّ أنَّهُ غَنِيمَةٌ لِإحاطَتِهِمْ بِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا رِكابٍ﴾ أيْ إبِلٍ، غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْها مِن بَيْنِ المَرْكُوباتِ، ولا قَطَعْتُمْ مِن أجْلِهِ مَسافَةً، فَلَمْ تَحْصُلْ لَكم كَبِيرُ مَشَقَّةٍ في حَوْزِ أمْوالِهِمْ لِأنَّ قَرْيَتَهم كانَتْ في حُكْمِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ لَيْسَ بَيْنَها (p-٤٢١)وبَيْنَ ما يَلِي مِنها مَسافَةٌ بَلْ هي مُلاصِقَةٌ لِإحْدى قُرى الأنْصارِ الَّتِي المَدِينَةُ اسْمٌ لَها كُلِّها، وهي قَرْيَةُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ في قُباءَ بَيْنَهُما وبَيْنَ القَرْيَةِ [الَّتِي] كانَ رَسُولُ اللَّهِ نازِلًا بِها نَحْوُ مِيلَيْنِ، فَمَشى الكُلُّ مَشْيًا ولَمْ يَرْكَبْ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُقاتِلُوا بِها قِتالًا بَعْدُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها اللَّهُ فَيْئًا ولَمْ يَجْعَلْها غَنِيمَةً، فَهي تُقَسَّمُ قِسْمَةَ الفَيْءِ، لا قِسْمَةَ الغَنِيمَةِ، فَخُمْسُها لِأهْلِ خُمْسِ الغَنِيمَةِ وهُمُ الأصْنافُ الخَمْسَةُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، وما فَضَلَ فَهو الأرْبَعَةُ الأخْماسِ لَهُ ﷺ مَضْمُومَةٌ إلى ما حازَهُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا: فَما كانَ التَّسْلِيطُ بِكُمُ، اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العِزُّ كُلُّهُ فَلا كُفْؤَ لَهُ ﴿يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ أيْ لَهُ هَذِهِ السُّنَّةُ في كُلِّ زَمَنٍ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ بِجَعْلِ ما آتاهم سُبْحانَهُ مِنَ الهَيْبَةِ رُعْبًا في قُلُوبِ أعْدائِهِ، فَهو الَّذِي سَلَّطَ رَسُولَهُ ﷺ عَلى هَؤُلاءِ بِأنْ ألْقى في رَوْعِهِ الشَّرِيفِ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ فَيَسْألَهُمُ الإعانَةَ في دِيَةِ العامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَأً، فَلَمّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جانِبِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِهِمْ، وكانُوا مُوادِعِينَ لَهُ ﷺ نَقَضُوا عَهْدَهم خُفْيَةً مَكْرًا مِنهم بَعْدَ أنْ رَحَّبُوا بِهِ ووَعَدُوهُ الإعانَةَ وأمَرُوا أحَدَهم أنْ يَرْمِيَ عَلَيْهِ مِن (p-٤٢٢)فَوْقِ السَّطْحِ صَخْرَةً لِتَقْتُلَهُ، فَأعْلَمَهُ [اللَّهُ] بِهَذا فَذَهَبَ وتَرَكَ أصْحابَهُ هُناكَ حَتّى لَحِقُوا بِهِ، وهَذا بَعْدَ ما كانَ حُيَيٌّ فَعَلَ مِن قُدُومِهِ مَكَّةَ ونَدْمِهِ لِقُرَيْشٍ إلى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ ومُعاقَدَتِهِ لَهم عَلى أنْ يَكُونَ مَعَهم عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإعْلامِ اللَّهِ بِذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ما أصْبَحَ أنَّكم [قَدْ] خُنْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَأرَدْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا كَذا، وأنَّ الأرْضَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فاخْرُجُوا مِنها وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا، فَمَكَثُوا عَلى ذَلِكَ أيّامًا يَتَجَهَّزُونَ ودَسَّ إلَيْهِمُ ابْنُ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّهم مَعَهم في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ لا يُسْلِمُونَهُمْ، وقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: مَعِي ألْفانِ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ يَدْخُلُونَ حِصْنَكم فَيَمُوتُونَ مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ، وتَمُدُّكم قُرَيْظَةُ وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ فَطَمِعَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ في ذَلِكَ فَأرْسَلَ: إنّا لا نَخْرُجُ مِن دِيارِنا فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المُؤْمِنِينَ يَحْمِلُ رايَتَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَلّى العَصْرَ بِفِنائِهِمْ بَعْدَ أنِ اسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ [أُمِّ] مَكْتُومٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأقامَ عَلَيْهِمْ سِتَّ لَيالٍ وهم مُتَحَصِّنُونَ، فَقَطَعَ مِن نَخْلِهِمْ [وحَرَقَ] فَنادَوْهُ أنْ قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ وتَعِيبُهُ عَلى مَن صَنَعَهُ فَما بالُكَ تَقْطَعُ النَّخْلَ، وتَرَبَّصُوا نَصْرَ ابْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ عَلى (p-٤٢٣)ما قالُوا فَلَمْ يَفُوا لَهُمْ، فَألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ فَأرْسَلُوا بِالإجابَةِ، فَقالَ: لا إلّا أنْ يَكُونَ [لِي] سِلاحُكم وما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى حَمْلِهِ عَلى إبِلِكم مِن أمْوالِكُمْ، فَتَوَقَّفُوا ثُمَّ أجابُوا فَحَمَلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ الإبِلُ إلّا الحَلْقَةَ، وذَهَبُوا عَلى سِتِّمِائَةِ بَعِيرٍ، وأظْهَرُوا الحُلِيَّ والحُلَلَ وأبْدى نِساؤُهم زِينَتَهُنَّ فَلَحِقَ بَعْضُهم بِخَيْبَرَ وبَعْضُهم بِالشّامِ وخَلَّوُا الأمْوالَ والحَلْقَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يامِينُ بْنُ عَمْرٍو وأبُو سَعْدِ بْنُ وهْبٍ، أسْلَما عَلى أمْوالِهِما فَأحْرَزاها فَجَعَلَ اللَّهُ أمْوالَ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنهم فَيْئًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً بِهِ يَضَعُها حَيْثُ يَشاءُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ مُخاصَمَةِ عَلِيٍّ والعَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وفِيهِ أنَّهُ مِن خَصائِصِهِ ﷺ فَإنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ في هَذا الفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكانَتْ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ واللَّهِ ما احْتازَها دُونَكم ولا اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكم قَدْ أعْطاكُمُوها وبَثَّها فِيكم حَتّى بَقِيَ مِنها هَذا المالُ» - يَعْنِي الَّذِي وقَعَ خِصامُهُما فِيهِ، فَكانَ يُنْفِقُ رَسُولُ اللَّهِ (p-٤٢٤)ﷺ عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِن هَذا المالِ ثُمَّ يَأْخُذُ ما بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ ما لِلَّهِ، وفي الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ ما لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً يُنْفِقُ [عَلى أهْلِهِ] مِنها نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ يَجْعَلُ ما بَقِيَ في السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ» - انْتَهى، وقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْوالَهم بَعْدَ ما تَرَكَهُ لِنَفْسِهِ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، لَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنهُ شَيْئًا إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ: أبا دُجانَةَ سِماكَ بْنَ خَرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ والحارِثَ بْنَ الصِّمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، [وكانَ لِسَيْفِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ عِنْدَهم ذِكْرٌ فَنَفَّلَهُ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ[ وقالَ الأصْبَهانِيُّ: إنَّ الفَيْءَ كانَ يُقَسَّمُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ سَهْمًا أرْبَعَةُ أخْماسِها وهي عِشْرُونَ سَهْمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيها ما أرادَ، والخُمْسُ الباقِي عَلى ما يُقَسَّمُ عَلَيْهِ خُمْسُ الغَنِيمَةِ - يَعْنِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَوِي القُرْبى ومَن بَعْدَهُمْ، هَكَذا كانَ عَمَلُهُ ﷺ [فِي صَفاياهُ، (p-٤٢٥)فَلَمّا تُوُفِّيَ كانَتْ إلى إمامِ المُسْلِمِينَ وكَذا جَمِيعُ ما تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] لِأنَّهُ قالَ: «لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» . فَوَلِيَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكانا يَفْعَلانِ [فِيها] ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وقالَ الأصْبَهانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة: ٦٠] حَتّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] ثُمَّ قالَ: هَذِهِ لِهَؤُلاءِ ثُمَّ قَرَأ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]
ثُمَّ قالَ هَذِهِ لِهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] حَتّى بَلَغَ ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩] ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] ثُمَّ قالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ المُسْلِمِينَ عامَّةً فَلَيْسَ أحَدٌ إلّا لَهُ فِيها حَقٌّ، ثُمَّ قالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرّاعِيَ نَصِيبُهُ مِنهُ لَمْ يَعْرَقْ جَبِينُهُ فِيهِ - انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي النَّضِيرِ ومِن فَدَكٍ فَهو خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، ولَيْسَ عَلى حُكْمِ الغَنِيمَةِ الَّتِي يُوجَفُ عَلَيْها ويُقاتَلُ فِيها، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الأمْوالَ الَّتِي هي فَيْءٌ كَبَقِيَّةِ الفَيْءِ يُقَسَّمُ عَلى [خَمْسَةِ] أسْهُمٍ: خُمْسٌ مِنها لِلْأصْنافِ المَذْكُورَةِ أوَّلُها النَّبِيُّ ﷺ وأرْبَعَةُ أخْماسِها لَهُ ﷺ وحْدَهُ، وأجابَ الشّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (p-٤٢٦)فَكانَتْ هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً بِأنَّهُ عامٌّ أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، ومَعْناهُ، فَكانَ ما بَقِيَ مِنها في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إعْطاءِ الخُمْسِ لِأرْبابِهِ خاصًّا بِهِ ﷺ، لا يَشُكُّ أحَدٌ في خُصُوصِيَّتِهِ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ما احْتازَهُ دُونَهم بَلْ كانَ يَفْعَلُ ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ مِنَ الإيثارِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِأنّا لا نَشُكُّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطى الأصْنافَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ مِنها حَقَّهم وقَدْ عَهِدْنا أنَّ حَقَّ هَؤُلاءِ الأصْنافِ مِن مالِ المُشْرِكِينَ الخُمْسُ كَما هو صَرِيحٌ في سُورَةِ الأنْفالِ، واسْتُفِيدَ مِن قَوْلِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”إنَّها كانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ“ أنَّهُ كانَ لَهُ ما كانَ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُسْلِمُونَ [مِنَ الخُمْسِ مِنَ الغَنِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِما حَصَلَ لِلْكُفّارِ مِنَ الرُّعْبِ مِنهُمْ، والَّذِي كانَ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُسْلِمُونَ] بَعْدَ الخُمْسِ هو أرْبَعَةُ الأخْماسِ والنَّبِيُّ ﷺ قامَ مَقامَ المُسْلِمِينَ فِيهِ إذْ هم لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ. وإنَّما حَصَلَ ذَلِكَ بِالرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. فَكانَتِ الأرْبَعَةُ الأخْماسِ تَخْتَصُّ مِمَّنْ كانَ السَّبَبَ في حُصُولِ الجَمِيعِ [كَما في الغَنِيمَةِ، فَعَلى هَذا الفَيْءُ الغَنِيمَةُ لا يَخْتَلِفانِ في أنَّ الأرْبَعَةَ الأخْماسِ تَخْتَصُّ لِمَن كانَ السَّبَبَ (p-٤٢٧)فِي حُصُولِ الجَمِيعِ] وأنَّ خُمْسَ المالَيْنِ يَكُونُ لِلْأصْنافِ المَذْكُورَةِ، والَّذِي كانَ لَهُ ﷺ مِنَ الفَيْءِ مِنَ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ لِلْمُقاتِلَةِ لِأنَّهُ حَصَلَ بِالرُّعْبِ الحاصِلِ لِلْكُفّارِ مِنهم كَأرْبَعَةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِقِتالِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ عامَّةً بِالتَّسْلِيطِ وغَيْرِهِ، أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ [أيِّ شَيْءٍ] يَصِحُّ أنْ تَتَعَلَّقَ المَشِيئَةُ بِهِ وهو كُلُّ مُمْكِنٍ مِنَ التَّسْلِيطِ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إيجافَ الخَيْلِ والرِّكابِ وقَصْدَ العَدُوِّ إلى الأماكِنِ الشّاسِعَةِ لَهُ وقْعٌ كَبِيرٌ في النُّفُوسِ ورُعْبٌ عَظِيمٌ.
الحشر 59:7
ولَمّا نَزَعَ سُبْحانَهُ أمْوالَهم مِن أيْدِي الجَيْشِ، بَيَّنَ مَصْرِفَ غَيْرِها مِمّا كانَ مِثْلَها بِأنْ فُتِحَ لَهُ ﷺ بِغَيْرِ قِتالٍ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ يَعُمُّ هَذا الحُكْمُ كُلَّ فَيْءٍ يَكُونُ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ والقُدْرَةِ ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ مُحِيطَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُسَلِّطُ عَلى أهْلِ وادِي القُرى وغَيْرِهِمْ (p-٤٢٨)أعْظَمَ مِن هَذا التَّسْلِيطِ، قالَ لِيَكُونَ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ: ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ أيْ قَرْيَةِ بَنِي النَّضِيرِ وغَيْرِها مِن وادِي القُرى والصَّفْراءِ ويَنْبُعَ وما هُنالِكَ مِن قُرى العَرَبِ الَّتِي تُسَمّى قُرًى عَرَبِيَّةً ﴿فَلِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي الأمْرُ كُلُّهُ بِيَدِهِ ﴿ولِلرَّسُولِ﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ خَلْقِهِ، فَرُتْبَتُهُ تَلِي رُتْبَتَهُ، وهَذانِ يَتَراءى أنَّهُما قِسْمانِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، هُما قِسْمٌ واحِدٌ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ تَبَرُّكًا، فَإنَّ كُلَّ أمْرٍ لا يَبْدَأُ بِهِ فَهو أجْذَمُ، وتَعْظِيمًا لِرَسُولِهِ ﷺ إعْلامًا بِأنَّهُ لا هَوى لَهُ أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا. وإنَّما رِضاهُ رِضا مَوْلاهُ، خُلُقُهُ القُرْآنُ الَّذِي هو صِفَةُ اللَّهِ [فَهُوَ] مَظْهَرُهُ ومَجْلاهُ، وسَهْمُهُ ﷺ يُصْرَفُ بَعْدَهُ لِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ كالسِّلاحِ والثُّغُورِ والعُلَماءِ والقُضاةِ والأئِمَّةِ.
ولَمّا أبانَ هَذا الكَلامُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الفَضْلِ والعَظَمَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ، أتْبَعَهُ تَعْظِيمًا آخَرَ بِتَعْظِيمِ أقارِبِهِ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ أعادَ العامِلَ فَقالَ: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ أيْ مِنهُ لِأنَّ رُتْبَتَهم مِن بَعْدِ رُتْبَتِهِ وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ رَهْطُ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَواءٌ فِيهِ غَنِيُّهم وفَقِيرُهُمْ، لِأنَّ أخْذَهم لِذَلِكَ بِالقَرابَةِ لا بِالحاجَةِ كَما هو مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ الشَّرَفِ، أتْبَعَهُ أهْلَ الضَّعْفِ جَبْرًا لِوَهْنِهِمْ فَقالَ مُقَدِّمًا أضْعَفَهُمْ: ﴿واليَتامى﴾ (p-٤٢٩)[أيِ] الَّذِينَ هم أحَقُّ النّاسِ بِالعَطْفِ لِأنَّ مَبْنى الدِّينِ عَلى التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ الَّتِي مِن أجَلِّها تَقْوِيَةُ الضَّعِيفِ وجَبْرُ الكَسِيرِ ﴿والمَساكِينِ﴾ [فَإنَّهُمْ] في الضَّعْفِ [عَلى إثْرِهِمْ] ودَخَلَ فِيهِمُ الفُقَراءُ فَإنَّهُ إذا انْفَرَدَ لَفْظُ الفَقِيرِ أوِ المَساكِينِ دَخَلَ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ، وإنَّما يُفَرَّقُ إذا جُمِعَ بَيْنَهُما، وكَذا الفَيْءُ والغَنِيمَةُ إذا أُفْرِدا جازَ أنْ يُدْخَلَ كُلٌّ في الآخَرِ، وإذا جُمِعا فالفَيْءُ ما حَصَلَ بِغَيْرِ قِتالٍ وإيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ، والغَنِيمَةُ ما حَصَلَ بِذَلِكَ ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهُمُ الغُرَباءُ لِانْقِطاعِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وقِسْمَةُ الفَيْءِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كَما مَضى أنْ يُقَسَّمَ خَمْسَةَ أقْسامٍ: خُمْسٌ مِنها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ [و]مَن ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ وذُكِرَ اللَّهُ فِيهِمْ لِلتَّبَرُّكِ، لِأنَّ الأصْنافَ المَذْكُورَةَ هي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ، والأرْبَعَةُ الأخْماسِ خاصَّةٌ لَهُ ﷺ يُنْفِقُ مِنها نَفَقَةَ سَنَةٍ وما فَضَلَ عَنْهُ أنْفَقَهُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ السِّلاحِ و[الكُراعِ و]نَحْوِهِ، وما كانَ لَهُ ﷺ في حَياتِهِ فَهو لِلْمَصالِحِ بَعْدَ وفاتِهِ، كَما كانَ يَفْعَلُ بَعْدَ ما يَفْضُلُ عَنْ حاجَتِهِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [فِي الأُمِّ]: وما أُخِذَ مِن مُشْرِكٍ (p-٤٣٠)بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ غَيْرِ ضِيافَةِ مَن مَرَّ بِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ فَهو عَلى وجْهَيْنِ لا يَخْرُجُ مِنهُما، كِلاهُما مُبَيَّنٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى و[عَلى] سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وفي فِعْلِهِ فَأحَدُهُما الغَنِيمَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] والوَجْهُ الثّانِي الفَيْءُ، وهو مَقْسُومٌ في كِتابِ اللَّهِ في سُورَةِ الحَشْرِ، قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ [الحشر: ٦] - إلى قَوْلِهِ - ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] فَهَذانِ المالانِ اللَّذانِ خَوَّلَهُما اللَّهُ مَن جَعَلَهُما لَهُ مِن أهْلِ دِينِهِ، وهَذِهِ أمْوالٌ يَقُومُ بِها الوُلاةُ لا يَسَعُهم تَرْكُها. فالغَنِيمَةُ والفَيْءُ تَجْتَمِعانِ في أنَّ فِيهِما مَعًا الخُمْسَ مِن جَمِيعِهِما لِمَن سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى في الآيَتَيْنِ [مَعًا] سَواءٌ مُجْتَمِعِينَ غَيْرُ مُفْتَرِقِينَ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ الحُكْمُ في الأرْبَعَةِ الأخْماسِ بِما بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ وفي فِعْلِهِ فَإنَّهُ قَسَّمَ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ، والغَنِيمَةُ هي المُوجَفُ عَلَيْها بِالخَيْلِ والرِّكابِ لِمَن حَضَرَ مِن غَنِيٍّ وفَقِيرٍ، والفَيْءُ وهو ما لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ في قُرى عُرَيْنَةَ الَّتِي أفاءَها اللَّهُ عَلَيْهِ أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ (p-٤٣١)عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً دُونَ المُسْلِمِينَ يَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أراهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن رِوايَةِ [مالِكِ بْنِ] أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في خِصامِ عَلِيٍّ والعَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ الشّافِعِيُّ: فَأمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ الَّتِي أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ الَّتِي ذَكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيها ما بَقِيَ مِنها في يَدِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الخُمْسِ وبَعْدَ أشْياءَ فَرَّقَها النَّبِيُّ ﷺ مِنها بَيْنَ رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ لَمْ يُعْطِ مِنها أنْصارِيًّا [إلّا رَجُلَيْنِ] ذَكَرا فَقْرًا وهَذا مُبَيَّنٌ في مَوْضِعِهِ، وفي هَذا الحَدِيثِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّما حَكى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو أمْضَيا ما بَقِيَ مِن هَذِهِ الأمْوالِ الَّتِي كانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى وجْهِ ما رَأيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ فِيها، وأنَّهُما لَمْ يَكُنْ لَهُما مِمّا [لَمْ] يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنَ الفَيْءِ ما كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُما إنَّما كانا فِيهِ أُسْوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ سِيرَتُهُما وسِيرَةُ مَن بَعْدَهُما، والأمْرُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنا عَلِمْتُهُ ولَمْ يَزَلْ يُحْفَظُ مِن (p-٤٣٢)قَوْلِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ ما كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن صَفِيِّ الغَنِيمَةِ ولا مِن أرْبَعَةِ أخْماسِ ما لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ مِنها، وقَدْ مَضى مَن كانَ [يُنْفِقُ] عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أزْواجِهِ وغَيْرِهِنَّ إنْ كانَ مَعَهُنَّ، فَلَمْ أعْلَمْ أحَدًا مِن أهْلِ [العِلْمِ] قالَ: لِوَرَثَتِهِمْ تِلْكَ [النَّفَقَةُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ولا خِلافَ أنْ تُجْعَلَ تِلْكَ النَّفَقاتُ حَيْثُ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ فُضُولَ غَلّاتِ تِلْكَ] الأمْوالِ فِيما فِيهِ صَلاحُ الإسْلامِ وأهْلِهِ، قالَ الشّافِعِيُّ: والجِزْيَةُ مِنَ الفَيْءِ وسَبِيلُها سَبِيلُ جَمِيعِ ما أُخِذَ مِمّا أُوجِفَ مِن مالٍ مُشْرِكٍ أنْ يُخَمَّسَ فَيَكُونَ لِمَن سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الخُمْسُ وأرْبَعَةُ أخْماسِهِ عَلى ما سَأُبَيِّنُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ كُلُّ ما أُخِذَ مِن مُشْرِكٍ مِن [مالِ] غَيْرِ إيجافٍ، وذَلِكَ مِثْلُ ما أُخِذَ مِنهُ إذا اخْتَلَفَ في بِلادِ المُسْلِمِينَ ومِثْلُ ما أُخِذَ مِنهُ إذا ماتَ ولا وارِثَ لَهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ما أُخِذَ مِن مالِهِ، وقَدْ كانَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَيْءٌ مِن غَيْرِ قُرى عُرَيْنَةَ، وذَلِكَ مِثْلُ جِزْيَةِ أهْلِ البَحْرَيْنِ وهَجَرَ وغَيْرِ ذَلِكَ فَكانَ لَهُ أرْبَعَةُ أخْماسِها يُمْضِيها حَيْثُ أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأوْفى خُمْسَهُ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ - انْتَهى.
ولَمّا حَكَمَ سُبْحانَهُ هَذا الحُكْمَ في الفَيْءِ المُخالِفَ لِما كانُوا عَلَيْهِ في (p-٤٣٣)الجاهِلِيَّةِ مِنَ [اخْتِصاصِ] الأغْنِياءِ بِهِ، بَيَّنَ عِلَّتَهُ المُظْهِرَةَ لِعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ ورَحْمَتِهِ فَقالَ مُعَلِّقًا بِما عَلَّقَ بِهِ الجارَّ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ﴾ أيِ الفَيْءُ الَّذِي سَيَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقُوَّتِهِ وما خَصَّ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِن قَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أعْدائِهِ ومَن حَقُّهُ أنْ يُعْطاهُ الفُقَراءُ ﴿دُولَةً﴾ أيْ شَيْئًا يَتَناوَلُهُ أهْلُ الغِنى والشَّرَفِ عَلى وجْهِ القَهْرِ والغَلَبَةِ أثَرَةً جاهِلِيَّةً - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّأْنِيثِ مِن ”كانَ“ التّامَّةِ و﴿دُولَةً﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها فاعِلٌ ﴿بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ يَتَداوَلُونَهُ بَيْنَهم فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: مِن عَزِيزٍ، ومِنهُ قالَ الحَسَنُ: اتَّخَذُوا عِبادَ اللَّهِ خَوَلًا ومالَ اللَّهِ دُوَلًا - يُرِيدُ مَن غَلَبَ مِنهم أخَذَهُ واسْتَأْثَرَ بِهِ، وقِيلَ: الضَّمُّ اسْمٌ لِلْمُتَداوَلِ كالغُرْفَةِ اسْمٌ لِما يُغْتَرَفُ، والفَتْحُ التَّداوُلُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فافْعَلُوا ما أمَرْتُكم مِن قِسْمَتِهِ لِمَن أمَرْتُ بِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما﴾ أيْ وكُلُّ شَيْءٍ ﴿آتاكُمُ﴾ أيْ أحْضَرَ إلَيْكم وأمْكَنَكم مِنهُ ﴿الرَّسُولُ﴾ أيِ الكامِلُ في الرُّسْلِيَّةِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿فَخُذُوهُ﴾ أيْ فَتَقَبَّلُوهُ تَقَبُّلَ مَن حازَهُ ﴿وما نَهاكم عَنْهُ﴾ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ﴿فانْتَهُوا﴾ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ولا يَقُولُ ولا يَفْعَلُ إلّا ما أمَرَهُ بِهِ اللَّهُ رَبُّهُ، فَمَن قَبِلَ ذَلِكَ هانَتْ عَلَيْهِ الأُمُورُ كَما ورَدَ (القُرْآنُ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ عَلى مَن تَرَكَهُ مُيَسَّرٌ عَلى مَن طَلَبَهُ وتَبِعَهُ) رُوِيَ أنَّ الآيَةَ (p-٤٣٤)نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ الأنْصارِ قالُوا: لَنا مِن هَذِهِ القُرى سَهْمُنا.
ولَمّا كانَ الكَفُّ عَمّا ألِفَتْهُ النُّفُوسُ صَعْبًا، ولا سِيَّما ما كانَ مَعَ كَوْنِهِ تَمَتُّعًا بِمالٍ عَلى وجْهِ الرِّئاسَةِ، رَهَّبَ مِنَ المُخالَفَةِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا لَكم بِطاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِقايَةً مِن عَذابِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، مُعَظِّمًا لَهُ بِإعادَةِ الجَلالَةِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ فِعْلَ المُخالِفِ فِعْلُ المُنْكِرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ وحْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ عَلى الإطْلاقِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيِ العَذابِ الواقِعِ بَعْدَ الذَّنْبِ، ومَن زَعَمَ أنَّ شَيْئًا مِمّا في هَذِهِ السُّورَةِ نُسِخَ بِشَيْءٍ مِمّا في سُورَةِ الأنْفالِ فَقَدْ أخْطَأ، لِأنَّ الأنْفالَ نَزَلَتْ في بَدْرٍ و[هِيَ] قَبْلَ هَذِهِ بِمُدَّةٍ.
الحشر 59:8
ولَمّا نَزَعَ سُبْحانَهُ أمْوالَ الفَيْءِ وما كانَتْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، وبَيَّنَ مَصْرِفَ الفَيْءِ مِنَ القُرى، وتَهَدَّدَ في المُخالَفَةِ في ذَلِكَ لِصُعُوبَتِهِ عَلى النُّفُوسِ، فَكانَ ذَلِكَ جَدِيرًا بِالتَّقَبُّلِ بَعْدَ أنْ أفْهَمَ أنَّ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ لِمَن سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُهُ ﷺ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن حالِهِ ﷺ الإيثارُ عَلى نَفْسِهِ والقَناعَةُ بِما دُونَ الكَفافِ، بَيَّنَ المَصْرِفَ فِيها بَعْدَ كِفايَتِهِ ﷺ لِأنَّ بَيانَ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ لِكَوْنِهِ حاصِلًا حاضِرًا، المُوَطَّأُ لَهُ بِأمْوالِ أهْلِ القُرى، فَقالَ مُبْدِلًا [مِن] ﴿لِلَّهِ (p-٤٣٥)ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وما عَطَفَ عَلَيْهِما لِأنَّ مَن أعْطى المُهاجِرِينَ لِهِجْرَتِهِمْ وتَجَرُّدِهِمْ مِن أمْوالِهِمْ ودِيارِهِمْ فَإنَّما أعْطاهم لِوَجْهِ اللَّهِ ووَجْهِ رَسُولِهِ ﷺ، ولا يَكُونُ بَدَلًا مِن ”ذِي القُرْبى“ لِئَلّا يُخْتَصَّ بِفَقِيرِهِمْ، أوْ يَكُونُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: قَدْ سَمِعْنا وأطَعْنا فَلِمَن يَكُونُ ما سَلَّطَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ مِن أمْوالِهِمْ؟ فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ أيِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مِنهم يَعْصِبُ الحَجَرَ عَلى بَطْنِهِ مِنَ الجُوعِ ويَتَّخِذُ الحُفْرَةَ في الشِّتاءِ لِتَقِيَهُ البَرْدَ، ما لَهُ دِثارٌ غَيْرُها بَعْدَ أنْ كانَ لَهُ مِنَ الأمْوالِ ما يَسَعُهُ ويَفْضُلُ مِنهُ ما يَصِلُ بِهِ غَيْرَهُ، وإنَّما وصَفَهم بِالفَقْرِ لِأنَّهم كانُوا عِنْدَ نُزُولِها كَذَلِكَ، ثُمَّ خَصَّصَ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿المُهاجِرِينَ﴾ ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مَن هَجَرَ أهْلَ الكُفْرِ مِن غَيْرِ مُفارَقَةِ الوَطَنِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكِئَ الإخْراجُ، لا كَوْنُهُ مِن مُخْرِجٍ مُعَيَّنٍ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ الإخْراجُ هُنا مُضَمَّنًا مَعْنى المَنعِ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ [إشارَةً] إلى أنَّ المالَ السُّتْرَةُ لِلْإنْسانِ لِأنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ، قالَ: ﴿وأمْوالِهِمْ﴾ (p-٤٣٦)ولَمّا كانَ طَلَبُ الدُّنْيا مِنَ النَّقائِصِ، بَيَّنَ أنَّهُ إذا كانَ مِنَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَكُونُ قادِحًا في الإخْلاصِ، وأنَّ أمْرَ بَنِي النَّضِيرِ إنَّما يُسِرَّ تَحْقِيقًا لِرَجائِهِمْ فَقالَ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيْ [أُخْرِجُوا] حالَ كَوْنِهِمْ يَطْلُبُونَ عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ. وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأحَدٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الدُّنْيا والدِّينِ والآخِرَةِ فَيُغْنِيهِمْ بِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِواهُ ﴿ورِضْوانًا﴾ يُوَفِّقُهم لِما يُرْضِيهِ عَنْهم ولا يَجْعَلُ رَغْبَتَهم في العِوَضِ مِنهُ قادِحًا في الإخْلاصِ فَيُوصِلُهم إلى دارِ كَرامَتِهِ.
ولَمّا وصَفَهم بِتَعْلِيقِ بَواطِنِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ وقَطْعِها بِالرِّضا بِالإخْراجِ عَمَّنْ [وعَمّا] سِواهُ، وصَفَهم بِبَذْلِ ظَواهِرِهِمْ لَهُ فَقالَ: ﴿ويَنْصُرُونَ﴾ [أيْ] عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ في كُلِّ وقْتٍ والِاسْتِمْرارِ ﴿اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ المَجِيدَ ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لِيَضْمَحِلَّ حِزْبُ الشَّيْطانِ. ولَمّا بانَ ما لَهُ بِهِمْ سُبْحانَهُ مِنَ العِنايَةِ تَرَقَّبَ السّامِعُ مِن مَدْحِهِمْ ما يَلِيقُ بِهَذا الإخْبارِ.
فَقالَ مُسْتَأْنِفًا ما هو كالعِلَّةِ لِتَخْصِيصِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ ﴿هُمُ﴾ (p-٤٣٧)أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿الصّادِقُونَ﴾ العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ لِأنَّ مُهاجَرَتَهم لِما ذَكَرَ وتَرْكَهم لِما وصَفَ دَلَّ عَلى كَمالِ صِدْقِهِمْ فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ نابَذُوا مَن عاداهُما وهو القَرِيبُ الصّافِي نَسَبًا ودارًا وأوْلَوْا أوْلِياءَهُما مَن كانُوا وإنْ بَعُدَتْ دارُهم وشَطَّ مَزارُهُمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَبْنى الدِّينِ عَلى إقامَةِ البَيِّناتِ بِالثَّباتِ عَنِ الِابْتِلاءاتِ عَلى أنَّ العَوْنَ قَدْ يَأْتِي عَلى قَدْرِ البَلاءِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ خَصَّ المُهاجِرِينَ مِمّا أذِنَ فِيهِ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ.
الحشر 59:9
ولَمّا مَدَحَ المُهاجِرِينَ وأعْطاهم فَطابَتْ نُفُوسُ الأنْصارِ بِذَلِكَ وكانُوا في كُلِّ حالٍ مَعَهُ ﷺ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الغاسِلِ، مَهْما شاءَ فَعَلَ، ومَهْما أرادَ مِنهم صارَ إلَيْهِ ووَصَلَ، أتْبَعَهُ مَدْحَهم جَبْرًا لَهم وشُكْرًا لِصَنِيعِهِمْ فَقالَ عاطِفًا عَلى مَجْمُوعِ القِصَّةِ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ أيْ جَعَلُوا بِغايَةِ جُهْدِهِمُ ﴿الدّارَ﴾ الكامِلَةَ في الدُّورِ وهي الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ في الأزَلِ لِلْهِجْرَةِ وهَيَّأها لِلنُّصْرَةِ وجَعَلَها دائِرَةً عَلى جَمِيعِ البُلْدانِ مُحِيطَةً بِها غالِبَةً عَلَيْها مَحَلَّ إقامَتِهِمْ ومُلابَسَتِهِمْ وصُحْبَتِهِمْ ومُلازَمَتِهِمْ لِكَوْنِها أهْلًا لِأنْ يَعُودَ إلَيْها مَن خَرَجَ مِنها فَلا يَهْجُرُها أصْلًا، فَهي مَحَلُّ مُناهُ ولَيْسَتْ (p-٤٣٨)مَوْضِعًا يُهاجَرُ مِنهُ لِبَرَكَتِها أوْ خَيْرِها.
ولَمّا كانَ المُرادُ الإبْلاغَ في مَدْحِهِمْ، قالَ مُضَمِّنًا ”تَبَوَّؤُا“ مَعْنى لازَمَ: ﴿والإيمانَ﴾ أيْ [و]لابَسُوهُ وصَحِبُوهُ وخَصُّوهُ بِالصُّحْبَةِ ولَزِمُوهُ لُزُومًا هو كَلُزُومِ المَنزِلِ الَّذِي لا غِنى لِنازِلِهِ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ [الإيمانُ] وصْفًا لِلدّارِ بِإعادَةِ العاطِفِ لِلْإشارَةِ إلى التَّمَكُّنِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ فَيَكُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: تَبَوَّؤُاالمَدِينَةَ الَّتِي هي الدّارُ وهي الإيمانُ لِأنَّها مَحَلُّ تَمَكُّنِ الإيمانِ وانْتِشارِهِ وظُهُورِهِ في سائِرِ البُلْدانِ فَلِشِدَّةِ مُلابَسَتِها [لَهُ] سُمِّيَتْ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَحَلَّ الإيمانِ إشارَةً إلى أنَّهم ما أقامُوا بِها لِأجْلِ أنَّ أمْوالَهم بِها بَلْ مَحَبَّةً في الإيمانِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لا يَتِمُّ بَدْرُهُ، ويَكْمُلُ شَرَفُهُ وقَدْرُهُ، وتُنْشَرُ أعْلامُهُ ويَقْوى ذِكْرُهُ إلّا بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَهَجَرُوها وهاجَرُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ في أيِّ مَكانٍ حَلَّهُ، فَهو مَدْحٌ لَهم بِأنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالهِجْرَةِ بِالقُوَّةِ مَعَ اتِّصافِهِمْ بِالنُّصْرَةِ بِالفِعْلِ.
ولَمّا كانَ انْفِرادُهم بِإقامَةِ الإيمانِ في الدّارِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ قُدُومِ المُهاجِرِينَ عَلَيْهِمْ مَدْحًا تامًّا، قالَ مادِحًا لَهم بِذَلِكَ دالًّا بِإثْباتِ الجارِّ عَلى أنَّهم لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمانَ القَبْلِ مِن حِينِ إرْسالِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ (p-٤٣٩)عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالأمْرَيْنِ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ قَبْلَ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ لِأنَّ وصْفَهم بِالهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ إيجادِها فالأنْصارُ جَمَعُوا التَّمَكُّنَ في الإيمانِ إلى التَّمَكُّنِ في الدّارِ مِن قَبْلِ أنْ يَجْمَعَ المُهاجِرُونَ بَيْنَهُما بِالهِجْرَةِ.
ولَمّا ابْتَدَأ ذِكْرَهم هَذا الِابْتِداءَ الجَلِيلَ، أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ، وقِيلَ العَطْفُ عَلى المُهاجِرِينَ، وهَذِهِ حالٌ فَيَكُونُ هَذا حُكْمًا بِالمُشارَكَةِ ﴿مَن هاجَرَ﴾ وزادَهم مَحَبَّةً فِيهِمْ وعَطْفًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ القَصْدَ إلى الإنْسانِ يُوجِبُ حَقَّهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لَوْلا كَمالُ مَحَبَّتِهِ لَهُ ما خَصَّهُ بِالقَصْدِ إلَيْهِ، والدَّلِيلُ الشُّهُودِيُّ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِهِ مِنَ المَحَبَّةِ أنَّهم شاطَرُوا المُهاجِرِينَ في أمْوالِهِمْ وعَرَضُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُشاطِرُوهم نِساءَهم عَلى شِدَّةِ غَيْرَتِهِمْ، فَأبى المُهاجِرُونَ المُشاطَرَةَ في النِّساءِ وقَبِلُوا مِنهُمُ الأمْوالَ.
ولَمّا أخْبَرَهم بِالمَحَبَّةِ ورَغَّبَهم في إدامَتِها، عَطَفَ عَلى هَذا الخَبَرِ ما هو مِن ثَمَراتِهِ فَقالَ: ﴿ولا يَجِدُونَ﴾ [أيْ] أصْلًا ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ الَّتِي هي مَساكِنُ قُلُوبِهِمْ فَتَصْدُرُ مِنها أوامِرُ القُلُوبِ فَضْلًا عَنْ [أنْ] تَنْطِقَ ألْسِنَتُهم. ولَمّا كانَ المُرادُ نَفْيَ الطَّلَبِ مِنهم لِما خَصَّ بِهِ المُهاجِرِينَ، وكانَ الحامِلُ عَلى طَلَبِ ذَلِكَ الحاجَةَ، وكانَ كُلُّ أحَدٍ يَكْرَهُ أنْ يُنْسَبَ (p-٤٤٠)إلى الحاجَةِ وإنْ أخْبَرَ بِها عَنْ نَفْسِهِ في وقْتٍ ما لِغَرَضٍ قالَ: ﴿حاجَةً﴾ مُوقِعًا اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ ﴿مِمّا أُوتُوا﴾ أيِ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ وغَيْرِهِمْ مِن أيِّ مُؤْتٍ كانَ فَكَيْفَ إذا كانَ المُؤْتِي هو اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ، وإذا لَمْ يَجِدُوا حاجَةً تَدْعُوهم إلى الطَّلَبِ فَلِأنْ لا يَجِدُوا حَسَدًا ولا غَيْظًا مِن بابِ الأوْلى، فَهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ حاثٍّ عَلى حُسْنِ الإخاءِ مُحَذِّرٍ مِنَ الحَسَدِ والِاسْتِياءِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنْ تَخَلِّيهِمْ عَنِ الرَّذائِلِ أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِتَحَلِّيهِمْ بِالفَضائِلِ فَقالَ: ﴿ويُؤْثِرُونَ﴾ عَظَّمَ ذَلِكَ بِقَصْرِ الفِعْلِ فَصارَ المَعْنى: يُوقِعُونَ الأثَرَةَ وهي اخْتِيارُ الأشْياءِ الحَسَنَةِ لِغَيْرِهِمْ تَخْصِيصًا لَهم بِها لا عَلى أحِبّائِهِمْ مَثَلًا بَلْ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ فَيَبْذُلُونَ لِغَيْرِهِمْ[ كائِنًا ] مَن كانَ ما في أيْدِيهِمْ، وذِكْرُ النَّفْسِ دَلِيلٌ عَلى [أنَّهم فِي] غايَةِ النَّزاهَةِ مِنَ الرَّذائِلِ لِأنَّ النَّفْسَ إذا طَهُرَتْ كانَ القَلْبُ أطْهَرَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو في غايَةِ المَكِنَةِ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً لا بِالمُؤْثَرِ ﴿خَصاصَةٌ﴾ أيْ فَقْرٌ وخَلَلٌ في الأحْوالِ وحاجَةٌ شَدِيدَةٌ تُحِيطُ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، مِن خَصائِصِ البِناءِ و[هِيَ] فُرَجُهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مِنَ الصّادِقِينَ، عَطَفَ [عَلَيْهِ] قَوْلَهُ: ﴿ومَن﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ النَّزاهَةَ عَنِ الرَّذِيلَةِ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ. وكانَ عِلاجُ الرَّذائِلِ صَعْبًا جِدًّا، لا يُطِيقُهُ الإنْسانُ (p-٤٤١)إلّا بِمَعُونَةٍ مِنَ اللَّهِ شَدِيدَةٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أيْ يَحْصُلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخْلاقِهِ الذَّمِيمَةِ المُشارِ إلَيْها بِالنَّفْسِ وِقايَةً تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَلا يَكُونُ مانِعًا لِما عِنْدَهُ، حَرِيصًا عَلى ما عِنْدَ غَيْرِهِ حَسَدًا، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الشُّحُّ أنْ تَطْمَحَ عَيْنُ الرَّجُلِ فِيما لَيْسَ لَهُ، قالَ ﷺ: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّهُ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهم عَلى أنْ سَفَكُوا دِماءَهم واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهم» .
ولَمّا كانَ النَّظَرُ [إلى] التَّطْهِيرِ مِن سَفْسافِ الأخْلاقِ عَظِيمًا، سَبَّبَ عَنْهُ إفْهامًا لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ ما سَبَّبَهُ عَنْهُ بِدُونِهِ قَوْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو المَنزِلَةِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿المُفْلِحُونَ﴾ [أيِ] الكامِلُونَ في الفَوْزِ بِكُلِّ مُرادٍ، [قالَ القُشَيْرِيُّ: وتَجَرُّدُ القَلْبِ مِنَ الأعْراضِ والأمْلاكِ صِفَةُ السّادَةِ] والأكابِرِ، ومَن أسَرَتْهُ الأخْطارُ وبَقِيَ في شُحِّ نَفْسِهِ فَهو في مُصارَفَةِ مُعامَلَتِهِ ومُطالَبَةِ النّاسِ في اسْتِيفاءِ حَظِّهِ، فَلَيْسَ لَهُ مِن مَذاقاتِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ شَيْءٌ.
وشَرْحُ الآيَةِ [أنَّ] الأنْصارَ كانُوا لَمّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ المُهاجِرُونَ قَسَّمُوا دُورَهم وأمْوالَهم بَيْنَهم وبَيْنَهُمْ، فَلَمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ ما صَنَعُوا بِالمُهاجِرِينَ مِن إنْزالِهِمْ إيّاهم (p-٤٤٢)وأثَرَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قالَ إنْ أحْبَبْتُمْ قَسَّمْتُ بَيْنَكم وبَيْنَ المُهاجِرِينَ ما أفاءَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن بَنِي النَّضِيرِ، وكانَ المُهاجِرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ السُّكْنى في مَنازِلِكم وأمْوالِكُمْ، وإنْ أحْبَبْتُمْ أعْطَيْتُهم وخَرَجُوا مِن دِيارِكُمْ، فَقالَ السَّعْدانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَ المُهاجِرِينَ خاصَّةً ويَكُونُونَ في دُورِنا كَما كانُوا، وقالَتِ الأنْصارُ: رَضِينا وسَلَّمْنا، وفي رِوايَةٍ [أنَّهُمْ] قالُوا: اقْسِمْ فِيها هَذِهِ خاصَّةً واقْسِمْ لَهم مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، فَنَزَلَتْ،
﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ - الآيَةُ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنْصارَ وأبْناءَ الأنْصارِ،» وقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَزاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، فَواللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُكم إلّا كَما قالَ العَنْزِيُّ:
؎جَزى اللَّهُ عَنّا جَعْفَرًا حِينَ أزْلَقَتْ ∗∗∗ بِنا نَعْلُنا في الواطِئِينَ فَزَلَّتِ
؎أبَوْا أنْ يَمَلُّونا ولَوْ أنَّ أُمَّنا ∗∗∗ ∗∗∗ تُلاقِي الَّذِي يَلْقَوْنَ مِنّا لَمَلَّتِ
فَهم لَعَمْرِي الحَقِيقُونَ بِاسْمِ إخْوانِ الصَّفاءِ، وخِلّانِ المُرُوءَةِ والوَفاءِ، والكَرامَةِ والِاصْطِفاءِ، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وعَنْ تابِعِيهِمْ مِنَ الكِرامِ الخُلَفاءِ والسّادَةِ والحُنَفاءِ.
الحشر 59:10
(p-٤٤٣)ولَمّا أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِما هم أهْلُهُ، عَقَّبَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ ما يُوجِبُ لَهُمُ الثَّناءَ فَقالَ عاطِفًا عَلى المُهاجِرِينَ فَيَقْتَضِي التَّشْرِيكَ مَعَهُمْ، أوْ عَلى أصْلِ القِصَّةِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا﴾ أيْ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانُوا، [ولَمّا كانَ المُرادُ] المَجِيءَ ولَوْ في زَمَنٍ يَسِيرٍ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهم مَن آمَنَ بَعْدَ انْقِطاعِ الهِجْرَةِ بِالفَتْحِ وبَعْدَ إيمانِ الأنْصارِ الَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الخَبَرَ أوِ الحالَ عَلى [نَحْوِ] ما مَضى في الَّذِي قَبْلَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ بِدُعائِهِمْ لِمَن سَنَّهُ لَهُمْ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ [أيُّها] المُحْسِنُ إلَيْنا بِإيجادِ مَن مَهَّدَ الدِّينَ قَبْلَنا. ولَمّا كانَ الإنْسانُ وإنِ اجْتَهَدَ مَوْضِعًا لِلنُّقْصانِ قالَ مُلَقِّنًا لَنا: ﴿اغْفِرْ﴾ أيْ أوْقِعِ السَّتْرَ [عَلى] النَّقائِصِ أعْيانِها وآثارِها ﴿لَنا﴾ ولَمّا بَدَؤُوا بِأنْفُسِهِمْ، ثَنَّوْا بِمَن كانَ السَّبَبَ في إيمانِهِمْ فَقالُوا: ﴿ولإخْوانِنا﴾ أيْ في الدِّينِ فَإنَّهُ أعْظَمُ أُخُوَّةٍ، وبَيَّنُوا العِلَّةَ بِقَوْلِهِمُ: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ ولَمّا لَقَّنَهم سُبْحانَهُ حُسْنَ الخِلافَةِ لِمَن مَهَّدَ لَهم ما هم فِيهِ، أتْبَعَهُ تَلْقِينَ ما يُعاشِرُونَ بِهِ أعْضادَهُمُ الَّذِينَ هم (p-٤٤٤)مَعَهم عَلى وجْهٍ يَعُمُّ مَن قَبْلَهُمْ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ حَثًّا عَلى الِالتِجاءِ إلَيْهِ مِن أخْطارِ النَّفْسِ الَّتِي هي أعْدى الأعْداءِ: ﴿ولا تَجْعَلْ﴾ وأفْهَمَ قَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِنا﴾ أنَّ رَذائِلَ النَّفْسِ قَلَّ أنْ تَنْفَكَّ وأنَّها إنْ كانَتْ مَعَ صِحَّةِ القَلْبِ أوْشَكَ أنْ [لا] تُؤَثِّرَ ﴿غِلا﴾ أيْ ضِغْنًا وحَسَدًا وحِقْدًا وهو [حَرارَةٌ و]غَلَيانٌ يُوجِبُ الِانْتِقامَ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ وإنْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا دُعاءً جامِعًا لِلْخَيْرِ، لَقَّنَهم ما يُجِيبُهم في لُزُومِهِ والتَّخَلُّقِ بِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمَلُّقِ لِلْإلَهِ والتَّعْرِيضِ لَهُ بِقُوَّةِ الرَّجاءِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِتَعْلِيمِ ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وأكَّدُوا إعْلامًا بِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ ما يَقُولُونَهُ وإنْ ظَهَرَ مِن أفْعالِهِمْ ما يَقْدَحُ في اعْتِقادِهِمْ ولَوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ فَقالُوا: ﴿إنَّكَ رَءُوفٌ﴾ أيْ راحِمٌ أشَدَّ الرَّحْمَةِ لِمَن كانَتْ لَهُ بِكَ وصْلَةٌ بِفِعْلٍ مِن أفْعالِ الخَيْرِ ﴿رَحِيمٌ﴾ مُكْرِمٌ غايَةَ الإكْرامِ لِمَن أرَدْتَهُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وصْلَةٌ، فَأنْتَ جَدِيرٌ بِأنْ تُجِيبَنا لِأنّا بَيْنَ أنْ يَكُونَ لَنا وصْلَةٌ فَنَكُونَ مِن أهْلِ الرَّأْفَةِ، أوْ لا فَنَكُونَ مِن أهْلِ الرَّحْمَةِ، فَقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ مَن كانَ في قَلْبِهِ غِلٌّ عَلى أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (p-٤٤٥)فَلَيْسَ مِمَّنْ عَنى اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
الحشر 59:11
ولَمّا دَلَّ عَلى [أنَّ] هَذا الثَّناءَ لِلصّادِقِينَ في الإيمانِ بِإقامَةِ السُّنَّةِ بِالهِجْرَةِ والإيثارِ والِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ لِمَن تَبَيَّنَ الإيمانَ فَسَهُلَ بِهِ طَرِيقُ الأمانِ، فَأخْرَجَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ وأفْهَمَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا رُسُوخَ لَهم في الإيمانِ الحامِلِ عَلى ذَلِكَ، دَلَّ عَلى نِفاقِهِمُ المُوجِبِ لِكَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِ مُتَمِّمًا لِلْقِصَّةِ مُخاطِبًا لِأعْلى الخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى نِفاقِهِمْ لِما لَهم فِيهِ مِن دِقَّةِ المَكْرِ حَقَّ الِاطِّلاعِ غَيْرُهُ ﷺ مُعَجِّبًا مِن حالِهِمْ في عَدَمِ رُسُوخِهِمْ مَعَ ما يَرَوْنَ مِنَ المُعْجِزاتِ والآياتِ البَيِّناتِ ويَرَوْنَ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ مِن إسْباغِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ بِتَسْهِيلِ الأُمُورِ والنُّصْرَةِ عَلى الجَبابِرَةِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا مَعَ الإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ والِاجْتِهادِ في الدِّينِ [الَّذِي] هو وحْدَهُ داعٍ إلى الإيمانِ ومُرَقِّقٌ لِلْقُلُوبِ ومُبَيِّنٌ لِلْحَقائِقِ غايَةَ البَيانِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعْلَمْ عِلْمًا هو في قُوَّةِ الجَزْمِ [بِهِ] كالمُشاهَدِ يا أعْلى الخَلْقِ، وبَيَّنَ بُعْدَهم عَنْ جَنابِهِ العالِي ومَنصِبِهِ الشَّرِيفِ الغالِي بِأداةِ الِانْتِهاءِ فَقالَ تَعالى: (p-٤٤٦)﴿إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ أيْ أظْهَرُوا غَيْرَ ما أضْمَرُوا، أظْهَرُوا الخَيْرَ وبالَغُوا في إخْفاءِ عَقائِدِهِمْ بِالشَّرِّ مُبالَغَةَ مَن ساجَلَ غَيْرَهُ، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، قالُوا: والنِّفاقُ لَفْظٌ إسْلامِيٌّ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَبْلَهُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن فِعْلِ الضَّبِّ في نافِقائِهِ وقاصِعائِهِ، وصَوَّرَ حالَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ﴾ أيْ مِنَ المُوالاةِ بِالضَّلالَةِ.
ولَمّا جَمَعَهم في الكُفْرِ وإنِ افْتَرَقُوا في المُساتَرَةِ والمُجاهَرَةِ، وصَفَ المُجاهِرِينَ بِنَوْعِ مُساتَرَةٍ تُوجِبُ النَّفْرَةَ مِنهم وتَقْضِي بِهَلاكِ مَن صادَقَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطُّوا أنْوارَ المَعارِفِ الَّتِي دَلَّتْهم عَلى الحَقِّ، وعَيَّنَهم بِما أبْلَغَ في ذَمِّهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم ضَلُّوا عَلى عِلْمٍ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم بَنُو النَّضِيرِ هَؤُلاءِ، وبَكَّتَهم بِكَذِبِهِمْ فِيما أكَّدُوا المَوْعِدَ بِهِ لِأنَّهُ في حَيِّزِ ما يُنْكَرُ مِن جِهَةِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُجاهَرَةِ بِكُفْرِهِمْ فَكَيْفَ بِالمُبارَزَةِ بِالخِلافِ لِقَوْمِهِمُ الأنْصارِ والنَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ [أيْ] مِن مُخْرِجٍ ما مِن بَلَدِهِمُ الَّذِي في المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فَخَرَجْتُمْ مِن غَيْرِ أنْ تُقاتِلُوا ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ فَكانَ ما قُضِيَ بِهِ عَلى إخْوانِهِمْ مِنَ الإخْراجِ فَأْلًا وُكِلَ بِمَنطِقِهِمْ. (p-٤٤٧)ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ [أنَّ لِلْمُنافِقِينَ أقارِبَ مِن أكابِرِ المُؤْمِنِينَ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ -] أنَّهم يَقُومُونَ عَلَيْهِمْ في مَنعِهِمْ مِنَ القِيامِ مَعَهم نَصِيحَةً لَهم وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وكانَ تَجْوِيزُ بَنِي النَّضِيرِ مُوهِنًا لِذَلِكَ، قالُوا مُؤَكِّدِينَ لِلْكَوْنِ مَعَهُمْ: ﴿ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ في خِذْلانِكُمْ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ أنَّهُ صارَ أحَدٌ في القُرْبِ مِنكم مِثْلَ قُرْبِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ ما أطَعْناهُ في التَّقْصِيرِ فِيما يَسُرُّكم ﴿أحَدًا﴾ أيْ يَسْألُنا خِذْلانَكم مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وأكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أبَدًا﴾ أيْ ما دُمْنا نَعِيشُ، وبِمِثْلِ هَذا العَزْمِ اسْتَحَقَّ الكافِرُ الخُلُودَ الأبَدِيَّ في العَذابِ.
ولَمّا قَدَّمُوا في مَعُونَتِهِمْ ما كانَ فَأْلًا قاضِيًا عَلَيْهِمْ، أتْبَعُوهُ قَوْلَهُمْ: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ﴾ أيْ مِن أيِّ مُقاتِلٍ كانَ فَقاتَلْتُمْ ولَمْ تَخْرُجُوا ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإخْراجَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والقِتالَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْسَلَ إلى بَنِي النَّضِيرِ: اخْرُجُوا مِن بَلَدِي ولا تُساكِنُونِي، قَدْ هَمَمْتُمْ بِالغَدْرِ بِي وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا، فَمَن رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ ابْنَ أُبَيٍّ بِما تَقَدَّمَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا كَلامًا يَقْضِي عَلَيْهِ سامِعُهُ بِالصِّدْقِ مِن حَيْثُ (p-٤٤٨)كَوْنُهُ مُؤَكَّدًا مَعَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً مِن غَيْرِ سُؤالٍ فِيهِ، بَيَّنَ حالَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿يَشْهَدُ﴾ بِما يَعْلَمُ مِن بَواطِنِهِمْ في عالَمِ الغَيْبِ. ولَمّا كانَ بَعْضُ مَن يَسْمَعُ قَوْلَهم هَذا يُنْكِرُ أنْ لا يُطابِقَهُ الواقِعُ، وكانَ إخْلافُهم فِيهِ مُتَحَقِّقًا في عِلْمِ اللَّهِ، أطْلَقَ عَلَيْهِ ما لا يُطْلَقُ إلّا عَلى ما كَشَفَ الواقِعُ عَنْ أنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ، فَقالَ تَشْجِيعًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِهِمْ مُؤَكِّدًا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿لَكاذِبُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ بَعِيدٍ عَنِ العادَةِ بِشَهادَةِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا فَحَقَّقَهُ اللَّهُ عَنْ قَرِيبٍ.
الحشر 59:12
ولَمّا كانَ الكَذِبُ في قَوْلِهِمْ هَذا كَوْنَهُ إخْبارًا بِما [لا] يَكُونُ، شَرَحَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا بِأعْظَمَ مِن تَأْكِيدِهِمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ أيْ بَنُو النَّضِيرِ مِن أيِّ مُخْرِجٍ كانَ ﴿لا يَخْرُجُونَ﴾ أيِ المُنافِقُونَ ﴿مَعَهُمْ﴾ أيْ حَمِيَّةً [لَهُمْ] لِأسْبابٍ يَعْلَمُها اللَّهُ ﴿ولَئِنْ قُوتِلُوا﴾ أيِ اليَهُودُ مِن أيِّ مُقاتِلٍ كانَ فَكَيْفَ بِأشْجَعِ الخَلْقِ وأعْلَمِهِمْ ﷺ ﴿لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أيِ المُنافِقُونَ ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبُوا في الأمْرَيْنِ مَعًا: القِتالِ والإخْراجِ، لا نَصَرُوهم ولا خَرَجُوا مَعَهُمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وعَلِمَ بِهِ مَن كانَ شاكًّا فَضْلًا عَنِ المُوقِنِينَ، صِدْقَ (p-٤٤٩)الكَلامِ عَلى ما لَمْ يَكُنْ ولا لِيَكُونَ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ بِصِدْقِ الكَلامِ عَلى ما لَمْ يَكُنْ ويَكُونُ كَيْفَ يَكُونُ إذا كانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أيِ المُنافِقُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿لَيُوَلُّنَّ﴾ أيِ المُنافِقُونَ ومَن يَنْصُرُونَهُ، وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الأدْبارَ﴾ ولَمّا كانَ مِن عادَةِ العَرَبِ الكَرُّ بَعْدَ الفَرِّ، بَيَّنَ أنَّهم لا كَرَّةَ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الفَرَّةِ وإنْ طالَ المَدى فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لِفَرِيقَيْهِمْ ولا لِواحِدٍ مِنهُما نُصْرَةٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وقَدْ صَدَقَ سُبْحانَهُ: لَمْ يَزَلِ المُنافِقُونَ واليَهُودُ في الذُّلِّ ولا يَزالُونَ.
الحشر 59:13
ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ تَرْكَهم لِنَصْرِهِمْ إنَّما هو لِخَوْفِ اللَّهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحْسُنُ وقْعُهُ، عَلَّلَ بِما يَنْفِي ذَلِكَ ويُظْهِرُ أنَّ مَحَطَّ نَظَرِهِمُ المَحْسُوساتُ كالبَهائِمِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لَهُ لِأجْلِ أنَّ أهْلَ النِّفاقِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وكَذا مَن قَرُبَ حالُهُ مِنهُمْ: ﴿لأنْتُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿أشَدُّ رَهْبَةً﴾ أيْ مِن جِهَةِ الرَّهْبَةِ وهو تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ أيْ لَرَهْبَتُكُمُ الكائِنَةُ فِيهِمْ أشَدُّ وأعْظَمُ ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ أيِ اليَهُودِ ومَن يَنْصُرُهم مِمّا أفاضَ إلَيْها مِن قُلُوبِهِمْ (p-٤٥٠)﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن رَهْبَتِهِمُ الَّتِي يُظْهِرُونَها لَكم مِنهُ وإنْ ذَكَرُوهُ بِكُلِّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ فَرَهْبَتُهم مِنكم سَبَبٌ لِإظْهارِهِمْ أنَّهم يَرْهَبُونَ اللَّهَ رِياءً لَكم.
ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَتَعَجَّبُ مِنهُ المُؤْمِنُ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الغَرِيبُ وهو خَوْفُهُمُ الثّابِتُ اللّازِمُ مِن مَخْلُوقٍ مِثْلِهِمْ ضَعِيفٍ يُزَيِّنُهم لَهُ وعَدَمُ خَوْفِهِمْ مِنَ الخالِقِ عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ في ذاتِهِ ولِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهم ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ﴾ [أيْ] عَلى ما لَهم مِنَ القُوَّةِ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ واعْتِمادِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَهْمٌ يَشْرَحُ صُدُورَهم لِيُدْرِكُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُخْشى لا غَيْرُهُ، بَلْ هم كالحَيَواناتِ لا نَظَرَ لَهم إلى الغَيْبِ إنَّما هم مَعَ المَحْسُوساتِ، والفِقْهُ هو العِلْمُ بِمَفْهُومِ الكَلامِ ظاهِرِهِ الجَلِيِّ وغامِضِهِ الخَفِيِّ بِسُرْعَةِ فِطْنَةٍ وجَوْدَةِ قَرِيحَةٍ.
الحشر 59:14
ولَمّا أخْبَرَ بِرَهْبَتِهِمْ دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيْ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ أوْ أحَدُهُما. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بَعْضُهُ، حَقَّقَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ قِتالًا يَقْصِدُونَهُ مُجاهَرَةً و[هُمْ] مُجْتَمِعُونَ كُلُّهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ومَكانٍ مِنَ الأماكِنِ ﴿إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ أيْ مُمَنَّعَةٍ بِحِفْظِ الدُّرُوبِ وهي السِّكَكُ الواسِعَةُ بِالأبْوابِ والخَنادِقِ ونَحْوِها ﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ أيْ مُحِيطٍ بِهِمْ سَواءٌ كانَ بِقَرْيَةٍ أوْ غَيْرِها لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ، وقَدْ أخْرَجَ بِهَذا ما حَصَلَ مِن بَعْضِهِمْ (p-٤٥١)عَنْ ضَرُورَةٍ كاليَسِيرِ، ومَن كانَ يَنْزِلُ مِن أهْلِ خَيْبَرَ مِنَ الحِصْنِ يُبارِزُ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنِ اجْتِماعٍ، أوْ يَكُونُ هَذا خاصًّا بِبَنِي النَّضِيرِ في هَذِهِ الكَرَّةِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ هَذا عَنْ عَجْزٍ مِنهم لازِمٍ لَهم دَفَعَهُ بِقُوَّةٍ إعْلامًا بِأنَّهُ إنَّما هو مِن مُعْجِزاتِ هَذا الدِّينِ: ﴿بَأْسُهُمْ﴾ أيْ قُوَّتُهم وما فِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يَتَأثَّرُ عَنْها العَذابُ ﴿بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ أيْ إذا أدارُوا رَأْيًا أوْ حارَبَ بَعْضُهم بَعْضًا فَجَرَّأ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما يَنْظُرُونَهُ مِن شِدَّتِهِمْ وشَجاعَتِهِمْ إذا حارَبُوا المُشْرِكِينَ لا يُنْكَرُ عِنْدَ مُحارَبَةِ المُؤْمِنِينَ كَرامَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ بِها المُؤْمِنِينَ تَتَضَمَّنُ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ تَقْوِيَةً لِإيمانِهِمْ وإعْلاءً لِشَأْنِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ عِلَّةُ الشِّدَّةِ الِاجْتِماعَ، شَرَحَ حالَتَيِ الشِّدَّةِ والرَّهْبَةِ بِقَوْلِهِ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ إشارَةً إلى شِدَّةِ ما يُظْهِرُونَ مِن إلْفِ (p-٤٥٢)بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ أيِ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ يا أعْلى الخَلْقِ ويا أيُّها النّاظِرُ مَن كانَ لِذَلِكَ التَّعاطُفِ الظّاهِرِ ﴿جَمِيعًا﴾ لِما هم فِيهِ مِنَ اجْتِماعِ [الدِّفاعِ] وعَنْ ذَلِكَ نَشَأتِ الشِّدَّةُ ﴿وقُلُوبُهم شَتّى﴾ أيْ مُفْتَرِقَةٌ أشَدَّ افْتِراقٍ، وعَنْ ذَلِكَ نَشَأتِ الرَّهْبَةُ، ومُوجِبُ هَذا الشَّتاتِ اخْتِلافُ الأهْواءِ الَّتِي لا جامِعَ لَها مِن نِظامِ العَقْلِ كالبَهائِمِ وإنِ اجْتَمَعُوا في عَداوَةِ أهْلِ الحَقِّ كاجْتِماعِ البَهائِمِ في الهَرَبِ مِنَ الذِّئْبِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: اجْتِماعُ النُّفُوسِ مَعَ تَنافُرِ القُلُوبِ واخْتِلافِها أصْلُ كُلِّ فَسادٍ [و]مُوجِبُ كُلِّ تَخاذُلٍ، ومُقْتَضٍ لِتَجاسُرِ العَدُوِّ، واتِّفاقُ القُلُوبِ والِاشْتِراكُ في الهِمَّةِ والتَّساوِي في القَصْدِ يُوجِبُ كُلَّ ظَفَرٍ وكُلَّ سَعادَةٍ.
ولَمّا كانَ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الِافْتِراقِ ضَعْفَ العَقْلِ، قالَ مُعَلِّلًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الغَرِيبُ مِنَ الِافْتِراقِ بَعْدَ الِاتِّفاقِ الَّذِي يُخَيِّلُ الِاجْتِماعَ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ﴾ أيْ مَعَ شِدَّتِهِمْ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ فَلا دِينَ لَهم (p-٤٥٣)يَجْمَعُهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهم عَلى الباطِلِ فَهم أسْرى الأهْوِيَةِ، والأهْوِيَةُ في غايَةِ الِاخْتِلافِ، فالعَقْلُ مَدارُ الِاجْتِماعِ كَما كانَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَما أنَّ الهَوى مَدارُ الِاخْتِلافِ.
الحشر 59:15
ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِعَدَمِ عَقْلِهِمْ دَعْوى دَلَّ عَلَيْها بِأمْرٍ مُشاهَدٍ فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ قِصَّتُهم في عَدَمِ فِقْهِهِمْ بَلْ عَقْلُهُمُ الَّذِي نَشَأ عَنْهُ إخْراجُهم هَذا وما سَبَّبَهُ مِن مَكْرِهِمْ وغَدْرِهِمْ واعْتِمادِهِمْ عَلى ابْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ كَمَثَلِ قِصَّةِ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ إدْخالُ الجارِّ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى عَدَمِ اسْتِغْراقِ زَمانِ القَبْلِ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ الزَّمَنِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿قَرِيبًا﴾ وهم كَما «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بَنُو قَيْنُقاعَ مِن أهْلِ دِينِهِمُ اليَهُودِ أظْهَرُوا بَأْسًا شَدِيدًا عِنْدَما قَصَدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ فَوَعَظَهم وحَذَّرَهم بَأْسَ اللَّهِ فَقالُوا: لا يَغُرَّنَّكَ يا مُحَمَّدُ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ مِنهُمْ، وأمّا واللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَلِمْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، ثُمَّ مَكَرُوا بِامْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأرادُوها (p-٤٥٤)عَلى كَشْفِ وجْهِها فَأبَتْ فَعَقَدُوا طَرَفَ ثَوْبِها مِن تَحْتِ خِمارِها، فَلَمّا قامَتِ انْكَشَفَتْ سَوْأتُها فَصاحَتْ فَغارَ لَها شَخْصٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَتَلَ اليَهُودِيَّ الَّذِي عَقَدَ ثَوْبَها فَقَتَلُوهُ، فانْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، فَأنْزَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِساحَتِهِمْ جُنُودَ اللَّهِ فَأذَلَّهُمُ اللَّهُ ونَزَلُوا مِن حِصْنِهِمْ عَلى حُكْمِهِ ﷺ وقَدْ كانُوا حُلَفاءَ ابْنِ أُبَيٍّ، ولَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا غَيْرَ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ [فِي] أنْ لا يَقْتُلَهم وألَحَّ عَلَيْهِ حَتّى كَفَّ عَنْ قَتْلِهِمْ فَذَهَبُوا عَنِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ حَشْرٍ لَهم بِالإلْزامِ بِالجَلاءِ».
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما [كانَ] خَبَرُهُمْ؟ قالَ: ﴿ذاقُوا وبالَ﴾ أيْ وخامَةَ وسُوءَ عاقِبَةِ ﴿أمْرِهِمْ﴾ [فِي الدُّنْيا] وهو كُفْرُهم وعَداوَتُهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحِزْبِهِ الَّذِينَ [هم حِزْبُ] اللَّهِ، وسَمّاهُ أمْرًا لِأنَّهُ مِمّا ائْتَمَرُوا فِيهِ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الإيلامِ،
الحشر 59:16
ولَمّا شَبَّهَ سُبْحانَهُ أمْرَهم في طاعَتِهِمْ لِابْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ وهُمُ البُعَداءُ المُحْتَرِقُونَ بِسَبَبِ إبْعادِ المُؤْمِنِينَ لَهم بِإبْعادِ اللَّهِ واحْتِراقِ أكْبادِهِمْ لِذَلِكَ مَعَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ بِأمْرِ بَنِي قَيْنُقاعَ، شَبَّهَ قِصَّةَ الكُلِّ بِقِصَّةِ (p-٤٥٥)الشَّيْطانِ [و]مَن أطاعَهُ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِمَعْنى ما حَطَّ عَلَيْهِ آخِرُ الكَلامِ: ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ مَثَلُ الكُلِّ الواعِدِينَ بِالنَّصْرِ والمُغْتَرِّينَ بِوَعْدِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَ في الذِّكْرِ ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] في إخْلافِهِمُ الوَعْدَ وإسْلامِهِمْ إيّاهم عِنْدَ ما حَقَّ الأمْرُ يُشْبِهُ مَثَلَ ﴿الشَّيْطانِ﴾ أيِ البَعِيدِ مِن كُلِّ خَيْرٍ لِبُعْدِهِ مِنَ اللَّهِ المُحْتَرِقِ بِعَذابِهِ، والشَّيْطانُ هُنا مِثْلُ المُنافِقِينَ ﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ﴾ أيْ كُلِّ مَن فِيهِ نَوْسٌ واضْطِرابٌ وهو هُنا مِثْلُ اليَهُودِ: ﴿اكْفُرْ﴾ أيْ بِاللَّهِ بِما [زَيَّنَ] لَهُ ووَسْوَسَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ الشَّهَواتِ القائِمِ مَقامَ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ بِما يُساعِدُ تَزْيِينَ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ مِن شَهَواتِهِ وحُظُوظِهِ وأخْلاقِهِ يُطِيعُ أمْرَهُ غالِبًا قالَ: ﴿فَلَمّا كَفَرَ﴾ أيْ أوْجَدَ الكُفْرَ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، ودَلَّتِ الفاءُ عَلى إسْراعِهِ في مُتابَعَةِ تَزْيِينِهِ ﴿قالَ﴾ أيِ الشَّيْطانُ الَّذِي هو هُنا عِبارَةٌ عَنِ المُنافِقِينَ مُؤَكِّدًا لِما لِمَن تَعَلَّقَ بِمَن أكَّدَ لَهُ الوَعْدَ بِشَيْءٍ مِن صادِقِ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ والتَّكْذِيبِ بِأنَّهُ يَخْذُلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ أيْ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكَ عَلاقَةٌ في شَيْءٍ أصْلًا ظَنًّا مِنهُ أنَّ هَذِهِ البَراءَةَ تَنْفَعُهُ شَيْئًا مِمّا اسْتَوْجَبَهُ المَأْمُورُ بِقَبُولِهِ لِأمْرِهِ، وذَلِكَ (p-٤٥٦)كِنايَةٌ [عَنْ] أنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ والتَّمادِي في كُلِّ ما يَدُلُّ عَلى إهْمالِهِ فِعْلَ مَن أكَّدَ البَراءَةَ مِنهُ، وذَلِكَ كَما فَعَلَ المُنافِقُونَ بِاليَهُودِ: جَرَّأُوهم عَلى أمْرٍ يُنْهى وهو الإقامَةُ في بَلَدِهِمْ، فَلَمّا نَصَبُوا الحَرْبَ طَمَعًا في نَصْرِهِمْ فَعَلَ المُنافِقُونَ بِتَباطُؤِهِمْ عَنْهم فِعْلَ المُتَبَرِّئِ مِنهم فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ مِمّا لَمْ يُطْمِعُوهم في نَصْرِهِمْ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ انْهِزامِهِمْ عَنْهم مِنَ الصَّفِّ المُوجِبِ لِانْهِزامِهِمْ لا مَحالَةَ، ثُمَّ عَلَّلَ البَراءَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَلا تُطاقُ صَوْلَتُهُ، ثُمَّ شَرَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَهم مِنَ العَدَمِ ورَبّاهم بِما يَدُلُّ [عَلى] جَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى، فَلا يُغْنِي أحَدٌ مِن خَلْقِهِ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ و[هُوَ] لا يَغْفِرُ أصْلًا لِمَن يَقْدَحُ في رُبُوبِيَّتِهِ ولا سِيَّما إنْ نَسَبَها إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَذا كَمَثَلِ ما يَجِدُ الإنْسانُ بَعْدَ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ مِنَ النَّدَمِ والحَيْرَةِ، فَإذا وجَدَ ذَلِكَ وهَمَّ بِالتَّوْبَةِ زَيَّنَ لَهُ المَعْصِيَةَ وصَعَّبَ عَلَيْهِ أمْرَ التَّوْبَةِ وعَسَّرَهُ وجَرَّأهُ عَلى المَعْصِيَةِ بِعَيْنِها أوْ عَلى ما هو أكْبَرُ مِنها، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ فَيَتَحَقَّقُ هَلاكُهُ وهَلاكُ مَن أوْقَعَهُ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ:
الحشر 59:17
﴿فَكانَ﴾ ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ الشَّيْءِ عَلى مَحَلِّهِ مُوجِبًا لِرَوْعَةِ تَنَبُّهِ الإنْسانِ لِلتَّفْتِيشِ عَنِ السَّبَبِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ قالَ: ﴿عاقِبَتَهُما﴾ مُقَدِّمًا (p-٤٥٧)لِخَبَرِ ”كانَ“ ﴿أنَّهُما﴾ أيِ الغارَّ والمَغْرُورَ ﴿فِي النّارِ﴾ حالَ كَوْنِهِما ﴿خالِدَيْنِ فِيها﴾ لِأنَّهُما ظَلَما [ظُلْمًا] لا فَلاحَ مَعَهُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ [فِي] الإنْسانِ بِعَيْنِهِ، قالَ مُعَلِّقًا بِالوَصْفِ، تَعْمِيمًا وزَجْرًا عَنْهُ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ العَذابُ الأكْبَرُ ﴿جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ كُلِّ [مَن] وضَعَ العِبادَةَ في غَيْرِ مَحَلِّها.
الحشر 59:18
ولَمّا أبْلَغَ سُبْحانَهُ في المَواعِظِ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلًا وفِعْلًا، وكانَتِ الإيقاعاتُ المَذْكُورَةُ فِيها مُسَبَّبَةً عَنِ الخِياناتِ مِمَّنْ كانَ لَهُ عَهْدٌ فَنَقَضَهُ، أوْ مِمَّنْ كانَ أظْهَرَ الإيمانَ فَأبانَ فِعْلُهُ كَذِبَهُ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى اسْتِنْتاجًا عَنْ ذَلِكَ وعْظًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّ الوَعْظَ بَعْدَ المَصائِبِ أوْقَعُ في النَّفْسِ وأعْظَمُ في تَرْقِيقِ القَلْبِ وتَحْذِيرِهِ مِمّا يُوجِبُ العُقُوبَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُنادِيًا لَهم نِداءَ البُعْدِ مُعَبِّرًا بِأدْنى أسْنانِ الإيمانِ لِأنَّهُ عَقِبَ ذِكْرِ مَن أقَرَّ بِلِسانِهِ فَقَطْ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا لَكم وِقايَةً تَقِيكم سُخْطَ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ولا بُدَّ أنْ يَسْتَعْرِضَ عَبِيدَهُ، فاحْذَرُوا عُقُوبَتَهُ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ فِيما حَدَّهُ لَكم مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ أيْ كُلُّ نَفْسٍ تَنْظُرُ إلى نَفاسَتِها وتُرِيدُ العُلُوَّ عَلى أقْرانِها، ولَعَلَّهُ وحَّدَها لِلْإشارَةِ مَعَ إفادَةِ التَّعْمِيمِ إلى قِلَّةِ المُمْتَثِلِ لِهَذا الأمْرِ جِدًّا ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ (p-٤٥٨)أيْ مِنَ الزّادِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ صَلاحُ المَنزِلِ الَّذِي مَن لَمْ يَسْعَ في إصْلاحِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ راحَةٌ، هَلْ يُرْضِي المَلِكَ ما قَدَّمَتْهُ فَيُنْجِيها أوْ يُغْضِبُهُ فَيُرْدِيها.
ولَمّا كانَ الأجَلُ مُبْهَمَ الوَقْتِ، فَكانَ لِقاءُ اللَّهِ في كُلِّ يَوْمٍ بَلْ كُلِّ لَحْظَةٍ لِلْعاقِلِ مُتَرَقَّبًا لِكَوْنِهِ مُمْكِنًا [مَعَ كَوْنِهِ] عَلى الإطْلاقِ [مُحَقَّقًا] لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، قالَ مُشِيرًا بِتَنْكِيرِهِ وإبْهامِهِ إلى تَهْوِيلِهِ وإعْظامِهِ: ﴿لِغَدٍ﴾ أيْ لِأجْلِ العَرْضِ بَعْدَ المَوْتِ أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو في غايَةِ القُرْبِ لِأنَّ هَذِهِ الدُّنْيا كُلَّها يَوْمٌ واحِدٌ يَجِيءُ فِيهِ ناسٌ ويَذْهَبُ آخَرُونَ، والمَوْتُ أوِ الآخِرَةُ غَدُهُ، لا بُدَّ [مِن] كُلٍّ مِنهُما، وكُلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ فَهو في غايَةِ القُرْبِ لا سِيَّما إنْ كانَ باقِيًا غَيْرَ مُنْقَضٍ، وكُلُّ مَن نَظَرَ لِغَدِهِ أحْسَنَ مُراعاةَ يَوْمِهِ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ مِن جِهاتٍ [لا تُحْصى].
ولَمّا أمَرَ بِتَقْواهُ سُبْحانَهُ خَوْفًا مِن سَطَواتِهِ أمَرَ بِتَقْواهُ لِأجْلِ مُراقَبَتِهِ حَياءً مِن جَلالَتِهِ وهَيْبَتِهِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ لِأنَّ مَدارَ النَّجاةِ عَلى التَّقْوى لِأنَّ مَكايِدَ الشَّيْطانِ دَقِيقَةٌ، فَمَن لَمْ يُبالِغْ في مُحاسَبَةِ نَفْسِهِ وتَفَقُّدِ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخَلَلِ في أعْمالِهِ أوْشَكَ أنْ يُحْبِطَ [الشَّيْطانُ] أعْمالَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ أيِ اتَّقُوهُ حَياءً مِنهُ، فالتَّقْوى الأُولى لِإيجادِ صُوَرِ الأعْمالِ، وهَذِهِ لِتَصْفِيَتِها وتَزْكِيَةِ أرْواحِها، ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ (p-٤٥٩)مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عَظِيمُ الِاطِّلاعِ عَلى ظَواهِرِكم وبَواطِنِكم والإحاطَةِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلا تَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا كانَ بِمَرْأًى مِنهُ ومَسْمَعٍ فاسْتَحْيُوا مِنهُ، وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ كَراهِيَةَ أنْ يُظَنَّ تَقْيِيدُ التَّقْوى بِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ تَعْظِيمًا لِهَذا المَقامِ إعْلامًا بِأنَّ شُؤُونَهُ لا تَنْحَصِرُ وأنَّ إحاطَتَهُ لا تَخُصُّ مَقامًا دُونَ مَقامٍ ولا شَأْنًا سِوى شَأْنٍ.
الحشر 59:19
ولَمّا هَزَّ إلى تَقْواهُ تارَةً بِالخَوْفِ وأُخْرى بِالحَياءِ تَأْكِيدًا لَها، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِما لَهُ شُعْبَةٌ [مِنَ التَّحْذِيرِ]، وكانَ الإنْسانُ لِما لَهُ مِنَ النِّسْيانِ أحْوَجَ إلى التَّحْذِيرِ، قالَ مُؤَكِّدًا لِشُعْبَتِهِ وإيضاحًا لِأنَّ التَّقْوى الثّانِيَةَ لِمُحاسَبَةِ النَّفْسِ في تَصْفِيَةِ العَمَلِ: ﴿ولا تَكُونُوا﴾ أيُّها المُحْتاجُونَ إلى التَّحْذِيرِ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [أيْ] أعْرَضُوا عَنْ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وتَرَكُوها تَرْكَ النّاسِينَ لِمَن بَرَزَتْ عَنْهُ مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ لِما اسْتَغْواهم بِهِ مِن أمْرِهِ الشَّيْطانُ حَتّى أبْعَدَهم جِدًّا عَنِ العُمْرانِ ﴿فَأنْساهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ أنْساهم بِما لَهُ مِنَ (p-٤٦٠)الإحاطَةِ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ فَلَمْ يُقَدِّمُوا لَها ما يَنْفَعُها وإنْ قَدَّمُوا شَيْئًا كانَ مَشُوبًا بِالمُفْسِداتِ مِنَ الرِّياءِ والعُجْبِ، فَكانُوا مِمّا قالَ فِيهِ. سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] لِأنَّهم لَمْ يَدَعُوا بابًا مِن أبْوابِ الفِسْقِ فَإنَّ رَأْسَ الفِسْقِ الجَهْلُ بِاللَّهِ، ورَأْسَ العِلْمِ ومِفْتاحَ الحِكْمَةِ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ، فَأعْرَفُ النّاسِ بِنَفْسِهِ أعْرَفُهم بِرَبِّهِ ”مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ“ .
ولَمّا كانَتْ ثَمَرَةُ ذَلِكَ أنَّهم أضاعُوها - أيِ التَّقْوى - فَهَلَكُوا قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البَعِيدُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿الفاسِقُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في المُرُوقِ مِن دائِرَةِ الدِّينِ.
الحشر 59:20
ولَمّا تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ لِما أيَّدَهم بِهِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا مِنَ النَّصْرِ والشِّدَّةِ عَلى الأعْداءِ واللِّينِ والمُعاضَدَةِ لِلْأوْلِياءِ وسائِرِ الأفْعالِ المُوصِلَةِ إلى جَنَّةِ المَأْوى، وصَرَّحَ في آخِرِ الدَّلِيلِ بِخُسْرانِ حِزْبِ الشَّيْطانِ فَعُلِمَ أنَّ لَهم مَعَ هَذا الهَوانِ عَذابَ النِّيرانِ، وكانَ المَغْرُورُ بَعْدَ هَذا بِالدُّنْيا الغافِلُ عَنِ الآخِرَةِ لِأجْلِ شَهَواتٍ فانِيَةٍ وحُظُوظٍ زائِلَةٍ عامِلًا عَمَلَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا فَرْقَ [بَيْنَ] الشَّقِيِّ بِالنّارِ (p-٤٦١)والسَّعِيدِ بِالجَنَّةِ لِتَجَشُّمِهِ التَّجَرُّعَ لِمَراراتِ الأعْمالِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُنْزِلًا لَهم مَنزِلَةَ الجازِمِ بِذَلِكَ أوِ الغافِلِ عَنْهُ تَنْبِيهًا لَهم عَلى غَلَطِهِمْ وإيقاظًا مِن غَفْلَتِهِمْ: ﴿لا يَسْتَوِي﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ الَّتِي هي مَحَلُّ الشَّقاءِ الأعْظَمِ ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ الَّتِي هي دارُ النَّعِيمِ الأكْبَرِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وهي مِن أدِلَّةِ أنَّهُ لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ.
ولَمّا كانَ نَفْيُ الِاسْتِواءِ غَيْرَ مُعْلِمٍ في حَدِّ ذاتِهِ بِالأعْلى مِنَ الأمْرَيْنِ، كانَ هَذا السِّياقُ مُعْلِمًا بِما حَفَّهُ مِنَ القَرائِنِ بِعُلُوِّ أهْلِ الجَنَّةِ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الفائِزُونَ﴾ المُدْرِكُونَ لِكُلِّ مَحْبُوبٍ النّاجُونَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، وأصْحابُ النّارِ هُمُ الهالِكُونَ في الدّارَيْنِ كَما وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ لِفَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ وبَنِي النَّضِيرِ ومَن والاهم مِنَ المُنافِقِينَ، فَشَتّانَ ما بَيْنَهُما.
الحشر 59:21
ولَمّا كانَ قَدْ مَرَّ في هَذِهِ السُّورَةِ فَضْلًا عَمّا تَقَدَّمَها مِن حِكْمَةِ هَذا القُرْآنِ وإعْجازِهِ تارَةً بِمُطابَقَتِهِ لِما نَزَلَ بِسَبَبِهِ مُطابَقَةً تَجْلُو عَنْهُ كُلَّ إشْكالٍ، وتارَةً بِما يُشاهَدُ مِن صِدْقِهِ فِيما أخْبَرَ بِإتْيانِهِ مِنَ الأفْعالِ، وأُخْرى بِما يَتَحَدّى بِهِ مِنَ الأقْوالِ، ومَرَّةً بِنَظْمِ كُلِّ جُمْلَةٍ مَعَ ما تَقَدَّمَها عَلى ما لَمْ يُمْكِنْ لِبَشَرٍ مِثْلُهُ في الأحْوالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يَحْصُرُها المَقالُ، تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ مُبَيِّنًا أنَّ سَبَبَ افْتِراقِ الفَرِيقَيْنِ في العُقْبى افْتِراقُهم في (p-٤٦٢)هَذا القُرْآنِ [فِي الأُولى] تَمْثِيلًا لِلْقُلُوبِ في قَسْوَتِها أوْ لِينِها عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ وتَخْيِيلًا، تَوْبِيخًا لِلْقاسِي ومَدْحًا لِلْعاطِفِ اللَّيِّنِ لافِتًا القَوْلَ إلى أُسْلُوبِ العَظَمَةِ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَها: ﴿لَوْ أنْـزَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا الَّتِي أبانَها هَذا الإنْزالُ ﴿هَذا القُرْآنَ﴾ أيِ الجامِعَ لِجَمِيعِ العُلُومِ، الفارِقَ بَيْنَ كُلِّ مُلْتَبِسٍ - المُبَيِّنَ لِجَمِيعِ الحِكَمِ ﴿عَلى جَبَلٍ﴾ أيْ أيِّ جَبَلٍ كانَ ﴿لَرَأيْتَهُ﴾ مَعَ صَلابَتِهِ وقُوَّتِهِ يا أشْرَفَ الخَلْقِ [إنْ لَمْ يَتَأهَّلْ غَيْرُكَ لِمِثْلِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ] ﴿خاشِعًا﴾ أيْ مُطْمَئِنًّا مُخْبِتًا عَلى صَلابَتِهِ مُتَذَلِّلًا باكِيًا ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ أيْ مُتَشَقِّقًا غايَةَ التَّشَقُّقِ كَما تَصَدَّعَ الطُّورُ لِتَجَلِّينا لَهُ بِما دُونَ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي جَلَوْنا كَلامَنا الشَّرِيفَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَلابِسِها ﴿مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ مِنَ الخَوْفِ العَظِيمِ مِمَّنْ لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ حَذَرًا مِن أنْ لا يَكُونَ مُؤَدِّيًا ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ القُرْآنِ عِنْدَ سَماعِهِ فَما لِابْنِ آدَمَ وقَدْ آتاهُ اللَّهُ مِنَ العَقْلِ ما لَمْ يُؤْتِ الجَبَلَ يَسْتَخِفُّ بِحَقِّهِ، ويُعْرِضُ عَمّا فِيهِ مِنَ العِبَرِ، وفي الآيَةِ مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في ثَباتِهِ لِما لا تَثْبُتُ لَهُ الجِبالُ، وذَمٌّ لِلْمُعْرِضِينَ بِكَوْنِهِمْ أقْسى مِنَ الجِبالِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا لِمَن لَمْ يَرِقَّ لِلْقُرْآنِ ﴿ألَمْ يَأْنِ (p-٤٦٣)لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] فَإنّا قَدْ فَصَّلْنا لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ والأمْرَ والنَّهْيَ وأوْضَحْنا الحُكْمَ ودَلَّلْنا عَلى المُتَشابِهِ وقَصَصْنا الأقاصِيصَ بَعْدَ جَعْلِهِمْ عُقَلاءَ ناطِقِينَ، فَتِلْكَ أقاصِيصُ الماضِينَ لَعَلَّهم يَعْتَبِرُونَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ أيِ الَّتِي لا يُضادُّ فِيها شَيْءٌ ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَها وهم مَن فِيهِمْ تَذَبْذُبٌ واضْطِرابٌ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ لِتَكُونَ حالُهم عِنْدَ مَن يَنْظُرُهم حالَ مَن يُرْجى تَفَكُّرُهُ في تِلْكَ الأمْثالِ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ إذا أدّاهُ التَّفَكُّرَ إلى التَّذَكُّرِ فَرَأى تَنْبِيهَ الرَّسُولِ ﷺ [لَهُ] أنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِن شَيْءٍ فَفِيهِ [مَشاهِدُ] مِنهُ فَتَطابَقَ لَهُ كِتابُ الخَلْقِ وكِتابُ الأمْرِ فَتَخَلّى عَنِ الشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ فَنَجا مِنَ الحُظُوظِ النَّفْسِيَّةِ فَتَحَلّى بِالمَلابِسِ الرُّوحانِيَّةِ فَصارَ بِالمُجاهَداتِ والمُنازَلاتِ إلى الصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ فَكانَ أهْلًا لِلْمَقاماتِ القُدْسِيَّةِ في الجِنانِ العَلِيَّةِ.
الحشر 59:22
ولَمّا أعْلى سُبْحانَهُ أوْلِياءَهُ بِأنْ فَتَحَ السُّورَةَ [بِالإيمانِ] بِالغَيْبِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ بَعْدَ التَّنْزِيهِ عَنْ نَقائِصِ التَّعْطِيلِ وكُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ويَنْزِلُ لِعِبادِهِ في أسْبابِ الصِّفاتِ والأفْعالِ إلى أنْ أوْصَلَهم إلى مَحْسُوسِ الأمْثالِ فَتَأهَّلُوا لِلْفَناءِ في ذاتِهِ وما عَلى صِفاتِهِ المُوجِبَةِ لِخَشْيَتِهِ، رَقّاهم إلى التَّفَكُّرِ في تَفْصِيلِ ما افْتَتَحَ بِهِ، فَقالَ عادِلًا عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ إلى (p-٤٦٤)أعْظَمَ مِنها بِإسْبالِ حُجُبِ العِزَّةِ عَلى مِنهاجِ الحِكْمَةِ: ﴿هُوَ﴾ أيِ الَّذِي وُجُودُهُ مِن ذاتِهِ فَلا عَدَمَ لَهُ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَلا يَسْتَحِقُّ الوَصْفَ بِـ ”هُوَ“ غَيْرُهُ لِأنَّهُ المَوْجُودُ دائِمًا أزَلًا وأبَدًا، فَهو حاضِرٌ في كُلِّ ضَمِيرٍ غائِبٌ بِعَظَمَتِهِ عَنْ كُلِّ حِسٍّ، فَلِذَلِكَ يَتَصَدَّعُ الجَبَلُ مِن خَشْيَتِهِ.
ولَمّا عَبَّرَ بِأخَصِّ أسْمائِهِ، أخْبَرَ عَنْهُ لُطْفًا بِنا وتَنَزُّلًا لَنا بِأشْهَرِها الَّذِي هو مُسَمّى الأسْماءِ كُلِّها فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَعْبُودُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العِبادَةُ إلّا لَهُ، الَّذِي بَطَنَ بِما لَمْ تُحِطْ ولا تُحِيطُ [بِهِ] العُقُولُ مِن نُعُوتِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ والإكْرامِ، فَظَهَرَ بِأفْعالِهِ الَّتِي لا تُضاهى بِوَجْهٍ غايَةَ الظُّهُورِ، فَتَمَيَّزَ غايَةَ التَّمَيُّزِ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ شِرْكٌ أصْلًا في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ولا نَسَمَةٍ مِنَ النَّسَمِ، قالَ الحَرالِّيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ: وهو لَوْهُ القُلُوبِ والعُقُولِ أيْ مَحارُها الَّذِي لا تُدْرِكُهُ، فَلَزِمَ الخَلْقَ مِن تَوْحِيدِ اسْمِ الإلَهِ ما حَصَلَ لَهم مِن تَوْحِيدِ اسْمِ اللَّهِ [مِنَ الأحَدِيَّةِ الإحاطِيَّةِ - انْتَهى -] فَلِذَلِكَ [كانَ وصْفُهُ ﴿الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَإنَّهُ لا مُجانِسَ لَهُ ولا يَلِيقُ ولا يُصْبِحُ ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُكافِئَهُ أوْ يُدانِيَهُ شَيْءٌ والإلَهُ أوَّلُ اسْمِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ -] (p-٤٦٥)لا يَكُونُ أحَدٌ مُسْلِمًا إلّا بِتَوْحِيدِهِ فَتَوْحِيدُهُ فَرْضٌ وهو أساسُ كُلِّ فَرِيضَةٍ، وتَوْحِيدُ سائِرِ الأسْماءِ نَقْلٌ وهو أساسُ كُلِّ نافِلَةٍ، فَمَن وحَّدَ [فِي] الكُلِّ فَقَدْ كَمُلَ دِينُهُ وتَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ وإلّا كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ مِنهُ قَوْلًا عُصِمَ مِن نارِ الأحْكامِ عَلى الأبْدانِ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ عِلْمًا تَخَلَّصَ مِن نارِ الهَلَعِ عَلى النُّفُوسِ في الدُّنْيا، وهو الجَزَعُ عِنْدَ مَسِّ الشَّرِّ، والمَنعُ والبُخْلُ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ، ولَنْ يَشْهَدَ التَّوْحِيدُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ الَّتِي مَضْمُونُها تَوْحِيدُ اسْمِ الإلَهِ إحْسانًا إلّا بَعْدَ إحْصاءِ جَمِيعِ الأسْماءِ [عِلْمًا]، قالَ الحَرالِّيُّ: والإلَهُ: التَّعَبُّدُ وهو التَّذَلُّلُ، فَمَن تَوَهَّمَ حاجَتَهُ بِشَيْءٍ وتَوَهَّمَ أنَّ عِنْدَهُ قِوامَ حاجَتِهِ تَذَلَّلَ فَكانَ تَذَلُّلُهُ [لَهُ] تَألُّهًا، وكُلُّ مَن عَبَدَ ما أحاطَ عَيْنُهُ فَقَدْ خَذَلَ عَقْلَهُ عَنْ تَصْحِيحِ مَعْنى الإلَهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْبًا، فَكانَ تَصْحِيحُ مَعْنى الإلَهِ أنَّهُ غَيْبٌ قائِمٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ والتَّذَلُّلِ لِأجْلِ قِيامِهِ والِاسْتِغْناءِ بِهِ.
ولَمّا أخْبَرَ بِتَفَرُّدِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِآيَةِ اسْتِحْقاقِهِ لِذَلِكَ، فَقالَ مُقَدِّمًا لِما هو مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيِ الَّذِي غابَ عَنْ عِلْمِ جَمِيعِ (p-٤٦٦)خَلْقِهِ. ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ وصْفَهُ بِالغَيْبِ أمْرٌ نِسْبِيٌّ سُمِّيَ غَيْبًا بِالنِّسْبَةِ لِناسٍ دُونَ ناسٍ، دَلَّ بِذِكْرِ الضِّدِّ عَلى أنَّ المُرادَ كُلُّ ما غابَ وكُلُّ ما شُهِدَ فَقالَ تَعالى: ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيِ الَّذِي وُجِدَ فَكانَ بِحَيْثُ يُحِسُّهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ خَلْقِهِ.
ولَمّا تَعالى في صِفاتِ العَظَمَةِ ونُعُوتِ الجَلالِ والكِبْرِ فَبَطَنَ غايَةَ البُطُونِ، أخَذَ في رَحْمَةِ العِبادِ بِالتَّنَزُّلِ لَهم بِالتَّعَرُّفِ إلَيْهِمْ بِعَواطِفِ الرَّحْمَةِ فَقالَ بانِيًا الكَلامَ عَلى الضَّمِيرِ إعْلامًا بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ أوَّلًا هو بِعَيْنِهِ المُحَدَّثُ عَنْهُ ثانِيًا: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ أيِ العامُّ الرَّحْمَةِ، قالَ الحَرالِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: والرَّحْمَةُ إجْراءُ الخَلْقِ عَلى ما يُوافِقُ حَسْبَهم ويُلائِمُ خَلْقَهم وخُلُقَهم ومَقْصِدَ أفْئِدَتِهِمْ، فَإذا اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالبَعْضِ كانَ رَحِيمِيَّةً، وإذا اسْتَغْرَقَ كانَ رَحْمانِيَّةً، ولِاسْتِغْراقِ مَعْنى اسْمِ الرَّحْمَنِ [لَمْ يَكُنْ لِإتْمامِ مَعْناهُ وُجُودٌ في الخَلْقِ، فَلَمْ يَجْرِ بِحَقٍّ عَلى أحَدٍ مِنهم فَلِذَلِكَ لَحِقَ اسْمُهُ الرَّحْمَنُ -] في مَعْنى اسْتِغْراقِهِ - يَعْنِي بِاسْمِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَتِ الرَّحِيمِيَّةُ خاصَّةً بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ قالَ تَعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ ذُو الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُسْعِدَةِ في الظّاهِرِ والرَّحْمَةِ الخاصَّةِ المُسْعِدَةِ في (p-٤٦٧)الباطِنِ، قالَ [الحَرالِّيُّ]: الرَّحْمَةُ مِنَ الرَّحِيمِ اخْتِصاصُ مَن شَمِلَتْهُ الرَّحْمانِيَّةُ بِمَزِيَّةِ ما أُوثِرَ بِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ في مُقابَلَةِ مَن آلَ أمْرُهُ إلى نِعَمِهِ لِيَجْمَعَ مُقْتَضى الِاسْمَيْنِ بَيْنَ عُمُومِ الرَّحْمانِيَّةِ واخْتِصاصِ الرَّحِيمِيَّةِ. ولَمّا أظْهَرَ عَلى الخَلْقِ خُصُوصَ الإيثارِ، أجْرى عَلَيْهِمُ اسْمَ الرَّحِيمِ كَرَحْمَةِ الخَلْقِ أبْناءَهم.
ولَمّا كانَ حَقُّ اسْمِ الرَّحِيمِ إثْباتَ رَحْمَةٍ غَيْرِ مَجْذُوذَةٍ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْخَلْقِ لَمْ يَكُنْ بِالحَقِيقَةِ الرَّحِيمُ إلّا اللَّهَ الَّذِي إذا اخْتَصَّ بِالرَّحْمَةِ لَمْ يَحُدَّها ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] «إنَّ اللَّهَ لا يَنْزِعُ العِلْمَ انْتِزاعًا بَعْدَ أنْ أعْطاكُمُوهُ» ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] فَلِذَلِكَ لا رَحِيمَ بِالحَقِيقَةِ إلّا اللَّهَ تَحْقِيقَ عِلْمٍ كَما أنَّهُ لا رَحْمَنَ إلّا اللَّهَ بادِيَ مَعْنًى.
الحشر 59:23
ولَمّا كانَ المِلْكُ كَمالَ اسْتِيلاءٍ عَلى الخَلْقِ يَقْصُرُهم بِهِ مَلِكُهم عَلى بَعْضِ مُسْتَطاعِهِمْ ويَدِينُهم - أيْ يَجْزِيهِمْ - عَلى حَسَبِ دِينِهِمْ أيْ ما وضَعَ لَهم مِن عادَةِ قَصْرِهِ لَهم وحُكْمِهِ عَلَيْهِمْ وبِحَسَبِ إحْصائِهِ عَلَيْهِمْ دَقِيقَ أعْمالِهِمْ وإحاطَتِهِ بِخَفِيِّ أحْوالِهِمْ والِاطِّلاعِ عَلى سَرائِرِهِمْ بِتَحْقِيقِ اسْتِيفاءِ الجَزاءِ فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ كَمالُ المِلْكِ، فَكانَ لِذَلِكَ لا تَتَحَقَّقُ حَقِيقَةُ المِلْكِ فِيمَن هو دُونَ العِلْمِ (p-٤٦٨)بِالسِّرِّ وأخْفى، والمُحْصِي الحَسِيبِ لِمَثاقِيلِ الذَّرِّ، الخَبِيرِ بِخَبْأِ الكَوْنِ، فَكانَ لا مَلِكَ في الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهَ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قَدْ أوْلى الخَلْقَ مِن رِفْعَةِ بَعْضِهِمْ فَوْقَ بَعْضٍ ما أجْرى عَلَيْهِمُ اسْمَ المَلِكِ فِتْنَةً لَهم فَضَلَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ قَوْمٌ ادَّعَوُا المِلْكَ الحَقِيقِيَّ، فَغَلِطَ مَن أرادَ اللَّهَ مِنَ الخَلْقِ فِيهِمْ فَضَلُّوا بِهِمْ، أعادَ التَّهْلِيلَ مَعَ اسْمِهِ المَلِكِ كَما ابْتَدَأهُ مَعَ اسْمِهِ الإلَهِ أوَّلِ أسْماءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أيْضًا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي رَواهُ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ في حَدِيثِ الَّذِي يُسَمّى مَلِكَ المُلُوكِ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ: «لا مَلِكَ إلّا اللَّهَ»، فَقالَ مُصَرِّحًا بِما في باطِنِ اسْمَيِ الرَّحْمَةِ مِنَ القَهْرِ والجَبْرِ عَلى النَّسَقِ الأوَّلِ في البِناءِ عَلى الضَّمِيرِ تَأْكِيدًا لِتَعَيُّنِ المُحَدَّثِ عَنْهُ [وتَوْحِيدِهِ]: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى تَعْمِيمِ الرَّحْمَةِ لِمَن أرادَ وتَخْصِيصِها بِمَن شاءَ ﴿الَّذِي لا إلَهَ﴾ أيْ مَعْبُودَ بِحَقٍّ ﴿إلا هو المَلِكُ﴾ فَلا مَلِكَ في الحَقِيقَةِ إلّا هو لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، فَإنَّهُ مَهْما أرادَ كانَ.
ولَمّا كانَ المَلِكُ أصْلَ ما لَحِقَ الخَلْقَ مِنَ الآفاتِ لِأنَّهُ رَأْسُ الشَّرَفِ الَّذِي هو بابُ التَّرَفِ المُلازِمِ لِمُخالَفَةِ كِتابِ اللَّهِ أمّا في الأعْمالِ فَيَكُونُ فِتْنَةً، وأمّا في الرَّأْيِ فَيَكُونُ عُلُوًّا وكِبْرًا وكُفْرًا، فَإنَّ أمْرَ اللَّهِ في آدَمَ عَلى ما هو نُبُوَّةٌ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَصِيرُ خِلافَةً ثُمَّ يَنْتَهِي نُزُولُهُ فَيَكُونُ (p-٤٦٩)مُلْكًا ثُمَّ تَتَداعى الأحْداثُ، فَلِمَكانِ تَداعِي المَلِكِ لِمُوجِباتِ الذَّمِّ قالَ عَقِبَ صِفاتِ المَلِكِ: ﴿القُدُّوسُ﴾ مُصَرِّحًا بِما لَزِمَ عَنْ تَمامِ مِلْكِهِ مِن أنَّهُ بَلِيغٌ في النَّزاهَةِ عَنْ كُلِّ وصْمٍ يُدْرِكُهُ حِسٌّ أوْ يَتَصَوَّرُهُ خَيالٌ أوْ يَسْبِقُ إلَيْهِ وهْمٌ أوْ يَخْتَلِجُ بِهِ ضَمِيرٌ، فَإنَّ القُدْسَ طُهْرٌ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ ولا يَلْحَقُهُ رِجْسٌ فَلا يَزالُ عَلى وصْفِ الحَمْدِ بِثَباتِ القُدْسِ، ولِمَكانِ ما حَوَّلَ سُبْحانَهُ الخَلْقَ مِن حالِ طُهْرٍ لا يَظْهَرُ فِيهِ تَغَيُّرٌ [بِما] دُونَهُ أجْرى عَلَيْهِمُ اسْمَ القُدْسِ كَرُوحِ القُدُسِ المُؤَيِّدِ لِلشّارِعِ يَنْفُثُ في رَوْعَةِ المُؤَيِّدِ لِشاعِرِهِ في مُكافَحَتِهِ عَنْهُ، ولِأجْلِ قَصْرِ تَخَلِّي الخالِقِ بِالمِلْكِ في قَلِيلِ مَتاعِ الدُّنْيا رَغِبَ النَّبِيُّ العَبْدُ ﷺ عَنْهُ، واخْتارَ العُبُودِيَّةَ الدّائِمَةَ بِدَوامِ العِزَّةِ لِسَيِّدِهِ، فَوَضَحَ بِذَلِكَ عِلْمُ أنْ لا قُدُّوسَ إلّا اللَّهَ حَقِيقَةَ مَعْنًى وتَصْحِيحَ إحاطَةٍ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ لِتَمامِ مِلْكِهِ وعُلُوِّ مُلْكِهِ وكَمالِ قُدْسِهِ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَلْحَقَهُ نَقْصٌ في ذاتٍ ولا صِفَةٍ ولا فِعْلٍ، فَلا يَقْبُحُ مِنهُ إهْلاكٌ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولا مَسٌّ بِضُرٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ، لِعِلْمِهِ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، يَصْنَعُ الأُمُورَ في (p-٤٧٠)أحْكَمِ مَواضِعِها بِما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ أصْلًا أوْ لا يُدْرِكُهُ حَقَّ إدْراكِهِ فاحْتِيجَ إلى ما يُؤَمِّنُ مِن ذَلِكَ، وكانَ السَّلامُ حَدَّ ما بَيْنَ الأُلْفَةِ والفُرْقَةِ وحَدَّ ما بَيْنَ الرَّحْمَةِ والسَّطْوَةِ وهو أدْنى مَنالِ الجاهِلِ مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ، ومَنالِ المُعْتَدِي مِنَ المُقْتَدِرِ، وكانَ سَلامُ المُسْلِمِ لِلْجاهِلِ مُداراةً لِئَلّا يَزِيدَ في جَهْلِهِ عَلَيْهِ، أوِ ارْتِقابًا لِاسْتِقْبالِ مَكِنَةٍ، وكانَ اللَّهُ لا يَعْبَأُ بِالخَلْقِ ولا يَحْتاجُ لِارْتِقابِ مَكِنَةٍ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلَمْ يَتَحَقَّقِ السَّلامُ بِكُلِّ مَعْنًى مِن وُجُودِ السَّلامَةِ لَهُ وإفاضَتِها عَلى غَيْرِهِ تَمامًا إلّا مِنهُ [إعْفاءً مِن مُعاجَلَةِ اسْتِحْقاقِ السَّطْوَةِ وحَفِيظَةً لِحُرْمَةِ اخْتِصاصِ الرَّحْمَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ مُؤَمِّنًا] لِلْعاصِي مِنَ المُعاجَلَةِ ولِلْمُطِيعِ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ قَوْلَهُ: ﴿السَّلامُ﴾ لِأنَّهُ حَدُّ ما بَيْنَهُما ظاهِرًا، ولِذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ لِتَحْصُلَ إحاطَةُ السَّلامَةِ ظاهِرًا وباطِنًا فَقالَ: ﴿المُؤْمِنُ﴾ لِأنَّ الأمْنَ حَدُّ ما بَيْنَ المَحَبَّةِ والكُرْهِ فِيمَن لا وسِيلَةَ لَهُ لِلْحُبِّ [وهُوَ أدْنى ما يَقْبَلُهُ ذُو الحَقِّ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ مِنهُ الحُبَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ بَذْلَ الحَقِّ مِمَّنْ كانَ ظاهِرَ الوَسِيلَةِ لِلْحُبِّ -] إلّا بِالحُبِّ فَلَمْ يَثْبُتْ إيمانُ المُؤْمِنِ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ (p-٤٧١)حُبًّا لَهُ بَلْ إيثارًا لِمَحَبَّتِهِ عَلى كُلِّ حُبٍّ ومُساواةً لِأخِيهِ المُؤْمِنِ فِيما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وأدْناهُ الأمَنَةُ [فِي] الغَيْبِ مِنَ الغِيبَةِ والعَيْبِ إلى غايَةِ الأمانِ مِن بَوائِقِ الغَشْمِ والظُّلْمِ مِنَ الجارِ المُسْتَحِقِّ حِفْظَ جارِهِ في غَيْبِهِ، فالإخْلالُ بِالإيمانِ لِكَوْنِهِ الأمَنَةَ في الغَيْبِ نِفاقٌ، والإخْلالُ بِالإسْلامِ لِكَوْنِهِ السِّلْمَ في المُواجَهَةِ إحْرامٌ، فَبِأدْنى إخْلالٍ في جانِبِ الحَقِّ أوِ الخَلْقِ يَنْثَلِمُ الإسْلامُ والإيمانُ، وذَلِكَ [كُلُّهُ] إنَّما هو في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو الَّذِي يُعْزى إلَيْهِ الأمْنُ والأمانُ بِإفادَتِهِ أسْبابَهُ ومَنعِ أسْبابِ المَخاوِفِ فَلا أمْنَ في الوُجُودِ ولا أمانَ إلّا وهو مُسْتَفادٌ مِن جِهَتِهِ.
ولَمّا كانَ الِاطِّلاعُ عَلى بَيِّنِ ما ذُكِرَ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنى السِّلْمِ والأمْنِ، وعَلى كُلٍّ مِن تِلْكَ الحُدُودِ خَفِيًّا جِدًّا يَفْتَقِرُ إلى مَزِيدِ عِلْمٍ، قالَ: ﴿المُهَيْمِنُ﴾ فَإنَّ الهَيْمَنَةَ شَهادَةُ خِبْرَةٍ وإحاطَةٍ وإبْصارٍ لِكُلِّيَّةِ ظاهِرِ الأمْرِ وباطِنِهِ بِحَيْثُ لا يَخْفى مِنهُ خافِيَةُ هُوِيَّةٍ ولا بادِيَةُ ظاهِرٍ، ولِإحاطَةِ مَعْناهُ لا يَكادُ يَقَعُ لَهُ في الخَلْقِ مُسَوِّغُ إطْلاقٍ إلّا مُسامَحَةً لِأنَّ الخَلْقَ لا يَشْهَدُونَ إلّا الظَّواهِرَ ولا يَشْهَدُونَ مِنَ الباطِنِ، ولِذَلِكَ انْعَجَمَ مَعْناهُ عَلى كَثِيرٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، فَمَفْهُومُ مَعْناهُ مُوجِبٌ تَوْحِيدَهُ فَواضِحٌ إذْ لا مُهَيْمِنَ بِمَعْنى أنَّهُ شَهِيدٌ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوحِ مَعَ الأمانَةِ المَأْمُونَةِ والحِفْظِ والرِّعايَةِ فَيَكُونُ قائِمًا عَلى [كُلِّ] شَيْءٍ بِكُلِّ ما لَهُ مِن رِزْقٍ وعَمَلٍ وأجَلٍ (p-٤٧٢)إلّا هُوَ، ولِذَلِكَ كانَ القُرْآنُ الَّذِي هو صِفَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُهَيْمِنًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ مُصَدِّقًا لِما يَسْتَحِقُّ التَّصْدِيقَ مِنها مُكَذِّبًا لِما يَسْتَحِقُّ التَّكْذِيبَ، فَمَن كانَ بِهِ أمْهَرَ كانَ بِذَلِكَ أعْلَمَ.
ولَمّا كانَ تَمامُ الخِبْرَةِ مَلْزُومًا لِتَمامِ القُدْرَةِ، صَرَّحَ بِهَذا اللّازِمِ فَقالَ؛ ﴿العَزِيزُ﴾ والعِزَّةُ غَلَبَةٌ لا يَجِدُ مَعَها المَغْلُوبُ وجْهَ مُدافَعَةٍ ولا انْفِلاتٍ ولا إعْجازٍ، فالعَزِيزُ الَّذِي صَعُبَ عَلى طالِبِهِ إدْراكُهُ مَعَ افْتِقارِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ في [كُلِّ] لَحْظَةٍ، الشَّدِيدُ في انْتِقامِهِ الَّذِي لا مُعْجِزَ لَهُ في إنْفاذِ حُكْمِهِ، ولِذَلِكَ يَنْظِمُ كَثِيرًا بِآياتِ إمْضاءِ الأحْكامِ مُتَّصِلًا بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ إنْباءً عَنِ العَدْلِ، قالَ الغَزالِيُّ: وهو الَّذِي يَقِلُّ وُجُودُ مِثْلِهِ وتَشْتَدُّ الحاجَةُ إلَيْهِ ويَصْعُبُ الوُصُولُ [إلَيْهِ]. ولَمّا كانَ المَغْلُوبُ عَلى الشَّيْءِ فَيُؤْخَذُ مِن يَدِهِ قَدْ لا يَنْقادُ باطِنًا فَلا يُباشِرُ ما غُلِبَ عَلَيْهِ لِلْغالِبِ وقَدْ [لا] يَكُونُ العِزُّ ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الجَبّارُ﴾ وهو العَظِيمُ الَّذِي يَفُوتُ المُقاوِمَ مَنالُهُ، فَهو عَلى هَذا مِن أسْماءِ الذّاتِ ويُصْلِحُ أُمُورَ مَن يُرِيدُ مِنَ الخَلْقِ ويَقْهَرُهم عَلى ما يُرِيدُ، فَهم أحْقَرُ مِن أنْ يَعْصَوْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ بِغَيْرِ إرادَتِهِ، والجَبْرُ: طَوْلٌ يُلْجِئُ الأدْنى لِما يُرِيدُ مِنهُ الأعْلى ويَغِيبُ مِنَ (p-٤٧٣)الأعْلى ما يُحاوِلُ مَنالَهُ [مِنهُ] الأدْنى مَعَ الظُّهُورِ التّامِّ الَّذِي تَدُورُ مادَّتُهُ عَلَيْهِ، فالجَبّارُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن قَبْضَتِهِ، وتَقْصُرُ الأيْدِي عَنْ حِمى عِزِّ حَضْرَتِهِ، ولا يُنالُ مِنهُ إلّا ما نَوَّلَ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ أوْصافِ الخَلْقِ لِمَنالِ الذُّبابِ مِنهم ما شاءَ وعَجْزِهِمْ عَنْهُ، [و]لِما فِيهِ مِنَ الإلْجاءِ كانَ هو الِاسْمَ الَّذِي يُلْجِئُ النّارَ لِقَصْرِها عَلى مُرادِهِ مِنها مِنَ الحَسَبِ الَّذِي جَبَلَها عَلى ضِدِّهِ مِنَ الِاسْتِزادَةِ فَلا تَزالُ تَقُولُ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ: هَلْ مِن مَزِيدٍ، حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ أيْ يُهِينُها فَإنَّ القَدَمَ مَوْضِعُ الإهانَةِ، [وهَذِهِ الإهانَةُ - ] هي مِن مَبْدَأِ ظُهُورِ غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ لِلْغَضَبِ، فَلَهُ المُلْكُ ظُهُورًا بِالأيْدِي الظّاهِرَةِ مِنَ الإنْسانِ وما دُونَهُ، ولَهُ المَلَكُوتُ بُطُونًا بِالأيْدِي الباطِنَةِ مِنَ المُلْكِ وما دُونَهُ، ولَهُ الجَبَرُوتُ اخْتِصاصًا مِن وراءِ كُلِّ مُلْكٍ ومَلَكُوتٍ.
ولَمّا كانَ الإلْجاءُ قَدْ يَكُونُ بِنَوْعِ مُلاطَفَةٍ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿المُتَكَبِّرُ﴾ لِيَعُمَّ الإلْجاءُ الظّاهِرَ والباطِنَ فالكِبْرِياءُ جُمْلَةُ تَأدِّي أمْرِ اللَّهِ وظاهِرِ خَلْقِهِ الَّذِي يَجِدُ الخَلْقُ صِغَرَهم مِن دُونِهِ وكِبَرَهُ عَلَيْهِمْ وامْتِناعَهُ عَمّا لا يُرِيدُ مِن مُرادِهِمْ، لِأنَّ الكُلَّ حَقِيرُونَ بِالإضافَةِ إلى جَلالِهِ وعِزِّ جَبَرُوتِهِ وعَظَمَتِهِ (p-٤٧٤)وكَمالِهِ، ولِسَواءِ الخَلْقِ في عامِّ حَضْرَةِ القُدْرَةِ شَمِلَهُمُ الصِّغَرُ فَلَمْ يَصِحَّ مِنهم كِبَرٌ، ولا شُرِعَ لَهم تَكَبُّرٌ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ مِنهم حَقِيقَةُ حَظٍّ ولا لَبْسُ حَقٍّ، فاخْتَصَّ بِهَذا الِاسْمِ لِاسْتِيلائِهِ عَلى الظَّواهِرِ بِإظْهارِ ما لَهُ مِنَ الكِبْرِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى شَيْءٍ وبِإلْجاءِ غَيْرِهِ إلى الِاحْتِياجِ إلَيْهِ والإيقاعِ بِجَبابِرَتِهِمْ وإذْلالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُزْعِجَةِ المُرْهِبَةِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِشَيْءٍ كَما اخْتَصَّ بِالجَبّارِ لِاسْتِيلائِهِ عَلى البَواطِنِ.
ولَمّا تَقَرَّرَ بِما ذَكَرَ مِن مَظاهِرِ عَظَمَتِهِ اسْتِيلاؤُهُ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ بِاللُّطْفِ والعُنْفِ، أنْتَجَ ذَلِكَ تَعالِيَهُ عَنْ شَوْبِ نَقْصٍ لا سِيَّما بِالشِّرْكِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ تَنَزَّهَ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي اخْتَصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ تَنَزُّهًا لا تُدْرِكُ العُقُولُ مِنهُ أكْثَرَ مِن أنَّهُ عَلا عَنْ أوْصافِ الخَلْقِ فَلا يُدانِيهِ شَيْءٌ مِن نَقْصٍ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ المَخْلُوقاتِ [مِنَ] الأصْنامِ وغَيْرِها مِمّا في الأرْضِ أوْ في السَّماءِ مِن كَبِيرٍ وصَغِيرٍ. وجَلِيلٍ وحَقِيرٍ.
الحشر 59:24
ولَمّا تَمَّ دَلِيلُ الوَحْدانِيَّةِ بِما حَصَلَ مِنَ التَّفْهِيمِ بِالتَّدَنِّي إلى المِلْكِ ثُمَّ بِالتَّعَلِّي إلى التَّكَبُّرِ فَأنْتَجَ هَذِهِ الخاتِمَةَ، ابْتَدَأ سُبْحانَهُ دَلِيلًا آخَرَ هو في غايَةِ التَّنَزُّلِ والوُضُوحِ، فَقالَ مُفْتَتِحًا بِما افْتَتَحَ بِهِ الأوَّلَ مِنَ التَّرْتِيبِ في المَراتِبِ الثَّلاثِ، غَيْبِ الغَيْبِ ثُمَّ الغَيْبِ ثُمَّ الظُّهُورِ عَلى مَراتِبِهِ، (p-٤٧٥)إعْلامًا بِأنَّهُ لا بَراحَ عَنِ الإيمانِ بِالغَيْبِ، ومَن بَرِحَ عَنْهُ هَلَكَ ﴿هُوَ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ [هَذا الضَّمِيرُ] غَيْرُهُ لِأنَّ وُجُودَهُ مِن ذاتِهِ ولا شَيْءَ غَيْرُهُ إلّا وهو مُمْكِنٌ فَهو أهْلٌ لِأنْ لا يَكُونَ فَلا يَكُونُ لَهُ ظُهُورٌ لِيَكُونَ لَهُ بُطُونٌ.
ولَمّا ابْتَدَأ بِهَذا الغَيْبِ المَحْضِ الَّذِي هو أظْهَرُ الأشْياءِ، أخْبَرَ عَنْهُ بِأشْهَرِ الأسْماءِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ فِيهِ شِرْكَةٌ بِوَجْهٍ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سَمِيٌّ فَلا كُفْؤَ لَهُ فَهو المَعْهُودُ بِالحَقِّ فَلا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ. ولَمّا بَدَأ سُبْحانَهُ بِهَذا الدَّلِيلِ الجامِعِ بَيْنَ الغَيْبِ والظُّهُورِ، ثَنّى بِتَنْزِيلٍ مُتَضَمِّنٍ لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ فَهو في غايَةِ الظُّهُورِ فَقالَ: ﴿الخالِقُ﴾ أيِ الَّذِي لا خالِقَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا هو لِأنَّ الخَلْقَ فَرْضُ حَدٍّ وقَدْرٍ في مُطْلَقٍ مِنهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَعْدُ حَدٌّ ولا قَدْرٌ كالحاذِي يَخْلُقُ أيْ يُقَدِّرُ في الجِلْدِ حَدًّا وقَدْرًا لِنَعْلٍ ونَحْوِهِ وهو سابِقٌ لِلْفَرْيِ والبَرْيِ ونَحْوِهِ ”سَبَقَ العِلْمُ العَمَلَ“ فالخالِقُ في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ، الَّذِي يَقُولُ ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] ومِن ناشِئَةِ القَدَرِ الفَرْقُ والتَّرْتِيبُ، ومِن ناشِئَةِ (p-٤٧٦)الفَرْقِ والتَّرْتِيبِ الإحْياءُ والإماتَةُ، ومِن مَعادِ الفَرْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ عَلى أوَّلِ أمْرِهِ الجَمْعُ والرَّبُّ، فَلا يَمْلِكُ الخَلْقَ والفَرْقَ إلّا مَن يَمْلِكُ الجَمْعَ والرَّبَّ، وقَدْ أُوتِيَ الخَلْقُ مَلَكَةَ ما في الفَرْقِ والشَّتاتِ، ولَمْ يَمْلِكُوا جَمْعَ ما فَرَّقُوا ولا إلْفَ ما شَتَّتُوا كالقاطِعِ عُضْوًا لا يَقْدِرُ عَلى لَأْمِهِ، والهادِمِ بِناءً لا يَقْدِرُ عَلى رَمِّهِ عَلى حَدِّهِ، والكاسِرِ شَيْئًا لا يَقْدِرُ عَلى وصْلِهِ، فَلِأنَّ الخَلْقَ لا يُحِيطُونَ بِتَقْدِيرِ ما يُسْرِعُونَ في قَدْرِهِ ولا يَقْدِرُونَ بَعْدَ الفَرْقِ والفَرْيِ عَلى رَمِّهِ ووَصْلِهِ كانَ المُحِيطَ التَّقْدِيرِ في الشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ وجُمْلَةِ حُدُودِهِ، القادِرَ عَلى جَمْعِ ما فَرَّقَ الَّذِي كَما بَدَأ أوَّلَ خَلْقٍ يُعِيدُهُ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، وتَلايَحَ تَحْتَ هَذا اللَّبْسِ في إطْلاقِ اسْمِ الخالِقِ [عَلى الخالِقِ] الحَقِّ ذِي الحَوْلِ والقُوَّةِ والقُدْرَةِ والإحاطَةِ والإبْداءِ والإعادَةِ، وعَلى الخالِقِ مِنَ الخَلْقِ المُقَدَّرِ بِغَيْرِ إحاطَةِ عِلْمٍ ولا تَأْصِيلِ حَوْلٍ ولا قُدْرَةٍ، ولا إتْمامِ إبْداءٍ لاحِظٌ مِن إعادَةِ أنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهَ كَما أنَّهُ لا مُعِيدَ لِما بَدَأ إلّا اللَّهَ، وأنْ لَيْسَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى الخَلْقِ مَبْدَأ فِتْنَتِهِ الَّتِي يُضِلُّ بِها مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، وتَحْقِيقُ أفْرادِ الخَلْقِ لِلَّهِ فِيما ظَهَرَ عَلى أيْدِي أهْلِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ وإحاطَةُ جَبَرُوتِهِ بِما ظَهَرَ وما بَطَنَ مِن أعْمالِهِمْ وصَنائِعِهِمْ، هو أوَّلُ مَجْمَعٍ مِن (p-٤٧٧)مَجامِعِ التَّوْحِيدِ، وهو أساسٌ لِإيمانِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَيْثُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ في الفاتِحَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ حَيْثُ أخْلَصُوا الدِّينَ لِلَّهِ، ولِمَوْقِعِ الشِّرْكِ فِيهِ كانَ القَدَرِيَّةُ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ.
ولَمّا كانَ الخالِقُ الحَقُّ هو مَن أتْقَنَ التَّقْدِيرَ والبَرْءَ وإنْ كانَ أغْلَبُ الخَلْقِ لِقُصُورِهِمْ لا يَفْهَمُونَ مِنهُ إلّا مُطْلَقَ التَّقْدِيرِ كَما قالَ شاعِرُهُمْ:
؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ ∗∗∗ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
أرْدَفَهُ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ وتَصْرِيحًا وتَأْكِيدًا قَوْلَهُ: ﴿البارِئُ﴾ [أيِ] الَّذِي يُدَقِّقُ بِما وقَعَ بِهِ التَّقْدِيرُ ويَقْطَعُهُ ويُصْلِحُهُ لِقَبُولِ الصُّورَةِ عَلى أتَمِّ حالٍ، فَإنْ كانَ مِنَ المُحِيطِ العِلْمِ كانَ تَمامُ التَّهَيُّؤِ لِلصُّورَةِ عَلى كَمالِ المَشِيئَةِ فِيها، وإنْ كانَ مِمَّنْ لا يُحِيطُ عِلْمًا طَرَأ لَهُ في البَرْءِ مِنَ النَّقْصِ عَنِ التَّمامِ ما لا يُمْكِنُ مَعَهُ حُصُولُ المَقْصُودِ في الصُّورَةِ، ولا يَكادُ يَقَعُ الإحْسانُ لِلْخَلْقِ في مُصَوَّراتِهِمْ إلّا وِفاقًا لا يَعْلَمُونَ كُنْهَهُ ولا يَثِقُونَ بِحُصُولِهِ.
ولَمّا كانَ مَن يُهَيِّئُ الأُمُورَ لِلتَّصْوِيرِ قَدْ لا يُتْقِنُهُ قالَ: ﴿المُصَوِّرُ﴾ (p-٤٧٨)فَإنَّ التَّصْوِيرَ إتْمامُ تَفْصِيلِ الخَلْقِ الظّاهِرِ وإكْمالُ تَخْطِيطِهِ وإحْكامُ أعْضائِهِ وهو حَدُّ ما انْتَهى إلَيْهِ الخَلْقُ في الظُّهُورِ، ولَيْسَ وراءَ ظُهُورِ الصُّوَرِ كَوْنٌ إلّا لَطائِفَ تَطْوِيرِها في إسْنانِ كَمالِها بَعْدَ بَعْثِها بِإحْيائِها بِما لَها مِنَ الرُّوحِ المُقَوِّمِ لَها سَواءٌ كانَ حَيَوانِيًّا أوْ غَيْرَهُ إلى غايَةِ كَمالِها الَّذِي يُعْطِيهِ المُصَوِّرُ لَها إفْضالًا ومَزِيدًا ويُظْهِرُهُ إبْداعًا، ويَتَّضِحُ الفَرْقُ جِدًّا بَيْنَ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ بِالبِناءِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ أوَّلًا إلى مُقَدِّرٍ يُقَدِّرُ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الحَجَرِ واللَّبِنِ والخَشَبِ والحَدِيدِ ومِساحَةِ الأرْضِ وعَدَدِ الأبْنِيَةِ وطُولِها وعَرْضِها، وهَذا يَتَوَلّاهُ المُهَنْدِسُ فَيَرْسُمُهُ وهو الخَلْقُ ثُمَّ يَحْتاجُ إلى حَجّارٍ يَنْحِتُ الحِجارَةَ ويُهَيِّئُها لِتَصْلُحَ لِمَواضِعِها الَّتِي تَكُونُ فِيها مِنَ الأبْوابِ وأوْساطِ الجُدُرِ وأطْرافِها وزَواياها وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَذا الخَشّابُ والحَدّادُ في الخَشَبِ والحَدِيدِ وهو البَرْءُ ثُمَّ يَأْخُذُ الكُلَّ البَنّاءُ فَيَضَعُها مَواضِعَها إلى أنْ تَقُومَ صُورَتُها الَّتِي رَسَمَها المُهَنْدِسُ أوَّلًا وقَدَّرَها، ولا تَقُومُ الصُّورَةُ بِالحَقِّ إلّا إذا كانَتْ مُحْكَمَةً بِحَسَبِ الطّاقَةِ كَما أنَّ البَنّاءَ يَضَعُ الحِجارَةَ أوَّلًا ثُمَّ يَجْعَلُ الخَشَبَ فَوْقَها لا بِالِاتِّفاقِ بَلْ بِالحِكْمَةِ، ولَوْ قَلَبَ ذَلِكَ لَمْ تَثْبُتِ الصُّورَةُ ولَمْ يَكُنْ لَها الِاسْمُ إلّا عَلى أقَلِّ وُجُوهِ الضَّعْفِ فَكُلُّ مَن كانَ أحْكَمَ كانَ تَصْوِيرُهُ أعْظَمَ، ولِذَلِكَ (p-٤٧٩)لا مُصَوِّرَ في الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهَ الخالِقَ البارِئَ المُصَوِّرَ سُبْحانَهُ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: والتَّصْوِيرُ مَوْجُودٌ في كُلِّ أجْزاءِ العالَمِ وإنْ صَغُرَ حَتّى في الذَّرَّةِ والنَّمْلَةِ بَلْ في كُلِّ عُضْوٍ مِن أعْضاءِ النَّمْلَةِ، بَلِ الكَلامُ يَطُولُ في طَبَقاتِ العَيْنِ وعَدَدِها وهَيْئاتِها وشَكْلِها ومَقادِيرِها وألْوانِها، ووَجْهِ الحِكْمَةِ فِيها، فَمَن لَمْ يَعْرِفْ صُورَتَها لَمْ يَعْرِفْ مُصَوِّرَها إلّا بِالِاسْمِ المُجْمَلِ، وهَكَذا القَوْلُ في كُلِّ صُورَةٍ لِكُلِّ حَيَوانٍ ونَباتٍ بَلْ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ.
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُصَوِّرُ بالِغَ الحِكْمَةِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً لا لِغَيْرِهِ ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيْ مِنَ الحَكِيمِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ لا يَتِمُّ التَّصْوِيرُ إلّا بِهِ ولا تُدْرِكُونَهُ [أنْتُمْ] حَقَّ إدْراكِهِ.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أوَّلَ السُّورَةِ أنَّ الكائِناتِ أوْجَدَتْ تَسْبِيحَهُ خُضُوعًا لِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ إلى أنْ أسْمَعَهُ الآذانَ الواعِيَةَ بِالأسْماءِ الحُسْنى، دَلَّ عَلى دَوامِ اتِّصافِهِ [بِذَلِكَ] مَن يَحْتاجُ لِما لَهُ مِنَ النَّقْصِ مِنَ الخَلْقِ إلى التَّذْكِيرِ فَعَبَّرَ بِالمُضارِعِ فَقالَ: ﴿يُسَبِّحُ﴾ أيْ يُكَرِّرُ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ مِن كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿لَهُ﴾ أيْ عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ بِما أفْهَمَهُ قَصْرُ المُتَعَدِّي وتَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ هَذا المُنَزَّهُ الَّذِي اسْتَجْلى التَّنْزِيهَ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى قَدْ أشْرَقَتْ أنْفاسُهُ ولَطُفَتْ أقْطارُهُ (p-٤٨٠)وأغْراسُهُ حَتّى صارَ عُلْوِيًّا فَرَأى الأرْضَ عالِيَةً كالسَّماءِ لِما شارَكَتْها بِهِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ كَمالِهِ فَجَعَلَها مَعَها لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَأْكِيدٍ كالشَّيْءِ الواحِدِ بِإسْقاطِ ”ما“ وألْصَقَها بِها إلاحَةً إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ فَمَن تَأمَّلَ الوُجُودَ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا، عَلِمَ تَسْبِيحَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِنُعُوتِ الكَمالِ وأوْصافِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ [أيِ] الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ولا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ، ويَعِزُّ الوُصُولُ إلَيْهِ ويَشْتَدُّ الحاجَةُ إلَيْهِ.
ولَمّا كانَ مَن يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَتِمُّ أمْرُهُ ويَثْبُتُ كُلُّ ما يُرِيدُهُ إلّا إنْ كانَ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ قالَ: ﴿الحَكِيمُ﴾ مِنَ الحِكْمَةِ وهي إتْقانُ الحُكْمِ وإنْهاؤُها إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ نَقْضُهُ، والحُكْمُ قالَ الحَرالِّيُّ: المَنعُ عَمّا يَتَرامى إلَيْهِ المَحْكُومُ إيالَةً عَلَيْهِ وحَمْلُهُ عَلى ما يَمْتَنِعُ مِنهُ نَظَرًا لَهُ، فَفي ظاهِرِهِ الجُهْدُ وفي باطِنِهِ الرِّفْقُ، وفي عاجِلِهِ الكُرْهُ، وفي آجِلِهِ الرِّضى والرَّوْحُ، فَمَوْقِعُهُ في الأبْدانِ المُداواةُ «تَداوَوْا عِبادَ اللَّهِ فَإنَّ الَّذِي أنْزَلَ الدّاءَ أنْزَلَ الدَّواءَ»، ومَوْقِعُهُ في الأدْيانِ التِزامُ الأحْكامِ والصَّبْرُ والمُصابَرَةُ عَلى مُجاهَدَةِ الأعْمالِ وجِهادِ الأعْداءِ ظاهِرًا مِن عَدُوِّ الدِّينِ والبَغْيِ وباطِنًا مِن عَدُوِّ النَّفْسِ «(أعْدى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ)» (p-٤٨١)ومِن بَعْضِ الأهْلِ والوَلَدِ عَدُوٌّ، والشَّيْطانُ عَدُوٌّ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] فالحَمْلُ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ الصَّبْرِ والمُصابَرَةِ ظاهِرًا بِالإيالَةِ العالِيَةِ هو الحُكْمُ والعِلْمُ بِالأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ مِن قِوامِ أمْرِ عاجِلَتِهِ وحُسْنِ العُقْبى في آجِلَتِهِ مِنَ الحِكْمَةِ، فالحُكْمُ مُباحُ التَّعْلِيمِ لِلنّاسِ عامَّةً بَلْ واجِبٌ أنْ يَتَعَلَّمَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَ الأحْكامِ ما يَخُصُّهُ، وأنْ يُنْتَدَبَ طائِفَةٌ لِعِلْمِ ما يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] والحِكْمَةُ الَّتِي هي العِلْمُ بِما لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ مِن مَشْرُوطِهِ التَّعْلِيمُ بِالتَّزْكِيَةِ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] [فَما يُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ] إلّا بَعْدَ التَّزْكِيَةِ فَمَن تَزَكّى فَهو مِن أهْلِها ومَن لَمْ يَتَزَكَّ فَلَيْسَ مِن أهْلِها، فالحِكْمَةُ تُحَلِّي مَرارَةَ جُهْدِ العَمَلِ بِالأحْكامِ فَيَيْسُرُ بِها ما يَعْسُرُ دُونَها، والحُكْمُ ضِيقُ الأمْرِ لِلنَّفْسِ كَما أنَّ السَّجْنَ ضِيقُ الخَلْقِ لِلْبَدَنِ، والحِكْمَةُ تُوَطِّدُ مَحْمَلَ ضِيقِ الحُكْمِ لِأنَّها تَخْرُجُ وتَؤُولُ إلى سَعَةِ الواسِعِ، ولا يَتِمُّ الحُكْمُ وتَسْتَوِي الحِكْمَةُ إلّا بِحَسَبِ سَعَةِ العِلْمِ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ مِنَ العِلْمِ إلّا بِقَدْرِ ما يَهَبُهُمُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم مِنَ الحِكْمَةِ إلّا مِقْدارَ ما يُورِثُهم ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ (p-٤٨٢)الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] ولَمّا كانَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ كانَ إنَّما الحِكْمَةُ حِكْمَةُ اللَّهِ وإنَّما الحُكْمُ حُكْمُ اللَّهِ، فَهو الحَكِيمُ الَّذِي لا حَكِيمَ إلّا هو - انْتَهى. وقَدْ عُلِمَ سِرُّ اتِّباعِ الأسْماءِ الشَّرِيفَةِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، وذاكَ أنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ بِـ ”هُوَ“ وأخْبَرَ عَنْهُ بِالِاسْمِ العَلَمِ الأعْظَمِ المُفْرَدِ المَصُونِ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى، أتْبَعَهُ تِلْكَ الأوْصافَ العُلى مِن غَيْرِ عَطْفٍ إعْلامًا بِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنها يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْناهُ بِالمَفْهُومِ المُتَعارَفِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَعْدَها الأسْماءَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَجْمَعُ مَعْناهُ إلّا جَمِيعُ الأوْصافِ المُنَزَّلَةِ في كُتُبِهِ والمَأْخُوذَةِ عَنْ أوْلِيائِهِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِها في غَيْبِهِ ولَيْسَ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرَ هَهُنا مُضادًّا في [المَعْنى] الظّاهِرِيِّ لِلْآخَرِ كالأوَّلِ والآخِرِ حَتّى يُظَنَّ لِأجْلِهِ نَقْصٌ في المَعْنى بِسَبَبِ تَرْكِ العَطْفِ، وأمّا تَرْتِيبُها هَكَذا فَلِأنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنها كَما مَضى شارِحٌ لِما خَفِيَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ومُبَيِّنٌ لِلازِمِهِ، ومُوَضِّحٌ لِما ألاحَ أنَّهُ مِن مَضْمُونِهِ، وقَدِ انْعَطَفَ عَلى افْتِتاحِها خِتامُها وعانَقَ ابْتِداؤُها تَمامَها، ووَفّى مَطْلَعُها مَقْطَعَها، وزادَ وبَلَغَ الغايَةَ مِنَ الإرْشادِ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ بِرَحْمَتِهِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وهادِيًا إلى الصَّوابِ والسَّدادِ.