Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الممتحنة 60:1 – التغابن 64:18
المحتويات
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
الممتحنة 60:1
(p-٤٨٣)سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ
مَقْصُودُها بَراءَةُ مَن أقَرَّ بِالإيمانِ مِمَّنِ اتَّسَمَ بِالعُدْوانِ دَلالَةً عَلى صِحَّةِ مُدَّعاهُ كَما أنَّ الكُفّارَ تَبَرَّأُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ وكَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الحَقِّ لِئَلّا يَكُونُوا عَلى باطِلِهِمْ أحْرَصَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى حَقِّهِمْ، وتَسْمِيَتُها بِالمُمْتَحِنَةِ أوْضَحُ شَيْءٍ فِيها وأدَلُّهُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الصِّهْرَ أعْظَمُ الوَصْلِ وأشْرَفُها بَعْدَ الدِّينِ، فَإذا نُفِيَ ومُنِعَ دَلَّ عَلى أعْظَمِ المُقاطَعَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى الِامْتِهانِ بِسَبَبِ الكُفْرانِ الَّذِي هو أقْبَحُ العِصْيانِ( بِسْمِ اللَّهِ )الكافِي مَن لَجَأ إلَيْهِ فَمَن تَوَلّاهُ أغْناهُ عَمَّنْ سِواهُ( الرَّحْمَنِ )الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ مَن فَلَقَ عَنْ وُجُودِهِ العَدَمَ وبَراهُ، وشَمِلَ بِرَحْمَتِهِ البَيانَ مَن حاطَهُ بِالعَقْلِ ورَعاهُ( الرَّحِيمِ )الَّذِي خَصَّ بِالتَّوْفِيقِ مَن أحَبَّهُ وارْتَضاهُ.
* *
ولَمّا كانَ التَّأْدِيبُ عَقِبَ الإنْعامِ جَدِيرًا بِالقَبُولِ، وكانَ قَدْ أجْرى سُبْحانَهُ سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ بِذَلِكَ، فَأدَّبَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَقِبَ سُورَةِ الفَتْحِ السَّبَبِيِّ بِسُورَةِ الحُجُراتِ، وكانَتْ سُورَةُ الحَشْرِ مُذَكِّرَةً بِالنِّعْمَةِ في فَتْحِ بَنِي النَّضِيرِ (p-٤٨٤)[و]مُعْلِمَةً بِأنَّهُ لا ولِيَّ إلّا اللَّهَ، ولِذَلِكَ خَتَمَها بِصِفَتَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ بَعْدَ أنِ افْتَتَحَها بِهِما، وثَبَتَ أنَّ مِنَ الحِكْمَةِ حَشْرَ الخَلْقِ، وأنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ، وأنَّ أعْداءَهُ هُمُ الخاسِرُونَ، وكانَ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ أفْضَلَ الأعْمالِ وأوْثَقَ عُرى الإيمانِ، ولِذَلِكَ ذَمَّ سُبْحانَهُ مَن والى أعْداءَهُ وناصَرَهُمْ، وسَمّاهم مَعَ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ مُنافِقِينَ، أنْتَجَ [ذَلِكَ] قَطْعًا وُجُوبَ البَراءَةِ مِن أعْدائِهِ والإقْبالَ عَلى خِدْمَتِهِ ووَلائِهِ، فَقالَ مُعِيدًا لِلتَّأْدِيبِ عَقِبَ سُورَةِ الفَتْحِ عَلى أهْلِ الكِتابِ بِسُورَةٍ جامِعَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالفَتْحِ الأعْظَمِ والفَتْحِ السَّبَبِيِّ:﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُنادِيًا بِأداةِ البُعْدِ وإنْ كانَ مَن نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ مِن أهْلِ القُرْبِ، ومُعَبِّرًا بِالماضِي إقامَةً لِمَن والى الكُفّارَ نَوْعَ مُوالاةٍ في ذَلِكَ المَحَلِّ إلْهابًا لَهُ وتَهْيِيجًا إلى التَّرَفُّعِ عَنْهُ لِئَلّا يَقْدَحَ في خُصُوصِيَّتِهِ ويَحُطَّ مِن عَلِيِّ رُتْبَتِهِ مَعَ اللُّطْفِ [بِهِ] بِالتَّسْمِيَةِ لَهُ بِالإيمانِ حَيْثُ شَهِدَ سُبْحانَهُ عَلى مَن فَعَلَ نَحْوَ فِعْلِهِ مَعَ بَنِي النَّضِيرِ بِالنِّفاقِ وأحَلَّهُ مَحَلَّ أهْلِ الشِّقاقِ، فَحَكَمَ عَلى (p-٤٨٥)القُلُوبِ في المَوْضِعَيْنِ فَقالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [الحشر: ١١] كَما قالَ هُنا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ في المُجادِلَةِ النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ إظْهارِ مُطْلَقِ المُوادَّةِ لِلْكُفّارِ، وفي الحَشْرِ الزَّجْرُ العَظِيمُ عَنْ إبْطانِ ذَلِكَ فَتَكَفَّلَتِ السُّورَتانِ بِالمَنعِ مِن مُصاحَبَةِ وُدِّهِمْ ظاهِرًا أوْ باطِنًا، بَكَّتَ هُنا مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ وقَرَّعَهُ ووَبَّخَهُ عَلى السَّعْيِ في مُوادَّتِهِمْ والتَّكَلُّفِ لِتَحْصِيلِها، فَإنَّ ذَلِكَ قادِحٌ في اعْتِقادِ تَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ، فَعَبَّرَ لِذَلِكَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ فَقالَ بَعْدَ التَّبْكِيتِ بِالنِّداءِ بِأداةِ البُعْدِ والتَّعْبِيرِ بِأدْنى أسْنانِ الإيمانِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ وزادَ في ذَلِكَ المَعْنى مِن وجْهَيْنِ: التَّعْبِيرِ بِما مِنهُ العَداوَةُ تَجْرِئَةً عَلَيْهِمْ وتَنْفِيرًا مِنهم والتَّوْحِيدِ لِما يُطْلَقُ عَلى الجَمْعِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ المَجْمُوعُ بِقَيْدِ الِاجْتِماعِ والإشارَةِ إلى أنَّهم في العَداوَةِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ، فَأهْلُ الحَقِّ أوْلى بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ في الوِلايَةِ فَقالَ: ﴿عَدُوِّي﴾ أيْ وأنْتُمْ تَدَّعُونَ مُوالاتِي [ومِنَ المَشْهُورِ أنَّ مُصادِقَ العَدُوِّ أدْنى مُصادَقَةٍ لا يَكُونُ ولِيًّا فَكَيْفَ بِما هو فَوْقَ الأدْنى] وهو فَعُولٌ مِن عَدى، وأبْلَغَ في الإيقاظِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدُوَّكُمْ﴾ أيِ (p-٤٨٦)العَرِيقَ في عَداوَتِكم ما دُمْتُمْ عَلى مُخالَفَتِهِ في الدِّينِ.
ولَمّا وحَّدَ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى اتِّحادِ الكَلِمَةِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ الجَمْعُ فَقالَ: ﴿أوْلِياءَ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ هَذا الِاتِّحادِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى غايَةِ الإسْراعِ والمُبادَرَةِ إلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿تُلْقُونَ﴾ أيْ جَمِيعَ ما هو في حَوْزَتِكم مِمّا لا تَطْمَعُونَ فِيهِ إلْقاءَ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ مِن عُلُوٍّ ﴿إلَيْهِمْ﴾ عَلى بُعْدِهِمْ مِنكم حِسًّا ومَعْنًى ﴿بِالمَوَدَّةِ﴾ [أيْ] بِسَبَبِها.
ولَمّا تَوَقَّعَ السّامِعُ التَّصْرِيحَ بِمُضادَّتِهِمْ في الوَصْفِ الَّذِي ناداهم بِهِ بَعْدَ التَّلْوِيحِ إلَيْهِ، قالَ مُلْهِبًا ومُهَيِّجًا إلى عَداوَتِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ بِمُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ في الِاعْتِقادِ المُسْتَلْزِمِ لِاسْتِصْغارِهِمْ لِأنَّهُ أشَدُّ المُخالَفَةِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم قَدْ ﴿كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا جَمِيعَ ما لَكم مِنَ الأدِلَّةِ ﴿بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ الكامِلِ في الثَّباتِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ ثَباتًا مِنهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ كُفْرِهِمْ بِما يُبْعِدُ مِن مُطْلَقِ مُوادَّتِهِمْ فَضْلًا عَنِ السَّعْيِ فِيها بِقَوْلِهِ مُذَكِّرًا لَهم بِالحالِ الماضِيَةِ زِيادَةً في التَّنْفِيرِ مِنهم ومُصَوِّرًا لَها بِما يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ بِأنَّهم ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ أيِ الكامِلَ في الرُّسْلِيَّةِ الَّذِي يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ عَداوَةُ مَن عاداهُ أدْنى عَداوَةٍ ولَوْ كانَ أقْرَبَ النّاسِ فَكَيْفَ إذا كانَ عَدُوًّا، وبَيَّنَ أنَّ المُخاطَبَ [مِن] أوَّلِ السُّورَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ وأنَّ إيرادَهُ عَلى وجْهِ الجَمْعِ لِلسَّيْرِ (p-٤٨٧)والتَّعْمِيمِ في النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكُمْ﴾ أيْ مِن دِيارِكم مِن مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ.
ولَمّا بَيَّنَ كُفْرَهُمْ، مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى دَوامِ أذاهم لِمَن آمَنَ المُقْتَضِي لِخُرُوجِهِ عَنْ وطَنِهِ، عَلَّلَ الإخْراجَ بِما يُحَقِّقُ مَعْنى الكُفْرِ والعَداوَةِ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ أيْ أخْرَجُوكم مِن أوْطانِكم لِأجْلِ أنْ ﴿تُؤْمِنُوا﴾ أيْ تُوقِعُوا حَقِيقَةَ الإيمانِ مَعَ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ.
ولَمّا كانَ الإيمانُ بِهِ سُبْحانَهُ مُسْتَحَقًّا مِن وجْهَيِ الذّاتِ والوَصْفِ لَفَتَ الخِطابَ. مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِما فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، ولَمّا عَبَّرَ بِما أبانَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْإيمانِ لِذاتِهِ أرْدَفَهُ بِما يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ لِإحْسانِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّكُمْ﴾ ولَمّا ألْهَبَهم عَلى مُبايَنَتِهِمْ لَهم بِما فَعَلُوا مَعَهم وانْقَضى ما أُرِيدَ مِنَ التَّنْبِيهِ بِسِياقِ الغَيْبَةِ عادَ إلى التَّكَلُّمِ لِأنَّهُ أشَدُّ تَحَبُّبًا وأعْظَمُ اسْتِعْطافًا وأدَلُّ عَلى الرِّضا فَألْهَبَهم بِما كانَ مِن جانِبِهِمْ مِن ذَلِكَ [الفِعْلِ] أنْ لا يُضَيِّعُوهُ، فَقالَ مُعْلِمًا أنَّ وِلايَتَهُ سُبْحانَهُ لا تَصِحُّ إلّا بِالإيمانِ، ولا يَثْبُتُ الإيمانُ إلّا بِدَلائِلِهِ مِنَ الأعْمالِ، ولا تَصِحُّ الأعْمالُ إلّا بِالإخْلاصِ، ولا يَكُونُ الإخْلاصُ إلّا بِمُبايَنَةِ الأعْداءِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا حِينَ أخْرَجُوكم مِن أوْطانِكم لِأجْلِ إيمانِكم بِي ﴿خَرَجْتُمْ﴾ أيْ مِنها وهي أحَبُّ البِلادِ إلَيْكم ﴿جِهادًا﴾ أيْ لِأجْلِ الجِهادِ ﴿فِي سَبِيلِي﴾ أيْ بِسَبَبِ إرادَتِكم (p-٤٨٨)تَسْهِيلَ طَرِيقِي الَّتِي شَرَعْتُها لِعِبادِي أنْ يَسْلُكُوها ﴿وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ أيْ ولِأجْلِ تَطَلُّبِكم بِأعْظَمِ الرَّغْبَةِ لِرِضايَ ولِكُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ مَوْضِعًا لَهُ، وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ عَلَيْهِ.
ولَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ [حالِ] العَدُوِّ وشَرَطَ إخْلاصَ الوَلِيِّ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا ﴿تُلْقُونَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الإسْرارَ إلى أحَدٍ بِما فِيهِ نَفْعُهُ لا يَكُونُ إلّا تَوَدُّدًا: ﴿تُسِرُّونَ﴾ أيْ تُوجِدُونَ إسْرارَ جَمِيعِ ما يَدُلُّ عَلى مُناصَحَتِهِمْ والتَّوَدُّدِ إلَيْهِمْ، وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ إبْلاغًا في التَّوْبِيخِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم يَتَجَشَّمُونَ في ذَلِكَ مُسْتَفْتِينَ إبْلاغَ الأخْبارِ الَّتِي يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ وهو المُؤَيَّدُ بِالوَحْيِ كَتْمَها عَنْهم عَلى وجْهِ الإسْرارِ خَوْفَ الِافْتِضاحِ والإبْلاغِ إلى المَكانِ البَعِيدِ ﴿بِالمَوَدَّةِ﴾ أيْ بِسَبَبِها أوْ بِسَبَبِ الإعْلامِ بِأخْبارٍ يُرادُ بِها أوْ يَلْزَمُ مِنها المَوَدَّةُ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالإسْرارِ السَّتْرَ عَلى مَن يَكْرَهُ ذَلِكَ، قالَ مُبَكِّتًا لِمَن يَفْعَلُهُ: ﴿وأنا﴾ أيْ والحالُ أنِّي ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ مِن كُلِّ أحَدٍ مِن نَفْسِ الفاعِلِ ﴿بِما أخْفَيْتُمْ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ ﴿وما أعْلَنْتُمْ﴾ فَأيُّ فائِدَةٍ لِإسْرارِكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي عالِمٌ بِهِ، وإنْ كُنْتُمْ تَتَوَهَّمُونَ أنِّي لا أعْلَمُهُ فَهي القاصِمَةُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما هَدى إلَيْهِ العاطِفُ: فَمَن فَعَلَ مِنكم فَقَدْ ظَنَّ (p-٤٨٩)أنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ أوْ فَعَلَ ما يَقْتَضِي ظَنَّ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ]: ﴿ومَن يَفْعَلْهُ﴾ أيْ يُوجِدُ الِاتِّخاذَ سِرًّا أوْ عَلَنًا أوْ يُوجِدِ الإسْرارَ بِالمَوَدَّةِ فالإعْلانُ أوْلى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ماضٍ أوْ حالٍ أوِ اسْتِقْبالٍ. ولَمّا كانَ المُحِبُّ قَدْ يَفْعَلُ بِسَبَبِ الإدْلالِ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّبْكِيتَ، فَإذا بُكِّتَ ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّ مَحَبَّتَهُ لا يَضُرُّها شَيْءٌ، وكانَ قَدْ سَتَرَ المَعايِبَ بِأنْ أخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ العُمُومِ، صَرَّحَ بِأنَّ هَذا العِتابَ مُرادٌ بِهِ الإحْبابُ فَقالَ: ﴿مِنكُمْ﴾ وحَقَّقَ الأمْرَ وقَرَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ أيْ عَمِيَ ومالَ وأخْطَأ ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ قَوِيمَ الطَّرِيقِ الواسِعِ المُوَسَّعِ إلى القَصْدِ قَوِيمِهِ وعَدْلِهِ، وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ رُوِيَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فَبَعْضُهُ في الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ ومِنهُ في الطَّبَرانِيِّ عَنْ أنَسٍ ومِنهُ في التَّفاسِيرِ «أنَّ سارَّةَ مَوْلاةَ أبِي عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتَتِ المَدِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ مَكَّةَ فَسَألَها ما أقْدَمَها، فَقالَتْ: ذَهَبَ مَوالِيَّ وقَدِ احْتَجْتُ حاجَةً شَدِيدَةً، وكُنْتُمُ الأهْلَ والعَشِيرَةَ والمَوالِيَ، فَحَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وبَنِي المُطَّلِبِ فَأعْطَوْها وكَسَوْها وحَمَلُوها، فَكَتَبَ مَعَها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفُ بَنِي أسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى ”مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُكُمْ“ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَأعْطاها عَشْرَةَ (p-٤٩٠)دَنانِيرَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخَبَرِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ وعَلِيًّا وعَمّارًا والزُّبَيْرَ وطَلْحَةَ والمِقْدادَ وأبا مَرْثَدٍ وكانُوا كُلُّهم فُرْسانًا فَقالَ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ مِن حاطِبٍ إلى المُشْرِكِينَ، فَخُذُوهُ مِنها وخَلُّوا سَبِيلَها، وإنْ لَمْ تَدْفَعْهُ إلَيْكم فاضْرِبُوا عُنُقَها. فانْطَلَقُوا تُعادِي بِهِمْ خَيْلُهُمْ، فَأدْرَكُوها في ذَلِكَ المَكانِ فَأنْكَرَتْ وحَلَفَتْ بِاللَّهِ، فَفَتَّشُوها فَلَمْ يَجِدُوهُ فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كَذَبَنا ولا كُذِبْنا، وسَلَّ سَيْفَهُ فَقالَ: أخْرِجِي الكِتابَ أوْ لَأُلْقِيَنَّ الثِّيابَ ولَأضْرِبَنَّ عُنُقَكِ، فَقالَتْ: عَلى أنْ لا تَرُدُّونِي. ثُمَّ أخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها قَدْ لَفَّتْ عَلَيْهِ شَعْرَها، فَخَلَّوْا سَبِيلَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحاطِبٍ: هَلْ تَعْرِفُ الكِتابَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَما حَمَلَكَ عَلى هَذا؟ قالَ: لا تَعْجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولا غَشَشْتُ مُنْذُ نَصَحْتُكَ ولا أحْبَبْتُهم مُنْذُ فارَقْتُهُمْ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مَن يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ عَشِيرَتِهِ، وكُنْتُ غَرِيبًا خَلِيفًا فِيهِمْ، وكانَ أهْلِي بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا يَدْفَعُ اللَّهُ بِها عَنْ أهْلِي، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ بِهِمْ بَأْسَهُ، (p-٤٩١)وأنَّ كِتابِي لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ ولا تَقُولُوا لَهُ إلّا خَيْرًا، فَقالَ [عُمَرُ] بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ "
الآياتِ».
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: افْتُتِحَتْ - يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ - بِوَصِيَّةِ المُؤْمِنِينَ عَلى تَرْكِ مُوالاةِ أعْدائِهِمْ ونَهْيِهِمْ عَنْ ذَلِكَ [وأمْرِهِمْ] بِالتَّبَرُّؤِ مِنهُمْ، وهو المَعْنى الوارِدُ في قَوْلِهِ خاتِمَةَ المُجادِلَةِ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقَدْ حَصَلَ [مِنها] أنَّ أسْنى أحْوالِ أهْلِ الإيمانِ وأعْلى مَناصِبِهِمْ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فَوَصّى عِبادَهُ في افْتِتاحِ المُمْتَحِنَةِ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ مُوالاةِ الأعْداءِ ووَعَظَهم بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والَّذِينَ مَعَهُ في تَبَرُّئِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ ومُعاداتِهِمْ، والِاتِّصالُ في هَذا بَيِّنٌ، وكَأنَّ سُورَةَ الحَشْرِ ورَدَتْ مَوْرِدَ الِاعْتِراضِ المَقْصُودِ بِها تَمْهِيدُ الكَلامِ وتَنْبِيهُ السّامِعِ (p-٤٩٢)عَلى ما بِهِ تَمامُ الفائِدَةِ لِما ذَكَرَ أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِمُ، اعْتَرَضَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ مُرْتَكَباتِهِمْ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما عَجَّلَهُ لَهم مِنَ النِّقْمَةِ والنَّكالِ، ثُمَّ عادَ الأمْرُ إلى النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الأعْداءِ جُمْلَةً لَهُ، ثُمَّ لَمّا كانَ أوَّلُ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ إنَّما نَزَلَ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكِتابِهِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ وكُفّارُ مَكَّةَ لَيْسُوا مِن يَهُودَ، وطَلَبُوا المُعاداةَ لِلْجَمِيعِ واحِدٌ، فَلِهَذا فَضَّلَ بِما هو مِن تَمامِ الإخْبارِ بِحالِ يَهُودَ، وحِينَئِذٍ عادَ الكَلامُ إلى الوَصِيَّةِ عَنْ نَظائِرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ المُعانِدِينَ، والتَحَمَتِ السُّوَرُ الثَّلاثُ وكَثُرَ في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ تَرْدادُ الوَصايا والعُهُودِ، وطَلَبَ بِذَلِكَ كُلِّهِ ولِهَذا المُناسَبَةَ ذَكَرَ فِيها الحُكْمَ في بَيْعَةِ النِّساءِ وما يُشْتَرَطُ عَلَيْهِنَّ في ذَلِكَ، فَمَبْنى السُّورَةِ عَلى طَلَبِ الوَفاءِ افْتِتاحًا واخْتِتامًا حَسَبَ ما بَيَّنَ في التَّفْسِيرِ لِيُنَزِّهَ المُؤْمِنَ عَنْ حالِ مَن قَدَّمَ ذِكْرَهُ في سُورَةِ الحَشْرِ [و]فِي خاتِمَةِ سُورَةِ المُجادِلَةِ - انْتَهى.
الممتحنة 60:2
ولَمّا كانَ ما بَيَّنَهُ تَعالى مِن إخْراجِهِمْ لَهم مُوَضِّحًا بِعَداوَتِهِمْ وكانَ طُولُ كَفِّهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ بِالأذى مِن سَنَةِ الأحْزابِ سَنَةِ خَمْسٍ إلى سَنَةِ (p-٤٩٣)ثَمانٍ رُبَّما شَكَّكَ في أمْرِها، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ أعَزَّ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذُلِّهِمْ وقَوّاهم بَعْدَ وهْنِهِمْ وضَعْفِهِمْ، وثَقَّفَهم بَعْدَ جَهْلِهِمْ، بَيَّنَ ظِلالَ مُعْتَقَدِ ذَلِكَ بِأنَّ كَفَّ الكُفّارِ إنَّما هو لِعَجْزِهِمْ وأنَّهم لَوْ حَصَلَ لَهم ما هو لِلْمُسْلِمِينَ الآنَ مِنَ القُوَّةِ لَبادَرُوا إلى إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ في نَصْرِ الشَّيْطانِ، فَأوْلِياءُ الرَّحْمَنِ أوْلى بِاتِّباعِ ما آتاهم مِنَ الإيمانِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِبَقاءِ عَداوَتِهِمْ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ أيْ يَجِدُوكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ومَكانٍ مِنَ الأماكِنِ وهم يَطْمَعُونَ في أخْذِكم بِكَوْنِهِمْ أقْوى مِنكم أوْ أعْرَفَ بِشَيْءٍ مِمّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الغَلَبَةِ، وأشارَ بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ وِجْدانَهم وهم عَلى صِفَةِ الثَّقافَةِ مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ، وإنَّما هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وأنَّهُ إنَّما عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ، مَعَ أنَّهُ مِمّا لا يَكُونُ، ونَبَّهَ عَلى عَراقَتِهِمْ في العَداوَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالكَوْنِ فَقالَ: ﴿يَكُونُوا لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿أعْداءً﴾ أيْ يَعْدُونَ إلى أذاكم كُلَّ عَدْوٍ يُمْكِنُهم وإنْ وادَدْتُمُوهم. و[لَمّا] كانَتِ العَداوَةُ قَدْ تَكُونُ بِإغْراءِ الغَيْرِ، عَرَّفَ أنَّهم لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ لا يَقْتَصِرُونَ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً وإنْ كانَ هُناكَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن غَيْرِكم مَن قَتَلَ أعَزَّ (p-٤٩٤)النّاسِ إلَيْهِمْ ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ بِالضَّرْبِ إنِ اسْتَطاعُوا ﴿وألْسِنَتَهُمْ﴾ أيْ بِالشَّتْمِ مَضْمُومَةً إلى فِعْلِ أيْدِيهِمْ فِعْلَ مَن ضاقَ صَدْرُهُ بِما تَجَرَّعَ مِن آخَرَ مِن غَيْرِكم مِنَ القِصَصِ حَتّى أوْجَبَ لَهُ غايَةَ السَّعَةِ ﴿بِالسُّوءِ﴾ أيْ بِكُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوءَ.
ولَمّا كانَ أعْدى الأعْداءِ [لَكَ] مَن تَمَنّى أنْ يَفُوتَكَ أعَزُّ الأشْياءِ لَدَيْكَ، وكانَ أعَزُّ الأشْياءِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ دِينَهُ، قالَ مُتَمِّمًا لِلْبَيانِ: ﴿ووَدُّوا﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهم هَذِهِ الوِدادَةُ قَبْلَ هَذا لِأنَّ مُصِيبَةَ الدِّينِ أعْظَمُ [فَهم إلَيْها أسْرَعُ لِأنَّ دَأْبَ العَدُوِّ القَصْدُ إلى أعْظَمِ] ضَرَرٍ يَراهُ لِعَدُوِّهِ، وعَبَّرَ بِما يُفْهِمُ التَّمَنِّيَ الَّذِي يَكُونُ في المُحالاتِ لِيَكُونَ المَعْنى أنَّهم أحَبُّوا ذَلِكَ غايَةَ الحُبِّ وتَمَنَّوْهُ، وفِيهِ بُشْرى بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ المُحالِ ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ يَقَعُ مِنكُمُ الكُفْرُ المُوجِبُ لِلْهَلاكِ الدّائِمِ، [و]قَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ أبْيَنُ في العَداوَةِ وإنْ كانَ الثّانِي أنْكَأ.
الممتحنة 60:3
ولَمّا كانَتْ عَداوَتُهم مَعْرُوفَةً وإنَّما غَطّاها مَحَبَّةُ القَراباتِ لِأنَّ الحُبَّ لِلشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ، فَخَطَّأ رَأْيَهم في مُوالاتِهِمْ بِما أعْلَمَهم بِهِ مِن حالاتِهِمْ، زَهَّدَ فِيها مِمّا يَرْجِعُ إلى حالِ مَن والَوْهم لِأجْلِهِمْ بِما تُورِثُهُ مِنَ الشَّقاءِ الدّائِمِ يَوْمَ البَعْثِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا إعْلامًا بِأنَّها خَطَأٌ عَلى كُلِّ حالٍ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ أيْ بِوَجْهٍ [مِنَ الوُجُوهِ] ﴿أرْحامُكُمْ﴾ أيْ قَراباتُكُمُ الحامِلَةُ لَكم عَلى (p-٤٩٥)رَحْمَتِهِمْ والعَطْفِ عَلَيْهِمْ ﴿ولا أوْلادُكُمْ﴾ الَّذِينَ هم أخَصُّ أرْحامِكم إنْ والَيْتُمْ أعْداءَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ فَيَنْبَغِي أنْ لا تَعُدُّوا قُرْبَهم مِنكم بِوَجْهٍ أصْلًا، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ القِيامِ الأعْظَمِ.
ولَمّا كانَ النّافِي لِلنَّفْعِ وُقُوعَ الفَصْلِ لا كَوْنَهُ مِن فاصِلٍ مُعَيَّنٍ قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ونافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ مِن أكْثَرِ طُرُقِهِ إلّا أنْ شَدَّدَ الصّادَ لِلْمُبالَغَةِ في الفَصْلِ: ﴿يَفْصِلُ﴾ أيْ يُوقِعُ الفَصْلَ وهو الفُرْقَةُ العَظِيمَةُ بِانْقِطاعِ جَمِيعِ الأسْبابِ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ أيُّها النّاسُ فَيُدْخِلُ مَن شاءَ مِن أهْلِ طاعَتِهِ الجَنَّةَ، ومَن شاءَ مِن أهْلِ مَعْصِيَتِهِ النّارَ، فَلا يَنْفَعُ أحَدٌ أحَدًا مِنكم بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا إنْ كانَ [قَدْ] أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فَيَأْذَنُ اللَّهُ في إكْرامِهِ بِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ إعْلامًا بِأنَّ اللَّهَ هو الفاصِلُ وهو الضّارُّ النّافِعُ بِما دَلَّتْ [عَلَيْهِ] قِراءَةُ الباقِينَ إلّا أنَّ حَمْزَةَ والكِسائِيَّ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُشَدَّدَةً إشارَةٌ إلى عَظَمَةِ هَذا الفَصْلِ بِخُرُوجِهِ عَنِ المَأْلُوفِ عَوْدًا إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى عِظَمِ الأمْرِ بِانْتِشارِ الخَلائِقِ وأعْمالِهِمْ: فاللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن كُلِّ عَمَلٍ في كُلِّ وقْتٍ ﴿بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ مَضى غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ (p-٤٩٦)تَقْدِيمَ الجارِّ في مِثْلِ هَذا لِلتَّنَبُّهِ عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِعِلْمِ ذَلِكَ لا عَلى الِاخْتِصاصِ ولا لِأجْلِ الفَواصِلِ.
الممتحنة 60:4
ولَمّا أبْلَغَ سُبْحانَهُ في وعْظِهِمْ في ذَلِكَ، وكانَتْ عادَتُهُ التَّرْبِيَةَ بِالماضِينَ، كانَ مَوْضِعَ تَوَقُّعِ ذَلِكَ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّوَقُّعِ: ﴿قَدْ كانَتْ﴾ أيْ وُجِدَتْ وُجُودًا تامًّا، وكانَ تَأْنِيثُ الفِعْلِ إشارَةً إلى الرِّضا بِها ولَوْ كانَتْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ [أيُّها] المُؤْمِنُونَ ﴿أُسْوَةٌ﴾ أيْ مَوْضِعُ اقْتِداءٍ وتَأْسِيَةٍ وتَسَنُّنٍ وتَشَرُّعٍ وطَرِيقَةٌ مَرْضِيَّةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾ يُرْغَبُ فِيها ﴿فِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ في قَوْلِ أبِي الأنْبِياءِ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ [مِمَّنْ] كانُوا قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومِمَّنْ آمَنَ بِهِ في زَمانِهِ كابْنِ أخِيهِ لُوطٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم قُدْوَةُ أهْلِ الجِهادِ والهِجْرَةِ ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿قالُوا﴾ وقَدْ كانَ مَن آمَنَ بِهِ أقَلَّ مِنكم وأضْعَفَ ﴿لِقَوْمِهِمْ﴾ الكَفَرَةِ، وقَدْ كانُوا أكْثَرَ مِن عَدُوِّكم وأقْوى وكانَ لَهم فِيهِمْ أرْحامٌ وقَراباتٌ ولَهم فِيهِمْ رَجاءٌ بِالقِيامِ والمُحاوَلاتِ.
ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِن ضَعْفِهِمْ وقُوَّةِ قَوْمِهِمْ مُبْعِدًا لِأنْ يُبارِزُوهُمْ، أكَّدُوا قَوْلَهم فَقالُوا: ﴿إنّا﴾ أيْ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ ولا شَكٍّ ﴿بُرَآءُ﴾ أيْ مُتَبَرِّئُونَ تَبْرِئَةً عَظِيمَةً ﴿مِنكُمْ﴾ وإنْ كُنْتُمْ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْنا ولا ناصِرَ لَنا مِنهم غَيْرُكم. ولَمّا تَبَرَّؤُوا مِنهم أتْبَعُوهُ ما هو أعْظَمُ عِنْدَهم مِنهم وهو سَبَبُ العَداوَةِ فَقالُوا: ﴿ومِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أيْ تُوجِدُونَ عِبادَتَهُ في وقْتٍ (p-٤٩٧)مِنَ الأوْقاتِ الماضِيَةِ المُفِيدِ التَّعْبِيرُ [عَنْها] بِالمُضارِعِ تَصْوِيرَ الحالِ أوِ الحاضِرَةِ أوِ الآتِيَةِ كائِنًا مَن كانَ لا نَخافُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ إلَهَنا الَّذِي قاطَعْنا كُلَّ شَيْءٍ في الِانْقِطاعِ إلَيْهِ لا يُقاوِيهِ شَيْءٌ، ولا تَقْدِرُونَ أنْتُمْ مَعَ إشْراكِكم بِهِ عَلى البَراءَةِ مِنهُ.
ولَمّا كانُوا مُشْرِكِينَ قالُوا مُسْتَثْنِينَ ومُبَيِّنِينَ لِسُفُولِ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ مُتَعالِي مَرْتَبَةِ مَعْبُودِهِمْ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو كافٍ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ عَلى أنْحاءٍ كَثِيرَةٍ، بَيَّنُوا أنَّها بَراءَةُ الدِّينِ الجامِعَةُ لِكُلِّ بَراءَةٍ فَقالُوا: ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أيْ أوْجَدْنا السَّتْرَ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي سَتْرُهُ حالَ كَوْنِنا مُكَذِّبِينَ بِكُلِّ ما يَكُونُ مِن جِهَتِكم مِن دِينٍ وغَيْرِهِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ الإيمانُ، وهو إيقاعُ الأمانِ مِنَ التَّكْذِيبِ لِمَن يُخْبِرُنا بِسَبَبِ كُلِّ ما يُضادُّهُ مُصَدِّقِينَ بِذَلِكَ. ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ عَلى جِبِلَّةٍ مُضادَّةٍ لِجِبِلَّةِ الكافِرِ، عَبَّرَ بِما يُفْهِمُ [أنَّ] العَداوَةَ [كانَتْ مَوْجُودَةً] ولَكِنَّها كانَتْ مَسْتُورَةً، فَقالَ دالًّا عَلى قُوَّتِها بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ: ﴿وبَدا﴾ أيْ ظَهَرَ ظُهُورًا عَظِيمًا، وعَلى عَظَمَتِها بِالدَّلالَةِ بِنَزْعِ الخافِضِ عَلى أنَّها شاحِنَةٌ لِجَمِيعِ البَيْنَيْنِ فَقالَ: ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ في جَمْعِ الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا وكُلِّ واحِدٍ مِنكم ﴿العَداوَةُ﴾ وهي المُبايَنَةُ في الأفْعالِ بِأنْ يَعْدُوَ كُلٌّ [عَلى] الآخَرِ ولا يَكُونُ [ذَلِكَ] (p-٤٩٨)إلّا عِنْدَما [يَسْتَخِفُّ] الغَيْظُ الإنْسانَ لِإرادَةِ أنْ يَشْفِيَ صَدْرَهُ مِن شِدَّةِ ما حَصَلَ لَهُ مِن حَرارَةِ الخَنْقِ. فالعَداوَةُ مِمّا يَمْتَدُّ فَيَكُونُ مالِئَةً لِظَرْفِها، قالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في تَلْوِيحِهِ عَلى تَوْضِيحِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ في أوائِلِهِ في عَلاقاتِ المَجازِ: الفِعْلُ المَنسُوبُ إلى ظَرْفِ الزَّمانِ بِواسِطَةِ تَقْدِيرِ ”فِي“ دُونَ ذِكْرِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الظَّرْفِ مِعْيارًا لَهُ غَيْرَ زائِدٍ عَلَيْهِ مِثْلُ صُمْتُ الشَّهْرَ، يَدُلُّ عَلى صَوْمِ جَمِيعِ أيّامِهِ بِخِلافِ صُمْتُ في الشَّهْرِ، فَإذا امْتَدَّ الفِعْلُ امْتَدَّ الظَّرْفُ لِيَكُونَ مِعْيارًا [لَهُ] فَيَصِحُّ حَمْلُ اليَوْمِ - في نَحْوِ صِرْتُ يَوْمَ كَذا - عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو ما يَمْتَدُّ مِنَ الطُّلُوعِ إلى الغُرُوبِ، وإذا لَمْ يَمْتَدَّ الفِعْلُ - يَعْنِي مِثْلَ وُقُوعِ الطَّلاقِ - لَمْ يَمْتَدَّ الظَّرْفُ، لِأنَّ المُمْتَدَّ لا يَكُونُ مِعْيارًا لِغَيْرِ المُمْتَدِّ فَحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ حَمْلُ اليَوْمِ عَلى النَّهارِ المُمْتَدِّ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ جُزْءٍ مِنَ الزَّمانِ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ في العُرْفِ مُمْتَدًّا، وهو الآنَ سَواءٌ كانَ مِنَ النَّهارِ أوْ مِنَ اللَّيْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فَإنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الزَّحْفِ حَرامٌ لَيْلًا كانَ أوْ نَهارًا ولِأنَّ مُطْلَقَ ”الآنَ“ جُزْءٌ مِنَ ”الآنَ“ اليَوْمِيِّ وهو جُزْءٌ مِنَ اليَوْمِ، فَيَكُونُ مُطْلَقُ ”الآنَ“ جُزْءًا مِنَ اليَوْمِ، فَتُحَقَّقُ العَلاقَةُ. (p-٤٩٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ البُغْضِ بَلْ لِتَأْدِيبٍ ونَحْوِهِ قالُوا: ﴿والبَغْضاءُ﴾ أيْ وهي المُبايَنَةُ بِالقُلُوبِ بِالبُغْضِ العَظِيمِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ سَرِيعَ الزَّوالِ قالُوا: ﴿أبَدًا﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَرْئِيًّا مِن صَلاحِ الحالِ، وكانَ قَدْ يَكُونُ لِحَظِّ نَفْسٍ بَيَّنُوا غايَتَهُ عَلى وجْهٍ عُرِفَتْ بِهِ عِلَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا﴾ أيْ تُوقِعُوا الأمانَ مِنَ التَّكْذِيبِ لِمَن أمَرَكم بِالإيمانِ وأخْبَرَكم عَنِ الرَّحْمَنِ، حالَ كَوْنِكم مُصَدِّقِينَ ومُعْتَرِفِينَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ. ولَمّا كانُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ الإشْراكِ قالُوا: ﴿وحْدَهُ﴾ أيْ تَكُونُوا مُكَذِّبِينَ بِكُلِّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ.
ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ المُخاطَبِينَ عَلى التَّأسِّي بِقَوْلِ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ في الوَقْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ اسْتَثْنى مِنهُ فَقالَ تَأْنِيسًا لِمَن نَزَلَتِ القِصَّةُ بِسَبَبِهِ واسْتِعْطافًا لَهُ وهو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ فَلا تَأسِّيَ لَكم بِهِ ﴿لأبِيهِ﴾ واعِدًا لَهُ قَبْلَ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ أنَّهُ ثابِتُ العَداوَةِ لِلَّهِ تَعالى لِكَوْنِهِ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، فَلا صَلاحَ لَهُ، يُقالُ: إنَّ أباهُ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ فاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ، أنَّهُ لا يُؤْمِنُ تَبَرَّأ مِنهُ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ﴾ أيْ لَأُوجِدَنَّ طَلَبَ الغُفْرانِ مِنَ اللَّهِ ﴿لَكَ﴾ فَإنَّ هَذا الِاسْتِغْفارَ لِكافِرٍ، فَلا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَتَأسَّوْا بِهِ فِيهِ مُطْلَقًا غَيْرَ ناظِرِينَ إلى عِلْمِ أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ أوْ في حَيِّزِ الرُّجُوعِ. (p-٥٠٠)ولَمّا وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ تَرْغِيبًا لَهُ، رَهَّبَهُ لِئَلّا يَتْرُكَ السَّعْيَ في النَّجاةِ بِما مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِي غَيْرُ الِاسْتِغْفارِ، فَقالَ: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ﴾ أيْ لِكَوْنِكَ كافِرًا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى المُحِيطُ بِنُعُوتِ الجَلالِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ والِاسْتِثْناءُ وقَعَ [عَلى] هَذا القَوْلِ بِقَيْدِ الِاجْتِماعِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ التَّعَرُّضُ لِلْأجْزاءِ، فَلا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى حِيالِها مُسْتَثْناةً لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نادى: واصَباحاهُ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] كانَ يَقُولُ لِكُلِّ مَن سَمّاهُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، حَتّى قالَ في آخِرِ ذَلِكَ: «يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مِن مالِي ما شِئْتِ لا أُغْنِ عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .
ولَمّا حَثَّهم عَلى التَّأسِّي بِقَوْلِ الخُلَّصِ، وقَدَّمَ [مِنهُ] المُجافاةَ لِأنَّها المَقْصُودَةُ، واسْتَثْنى ما لا يَنْبَغِي التَّأسِّي فِيهِ اعْتِراضًا بِهِ بَيْنَ أجْزاءِ مَقالِهِمْ بَيانًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِلتَّنْفِيرِ مِنهُ مِن قَوْلِهِ، أتَمَّ ما يُؤْتَسى فِيهِ فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى مُجافاتِهِمْ بِما قالَ إلّا وقَدْ قَرَّرُوا جَمِيعَ ما يَقُولُونَهُ ورَضُوا بِهِ دُونَ مُوادَّتِهِمْ وانْقَطَعُوا إلى اللَّهِ وحْدَهُ انْقِطاعًا تامًّا يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَشاءُ مِن تَسْلِيطِهِمْ عَلَيْهِمْ أوْ حِمايَتِهِمْ مِنهُمْ، لَكِنَّهم سَألُوا الحِمايَةَ (p-٥٠١)لا لِذاتِها ولا لِأنْفُسِهِمْ بَلْ لِئَلّا يَزِيدَ [ذَلِكَ] أعْداءَهم ضَلالًا ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِتَخْلِيصِكَ لَنا مِنَ الهَلاكِ بِاتِّباعِهِمْ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ لا عَلى غَيْرِكَ ﴿تَوَكَّلْنا﴾ أيْ فَعَلْنا في جَمِيعِ أُمُورِنا مَعَكَ فِعْلَ مَن يَحْمِلُها عَلى قَوِيٍّ لِيَكْفِيَهُ أمْرَها لِأنّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَكْفِي إذا شِئْتَ كُلَّ مُلِمٍّ، وأنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ وقَدْ عادَيْنا فِيكَ قَوْمًا عُتاةً أقْوِياءَ ونَحْنُ ضُعَفاءُ، ورَضِينا بِكُلِّ ما يَحْصُلُ لَنا مِنهم غَيْرَ أنَّ عافِيَتَكَ هي أوْسَعُ لَنا.
ولَمّا كانَ الَّذِي يَنْبَغِي لِكُلِّ أحَدٍ وإنْ كانَ مُحْسِنًا أنْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مُقَصِّرًا شارِدًا عَنْ رَبِّهِ لِأنَّهُ لِعِظَمِ جَلالِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وأنْ يَعْزِمَ عَلى الِاجْتِهادِ في العِبادَةِ قالُوا مُخْبِرِينَ بِذَلِكَ عادِّينَ ذَلِكَ العَزْمَ رُجُوعًا: ﴿وإلَيْكَ﴾ أيْ وحْدَكَ لا إلى غَيْرِكَ ﴿أنَبْنا﴾ أيْ رَجَعْنا بِجَمِيعِ ظَواهِرِنا وبَواطِنِنا. ولَمّا كانَ المَعْنى تَعْلِيلًا: فَإنَّهُ مِنكَ المَبْدَأُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْكَ﴾ أيْ وحْدَكَ ﴿المَصِيرُ﴾
الممتحنة 60:5
ولَمّا أخْبَرُوا بِإسْلامِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ وعَلَّلُوهُ بِما اقْتَضى الإحاطَةَ فاقْتَضى مَجْمُوعُ ذَلِكَ الثَّناءَ الأتَمَّ، فَلَزِمَ مِنهُ الطَّلَبُ، صَرَّحُوا بِهِ فَقالُوا داعِينَ بِإسْقاطِ الأداةِ لِلدَّلالَةِ عَلى غايَةِ قُرْبِهِ سُبْحانَهُ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُرَبِّي لَنا والمُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لا تَجْعَلْنا﴾ بِإضْعافِنا والتَّسْلِيطِ عَلَيْنا ﴿فِتْنَةً﴾ (p-٥٠٢)أيْ مَوْضِعَ اخْتِبارٍ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأنْ يُعَذِّبُونا بِعَذابٍ يُمِيلُنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ ويُمِيلُهم عَمّا وصَلُوا إلَيْهِ بِسَبَبِ إسْلامِنا مِنَ الزَّلازِلِ بِما يُوجِبُ ذَلِكَ لَهم مِنَ اعْتِقادِ لَوْ أنَّكَ كُنْتَ راضِيًا بِدِينِنا لَكُنّا عَلى الحَقِّ وكانُوا هم عَلى الباطِلِ ما أمْكَنْتَ مِنّا، فَيَزِيدُهم ذَلِكَ طُغْيانًا ظَنًّا مِنهم أنَّهم عَلى الحَقِّ وأنّا عَلى الباطِلِ.
ولَمّا كانَ رَأْسُ مالِ المُسْلِمِ الأعْظَمُ الِاعْتِرافَ بِالتَّقْصِيرِ وإنْ بَلَغَ النِّهايَةَ في المُجاهَدَةِ فَإنَّ الإلَهَ في غايَةِ العَظَمَةِ والبُعْدِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ، فَبُلُوغُهُ [ما يَحِقُّ لَهُ] سُبْحانَهُ لا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ قالُوا: ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ أيِ اسْتُرْ ما عَجَزْنا فِيهِ وامْحُ عَيْنَهُ وأثَرَهُ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ الحِياطَةَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، عَلَّلُوهُ زِيادَةً في التَّضَرُّعِ والخُضُوعِ واسْتِنْجازِ المَطْلُوبِ مُكَرِّرِينَ صِفَةَ الإحْسانِ زِيادَةً في التَّرَقُّقِ والِاسْتِعْطافِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْنا، وأكَّدُوا إعْلامًا بِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ واعْتِرافًا بِأنَّهم قَدْ يَفْعَلُونَ ما فِيهِ شَيْءٌ مِن تَقْصِيرٍ فَيَكُونُ مِن مِثْلِ أفْعالِ مَن [لا] يَعْرِفُهُ سُبْحانَهُ فَقالُوا: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ وحْدَكَ لا غَيْرُكَ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ (p-٥٠٣)الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أوْفَقِ مَحالِّها فَلا يُسْتَطاعُ نَقْضُها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُعْطى مِن أمَلِهِ فَوْقَ ما طَلَبَ.
الممتحنة 60:6
ولَمّا أتَمَّ ما حَثَّهم عَلى التَّأسِّي فِيهِ بِذِكْرِ أعْظَمِ آبائِهِمْ لِأنَّ دَواعِيَ الإنْسانِ إلى المُداراةِ عَمّا يَخافُ عَلَيْهِ مِن أقارِبِهِ وآلِهِ وجَمِيعِ أحْوالِهِ عَظِيمَةٌ جِدًّا إنْ كانَ المُدارَأُ عَظِيمًا لا سِيَّما إنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ صَداقَةٌ وبِهِ أُلْفَةٌ، فَكانَ جَدِيرًا بَعْدَ الوَعْظِ والتَّأْسِيَةِ أنْ يَبْقى عِنْدَهُ بَقايا ولا سِيَّما والنّاسُ مُتَفاوِتُونَ، مِنهم مَن يَرُدُّهُ أيْسَرُ وعْظٍ ومِنهم مَن يَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، أعادَ التَّأْسِيَةَ تَأْكِيدًا لَها عَلى وجْهٍ بَلَغَ الذُّرْوَةَ مِن جَمالِ التَّرْغِيبِ وجَلالِ التَّرْهِيبِ، ولِيَكُونَ فِيها أتَمُّ دَلالَةٍ عَلى أنَّ ما بَيْنَهُما مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَأْمُورِ بِالتَّأسِّي بِهِ مِنَ الدُّعاءِ وغَيْرِهِ إلّا ما اسْتَثْنى لِتَشْتَدَّ الرَّغْبَةُ فِيهِ، فَقالَ مُصَدِّرًا بِما دَلَّ عَلى القَسَمِ إشارَةً إلى أنَّ مَن فَعَلَ غَيْرَ هَذا كانَ فِعْلُهُ فِعْلَ مُنْكِرٍ لِحُسْنِ هَذا التَّأسِّي، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الفِعْلَ الَّذِي أنَّثَهُ في الأوَّلِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيْ أيُّها الَّذِينَ ادَّعَوُا الإيمانَ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ بَيانًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ فَقالَ: ﴿فِيهِمْ﴾ أيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وأبْدَلَ مِن ﴿لَكُمْ﴾ ما هو الفَيْصَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الباطِلِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ مَن لَمْ يَتَأسَّ بِهِمْ في هَذا لَمْ يَكُنْ راجِيًا لِما ذَكَرَ: ﴿لِمَن كانَ﴾ أيْ جُبِلَ عَلى أنَّهُ ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ (p-٥٠٤)المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَهو ذُو الجَلالِ الَّذِي يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، والإكْرامِ الَّذِي هو جَدِيرٌ بِأنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ ما يُسْألُهُ ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ الَّذِي يُحاسِبُ عَلى، النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، فَمَن لَمْ يَتَأسَّ بِهِمْ كانَ تَرْكُهُ لِلتَّأسِّي دَلِيلًا عَلى سُوءِ عَقِيدَتِهِ، فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، فَقَدْ أُذِنَ لِإمامِ المُسْلِمِينَ إنْ عَثَرَ عَلَيْهِ في عُقُوبَتِهِ، فَإنَّ عِلْمَ الغَيْبِ الَّذِي أعْلَمْناهُ نَبِيَّنا ﷺ بِأنَّ حاطِبًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحِيحُ العَقِيدَةِ غَيْرُ مُتَأهِّلٍ لِلْعُقُوبَةِ مُنْقَطِعٌ بِمَوْتِهِ ﷺ ولا يَبْقى إلى ما نَصَبْناهُ مِنَ الشَّعائِرِ، وأقَمْناهُ مِنَ الدَّلائِلِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أقْبَلَ عَلى هَذا التَّأسِّي لِكَوْنِهِ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ فَلَمْ يَخْلُدْ إلى الدُّنْيا، يَتَوَلَّهُ اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ ودُودٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ يُوقِعِ الإعْراضَ عَنْ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مُطْلَقًا لِكَوْنِهِ أخْلَدَ إلى الدُّنْيا ولَمْ يَرَ اليَوْمَ الآخِرَ أعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ، وأشارَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا بِمُعالَجَةِ الفِطْرَةِ الأُولى، وأكَّدَ لِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ كالمُنْكِرِ لِمَضْمُونِ الكَلامِ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ [الكامِلَةُ] ﴿هُوَ﴾ أيْ خاصَّةً (p-٥٠٥)﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الحَمِيدُ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الحَمْدُ المُحِيطُ، لِإحاطَتِهِ بِأوْصافِ الكَمالِ في حالِ الطّاعَةِ لَهُ والمَعْصِيَةِ فَإنَّ العاصِيَ عَبْدٌ لِإرادَتِهِ، كَما أنَّ المُطِيعَ عَبْدٌ لِآمِرِهِ وإرادَتِهِ ولُطْفِهِ، فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ خاضِعٌ لِحُكْمِهِ، وقَدْ بَيَّنَتِ الآيَةُ أدَبَ العِشْرَةِ لَمّا ألْهَبَتْ وهَيَّجَتْ عَلى المُفارَقَةِ لِلْعُصاةِ والتَّبَرُّؤِ مِنهم حِسًّا ومَعْنًى، وإظْهارِ ذَلِكَ لَهم قَوْلًا وفِعْلًا، إلى [أنْ] تَحْصُلَ التَّوْبَةُ، ومَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كانَ شَرِيكًا في الفِعْلِ فَيَكُونُ شَرِيكًا في الجَزاءِ كَما ورَدَ، ثُمَّ [لا] يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وجَلِيسَهُ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، ومَن فَعَلَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ كانَ فِعْلُهُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ سَبَبَ الوَصْلَةِ والقُرْبِ والمَوَدَّةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الرَّجاءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والتَّوَلِّيَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ سَبَبَ السَّعادَةِ تَرْغِيبًا وسَبَبَ الشَّقاوَةِ تَرْهِيبًا.
الممتحنة 60:7
ولَمّا أتَمَّ وعْظَهم بِما هو الأنْفَعُ والأقْرَبُ إلى صَلاحِهِمْ فَفَعَلُوا، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا لِما جُبِلَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِن حُبِّ ذَوِي الأرْحامِ والعَطْفِ عَلَيْهِمْ، فَتَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى تَخْفِيفٍ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ، أتْبَعَهُ التَّرْجِئَةَ فِيما قَصَدَهُ حاطِبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ فَقالَ عَلى عادَةِ المُلُوكِ في الرَّمْزِ إلى ما يُرِيدُونَهُ فَيَقْنَعُ المَوْعُودُ بِهِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الرَّمْزُ (p-٥٠٦)عِنْدَهُ أعْظَمَ مِنَ البَتِّ مِن غَيْرِهِمْ [لِما لَهُمْ] مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِي النَّزاهَةَ عَمّا يُلِمُّ بِشائِبَةِ نَقْصٍ، وذَلِكَ أعْظَمُ في الإيمانِ بِالغَيْبِ لِأنَّ الوُعُودَ لا تَزالُ بَيْنَ خَوْفٍ ورَجاءٍ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ كانَ يَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ الخَلاصُ مِن مِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ وقَدْ بُنِيَتْ يا رَبَّ هَذِهِ الدّارِ عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾ أيْ أنْتُمْ جَدِيرُونَ بِأنْ تَطْمَعُوا في المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿أنْ يَجْعَلَ﴾ بِأسْبابٍ لا تَعْلَمُونَها ﴿بَيْنَكم وبَيْنَ﴾ أيْ في جَمِيعِ الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ المَجْمُوعِينَ أوْ بَيْنَ كُلِّ شَخْصَيْنِ مِنَ الجَمْعَيْنِ ﴿الَّذِينَ عادَيْتُمْ﴾ أيْ بِالمُخالَفَةِ في الدِّينِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ عادُوكم بِما تَقَدَّمَ بِأعْيانِهِمْ مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿مَوَدَّةً﴾ وقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ تَحْقِيقًا لِما رَجاهُ سُبْحانَهُ، وأجْرى سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ بِأنَّ مَن عادَيْتُهُ فِيهِ جَعَلَ عاقِبَةَ ذَلِكَ إلى وِلايَةٍ عَظِيمَةٍ، ومَن تَهاوَنْتُ في مُقاطَعَتِهِ فِيهِ سُبْحانَهُ أقامَهُ لَكَ ضِدًّا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِكم رَفِيقٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَذْكِيرًا لَهم بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ العَظَمَةِ قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ فَهو يَقْدِرُ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ وتَيْسِيرِ العَسِيرِ، فَلَمّا تَمَّ الرَّجاءُ لَمْ يَبْقَ إلّا كَدَرُ الذَّنْبِ (p-٥٠٧)فَأتْبَعَهُ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ مِمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ بِسَبَبِهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ مَحّاءٌ لِأعْيانِ الذُّنُوبِ وآثارِها ﴿رَحِيمٌ﴾ يُكْرِمُ الخاطِئِينَ إذا أرادَ بِالتَّوْبَةِ ثُمَّ بِالجَزاءِ غايَةَ الإكْرامِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا سُفْيانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى بَعْضِ اليَمَنِ، فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أقْبَلَ فَلَقِيَ ذا الحَجّارِ مُرْتَدًّا فَقاتَلَهُ، فَكانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ عَلى الرِّدَّةِ،» فَتِلْكَ المَوَدَّةُ بَعْدَ المُعاداةِ.
الممتحنة 60:8
ولَمّا تَمَّ الوَعْظُ والتَّأْسِيَةُ وتَطْبِيبُ النُّفُوسِ بِالتَّرْجِئَةِ، وكانَ وصْفُ الكُفّارِ بِالإخْراجِ لَهم مِن دِيارِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالقُوَّةِ فَيَعُمُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالفِعْلِ فَيَخُصُّ أهْلَ مَكَّةَ أوْ مَن باشَرَ الأذى الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ الخُرُوجُ مِنهُمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤْذِنًا بِالإشارَةِ إلى الِاقْتِصادِ في الوِلايَةِ والعَداوَةِ كَما قالَ ﷺ: ”أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما عَسى أنْ يَكُونَ بِغِيضَكَ يَوْمًا ما. وأبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا ما عَسى أنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا ما“ ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِالجَلالِ والإكْرامِ ﴿عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ أيْ بِالفِعْلِ ﴿فِي الدِّينِ﴾ أيْ بِحَيْثُ تَكُونُونَ مَظْرُوفِينَ لَهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ خارِجًا عَنْهُ، (p-٥٠٨)فَأخْرَجَ ذَلِكَ القِتالَ بِسَبَبِ حَقٍّ دُنْيَوِيٍّ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالدِّينِ، وأخْرَجَ مَن لَمْ يُقاتِلْ أصْلًا كَخُزاعَةٍ والنِّساءِ، ومِن ذَلِكَ أهْلُ الذِّمَّةِ بَلِ الإحْسانُ إلَيْهِمْ مِن مَحاسِنِ الأخْلاقِ ومَعالِي الشِّيَمِ لِأنَّهم جِيرانٌ.
ولَمّا كانَ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوا لِذَلِكَ رُبَّما كانُوا قَدْ ساعَدُوا عَلى الإخْراجِ قالَ: ﴿ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ وقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دِيارِكُمْ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ وسَّعَ لَهم سُبْحانَهُ بِالتَّعْمِيمِ في إزالَةِ النَّهْيِ خَصَّ بِقَوْلِهِ مُبْدِلًا مِنَ ”الدِّينِ“: ﴿أنْ﴾ أيْ لا يَنْهاكم عَنْ أنْ ﴿تَبَرُّوهُمْ﴾ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ البِرِّ الظّاهِرَةِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَرِيحٍ في قَصْدِ المُوادَدَةِ ﴿وتُقْسِطُوا﴾ أيْ تَعْدِلُوا العَدْلَ الَّذِي هو في غايَةِ الِاتِّزانِ بِأنْ تُزِيلُوا القَسْطَ الَّذِي هو الجَوْرُ، وبَيَّنَ أنَّ المَعْنى: مُوصِلِينَ لِذَلِكَ الإقْساطِ ﴿إلَيْهِمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّ فِعْلَ الإقْساطِ ضِمْنُ الِاتِّصالِ، وإلى أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهم وإنْ تَكَفَّلُوا الإرْسالَ إلَيْهِمْ مِنَ البُعْدِ بِما أُذِنَ لَهم فِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الرِّفْقِ واللَّهُ يُحِبُّ الرِّفْقَ في جَمِيعِ الأُمُورِ ويُعْطِي عَلَيْهِ ما لا يُعْطِي عَلى الخَرْقِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَرى أذى الكُفّارِ بِكُلِّ طَرِيقٍ،
﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يُحِبُّ﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ مَعَ ﴿المُقْسِطِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يُزِيلُونَ الجَوْرَ ويُوقِعُونَ العَدْلَ.
الممتحنة 60:9
ولَمّا عُلِمَ الحالُ مِن هَذا وما في أوَّلِ السُّورَةِ، أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِما (p-٥٠٩)أفادَهُ مَجْمُوعًا أحْسَنَ جَمْعٍ مُصَوَّرًا أحْسَنَ تَصْوِيرٍ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ مُتَعَمِّدِينَ لِقِتالِكم كائِنِينَ ﴿فِي الدِّينِ﴾ لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ خارِجًا عَنْهُ، لِتَكُونَ العَداوَةُ في اللَّهِ ﴿وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ لِبُغْضِكم ﴿وظاهَرُوا﴾ أيْ عاوَنُوا غَيْرَهم ﴿عَلى إخْراجِكُمْ﴾ ولَمّا تَناوَلَ هَذا المَقْصُودِينَ صَرِيحًا، وكانَ النَّهْيُ الَّذِي مَوْضِعُهُ الأفْعالُ قَدْ عُلِّقَ بِأعْيانِهِمْ تَأْكِيدًا لَهُ، عَرَّفَ بِالمَقْصُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾ أيْ إنَّما يَنْهاكم عَنِ المَذْكُورِينَ في أنْ ﴿تَوَلَّوْهُمْ﴾ أيْ تُكَلِّفُوا فِطَرَكُمُ الأُولى أنْ تَفْعَلُوا مَعَهم جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ القَرِيبُ الحَمِيمُ الشَّفِيقُ فَتُصَرِّحُوا بِأنَّهم أوْلِياؤُكم وتُناصِرُوهم ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ - بِما أشارَ إلَيْهِ إسْقاطُ التّاءِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أطاعَ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ الحَمْلَ عَلى غَيْرِ ما يَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ المُنابَذَةِ، وأطْلَقَ ولَمْ يُقَيِّدْ بِـ ”مِنكُمْ“ لِيَعُمَّ المُهاجِرِينَ وغَيْرَهم والمُؤْمِنِينَ وغَيْرَهُمْ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ أبْعَدُوا عَنِ العَدْلِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهُمُ العَرِيقُونَ في أنَّهُمُ ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في إيقاعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها كَمَن يَمْشِي في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ بِسَبَبِ هَذا التَّوَلِّي.
الممتحنة 60:10
(p-٥١٠)ولَمّا كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآياتِ الماضِيَةِ في الفَتْحِ الأعْظَمِ حِينَ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ سَنَةَ ثَمانٍ المَسِيرَ بِجُنُودِ اللَّهِ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ - شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى - لِدُخُولِها عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حِينَ نَقَضُوا بِقِتالِهِمْ لِخُزاعَةٍ الَّذِينَ كانُوا قَدْ تَحَيَّزُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَكانُوا في عَقْدِهِ وعَهْدِهِ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِي كانَ سَنَةَ سِتٍّ عَلى وضْعِ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ ومَن دَخَلَ في عَقْدِهِ، وكانَ مِن ذَلِكَ الصُّلْحِ أنَّ مَن جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن قُرَيْشٍ ومَن دَخَلَ في صُلْحِهِمْ رَدَّهُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ مُسْلِمًا، ومَن جاءَهم مَن كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ بِحَيْثُ قامَ مِن ذَلِكَ وقَعَدَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن أعْظَمِهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى سَكَّنَهُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِما وقَرَ في صَدْرِهِ مِنَ الحُكْمِ، ورَدَّ إلَيْهِمْ ﷺ أبا بَصِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ رَدَّهُ إلَيْهِمْ لِلْوَفاءِ بِالعَهْدِ بِسَبَبِ التَّصْدِيقِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أمّا مَن جاءَنا مِنهم فَرَدَدْناهُ إلَيْهِمْ فَسَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا» وقِصَّتُهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ مَشْهُورَةٌ، وكانَتْ ”مَن“ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وكانَتْ دَلالَةُ العامِّ قَطْعِيَّةً في الحُكْمِ عَلى الأفْرادِ ظَنِّيَّةً - كَما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في الدَّلالَةِ عَلى الجُزْئِيِّ مِن تِلْكَ الأفْرادِ بِخُصُوصِهِ حَيْثُ لا قَرِينَةَ (p-٥١١)لِأنَّ تِلْكَ الصِّيَغَ تَرِدُ تارَةً عَلى عُمُومِها وتارَةً يُرادُ بِها بَعْضُ الأفْرادِ فَتَكُونُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ، وتارَةً يَقَعُ فِيها التَّخْصِيصُ، فَتَكُونُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ فَطَرَقَها الِاحْتِمالُ فاحْتاجَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الظّاهِرِ إلى قَرِينَةٍ، وكانَ دُخُولُ النِّساءِ تَحْتَ لَفْظِ ”مَن“ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ إمّا عَرِيًّا عَنِ القَرِينَةِ أوْ أنَّ القَرِينَةَ القِتالَ الَّذِي وقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ صارِفَةٌ عَنْهُ، وكَذا قَرِينَةُ التَّعْبِيرِ عَنْهُنَّ بِـ ”ما“ دُونَ ”مَن“ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ
﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] وكانَ قَدْ خَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أدَّبَ بِها في غَزْوَةِ الفَتْحِ بِما أبانَ بِهِ ما لا يَخْرُجُ عَنِ الصُّلْحِ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ مِمّا هو أقْرَبُ إلى الخَيْرِ مِنَ البِرِّ والعَدْلِ، ونَهى عَنْ تَوَلِّي الكُفّارِ، فَكانَتِ المُصاهَرَةُ والمُناكَحَةُ مِن أعْظَمِ التَّوَلِّي، وصَلَ بِذَلِكَ ما لا يَخْرُجُ عَنْهُ ولا يُحَلُّ بِالعَهْدِ في أنَّ مَن جاءَ مِنَ الكُفّارِ إلى النَّبِيِّ ﷺ رَدَّهُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ مُسْلِمًا، فَقالَ مُخاطِبًا لِأدْنى أسْنانِ أهْلِ الإيمانِ الَّذِينَ (p-٥١٢)يَحْتاجُونَ إلى التَّفْهِيمِ، وأمّا مَن هو أعْلى مِنهم فَهو عالِمٌ بِذَلِكَ مُؤْتَمِرٌ بِهِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الفَهْمِ وأنارَ بِهِ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ مِن فُنُونِ العِلْمِ لِيَكْفُوا النَّبِيَّ ﷺ مُقَدِّماتِ البَيْعَةِ مِنهُ لَهُنَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ - وهو إيقاعُ الأمانِ مِنَ التَّكْذِيبِ - لِمَن يُخْبِرُهم ما يَنْبَغِي التَّصْدِيقُ بِهِ بِسَبَبِ تَصْدِيقِهِمْ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
ولَمّا كانَ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ يَأْتِيهِمْ نِساءٌ يَهْرُبْنَ بِدِينِهِنَّ إلى اللَّهِ، بَشَّرَهم بِذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّحْقِيقِ فَقالَ: ﴿إذا﴾ أيْ صَدَّقُوا ما ادَّعَيْتُمُوهُ مِنَ الإيمانِ بِأنَّهُ في أيِّ زَمانٍ ﴿جاءَكُمُ﴾ ولَمّا كانَ لا يَهْجُرُ دارَهُ وعَشِيرَتَهُ لا سِيَّما إنْ كانُوا أقارِبَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ إلّا مَن رَسَخَ في الإيمانِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى قالَ: ﴿المُؤْمِناتُ﴾ أيِ النِّساءُ اللّاتِي صارَ وصْفُ الإيمانِ لَهُنَّ صِفَةً راسِخَةً بِدَلالَةِ الهِجْرَةِ عَلَيْهِ: ﴿مُهاجِراتٍ﴾ لِلْكُفّارِ ولِأرْضِهِمْ ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ أيِ اخْتَبِرُوهُنَّ تَأْكِيدًا لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ مِنَ الإيمانِ بِالتَّحْلِيفِ بِأنَّهُنَّ ما خَرَجْنَ لِحَدَثٍ أحْدَثَتْهُ ولا بُغْضًا في زَوْجٍ ولا رَغْبَةً في عَشِيرٍ ولا خَرَجْنَ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ورَغْبَةً في دِينِ الإسْلامِ، قالَ الإمامُ شِهابُ الدِّينِ بْنُ النَّقِيبِ في الهِدايَةِ مِن مُخْتَصَرِهِ لِلْكِفايَةِ لِفَقِيهِ المَذْهَبِ نَجْمِ الدِّينِ أحْمَدَ بْنِ الرِّفْعَةِ في شَرْحِ التَّنْبِيهِ: (p-٥١٣)واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: هَلْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ شَرَطَ لِقُرَيْشٍ في الصُّلْحِ رَدَّ النِّساءِ فَفي قَوْلٍ: لَمْ يَشْتَرِطْهُ بَلْ أطْلَقَ رَدَّ مَن جاءَهُ فَتَوَهَّمُوا تَناوُلَ النِّساءِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ عالِمًا بِعَدَمِ دُخُولِهِنَّ، فَأطْلَقَ ذَلِكَ حُذَيْفَةُ يَعْنِي ومِن شَرْعِهِ أنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ، وفي قَوْلٍ: شَمَلَهُنَّ الشَّرْطُ، لَكِنْ هَلْ شَرَطَهُ صَرِيحًا أمْ دَخَلْنَ في الإطْلاقِ فِيهِ وجْهانِ أظْهَرُهُما الثّانِي، وهَلْ كانَ شَرْطُهُنَّ جائِزًا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما نَعَمْ ثُمَّ نُسِخَ، وهَلْ ناسِخُهُ الآيَةُ المَذْكُورَةُ أمْ مُنِعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّدِّ فِيهِ وجْهانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ وفِيهِ قَوْلانِ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ومُخْتارُهُ مِنهُما المَنعُ وهو الجَدِيدُ، وكَذا لا يَجُوزُ عِنْدَهُ وعِنْدَ أصْحابِهِ نَسْخُ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ وإنْ كانَتْ مُتَواتِرَةً - انْتَهى.
ومَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ فَإنْ وقَعَ نَسْخُها بِالقُرْآنِ كانَ مَعَهُ سُنَّةٌ، وإنْ وقَعَ نَسْخُهُ بِالسُّنَّةِ كانَ مَعَها قُرْآنٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ السُّبْكِيِّ في جَمْعِ الجَوامِعِ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَيْثُ وقَعَ بِالسُّنَّةِ فَمَعَها قُرْآنٌ أوْ بِالقُرْآنِ فَمَعَهُ سُنَّةٌ عاضِدَةٌ تُبَيِّنُ تَوافُقَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
ولَمّا كانَ الِاخْتِبارُ رُبَّما دَلَّ عَلى إيمانِهِنَّ لا يُعْلَمُ إلّا بِهِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن يَقُولُ: ألَيْسَ اللَّهُ بِعالِمٍ بِذَلِكَ، ومُفِيدًا أنَّ عِلْمَكُمُ (p-٥١٤)الَّذِي تَصِلُونَ إلَيْهِ بِالِامْتِحانِ لَيْسَ بِعِلْمٍ، وإنَّما سَمّاهُ بِهِ إيذانًا بِأنَّ الظَّنَّ الغالِبَ في حَقِّكم بِالِاجْتِهادِ والقِياسِ قائِمٌ مَقامَ العِلْمِ يَخْرُجُ مِن عِنْدِهِ ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿اللَّهُ﴾ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ مِنكم ومِنهُنَّ بِأنْفُسِهِنَّ ﴿بِإيمانِهِنَّ﴾ هَلْ هو كائِنٌ أوْ لا عَلى وجْهِ الرُّسُوخِ أوْ لا، فَإنَّهُ مُحِيطٌ بِما غابَ كَإحاطَتِهِ بِما شُهِدَ، وإنَّما وكَلَ الأمْرَ إلَيْكم في ذَلِكَ سَتْرًا لِلنّاسِ ولِئَلّا تَكُونَ شَهادَتُهُ لِأحَدٍ بِالإيمانِ والكُفْرانِ مُوصِلَةً إلى عَيْنِ اليَقِينِ فَيَخْرُجَ عَنْ مَبْنى هَذِهِ الدّارِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي الجُمْلَةِ الِامْتِحانُ طَرِيقٌ إلى المَعْرِفَةِ، وجَواهِرُ النَّفْسِ تَتَبَيَّنُ بِالتَّجْرِبَةِ، ومَن أقْدَمَ عَلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ تَجْرِبَةٍ يَجْنِي كَأْسَ النَّدَمِ، قالَ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ أيِ العِلْمَ المُتَمَكِّنَ لَكم وهو الظَّنُّ المُؤَكَّدُ بِالأماراتِ الظّاهِرَةِ بِالحَلِفِ وغَيْرِهِ ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ أيْ مُخْلِصاتٍ في الهِجْرَةِ لِأجْلِ الإيمانِ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِإيذانٍ بِمَزِيدِ الِاحْتِياطِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الِامْتِحانَ بَيَّنَ أنَّهُ عِلَّةٌ لِحِمايَتِهِنَّ والدَّفْعِ عَنْهُنَّ فَأتْبَعَهُ مُسَبِّبَهُ فَقالَ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلى الكُفّارِ﴾ وإنْ كانُوا أزْواجًا، ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ هَذا ظاهِرٌ في المُرادِ وأنَّ القَرائِنَ مُوَضِّحَةٌ لَهُ أنَّهُ ﷺ لَمّا أبى أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَن جاءَهُ مِنَ النِّساءِ لَمْ يَعِبْ أحَدٌ مِنَ الكُفّارِ ذَلِكَ، ولا نَسَبَ (p-٥١٥)إلى عَهْدِهِ ﷺ - وحاشاهُ - خَلَلًا، ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمَلَؤُوا الأرْضَ تَشْغِيبًا كَما فَعَلُوا في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى نَخْلَةٍ الَّتِي نَزَلَ بِسَبَبِها
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآياتُ عَلى أنَّ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ وغَيْرَها ناطِقَةٌ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أنْ يَنْفَصِلَ الأمْرُ غايَةَ الِانْفِصالِ ويَسْتَقِرَّ، رَوى البُخارِيُّ في المَغازِي مِن صَحِيحِهِ والبَغْوِيُّ مِن طَرِيقِهِ وهَذا لَفْظُهُ عَنِ المَرْوانِ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: «كاتَبَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَكانَ ما اشْتَرَطَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لا يَأْتِيكَ أحَدٌ مِنّا وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ إلّا رَدَدْتَهُ إلَيْنا، فَكاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ذَلِكَ، فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أبا جَنْدَلٍ إلى أبِيهِ سُهَيْلُ بْنِ عَمْرٍو، ولَمْ يَأْتِهِ أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا رَدَّهُ في تِلْكَ المُدَّةِ وإنْ كانَ مُسْلِمًا، وجاءَتِ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، وكانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو عاتِقٌ فَجاءَ أهْلُها إلى المَدِينَةِ يَسْألُونَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُرْجِعَها إلَيْهِمْ فَلَمْ يُرْجِعْها إلَيْهِمْ كَما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وقالَ البَغْوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرًا (p-٥١٦)حَتّى إذا كانَ بِالحُدَيْبِيَةِ صالَحَهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى أنَّ مَن أتاهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ رَدَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ مُسْلِمَةً بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الكِتابِ، فَأقْبَلَ زَوْجُها، وكانَ كافِرًا، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأتِي فَإنَّكَ قَدْ شَرَطْتَ أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن أتاكَ مِنّا، وهَذِهِ طِينَةُ الكِتابِ لَمْ تَجِفَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: امْتِحانُها أنْ تُسْتَحْلَفَ أنَّها ما هاجَرَتْ لِبُغْضِ زَوْجٍ ولا عِشْقًا لِرَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ولا رَغْبَةً عَنْ أرْضٍ ولا لِحَدَثٍ أحْدَثَتْهُ ولا التِماسِ الدُّنْيا وما خَرَجَتْ إلّا رَغْبَةً في الإسْلامِ وحُبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، فاسْتَحْلَفَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ فَحَلَفَتْ فَلَمْ يَرُدَّها وأعْطى زَوْجَها ما أنْفَقَ عَلَيْها، فَزَوَّجَها عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ ﷺ يَرُدُّ مَن جاءَهُ مِنَ الرِّجالِ ويَحْبِسُ مَن جاءَهُ مِنَ النِّساءِ بَعْدَ الِامْتِحانِ، ويُعْطِي أزْواجَهُنَّ مُهُورَهُنَّ، ودَعْوى النَّسْخِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ إلّا تُؤَوَّلُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ أنَّ بَعْضَ ما تَناوَلَهُ ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الحُكْمِ مَرْفُوعٌ، وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِإخْلافِ الوَعْدِ فَكَيْفَ بِنَقْضِ العَهْدِ. ولَمّا نَهى عَنْ رَدِّ المُهاجِراتِ (p-٥١٧)إلى المُشْرِكِينَ وعَبَّرَ بِالكُفّارِ تَعْمِيمًا، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُقَدِّمًا حُكْمَهُنَّ تَشْرِيفًا لَهُنَّ لِهِجْرَتِهِنَّ: ﴿لا هُنَّ﴾ أيِ الأزْواجُ ﴿حِلٌّ﴾ أيْ مَوْضِعُ حِلٍّ ثابِتٍ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِلْكُفّارِ بِاسْتِمْتاعٍ ولا غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الحِلِّ الثّابِتِ غَيْرَ مانِعٍ مِن تَجَدُّدِ حِلِّ الرِّجالِ لَهُنَّ ولَوْ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ وفَرْضٍ مِنَ الفُرُوضِ، قالَ مُعِيدًا لِذَلِكَ ومُؤَكِّدًا لِقَطْعِ العَلاقَةِ مِن كُلِّ جانِبٍ: ﴿ولا هُمْ﴾ أيْ رِجالُ الكُفّارِ ﴿يَحِلُّونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أنْ يَحِلُّوا ﴿لَهُنَّ﴾ أيْ لِلْمُؤْمِناتِ حَتّى لَوْ تُصُوِّرَ أنْ يَكُونَ رِجالُهُنَّ نِساءً وهُنَّ ذُكُورًا ما حَلُّوا لَهُنَّ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ، كَذا تَنْفَكُّ المُلازَمَةُ في مَسْألَةِ المُظاهَرَةِ والإيلاءِ فَيَحِلُّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَسْتَمْتِعَ بِهِ إذا كانَ نائِمًا مَثَلًا، وأمّا هو فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: الأُولى لِحُصُولِ الفُرْقَةِ، والثّانِيَةُ لِلْمَنعِ مِنَ الِاسْتِئْنافِ - انْتَهى، فَنَفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مِن وجْهٍ تَجَدُّدَ الحِلِّ لِلنِّساءِ فَأفْهَمَتِ الجُمْلَتانِ عَدَمَ الحَرَجِ فِيما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المُؤْمِناتِ.
ولَمّا نَهى عَنِ الرَّدِّ وعَلَّلَهُ، أمَرَ بِما قَدَّمَ مِنَ الإقْساطِ إلَيْهِمْ (p-٥١٨)فَقالَ: ﴿وآتُوهُمْ﴾ أيِ الأزْواجَ ﴿ما أنْفَقُوا﴾ أيْ عَلَيْهِنَّ مِنَ المُهُورِ فَإنَّ المَهْرَ في نَظِيرِ أصْلِ العِشْرَةِ ودَوامِها وقَدْ فَوَّتَتْها المُهاجِرَةُ فَلا يُجْمَعُ عَلَيْهِ خُسْرانُ الزَّوْجِيَّةِ والمالِيَّةِ، وأمّا الكُسْوَةُ والنَّفَقَةُ فَإنَّها لِما يَتَجَدَّدُ مِنَ الزَّمانِ.
ولَمّا جَزَمَ بِتَأْيِيدِ مَنعِهِنَّ عَنِ الكُفّارِ، أباحَهُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ فَقالَ عَلى وجْهِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ: ﴿ولا جُناحَ﴾ أيْ مَيْلَ وحَرَجَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها المُشَرَّفُونَ بِالخِطابِ ﴿أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ تُجَدِّدُوا زَواجَكم بِهِنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ وإنْ كانَ أزْواجُهُنَّ مِنَ الكُفّارِ لَمْ يُطَلِّقُوهُنَّ لِزَوالِ العَلَقِ مِنهم عَنْهُنَّ ولِأنَّ الإسْلامَ فَرَّقَ بَيْنَهم فَإنَّهُ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. ولَمّا كانَ قَدْ أمَرَ بِرَدِّ مُهُورِ الكُفّارِ، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ مُغْنٍ عَنْ تَجْدِيدِ مَهْرٍ لَهُنَّ إذا نَكَحَهُنَّ المُسْلِمُ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أيْ لِأجْلِ النِّكاحِ ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ ولَمّا قَطَعَ ما بَيْنَ الكُفّارِ والمُسْلِماتِ مَعَ الإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ لِعِصْيانِهِمْ قَطَعَ ما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِراتِ مَعَ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ لِطاعَتِهِمْ رَفْعًا لِشَأْنِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا﴾ ولَمّا كانَ إمْساكُ المَرْأةِ مَعَ عَداوَتِها لِمُخالَفَتِها في الدِّينِ دَلِيلًا عَلى غايَةِ الرَّغْبَةِ فِيها، دَلَّ عَلى ذَلِكَ إشارَةً إلى التَّوْبِيخِ بِالتَّضْعِيفِ في قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ (p-٥١٩)فَقالَ: ﴿تُمْسِكُوا﴾ أيْ بِعَدَمِ التَّصْرِيحِ في الطَّلاقِ ﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ جَمْعِ عِصْمَةٍ وهي ما يُدِيمُ عَلَقَةَ النِّكاحِ ﴿واسْألُوا﴾ أيْ أيُّها المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم إلى الكُفّارِ ﴿ما أنْفَقْتُمْ﴾ أيْ مِن مُهُورِ نِسائِكُمُ اللّاتِي اعْتَصَمْنَ عَنْكم بِهِمْ أوْ فَرَرْنَ إلَيْهِمْ. ولَمّا أمَرَ بِرَدِّ مُهُورِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفّارِ وأذِنَ لِلْمُؤْمِنِينَ في المُطالَبَةِ بِمُهُورِ أزْواجِهِمْ، أذِنَ لِلْكُفّارِ في مِثْلِ ذَلِكَ إيقاعًا لِلْقِسْطِ بَيْنَ عِبادِهِ مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ مُعَبِّرًا بِالأمْرِ مَعَ الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم إعْلامًا بِشِدَّةِ كَراهَتِهِ سُبْحانَهُ لِلظُّلْمِ وأنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الكافِرُ مَعَ عَداوَتِهِ بِالمُؤْمِنِ مَعَ وِلايَتِهِ: ﴿ولْيَسْألُوا﴾ أيِ الكُفّارُ ﴿ما أنْفَقُوا﴾ أيْ مِن مُهُورِ أزْواجِهِمُ اللّاتِي أسْلَمْنَ واعْتَصَمْنَ بِكم عَنْهُمْ، وهَلْ هَذا الحُكْمُ باقٍ، قالَ قَوْمٌ: نَعَمْ، وقالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نُسِخَ فَلا يُعْطِي الكُفّارَ شَيْئًا ولَوْ شَرَطْنا الإعْطاءَ.
ولَمّا كانَ هَذا حُكْمًا عَدْلًا لا يَفْعَلُهُ مَعَ عَدُوِّهِ ووَلِيِّهِ إلّا حَكِيمٌ، قالَ مُشِيرًا إلى مَدْحِهِ تَرْغِيبًا فِيهِ بِمِيمِ الجَمْعِ إلى العُمُومِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ البَعِيدَةِ بِعُلُوِّ الرُّتْبَةِ عَنْ كُلِّ سَفَهٍ ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، فَلا يَنْبَغِي لِشائِبَةِ نَقْصٍ أنْ يَلْحَقَهُ. (p-٥٢٠)ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يُفْرَحُ بِهِ ويُغْتَمُّ عِنْدَ تَقْدِيرِ فَواتِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُبَشِّرًا بِإدامَةِ تَجْدِيدِ أمْثالِهِ لَهُمْ: ﴿يَحْكُمُ﴾ أيِ اللَّهُ أوْ حُكْمُهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، ودَلَّ عَلى اسْتِغْراقِ الحُكْمِ لِجَمِيعِ ما يَعْرِضُ بَيْنَ العِبادِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُهْمِلْ شَيْئًا مِنهُ بِإعْراءِ الجارِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ في هَذا الوَقْتِ وفي غَيْرِهِ عَلى هَذا المِنهاجِ البَدِيعِ، وذَلِكَ لِأجْلِ الهُدْنَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَهُمْ، وأمّا قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُمْسِكُ النِّساءَ ولا يَرُدُّ الصَّداقَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ فَهو لِتَمامِ عِلْمِهِ يُحْكِمُ كُلَّ أُمُورِهِ غايَةَ الإحْكامِ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَ شَيْءٍ مِنها.
الممتحنة 60:11
ولَمّا كانَ المَظْنُونُ بِالكُفّارِ عَدَمَ العَدْلِ فَلا يُعْطُونَ المُؤْمِنِينَ مُهُورَ نِسائِهِمُ الكافِراتِ، قالَ مُداوِيًا لِذَلِكَ الدّاءِ: ﴿وإنْ فاتَكُمْ﴾ أيْ بِالِانْفِلاتِ مِنكم بَعْدَ الهِجْرَةِ أوْ بِإدامَةِ الإقامَةِ في بِلادِ الحَرْبِ ﴿شَيْءٌ﴾ أيْ قَلَّ أوْ كَثُرَ ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِن أنْفُسِهِنَّ أوْ مُهُورِهِنَّ ﴿إلى﴾ أيْ مُتَحَيِّزًا أوْ واصِلًا إلى ﴿الكُفّارِ﴾ فَعَجَزْتُمْ عَنْهُ ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أيْ تَمَكَّنْتُمْ مِنَ المُعاقَبَةِ بِأنْ فاتَ الكُفّارَ شَيْءٌ مِن أزْواجِهِمْ بِالهِجْرَةِ إلَيْكم أوِ اغْتَنَمْتُمْ (p-٥٢١)مِن أزْواجِ الكُفّارِ فَجاءَتْ نَوْبَةُ ظَفَرِكم بِأداءِ المَهْرِ إلى إخْوانِكم طاعَةً وعَدْلًا عَقِبَ نَوْبَتِهِمُ الَّتِي اقْتَطَعُوا فِيها ما أنْفَقْتُمْ عِصْيانًا وظُلْمًا ﴿فَآتُوا﴾ أيْ فَأحْضِرُوا وأعْطُوا مِن مَهْرِ المُهاجِرَةِ ﴿الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ﴾ أيْ مِنكم إنِ اخْتارُوا الأخْذَ ﴿مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ عَلى الكافِرَةِ الفائِتَةِ إلى الكُفّارِ مِمّا غَنِمْتُمْ مِن أمْوالِهِمْ أوْ بِأنْ تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ مِثْلَ مَهْرِ أزْواجِهِمْ مِمّا كُنْتُمْ تُعْطُونَهُ لِأزْواجِ المُهاجِراتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَزاءً وقِصاصًا لِما فَعَلَ الكُفّارُ.
ولَمّا كانَ التَّجَزِّي في مِثْلِ ذَلِكَ عَسِرًا عَلى النَّفْسِ فَإنَّ المُهُورَ تَتَفاوَتُ تارَةً وتَتَساوى تارَةً أُخْرى وتارَةً تَكُونُ نُقُودًا وتارَةً تَكُونُ عُرُوضًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ مَعَ أنَّ المُعامَلَ عَدُوٌّ في الدِّينِ فَلا يَحْمِلُ عَلى العَدْلِ فِيهِ إلّا خالِصُ التَّقْوى قالَ: ﴿واتَّقُوا﴾ أيْ في الإعْطاءِ والمَنعِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وقَدْ أمَرَكم بِالتَّخَلُّقِ بِصِفاتِهِ عَلى قَدْرِ ما تُطِيقُونَ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُؤَكِّدُ صُعُوبَةَ الأمْرِ ويَحُثُّ عَلى العَدْلِ فَقالَ مُلْهِبًا لَهم كُلَّ الإلْهابِ هازًّا لَهم بِالوَصْفِ بِالرُّسُوخِ في الإيمانِ: (p-٥٢٢)﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ مُتَمَكِّنُونَ في رُتْبَةِ الإيمانِ.
الممتحنة 60:12
ولَمّا خاطَبَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم مَوْضِعُ الذَّبِّ والحِمايَةِ والنُّصْرَةِ بِما وطَّنَ بِهِ المُؤْمِناتِ في دارِ الهِجْرَةِ فَوَقَعَ الِامْتِحانُ وعُرِفَ الإيمانُ، أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ الحُكْمِ بِإيمانِهِنَّ بِمُبايَعَتِهِنَّ فَقالَ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ مُخاطِبًا لَهُ بِالوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ، ودَلَّ عَلى تَحَقُّقِ كَوْنِ ما يُخْبِرُ بِهِ مِن مَجِيئِهِنَّ بِأداةِ التَّحْقِيقِ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ فَقالَ: ﴿إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾ جَعَلَ إقْبالَهُنَّ عَلَيْهِ ﷺ لا سِيَّما مَعَ الهِجْرَةِ مُصَحِّحًا لِإطْلاقِ الوَصْفِ عَلَيْهِنَّ ﴿يُبايِعْنَكَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ تُبايِعُ ﴿عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ﴾ أيْ يُوقِعْنَ الإشْراكَ لِأحَدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِن إشْراكٍ عَلى الإطْلاقِ.
ولَمّا كانَ الشِّرْكُ بَذْلَ حَقِّ المَلِكِ لِمَن لا يَسْتَحِقُّهُ، أتْبَعَهُ أخْذَ مالِ المالِكِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِاقْتِضاءِ الحالِ لِذَلِكَ بِتَمَكُّنِ المَرْأةِ مِنَ اخْتِلاسِ مالِ الزَّوْجِ وعُسْرِ تَحَفُّظِهِ مِنها فَقالَ: ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾ أيْ يَأْخُذْنَ مالَ الغَيْرِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ في خُفْيَةٍ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بَذْلَ حَقِّ الغَيْرِ لِغَيْرِ أهْلِهِ فَقالَ: ﴿ولا يَزْنِينَ﴾ أيْ يُمَكِنَّ أحَدًا مِن وطْئِهِنَّ بِغَيْرِ عَقْدٍ صَحِيحٍ.
ولَمّا كانَ الزِّنى قَدْ يَكُونُ سَبَبًا في إيجادِ أوْ إعْدامِ نَسَمَةٍ بِغَيْرِ حَقِّها، أتْبَعَهُ إعْدامَ (p-٥٢٣)نَسَمَةٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَقالَ: ﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ أيْ بِالوَأْدِ كَما تَقَدَّمَ في النَّحْلِ وسَواءٌ في ذَلِكَ كَوْنُهُ مِن زِنًى أوْ لا.
ولَمّا ذَكَرَ إعْدامَ نَسَمَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ولا وجْهٍ شَرْعِيٍّ أتْبَعَهُ ما يَشْمَلُ إيجادَ نَسَمَةٍ بِغَيْرِ حِلٍّ، فَقالَ مُقَبِّحًا لَهُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ عَنْهُ بِالبُهْتانِ وما مَعَهُ بِالتَّصْوِيرِ لَهُ بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ لِأنَّ اسْتِحْضارَ القَبِيحِ وتَصْوِيرَ صُورَتِهِ أزْجَرُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ﴾ أيْ ولَدٍ مِن غَيْرِ الزَّوْجِ يَبْهَتُ مِن إلْحاقِهِ بِهِ حَيْرَةً في نَفْيِهِ عَنْهُ ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾ أيْ يَتَعَمَّدْنَ كَذِبَهُ، وحَقَّقَ المُرادَ بِهِ وصَوَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِنَّ﴾ أيْ بِالحَمْلِ في البُطُونِ ﴿وأرْجُلِهِنَّ﴾ أيْ بِالوَضْعِ مِنَ الفُرُوجِ ولِأنَّ عادَةَ الوَلَدِ مَعَ أنَّهُ يَسْقُطُ بَيْنَ أيْدِي أُمِّهِ ورِجْلَيْها أنَّهُ يَمْشِي أمامَها، وهَذا شامِلٌ لِما كانَ مِن شُبْهَةٍ أوْ لُقْطَةٍ. ولَمّا حَقَّقَ هَذِهِ الكَبائِرَ العَظِيمَةَ تَعْظِيمًا لِأمْرِها لِعُسْرِ الِاحْتِرازِ مِنها، وأكَّدَ النَّهْيَ عَنِ الزِّنى مُطابَقَةً وإلْزامًا لِما يَجُرُّ إلَيْهِ مِنَ الشُّرُورِ القَتْلُ فَما دُونَهُ، وغَلَّظَ أمْرَ النَّسَبِ لِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن إيقاعِ الشُّبُهاتِ (p-٥٢٤)وانْتِهاكِ الحُرُماتِ، عَمَّ في النَّهْيِ فَقالَ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ﴾ أيْ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ أيَّ فَرْدٍ كانَ مِنهُ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا، وفي ذِكْرِهِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ ﷺ لا يَأْمُرُ إلّا بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، وقَدَّمَ المَنهِيّاتِ عَلى المَأْمُوراتِ المُسْتَفادَةِ مِنَ المَعْرُوفِ لِأنَّ التَّخَلِّيَ عَنِ الرَّذائِلِ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحَلِّي بِالفَضائِلِ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ: ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ أيِ التَزِمْ لَهُنَّ بِما وعَدْتَ عَلى ذَلِكَ مِن إعْطاءِ الثَّوابِ لِمَن وفَتْ مِنهُنَّ في نَظِيرِ ما ألْزَمْنَ أنْفُسَهُنَّ مِنَ الطّاعَةِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ لا سِيَّما النِّسْوانُ رَجّاهُنَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ﴾ أيِ اسْألْ ﴿لَهُنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ذا الجَلالِ والإكْرامِ في الغُفْرانِ إنْ وقَعَ مِنهُنَّ تَقْصِيرٌ وهو واقِعٌ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
ولَمّا كانَتْ عَظَمَتُهُ سُبْحانَهُ مانِعَةً لِعَظِيمِ الهَيْبَةِ مِن سُؤالِهِ ما طَمَّعَ بِهِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُعِيدًا الِاسْمَ الأعْظَمَ لِئَلّا يُظَنَّ بِإضْمارِهِ وتَقَيُّدِهِ بِحَيْثِيَّةِ الهِجْرَةِ مِنَ النِّساءِ ونَحْوِ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما طُبِعَ الآدَمِيُّ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَكادُ يَتْرُكُ المُسِيءَ مِن عِقابٍ أوْ عِتابٍ فَضْلًا عَنِ التَّفْضِيلِ بِزِيادَةِ الإكْرامِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الجَلالِ والإكْرامِ فَلَوْ أنَّ النّاسَ لا يُذْنِبُونَ (p-٥٢٥)لَجاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم لِتَظْهَرَ صِفَةُ إكْرامِهِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بالِغُ السَّتْرِ لِلذُّنُوبِ عَيْنًا وأثَرًا ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ الإكْرامِ بَعْدَ الغُفْرانِ فَضْلًا مِنهُ وإحْسانًا، وقَدْ حَقَّقَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ وصَدَقَ، ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، «فَأقْبَلَ النِّساءُ لِلْبَيْعَةِ عامَّةً ثانِيَ يَوْمِ الفَتْحِ عَلى الصَّفا بَعْدَ فَراغِهِ ﷺ مِن بَيْعَةِ الرِّجالِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهو عَلى الصَّفا فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ أسْفَلَ مِنهُ يُبايِعُهُنَّ بِأمْرِهِ ويُبْلِغُهُنَّ عَنْهُ وهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ مُنْتَقِبَةٌ مُتَنَكِّرَةٌ مَعَ النِّساءِ خَوْفًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَعْرِفَها، فَلَمّا ذَكَرَ الشِّرْكَ قالَتْ: واللَّهِ إنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيْنا أمْرًا ما رَأيْناكَ أخَذْتَهُ عَلى الرِّجالِ، وبايَعَ الرِّجالُ يَوْمَئِذٍ عَلى الإسْلامِ والجِهادِ، فَقالَ ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾ فَقالَتْ: إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وإنِّي أُصِيبُ مِن مالِهِ هَناتٍ فَلا أدْرِي أيَحِلُّ لِي أمْ لا؟ فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ مِن شَيْءٍ فِيما مَضى وفِيما غَيْرُ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَرَفَها فَقالَ: وإنَّكِ لَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، قالَتْ: نَعَمْ، فاعْفُ عَنِّي ما سَلَفَ عَفا اللَّهُ عَنْكَ، فَقالَ: ﴿ولا يَزْنِينَ﴾ فَقالَتْ: أوَ تَزْنِي الحُرَّةُ، فَقالَ ﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ فَقالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا وقَتَلْتُمُوهم كِبارًا وأنْتُمْ وهم أعْلَمُ، وكانَ ابْنُها حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ (p-٥٢٦)قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَضَحِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى اسْتَلْقى وتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ البُهْتانَ وهو أنْ تَقْذِفَ ولَدًا عَلى زَوْجِها لَيْسَ مِنهُ، قالَتْ هِنْدٌ: واللَّهِ إنَّ البُهْتانَ لَقَبِيحٌ وما تَدْعُونا إلّا إلى الرُّشْدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فَقالَ ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ فَقالَتْ: ما جَلَسْنا مَجْلِسَنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ في شَيْءٍ، وما مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأةٍ لا تَحِلُّ لَهُ، وكانَتْ أسْماءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ في المُبايِعاتِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعْكَ، فَقالَ: إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ لَكِنْ آخُذُ عَلَيْهِنَّ»، وعَنِ الشَّعْبِيِّ «أنَّهُ ﷺ دَعا بِقَدَحٍ مِن ماءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ غَمَسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ، وعَنْهُ أنَّهُ ﷺ لَقَّنَهُنَّ في المُبايَعَةِ”فِيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطَقْتُنَّ“فَقالَتِ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِن أنْفُسِنا» .
الممتحنة 60:13
ولَمّا ذَكَرَ ما أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ في المُبايِعاتِ بَعْدَ أنْ عَدَّ الَّذِينَ آمَنُوا أصْلًا في امْتِحانِ المُهاجِراتِ فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ تَوَلِّيَ النِّساءِ مَعَ أنَّهُ لا ضَرَرَ فِيهِنَّ بِقِتالٍ ونَحْوِهِ لا يَسُوغُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِإيمانِهِنَّ، وكانَ الخَتْمُ بِصِفَتَيِ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ مِمّا جَرَّأهُ عَلى مُحاباةِ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضِ الكُفّارِ مِن أزْواجٍ أوْ غَيْرِهِمْ لِقَرابَةٍ أوْ غَيْرِها لِعِلَّةٍ يُبْدِيها الزَّوْجُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، كَرَّرَ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِالبَراءَةِ مِن كُلِّ عَدُوٍّ، رَدًّا لِآخِرِ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها تَأْكِيدًا لِلْإعْراضِ عَنْهم وتَنْفِيرًا (p-٥٢٧)مِن تَوَلِّيهِمْ كَما أفْهَمَتْهُ آيَةُ المُبايَعَةِ وآيَةُ الِامْتِحانِ، فَقالَ مُلَذِّذًا لَهم بِالإقْبالِ بِالخِطابِ كَما فَعَلَ أوَّلَها بِلَذِيذِ العِتابِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
ولَمّا كانَ المَيْلُ عَنِ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ عَلى خِلافِ ما تَأْمُرُ بِهِ الفِطْرَةُ الأُولى فَلا يَكُونُ إلّا عَنْ مُعالَجَتِها، عَبَّرَ بِالتَّفَعُّلِ كَما عَبَّرَ بِهِ أوَّلَ السُّورَةِ بِالِافْتِعالِ فَقالَ: ﴿لا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ تُعالِجُوا أنْفُسَكم أنْ تَتَوَلَّوْا ﴿قَوْمًا﴾ أيْ ناسًا لَهم قُوَّةٌ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ فَغَيْرُهم مِن بابِ الأوْلى ﴿غَضِبَ اللَّهُ﴾ أيْ أوْقَعَ المَلِكُ الأعْلى الغَضَبَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ لِإقْبالِهِمْ عَلى ما أحاطَ بِهِمْ مِنَ الخَطايا فَهو عامٌّ في كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ يَتَناوَلُ اليَهُودَ تَناوُلًا أوَّلِيًّا.
ولَمّا كانَ السّامِعُ لِهَذا يَتَوَقَّعُ بَيانَ سَبَبِ الغَضَبِ، قالَ مُعَلِّلًا ومُبَيِّنًا أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ يُرْجى وإنْ ظَهَرَ خِلافُ ذَلِكَ: ﴿قَدْ يَئِسُوا﴾ أيْ تَحَقَّقُوا عَدَمَ الرَّجاءِ ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَهم مِنها خَيْرٌ ما لِإحاطَةِ مَعاصِيهِمْ بِهِمْ أوْ لِعَدَمِ اعْتِقادِهِمْ لِقِيامِها ولا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، فَيُوشِكُ مَن والاهم يُكْتَبُ مِنهم فَيَحِلُّ بِهِمُ الغَضَبُ ﴿كَما يَئِسَ﴾ مِن نَيْلِ الخَيْرِ مِنها ﴿الكُفّارُ﴾ ولَمّا كانَ مَن ماتَ فَصارَ أهْلًا لِلدَّفْنِ كُشِفَ لَهُ عَنْ أحْوالِ القِيامَةِ فَعَرَفَ أنَّهُ ناجٍ أوْ هالِكٌ، وكانَ المَوْتى أعَمَّ مِنَ الكُفّارِ، ومَوْتى الكُفّارِ أعَمَّ مِمَّنْ يُدْفَنُ مِنهم فَقالَ: (p-٥٢٨)﴿مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ فَإنَّ الكُفّارَ مِنهم قَدْ عَلِمُوا يَأْسَهم مِن حُصُولِ الخَيْرِ مِنها عِلْمًا قَطْعِيًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ابْتِدائِيَّةً فَيَكُونَ المَعْنى: كَما يَئِسَ عُبّادُ الأوْثانِ مِن لِقاءِ مَن ماتَ، فَدُفِنَ بِاعْتِقادِ أنَّهُ لا اجْتِماعَ بَيْنَهم أصْلًا لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ بَعْثُهُ لا إلى الدُّنْيا ولا إلى الآخِرَةِ لِأنَّهُ لا آخِرَةَ عِنْدَهم أصْلًا لا سِيَّما إنْ كانَ مَدْفُونًا في قَبْرٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ الظّاهِرُ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الَّذِي أيْأسَهم تَغْطِيَةُ الدَّلائِلِ مَعَ وُضُوحِها لَوْ أنْصَفُوا، فَلا تَتَوَلَّوْا مَن هَذِهِ صِفَتُهُ فَيَكُونُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ما بَيْنَ القَرِيبِ مَعَ قَرِيبِهِ مِن تَوَلِّي كُلٍّ مِنهم مِنَ الآخَرِ ما يَتَوَلّاهُ القَرِيبُ الصَّدِيقُ لِقَرِيبِهِ فَإنَّ تَوَلِّيَهم ضَرَرٌ لا نَفْعَ فِيهِ فَإنَّ مَن غَضِبَ عَلَيْهِ المَلِكُ الشَّهِيدُ لِكُلِّ حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ لا يُفْلِحُ هو ولا مَن تَوَلّاهُ، وأقَلُّ ما في وِلايَتِهِ مِنَ الضَّرَرِ أنَّها تَنْقَطِعُ المُعاوَنَةُ فِيها، والمُشارَكَةُ بِالمَوْتِ وإنْ كانَ بَعْدَ المَوْتِ مُشارَكَةٌ فَفي العَذابِ الدّائِمِ المُسْتَمِرِّ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ عَنْهم والخِزْيِ اللّازِمِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ هَذا الآخِرَ هو أوَّلُها، وهَذا المُوصِلَ مُفْصَلَها، فَسُبْحانَهُ مَن أنْزَلَهُ كِتابًا مُعْجِزًا حَكِيمًا، وقُرْآنًا مُوجَزًا جامِعًا عَظِيمًا.
الصف 61:1
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الصَّفِّ وتُسَمّى الحَوارِيِّينَ.
مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى الِاجْتِهادِ التّامِّ في الِاجْتِماعِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ في جِهادِ مَن دَعَتِ المُمْتَحِنَةُ إلى البَراءَةِ مِنهُمْ، بِحَمْلِهِمْ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، أوْ مُحَقُّهم عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ أقْصى المُحِقِّ، تَنْزِيهًا لِلْمَلِكِ الأعْلى عَنِ الشِّرْكِ، وصِيانَةً لِجَنابِهِ الأقْدَسِ عَنِ الإفْكِ، ودَلالَةً عَلى الصِّدْقِ في البَراءَةِ مِنهم والعَداوَةِ لَهُمْ، فَهي نَتِيجَةُ سُورَةِ التَّوْبَةِ، وأدَلُّ عَمّا فِيها عَلى هَذا المَقْصِدِ الصَّفِّ بِتَأمُّلِ آيَتِهِ، وتَدَبُّرِ ما لَهُ مِن جَلِيلِ النَّفْعِ في أوَّلِهِ وأثْنائِهِ [وغايَتِهِ]، وكَذا الحَوارِيُّونَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لِأنَّهُ لا كُفْءَ لَهُ ”الرَّحْمَنُ“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ البَيانِ عَمّا يُرْضِيهِ مِمَّنْ شاقَّهُ، فَقَدْ شَرَّعَ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَرُدَّهُ أوْ يَقْبَلَهُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ بِإتْمامِ الإنْعامِ المُوصِلِ إلى دارِ السَّلامِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ فَهَيَّأهُ لِذَلِكَ وأهَّلَهُ.
* *
(p-٢)لَمّا خُتِمَتِ المُمْتَحِنَةُ بِالأمْرِ بِتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ تَوَلِّي مَن يُخالِفُ أمْرَهُ بِالتَّوَلِّي عَنْهم والبَراءَةِ مِنهُمُ اتِّبِاعًا لِأهْلِ الصّافّاتِ المُتَجَرِّدِينَ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ لا سِيَّما عَمَّنْ كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، افْتُتِحَتِ الصَّفُّ بِما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ أيْ: أوْقَعَ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي لا يَغْفَلُ مِن أفْلاكِها ونُجُومِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَواهِرِها وأعْراضِها في طُلُوعِها وأُفُولِها وسَيْرِها في ذَهابِها ورُجُوعِها وإنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المِياهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ غَيْرِ الخُلَّصِ أكَّدَهُ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ بِامْتِثالِ جَمِيعِ ما يُرادُ مِنهُ مِمّا هو كالمَأْمُورِ بِالنِّسْبَةِ إلى أفْعالِ العُقَلاءِ مِن نُزُولِ المِياهِ وإخْراجِ النَّباتِ مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ وإنْضاجِ الحُبُوبِ والثِّمارِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الصِّغارِ والكِبارِ.
ولَمّا كانَ امْتِثالُ غَيْرِ العاقِلِ وعِصْيانُ العاقِلِ رُبَّما أوْهَمَ نَقْصًا قالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ العَظِيمِ النَّفْعِ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، ويَعْسُرُ الوُصُولُ [إلَيْهِ] ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أتْقَنِ مَواضِعِها، فَما مَكَّنَ العاقِلُ مِنَ المَعْصِيَةِ إلّا لِإظْهارِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحُلْمِ والكَرَمِ والرَّحْمَةِ (p-٣)والغَضَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ عَلِمَ بِهَذا التَّنْزِيهِ وخَتَمَ آيَتَهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَمّا تَضَمَّنَهُ يَأْسُ الكُفّارِ المَذْكُورِ [مِن] أنَّهُ لا بَعْثَ وعَنْ أنْ يَجْعَلَ سُبْحانَهُ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ لِأنَّ كُلًّا مِن عَدَمِ البَعْثِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُسِيءِ والمُحْسِنِ نَقْصٌ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: افْتُتِحَتْ بِالتَّسْبِيحِ لِما خُتِمَتْ بِهِ سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] وهُمُ اليَهُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإيماءُ إلى ما اسْتَوْجَبُوا بِهِ هَذا فَأتْبَعَ بِالتَّنْزِيهِ لِما تَقَدَّمَ بَيانُهُ فَإنَّهُ مِمّا تَعَقَّبَ بِهِ ذِكْرَ جَرائِمِ المُرْتَكَباتِ ولا يَرِدُ في غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأمْرِ العِبادِ بِالوَفاءِ وهو الَّذِي حَدَّ لَهم في المُمْتَحِنَةِ لِيَتَنَزَّهُوا عَنْ حالِ مُسْتَوْجِبِي الغَضَبِ بِنَقِيضِ الوَفاءِ والمُخالَفَةِ بِالقُلُوبِ [والألْسِنَةِ] ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [النور: ٤٧] وبِمَجْمُوعِ هَذا اسْتَجْمَعُوا اللَّعْنَةَ والغَضَبَ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] احْذَرُوا أنْ تُشْبِهَ أحْوالُكم حالَ مَنِ اسْتَحَقَّ المَقْتَ واللَّعْنَةَ والغَضَبَ، ثُمَّ أتْبَعَ بِحُسْنِ الجَزاءِ لِمَن وفّى قَوْلًا وعَقْدًا ولِسانًا وضَمِيرًا، وثَبَتَ عَلى [ما] أمَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ (p-٤)صَفًّا﴾ [الصف: ٤] الآيَةُ ثُمَّ تَناسَجَ ما بَعْدُ. ولَمّا كانَ الوارِدُ مِن هَذا الغَرَضِ في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ قَدْ جاءَ عَلى طَرِيقِ الوَصِيَّةِ وسَبِيلِ النُّصْحِ والإشْفاقِ، أتْبَعَ في سُورَةِ الصَّفِّ بِصَرِيحِ العَتَبِ في ذَلِكَ والإنْكارِ لِيَكُونَ بَعْدَ [ما] تُمَهِّدُ في السُّورَةِ قَبْلَ أوْقَعُ في الزَّجْرِ، وتَأمَّلْ كَمْ بَيْنَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ اللُّطْفِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] - انْتَهى.
الصف 61:2
ولَمّا تَقَدَّمَتْ في المُمْتَحِنَةِ قِصَّةُ الفَتْحِ الأعْظَمِ في شَأْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجُلَّ مُنابَذَةَ الكَفّارِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ عِلْمًا عَلى صِحَّةِ الهِجْرَةِ وادَّعى التَّجَرُّدَ لِجِهادِ أعْداءِ اللَّهِ، وقِصَّةُ الفَتْحِ السَّبَبِيِّ مِن تَحْرِيمِ المُؤْمِناتِ عَلى المُشْرِكِينَ وتَحْرِيمِ المُشْرِكِينَ عَلى المُؤْمِناتِ في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، وأبْدى سُبْحانَهُ في ذَلِكَ مِنَ الصَّنائِعِ الَّتِي تَعْجَزُ قُوى الخَلْقِ عَنْها أنَّ رُتَبَ ما في الفَتْحِ السَّبَبِيِّ عَلى ما في الفَتْحِ الفِعْلِيِّ الحَقِيقِيِّ، فَجَعَلَ الأوَّلَ في الزَّمانِ آخِرَ في الرُّتْبَةِ والآخَرَ في الزَّمانِ أوَّلًا في الرُّتْبَةِ مَعَ شِدَّةِ الإحْكامِ في تَرْصِيفِ النِّظامِ والبُلُوغِ في الرَّشاقَةِ والِانْسِجامِ إلى حَدٍّ لا يُطِيقُهُ نَوافِذُ الأفْهامِ مَعَ بَداعَةِ المَعانِي ومَتانَةِ المَبانِي، وكانَ فِعْلُ مَن ناصَحَ الكُفّارَ مِمَّنْ أمِنَ بِلِسانِهِ وأذْعَنَ بِجَنانِهِ وهاجَرَ بِأرْكانِهِ نَوْعُ مُناصَحَةِ (p-٥)فِعْلِ مِن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ [فِي مُنابَذَتِهِمْ والتَّجَرُّدِ بِعَداوَتِهِمْ، فَذَكَرَ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَنْزِيهِهِ بِألْسِنَةِ أحْوالِ ما لا يَعْقِلُ] ما يَخْجَلُ المُسْلِمُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَأْدِيبًا لِأمْثالِهِ، وتَدْرِيبًا لِمَن يُلِمُّ بِشَيْءٍ مِنَ المُخالَفَةِ بِبالِهِ، وكانَ العاقِلُ أوْلى مَن غَيْرِهِ بِتَنْزِيهِ جَنابِ القُدْسِ بِالطّاعَةِ، فَكَيْفَ [إذا] كانَ مِمَّنْ أقَرَّ بِالإيمانِ وتَقَلَّدَ عُهْدَةَ الإذْعانِ، وكانَ مَن عَصى مِنهم مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِمُخالَفَةِ قَوْلِهِ لِفِعْلِهِ، ومَن نَزَّهَهُ حَقَّ تَنْزِيهِهِ لَمْ يُقَصِّرْ في حَقٍّ مِن حُقُوقِهِ بِتَضْيِيعِ شَيْءٍ مِن أوامِرِهِ كَما أنَّ تَنْزِيهَ ما لا يَعْقِلُ بِأنْ لا يُخالِفُ شَيْئًا مِن مُرادِهِ، قالَ مُرْهِبًا بِنِداءِ البُعْدِ والتَّوْبِيخِ الَّذِي مِن مَبادِئِ الغَضَبِ والإنْكارِ بِالِاسْتِفْهامِ والتَّعْبِيرِ بِما يَفْهَمُ أدْنى مَراتِبِ الإيمانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوُا الإيمانَ ﴿لِمَ﴾ قالَ في الكَشّافِ: هي لامُ الإضافَةِ داخِلَةٌ عَلى ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ كَما دَخَلَ عَلَيْها غَيْرُها مِن حُرُوفِ الجَرِّ في بِمَ وفِيمَ ومِمَّ وعَمَّ وإلامَ وعَلامَ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ لِأنَّ ”ما“ والحَرْفُ كَشَيْءٍ واحِدٍ، ووَقَعَ اسْتِعْمالُها بِزِيادَةِ هاءِ السَّكْتِ أوِ الإسْكانِ، ومَن أسْكَنَ في الوَصْلِ فَلِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ كَما سُمِعَ ثَلاثَهْ أرْبَعَهْ بِالهاءِ وإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها مَحْذُوفَةً، وقالَ الرَّضِيُّ في المَوْصُولِ: إنَّها حُذِفَتْ لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ ولَمْ يُمْكِنْ تَأْخِيرُ الجارِّ عَنْها فَقَدَّمَ ورَكَّبَ (p-٦)مَعَها [حَتّى] يَصِيرَ المَجْمُوعُ مَوْضُوعَةً لِلِاسْتِفْهامِ، فَلا يَسْقُطُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ مَرْتَبَةِ الصَّدْرِ، وجَعَلَ حَذْفَ الألِفِ دَلِيلَ التَّرْكِيبِ ﴿تَقُولُونَ﴾ أيْ مِن دَعْوى الإيمانِ الَّتِي مُقْتَضاها إلْزامُ الإخْلاصِ في جَمِيعِ الأحْوالِ ﴿ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أيْ ما لا تُصَدِّقُونَهُ بِالفِعْلِ الَّذِي يَكُونُ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ والقُوَّةِ فَتَتَّخِذُوا العَدُوَّ ولِيًّا بِالإقْبالِ عَلَيْهِ وإرْسالِ التَّنَصُّحِ إلَيْهِ وقَدْ تَلَفَّظْتُمْ بِالإيمانِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ المُعاداةَ لِكُلِّ مَن كَفَرَ، وخَلَفَ الوَعْدَ في نَفْسِهِ [قَبِيحٌ] ومَعَ الخالِقِ أقْبَحُ.
الصف 61:3
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُهْلِكًا، رَحِمَ المُخاطَبِينَ بِتَعْظِيمِهِ لِيَنْجُوا [أنْفُسَهُمْ] بِالكَفِّ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَبُرَ﴾ فَقَصَدَ بِهِ التَّعْجِيبَ وهو تَعْظِيمُ الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ لِأنَّ التَّعَجُّبَ لا يَكُونُ إلّا في أمْرٍ خارِجٍ عَنْ نَظائِرِهِ وأشْكالِهِ، وفَسَّرَ ما قَصَدَ مِنهُ لِلدَّلالَةِ عَلى خُلُوصِهِ في المَقْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقْتًا﴾ أيْ عَظْمًا جِدًّا وما أعْظَمَهُ مِن بُغْضِ هو أشَدُّ البُغْضِ، وزادَ في تَبْشِيعِهِ زِيادَةً في التَّنْفِيرِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي يُحَقِّرُ عِنْدَهُ كُلَّ مُتَعاظِمٍ. ولَمّا أبْلَغَ في تَبْشِيعِهِ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ ذَلِكَ قالَ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أيْ عَظْمٌ مِن تِلْكَ الجِهَةِ (p-٧)أنْ يَقَعَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ حالٍ مِنَ الأحْوالِ قَوْلُكم ﴿ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وقالَ القُشَيْرِيُّ: [ويُقالُ]: لَمْ يَتَوَعَّدِ اللَّهَ عَلى زِلَّةٍ بِمِثْلِ ما تَوَعَّدَ عَلى هَذا - انْتَهى. وكُلُّ ما ذَكَرُوهُ في سَبَبِها صالِحٌ لِلسَّبَبِيَّةِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَوْ نَدْرِي أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لاجْتَهَدْنا فِيهِ ثُمَّ ولَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ، وتَوانى بَعْضُهم في الجِهادِ، وكَوْنُصُهَيْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا آذى المُسْلِمِينَ وأنْكى فِيهِمْ وادَّعى غَيْرُهُ أنَّهُ قَتَلَهُ فَأعْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عُمَرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِصُهَيْبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ]: أخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّكَ قَتَلْتَهُ، فَقالَ صُهَيْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما قَتَلْتُهُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، فَأخْبَرَ عُمَرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أكَذَلِكَ أبا يَحْيى، فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ والتِزامِ المُنافِقِينَ أحْكامَ الإسْلامِ، وتَخَلُّفِهِمْ إخْلافًا في الأُمُورِ العِظامِ، وكَذا قِصَّةُحاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الصف 61:4
ولَمّا عَظُمَ ما يَكْرَهُهُ بَعْدَ ما ألْهَبَ بِهِ مِن تَنْزِيهِ غَيْرِ العاقِلِ، فَكانَ العاقِلُ جَدِيرًا بِأنْ يَسْألَ عَمّا يُحِبُّهُ لِيُنَزِّهَهُ بِهِ، قالَ ذاكِرًا الغايَةَ الَّتِي هي أمْ جامِعَةٌ [لِكُلِّ] ما قَبْلَها مِنَ المَحاسِنِ، مُؤَكِّدًا لِأنَّ الخِطابَ مَعَ مَن قَصَرَ أوْ [هُوَ] في حُكْمِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ (p-٨)الكَمالِ ﴿يُحِبُّ﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ مَعَ ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ القِتالَ ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِهِ المُوَصِّلَةِ إلى رِضاهُ إيقاعًا مَظْرُوفًا لِلسَّبِيلِ، لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُ كَشَيْءٍ خارِجٍ عَنْهُ، فَيُقاتِلُونَ أعْداءَ الدِّينِ مِنَ الشَّيْطانِ بِالذِّكْرِ القَلْبِيِّ واللِّسانِ، والإنْسانِ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ ﴿صَفًّا﴾ أيْ مُصْطَفِّينَ حَتّى كَأنَّهم في اتِّحادِ المُرادِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ كَما كانُوا في التَّساوِي في الِاصْطِفافِ كالبَدَنِ الواحِدِ.
ولَمّا كانَ الِاصْطِفافُ يَصْدُقُ مَعَ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ اليَسِيرِ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حالًا بَعْدَ حالٍ: ﴿كَأنَّهُمْ﴾ أيْ مِن شِدَّةِ التَّراصِّ والمُساواةِ بِالصُّدُورِ والمَناكِبِ والثَّباتِ في المَراكِزِ ﴿بُنْيانٌ﴾ وزادَ في التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَرْصُوصٌ﴾ أيْ عَظِيمُ الِاتِّصالِ شَدِيدُ الِاسْتِحْكامِ كَأنَّما رُصَّ بِالرَّصاصِ فَلا فُرْجَةَ فِيهِ ولا خَلَلَ، فَإنَّ مَن كانَ هَكَذا كانَ جَدِيرًا بِأنْ لا يُخالِفُ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِ شَيْئًا مِن أقْوالِهِ، فالرَّصُّ إشارَةٌ إلى اتِّحادِ القُلُوبِ والنِّيّاتِ في مُوالاةِ اللَّهِ ومُعاداةِ مَن عاداهُ المُنْتِجُ لِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ في الصَّلاةِ الَّتِي هي مُحارَبَةُ الشَّيْطانِ، والحَرْبُ الَّتِي هي مُقارَعَةُ حِزْبِهِ أُولى الطُّغْيانِ، والأفْعالُ الَّتِي هي ثَمَراتِ الأبْدانِ.
الصف 61:5
(p-٩)ولَمّا كانَ التَّخَلُّفُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى والغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ يُؤَدِّي تَرْكُهُ إلى التَّهاوُنِ بِهِ والإخْلالِ بِأدَبٍ مِن آدابِهِ مُوجِبًا لِلْكَوْنِ في صَفِّ الشَّيْطانِ ومُفارَقَةِ حِزْبِ الرَّحْمَنِ، فَيَكُونُ أذى الرَّسُولِ ﷺ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ الشَّقاءَ كُلَّهُ لِأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَجُرَّ إلى أكْبَرِ مِنهُ إلى أنْ تُحِيطَ الخَطايا فَتُبِيحُ الرَّزايا، وكانَ لِلتَّذْكِيرِ بِالمُشاهَداتِ والأُمُورِ الواقِعاتِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ في التَّأْدِيبِ ومَرْجِعِ التَّرْهِيبِ، ذَكَرَ بِما كانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ تَرْهِيبًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ، لِئَلّا يُوقِعَ في نَكالِهِمْ، حِينَ تَقاعَسُوا عَمّا أمَرُوا بِهِ مِن فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى غَضِبَ مِن فِعْلِهِمْ ذَلِكَ فَسَمّاهم فاسِقِينَ وضَرَبَهم بِالتِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأماتَ في تِلْكَ الأرْبَعِينَ كُلَّ مَن تَوانى مِنهم في ذَلِكَ، فَلَمْ يَدْخُلْ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِنهم أحَدٌ، فَحَرَّمُوا البِلادَ الَّتِي تَقاعَدُوا عَنْ فَتْحِها، وهي بَعْدُ مَكَّةُ والمَدِينَةُ خَيْرُ بِلادِ اللَّهِ تَعالى ومُهاجِرُ أبِيهِمْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَواطِنُ أبَوَيْهِما إسْحاقُ ويَعْقُوبُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْزَهُ الأرْضِ، وأكْثَرُها خَيْرًا وأبْرَكُها، مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضِّيقِ والنَّكَدِ مِنَ التِّيهِ الَّذِي هو طَرْدٌ عَنْ جَنابِ اللَّهِ بِما أرادَ - بِما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ عَنْ زَمَنِهِ بِالسِّنِينَ - إلى ما أبْقَوْا بُعْدَهم مِن سُوءِ الذِّكْرِ وشَناعَةِ القالَةِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإذْ﴾ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: اذْكُرُوا ما فَعَلَ بَعْضُكم - بِما أشَرْتُ إلَيْهِ أوَّلَ هَذِهِ الآياتِ (p-١٠)مِنَ الآدابِ مِن تَنْبِيهِ الكَفّارِ بِما قَدْ يَمْنَعُ مِنَ الفَتْحِ أوْ يَكُونُ سَبَبًا في عُسْرِهِ أوْ [فِي] إهْلاكِ خَلْقٍ [كَثِيرٍ] مِن عِبادِيَ الَّذِينَ خَلَقْتُهم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ، أوْ مِنَ الفِرارِ مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ المُقارَعَةِ، أوِ التَّقاعُسِ عَنِ اللِّقاءِ عِنْدَ البَعْثِ عَلَيْهِ، فَآذى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أذاهُ مِن أذى اللَّهَ فَحَلَمَ عَنْكُمْ، وقَبِلَ بِما لَهُ مِن بَلِيغِ الرَّحْمَةِ بِكم والشَّفَقَةِ عَلَيْكم مِنكُمْ، وكانَ أنْهى ما عاتَبَكم بِهِ مُرْسِلُهُ سُبْحانَهُ النِّداءَ بِما هو أدْنى الأسْنانِ في الإيمانِ في نَظِيرِ إطْلاقِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ الفِسْقَ بِالوَصْفِ المُؤْذِنَ بِالرُّسُوخِ: واذْكُرُوا حِينَ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ وهم - مَعَ كَوْنِهِ مِنهم - مِمَّنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ: ﴿يا قَوْمِ﴾ اسْتِعْطافًا لَهم واسْتِنْهاضًا إلى رِضى رَبِّهِمْ ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ إذائِي مَعَ الِاسْتِمْرارِ بِالتَّوانِي في أمْرِ اللَّهِ والتَّقاعُدِ عَنْ فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ مَعَ قَوْلِي عَنِ اللَّهِ أنَّكم فاتِحُوها إنْ أطْعَمْتُمُوهُ وأنَّ اللَّهَ أقْسَمَ لِآبائِكم أنَّهُ ما نَحَكُمُوها لا مَحالَةَ.
ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مُوجِبًا لِتَوَقُّعٍ ما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن مُوجَبِ التَّعْظِيمِ بَدَلُ الأذى، والتَّبْجِيلُ والِانْقِيادُ مَوْضِعُ التَّوَقُّفِ والإباءِ، قالَ مُحَقِّقًا بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ مَضْمُونُ الكَلامِ: ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ عَلِمْتُمْ قَطْعِيًّا مَعَ تَجَدُّدِهِ لَكم في كُلِّ وقْتٍ بِتَجَدُّدِ أسْبابِهِ بِما آتَيْتُكم بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وبِالكِتابِ الحافِظِ لَكم مِنَ الزَّيْغِ (p-١١)﴿أنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ورَسُولُهُ أيْضًا يُعَظَّمُ ويُحْتَرَمُ لا أنَّهُ تُنْتَهَكُ جَلالَتُهُ وتُخْتَرَمُ ﴿إلَيْكُمْ﴾ لا أقُولُ لَكم شَيْئًا إلّا عَنْهُ، ولا أنْطِقُ عَنِ الهَوى، فَعِصْيانِي عِصْيانُهُ مَعَ أنِّي ما قُلْتُ لَكم شَيْئًا إلّا تَمَّ، وإنْ كُنْتُمْ قاطِعِينَ بِخِلافِهِ فَهي مَعْصِيَتُهُ لا حامِلَ عَلَيْها أصْلًا إلّا رَداءَةُ الجِبِلّاتِ.
ولَمّا تَحَنَّنَ إلَيْهِمْ واسْتَعْطَفَهم وذَكَّرَهم ما يَعْلَمُونَ مِن رُسُلِيَّتِهِ وصِلَتِهِ بِاللَّهِ بِما شاهَدُوا مِنَ الآياتِ الَّتِي هي أعْظَمُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، أعْلَمُ أنَّهم أوْشَكُوا العِصْيانَ، فَقالَ مُعَبِّرًا عَنْ ذَلِكَ بِالفاءِ تَسْبِيبًا عَنْ هَذا القَوْلِ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ يُسَبِّبَ الثَّباتَ وتَعْقِيبًا وتَقْرِيبًا: ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أيْ تَحَقَّقَ زَيْغُهم عَنْ قُرْبٍ عَنْ أوامِرِ اللَّهِ في الكِتابِ الآتِي إلَيْهِمْ بِما أبَوْا مِن قَبُولِ أمْرِهِ في الإقْدامِ عَلى الفَتْحِ ﴿أزاغَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ مِنَ الِاسْتِواءِ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنهم إلّا القَلِيلُ فَهَزَمَهم بَيْنَ يَدَيْ أعْدائِهِمْ وضَرَبَهم بِالتِّيهِ لِأنَّهم فَسَقُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ [فاللَّه] - لا يَهْدِيهِمْ، فَأسْنَدَ الذَّنْبَ إلَيْهِمْ والعُقُوبَةَ إلَيْهِ وإنْ كانَ الكُلُّ فَعَلَهُ تَعْلِيمًا لِعِبادِهِ الأدَبَ وإعْلامًا بِأنَّ أفْعالَهُمُ الِاخْتِيارِيَّةَ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ كَسْبُها ويَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالعاقِبَةِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ لِأنَّهُ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ (p-١٢)﴿لا يَهْدِي﴾ أيْ بِالتَّوْفِيقِ بَعْدَ هِدايَةِ البَيانِ ﴿القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في الفِسْقِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ المُحاوَلَةِ فَلَمْ يَحْمِلْهم عَلى الفِسْقِ ضَعْفٌ، فاحْذَرُوا أنْ تَكُونُوا مِثْلَهم في العَزائِمِ فَتُساوُوهم في عُقُوباتِ الجَرائِمِ - انْتَهى.
الصف 61:6
ولَمّا كانَ أذى النَّبِيِّ ﷺ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ تارَةً يَكُونُ مَعَ العِلْمِ بِرِسالَتِهِ والإقْرارِ بِها وتارَةً مَعَ الإنْكارِ، وقَدَّمَ العِتابَ عَلى ما كانَ مِنهُ عَلى تَقْدِيرِ التَّصْدِيقِ، وذَكَّرَ فِيهِ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانُوا يُؤْذُونَهُ مَعَ العِلْمِ بِرِسالَتِهِ، وهَدَّدَ بِما اتَّفَقَ لَهم مِن زَيْغِ القُلُوبِ الَّتِي هي عِمادُ الأبْدانِ وصَلاحُ الإنْسانِ، أتْبَعُهُ ما يَكُونُ مِنهُ عِنْدَ فَرْضِ الإنْكارِ. ولَمّا كانَ رَدُّ المُنْكَرِ تارَةً بِالعَقْلِ وتارَةً بِالنَّقْلِ، وكانَ الَّذِي بِالعَقْلِ يَكُونُ بِنَظَرِ المُعْجِزاتِ ولا سِيَّما إخْراجُ الخَبَأِ وقَدْ كانَ مِنهُ في قِصَّةِ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في إخْراجِ كِتابِهِ الَّذِي اجْتَهَدَ في إخْفائِهِ واجْتَهَدَتِ الظَّعِينَةُ الحامِلَةُ لَهُ في كِتْمانِهِ ما فِيهِ مُقْنِعٌ في العِلْمِ بِالرِّسالَةِ وتَحَقُّقِ الجَلالَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ دَلِيلًا نَقْلِيًّا تَأْيِيدًا لِلْعَقْلِ مَعَ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ الإخْبارِ بِإزاغَةِ قُلُوبِ بَنِي إسْرائِيلَ جَزاءً عَلى زَيْغِهِمْ عَنِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرُوا حِينَ ﴿قالَ عِيسى﴾ ووَصَفَهُ (p-١٣)بِما حَقَّقَ مَن هو فَقالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أيْ لِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ لَدَيْهِمْ بِالمُعْجِزاتِ مَعَ إخْلاصِ الدَّعْوَةِ لِلَّهِ وتَصْدِيقِ مَن كانَ قَبْلَهُ مِن أهْلِ اللَّهِ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وذَكَّرَهم بِما كانَ عَلَيْهِ أبُوهم مِنَ الدِّينِ وما وصّى بِهِ نَبِيَّهُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالإسْلامِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالقَوْمِ كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ لا أبٌ لَهُ فِيهِمْ [و] إنْ كانَتْ أُمُّهُ مِنهُمْ، فَإنَّ النَّسَبَ إنَّما هو مِن جِهَةِ الأبِ، وأكَّدَ لِإنْكارِ بَعْضِهِمْ فَقالَ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿إلَيْكُمْ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِكُمْ، حالَ كَوْنِي ﴿مُصَدِّقًا﴾ نَصَبَهُ بِما في الرَّسُولِ مِن رائِحَةِ الفِعْلِ ولا يَنْصَبُّ بِـ ”إلَيْكُمْ“ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِلرَّسُولِ، وحُرُوفُ الجَرِّ لا تَعْمَلُ بِأنْفُسِها بَلْ بِما فِيها مِن مَعْنى الفِعْلِ، فَإذا كانَتْ صِلاتٍ لَمْ تَكُنْ مُتَضَمِّنَةً لِمَعْنى فَعَلَ فَلا تَعْمَلُ، وهو الحَرْفُ الَّذِي يُسَمّى في [غَيْرِ] ”الكِتابِ العَزِيزِ“ [لَغْوًا] ﴿لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أيْ تُقَدِّمُنِي وكانَ مِن قَبْلِي ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾ الَّتِي تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَها عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهي أوَّلُ الكُتُبِ (p-١٤)الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ الصُّحُفِ وحَكَمَ بِها النَّبِيُّونَ، فَتَصْدِيقِي لَها مَعَ تَأْيِيدِي لَها مُؤَيِّدٌ لِأنَّ ما أقَمْتُهُ مِنَ الدَّلائِلِ حَقٌّ ومُبَيِّنٌ أنَّها دَلِيلِي فِيما لَمْ أنْسَخْهُ مِنهُ كَما يَسْتَدِلُّ الإنْسانُ بِما قُدّامَهُ مِنَ الأعْلامِ ويُراعِيهِ بِبَصَرِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلَ الكُتُبِ ذَكَرَ أيْضًا أوَّلَ الأنْبِياءِ خُلُقًا وآخِرُهم بَعْثًا وهو آخِرُ الرُّسُلِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ إشارَةً إلى [أنَّ] البِشارَةَ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ أيْ في حالِ تَصْدِيقِي لِلتَّوْراةِ.
ولَمّا كانَتْ رِسالَتُهُ ﷺ عامَّةً لِجَمِيعِ الخَلْقِ لَمْ يَذْكُرْ في رِسالَتِهِ حَرْفَ الغايَةِ كَما ذَكَرَ في الرِّسالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلُ فَقالَ: ﴿بِرَسُولٍ﴾ أيْ إلى كُلِّ مَن شَمِلَتْهُ المَرْبُوبِيَّةُ ﴿يَأْتِي﴾ ولَمّا كانَ إتْيانُهُ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِغايَةِ البَيانِ وإزاحَةِ اللَّبْسِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ أقْعَدُ في العِتابِ لِمَن هَفا بَعْدَهُ والأخْذُ لِمَن جَفا فَنَقَضَ عَهْدَهُ، أتى بِالِاسْمِ الَّذِي ما شارَكَ النَّبِيَّ ﷺ فِيهِ أحَدٌ في زَمانِهِ ولا قَبْلَهُ أصْلًا، ووَزْنُهُ دالٌّ عَلى المُبالَغَةِ في مَعْناهُ فَقالَ: ﴿اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ أيْ دالٌّ عَلى أنَّهُ أبْلَغُ الخَلْقِ حامِدًا ومَحْمُودًا وهو اسْمُهُ ﷺ في السَّماءِ الَّتِي سَيَصِيرُ إلَيْها هَذا المُبَشِّرُ، وفي تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ احْتِرازٌ عَنْ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ البُعْدِيَّةَ في الرُّتْبَةِ لِأنَّهُ يُلِيحُ بِتَصْدِيرِهِ (p-١٥)بِالهَمْزَةِ الَّتِي هي أوَّلُ الحُرُوفِ مَخْرَجًا وأشَدُّ حُرُوفِ الحَلْقِ الَّذِي هو أوَّلُ المَخارِجِ وتَضْمِينُهُ المِيمَ إلى أنَّهُ ﷺ كَما أنَّهُ خاتَمٌ بِما أشارَ إلَيْهِ أشْهَرُ أسْمائِهِ وأعْظَمُها ”مُحَمَّدٌ“ لِابْتِدائِهِ بِالمِيمِ الَّتِي هي أمْكَنُ حُرُوفِ الشَّفَةِ الَّتِي هي خاتِمَةٌ لِلْحُرُوفِ لِأنَّ مَخْرَجَها آخِرُ المَخارِجِ، لا نَبِيَّ بَعْدَهُ فَهو فاتِحٌ مُقَدَّمٌ بِاعْتِبارِ الذِّكْرِ والشَّرَفِ والحُكْمِ بِالوَصْفِ الشَّرِيفِ لا نَبِيَّ قَبْلَهُ في الخُلُقِ وجَبَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ وإنَّ آدَمَ لِمُنْجَدِلٌ في طِينِهِ وبَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ كَما في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ أحْمَدُ عَنْ مَيْسَرَةِ الفَجْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في أوَّلِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وقالَ: إنَّ مَعْناهُ أنَّهُ كَذَلِكَ في قَضاءِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وكَأنَّهُ يُرِيدُ قَضاءً مَكْتُوبًا في أُمِّ الكِتابِ ومَذْكُورًا لِمَن أرادَ مِنَ المَلائِكَةِ قَبْلَ إتْمامِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا صَوَّرَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَ طِينَتَهُ شَفّافَةً تَشِفُّ عَنْ ذُرِّيَّتِهِ وجَعَلَ لِصالِحِيهِمْ نُورًا يُرى دُونَ غَيْرِهِ، فَلَمّا رَأوْا أعْظَمَهَمْ نُورًا سَألُوا عَنْهُ فَأخْبَرَهم سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ وأثْبَتَ ما أرادَ مِن أوْصافِهِ في أُمِّ الكِتابِ كَما أنَّهُ كانَ نَبِيًّا بِالإخْبارِ في دَعْوَةِ [أبِيهِ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ (p-١٦)الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِبِشارَةِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِأماراتِ النُّورِ الَّذِي خَرَجَ مِن أُمِّهِ كَما في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرِهِ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إنِّي عَبْدُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ» وفي رِوايَةٍ «”إنِّي عَبْدُ اللَّهِ لِخاتَمِ النَّبِيِّينَ و[إنَّ] آدَمَ لِمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ وسَأُخْبِرُكم عَنْ ذَلِكَ: دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى بِي ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ،» وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ“ وأنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأتْ حِينَ وضَعَتْهُ نُورًا أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ، فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ [لَهُ] لِمَلائِكَتِهِ مِثْلَ تَأْوِيلِهِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وبِشارَةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مِثْلِ حِكايَتِهِ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَأْوِيلُهُ بِالنُّورِ الَّذِي رَأتْ أُمُّهُ مِثْلَ تَأْوِيلِهِ بِالنُّورِ الَّذِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ [رَأوْا في شَفّافِ طِينَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ] واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. وكانَتْ سُورَةُ القِتالِ أحَقَّ بِاسْمِهِ الدّالِّ عَلى الخَتْمِ لِأنَّ الخِتامَ مُحْتاجٌ إلى عِلاجٍ في [لَأْمِ] ما كانَ مِن صَدْعِ الِافْتِراقِ، وكَذا سُورَةُ الفَتْحِ لِما يُلْزِمُهُ مِن مُحاوَلَةِ المُنْغَلِقِ وإزالَةِ الإغْلاقِ، وخِتامِ السُّورَتَيْنِ بِالمِيمِ عَظِيمِ المُناسَبَةِ لِذَلِكَ (p-١٧)لِأنَّ المِيمَ اسْمٌ لِتَمامِ الظّاهِرِ المُقامِ بِالألِفِ، وإلى ذَلِكَ إشارَةُ رَسْمِ ألِفِ التَّنْوِينِ في الفَتْحِ بَعْدَ المِيمِ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن إشارَةٍ إلى أنَّهُ الفاتِحُ مَعَ كَوْنِهِ الخاتَمَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ افْتِتاحُ السُّورَةِ بِأوَّلِ حُرُوفِ الِاسْمِ المَلِيحِ إلى الفَتْحِ، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أحَقَّ [بِهِ] لِأنَّهُ أدَلُّ دالٍّ عَلى الِاتِّفاقِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ دُونَ اخْتِلافٍ وافْتِراقٍ، كَما كانَ عِنْدَ نُزُولِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْدَهُ بِمُدَّةٍ، وإلى ذَلِكَ أشارَ خَتْمَها وخَتْمَ نَظِيرَتِها الصّافّاتِ بِالنُّونِ الَّذِي هو مَظْهَرٌ مُبَيِّنٌ مُحِيطٌ بِما أظْهَرُهُ، فَهو مُبَشِّرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِالِاجْتِماعِ والظُّهُورِ عَلى الِاسْمِ الَّذِي يُحِيطُ آخِرُهُ بِجَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ عَلى زَمَنِ المُبَشِّرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُؤَيِّدُ لِلْمُبَشَّرِ بِهِ بِتَجْدِيدِ أمْرِهِ وإقامَةِ دِينِهِ ﷺ، وآخِرُ هَذِهِ نَتِيجَةُ آخِرِ الصّافّاتِ بِالحَمْدِ الَّذِي هو الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
(p-١٨)ذِكْرُ ما يُصَدِّقُ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الإنْجِيلِ مِن تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْراةِ
وبِشارَتِهِ بِأحْمَدَ ﷺ، قالَ: وكانَ رَجُلٌ مَرِيضٌ اسْمُهُ العازِرُ مِن بَيْتِ عَنَيا وهو أخُو مَرْيَمَ ومَرَتا، فَأرْسَلَتِ الأُخْتانِ إلى يَسُوعَ أنَّ الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ، فَأقامَ في المَوْضِعِ الَّذِي هو فِيهِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ قالَ لِتَلامِيذِهِ: امْضُوا بِنا إلى اليَهُودِيَّةِ، فَقالَ لَهُ تَلامِيذُهُ: الآنَ يا مُعَلِّمُ أرادَ اليَهُودُ رَجْمَكَ وأنْتَ تُرِيدُ المُضِيَّ إلَيْهِمْ، فَقالَ: إنَّ العازِرَ حَبِيبُنا قَدْ نامَ، فَأنا انْطَلَقَ فَأُوقِظُهُ، فَقالَ: يا سَيِّدَنا، إنْ كانَ نائِمًا فَهو يَسْتَيْقِظُ، فَقالَ العازِرُ ماتَ، فَأقْبَلُوا إلى بَيْتِ عَنَيا، فَإذا لَهُ أرْبَعَةُ أيّامٍ في القَبْرِ وكانَتْ بَيْتُ عَنَيا مِن يَرُوشَلِيمَ عَلى [نَحْوِ] خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ اليَهُودِ [قَدْ] جاؤُوا إلى مَرْتا ومَرْيَمَ يُعَزُّوهُما، فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْتا بِقُدُومِ يَسُوعَ خَرَجَتْ لِتَلْقاهُ فَقالَتْ لَهُ: يا سَيِّدِ، لَوْ كُنْتَ هَهُنا لَمْ يَمُتْ أخِي وأنا أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ يُعْطِيكَ كُلَّ ما سَألْتَهُ، قالَ: سَيَقُومُ أخُوكَ، قالَتْ: أنا أعْلَمُ أنَّهُ سَيَقُومُ في القِيامَةِ، ثُمَّ جاءَتْ مَرْيَمُ (p-١٩)لِلِقائِهِ، فَظَنَّ اليَهُودُ الَّذِينَ[ كانُوا] يُعَزُّونَها أنَّها تَذْهَبُ إلى القَبْرِ فَتَبِعُوها، فَلَمّا انْتَهَتْ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ يَسُوعُ خَرَّتْ عَلى قَدَمَيْهِ ساجِدَةً، فَلَمّا رَآها تَبْكِي ورَأى اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا مَعَها قالَ: أيْنَ وضَعْتُمُوهُ؟ فَقالُوا لَهُ: يا سَيِّدِ، تَعال وانْظُرْ، فَدَمَعَ يَسُوعُ فَقالَ اليَهُودُ: انْظُرُوا كَيْفَ كانَ يُحِبُّهُ، فَقالَ ناسٌ مِنهُمْ: أما كانَ هَذا الَّذِي فَتَحَ عَيْنِيِ الأعْمى يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ هَذا لا يَمُوتُ، فَجاءَ إلى القَبْرِ وكانَ مَغارَةً وعَلَيْهِ حَجَرٌ مَوْضُوعٌ فَقالَ: ارْفَعُوا الصَّخْرَةَ، فَقالَتْ لَهُ مَرْتا أُخْتُ المَيِّتِ: يا سَيِّدِ، إنَّهُ قَدْ أنْتَنَ لِأنَّ لَهُ أرْبَعَةَ أيّامٍ، قالَ لَها يَسُوعُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ إنْ آمَنتَ رَأيْتَ مَجْدَ اللَّهِ، فَرَفَعُوا الصَّخْرَةَ فَرَفَعَ يَسُوعُ بَصَرَهُ إلى فَوْقٍ وقالَ: أشْكُرُكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ لِي، أقُولُ هَذا مِن أجْلِ هَذا الجَمْعِ لِيُؤْمِنُوا أنَّكَ أرْسَلْتَنِي، قالَ هَذا القَوْلَ ونادى بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وصاحَ: عازِرُ اخْرُجْ، فَخَرَجَ المَيِّتُ ويَداهُ ورَجُلاهُ مَلْفُوفَةٌ بِاللَّفائِفِ ووَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِعِمامَةٍ، فَقالَ يَسُوعُ: حُلُّوهُ ودَعُوهُ يَمْضِي، وإنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ جاؤُوا إلى مَرْيَمَ لَمّا رَأوْا ما صَنَعَ يَسُوعُ آمَنُوا، ومَضى قَوْمٌ مِنهم إلى الفَرِيسِيِّينَ فَأخْبَرُوهُمْ، فَجَمَعَ عُظَماءُ الكَهَنَةِ والفَرِيسِيُّونَ مَحْفِلًا فَقالُوا: ماذا نَصْنَعُ إذْ كانَ هَذا الرَّجُلُ يَعْمَلُ آياتٍ كَثِيرَةً وإنْ تَرَكْناهُ فَيُؤْمِنُ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ وتَأْتِي الرُّومُ فَتَنْقَلِبُ (p-٢٠)عَلى أُمَّتِنا ومَوْضِعِنا، وإنَّ واحِدًا مِنهُمُ اسْمُهُ قَيافا كانَ أعْظَمَ الكَهَنَةِ في تِلْكَ السَّنَةِ قالَ لَهُمْ: إنَّهُ خَيْرٌ لَنا أنْ يَمُوتَ واحِدٌ مِنَ الشَّعْبِ مِن أنْ تَهْلَكَ الأُمَّةُ كُلُّها - إلى آخِرِ ما مَضى في النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] الآياتُ، نَرْجِعُ إلى مَتى قالَ: حِينَئِذٍ ذَهَبَ الفَرِيسِيُّونَ وتَشاوَرُوا لِيَصْطادُوهُ بِكَلِمَةٍ فَأرْسَلُوا إلَيْهِ تَلامِيذَهم والهَرْدُوسِيِّينَ قائِلِينَ: يا مُعَلِّمُ، قَدْ عَلِمْنا أنَّكَ مُحِقٌّ وطَرِيقُ اللَّهِ بِالحَقِّ تَعْلَمُ ولا تُبالِي بِأحَدٍ ولا تَنْظُرُ لِوَجْهِ إنْسانٍ فَقُلْ لَنا ما عِنْدَكَ، أيَجُوزُ لَنا أنْ نُعْطِيَ الجِزْيَةَ لِقَيْصَرَ أمْ لا؟ فَعَلِمَ يَسُوعُ شَرَّهم فَقالَ: لِماذا تُجَرِّبُونِي يا مُراؤُونَ أرُونِي دِينارَ الجِزْيَةِ، فَأتَوْهُ بِدِينارٍ فَقالَ لَهم يَسُوعُ: لِمَن هَذِهِ الصُّورَةُ والكِتابَةُ؟ فَقالُوا: لِقَيْصَرَ، حِينَئِذٍ قالَ لَهُمْ: أعْطَوْا ما لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرٍ وما لِلَّهِ لِلَّهِ، فَلَمّا سَمِعُوا تَعَجَّبُوا وتَرَكُوهُ ومَضَوْا، وقالَ يُوحَنّا: فَقالَ يَسُوعُ: أنا ماكِثٌ فِيكم زَمانًا يَسِيرًا، ثُمَّ أنْطَلِقُ إلى مَن أرْسَلَنِي وتَطْلُبُونِي فَلا تَجِدُونِي، وحَيْثُ أكُونُ أنا لَسْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلى المَجِيءِ إلَيَّ (p-٢١)فَقالَ اليَهُودُ فِيما بَيْنَهُمْ: إلى أيْنَ هَذا مُزْمِعٌ أنْ يُذْهِبَ حَتّى لا نَجِدَهُ، لَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أنْ يَذْهَبَ إلى مَنفى اليُونانِيِّينَ، وقالَ مَتى: وفي اليَوْمِ جاءَ إلَيْهِ الزَّنادِقَةُ القائِلُونَ: لَيْسَ قِيامَةً، وسَألُوهُ - فَذَكَرَ سُؤالَهم وجَوابَهُ لَهم إلى أنْ قالَ في آخِرِ جَوابِهِ: أما قَرَأْتُمْ ما قِيلَ لَكم مِنَ اللَّهِ، وقالَ مُرْقُسُ: في سَفَرِ مُوسى قَوْلُ اللَّهِ عَلى العَوْسَجِ إذْ قالَ: أنا هو إلَهُ إبْراهِيمَ وإلَهُ إسْحاقَ وإلَهُ يَعْقُوبَ وأنْتُمْ تَضِلُّونَ كَثِيرًا، وعِبارَةُ لُوقا: فَقَدْ نَبَّأ بِذَلِكَ مُوسى في العُلَّيْقَةِ كَما قالَ الرَّبُّ: أنا إلَهُ إبْراهِيمَ وإلَهُ إسْحاقَ وإلَهُ يَعْقُوبَ، وقالَ مَتى: فَلَمّا سَمِعَ الجَمْعُ بُهِتُوا مِن تَعْلِيمِهِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ الفَرِيسِيُّونَ أنَّهُ قَدْ أبْكَمَ الزَّنادِقَةَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ جَمِيعًا وسَألَهُ كاتِبٌ مِنهم لِيُجَرِّبَهُ قائِلًا، يا مُعَلِّمُ! أيُّ الوَصايا أعْظَمُ في النّامُوسِ؟ قالَ لَهُ يَسُوعُ: تُحِبُّ الرَّبَّ إلَهَكَ مِن كُلِّ قَلْبِكَ، وقالَ: اسْمَعْ، يا إسْرائِيلُ، الرَّبُّ إلَهُكَ واحِدٌ هُوَ، تُحِبُّ إلَهَكَ مِن كُلِّ قَلْبِكَ - انْتَهى، ومِن كُلِّ نَفْسِكَ ومِن كُلِّ فِكْرِكَ، هَذِهِ الوَصِيَّةُ الأُولى العَظِيمَةُ، والثّانِيَةُ الَّتِي تُشْبِهُها أنْ تُحِبَّ قَرِيبَ مِثْلَ نَفْسِكَ، قالَ مُرْقُسُ: لَيْسَ وصِيَّةً أعْظَمَ مِن هاتَيْنِ - انْتَهى، في الوَصِيَّتَيْنِ سائِرُ النّامُوسِ والأنْبِياءِ يَتَعَلَّقُ، قالَ مُرْقُسُ: فَقالَ لَهُ الكاتِبُ: فَحِينَئِذٍ يا مُعَلِّمَ الحَقِّ قُلْتُ أنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ آخِرُ غَيْرُهُ، وأنْ تُحِبَّهُ مَن كُلِّ القَلْبِ (p-٢٢)ومِن كُلِّ النِّيَّةِ ومَن كُلِّ النَّفْسِ ومِن كُلِّ القُوَّةِ، وتُحِبُّ القَرِيبَ مِثْلَكَ، هَذِهِ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الذَّبائِحِ والمُحْتَرِقاتِ، فَلَمّا رَأى يَسُوعُ عَقْلَهُ أجابَهُ قائِلًا: لَسْتُ بَعِيدًا مِن مَلَكُوتِ اللَّهِ، وقالَ لُوقا: فَقالَ لِيَسُوعَ: ومَن هو قَرِيبِي؟ قالَ يَسُوعُ: كانَ رَجُلٌ نازِلًا مِن يُرُوشَلِيمَ إلى أرِيحا، فَوَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ فَسَلَبُوهُ وجَرَحُوهُ ومَضَوْا وتَرَكُوهُ مُثْخَنًا قَرِيبَ المَوْتِ، واتَّفَقَ أنَّ كاهِنًا نَزَلَ في تِلْكَ الطَّرِيقِ فَأبْصَرَهُ وجازَ، وكَذَلِكَ لاوِي جاءَ إلى المَكانِ فَأبْصَرَهُ وجازَ، وإنَّ سامِرِيّا جازَ بِهِ، فَلَمّا رَآهُ تَحَنَّنَ ودَنا مِنهُ وضَمَّدَ جِراحاتِهِ وحَمَلَهُ عَلى دابَّتِهِ وجاءَ بِهِ إلى الفُنْدُقِ وعَنِيَ بِأمْرِهِ، وفي الغَدِ أخْرُجُ بِدِينارَيْنِ أعْطاهُما لِصاحِبِ الفُنْدُقِ وقالَ: اهْتَمَّ بِهِ فَإنْ أنْفَقَتْ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن هَذَيْنِ دَفَعْتُ لَكَ عِنْدَ عَوْدَتِي، فَمَن مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ تَظُنُّ أنَّهُ قَدْ صارَ قَرِيبًا لِلَّذِي وقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ، فَقالَ لَهُ: الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ رَحْمَةً، فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ أنْتَ وافْعَلْ هَكَذا، وقالَ مُرْقُسُ: فَلَمْ يَتَجَرَّأْ أحَدٌ أنْ يَسْألَهُ ثُمَّ قالَ: وكانَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ يَسْمَعُونَ مِنهُ بِشَهْوَةٍ، وقالَ يُوحَنّا: وآمَنَ بِاسْمِهِ عِنْدَ كَوْنِهِ بِإيرُوشِلِيمَ في عِيدِ الفُسَحِ كَثِيرٌ لِأنَّهم عايَنُوا الآياتِ الَّتِي عَمِلَ، ثُمَّ قالَ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ الفَرِيسِيِّينَ اسْمُهُ نَيْقُودِيمِيسُ رَئِيسًا لِلْيَهُودِ أتى إلى يَسُوعَ لَيْلًا وقالَ لَهُ: [يا] مُعَلِّمُ (p-٢٣)نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ مِنَ اللَّهِ أتَيْتَ مُعَلِّمًا لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَدْرِ أحَدٍ أنْ يَعْمَلَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي تَعْمَلُ أنْتَ إلّا مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ، قالَ مَتى: وحِينَئِذٍ كَلَّمَ يَسُوعُ الجَمْعَ وتَلامِيذَهُ وقالَ: عَلى كُرْسِيِّ مُوسى جَلَسَ الكَتَبَةُ والفِرِيسِيُّونَ وكُلُّ ما قالُوهُ لَكُمُ احْفَظُوهُ أنْتُمْ وافْعَلُوهُ، ومِثْلُ أعْمالِهِمْ لا تَصْنَعُوا لِأنَّهم يَقُولُونَ ولا يَفْعَلُونَ، لِأنَّهم يَرْبُطُونَ أحْمالًا ثِقالًا صَعْبَةَ الحَمْلِ ويَحْمِلُونَها عَلى أعْناقِ النّاسِ ولا يُرِيدُونَ أنْ يُحَرِّكُوها بِإصْبَعِهِمْ، وكُلُّ أعْمالِهِمْ يَصْنَعُونَها لِكَيْ يُراءُوا النّاسَ، يَعْرِضُونَ أرْدِيَتَهم ويُعَظِّمُونَ أطْرافَ ثِيابِهِمْ، ويُحِبُّونَ أوَّلَ الجَماعاتِ في الوَلائِمِ وصُدُورِ المَجالِسِ في المَجامِعِ والسَّلامِ في الأسْواقِ، وأنْ يَدْعُوَهُمُ النّاسُ مُعَلِّمِينَ، فَأمّا أنْتُمْ فَلا [تَدْعُوا] لَكم مُعَلِّمًا عَلى الأرْضِ ولا مُدَبِّرًا فَإنَّ مُدَبِّرَكم واحِدٌ هو المَسِيحُ، وأنْتُمْ جَمِيعًا إخْوَةٌ، ولا تَدْعُوا لَكم أبًا عَلى الأرْضِ فَإنَّ أباكم واحِدٌ، هو الَّذِي في السَّماواتِ، والكَبِيرُ الَّذِي فِيكم يَكُونُ لَكم خادِمًا، فَمَن رَفَعَ نَفْسَهُ اتَّضَعَ، ومِن وضَعَ نَفْسَهُ ارْتَفَعَ، الوَيْلُ لَكم أيُّها الكَتَبَةُ والفِرِيسِيُّونَ، لِأكْلِكم بُيُوتَ الأرامِلِ والأيْتامِ، لِعِلَّةِ تَطْوِيلِ صَلاتِكُمْ، ومِن [أجْلِ] هَذا تَأْخُذُونَ أعْظَمَ دَيْنُونَةً، الوَيْلُ لَكم أنَّكم تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ قُدّامَ النّاسِ فَلا أنْتُمْ تَدْخُلُونَ ولا تَتْرُكُونَ الدّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ، الوَيْلُ لَكم أنَّكم تَطُوفُونَ البَرَّ والبَحْرَ لِتَصْطَفُّوا غَرِيبًا واحِدًا، فَإذا صارَ صَيَّرْتُمُوهُ لِجَهَنَّمَ ابْنًا مُضَعَّفًا، لَكُمُ الوَيْلُ يا [أيُّها] الهُداةُ العُمْيانُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مَن حَلَفَ بِالهَيْكَلِ (p-٢٤)فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ومَن حَلَفَ بِذَهَبِ الهَيْكَلِ يُخْطِئُ، أيُّها الجُهّالُ العُمْيُ أيُّما أعْظَمُ؟ الذَّهَبُ أنَّ الهَيْكَلَ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ، ومَن حَلَفَ بِالمَذْبَحِ فَلا شَيْءَ، ومِن حَلَفَ بِالقُرْبانِ الَّذِي فَوْقَهُ فَهو يُخْطِئُ يا جُهّالُ وعُمْيانُ، أيُّما أعْظَمُ؟ القُرْبانُ أمِ المَذْبَحُ الَّذِي يُقَدِّسُ القُرْبانَ؟ ومَن حَلَفَ بِالمَذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وبِكُلِّ ما فَوْقَهُ، ومِن حَلَفَ بِالهَيْكَلِ فَهو يَحْلِفُ بِهِ وبِالسّاكِنِ فِيهِ، ومِن حَلَفَ بِالسَّماءِ فَهو يَحْلِفُ بِكُرْسِيِّ اللَّهِ وبِالجالِسِ عَلَيْهِ، الوَيْلُ لَكم أنَّكم تَعْشِرُونَ الشَّبِثَ والنُّعْنُعَ والكَمُّونَ وتَتْرُكُونَ أثْقَلَ النّامُوسِ الحُكْمَ والرَّحْمَةَ والإيمانَ، وقالَ لُوقا: تَعْشِرُونَ النُّعْنُعَ والسَّدابَ وكُلَّ البُقُولِ، وتَرْفُضُونَ حُكْمَ اللَّهِ ومَحَبَّتَهُ، قَدْ كانَ يَنْبَغِي أنْ تَعْقِلُوا هَذا ولا تَغْفُلُوا عَنْ تِلْكَ - انْتَهى، يا هُداةَ عَيْمانَ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ البَعُوضَةَ ويَبْلَعُونَ الجَمَلَ، الوَيْلُ لَكم أنَّكم تُنَقُّونَ خارِجَ الكَأْسِ والسُّكْرُجَةِ وداخِلُهُما مَمْلُوءٌ اخْتِطافًا وظُلْمًا، أيُّها الأعْمى، نَقِّ أوَّلًا داخِلَ الكَأْسِ والسُّكْرُجَةِ لِكَيْما يَتَطَهَّرُ خارِجُهُما، وقالَ لُوقا: اعْطُو الرَّحْمَةَ فَكُلُّ شَيْءٍ يَتَطَهَّرُ لَكُمُ - الوَيْلُ لَكم لِأنَّكم لا تُشْبِهُونَ القُبُورَ المُكَلَّسَةَ الَّتِي تُرى مِن (p-٢٥)خارِجِها حَسَنَةً وداخِلِها مَمْلُوءَ عِظامِ الأمْواتِ وكُلِّ نَجِسٍ، وقالَ لُوقا: لِأنَّكم مِثْلُ القُبُورِ المَخْفِيَّةِ والنّاسُ يَمْشُونَ عَلَيْها ولا يَعْلَمُونَ انْتَهى،
وكَذَلِكَ أنْتُمْ تُرُونَ النّاسَ ظَواهِرَكم مِثْلَ الصِّدِّيقِينَ، ومِن داخِلٍ مُمْتَلِئُونَ إثْمًا ورِياءً، قالَ لُوقا: وأنْتُمْ أيُّها الكَتَبَةُ الوَيْلُ لَكم لِأنَّكم تَحْمِلُونَ أوْساقًا وأثْقالًا وأنْتُمْ لا تَدْنُونَ مِنها بِإحْدى أصابِعِكُمُ، الوَيْلُ لَكم لِأنَّكم أخَذْتُمْ مَفاتِيحَ الغُرْفَةِ فَما دَخَلْتُمْ، ومَنَعْتُمُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الدُّخُولَ - انْتَهى، الوَيْلُ لَكم لِأنَّكم تَبْنُونَ قُبُورَ الأنْبِياءِ، قالَ لُوقا: الَّذِينَ قَتَلَهم آباؤُكُمُ - انْتَهى، وتُزَيِّنُونَ مَدافِنَ الصِّدِّيقِينَ وتَقُولُونَ: لَوْ كُنّا في أيّامِ آبائِنا لَمْ نُشارِكْهم في دَمِ الأنْبِياءِ، فَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم أنَّكم أبْناءُ قَتَلَةِ الأنْبِياءِ إنَّكم تُكْمِلُونَ مُكَيَّلَةَ آبائِكُمْ، أيُّها الحَيّاتُ أوْلادُ الأفاعِي كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِن دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ، [مِن أجْلِ] هَذا أرْسَلَ إلَيْكم أنْبِياءَ وحُكَماءَ وكَتَبَةَ فَتَقْتُلُونَ مِنهم وتَصْلُبُونَ وتَجْلِدُونَ مِنهم في مَجامِعِكم ”وتَطْرُدُونَهُمْ“ مِن مَدِينَةٍ إلى مَدِينَةٍ لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكم دَمُ الصِّدِّيقِينَ المَسْفُوكُ عَلى الأرْضِ، وقالَ لُوقا: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ (p-٢٦)وتُسِرُّونَ بِأعْمالِ آبائِكم لِأنَّهم قَتَلُوهم وأنْتُمْ تَبْنُونَ قُبُورَهُمْ، ولِهَذا قالَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ: هُوذا أرْسَلَ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ ورُسُلًا فَيَقْتُلُونَ مِنهم ويَطْرُدُونَهم لِيَنْتَقِمَ عَنْ دَمِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ الَّذِي أُهْرِيقَ مِن أوَّلِ العالَمِ إلى هَذا الجِيلِ.
وقالَ مَتّى: مِن دَمِ هابِيلَ الصِّدِّيقِ إلى دَمِ زَكَرِيّا بْنِ بَراشِيا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الهَيْكَلِ والمَذْبَحِ، الحَقُّ أقُولُ [لَكُمْ] إنَّ هَذا كُلَّهُ يَأْتِي عَلى هَذا الجِيلِ، يا أُرُوشَلِيمُ، يا قاتِلَةَ الأنْبِياءِ وراجِمَةَ المُرْسَلِينَ إلَيْها كَمْ مِن مَرَّةٍ [أرَدْتِ] أنْ أجْمَعَ بَنِيكِ فِيكِ كَما تَجْمَعُ الدَّجاجَةُ فِراخَها تَحْتَ جَناحَيْها فَلَمْ تُرِيدُوا، هُوذا يَتْرُكُ بَيْنَكم لَكم خَرابًا، أنا أقُولُ لَكُمْ: إنِّي لا تَرَوْنِي مِنَ الآنِ حَتّى تَقُولُوا: مُبارَكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ، [و]قالَ مُرْقُسُ: ثُمَّ جاءَ يَسُوعُ عِنْدَ بابِ الخِزانَةِ يَنْظُرُ الجَمْعَ يُلْقِي نُحاسًا في الخِزانَةِ وأغْنِياءُ كَثِيرٌ ألْقَوْا كَثِيرًا، فَجاءَتِ امْرَأةُ أرْمَلَةٍ مِسْكِينَةٍ، فَألْقَتْ فَلْسَيْنِ فاسْتَدْعى تَلامِيذَهُ وقالَ لَهُمُ: الحَقُّ أقُولُ لَكُمْ، إنَّ هَذِهِ الأرْمَلَةَ المِسْكِينَةَ ألْقَتْ أكْثَرَ مِنَ الكُلِّ الَّذِينَ ألْقَوْا في الخِزانَةِ، لِأنَّ الكُلَّ ألْقَوْا مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُمْ، وهَذِهِ ألْقَتْ مَعَ مَسْكَنَتِها كُلَّ ما لَها، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الهَيْكَلِ - انْتَهى. هَذا ما فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى الرِّسالَةِ وتَصْدِيقِ التَّوْراةِ، وأمّا البِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا الكِتابِ مُفَرِّقًا في السُّوَرِ (p-٢٧)كالأعْرافِ والنِّساءِ وغَيْرِهِما، وقالَ ابْنُ هِشامٍ في تَهْذِيبِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ جَمْعُ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقَدْ كانَ فِيما بَلَغَنِي عَمّا كانَ وضْعُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما جاءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الإنْجِيلِ [لِأهْلِ الإنْجِيلِ] مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا أثْبَتَ يَحْنَسُ الحِوارِيَّ لَهم حِينَ نَسَخَ لَهُمُ الإنْجِيلَ عَنْ عَهْدِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ [فِي] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ أنَّهُ قالَ: مَن أبْغَضَنِي فَقَدْ أبْغَضَ الرَّبَّ، ولَوْلا أنِّي صَنَعْتُ بِحَضْرَتِهِمْ صَنائِعَ لَمْ يَصْنَعْها أحَدٌ قَبَلِي ما كانَتْ لَهم خَطِيئَةٌ، ولَكِنْ مِنَ الآنَ بَطَرُوا وظَنُّوا أنَّهم يُعَزُّونَنِي وأيْضًا لِلرَّبِّ ولَكِنْ لا بُدَّ أنْ تَتِمَّ الكَلِمَةُ الَّتِي في النّامُوسِ أنَّهم أبْغَضُونِي مَجّانًا أيْ باطِلًا فَلَوْ قَدْ جاءَ المَنحَمَنا هَذا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْكم مِن عِنْدِ الرَّبِّ رُوحِ القُدُسِ هَذا الَّذِي مِن عِنْدِ الرَّبِّ خَرَجَ فَهو شَهِيدٌ عَلَيَّ وأنْتُمْ أيْضًا لِأنَّكم قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي [فِي] هَذا قُلْتُ لَكم لِكَيْ [لا] تَشُكُّوا. فالمَنحَمَنا بِالسُّرْيانِيَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو بِالرُّومِيَّةِ (p-٢٨)البارِقِلِيطِسُ - انْتَهى.
ولَمّا تَمَّ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى كَوْنِهِ أشْرَفَ الأنْبِياءِ فاتِحًا لَهم وخاتِمًا عَلَيْهِمْ، دَلَّ [عَلى] إلْزامِ بَنِي إسْرائِيلَ الزَّيْغَ فَقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ عِيسى أوْ مُحَمَّدٌ ﷺ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرَهم ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ [مِنَ] المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يَسُوغُ لِعاقِلٍ إلّا التَّسْلِيمُ لَها و[مِنِ] الكِتابِ المُبِينِ ﴿قالُوا﴾ أيْ عِنْدِ مَجِيئِها سَواءٌ مِن غَيْرِ نَظْرَةٍ لِتَأمُّلٍ ولا غَيْرِهِ: ﴿هَذا﴾ أيِ المَأْتِيِّ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ أوِ الآتِي بِها عَلى المُبالَغَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ ”ساحِرٌ“ إشارَةً بِالإشارَةِ [إلى القَرِيبِ بَعْدَ الإشارَةِ -] بِفاءِ التَّعَقُّبِ إلى شِدَّةِ اتِّصالِ الكُفْرِ بِأوَّلِ أوْقاتِ المَجِيءِ: ﴿سِحْرٌ﴾ فَكانُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ، لِأنَّ هَذا وصْفٌ لَهم لازِمٌ [سَواءٌ] بَلَغَهم ذَلِكَ وهم بِمُفْرَدِهِمْ أوْ مُنْضَمًّا إلَيْهِمْ غَيْرُهم ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ في البَيانِ في سِحْرِيَّتِهِ حَتّى إنَّ شِدَّةَ ظُهُورِهِ في نَفْسِهِ لِكُلِّ مَن رَآهُ أنَّهُ سِحْرٌ عِنادًا مِنهم ومُكابَرَةً لِلْحَقِّ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ.
الصف 61:7
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ إعْلامًا بِأنَّهم أظْلَمُ النّاسِ لِتَعَمُّدِهِمْ لِلْكَذِبِ: فَمَن أظْلَمُ مِنهم لِتَهَتُّكِهِمْ في ذَلِكَ، عَطْفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ وعَمَّ (p-٢٩)كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمْ فَقالَ: ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿الكَذِبَ﴾ الَّذِي هو أقْبَحُ الأشْياءِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿يُدْعى﴾ أيْ مِن أيِّ داعٍ كانَ ﴿إلى الإسْلامِ﴾ الَّذِي هو أحْسَنُ الأشْياءِ فَيَكْفِي في الدُّعاءِ إلَيْهِ أدْنى تَنْبِيهٍ لِأنَّهُ الِاعْتِرافُ بِالحَقِّ لِمَن هو لَهُ، فَيُجْعَلُ مَكانُ الإجابَةِ افْتِراءَ الكَذِبِ في [تِلْكَ الحالَةِ] الحُسْنى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو لا يَهْدِيهِ اللَّهُ لِأجْلِ ظُلْمِهِ، عَطْفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيْ لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ مَن فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِلْأُمُورِ الصِّعابِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَخْبِطُونَ في عُقُولِهِمْ خَبْطَ مَن هو في الظَّلامِ.
الصف 61:8
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ رَدِّهِمْ لِلرِّسالَةِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ إرادَةَ رَدِّهِمْ لِلرِّسالَةِ بِافْتِرائِهِمْ ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ يُطْفِئُوا ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا شَيْءَ يُكافِيهِ ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ بِما يَقُولُونَ مِنَ الكَذِبِ لا مَنشَأ لَهُ غَيْرُ الأفْواهِ لِأنَّهُ لا اعْتِقادَ لَهُ في القُلُوبِ لِكَوْنِهِ لا يَتَخَيَّلُهُ عاقِلٌ، فَهم في ذَلِكَ كالنّافِخِينَ في الشَّمْسِ إرادَةَ أنْ يَمْحُوَ نَفْخُهم عَيْنَها ويَنْقُصَ شَيْنُهم زَيْنَها، فَمَثَّلَ إرادَتَهم لِإخْفاءِ القُرْآنِ بِتَكْذِيبِهِمْ وجَمِيعِ كَيْدِهِمْ بِمَن (p-٣٠)يُرِيدُ إطْفاءَ الشَّمْسِ بِنَفْخِهِ فَهو في أجْهَدِ وأضَلِّ الضَّلالِ:
؎وفِي تَعَبِ مَن يَحْسُدُ الشَّمْسَ ضَوْءَها ∗∗∗ ويُجْهِدُ أنْ يَأْتِيَ لَها بِضَرِيبِ
فَأفادَ قَصْرَ الفِعْلِ أنَّ إرادَتَهم كُلَّها مَصْرُوفَةٌ لِهَذا الغَرَضِ وأنَّهُ لا إرادَةَ [لَهُمْ] غَيْرَ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهم إرادَةٌ لِأنَّهم عَبِيدٌ، والإرادَةُ لا يَنْبَغِي إلّا لِلسَّيِّدِ لِيَكُونَ إرادَةُ العَبْدِ تابِعَةً لَها، فَتَكُونُ امْتِثالًا لِإرادَتِهِ، فَكَأنَّهُ لا إرادَةَ لَهُ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في بَراءَةٍ لِأنَّ هَذِهِ نَتِيجَتُها.
ولَمّا أخْبَرَ بِعِلَّةِ إرادَتِهِمْ وأشارَ إلى وهي أمْرُهم بَعْدَ أنْ أخْبَرَ بِرَدِّهِمْ لِلْحَقِّ وجَرَّأ عَلَيْهِمْ بِالإخْبارِ بِإضْلالِهِمْ، زادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا غَيْرَ مُضْمَرٍ تَنْبِيهًا عَلى [جَمِيعِ] صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا مُدافِعَ [لَهُ] لِتَمامِ عَظَمَتِهِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ نَتِيجَةَ سُورَةِ بَراءَةَ الَّتِي أخْبَرَ فِيها بِأنَّهُ يَأْبى إلّا إتْمامَ نُورِهِ، أخْبَرَ في هَذِهِ بِنَتِيجَةِ ذَلِكَ وهي ثَباتُ تَمامِ النُّورِ ودَوامِهِ، لِأنَّ هَذا شَأْنُ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ إذا أرادَ شَيْئًا فَكَيْفَ إذا أرْسَلَ رَسُولًا فَقالَ: ﴿مُتِمُّ﴾ وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُ قَوْلَ الجُمْهُورِ [أنَّها] مَدِينَةٌ بَعْدَ التَّأْيِيدِ بِذِكْرِ الجِهادِ، فَإنَّ فَرْضَهُ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن والظّاهِرُ مِن تَرْتِيبِها عَلى المُمْتَحَنَةِ الَّتِي نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الفَتْحِ أنَّها بَعْدَ بَراءَةَ في النُّزُولِ أيْضًا. (p-٣١)ولَمّا كانَ النُّورُ لِإظْهارِ صُوَرِ الأشْياءِ بَعْدَ انْطِماسِها سَبَبًا لِوَضْعِ الأشْياءِ في أتْقَنَ مَواضِعِها، وكانَ ما أتى مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ العِلْمِ كَذَلِكَ، جُعِلَ عَيْنُهُ فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَهُ فَقالَ: ﴿نُورِهِ﴾ فَلا يَضُرُّهُ سَتْرُ أحَدٍ لَهُ بِتَكْذِيبِهِ ولا إرادَةِ إطْفائِهِ، وزادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ﴾ أيْ إتْمامُهُ [لَهُ] ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في صِفَةِ الكُفْرِ المُجْتَهِدُونَ في المُحاماةِ عَنْهُ.
الصف 61:9
ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِما هو شَأْنُ كُلِّ مَلِكٍ فَكَيْفَ بِالواحِدِ في مِلْكِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيِ الَّذِي ثَبَتَ أنَّهُ جامِعٌ لِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ وزِيرٌ ﴿الَّذِي أرْسَلَ﴾ بِما لَهُ مِنَ القُوَّةِ والإرادَةِ ﴿رَسُولَهُ﴾ أيِ الحَقِيقِ بِأنْ يُعَظِّمَهُ كُلُّ مَن بَلَغَهُ أمْرُهُ لِأنَّ عَظَمَتَهُ مَن عَظَمَتِهِ، ولَمْ يُذْكَرْ حَرْفُ الغايَةِ إشارَةً إلى عُمُومِ الإرْسالِ إلى كُلِّ مَن شَمِلَهُ المَلِكُ كَما مَضى ﴿بِالهُدى﴾ أيِ البَيانِ الشّافِي ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي ثَباتُهُ لا يُدانِيهِ ثَباتٌ، فَلا ثَباتَ لِغَيْرِهِ، فَثَباتُ هَذا الدِّينِ بِثَباتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والدِّينُ الَّذِي هو الحَقُّ الثّابِتُ في الحَقِّيَّةِ الكامِلِ فِيها كَمالًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ إشارَةً إلى شِدَّةِ التِباسِهِ بِها ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ يُعْلِيهِ (p-٣٢)مَعَ الشُّهْرَةِ وإذْلالِ المُنازِعِ ﴿عَلى الدِّينِ﴾ أيْ جِنْسِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَجْعَلُ لِيُجازِيَ مَن يَسْلُكُها ومَن يَزِيغُ عَنْها، بِها يَشْرَعُ فِيها مِنَ الأحْكامِ ﴿كُلِّهِ﴾ فَلا يَبْقى دِينٌ إلّا كانَ دُونَهُ وانْمَحَقَ بِهِ وذَلَّ أهْلُهُ لَهُ ذُلًّا لا يُقاسُ بِهِ ذَلٌّ ﴿ولَوْ كَرِهَ﴾ أيْ إظْهارَهُ ﴿المُشْرِكُونَ﴾ أيِ المُعانِدُونَ في كُفْرِهِمُ الرّاسِخُونَ في تِلْكَ المُعانَدَةِ، وأعْظَمُ مُرادٍ بِهَذا أهْلُ العِنادِ بِبِدْعَةِ الِاتِّحادِ، فَإنَّهم ما تَرَكُوا شَيْئًا مِمّا سِواهُ حَتّى أشْرَكُوا بِهِ - تَعالى [اللَّهُ] عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، - وهم مَعَ بُعْدِ نِحْلَتِهِمْ مِنَ العُقُولِ وفَسادِها مِنَ الأوْهامِ ومُصادَمَتِها لِجَمِيعِ النُّقُولِ في غايَةِ الكَثْرَةِ لِمَصِيرِ النّاسِ إلى ما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولَهُ [وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ -] مِن أنَّ أكْثَرَهم قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهم وخَفِيَتْ أماناتُهم وصارُوا حُثالَةً كَحُثالَةِ التَّمْرِ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ، لَكِنَّهم عَلى كَثْرَتِهِمْ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ في أمْثالِها في غايَةِ الذُّلِّ ولِلَّهِ الحَمْدُ لا عِزَّ لَهم إلّا بِإظْهارِ الِاتِّباعِ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يُكَذِّبُونَ في هَذِهِ الدَّعْوى لِأنَّهم في غايَةِ المُخالَفَةِ لَهُما بِحَيْثُ يَعْتَقِدُونَ أنَّهُما شِرْكٌ لِإثْباتِهِما لِلَّهِ تَعالى وُجُودًا يُخالِفُ وُجُودَ الخَلْقِ وهم يَقُولُونَ مُكابَرَةً لِلضَّرُورَةِ أنَّ الوُجُودَ واحِدٌ وأنَّهُ لا مَوْجُودَ ظاهِرًا وباطِنًا سِواهُ، ولِذَلِكَ سَمُّوا الوُجُودَ بِهِ ثُمَّ لا يَرُدُّهم عِلْمُهم بِذُلِّهِمْ وأنَّهم لا عِزَّ لَهم إلّا (p-٣٣)بِحِمى الشَّرِيعَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ فَأعْجَبَ لِذَلِكَ وألْجَأ إلى اللَّهِ تَعالى بِسُؤالِ العافِيَةِ، فَإنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ، وضَرَبَهم بِالذُّلِّ مَعَ كَثْرَتِهِمْ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ المَلِكَ الكامِلَ القُدْرَةَ لا يُقِرُّ مَن يَطْعَنُ في مُلْكِهِ ويَسْعى في رَدَّ رِسالَتِهِ وإهانَةَ رُسُلِهِ ولَقَدْ أنْجَزَ سُبْحانَهُ كَثِيرًا مَن وعَدَهُ بِما دَلَّ - لِكَوْنِهِ تَغْلِيبًا عَلى أقْوى المُلُوكِ مِنَ الأكاسِرَةِ والقَياصِرَةِ - عَلى القُدْرَةِ عَلى الباقِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقاعَدَ قَوْمُهُ عَنْ نُصْرَتِهِ وانْتَدَبُوا لِتَكْذِيبِهِ وجَحَدَ ما شاهَدُوهُ مِن صِدْقِهِ يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ أنْصارًا مِن أُمَّتِهِ هم نِزاعُ القَبائِلِ وأجادُ الأفاضِلِ وساداتُ الأماثِلِ فَبَلَغُوا في تَأْيِيدِهِ أقْصى الأمَلِ.
الصف 61:10
ولَمّا أنْتَجَ هَذا كُلُّهُ نَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كُلِّ حالٍ ودَمارٍ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ، أنْتَجَ قَطْعًا أنَّ الجِهادَ مَعَهُ مَتْجَرٌ رابِحٌ لِأنَّ النَّصْرَ مَضْمُونٌ، والمَوْتَ مَنهَلٌ لا بُدَّ مِن وُرُودِهِ سَواءٌ خاضَ الإنْسانُ الحُتُوفَ أوِ احْتَرَسَ في القُصُورِ المُشَيَّدَةِ، فَقالَ تَعالى في أُسْلُوبِ النِّداءِ والِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ أفْخَمُ وأشَدُّ تَشْوِيقًا بِالأداةِ الَّتِي لا يَكُونُ ما بَعْدَها إلّا بِالِغًا في العِظَمِ إلى النِّهايَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ قالُوا (p-٣٤)[فِي] إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ ما عَلَيْهِمْ أنْ يَفْعَلُوا بِمُقْتَضاهُ ﴿هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ وأنا المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَهي إيجابٌ في المَعْنى ذُكِرَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ تَشْوِيقًا لِيَكُونَ أوْقَعَ في النَّفْسِ فَتَكُونُ لَهُ أشَدُّ تَقَبُّلًا، والآيَةُ أيْضًا نَتِيجَةَ ما مَضى بِاعْتِبارٍ آخَرَ لِأنَّهُ لَمّا وبَّخَ عَلى انْحِلالِ العَزائِمِ وأخْبَرَ بِما يَجِبُ مِنَ القِتالِ، وبَكَّتْ عَلى أذى الرَّسُولِ ﷺ بِالمُخالَفَةِ، وأخْبَرَ أنَّ مَن خالَفَهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، كانَ مَوْضِعُ الِاسْتِباقِ في طاعَتِهِ فَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِاشْتِياقَ إلى ذِكْرِ ثَمَرَتِهِ فَذَكَرَها، ولَمّا[ كانَ] فِعْلُ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأجْلِ أنَّهُ لا نَجاحَ أهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ في أنْفُسِهِمْ ولا في شَيْءٍ مِن مالِهِمْ، وكانَ هَذا في مَعْنى التِّجارَةِ قالَ: ﴿عَلى تِجارَةٍ﴾ وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ﴿تُنْجِيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ أنْسَبُ لِهَذا المَقامِ مِن قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّخْفِيفِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أنْسَبُ لِمَقْصُودِ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ بِالإجاحَةِ في النَّفْسِ أوِ المالِ.
الصف 61:11
ولَمّا كانَ الِاتِّجارُ إجْهادُ النَّفْسِ في تَحْصِيلِ [الرِّبْحِ النّافِعِ، وكانَ الإيمانُ والجِهادُ أعْظَمُ إجْهادِ النَّفْسِ في تَحْصِينِ -] الجَنَّةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا رِيحَ تُوازِيها، فاسْتَعارَ لَهُما اسْمَها، وكانَ جَوابَ النِّداءِ الإقْبالُ (p-٣٥)وجَوابَ الِاسْتِفْهامِ نَعَمْ، عَدُوًّا كَأنَّهم أقْبَلُوا وأنْعَمُوا تَنْبِيهًا عَلى ما هو الألْيَقُ بِهِمْ، فاسْتَأْنَفَ لَهم بَيانُ التِّجارَةِ بِأنَّهُ الجَمْعُ بَيْنَ الإيمانِ الَّذِي هو أساسُ الأعْمالِ كُلِّها، والجِهادِ بِنَوْعَيْهِ المُكَمِّلِ لِلنَّفْسِ والمُكَمِّلِ لِلْغَيْرِ فَقالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ [أيْ] آمَنُوا بِشَرْطِ تَجْدِيدِ الإيمانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ الَّذِي تَصْدِيقُهُ آيَةُ الإذْعانِ المَعْنَوِيَّةِ والخُضُوعِ لِكَوْنِهِ مَلِكًا ﴿وتُجاهِدُونَ﴾ أيْ وجاهِدُوا بَيانًا لِصِحَّةِ إيمانِكم عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما بِمَعْنى الأمْرِ ما أرْشَدَ إلَيْهِ جَزْمُ ما أُقِيمَ في مَوْضِعِ الجَوابِ مَعَ قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: آمِنُوا وجاهِدُوا - بِصِيغَةِ الأمْرِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُوصِلِ إلَيْهِ الَّذِي لا أمْرَ لِغَيْرِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ ظَرْفًا لَكم في [جَمِيعِ] هَذا الفِعْلِ فَلا شَيْءَ يَكُونُ مِنهُ خارِجًا عَنْهُ لِيَكُونَ خالِصًا بِفَتْحِ بَلَدِ الحَجِّ لِيَسْهُلَ الوُصُولُ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَن أرادَهُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَرائِعِهِ فَتَكُونُوا مِمَّنْ يَصْدُقُ فِعْلُهُ قَوْلَهُ، وهَذا المَعْنى لا وقْفَةَ فِيهِ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنا: فُلانٌ فَعَلَ كَذا - الصّادِقُ بِمَرَّةَ، وبَيْنَ قَوْلِنا بِفِعْلِهِ الدّالِّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ قَدْ صارَ دَيْدَنًا لَهُ، فالمَعْنى: يا مَن فَعَلَ (p-٣٦)الإيمانَ إنْ أرَدْتُمُ النَّجاةَ فَكُونُوا عَرِيقِينَ في وصْفِ الإيمانِ حَقِيقِينَ بِهِ ثابِتِي الإقْدامِ فِيهِ وأدِيمُوا الجِهادَ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ فَإنَّ الجِهادَ لِما فِيهِ مِنَ الخَطَرِ والمَشَقَّةِ والضَّرَرِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِ الإيمانِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ السِّياقَ لِقِصَّةِ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المُفْهِمَةِ في الظّاهِرِ لِعَدَمِ الثَّباتِ في الإيمانِ وإرادَةِ الجِهادِ الدّالِّ عَلى المُصَدِّقِ فِيهِ، ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما قالَ - واللَّهُ الهادِي.
ولَمّا كانَ الجَمْعُ بَيْنَ الرُّوحِ وعَدِيلِها المالُ عَلى وجْهِ الرِّضى والرَّغْبَةِ أدَلُّ عَلى صِحَّةِ الإيمانِ، قالَ: ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾ وقَدَّمَها لِعِزَّتِها في ذَلِكَ الزَّمانِ ولِأنَّها قِوامُ الأنْفُسِ والأبْدانِ، فَمَن بَذَلَ مالَهُ كُلَّهُ لَمْ يَبْخَلْ بِنَفْسِهِ لِأنَّ المالَ قِوامُها. ولَمّا قَدِمَ القَوّامَ أتْبَعَهُ القائِمُ بِهِ فَقالَ: ﴿وأنْفُسِكُمْ﴾ ولَمّا أمَرَ بِهَذا في صِيغَةِ الخَبَرِ اهْتِمامًا بِهِ وتَأْيِيدًا لِشَأْنِهِ، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِمَدْحِهِ قَبْلَ ذِكْرِ جَزائِهِ، فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ الإيمانِ وتَصْدِيقُهُ بِالجِهادِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً مِمّا تُرِيدُونَ مِنَ الذَّبْذَبَةِ بِمُناصَحَةِ الكَفّارِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ بِالجِبِلّاتِ الصّالِحَةِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنْ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَتَجَدَّدَ لَكم عِلْمٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ، فَإذا عَلِمْتُمْ، أنَّهُ خَيْرٌ أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ فَكانَ لَكم بِهِ أمْرٌ (p-٣٧)عَظِيمٌ، وإنْ كانَتْ قُلُوبُكم قَدْ طُمِسَتْ طَمْسًا لا رَجاءَ لِصَلاحِها فَصَلُّوا عَلى أنْفُسِكم صَلاةَ المَوْتِ.
الصف 61:12
ولَمّا كانَ مَعْنى ”تُؤْمِنُونَ“: فالأمْرُ كَما تَقَدَّمَ، لَكِنَّهُ حُوِّلَ عَنْ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ، وكانَ أهَمَّ ما إلى الإنْسانِ خَوْفُهُ مِمّا هَدَّدَ عَلَيْهِ، أمَّنَ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ دالًّا عَلى أصْلِ الفِعْلِ بِجَزْمِ ما هو في مَوْضِعِ الجَوابِ فَقالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴿ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ بِمَحْوِ أعْيانِها وآثارِها كُلِّها.
ولَمّا قَرَعَ القُلُوبَ مِن كَدَرِ العِقابِ والعِتابِ، لَذَّذَها بِطِيبِ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿ويُدْخِلْكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ بِالمَغْفِرَةِ رَحْمَةً لَكم ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ ودَلَّ عَلى قُرْبِ الجارِي وتَخَلُّلِهِ الأراضِي بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ تَحْتَ أشْجارِها وغُرَفِها وكُلِّ مُتَنَزَّهٍ فِيها ﴿الأنْهارُ﴾ فَهي لا تَزالُ غَضَّةً زَهْراءَ، ولَمْ يَحْتَجْ هَذا الأُسْلُوبُ إلى ذِكْرِ الخُلُودِ لِإغْناءِ ما بَعْدَهُ عَنْهُ، دَلَّ عَلى الكَثْرَةِ المُفْرِطَةِ في الدَّوْرِ بِقَوْلِهِ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ: ﴿ومَساكِنَ﴾ ولَمّا كانَتِ المَساكِنِ لا تَرُوقُ إلّا بِما يُقارِنُها مِنَ المَعانِي الحَسَنَةِ قالَ: ﴿طَيِّبَةً﴾ أيْ في الِاتِّساعِ واخْتِلافِ (p-٣٨)أنْواعِ المَلاذِّ وعُلُوِّ الأبْنِيَةِ والأُسْرَةِ مَعَ سُهُولَةِ الوُصُولِ إلَيْها وفي بَهْجَةِ المَناظِرِ وتَيَسُّرِ مَجارِي الرِّيحِ بِانْفِساحِ الأبْنِيَةِ مَعَ طِيبِ الغُرَفِ، لَمْ يُفْسِدِ الماءُ الجارِيَ تَحْتَها شَيْئًا مِن رِيحِها ولا في اعْتِدالِها في شَيْءٍ مِمّا يُرادُ مِنها. ولَمّا كانَتْ لا يَرْغَبُ فِيها إلّا بِدَوامِ الإقامَةِ، بَيْنَ صَلاحِيَتِها لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ بَساتِينَ هي أهْلٌ لِلْإقامَةِ بِها لا يَحْتاجُ في إصْلاحِها إلى شَيْءٍ خارِجٍ يَحْتاجُ في تَحْصِيلِهِ إلى الخُرُوجِ عَنْها [لَهُ]، ولا آخَرَ لِتِلْكَ الإقامَةِ، قالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ في كِتابِهِ جَوامِعِ التَّفْسِيرِ: هي قَصَبَةُ الجِنانِ ومَدِينَةُ الجَنَّةِ أقْرَبُها إلى العَرْشِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا شَرِيفًا لا يُوجَدُ في غَيْرِها قالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ جِدًّا وحْدَهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
الصف 61:13
ولَمّا ذَكَرَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ في الأُخْرى لِأنَّهُ أهَمُّ لِدَوامِها، كانَ التَّقْدِيرُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العَطْفُ: هَذا لَكُمْ، عَطْفٌ عَلَيْهِ ما جَعَلَ لَهم في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وأُخْرى﴾ أيْ ولَكم نِعْمَةٌ، أوْ يُعْطِيكُمْ، أوْ يَزِيدُكم نِعْمَةً أُخْرى. ولَمّا كانَ الإنْسانُ أحَبُّ في العاجِلِ وأفْرَحُ بِالنّاجِزِ قالَ: ﴿تُحِبُّونَها﴾ أيْ مَحَبَّةً كَثِيرَةً مُتَجَدِّدَةً (p-٣٩)مُتَزايِدَةً، فَفي ظاهِرِ هَذِهِ البُشْرى تَشْوِيقٌ إلى الجِهادِ وتَحْبِيبٌ، وفي باطِنِها حَثٌّ عَلى [حُبِّ] الشَّهادَةِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ التَّوْبِيخِ أيْضًا عَلى حَلِّ العاجِلِ والتَّقْرِيعِ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَتْ عَظَمَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَكم وعَلى قَدْرِ إحاطَتِهِ تَكُونُ نُصْرَتُهُ ﴿وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ تَدْخُلُونَ مِنهُ إلى [كُلِّ] ما كانَ مُتَعَسِّرًا عَلَيْكم مِن حُصُونِ أعْدائِكم وغَيْرِها مِن أُمُورِهِمْ في حَياةِ نَبِيِّكم ﷺ أعْظَمُهُ فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي كَتَبَ حاطِبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَبَبِهِ، وبَعْدَ مَماتِهِ، وفِيهِ شَهادَةٌ لِحاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ يُحِبُّ نُصْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ والفَتْحَ عَلَيْهِ مَكَّةَ وغَيْرِها لِصِحَّةِ إيمانِهِ كَما أخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى.
ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُعاتَبَةِ إنْذارًا لِمَن خالَفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وكانَ المَقامُ قَدْ أخَذَ حَظَّهُ مِنَ الإنْذارِ والتَّوْبِيخِ، طَوى ما تَقْدِيرُهُ: فَأنْذَرَ مَن لَمْ يَكُنْ راسِخًا في الدِّينِ مِنَ المُنافِقِينَ، ومَن خالَفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ: عَطَفَ عَلَيْهِ دَلالَةً عَلَيْهِ لِيَكُونَ [أوْقَعَ] في النَّفْسِ لِمَن يُشِيرُ إلَيْهِ طَيُّهُ مِنَ الِاسْتِعْطافِ قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا راسِخًا كَحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ لَكَ البِلادَ شَرْقًا وغَرْبًا، وأوَّلُ ذَلِكَ مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ ولا يُحْوِجُهم (p-٤٠)إلى أنْ يَدْرَؤُوا عَنْ عَشائِرِهِمْ وأمْوالِهِمْ ولا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِمْ يُخالِفُ شَيْئًا مِن أقْوالِهِمْ.
الصف 61:14
ولَمّا هَزَّ سُبْحانَهُ إلى الجِهادِ وشَوَّقَ إلَيْهِ بِأنَّهُ مَتْجَرٌ رابِحٌ، ولَوَّحَ إلى النِّذارَةِ بِالتَّنْشِيطِ بِالبِشارَةِ، فَتَهَيَّأتِ النُّفُوسُ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ وانْبَعَثَتْ أيِ انْبِعاثَ، حَضَّ عَلَيْهِ بِالإيجابِ المُقْتَضِي لِلثَّوابِ أوِ العِقابِ، فَقالَ مُنادِيًا بِأداةِ البُعْدِ والتَّعْبِيرِ بِما يَدُلُّ عَلى أدْنى الأسْنانِ تَأْنِيبًا عَلى أنَّهُ لا يُعْدَمُ الوَصْفُ بِالإيمانِ إلّا مُقْرُونٌ بِالحِرْمانِ تَشْوِيقًا وتَحَبُّبًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [أيْ] أقِرُّوا بِذَلِكَ فَأذْعَنُوا بِهَذا الوَعْظِ غايَةَ الإذْعانِ أنِّي أمَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لَكُمْ: ﴿كُونُوا﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِكم ﴿أنْصارَ اللَّهِ﴾ أيْ راسِخِينَ في وصْفِ النُّصْرَةِ وفي الذُّرْوَةِ العُلْيا مِن ثَباتِ الأقْدامِ في تَأْيِيدِ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ لِتَكُونُوا - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالإضافَةِ - بِالِاجْتِهادِ في ذَلِكَ كَأنَّكم جَمِيعُ أنْصارِهِ، فَإنَّكم أشْرَفُ مِن قَوْمِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما نَدَبَكم سُبْحانَهُ لِنُصْرَتِهِ إلّا لِتَشْرِيفِكم بِمُصاحَبَةِ رُسُلِهِ الَّذِينَ هم خُلاصَةُ خَلْقِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ ولامُ الجَرِّ عَلى مَعْنى: كُونُوا بَعْضَ أنْصارِهِ، ويُشَبِّهُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ الثَّباتَ عَلى (p-٤١)الإيمانِ ولَوْ في أدْنى الدَّرَجاتِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ الرُّسُوخُ فِيهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ عَلى صِفَةٍ هي مِنَ الثَّباتِ والسُّرْعَةِ عَلى صِفَةِ الحَوارِيِّينَ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما﴾ أيْ كُونُوا لِأجْلِ أنِّي أنا [نَدَبْتُكُمْ] بِقَوْلِي مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولَذَذْتُكم بِخِطابِي مِثْلَ ما كانَ الحَوارِيُّونَ أنْصارُ اللَّهِ حِينَ ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ حِينَ أرْسَلْتُهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ ناسِخًا لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لِلْحَوارِيِّينَ﴾ أيْ خُلَّصِ أصْحابِهِ وخاصَّتِهِ مِنهُمْ: ﴿مَن أنْصارِي﴾ حالَ كَوْنِهِمْ سائِرِينَ في مَنازِلِ السُّلُوكِ والمُعامَلاتِ ومَراحِلِ المُجاهَداتِ والمُنازَلاتِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَنَحْنُ إلَيْهِ راجِعُونَ كَما كُنّا بِهِ مَبْدُوئِينَ.
ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى جَوابِهِمْ، أبانَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ مُعَلِّمِينَ أنَّهُ جادُّونَ في ذَلِكَ جِدًّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ عامِلِينَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ عَمَلَ الواصِلِ لا السّائِرُ [لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ إجابَتُهُ إجابَةَ اللَّهِ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى فَلَيْسَ كَلامُهُ إلّا عَنِ اللَّهِ]: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ بِأجْمَعِنا ﴿أنْصارَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي هو غَنِيٌّ عَنّا وقادِرٌ عَلى تَمامِ نَصْرِنا، ولَوْ كانَ عَدُوُّنا كُلَّ أهْلِ الأرْضِ نَنْصُرُهُ الآنَ بِالفِعْلِ، لا نَحْتاجُ إلى تَدْرِيبٍ يَسِيرٍ ولا نَظَرَ [إلى] غَيْرِ اسْتِحْضارِنا لِجَمِيعِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآدَمِيُّ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ وكَمالِهِ، ولِذَلِكَ أظْهَرُوا ولَمْ يُضْمِرُوا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ دَعَوْا مَن خالَفَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ وبارَزُوهُمْ، (p-٤٢)سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَتْ﴾ أيْ بِهِ ﴿طائِفَةٌ﴾ أيْ ناسٌ فِيهِمْ أهْلِيَّةُ الِاسْتِدارَةِ لِما لَهم مِنَ الكَثْرَةِ ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ قَوْمِهِ ﴿وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أيْ مِنهُمْ، وأصْلُ الطّائِفَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ ﴿فَأيَّدْنا﴾ أيْ قَوَيَّنا بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ المُخْلِصِ مِنهم وغَيْرِهِ في القَوْلِ والفِعْلِ وشَدَدْنا قُلُوبَهم ﴿عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ الَّذِينَ عادُوهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ. ولَمّا كانَ الظَّفْرُ بِالمَحْبُوبِ [أحَبَّ ما يَكُونُ] إذا كانَ أوَّلَ النَّهارِ، تَسَبَّبَ عَنْ تَأْيِيدِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا﴾ أيْ صارُوا بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ ﴿ظاهِرِينَ﴾ أيْ عالِينَ غالِبِينَ قاهِرِينَ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخافُونَ أحَدًا إلّا اللَّهَ ولا يَسْتَخِفُّونَ مِنهُ، فالتَّأْيِيدُ تارَةً يَكُونُ [بِالعِلْمِ وتارَةً] بِالفِعْلِ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] فَصارَ عِلْمُهُ في غايَةِ الإحْكامِ وتَبِعَتْهُ قُوَّةٌ هي في مُنْتَهى التَّمامِ، لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ عِلْمٍ مُسْتَفادٍ مِن قُوَّةٍ، وإلّا لَقالَ: عِلْمُهُ كَثِيرُ العِلْمِ.
﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] قُوَّةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن عِلْمٍ، والظّاهِرُ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] وغَيْرِها أنَّ تَأْيِيدَ المُؤْمِنِينَ [بِهِ] كانَ بَعْدَ رَفْعِهِ بِيَسِيرٍ حِينَ ظَهَرَ (p-٤٣)الحَوارِيُّونَ وانْبَثُّوا في البِلادِ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ بِما آتاهم مِنَ الآياتِ، فاتَّبَعَهُمُ النّاسُ، فَلَمّا تَمادى الزَّمانُ وماتَ الحَوارِيُّونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ افْتَرَقَ النّاسُ ودَبَّ إلَيْهِمُ الفَسادُ، فَغَلَبَ أهْلُ الباطِلِ وضَعُفَ أهْلُ الحَقِّ حَتّى كانُوا عِنْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ عَدَمًا أوْ في حُكْمِ العَدَمِ، - كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ كَما تَرى بِما وقَعَ مِنَ التَّنَزُّهِ عَمّا يُوهِمُهُ عُلُوُّ الكَفَرَةِ مِنَ النَّقْصِ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ وقَسْرِ أعْدائِهِ، ومِنَ الأمْرِ مِمّا أخْبَرَ أوَّلَها أنَّهُ يُحِبُّهُ مِنَ القِتالِ في سَبِيلِهِ حَثًّا عَلَيْهِ وتَشْوِيقًا إلَيْهِ - عَلى أوَّلِها، واتَّصَلَ بِما بَشَّرَ بِهِ مَن آمَنَ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الإيمانِ مِنَ العِزِّ مُوصِلِها بِمَفْصِلِها، بِما أُزِيلَ مِنَ الأسْبابِ الحامِلَةِ لَهُ عَلى المُداراةِ، والأُمُورُ الَّتِي أوْقَعَتْهُ في المُماشاةِ مَعَ الكُفّارِ والمُجاراةِ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ رُسُوخُ الإيمانِ، وحُصُولُ الإتْقانِ، المُقْتَضِي لِلتَّنْزِيهِ بِالفِعْلِ عَنْ كُلِّ شَوْبِ نُقْصانٍ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.
الجمعة 62:1
(p-٤٤)سُورَةُ الجُمْعَةِ
مَقْصُودُها بَيانُ مُسَمّى الصَّفِّ بِدَلِيلٍ هو أوْضَحُ شَرائِعِ الدِّينِ وأوْثَقُ عُرى الإسْلامِ وهو الجُمْعَةُ الَّتِي اسْمُها مُبَيِّنٌ لِلْمُرادِ مِنها مِن فَرْضِيَّةِ الِاجْتِماعِ فِيها وإيجابِ الإقْبالِ عَلَيْها وهو التَّجَرُّدُ عَنْ غَيْرِها والِانْقِطاعُ لِما وقَعَ مِنَ التَّفَرُّقِ حالَ الخُطْبَةِ عَمَّنْ بَعَثَ لِلتَّزْكِيَةِ بِالِاجْتِماعِهِ عَلَيْهِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، واسْمُها الجُمْعَةُ أنْسَبُ شَيْءٍ فِيها لِهَذا المَقْصِدِ بِتَدَبُّرِ آياتِهِ وتَأمُّلِ أوائِلِهِ وغاياتِهِ، الحاثَّةِ عَلى قُوَّةِ التَّواصُلِ والِاجْتِماعِ، والحامِلَةِ عَلى دَوامِ الإقْبالِ عَلى المُزَكِّي والحُبِّ لَهُ والِاتِّباعِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي [أحاطَ] عِلْمُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ فَتَمَّ بَيانُهُ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَةُ بَيانِهِ بَعْدَ شُمُولِ كَرامَةِ إيجادِهِ فَهو العَظِيمُ شَأْنُهُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضاهُ فَثَبَتَ في سُوَيْداءَ كُلٍّ مِنهم حُبُّهُ لَهُ وإيمانُهُ بِهِ.
* *
ولَمّا خُتِمَتِ الصَّفُّ بِالإقْبالِ بِبَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى جَنابِهِ الأقْدَسِ بَعْدَ أنْ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم كُلَّهم أوِ الشّاذَّ مِنهم بِما أفْهَمَهُ إطْلاقُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَأْيِيدُهم عَلى مَنِ اسْتَمَرَّ مِنهم عَلى الزَّيْغِ، فَثَبَتَ أنَّ لَهُ (p-٤٥)تَمامَ القُدْرَةِ المُسْتَلْزِمِ لِشُمُولِ العِلْمِ اللّازِمِ مِنهُ التَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ ذَكَرَ التَّسْبِيحَ الَّذِي هو الأعْظَمُ الأشْهَرُ لِلتَّنْزِيهِ بِلَفْظِ الماضِي ثَلاثَ مَرّاتٍ في افْتِتاحِ ثَلاثِ سُوَرٍ، وذَلِكَ نِهايَةُ الإثْباتِ المُؤَكَّدِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ تَنْزِيهُهُ مِن كُلِّ ناطِقٍ وصامِتٍ، أخْبَرَ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ ذَلِكَ التَّنْزِيهَ عَلى وجْهِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ بِالتَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ لِاسْتِمْرارِ مُلْكِهِ فَقالَ: ﴿يُسَبِّحُ﴾ أيْ يُوقِعُ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ الأبْهى الأكْمَلَ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، وأكَدَّ بِذَلِكَ لِما في التَّغابُنِ ولَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ الإقْرارِ بِالوُقُوعِ عَلى هَذا الوَجْهِ إلى التَّأْكِيدِ بِأكْثَرِ مِن مَرَّةٍ وجَعَلَ بَيْنَ كُلِّ مِسْبَحَتَيْنِ سُورَةً خالِيَةً مِن ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدُلُّ عَلى قَصْدِ التَّأْكِيدِ مِن حَيْثُ شِدَّةُ الِاعْتِناءِ بِالذِّكْرِ، وإنَّ وقَعَ فَصْلٌ ويَكُونُ التَّأْكِيدُ أكْثَرَ تَنْبِيهًا وأعْظَمَ صَدْعًا وتَذْكِيرًا.
ولَمّا كانَ تَقْرِيعُ العاقِلِ النّاطِقِ بِطاعَةِ الصّامِتِ أعْظَمَ، قالَ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾ وإنْ كانَ العاقِلُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما عَلَيْهِ فَيَكُونُ تَسْبِيحُهُ تارَةً طَوْعًا مُوافَقَةً لِلْأمْرِ، وتارَةً كُرْهًا بِالِانْقِيادِ مَعَ الإرادَةِ، وتَسْبِيحُ الصّامِتِ طَوْعًا في كُلِّ حالٍ. ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا، دَعا ذَلِكَ إلى التَّأْكِيدِ لِاحْتِياجِهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ كَذَلِكَ. (p-٤٦)ولَمّا ثَبَتَ بِالسُّوَرِ الثَّلاثِ الماضِيَةِ أنَّ المَوْجُوداتِ أوْقَعَتْ لَهُ التَّسْبِيحَ، وأخْبَرَتْ هَذِهِ بِاسْتِمْرارِ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ، دَلَّ ذَلِكَ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقائِصِ عَلى إثْباتِ الكَمالِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا لِمَلِكٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ مُطاعِ الأمْرِ، وكانَ الِاقْتِصارُ عَلى الصّامِتِ بِالتَّعْبِيرِ بِما هو ظاهِرٌ فِيهِ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا، قالَ مُصَرِّحًا بِما أفْهَمَهُ السِّياقُ: ﴿المَلِكِ﴾ أيِ الَّذِي ثَبَتَتْ لَهُ جَمِيعُ الكَمالاتِ فَهو يَنْصُرُ مَن يَشاءُ مِن جُنْدِهِ ولَوْ كانَ ذَلِيلًا فَيُصْبِحُ ظاهِرًا ﴿القُدُّوسِ﴾ الَّذِي انْتَفَتْ عَنْهُ جَمِيعُ النَّقائِصِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ وتَنَزَّهَ عَنْ إحاطَةِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ بِعِلْمِهِ أوْ إدْراكِ كُنْهِ ذاتِهِ فَلَيْسَ في أيْدِي الخَلْقِ إلّا التَّرَدُّدُ في شُهُودِ أفْعالِهِ، والتَّدَبُّرِ لِمَفاهِيمِ نُعُوتِهِ وجَلالِهِ، وأحَقِّهِمْ بِالقُرْبِ والعِدادِ في حِزْبِهِ المُتَخَلِّقِ بِأوْصافِهِ عَلى قَدْرِ اجْتِهادِهِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ التَّنَزُّهُ عَنْ أنْ يَقُولَ ما لا يَفْعَلُ أوْ يَبْنِي شَيْئًا مِن أُمُورِهِ عَلى غَيْرِ إحْكامٍ، وقَدْ مَضى شَرْحُ الِاسْمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ قَرِيبًا وذَكَرَ خُلاصَةَ [شَرْحِهِما] بِما هو خاصَّةُ المُلْكِ وآيَةُ الطَّهارَةِ لِلطّاهِرِ فَقالَ: ﴿العَزِيزِ﴾ أيِ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ، لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَلَوْ أرادَ لَجَعَلَ العُقَلاءَ كُلَّهم أيْضًا مَعَ تَسْبِيحِهِمْ بِالجَرْيِ تَحْتَ مُرادِهِ طَوْعًا وكُرْهًا مُسَبِّحِينَ بِالمُوافَقَةِ لِأمْرِهِ طَوْعًا ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يُوقِعُ كُلَّ ما أرادَهُ في أحْكَمِ (p-٤٧)مَواقِعِهِ وأتِمِّها وأتْقَنِها.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا خُتِمَتْ سُورَةُ الصَّفِّ بِالثَّناءِ عَلى الحَوارِيِّينَ في حُسْنِ اسْتِجابَتِهِمْ وجَمِيلِ إيمانِهِمْ، وقَدْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] الآيَةُ، كانَ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ فَضْلَ أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاتَّبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ، والثَّناءِ عَلَيْها، فافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْزِيهِ عَمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] فَإنَّهُمُ ارْتَكَبُوا العَظِيمَةَ وقالُوا بِالنُّبُوَّةِ، فَنَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ [ثُمَّ] قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] ثُمَّ أعْلَمُ تَعالى بِحالِ طائِفَةٍ لاحَ لَهم نُورُ الهُدى ووَضَحَ لَها سَبِيلُ الحَقِّ فَعَمِيَتْ عَنْ ذَلِكَ وارْتَبَكَتْ في ظُلُماتِ جَهْلِها ولَمْ تَزْدَدْ بِما حَمَلَتْ إلّا حِيرَةٌ وضَلالَةٌ فَقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] الآياتُ وهي في مَعْرِضِ التَّنْبِيهِ لِمَن تَقَدَّمَ الثَّناءُ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ اللَّهُ إيّاهُ لِئَلّا يَكُونُوا فِيما يَتْلُو عَلَيْهِمْ نَبِيُّهم مِنَ الآياتِ ويُعَلِّمُهم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ مِثْلَ أُولَئِكَ المُمْتَحِنِينَ، فَإنَّهم مُقِتُوا ولُعِنُوا بَعْدَ حَمْلِهِمُ التَّوْراةَ، وزَعَمُوا أنَّهُمُ التَزَمُوا حَمْلَهُ والوَفاءَ بِهِ فَوَعَظَ هَؤُلاءِ بِمِثالِهِمْ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ (p-٤٨)لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وما يَذْكُرُ إلّا أوَّلُو الألْباب انْتَهى.
الجمعة 62:2
ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ عَلى تَزْكِيَةِ الجِلْفِ الجافِي [بِحَمْلِهِ] عَلى التَّنْزِيهِ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى غَيْرِهِ، وكانَ قَدْ أسْلَفَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا التَّزْكِيَةَ بَلْ زاغُوا، دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ في عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ ومِلْكِهِ وقُدْسِهِ عَلى تَزْكِيَةِ جَمِيعِ العُقَلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي بَعَثَ﴾ أيْ مِن حَضْرَةِ غَيْبٍ غَيَّبَهُ بِشَرْعِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿فِي الأُمِّيِّينَ﴾ أيِ العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا مَعْرُوفِينَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأُمَمِ لا يَكْتُبُونَ بَلْ هم عَلى الخِلْقَةِ الأوْلى حِينَ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ الأُمِّ، وذَكَرَ ظَرْفُ البَعْثِ وإهْمالُ غايَتِهِ دالٌّ عَلى أنَّها كُلٌّ مَن يَتَأتّى البَعْثُ إلَيْهِ وهم جَمِيعُ الخَلْقِ، ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ الأُمِّيَّةُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ لِأنَّ بَعْثَهُ ﷺ كانَ حِينَ ذَهَبَ العِلْمُ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّ العَرَبَ أصْلٌ فَجَمِيعُ الباقِينَ تَبَعٌ لَهُمْ، فَلا بِدَعَ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ وصْفَهم ﴿رَسُولا﴾ ولَمّا كانَ تَقْوِيمُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ أعْجَبَ قالَ: ﴿مِنهُمْ﴾ بَلِ الأُمِّيَّةُ [بِمَعْنى] عَدَمِ الكِتابَةِ والتَّجَرُّدِ عَنْ كُلِّ تَكَلُّفِ وصْفٍ لازِمٍ لَهُ دائِمًا وعِلْمِهِ لِما يَكُنْ يَعْلَمُ مِن غَيْرِ تَطَلُّبٍ، فَكانَتْ آثارُ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ مُنْدَرَسِهِ، وأنْوارِ الحَقائِقِ عَلَيْهِ لائِحَةٌ، وذَلِكَ يَتَوَهَّمُ الِافْتِقارَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالكُتُبِ لِأنَّ مَنشَأ (p-٤٩)مُشاكَلَتِهِ لِحالِ مَن بُعِثَ فِيهِمْ أقْرَبُ إلى مُساواتِهِمْ لَهُ لَوْ أمْكَنَهُمْ، فَيَكُونُ عَدَمُ إمْكانِ المُساواةِ أدُلَّ عَلى الإعْجازِ، وذَكَرَ [بَعْثَهُ] مِنهم إنْ خُصَّ الوَصْفُ بِالعَرَبِ لا يَنْفِي بَعْثَهُ إلى غَيْرِهِمْ ولا سِيَّما مَعَ ما ورَدَ فِيهِ مِنَ الصَّرائِحِ وأثْبَتَهُ مِنَ الدَّلائِلِ القَواطِعِ، فَذَكَرَ مَوْضِعَ البَعْثِ وابْتِداءَهُ فَتَكُونُ الغايَةُ مُطْلَقَةً تَقْدِيرُها: إلى عامَّةِ الخَلْقِ.
ولَمّا كانَ كَوْنُهُ مِنهم مُفْهِمًا [لِأنَّهُ لا يَزِيدُ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مِنهُمْ] وإنْ زادَ فَبِشَيْءٍ يَسِيرٍ، عَجِبَ مِن أمْرِهِ ونَبَّهَ عَلى مُعْجِزَةٍ عَظِيمَةٍ لَهُ بِقَوْلِهِ مُسْتِأْنِفًا: ﴿يَتْلُو﴾ أيْ يَقْرَأُ قِراءَةً يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا عَلى وجْهِ الكَثْرَةِ والعُلُوِّ والرِّفْعَةِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا مِثْلَهم ﴿آياتِهِ﴾ أيْ يَأْتِيهِمْ بِها عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والمُواصَلَةِ آيَةً بَيِّنَةً عَلى صِدْقِهِ لِأنَّهُ أُمِّيٌّ مِثْلَهم بَلْ فِيهِمُ الكاتِبُ والعالِمُ وإنْ كانُوا مَعْمُورِينَ في كَثْرَتِهِمْ [فَما] خَصَّهُ عَنْهم بِذَلِكَ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّنْزِيهِ [ولِتَأْدِيبِ مَن وقَعَ في مُوادَّةِ الكُفّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قَدَّمَ التَّزْكِيَةَ فَقالَ]: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ عَنِ الأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ، فَكانَتْ تَزْكِيَتُهُ لَهم مُدَّةَ حَياتِهِ بِنَظَرِهِ الشَّرِيفِ إلَيْهِمْ وتَعْلِيمِهِ لَهم وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَرُبَّما نَظَرَ إلى الإنْسانِ نَظْرَةَ مَحَبَّةٍ فَزَكّاهُ (p-٥٠)اللَّهُ بِها، ورُبَّما سَرَتْ تِلْكَ النَّظْرَةُ إلى ثانٍ فَأشْرَقَتْ أنْوارُها عَلَيْهِ عَلى حَسَبِ القابِلِيّاتِ كَما وقَعَ لِعُمَيْرِ بْنِ وهْبٍ ثُمَّ صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ وكَذا ذُو النُّورِ الطُّفَيْلُ بْنُ عامِرِ الدَّوْسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قَوَّمَهُ، فَأمّا عُمَيْرٌ فَكانَ مِن أعْظَمِ المُؤْذِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن آمَنَ بِهِ فَتَذاكَرَ مَعَ صَفْوانَ وقْعَةَ بَدْرٍ في الحِجْرِ ومَن فَقَدُوا مِن صَنادِيدِهِمْ وأنَّهُ لَيْسَ في العَيْشِ بَعْدَهم خَيْرٌ، ثُمَّ تَمَنَّوْا رَجُلًا بِقِتالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ عُمَيْرُ: لَوْلا فَقْرِي وبَناتٌ لِي وعِيالٌ أخْشى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ مِن بَعْدِي لَأتَيْتُهُ بَغْلَةَ أسِيرِي عِنْدَهم فَقَتَلْتُهُ، فاغْتَنَمَها صَفْوانُ فَعاهَدَهُ أنْ يَكْفِيَ عِيالَهُ إنْ ماتَ وأنْ يُواسِيَهُ إنْ عاشَ، فَقالَ: اكْتُمْ عَنِّي ثَلاثًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَهَداهُ اللَّهُ فَحَلَفَ صَفْوانُ أنْ لا يُكَلِّمَهُ أبَدًا، فَلَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ فَرَّ صَفْوانُ لِيَرْكَبَ البَحْرَ مِن جَدَّةَ، فاسْتَأْذَنَ عُمَيْرُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ ذَهَبَ إلَيْهِ فَلَحِقَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى رَجَعَ ثُمَّ أسْلَمَ فَكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأمّا ذُو النُّورِ فَحِينَ دَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ سَألَ آيَةً يُعِينُهُ اللَّهُ بِها عَلى قَوْمِهِ فَآتاهُ اللَّهُ نُورًا حِينَ أشْرَفَ عَلى الحَيِّ الَّذِي هو مِنهُ، ثُمَّ دَعا أباهُ وأُمَّهُ فَأسْلَما، ثُمَّ صاحَبَتْهُ فَكَذَلِكَ ثُمَّ قَوَّمَهُ، فَما تَخَلَّفَ مِنهم أحَدٌ، وأمّا غَيْرُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَتَزْكِيَتُهُ لَهم بِآثارِهِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ والأُمُورِ الَّتِي قَضى اللَّهُ أنْ يَكُونَ مُهَيَّأً، فَمَن كانَ لَهُ أعْشَقُ كانَ لِاتِّباعِهِ ألْزَمٌ، فَكانَ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّتِهِ أرْسَخُ مِن (p-٥١)سِيرَةٍ وغَيْرِها عِلْمًا وعَمَلًا فَكانَ أشَدَّ زُكاءً.
ولَمّا كانُوا بَعْدَ التَّزْكِيَةِ الَّتِي هي تَخْلِيَةٌ عَنِ الرَّذائِلِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى تَحْلِيَةٍ بِالفَضائِلِ قالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ دِينِيٍّ ودُنْيَوِيٍّ في الأُولى والأُخْرى ﴿والحِكْمَةَ﴾ وهي غايَةُ الكِتابِ في قُوَّةِ فَهْمِهِ والعَمَلِ بِهِ، فَهي العِلْمُ المُزَيَّنُ بِالعَمَلِ [والعَمَلُ] المُتْقَنُ بِالعِلْمِ مَعْقُولِهِ ومَنقُولِهِ لِيَضَعُوا كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ فَلا يَزِيغُوا عَنِ الكِتابِ كَما زاغَ بَنُو إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ مَثَلُهم كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا و[لَوْ] لَمْ يَكُنْ لَهُ ﷺ [مُعْجِزَةٌ] إلّا هَذِهِ لَكانَتْ غايَةً.
ولَمّا كانَ الوَصْفُ بِالأُمِّيَّةِ مُفْهِمًا لِلضَّلالِ، وكانَ كَثِيرٌ مِنهم حالَ إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ يَعْتَقِدُ أنَّهم عَلى دِينٍ مَتِينٍ وحالٍ جَلِيلٍ مُبَيَّنٍ، وكانُوا بَعْدَ هِدايَتِهِ لَهم بَعْدَ الأُمِّيَّةِ سَيَضِلُّونَ لِأنَّ الإرْسالَ مِن حَضْرَةِ غَيْبِ الغَيْبِ في العُلُومِ المُنافِيَةِ لِلْأُمِّيَّةِ إلى ما لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلتَّوَقُّفِ في كَوْنِهِمْ كانُوا أُمِّيِّينَ، أكَّدَ هَذا المَفْهُومَ بِقَوْلِهِ: (p-٥٢)﴿وإنْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿كانُوا﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ لَهم. ولَمّا كانَ كَوْنُهم ذَلِكَ في بَعْضِ الزَّمَنِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ مِن حِينِ غَيَّرُوا دِينَ أبِيهِمْ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ بُعْدٍ عَنِ المَقْصُودِ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ ظاهِرٍ في نَفْسِهِ مُنادٍ لِغَيْرِهِ أنَّهُ ضَلالٌ بِاعْتِقادِهِمُ الأباطِيلَ الظّاهِرَةَ وظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى شَيْءٍ وعُمُومِ الجَهْلِ لَهم ورِضاهم بِهِ واخْتِيارُهم لَهُ وعَيْبُهم مَن يَمِيلُ إلى التَّعَلُّمِ ويَنْحُو نَحْوَ التَّبَصُّرِ كَما وقَعَ لَهم مَعَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وغَيْرِهِ، فَوَصْفُهم بِهَذا غايَةً في نَفْيِ التَّعَلُّمِ مِن مَخْلُوقٍ عَنْ نَبِيِّهِمْ إعْظامًا لِما جاءَ بِهِ مِنَ الإعْجازِ وتَقْرِيرًا لِشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى نَبِيٍّ يُرْشِدُهم إلى الهُدى، ويُنْقِذُهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ العَمى والرَّدى.
الجمعة 62:3
ولَمّا كانَتْ تَزْكِيَتُهُ لَهم مَعَ أُمِّيَّتِهِمْ وغَباوَتِهِمْ لِوَصْفِ الأُمِّيَّةِ في الجَهْلِ أمْرًا باهِرًا في دَلالَتِهِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، زادَ في الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِإلْحاقِ كَثِيرٍ مِمَّنْ في غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مِثْلَهم في الأُمِّيَّةِ [بِهِمْ] (p-٥٣)فَقالَ: ﴿وآخَرِينَ﴾ أيْ وبَعْثُهُ في آخَرِينَ ﴿مِنهُمْ﴾ في الأُمِّيَّةِ لا في العَرَبِيَّةِ ﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الماضِيَةِ في صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ، بَلْ هم أجْلَفُ النّاسِ كَعَوامِّ المَجُوسِ واليَهُودِ والنَّصارى والبَرابِرِ ونَحْوِهِمْ مِن طَوائِفِ العَجَمِ الَّذِينَ هم ألْكَنُ النّاسِ لِسانًا وأجْمَدُهم أذْهانًا وأكْثَفُهم طَبْعًا وشَأْنًا، وسَيُلْحِقُهُمُ اللَّهُ بِهِمْ في العِلْمِ والتَّزْكِيَةِ.
ولَمّا كانَ عَدَمُ إلْحاقِهِمْ [بِهِمْ] في الماضِي رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في القُدْرَةِ، وإلْحاقُهم بِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ، قالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ فَهو يُزَكِّي مَن يَشاءُ ويُعْلِمُهُ ما أرادَ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ، ولَوْ كانَ أجْمَدَ أهْلِ [تِلْكَ] الطّائِفَةِ لِأنَّ الأشْياءَ كُلَّها بِيَدِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ فَهو إذا أرادَ شَيْئًا مُوافِقًا لِشَرْعِهِ وأمْرِهِ جَعَلَهُ عَلى أتْقَنِ الوُجُوهِ وأوْثَقِها فَلا يُسْتَطاعُ نَقْضُهُ، ومَهْما أرادَهُ كَيْفَ كانَ فَلا بُدَّ مِن إنْفاذِهِ فَلا يُطْلَقُ رَدُّهُ بِوَجْهٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالآخَرِينَ العَجَمَ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُلْحِقُهم بِالعَرَبِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو رِوايَةُ لَيْثٍ عَنْ مُجاهِدٍ ويُؤَيِّدُهُ ”مارَوِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَجُلًا سَألَ عَنْهم لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ (p-٥٤)الجُمْعَةِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ:“لَوْ كانَ الإيمانُ عِنْدَ الثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ"».
الجمعة 62:4
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا، عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِثْمارِ مِن قُدْرَتِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الرُّتْبَةِ مِن تَفْضِيلِ الرَّسُولِ وقَوَّمَهُ وجَعَلَهم مَتْبُوعِينَ بَعْدَ أنْ كانَ العَرَبُ أتْباعًا لا وزْنَ لَهم عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوائِفِ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، والفَضْلُ ما لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا بِخِلافِ الفَرْضِ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ بِأنْ يُهَيِّئَهُ لَهُ ولَوْ كانَ أبْعَدَ النّاسِ مِنهُ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿ذُو الفَضْلِ﴾ ولَمّا كانَتْ ”آلُ“ دالَّةً عَلى الكَمالِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿العَظِيمِ﴾ أيِ الَّذِي يُحَقِّرُ دُونَهُ كُلُّ عَطاءٍ مِن غَيْرِهِ.
الجمعة 62:5
ولَمّا أدَّبَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ في المُمْتَحِنَةِ عَمّا يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأتَمَّهُ في الصَّفِّ بِما حَذَّرَ مِن إزاغَةِ القُلُوبِ لِمَن آذى نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأعْلَمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ الآدابَ كُلَّها في هَذا الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِمُ الَّذِي جَعَلَهُ خاتَمَ الأنْبِياءِ وأشْرَفَ الأصْفِياءِ، ودَلَّ عَلى فَضْلِهِ العَظِيمِ بِتَعْلِيمِ الجاهِلِ، دَلَّ عَلى عِقابِهِ الألِيمِ تَتْمِيمًا لِلدَّلالَةِ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ بِتَجْهِيلِ العالِمِ بِإزاغَةِ قَلْبِهِ وإذْهابِ لُبِّهِ بِيَأْسِهِ مِنَ الآخِرَةِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ بِما يُوجِبُ الإضْلالَ بَعْدَ العِلْمِ، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا فَضْلُهُ عَلى الجاهِلِ فَكَيْفَ (p-٥٥)فِعْلُهُ بِالعالَمِ؟ فَقالَ تَحْذِيرًا مَن يُزَكِّي فَلا يَتَزَكّى بِأنْ يَقُولَ ما لا يَعْمَلُ، ويَحْمِلُ الكِتابَ فَيَحْمِلُهُ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ مِن أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما فُعِلَ بِاليَهُودِ مِنَ الذُّلِّ في الدُّنْيا والخِزْيِ [والعَذابِ] في الآخِرَةِ بِإزاغَةِ القُلُوبِ وإحاطَةِ الذُّنُوبِ فَيَكُونُ أقْبَحَ مِمّا قِيلَ فِيهِ.
؎مَن فاتَهُ العِلْمُ وأخْطَأ الغِنى ∗∗∗ فَذاكَ والكَلْبُ عَلى حَدٍّ سَوا
﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ ولا سِيَّما الرَّبّانِيُّ يَجِبُ أنْ يَفْرَحَ بِهِ ويَرْغَبَ فِيهِ مِن أيِّ مَوْصِلٍ كانَ، بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ وصِيانَةٌ لِاسْمِهِ الشَّرِيفِ عَنْ أنْ يَذْكُرَ عَنِ العِصْيانِ: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ كُلِّفُوا وأُلْزِمُوا حَمْلَ الكِتابِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ عَلَّمَهم إيّاها سُبْحانَهُ وكَلَّفَهم حِفْظَ ألْفاظِها عَنِ التَّغْيِيرِ والنِّسْيانِ ومَعانِيها عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّلْبِيسِ وحُدُودِها وأحْكامِها عَنِ الإهْمالِ والتَّضْيِيعِ.
ولَمّا كانَ تَرْكُهم لِحَمْلِها وهي مِن عِنْدِ اللَّهِ وعَلى لِسانِ رَجُلٍ مِنهم هو أعْظَمُ في أنْفُسِهِمْ وأجَلَهِمْ إحْسانًا إلَيْهِمْ في غايَةِ البُعْدِ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الزَّمانِ المُسَهِّلِ لِحِفْظِها المُيَسَّرِ لِتُدَبِّرِها وتُعَرِّفِ مِقْدارِها، عَبَّرَ بِأداةِ البُعْدُ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ بِأنْ حَفِظُوا ألْفاظَها ولَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيها مِنَ الوَصِيَّةِ بِاتِّباعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا جاءَهم ثُمَّ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا جاءَ، فَهي ضارَّةٌ لَهم بِشَهادَتِها عَلَيْهِمْ قاذِفَةٌ لَهم في النّارِ (p-٥٦)مِن غَيْرِ نَفْعٍ أصْلًا ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ مِثْلُ مَثَلِ ﴿الحِمارِ﴾ الَّذِي هو أبْلَهُ الحَيَوانِ، فَهو مَثَلٌ [فِي] الغَباوَةِ، حالَ كَوْنِهِ ﴿يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ أيْ كُتُبًا مِنَ العِلْمِ كاشِفَةً لِلْأُمُورِ تَنْفَعُ الألِبّاءَ، جَمْعُ سِفْرٍ، وهو الكِتابُ الكَبِيرُ المُسْفِرُ عَمّا فِيهِ.
ولَمّا كانَ المَثَلُ الجامِعُ لَهُما - وهو وجْهُ الشَّبَهِ - شَخْصًا مُثْقَلًا مُتْعَبًا جِدًّا بِشَيْءٍ لا نَفْعَ لَهُ بِهِ أصْلًا فَهو ضَرَرٌ عَلَيْهِ صَرْفٌ لا يُدْرَكُ ما هو حامِلُهُ غَيْرَ أنَّهُ مُتْعَبٌ ولا يَدْرِي أصَخْرٌ هو أمْ كُتُبٌ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الَّتِي هي لِجامِعِ الذَّمِّ تَرْهِيبًا لِلْآدَمِيِّينَ مِن أنْ يَتَهاوَنُوا بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ القُرْآنِ فَيَكُونُوا أسْوَأ مَثَلًا مِن أهْلِ الكِتابِ فَيَكُونُوا دُونَ الحِمارِ لِأنَّ رَسُولَهم ﷺ أعْظَمُ وكِتابَهم أعْلى وأفْخَمُ فَقالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلى مُحاوَلَةِ ما يُرِيدُونَهُ فَلَمْ يُؤْتُوا مَن عَجْزٍ يُعْذَرُونَ بِهِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ عَمَدُوا عَلى عِلْمٍ عِنادًا مِنهم وكُفْرًا ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ دَلالاتِ المَلِكِ الأعْظَمِ عَلى رُسُلِهِ ولا سِيَّما مُحَمَّدٌ ﷺ وجَمِيعُ ما يُرْضِيهِ مِثْلَهم فَإنَّ مِثْلَهم قَدْ تَكَفَّلَ بِتَعْرِيفِ أنَّهم قَدِ اجْتَمَعُوا مَعَ الحِمارِ في وصْفٍ هو الرُّوحُ الباطِنِيُّ، وهو الضَّرَرُ الصِّرْفُ الَّذِي لا نَفْعَ فِيهِ بِوَجْهٍ بِأنْفَعَ الأشْياءِ، وهو ما دَلَّ عَلى اللَّهِ فَضَمِنَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ، وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ نَصًّا (p-٥٧)فِي اليَهُودِ فَهو لِجَمِيعِ قُرّاءِ السُّوءِ مِن كُلِّ مِلَّةٍ لِاشْتِراكِهِمْ مَعَهم في وجْهِ الشَّبَهِ كَما أنَّ مَثَلَ الكَلْبِ في الأعْرافِ عَلى هَذا النَّحْوِ، وكَأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأُمَّةَ في ذَلِكَ صَرِيحًا إشارَةً إلى حِفْظِها مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَها إلى نَفْسِها كَما أنَّهُ آتاها العِلْمَ مَعَ الأُمِّيَّةِ مِنها ومِن رَسُولِها مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى كِتابَةٍ ولا تَقَدُّمِ عِلْمٍ ما ولا تَكَلُّفِ لِشَيْءٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاسْتَحَقُّوا الوَصْفَ بِجَمِيعِ المَذامِّ لِأنَّهم ظُلِمُوا أشَدَّ الظُّلْمِ، عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ لا يَهْدِيهِمْ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيْ لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ الأقْوِياءِ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا الزَّيْغَ: ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا الظُّلْمَ بِمُنابَذَةِ الهُدى الَّذِي هو البَيانُ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا حَتّى صارَ الظُّلْمُ لَهم صِفَةً راسِخَةً.
الجمعة 62:6
ولَمّا كانَ قَوْلُهم أنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ في غايَةِ البُعْدِ مِن هَذا المَثَلِ، اسْتَأْنَفَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المَثَلِ قَطْعًا، فَقالَ مُعْرِضًا عَنْهم آمِرًا لِمَن كَذَّبُوهُ بِتَبْكِيتِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أيُّها الرَّسُولُ الَّذِي هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ تَدِينُوا بِاليَهُودِيَّةِ. ولَمّا كانَ الحَقُّ (p-٥٨)يَصْدَعُ مَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ، فَكانُوا جَدِيرِينَ بِالرُّجُوعِ عَنِ العِنادِ، عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿إنْ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ قُلْتُمْ قَوْلًا هو مَعْرِضٌ لِلتَّكْذِيبِ ولِذَلِكَ أكَّدْتُمُوهُ ﴿أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، خَصَّكم بِذَلِكَ خُصُوصِيَّةً مُبْتَدَأةً ﴿مِن دُونِ﴾ أيْ أدْنى رُتْبَةً مَن رُتَبِ ﴿النّاسِ﴾ فَلَمْ تَتَعَدَّ الوِلايَةُ تِلْكَ الرُّتْبَةَ الدُّنْيا إلى أحَدٍ مِنكم غَيْرَكُمْ، بَلْ خَصَّكم بِذَلِكَ عَنْ كُلِّ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الحَرَكَةِ لا سِيَّما الأُمِّيِّينَ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ وأخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِكم بِذَلِكَ لِلْقِلَّةِ مِن دارِ البَلاءِ إلى مَحَلِّ الكَرامَةِ والآلاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ عِنْدَ أنْفُسِكم في الصِّدْقِ فَإنَّ مِن عَلاماتِ المَحَبَّةِ الِاشْتِياقُ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ التَّطَوُّعِ بِهِ أنَّ مَن كانَ في كَدَرٍ وكانَ لَهُ ولِيٌّ قَدْ وعَدَهُ عِنْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ الرّاحَةُ الَّتِي لا يَشُوبُها ضَرَرٌ أنَّهُ يَتَمَنّى النَّقْلَةَ إلى ولِيِّهِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لَهم «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَقُولُها مِنكم أحَدٌ إلّا غَصَّ بِرِيقِهِ» فَلَمْ يُقِلْها أحَدٌ مِنهم عِلْمًا مِنهم بِمُصَدِّقِهِ ﷺ فَلَمْ يَقُولُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا عِنادًا مِنهم.
الجمعة 62:7
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْتِثالًا لِأمْرِنا ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَمَنَّوْهُ في الوَقْتِ الحاضِرِ، تَصْدِيقًا مِنّا لِنُبُوَّتِهِ وتَعْجِيزًا وتَحْقِيقًا لِمُعْجِزاتِ رِسالَتِهِ، دَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ بِما عَطَفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (p-٥٩)الدّالِّ قَطْعًا عَلى صِدْقِهِ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ بِالكَفِّ عَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَهُ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ أيْ في المُسْتَقْبَلِ، واكْتَفى بِهَذا في التَّعْبِيرِ بِلا لِأنَّ المَذْكُورَ مِن دَعْواهم هُنا أنَّهم أوْلِياءُ لا كُلَّ الأوْلِياءِ فَهي دُونُ دَعْوى الِاخْتِصاصِ بِالآخِرَةِ، وأيْضًا الوِلايَةُ لِلتَّوَسُّلِ إلى الجَنَّةِ، ولا يَلْزَمُ مِنها الِاخْتِصاصُ بِالنِّعْمَةِ بِدَلِيلِ أنَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ خالِصَةً لِلْأوْلِياءِ المُحَقَّقِ لَهُمُ الوِلايَةُ، بَلِ البَرُّ والفاجِرُ مُشْتَرِكُونَ فِيها. ولَمّا أخْبَرَ بِعَدَمِ تَمَنِّيهِمْ، وسَّعَ لَهُمُ المَجالَ تَحْقِيقًا لِلْمُرادِ فَقالَ: ﴿أبَدًا﴾ وعُرِفَ أنَّ سَبَبَهُ مَعْرِفَتُهم بِأنَّهم أعْداءُ اللَّهِ فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ﴾ ولَمّا كانَ أكْثَرُ الأفْعالِ بِاليَدِ، نَسَبَ الكُلَّ إلَيْها لِأنَّها صارَتْ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿أيْدِيهِمْ﴾ أيْ مِنَ المَعاصِي الَّتِي أحاطَتْ بِهِمْ فَلَمْ تَدَعْ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ بِعِلْمِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَسَبُّبًا عَنْ هَذا: لِئَلّا يَقُولُوا: سَلَّمْنا جَمِيعَ ما قِيلَ في الظّالِمِينَ لَكُنّا لَسْنا مِنهم فاللَّهُ عَلِيمٌ بِهِمْ في أفْعالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ، عَطْفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مُعَلَّقًا بِالوَصْفِ تَعْمِيمًا وإعْلامًا بِأنَّ وصْفَ ما قَدَّمُوا مِنَ الظُّلْمِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ مُحِيطٌ بِهِمْ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ (p-٦٠)تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ لا بِالذّاتِ، فالمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِأصْحابِ هَذا الوَصْفِ الرّاسِخِينَ فِيهِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ فَهو يُجازِيهِمْ عَلى ظُلْمِهِمْ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وأعْظَمُ مُصَدِّقٍ اللَّهَ - ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ [قِيلًا] - في هَذا أنَّهم ما قُوتِلُوا قَطُّ إلّا أرَزُوا إلى حُصُونِهِمْ وقُراهم كَما مَرَّ في سُورَةِ الحَشْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أحْرَصُ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّهم عالِمُونَ بِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعَرَبُ يَظُنُّونَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ فَهم لا يَخافُونَ [ما] بَعْدَ المَوْتِ وهم شُجْعانٌ يُقْدِمُونَ عَلى المَوْتِ كَما قالَ عَنْتَرَةُ بْنُ شَدّادٍ العَبْسِيُّ:
؎بَكَرَتْ تُخَوِّفُنِي المَنُونُ كَأنَّنِي ∗∗∗ أصْبَحْتُ عَنْ عِرْضِ الحُتُوفِ بِمَعْزِلِ
؎فَأجَبْتُها أنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لا بُدَّ أنْ أُسْقى بِذاكَ المَنهَلِ
؎فافْنِي حَياكَ لا أبا لَكَ واعْلَمِي ∗∗∗ ∗∗∗ أنِّي امْرُؤٌ سَأمُوتُ إنْ لَمْ أقْتُلِ
الجمعة 62:8
ولَمّا كانَ عَدَمَ تَمَنِّيهِمْ عَلَمٌ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ لِمُوافَقَتِهِ ما أخْبَرَ بِهِ، وكانَ ذَلِكَ فِعْلَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ التَّمَنِّيَ يُقَدِّمُهُ عَنْ أجَلِهِ وعَدَمُهُ يُؤَخِّرُهُ، فَصارُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِما عِنْدَهم ونِهايَةِ البَلادَةِ، أمَرَهُ ﷺ بِتَنْبِيهِهِمْ عَلى بَلادَتِهِمْ تَبْكِيتًا لَهم فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وأكَّدَ إعْلامًا لَهم بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن فِعْلِهِمْ هَذا إنْكارُ المَوْتِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ (p-٦١)أحَدٌ فَقالَ: ﴿إنَّ المَوْتَ﴾ وزادَ في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ أيْ بِالكَفِّ عَنِ التَّمَنِّي الَّذِي هو أيْسَرُ ما يَكُونُ مَعَ أنَّهُ يُوصِلُكم إلى تَكْذِيبِ مَن أنْتُمْ جاهِدُونَ في تَكْذِيبِهِ، وأكَّدَ وُقُوعَهُ بِهِمْ لِأنَّ عَمَلَهم عَمَلُ مَن هو مُنْكِرٌ لَهُ، ورَبَطَهُ بِالفاءِ جَعْلًا لِفِرارِهِمْ كالسَّبَبِ لَهُ، فَإنَّ الجُبْنَ مِن أسْبابِ المَوْتِ مَعَ ما يَكْسِبُ مِنَ العارِ كَما قالَ: ”إنَّ الجَبانَ حَتْفُهُ مِن فَوْقِهِ“ أيْ هو غالِبٌ عَلَيْهِ [غَلَبَةَ] العالِي عَلى السّافِلِ فَقالَ: ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ أيْ مُدْرِكِكم في كُلِّ وجْهٍ سَلَكْتُمُوهُ بِالظّاهِرِ أوِ الباطِنِ.
ولَمّا كانَ الحَبْسُ في البَرْزَخِ أمْرًا - مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ - مَهُولًا، نَبَّهَ عَلَيْهِ وعَلى طُولِهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ ونَبَّهَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى القَهْرِ مِنهُ سُبْحانَهُ والصَّغارِ مِنهم وأنَّهُ عِنْدَهُ في غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ وهو كُلُّ ما غابَ عَنِ العِبادِ فَهو مُخْبِرٌ عَنْ أخْلاقِكم عَنْ عِلْمٍ. ولَمّا كانَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ يُقِرُّ بِعِلْمِهِ تَعالى بِالكُلِّيّاتِ، ويُنْكِرُ عِلْمَهُ بِالجُزْئِيّاتِ قالَ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ وهي كُلُّ ما ظَهَرَ وتَشَخَّصَ ولَوْ لِواحِدٍ مِنَ الخَلْقِ قَبْلَ كَوْنِهِ وبَعْدَ كَوْنِهِ. ولَمّا كانَ التَّوْقِيفُ عَلى الأعْمالِ فَظِيعًا مُرْجِفًا، قالَ مُسَبِّبًا عَنِ الرَّدِّ: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى مُسْتَوْفًى ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ (p-٦٢)﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ مِمّا بَرَزَ إلى الخارِجِ ومِمّا كانَ في جِبِلّاتِكم ولَوْ لَقِيتُمْ لَعَلِمْتُمُوهُ لِيُجازِيَكم عَلَيْهِ.
الجمعة 62:9
ولَمّا قَبَّحَ سُبْحانَهُ المُخالَقَةَ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ وصَوَّرَ صاحِبَها بِصُورَةِ الحِمارِ عَلى الهَيْئَةِ السّابِقَةِ، وحَذَّرَ مِن ذَلِكَ بِما هَيَّأ بِهِ العاقِلَ لِلْإجابَةِ إلى دَوامِ الطّاعَةِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ مُقِرَّةٌ بِشُمُولِ مُلْكِهِ بِما لَها مِنَ التَّسْبِيحِ بِألْسِنَةِ الأحْوالِ، والقِيامِ في مُراداتِهِ بِغايَةِ الِامْتِثالِ، فَكانَ العاقِلُ جَدِيرًا بِالمُبادَرَةِ إلى غايَةِ التَّسْبِيحِ بِلِسانِ المَقالِ، وخَتَمَ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الإخْبارِ يَوْمَ الجَمْعِ الأعْظَمِ بِجَمِيعِ الأعْمالِ، قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا مَضى مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، نادِبًا لَهم - لِيَكُونُوا أوْلِياءَ اللَّهِ - إلى التَّزْكِيَةِ المَذْكُورَةِ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الرِّسالَةِ بِما حاصِلُهُ الإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الدُّنْيا لِيَجْمَعَ المُكَلَّفُ بَيْنَ التَّحَلِّي بِالمَزايا والتَّخَلِّي عَنِ الدَّنايا، فَخَصَّ مِنَ المَزايا أعْظَمَ تَسْبِيحٍ يَفْعَلُهُ العاقِلُ في أيّامِ الأُسْبُوعِ وهو الإسْراعُ بِالِاجْتِماعِ العَظِيمِ في يَوْمِ الجُمْعَةَ الَّذِي يُناظِرُ الِاجْتِماعَ لِإجابَةِ المُنادِي في يَوْمِ الجَمْعِ الأكْبَرِ، ثُمَّ الإقْبالُ الأعْظَمُ بِفِعْلِ [صَلاةِ] الجُمْعَةِ الَّتِي هي سِرُّ اليَوْمِ الَّذِي ضَيَّعَهُ [اليَهُودُ] واسْتَبْدَلُوا بِهِ ما كانَ سَبَبَ تَعْذِيبِهِمْ بِعَذابٍ لَمْ يُعَذَّبْ بِهِ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ كَما جَعَلَ نَتِيجَةَ (p-٦٣)السُّورَةِ الماضِيَةِ النِّداءَ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ والجِهادِ [المُوجِبِ] لِلْأمانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِالإيمانِ وألْهَبَهم بِأداةِ البُعْدِ - المُشِيرَةِ إلى احْتِياجِهِمْ إلى التَّزْكِيَةِ - إلى المُبادَرَةِ إلى الإقْبالِ عَلى ما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ ﴿إذا نُودِيَ﴾ أيْ مِن أيِّ مُنادٍ كانَ مِن أهْلِ النِّداءِ ﴿لِلصَّلاةِ﴾ أيْ لِأجْلِ الحُضُورِ إلَيْها وإلَيْهِ عِنْدَ قُعُودِ الإمامِ عَلى المِنبَرِ لِلْخُطْبَةِ.
ولَمّا كانَتِ الإجابَةُ يَكْفِي في إيجابِها النِّداءُ في الوَقْتِ المَعْرُوفِ لِلنِّداءِ ولا يُشْتَرَطُ لَها اسْتِغْراقُ النِّداءِ لِجَمِيعِ اليَوْمِ أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ أيِ اليَوْمِ الَّذِي عَرَضَ عَلى مَن قَبْلَنا فَأبَوْهُ فَكانُوا كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا وادَّخَرَهُ اللَّهُ لَنا ووَفَّقَنا لِقَبُولِهِ، فَكانُوا لَنا تَبَعًا مَعَ تَأخُّرِنا عَنْهم في الزَّمانِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُجُوبِ الِاجْتِماعِ فِيهِ لِلصَّلاةِ، فُعْلَةٌ بِالسُّكُونِ ويُضَمُّ اسْمٌ لِلْمَفْعُولِ كالضُّحْكَةِ لِلْمَضْحُوكِ مِنهُ، فَإنْ فُتِحَ مِيمُهُ كانَ بِمَعْنى الوَقْتِ الجامِعِ كالضَّحْكَةِ لِلْكَثِيرِ الضَّحِكِ، ومِن جَمَعَهُ أنَّ فِيهِ اجْتَمَعَ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاجْتَمَعَ بِخَلْقِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ، وهو مُذَكَّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ والجَمْعِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الإنْباءُ بِالأعْمالِ، وتَظْهَرُ فِيهِ ظُهُورًا بَيِّنًا تامًّا الجَلالُ والجَمالُ ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، رَوى مالِكٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٦٤)وسُلَّمَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمْعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ أُهْبِطَ وفِيهِ ماتَ وفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، وما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصَيَّحَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ مِن حِينِ تُصْبِحُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مُشْفِقًا [مِنَ السّاعَةِ] إلّا الجِنُّ والإنْسُ، وفِيهِ ساعَةٌ لا يُصادِفُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهو يُصَلِّي يَسْألُ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا إلّا أعْطاهُ إيّاهُ» وفي آخِرِ الحَدِيثِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّها آخِرُ ساعَةٍ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وأوَّلُ الصَّلاةِ بِما هو أعَمُّ مِن فِعْلِها وانْتِظارِها لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ فَهو في صَلاةٍ حَتّى يُصَلِّيَها» وكانَ النِّداءُ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ إذا صَعِدَ ﷺ عَلى المِنبَرِ، فَإذا نَزَلَ بَعْدَ الخُطْبَةِ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وكَذا في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَلَمّا كانَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكَثُرَ النّاسُ وتَباعَدَتِ المَنازِلُ وقَلَّتِ الهِمَمُ زادَ مُؤَذِّنًا آخَرَ عَلى دارِهِ الَّتِي تُسَمّى الزَّوْراءَ، فَإذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ المُؤَذِّنُ ثانِيًا الأذانَ الَّذِي كانَ عَلى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا نَزَلَ مِنَ المِنبَرِ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، ولِمَ [يَعِبْ] أحَدٌ عَلى عُثْمانَ زِيادَةَ الأذانِ الأوَّلِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ بِما جَعَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قالَ: «عَلَيْكم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ [الرّاشِدِينَ] مِن بَعْدِي”».
(p-٦٥)ولَمّا كانَ المُرادُ إيجابَ المَعْنى جَزْمًا مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ مَعَ قَطْعِ كُلِّ عَلاقَةٍ بِلا التِفاتٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ ما عَذَرَ الشّارِعُ بِهِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّعْيِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ أنَّهُ السَّعْيُ بِالنِّيَّةِ لا بِالقِدَمِ، فَقالَ: ﴿فاسْعَوْا﴾ أيْ لِتَكُونُوا أوْلِياءَ اللَّهِ ولا تَهاوَنُوا في ذَلِكَ لِتَكُونُوا أعْداءَهُ كاليَهُودِ ﴿إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الخُطْبَةِ والصَّلاةِ المُذَكَّرَةِ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي مَنِ انْقَطَعَ عَنْ خِدْمَتِهِ هَلَكَ، هَذا المُرادُ بِالسَّعْيِ لا حَقِيقَةَ بَلْ هي مَنهِيٌّ عَنْها كَما قالَ ﷺ:
«“إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوها تَسْعَوْنَ ولَكِنِ ائْتُوها وعَلَيْكُمُ السِّكِّينَةُ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فاتَكم فَأتِمُّوا» .
ولَمّا أمَرَ بِالمُبادَرَةِ إلى تِجارَةِ الآخِرَةِ، وكانَ طَلَبُ الأرْباحِ لِكَوْنِها [حاضِرَةً] أعْظَمَ مانِعٍ عَنْ أُمُورِ الآخِرَةِ [لِكَوْنِها] غايَتَهُ، وكانَ البَيْعُ أجَلَّ ذَلِكَ لِتُعَيَّنَ الفائِدَةُ فِيهِ ولِكَوْنِهِ أكْثَرَ ما يَشْتَغِلُ بِهِ أهْلُ الأسْواقِ لِكَثْرَةِ الوافِدِينَ إلى الأمْصارِ يَوْمَ الجُمْعَةِ مِنَ الحَواضِرِ واجْتِماعِهِمْ لِلتِّجارَةِ عِنْدَ تَعالِي النَّهارِ، قالَ ناهِيًا عَنْ تِجارَةِ الدُّنْيا وكُلُّ ما يَعُوقُ عَنِ الجُمْعَةِ مُعَبِّرًا بِهِ عَنْها لِأنَّهُ أعْظَمَها: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ أيِ اتْرُكُوهُ ولَوْ [عَلى] أقْبَحِ حالاتِهِ وأذَلِّها وأحْقَرِها، [فَأفادَ] النَّهْيَ عَنْ غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، ووَقْتُ التَّحْرِيمِ مِنَ الزَّوالِ إلى فَراغِ الصَّلاةِ، فَإنْ خالَفَ وباعَ صَحَّ العَقْدُ مَعَ عِصْيانِهِ، فَإنَّ النَّهْيَ لَيْسَ (p-٦٦)لِعَيْنِهِ ولا [لِما] هو داخِلٌ فِيهِ ولا لِما هو خارِجٌ ولازِمٌ لَهُ بَلْ لِأمْرٍ مُقارَنٍ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ، وهو ما هو فِيهِ مِنَ الذُّهُولِ عَنِ الواجِبِ فَهو كالصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والثَّوْبِ المَغْصُوبِ والوُضُوءِ بِالماءِ المَغْصُوبِ.
ولَمّا أمَرَ بِما هو شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ مُعَبِّرًا بِالفِعْلِ المَرِيضِ لَفْظًا ومَعْنًى، رَغَّبَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ مِن فِعْلِ السَّعْيِ وتَرْكِ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّ الَّذِي أمَرَكم بِهِ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ وهو يُرِيدُ تَطْهِيرُكم في أدْيانِكم وأبْدانِكم وأمْوالِكم وبِيَدِهِ إسْعادُكم وإشْقاؤُكُمْ، وألْهَبَ إلى ذَلِكَ وزادَ في الحَثِّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَكم [عِلْمٌ] في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ فَأنْتُمْ تَرَوْنَ ذَلِكَ خَيْرًا، [فَإذا عَلِمِتُمُوهُ خَيْرًا أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ فَكانَ ذَلِكَ لَكم خَيْرًا]، وصَلاةُ الجُمْعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلى كُلٍّ مَن جَمَعَ البُلُوغَ والعَقْلَ والحُرِّيَّةَ والذُّكُورَةَ والإقامَةَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ مِمّا ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِهَذا إشارَةً إلى أنَّ عاقِلًا لا يَسَعُهُ أنْ يَتْرُكَ ما يَعْلَمُ أنَّهُ أعْلى وُجُوهِ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الجُمْعَةِ فَإذا حَضَرَ وصَلّى مَعَ الإمامِ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضٌ مِنَ الظُّهْرِ ولا يُكْمِلُ بِهِ عَدَدُ الجُمْعَةِ إلّا صاحِبُ العُذْرِ، فَإنَّهُ إذا حَضَرَ يَكْمُلُ بِهِ العَدَدُ.
(p-٦٧)
الجمعة 62:10
ولَمّا حَثَّ عَلى الصَّلاةِ وأرْشَدَ إلى [أنَّ] وقْتَها لا يَصْلُحُ لِطَلَبِ شَيْءٍ غَيْرِها، وأنَّهُ مَتى طَلَبَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا مُحِقَتْ بَرَكَتُهُ مَعَ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ، بَيْنَ وقْتِ المَعاشِ فَقالَ مُبِيحًا لَهم ما كانَ حَظَرَ عَلَيْهِمْ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ شِئْتَ فاخْرُجْ وإنْ شِئْتَ فاقْعُدْ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ أيْ وقَعَ الفَراغُ مِنها عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ ﴿فانْتَشِرُوا﴾ أيْ فَدُبُّوا وتَفَرَّقُوا مُجْتَهِدِينَ في الأرْضِ في ذَلِكَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ جَمِيعَها إنْ شِئْتُمْ، لا حَجْرَ عَلَيْكم ولا حَرَجَ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَكم ﴿وابْتَغُوا﴾ أيْ وتَعَمَّدُوا وكَلِّفُوا أنْفُسَكم مُجْتَهِدِينَ بِالسَّعْيِ في طَلَبِ المَعاشِ ﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أيْ زَفْلَةِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ولا يَجِبُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِالبَيْعِ والشِّراءِ وغَيْرِهِما مِن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا الَّتِي كُنْتُمْ نَهَيْتُمْ عَنْها.
ولَمّا كانَ السَّعْيُ في طَلَبِ الرِّزْقِ مُلْهِيًا عَنِ الذِّكْرِ، بَيَّنَ أنَّهُ أعْظَمُ السَّعْيِ في المَعاشِ وأنَّ مَن غَفَلَ عَنْهُ لَمْ يَنْجَحْ لَهُ مَقْصِدٌ وإنْ تَحايَلَ لَهُ بِكُلِّ الحِيَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ ولا شَيْءَ لِغَيْرِهِ فَإنَّهُ لا رُخْصَةَ في تَرْكِ ذِكْرِهِ أصْلًا. ولَمّا كانَ العَبْدُ مَطْلُوبًا بِالعِبادَةِ في كُلِّ حالٍ فَإنَّهُ مَجْبُولٌ عَلى النِّسْيانِ. فَمَهْما فَتَرَ عَنْ نَفْسِهِ (p-٦٨)اسْتَوْلَتْ عَلَيْها الغَفْلَةُ فَمُرِّنَتْ عَلى البِطالَةِ فَهَلَكَتْ قالَ: ﴿كَثِيرًا﴾ أيْ بِحَيْثُ لا تَغْفُلُوا عَنْهُ بِقُلُوبِكم أصْلًا ولا بِألْسِنَتِكم حَتّى عِنْدَ الدُّخُولِ إلى الخَلاءِ وعِنْدَ أوَّلِ الجِماعِ وعِنْدَ الإنْزالِ، [و]اسْتَثْنى مِنَ اللِّسانِيِّ وقْتَ التَّلَبُّسِ بِالقَذِرِ كالكَوْنِ في قَضاءِ الحاجَةِ.
ولَمّا كانَ مُرادَ الإنْسانِ مِن جَمِيعِ تَصَرُّفاتِهِ الفَوْزُ بِمُراداتِهِ قالَ مُعَلِّلًا لِهَذا الأمْرِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عِنْدَ النّاظِرِ لَكم والمُطَّلِعِ عَلَيْكم مِن أمْثالِكم مِمَّنْ يَجْهَلُ العَواقِبَ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تَظْفَرُوا بِجَمِيعِ مَطْلُوباتِكُمْ، فَإنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِ مَن تُكْثِرُونَ ذِكْرَهُ، وهو عالِمٌ بِمَن يَسْتَحِقُّ الفَلاحَ فَيُسْعِفُهُ بِهِ وبِمَن عَمِلَ رِياءً ونَحْوَهُ فَيُخَيِّبُهُ، فَإذا امْتَثَلْتُمْ أمْرَهُ كانَ جَدِيرًا بِتَنْوِيلِكم ما تُرِيدُونَ، وإنْ نَسِيتُمُوهُ كُنْتُمْ جَدِيرِينَ بِأنْ يَكِلَكم إلى أنْفُسِكم فَتَهْلَكُوا.
الجمعة 62:11
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ مِمّا يَنْطِقُ بِهِ نَصُّ الخِطابِ: هَذِهِ أوامِرُنا الشَّرِيفَةُ وتَقْدِيساتُنا العَظِيمَةُ وتَفَضُّلاتُنا الكَرِيمَةُ العَمِيمَةُ، فَما لَهم إذا نُودِيَ [لَها] تَوانى بَعْضُهم في الإقْبالِ إلَيْها، وكانَ قَلْبُهُ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ البَيْعِ ونَحْوِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ عاكِفًا [عَلَيْها] ساعِيًا بِجُهْدِهِ إلَيْها فَخالَفَ قَوْلَهُ أنَّهُ أسْلَمَ لِرَبِّ العالَمِينَ فِعْلَهُ هَذا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا﴾ أيْ بَعْدَ (p-٦٩)الوُصُولِ إلى مَوْطِنِها المُرِيحِ ومَحَلِّها الفَسِيحِ الشَّرْحِ المَلِيحِ، والِاشْتِغالِ بِشَأْنِها العالِي ﴿تِجارَةً﴾ أيْ حُمُولًا هي مَوْضِعٌ لِلتِّجارَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما مِن شَأْنِهِ إقامَةُ المَعاشِ أتْبَعُهُ ما هو أنْزَلُ مِنهُ وهو ما أقَلُّ شُؤُونِهِ البَطالَةُ الَّتِي [لا] يَجْنَحُ إلَيْها ذُو قَدْرٍ ولا يُلْقِي لَها بالَهُ فَقالَ: ﴿أوْ لَهْوًا﴾ أيْ ما يُلْهِي عَنْ كُلِّ نافِعٍ. ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الِانْفِضاضِ قَبِيحًا لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا تَقَرُّبًا عَلى حالٍ سَيِّئٍ، مِنَ الفَضِّ وهو الكَسْرُ بِالتَّفْرِقَةِ، والفُضاضُ ما تَفَرَّقَ مِنَ الفَمِ والطَّلْعِ: كَسَرَهُما، فَكَيْفَ إذا كانَتْ عِلَّتُهُ قَبِيحَةً، قالَ تَعالى مُعَبِّرًا بِهِ: ﴿انْفَضُّوا﴾ أيْ نَفَرُوا مُتَفَرِّقِينَ مِنَ العَجَلَةِ.
ولَمّا كانَ [سَبَبُ] نُزُولِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ أصابَ النّاسَ جُوعٌ وجُهْدٌ، فَقَدَ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِعِيرًا تَحْمِلُ المِيرَةَ، وكانَ في عُرْفِهِمْ أنْ يَدْخُلُوا في مِثْلِ ذَلِكَ بِالطَّبْلِ والمَعازِفِ والصِّياحِ، وكانَ قَصْدَ بَعْضِ المُنْفَضِّينَ العِيرُ، وبَعْضُهم ما قارَنَها مِنَ اللَّهْوِ، ولَكِنْ قاصِدُ التِّجارَةِ [هُوَ] الكَثْرُ، أنَّثَ الضَّمِيرَ فَقالَ مُعْلِمًا بِالِاهْتِمامِ بِها لِأنَّ اللَّهْوَ مُسَبِّبٌ عَنْها: ﴿إلَيْها﴾ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ إذا ذَمَّ قاصِدَها مَعَ ما فِيها [مِنَ النَّفْعِ] والإنْسانُ لا بُدَّ لَهُ مِن إصْلاحِ مَعاشِهِ لِقِيامِ [حالِهِ] (p-٧٠)ولا سِيَّما والحاجَةُ إذْ ذاكَ شَدِيدَةٌ، كانَ الذَّمُّ لِقَصْدِ اللَّهْوِ مِن بابِ الأوْلى.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ حالٌ الخُطْبَةِ الَّتِي هي جَدِيرَةٌ بِشِدَّةِ الإصْغاءِ إلَيْها والِاتِّعاظِ بِها في صَرْفِ النَّفْسِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ قالَ: ﴿وتَرَكُوكَ﴾ أيْ تَخْطُبُ حَتّى بَقِيتَ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قالَ جابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا أحَدُهُمْ، ودَلَّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القِيامِ بِقَوْلِهِ: ﴿قائِمًا﴾ فالواجِبُ خُطْبَتانِ: قائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُما بِجُلُوسٍ، والواجِبُ فِيهِما أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعالى ويُصَلِّيَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ويُوصِي بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، هَذِهِ الثَّلاثَةُ واجِبَةٌ في الخُطْبَتَيْنِ مَعًا، ويَجِبُ أنْ يَقْرَأ في الأُولى آيَةً مِنَ القُرْآنِ وفي الثّانِيَةِ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَوْ تَرَكَ واحِدَةً مِن هَذِهِ الخَمْسِ لَمْ تَصِحَّ الخُطْبَةُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولِجَوازِ الجُمْعَةِ خَمْسُ شَرائِطَ: [الوَقْتُ] وهو وقْتُ الظُّهْرِ، والعَدَدُ وهو الأرْبَعُونَ، والإمامُ [والخُطْبَةُ] ودارُ الإقامَةِ، فَإنْ فُقِدَ شَرْطٌ وجَبَتِ الظَّهْرُ، ولا تُبْتَدَأُ الخُطْبَةُ إلّا بَعْدَ تَمامٍ، وبَقاءُ هَذا العَدَدِ شَرْطٌ إلى آخِرِ الصَّلاةِ، فَإنِ انْفَضَّ بَعْضُهم ثُمَّ عادَ ولَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنَ الأرْكانِ صَحَّتْ.
ولَمّا كانَ هَذا فِعْلُ مَن سَفَلَتْ هِمَّتُهُ عَنْ سَماعِ كَلامِ الحَقِّ مِنَ الحَقِّ، أمَرَهُ ﷺ بِوَعْظِهِمْ إلْهابًا لَهم إلى الرُّجُوعِ إلى تَأهُّلِهِمْ (p-٧١)لِلْخِطابِ ولَوْ بِالعِتابِ قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم تَرْغِيبًا في الرُّجُوعِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن طَلَبِ الخَيْرِ مِن مَعْدِنِهِ: ﴿ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الأعْراضِ العاجِلَةِ في الدُّنْيا مِن وارِداتِ القُلُوبِ وبَوادِرِ الحَقِيقَةِ، الحاصِلِ مِن سَماعِ الخُطْبَةِ الآمِرِ بِكُلِّ خَيْرٍ، النّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ، المُفِيدِ لِتَزْكِيَةِ الباطِنِ وتَقْوِيمِ الظّاهِرِ والبَرَكَةِ في جَمِيعِ الأحْوالِ والآجِلَةِ في الآخِرَةِ مِمّا [لا] يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ﴿خَيْرٌ﴾ ولَمّا قَدَّمَ التِّجارَةَ أوَّلًا اهْتِمامًا بِها، قَدَّمَ هُنا ما كانَتْ سَبَبًا لَهُ لِيَصِيرَ كُلٌّ مِنهُما مَقْصُودًا بِالنَّهْيِ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهْوِ﴾ ولَمّا بَدَأ بِهِ لِإقْبالِ الأغْلَبِ في حالِ الرَّفاهِيَةِ عَلَيْهِ قالَ مُعِيدًا الجارَّ لِلتَّأْكِيدِ: ﴿ومِنَ التِّجارَةِ﴾ أيْ وإنْ عَظُمَتْ.
ولَمّا كانَ مَن عِنْدَهُ الشَّيْءُ قَدْ لا يُعْطِيهِ بِسُهُولَةٍ وإذا أعْطاهُ لا يُعْطِيهِ إلّا مَن يُحِبُّهُ قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ وحْدَهُ ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّهُ يَرْزُقُ مَتاعَ الدُّنْيا لِسُفُولِهِ ولِكَوْنِهِ زادًا إلى الآخِرَةِ البَرَّ والفاجِرَ والمُطِيعَ والعاصِي، ويُعْطِي مَن يُرِيدُ ما لا يُحْصِيهِ العَدُّ ولا يَحْصُرُهُ الحَدُّ، وأمّا المَعارِفُ الإلَهِيَّةُ والأعْمالُ الدِّينِيَّةُ الدّالُّ عَلَيْها رَوْنَقُ الصِّدْقِ وصَفاءُ الإخْلاصِ وجَلالَةُ المُتابَعَةِ فَلا يُؤْتِيها إلّا الأبْرارُ وإنْ كانُوا أضْعَفَ النّاسِ وأبْعَدَهم مِن ذَلِكَ ولا يَفُوتُ أحَدًا، أقَبِلَ (p-٧٢)عَلى ما شَرَعَهُ شَيْئًا كانَ يَنْفَعُهُ فَلا تَظُنُّوا أنَّ الغِنى في البَيْعِ والتِّجارَةِ إنَّما هو في مُتابَعَةِ أمْرِ مَن أحَلَّ البَيْعَ وأمَرَ بِهِ وشَرَعَ ما [هُوَ] خَيْرٌ مِنهُ تَزْكِيَةً وبَرَكَةً ونَماءً في الظّاهِرِ والباطِنِ، رَوى صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن قالَ يَوْمَ الجُمْعَةِ ”اللَّهُمَّ أغْنِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرامِكَ وبِطاعَتِكَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ وبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ“ سَبْعِينَ مَرَّةً لَمْ تَمُرَّ بِهِ جُمْعَتانِ حَتّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ تَعالى "» وأصْلُ الحَدِيثِ أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ - وقالَ حَسَنٌ - عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي البابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَأقْبِلُوا عَلى مُتابَعَةِ رَسُولِهِ ﷺ والزَمُوا هَدْيَهُ واسْتَمْسِكُوا بِغَرْزِهِ تَنالُوا خَيْرَيِ الدّارَيْنِ بِسُهُولَةٍ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ كَما تَرى عَلى أوَّلِها بِما هو [مِن] شَأْنِ المَلِكِ مِنَ الرِّزْقِ وإنالَةِ الأرْباحِ والفَوائِدِ ولا سِيَّما إذا كانَ قُدُّوسًا وتَبْكِيتُ مَن أعْرَضَ عَنْ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللّازِمُ مِنهُ اسْتِمْرارُ الإقْبالِ عَلَيْهِ ودَوامُ الإقامَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأنَّهُ لا يَدْعُوهم إلّا لِما يُحْيِيهِمْ مِنَ الصَّلاةِ والوَعْظِ الَّذِي [هُوَ] عَيْنُ تَنْزِيهِ اللَّهِ وتَسْبِيحِهِ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] يُزَكِّيهِمْ رَبُّهم ويَرْزُقُهم مَن فَضْلِهِ إنَّهُ كَرِيمٌ وهّابٌ - واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
المنافقون 63:1
(p-٧٣)سُورَةُ المُنافِقُونَ
مَقْصُودُها كَمالُ التَّحْذِيرِ مِمّا يَثْلِمُ الإيمانَ مِنَ الأعْمالِ الباطِنَةِ، [والتَّرْهِيبُ] مِمّا يَقْدَحُ في الإسْلامِ مِنَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، بِمُخالَفَةِ الفِعْلِ لِلْقَوْلِ فَإنَّهُ نِفاقٌ في الجُمْلَةِ فَيُوشِكُ يَجُرُّ إلى كَمالِ النِّفاقِ فَيَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ ويَدْخُلُ الهاوِيَةَ، لِيَكُونَ هَذا التَّحْذِيرُ سَبَبًا في صِدْقِ الأقْوالِ ثُمَّ صِدْقِ الأعْمالِ ثُمَّ صِدْقِ الأخْلاقِ ثُمَّ صِدْقِ الأحْوالِ ثُمَّ قِفِ الأنْفاسَ، فَصِدْقُ القَوْلِ [أنْ] لا يَقُولُ القائِلُ إلّا عَنْ بُرْهانٍ، وصِدْقُ العَمَلِ أنْ لا يَكُونَ لِلْبِدْعَةِ عَلَيْهِ سُلْطانٌ، وصِدْقُ الأخْلاقِ أنْ لا يُلاحَظُ ما يَبْدُو مِنهُ مِنَ الإحْسانِ بَعْدَ المُبالَغَةِ فِيهِ بِعَيْنِ النُّقْصانِ، وصِدْقُ الأحْوالِ أنْ يَكُونَ عَلى كَشْفِ وبَيانِ وصِدْقِ الأنْفاسِ أنْ لا يَتَنَفَّسَ إلّا عَنْ وُجُودٍ كالعِيانِ، وتَسْمِيَتِها بِالمُنافِقِينَ واضِحَةٌ في ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ العُظْمى عِلْمًا وقُدْرَةً فَمَن زاغَ أرادَهُ ”الرَّحْمَنُ“ الَّذِي سَتَرَ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ مَن أرادَ مِن عِبادِهِ وفَضَحَ مَن (p-٧٤)شاءَ وإنْ دَقَّقَ مَكْرَهُ وأخْفاهُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي وفَّقَ أهْلَ وِدِّهِ بِإتْمامِ نِعْمَتِهِ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ.
* *
لَمّا نَهى سُبْحانَهُ في المُمْتَحَنَةِ عَنِ اتِّخاذِ عَدُوِّهِ ولِيًّا، وذَمَّ في الصَّفِّ عَلى المُخالَفَةِ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، وحَذَّرَ آخِرَ الجُمْعَةِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ حالٍ مِن أحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ مَعَ الوِفاقِ، لِأنَّ صُورَةَ ذَلِكَ كُلَّهُ صُورَةُ النِّفاقِ، قُبَّحَ في أوَّلِ هَذِهِ حالَ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ عَلى حالِ النِّفاقِ، لِأنَّهُ يَكُونُ كاليَهُودِ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، واسْتَمَرَّتِ السُّورَةُ كُلُّها في ذَمِّهِمْ بِأقْبَحِ الذَّمِّ لِيَكُونَ زاجِرًا عَنْ كُلِّ ما ظاهِرُهُ نِفاقٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ﴾ أيْ يا أيُّها الرَّسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿المُنافِقُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في وصْفِ النِّفاقِ وهو إسْلامُ الظّاهِرِ وكُفْرُ الباطِنِ، وأغْلَبُهم مِنَ اليَهُودِ ﴿قالُوا﴾ مُؤَكِّدِينَ لِأجْلِ اسْتِشْعارِهِمْ لِتَكْذِيبِ مَن يَسْمَعُهم لِما عِنْدَهم مِنَ الِارْتِيابِ: ﴿نَشْهَدُ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو بِمَنزِلَةِ يَمِينٍ كَأنَّهم قالُوا: نُقْسِمُ ﴿إنَّكَ﴾ - التَّأْكِيدُ لِذَلِكَ وإيهامًا لِأنَّ قُوَّةَ تَأْكِيدِهِمْ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ في مَضْمُونِ ما يَقُولُونَهُ ﴿لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي [لَهُ] الإحاطَةُ الكامِلَةُ، فَوافَقُوا الحَقَّ بِظاهِرِ أحْوالِهِمْ، وخالَفُوا بِقُلُوبِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
(p-٧٥)ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ الإخْبارَ عَنْ عِلْمِ اليَقِينِ لِأنَّها مِنَ الشُّهُودِ وهو كَمالُ الحُضُورِ وتَمامُ الِاطِّلاعِ ومُواطَأةُ القُلُوبِ لِلْألْسِنَةِ، صَدَّقَ سُبْحانَهُ المَشْهُودَ بِهِ وكَذَّبَهم في الإقْسامِ بِالشَّهادَةِ ومُواطَأةِ ألْسِنَتِهِمْ لِقُلُوبِهِمْ [فَقالَ]: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أيْ وعِلْمُهُ هو العِلْمُ في الحَقِيقَةِ، وأكَّدَهُ سُبْحانَهُ بِحَسَبِ إنْكارِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ سَواءٌ شَهِدَ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ أمْ لَمْ يَشْهَدُوا، فالشَّهادَةُ بِذَلِكَ حَقٌّ مِمَّنْ يُطابِقُ لِسانُهُ قَلَبَهُ، وتَوَسَّطَ هَذا بَيْنَ شَهادَتِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ شَهادَتُهم مِنَ الرِّسالَةِ كَذِبٌ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ هَذا تَأْكِيدٌ لِكَلامِ المُنافِقِينَ، دَلَّ عَلى أنَّهُ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ كَلامِهِمْ دُونَ شَهادَتِهِمْ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَشْهَدُ﴾ شَهادَةً هي الشَّهادَةُ [لِأنَّها مُحِيطَةٌ] بِدَقائِقِ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في وصْفِ النِّفاقِ ﴿لَكاذِبُونَ﴾ أيْ في إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم يَشْهَدُونَ لِأنَّ قُلُوبَهم لا تُطابِقُ ألْسِنَتَهم فَهم لا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، ومِن شَرْطِ قَوْلِ الحَقِّ أنْ يَتَّصِلَ ظاهِرُهُ باطِنَهُ وسِرُّهُ بِعَلانِيَتِهِ، ومَتى تُخالِفُ ذَلِكَ فَهو كَذِبٌ، لا المُرادُ أنَّهم كاذِبُونَ في صِحَّةِ ما تَضَمَّنَتْهُ شَهادَتُهم مِن أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ (p-٧٦)والحاصِلُ أنَّ الشَّهادَةَ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ: صِدْقُ مَضْمُونِ الخَبَرِ والإذْعانُ لَهُ، فَصِدْقُهم في الأوَّلِ وكَذِبُهم في الثّانِي فَصارُوا بِنِفاقِهِمْ أسْفَلَ حالًا وشَرَّ مَآلًا مِنَ اليَهُودِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما أعْقَبَ حالُ المُؤْمِنِينَ فِيما خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمّا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الآياتُ الثَّلاثُ إلى صَدْرِ سُورَةِ الجُمْعَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] بِذِكْرِ حالِ مَن [لَمْ] يَنْتَفِعْ بِما حَمَلَ حَسْبَما تَقَدَّمَ، وكانَ في ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والتَّنْبِيهِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، أتْبَعَ بِما هو أوْقَعُ في الغَرَضِ وأبْلَغُ في المَقْصُودِ، وهو ذِكْرُ طائِفَةٍ بَيْنَ أظْهَرُ مِن قَدَّمَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ ومِن أقْرانِهِمْ وأتْرابِهِمْ وأقارِبِهِمْ، تَلَبَّسَتْ في الظّاهِرِ بِالإيمانِ، وأظْهَرَتِ الِانْقِيادَ والإذْعانَ، وتَعَرَّضَتْ فَأعْرَضَتْ وتَنَصَّلَتْ فِيما وصَلَتْ، بَلْ عاقَتْها الأقْدارُ، فَعَمِيَتِ البَصائِرُ والأبْصارُ، ومِنَ المُطَّرِدِ المَعْلُومِ أنَّ اتِّعاظَ الإنْسانِ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وبِأهْلِ زَمانِهِ أغْلَبُ مِنَ اتِّعاظِهِ بِمَن بَعُدَ عَنْهُ زَمانًا ونَسَبًا، فَأتْبَعَتْ سُورَةُ الجُمْعَةَ بِسُورَةِ المُنافِقِينَ وعْظًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِحالِ أهْلِ النِّفاقِ، وبَسَطَ مِن قِصَصِهِمْ ما يُلائِمُ ما ذَكَرْناهُ، وكانَ قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ مَن أظْهَرَ الِانْقِيادَ والِاسْتِجابَةَ، ثُمَّ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ كانَ فِيما حَمَلَ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِأعْجَبِ مِن حالِ إخْوانِكم زَمانًا وقَرابَةً، وأنْتُمْ أعْرَفُ النّاسِ (p-٧٧)بِهِمْ وأنَّهم [قَدْ] كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مَوْصُوفِينَ بِجَوْدَةِ الرَّأْيِ وحُسْنِ النَّظَرِ
﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] قُلْتُ: وقَدْ مَرَّ في الخُطْبَةِ ما رَوَيْناهُ في مُصَنَّفِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ مِن قَوْلِ أُناسٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمْعَةِ بِسُورَةِ الجُمْعَةِ [والمُنافِقِينَ]» فَيُبَشِّرُ بِها المُؤْمِنِينَ ويُحَرِّضُهُمْ، وأمّا سُورَةُ المُنافِقِينَ فَيُوئِسُ بِها المُنافِقِينَ ويُوَبِّخُهُمْ، وهَذا نَحْوُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا - انْتَهى.
المنافقون 63:2
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا ما شَهِدُوا بِهِ، وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما الحامِلُ لَهم عَلى هَذا الكَلامِ المُؤَكَّدِ والكَذِبِ في غايَةِ القَباحَةِ لا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُسَمِّيًا شَهادَتَهم إيمانًا لِأنَّ الشَّهادَةَ تَجْرِي مَجْرى القَسَمِ في إرادَةِ التَّوْكِيدِ، ولِذَلِكَ يَتَلَقّى بِما يَتَلَقّى بِهِ القَسَمُ: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ أخَذُوا بِجُهْدِهِمْ ﴿أيْمانَهُمْ﴾ أيْ كُلَّها مِن شَهادَتِهِمْ هَذِهِ المُجْتَهِدُ في تَوْكِيدِها وكُلِّ يَمِينٍ سِواها ﴿جُنَّةً﴾ أيْ وِقايَةً تَقِيهِمُ المَكارِهَ الدُّنْيَوِيَّةَ [و]يَسْتَتِرُونَ بِها مِنها فَيَصُونُونَ بِها دِماءَهم وأمْوالَهُمْ، فاسْتَضاءُوا بِنُورِ الإجابَةِ فَلَمْ يَنْبَسِطْ عَلَيْهِمْ شُعاعُ نُورِ السَّعادَةِ فانْطَفَأ نُورُهم بِقَهْرِ الحِرْمانِ، وبَقُوا في ظُلُماتِ القِسْمَةِ السّابِقَةِ بِحُكْمِ الخِذْلانِ ﴿فَصَدُّوا﴾ أيْ فَسَبَّبَ لَهُمُ اتِّخاذُهم هَذا أنْ أعْرَضُوا بِأنْفُسِهِمْ مَعَ سُوءِ البَواطِنِ (p-٧٨)وحَرارَةِ الصُّدُورِ، وحَمَلُوا غَيْرَهم عَلى الإعْراضِ لِما يَرى مِن سَيِّئِ أحْوالِهِمْ بِتِلْكَ الظَّواهِرِ مَعَ بَقائِهِمْ عَلى ما كانُوا ألِفُوهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي يُزَيِّنُهُ الشَّيْطانُ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنْ طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ لِيَصِلُوا بِهِ إلى مَحَلِّ رِضْوانِهِ، ووَصَلُوا إلى ذَلِكَ بِخِداعِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِجُرْأتِهِمْ عَلى الأيْمانِ الحانِثَةِ الَّتِي يَمْشُونَ حالَهم بِها لِما شَرَعَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ مِنَ القَناعَةِ مِنَ الحالِفِ بِيَمِينِهِ فِيما لا يَعْلَمُ إلّا مِن قِبَلِهِ.
ولَمّا كانَ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حالِهِمْ في غايَةِ القَباحَةِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُمْ﴾ وأكَّدَهُ لِأنَّ حالَهم بِعَجَبِهِمْ وعَجِبَ كَثِيرًا مِمَّنْ قارَبَهم ﴿ساءَ ما كانُوا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ بِما هو كالجِبِلَّةِ مِن جُرْأتِهِمْ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وخَلَّصَ عِبادَهُ بِالأيْمانِ الحانِثَةِ.
المنافقون 63:3
ولَمّا كانَتِ المَعاصِي تُعْمِي القَلْبَ فَكَيْفَ بِأعْظَمِها، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ في البُعْدِ مِنَ الخَيْرِ مِنَ الكَذِبِ بِالإخْبارِ بِالشَّهادَةِ والحَلِفِ عَلى الصِّدْقِ والصَّدِّ عَنِ السَّبِيلِ والوَصْفِ لِعَمَلِهِمْ بِالسُّوءِ ﴿بِأنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ مُطابِقَةٍ لِقُلُوبِهِمْ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ مُسْتَبْعَدًا فَكَيْفَ إذا كانَ بَعْدَ الإقْرارِ، عَبَّرَ بِأداةِ البُعْدِ لِذَلِكَ ولِتَفْهَمَ الذَّمَّ عَلى التَّعْقِيبِ مِن بابِ الأوْلى، ولِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ الذَّمَّ إنَّما هو عَلى تَعْقِيبِ الإيمانِ بِالكُفْرِ فَقَطْ، لا عَلى مُطْلَقِهِ، (p-٧٩)فالتَّعْبِيرُ بِثُمَّ يُفْهِمُ أنَّ مَنِ اسْتَمَرَّ طُولَ عُمْرِهِ عَلى الإيمانِ ثُمَّ كَفَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِلَحْظَةٍ كانَ لَهُ هَذا الذَّمُّ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أيْ سِرًّا فَهابُوا النّاسَ ولَمْ يَهابُوا اللَّهَ. ولَمّا كانَ مُجَرَّدَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ في غايَةِ البَشاعَةِ، كانَ مُفْهِمًا لِبَشاعَةِ ما كانَ مِنهُ مِنَ اللَّهِ مِن بابِ الأوْلى، بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ: ﴿فَطُبِعَ﴾ أيْ فَحَصَلَ الطَّبْعُ وهو الخَتْمُ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لِأجْلِ اجْتِرائِهِمْ عَلى ما هو أكْبَرُ الكَبائِرِ عَلى وجْهِ النِّفاقِ حَتّى مُرِّنُوا عَلى الكُفْرِ واسْتَحْكَمُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ مَن تَرَكَ الجُمْعَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ تَهاوُنًا بِها ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَقَعُ لَهم فِقْهٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَهم لا يُمَيِّزُونَ صَوابًا مِن خَطَأٍ ولا حَقًّا مِن باطِلٍ لِأنَّ المَخْتُومَ عَلَيْهِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ.
المنافقون 63:4
ولَمّا وصَّفَ سُبْحانَهُ بَواطِنَهم بِما زَهِدَ فِيهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ بِعَقْلِهِ كَما أنَّ المَأْكُولَ بِشَكْلِهِ، وكانَتْ لَهم أشْكالٌ تَغُرُّ ناظِرَها لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَقُولُ: جَمالُ المَنظَرِ يَدُلُّ غالِبًا عَلى حُسْنِ المُخْبَرِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ أيْ أيُّها الرَّسُولُ عَلى ما لَكَ مِنَ الفِطْنَةِ ونُفُوذِ الفِراسَةِ (p-٨٠)أوْ أيُّها الرّائِي كائِنًا مَن كانَ بِعَيْنِ البَصَرِ ﴿تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ لِضَخامَتِها وصَباحَتِها، فَإنَّ غايَتَهم كُلَّها بِصَلاحِ ظَواهِرِهِمْ وتَرْفِيهِ أنْفُسِهِمْ، فَهم أشْباحُ وقَوالِبُ لَيْسَ وراءَها ألْبابٌ وحَقائِقُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ ابْنُ أُبَيٍّ [يَعْنِي] - الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ بِسَبَبِهِ - جَسِيمًا فَصِيحًا صَحِيحًا ذَلَقَ اللِّسانِ، وقَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ في مِثْلِ صِفَتِهِ وهم رُؤَساءُ المَدِينَةِ، وكانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَسْتَنِدُونَ فِيهِ ولَهم جَهارَةُ المَناظِرِ وفَصاحَةُ الألْسُنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن حَضَرَ يَعْجَبُونَ بِهَياكِلِهِمْ. ولَمّا وصَفَ البَواطِنَ والظَّواهِرَ، وكانَ قَوْلُهُمُ: المَرْءُ بَأصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ ولِسانِهِ مَشْرُوطًا كَما هو ظاهِرُ العِبارَةِ بِمُطابَقَةِ اللِّسانِ لِلْقَلْبِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّهم لا يُكَلِّمُونَهُ ﷺ إلّا اضْطِرارًا لِأنَّهم لا يُحِبُّونَ مُكالَمَتَهُ ولا باعِثَ لَهم عَلَيْها لِما عِنْدَهم مِن أمْراضِ القُلُوبِ: ﴿وإنْ يَقُولُوا﴾ أيْ يُوجَدُ مِنهم قَوْلٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أيْ لِأنَّهُ يَكُونُ بِحَيْثُ يُلَذِّذُ السَّمْعَ ويَرُوقُ الفِكْرَ لِما فِيهِ مِنَ الِادِّهانِ مَعَ الفَصاحَةِ فَهو يَأْخُذُ بِمَجامِعِ القَلْبِ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ ظاهِرِهِمْ، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الظّاهِرَ أمْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأنَّهم لَمّا وطَّنُوا أنْفُسَهم عَلى الوَقاحَةِ وخَلَعُوا لِباسَ الحَياءِ بِالكَذِبِ (p-٨١)بَذَلُوا جَمِيعَ الجُهْدِ في تَحْسِينِ القَوْلِ لِأنَّهُ لا دَرْكَ عَلَيْهِمْ فِيهِ فِيما يَحْسَبُونَ بِوَجْهٍ لِأنَّهم لا يَحْسُبُونَ لِلْآخِرَةِ حِسابًا فَقالَ: ﴿كَأنَّهُمْ﴾ أيْ في حُسْنِ ظَواهِرِهِمْ وسُوءِ بَواطِنِهِمْ وفي الجُبْنِ والخَوَرِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِمْ في شَيْءٍ مِن فَهْمٍ أوْ ثَباتٍ فَإنَّهم لا حَقِيقَةَ لَهم ﴿خُشُبٌ﴾ جَمْعُ كَثْرَةٍ لِخَشَبَةٍ وهو دَلِيلٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ. ولَمّا كانَ الخَشَبُ رُبَّما أطْلَقَ عَلى المَغْرُوسِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُنَبِّهًا بِالتَّشْدِيدِ عَلى الكَثْرَةِ: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ أيْ قَدْ قُطِعَتْ مِن مَغارِسِها وقُشِّرَتْ وأُسْنِدَتْ إلى الجُدُرِ لِئَلّا يُفْسِدَها التُّرابُ، فَهي بَيْضٌ تُلَوِّحُ تَعَجُّبَ ناظِرِها ولا ثَباتَ لَها ولا باطِنَ بِثَمَرَةٍ ولا سَقْيَ فَلا مَدَدَ سَماوِيَّ [لَها] أصْلًا يُزَكِّيها نَوْعُ زُكاءٍ فَقَدْ فَقَدَتْ رُوحَ الإثْباتِ الَّذِي بِهِ كَمالُها كَما فَقَدَ المُنافِقُ رُوحَ الإيمانِ الَّذِي بِهِ كَمالُ النّاطِقِ وبَقاؤُهُ، فَهم في تِلْكَ الحالَةِ أشْباحٌ بِلا أرْواحٍ أجْسامٌ بِلا أحْلامٍ.
ولَمّا كانَ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ يَصِيرُ مُتَّهَمًا لِكُلِّ مَن يُكَلِّمُهُ، لِأنَّهُ لِإخْلافِهِ لَهُ قَدْ صارَ عَدُوَّهُ فَيَتَوَهَّمُ النّاسُ كُلُّهم أعْداءً لَهُ فَيُكْسِبُهُ ذَلِكَ أشَدَّ الجُبْنِ، وذَلِكَ هو السَّبَبُ الأعْظَمُ في تَحْسِينِ قَوْلِهِ، قالَ: ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أيْ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وكَثْرَةِ ارْتِيابِهِمْ لِكَثْرَةِ ما يُباشِرُونَ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ (p-٨٢)﴿كُلَّ صَيْحَةٍ﴾ أيْ مِن نِداءِ مُنادٍ في انْفِلاتِ دابَّةٍ أوْ إنْشادِ ضالَّةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ واقِعَةٌ. ولَمّا كانَ مَن يَظُنُّ عَداوَةَ النّاسِ لَهُ يَكُونُ هو عَدُوًّا لَهُمْ، قالَ نَتِيجَةُ ما مَضى: ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿العَدُوُّ﴾ أيْ كامِلُ العَداوَةِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِالمُفْرَدِ الَّذِي يَقَعُ عَلى الجَمْعِ دُونَ الجَمْعِ إشارَةً إلى أنَّهم - في شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لِلسَّلامِ وأهْلِهِ وكَمالِ قَصْدِهِمْ وشِدَّةِ سَعْيِهِمْ فِيهِ - عَلى قَلْبٍ واحِدٍ وإنْ أظْهَرُوا التَّوَدُّدَ في الكَلامِ والتَّقَرُّبَ بِهِ إلى أهْلِ الإسْلامِ، فَإنَّ ألْسِنَتَهم مَعَكم إذا لَقُوكُمْ، وقُلُوبُهم عَلَيْكم مَعَ أعْدائِكُمْ، فَهو عُيُونٌ لَهم عَلَيْكم.
ولَمّا بَيْنَ ذَلِكَ مِن سُوءِ أحْوالِهِمْ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ لِأنَّ أعْدى الأعْداءِ العَدُوُّ المَداحِي الَّذِي يُكاشِرُكَ وتَحْتَ ظُلُوعِهِ الدّاءُ الدَّوِيُّ، فَإنَّ مَنِ اسْتَشْعَرَ أنَّكَ عَدُوٌّ لَهُ بَغى لَكَ الغَوائِلَ، وأغْلَبُ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ عَلى هَذا الوَصْفِ يَكُونُ، ولَكِنَّهُ [يَكُونُ] بِلُطْفِ اللَّهِ دائِمُ الخِذْلانِ مَنكُوسًا في أكْثَرِ تَقَلُّباتِهِ بِيَدِ القَهْرِ والحِرْمانِ لِسِرِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أحَلَّهُمُ المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً مَحَلَّ [مَن] يُقاتِلُهُ عَدُوٌّ قاهِرٌ لَهُ أشَدَّ مُقاتَلَةً عَلى عادَةِ الفِعْلِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ.
ولَمّا كانَ حالُهم في غايَةِ العَجَبِ في صَرْفِهِمْ عَنِ الإسْلامِ أوَّلًا (p-٨٣)بِالعَمى عَنِ الآياتِ الظّاهِراتِ، وثانِيًا عَنِ الإخْبارِ بِأسْرارِهِمْ، وخَفِيِّ مَكْرِهِمْ وأخْبارِهِمْ، وفي عَدَمِ صَرْفِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن قُبْحِ السَّرائِرِ وسُوءِ الضَّمائِرِ بِتَعْكِيسِ مَقاصِدِهِمْ، وتَخْيِيبِ مَصادِرِهِمْ في مَكْرِهِمْ ومَوارِدِهِمْ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى﴾ أيْ كَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ يَصْرِفُهم عَنْ إدْراكِ قُبْحِ ما هم عَلَيْهِ صارِفٌ ما كائِنًا ما كانَ لِيَرْجِعُوا عَنْهُ إلى حُسْنِ الدِّينِ والأُنْسِ بِهِ وإدْراكِ بَرَكَتِهِ وعَظِيمِ أثَرِهِ.
المنافقون 63:5
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا قاطِعًا عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَيَحْتاجُ فاعِلُهُ حاجَةً شَدِيدَةً إلى التَّطْهِيرِ وهو جَدِيرٌ بِعِظَمِهِ أنْ لا يُطَهِّرَهُ غايَةَ الطُّهْرِ إلّا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ وكانُوا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، دَلَّ عَلى سُوءِ بَواطِنِهِمْ وغِلْظِ أكْبادِهِمْ وأنَّهم كالخَشَبِ المُسَنَّدَةِ في أنَّهم لا ثَمَرَةَ لَهم ولا زُكاءَ أصْلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [أيْ] مِن أيِّ قائِلٍ كانَ: ﴿تَعالَوْا﴾ أيِ ارْفَعُوا أنْفُسَكم مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ بِالمَجِيءِ إلى أشْرَفِ الخَلْقِ الَّذِي لا يَزالُ مَكانُهُ عالِيًا لِعُلُوِّ مَكانَتِهِ ﴿يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبُ الغُفْرانَ لِأجْلِكم خاصَّةً بَعْدَ أنْ تَتَوَلَّوْا مِن ذَنْبِكم مِن أجْلِ هَذا الكَذِبِ الَّذِي أنْتُمْ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ. ولِما تَقَدَّمَ عامِلانِ، أعْمَلَ الثّانِي مِنهُما (p-٨٤)كَما هو المُخْتارُ مِن مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ فَرَفَعَ قَوْلَهُ: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيْ أقْرَبِ الخَلْقِ إلى المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا شَبِيهَ لِجُودِهِ ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [أيْ فَعَلُوا] اللَّيَّ بِغايَةِ الشِّدَّةِ والكَثْرَةِ، وهو الصَّرْفُ إلى جِهَةٍ أُخْرى إعْراضًا وعُتُوًّا وإظْهارًا لِلْبُغْضِ والنَّفْرَةِ، وبالَغُوا فِيهِ مُبالَغَةً تَدُلُّ عَلى أنَّهم مَغْلُوبُونَ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ ما في بَواطِنِهِمْ مِنَ المَرَضِ ﴿ورَأيْتَهُمْ﴾ أيْ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ ﴿يَصُدُّونَ﴾ أيْ يُعْرِضُونَ إعْراضًا قَبِيحًا عَمّا دَعَوْا إلَيْهِ مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ كُلَّما دَعَوْا إلَيْهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِرَأيْتَ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ ثابِتُو الكِبَرِ عَمّا دَعَوْا إلَيْهِ وعَنْ إحْلالِ أنْفُسِهِمْ في مَحَلِّ الِاعْتِذارِ، فَهم لِشِدَّةِ غِلْظَتِهِمْ لا يُدْرِكُونَ قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ ولا يَهْتَدُونَ إلى دَوائِهِ، وإذا أرْشَدَهم غَيْرُهم ونَبَّهَهم لا يُنَبَّهُونَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِمْ أتاهم عَشائِرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ وقالُوا: ويْحَكُمُ افْتَضَحْتُمْ وأهْلَكْتُمْ أنْفُسَكُمْ، فائْتُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وتَوَلَّوْا إلَيْهِ واسْألُوهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكُمْ، فَأبَوا ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ورُوِيَ [أنَّ] ابْنَ أُبَيٍّ رَأْسُهم لَوى رَأْسَهُ وقالَ لَهُمْ: أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ إلّا [أنْ] تَأْمُرُونِي بِالسُّجُودِ لِمُحَمَّدٍ.
المنافقون 63:6
ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ صَلاحَهم فَهو يُحِبُّ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، ورُبَّما نَدَبَهُ إلى ذَلِكَ بَعْضُ أقارِبِهِمْ، فَكانَ (p-٨٥)اسْتِغْفارُهُ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْهُ، قالَ [مُنَبِّهًا] عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
﴿سَواءٌ﴾ أيْ غَلَبَ واسْتَعْلى هَذا الِاسْتِواءَ الَّذِي عالَجُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِ حَتّى تَخَلَّقُوا بِهِ فَصارَ مُجَرَّدًا عَنْ أدْنى مَيْلٍ وكُلْفَةٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾
ولَمّا كانَ قَدْ سَلَخَ في هَذا السِّياقِ عَنِ الهَمْزَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ كانَ مَعْنى ﴿أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ أيْ في هَذا الوَقْتِ ﴿أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ فِيهِ أوْ فِيما بَعْدَهُ - مُسْتَوٍ عِنْدَهُمُ اسْتِغْفارُكَ لَهم وتَرْكُهُ، لِأنَّهُ لا أثَرَ لَهُ عِنْدَهُمْ، ولِهَذا كانَتْ نَتِيجَتُهُ - عُقُوبَةً لَهم - النَّفْيُ المُبالَغُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿لَهُمْ﴾ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِفْهامِ بَعْدَ سَلْخِ مَعْناهُ لِلشّارَةِ إلى أنَّهم لَوْ شاهَدُوا المَلِكَ يَسْتَفْهِمُكَ عَنْ ذَلِكَ ما رَدَّهم عَنْ نِفاقِهِمْ وما زادَهم ذَلِكَ عَلى ما عِنْدَهم شَيْئًا، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَيَّدَ هَذِهِ الآيَةَ بِآيَةِ بَراءَةَ المُحْتَمِلَةِ لِلتَّخْيِيرِ وأنَّهُ إنْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ كانَ الغُفْرانُ مَرْجُوًّا، فاسْتَجازَ بِذَلِكَ الصَّلاةَ عَلى ابْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ والِاسْتِغْفارِ لَهُ لِما عِنْدَهُ ﷺ مِن [عَظِيمِ] الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ ومَزِيدِ الرَّحْمَةِ لَهم ولا سِيَّما مَن كانَ في عِدادِ أصْحابِهِ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ (p-٨٦)عَنْهم [بِهِ] عِنايَةً.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِتَعْلِيلِ المُبالَغَةِ في الإخْبارِ بَعْدَ الغُفْرانِ لَهُمْ: لِأنَّ فِسْقَهم قَدِ اسْتَحْكَمَ فَصارَ وصْفًا لَهم ثابِتًا، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيِ النّاسَ الَّذِي لَهم قُوَّةٌ في أنْفُسِهِمْ عَلى ما يُرِيدُونَهُ ﴿الفاسِقِينَ﴾ لِأنَّهم لا عُذْرَ لَهم في الإصْرارِ عَلى الفِسْقِ وهو المُرُوقُ مِن حِصْنِ الإسْلامِ بِخَرْقِهِ وهَتْكِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ والتَّمَرُّنِ عَلَيْهِ حَتّى اسْتَحْكَمَ فَهم راسِخُونَ في النِّفاقِ والخُرُوجِ عَنْ مَظِنَّةِ الإصْلاحِ.
المنافقون 63:7
ولَمّا كانَ هَذا داعِيًا إلى السُّؤالِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي فَسَقُوا بِهِ، قالَ مُبَيِّنًا لَهُ: ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةَ بَواطِنَهم ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا القَوْلَ ولا يَزالُونَ يُجَدِّدُونَهُ لِأنَّهم كانُوا مَرْبُوطِينَ بِالأسْبابِ مَحْجُوبِينَ عَنْ شُهُودِ التَّقْدِيرِ غَيْرِ مُحَقِّقِينَ بِتَصْرِيفِ الأحْكامِ، فَأنْطَقَهم ما خامَرَ قُلُوبَهم مِن تَمَنِّي إطْفاءِ نُورِ اللَّهِ فَتَواصَوْا فِيما بَيْنَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تُنْفِقُوا﴾ أيُّها المُخْلِصُونَ في النُّصْرَةِ ﴿عَلى مَن﴾ أيِ الَّذِينَ ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وهم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وكَأنَّهم عَبَّرُوا بِذَلِكَ وهم [لا] يَعْتَقِدُونَهُ تَهَكُّمًا وإشارَةً إلى أنَّهُ [لَوْ ]كانَ رَسُولُهُ (p-٨٧)وهُوَ الغِنى المُطْلَقَ لَأغْنى أصْحابَهُ ولَمْ يُحْوِجْهم إلى أنْ يُنْفِقَ النّاسُ عَلَيْهِمْ، وما دَرى الأغْبِياءُ أنَّ ذَلِكَ امْتِحانٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ - فَسُبْحانَ مَن يُضِلُّ مَن يَشاءُ - حَتّى يَكُونَ كَلامُهُ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنِ الصَّوابِ بِحَيْثُ يَعْجَبُ العاقِلُ كَيْفَ يَصْدُرُ ذَلِكَ مِن أحَدٍ، أوْ أنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ عِبارَتَهم وهو الظّاهِرُ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْهم بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ كَلامَهم يَؤُولُ إلى إرادَةِ ضُرٍّ مِنَ اللَّهِ مَعَهُ تَوْقِيفًا عَلى كُفْرِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أرْسَلَ رَسُولًا لا يَكِلُهُ إلى أحَدٍ بَلْ يَكْفِيهِ جَمِيعُ ما يُهِمُّهُ مِن غَيْرِ افْتِقارٍ إلى شَيْءٍ أصْلًا، فَقَدْ أرْسَلَ سُبْحانَهُ إلَيْهِ ﷺ بِمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ فَأباها وما كَفاهم هَذا الجُنُونُ حَتّى زادُوهُ ما دَلَّ عَلى أنَّهم ظَنُّوا أنَّ أبْوابَ الرِّزْقِ تُغْلَقُ إذا امْتَنَعَ المُنْفِقُونَ مِنَ النّاسِ عَنْ إنْفاقِهِمْ، وعَبَّرُوا بِحَرْفِ غايَةٍ لِيَكُونَ لِما بَعْدَهُ حُكْمُ ما قَبْلَهُ فَقالُوا: ﴿حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ أيْ يَتَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا قَبِيحًا فِيهِ كَسْرٌ فَيَذْهَبُ أحَدٌ مِنهم إلى أهْلِهِ وشُغْلِهِ الَّذِي كانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، قالَ [الحَرّالِيُّ]: ”حَتّى“ كَلِمَةٌ تُفْهِمُ غايَةً مُحَوَّطَةً يَدْخُلُ ما بَعْدَها في حُكْمِ ما قَبْلَها مُقابِلَ مَعْنى ”إلى“، وقالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: لا يَجْرِ بِها إلى آخَرَ أوْ مُتَّصِلٍ بِالآخَرِ نَحْوَ الفَجْرِ في ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] وحَتّى آخِرَ اللَّيْلِ، ولا تَقُولُوا: حَتّى نِصْفَ اللَّيْلِ، وما دَرى الأجْلافُ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ (p-٨٨)أتاحَ اللَّهُ غَيْرَهم لِلنِّفاقِ، أوْ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ فَدَعا في الشَّيْءِ اليَسِيرِ فَصارَ كَثِيرًا، أوْ كانَ بِحَيْثُ لا يَنْفَدُ، [أوْ أعْطى كُلًّا يَسِيرًا مِن طَعامٍ عَلى كَيْفِيَّةٍ لا تَنْفَدُ] مَعَها كَتَمْرِ أبِي هُرَيْرَةَ وشَعِيرِ عائِشَةَ وعْكَةَ أُمِّ أيْمَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وغَيْرِ ذَلِكَ كَما رُوِيَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولَكِنْ لَيْسَ لِمَن يَضِلُّ اللَّهُ مِن هادٍ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيْ قالُوا [ذَلِكَ] واسْتَمَرُّوا عَلى تَجْدِيدِ قَوْلِهِ والحالُ أنَّ لِلْمَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَهو الآمِرُ النّاهِي ﴿خَزائِنُ السَّماواتِ﴾ [أيْ كُلِّها] ﴿والأرْضِ﴾ كَذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ المَعْدُومَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ مَقْدِرَةِ ”إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ“ ومِنَ الأشْياءِ الَّتِي أوْجَدَها فَهو يُعْطِي مَن يَشاءُ مِنها ما يَشاءُ حَتّى مِن أيْدِيهِمْ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَنعِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا مِمّا في يَدِهِ ولا مِمّا في يَدِ غَيْرِهِ، ونَبَّهَ عَلى سُوءِ غَباوَتِهِمْ وأنَّهم تَقَيَّدُوا بِالوَهْمِ حَتّى سَفَلُوا عَنْ رُتْبَةِ البَهائِمِ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ البَهائِمِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وصْفِ النِّفاقِ.
ولَمّا كانَ ما يُساقُ إلى الخَلْقِ مِنَ الأرْزاقِ فَيَظُنُّ كَثِيرٌ مِنهم أنَّهم حَصَّلُوهُ بِقُوَّتِهِمْ، عَبَّرَ بِالفِقْهِ الأخَصِّ مِنَ العِلْمِ فَقالَ: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ (p-٨٩)لا يَتَجَدَّدُ لَهم فَهْمٌ أصْلًا لِأنَّ البَهائِمَ إذا رَأتْ شَيْئًا يَنْفَعُها يَوْمًا ما في مَكانِ طَلَبَتِهِ مَرَّةً أُخْرى، وهَؤُلاءِ رَأوْا غَيْرَ مَرَّةٍ ما أخْرَجَ اللَّهُ مِن خَوارِقِ البَرَكاتِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، فَمَن رَأى أنَّ رِزْقَهُ بِيَدِ الخَلْقِ فَألْهاهُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ حَتّى ضَيَّعَ حُقُوقَهُ وداهَنَ في دِينِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ القُرْآنِ، ودَلَّ عَلى عَدَمِ فِقْهِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:
المنافقون 63:8
﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ هَذا القَوْلَ ويُجَدِّدُونَهُ مُؤَكِّدِينَ لَهُ لِاسْتِشْعارِهِمْ بِأنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ يُنْكِرُهُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا﴾ أيْ [نَحْنُ أيَّتُها العِصابَةُ المُنافِقَةُ] مِن غُزاتِنِا هَذِهِ - الَّتِي قَدْ رَأوْا فِيها مِن نُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُعْجِزُ الوَصْفَ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ حَيٌّ مِن هُذَيْلٍ بِالمَرِيسِيعِ وهو ماءٌ مِن مِياهِهِمْ مِن ناحِيَةِ قَدِيدٍ إلى السّاحِلِ وفِيها تَكَلَّمَ ابْنُ أُبَيٍّ بِالإفْكِ وأشاعَهُ - ﴿إلى المَدِينَةِ﴾ [و]دَلُّوا عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى عَدَمِ المُساكَنَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ﴾ يَعْنُونَ أنْفُسَهم ﴿مِنها الأذَلَّ﴾ وهم كاذِبُونَ في هَذا، لَكِنَّهم تَصَوَّرُوا لِشِدَّةِ غَباوَتِهِمْ أنَّ العِزَّةَ لَهم وأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى إخْراجِ المُؤْمِنِينَ ﴿ولِلَّهِ﴾ أيْ والحالُ أنَّ كُلَّ مَن لَهُ نَوْعُ بَصِيرَةٍ يَعْلَمُ أنَّ لِلْمَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ وحْدَهُ عِزُّ الإلَهِيَّةِ ﴿العِزَّةُ﴾ كُلُّها، فَهو قَهّارٌ لِمَن دُونُهُ [وكُلُّ ما عَداهُ دُونَهُ].
(p-٩٠)ولَمّا حَصَرَ العِزَّةَ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِن تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، أخْبَرَ أنَّهُ يُعْطِي مِنها مَن أرادَ وأحَقَّهم بِذَلِكَ مَن أطاعَهُ فَتَرْجَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِرَسُولِهِ﴾ لِأنَّ عِزَّتَهُ مَن عِزَّتِهِ بِعِزِّ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وإظْهارِ اللَّهِ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وكَذَلِكَ أيْضًا أنَّ العِزَّةَ لِمَن أطاعَ الرَّسُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا راسِخًا لِأنَّ عِزَّتَهم بِعَزَّةِ الوِلايَةِ، ونَصَرَ اللَّهُ إيّاهم عِزَّةً لِرَسُولِهِمْ ﷺ، ومَن تَعَزَّزَ بِاللَّهِ لَمْ يَلْحَقْهُ ذُلٌّ.
ولَمّا كانَ جَهْلُهم في هَذا أشَدَّ لِكَثْرَةِ ما رَأوْا مِن نُصْرَةِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ ومَن تابَعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وإعْلائِهِمْ عَلى كُلِّ مَن ناوَأهُمْ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَحْكَمَ فِيهِمْ مَرَضُ القُلُوبِ.
ولَمّا كانَتِ الدَّلائِلُ عَلى عِزَّةِ اللَّهِ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ لِما تَحَقَّقَ مِن قَهْرِهِ لِلْمُلُوكِ وغَيْرِهِمْ بِالمَوْتِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى الخَلاصِ مِنهُ ولا المُنازَعَةِ فِيهِ، ومِنَ المَنعِ مِن أكْثَرِ المُرادّاتِ، ومَن نَصَرَ الرَّسُولَ وأتْباعَهم بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ بِأنْواعِ الهَلاكِ، وبِأنَّهُ سُبْحانَهُ ما قالَ شَيْئًا إلّا تَمَّ ولا قالَتِ الرُّسُلُ شَيْئًا إلّا صَدَقَهم فِيهِ، خَتَمَ الآيَةَ بِالعِلْمِ الأعَمِّ مِنَ الفِقْهِ فَقالَ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا لِأحَدٍ لَهم عِلْمٌ الآنَ، ولا يَتَجَدَّدُ (p-٩١)فِي حِينٍ مَنَّ الأحْيانِ، فَلِذَلِكَ هم يَقُولُونَ مِثْلَ هَذا الخِرافَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ عَبْدُ اللَّهِ ولَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ [بْنِ] سَلُولٍ الَّذِي نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ إلى أبِيهِ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ المَرِيسِيعِ لِبَنِي المُصْطَلِقِ فَأخَذَ بِزِمامِ ناقَةِ أبِيهِ وقالَ: أنْتَ واللَّهِ الذَّلِيلُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَزِيزُ، ولَمّا دَنَوْا مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ جَرَّ سَيْفَهُ وأتى أباهُ فَأخَذَ بِزِمامِ ناقَتِهِ. وزَجَرَها إلى ورائِها وقالَ: إيّاكَ وراءَكَ واللَّهِ لا تَدْخُلُها حَتّى يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَئِنْ لَمْ تُقِرَّ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الأعَزُّ وأنْتَ الأذَلُّ لَأضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قالَ: أفاعِلٌ أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وشَكا ولَدَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَدَعَهُ يَدْخُلُ المَدِينَةَ، فَأطْلَقَ فَدَخَلَ.
المنافقون 63:9
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي حَكاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ المُنافِقِينَ بِحَيْثُ يَعْجَبُ غايَةَ العَجَبِ مِن تَصَوُّرِ قائِلِهِ لَهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ فَكَيْفَ بِأنْ يَعْتَقِدَهُ، نَبَّهَ عَلى [أنَّ] العِلَّةَ المُوجِبَةَ لَهُ طَمْسُ البَصِيرَةِ، وأنَّ العِلَّةَ في طَمْسِ البَصِيرَةِ الإقْبالُ بِجَمِيعِ القَلْبِ عَلى الدُّنْيا رُجُوعًا عَلى إيضاحِ ما تَقَدَّمَ [فِي] (p-٩٢)نَتِيجَةِ الجُمْعَةِ مِنَ الإذْنِ في طَلَبِ الرِّزْقِ والتَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ فِعْلِ حاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفِعْلِ مَنِ انْصَرَفَ عَنْ خُطْبَةٍ لِتِلْكَ [العِيرِ]، وكانَ هَذا التَّنْبِيهُ عَلى وجْهٍ حاسِمٍ لِمادَّةِ شَرِّهِمْ في كَلامِهِمْ فَإنَّ كَلِمَةَ الشُّحِّ [كَما قِيلَ] مُطاعَةٌ، ولَوْ بِأنْ تُؤَثِّرَ أثَرًا ما ولَوْ بِأنْ تُقَتِّرَ نَوْعَ تَقْتِيرٍ في وقْتٍ ما، فَقالَ مُنادِيًا لِمَن يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أخْبِرُوا بِما يَقْتَضِي أنَّ بَواطِنَهم مُذْعِنَةً كَظَواهِرِهِمْ ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكُمْ﴾ ولمّا كانَ الخِطابُ مَعَ مَن يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ قالَ: ﴿ولا أوْلادُكُمْ﴾ أيْ لا تَقْبَلُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِجَمِيعِ قُلُوبِكم إقْبالًا يُحَيِّرُكم سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في إصْلاحِها أوِ التَّمَتُّعِ [بِها] بِحَيْثُ تَشْتَغِلُونَ وتَغْفُلُونَ ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن تَوْحِيدِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُعْطِي مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ، فَإذا كانَ العَبْدُ ذاكِرًا لَهُ بِقَلْبِهِ دائِمًا لَمْ يَقُلْ كَقَوْلِ المُنافِقِينَ ﴿لا تُنْفِقُوا﴾ [المنافقون: ٧] ولا ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] لِعِلْمِهِ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وأنَّهُ لَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، ولا يَضُرُّ بِذَلِكَ إلّا نَفْسَهُ، وهَذا يَشْمَلُ ما قالُوهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ والحَجِّ والصَّوْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولِإرادَةِ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ وجْهِ النَّهْيِ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ بِما المُرادُ مِنهُ نَهْيُهم. (p-٩٣)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنِ انْتَهى فَهو مِنَ الفائِزِينَ، عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ﴾ أيْ [يُوقِعُ] في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ فِعْلَ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ البَعِيدِ عَنْ أفْعالِ ذَوِي الهِمَمِ مِنَ الِانْقِطاعِ إلى الِاشْتِغالِ بِالفانِي والإعْراضِ عَنِ الباقِي والإقْبالِ عَلى العاجِلِ مَعَ نِسْيانِ الآجِلِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ عَنِ الخَيْرِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الخاسِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الخَسارَةِ حَتّى كَأنَّهم كانُوا مُخْتَصِّينَ بِها دُونَ النّاسِ، وذَلِكَ ضِدُّ ما أرادُوا بِتَوْفِيرِ النَّظَرِ إلَيْهِمْ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعْيِ لِلتَّكْثِيرِ والزِّيادَةِ والتَّوْفِيرِ، وفي إفْهامِهِ أنَّ مَن شَغَلَهُ ما يُهِمُّهُ مِن أمْرِ دِينِهِ الَّذِي أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِهِ ونَهاهُ عَنْهُ إضاعَتَهُ وتَوَعَّدَهُ عَلَيْها كَفاهُ سُبْحانَهُ أمْرَ دُنْياهُ الَّذِي ضَمِنَهُ لَهُ ونَهاهُ أنْ يَجْعَلَهُ أكْبَرَ هَمِّهِ وتَوَعَّدَهُ عَلى ذَلِكَ، فَما ذَكَرَهُ إلّا مَن وجَدَهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ دِينًا ودُنْيا، وتَوَجَّهَ إلَيْهِ في جَمِيعِ نَوائِبِهِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّ هُمُومِهِ، وبَذَلَ نَفْسَهُ لَهُ بَذْلَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ مَمْلُوكٌ مَرْبُوبٌ فَقَدْ أمَرَ رَبَّهُ عَلى نَفْسِهِ واتَّخَذَهُ وكِيلًا فاسْتَراحَ مِنَ المَخاوِفِ، ولَمْ يَمِلْ إلى شَيْءٍ مِنَ المَطامِعِ فَصارَ حُرًّا.
المنافقون 63:10
ولَمّا حَذَّرَ مِنَ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا، رَغَّبَ في بَذْلِها مُخالَفَةً لِلْمُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿وأنْفِقُوا﴾ أيْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن واجِبٍ أوْ مَندُوبٍ، وزادٍ في التَّرْغِيبِ بِالرِّضى مِنهم بِاليَسِيرِ مِمّا [هُوَ] كُلُّهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ (p-٩٤)أيْ مِن عَظَمَتِنا وبَلَغَ النِّهايَةَ في ذَلِكَ بِالرِّضا بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ مَعَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ في زَمَنِ ما ولَوْ قَلَّ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ إثْباتُ الجارِّ، فَقالَ مُرَغِّبًا في التَّأهُّبِ لِلرَّحِيلِ والمُبادَرَةِ لِمُباغَتِهِ الأجَلَ، مُحَذِّرًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِالتَّسْوِيفِ في أوْقاتِ السَّلامَةِ: ﴿مِن قَبْلِ﴾ وفَكَّ المَصْدَرَ لِيُفِيدَ ”أنَّ“ مَزِيدَ القُرْبِ [فَقالَ]: ﴿أنْ يَأْتِيَ﴾ ولمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ أهْوَلُ قالَ: ﴿أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [أيْ] بِرُؤْيَةِ دَلائِلِهِ وأماراتِهِ، وكُلُّ لَحْظَةٍ مَرَّتْ فَهي مِن دَلائِلِهِ وأماراتِهِ. ولمّا كانَتِ الشَّدائِدُ تَقْتَضِي الإقْبالَ عَلى اللَّهِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولَ﴾ سائِلًا في الرَّجْعَةِ، وأشارَ إلى تَرْقِيقِها لِلْقُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لَوْلا﴾ أيْ هَلْ لا ولِمَ لا ﴿أخَّرْتَنِي﴾ أيْ أخَّرْتُ مَوْتِي إمْهالًا لِي ﴿إلى أجَلٍ﴾ أيْ زَمانٍ، وبَيَّنَ أنَّ مُرادَهُ اسْتِدْراكَ ما فاتَ لَيْسَ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ أيْ لِلتَّزَوُّدِ في سَفَرِي هَذا الطَّوِيلِ الَّذِي أنا مُسْتَقْبَلُهُ، قالَ الغَزالِيُّ في كِتابِ التَّوْبَةِ مِنَ الإحْياءِ: قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ إذا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ أعْلَمَهُ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِن عُمْرِكَ ساعَةٌ، وأنَّكَ لا تَسْتَأْخِرُ عَنْها طَرْفَةَ عَيْنٍ فَيَبْدُو لِلْعَبْدِ مِنَ الأسَفِ والحَسْرَةِ مِمّا لَوْ كانَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها لَخَرَجَ مِنها عَلى أنْ يَضُمَّ إلى تِلْكَ السّاعَةِ ساعَةً أُخْرى لِيَسْتَعْتِبَ فِيها (p-٩٥)ويَتَدارَكُ تَفْرِيطَهُ، يَقُولُ: يا مَلَكَ المَوْتِ! أخِّرْنِي يَوْمًا أعْتَذِرُ فِيهِ إلى رَبِّي وأتُوبُ وأتَزَوَّدُ فِيها صالِحًا لِنَفْسِي، [فَيَقُولُ]: فَنِيَتِ السّاعاتُ فَلا ساعَةَ، فَيُغْلِقُ عَلَيْهِ بابَ التَّوْبَةِ فَيَتَغَرْغَرُ بِرُوحِهِ وتُرَدِّدُ أنْفاسُهُ في شَراسِيفِهِ ويَتَجَرَّعُ غُصَّةَ اليَأْسِ عَنِ التَّدارُكِ وحَسْرَةِ النَّدامَةِ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ، فَيَضْطَرِبُ أصْلُ إيمانِهِ في صَدَماتِ تِلْكَ الأهْوالِ، فَإذا زَهَقَتْ نَفْسُهُ فَإنْ كانَ سَبَقَتْ لَهُ [مِنَ] اللَّهِ الحُسْنى خَرَجَتْ رُوحُهُ عَلى التَّوْحِيدِ، فَذَلِكَ حُسْنُ الخاتِمَةِ، وإنْ سَبَقَ لَهُ القَضاءُ بِالشِّقْوَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى خَرَجَتْ رُوحُهُ عَلى الشَّكِّ والِاضْطِرابِ، وذَلِكَ سُوءُ الخاتِمَةِ، ومَن تَرَكَ المُبادَرَةَ إلى التَّوْبَةِ بِالتَّسْوِيفِ كانَ بَيْنَ خَطَرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَتَراكَمَ الظُّلْمَةُ عَلى قَلْبِهِ مِنَ المَعاصِي حَتّى يَصِيرَ رَيْنًا وطَبْعًا فَلا يَقْبَلُ المَحْوَ، الثّانِي أنْ يُعاجِلَهُ المَرَضُ أوِ المَوْتُ فَلا يَجِدُ مُهْلَةً لِلِاشْتِغالِ بِالمَحْوِ، فَيَأْتِي اللَّهُ تَعالى بِقَلْبٍ غَيْرِ سَلِيمٍ، والقَلْبُ أمانَةُ اللَّهِ عِنْدَ عَبْدِهِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ لِلَّهَ تَعالى إلى عَبْدِهِ سِرَّيْنِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ: أحَدُهُما إذا خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ يَقُولُ لَهُ: عَبْدِي قَدْ أخْرَجْتُكَ إلى الدُّنْيا طاهِرًا نَظِيفًا واسْتَوْدَعْتُكَ وائْتَمَنتُكَ عَلَيْهِ فانْظُرْ كَيْفَ تَحْفَظُ الأمانَةَ وانْظُرْ كَيْفَ تَلْقانِي، والثّانِي عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ يَقُولُ: عَبْدِي ماذا صَنَعْتَ في أمانَتِي [عِنْدَكَ] (p-٩٦)هَلْ حَفِظْتَها حَتّى تَلْقانِي عَلى العَهْدِ فَألْقاكَ عَلى الوَفاءِ أوْ أضَعْتَها فَألْقاكَ بِالمُطالَبَةِ والعَذابِ.
ولَعَلَّهُ أدْغَمَ تاءَ التَّفَعُّلِ إشارَةً إلى أنَّهُ إذا أخَّرَ فِعْلَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ [الإخْفاءِ لِيَكُونَ أفْضَلَ، أوْ يَكُونُ إدْغامُها اخْتِصارًا لِبُلُوغِ الأمْرِ إلى حَدٍّ مُحْوِجٍ إلى] الإيجازِ في القَوْلِ كَما طَلَبَ في الزَّمَنِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَماعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو ﴿وأكُنْ﴾ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى الجَوابِ الَّذِي هَدى السِّياقَ إلى تَقْدِيرِهِ، فَإنَّ حالَ هَذا [الَّذِي] أشَرَّفَ هَذا الإشْرافَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أرادَ إنْ ”أخَّرْتَنِي أتَصَدَّقُ“ ولَكِنَّهُ حَذَفَهُ لِضِيقِ المَقامِ عَنْهُ واقْتِضاءِ الحالِ لِحَذْفِهِ، وهو مَعْنى ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ الجَزْمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي [دَلَّ] عَلَيْهِ التَّمَنِّي عَلى المَوْضِعِ، فَإنَّ الجازِمَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ومَعْنى ما قالَ غَيْرُهُ أنَّ ”لَوْلا“ لِكَوْنِها تَحْضِيضِيَّةً مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الأمْرِ ومَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخِّرْنِي، فَيَكُونُ جَوابُهُ العارِي عَنِ الفاءِ مَجْزُومًا لَفْظًا والمَقْرُونُ بِها مَجْزُومًا مُحَلًّا فَ ”اكْنِ“ عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ، ونَصَبَ أبُو عَمْرٍو عَطْفًا عَلى اللَّفْظِ لِأنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ”لَوْلا“ وإجْماعُ المَصاحِفِ عَلى حَذْفِ الواوِ لا يَضُرُّهُ لِأنَّهُ قالَ: إنَّها لِلِاخْتِصارِ، وهو ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ والخَطِّ والزَّمانِ والمُرادِ، ومِن هُنا تَعْرِفُ جَلالَةَ (p-٩٧)القُرّاءِ ومُرادُهم إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِمْ في الضّابِطِ المَشْهُورِ وإنْ تَوافَقَ رَسْمُ المُصْحَفِ ولَوِ احْتِمالًا ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ العَظِيمِ، وزادَ في الحَثِّ عَلى المُبادَرَةِ بِالطّاعاتِ قَبْلَ الفَواتِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجَلٍ عَظِيمِ الرَّجاءِ مِن هَذا المُحْتَضَرِ لِلتَّأْخِيرِ عَطْفًا عَلى [ما] تَقْدِيرُهُ: فَلا يُؤَخِّرُهُ اللَّهُ فَيَفُوتُهُ ما أرادَ:
المنافقون 63:11
﴿ولَنْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا أيْ قالَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ لَنْ ﴿يُؤَخِّرَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿نَفْسًا﴾ أيْ أيُّ نَفْسٍ كانَتْ، وحَقَّقَ الأجَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَ أجَلُها﴾ أيْ وقْتُ مَوْتِها الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ لَها فَلا يُؤَخِّرُ اللَّهُ نَفْسَ هَذا القائِلِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ النُّفُوسِ الَّتِي شَمِلَها النَّفْيُ. ولمّا كانَ المَعْنى عَلى طَرِيقِ النَّتائِجِ الَّتِي لا شَكَّ في إرْشادِ اللَّفْظِ إلَيْها: اللَّهُ عالِمٌ فَإنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ حاثًّا عَلى المُسارَعَةِ إلى الخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الطّاعاتِ والِاسْتِعْدادِ لِما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ اللِّقاءِ مُحَذِّرًا مِنَ الإخْلالِ ولِأنَّهُ لا تَهْدِيدَ كالعِلْمِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ الخِبْرَةِ والعَلَمِ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ عَمَلَهُ في الماضِي والحالِ والمَآلِ كُلِّهِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ مِن هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم أنَّ المُحْتَضِرَ العاصِي يَقُولُهُ ومِن غَيْرِهِ [مِنهُ ومِن غَيْرِهِ] (p-٩٨)أيُّها النّاسُ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخِطابِ، وعَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالغَيْبِ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ المُنافِقُونَ، ويُمْكِنُ أنْ يَعُمَّ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلنَّفْسِ عَلى المَعْنى ويُمْكِنُ [أنْ يَكُونَ] الضَّمِيرُ لِلنّاسِ عَلى الِالتِفاتِ لِلْإعْراضِ تَخْوِيفًا لَهُمْ، ولِذَلِكَ عَلِمَ سُبْحانَهُ كَذِبَ المُنافِقِينَ في أنَّهم يَعْتَقِدُونَ ما شَهِدُوا بِهِ في أمْرِ الرِّسالَةِ وعَلِمَ جَمِيعُ ما قَصَّ مِن أخْبارِهِمْ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] واللَّهُ أعْلَمُ.
التغابن 64:1
(p-٩٩)سُورَةُ التَّغابُنِ
مَقْصُودُها الإبْلاغُ فى التَّحْذِيرِ مِمّا حَذَّرَتْ مِنهُ المُنافِقُونَ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى أنَّهُ مِنَ العِرْضِ عَلى الدَّيْنُونَةِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ الجَمْعِ الأعْظَمِ، واسْمُها التَّغابُنُ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ،[و] هو أدَلُّ ما فِيها عَلَيْهِ لِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ مالِكِ المُلْكِ فَلا كُفُؤَ لَهُ ولا مَثِيلَ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي وسِعَ الخَلائِقَ بِرُّهُ الجَلِيلُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ مِمَّنْ عَمَّهُ بِالبَرِّ قَوْمًا فَوْقَهم لِلْجَمِيلِ.
* *
لَمّا خُتِمَتْ تِلْكَ بِإثْباتِ القَهْرِ بِنُفُوذِ الأمْرِ وإحاطَةِ العِلْمِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِإحاطَةِ الحَمْدِ ودَوامِ التَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، إرْشادًا إلى النَّظَرِ في أفْعالِهِ والتَّفَكُّرِ في مَصْنُوعاتِهِ لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلى مَعْرِفَتِهِ، وأمّا مَعْرِفَتُهُ بِكُنْهِ الحَقِيقَةِ فَمُحالٌ فَإنَّهُ لا يَعْرِفُ الشَّيْءَ كَذَلِكَ إلّا مِثْلَهُ ولا مِثْلَ لَهُ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما أفْهَمَهُ أوَّلَ الجُمْعَةِ: ﴿يُسَبِّحُ﴾ أيْ يُوقِعُ التَّنْزِيهَ التّامَّ مَعَ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿لِلَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الأراضِي وما فِيها فَلا يُرِيدُ مِن شَيْءٍ مِنهُ شَيْئًا إلّا كانَ عَلى وفْقِ الإرادَةِ، فَكانَ لِذَلِكَ الكَوْنِ والكائِنِ (p-١٠٠)شاهِدًا لَهُ بِالبَراءَةِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ.
ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ مَن تَقَدَّمَ في آخِرِ المُنافِقِينَ مِمَّنْ هو مُحْتاجٌ إلى التَّأْكِيدِ، قالَ مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ المَوْصُولِ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ كَذَلِكَ بِدَلالَتِها عَلى كَمالِهِ واسْتِغْنائِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مُوافَقَةَ العاقِلِ لِلْأمْرِ مِثْلَ مُوافَقَةِ غَيْرِ العاقِلِ لِلْإرادَةِ، فَعَلَيْهِ أنْ يُهَذِّبَ نَفْسَهُ غايَةَ التَّهْذِيبِ فَيَكُونُ في طاعَتِهِ بِامْتِثالِ الأوامِرِ كَطاعَةِ غَيْرِ العاقِلِ في امْتِثالِهِ لِما يُرادُ مِنهُ.
ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ كَمالَ نَزاهَتِهِ عَلى وجْهٍ يَفْهَمُ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ لِمَن لَهُ لُبٌّ كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ إذا لَمْ يَكُنْ مَطْبُوعًا، كَما لا تَنْفَعُ الشَّمْسُ [و]ضَوْءُ العَيْنِ مَمْنُوعٌ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ جَعَلَهم مَظْرُوفِينَ كَما هو المُشاهَدُ، والمَظْرُوفُ مُحْتاجٌ لِوُجُودِ ظَرْفِهِ قَبْلَهُ فَهو عاجِزٌ فَهو مُسَبِّحٌ دائِمًا إنْ لَمْ يَكُنْ بِلِسانٍ قالَهُ كانَ بِلِسانِ حالِهِ، وصانِعُهُ الغَنِيُّ عَنِ الظَّرْفِ فَغَيْرُهُ سَبُوحٌ، [عَلَّلَ] ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿المُلْكُ﴾ [أيْ] كُلُّهُ مُطْلَقًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو السِّيادَةُ العامَّةُ لِلْخاصِّ والعامِّ والسِّياسَةُ العامَّةُ بِرُكْنَيْها دَفْعُ الشُّرُورِ وجَلْبُ الخُيُورِ الجالِبُ لِلسُّرُورِ (p-١٠١)والحُبُورُ مِنَ الإبْداعِ والإعْدامِ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في الجُمْعَةِ، فَإنَّ المُلْكَ قَدْ يَكُونُ مُلْكًا في الصُّورَةِ، وذَلِكَ المُلْكُ الَّذِي هو ظاهِرٌ فِيهِ لِغَيْرِهِ، فَداوَمَ التَّسْبِيحَ الَّذِي اقْتَضَتْهُ عَظَمَةُ المَلِكِ هُنا أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الدَّوامِ.
ولَمّا أتْبَعُهُ في الجُمْعَةِ التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقْصِ، أتْبَعَهُ هُنا الوَصْفُ بِالكَمالِ فَقالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ كُلِّها فَلِذَلِكَ يُنَزِّهُهُ جَمِيعُ مَخْلُوقاتِهِ، فَمَن فَهِمَ تَسْبِيحَها فَذَلِكَ [المُحْسِنُ]، ومَن كانَ في طَبْعِهِ وفِطْرَتِهِ الأُولى بِالفَهْمُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ يُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ فَيَفْهَمُ، ومَن لَمْ يُهَيَّأْ لِذَلِكَ فَذَلِكَ الضّالُّ الَّذِي لا حِيلَةَ فِيهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْءٍ مُمْكِنٍ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ المَشِيئَةُ ﴿قَدِيرٌ﴾ لِأنَّهُ وحْدَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُطْلَقًا عَلِيمٌ، لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِيَةَ لِلْقُدْرَةِ إلى الأشْياءِ كُلِّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ وهَذا واضِحٌ جِدًّا، ولِأنَّ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالنَّقْصِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالكَمالِ وقُوَّةِ السُّلْطانِ والجَلالِ.
وقالَ [الإمامُ] أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَمّا بَسَطَ في السُّورَتَيْنِ قَبِلَ مِن حالِ مَن حَمَلَ التَّوْراةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلْها، وحالَ المُنافِقِينَ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ، وقُلُوبُهم كُفْرًا وعِنادًا مُتَكاثِفَةَ الإظْلامِ، وبَيَّنَ خُرُوجَ الطّائِفَتَيْنِ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ، وتَنَكُّبُهم عَنْ هُدى الدِّينِ القَوِيمِ، وأوْهَمَ ذِكْرَ اتِّصافِهِمْ بِمُتَحَدِّ أوْصافِهِمْ خُصُوصُهم في الكُفْرِ بِوَسْمِ الِانْفِرادِ وسْمًا يُنْبِئُ عَنْ عَظِيمِ ذَلِكَ الإبْعادِ، سِوى ما (p-١٠٢)تَناوَلَ غَيْرُهم مِن أحْزابِ الكُفّارِ، فَأنْبَأ تَعالى [عَنْ] أنَّ الخَلْقَ بِجُمْلَتِهِمْ وإنْ تَشَعَّبَتِ الفِرَقُ وافْتَرَقَتِ الطُّرُقُ راجِعُونَ بِحُكْمِ السَّوابِقِ إلى طَرِيقَيْنِ فَقالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وقَدْ أوْضَحْنا الدَّلائِلَ أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلى دَرَجاتٍ، و[أهْلُ] الكُفْرِ ذُو طَبَقاتٍ، وأهْلُ النِّفاقِ أدْوَنُهم حالًا وأسْوَأُهم كُفْرًا وضَلالًا ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْزِيهِ لِعَظِيمِ مُرْتَكَبِ المُنافِقِينَ في جَهْلِهِمْ ولَوْ لَمْ تَنْطَوِ سُورَةُ المُنافِقِينَ مِن عَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ إلّا عَلى ما حَكاهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وقَدْ أشارَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤] إلى ما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مِنَ الآياتِ إلى سُوءِ جَهْلِ المُنافِقِينَ وعَظِيمِ حِرْمانِهِمْ في قَوْلِهِمْ بِألْسِنَتِهِمْ مِمّا لَمْ تَنْطَوِ عَلَيْهِ قُلُوبُهم ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] واتِّخاذُهم أيْمانَهم جُنَّةً وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إلى ما وصَفَهم سُبْحانَهُ بِهِ، فافْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى سُورَةَ التَّغابُنِ بِتَنْزِيهِهِ عَمّا تَوَهَّمُوهُ مِن مُرْتَكَباتِهِمُ الَّتِي لا تَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [التغابن: ٤] فَقَرَعَ ووَبَّخَ في عِدَّةِ آياتٍ ثُمَّ (p-١٠٣)أشارَ إلى ما مَنَعَهم مِن تَأمُّلِ الآياتِ، وصَدِّهِمْ عَنِ اعْتِبارِ المُعْجِزاتِ، وأنَّهُ الكِبَرُ المُهْلِكُ غَيْرَهُمْ، فَقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ سَلَفِهِمْ في هَذا المُرْتَكِبِ، مِمَّنْ أعْقَبَهُ ذَلِكَ ألِيمَ العَذابِ وسُوءَ المُنْقَلَبِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾ [التغابن: ٦] ثُمَّ تَناسَجَ الكَلامُ مَعْرُفًا بِمَآلِهِمُ الأُخْرَوِيِّ ومَآلِ غَيْرِهِمْ إلى قَوْلِهِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التغابن: ١٠] ومُناسَبَةُ ما بَعْدُ يَتَبَيَّنُ في التَّفْسِيرِ بِحَوْلِ اللَّهِ - انْتَهى.
التغابن 64:2
ولَمّا كانَ أعْظَمُ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ آياتِ الآفاقِ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] وآياتِ الأنْفُسِ، وقَدَّمَ الأوَّلَ عُلْوِيَّهُ وسُفْلِيَّهُ لِوُضُوحِهِ، أتْبَعَهُ الثّانِي دَلِيلًا عَلى عُمُومِ قُدْرَتِهِ الدّالِّ عَلى تَمامٍ مُلْكِهِ بِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِالِاخْتِراعِ لِأعْجَبِ الأشْياءِ خَلْقًا والحَمْلُ عَلى المَكارِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيْ أنْشَأكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِأنْ قَدَّرَكم وأوْجَدَكم بِالحَقِّ عَلى وفْقِ التَّقْدِيرِ خِلافًا لِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وأهْلِ الطَّبائِعِ.
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُنافِقِينَ ما أعْلَمَ أنَّهم فَرِيقانِ، عَرَفَ في هَذِهِ أنَّ ذَلِكَ مُسَبِّبٌ عَنْ إبْداعِهِ لِأنَّ مِن مَعْهُودِ المُلْكِ أنْ يَكُونَ في مَمْلَكَتِهِ الوَلِيُّ والعَدُوُّ والمُؤالِفُ والمُخالِفُ والطّائِعُ والعاصِي والمَلِكُ يَنْتَقِمُ ويَعْفُو ويُعاقِبُ ويُثِيبُ ويُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ ويَرْفَعُ ويَضَعُ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا فَتَسْتَغْفِرُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكم ثُمَّ جاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيُغْفَرُ لَهُمْ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ (p-١٠٤)أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى مُقَدِّمًا لِلْعَدُوِّ إشارَةً إلى أنَّهُ عالِمٌ بِهِ وقادِرٌ عَلَيْهِ، وما كانَ مِنهُ شَيْئًا إلّا بِإرادَتِهِ، وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّهُ الأكْثَرُ ومَعَ كَثْرَتِهِ هو الأضْعَفُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ مَعَهُ بِمَعُونَتِهِ وإلّا لَأعْدَمَ الصِّنْفَ الآخَرَ: ﴿فَمِنكُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ خَلْقِهِ لَكم وتَقْدِيرِهِ لِأشْباحِكُمُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها الأخْلاقُ إنْ كانَ مِنكم بِإبْداعِهِ لِصِفاتِكم كَما أبْدَعَ لِذَواتِكم ﴿كافِرٌ﴾ أيْ عَرِيقٌ في صِفَةِ الكُفْرِ مُهْلِكٌ نَفْسَهُ بِما هَيَّأهُ لِاكْتِسابِهِ ويُسْرِهِ لَهُ بَعْدَ ما خَلَقَهُ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى، وفي الحَدِيثِ أنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ طُبِعَ كافِرًا فَمَعْنى أنَّ فِطْرَتَهُ الأُولى خُلِقَتْ مُهَيَّأةً لِلْكُفْرِ، فَإنَّ الأفْعالَ عامَّةٌ وخاصَّةٌ، فالخاصَّةُ تُضافُ إلى العَبْدِ يُقالُ: صَلّى وصامَ وآمَنَ وكَفَرَ، والعامَّةُ تُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيُقالُ: أوْجَدَ القُدْرَةَ عَلى الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وخَلْقِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والأفْعالُ الخاصَّةُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ أيْ راسِخٌ في الإيمانِ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في الأزَلِ مُنْجٍ نَفْسَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي طابَقَ بِها العِلْمُ الأزَلِيُّ، فَهو سُبْحانُهُ خَلَقَ الكافِرَ وخَلَقَ كُفْرَهُ فِعْلًا لَهُ، والمُؤْمِنُ وإيمانُهُ فِعْلًا لَهُ، لِأنَّهُ خَلَقَ القُدْرَةَ (p-١٠٥)والِاخْتِيارَ وغَيَّبَ أمْرَ العاقِبَةِ، فَكُلٌّ مِنهُما يَكْتُبُ بِاخْتِيارِهِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، ولا يُوجَدُ مِن كُلٍّ مِنهُما إلّا ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِ وأرادَهُ مِنهُ لِأنَّ وُجُودَ غَيْرِ المَقْدُورِ عَجْزٌ، وخِلافُ المُرادِ المَعْلُومِ جَهْلٌ، وقَدْ عَلِمَ مِن هَذِهِ القِسْمَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا أنَّ أحَدَ القِسْمَيْنِ مُبْطِلٌ ضالٌّ مُخالِفٌ لِأمْرِ المَلِكِ الَّذِي ثَبَتَ مُلْكُهُ، ومِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ كُلَّ مَلِكٍ لا بُدَّ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ رَعِيَّتِهِ في [الأمْرِ] الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ويُنْصِفُ المَظْلُومَ مِن ظالِمِهِ، ومِنَ المُشاهَدِ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ عَلى كُفْرانِهِ مِن غَيْرِ نَقْصٍ يَلْحَقُهُ، وبَعْضُهم عَلى إيمانِهِ كَذَلِكَ، فَعَلِمَ أنَّ هَذِهِ الدّارَ لَيْسَتْ دارَ الفَصْلِ، وأنَّ الدّارَ المُعَدَّةَ لَهُ إنَّما هي بَعْدَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهَذا مِمّا هو مَرْكُوزٌ في الطَّبائِعِ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، ولَكِنَّ الخَلْقَ أعْرَضُوا عَنْهُ بِما هم فِيهِ مِنَ القَواطِعِ، فَصارَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِإنْكارِهِمْ، فَصارَ بِحَيْثُ لا تَسْتَقِلُّ بِهِ عُقُولُهُمْ، ولَكِنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِهِ وأوْضَحَتْ لَهم هَذِهِ القَواطِعُ الَّتِي أشارَ سُبْحانَهُ إلَيْها وجَرَّدُوا النَّفْسَ عَنِ الحُظُوظِ والمُرُورِ مَعَ الإلْفِ عَدُّوهُ كُلُّهم مِنَ الضَّرُورِيّاتِ، وعَلِمَ مِن تَسْبِيبِهِ تَقْسِيمَهم هَذا عَنْ تَقْدِيرِهِ وُجُوبَ [الإيمانِ] بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِي أبْدَعَكم وحَمَلَكم عَلى ذَلِكَ وفاوَتَ بَيْنَكم (p-١٠٦)عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، وقَدَّمَ الجارَّ لا لِلتَّخْصِيصِ بَلْ إشارَةً إلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ كَما تَقُولُ لِمَن سَألَكَ: هَلْ تَعْرِفُ كَذا، وظَهَرَ مِنهُ التَّوَقُّفُ في عِلْمِكَ لَهُ: نَعَمْ أعْرِفُهُ ولا أعْرِفُ غَيْرَهُ، فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ عَمَلَهُ كَسْبًا ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِذَلِكَ، فَهو الَّذِي خَلَقَ جَمِيعَ أعْمالِكُمُ الَّتِي نُسِبَ كَسْبُها إلَيْكُمْ، وهو خالِقُ جَمِيعِ الِاسْتِعْداداتِ والصِّفاتِ كَما خَلَقَ الذَّواتِ خِلافًا لِلْقَدَرِيَّةِ لِأنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ أنْ يَخْلُقَ الخالِقُ ما لا يَعْلَمُهُ، ولَوْ سُئِلَ الإنْسانُ كَمْ مَشى في يَوْمِهِ مِن خُطْوَةٍ لَمْ يَدْرِ، فَكَيْفَ لَوْ سُئِلَ أيْنَ مَوْضِعُ مَشْيِهِ ومَتى زَمانُهُ فَكَيْفَ وإنَّهُ لِيَمْشِي أكْثَرَ مَشْيِهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ومِن جَهْلِ أفْعالِهِ كَمًّا وكَيْفًا وأيْنًا وغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ خالِقًا لَها بِوَجْهٍ.
التغابن 64:3
ولَمّا ذَكَرَ المَظْرُوفَ ذَكَرَ ظَرْفَهُ دالًّا عَلى تَمامِ إحاطَتِهِ بِالبَواطِنِ، والظَّواهِرِ بِأنَّهُ يَخْلُقُ الشَّيْءَ العَظِيمَ جِدًّا فَيَأْتِي عَلى وفْقِ الإرادَةِ ثُمَّ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُزادَ فِيهِ ولا أنْ يَنْقُصَ مِنهُ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ الَّتِي هي السَّقْفُ لِبَيْتِ عَبِيدِ المَلِكِ عَلى كِبَرِها وعُلُوِّها كَما تَرَوْنَ ﴿والأرْضَ﴾ الَّتِي هي قَرارُ بَيْتِهِمْ ومِهادُهُ عَلى سِعَتِها وما فِيها مِنَ المَرافِقِ والمُعاوِنِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ فَلا زائِدًا عَنْهُ ولا ناقِصًا بَلْ جاءَ الواقِعُ مِنها مُطابِقًا لِما أرادَ سَواءٌ لا كَما يُرِيدُ أحَدُنا الشَّيْءَ فَإذا (p-١٠٧)أوْجَدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلى وفْقِ مُرادِهِ سَواءٌ، وبِسَبَبِ إظْهارِ الأمْرِ الثّابِتِ وإبْطالِ الباطِلِ فَهو خالِقُ المَسْكَنَيْنِ: الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، خِلافًا لِمَن لا يَقُولُ بِذَلِكَ مِن صابِئٍ وفَلْسَفِيٍّ وغَيْرِهِمْ.
ولَمّا كانَ أهْلُ الطَّبائِعِ يَقُولُونَ: إنَّ الأفْلاكَ لَها تَأْثِيرٌ بِحَسَبِ الذّاتِ والطَّبْعِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ مُذَكِّرًا بِنِعْمَتِهِ لِتَشْكُرَ: ﴿وصَوَّرَكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُخاطِبُونَ عَلى صُوَرٍ لا تُوافِقُ شَيْئًا مَن صُوَرِ العُلْوِيّاتِ ولا السُّفْلِيّاتِ ولا فِيها صُورَةٌ تُوافِقُ الأُخْرى مِن كُلِّ وجْهٍ ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ فَجَعَلَها أحْسَنَ صُوَرِ الحَيَواناتِ كُلِّها كَما هو مُشاهَدٌ في الدُّنْيا وكَذا في الآخِرَةِ خِلافًا لِأهْلِ التَّناسُخِ مَعَ أنَّ وضْعَها في نَفْسِها أحْسَنُ الأوْضاعِ، لَوْ غَيَّرَ شَيْءٌ مِنها عَنْ مَكانِهِ إلى شَيْءٍ مِمّا نَعْلَمُهُ فَحَصَلَتِ البَشاعَةُ بِهِ مَعَ تَفْضِيلِ الآدَمِيِّ بِتَزْيِينِهِ بِصَفْوَةِ أوْصافِ الكائِناتِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ أعْضاءَ مُتَصَرِّفَةً بِكُلِّ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ سائِرِ الحَيَوانِ مَعَ زِياداتٍ اخْتَصَّ بِها الآدَمِيُّ إلى حُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، فَهو أحْسَنُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّوْعِ مِن حَيْثُ هو هُوَ، وبِالنِّسْبَةِ إلى الأفْرادِ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ كانَ بَعْضُها أحْسَنَ مِن بَعْضٍ، فَقُبْحِ القَبِيحِ مِنهُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى أحْسَنَ مِنهُ، ولِذا قالَ الحُكَماءُ، شَيْئانِ لا غايَةَ لَهُما: الجَمالُ والبَيانُ، فَخَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ (p-١٠٨)لِلنَّوْعِ الَّذِي جَعَلَ أحْسَنَ أفْرادِ أنْواعٍ لِما فَوْقَهُ مِنَ الجِنْسِ، لا نِهايَةَ لِأحْسَنِيَّةِ بَعْضِها بِالنِّسْبَةِ [إلى بَعْضٍ] يُشاهِدُ ما وجَدَ مِن أفْرادِ نَوْعِهِ مِنَ الذَّواتِ فَقُدْرَةُ اللَّهِ لا تَتَناهى، فَإيّاكَ أنْ تُصْغِيَ لِما وقَعَ في كُتُبِ الإمامِ الغَزالِيِّ أنَّهُ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعَ مِمّا كانَ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ وأجابَ عَنْهُ في الكِتابِ الَّذِي أجابَ فِيهِ عَنْ أشْياءَ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِيها فَإنَّهُ لا عِبْرَةَ بِذَلِكَ الجَوابِ أيْضًا، فَإنَّ ذَلِكَ يَنْحَلُّ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ أحْسَنَ مِن هَذا العالَمِ، وهَذا لا يَقُولُهُ أحَدٌ، وهو لا يُنْقِصُ مِقْدارَ الغَزالِيِّ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يُؤْخَذُ مِن كَلامِهِ ويُرَدُّ كَما قالَ الإمامُ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَزاهُ الغَزالِيُّ بِنَفْسِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ: صَنَّفْتُ هَذِهِ الكُتُبُ وما ألَوْتُ فِيها جُهْدًا وإنِّي لَأعْلَمُ أنَّ فِيها الخَطَأ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ مِنهُ سُبْحانَهُ المَبْدَأ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ بَعْدِ البَعْثِ بِعَيْنِ القُدْرَةِ الَّتِي قَدَّرَ بِها عَلى البَدْأةِ فَمَن كانَ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى لَمْ يُغَيِّرْها أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، ومَن كانَ قَدْ أفْسَدَها فَجَعَلَ رُوحَهُ نَفَسًا بِما طَبَعَها بِهِ مِن حَيْثُ جَسَّدَهُ أدْخَلَهُ (p-١٠٩)النّارَ، وفي الدُّنْيا أيْضًا بِانْفِرادِهِ بِالتَّدْبِيرِ، فَلا يَكُونُ مِنَ المَلِكِ والسُّوقَةِ إلّا ما يُرِيدُ، [لا ما يُرِيدُ] ذَلِكَ المُرِيدُ الفاعِلُ.
التغابن 64:4
ولَمّا تَقَرَّرَ بِما مَضى إحاطَةُ قُدْرَتِهِ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِن إبْداعِهِ لِلْخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُحْكَمِ وشَهِدَ البُرْهانُ القاطِعُ بِأنَّ ذَلِكَ صَنَعَهُ وحْدَهُ، لا فِعْلَ فِيهِ لِطَبِيعَةٍ ولا غَيْرِها، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ شُمُولِ عِلْمِهِ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ تامَّ العِلْمِ فَهو ناقِصُ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ عِلْمُهُ حاصِلٌ في الماضِي، والحالُ والمَآلُ يَتَعَلَّقُ بِالمَعْلُوماتِ عَلى حَسَبِ تَعْلِيقِ قُدْرَتِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ بِوِجْدانِها ﴿ما﴾ أيِ الَّذِي أوْ كُلُّ شَيْءٍ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ كُلِّها.
ولَمّا كانَ الكَلامُ بَعْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ البَدِيهِيِّ عَلى جَمِيعِ أُصُولِ الدِّينِ مَعَ الخُلَّصِ لِأنَّ بَداهَةَ الأدِلَّةِ قادَتْهم إلى الِاعْتِقادِ أوْ إلى حالٍ صارُوا فِيهِ أهْلًا لِلِاعْتِقادِ، والتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ أهْلِ السَّدادِ، ولَمْ يُؤَكِّدْ بِإعادَةِ المَوْصُولِ بَلْ قالَ: ﴿والأرْضِ﴾ ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظَّرْفِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ المَظْرُوفَ، وكانَ الِاطِّلاعُ عَلى أحْوالِ العُقَلاءِ أصْعَبَ، قالَ مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ العامِلِ: ﴿ويَعْلَمُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿ما تُسِرُّونَ﴾ (p-١١٠)أيْ حالَ الِانْفِرادِ وحالَ الخُصُوصِيَّةِ مَعَ بَعْضِ الإفْرادِ. ولَمّا كانَتْ لِدِقَّتِها وانْتِشارِها بِحَيْثُ يُنْكِرُ بَعْضَ الضُّعَفاءِ الإحاطَةَ بِها، وكانَ الإعْلانُ رُبَّما خَفِيَ لِكَثْرَةِ لَغَطِ واخْتِلاطِ أصْواتٍ ونَحْوِ ذَلِكَ أكَّدَ فَقالَ: ﴿وما تُعْلِنُونَ﴾ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزَيْئاتِ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ [فَقَطْ] و[لا يَعْلَمُ] الجُزْئِيّاتِ إلّا بَعْدَ وُجُودِها، مِن فَلْسَفِيٍّ وغَيْرِهِ، ولِمَن يَقُولُ: [يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ] خاصَّةً. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المَظْرُوفِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ ظُرُوفَهُ وهي الصُّدُورُ، وكانَ أمْرُها أعْجَبَ مِن أمْرِ غَيْرِها، قالَ مُصَرِّحًا بِها إشارَةً إلى دِقَّةِ أمْرِها مُظْهِرًا مَوْضِعَ [الإضْمارِ] تَعْظِيمًا: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ لِكُلِّ كَمالٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ ﴿بِذاتِ﴾ أيْ صاحِبَةِ ﴿الصُّدُورِ﴾ مِنَ الأسْرارِ والخَواطِرِ الَّتِي لَمْ تُبْرَزْ إلى الخارِجِ سَواءٌ كانَ صاحِبَ الصَّدْرِ قَدْ عَلِمَها أوْ لا، وعِلْمُهُ لِكُلِّ ذَلِكَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا تَفاوُتَ فِيهِ بَيْنَ عِلْمِ الخَفِيِّ وعِلْمِ الجَلِيِّ، لِأنَّ نِسْبَةَ المُقْتَضِي لِعِلْمِهِ وهو وُجُودُ ذاتِهِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ إلى الكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَراقِبُوهُ في الإخْلاصِ وغَيْرِهِ مُراقَبَةَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ بِعَيْنِهِ لا يَغِيبُ عَنْهُ واحْذَرُوا أنْ يُخالِفَ السِّرَّ العَلانِيَةَ، فَإنَّ حَقَّهُ أنْ يَتَّقِيَ ويُحَذِّرَ، وتَكْرِيرُ العِلْمِ في مَعْنى (p-١١١)تَكْرِيرِ الوَعِيدِ وتَقْدِيمِ تَقْرِيرِ القُدْرَةِ عَلى تَقْرِيرِهِ لِأنَّ دَلالَةَ المَخْلُوقاتِ عَلى قُدْرَتِهِ أوَّلًا وبِالذّاتِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ يَسْتَلْزِمُ كَمالَ عِلْمِهِ لِأنَّ مَن لا يُكْمِلُ عِلْمَهُ لا تُتِمُّ قُدْرَتُهُ، فَلا يَأْتِي مَصْنُوعَهُ مُحْكَمًا.
التغابن 64:5
ولَمّا تَقَرَّرَ الإيمانُ بِهِ مِن أنَّهُ المَلِكُ الَّذِي لَهُ وحْدَهُ المَلِكُ، وأشارَ بِما يُشاهِدُ مِنَ انْقِسامِ عَبِيدِهِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ إلى أنَّهُ لا مِنَ الأخْذِ عَلى يَدِ الظّالِمِ مِنهُما كَما هي عادَةُ المُلُوكِ، لا يُسَوِّغُ في الحِكْمَةِ ولا في العادَةِ غَيْرُ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ لِنِسْبَتِهِ إلى العَلَوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والظَّواهِرِ والبَواطِنِ عَلى حَدٍّ سَواءَ، أتَبْعَ ذَلِكَ وُجُوبُ الإيمانِ بِرُسُلِهِ لِجَمْعِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِنُكْمِلَ الحَياةَ بِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ لِئَلّا يَقَعَ الخِلافُ فَتُفْسِدُ الحَياةَ ووُجُوبَ الِاعْتِبارِ لِمَن مَضى مِن أُمَمِهِمْ، فَمَن لَمْ يَعْتَبِرْ عَثَرَ عَلى مَهْواهُ مِنَ الأمَلِ، ودَلَّ عَلَيْهِ بِإهْلاكِهِ مَن خالَفَهم إهْلاكًا مُنَسَّقًا في خَرْقِهِ لِلْعادَةِ وخُصُوصِهِ لَهم عَلى وجْهٍ مُقَرَّرٍ ما مَضى مِنَ انْفِرادِهِ بِالمُلْكِ مُعْلِمٌ أنَّ الكَفَرَةَ هُمُ المُبْطِلُونَ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ أيُّها النّاسُ ولا سِيَّما الكُفّارُ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ شامِلُ العِلْمِ مُحِيطُ القُدْرَةِ يَنْتَقِمُ مِنَ المُسِيءِ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ﴾ وعَبَّرَ بِما يَشْمَلُ شَدِيدَ الكُفْرِ وضَعِيفَهُ فَقالَ: ﴿كَفَرُوا﴾ أيْ خَبَرَهُمُ العَظِيمُ.
ولَمّا كانَ المُهْلِكُونَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ بَعْضَ الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، فَلَمْ يَسْتَغْرِقُوا ما مَضى مِنَ الزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ (p-١١٢)كالقُرُونِ المَذْكُورِينَ في الأعْرافِ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ كُفْرِهِمْ وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿فَذاقُوا﴾ أيْ باشَرُوا مُباشَرَةَ الذّائِقِ بِالعَدْلِ الثّانِي كَما كانَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَدْلِ الأوَّلِ بِالتَّقْسِيمِ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ ﴿وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ شِدَّةِ ما كانُوا فِيهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُشاوَرَ فِيهِ ويُؤْمَرَ ويُنْهى وثِقَلُهُ ووَخامَةُ مَرْعاهُ في الدُّنْيا، وأصْلُهُ الثِّقَلُ كَيْفَما قَلَبَ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ ما ذاقُوهُ بِسَبَبِهِ في الدُّنْيا ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في البَرْزَخِ ثُمَّ القِيامَةِ الَّتِي هي مَوْضِعُ الفَصْلِ الأعْظَمِ.
التغابن 64:6
ولَمّا ذَكَرَ ما أحَلَّهُ بِهِمْ سُبْحانَهُ وأشارَ إلى القَطْعِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ بِاتِّساقِهِ في خَرْقِهِ العَوائِدَ بِالِاسْتِئْصالِ والخُصُوصِ لِمَن كَذَّبَ الرُّسُلَ والتَّنْجِيَةُ لِمَن صَدَّقَهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الشَّنِيعُ العَظِيمُ مِنَ الوَبالِ الدّالِّ قَطْعًا عَلى أنَّ الكُفْرَ أبْطَلُ الباطِلِ وأنَّهُ مِمّا يُغْضِبُ الخالِقَ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُها كَمَقْصُودِ غافِرٍ مِن تَصْنِيفِ النّاسِ صِنْفَيْنِ، وإنَّما حَصَلَ تَصْنِيفُهم هُنا بِالعَرْضِ لِلدَّلالَةِ عَلى السّاعَةِ اكْتَفى بِضَمِيرِ الشَّأْنِ فَقالَ: ﴿بِأنَّهُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ البالِغَ في الفَظاعَةِ ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ﴾ عَلى عادَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ ﴿رُسُلُهُمْ﴾ أيْ رُسُلُ اللَّهِ الَّذِينَ أرْسَلَهم إلَيْهِمْ وخَصَّهم بِهِمْ لِيَكُونُوا مَوْضِعَ سُرُورِهِمْ بِهِمْ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ الأُمُورِ الَّتِي تُوَضِّحُ غايَةَ الإيضاحِ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ وغَيْرِها، فَشَهِدُوا الأمْرَ مِن مَعْدِنِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ عَذابُهم أشَدَّ.
(p-١١٣)ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أوْدَعَ الإنْسانَ مِن جُمْلَةِ ما مَنَحَهُ بِهِ خاصَّةً لَطِيفَةً وهي العِزَّةُ وحَبُّ الكِبَرِ والعُلُوِّ، فَمَن وضَعَها مَوْضِعَها [بِالتَّكَبُّرِ] عَلى مَن أمَرَ اللَّهُ بِالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِ وهم شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ مِمَّنْ عَصاهُ سُبْحانَهُ نَجا، ومَن وضَعَها في غَيْرِ مَوْضِعِها بِالتَّكَبُّرِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ رَبِّ العِزَّةِ هَلَكَ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ وضَعُوها في غَيْرِ مَوْضِعِها: ﴿فَقالُوا﴾ أيِ الكُلُّ لِرُسُلِهِمْ مُنْكِرِينَ غايَةَ الإنْكارِ تَكَبُّرًا: ﴿أبَشَرٌ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ وهو مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَطْلَبُ الفِعْلَ، ولَمّا كانَ تَكْذِيبُ الجَمْعِ أعْظَمَ، وكانَ لَوْ أفْرَدَ الضَّمِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَوْعَةُ الجَمْعِ قالَ: ﴿يَهْدُونَنا﴾ فَأنْكَرُوا عَلى المَلِكِ الأعْظَمِ إرْسالَهُ لَهم ﴿فَكَفَرُوا﴾ بِذَلِكَ عَقِبَ مَجِيءِ الرُّسُلِ وبِسَبَبِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ وتَفَكُّرٍ وأدْنى تَأمُّلٍ وتَبَصُّرٍ حَسَدًا لِلرُّسُلِ لِكَوْنِهِمْ مُساوِينَ لَهم في البَشَرِيَّةِ فاسْتَبْعَدُوا أنْ يَخُصُّوا مِن بَيْنِهِمْ بِأمْرٍ ولا سِيَّما إنْ كانَ عَظِيمًا جِدًّا، فَلَزِمَهُمُ ارْتِكابَ أقْبَحِ الأُمُورِ وهو اسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ بَشَرًا مَعَ الإقْرارِ بِأنْ يَكُونَ الإلَهُ حَجَرًا ﴿وتَوَلَّوْا﴾ أيْ كَلَّفُوا أنْفُسَهم خِلافَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ الإعْراضِ عَنِ الرُّسُلِ بَعْدَ إنْكارِ رِسالَتِهِمْ لِشُبْهَةٍ قامَتْ عِنْدَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَظِيمٌ لا يُشْبِهُ البَشَرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ رُسُلُهُ مِن غَيْرِ البَشَرِ، ولَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ لَعَلِمُوا أنَّ هَذا (p-١١٤)هَكَذا، وأنَّ الرُّسُلَ إنَّما هي مَلائِكَةٌ، لَكِنْ لَمّا كانَ لا يَقْوى جَمِيعُ البَشَرِ عَلى رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ كَما هو مُقْتَضى العَظَمَةِ الَّتِي تَوَهَّمُوها ولَمْ يُثْبِتُوها عَلى وجْهِها، خَصَّ سُبْحانَهُ مِنَ البَشَرِ ناسًا وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقُوًى زائِدَةٍ طَوَّقَهم بِها عَلى مُعالَجَتِهِمْ، فَأتَوْا إلَيْهِمْ لِيَكُونُوا واسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ لِأنَّ بَعْضَ الجِنْسِ أمَيْلُ إلى بَعْضٍ وأقْبَلُ.
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ إنَّما هو لِمَصالِحِ الخَلْقِ لا يَعُودُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَزَّ شَأْنُهُ نَفْعٌ مِن وُجُودِهِ ولا يُلْحِقُهُ ضَرَرٌ مَن عَدِمَهُ ولا بِالعَكْسِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ أيْ فِعْلِ المَلِكِ الأعْظَمِ [الَّذِي] لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، فِعْلُ مَن يَطْلُبُ الغِنى عَنْهم وأوْجَدَهُ إيجادًا عَظِيمًا مِمَّنْ هَداهُ لِاتِّباعِ الرُّسُلِ فَأعْرَضَ عَنْهم حِينَ أعْرَضُوا عَنْ رُسُلِهِ فَضَرَّهم إعْراضُهُ [عَنْهُمْ] ولَمْ يَضُرُّهُ إعْراضُهم وما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وأطْلَقَ الِاسْتِغْناءَ لِيَعُمَّ كُلَّ شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ قَدْ يُوهِمُ حُدُوثَ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا زِيادَةً في العَظَمَةِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ مِن غَيْرِ تَقَيُّدٍ بِحَيْثِيَّةٍ ﴿غَنِيٌّ﴾ عَنِ الخَلْقِ جَمِيعًا ﴿حَمِيدٌ﴾ لَهُ صِفَةُ الغِنى المُطْلَقِ والحَمْدِ الأبْلَغِ الَّذِي هو الإحاطَةُ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ (p-١١٥)لِيَ الدَّوامُ أزَلًا وأبَدًا، لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ.
التغابن 64:7
ولَمّا قَرَّرَ وُجُوبَ الإيمانِ بِهِ وبِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ وبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، وقَسَّمَ النّاسَ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وأخْبَرَ أنَّ الكافِرَ تَكَبَّرَ عَنِ الرُّسُلِ، عَيَّنَ المُوجِبَ الأعْظَمَ لِكُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِالعَبَثِ وتَرْكِ القِياسِ والرَّأْيِ فَإنَّ عَقْلَ الإنْسانِ لا يَسْتَقِلُّ بِبَعْضِ أُمُورِ الإلَهِيَّةِ، مُعَبِّرًا بِما أكْثَرَ إطْلاقَهُ عَلى ما يَشُكُّ فِيهِ ويُطْلَقُ عَلى الباطِلِ إشارَةً إلى أنَّهم شاكُّونَ وإنْ كانُوا جازِمِينَ، لِكَوْنِهِمْ لا دَلِيلَ لَهُمْ، وإلى أنَّهم في نَفْسِ الأمْرِ مُبْطِلُونَ: ﴿زَعَمَ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي كُنْيَةُ الكَذِبِ، وفي حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ أبِي داوُدَ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا» ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التحريم: ٧] أيْ أوْقَعُوا السِّتْرَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُولُ مِن وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ.
ولَمّا كانَ الزَّعْمُ ادِّعاءَ العِلْمِ وكانَ مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أقامَ سُبْحانَهُ مَقامَهُما قَوْلَهُ: ﴿أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [أيْ مِن باعِثٍ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ولَمّا كانَ قَدْ أشارَ سُبْحانَهُ بِنَوْعِيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ إلى الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ الضَّرُورِيِّ عَلى وُجُودِ المُبْطِلِ اللّازِمِ مِنهُ ودَّعَهُ اللّازِمُ مِنهُ وجَبَّ البَعْثَ، اكْتَفى في الأمْرِ بِإجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ]: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهُمْ: ﴿بَلى﴾ أيْ لَتُبْعَثُنَّ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِصَرِيحِ القَسَمِ فَقالَ: ﴿ورَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ (p-١١٦)بِالِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَ بِي، وبِإحْقاقِ كُلِّ حَقٍّ أُمِيتُ، وإبْطالِ كُلِّ باطِلٍ أُقِيمُ ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ مُشِيرًا بِبِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ إلى أنَّهُ ويَكُونُ عَلى وجْهِ القَهْرِ لَهم بِأهْوَنِ شَيْءٍ وأيْسَرِ أمْرٍ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ أيْ لَتُخْبَرُنَّ حَتْمًا إخْبارًا عَظِيمًا مِمَّنْ يُقِيمُهُ اللَّهُ لِإخْبارِكم ﴿بِما عَمِلْتُمْ﴾ لِلدَّيْنُونَةِ عَلَيْهِ. وشَرَحَ بَعْضَ ما أفادَهُ بِناءُ الفِعْلَيْنِ لِلْمَجْهُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ عِنْدَكم مِنَ البَعْثِ والحِسابِ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿يَسِيرٌ﴾ لِقَبُولِ المادَّةِ وحُصُولِ القُدْرَةِ، وكَوْنِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ شَأْنُها، نِسْبَةُ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ كُلِّها جَلِيلِها وحَقِيرِها إلَيْها عَلى حَدٍّ سَواءٍ.
التغابن 64:8
ولَمّا كانَ في رَدِّ قَوْلِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعَ الإقْسامِ مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ إشارَةً إلى تَأمُّلِ الكَلامِ السّابِقِ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي مِنها ذَلِكَ البُرْهانُ البَدِيهِيُّ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ فَذْلَكَةٌ لِما مَضى مِنَ الأدِلَّةِ وجَمْعًا لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ والإسْلامِ والإحْسانِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أظْهَرَ مِن أنَّ لَهُ الإحاطَةَ الكامِلَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ ولا رادَّ لِأمْرِهِ. ولَمّا دَعاهُ هَذا إلى الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ عَقْلًا ونَقْلًا ذَكَرًا وفِكْرًا، ثَنّى بِالإيمانِ بِالرُّسُلِ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ فَقالَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيْ كُلُّ مَن أرْسَلَهُ [و]لا سِيَّما مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ (p-١١٧)عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما ثَبَتَ مِن تَصْدِيقِهِ بِالمُعْجِزاتِ مِن أنَّهُ رَسُولُهُ، ويَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ بِهِ الإيمانُ بِمَن أبْلَغَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. ولَمّا كانَتْ تِلْكَ المُعْجِزاتُ مُوجِباتٍ لِلْعِلْمِ كانَتْ أحَقَّ الأشْياءِ بِاسْمِ التَّوْرِ فَإنَّ النُّورَ هو المَظْهَرُ لِلْأشْياءِ بَعْدَ انْحِجابِها بِرِداءِ الظَّلامِ وكانَ أعْظَمَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ وأحَقَّها بِذَلِكَ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأعْظَمُها القُرْآنُ الَّذِي هو مَعَ إعْجازِهِ بَيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، قالَ: ﴿والنُّورِ﴾ وعَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أنْـزَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فَكانَ مُعْجِزًا فَكانَ بِإعْجازِهِ ظاهِرًا بِنَفْسِهِ مُظْهِرًا لِغَيْرِهِ، وهَذا وإنْ كانَ [هُوَ] الواقِعُ لَكِنَّ ذِكْرَ هَذا الوَصْفِ صالِحٌ لِشُمُولِ كُلِّ ما أوْحاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى رُسُلِهِ ﷺ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ أعْظَمَهُ القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلى أشْرَفِ رُسُلِهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، فَهو أحَقُّ ذَلِكَ بِاسْمِ النُّورِ لِما مَضى مِن إعْجازِهِ، فَمَن آمَنَ بِهِ أدْخَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ مِن أنْوارِ الفُهُومِ والألْطافِ والسَّكِينَةِ ما يُضِيءُ الأقْطارَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: واللَّهُ مُحاسِبُكم عَلى ما قابَلْتُمْ بِهِ إنْعامَهُ عَلَيْكم بِذَلِكَ مِن إيمانٍ وكُفْرانٍ، عُطِفَ عَلَيْهِ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، وقَدَّمَ الجارَّ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةً مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ عَمَلَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ (p-١١٨)﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِباطِنِهِ وظاهِرِهِ.
التغابن 64:9
ولَمّا أخْبَرَ بِالبَعْثِ وأقْسَمَ عَلَيْهِ، وأشارَ إلى دَلِيلِهِ السّابِقِ، وسَبَّبَ عَنْهُ ما يُنْجِي في يَوْمِهِ، ذَكَرَ يَوْمَهُ وما يَكُونُ فِيهِ لِيُحَذِّرَ فَقالَ مُتَّبِعًا ما مَضى مِن دَعائِمِ الإيمانِ دِعامَةَ اليَوْمِ الآخِرِ واعِظًا لِمَن يَقُولُ: يا لَيْتَ شِعْرِي ما حالِي بَعْدَ تِرْحالِي؟ وقامِعًا لِمَن يَقُولُ: لا حالَ بَعْدَ التِّرْحالِ، بِالإعْلامِ بِأنَّها أحْوالٌ أيْ: أحْوالٌ، تُشَيِّبُ الأطْفالَ، وتَقْصِمُ ظُهُورَ الرِّجالِ، بَلْ تَهُدُّ شَمَّ الجِبالِ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ تَبْعَثُونَ في يَوْمِ ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ أيْ أيُّها الثِّقْلانِ. ولَمّا كانَ الوَقْتُ المُؤَرَّخُ بِهِ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ إنَّما يَذْكُرُ لِأجْلِ ما وقَعَ فِيهِ، صارَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ لِأجْلِ ما يَقَعُ في ذَلِكَ [اليَوْمِ] الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ أهْلَ السَّماواتِ وأهْلَ الأرْضِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْزًا لِناسٍ فَيَكُونُونَ غابِنِينَ، ويَكُونُ خَيْبَةً لِناسٍ فَيَكُونُونَ مَغْبُونِينَ، وكُلٌّ مِنهم يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ غابِنًا.
ولَمّا كانَ هَذا المَقْصِدُ أمْرًا عَظِيمًا مُقَطَّعًا ذِكْرُهُ الأكْبادَ، قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى هَوْلِهِ بِأداةِ البُعْدِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمِ العَظِيمِ المَكانَةِ الجَلِيلِ الأوْصافِ ﴿يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ الَّذِي لا تَغابُنَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ لِعَظْمِهِ ودَوامِهِ، والغَبْنُ: ظُهُورُ النُّقْصانِ لِلْحَظِّ النّاشِئِ عَنْ خَفاءٍ لِأنَّهُ يُجْمَعُ (p-١١٩)فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وسائِرُ الخَلْقِ أجْمَعُونَ، ويَكُونُ فِيهِ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى غايَةٍ لا تُوصَفُ بِحَيْثُ إنَّ جَمِيعَ ما [يَقَعُ] فِيهِ [يُمْكِنُ] أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ مِن أهْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ، فَإذا فَضَحَ أحَدٌ افْتَضَحَ عِنْدَ الكُلِّ، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرِي مَقْعَدَهُ نَمَّ النّارُ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرِي مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً فَيَغْبِنَ كُلُّ كافِرٍ بِتَرْكِهِ الإيمانَ وكُلُّ مُؤْمِنٍ بِتَقْصِيرِهِ في الإحْسانِ، ومادَّةُ ”غَبَنَ“ تَدُورُ عَلى الخَفاءِ مَن مَغابِنِ الجَسَدِ وهي ما يَخْفى عَنِ العَيْنِ، وسُمِّيَ الغَبْنُ في البَيْعِ - لِخَفائِهِ عَنْ صاحِبِهِ، فالكافِرُ والظّالِمُ يَظُنُّ أنَّهُ غَبْنُ المُؤْمِنِ بِنَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ الكافِرُ، وبِالنَّقْصِ الَّذِي أدْخَلَهُ الظّالِمُ عَلى المَظْلُومِ، وقَدْ غَبَنَهُما المُؤْمِنُ والمَظْلُومُ عَلى الحَقِيقَةِ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ وكَمالِ جَزائِها العَظِيمِ الدّائِمِ، فالغَبْنُ فِيهِ لا يُشْبِهُهُ غَبْنٌ، فَقَدْ بَعَثَ ذِكْرُ هَذا اليَوْمِ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى التَّقْوى أتَمَّ بَعْثٍ، وهي الحامِلَةُ عَلى اتِّباعِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي لِئَلّا يَحْصُلَ الغَبْنُ بِفَواتِ النَّعِيمِ أوْ نُقْصانِهِ، ويَحْصُلُ بَعْدَهُ لِلْكافِرِ العَذابُ الألِيمُ.
ولَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ يَحْسَبُ أنْ يَكُونَ في النُّورِ، ويَكْرَهُ أنْ يَكُونَ في الظَّلامِ، ويُحِبُّ أنْ يَكُونَ غابِنًا، ويَكْرَهُ أنْ يَكُونَ مَغْبُونًا، أرْشَدَتْ (p-١٢٠)سَوابِقُ الكَلامِ ولَواحِقُهُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ، فَمَن آمَنَ كانَ في النُّورِ، وكانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِرُجْحانِ مِيزانِهِ مِنَ الغابِنِينَ، ومَن كَفَرَ كانَ في الظَّلامِ، وكانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِنُقْصانِ مِيزانِهِ مِنَ المَغْبُونِينَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بَيانًا لِآثارِ ذَلِكَ الغَبْنِ، وتَفْضِيلًا لَهُ بِإصْلاحِ الحامِلِ عَلى التَّقْوى وهو أُمُورٌ مِنها القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ: ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ أيْ يُوقِعُ الإيمانَ ويُجَدِّدُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ. ولَمّا ذَكَرَ الرَّأْسَ وهو إصْلاحُ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، أتْبَعُهُ البَدَنُ وهو إصْلاحُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَقالَ: ﴿ويَعْمَلْ﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِ ﴿صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا هو مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِتَحْصِيلِهِ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ [فِي] جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ.
ولَمّا كانَ الدِّينُ مَعَ سُهُولَتِهِ مَتِينًا لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، قالَ حامِلًا عَلى التَّقْوى بِالوَعْدِ بِدَفْعِ المَضارِّ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى أنَّ زَمانَ التَّكْفِيرِ والدُّخُولِ مُتَفاوِتٌ بِحَسَبِ طُولِ الحِسابِ وقِصَرِهِ، كُلَّما فَرَغَ واحِدٌ مِنَ الحِسابِ دَخَلَ الجَنَّةَ إنْ كانَ مِن أهْلِها: ﴿يُكَفِّرْ﴾ أيِ اللَّهُ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِأنْ يَسْتُرَ سِتْرًا عَظِيمًا ﴿عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ الَّتِي غَلَّبَهُ عَلَيْها نُقْصانُ الطَّبْعِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ الحامِلَ الآخَرَ وهو التَّرْجِئَةُ يَجْلِبُ المَسارَ لِأنَّ الإنْسانَ يَطَّيَّرُ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ بِجَناحَيِ الخَوْفِ والرَّجاءِ (p-١٢١)والرَّهْبَةِ [والرَّغْبَةِ] والنِّذارَةِ والبِشارَةِ فَقالَ: ﴿ويُدْخِلْهُ﴾ أيْ رَحْمَةً لَهُ وإكْرامًا [وفَضْلًا] ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ ذاتِ أشْجارٍ عَظِيمَةٍ وأغْصانٍ ظَلِيلَةٍ تَسْتُرُ داخِلَها، ورِياضٍ مَدِيدَةٍ مُنَوِّعَةِ الأزاهِيرِ عَطِرَةِ النَّشْرِ تُبْهِجُ رائِيها، وأشارَ إلى دَوامِ رِيِّها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ لِجَمِيعِ الأرْضِ [غَيْرَ] مَمْدُوحٍ، بَيْنَ أنَّهُ في خِلالِها عَلى [أحْسَنِ] الأحْوالِ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ وبَيْنَ عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأنْهارُ﴾ ولَمّا كانَ النُّزُوحُ أوْ تُوقِعُهُ عَنْ مِثْلِ هَذا مُحْزِنًا، أزالَ تَوَقُّعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جامِعًا لِئَلّا يَظُنَّ الخُلُودَ لِواحِدٍ بِعَيْنِهِ تَصْرِيحًا بِأنَّ مِن مَعْناها الجَمْعَ وأنَّ كُلَّ مَن تَناوَلَتْهُ مُسْتَوُونَ في الخُلُودِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾ والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِالنُّونِ: نَفْعَلُ التَّكْفِيرَ والإدْخالَ إلى هَذا النَّعِيمِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إسْعادِ مَن شاءَ وإشْقاءِ مَن شاءَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، ولا تَكُونُ هَذِهِ القُدْرَةُ تامَّةً إلّا لِمَن كانَ عَظِيمًا لا رادَّ لِأمْرِهِ أصْلًا.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا جالِبًا بِنَعِيمِهِ سُرُورَ القَلْبِ، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِما يَجْلِبُ سُرُورَ القَلْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي جِدًّا مِنَ الغُفْرانِ والإكْرامِ، لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِأنَّهُ جامِعٌ لِجَمِيعِ (p-١٢٢)المَصالِحِ مَعَ دَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَسارِّ.
التغابن 64:10
ولَمّا ذَكَرَ الفائِزَ بِلُزُومِهِ التَّقْوى تَرْغِيبًا، أتْبَعَهُ الخائِبُ بِسَبَبِ إفْسادِ القُوَّتَيْنِ الحامِلَتَيْنِ عَلى التَّقْوى: العِلْمِيَّةُ والعَمَلِيَّةُ تَرْهِيبًا، فَقالَ بادِئًا بِالعِلْمِيَّةِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطُّوا أدِلَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانُوا في الظَّلامِ. ولَمّا ذَكَرَ إفْسادَهُمُ القُوَّةَ العِلْمِيَّةَ، أتْبَعَهُ العَمَلِيَّةَ فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا جَمِيعَ التَّغْطِيَةِ وجَمِيعَ التَّكْذِيبِ ﴿بِآياتِنا﴾ بِسَبَبِها مَعَ ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا، فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا.
ولَمّا بَيَّنَ إفْسادَهم لِلْقُوَّتَيْنِ، تَوَعَّدَهم بِالمَضارِّ فَقالَ مُعْرِيًا مِنَ الفاءِ في جانِبَيِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ طَرْحًا لِلْأسْبابِ، لِأنَّ نَظَرَ هَذِهِ السُّورَةِ إلى الجِبِلّاتِ الَّتِي لا مَدْخَلَ فِيها لِغَيْرِهِ أكْثَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] فَإنَّ ذَلِكَ أجْدَرُ بِالخَوْفِ مِنهُ لِيَكُونَ أجْدَرَ بِالبُعْدِ عَمّا يَدُلُّ عَلى الجِبِلَّةِ الفاسِدَةِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَ السِّجْنُ إذا رُجِيَ الخَلاصُ مِنهُ قَلَّلَ مِن خَوْفِ داخِلِهِ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِالصُّحْبَةِ مُشْعِرًا بِالدَّوامِ المُقَطِّعِ لِلْقُلُوبِ لِأنَّهُ مُؤَيَّسٌ مِنَ الخَلاصِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وزادَ في (p-١٢٣)الإرْهابِ مِنها بِقَوْلِهِ [مُشِيرًا] إلى مَضارِّ القَلْبِ بَعْدَ ذِكْرِ مَضارِّ القالَبِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ جَمَعَتِ المَذامَّ [كُلَّها] الصَّيْرُورَةُ إلَيْها وبُقْعَتُها الَّتِي لِلصَّيْرُورَةِ إلَيْها، فَكَيْفَ بِكَوْنِها عَلى وجْهِ الإقامَةِ زَمَنًا طَوِيلًا فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى وجْهِ الخُلُودِ.
التغابن 64:11
ولَمّا كانَ مِن تَعَرُّفِهِ مِنَ المُرَغِّبِينَ والمُرْهِبِينَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا فِيما لَيْسَ قادِرًا عَلى حِفْظِهِ وضَبْطِهِ حَتّى لا يَحْتاجَ العامِلُ في عَمَلِ ذَلِكَ إلى رَقِيبٍ يَحْفَظُهُ ووَكِيلٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ العَمَلُ ويَضْبِطُهُ، وكانَ قَوْلُ المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ في الإنْفاقِ والإخْراجِ مِنَ المَصائِبِ، وكانَتِ المَصائِبُ تَطِيبُ إذا كانَتْ مِنَ الحَبِيبِ، قالَ جَوابًا لِمَن يَتَوَهَّمُ عَدَمَ القُدْرَةِ مُتَمِّمًا ما مَضى مِن خِلالِ الأعْمالِ بِالإيمانِ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، مُرَغِّبًا في التَّسْلِيمِ مُرَهِّبًا مِنَ الجَزَعِ قاصِرًا الفِعْلَ لِيَعُمَّ كُلَّ مَفْعُولٍ: ﴿ما أصابَ﴾ أيْ أحَدًا يُمْكِنُ المَصائِبُ أنْ تَتَوَجَّهَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الفِعْلَ إشارَةً إلى القُوَّةِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ مُصِيبَةٍ كانَتْ دِينِيَّةً أوْ دُنْيَوِيَّةً مِن كُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِتَقْدِيرِ المَلِكِ الأعْظَمِ وتَمْكِينِهِ، فَلا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يَعُوقَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَنِ التَّقْوى النّافِعَةِ في يَوْمِ التَّغابُنِ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما تَقْدِيرُهُ: فَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ بِتَقْدِيرِهِ عَلَيْهِ (p-١٢٤)الكَفْرَ يَغْوِ قَلْبَهُ ويَزِدْهُ ضَلالًا فَيَفْعَلُ ما يَتَوَغَّلُ بِهِ في المُصِيبَةِ حَتّى تَصِيرَ مَصائِبَ عِدَّةً فَتُهْلِكَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ باعِثًا عَلى أوَّلِ رُكْنِيِ الإسْلامِ وهو إصْلاحُ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ يُوجَدُ الإيمانُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ويُجَدِّدُهُ بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بِسَبَبِ المَلِكِ الأعْظَمِ وتَقْدِيرِهِ وإذْنِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ يَزِدْهُ هِدايَةً بِما يُجَدِّدُهُ لَهُ مِنَ التَّوْفِيقِ في كُلِّ وقْتٍ حَتّى يَرْسُخَ إيمانُهُ فَتَنْزاحَ عَنْهُ كُلُّ مُصِيبَةٍ، فَإنَّهُ يَتَذَكَّرُ أنَّها مِنَ اللَّهِ وأنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ فَيُسَلِّمُ بِقَضائِهِ فَيَصْبِرُ لَهُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ فَيَخِفُّ عَلَيْهِ، ولا يَعُوقُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المُنْجِياتِ في يَوْمِ التَّغابُنِ، بَلْ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِها عِدَّةُ أرْباحٍ وفَوائِدَ، فَتَكُونُ حَياتُهُ طَيِّبَةً بِالعافِيَةِ الشّامِلَةِ في الدِّينِيّاتِ والكَوْنِيّاتِ لِأنَّ بِالعافِيَةِ في الكَوْنِيّاتِ تَطِيبُ الحَياةُ في [ الدُّنْيا، وبِالعافِيَةِ في الدِّينِيّاتِ تَطِيبُ الحَياةُ في -] الآخِرَةِ فَتَكُونُ العِيشَةُ راضِيَةً، وذَلِكَ بِأنْ يَصِيرَ عَمَلُهُ صَوابًا في سَرّائِهِ وضَرّائِهِ فَيَتْرُكُ كُلَّ فاحِشَةٍ دِينِيَّةٍ بَدَنِيَّةٍ وباطِنَةٍ قَلْبِيَّةٍ ويَتْرُكُ الهَلَعَ في المَصائِبِ الكَوْنِيَّةِ كالخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصِ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ (p-١٢٥)وذَلِكَ لِأنَّهُ بِصَلاحِ القَلْبِ يَنْصَلِحُ البَدَنُ كُلُّهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَعْلِيلًا لِذَلِكَ: فاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ فَهو -] لا يَدَعُ شَيْئًا يَكُونُ إلّا بِإذْنِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَإذا تَحَقَّقَ مَن هَدى قَلْبَهُ ذَلِكَ زاحَ كُلُّ اعْتِقادٍ باطِلٍ مَن كَفَرَ أوْ بِدْعَةٍ أوْ صِفَةٍ خَبِيثَةٍ.
التغابن 64:12
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاصْبِرُوا عَنْ هُجُومِ المَصائِبِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَشْتَغِلَ بِها [ فَتُوقِعُ في الهَلاكِ وتَقْطَعُ عَنْ أسْبابِ النَّجاةِ دالًّا عَلى تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ مِن مُعاداتِها -] مُشِيرًا إلى أنَّ العِبادَةَ لا تُقْبَلُ إلّا بِالِاتِّباعِ لا بِالِابْتِداعِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فافْعَلُوا في كُلِّ مُصِيبَةٍ ونائِبَةٍ تَنُوبُكم وقَضِيَّةٍ تَعْرُوكم ما شَرَعَهُ لَكُمْ، وأكَّدَ بِإعادَةِ العامِلِ إشارَةً إلى أنَّ الوُقُوفَ عِنْدَ الحُدُودِ ولا سِيَّما عِنْدَ المَصائِبِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أيِ الكامِلَ في الرَّسْلِيَّةِ ﷺ فَإنَّهُ المَعْصُومُ بِما خَلَقَ فِيهِ مِنَ الِاعْتِدالِ [و -] ما زَكّى بِهِ مِن شَقِّ البَطْنِ وغَسْلِ القَلْبِ مِرارًا، وما أيَّدَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَما كانَتِ الأفْعالُ بِإشارَةِ العَقْلِ مَعَ الطّاعَةِ لِلَّهِ والمُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ ﷺ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ كانَتْ مُعْتَدِلَةً، سَواءٌ كانَتْ شَهْوانِيَّةً أوْ غَضَبِيَّةً، ومَتى لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ (p-١٢٦)كانَتْ مُنْحَرِفَةً إلى أعْلى وإلى أسْفَلَ فَكانَتْ مَذْمُومَةً، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بِلُطْفِ تَدْبِيرِهِ رَكَّبَ في الإنْسانِ قُوَّةً غَضَبِيَّةً دافِعَةً لِما يُهْلِكُهُ ويُؤْذِيهِ، وقُوَّةً شَهْوانِيَّةً جالِبَةً لِما يُنَمِّيهِ ويُقَوِّيهِ، فاعْتِدالُ الغَضَبِيَّةِ شَجاعَةٌ ونَقْصُها جُبْنٌ وزِيادَتُها تَهَوُّرٌ، فالنّاسُ بِاعْتِبارِها جَبانٌ وشُجاعٌ ومُتَهَوِّرٌ، واعْتِدالُ الشَّهْوانِيَّةِ عِفَّةٌ ونُقْصانُها زَهادَةٌ وزِيادَتُها شَرَهٌ، والنّاسُ بِاعْتِبارِها زَهِيدٌ وعَفِيفٌ وشَرِهٌ، وكِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ، ومِيزانُ العَدْلِ مُتابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِيما شَرَعَهُ، فَبِذَلِكَ تَنْزاحُ الفِتَنُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، ولا طَرِيقَ إلى اللَّهِ إلّا بِما شَرَعَهُ، وكُلُّ طَرِيقٍ لَمْ يَشْرَعْهُ ضَلالٌ مِنَ الكُفْرِ إلى ما دَوَّنَهُ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ أمْرِهِ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى البِشارَةِ بِحِفْظِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الرِّدَّةِ ومُشْعِرًا بِأنَّ بَعْضَهم يَقَعُ مِنهُ ذَلِكَ ثُمَّ يَقْرُبُ رُجُوعُهُ أوْ هَلاكُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم عِنْدَما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ الإعْراضِ عَنْ هَذا النُّورِ الأعْظَمِ والمَيْلِ إلى طَرَفٍ مِنَ الأطْرافِ المَفْهُومَةِ مِن طَرَفَيِ القَصْدِ فَما عَلى رَسُولِنا شَيْءٌ مِن تَوَلِّيكم ﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا﴾ أضافَهُ إلَيْهِ عَلى وجْهِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لَهُ وتَهْدِيدًا لِمَن يَتَوَلّى عَنْهُ ﴿البَلاغُ المُبِينُ﴾ (p-١٢٧)أيِ الظّاهِرِ في نَفْسِهِ المُظْهِرِ لِكُلِّ أحَدٍ أنَّهُ أوْضَحَ لَهُ غايَةَ الإيضاحِ ولَمْ يَدَعْ لَبْسًا، لَيْسَ إلَيْهِ خَلْقُ الهِدايَةِ في القُلُوبِ.
التغابن 64:13
ولَمّا كانَ هَذا مُوجِعًا لِإشْعارِهِ بِإعْراضِهِمْ مَعَ عَدَمِ الحِيلَةِ في رَدِّهِمْ، عُرِفَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إلَيْهِ و[ أنَّهُ -] القادِرُ عَلَيْهِ فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما الحِيلَةُ في أمْرِهِمْ - مُكَمِّلًا لِقَسَمِي الدِّينِ بِالِاسْتِعانَةِ بَعْدَ بَيانِ قَسَمِهِ الآخَرِ وهو العِبادَةُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَهو القادِرُ عَلى الإقْبالِ [ بِهِمْ -] ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ، فَإلَيْهِ اللَّجاءُ في كُلِّ دَفْعٍ ونَفْعٍ وهو المُسْتَعانُ في كُلِّ شَأْنٍ فَإيّاهُ فَلْيَرْجُ في هِدايَتِهِمُ المُهْتَدُونَ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا عَلى غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ [ مُطْلَقُ -] الإيمانِ هو التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ بِاعْتِقادِ أنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ولا كُفُوءَ لَهُ فَكَيْفَ بِالرُّسُوخِ فِيهِ، نَبِّهْ عَلى [ هَذا -] المُقْتَضِي لِلرَّبْطِ بِالفاءِ والتَّأْكِيدِ بِلامِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُوجَدُ التَّوْكِيلُ إيجادًا هو في غايَةِ الظُّهُورِ والثَّباتِ العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ في رَدِّ المُتَوَلِّي مِنهم إنْ حَصَلَ مِنهم تَوَلَّ وكَذا في كُلِّ مَفْقُودٍ فالعِفَّةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالمَوْجُودِ فَكَما أنَّ قانُونَ العَدْلِ في المَوْجُودِ الطّاعَةُ فَقانُونُ العَدْلِ في المَفْقُودِ التَّوَكُّلُ وكَذا فِعْلُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَكانَ لَهُمُ الحَظُّ الأوْفَرُ في كُلِّ (p-١٢٨)تَوَكُّلٍ لا سِيَّما حِينَ ارْتَدَّتِ العَرَبُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ أحَقَّهم بِهَذا الوَصْفِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَنْظُرُ الكُتُبَ المُصَنَّفَةَ في السِّيَرِ وأخْبارِ الرِّدَّةِ لا سِيَّما كِتابِي المُسَمّى في أخْبارِ الرِّدَّةِ.
التغابن 64:14
ولَمّا كانَتْ أوامِرُ الدِّينِ تارَةً تَكُونُ بِاعْتِبارِ الأمْرِ الدِّينِيِّ مِن سائِرِ الطّاعاتِ المَحْضَةِ، وتارَةً بِاعْتِبارِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ وهو ما كانَ بِواسِطَةِ مالٍ أوْ أهْلٍ أوْ ولَدٍ، أتَمَّ سُبْحانَهُ القَسَمَ الأوَّلَ في الآيَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ، شَرَعَ في الأمْرِ الثّانِي لِأنَّهُ قَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةٌ في الدِّينِ وقَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتِ الفِتْنَةُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَنْهُ أعْظَمَ الفِتَنِ، لِأنَّها تُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وابْنِهِ وتُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ - كَما شُوهِدَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ، وكانَ أعْظَمُ ذَلِكَ في الرِّدَّةِ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيَ عَنْ إلْهاءِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وكانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ في الأوْلادِ نَهْيًا عَنْهُ في الأزْواجِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ دُونَ الأزْواجِ، وكانَ المَأْمُورُ بِالتَّوَكُّلِ رُبَّما رَأى أنَّ تَسْلِيمَ قِيادِهِ لِكُلِّ أحَدٍ لا يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ، أشارَ إلى [أنَّ] بِناءَ هَذِهِ الدّارِ عَلى الأسْبابِ مانِعٌ مِن ذَلِكَ فَأمَرَ بِنَحْوِ ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ ”واحْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ“ الحَدِيثُ، فَقالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ لِمَن يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْ مِثْلِهِ مُبَيِّنًا لِلْأوامِرِ بِالِاعْتِبارِ لِلِامْتِحانِ التَّكْوِينِيِّ وإنْ كانَ أوْلى النّاسِ بِبَذْلِ الجُهْدِ في تَأْدِيبِهِ وتَقْوِيمِهِ وتَهْذِيبِهِ أقْرَبَ الأقارِبِ وألْصَقَ النّاسِ بِالإنْسانِ (p-١٢٩)وهُوَ كالعِلَّةِ لِآخَرَ ”المُنافِقُونَ“: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمّا كانَ الأزْواجُ أقْرَبَ عَداوَةً مِنَ الأوْلادِ قَدَّمَهُنَّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِمَن يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ وإنْ أظْهَرْنَ غايَةَ المَوَدَّةِ ﴿وأوْلادِكُمْ﴾ وإنْ أظْهَرُوا أيْضًا غايَةَ الشَّفَقَةِ والحَنانِ ﴿عَدُوًّا لَكُمْ﴾ أيْ لِشُغْلِهِمْ لَكم عَنِ الدِّينِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمْعِ المالِ وتَحْصِيلِ الجاهِ لِأجْلِهِمْ والتَّهاوُنِ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَإنَّ الوَلَدَ مَجْبَنَةٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَ أبُو حَيّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ - كَما هو مَعْرُوفٌ - وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فِيما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لِأجْلِهِمْ وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ.
فالرَّجُلُ مَن رَأى ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ فَجَعَلَهُ مُعِينًا لَهُ عَلى طاعَتِهِ لا قاطِعًا ومُعَوِّقًا عَمّا يُرْضِيهِ بِأنَّ [يَلْتَهِي] بِمَحَبَّتِهِ وعَداوَتِهِ وبِغَضَّتِهِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنِ العَداوَةِ، عَبَّرَ بِما قَدْ يَفْهَمُ الواحِدُ فَقَطْ تَخْفِيفًا، ولَمّا أمَرَ بِالحَذَرِ [جَمَعَ إشارَةً إلى زِيادَةِ التَّحْذِيرِ والخَوْفِ في كُلِّ أحَدٍ ولَوْ كانَ أقْرَبَ الأقْرِباءِ لِأنَّ الحَزْمَ سُوءُ الظَّنِّ كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، فَسَبَّبَ عَنِ الإخْبارِ بِالعَداوَةِ الأمْرَ بِالحَذَرِ] في قَوْلِهِ: ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ أيْ بِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ في كُلِّ أمْرِهِمْ فَتَطْلُبُوا في (p-١٣٠)السَّعْيِ عَلَيْهِمُ الكَفافَ مِن حَلِّهِ وتَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، ولا يَحْمِلَنَّكم حُبَّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِيَشْتَدَّ حَذَرُكم مِنهم بِالعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ حَتّى في العَدْلِ بَيْنَهم لِئَلّا يَتَمَكَّنُوا مِن أذاكم فَيَعْظُمُ بِهِمُ الخَطْبُ ويَكُونُ فاتِنًا لَكم في الدِّينِ إمّا بِالرِّدَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - أوْ بِالشُّغْلِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ بِالإقْحامِ في المَعْصِيَةِ ومُخالَفَةِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.
ولَمّا كانَ قَدْ يَقَعُ ما يُؤْذِي مَعَ الحَذَرِ لِأنَّهُ لا يُغْنِي مِن قَدَرٍ أوْ مَعَ الِاسْتِسْلامِ، وكانَ وكَّلَ المُؤْذِي إلى اللَّهِ أوْلى وأعْظَمَ في الِاسْتِنْصارِ، قالَ مُرْشِدًا إلى ذَلِكَ: ﴿وإنْ تَعْفُوا﴾ أيْ تُوقِعُوا المُجاوَزَةَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ بِعَدَمِ العِقابِ عَلَيْها فَإنَّهُ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ لِأنَّ مَن طُبِعَ عَلى شَيْءٍ لا يَرْجِعُ، وإنَّما النّافِعُ الحَذِرُ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَكُونُ سَبَبًا لِلَوِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ عَنِ الحُظُوظِ صَعْبًا جِدًّا، أكَّدَ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿وتَصْفَحُوا﴾ أيْ بِالإعْراضِ عَنِ المُقابَلَةِ بِالتَّثْرِيبِ بِاللِّسانِ ﴿وتَغْفِرُوا﴾ [أيْ] بِأنْ تَسْتُرُوا ذُنُوبَهم سِتْرًا تامًّا شامِلًا لِلْعَيْنِ والأثَرِ بِالتَّجاوُزِ بَعْدَ تَرْكِ العِقابِ عَنِ العِتابِ، فَلا يَكُونُ مِنكُمُ اشْتِغالٌ بِعَداوَتِهِمْ ولا ما قَدْ يَجُرُّها عَمّا يَنْفَعُ مِنَ الطّاعَةِ، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بالِغُ.
(p-١٣١)المَحْوِ الأعْيانِ الذُّنُوبِ وآثَرُها جَزاءً لَكم عَلى غُفْرانِكم لَهم وهو جَدِيرٌ بِأنْ يُصْلِحَهم لَكم بِسَبَبِ غُفْرانِكم لَهم فَإنَّهُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَزِيدُكم بَعْدَ ذَلِكَ السَّتْرِ الإكْرامُ بِالإنْعامِ إنْ أكْرَمْتُمُوهُمْ، فَتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ سُبْحانَهُ يَزِدْكم مِن فَضْلِهِ.
التغابن 64:15
ولَمّا حَكَمَ عَلى البَعْضِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما حُكْمُ سائِرِهِ؟ فَكَأنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ يَلْزَمُ مِنهُ الحَذَرُ مِنَ الكُلِّ لَكِنْ لِلتَّصْرِيحِ سِرٌّ كَبِيرٌ في رُكُونِ النَّفْسِ إلَيْهِ، فَقالَ حاصِرًا الجَمِيعَ ضامًّا إلَيْهِمُ المالَ الَّذِي بِهِ قِيامُ ذَلِكَ كُلِّهِ وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ أعْظَمُ فِتْنَةً: ﴿إنَّما﴾ وأسْقَطَ الجارَّ لِأنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ شَغْلِ القَلْبِ فَقالَ: ﴿أمْوالُكُمْ﴾ أيْ عامَّةً ﴿وأوْلادُكُمْ﴾ كَذَلِكَ ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيِ اخْتِبارٌ مُمِيلٌ عَنِ اللَّهِ لَكم وهو أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم مِنكم لَكِنْ لِيَظْهَرَ في عالَمِ الشَّهادَةِ مَن يُمِيلُهُ ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ نِقْمَةً مِمَّنْ لا يُمِيلُهُ فَيَكُونُ لَهُ نِعْمَةٌ، فَرُبَّما رامَ الإنْسانُ صَلاحَ مالِهِ ووَلَدِهِ فَبالَغَ فَأفْسَدَ نَفْسَهُ ثُمَّ لا يُصْلِحُ ذَلِكَ مالَهُ ولا ولَدَهُ، وذَلِكَ [ أنَّهُ -] مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمِلَ عَلى كَسْبِ الحَرامِ ومَنعِ الحَقِّ والإيقاعِ في الإثْمِ، رُوِيَ عَنْ أبِي نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «يُؤْتى بِرَجُلِ يَوْمِ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُ: أكْلُ عِيالِهِ حَسَناتُهُ» ”ويَكْفِي فِتْنَةَ المالِ [ قِصَّةُ-] (p-١٣٢)ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ أحَدِ مِن نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ فِتْنَةً تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥]“ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ تَرَكَ ذِكْرَ الأزْواجِ في الفِتْنَةِ لِأنَّ مِنهم مَن يَكُونُ صَلاحًا وعَوْنًا عَلى الآخِرَةِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَفي الِاحْتِرازِ مِن فِتَنِهِمْ تَعَبٌ كَبِيرٌ، لا يَفُوتُ بِهِ مِنهم إلى حَظٌّ يَسِيرٌ، وكانَتِ النَّفْسُ عِنْدَ تَرْكِ مُشْتَبِهاتِها ومَحْبُوباتِها قَدْ تَنْفِرُ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُهَوِّنًا لَهُ بِالإشارَةِ إلى كَوْنِهِ فانِيًا وقَدْ وعَدَ عَلَيْهِ بِما لا نِسْبَةَ لَهُ مِنهُ مَعَ بَقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ ذُو الجَلالِ ﴿عِنْدَهُ﴾ وناهِيكَ بِما يَكُونُ مِنهُ بِسَبِيلِ جَلالِهِ وعِظَمِهِ ﴿أجْرٌ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ حَتّى وصْفُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَظِيمٌ﴾ أيْ لِمَنِ ائْتَمَرَ بِأوامِرِهِ الَّتِي إنَّما نَفْعُها لِصاحِبِها، فَلَمْ يُقَدِّمْ عَلى رِضاهُ مالًا ولا ولَدًا، وذَلِكَ الأجْرُ أعْظَمُ مِن مَنفَعَتِكم بِأمْوالِكم وأوْلادِكم عَلى وجْهٍ يَنْقُصُ مِنَ الطّاعَةِ.
التغابن 64:16
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وعِنْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ لِمَن خالَفَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ فَذْلَكَةٌ أُخْرى لِما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ كُلِّها: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ مُظْهِرًا غَيْرَ مُضْمِرٍ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ واحْتِرازًا مِن أنْ يَتَوَهَّمَ نَوْعٌ تَقَيَّدَ فَأفْهَمَ الإظْهارُ أنَّ المَعْنى: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِ المَلِكِ الأعْلى وِقايَةً مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى حَيْثِيَّةٍ ولا خُصُوصِيَّةٍ بِشَيْءٍ ما، بِاجْتِنابِ نَواهِيهِ بَعْدَ امْتِثالِ أوامِرِهِ، فَإنَّ التَّقْوى إذا انْفَرَدَتْ كانَ المُرادُ بِها فِعْلُ الأوامِرِ وتَرْكُ المَناهِي، (p-١٣٣)وإذا جُمِعَتْ مَعَ غَيْرِها أُرِيدَ بِها اجْتِنابُ [ النَّواهِي -] فَقَطْ.
ولَمّا كانَ الأمْرُ إذا نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أعْظَمَ مِن مَقالَةِ قائِلٍ، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَهُ سُبْحانَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، خَفَّفَ ويَسَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ ما دُمْتُمْ في الجُمْلَةِ قادِرِينَ مُسْتَطِيعِينَ، ويَتَوَجَّهُ عَلَيْكُمُ التَّكْلِيفُ في العِلْمِيّاتِ والعَمَلِيّاتِ، وابْذُلُوا جُهْدَكم في ذَلِكَ في الإيمانِيّاتِ لِما عَلِمْتُمْ مِن ذاتِهِ ومَرْتَبَتِهِ وصِفاتِهِ تَعالى وأفْعالِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ أعْمالِكُمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وأعْظَمُهُ الهِجْرَةُ والجِهادُ، فَلا يَمْنَعُكُمُ الإخْلادُ إلَيْها ذَلِكَ والتَّقْوى فِيما وقَعَ مِنَ المَكْرُوهاتِ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ مَعَ العَزْمِ عَلى تَرْكِ العُودِ، وفِيما لَمْ يَقَعْ بِالِاحْتِراسِ عَنْ أسْبابِهِ، وبَذَلَ الإنْسانُ جَمِيعَ جُهْدِهِ هو الِاتِّقاءُ حَقَّ التُّقاةِ فَلا نَسْخَ - واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ إظْهارُ الإسْلامِ فِيهِ مَشَقَّةٌ كالأعْمالِ قالَ: ﴿واسْمَعُوا﴾ أيْ سَماعَ إذْعانٍ وتَسْلِيمٍ لِما تُوعَظُونَ بِهِ ولِجَمِيعِ أوامِرِهِ ﴿وأطِيعُوا﴾ أيْ وصَدِّقُوا ذَلِكَ الإذْعانَ بِمُباشَرَةِ الأفْعالِ الظّاهِرَةِ في الإسْلامِيّاتِ مِنَ القِيامِ بِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ في كُلِّ أمْرٍ ونَهْيٍ عَلى حَسَبِ الطّاقَةِ، وحَذْفِ المُتَعَلِّقِ لِيُصَدَّقَ الأمْرُ بِكُلِّ طاعَةٍ مِنَ الكُلِّ والبَعْضِ وكَذا في الإنْفاقِ. ولَمّا كانَ الإنْفاقُ شَدِيدًا أكَّدَ أمْرَهُ بِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وأنْفِقُوا﴾ أيْ أوْقِعُوا [ الإنْفاقَ -] كَما حَدَّ لَكم فِيما (p-١٣٤)أوْجَبَهُ أوْ نَدَبَ إلَيْهِ وإنْ كانَ في حَقِّ مَنِ اطَّلَعْتُمْ مِنها عَلى عَداوَةٍ، والإنْفاقُ لا يَخُصُّ نَوْعًا بَلْ يَكُونُ ما رَزَقَ اللَّهُ مِنَ الذّاتِيِّ والخارِجِيِّ.
ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى الشُّحِّ ما يَخْطُرُ في البالِ مِنَ الضَّرُوراتِ الَّتِي أعَزُّها ضَرُورَةُ النَّفْسِ، رَغِبَ فِيهِ بِما يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بادِئَ بَدْءٍ ويَعُمُّ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ فَقالَ: ﴿خَيْرًا﴾ أيْ يَكُنْ ذَلِكَ أعْظَمُ خَيْرٍ واقِعٍ ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِي خَيْرًا مِنهُ في الدُّنْيا ما يُزَكِّي بِهِ النَّفْسَ، ويَدَّخِرُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ في الآخِرَةِ ما لا يَدْرِي كُنْهَهُ، فَلا يَغُرَّنَّكم عاجِلُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَإنَّما هو زُخْرُفٌ وغُرُورٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ. ولَمّا ذَكَرَ ما في الإنْفاقِ مِنَ الخَيْرِ عَمَّ في جَمِيعِ الأوامِرِ فَقالَ: ﴿ومَن يُوقَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ تَعْظِيمًا لِلتَّرْغِيبِ فِيهِ نَفْسَهُ مَعَ قَطْعِ النّاصِرِ عَنِ الفاعِلِ أيْ يَقِيهِ واقٍ أيُّ واقٍ كانَ - وأضافَهُ إلى ما الشُّؤْمُ كُلُّهُ مِنهُ فَقالَ: ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾ فَيَفْعَلُ في مالِهِ وجَمِيعِ ما أمَرَ [ بِهِ -] ما يُطِيقُهُ مِمّا أمَرَ بِهِ مُوقِنًا بِهِ مُطْمَئِنًّا إلَيْهِ حَتّى يَرْتَفِعَ عَنْ قَلْبِهِ الأخْطارُ، ويَتَحَرَّزَ عَنْ رِقِّ المُكَوِّناتِ، والشُّحِّ: خَلْقٌ باطِنٌ هو الدّاءُ العُضالُ رَأْسُ الحَيَّةِ وكُلُّ فِتْنَةٍ ضَلالَةٌ، والبُخْلُ فِعْلٌ [ ظاهِرٌ -] يَنْشَأُ عَنِ الشُّحِّ، والنَّفْسُ تارَةً تَشِحُّ بِتَرْكِ الشَّهْوَةِ مِنَ المَعاصِي فَتَفْعَلُها، وتارَةً بِإعْطاءِ الأعْضاءِ في الطّاعاتِ فَتَتْرُكُها، وتارَةً بِإنْفاقِ (p-١٣٥)المالِ، ومِن فِعْلِ ما فَرَضَ عَلَيْهِ خَرَجَ عَنِ الشُّحِّ. ولَمّا كانَ الواقِي إنَّما هو اللَّهُ تَعالى سَبَّبَ عَنْ وِقايَتِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المُفْلِحُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ حازُوا جَمِيعَ المُراداتِ بِما اتَّقُوا اللَّهَ فِيهِ مِنَ الكَوْنِيّاتِ مِنَ المالِ والوَلَدِ والأهْلِ والمُشَوِّشاتِ مِن جَمِيعِ القَواطِعِ.
التغابن 64:17
ولَمّا أمَرَ ورَهَبَ مِن ضِدِّهِ عَلى وجْهٍ أعَمَّ، رَغِبَ فِيهِ تَأْكِيدًا لِأمْرِهِ لِما فِيهِ نَمَّ الصُّعُوبَةُ لا سِيَّما في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ المالَ فِيهِ كانَ في غايَةِ العِزَّةِ ولا سِيَّما إنْ كانَ في لَوازِمِ النِّساءِ اللّاتِي افْتَتَحَ الأمْرُ بِأنَّ مِنهُنَّ أعْداءً ولا سِيَّما إنْ كانَ في حالِ ظُهُورِ العَداوَةِ، فَقالَ بَيانًا لِلْإفْلاحِ مُتَلَطِّفًا في الِاسْتِدْعاءِ بِالتَّعْبِيرِ بِالقَرْضِ مُشِيرًا إلى أنَّهُ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ بِأداةِ الشَّكِّ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى ذا الغِنى المُطْلَقِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ بِصَرْفِ المالِ وجَمِيعِ قُواكُمُ الَّتِي جَعَلَها فِتْنَةً لَكم في طاعاتِهِ، ورَغِبَ في الإحْسانِ فِيهِ بِالإخْلاصِ وغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ عَلى صِفَةِ الإخْلاصِ والمُبادَرَةِ ووَضْعِهِ في أحْسَنِ مَواضِعِهِ عَلى أيْسَرِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها وأهْنَأها وأعْدَلِها، وأعْظَمُ التَّرْغِيبِ فِيهِ بِأنْ رَتَّبَ عَلَيْهِ الرِّبْحَ في الدُّنْيا والغُفْرانَ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِكم خاصَّةً أقَلَّ ما يَكُونُ لِلْواحِدِ عَشْرًا (p-١٣٦)إلى ما لا يَتَناهى عَلى حَسَبِ النِّيّاتِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: يَتَوَجَّهُ الخِطابُ بِهَذا عَلى الأغْنِياءِ في بَذْلِ أمْوالِهِمْ وعَلى الفُقَراءِ في إخْلاءِ أيّامِهِمْ وأوْقاتِهِمْ عَنْ مُراداتِهِمْ وإيثارِ مُرادِ الحَقِّ عَلى مُرادِ أنْفُسِهِمْ، فالغَنِيُّ يُقالُ لَهُ: آثِرْ عَلى مُرادِكَ في مالِكَ [ وغَيْرِهِ-]، والفَقِيرُ يُقالُ لَهُ: آثِرْ حُكْمِي في نَفْسِكَ وقَلْبِكَ ووَقْتِكَ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ لِما لَهُ النُّقْصانُ وإنِ اجْتَهَدَ لا يَبْلُغُ جَمِيعَ ما أمَرَ بِهِ لِأنَّ الدِّينَ وإنْ كانَ يَسِيرًا فَهو مَتِينٌ ”لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ“ قالَ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ يُوقِعُ الغُفْرانَ وهو مَحْوُ ما فَرَّطَ عَيْنُهُ وأثَرُهُ لِأجْلِكم بِبَرَكَةِ الإنْفاقِ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ هاتانِ الجُمْلَتانِ جَلْبَ السُّرُورِ ودَفْعَ الشُّرُورِ، وذَلِكَ هو السَّعادَةُ كُلُّها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا يُقاسُ عَظَمَتُهُ [ بِشَيْءٍ -] ﴿شَكُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الشُّكْرِ لِمَن يُعْطِي لِأجْلِهِ ولَوْ كانَ قَلِيلًا فَيُثِيبُهُ ثَوابًا جَزِيلًا خارِجًا عَنِ الحَصْرِ وهو ناظِرٌ إلى المُضاعَفَةِ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ عَلى ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ وإنْ عَظُمَ بَلْ يُمْهِلُ كَثِيرًا طَوِيلًا لِيَتَذَكَّرَ العَبْدُ الإحْسانَ مَعَ العِصْيانِ فَيَتُوبَ، ولا يُهْمِلُ ولا يَغْتَرُّ بِحُلْمِهِ، فَإنَّ غَضَبَ الحَلِيمِ لا يُطاقُ، (p-١٣٧)وهُوَ راجِعٌ إلى الغُفْرانِ.
التغابن 64:18
ولَمّا كانَ الحَلِيمُ قَدْ يُتَّهَمُ في حُلْمِهِ بِأنْ يُنْسَبَ إلى الجَهْلِ بِالذَّنْبِ أوْ بِمِقْدارِهِ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنِ الخَلْقِ [ كُلِّهِمْ -] فَيَشْمَلُ ما هو داخِلُ القَلْبِ مِمّا تُؤْثِرُهُ الجِبِلَّةُ ولا عِلْمَ لِصاحِبِ القَلْبِ بِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ قَدْ يَظُنُّ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عِلْمِ ما غابَ عِلْمُ ما شَهِدَ، أوْ يَظُنُّ أنَّ العِلْمَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالكُلِّيّاتِ، قالَ مُوَضِّحًا أنَّ عِلْمَهُ بِالعالَمِينَ بِكُلٍّ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ قَبْلَ الكَوْنِ وبَعْدَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ وهو كُلُّ ما ظَهَرَ فَكانَ بِحَيْثُ يَعْلَمُهُ الخَلْقُ، وهَذا الوَصْفُ داعٍ إلى الإحْسانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ لِلْمُؤْمِنِ تُرْكَ ظاهِرِ الِاسْمِ وباطِنِهِ وكُلِّ قُصُورٍ وفُتُورٍ وغَفْلَةٍ وتَهاوُنٍ فَيَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ.
ولَمّا شَمِلَ ذَلِكَ كُلَّ ما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما لَمْ يَغِبْ عَنْهم فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ تَأْخِيرَ العُقُوبَةِ لِلْعَجْزِ قالَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِأمْرٍ آخَرَ لا يُمْدَحُ عَلَيْهِ قالَ: ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ أنَّهُ ما أخَّرَهُ إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ يَعْجَزُ عَنْ إدْراكِها الخَلائِقُ، وقَدْ أقامَ الخَلائِقَ في طاعَتِهِ بِالجَرْيِ تَحْتَ إرادَتِهِ، وتارَةً يُوافِقُ ذَلِكَ أمْرَهُ فَيُسَمّى طاعَةً. وتارَةً يُخالِفُ فَيُسَمّى مَعْصِيَةً، فَمَن أرادَ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ بِمُوافَقَتِهِ أمْرَهُ [ بِإحاطَةِ-] (p-١٣٨)عِلْمِهِ والإتْقانِ في التَّدْبِيرِ بِبالِغِ حِكْمَتِهِ وإدامَةِ ذَلِكَ وحِفْظِهِ عَنْ كُلِّ آفَةٍ بِباهِرِ عِزَّتِهِ، ومَن أرادَ مَنعَهُ ذَلِكَ [ بِذَلِكَ -] أيْضًا والكُلُّ تَسْبِيحٌ لَهُ سُبْحانَهُ بِإفادَةِ أنَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، وقَدْ أحاطَ أوَّلَ الجُمْعَةِ بِهَذِهِ السُّورَةِ [ أوَّلِها -] وآخِرِها، فَجاءَتْ هَذِهِ شارِحَةً لَهُ وكاشِفَةً عَنْهُ عَلى وجْهٍ أفْخَمَ لِأنَّ مَقْصُودَ هَذِهِ نَتِيجَةُ مَقْصِدِ تِلْكَ، وقَدْ رَجَعَ - بِالتَّنَزُّهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ والِاخْتِصاصِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وشُمُولِ القُدْرَةِ لِلْخَقِّ وإحاطَةِ العِلْمِ بِأحْوالِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ - عَلى افْتِتاحِها حُسْنِ خِتامِها، وعَلِمَ عِلْمًا ظاهِرًا جَلالَةَ انْتِظامِها، وبَداعَةَ اتِّساقِ جَمِيعِ آيِها وبَراعَةِ التِئامِها - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.