Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الطلاق 65:1 – القلم 68:52

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. الطلاق 65:1
  2. الطلاق 65:2
  3. الطلاق 65:3
  4. الطلاق 65:4
  5. الطلاق 65:5
  6. الطلاق 65:6
  7. الطلاق 65:7
  8. الطلاق 65:8
  9. الطلاق 65:9
  10. الطلاق 65:10
  11. الطلاق 65:11
  12. الطلاق 65:12
  13. التحريم 66:1
  14. التحريم 66:2
  15. التحريم 66:3
  16. التحريم 66:4
  17. التحريم 66:5
  18. التحريم 66:6
  19. التحريم 66:7
  20. التحريم 66:8
  21. التحريم 66:9
  22. التحريم 66:10
  23. التحريم 66:11
  24. التحريم 66:12
  25. الملك 67:1
  26. الملك 67:2
  27. الملك 67:3
  28. الملك 67:4
  29. الملك 67:5
  30. الملك 67:6
  31. الملك 67:7
  32. الملك 67:8
  33. الملك 67:9
  34. الملك 67:10
  35. الملك 67:11
  36. الملك 67:12
  37. الملك 67:13
  38. الملك 67:14
  39. الملك 67:15
  40. الملك 67:16
  41. الملك 67:17
  42. الملك 67:18
  43. الملك 67:19
  44. الملك 67:20
  45. الملك 67:21
  46. الملك 67:22
  47. الملك 67:23
  48. الملك 67:24
  49. الملك 67:25
  50. الملك 67:26
  51. الملك 67:27
  52. الملك 67:28
  53. الملك 67:29
  54. الملك 67:30
  55. القلم 68:1
  56. القلم 68:2
  57. القلم 68:3
  58. القلم 68:4
  59. القلم 68:5
  60. القلم 68:6
  61. القلم 68:7
  62. القلم 68:8
  63. القلم 68:9
  64. القلم 68:10
  65. القلم 68:11
  66. القلم 68:12
  67. القلم 68:13
  68. القلم 68:14
  69. القلم 68:15
  70. القلم 68:16
  71. القلم 68:17
  72. القلم 68:18
  73. القلم 68:19
  74. القلم 68:20
  75. القلم 68:21
  76. القلم 68:22
  77. القلم 68:23
  78. القلم 68:24
  79. القلم 68:25
  80. القلم 68:26
  81. القلم 68:27
  82. القلم 68:28
  83. القلم 68:29
  84. القلم 68:30
  85. القلم 68:31
  86. القلم 68:32
  87. القلم 68:33
  88. القلم 68:34
  89. القلم 68:35
  90. القلم 68:36
  91. القلم 68:37
  92. القلم 68:38
  93. القلم 68:39
  94. القلم 68:40
  95. القلم 68:41
  96. القلم 68:42
  97. القلم 68:43
  98. القلم 68:44
  99. القلم 68:45
  100. القلم 68:46
  101. القلم 68:47
  102. القلم 68:48
  103. القلم 68:49
  104. القلم 68:50
  105. القلم 68:51
  106. القلم 68:52

الطلاق 65:1

(p-١٣٩)سُورَةُ الطَّلاقِ وتُسَمّى النِّساءُ القُصْرى لِمَقْصُودِها تَقْدِيرُ حُسْنِ التَّدْبِيرِ في المُفارَقَةِ والمُهاجَرَةِ بِتَهْذِيبِ الأخْلاقِ، بِالتَّقْوى لا سِيَّما [ في الإنْفاقِ، لا سِيَّما -] إنْ كانَ ذَلِكَ عِنْدَ الشِّقاقِ، لا سِيَّما إنْ كانَ في أمْرِ النِّساءِ لا سِيَّما عِنْدَ الطَّلاقِ، لِيَكُونَ الفِراقُ عَلى نَحْوِ التَّواصُلِ والتَّلاقِ، [ واسْمُها -] الطَّلاقُ أجْمَعَ ما يَكُونُ لِذَلِكَ، فَلِذا سُمِّيَتْ بِهِ وكَذا سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى لِأنَّ العَدْلَ في الفِراقِ بَعْضُ مُطْلَقِ العَدْلِ الَّذِي هو مَحَطُّ مَقْصُودُ سُورَةِ النِّساءِ( بِسْمِ اللَّهِ (الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ( الرَّحْمَنِ (الَّذِي عَمَّ بِرَحْمَتِهِ النَّوالَ( الرَّحِيمِ (الَّذِي خَصَّ بِالرَّحْمَةِ ذَوِي الهِمَمِ العَوالِ. * * لَمّا خُتِمَتِ التَّغابُنُ بِأنَّهُ تَعالى شَكُورٌ حَلِيمٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ مَعَ تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِنَ النِّساءِ بِالعَداوَةِ، وكانَتِ العَداوَةُ تَجُرُّ إلى الفِراقِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِزَمِّ لِأنْفُسٍ عِنْدَ ثَوَرانِ الحُظُوظِ بِزِمامِ التَّقْوى، وأعْلى الخِطابِ جِدًّا بِتَوْجِيهِهِ إلى أعْلى الخُلُقِ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ الأحْكامِ الوارِدَةِ في هَذِهِ [ السُّورَةِ -] فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِتَتَلَقّى بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ مُخَصَّصًا لَهُ ﷺ، ذاكِرًا الوَصْفَ الَّذِي هو سَبَبُ التَّلَقِّي لِغَرائِبِ العُلُومِ ورَغائِبِ الحِكَمِ والفُهُومِ. ولَمّا عَلِمَ مِنَ الإقْبالِ ﷺ عَظَمَةَ الحِكْمَةِ، ومِنَ (p-١٤٠)التَّعْبِيرِ في النِّداءِ بِأداةِ التَّوَسُّطِ الَّتِي لا تُذْكَرُ في أمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا أنَّ الَّذِي هو أقْرَبُ أهْلُ الحَضْرَةِ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِها مِن كُلِّ وجْهٍ، وأنَّ القَصْدَ التَّنْبِيهُ لِجَلالَةِ هَذِهِ الأحْكامِ، وبَذْلِ الجُهْدِ في تَفْهِيمِها والعَمَلِ بِها، فَلِذا [ أقْبَلَ -] عَلى الأُمَّةِ حِينَ انْتَبَهُوا وألْقَوْا أسْماعَهُمْ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ مَواضِعِها: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ وعَلِمَ مِن ذَلِكَ عُمُومُ الحُكْمِ لَهُ ﷺ لَكِنْ لَمّا كانَ لِلْإنْسانِ مَعَ نِسائِهِ حالانِ أحَدُهُما المُشاحَحَةُ، كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِالخِطابِ فِيهِ، وثانِيهِما الجُودُ والمُصالَحَةُ بِالحُلْمِ والعَفْوِ، فَكانَ هو ﷺ أوْلى بِذَلِكَ فَجاءَتْ لَهُ سُورَةُ التَّحْرِيمِ ﴿النِّساءَ﴾ أيْ أرَدْتُمْ طَلاقَ هَذا النَّوْعِ واحِدَةً مِنهُ فَأكْثَرَ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ أيْ إنْ شُئِمَ مُطَلِّقَ طَلاقَ ثَلاثًا أوْ دُونَها، وكُلَّما قَلَّ كانَ أحَبَّ بِدَلِيلِ ما يَأْتِي مِن لَواحِقِ الكَلامِ مِنَ الإشارَةِ إلى الرَّجْعَةِ ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أيْ في وقْتٍ أوْ عِنْدَ اسْتِقْبالِ العِدَّةِ أيِ اسْتِقْبالِ طُهْرٍ يُحْسَبُ مِنها، وهو الطُّهْرُ الَّذِي لَمْ يُجامَعْ فِيهِ إنْ كانَتْ مَدْخُولًا بِها، ذَلِكَ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ”فِي قَبْلِ عِدَّتِهِنَّ“ فَهَذا طَلاقُ السُّنَّةِ وغَيْرُهُ طَلاقُ البِدْعَةِ، فَإنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ تَطْوِيلٌ لِلْعِدَّةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الطُّهْرُ لَمْ يُجامِعْ [ فِيهِ -] لِأنَّها إذا (p-١٤١)جُومِعَتْ رُبَّما حَمَلَتْ فَطالَتِ العُدَّةُ، وهَذِهِ اللّامُ لِلْوَقْتِ مِثْلُها في ”كَتْبِ هَذا لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِن شَهْرِ كَذا“ واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِها لِأنَّها تَفْهَمُ مَعَ ذَلِكَ أنَّ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ كالعِلَّةِ الحامِلَةِ عَلى مُتَعَلِّقِها، فَصارَ كَأنَّهُ قِيلَ: طَلَّقُوا لِأجْلِ العُدَّةِ وإذا كانَ لِأجْلِها عُلِمَ أنَّ المُرادَ تَخْفِيفُها عَلى المَرْأةِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ لِأنَّ مَبْنى الدِّينِ عَلى اليُسْرِ، وذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ العُدَّةَ بِالأسْهارِ، وأنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ حَرامٌ لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نُهِيَ عَنْ ضِدِّهِ، ولا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ لِأنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْفَسادِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ ”حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في طَلاقِهِ زَوْجَتَهُ في الحَيْضِ الَّذِي كانَ سَبَبَ النُّزُولِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ وأمَرَهُ أنْ يُراجِعَها ثُمَّ يُمْسِكَها حَتّى تَطَهَّرَ ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ“ وعَلِمَ [ أنَّ -] مِن عِدَّتِها بِغَيْرِ الأقْراءِ الَّتِي يُمْكِنُ طُولُها وقِصَرُها وهي غَيْرُ المَدْخُولِ بِها والَّتِي لَمْ تَحِضْ والآيِسَةُ والحامِلُ لا سُنَّةَ في طَلاقِها ولا بِدْعَةَ، وكَذا لِلْخالِعَةِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أذِنَ لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الخُلْعِ مِن غَيْرِ اسْتِفْصالٍ عَنْ حالِ امْرَأتِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ في الغالِبِ عَنْ تَشاجُرٍ وتَساؤُلٍ مِنَ المَرْأةِ، ويَقَعُ الطَّلاقُ البِدْعِيُّ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمْرَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِالمُراجَعَةِ مِنهُ، ويَأْثَمُ بِهِ (p-١٤٢)بَعْدَ العِلْمِ، ولَوْ طَلَّقَ في الحَيْضِ وراجَعَ جازَ لَهُ أنْ يُطَلِّقَ حالَ انْقِضاءِ الحَيْضِ قَبْلَ المُجامَعَةِ، والأمْرُ بِالإمْساكِ إلى كَمالِ الطُّهْرِ والحَيْضِ الَّذِي بَعْدَهُ لِلنَّدْبِ حَتّى لا يَكُونَ في صُورَةِ مَن راجَعَ لِلطَّلاقِ، ولا بِدْعَةَ في جَمْعِ الثَّلاثَةِ لِأنَّهُ لا إشارَةَ إلَيْهِ في الآيَةِ ولا في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما الَّذِي هو سَبَبُها، نَعَمْ قَدْ يَدَّعِي ذَلِكَ في آيَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] و«الطَّلاقُ أبْغَضَ الحَلالِ إلى اللَّهِ» كَما رَواهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَأبْغَضَهُ إلَيْهِ أنْهاهُ "وما حَلَفَ بِهِ ولا اسْتَحْلَفَ [ إلّا -] مُنافِقٌ- كَما في الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولَمّا كانَ نَظَرُ الشّارِعِ إلى العِدَّةِ شَدِيدًا لِما فِيها مِنَ الحُكْمِ بِالتَّأنِّي لِاحْتِمالِ النَّدَمِ وبِالظَّنِّ لِبَراءَةِ الرَّحِمِ احْتِياطًا لِلْأنْسابِ وبِقَطْعِ المُنازَعاتِ والمُشاجَراتِ المُفْضِيَةِ إلى ذَهابِ الأمْوالِ والأرْواحِ، وقَدْ أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِاللّامِ، صَرَّحَ بِهِ بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿وأحْصُوا﴾ أيِ اضْبُطُوا ضَبْطًا كَأنَّهُ في إتْقانِهِ مَحْسُوسٌ بَعْدَ الحَصْيِ ﴿العِدَّةَ﴾ لِتُكْمِلُوها ثَلاثَةَ أقْراءَ كَما تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ لِيَعْرِفَ زَمانَ النَّفَقَةَ والرَّجْعَةَ والسُّكْنى وحَلَّ النِّكاحِ لِأُخْتِ المُطَلَّقَةِ مَثَلًا ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ. ولَمّا كانَ الطَّلاقُ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ حَرامًا لِلضِّرارِ ومُخالَفَةِ الأمْرِ وكَذا التَّهاوُنُ في الضَّبْطِ حَتّى يُحْتَمَلَ أنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ قَبْلَ الِانْقِضاءِ، أمَرَ بِمُجانَبَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا﴾ أيْ في ذَلِكَ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ لِذاتِهِ (p-١٤٣)فِي الزَّمَنِ والإحْصاءِ لِأنَّ في ذَلِكَ ما هو حَقُّهُ ﴿رَبَّكُمْ﴾ أيْ لِإحْسانِهِ في تَرْبِيَتِكم في حَمْلِكم عَلى الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ودَفْعِ جَمِيعِ الآصارِ عَنْكم. ولَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى وناطَ بَعْضَها بِصِفَةِ الإحْسانِ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ أيْ أيُّها الرِّجالُ في حالِ العُدَّةِ ﴿مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ أيِ المَساكِنِ الَّتِي وقَعَ وهي سَكَنُهُنَّ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ اسْتِحْقاقَها لِإيفاءِ العُدَّةِ بِهِ في العَظَمَةِ كاسْتِحْقاقِ المالِكِ، ولِأنَّها كانَتْ في حالِ العِصْمَةِ كَأنَّها مالِكَةٌ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَ المُرُوءَةِ إظْهارُ الجَفاءِ بِمَنعِها مِنهُ، ولِأنَّها إنْ رُوجِعَتْ كانَتْ حاصِلَةً في الحَوْزَةِ ولَمْ يَفْحُشِ الزَّوْجُ في المُقاطَعَةِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَظَهَرَ أنَّها حامِلٌ لَمْ تَحْصُلْ شُبْهَةٌ في الحَمْلِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ أنَّهُ لِحَقَّهُنَّ فَقَطْ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِنَّ إنْ أرَدْنَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مُخْرِجٍ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ أوْ غَيْرِهِ، فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ تَحَتُّمُ اسْتِكْمالِ العُدَّةِ في مَوْضِعِ السُّكْنى وأنَّ الإسْكانَ عَلى الزَّوْجِ، وتَخْرُجُ لِضَرُورَةِ بَيْعِ الغَزْلِ وجِذاذِ النَّخْلِ ونَحْوِهِ. ولَمّا كانَ مَنطُوقُ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ إخْراجُها كارِهَةً، ولا يَجُوزُ لَها أنْ تَخْرُجَ بِنَفْسِها فَقَطْ وهو كارِهٌ [ فَأفْهَمُ ذَلِكَ -] أنَّهُما لَوِ اتَّفَقا جازَ لَأنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنِ المَنهِيِّ، اسْتَثْنى مِن كِلا شِقَّيِ المَنهِيِّ عَنْهُ [ بِقَوْلِهِ-] . (p-١٤٤)﴿إلا أنْ يَأْتِينَ﴾ أيْ جِنْسِ المُطَلَّقاتِ الصّادِقِ بِواحِدَةٍ وأكْثَرَ ﴿بِفاحِشَةٍ﴾ أيْ خَصْلَةٍ مُحَرَّمَةٍ شَدِيدَةِ القَباحَةِ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ ظاهِرَةٍ في نَفْسِها ظُهُورًا بَيِّنًا عِنْدَ كُلِّ مَن أُرِيدَ بَيانَها لَهُ، وذَلِكَ كالبَذاءَةِ مِنها عَلى الزَّوْجِ أوْ أقارِبِهِ فَإنَّهُ كالنُّشُوزِ يُسْقِطُ حَقَّها مِنَ السُّكْنى، فَيَجُوزُ لَهُ إخْراجُها لِقَطْعِ الشَّرِّ، وهو مَعْنى قِراءَةِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إلّا أنْ يُفْحِشْنَ عَلَيْكُمْ، وكالزِّنا فَتَخْرُجُ بِنَفْسِها ويُخْرِجُها غَيْرُها مِنَ الزَّوْجِ وغَيْرُهُ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَواحِشِ كَما أنَّهُ يُطَلِّقُها لِلنُّشُوزِ فَإنَّهُ لا سُكْنى لَها حِينَئِذٍ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ أحْكامُ هَذا الفَرْعِ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ﴾ أيِ الأحْكامُ العالِيَةُ جِدًّا بِما فِيها مِنَ الجَلالَةِ وبِانْتِسابِها إلى المَلِكِ الأعْلى مِن هَذا الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِهِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن تَحاماها فَقَدْ أنْصَفَ نَفْسَهُ بِأخْذِهِ النُّورَ المُبِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَعَدَّ﴾ أيْ يَقَعُ مِنهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أنَّهُ يَتَعَمَّدُ أنْ يَعْدُوَ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (p-١٤٥)بِأنْ مَشّاها في الظَّلامِ فَصارَتْ تَضَعُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها، فَصارَ بِمَعْرِضِ الهَلاكِ بِالعِقابِ كَما أنَّ الماشِيَ في الظَّلامِ مُعَرَّضٌ لِلْوُقُوعِ في حُفْرَةٍ والدَّوْسِ عَلى شَوْكَةٍ أوْ حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ سَبُعٍ، أوْ لِأنْ يَنْفَرِدَ بِقاطِعٍ، أوْ أنْ يَضِلَّ عَنِ الطَّرِيقِ إلى مَهالِكَ لا يُمْكِنُ النَّجاةُ مِنها، ومِثالُ ذَلِكَ الحَكِيمُ إذا وصَفَ دَواءً بِقانُونٍ مَعْلُومٍ في وقْتٍ مَحْدُودٍ ومَكانٍ مَخْصُوصٍ فَخُولِفَ لَمْ يَضُرَّ المُخالِفُ ذَلِكَ الحَكِيمَ وإنَّما ضَرَّ نَفْسَهُ. ولَمّا كانَ لَهُ الخَلْقُ جَمِيعًا تَحْتَ أوامِرِهِ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّها كُلُّها خَيْرٌ لا شَرَّ فِيهِ بِوَجْهِ إسْرارٍ وإغْوارٍ، لا تُدْرَكُ ولا تُحْصى، وقَدْ يُظْهِرُ بَعْضُها لِسانَ الحَدَثانِ بِيَدِ القُدْرَةِ، وكانَ مُتَعَدِّيها ظالِمًا وكانَ مِن أقْرَبِ ظُلْمِهِ وأبْيَنِهِ الإيقاعُ في مُهاوِي العِشْقِ، فَسَّرَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا عَظَمَتَهُ بِخِطابِ الإعْلاءِ: ﴿لا تَدْرِي﴾ أيْ يا أيُّها النَّبِيُّ الكَرِيمُ ما يَكُونُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورُ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ لِتُشِيرَ عَلى المُطْلَقِ بِشَيْءٍ مِمّا يُصْلِحُهُ فَغَيْرُكَ مِن بابِ الأُولى. ولَمّا نَفى عَنْهُ العِلْمُ المَغِيبُ لِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهِ وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ إعْراقًا في التَّعْمِيمِ، وكانَ كُلَّ أحَدٍ فِيما يُحَدِّثُ لَهُ مِنَ الأُمُورِ ما بَيْنَ رَجاءٍ وإشْفاقٍ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأداةٍ صالِحَةٍ لَها فَقالَ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي (p-١٤٦)بِيَدِهِ القُلُوبُ ومَقالِيدُ جَمِيعِ الأُمُورِ ﴿يُحْدِثُ﴾ أيْ يُوجَدُ شَيْئًا حادِثًا لَمْ يَكُنْ إيجادًا ثابِتًا لا يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلى التَّسَبُّبِ في زَوالِهِ فَيَكُونُ مُسْتَغْرِقًا لِزَمانِ العُمْرِ كَما أشارَ إلَيْهِ نَزْعَ الخافِضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ الحادِثِ مِنَ الإشارَةِ بِالضِّرارِ بِالإخْراجِ أوْ تَطْوِيلِ العُدَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿أمْرًا﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ كالرَّغْبَةِ المُفْرِطَةِ في الزَّوْجَةِ فَلا يَتَأتّى ذَلِكَ إمّا بِأنْ كانَ الضِّرارُ بِالطَّلاقِ الثَّلاثِ أوْ [ بِأنْ -] كانَتْ مِن ذَوِي الأنَفَةِ فَأثَّرَتْ فِيها الإساءَةُ وفِيمَن يَنْتَصِرُ لَها فَمَنَعَتْ نَفْسَها مِنهُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] وقَوْلُهُ في التَّغابُنِ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] والمُؤْمِنُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ ما يَضْطَرُّهُ إلى فِراقِ مَن نَبَّهَ عَلى فِتْنَتِهِ وعَظِيمِ مِحْنَتِهِ، ورَدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُنَبِّهَةً عَلى كَيْفِيَّةِ الحُكْمِ في هَذا الِافْتِراقِ، ومُوَضَّحَةً أحْكامَ الطَّلاقِ، وأنَّ هَذِهِ العَداوَةَ وإنِ اسْتَحْكَمَتْ ونارَ هَذِهِ الفِتْنَةُ، إنِ اضْطَرَمَتْ لا تُوجِبُ التَّبَرُّؤَ بِالجُمْلَةِ وقَطْعَ المَعْرُوفِ ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ ووَصّى سُبْحانَهُ بِالإحْسانِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ: (p-١٤٧)﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبَيَّنَ تَفْصِيلَ ذَلِكَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَهَذا الرِّفْقُ المَطْلُوبُ بِإيقاعِ الطَّلاقِ في أوَّلِ ما تَسْتَعِدْهُ المُطَلَّقَةُ في عِدَّتِها وتَحْسَبْهُ مِن مُدَّتِها تَحْذِيرًا مِن إيقاعِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ المُوجَبِ تَطْوِيلِ العِدَّةِ وتَكْثِيرِ المُدَّةِ، وأكَّدَ هَذا سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى حَقِّهِنَّ أيّامَ العِدَّةِ مِنَ الإبْقاءِ في مُسْتَقَرِّهِنَّ حِينَ إيقاعَ الطَّلاقِ إلى انْقِضاءِ العُدَّةِ فَقالَ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ إلى ما اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالطَّلاقِ وتَفْصِيلِ ذَلِكَ كُلِّهِ. ولَمّا كانَ الأوْلادُ إذا ظَهَرَ مِنهم ما يُوجِبُ فِراقَهم وإبْعادَهم غَيْرَ مُفْتَرِقِينَ إلى ما سِوى الرَّفْضِ والتَّرْكِ بِخِلافِ المَرْأةِ، لَمْ يَحْتَجْ [ إلى ما احْتِيجَ إلَيْهِ -] في حَقِّهِنَّ فَقَدْ وضَّحَ وجْهَ وُرُودِ سُورَةِ الطَّلاقِ في هَذا المَوْضِعِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ [ انْتَهى-] .

الطلاق 65:2

ولَمّا حَدَّ سُبْحانَهُ ما يَفْعَلُ في العِدَّةِ، أتْبَعَهُ ما يَفْعَلُ عِنْدَ انْقِضائِها فَسَبَّبَ عَمّا أمَرَهُ بِها فِيها مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ لِأنَّ الخِطابَ عَلى تَقْدِيرِ الحَياةِ، مُعْلِمًا أنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ إلى آخِرِ جُزْءٍ مِنَ العِدَّةِ لِأنَّها إذا ثَبَتَتْ في آخِرِها البَعِيدِ مِنَ الطَّلاقِ كانَ ما قَبْلُهُ أوْلى لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الطَّلاقِ فَقالَ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ﴾ أيِ المُطْلِقاتُ ﴿أجَلَهُنَّ﴾ أيْ شارَفْنَ انْقِضاءَ العِدَّةِ مُشارَفَةً عَظِيمَةً ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ أيْ بِالمُراجَعَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأُولى (p-١٤٨)مِنَ الطَّلاقِ ما دُونُ البائِنِ لا سِيَّما الثَّلاثُ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ لا يَقْدِرُ عَلى كَمالِ الإحْسانِ قالَ مُنْكِرًا: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ حُسْنِ عِشْرَةٍ لا بِقَصْدِ المُضارَّةِ بِطَلاقٍ آخَرَ لِأجْلِ إيجابِ عِدَّةٍ أُخْرى ولا غَيْرَ ذَلِكَ ﴿أوْ فارِقُوهُنَّ﴾ أيْ بِعَدَمِ المُراجَعَةِ لِتَتِمَّ العِدَّةَ فَتَمْلِكَ نَفْسَها ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بِإيفاءِ الحَقِّ مَعَ حُسْنِ الكَلامِ وكُلِّ أمْرٍ عَرَفَهُ الشَّرْعُ - أيْ حَسَّنَهُ - فَلا يَقْصِدُ أذاها بِتَفْرِيقِها مِن ولَدِها مَثَلًا أوْ مِنهُ إنْ كانَتْ مَحَبَّةً لَهُ مَثَلًا بِقَصْدِ الأذى فَقَطْ مِن غَيْرِ مَصْلَحَةٍ وكَذا ما أشْبَهَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ بِإفْصاحِها الحَثَّ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ وبِإبْهامِها اجْتِنابِ المُنْكَراتِ. ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ المُرافَقَةِ والمُفارَقَةِ أمْرًا عَظِيمًا، تُبْنى عَلَيْهِ أحْكامٌ فَتَحْرِمُ أضْدادَها، فَيَكُونُ الخِلافُ فِيها في غايَةِ الخَطَرِ، وكانَ الإشْهادُ ألْيَقَ بِالمُرادِ، وأقْطَعُ لِلنِّزاعِ، قالَ تَعالى حاثًّا عَلى الكِيسِ واليَقَظَةِ والبُعْدِ عَنْ أفْعالِ المُغَفَّلِينَ العَجَزَةِ: ﴿وأشْهِدُوا﴾ أيْ عَلى المُراجَعَةِ أوِ المُفارَقَةِ ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ أيْ مُكَلَّفَيْنِ حُرَّيْنِ ثِقَتَيْنِ يَقِظَيْنِ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ مُسْلِمَيْنِ وهو أمْرُ إرْشادِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وُجُوبُهُ [ في الرَّجْعِيَّةِ -] والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ومِن (p-١٤٩)فَوائِدِهِ أنْ لا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِي الآخَرُ الزَّوْجِيَّةَ بِبَقاءِ عَلَقَةِ العِدَّةِ لِيَرِثَ. ولَمّا كانَ أداءُ الشَّهادَةِ يَعْسُرُ عَلى الشّاهِدِ لِتَرْكِ مُهِمّاتِهِ وعُسْرِ لِقاءِ الحُكْمِ الَّذِي يُؤَدِّي عِنْدَهُ، ورُبَّما بَعْدَ مَكانِهِ، وكانَ لِلْعَدْلِ في الأداءِ عَوائِقُ أيْضًا، وكانَ الشُّهُودُ مِنَ المَأْمُورِينَ بِالإشْهادِ، حَثَّ عَلى الأداءِ عَلى وجْهِ العَدْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا﴾ أيْ [ أيُّها -] المَأْمُورُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ شُهُودًا ﴿الشَّهادَةَ﴾ أيِ الَّتِي تَحَمَّلْتُمُوها بِأدائِها عَلى أكْمَلِ أحْوالِها كَما يَفْعَلُ مَن يُرِيدُ إقامَةَ شَيْءٍ لِيَصِيرَ واقِفًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى ما يُدَعِّمُهُ. ولَمّا كانَ رُبَّما مَيَّلَ أحَدٌ مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِما الشّاهِدُ بِشَيْءٍ مِنَ المُرَغِّباتِ فَأدّاها عَلى وجْهِها لِذَلِكَ الشَّيْءِ لا لِكَوْنِهِ الحَقَّ، قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ مُخْلِصِينَ لِوَجْهِ المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً وهو ذُو الجَلالِ والإكْرامِ في أدائِها عَلى وجْهِ الحَقِّ ظاهِرًا وباطِنًا، لا لِأجْلِ المَشْهُودِ لَهُ ولا المَشْهُودِ عَلَيْهِ، ولا شَيْءَ سِوى وجْهِ اللَّهِ. ولَمّا كانَتْ أحْكامُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا سِيَّما في الكِتابِ المُعْجِزِ مَقْرُونَةً بِعِلَلِها وفِيها عِنْدَ التَّأمُّلِ رَقائِقُ ودَقائِقُ تَخْشَعُ لَها القُلُوبُ وتَجِبُ الأفْئِدَةُ في داخِلِ الصُّدُورِ قالَ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرْتُ (p-١٥٠)لَكم أيَّتُها الأُمَّةُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ البَدِيعَةِ النِّظامِ العالِيَةِ المَرامِ، وأوْلاها بِذَلِكَ هُنا الإشْهادُ وإقامَةُ الشَّهادَةِ. ولَمّا كانَتْ أوامِرُ اللَّهِ تَعالى وقَصَصُهُ وأحْكامُهُ وجَمِيعُ كَلامِهِ مُخْتَصًّا مِن [ بَيْنِ -] كَلامِ النّاسِ بِأنَّهُ يُرَقِّقُ القُلُوبَ ويَلِينُ الشَّكائِمَ لِكَوْنِهِ رُوحًا لِما فِيهِ العَدْلُ الَّذِي تَهْواهُ النُّفُوسُ، وتَعْشَقُهُ الألْبابُ، وتَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبائِعُ، وقامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، ولِما فِيهِ أيْضًا مِن ذِكْرِ [ مَن -] تَعْشَقُهُ الفِطَرُ القَوِيمَةُ مِن جَمِيعِ أهْلِ الخَيْرِ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والأوْلِياءِ، مَعَ تَشْرِيفِ الكُلِّ بِذِكْرِ اللَّهِ، سُمِّيَ وعْظًا، وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى أنَّ الوَعْظَ بِنَفْسِهِ نافِعٌ ولَوْ لَمْ يُعْرَفْ قائِلُهُ، وإلى أنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ أنَّهُ اللَّهُ لِكَوْنِهِ سُمِّيَ وعْظًا مَعَ كَوْنِهِ أحْكامًا فَقالَ: ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾ أيْ يَلِينُ ويُرَقِّقُ ﴿مَن كانَ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا، مِن جَمِيعِ النّاسِ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أيْ يُوقِعُ ويُجَدِّدُ مِنكم ومَن غَيْرِكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ مِن صَمِيمِ قَلْبِهِ الإيمانُ بِالمَلِكِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ. ولَمّا كانَ البَعْثُ مَحَطَّ الحِكْمَةِ لِأنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةٌ لِلْآخِرَةِ، ولا يَكُونُ زَرْعٌ بِغَيْرِ حَصادٍ، كانَ خُلُوُّ الإيمانِ عَنْهُ مَعْدُمًا لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّهُ المَحَطُّ الأعْظَمُ لِلتَّرْقِيقِ، أمّا مَن لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ فَكَأنَّهُ لِقَساوَةِ قَلْبِهِ ما وعَظَ بِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أبَدًا. (p-١٥١)ولَمّا كانَتِ العِبادَةُ لا تَكُونُ إلّا بِالإعانَةِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنِ اتَّعَظَ بِذَلِكَ كانَ اتِّعاظُهُ شاهِدًا لَهُ بِإيمانِهِ بِذَلِكَ، وكانَ مُتَّقِيًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ اعْتِراضًا بَيْنَ هَذِهِ الأحْكامِ تَأْكِيدًا لِلتَّرْغِيبِ في الإعانَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى التَّقْوى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ يَخِفُّ المَلِكُ الأعْظَمُ فَيَجْعَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُسْخِطُهُ وِقايَةً مِمّا يُرْضِيهِ، وهو اجْتِلابُ ما أمَرَ بِهِ واجْتِنابُ ما نَهى عَنْهُ مِنَ الطَّلاقِ وغَيْرِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، وذَلِكَ صَلاحٌ قَوِيُّ العِلْمِ بِالإيمانِ والعَمَلِ بِفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ وتَرْكِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ أنَّ التَّقْوى إذا انْفَرَدَتْ في القُرْآنِ عَنْ مُقارَنٍ عَمَّتِ الأمْرَ والنَّهْيَ، وإذا قَرَنَتْ بِغَيْرِها نَحْوَ إحْسانٍ أوْ رِضْوانٍ خَصَّتِ المَناهِي: ﴿يَجْعَلْ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ التَّقْوى ﴿لَهُ مَخْرَجًا﴾ بِدَفْعِ المَضارِّ مِن [ كُلِّ -] ضِيقٍ أحاطَ بِهِ في نَظِيرِ ما اجْتَنَبَ مِنَ المَناهِي

الطلاق 65:3

﴿ويَرْزُقْهُ﴾ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ بِجَلْبِ المَسارِ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ في نَظِيرِ ما اجْتَلَبَ مِن فِعْلِ الأوامِرِ. ولَمّا كانَ أحْلى الهِباتِ ما جاءَ مِن مَكانٍ لا يُرْجى قالَ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ أيْ لا يَقْوى رَجاؤُهُ لَهُ، و[ لَمّا -] أكَّدَ في هَذا وأعْظَمَ الوَعْدَ لِأنَّهُ وإنْ كانَ عامًّا لِكُلِّ مُتَّقٍ فَتَعَلَّقَهُ بِما تَقَدَّمَ أقْوى والنَّظَرَ فِيما تَقَدَّمَ إلى حُقُوقِ العِبادِ أكْثَرُ، والمُضايِقَةُ فِيها أشَدُّ، والدَّواعِي إلَيْها أبْلَغُ، فالِاتِّقاءُ فِيهِ بِعَدَمِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ والإضْرارِ بِالمَرْأةِ بِتَطْوِيلِ العِدَّةِ (p-١٥٢)أوِ الإخْراجِ مِنَ المَسْكَنِ وكِتْمانِ الشَّهادَةِ والعُسْرِ في أدائِها والإخْلالِ بِشَيْءٍ مِنها والتَّأْكِيدِ والإبْلاغِ في الوَعْدِ لِأجْلِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ القَلَقِ في أُمُورِهِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ﴾ [ أيْ -] يَسْنِدُ أُمُورَهُ كُلَّها ويُفَوِّضُها مُعْتَمِدًا فِيها ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ ولا كُفُوءَ لَهُ فَقَدْ جَمَعَ الأرْكانَ الثَّلاثَةَ الَّتِي لا يَصْلُحُ التَّوْكِيلُ إلّا بِها، وهي العِلْمُ المُحِيطُ لِئَلّا يُدَلِّسَ عَلَيْهِ، والقُدْرَةُ التّامَّةُ لِئَلّا يَعْجَزَ، والرَّحْمَةَ بِالمُتَوَكُّلِ [ والعِنايَةَ بِهِ -] لِئَلّا يَحِيفَ عَلَيْهِ، والتَّوَكُّلُ يَكُونُ مَعَ مُباشَرَةِ الأسْبابِ وهو مِنَ المَقاماتِ العَظِيمَةِ وإلّا كانَ اتِّكالًا، ولَيْسَ بِمَقامٍ بَلْ خِسَّةَ هِمَّةٍ وعَدَمَ مُرُوءَةٍ، لِأنَّهُ إبْطالُ حِكْمَةِ اللَّهِ الَّتِي أحْكَمَها في الدُّنْيا مِن تَرْتِيبِ المُسَبِّباتِ عَلى الأسْبابِ - قالَهُ المَلْوِيُّ ﴿فَهُوَ﴾ أيِ اللَّهُ في غَيْبِ غَيْبِهِ فَضْلًا عَنِ الشَّهادَةِ بِسَبَبِ تَوَكُّلِهِ ﴿حَسْبُهُ﴾ أيْ كافِيهِ، وحَذَفَ المُتَعَلِّقَ لِلتَّعْمِيمِ، وحَرْفَ الِاسْتِعْلاءِ لِلشّارَةِ إلى أنَّهُ قَدْ حَمَّلَ أُمُورَهُ كُلَّها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ القَوِيُّ الَّذِي لا يَعْصِيهِ شَيْءٌ، والكَرِيمُ الَّذِي يُحْسِنُ حَمْلَ ذَلِكَ ورَعْيَهُ، والعَزِيزُ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ كُلَّ ضارٍّ ويَجْلِبُ لَهُ كُلَّ سارٍّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي الكِبارِ، فَلا يَبْدُو لَهُ في عالَمِ الشَّهادَةِ شَيْءٌ يُشْقِيهِ لا مِنَ الغَيْبِ ولا مِن غَيْبِ الغَيْبِ، وفي الحَدِيثِ «لَوْ أنَّكم تَوَكَّلْتُمْ عَلى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكم كَما يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِماصًا وتَرُوحُ (p-١٥٣)بِطانًا» . ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا لا يَكادُ [ يُحِيطُ -] بِهِ الوَهْمُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُهَوِّلًا [ لَهُ -] بِالتَّأْكِيدِ والإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ كَمالٍ المُنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ﴿بالِغُ أمْرِهِ﴾ أيْ جَمِيعِ ما يُرِيدُهُ فَلا بُدَّ مِن نُفُوذِهِ سَواءٌ حَصَلَ تَوَكُّلٌ أمْ لا، وسَمّاهُ أمْرًا إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ وإلى أنَّهُ في سُرْعَةِ الكَوْنِ إذا أُرِيدَ لَمْ يَتَخَلَّفْ بِوَجْهٍ بَلْ يَكُونُ كالمُؤْتَمَرِ الحَقِيرِ لِلْمَلِكِ الجَلِيلِ الكَبِيرِ. ولَمّا كانَ ضَرْبُ المَقادِيرِ مِنَ القادِرِ مُوجِبًا لِعَدَمِ الإخْلالِ بِشَيْءٍ مِنها، عَلَّلَ ذَلِكَ بِما اقْتَضى تَحَتُّمَ الوَعْدِ والتَّوَكُّلِ فَقالَ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ جَعْلًا مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقَيُّدٍ بِجِهَةٍ ولا حَيْثِيَّةٍ ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ تَقْدِيرًا لا يَتَعَدّاهُ في مِقْدارِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ وجَمِيعِ عَوارِضِهِ وأحْوالِهِ وإنِ اجْتَهَدَ جَمِيعُ الخَلائِقِ في أنْ يَتَعَدّاهُ، فَمَن تَوَكَّلَ اسْتَفادَ الأجْرَ وخَفَّفَ عَنْهُ الألَمَ، وقَذَفَ في قَلْبِهِ السَّكِينَةَ، ومَن لَمْ يَتَوَكَّلْ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وزادَ ألَمُهُ وطالَ غَمُّهُ بِشِدَّةِ سَعْيِهِ وخَيْبَةِ أسْبابِهِ الَّتِي يَعْتَقِدُ أنَّها هي المُنْجِحَةُ، فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضى ومَن سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ، جَفَّ القَلَمُ فَلا يُزادُ في المَقادِيرِ شَيْءٌ ولا يُنْقَصُ (p-١٥٤)مِنها شَيْءٌ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا أتى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: أوْلِنِي مِمّا أوْلاكَ اللَّهُ فَقالَ: أتَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قالَ: لا، قالَ: إنّا لا نُوَلِّي مَن لا يَقْرَأُ القُرْآنَ، فانْصَرَفَ الرَّجُلُ واجْتَهَدَ حَتّى تَعَلَّمَ القُرْآنَ رَجاءَ أنْ يَعُودَ إلى عُمْرَ فَيُوَلِّيهِ، فَلَمّا تَعَلَّمَ القُرْآنَ تَخَلَّفَ عَنْ عُمَرَ فَرَآهُ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: يا هَذا! أهَجَرْتَنا، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! لَسْتُ مِمَّنْ يَهْجُرُ؟ ولَكِنِّي تَعَلَّمْتُ القُرْآنَ فَأغْنانِي اللَّهُ عَنْ عُمَرَ وعَنْ بابِ عُمَرَ، قالَ: أيُّ آيَةٍ أغْنَتْكَ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ انْتَهى. ومَن تَوَكَّلَ عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ضاعَ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ المَصالِحَ وإنْ عَلِمَها لَمْ يَعْلَمْ أيْنَ هِيَ، وإنَّ عَلِمَ لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَسْتَعْمِلُها [ وإنْ عَلِمَ لَمْ يَعْلَمْ كَمِ المِقْدارُ المُسْتَعْمَلُ، وإنْ عَلِمَ لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُها -] وهو سُبْحانُهُ المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ ذَلِكَ كُلِّهِ وما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ غَيْرُهُ، والآيَةُ تَفْهَمُ أنَّ مَن لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ يُقَتِّرُ عَلَيْهِ، وهو مُوافِقٌ لِما رَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ واللَّفْظُ لَهُ - وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ - عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: (p-١٥٥)قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «لا يَرُدُّ القَدَرَ إلّا الدُّعاءُ ولا يَزِيدُ في العُمْرِ إلّا البِرُّ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» وتَفْهَمُ أنَّ مَن لَمْ يَتَوَكَّلْ لَمْ يُكْفَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ.

الطلاق 65:4

ولَمّا وسَّطَ بَيْنَ العَدَدِ هَذِهِ الجُمَلَ الواعِظَةَ دَلالَةً عَلى عَظَمَتِها حَثًّا عَلى امْتِثالِها والمُبادَرَةِ إلَيْها، وخَتَمَ بِالتَّقْدِيرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانُ مَقادِيرِ العَدَدِ عَلى وجْهٍ أبانَ أنَّ الكَلامَ الماضِيَ كانَ في الحَوائِضِ الرَّجْعِيّاتِ فَقالَ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ﴾ أيْ مِنَ المُطَلَّقاتِ ﴿مِنَ المَحِيضِ﴾ أيِ الحَيْضِ وزَمانِهِ لِوُصُولِها إلى سِنٍّ يُجاوِزُ القَدْرَ الَّذِي تَرْجُو فِيهِ النِّساءُ الحَيْضَ فَصارَتْ بِحَيْثُ لا تَرْجُوهُ، وذَلِكَ السَّنُّ خَمْسٌ وخَمْسُونَ سَنَةً أوْ سِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ وهُنَّ القَواعِدُ، وأمّا مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُها في زَمَنٍ تَرْجُو فِيهِ الحَيْضَ فَإنَّها تَنْتَظِرُ سِنَّ اليَأْسِ. ولَمّا كانَ هَذا الحُكْمُ خاصًّا بِأزْواجِ المُسْلِمِينَ لِحُرْمَةِ فَرْشِهِمْ وحَفْظِ أنْسابِهِمْ قالَ: ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُسْلِمُونَ سَواءٌ كُنَّ مُسْلِماتٍ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمّا كانَ المُوجِبُ لِلْعِدَّةِ إنَّما هو الدُّخُولَ لا مُجَرَّدَ الطَّلاقِ قالَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ بِأنْ أجَّلْتُمُ النَّظَرَ في أمْرِهِنَّ، فَأدّاكم إلى رَيْبٍ [ في -] هَلْ هُنَّ حامِلاتٌ أمْ لا، وذَلِكَ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ الَّذِي هو (p-١٥٦)سَبَبُ الرَّيْبِ بِالحَمْلِ في الجُمْلَةِ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ كُلُّ شَهْرٍ يَقُومُ مَقامَ حَيْضَةٍ لِأنَّ أغْلَبَ عَوائِدِ النِّساءِ أنْ يَكُونَ كُلُّ قُرْءٍ في شَهْرٍ. ولَمّا أتَمَّ قِسْمَيْ ذَواتِ الحَيْضِ إشارَةً وعِبارَةً قالَ: ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أيْ لِصِغَرِهِنَّ أوْ لِأنَّهُنَّ لا حَيْضَ لَهُنَّ أصْلًا وإنْ كُنَّ بالِغاتٍ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ أيْضًا، وهَذا مُشِيرٌ إلى أنَّ أُولاتِ الحَيْضِ بائِناتٌ كُنْ أوْ لا عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ لِأنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ عِوَضٌ عَنْها، فَإمّا أنْ يَكُونَ القُرْءُ - وهو الطُّهْرُ - بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، أوْ بَيْنَ الطَّلاقِ والحَيْضِ، وهَذا كُلُّهُ في المُطَلَّقَةِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَأرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرًا كَما في البَقَرَةِ. ولَمّا فَرَغَ مِن آئِساتِ الحَوامِلِ أتْبَعَهُ ذِكْرَ الحَوامِلِ فَقالَ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الزَّوْجاتِ المُسْلِماتِ والكُفّارِ المُطَلَّقاتِ عَلى كُلِّ حالٍ والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ إذا كانَ حَمْلُهُنَّ مِنَ الزَّوْجِ مُسْلِمًا كانَ أوْ لا ﴿أجَلُهُنَّ﴾ أيْ لِمُنْتَهى العِدَّةِ سَواءٌ كانَ لَهُنَّ مَعَ الحَمْلِ حَيْضٌ أمْ لا ﴿أنْ يَضَعْنَ﴾ ولَمّا كانَ تَوْحِيدُ الحَمْلِ لا يَنْشَأُ عَنْهُ لَبْسٌ، وكانَ الجَمْعُ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لا تَحِلُّ واحِدَةٌ مِنهُنَّ حَتّى يَضَعَ جَمْعًا قالَ: (p-١٥٧)﴿حَمْلَهُنَّ﴾ وهَذا عَلى عُمُومِهِ مُخَصَّصٌ لِآيَةِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] لِأنَّ المُحافَظَةَ عَلى عُمُومِهِ أوْلى مِنَ المُحافَظَةِ عَلى عُمُومِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ”أزواجًا“ لِأنَّ عُمُومَ هَذِهِ بِالذّاتِ لِأنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وعُمُومِ ”أزواجًا“ بِالعَرْضِ لِأنَّهُ بَدَلِيٌّ لا يَصْلُحُ لِتَناوُلِ جَمِيعِ الأزْواجِ في حالٍ واحِدٍ، والحُكْمُ مُعَلَّلٌ هُنا بِوَصْفِ الحَمْلِيَّةِ بِخِلافِ ذاكَ ولِأنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحارِثِ وضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِلَيالٍ، فَأذِنَ لَها النَّبِيُّ ﷺ أنَّ تَتَزَوَّجَ، ولِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ آيَةِ البَقَرَةِ، فَتَقْدِيمُها عَلى تِلْكَ تَخْصِيصٌ، وتَقْدِيمُ تِلْكَ في العَمَلِ بِعُمُومِها رَفْعٌ لِما في الخاصِّ مِنَ الحُكْمِ فَهو نَسْخٌ والأوَّلُ هو الرّاجِحُ لِلْوِفاقِ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ الحَمْلُ مِن زِنًا أوْ شُبْهَةٍ فَلا حُرْمَةَ لَهُ، والعِدَّةُ بِالحَيْضِ. ولَمّا كانَتْ أُمُورُ النِّساءِ في المُعاشَرَةِ والمُفارَقَةِ مِنَ المُعاسَرَةِ والمُياسَرَةِ في غايَةِ المَشَقَّةِ، فَلا يَحْمِلُ عَلى العَدْلِ فِيها والعِفَّةِ إلّا خَوْفُ اللَّهِ، كُرِّرَ تَلْمِيعًا بِالحَثِّ عَلى التَّقْوى إشارَةً إلى ذَلِكَ وتَرْغِيبًا في لُزُومِ ما حَدَّهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى [ ما -] تَقْدِيرُهُ: فَمَن لَمْ يَحْفَظْ هَذِهِ الحُدُودَ عَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أُمُورَهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ يُوجَدُ الخَوْفُ مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ إيجادًا مُسْتَمِرًّا لِيَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سُخْطِهِ وِقايَةً مِن طاعاتِهِ اجْتِلابًا لِلْمَأْمُورِ واجْتِنابًا لِلْمَنهِيِّ ﴿يَجْعَلْ لَهُ﴾ أيْ يُوجَدُ إيجادًا مُسْتَمِرًّا بِاسْتِمْرارِ (p-١٥٨)التَّقْوى ”إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا“ ﴿مِن أمْرِهِ﴾ أيْ كُلِّهِ في النِّكاحِ وغَيْرِهِ ﴿يُسْرًا﴾ أيْ سُهُولَةً وفَرَجًا وخَيْرًا في الدّارَيْنِ بِالدَّفْعِ والنَّفْعِ، وذَلِكَ أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ المُخْرِجِ المُتَقَدِّمِ في الآيَةِ الأُولى.

الطلاق 65:5

ولَمّا كانَ تَكْرِيرُ الحَثِّ عَلى التَّقْوى لِلسُّؤالِ عَنْ سَبَبِهِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ كالتَّعْلِيلِ لَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ المَذْكُورُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأحْكامِ العالِيَةِ المَراتِبِ ﴿أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، ونَبَّهَ عَلى عُلُوِّ رُتْبَةِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْـزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أباهُ هَوًى في مُهاوِي المُهْلِكاتِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ بِالِاجْتِلابِ والِاجْتِنابِ، ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ العَجْزِ والنُّقْصانِ، أُنْسُهُ بِأنَّهُ إذا وقَعَ مِنهُ [ زَلَلٌ -] فَراجَعَهُ بِالتَّقْوى لُطْفٌ بِهِ فِيهِ جَزاءٌ عَلى تَقْواهُ بِالدَّفْعِ والنَّفْعِ فَقالَ: ﴿يُكَفِّرْ﴾ أيْ يُغَطِّي تَغْطِيَةً عَظِيمَةً ويَسْتُرُ ويَغِيبُ ويَسْقُطُ ﴿عَنْهُ﴾ جَمِيعَ ﴿سَيِّئاتِهِ﴾ لِيَتَخَلّى عَنِ المُبْعَداتِ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ. ولَمّا كانَ الكَرِيمُ لا يَرْضى لِمَن أقْبَلَ إلَيْهِ بِالعَفْوِ فَقَطْ قالَ: ﴿ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ بِأنْ يُبَدِّلَ سَيِّئاتِهِ حَسَناتٍ ويُوَفِّيَهُ أجْرَها في الدّارَيْنِ مُضاعَفًا فَيَتَحَلّى بِالمُقَرَّباتِ، وهَذا أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ اليُسْرِ المُتَقَدِّمِ.

الطلاق 65:6

ولَمّا قَدَّمَ التَّكْفِيرَ وأتْبَعَهُ الأجْرَ الكَبِيرَ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ إيجابُ تَرْكِ المُطَلَّقَةِ في مَنزِلِ الطَّلاقِ (p-١٥٩)وأذِنَ في إخْراجِها عِنْدَ الفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ، وكانَ رُبَّما كانَ مَنزِلُ الطَّلاقِ مُسْتَعارًا، وكانَ مِمّا لا يَلِيقُ بِالزَّوْجِ، وكانَ رُبَّما نَزَلَ الكَلامُ السّابِقُ عَلَيْهِ، اسْتَأْنَفَ البَيانَ لَهُ بِما لا يَحْتَمِلُ لَبْسًا فَقالَ آمِرًا بَعْدَ ذَلِكَ النَّهْيِ عَلى وجْهٍ مُشِيرٍ بِسابِقِهِ ولاحِقِهِ إلى الحُلْمِ عَنْهُنَّ فِيما يُمْكِنُ الحُلْمُ فِيهِ حِفْظًا لِلْقُلُوبِ وإبْعادًا لِلشِّقاقِ بَعْدَ الإيحاشِ بِالطَّلاقِ لِئَلّا يَعْظُمَ الكَسْرُ والوَحْشَةُ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ أيْ هَؤُلاءِ [ المُفارِقاتِ -] في العِدَّةِ إنْ كُنَّ مُطَلَّقاتٍ حامِلاتٍ كُنَّ أوْ لا مَبْتُوتاتٍ كُنْ أوْ رَجْعِيّاتٍ بِخِلافِ ما كانَ مِنَ العِدَّةِ عَنْ وفاةٍ بِغَيْرِ حَمْلٍ أوْ كانَ عَنْ شُبْهَةٍ أوْ فَسْخٍ. ولَمّا كانَ المُرادُ مَسْكَنًا يَلِيقُ بِها وإنْ كانَ بَعْضَ مَسْكَنِ الرَّجُلِ، أدْخَلَ أداةَ التَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أيْ مِن أماكِنِ سُكْناكم لِتَكُونَ قَرِيبَةً مِنكم لِيَسْهُلَ تَفَقُّدُكم لَها لِلْحِفْظِ وقَضاءِ الحاجاتِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما سَكَنَ في ماضِي الزَّمانِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ قالَ مُبَيِّنًا لِلْمَسْكَنِ المَأْمُورِ بِهِ مُبْقِيًا لِلْمُوادَدَةِ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ بِما يَشُقُّ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ سِعَتِكم وطاقَتِكم بِإجارَةٍ أوْ مِلِكٍ أوْ إعارَةٍ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ بِحِمْلٍ كانَتْ أوْ غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ الإسْكانُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الشَّنَآنِ قالَ: ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ أيْ حالَ السُّكْنى في المَسْكَنِ ولا في غَيْرِهِ. ولَمّا (p-١٦٠)كانَتِ المُضارَّةُ قَدْ يَكُونُ لِمَقْصِدٍ حَسَنٍ بِأنْ يَكُونَ تَأْدِيبًا لِأمْرٍ بِمَعْرُوفٍ لِيَتَوَصَّلَ بِصُورَةِ شَرٍّ قَلِيلٍ ظاهِرٍ إلى خَيْرٍ كَثِيرٍ قالَ: ﴿لِتُضَيِّقُوا﴾ أيْ تَضْيِيقًا بِالِغًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ كَذَلِكَ مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ حَتّى يُلْجِئَهُنَّ ذَلِكَ إلى الخُرُوجِ. ولَمّا كانَتِ النَّفَقَةُ واجِبَةً لِلرَّجْعِيَّةِ، وكانَتْ عِدَّتُها تارَةً بِالأقْراءِ وتارَةً بِالأشْهُرِ وتارَةً بِالحَمْلِ، وكانَ رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّ ما بَعْدَ الثَّلاثَةِ الأشْهَرِ مِن مُدَّةِ الحَمْلِ لِلرَّجْعِيَّةِ وجَمِيعِ المُدَّةِ لِغَيْرِها لا يَجِبُ الإنْفاقُ فِيهِ قالَ: ﴿وإنْ كُنَّ﴾ أيِ المُعْتَدّاتُ ﴿أُولاتِ حَمْلٍ﴾ أيْ مِنَ الأزْواجِ كَيْفَ ما كانَتِ العِدَّةُ مِن مَوْتٍ أوْ طَلاقٍ بائِنٍ أوْ رَجْعِيٍّ ﴿فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وإنْ مَضَتِ الأشْهُرُ ﴿حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَإنَّ العِلَّةَ الِاعْتِدادُ بِالحَمْلِ، وهَذِهِ الشُّرْطِيَّةُ تَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ الحَوامِلِ مِن بَيْنِ المُعْتَدّاتِ البَوائِنِ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ. ولَمّا غَيَّ سُبْحانَهُ وُجُوبَ الإنْفاقِ بِالوَضْعِ، وكانَتْ [ قَدْ -] تُرِيدُ إرْضاعَ ولَدِها، وكانَ اشْتِغالُها بِإرْضاعِهِ يُفَوِّتُ عَلَيْها كَثِيرًا مِن مَقاصِدِها ويَكْسِرُها، جَبْرُها بِأنْ قالَ حاثًّا عَلى مُكافَأةِ الأخَوانِ عَلى الإحْسانِ مُشِيرًا بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّهُ لا يُجِيبُ عَلَيْها الإرْضاعُ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ﴾ وبَيَّنَ أنَّ النَّسَبَ لِلرِّجالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ بِأُجْرَةٍ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلَقَةِ النِّكاحِ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ عَلى ذَلِكَ الإرْضاعِ. ولَمّا كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنِّساءِ (p-١٦١)مِن مِثْلِ ذَلِكَ مَوْضِعُ المُشاجَرَةِ لا سِيَّما أمْرُ الرَّضاعِ، وكانَ الخَطَرُ في أمْرِهِ شَدِيدًا، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَحِمَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأنَّهُ يُحَرِّكُ لِكُلٍّ مُتَشاحِحَيْنِ مَن يَأْمُرُهُما بِخَيْرٍ لا سِيَّما في أمْرِ الوَلَدِ رَحْمَةً لَهُ قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿وأْتَمِرُوا﴾ أيْ لِيَأْمُرَ بَعْضُكم بَعْضًا في الإرْضاعِ والأجْرِ فِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولِيَقْبَلَ بَعْضُكم أمَرَ بَعْضٍ، وزادَهم رَغْبَةً في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ إنَّ هَذا الخَيْرَ لا يَعْدُوكُمْ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ ونَكَّرَهُ سُبْحانَهُ تَحْقِيقًا عَلى الأُمَّةِ بِالرِّضى بِالمُسْتَطاعِ، وهو يَكُونُ مَعَ الخَلْقِ بِالإنْصافِ، ومَعَ النَّفْسِ بِالخِلافِ، ومَعَ الحَقِّ بِالِاعْتِرافِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْمُياسَرَةِ، وكانَ قَدْ يُوجَدُ في النّاسِ مِنَ الغالِبِ عَلَيْهِ الشَّرُّ، قالَ مُشِيرًا بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ ذَلِكَ وإنْ وُجِدَ فَهو قَلِيلٌ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ فَإنَّ تَياسَرْتُمْ فَهو حَظُّكم وأنْتُمْ جَدِيرُونَ بِسَماعِ هَذا الوَعْدِ بِذَلِكَ: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ طَلَبَ [ كُلٌّ -] مِنكم ما يَعْسُرُ عَلى الآخَرِ بِأنْ طَلَبَتِ المَرْأةُ الأُجْرَةَ وطَلَبَ الزَّوْجُ إرْضاعَها مَجّانًا فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُكْرِهَها. ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِأرْزاقِ عِبادِهِ وقَدَّرَها قَبْلَ إيجادِهِمْ. قالَ مُخْبِرًا جَبْرًا لِلْأبِ بِما يَصْلُحُ عِتابًا لِلْأُمِّ: ﴿فَسَتُرْضِعُ﴾ (p-١٦٢)[ أيْ -] بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وصَرَفَ الخِطابَ إلى الغَيْبَةِ إيذانًا بِأنَّ الأبَ تَرَكَ الأوْلى فِيما هو جَدِيرٌ بِهِ مِنَ المُياسَرَةِ لِكَوْنِهِ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ أوْسَعَ بِطانًا وأعْظَمَ شَأْنًا مِن أنْ يَضِيقَ عَمّا تَرْضى بِهِ المَرْأةُ اسْتِنانًا بِهِ ﷺ في أنَّهُ «ما خُيِّرَ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا أوْ قَطْعِيَّةَ رَحِمٍ» فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيِ الأبُ ﴿أُخْرى﴾ أيْ مِرْضَعَةٍ غَيْرِ الأُمِّ ويُغْنِي اللَّهُ عَنْها ولَيْسَ لَهُ إكْراهُها إلّا إذا لَمْ يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِها، وهَذا الحُكْمُ لا يَخْتَصُّ بِالمُطَلَّقَةِ بَلِ المَنكُوحَةِ كَذَلِكَ.

الطلاق 65:7

ولَمّا كانَتِ المُعاسَرَةُ في الغالِبِ في تَرْكِ السَّماحِ، وكانَ تَرْكُ السَّماحِ مِن خَوْفِ الإعْدامِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُذْرٍ بِتَقْسِيمِ النّاسِ إلى مُوسِعٍ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ، ولِأنَّ الألْيَقَ بِالمُوسِعِ عَلَيْهِ أنْ يُوسِعَ ولا يُسِيءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ وقَدْ جَرَّبَ رِفْدَهُ، وأنَّ المُقْتِرَ عَلَيْهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ فِعْلَ مَن يَخافُ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ، فَقالَ شارِحًا لِلْمُياسَرَةِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ أيْ مالٍ واسِعٍ ولَمْ يُكَلِّفْهُ سُبْحانَهُ جَمِيعَ وُسْعِهِ بَلْ قالَ: ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ الَّتِي أوْسَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الإعْطاءُ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ مَلْزُومًا لِلسِّعَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ كِنايَةً عَنِ الضِّيقِ فَقالَ: ﴿ومَن قُدِرَ﴾ أيْ ضَيَّقَ وسَكَنَتْ عَلَيْهِ حَرَكَتُهُ ورَقَدَتْ عَنْهُ مَعِيشَتُهُ ﴿عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ اللَّهُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى التَّضْيِيقِ والتَّوْسِيعِ غَيْرَهُ بِقَدْرِ ضَرُورِيّاتِهِ فَقَطْ مِن غَيْرِ (p-١٦٣)وُسْعٍ لِشَيْءٍ غَيْرِها لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُظْهِرُ اللَّهُ بِها عَجْزَ العِبادِ رَحْمَةً لَهم لِيُهَذِّبَ بِهِ نُفُوسَهُمْ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ مَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَلْيُنْفِقْ﴾ أيْ وُجُوبًا عَلى المُرْضِعِ وغَيْرِها مِن كُلِّ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أوْ نَدَبَهُ إلَيْهِ، وبَشَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ لا يُخَلِّي أحَدًا مِن شَيْءٍ يَقُومُ بِهِ ما دامَ حَيًّا بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِالتَّبْعِيضِ إلى أنَّ ما أوْجَبَهُ سُبْحانَهُ لا يَسْتَغْرِقُ ما وهَبَهُ: ﴿مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا يُنَفِّذُ ما عِنْدَهُ ولا حَدَّ لِجُودِهِ، ولَوْ مِن رَأْسِ المالِ ومُتابِعِ البَيْتِ ومِن ثَمَنِ الضَّيْعَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الغَلَّةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمِنَ الإخْلافَ، ومِن مُلْكِ ما يَكْفِيهِ لِلْوَقْتِ ثُمَّ اهْتَمَّ لِلزِّيادَةِ لِلْغَدِ فَذَلِكَ اهْتِمامٌ غَيْرُ مَرْحُومٍ، وصاحِبُهُ غَيْرُ مُعانٍ، وفي هَذا إرْشادٌ إلى الِاقْتِداءِ بِهِ ﷺ في عَدَمِ التَّكَلُّفِ واليُسْرِ في [ كُلِّ -] أمْرٍ عَلى حَسَبِ الأوْقاتِ. ولَمّا كانَ تَعالى لَهُ التَّكْلِيفُ بِما [ لا -] يُطاقُ، أخْبَرَ بِأنَّهُ رَحِمَ العِبادَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، فَقالَ مُعَلِّلًا أوْ مُسْتَأْنِفًا جَوابًا لِمَن يَقُولُ: [ فَما -] يَفْعَلُ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْجُودٌ أصْلًا، مُحَبِّبًا في دِينِهِ ﷺ مِمّا فِيهِ مِنَ اليُسْرِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ بِأوْصافِ الرَّحْمَةِ والإنْعامِ عَلَيْنا بِالتَّخْفِيفِ ﴿نَفْسًا﴾ أيْ نَفْسٌ كانَتْ ﴿إلا ما آتاها﴾ ورُبَّما أفْهَمُ، أنَّ مَن كُلِّفَ إنْفاقًا وجَدَ مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ ما يَسُدُّهُ مِنَ الأثاثِ الفاضِلِ (p-١٦٤)عَنْ سَدٍّ جَوْعَتِهِ وسَتْرِ عَوْرَتِهِ. ولَمّا كانَ التَّذْكِيرُ بِالإعْدامِ رُبَّما أوْجَعُ، قالَ تَعالى جابِرًا لَهُ وتَطْبِيبًا لِقَلْبِهِ نادِبًا إلى الإيمانِ بِالغَيْبِ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ فَلا خُلْفَ لِوَعْدِهِ، ونَزَعَ الجارَّ زِيادَةً في الخَبَرِ فَقالَ: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَعَسَّرَتْ لا أنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ كُلِّ عُسْرٍ ﴿يُسْرًا﴾ أيْ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ ولا يُوجَدُ [ أحَدٌ -] يَسْتَمِرُّ التَّقْتِيرُ عَلَيْهِ طُولَ عُمْرِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وانْتِظارُ اليُسْرِ مِنَ اللَّهِ صِفَةُ المُتَوَسِّطِينَ في الأحْوالِ الَّذِينَ انْحَطُّوا عَنْ دَرَجَةِ الرِّضى واسْتِواءِ وُجُودِ السَّبَبِ وفَقْدِهِ وارْتَقُوا عَنْ حَدِّ اليَأْسِ والقُنُوطِ ويَعِيشُونَ في أفْناءِ الرَّجاءِ ويَتَعَلَّلُونَ بِحُسْنِ المَواعِيدِ - انْتَهى. ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ [ وعْدَهُ -] فِيمَن كانُوا مَوْجُودِينَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ، فَفَتَحَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ جَزِيرَةِ العَرَبِ ثُمَّ فارِسَ والرُّومَ وانْتَثَلُوا كُنُوزَها حَتّى صارُوا أغْنى النّاسِ، وصِدْقُ الآيَةِ دائِمٌ غَيْرَ أنَّهُ كانَ في الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أبْيَنُ لِأنَّ إيمانَهم أتَمُّ.

الطلاق 65:8

ولَمّا كانَ الأمْرُ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الأحْكامِ والمَواعِظَ والتَّرْغِيبَ لِمَن أطاعَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا التَّهْدِيدُ لِمَن عَصى بِما شُوهِدَ مِنَ المُثُلاتِ وبالِغِ (p-١٦٥)العُقُوباتِ، فَإنَّ مِنَ النّاسِ البَلِيدُ الَّذِي لا يَتَّعِظُ بِما يَرى، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَكَأيٍّ مِن ناسٍ كانُوا في غايَةِ الضِّيقِ فَأطاعُوا أوامِرَنا فَجَعَلْناهم في غايَةِ السِّعَةِ بَلْ جَعَلْناهم مُلُوكًا، عُطِفَ عَلَيْهِ تَزْهِيدًا في الرَّفاهِيَةِ بِأنَّها تَطْغى في الأغْلَبِ، وتَهْدِيدًا لِأهْلِ المَعاصِي قَوْلُهُ مُفِيدًا لِكَثْرَةِ القُرى الخارِجَةِ عَنِ الحَدِّ: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ جامِعَةٍ، عَبَّرَ عَنْ أهْلِها بِها مُبالَغَةً ﴿عَتَتْ﴾ أيِ اسْتَكْبَرَتْ وجاوَزَتِ الحَدَّ في عِصْيانِها وطُغْيانِها فَأعْرَضَتْ عِنادًا ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْها ولا مُحْسِنَ إلَيْها غَيْرُهُ بِكَثْرَةِ الرِّزْقِ وطِيبِ العَيْشِ واللُّطْفِ في التَّرْبِيَةِ والرَّحْمَةِ بَعْدَ الإيجادِ والمُلْكِ ﴿ورُسُلِهِ﴾ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهم ما جاؤُوها بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَإنَّ طاعَتَهم مِن طاعَةِ اللَّهِ. ولَمّا كانَتْ مُحاسَبَةُ مِثْلِ هَؤُلاءِ [ لِلْإهْلاكِ -] لِأنَّ الحِسابَ هو ذِكْرُ الأعْمالِ والمُجازاةِ عَلَيْها بِما يَحِقُّ لِكُلٍّ مِنها، قالَ مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿فَحاسَبْناها﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ عَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلْإحْسانِ أنْ أحْصَيْنا أعْمالَها. ولَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُناقَشَةِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ بِالمُجازاةِ عَلى [ كُلِّ -] فِعْلٍ بِما يَلِيقُ بِهِ قالَ: ﴿حِسابًا شَدِيدًا﴾ بِمَعْناهُ المُطابِقِي مِن ذِكْرِ الأعْمالِ كُلِّها والمُجازاةِ عَلَيْها، وهَذا هو (p-١٦٦)المُناقَشَةُ وهي أنَّ العامِلَ إذا أثَّرَ أثَرًا بِعَمَلِهِ هو كالنَّقْشِ في الجامِدِ أثَّرَ المُجازِي لَهُ فِيهِ أثَرًا بِحَسَبِ عَمَلِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وأمّا الحِسابُ اليَسِيرُ فَهو عَرْضُ الأعْمالِ فَقَطْ مِن غَيْرِ جَزاءٍ عَلى قَبِيحِها فَهو دَلالَةُ تَضَمُّنٍ، وإنَّما شَدَّدَ عَلى هَذِهِ القَرْيَةِ لِأنَّ إعْراضَها كانَ كَذَلِكَ بِما نَبَّهَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتُهُ عُتُوًّا ﴿وعَذَّبْناها﴾ أيْ في الدُّنْيا جَزاءً عَلى ما أحْصَيْناهُ مِن ذُنُوبِها ﴿عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ شَدِيدَ النَّكارَةِ لِأنَّ العَقْلَ يُحَيِّرُ في أمْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ ولا قَرِيبًا مِنهُ لِيَعْتَبِرَهُ بِهِ، وأزالَ ذِكْرَ الكَثْرَةِ شُبْهَةَ أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ وقَعَ اتِّفاقًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ

الطلاق 65:9

﴿فَذاقَتْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَعْدَ ما كانَ لَها مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ ﴿وبالَ﴾ أيْ وخامَةً وعُقُوبَةً وشِدَّةً وثِقَلَ وفَسادَ ﴿أمْرِها﴾ أيْ في العُتُوِّ وجَمِيعِ ما كانَتْ تَأْتَمِرُ فِيهِ، مَثَّلَهُ بِالمَرْعى الوَخِيمِ الَّذِي يَمْرَضُ ويَهْلَكُ. ولَمّا كانَ كُلُّ مَقْهُورٍ إنَّما يُسَلِّي نَفْسَهُ بِانْتِظارِ الفَرَجِ ورَجاءِ العاقِبَةِ، أيْأسَ مِن ذَلِكَ مُذَكِّرًا لِلْفِعْلِ إشارَةً إلى الشِّدَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ آخَرَ ومُنْتَهى وعَقِيبَ ﴿أمْرِها﴾ [ أيْ -] في جَمِيعِ عَمَلِها الَّذِي كانَتْ (p-١٦٧)فِيهِ ﴿خُسْرًا﴾ أيْ نَفْسِ الخُسْرِ في الدّارَيْنِ، فَكُلَّما امْتَدَّ الأمْرُ وجَدُوهُ أمامَهم فَإنَّ مَن زَرَعَ الشَّوْكَ كَما قالَ القُشَيْرِيُّ لا يَجْنِي الوَرْدَ، [و -] مَن أضاعَ حَقَّ اللَّهِ لا يُطاعُ في حَظِّ نَفْسِهِ، ومَنِ احْتَرَقَ بِمُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى فَلْيَصْبِرْ عَلى مُقاساةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فَسَّرَ الخُسْرَ أوِ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ لِمَن يَقُولُ: هَلْ لَها غَيْرُ هَذا في هَذِهِ الدّارِ، بِقَوْلِهِ:

الطلاق 65:10

﴿أعَدَّ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿لَهُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ وبَعْدَ البَعْثِ ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ ولَمّا تَمَّتِ الأحْكامُ ودَلائِلُها، وأحْكَمَتِ الآياتُ وفَواصِلُها، والتَّهْدِيداتُ وغَوائِلُها، كانَتْ فَذْلَكَتُها وثَمَرَةُ سِياقِها ومَوْعِظَتِها ما تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى ما يُحْيِي الحَياةَ الطَّيِّبَةَ ويُنْجِي في الدّارَيْنِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ. ولَمّا كانَ في تَخْلِيصِ المَواعِظِ مِنَ الأحْكامِ واسْتِثْمارِها مِن فَواصِلِ هَذا الكَلامِ أمْرٌ عَظِيمٌ هو مِنَ الرِّقَّةِ بِمَكانٍ لا يُبْصِرُهُ إلّا ذَوُو الأفْهامِ قالَ تَعالى: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الصّافِيَةِ النّافِذَةِ مِنَ الظَّواهِرِ إلى البَواطِنِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ خَلَصُوا مِن دائِرَةِ الشِّرْكِ وأوْجَدُوا (p-١٦٨)الإيمانَ حَقِيقَةً، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِما أزالَ العُذْرَ فَقالَ تَنْبِيهًا عَلى ما مَنَّ عَلَيْنا بِهِ مِنَ المُراسَلَةِ فَإنَّ مُراسَلاتٍ فَإنَّ مُراسَلاتِ الأكابِرِ فَخْرٌ فَكَيْفَ بِمُراسَلاتِ المُلُوكِ فَكَيْفَ بِمُراسَلَةِ مَلِكِ المُلُوكِ حَثًّا بِذَلِكَ عَلى شُكْرِهِ: ﴿قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿إلَيْكُمْ﴾ خاصَّةً ﴿ذِكْرًا﴾ أيْ كامِلًا مَذْكُورًا فِيهِ غايَةَ الشَّرَفِ لِكُلِّ مَن يَقْبَلُهُ بَلْ تَشَرَّفَتِ الأرْضُ كُلُّها بِنُزُولِهِ ورَفَعَ عَنْها العَذابَ وعَمَّها النُّورُ والصَّوابُ لِأنَّ فِيهِ تِبْيانَ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنِ اسْتَضاءَ بِنُورِهِ اهْتَدى، ومَن لَجَأ إلى بَرْدِ أفَنائِهِ وصَلَ مِن داءِ الجَهْلِ إلى شِفائِهِ.

الطلاق 65:11

ولَمّا كانَ الرَّسُولُ ﷺ صُورَةَ سُورَةِ القُرْآنِ، فالقُرْآنُ باطِنُهُ وهو ظاهِرُهُ لِأنَّهُ خَلْقُهُ لا قَوْلَ لَهُ ولا فِعْلَ إلّا بِهِ، فَكانَ كَأنَّهُ هُوَ، أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿رَسُولا﴾ عَلى أنَّ الأمْرَ فِيهِ غِيٌّ عَنْ تَأْوِيلٍ، فَإنَّ الذِّكْرَ بِكَسْرِ الذّالِ في اللُّغَةِ كَما في القامُوسِ مِنَ الرِّجالِ القَوِيُّ الشُّجاعُ الأبِيُّ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ ذِكْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو﴾ أيْ يُتابِعُ أنْ يَقُصَّ ﴿عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ دَلائِلَ المَلِكِ الأعْظَمِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ الظّاهِرِ جِدًّا حالَ كَوْنِها ﴿مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ لا لَبْسَ فِيها بِوَجْهٍ. (p-١٦٩)ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّ الذِّكْرَ والرَّسُولَ صارا شَيْئًا واحِدًا، وعَلِمَ ما في هَذِهِ المُراسَلَةِ مِنَ الشَّرَفِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانَ شَرَفٍ آخَرَ بِبَيانِ ثَمَرَةِ إنْزالِهِ فَقالَ: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالشَّهادَتَيْنِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِما قالُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ وتَحْقِيقًا لِأنَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الأعْمالِ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيِ النَّفْسانِيَّةِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى ظُلْمَةِ الجَوارِحِ بِعَمَلِها الظُّلْمِ وانْتِشارِها في السُّبُلِ الشَّيْطانِيَّةِ ﴿إلى النُّورِ﴾ الرُّوحانِيِّ العُقَيْلِيِّ الخالِصِ الَّذِي لا دَنَسَ فِيهِ بِسُلُوكِ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو [ واحِدٌ -] لا شَتاتَ فِيهِ وبَيِّنٌ لا لَبْسَ فِيهِ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] كَما بادَرُوا إلى إخْراجِ أنْفُسِهِمْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، ومِن فَسادِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ [ إلى سَدادِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ -]، وذَلِكَ بِأنْ يُصَيِّرَهم مُتَخَلِّقِينَ بِالقُرْآنِ لِيَكُونُوا مَظْهَرًا [ لَهُ -] في حَرَكاتِهِمْ وسَكَناتِهِمْ وأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَيَكُونُوا ذِكْرًا. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا شاهَدَ بَرَكاتِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ عاجِلًا، عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانًا لِسَعادَةِ الآجِلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٧٠)﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ يُجَدِّدُ في كُلِّ وقْتٍ عَلى الدَّوامِ الإيمانَ بِالمَلِكِ الأعْلى بِأنْ لا يَزالَ في تَرَقٍّ في مَعارِجَ مَعارِفِهِ ﴿ويَعْمَلْ﴾ عَلى التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ ﴿صالِحًا﴾ لِلَّهِ وفي اللَّهِ فَلَهُ دَوامُ النَّعْماءِ، وهو مَعْنى إدْخالِهِ الجَنَّةَ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في آيَةِ التَّقْوى أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، قالَ شارِحًا لِقَوْلِهِ: ﴿ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ [الطلاق: ٥] ﴿يُدْخِلْهُ﴾ أيْ عاجِلًا مَجازًا بِما يُتِيحُ لَهُ مِن لَذّاتِ العِرْفانِ ويَفْتَحُ لَهُ مِنَ الأُنْسِ آجِلًا حَقِيقَةَ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ هي في غايَةِ ما يَكُونُ مِن [ جَمْعِ -] جَمِيعِ الأشْجارِ وحُسْنِ الدّارِ، وبَيْنَ دَوامِ رَيِّها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي﴾ وبَيْنَ انْكِشافِ كَثِيرٍ مِن أرْضِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ تَحْتَ غُرَفِها ﴿الأنْهارُ﴾ أوْ [ هو -] كِنايَةٌ عَنْ أنَّ أرْضَها في غايَةِ الرَّيِّ بِحَيْثُ إنَّ ساكِنَها يَجْرِي في أيِّ مَوْضِعٍ أرادَ [ نَهْرًا، و-]إلى زِيادَةِ عَظْمَتِها أشارَتْ قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِنُونِ العَظَمَةِ. ولَمّا أفْرَدَ الشَّرْطَ والجَزاءَ إجْراءً عَلى لَفْظِ ”مِن“ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ [ في -] الإيمانِ ولا [ في -] جَزائِهِ مُشارَكَةَ أحَدٍ، وأنَّهُ لا تُوقَفُ لِلْقَبُولِ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ الوَصْفِ المَذْكُورِ، جَمَعَ الحالَ بِشارَةً (p-١٧١)بِأنَّ الدّاخِلِينَ كَثِيرٌ، وأنَّ الدّاخِلَ إلى دارِ الكَرامَةِ لا يَحْصُلُ لَهُ هَوانٌ بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وأكَّدَ مَعْنى الخُلُودِ لِيَفْهَمَ الدَّوامَ بِلا انْقِضاءٍ فَقالَ: ﴿أبَدًا﴾ ولَمّا أعْلَمَ أنَّ الخُلُودَ لِكُلِّ الدّاخِلِينَ إلى الجَنَّةِ رَجَعَ إلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ تَنْصِيصًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ إبْلاغًا في عَظَمَةِ هَذا الجَزاءِ بِقَوْلِهِ نَتِيجَةً لِذَلِكَ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ هَذِهِ النَّتِيجَةَ مِن حَقِّها أنْ يَتَوَقَّعَ قَوْلَها [ مِن -] كُلِّ مَن سَمِعَ هَذِهِ البُشْرى: ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿رِزْقًا﴾ أيْ عَظِيمًا عَجِيبًا، قالَ القُشَيْرِيُّ: الرِّزْقُ الحَسَنُ ما كانَ عَلى حَدِّ الكِفايَةِ لا نُقْصانَ فِيهِ يَتَعَطَّلُ عَنْ أُمُورِهِ بِسَبَبِهِ ولا زِيادَةً تَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ بِما رُزِقَ لِحِرْصِهِ، كَذَلِكَ أرْزاقُ القُلُوبِ أحْسَنُها أنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الأحْوالِ ما يَسْتَقِلُّ بِها عَنْ غَيْرِ نُقْصانٍ ولا يَتَعَذَّبُ بِتَعَطُّشِهِ ولا يَكُونُ زِيادَةً فَيَكُونُ عَلى خَطَرٍ مِن مَغالِيطِ لا يَخْرُجُ مِنها إلّا بِتَأْيِيدٍ مِنَ اللَّهِ سَماوِيٍّ.

الطلاق 65:12

ولَمْا تُقَدَّمْ [ أنْ -] فائِدَةَ الذِّكْرِ النَّقْلُ مِن خَلْقٍ إلى خَلْقٍ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَحْوِيلَ جَبَلٍ مِن مَكانِهِ أيْسَرُ مِن تَحْوِيلِ شَخْصٍ عَنْ خَلْقِهِ وشَأْنِهِ، وتَقَدَّمَ أنَّ أجْرَ المُجاهَدَةِ في ذَلِكَ الجَنّاتُ المَوْصُوفَةُ، وكانَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى قُدْرَةٍ تامَّةٍ، دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي القُدْرَةُ الشّامِلَةُ (p-١٧٢)إحْداها، [ ثُمَّ -] أخْبَرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الصَّنْعَةَ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وعَلى ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ أوَجَدَ وحْدَهُ مِنَ العَدَمِ بِقُدْرَتِهِ عَلى وفْقِ ما دَبَّرَ بِعِلْمِهِ عَلى هَذا المِنوالِ البَدِيعِ القَرِيبِ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ وإنَّهم يُشاهِدُونَ عَظَمَةَ ذَلِكَ ويَشْهَدُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا تامُّ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ، ثُمَّ زادَ عَلى ذَلِكَ ما أنْتُمْ أعْرَفُ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أيْ سَبْعًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في الصَّحِيحَيْنِ «مَن أخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طَوَّقَهُ مِن سَبْعِ أرْضِينَ» [ ولَفْظُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى سَبْعِ أرْضِينَ» -]، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ السَّجْدَةِ ما يَنْفَعُ في ذَلِكَ، وظاهَرَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها كَما هي مِثْلُها في العَدَدِ فَهي مِثْلُها في الكُرَيَّةِ وإحاطَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بالَّتِي تَحْتَها، وأنَّ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها هي السّابِعَةُ العُلْيا كالسَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي سَقْفُها الكُرْسِيُّ لِأنَّ ذَلِكَ أدُلُّ عَلى [ ما -] السِّياقُ لَهُ مِن تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ في الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ [ بِقَوْلِهِ-]: ﴿يَتَنَـزَّلُ﴾ أيْ بِالتَّدْرِيجِ ﴿الأمْرُ﴾ [ أيِ -] الَّذِي يَجُودُ بِهِ الرَّحْمَنُ مِنَ التَّدْبِيرِ مِن (p-١٧٣)أمْرِ الدِّينِ والتَّكْوِينِ مِنَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ ﴿بَيْنَهُنَّ﴾ بِالوَحْيِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ العُلْيا إلى الأرْضِ السّابِعَةِ السُّفْلى وأنْتُمْ تَرَوْنَهُنَّ بِلا فُرُوجٍ فَأنْفُذُ بَيْنَهُنَّ حَتّى نَفَذَ فِيهِنَّ، [و-] ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو ما يُرِيدُ مِن عَظِيمِ تَدْبِيرِهِ بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ وإثْباتِ شَرِيعَةٍ ومَحْوِ أُخْرى وتَوْجِيهِ الأسْبابِ إلى المُسَبِّباتِ مِنَ المَطَرِ والنَّباتِ واللَّيْلِ والنَّهارِ والفُصُولِ وخَلْقِ الحَيَواناتِ والمَعادِنِ وسائِرِ النَّباتاتِ، وتَرْدِيدِ المَلائِكَةِ بِسائِرِ المَصْنُوعاتِ، هَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظَواهِرُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وأوَّلَها بَعْضُهم بِأنَّها سَبْعَةُ أقالِيمَ، وهو مَرْدُودٌ بَعْدَ القاعِدَةِ في أنَّ التَّأْوِيلَ بِغَيْرِ دَلِيلِ لِعْبٍ بِما يَأْتِي مِن صَرِيحِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ والكَلامِ الضّابِطِ فِيما يُؤَوَّلُ وما لا يُؤَوَّلُ أنَّ النَّقْلِيّاتِ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: قَطْعِيُّ السَّنَدِ والدَّلالَةِ، ظَنِّيُّهُما، ظَنِّيُّ السَّنَدِ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ، عَكْسُهُ: قَطِّعِيُّ السَّنَدِ ظَنِّيُّ الدَّلالَةِ، فالأوَّلُ يَجِبُ اعْتِقادُ ظاهِرِهِ، ومَن خالَفَهُ كَفَرَ، والبَقِيَّةُ يَجِبُ اعْتِقادُ ظَواهِرِها ما لَمْ تُعارِضْ، فَإنْ عُورِضَتْ بِقَطْعِيٍّ وجَبَ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إجْماعًا، فَمَنِ اعْتَقَدَهُ كَفَرَ، ثُمَّ لِلنّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ مَذْهَبانِ: أمّا السَّلَفُ فَيُفَوِّضُونَ المُرادَ إلى اللَّهِ تَعالى، وأمّا الخَلَفُ فَإنْ كانَ لِذَلِكَ مُحَمَلٌ واحِدٌ عَيِّنُوهُ، وإنْ كانَ ثَمَّ مَحامِلَ سَرَدُوها ولَمْ يُعَيِّنُوا شَيْئًا مِنها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى قَطْعٍ مِن أنَّ المُرادَ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرُوهُ، وإنَّما هو شَيْءٌ يَلِيقُ بِالمَقامِ والعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ وبِأنَّ طَرِيقَ السَّلَفِ أقْرَبُ وأسْلَمُ وبِأنَّهُ (p-١٧٤)ما حَمَلَهم عَلى التَّأْوِيلِ إلّا انْتِشارُ المُبْتَدِعِينَ وإشْهارُهم بِدَعَتِهِمْ بَيْنَ النّاسِ، قالَ الإمامُ عَلاءُ الدِّينِ القَوْنُويُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في بابِ السِّيَرِ مِن شَرْحِهِ الحاوِي: قالَ الإمامُ - يَعْنِي إمامَ الحَرَمَيْنِ: ولَوْ بَقِيَ النّاسُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن صَفْوَةِ الإسْلامِ لَما أوْجَبْنا التَّشاغُلَ بِعِلْمِ الكَلامِ بَلْ رُبَّما نَهَيْنا عَنْهُ، وأمّا الآنَ وقَدْ ثارَتِ البِدَعُ فَلا سَبِيلَ إلى تَرْكِها تَلْتَطِمُ أمْواجُها فَلا بُدَّ مِن إعْدادِ ما يُدْعى بِهِ إلى المَسْلَكِ الحَقِّ وتَحِلُّ بِهِ الشُّبَهُ، فَصارَ الِاشْتِغالُ بِأدِلَّةِ المَعْقُولِ وحَلَّ الشُّبَهِ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، ومَنِ اسْتَرابَ في أصْلٍ مَن أصُولِ الِاعْتِقادِ فَعَلَيْهِ السَّعْيُ في إزاحَتِهِ إلى أنْ يَسْتَقِيمَ عَقْدُهُ - انْتَهى. ثُمَّ إنَّكَ تَجِدُ العُلَماءَ يَخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأدِلَّةِ فَبَعْضُهم يُجْرِيها عَلى الظّاهِرِ وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ، وذَلِكَ لِلِاخْتِلافِ في المَعارِضِ هَلْ هو قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ [ أمْ لا-]، وهَذا المَوْضِعُ مِنهُ، لَإنَّ ظَواهِرَ الكِتابِ [ والسُّنَّةِ -] تَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضِينَ مِثْلُ السَّماواتِ في العَدَدِ في أنَّ بَيْنَهُما خَلاءٌ، و[ في -] أنَّ في كُلِّ واحِدَةٍ مَخْلُوقاتٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، بَلْ بَعْضُ الأخْبارِ يَكادُ يَقْطَعُ بِهِ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا فَأكْثَرُ العُلَماءِ ومُحَقِّقُوهم عَلى أنَّ المُعارِضَ - وهو ما قالَهُ (p-١٧٥)أهْلُ عِلْمِ الهَيْئَةِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى كَوْنِها واحِدَةً - لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ، فَأوَّلُوا كَوْنَها سَبْعَةً بِالأقالِيمِ السَّبْعَةِ، وقَدْ رَأيْتُ في التَّعَدُّدِ [ حَقِيقَةً -] حَدِيثًا صَرِيحًا لَكِنْ لا أدْرِي حالَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ بُرْجانَ في اسْمِهِ تَعالى المَلِكِ مِن شَرْحِهِ لِلْأسْماءِ الحُسْنى قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتَدْرُونَ ما تَحْتَ هَذِهِ الأرْضِ، قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: [ ماءٌ-]، أتُدْرُونَ ما تَحْتَ ذَلِكَ، قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، [ قالَ هَواءٌ، أتُدْرُونَ ما تَحْتَ ذَلِكَ: قالُوا اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أرْضٌ، أتُدْرُونَ ما تَحْتَ ذَلِكَ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ -] - حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرْضِينَ» ثُمَّ رَأيْتُهُ في التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ ولَفْظُهُ: «هَلْ تَدْرُونَ ما الَّذِي تَحْتَكُمْ، قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها الأرْضُ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَ ذَلِكَ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّ تَحْتَها أرْضًا أُخْرى بَيْنَهُما خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ - حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرْضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضِينَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» ثُمَّ رَأيْتُ في الفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «”ما بَيْنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ [ مَسِيرَةَ -] خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وعَرَضَ كُلَّ سَماءٍ وثَخانَةَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ وبَيْنَ الكُرْسِيِّ (p-١٧٦)والعَرْشِ مِثْلُ ذَلِكَ، وما بَيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، والأرْضُونَ وعَرْضُهُنَّ وثَخانَتُهُنَّ مِثْلُ ذَلِكَ“» . ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصَّنْعَةَ تَنْبِيهًا عَلى التَّفَكُّرِ فِيها والِاعْتِبارِ بِها، ذَكَرَ أنَّ ثَمَرَتَها العِلْمُ بِصِفاتِهِ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ عَقِبَ ذاتِهِ تَعالى [ فَقالَ-]: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ أيْ بِهَذا العالَمِ الَّذِي أوْجَدَهُ بِتَسْوِيَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَبِيلَيْنِ سَبْعًا كُلُّ واحِدَةٍ بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى مَسافَةٌ بَعِيدَةٌ مَعَ الكَثافَةِ الزّائِدَةِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُفَصَّلُ [ الجِسْمُ -] ولا سِيَّما الكَثِيفُ عَنْ آخَرَ مِثْلَهُ إلّا فاصَلٌ قاهِرٌ بِقُوَّةٍ باهِرَةٍ وقُدْرَةٍ ظاهِرَةٍ وعِلْمٍ شامِلٍ لِما يَحْتاجُ إلَيْهِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى هَذا المِنهاجِ البَدِيعِ والوَجْهِ المَنِيعِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ والأحْقابِ وتَعاقُبِ الشُّهُورِ والأعْوامِ عَلى حِسابٍ مَعْلُومٍ ونِظامٍ مَنظُومٍ، لا يُدْرِكُهُ إلّا أعْلى النّاسِ حِسابًا وأعْظَمُهم صَوابًا، مَعَ المَنافِعِ الَّتِي تُفَضَّلُ عَنْ سُكّانِها، والمَرافِقُ الَّتِي تُنَزِّهُ الخالِقَ بِآثارِها وأعْيانِها، وتُوقِظُ الغافِلَ وتُنَبِّهُ الجاهِلَ وتَدْمَغُ المُعانِدَ بِبُرْهانِها، فَإنَّهُ لا يَسْعُ أحَدًا المُنازَعَةُ في خَلْقِهِ لَها، ومَن خَلَقَها قَدَرَ عَلى تَدْبِيرِها (p-١٧٧)عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ قَطْعًا، ومَن كانَ كَذَلِكَ قَدَرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلِذا قالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن غَيْرِ هَذا العالَمِ مُمْكِنٌ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ المَشِيئَةِ فَإنَّهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن عالَمٍ آخَرَ مِثْلِ هَذا العالَمِ، وأبْدَعُ مِنهُ وأبْدَعُ مِن ذَلِكَ الإبْداعِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ بِالِاسْتِدْلالِ بِهَذا العالَمِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ ذَرَّةٍ مِنَ العَدَمِ قَدَرَ عَلى إيجادِ ما هو دُونَها ومِثْلُها وفَوْقَها إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ لِأنَّهُ [ لا -] فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ جَلِيلٍ أوْ حَقِيرٍ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] وإيّاكَ أنْ تَلْتَفِتَ إلى مَن قالَ: [ إنَّهُ -] لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِن هَذا العالَمِ، فَإنَّهُ مَذْهَبٌ فَلْسَفِيٌّ خَبِيثٌ، والآيَةُ نَصٌّ عَلى إبْطالِهِ وإنْ نَسَبَهُ بَعْضُ المُلْحِدِينَ إلى الغَزالِيِّ فَإنِّي لا أشُكُّ أنَّهُ مَدْسُوسٌ عَلَيْهِ فَإنَّهُ مَذْهَبٌ فَلْسَفِيٌّ خَبِيثٌ بِشَهادَةِ الغَزالِيِّ كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ في كِتابِي ”تَهْدِيمُ الأرْكانِ عَلى مَن قالَ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ“ وكِتابِي [ ”دَلالَةُ البُرْهانِ عَلى أنَّ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ“ وكِتابِي -] ”إطْباقُ الأغْلالِ في أعْناقِ الضَّلالِ“ ومَعَ كَوْنِهِ مَذْهَبُ (p-١٧٨)الفَلاسِفَةِ أخَذَهُ أكْفَرُ المارِقِينَ ابْنُ عَرَبِيٍّ وأوْدَعَهُ فُصُوصَهُ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن كُتُبِهِ واسْتَنَدَ [ فِيهِ -] في بَعْضِها إلى الغَزالِيِّ إتْقانًا لِمَكْرِهِ - أعاذَنا اللَّهُ مِن شَرِّهِ، والغَزالِيُّ بَرِيءٌ مِنهُ بِشَهادَةِ ما وجَدَ مِن عَقائِدِهِ في الإحْياءِ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ. ولَمّا كانَتْ إحاطَةُ العِلْمِ دالَّةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وإلَيْهِما يَرْجِعُ جَمِيعُ الأسْماءِ والصِّفاتِ قالَ: ﴿قَدْ أحاطَ﴾ لِتَمامِ قُدْرَتِهِ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مُطْلَقًا، ولَمّا أسْنَدَ الإحاطَةَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لَها، بَيْنَ جِهَتِها بِتَمْيِيزٍ مُحَوِّلٍ عَنِ الفاعِلِ فَقالَ: ﴿عِلْمًا﴾ فَلَهُ الخِبْرَةُ التّامَّةُ بِما يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ في العِلْمِ بِمَصالِحِهِ ومَفاسِدِهِ فَعامَلُوهُ مُعامَلَةَ مَن يَعْلَمُ إحاطَةَ عِلْمِهِ فَيَعْلَمُ أنَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِ فَإذا طَلَّقْتُمْ فافْعَلُوا ما أمَرَكم بِهِ لِتُسْلِمُوا في الدِّينِ وتَسْعَدُوا في الآخِرَةِ والأُولى، ودَبِّرُوا في جَمِيعِ أُمُورِكم مِثْلَ ما دَبَّرَ بِهِ أمْرَكم في تَرْبِيَتِكم ومَسْكَنِكم أرْضَهُ وسَقْفَهُ فَإنَّهُ جَعَلَ فِيهِ جَمِيعَ ما تَحْتاجُونَهُ وبَسَطَهُ نَوالَهُ عَلى مَن يُرْضِيهِ ومَن يُسْخِطُهُ ونَشَرَ حِلْمَهُ وفَضْلَهُ وأخَّرَ بَأْسَهُ وعَدْلَهُ فَقَدَ عائِقَ آخِرَها أوَّلَها وبَيْنَ مُجْمَلِها ومُفَصِّلِها واللَّهُ يَعْلَمُ بِذاتِ الصُّدُورِ.

التحريم 66:1

(p-١٧٩)سُورَةُ التَّحْرِيمِ وتُسَمّى سُورَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى تَقْدِيرِ التَّدْبِيرِ في الأدَبِ مَعَ اللَّهِ ومَعَ رَسُولِهِ (ﷺ ومَعَ سائِرِ العِبادِ والنَّدْبِ إلى التَّخَلُّقِ بِالأدَبِ الشَّرْعِيِّ وحَسُنِ المُباشَرَةِ لا سِيَّما [ لِلنِّساءِ -] اقْتِداءً بِالنَّبِيِّ (ﷺ في حُسْنِ عِشْرَتِهِ وكِرِيمِ صُحْبَتِهِ وبَيانِ أنَّ الأبَ الشَّرْعِيَّ تارَةً يَكُونُ بِاللِّينِ والأناةِ، وأُخْرى بِالسَّوْطِ وما داناهُ ومَرَّةً بِالسَّيْفِ وما والاهُ، وكُلٌّ مِنَ اسْمَيْها التَّحْرِيمُ والنَّبِيُّ (ﷺ مُوَضِّحٌ لِذَلِكَ ( بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ عَلى الدَّوامِ ( الرَّحْمَنِ الَّذِي عَمَّ عِبادَهُ بِعَظِيمِ الإنْعامِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي أتَمَّ خَواصَّهُ نِعْمَةِ الإسْلامِ. * * لَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ الطَّلاقَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ وتَنَزَّلَ أمْرَهُ بَيْنَ الخافِقِينَ في تَدْبِيرِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ هَذِهِ بِإعْلاءِ أُمُورِ الخَلْقِ بِأمْرٍ وقَعَ بَيْنَ خَيْرِ خَلْقِهِ وبَيْنَ نِسائِهِ اللّاتِي مِن خَيْرِ النِّساءِ واجْتَهَدَ كُلٌّ في إخْفاءِ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنهُ فَأظْهَرُهُ سُبْحانَهُ عِتابًا لِأزْواجِ نَبِيِّهِ ﷺ في صُورَةِ عِقابِهِ لِأنَّهُ أبْلَغُ رِفْقًا بِهِ لِأنَّهُ يَكادُ مِن شَفَقَتِهِ أنْ يَبْخَعَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ (p-١٨٠)رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ تارَةً لِطَلَبِ رِضاهم وأُخْرى رَغْبَةً في هُداهُمْ، لِأنَّهُ ﷺ بالِغٌ في تَهْذِيبِ أخْلاقِهِ مَعَ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن نَزاهَتِها عَنْ كُلِّ دَنَسٍ حَتّى ضَيَّقَ [ عَلَيْها -] بِالِامْتِناعِ عَنْ بَعْضِ ما أُبِيحَ لَهُ حِفْظًا لِخاطِرِ الغَيْرِ، فَقالَ تَعالى مُنادِيًا لَهُ بِأداةِ البُعْدِ وهو أقْرَبُ أهْلِ الحَضْرَةِ مَعَ أنَّها مُعَدَّةٌ لِما يَكُونُ ذا خَطْبٍ جَلِيلٍ ومَعْنًى جَسِيمٍ جَلِيلٍ، وفِيها إيماءٌ إلى تَنْبِيهِ الغَيْرِ وإسْماعِهِ إرادَةً لِتَأْدِيبِهِ وتَزْكِيَتِهِ وتَهْذِيبِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ مُخاطَبَةً بِالوَصْفِ الَّذِي يَعْلَمُ بِالعِصْمَةِ ويُلائِمُهُ أشَدَّ المُلاءَمَةِ خُلُوُّ البالِ وسُرُورُ القَلْبِ وانْشِراحُ الصَّدْرِ لِأنَّهُ لِلتَّلَقِّي عَنِ اللَّهِ تَعالى فَيُحِثُّ كُلَّ سامِعٍ عَلى البُعْدِ عَنْ كُلِّ ما يُشَوِّشُ عَلَيْهِ ﷺ أدْنى تَشْوِيشٍ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ أيْ تَفْعَلُ [ فِعْلَ المُحَرَّمِ -] بِمَنعِ نَفْسِكَ الشَّرِيفَةِ ﴿ما أحَلَّ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿لَكَ﴾ بِالوَعْدِ لِبَعْضِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ بِالِامْتِناعِ مِن شُرْبِ العَسَلِ الَّذِي كانَ عِنْدَ حَفْصَةَ أوْ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والِامْتِناعُ مِن مُلامَسَةِ سُرِّيَّتِكَ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَتُضَيِّقُ عَلى نَفْسِكَ لِإحْسانِ العِشْرَةِ مَعَ نِسائِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أجْمَعِينَ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ أوْ زَيْنَبُ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلى اخْتِلافِ (p-١٨١)الرِّوايَتَيْنِ في ذَلِكَ في الصَّحِيحِ، وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا صَلّى الغَداةَ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ امْرَأةً امْرَأةً، وكانَتْ قَدْ أُهْدِيَتْ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَكَّةٌ مِنَ العَسَلِ، فَكانَتْ إذا دَخَلَ [ عَلَيْها فَسَلَّمَ -] حَبَسَتْهُ وسَقَتْهُ مِنها، وأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنْكَرَتِ احْتِباسَهُ عِنْدَها فَقالَتْ لِجُوَيْرِيَةٍ عِنْدَها حَبَشِيَّةٌ يُقالُ لَها خَصْرَةُ: إذا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى حَفْصَةَ فادْخُلِي عَلَيْها فانْظُرِي ماذا يَصْنَعُ فَأخْبَرْتَها الخَبَرَ فَوَصَّتْ صَواحِباتِها فَنَفَّرْنَهُ مَن شُرْبِهِ بِإخْبارِهِ بِأنَّهُ يُوجَدُ مِنهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ لِأنَّ نَحْلَةً جَرَسَتِ العُرْفُطَ، فَقالَ: لَنْ أعُودَ لَهُ،» ورَوى الطَّبَرِيُّ وابْنُ مَرْدُويَةَ «أنَّهُ ﷺ خَلا بِمارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أُمُّ ولَدِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَيْتِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها [ فَتَوَجَّعَتْ مِن ذَلِكَ حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -] فَقالَ هي [ عَلَيَّ -] حَرامٌ ولا تَذْكُرِي [ ذَلِكَ -] لِأحَدٍ وأُبَشِّرُكَ عَلى ذَلِكَ بِشارَةً، وهي أنَّ أبا بَكْرٍ يَلِي هَذا الأمْرَ مِن بَعْدِي وأباكَ يَلِيهِ مِن بَعْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا، فَأخْبَرَتْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها» ويُرْوى «أنَّ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ في يَوْمِها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّ بِي إلى أبِي حاجَةَ نَفَقَةٍ لَهُ عِنْدَهُ فائْذَنْ [ لِي -] أنْ (p-١٨٢)أزُورَهُ وآتِي بِها، فَأذِنَ لَها فَلَمّا خَرَجَتْ أرْسَلَ إلى جارِيَتَهُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَوَقَعَ عَلَيْها فَأتَتْ حَفْصَةَ فَوَجَدَتِ البابَ مُغْلَقًا فَجَلَسَتْ عِنْدَهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووَجْهُهُ يَقْطُرُ عَرَقًا وحَفْصَةُ تَبْكِي فَقالَ لَها: ما يُبْكِيكِ؟ فَقالَتْ: إنَّما أذِنْتُ [ لِي -] مِن أجْلِ هَذا وقَعْتُ عَلَيْها في يَوْمِي وعَلى فِراشِي، أما رَأيْتَ [ لِي -] حُرْمَةً وحَقًّا ما كُنْتَ تَصْنَعُ هَذا بِامْرَأةٍ مِنهُنَّ، فَقالَ ﷺ: ألَيْسَ هي جارِيَتِي قَدْ أحَلَّها اللَّهُ لِي اسْكُتِي فَهي عَلَيَّ حَرامٌ ألْتَمِسُ بِذاكَ رِضاكَ فَلا تُخْبِرِي بِهَذا أحَدًا، فَلَمّا خَرَجَ أخْبَرَتْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَحَلَّفَتْهُ عَلى تَرْكِ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ“» ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَبْتَغِي﴾ [ أيْ -] تُرِيدُ إرادَةً عَظِيمَةً مِن مَكارِمِ أخْلاقِكَ وحُسْنِ صُحْبَتِكَ ﴿مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ أيِ الأحْوالِ والمَواضِعِ والأُمُورِ الَّتِي يَرْضَيْنَ بِها ومَن أوْلى بِأنْ تَبْتَغِينَ رِضاكَ وكَذا جَمِيعُ الخَلْقِ لِتَفْرَغَ لِما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لَكِنَّ ذَلِكَ لِلزَّوْجاتِ آكَدُ. ولَمّا كانَ أعْلى ما يَقَعُ بِهِ المَنعُ مِنَ الأشْياءِ مِن جِهَةِ العِبادِ الإيمانُ، وكانَ تَعالى قَدْ جَعَلَ مِن رَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ لِإيمانِهِمْ كَفّارَةً قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِرِضاهُنَّ والحالُ أنَّ اللَّهَ المَلِكَ الأعْلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-١٨٣)أيْ مَحّاءٌ سَتُورٌ لِما يَشُقُّ عَلى خُلَّصِ عِبادِهِ مُكْرِمٌ لَهُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ أوْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ:

التحريم 66:2

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ﴾ أيْ قَدَّرَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وعَبَّرَ بِالفَرْضِ حَثًّا عَلى قَبُولِ الرُّخْصَةِ إشارَةً إلى [ أنَّ -] ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في الوَرَعِ ولا يُخِلُّ بِحُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ لِأنَّ أهْلَ الهِمَمِ العَوالِي لا يُحِبُّونَ النَّقْلَةَ مِن عَزِيمَةٍ إلى رُخْصَةٍ بَلْ مِن رُخْصَةٍ إلى عَزِيمَةٍ، أوْ عَزِيمَةٍ إلى مِثْلِها. ولَمّا كانَ التَّخْفِيفُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ إنَّما هو كَرَمًا مِنهُ وتَعْظِيمًا لِهَذا النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ﴿لَكُمْ﴾ [ أيْ -] أيَّتُها الأُمَّةُ الَّتِي أنْتَ رَأْسُها، وعَبَّرَ بِمَصْدَرٍ حَلَّلَ المَزِيدَ مِثْلَ كَرَمِهِ وتُكْرِمُهُ إظْهارًا لِمَزِيدِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿تَحِلَّةَ﴾ أيْ تَحْلِلَةً ﴿أيْمانِكُمْ﴾ أيْ شَيْئًا يُحْلِلْكم مِمّا أوْثَقْتُمْ بِهِ أنْفُسَكم مِنها تارَةً بِالِاسْتِثْناءِ وتارَةً بِالكَفّارَةِ تَحْلِيلًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يُعِيدُ الحالَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ اليَمِينِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ فَحَلَّلَ يَمِينَكَ واخْرُجْ مِن تَضْيِيقِكَ عَلى نَفْسِكَ واشْرَحْ مِن صَدْرِكَ لِتَتَلَقّى ما يَأْتِيكَ مِن أنْباءِ اللَّهُ تَعالى وأنْتَ [ مُتَفَرِّغٌ -] لَهُ بِطِيبِ النَّفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ”أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ“ كاليَمِينِ إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ طَلاقًا لِلزَّوْجَةِ ولا إعْتاقًا لِلْأُمَّةِ، وإذا كانَ اللَّهُ قَدْ فَرَضَ ذَلِكَ لِكافَّةِ الأُمَّةِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ فَرَأْسُهم أوْلى بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ، قالَ مُقاتِلٌ: (p-١٨٤)فَأعْتَقَ ﷺ في هَذِهِ الواقِعَةِ رَقَبَةً، و[ قَدْ -] قِيلَ: إنَّ تَحْرِيمَهُ ﷺ هُنا كانَ بِيَمِينٍ حَلِفَها وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَن رَأى أنَّ ”أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ“ يَمِينٌ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المُخْتَصَّ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أيْ يَفْعَلُ مَعَكم فِعْلَ القَرِيبِ الصِّدِّيقِ ﴿العَلِيمُ﴾ [ أيِ -] البالِغِ العِلْمِ بِمَصالِحِكم وغَيْرِها إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ الَّذِي يَضَعُ كُلَّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ لَكم في أتْقَنِ مُحالِهِ بِحَيْثُ لا يَنْسَخُهُ هو ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ ولا شَيْئًا مِنهُ، وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ ابْنُ الزُّبَيْرِ: خَفاءً بِشِدَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ السُّورَةِ بِسُورَةِ الطَّلاقِ لِاتِّحادِ مَرْماهُما وتَقارُبِ مَعْناهُما، وقَدْ ظَنَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ نِساءَهُ حِينَ اعْتَزَلَ في المُشْرَبَةِ حَتّى سَألَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ وتَخْيِيرُهُ ﷺ إيّاهُنَّ أثَرَ ذَلِكَ وبَعْدَ اعْتِزالِهِنَّ شَهْرًا كامِلًا وعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ [التحريم: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فَهَذِهِ السُّورَةُ وسُورَةُ الطَّلاقِ أقْرَبُ شَيْءٍ وأشْبَهُ بِسُورَةِ الأنْفالِ وبَراءَةَ لِتَقارُبِ المَعانِي والتِحامِ المَقاصِدِ - انْتَهى.

التحريم 66:3

(p-١٨٥)ولَمّا كانَتِ العِدَّةِ فِيمَن رَأى حَبِيبَهُ قَدْ ضاقَ صَدْرُهُ أنْ يَسْعى أوَّلًا في شَرْحِ صَدْرِهِ وطِيبِ نَفْسِهِ ثُمَّ يَزِيدُهُ بَسْطًا بِأنْ يَقُولَ لِلْحاضِرِينَ: إنَّ حَبِيبَنا هَذا الكَرِيمَ عَلَيْنا اتَّفَقَ لَهُ كَذا، وقَدْ كَرِهْتُ [ هَذا -] وضَمَّنْتُ زَوالَهُ، وكانَ تَعالى قَدْ طَيَّبَ نَفْسَهُ ﷺ بِأوَّلِ السُّورَةِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ الأمْرَ الآخَرَ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِن حُسْنِ عِشْرَةِ نَبِيِّكم ﷺ لِنِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ وكَرِيمِ صُحْبَتِهِ وشَرِيفِ أخْلاقِهِ و[ جَمِيلِ -] أفْضالِهِ وجَلِيلِ حُلْمِهِ واذْكُرُوا ما خَفَّفَ اللَّهُ بِهِ عَنْكم في الأيْمانِ الَّتِي لا مَثْنَوِيَّةَ فِيها [ واذْكُرُوا فِيها -] اسْمَهُ المُقَدَّسَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالمُعاتَبَةِ [ عَلَيْهِ -] وبِإظْهارِ ما هو حامِلٌ لَهُ مِن ثِقَلِ هَذا السِّرِّ عَلى أجْمَلِ وجْهٍ تَخْفِيفًا عَنْهُ وتَرْوِيحًا لَهُ: ﴿وإذْ﴾ أيْ [و-] اذْكُرُوا كَرِيمَ أخْلاقِهِ ﷺ وطاهِرَ شَمائِلِهِ في عِشْرَتِهِنَّ حِينَ ﴿أسَرَّ النَّبِيُّ﴾ أيِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَرْفَعَهُ اللَّهُ دائِمًا بِأنْ يَتَلَقّى مِن فَيّاضِ عِلْمِهِ ما يُخْبِرُ بِهِ النّاسَ فَإنَّهُ ما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى وأبْهَمَ الزَّوْجَةَ ولَمْ يُعَيِّنْها سُبْحانَهُ تَشْرِيفًا لَهُ ﷺ ولَها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَقالَ تَعالى: ﴿إلى بَعْضِ أزْواجِهِ﴾ وهي حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ [ عَنْها، كَنّى -] عَنْها صِيانَةً لَهُنَّ لِأنَّ حُرْمَتَهُنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ مَن حُرْمَتِهِ ﷺ (p-١٨٦)﴿حَدِيثًا﴾ لَيْسَ هو مِن شَأْنِ الرِّسالَةِ ولَوْ كانَ مِن شَأْنِها لَهم بِهِ وأعْلَنَهُ ولَمْ يَخُصَّ بِهِ ولا أسَرَهُ وذَلِكَ هو تَحْرِيمُ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ووَعَدَهُ بِأنْ يَتْرُكَ العَسَلَ وبِشارَتُهُ بِوِلايَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ولَمْ يُبَيِّنِ الحَدِيثُ ويَفْصِلُهُ إكْرامًا لَهُ ﷺ وحِفْظًا لِسِرِّهِ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ الإنْسانَ لا يُحِبُّ تَفْصِيلَ سِرِّهِ وإنْ كُنّا اطَّلَعْنا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَتَأسّى بِهِ فِيما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، فَإنَّ أحْوالَهُ ﷺ كُلَّها أحْكامٌ لَنا إلّا ما اخْتَصَّ بِهِ وأشارَ إلى قُرْبِ زَمَنِ إفْشائِهِ مِن زَمَنِ التَّحْدِيثِ بِالفاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأتْ﴾ أيْ أخْبَرَتْ إخْبارًا عَظِيمًا جَلِيلًا لِشَرَفِهِ في نَفْسِهِ ولِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وبالَغَتْ في ذَلِكَ وأخْبَرَتْ ﴿بِهِ﴾ كُلِّهِ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في سِياقِ حِكايَةٍ لِأنَّهُ أسْتَرُ لِحَرَمِهِ ﷺ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَنَبَّأتْ [ بِهِ -] ولا قالَ: أساءَتْ بِالإنْباءِ بِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُفْهَمُ أنَّهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ أطْلَعَهُ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ الحَدِيثِ بِأنَّهُ قَدْ أفْشى مُناصَحَةً لَهُ في إعْلامِهِ بِما يَقَعُ في غَيْبَتِهِ لِيُحَذِّرَهُ إنْ كانَ شَرًّا ويُثِيبَ عَلَيْهِ إنْ كانَ خَيْرًا ﴿عَرَّفَ﴾ أيِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أسَرَّ إلَيْها ﴿بَعْضَهُ﴾ وهو أمْرُ الخِلافَةِ عِتابًا لَها عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ أوْصاها أنْ لا تُظْهِرَهُ، والكَفُّ عَنْ بَعْضِ العَتَبِ أبْعَثُ عَلى حَياءِ (p-١٨٧)المَعْتُوبِ وأعْوَنُ عَلى تَوْبَتِهِ وعَدَمِ عَدَدِهِ إلى فِعْلِ مِثْلِهِ ﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ وهو أمْرُ السِّرِّيَّةِ والعَسَلِ تَكَرُّما مِنهُ أنْ يَسْتَقْصِيَ في العِتابِ وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ، قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكُبَراءِ وإنَّما عاتَبَ عَلى أمْرِ الخِلافَةِ خَوْفًا [ مِن -] أنْ يَنْتَشِرَ في النّاسِ ويُذِيعَ، فَرُبَّما أثارَ حَسَدًا مِن بَعْضِ المُنافِقِينَ وأوْرَثَ الحَسُودَ لِلصَّدِيقِ والفارُوقِ كَيْدًا أوْ جَرًّا إلى مَفْسَدَةٍ لا نَعْلَمُها، وخَفَّفَ الكِسائِيُّ: عَرَفَ أيْ أقَرَّ بِهِ والمَعْرِفَةُ سَبَبُ التَّعْرِيفِ والتَّعْرِيفُ عَنِ المَعْرِفَةِ فَإطْلاقُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ شائِعٌ وعَلاقَتُهُ ذَلِكَ وأشارَ إلى مُبادَرَتِهِ بِتَعْرِيفِها ذَلِكَ لِئَلّا يَنْتَشِرَ ما يَكْرَهُهُ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَبَّأها﴾ بِما فَعَلْتَ مِن إفْشاءِ ما عَرَّفَها مِنهُ عَلى وجْهٍ لَمْ يُغادِرْ مِن ذَلِكَ الَّذِي عَرَّفَها ﴿بِهِ﴾ شَيْئًا مِنهُ ولا مِن عَوارِضِهِ لِيَزْدادَ بَصِيرَةً، رُوِيَ أنَّها قالَتْ: قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها سِرًّا وأنا أعْلَمُ أنَّها لا تَظْهَرُهُ، قالَهُ المَلْوِيُّ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ﴾ أيْ ظَنًّا مِنها أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أفْشَتْ عَلَيْها ﴿مَن أنْبَأكَ هَذا﴾ أيْ مُطْلَقُ إخْبارٍ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ نَبَّأنِيَ﴾ وحَذَفَ المُتَعَلِّقَ اخْتِصارًا لِلَّفْظِ وتَكْثِيرًا لِلْمَعْنى بِالتَّعْمِيمِ إشارَةً إلى أنَّهُ أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما دارَ بَيْنَها وبَيْنَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِمّا عَرَّفَها بِهِ ومِن غَيْرِهِ عَلى أتَمِّ ما كانَ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِالعِلْمِ ﴿الخَبِيرُ﴾ أيِ المُطَّلِعِ (p-١٨٨)عَلى الضَّمائِرِ والظَّواهِرِ فَهو أهْلٌ لِأنْ يُحَذِّرَ فَلا يَتَكَلَّمُ سِرًّا ولا جَهْرًا إلّا بِما يُرْضِيهِ.

التحريم 66:4

ولَمّا عَرَفَ مِن هَذا أنَّ المُعاتِبَ المُنْبِئَةَ ومِن نَباتِهِ، وكانَ قَدْ يَكُونُ عَدَدًا أشارَ إلى أنَّهُ واحِدٌ فالمُعاتِبُ اثْنَتانِ، وكانَتا قَدِ اتَّسَعَتْ قُلُوبُهُما لِما يَأْتِي مِن قِبَلِ اللَّهِ مِنَ الرَّغائِبِ [ بِهَذا العِتابِ عَلى هَذا الأمْرِ الخَفِيِّ جِدًّا والكَرَمِ عَلَيْهِما فِيهِ بِعَدَمِ الِاسْتِقْصاءِ فَمالَتْ قُلُوبُهُما إلى المَعالِي وغاصَتْ عَلى جَلِيلِ المَعارِفِ فَصاغَتْ مِن جَواهِرِ ذَلِكَ دَقِيقَ المَعانِي، لَفَتَ إلَيْهِما الخِطابُ بِلَطِيفِ العِبادِ -] لِشَرِيفِ المَتابِ، فَقالَ تَشْرِيفًا آخَرَ لَهُ ﷺ بِالإقْبالِ عَلى نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ بِالعِتابِ لِأجْلِهِ قِيامًا عَنْهُ بِما رُبَّما أزْعَجَهُ لَوْ باشَرَهُ حِفْظًا لِخاطِرِهِ الشَّرِيفِ مِمّا قَدْ يَغُرُّهُ ﴿إنْ تَتُوبا﴾ أيْ يا عائِشَةُ ويا حَفْصَةُ مِمّا صَنَعَتْهُ حَفْصَةُ بِالإفْشاءِ وعائِشَةُ بِالِاحْتِيالِ عَلى المَنعِ مِن شُرْبِ العَسَلِ والتَّحْلِيفِ عَلى مارِيَةَ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ فَجَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ بِهِما لِأجْلِهِ ﷺ غايَةَ اللُّطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ أيْ مالَتْ وغاضَتْ بِما صاغَتْ ﴿قُلُوبُكُما﴾ وفي جَمْعِ القُلُوبِ جَمْعُ كَثْرَةٍ تَأْكِيدٍ لِما فَهِمْتُهُ مِن مَيْلِ القَلْبِ بِكَثْرَةِ المَعارِفِ بِما أفادَهُما إظْهارُ هَذا السِّرِّ والعِتابِ عَلَيْهِ مِنَ الحَياءِ، فَصارَتا جَدِيرَتَيْنِ بِالمُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ مُتَأهِّلَتَيْنِ لِذَلِكَ غايَةَ التَّأهُّلِ. ولَمّا أوْرَدَ ما صارَتا حَقِيقِيَّتَيْنِ بِهِ بِأداةِ الشَّكِّ إقامَةً لِلسّامِعِ بَيْنَ (p-١٨٩)الخَوْفِ والرَّجاءِ مِن ذَلِكَ وهو أعْلَمُ مِمّا يَكُونُ أكْمَلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ شَقِّ الخَوْفِ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ المَلِكَ وأوْلِيائِهِ أنْصارٌ لَهُ ﴿وإنْ تَظاهَرا﴾ بِالتَّشْدِيدِ لِلْإدْغامِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِأنَّ النَّظَرَ هُنا إنَّ وقَعَ كانَ عَلى وجْهِ الخَفاءِ في أعْمالِ الحِيلَةِ في أمْرِ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها والعَسَلُ وما يَأْتِي مِن مِثْلِ ذَلِكَ ما يَبْعَثُ عَلَيْهِ الغَيْرَةُ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ النَّبِيِّ ﷺ المُنَبَّأُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِما يَرْفَعُ قَدْرَهُ ويُعْلِي ذِكْرَهُ، وقِراءَةُ الكُوفِيِّينَ بِالتَّخْفِيفِ بِإسْقاطِ إحْدى التّاءَيْنِ إشارَةً إلى سُهُولَةِ أمْرِ هَذِهِ المُظاهَرَةِ وقِلَّةِ أذاها لَهُ ﷺ. ولَمّا كانَ المَعْنى كَأنَّهُ لا يُبالِي بِمُظاهَرَةٍ كَما عَبَّرَ عَنْهُ بِعِلَّتِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا إعْلامًا بِأنَّ حالَ المُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ حالُ المُنْكِرِ لِمَضْمُونِ الكَلامِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ الأقْدَسُ وحَضْرَةُ غَيْبِ غَيْبِهِ الَّتِي لا يَقُومُ لِما لَها مِنَ العَظَمَةِ شَيْءٌ ﴿مَوْلاهُ﴾ أيْ ناصِرُهُ والمُتَوَلِّي مَن أمَرَهُ ما يَتَوَلّاهُ القَرِيبُ الصِّدِّيقُ القادِرُ وكُلُّ مَن لَهُ وعْيُ يَعْلَمُ كِفايَتَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ فَهو يَعْمَلُ أبْلَغَ ما يَعْمَلُهُ مَوْلى مَعَ مَن هو مُتَوَلٍّ لِأمْرِهِ وفي مُعاوَنَتِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ إظْهارٌ (p-١٩٠)لِشَرَفِهِ ومُراعاةٌ لِحِفْظِ خاطِرِهِ وشَرْحٌ لِصَدْرِهِ. ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ لِمَبْنى هَذِهِ الدّارِ عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ مُؤَكَّلَةٌ بِها ناظِرَةٌ أتَمَّ نَظَرٍ إلَيْها، وكانَ نِساءُ النَّبِيِّ ﷺ لِكَثْرَةِ ما يُتْلى في بُيُوتِهِنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ في بُيُوتِهِنَّ ويُعْلِمُهُنَّ قَدْ صارَ عِنْدَهُنَّ بِذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ المَأْلُوفَةِ، وكانَ هو أعْظَمُ أنْصارِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ﴿وجِبْرِيلُ﴾ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ الَّتِي يُقِيمُها اللَّهُ سُبْحانَهُ. ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى مُظاهَرَتِهِ ﷺ عَلى [ كُلِّ -] ما يُرِيدُهُ الإيمانُ فَكُلُّ ما كانَ الإنْسانُ فِيهِ أمْكَنُ [ كانَ -] لَهُ أشَدُّ مُظاهَرَةً وأعْوَنُ قالَ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في رُتْبَةِ الإيمانِ والصَّلاحِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ وأبَواهُما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أعْظَمُ مُرادٍ بِهَذا، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أمَرْتَنِي لَأضْرِبَنَّ عُنُقَها، والصّالِحُ وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ المُسْتَغْرِقُ لِأنَّهُ لِلْجِنْسِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ مَعَ دَلالَةِ السِّياقِ إضافَتُهُ لِلْجَمْعِ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالإفْرادِ مَعَ أنَّ هَذا المُرادَ لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ المُتَّصِفِ بِهَذا (p-١٩١)جِدًّا لِقِلَّةِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ وقِلَّةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ مِنَ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ فَهو قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ و[ قَدْ -] جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ جَمْعًا وأنَّهُ حُذِفَتْ واوُهُ في الرَّسْمِ عَلى خِلافِ القِياسِ وهي مَحْذُوفَةٌ في الوَصْلِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَظَنَّ لِذَلِكَ مُفْرَدًا ودَخَلَ في ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا. ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أعْطى المَلائِكَةَ مِنَ القُوى والتَّصَرُّفِ في الظَّواهِرِ والبَواطِنِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، قالَ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ بَعْدَ تَعْظِيمِهِ بِما ذَكَرَ مِن رَئِيسِ الكَرُوبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ كُلُّهم ومِنهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو مَذْكُورٌ خُصُوصًا وعُمُومًا ثَلاثَ مَرّاتٍ إظْهارًا لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ ومُوالاتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ. ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ في الزَّمانِ والمَكانِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ في الصّالِحِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ والجانِّ، قالَ مِن غَيْرِ جارٍّ مُعَظِّمًا لِنُصْرَةِ المَلائِكَةِ لِما لَهم مِنَ العَظَمَةِ في القُلُوبِ لِما تَقَرَّرَ لِمَن باشَرَ مِنهُمُ العَذابَ تارَةً بِالرَّجْفَةِ وأُخْرى بِالصَّعْقَةِ وتارَةً بِالخَسْفِ وأُخْرى بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ إذا تَصَوَّرَ الآدَمِيُّ المُقَيَّدُ بِالمَحْسُوساتِ اجْتِماعَهم عَلى ما لَهم مِنَ الأشْكالِ المُهَوِّلَةِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي [ تَقَدَّمَ -] ذِكْرُهُ وهو مُظاهَرَةُ اللَّهِ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ ﴿ظَهِيرٌ﴾ أخْبَرَ عَنِ الجَمْعِ بِاسْمِ الجِنْسِ (p-١٩٢)إشارَةً إلى أنَّهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في المُظاهَرَةِ، فَخَوَّفَ بِهَذا كُلَّهُ لِأجْلِ المَتابِ لُطْفًا بِهِ ﷺ وإظْهارًا لِعَظَمَتِهِ وفي قِصَّةِ صاحِبِ ياسِينَ قالَ ﴿وما أنْـزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ [يس: ٢٨] الآيَةُ، تَحْقِيرًا لِقَوْمِهِ وإهانَةً لَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ظَهِيرٌ“ خَبَرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَبَرُ ما بَعْدَهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ أيْ كَذَلِكَ.

التحريم 66:5

ولَمّا حَذَّرَ بِما تَقَدَّمَ، زادَ في التَّحْذِيرِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ لِأنَّ أشَدَّ ما عَلى المَرْأةِ أنْ تُطَلَّقَ ثُمَّ إذا طُلِّقَتْ أنْ تَسْتَبْدِلَ بِها ثُمَّ أنْ يَكُونَ البَدَلُ خَيْرًا مِنها فَقالَ مُبَيِّنًا لِأدْنى أنْواعِ المُظاهَرَةِ سائِقًا الأمْرَ مَساقَ الرَّجاءِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي العاقِلُ في الخَوْفِ [ تَجْوِيزُ -] احْتِمالِ الضَّرَرِ فَكَيْفَ إذا كانَ الأمْرُ حَتْمًا لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ”عَسى“ مِنَ اللَّهِ عَلى طَرِيقِ الكُبَراءِ لا سِيَّما المُلُوكُ في اكْتِفائِهِمْ بِالإشاراتِ والرُّمُوزِ فَمِن هَنا كانَتْ واجِبَةً لِأنَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ وهو ذُو الكِبْرِياءِ في الحَقِيقَةِ لا غَيْرُهُ ﴿عَسى رَبُّهُ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِ بِجَمِيعِ أنْواعِ الإحْسانِ الَّتِي عَرَفْتُمُوها وما لَمْ تَعْرِفُوهُ جَدِيرٌ وحَقِيقٌ، ووَسَّطَ بَيْنِها وبَيْنَ خَبَرِها اهْتِمامًا وتَخْوِيفًا قَوْلُهُ: ﴿إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِ جُمِعَ أوْ بَعْضُكُنَّ (p-١٩٣)بِإيجادِ الطَّلاقِ لِمَن لَمْ يُطَلِّقْها وإدامَتُهُ مَن طَلَّقَها ﴿أنْ يُبْدِلَهُ﴾ مِنكُنَّ بِمُجَرَّدِ طَلاقِهِ لَكِنْ مِن غَيْرِ أنَّ تُحْوِجَهُ إلى التَّفْتِيشِ تَبْدِيلًا مُبالَغًا فِيهِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ، فَهي أبْلَغُ مِن قِراءَةِ الباقِينَ بِالتَّخْفِيفِ الدّالِّ عَلى مُطْلَقِ الإبْدالِ الصّالِحِ المُبالَغِ فِيهِ وغَيْرِهِ، ومِنَ التَّشْرِيفِ أيْضًا إضافَةُ الطَّلاقِ [ إلَيْهِ -] والإبْدالِ إلى اللَّهِ مَعَ [ التَّعْبِيرِ -] بِصِفَةِ الإحْسانِ وتَخْصِيصِ الإضافَةِ! بِضَمِيرِهِ. ولَمّا كانَ الأوْجَعُ لَقَبَ الحُرَّةِ حُرَّةٌ مِثْلُها لا سِرِّيَّةَ قالَ: ﴿أزْواجًا﴾ ولَمّا كانَ عُلُوُّها عَلَيْها في الرُّتْبَةِ هو النِّهايَةُ في التَّأْسِيفِ قالَ: ﴿خَيْرًا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّها لِلتَّفْضِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُنَّ﴾ وهَذا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ وعامٌّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلا يَقْتَضِي وُجُودُ مَن هو خَيْرٌ مِنهُنَّ مُطْلَقًا وإنْ قِيلَ بِوُجُودِهِ في خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِما جَرَّبَ مِن تَحامُلِها عَلى نَفْسِها في حَقِّهِ ﷺ وبُلُوغِها في حُبِّهِ والأدَبِ مَعَهُ ظاهِرًا وباطِنًا النِّهايَةُ القُصْوى ومَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها حَتّى كانَتْ مِنَ القانِتِينَ، وذَلِكَ في الآخِرَةِ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الشَّرْطِ بِالطَّلاقِ وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَقَعُ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ وقَعَ أبْدَلَهُ ﷺ مَن هو بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْإخْلاصِ (p-١٩٤)فِي طاعَتِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ ”قانِتاتٍ“ ولا شَكَّ أنَّ مَن لازَمَ طاعَتَهُ وقَيَّدَ الِاتِّصالَ بِهِ في الدّارَيْنِ كانَ خَيْرًا مَن غَيْرِهِ، وتَعْلِيقُ تَطْلِيقِ الكُلِّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ طَلَّقَها ولَمْ يَزِدْها ذَلِكَ إلّا فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يُراجِعَها لِأنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ» - واللَّهُ المُوَفِّقُ. ولَمّا وعَدَ بِما ذَكَرَ، وكانَّ أوَّلَ مَنظُورٍ إلَيْهِ الظّاهِرُ، فَصَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ وفَسَّرَ الخَيْرِيَّةَ بادِئًا بِقَوْلِهِ: ﴿مُسْلِماتٍ﴾ أيْ مُلْقِياتٍ لِجَمِيعِ قِيادِهِنَّ ظاهِرًا وباطِنًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ. ولَمّا كانَ المُشاهَدُ مِنَ الإسْلامِ إنَّما هو الظّاهِرُ قالَ: ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ أيْ راسِخاتٍ في القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ بِتَصْدِيقِ الباطِنِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ نَوْعُ شَوْبٍ قالَ: ﴿قانِتاتٍ﴾ أيْ مُخْلِصاتٍ في ذَلِكَ لا شائِبَةَ في شَيْءٍ مِنهُ فَهُنَّ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن إدامَةِ الطّاعَةِ لَهُ مِنَ الذُّلِّ والِانْكِسارِ والمُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ ﷺ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى النُّقْصانِ، وكانَ الإخْلاصُ يَدُلُّ صاحِبَهُ عَلى تَقْصِيرِهِ فَكانَ رُبَّما فَتَرَهُ ذَلِكَ، قالَ تَسْهِيلًا لِخِدْمَتِهِ وتَقْرِيبًا (p-١٩٥)لِدَوامِ طاعَتِهِ مُعَلِّمًا الأدَبَ لِمُحْتاجِهِ ﴿تائِباتٍ﴾ أيْ راجِعاتٍ مِنَ الهَفَواتِ أوِ الزَّلّاتِ سَرِيعًا إنْ وقَعَ مِنهُنَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ولَمّا كانَ هَذا مُصَحِّحًا لِلْعِبادَةِ مُسَهِّلًا لِدَوامِها قالَ: ﴿عابِداتٍ﴾ أيْ مُدِيماتٍ لِلْعِبادَةِ بِسَبَبِ إدامَةِ تَجْدِيدِ التَّوْبَةِ. ولَمّا كانَ دَوامُ العِبادَةِ مُسَهَّلًا لِلْخُرُوجِ عَنِ الدُّنْيا قالَ: ﴿سائِحاتٍ﴾ [ أيْ -] مُتَّصِفاتٍ بِصِفاتِ المَلائِكَةِ مِنَ التَّخَلِّي عَنِ الدُّنْيا والِاسْتِغْراقِ في الآخِرَةِ بِما أدْناهُ الصِّيامُ ماضِياتٍ في ذَلِكَ غايَةَ المُضاءِ لِيَتِمَّ الِانْقِيادُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ، لِأنَّ مَن كانَ هَكَذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُرادٌ، فَكانَ تابِعًا لِرَبِّهِ [ في أمْرِهِ -] دائِمًا ويَصِيرُ لَطِيفَ الذّاتِ حُلْوَ الشَّمائِلِ، قالَ المَلْوِيُّ: والمَرْأةُ إذا كانَتْ كَثِيرَةَ الصِّيامِ قَلِيلَةَ الأكْلِ يَقِلُّ عَرَقُها ويَصْغُرُ كِرْشُها وتَلْطُفُ رائِحَتُها وتَخِفُّ حَرَكَتُها لِما يُرادُ مِنها - انْتَهى. وسَوْقُ هَذِهِ الأوْصافِ هَذا السِّياقُ في عِتابِ مَن هو مُتَّصِفٌ بِها مُعَرَّفٌ أنَّ المُرادَ مِنها التَّمامُ لا سِيَّما وهي لا يُوجَدُ [ وصْفٌ -] مِنها عَلى سَبِيلِ الرُّسُوخِ إلّا كانَ مُسْتَلْزِمًا لِسائِرِها، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ في تَعْدادِها إلى العَطْفِ بِالواوِ. والتَّجْرِيدُ عَنْهُ أقْعَدُ في الدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ اجْتِماعِها كُلِّها. ولَمّا أكْمَلَ الصِّفاتِ الدِّينِيَّةَ النّافِعَةَ في أمْرِ العِشْرَةِ ولَمْ يَبْقَ إلّا الصِّفاتُ (p-١٩٦)الكَوْنِيَّةُ وكانَ التَّنْوِيعُ إلى عارِفَةٍ بِالعِشْرَةِ وباقِيَةٍ عَلى أصْلِ الفِطْرَةِ، ألَذُّ وأشْهى إلى النَّفْسِ، قالَ مُقْسِمًا لِلنِّساءِ المُتَّصِفاتِ بِالصِّفاتِ السِّتِّ عاطِفًا ثانِي الوَصْفَيْنِ بِالواوِ لِلتَّضادِّ ﴿ثَيِّباتٍ﴾ قَدَّمَهُنَّ لِأنَّهُنَّ أخْبَرُ بِالعَشَرَةِ الَّتِي هَذا سِياقُها ﴿وأبْكارًا﴾

التحريم 66:6

ولَمّا أبْلَغَ سُبْحانَهُ في عِتابِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ صِيانَتِهِنَّ عَنِ التَّسْمِيَةِ إكْرامًا لَهُ ﷺ وعَلِمَ اتِّصافَهُنَّ بِهَذِهِ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ عَلى سَبِيلِ الرُّسُوخِ مِن دَوامِ صُحْبَتِهِ ﷺ لَهُنَّ لِيَكُنْ مِن جُمْلَةِ أزْواجِهِ في الجَنَّةِ وكانَ اتِّصافُهُنَّ بِذَلِكَ الَّذِي أدّاهُنَّ إلى السَّعادَةِ العُظْمى إنَّما هو بِحُسْنِ تَأْدِيبِ أوْلِيائِهِنَّ لَهُنَّ وإكْمالِ ذَلِكَ الأدَبِ بِحُسْنِ عِشْرَتِهِ ﷺ وتَأدُّبِهِنَّ بِكَرِيمِ أخْلاقِهِ أثْمَرَ ذَلِكَ أمْرَ الأُمَّةِ بِالتَّأسِّي بِهِ في هَذِهِ الأخْلاقِ الكامِلَةِ والتَّأسِّي بِأوْلِيائِهِنَّ في ذَلِكَ لِيَعْرِفْنَ حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ الأزْواجِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ صَلاحُ ذاتِ البَيْنِ المُثْمِراتِ لِلْخَيْرِ كُلِّهِ فَقالَ تَعالى مُتَّبِعًا لِهَذِهِ المَوْعِظَةِ الخاصَّةِ بِمَوْعِظَةٍ عامَّةٍ دالَّةٍ عَلى وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لِلْأقْرَبِ فالأقْرَبِ ﴿يا أيُّها﴾ مُخاطَبَةً لِأدْنى الأسْنانِ إشارَةً إلى أنَّ مِن فَوْقِهِمْ (p-١٩٧)تَأسّى مِن حِينِ دُخُولِهِ في الإسْلامِ فَهو غَنِيٌّ عَنْ أمْرٍ جَدِيدٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِذَلِكَ ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ اجْعَلُوا لَها وِقايَةً بِالتَّأسِّي بِهِ ﷺ في أدَبِهِ مَعَ الخَلْقِ والخالِقِ في لِينِهِ لِمَن يَسْتَحِقُّ اللِّينَ مِنَ الخَلْقِ تَعْظِيمًا لِلْخالِقِ فَعامِلُوهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ بِما يُعامِلُكم بِهِ مِنَ الأدَبِ، وكَذا كُونُوا مَعَ بَقِيَّةِ الخَلْقِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ راعِيًا لِأهْلِ بَيْتِهِ مَسْؤُولًا عَنْ رَعِيَّتِهِ قالَ تَعالى: ﴿وأهْلِيكُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ والأوْلادِ وكُلِّ مَن يَدْخُلُ في هَذا الِاسْمِ قُوهم ﴿نارًا﴾ بِالنُّصْحِ والتَّأْدِيبِ لِيَكُونُوا مُتَخَلِّقِينَ بِأخْلاقِ أهْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَما رَوى أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ: «ما نَحَلَ والِدٌ ولَدًا أفْضَلَ مِن أدَبٍ حَسَنٍ» ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ لا تُعَظَّمُ في نَفْسِها [و -] عِنْدَ المُخْبِرِ بِها إلّا بِإخْبارِهِ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ قالَ: ﴿وقُودُها﴾ أيِ الَّذِي تُوقَدُ بِهِ ﴿النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [ أيْ -] ألْيَنُ الأشْياءِ وأصْلَبُها، فَما بَيْنَ ذَلِكَ هو لَها وقُودٌ بِطَرِيقِ الأوْلى. ولَمّا وصَفَها بِغايَةِ الأدَبِ في الِائْتِمارِ أتْبَعَهُ وصْفُ القُوامِ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ [ دَلالَةً عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها -]: (p-١٩٨)﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ [ أيْ يَكُونُ أمْرُها عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ -] فَلا تَعْصِيهِمْ شَيْئًا لِتَأْدِيبِ اللَّهِ لَها ﴿غِلاظٌ﴾ أيْ [ في -] الأبْدانِ والقُلُوبِ فَظاظَةٌ عَلى أهْلِها لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِعِصْيانِهِمُ المَلِكَ الأعْلى. ولَمّا كانَ الغِلَظُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الرَّخاوَةِ قالَ: ﴿شِدادٌ﴾ [ أيْ -] في كُلِّ شَيْءٍ يُحاوِلُونَهُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ حَتّى رُوِيَ أنَّ الواحِدَ مِنهم يُلْقِي بِالدُّفْعَةِ الواحِدَةِ في النّارِ مِنَ الكُفّارِ سَبْعِينَ ألْفًا. ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهم يُوقِعُونَ غِلْظَتَهم وشِدَّتَهم بِأهْلِ المَعاصِي عَلى مَقادِيرِ اسْتِحْقاقِهِمْ. بَيْنَ ذَلِكَ بِما يَخْلَعُ القُلُوبَ لِكَوْنِهِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿ما أمَرَهُمْ﴾ أيْ أوْقَعَ الأمْرَ لَهم بِهِ في زَمَنٍ ما. ولَمّا كانَ المُطِيعُ مِنّا قَدْ يَخِلُّ بِبَعْضِ المَأْمُورِ بِهِ في ذاتِهِ بِنَقْصِ رُكْنٍ أوْ شَرْطٍ أوْ وقْتٍ لِنِسْيانٍ، أوْ نَوْمٍ ونَحْوِهِ أوْ بِتَرْكٍ مَندُوبٍ ونَحْوِهِ أوْ ما في مَعْناهُ بِوَسْوَسَةٍ أوْ حَدِيثِ نَفْسٍ ونَحْوِهِ يُقَصِّرُ عَنْ إيقاعِهِ عَلى أعْلى الدَّرَجاتِ كَما قالَ ﷺ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والطَّيالِسِيُّ عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا» قالَ نافِيًا لِذَلِكَ عَنْهُمْ: ﴿ويَفْعَلُونَ﴾ أيْ مُجَدِّدِينَ مَعَ كُلِّ أمْرٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيْ ما يَقَعُ (p-١٩٩)لَهُمُ الأمْرُ بِهِ في أيِّ وقْتٍ [ كانَ مِن غَيْرِ نَقْصٍ -] ما، وبُنِيَ الفِعْلُ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ كِنايَةً عَنْ سُهُولَةِ انْقِيادِهِمْ وإشارَةً إلى أنَّ الَّذِي أمَرَهم مَعْلُومٌ أنَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

التحريم 66:7

ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْظَمَ مَن أُرِيدَ بِأمْرِ الأُمَّةِ بِالتَّأدُّبِ مَعَهُ فَكانَ تَعَمُّدُ الإخْلالِ بِالأدَبِ مَعَهُ كُفْرًا، عَلِمَ أنَّ هَذِهِ النّارَ لِأُولَئِكَ فَعَلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يَقُولُونَ /: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ بِالإخْلالِ بِالأدَبِ في النَّبِيِّ ﷺ فَأدّاهم ذَلِكَ إلى الإخْلالِ بِالأدَبِ مَعَ اللَّهِ وبِالأدَبِ مَعَ سائِرِ خَلْقِهِ ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ تُبالِغُوا في إظْهارِ العُذْرِ وهو إيساعُ الحِيلَةِ في وجْهٍ يُزِيلُ ما ظَهَرَ مِنَ التَّقْصِيرِ ﴿اليَوْمَ﴾ فَإنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ لا يَوْمُ الِاعْتِذارِ، وقَدْ فاتَ زَمانُ الِاعْتِذارِ، وصارَ الأمْرُ إلى ما صارَ، وإذا نَهى عَنِ المُبالَغَةِ في الِاعْتِذارِ لِعَدَمِ نَفْعِها كانَ النَّهْيُ عَنْ مُطْلَقِهِ مِن بابِ الأوْلى، وهَذا قَطْعٌ لِرَجائِهِمْ وإيجابُ لِباسِهِمْ لِيَعْظُمَ هَمُّهم وتَنْقَطِعَ قُلُوبُهم لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الِاعْتِذارَ لا يَنْفَعُكم وإنْ بالَغْتُمْ فِيهِ، ولِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ أيْ في هَذا اليَوْمِ ﴿ما كُنْتُمْ﴾ أيْ بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ والطَّبْعِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [ أيْ -] عَلى سَبِيلِ الإصْرارِ ولا بُعْدَ عَلى اللَّهِ في أنْ (p-٢٠٠)يُصَوِّرَ لِكُلِّ إنْسانٍ صُورَةَ عَمَلِهِ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ أنَّها عَمَلُهُ، ثُمَّ يَجْعَلُ تِلْكَ الصُّورَةَ عَذابَهُ الَّذِي يَجِدُ فِيهِ مِنَ الألَمِ ما عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ بِمِقْدارِ اسْتِحْقاقِهِ.

التحريم 66:8

ولَمّا أفْهَمَ الأمْرَ بِالوِقايَةِ والمَدْحِ لِلْمَلائِكَةِ أنَّ المَأْمُورِينَ بِالوِقايَةِ مُقَصِّرُونَ قالَ مُرْشِدًا إلى داءِ التَّقْصِيرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ناداهم بِما هو ألْيَقُ بِهِمْ مِن أداةِ البُعْدِ ﴿تُوبُوا﴾ أيِ ارْجِعُوا رُجُوعًا تامًّا ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ. ولَمّا كانَ كُلُّ فَعُولٍ بِمَعْنى فاعِلٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ قالَ: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أيْ بالِغَةً في كَوْنِها ناصِحَةً عَنِ الإسْنادِ المَجازِيِّ أيْ مَنصُوحًا فِيها بِالإخْلاصِ في الأزْمانِ الثَّلاثَةِ، الماضِي بِالنَّدَمِ، والحالِ بِالإقْلاعِ. والمُسْتَقْبَلِ بِالعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، فَلا يَقَعُ فِيها رُجُوعٌ كَما لا يَعُودُ الحَلِيبُ إلى الضَّرْعِ، فَلا يُؤْذِي أحَدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ أذى رَسُولِهِ مِن أذاهُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: النَّصُوحُ مَجْمَعُها أرْبَعَةُ أشْياءَ: الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ، والإقْلاعُ بِالأبْدانِ، وإضْمارُ تَرْكِ العَوْدِ بِالجَنانِ، ومُهاجِرَةُ سَيِّئِ الإخْوانِ، وقالَ رُوَيْمُ الرّاعِي: هي أنْ تَكُونَ لِلَّهِ وجْهًا بِلا قَفًا كَما كانَتْ لَهُ عِنْدَ المَعْصِيَةِ قَفاءٌ بِلا وجْهٍ. ولَمّا أمَرَ بِالتَّوْبَةِ عَلَّلَها بِما يُفِيدُ الإطْماعَ مِنَ الإقامَةِ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ إعْلامًا بِأنَّ هَذا المَقامَ هو المُنَجِّي لِأنَّهُ اعْتِقادُ الكَمالِ لَهُ سُبْحانَهُ وهو [ أنَّ -] لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ في المُطِيعِ وغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (p-٢٠١)﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ [ أيْ -] افْعَلُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ المُحْسِنُ إلَيْكم بِهَذا البَيانِ جَدِيرًا أوْ حَقِيقًا ﴿أنْ يُكَفِّرَ﴾ أيْ يُغَطِّيَ تَغْطِيَةً عَظِيمَةً ﴿عَنْكُمْ﴾ أيْ بِالتَّوْبَةِ، وإذا كانَ التّائِبُ عَلى خَطَرٍ فَما ظَنُّكَ بِالمُصِرِّ عَلى ذُنُوبِهِ ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ [ ما -] بَدا مِنكم ما يَسُوءُهُ. ولَمّا ذَكَرَ نَفْعَ التَّوْبَةِ في دَفْعِ المَضارِّ، ذَكَرَ نَفْعَها في جَلْبِ المَسارِّ فَقالَ: ﴿ويُدْخِلَكُمْ﴾ أيْ يَوْمَ الفَصْلِ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ كَثِيرَةَ الأشْجارِ تَسْتُرُ داخِلَها لِأنَّها ﴿تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ الجَرْيُ في بَعْضِ أرْضِها قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّبْعِيضِ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ تَحْتِ غُرَفِها وأشْجارِها ﴿الأنْهارُ﴾ فَهي لا تَزالُ رَيًّا. ولَمّا ذَكَرَ الغُفْرانَ والإكْرامَ. ذَكَرَ وقْتَهُ فَقالَ مُبَشِّرًا لِأهْلِهِ مُعْرِضًا لِغَيْرِهِمْ مُسْتَحْمِدًا لِأهْلِ وِدِّهِ لِكَوْنِهِ وفَّقَهم ولَمْ يَخْذُلْهم كَأعْدائِهِ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ ﴿النَّبِيَّ﴾ أيِ الرَّجُلِ الَّذِي يُنْبِئُهُ اللَّهُ بِما يُوجِبُ لَهُ الرِّفْعَةَ التّامَّةَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي [ هي -] في غايَةِ العَظَمَةِ ﴿والَّذِينَ﴾ أيْ (p-٢٠٢)ولا يُخْزِي الَّذِينَ ﴿آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهْمُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إنْ [ كانَ المُرادُ -] المَعِيَّةَ في مُطْلَقِ الزَّمانِ، وسابِقُوهم إنْ كانَ المُرادُ في الوَصْفِ أوْ زَمانٍ مَخْصُوصٍ كَبَدْرٍ وبَيْعَةَ الرِّضْوانِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» كَما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ [ أُمِّ -] مُبَشِّرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «”ولَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ:“ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» ”“ وقالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا﴾ [الحديد: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] ونِساءَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أحَقُّ بِأنْ يَكُنْ أوَّلَ راغِبٍ في الكَوْنِ مَعَهُ في الإيمانِ لِيَبْعُدْنَ عَنِ النِّيرانِ، وإذا اسْتَحْضَرْتَ قِصَصَ الأنْبِياءِ مِن سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اتَّضَحَ لَكَ حُسْنَ هَذا الوَجْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الَّذِينَ“ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ”نُورُهُمْ“ أوْ يَكُونُ الخَبَرُ ”مَعَهُ“ إشارَةٌ إلى أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصالِحِي أُمَمِهِمْ مَن أُمَّتِهِ [و -] تَحْتَ لِوائِهِ، وذَلِكَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ لَهُ ﷺ والإيمانِ المُقَيَّدِ بِمَعِيَّتِهِ، أيْ تَأهُّلِهِ لِمُصاحَبَةِ إيمانِهِ ﷺ غَيْرَ الإيمانِ المُطْلَقِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَدْخُلَ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ النّارَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها بِشَفاعَةِ الشّافِعِينَ فَلا مُتَمَسِّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِها في أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبائِرِ مُخَلَّدٌ في النّارِ لِأنَّهُ داخِلٌ النّارَ فَهو مُخْزِي، فَهو غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالإيمانِ لِأنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ لا يَخْزى بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبُو حَيّانَ: (p-٢٠٣)وفِي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ ﷺ تَضَرَّعَ في أمْرِ أُمَّتِهِ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: يا رَبِّ! أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ مِنِّي، فَقالَ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ“ . ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الخِزْيَ، فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ مُقَدَّمًا لِلنُّورِ لِأنَّ السِّياقَ لِتَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلافِ ما مَضى في الحَدِيدِ: ﴿نُورُهم يَسْعى﴾ أيْ سَعْيًا مُسْتَمِرَّ التَّجَدُّدِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الآخَرِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِ ”الَّذِينَ“ إذا جَعَلْناهُ مُبْتَدَأً ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ وحُذِفَ الجارُّ إشارَةً إلى أنَّهُ مَلَأ تِلْكَ الجِهَةَ ”و“ كَذا ”بِأيْمانِهِمْ“ وأمّا ما يَلِي شَمائِلَهم فَإنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ لِأنَّهم [ إمّا -] مِنَ السّابِقِينَ وإمّا مِن أهْلِ اليَمِينِ، فَهم يَمْشُونَ [ فِيما -] بَيْنَ الجِهَتَيْنِ ويُؤْتُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِنهُما، وأمّا أهْلُ الشَّمالِ فَيُعْطُونَها مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ ومِن شَمائِلِهِمْ وهم بِما لَهم مِنَ النُّورِ إنْ قالُوا سُمِعَ لَهم وإنْ شَفَعُوا شُفِّعُوا. ولَمّا كانَتْ إدامَةً لِلْمَلِكِ هي أشْرَفُ صِفاتِ العَبْدِ قالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ دائِمًا لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى [ لَهُ أنَّ-] (p-٢٠٤)يَفْعَلَ ما يَشاءُ، لا حَقَّ لِأحَدٍ عَلَيْهِ ولا سِيَّما إذا رَأوُا انْطِفاءَ نُورِ المُنافِقِينَ، قالَ سَهْلٌ: لا يَسْقُطُ الِافْتِقارُ إلى اللَّهِ تَعالى عَنِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ بَلْ هم في الآخِرَةِ أشَدُّ افْتِقارًا إلَيْهِ وإنْ كانُوا في دارِ العِزَّ لِشَوْقِهِمْ إلى لِقائِهِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُتَفَضِّلُ عَلَيْنا بِهَذا النُّورِ وبِكُلِّ خَيْرٍ كُنّا أوْ نَكُونُ فِيهِ ﴿أتْمِمْ﴾ فَأظْهَرُوا لِأنَّ المَقامَ لَهُ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما رُزِقَ شَيْئًا فانْتَفَعَ بِهِ غَيْرُهُ دُونَهُ قالُوا: ﴿لَنا نُورَنا﴾ أيِ الَّذِي مَنَنْتَ بِهِ عَلَيْنا حَتّى يَكُونَ في غايَةِ التَّمامِ فَتُوصِلُنا بِهِ إلى المَأْمَنِ في دارِ السَّلامِ، ولا تَجْعَلْنا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ أطْفَأتَ أنْوارَهم فَكانَتْ عاقِبَتُهم إلى الظَّلامِ. ولَمّا كانَ كُلُّ مَن حَسُنَ أدَبُهُ لا بُدَّ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ النَّقْصَ، قالُوا عَلى سَبِيلِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والتَّواضُعِ: ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ أيِ امْحُ عَنّا كُلَّ نَقْصٍ كانَ يَمِيلُ بِنا إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ عَيْنُهُ وأثَرُهُ، وهَذا النُّورُ هو صُورَةُ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا لِأنَّ الآخِرَةَ تَظْهَرُ فِيها حَقائِقُ الأشْياءِ وتَتْبَعُ الصُّوَرَ مَعانِيَها، وهو شَرْعُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ وهو الصِّراطُ الَّذِي يَضْرِبُ بَيْنَ ظَهْرانِيِّ جَهَنَّمَ لِأنَّ الفَضائِلَ في الدُّنْيا مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الرَّذائِلِ، فَكُلُّ فَضِيلَةٍ تَكْتَنِفُها رَذِيلَتانِ: إفْراطٌ وتَفْرِيطٌ، فالفَضِيلَةُ هي الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، والرَّذِيلَتانِ ما كانَ مِن جَهَنَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، فَمَن كانَ (p-٢٠٥)يَمْشِي في الدُّنْيا عَلى ما أمَرَ بِهِ سَواءٌ مِن غَيْرِ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ كانَ نُورُهُ تامًّا، ومَن أمالَتْهُ الشَّهَواتُ طُفِئَ نُورُهُ - أعاذَنا اللَّهُ مِن ذَلِكَ ورَزَقَنا حُسْنَ الثَّباتِ، وكانَ ذَلِكَ الطَّفْءُ في بَعْضِ الأوْقاتِ واخْتَطَفَتْهُ كَلالِيبُ هي صُوَرُ الشَّهَواتِ فَتَمِيلُ بِهِ في النّارِ بِقَدْرِ مَيْلِهِ إلَيْها، والمُنافِقُ يَظْهَرُ لَهُ نُورُ إقْرارِهِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَإذا مَشى طُفِئَ لِأنَّ إقْرارَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ [ فَنُورُهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ -]. ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِ الكُفّارِ البَعْثَ وما تَفَرَّعَ عَنْهُ: ﴿إنَّكَ﴾ أيْ وحْدَكَ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ يُمْكِنُ دُخُولُ المَشِيئَةِ فِيهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ.

التحريم 66:9

ولَمّا ذَكَرَ ما تَقَدَّمَ مِن لِينِهِ ﷺ لِأضْعَفِ النّاسِ النِّساءِ وحُسْنِ أدَبِهِ وكَرِيمِ عِشْرَتِهِ لِأنَّهُ مَجْبُولٌ عَلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ والرَّحْمَةِ لَهُمْ، وخَتَمَ بِما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الشَّرَفِ ولِلَّهِ مِن تَمامِ القُدْرَةِ، أنْتَجَ ذَلِكَ القَطْعَ بِإذْلالِ أعْدائِهِمْ وإخْزائِهِمْ فَقالَ مُدارِيًا لَهم مِن خَطَرَ ذَلِكَ اليَوْمِ بَيْدَ أنْصَحُ الخَلْقِ [ لِيَكُونَ -] ﷺ جامِعًا في طاعَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ المُتَضادّاتِ مِنَ اللِّينِ والشِّدَّةِ والرِّضى والغَضَبِ والحِلْمِ والِانْتِقامِ وغَيْرِها، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى التَّعَبُّدِ لِلَّهِ بِما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّخَلُّقِ بِأوامِرِهِ وكُلُّ ما يُرْضِيهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ (p-٢٠٦)مُنادِيًا بِأداةِ التَّوَسُّطِ إسْماعًا لِلْأُمَّةِ الوُسْطى تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُنادَوْنَ في الحَقِيقَةِ، ولِأجْلِ دَلالَتِها عَلى التَّوَسُّطِ واللَّهُ أعْلَمُ كانَ لا يَتَعَقَّبُها إلّا ما لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ، مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى الرِّفْعَةِ بِالإعْلامِ بِالأخْبارِ الإلَهِيَّةِ المَبْنِيِّ عَلى الإحْكامِ والعَظَمَةِ المُثْمِرَةِ لِلْغَلَبَةِ، وأمّا وصْفُ الرِّسالَةِ فَيَغْلِبُ فِيهِ الرَّحْمَةُ فَيَكْثُرُ إقْبالُهُ عَلى اللِّينِ والمُسايَسَةِ نَظَرًا إلى وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ﴾ أيِ المُجاهِرِينَ بِكُلِّ ما يُجْهِدُهم فَيَكُفُّهم مِنَ السَّيْفِ وما دُونَهُ لِيَعْرِفَ أنَّ الأُسُودَ إنَّما اكْتَسَبَتْ مِن صَوْلَتِكَ، فَيَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ اللِّينَ لِأهْلِ اللَّهِ إنَّما هو مِن تَمامِ عَقْلِكَ وغَزِيرِ عِلْمِكَ وفَضْلِكَ، وكَبِيرِ حِلْمِكَ وخَوْفِكَ مِنَ اللَّهِ ونُبْلِكَ: ﴿والمُنافِقِينَ﴾ [ أيِ -] المُساتِرِينَ بِما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الحُجَّةِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى المُساتَرَةِ، والسَّيْفِ إنِ احْتِيجَ إلَيْهِ إنْ أبْدَوْا نَوْعَ مُظاهَرَةٍ ﴿واغْلُظْ﴾ أيْ كُنْ غَلِيظًا بِالفِعْلِ والقَوْلِ بِالتَّوْبِيخِ والزَّجْرِ والإبْعادِ والهَجْرِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّ الغِلْظَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللِّينِ لِلَّهِ كَما أنَّ اللِّينَ لِأهْلِ اللَّهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وقَدْ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِاللِّينِ [ لَهم -] في أوَّلِ الأمْرِ لِإزالَةِ أعْذارِهِمْ وبَيانِ إصْرارِهِمْ، فَلَمّا بَلَغَ الرِّفْقَ أقْصى مَداهُ جازَهُ إلى الغِلْظَةِ وتَعِداهُ، وقَدْ بانَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلَ في قَوْلِ النِّسْوَةِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”(p-٢٠٧)أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ“ عَلى بابِهِ ولا مَحْذُورَ. ولَمّا كانَ انْتِقامُ الوَلِيِّ مِنَ العَدُوِّ إنَّما هو لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، لاحَظَ لَهُ فِيهِ، فَكانَ مُوجِبًا لِعَدَمِ اكْتِفاءِ اللَّهِ بِهِ في حَقِّ الوَلِيِّ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهم لَيْسَ لَهم عِصْمَةٌ ولا حُرْمَةٌ في الدُّنْيا ولا قُوَّةٌ وإنْ لاحَ في أمْرِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَأْواهُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿جَهَنَّمُ﴾ [ أيْ -] الدَّرَكَةِ النّارِيَّةِ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِالعَبُوسَةِ والكَراهَةِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إلَيْها مَصِيرُهم لا مَحالَةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ هِيَ، فَذَلِكَ جَزاءُ اللَّهِ لَهم عَنِ الإساءَةِ إلى أوْلِيائِهِ والِانْتِقاصِ لِأحِبّائِهِ.

التحريم 66:10

ولَمّا كانَ أمْرُ الِاسْتِئْصالِ في الإنْجاءِ والإهْلاكِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِحالِ أهْلِ الآخِرَةِ في الدَّيْنُونَةِ بِالعَدْلِ والفَضْلِ، وكانَ المُفْتَتَحُ بِهِ السُّورَةَ عِتابُ النِّساءِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِالأمْرِ بِالتَّأْدِيبِ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ إلى أنْ خَتَمَ بِهَلاكِ المُخالِفِ في الدّارَيْنِ، وكانَ لِلْكُفّارِ قُراباتٌ بِالمُسْلِمِينَ وكانُوا يَظُنُّونَ أنَّها رُبَّما تَنْفَعُهُمْ، ولِلْمُسْلِمِينَ قُراباتٌ بِالكَفّارِ وكانُوا رُبَّما تَوَهَّمُوا أنَّها تَضُرُّهُمْ، قالَ مُجِيبًا لِما يَتَخَيَّلُ مِن ذَلِكَ تَأْدِيبًا لِمَن يُنْكِرُ عَلَيْهِ ﷺ (p-٢٠٨)مِنَ النِّساءِ وغَيْرِهِنَّ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾ [ أيِ -] المَلِكُ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿مَثَلا﴾ يَعْلَمُ بِهِ مِن فِيهِ قابِلِيَّةُ العَلَمِ ويَتَّعِظُ [ بِهِ -] مِن لَهُ أهْلِيَّةُ الِاتِّعاظِ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطُّوا الحَقَّ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ سَواءٌ كانُوا مُشاقِقِينَ أوْ مُنافِقِينَ في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الوَصْلِ والعَلائِقِ فَيُغْلَظُ عَلَيْهِمْ في الدّارَيْنِ مُعامَلَةً بِما يَسْتَحِقُّونَ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ لِأحَدٍ وإنْ جَلَّ مَقامُهُ، وعَلا مَنصِبُهُ ومَرامُهُ، لِأنَّ الكَفْرَ قاطِعٌ لِلْعَلائِقِ بَيْنَ الكافِرِ والمُسْلِمِ: ﴿امْرَأتَ نُوحٍ﴾ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ مِن كَذِبِهِ بِالغَرَقِ ونَصَرَهُ وآواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ اسْمُها فِيما يُقالُ واعِلَةُ ﴿وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ أيْضًا مِن كَذِبِهِ بِالحَصَبِ والخَسْفِ والإغْراقِ، واسْمُها فِيما قِيلَ واهِلَةُ، ودَلَّ عَلى وجْهِ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَتا﴾ أيْ مَعَ كَوْنِهِما كافِرَتَيْنِ. ولَمْ يَقُلْ: تَحْتَهُما، بَلْ أظْهَرَ بِالوَصْفِ العُبُودِيَّةَ المُضافَةَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والوَصْفُ بِالصَّلاحِ لِأنَّ ذَلِكَ أفْخَمُ، فَيَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا لِلْمَوْعُوظِ وأعْظَمَ، ودَفْعًا لِأنْ يُتَوَهَّمَ أحَدٌ بِشَيْءٍ لا يَلِيقُ بِمَقامِهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ أيْ (p-٢٠٩)كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما تَحْتَ عَبْدٍ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِأنَّ أثَرَ النّاسِ عِنْدَ المَلِكِ كَما تَقَدَّمَ عَبِيدُهُ، ودَلَّ عَلى كَثْرَةِ عَبِيدِهِ تَنْبِيهًا عَلى غِناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِبادِنا﴾ ولَمّا كانَتْ طَبَقاتُ القُرْبِ مُتَفاوِتَةً بِحَسَبِ الصَّلاحِ قالَ: ﴿صالِحَيْنِ﴾ وهُما نُوحٌ ولُوطٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَخانَتاهُما﴾ بِعَدَمِ المُتابَعَةِ في الدِّينِ نِفاقًا مِنهُما لا بِالخِيانَةِ في الفَرْشِ، فَقَدْ صانَ اللَّهُ جَمِيعَ الأنْبِياءِ مِن ذَلِكَ فَلَمْ تَقُلْ واحِدَةً مِنهُما لِأجْلِ كُفْرِهِما: رَبِّ اجْعَلْنِي مَعَ نَبِيِّكَ في الجَنَّةِ، وآذَنَ بِعَدَمِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيمَن أساءَ إلى الحَبِيبِ وبِعَذابِهِ حَتْمًا لِلتَّشَفِّي بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ العَبْدَيْنِ الصّالِحَيْنِ لَمْ ﴿يُغْنِيا عَنْهُما﴾ أيِ المَرْأتَيْنِ بِحَقِّ الزَّواجِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن عَذابِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِن إغْناءٍ لِأجْلِ خِيانَتِهِما بِالمُخالَفَةِ في الدِّينِ، ودَلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِالتَّعْبِيرِ بِالمَجْهُولِ فَقالَ: ﴿وقِيلَ﴾ أيْ لِلْمَرْأتَيْنِ مِمَّنْ أذِنَ لَهُ في القَوْلِ النّافِذِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ: ﴿ادْخُلا النّارَ﴾ أيْ مُقَدِّماتِها مِنَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ثُمَّ الإهْلاكُ بِعَذابِ الِانْتِقامِ في الدُّنْيا وحَقِيقَتِها في الآخِرَةِ لِأنَّ اللَّهَ أبْغَضَهُما لِأنَّهُما عَدْوٌ لِأوْلِيائِهِ، وذَلِكَ كَما قِيلَ: عَدُوُّ صَدِيقِي لَيْسَ لِي بِصَدِيقٍ. (p-٢١٠)ولَمّا فَعَلَتا فِعْلَ الرِّجالِ في اسْتِقْلالِهِما وعَدَمِ عَدِّهِما لِأنْفُسِهِما تَبَعًا، غَلُظَ عَذابِهِما بِالكَوْنِ مَعَ الرِّجالِ في عَذابِهِمْ فَقالَ دالًّا عَلى نُفُوذِ الحُكْمِ فِيمَن هو أقْوى مِنهُما بَعْدَ نُفُوذِهِ فِيهِما: ﴿مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [ أيِ -] الَّذِينَ هم أعْظَمُ مِنهُما مِمَّنْ لَهم وصْلَةٌ بِأهْلِ اللَّهِ ومِمَّنْ لا وصْلَةَ لَهم بِهِمْ، فَلْيَتَأدَّبْ كُلُّ أحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غايَةَ الأدَبِ خَوْفًا مِن مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا خالِعٌ لِقُلُوبِ مَنِ ابْتَدَأ بِتَأْدِيبِهِنَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ.

التحريم 66:11

ولَمّا أتَمَّ مِثْلَ النِّذارَةِ بِأنَّ طاعَةَ المُطِيعِ لا تَنْفَعُ العاصِيَ وإنْ كانَ أقْرَبَ النّاسِ إلى المُطِيعِ إلّا إنْ كانَ لَهُ أساسُ يَصِحُّ البِناءُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ الِاعْتِدادُ بِهِ والنَّظَرُ إلَيْهِ، أتْبَعَهُ مِثْلَ البِشارَةِ بِأنَّ عِصْيانَ العاصِي لا يَضُرُّ المُطِيعَ فَقالَ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَوْ كانَ في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ مُبَيِّنًا لِأنَّ وصْلَةَ الكُفّارِ إذا كانَتْ عَلى وجْهِ الإكْراهِ والإجْبارِ لا تَضُرُّ ﴿امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ، آمَنَتْ وعَمِلَتْ صالِحًا فَلَمْ تَضُرَّها الوَصْلَةُ بِالكافِرِ بِالزَّوْجِيَّةِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ الوَصْلِ ولا نَفَعَهُ إيمانُها ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] وأثابَها رَبُّها سُبْحانَهُ أنْ جَعْلَها زَوْجَةَ خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ في دارِ كَرامَتِهِ بِصَبْرِها عَلى عِبادَةِ اللَّهِ وهي [ في -] حِبالَةِ عَدُوِّهِ، وأسْقَطَ وصْفَهُ بِالعُبُودِيَّةِ دَلِيلًا عَلى تَحْقِيرِهِ وعَدَمِ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ أعْدى أعْدائِهِ، وأشارَ إلى وجْهِ الشَّبَهِ في المَثَلِ (p-٢١١)وهُوَ التَّحَيُّزُ إلى حِزْبِ اللَّهِ بِقَدْرِ الوُسْعِ [ فَقالَ-]: ﴿إذْ﴾ أيْ مِثْلُهم مِثْلُها حِينَ ﴿قالَتْ﴾ تَصْدِيقًا بِالعَبَثِ مُنادِيَةً نِداءَ الخَواصِّ بِإسْقاطِ الأداةِ لِأجْلِ أنَّها مُؤْمِنَةٌ وإنْ كانَتْ تَحْتَ كافِرٍ بِنا فَلَمْ تَضُرَّ صُحْبَتُهُ شَيْئًا لِأجْلِ إيمانِها: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِالهِدايَةِ وأنا في حِبالَةِ هَذا الكافِرِ الجَبّارِ ولَمْ تُغْرِنِي بِعِزِّ الدُّنْيا وسِعَتِها ﴿ابْنِ لِي﴾ ولَمّا كانَ الجارُ مَطْلُوبًا - كَما قالُوا - قَبْلَ الدّارِ، طُلِبَتْ خَيْرَ جارٍ وقُدِّمَتِ الظَّرْفَ اهْتِمامًا بِهِ لِنَصِّهِ عَلى المُجاوَرَةِ ولِدَلالَتِهِ عَلى الزُّلْفى فَقالَتْ: ﴿عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ وعَيَّنَتْ مُرادَها بِالعِنْدِيَّةِ فَقالَتْ: ﴿فِي الجَنَّةِ﴾ لِأنَّها دارُ المُقَرَّبِينَ فَظَهَرَ مِن أوَّلِ كَلامِها وآخِرِهِ أنَّ مَطْلُوبَها أخَصُّ دارِهِ، وقَدْ أجابَها سُبْحانَهُ بِأنْ جَعَلَها زَوْجَةً لِخاتَمِ رَسُولِهِ الَّذِي هو خَيْرُ خَلْقِهِ وأقْرَبُهم مِنهُ، فَكانَتْ مَعَهُ في مَنزِلِهِ الَّذِي هو أعْلى المَنازِلِ. ولَمّا سَألَتْ ما حَيَّزَها إلى جَنابِ اللَّهِ سَألَتْ ما يُباعِدُها في الدّارَيْنِ مِن أعْدائِهِ فَقالَتْ: ﴿ونَجِّنِي﴾ أيْ تَنْجِيَةً عَظِيمَةً ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ أيْ فَلا أكُونُ عِنْدَهُ ولا تُسَلِّطُهُ عَلَيَّ بِما يَضُرُّنِي عِنْدَكَ ﴿وعَمَلِهِ﴾ أيْ أنْ أعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنهُ ﴿ونَجِّنِي﴾ أعادَتِ العامِلَ تَأْكِيدًا ﴿مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيِ النّاسِ الأقْوِياءِ العَرِيقِينَ في أنْ يَضَعُوا أعْمالَهم في غَيْرِ مَواضِعِها الَّتِي أمَرُوا بِوَضْعِها فِيها فِعْلُ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ عامَّةً، وهُمُ القِبْطُ، لا تُخالِطُنِي بِأحَدٍ مِنهُمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَها وأحْسَنَ إلَيْها لِأجْلِ مَحَبَّتِها (p-٢١٢)لِلْمَحْبُوبِ وهو مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يُقالُ: صَدِيقُ صَدِيقِي داخِلٌ في صَداقَتِي، وذَلِكَ [ أنَّ -] مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا غَلَبَ السَّحَرَةُ آمَنَتْ بِهِ فَعَذَّبَها فِرْعَوْنُ فَماتَتْ بَعْدَ أنْ أراها اللَّهُ بَيْتَها في الجَنَّةِ ولَمْ يَضُرَّها كَوْنُها تَحْتَ فِرْعَوْنَ شَيْئًا لِأنَّها كانَتْ مَعْذُورَةً في ذَلِكَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حُذِفَ أوَّلًا ”فَلَمْ تَسْألا الجَنَّةَ“ لِدَلالَةِ ”رَبِّ ابْنِ لِي“ ثانِيًا عَلَيْهِ، وحُذِفَ ثانِيًا ”كانَتْ تَحْتَ كافِرٍ“ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ.

التحريم 66:12

ولَمّا أتَمَّ المَثَلَ بِمَن أساءَتا الأدَبَ فَلَمْ تَنْفَعْهُما الوَصْلَةُ بِالأوْلِياءِ بَلْ زادَتْهُما ضَرَرًا لِلْإعْراضِ عَنِ الخَيْرِ مَعَ قُرْبِهِ وتَيَسُّرِهِ، وبِمَن أحْسَنَتِ الأدَبَ فَلَمْ تَضُرَّها الوَصْلَةُ بِأعْدى الأعْداءِ [ بَلْ -] زادَتْها خَيْرًا لِإحْسانِها مَعَ قِيامِ المُغْتَرِّ بِها عَنِ الإحْسانِ ضَرَبَ مَثَلًا بِقَرِينَتِها في قَوْلِهِ ﷺ كَما رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ [ بِنْتُ عِمْرانَ -] وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ» ومَعَ مُقارَنَتِها لَها في الكَمالِ، فَبَيْنَ حالَيْهِما في الثُّيُوبَةِ والبُكُورَةِ طِباقٌ، فَلَمْ يَبْتَلِها سُبْحانَهُ بِخَلْطِهِ زَوْجَ جَمْعًا بَيْنَ ما تَقَدَّمَ مِن صِنْفَيِ الثَّيِّباتِ والأبْكارِ اللّاتِي يُعْطِيهِما لِنَبِيِّهِ ﷺ فَأحْسَنَتِ الأدَبَ في نَفْسِها مَعَ اللَّهِ ومَعَ سائِرِ مَن لَزِمَها الأدَبَ [ مَعَهُ -] مِن عِبادِهِ فَأحْسَنَ إلَيْها رِعايَةً لَها (p-٢١٣)عَلى ما وفَّقَها إلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ، وذَلِكَ [ رِعايَةً -] لِأسْلافِها إذْ كانُوا مِن أعْظَمِ الأحْبابِ فَقالَ: ﴿ومَرْيَمَ﴾ أيْ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِأهْلِ الِانْفِرادِ والعُزْلَةِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا مَرْيَمَ ﴿ابْنَتَ عِمْرانَ﴾ أيْ أحَدِ الأحْبابِ، وذَكَرَ وجْهَ الشَّبَهِ فَقالَ: ﴿الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أيْ عَفَتِ عَنِ السُّوءِ وجَمِيعِ مُقَدِّماتِهِ عِفَّةً كانَتْ كالحِصْنِ العَظِيمِ المانِعِ مِنَ العَدُوِّ فاسْتَمَرَّتْ عَلى [ بِكْرِيَّتِها -] إلى المَماتِ فَتَزَوَّجَها في الجَنَّةِ جَزاءً لَها بِخَيْرِ عِبادِنا مُحَمَّدٍ ﷺ خاتَمِ الأنْبِياءِ وإمامِ المُرْسَلِينَ. ولَمّا اغْتَنَتْ بِأُنْسِها بِرَوْحِ اللَّهِ الَّذِي بَثَّهُ في قَلْبِها مِن مَحَبَّةِ الذِّكْرِ والعِبادَةِ عَنِ الأُنْسِ بِأرْواحِ النّاسِ، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ وهَبَها رُوحًا مِنهُ جَسَّدَهُ في أكْمَلِ الصُّوَرِ المُقَدَّرَةِ في ذَلِكَ الحِينِ فَقالَ مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَنَفَخْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا بِواسِطَةِ مِلْكِنا رُوحَ القُدُسِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِتَشْرِيفِ النَّبِيِّ ﷺ وتَكْمِيلِ نِسائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، نَصَّ عَلى المَقْصُودِ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ ولَمْ يُؤَنِّثْهُ [ قَطْعًا -] لِلِّسانِ مَن يَقُولُ تَعَنُّتًا: إنَّ المُرادَ نَفَخُ رُوحِها في جَسَدِها: ﴿فِيهِ﴾ أيْ فَرْجِها الحَقِيقِيِّ وهو جَيْبُها وكُلُّ جَيْبٍ يُسَمّى فَرْجًا، ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ قِراءَةٌ ”فِيها“ شاذَّةٌ ﴿مِن رُوحِنا﴾ أيْ رُوحٍ هو أهْلٌ لِشَرَفِهِ بِما عَظَّمْنا مَن خَلْقِهِ [ ولُطْفِ -] تَكْوِينِهِ أنْ يُضافَ إلَيْنا لِكَوْنِهِ خارِجًا (p-٢١٤)عَنِ التَّسْبِيبِ المُعْتادِ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ رُوحُ الحَياةِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ ما أرَدْنا، فَحَمَلَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ [و -] ولَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ مِن كَلِمَتِنا وهي ”احْمِلِي“ ثُمَّ كَلِمَتُنا ”كُنْ يا حَمْلُ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ“ ثُمَّ كَلِمَتُنا ”لَدَيْهِ يا مَرْيَمُ مِن غَيْرِ مُساعِدٍ“ ثُمَّ كَلِمَتُنا ”تَكَلَّمَ عِيسى في المَهْدِ بِالحِكْمَةِ“ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وصَدَّقَتْ﴾ فاسْتَحَقَّتْ لِذَلِكَ أنْ تُسَمّى صِدِّيقَةً ﴿بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْها بِما تَقَدَّمَ وغَيْرُهُ مِمّا كانَ مِن كَلامِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِهِ ومِن عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [و -] مِمّا تَكَلَّمَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وكُتُبِهِ﴾ أيْ وكِتابُهُ الضّابِطُ الجامِعُ لِكَلامِهِ أنْزَلَ عَلى ولَدِها وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ البَصْرِيِّينَ وحَفْصٍ بِالجَمْعِ. ولَمّا كانَ المُصَدِّقُ رُبَّما كانَ تَصْدِيقُهُ في الظّاهِرِ أوْ مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الضَّمائِرِ قالَ: ﴿وكانَتْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا، وشَرَّفَها بِأنْ جَعَلَها في رُتْبَةِ الأكْمَلِ وهُمُ الرِّجالُ فَقالَ: ﴿مِنَ القانِتِينَ﴾ أيِ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ هم في غايَةِ القُوَّةِ والكَمالِ لِأنَّها كانَتْ مِن بَناتِ الأحْبابِ المُصْطَفِينَ عَلى العالَمِينَ، فَلَمْ تَكُنْ عِبادَتُها تُقَصِّرُ عَنْ عِبادَةِ الأقْوِياءِ الكَلِمَةَ، وقَدْ أتَمَّ سُبْحانَهُ الأمْثالَ في الآدابِ بِالثَّيِّباتِ والأبْكارِ والأخْيارِ والأشْرارِ، فانْعَطَفَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها في المَعانِي بِالآدابِ، وزادَ (p-٢١٥)ذَلِكَ حُسْنًا كَوْنُها في النِّساءِ وفي الذَّواتِ والأعْيانِ بِزَواجِ النَّبِيِّ ﷺ لِآسِيَةَ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ في الجَنَّةِ دارِ القَرارِ السّالِمَةِ عَنِ الأكْدارِ [ الزَّواجُ الأبَدِيُّ -] فَصارَ أوَّلَ السُّورَةِ وآخِرَها في أزْواجِهِ ﷺ وفي خِتامِها بِالقُنُوتِ الَّذِي هو خُلاصَةُ الأوْصافِ الماضِيَةِ في الأبْدالِ المَذْكُوراتِ أعْظَمُ مُناسِبَةً - واللَّهُ الهادِي.

الملك 67:1

سُورَةُ المُلْكِ وتُسَمّى تَبارَكَ والمانِعَةَ والواقِيَةَ والمُنْجِيَةَ، قالَ الوَلِيُّ المَلْوِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّها لِكَثْرَةِ عُلُومِها، وقالَ: «”ودِدْتُ لَوْ كانَتْ في صَدْرِ كُلِّ مُسْلِمٍ“». مَقْصُودُها الخُضُوعُ لِلَّهِ لِاتِّصافِهِ بِكَمالِ المُلْكِ الدّالِّ عَلَيْهِ [ تَمامَ القُدْرَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ -] قَطْعًا أحْكامُ المُكَوِّناتِ الدّالِّ عَلَيْهِ تَمامُ العِلْمِ الدّالِّ عَلَيْهِ أحْكامُ المَصْنُوعاتِ عِلْمُ ما في الصُّدُورِ لِيَنْتُجَ ذَلِكَ العِلْمُ بِتَحَتُّمِ البَعْثِ لِدَيْنُونَةِ العِبادِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاحِ والعِنادِ كَما هي عادَةُ المُلُوكِ في دَيْنُونَةِ رَعاياهم لِتُكْمِلَ الحِكْمَةَ وتَتِمَّ النِّعْمَةُ وتَظْهَرَ سُورَةُ المُلْكِ، واسْمُها المُلْكُ واضِحٌ في ذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ مَحَلُّ الخُضُوعِ مِن كَلِّ (p-٢١٦)مَن يَرى المُلْكَ وكَذا تَبارَكَ لِأنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لَهُ تَمامُ الثَّباتِ والبَقاءِ، وكانَ لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ كَمالُ الخُضُوعِ والِاتِّقاءِ، وكَذا اسْمُها المانِعَةُ والواقِيَةُ والمُنْجِيَةُ لِأنَّ الخُضُوعَ حامِلٌ عَلى لُزُومِ طَرِيقِ السَّعادَةِ، ومَن لَزِمَها نَجا مِمّا يَخافُ ومُنِعَ مَن كُلِّ هَوْلٍ ووُقِيَ كُلَّ مَخْلُوقٍ، وتَرُدُّ السُّؤالَ عَمَّنْ لازَمَ عَلَيْها وهَذا مِن أهَمِّ الأُمُورِ ( بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَضَعَتْ لِكَمالِ عَظَمَتِهِ المُلُوكُ ( الرَّحْمَنِ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ وتِبْيانِ مَحَلِّ السُّلُوكِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ الهِدايَةَ وزَوالَ الشُّكُوكِ. * * لَمّا خَتَمَتْ تِلْكَ بِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْهُ سُبْحانَهُ أهْلَكَتْهُ ولَمْ يُغْنِ عَنْهُ أحَدٌ، ومَن أقْبَلَ عَلَيْهِ رَفَعَهُ واسْتَخْلَصَهُ ولَمْ يَضُرَّهُ أحَدٌ، وخَتَمَ بِأنَّهُ قَوّى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ حَتّى كانَتْ في دَرَجَةِ الكَمْلَةِ ورَزَقَها الرُّسُوخَ في الإخْلاصِ، وكانَ مِثْلُ هَذا لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِهِ إلّا مَن لا كُفُوءَ لَهُ، وكانَ مَن لا كُفُوءَ لَهُ أهْلًا لِأنْ يُخْلِصُ لَهُ الأعْمالَ ولا يَلْتَفِتَ إلى سِواهُ بِحالٍ، لِأنَّهُ المَلِكُ الَّذِي يَمْلِكُ المُلْكَ قالَ مُثِيرًا لِلْهِمَمِ إلى (p-٢١٧)الِاسْتِبْصارِ المُثِيرِ لِلْإرادَةِ إلى رِياضَةٍ تُثْمِرُ جَمِيعَ أبْوابِ السَّعادَةِ: ﴿تَبارَكَ﴾ أيْ تَكَبَّرَ وتَقَدَّسَ وتَعالى [ وتَعاظَمَ -] وثَبَتَ ثَباتًا لا مِثْلَ لَهُ مَعَ اليُمْنِ والبَرَكَةِ وتَواتُرِ الإحْسانِ والعُلى. ولَمّا كانَ مَن لَهُ المُلْكُ قَدْ لا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِن إبْقائِهِ في يَدِهِ أوْ إعْطاءِ ما يُرِيدُ مِنهُ لِغَيْرِهِ ونَزْعِهِ مِنهُ مَتى أرادَ قالَ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾ أيْ بِقُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ لا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ ﴿المُلْكُ﴾ أيْ أمْرٍ ظاهِرَ العالَمَ فَإلَيْهِ كُلُّ تَدْبِيرٍ لَهُ وتَدْبِيرٍ فِيهِ وبِقُدْرَتِهِ إظْهارُ ما يُرِيدُ، لا مانِعَ لَهُ مِن شَيْءٍ ولا كُفُوءَ لَهُ بِوَجْهٍ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وذِكْرُ اليَدِ إنَّما هو تَصْوِيرٌ لِلْإحاطَةِ ولِتَمامِ القُدْرَةِ لِأنَّها [ مَحَلُّها -] مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الجارِحَةِ وعَنْ كُلِّ ما يَفْهَمُ حاجَةً أوْ شَبَهًا بِالخَلْقِ. وقالَ [ الإمامُ -] أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: وُرُودُ ما افْتَتَحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ التَّنْزِيهِ وصِفاتِ التَّعالِي إنَّما يَكُونُ عَقِيبَ تَفْصِيلٍ وإيرادِ عَجائِبَ مِن صُنْعِهِ سُبْحانَهُ كَوُرُودِ قَوْلِهِ تَعالى ”فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ“ عَقِيبَ تَفْصِيلِ التَّقَلُّبِ الإنْسانِيِّ مِن لَدُنْ خَلْقِهِ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ إلى إنْشائِهِ خَلْقًا آخَرَ وكَذا كُلُّ ما ورَدَ مِن هَذا ما لَمْ يَرِدْ أثْناءَ أيٍّ قَدْ جُرِّدَتْ لِلتَّنْزِيهِ والإعْلامِ بِصِفاتِ التَّعالِي [و -] الجَلالِ. (p-٢١٨)ولَمّا كانَ قَدْ أوْقَعَ في آخِرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ ما فِيهِ أعْظَمَ عِبْرَةٍ لِمَن تَذَكَّرَ، وأعْلى آيَةٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، مِن ذِكْرِ امْرَأتَيْنِ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنَ قَدْ بَعَثَهُما اللَّهُ [ تَعالى رَحْمَةً لِعِبادِهِ -] واجْتَهَدا في دُعاءِ الخَلْقِ، فَحَرَّمَ الِاسْتِنارَةَ بِنُورِهِما والعِياذُ بِهُداهُما مَن لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن جِنْسِهِما أقْرَبُ إلَيْهِما مِنهُ ولا أكْثَرَ مُشاهَدَةً لِما مَدّا بِهِ مِنَ الآياتِ وعَظِيمِ المُعْجِزاتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ أعْقَبَتْ هَذِهِ العِظَةُ بِما جَعَلَ في طَرَفٍ مِنها ونَقِيضٍ مِن حالِها، وهو ذِكْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ الَّتِي لَمْ يَغُرَّها مُرْتَكَبُ صاحِبِها وعَظِيمُ جُرْأتِهِ مَعَ شِدَّةِ الوَصْلَةِ واسْتِمْرارِ الأُلْفَةِ لِما سَبَقَ لَها في العِلْمِ القَدِيمِ مِنَ السَّعادَةِ وعَظِيمِ الرَّحْمَةِ فَقالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] وحَصَلَ في هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ تَقْدِيمُ سَبَبِ رَحْمَةٍ حَرَّمَ التَّمَسُّكَ بِهِ أوْلى النّاسِ في ظاهِرِ الأمْرِ وتَقْدِيمُ سَبَبِ امْتِحانٍ عَصَمَ مِنهُ أقْرَبَ النّاسِ إلى التَّوَرُّطِ [ فِيهِ-]، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقِصَّةٍ عَرِيَتْ عَنْ مِثْلِ هَذَيْنِ [ السَّبَبَيْنِ -] وانْفَصَلَتْ في مُقَدِّماتِها عَنْ تَيْنِكَ القِصَّتَيْنِ، وهو ذِكْرُ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ لِيَعْلَمَ العاقِلُ حَيْثُ يَضَعُ الأسْبابَ، وأنَّ القُلُوبَ بِيَدِ العَزِيزِ الوَهّابِ، أعْقَبَ تَعالى ذَلِكَ. بِقَوْلِهِ الحَقِّ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ (p-٢١٩)قَدِيرٌ﴾ وإذا كانَ المَلِكُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِيَدِهِ المُلْكُ فَهو الَّذِي يُؤْتِي المُلْكَ والفَضْلَ مَن يَشاءُ ويَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشاءُ ويَعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآيَةُ الأُخْرى في آلِ عِمْرانَ، فَقَدِ اتَّضَحَ اتِّصالُ سُورَةِ المُلْكِ بِما قَبْلَها ثُمَّ بُنِيَتْ سُورَةُ المُلْكِ عَلى التَّنْبِيهِ والِاعْتِبارِ بِبَسْطِ الدَّلائِلِ ونَصْبِ البَراهِينِ حَسْبَما يُبْسِطُهُ التَّفْسِيرُ - انْتَهى. ولَمّا كانَ المُتَصَرِّفُ في المُلْكِ قَدْ لا يَكُونُ قُدْرَتُهُ تامَّةً ولا عامَّةً قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ لَهُ عَظَمَةٌ تَسْتَوْلِي عَلى القُلُوبِ وسِياسَةٌ تَعُمُّ كُلَّ جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضَرَرٍ لِأنَّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ يُمَكِّنُ مَن يَشاؤُهُ مِنَ المُلْكِ وغَيْرِهِ مِن باطِنِهِ وهو المَلَكُوتُ وغَيْرِهِ مِمّا وُجِدَ وما لَمْ يُوجَدْ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ تامُّ القُدْرَةِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

الملك 67:2

﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ قَدَّرَ وأوْجَدَ. ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِن إيقاعِ المُؤْلِمِ أدْعى إلى الخُضُوعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى المُلْكِ مَعَ أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ العَدَمُ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿المَوْتَ﴾ أيْ هَذا الجِنْسَ وهو زَوالُ الحَياةِ عَنِ الحَيِّ الَّذِي هو في غايَةِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّقَلُّبِ بِجَعْلِهِ جَمادًا كَأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَرَكَةً أصْلًا. أوَّلُ ما يَفْعَلُ في تِلْكَ الدّارِ بَعْدَ اسْتِقْرارِ كُلِّ فَرِيقٍ في دارِهِ وأنْ يَعْدَمَ هَذا الجِنْسَ فَيُذْبَحُ بَعْدَ أنْ يُصَوَّرَ في صُورَةِ كَبْشٍ ﴿والحَياةَ﴾ أيْ هَذا (p-٢٢٠)الجِنْسُ وهو المَعْنى الَّذِي يُقَدَّرُ الجَمادُ بِهِ عَلى التَّقَلُّبِ بِنَفْسِهِ وبِالإرادَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَوْتُ خَلَقَهُ اللَّهُ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ ولا يَجِدُ رِيحَهُ إلّا ماتَ، والحَياةُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ بِلِقاءٍ وهي الَّتِي كانَ جِبْرِيلُ والأنْبِياءُ يَرْكَبُونَها فَلا يَجِدُ رِيحَها شَيْءٌ إلّا حَيِيَ، وهي الَّتِي أخَذَ السّامِرِيُّ قَبْضَةً مِن أثَرِها وألْقاهُ عَلى الحُلِيِّ الَّذِي ألْقاهُ بَنُو إسْرائِيلَ ونَوى أنْ يَكُونَ عِجْلًا [ فَصارَ عِجْلًا-] . ولَمّا ذَكَرَ الدّالَّ عَلى القُدْرَةِ أتْبَعُهُ غايَتَهُ، وهو الحُكْمُ الَّذِي هو خاصَّةُ المُلُوكِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ يُعامِلُكم وهو أعْلَمُ بِكم مِن أنْفُسِكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِإظْهارِ ما عِنْدَكم مِنَ العَمَلِ بِالِاخْتِيارِ ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ مِن جِهَةِ العَمَلِ أيْ عَمَلُهُ أحْسَنُ مِن عَمَلِ غَيْرِهِ، وعِبارَةُ القُرْآنِ في إسْنادِ الحَسَنِ إلى الإنْسانِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن كانَ عَمَلُهُ أحْسَنَ كانَ هو أحْسَنُ ولَوْ أنَّهُ أبْشَعُ النّاسِ مَنظَرًا، ومَن كانَ عَمَلُهُ أسْوَأ كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ، والحُسْنُ إنَّما يُدْرَكُ بِالشَّرْعِ، فَما حَسَّنَهُ الشَّرْعُ فَهو الحَسَنُ وما قَبَّحَهُ فَهو القَبِيحُ، وكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلْقِيامِ بِالطّاعَةِ لِأنَّ مَن تَفَكَّرَ في حالِهِ عَلِمَ أنَّهُ مُبايِنٌ لِبَقِيَّةِ الحَيَواناتِ بِعُقْلَةٍ ولِلنَّباتاتِ بِحَياتِهِ، ولِلْجَماداتِ بِنُمُوِّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ بِدَلِيلِ مَوْتِهِ، فَما كانَ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، لَهُ الحَياةُ مِن ذاتِهِ، فَيَجْتَهِدُ في رِضاهُ بِاتِّباعِ رُسُلِهِ إنْ كانَ عاقِلًا، (p-٢٢١)فَيَشْكُرُهُ إذا أنْعَمَ، ويَصْبِرُ إنِ امْتَحَنَ وانْتَقَمَ، ويَخْدُمُهُ بِما أمَرَ ويَنْزَجِرُ عَمّا عَنْهُ زَجَرَهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وُجُودِ المُقْتَضِي لِلسَّعادَةِ وانْتِفاءِ المانِعِ مِنها ووُجُودِ المُقْتَضِي إعْدادٌ وإرْشادٌ، فالإعْدادُ إعانَتُهُ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ بِإعْدادِهِ لِقَبُولِ السَّعادَةِ كالحَدّادِ يَلِينُ الحَدِيدُ بِالنّارِ لِيَقْبَلَ أنْ يَكُونَ سِكِّينًا، والإرْشادُ أخْذُهُ بِالنّاصِيَةِ إلى ما أعَدَّ لَهُ كالضَّرْبِ بِالسِّكِّينِ وإصْلاحِها لِلْقَطْعِ بِها، وانْتِفاءُ المانِعِ هو المَوْقِفُ عَنْ ذَلِكَ وهو دَفْعُ المُشَوِّشاتِ والمُفْسِداتِ كَتَثَلُّمِ السِّكِّينِ وهو يَجْرِي السَّبَبُ وسَبَبُ السَّبَبِ، وهو ما اشْتَمَلَ [ عَلَيْهِ -] قَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ أعْنِي ولا تُعِنْ عَلَيَّ» الحَدِيثُ، فَذَكَرَهُ لِتَمامِ القُدْرَةِ والعِزَّةِ مَعَ ذِكْرِ الأحْسَنِ دالٌّ عَلى تَوْفِيقِهِ بِما ذَكَرَ، ومَن تَأمَّلَ الآيَةَ عَرَفَ أنَّهُ ما خَلَقَ لا لِيَتَمَيَّزَ جَوْهَرُهُ مِن صِدْقِ غَيْرِهِ أوْ صِدْقِهِ مِن جَوْهَرِ غَيْرِهِ، و[ أنَّ -] الدُّنْيا مَزْرُوعَةٌ، وأنَّ الآخِرَةَ مُحْصِدَةٌ، فَيَصِيرُ مِن نَفْسِهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وثارَتْ إرادَتُهُ لِما خَلَقَ لَهُ تارَةً بِالنَّظَرِ إلى جَمالِ رَبِّهِ مِن حُسْنٍ وإحْسانٍ، وأُخْرى إلى جَلالِهِ مِن قُدْرَةٍ وإمْكانٍ، وتارَةً بِالنَّظَرِ لِنَفْسِهِ بِالشَّفَقَةِ عَلَيْها مِن خِزْيِ الحِرْمانِ، فَيَجْتَهِدُ في رِضا رَبِّهِ وصَلاحِ نَفْسِهِ خَوْفًا مِن عاقِبَةِ هَذِهِ البَلْوى. (p-٢٢٢)ولَمّا كانَ لا يَغْفُلُ الِابْتِلاءُ مِنّا إلّا جاهِلٌ بِالعَواقِبِ وعاجِزٌ عَنْ رَدِّ المُسِيءِ عَنْ إساءَتِهِ وجَعْلِهِ مُحْسِنًا مِن أوَّلِ نَشْأتِهِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ عَنْ مَنِيعِ جَنابِهِ بَعْدَ أنْ نَفاهُ بِلَطِيفِ تَدْبِيرِهِ وعَظِيمِ أمْرِهِ في [ خَلْقِ -] المَوْتِ والحَياةِ، ومُزِيلًا بِوَصْفِ العِزَّةِ لِما قَدْ يَقُولُهُ مَن يَكُونُ قَوِيَّ الهِمَّةِ: أنا لا أحْتاجُ إلى تَعَبٍ كَبِيرٍ في الوُصُولِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَلْ أصِلُ إلَيْهِ أيْ وقْتَ [ شِئْتَ -] بِأيْسَرِ سَعْيٍ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ [ أيِ -] الَّذِي يَصْعُبُ الوُصُولُ إلَيْهِ جِدًّا، مِنَ العِزازِ وهو المَكانُ الوَعِرُ [و -] الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَلَوْ أرادَ جَعْلَ الكُلَّ مُحْسِنِينَ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وهو تامُّ القُدْرَةِ فَيَلْزَمُ تَمامَ العِلْمِ والوَحْدانِيَّةِ ووُجُوبَ الوُجُودِ أزَلًا وأبَدًا. ولَمّا كانَ العَزِيزُ مِنّا يُهْلِكُ كُلَّ مَن خالَفَهُ إذا عَلِمَ مُخالَفَتَهُ، قالَ مُبَيِّنًا إمْهالَهُ لِلْعُصاةِ مُرَغِّبًا لِلْمُسِيءِ في التَّوْبَةِ، بَعْدَ تَرْهِيبِهِ مِنَ الإصْرارِ عَلى الحَوْبَةِ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَزْدَرِئًا لِنَفْسِهِ قائِلًا: إنَّ مِثْلِي لا يَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ لِما لِي مِنَ الذُّنُوبِ القاطِعَةِ وأيْنَ التُّرابُ مِن [ رَبِّ -] الأرْبابِ ﴿الغَفُورُ﴾ أيْ [ أنَّهُ -] مَعَ ذَلِكَ يَفْعَلُ في مَحْوِ الذُّنُوبِ عَيَنًا وأثَرًا فِعْلُ المُبالِغِ في ذَلِكَ ويَتَلَقّى مَن أقْبَلَ إلَيْهِ أحْسَنَ تَلَقٍّ كَما (p-٢٢٣)قالَ تَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» .

الملك 67:3

ولَمّا أثْبَتَ لَهُ سُبْحانَهُ صِفَتَيِ العِزِّ والغُفْرِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى كَمالِ تَفَرُّدِهِ بَعْدَ آياتِ الأنْفُسِ بِآياتِ الآفاقِ إرْشادًا إلى مَعالِي الأخْلاقِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ أبْدَعَ [ عَلى -] هَذا التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ حالَ كَوْنِها ﴿طِباقًا﴾ جَمْعُ طَبَقٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها كَأنَّها لِشِدَّةِ مُطابَقَتِها لِلْأُخْرى طالِبَةٌ مُطابَقَتَها بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنها مُطابِقًا لِجُزْءٍ مِنَ الأُخْرى، ولا يَكُونُ جُزْءٌ مِنها خارِجًا عَنْ ذَلِكَ وهي لا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا بِأنْ تَكُونَ الأرْضُ كُرَةً والسَّماءُ الدُّنْيا مُحِيطَةً بِها إحاطَةَ قِشْرِ البَيْضَةِ بِالبَيْضَةِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ والثّانِيَةُ مُحِيطَةً بِالدُّنْيا وهَكَذا إلى أنْ يَكُونَ العَرْشُ مُحِيطًا بِالكُلِّ، والكُرْسِيُّ الَّذِي هو أقْرَبُها إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ، فَما ظَنُكَ بِما تَحْتَهُ، وكُلٌّ سَمّاهُ في الَّتِي فَوْقَها بِهَذِهِ النِّسْبَةِ، وقَدْ قَرَّرَ أهْلُ الهَيْئَةِ أنَّها كَذَلِكَ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ ما يُخالِفُهُ بَلْ ظَواهِرُهُ تُوافِقُهُ ولا سِيَّما التَّشْبِيهُ بِالحَلْقَةِ [ المُلْقاةِ -] في فَلاةٍ كَما مَضى بَسْطُ ذَلِكَ في ذَلِكَ سُورَةُ السَّجْدَةِ، وأحاطَ سُبْحانَهُ بِالأرْضِ مَنافِعُها مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، وجَعَلَ المَرْكَزَ بِحَيْثُ يَجْذِبُ إلَيْهِ الأسْفَلَ فَكَيْفَما مَشى الحَيَوانُ في جَوانِبِها اقْتَضى المَرْكَزُ أنْ تَكُونَ رِجْلاهُ إلى الأرْضِ ورَأْسُهُ إلى السَّماءِ لِتُكُونَ السَّماءُ في رَأْيِهِ دائِمًا أعْلى، والأرْضُ أسْفَلُ في أيِّ جانِبٍ كانَ (p-٢٢٤)هُوَ عَلَيْها، فَسُبْحانَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن تَفَكَّرَ في هَذِهِ العَظَمَةِ مَعَ ما لَطَفَ بِنا فِيما هَيَّأهُ فِيها لَنا مِنَ المَنافِعِ، آثَرَهُ سُبْحانَهُ بِالحُبِّ وأفْرَدَهُ عَنْ كُلٍّ ضِدٍّ، فانْقَطَعَ بِاللَّجاءِ إلَيْهِ ولَمْ يُعَوِّلْ إلّا عَلَيْهِ في كُلِّ دَفْعٍ ونَفْعٍ، وسارَعَ في مَراضِيهِ ومَحابِّهِ في كُلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ. ولَمّا كانَ [ ذَلِكَ -] في حَدِّ ذاتِهِ خارِجًا عَنْ طَوْقِ المَخْلُوقِ، وكانَ سُمْكُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، و[ لِما -] بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ كَذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الفُرُوجِ والعُمَدِ والأطْنابِ، فَكانَ ذَلِكَ النِّهايَةُ في الخُرُوجِ عَنِ العادَةِ في حَدِّ ذاتِهِ ولِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ القُبَّةَ إذا بُنِيَتْ بِلا فُرُوجٍ ولا شَيْءَ يَدْخُلُ الهَواءَ مِنهُ تَفْسُدُ وتَسْقُطُ، دَلَّ عَلى عِزَّتِهِ بِعَظِيمِ صُنْعِهِ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ واصِفًا لَها: ﴿ما تَرى فِي﴾ وكانَ الأصْلُ: خَلْقِها، ولَكِنَّهُ دَلَّ عَلى عِزَّتِهِ وعُمُومِ عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ لَها ولِغَيْرِها ولَوْلا رَحْمَتُهُ وعُمُومُ عَظَمَتِهِ الَّتِي اقْتَضَتْ إكْرامَهُ لِخَلْقِهِ بَعْدَ غُفْرانِهِ لِما لَهم مِنَ النَّقائِصِ ما أحْسَنَ إلَيْهِمْ [ بِها -] في اتِّساعِها وزِينَتِها وما فِيها مِنَ المَنافِعِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: (p-٢٢٥)﴿مِن تَفاوُتٍ﴾ بَيْنَ صَغِيرِ ذَلِكَ الخَلْقِ وكَبِيرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ في إيجادِهِ لَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، إنَّما قَوْلُهُ [ لَهُ -] إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الذُّرَةِ مَثَلًا والغَرْسِ ولا بِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ مِن عَجْزِ صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ عَنْ إيجادِ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا جَلِيلًا كانَ أوْ حَقِيرًا، ولا تَرى تَفاوُتًا في الخَلْقِ بِأنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُ فائِتًا لِلْآخَرِ بِالمُخالَفَةِ والِاضْطِرابِ والتَّناقُضِ في الخِلْقَةِ غَيْرِ مُناسِبٍ لَهُ بِأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ أوْ مُنافِرًا لَهُ في مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وآثارِ الإحْسانِ في الصَّنْعَةِ، والنُّزُولِ عَنِ الإتْقانِ والِاتِّساقِ، والخُرُوجِ عَنِ الإحْكامِ والِاتِّفاقِ، والدَّلالَةِ لِلْخالِقِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ولِلْمَخْلُوقِ عَلى الحُدُوثِ بِنَوْعٍ مِن ضَعْفِ البِنْيَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ [ كُلُّ -] واحِدٍ كالطّالِبِ لِأنْ يُخالِفَ الآخَرَ، أوْ تَعْمَدَ لِأنْ يُفَوِّتَ الآخَرَ ويُخالِفُهُ - عَلى قِراءَةِ حَذْفِ الألِفِ والتَّشْدِيدِ بِحَيْثُ يَكُونُ التَّفاضُلُ في المُزْدَوَجاتِ وعَدَمِ المُساواةِ كَأنَّهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ، بَلْ لا تُوجَدُ المُخالَفَةُ إلّا نادِرًا بِحَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ المُشاكَلَةَ هي المَقْصُودُ بِالذّاتِ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ، فَإذا وقَعَ في شَيْءٍ مِنهُ مُخالَفَةٌ كانَ عَلى وجْهِ النُّدُورِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِيارِ وأنَّ الفاعِلَ هو القادِرُ المُخْتارُ لا الطَّبِيعَةُ، قالَ الرّازِيُّ: كَأنَّ التَّفاوُتُ الشَّيْءَ (p-٢٢٦)المُخْتَلِفَ لِأعْلى النِّظامِ، وقالَ البَغَوِيُّ: مِنَ اعْوِجاجٍ واخْتِلافٍ وتَناقُضٍ، وقالَ غَيْرُهُ: [ عَدَمُ -] التَّناسُبِ كَأنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ يَفُوتُ بَعْضًا ولا يُلائِمُهُ، وهو مِنَ الفَوْتِ وهو أنْ يَفُوتَ بَعْضُها بَعْضًا لِقِلَّةِ اسْتِوائِها، وقالَ أبُو حَيّانَ: والتَّفاوُتُ تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي يَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نُقْصانٌ - انْتَهى. يَظْهَرُ ذَلِكَ بِأنَّ أغْلَبَ الخَلْقِ أجْوَفُ، والأجْوَفُ يَعْمَلُ مَبْسُوطًا ثُمَّ يَضُمُّ ويُوصِلُ أحَدَ جانِبَيْهِ بِالآخَرِ فَيَكُونُ ثَمَّ نَوْعُ فِطْرٍ يَعْرِفُهُ أهْلُ الحَذْقِ وإنِ اجْتَهَدَ صانِعُهُ في إخْفائِهِ وإنْ كانَ فِيهِ أشْياءٌ مُتَقابِلَةٌ كانَ فِيها تَفاوُتٌ ولَوْ قَلَّ وإنِ اجْتَهَدَ الصّانِعُ في المُساواةِ، وخَلْقُ اللَّهِ لا تَفاوُتَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فالسَّماواتُ كُرَيَّةٌ ولا تَرى في جانِبٍ مِنها شِقًا ولا فَطْرًا ظاهِرًا ولا خَفِيًّا، والحَيَوانُ أجْوَفُ ولا تَرى في شَيْءٍ مِن جَسَدِهِ فَصْمًا يَكُونُ الضَّمُّ والتَّجْوِيفُ وقَعَ بِهِ وكُلُّ مِن مُتَقابَلَيْهِ مُساوٍ لِلْآخَرِ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ والمِنخَرَيْنِ والسّاقَيْنِ ونَحْوِها مِمّا يَقْصِدُ فِيهِ التَّساوِيَ لا تَفاوُتَ فِيهِ أصْلًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ شَرْحُهُ، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ، فَسُبْحانَ مَن لا تَتَناهى قُدْرَتُهُ فَلا تَتَناهى مَقْدُوراتُهُ، ولا تُحْصى بِوَجْهِ مَعْلُوماتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ هَيِّنٌ، والأمْرُ في ذَلِكَ واضِحٌ بَيِّنٌ، هَذا مَعَ الِاتِّساعِ الَّذِي لا يُدْرَكُ مِقْدارُهُ بِأكْثَرِ (p-٢٢٧)مِن [ أنَّ -] كُلَّ سَماءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الَّتِي فَوْقَها كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ إلى أنْ يُوصَلَ إلى الكُرْسِيِّ ثُمَّ العَرْشِ العَظِيمِ، ومَن سَرَّ كَوْنَها كَذَلِكَ حُصُولُ النَّفْعِ بِكُلِّ ما فِيها مِن كَواكِبَ مُرَطَّبَةٍ أوْ مُيَبَّسَةٍ أوْ مُنَوَّرَةٍ واتِّصالاتٍ مُمْطِرَةٍ ومُثَبَّتَةٍ يَجْرِي كُلُّ ذَلِكَ مِنها عَلى تَرْتِيبٍ مُطَّرِدٍ، ونِظامٍ غَيْرِ مُنْخَرِمٍ مُقَدَّرٍ جَرْيُهُ بِالقِسْطِ مُرَتَّبٍ عَلى مَنافِعِ الوُجُودِ ومَصالِحِ الكائِناتِ كُلُّها مَكْفُوفَةٌ عَلى هَواءٍ لَطِيفٍ بِتَدْبِيرٍ شَرِيفٍ: لا يَتَعَدّى شَيْءٌ مِنها طَوْرَهُ ولا يَتَخَطّى حَدَّهُ، ولا يَرْسُبُ فِيها تَحْتَهُ مِنَ الهَواءِ فَيَهْوِي، ولا يَرْتَفِعُ عَنْ مَحِلِّهِ بِمِقْدارِ ذَرَّةٍ فَيَطْفُو، قَدْ أحاطَ بِكُلِّها الأمْرَ، وضَبَطَها صاغِرَةَ القَهْرِ. ولَمّا كانَ العِلْمُ النّاشِئُ عَنِ الحُسْنِ أجْلَّ العُلُومِ، دَلَّ عَلى بَدِيعِ ما ذَكَرَهُ بِمُشاهَدَةِ الحِسِّ لَهُ كَذَلِكَ، فَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُنَبِّهًا بِالرَّجْعِ الَّذِي هو تَكْرِيرُ الرُّجُوعِ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُشاهِدُ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِن حِينِ يَعْقِلُ إلى أنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّكْلِيفِ المُقْتَضِيَ لِلْمُخاطَبَةِ بِهَذا الكَلامِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ أيْ بَعْدِ تَرْدِيدِكَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ودَلَّ بِتَوْجِيهِ الخِطابُ نَحْوَ أكْمَلِ الخَلْقِ ﷺ في السَّمْعِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ وكُلُّ مَعْنًى إلى أنَّ ذَلِكَ لا شُبْهَةَ فِيهِ. (p-٢٢٨)ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِالبَحْثِ عَنْهُ، نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا [ مِمّا -] اشْتَدَّتْ عِنايَةُ الأوَّلِينَ بِهِ فَقالَ: ﴿هَلْ تَرى﴾ أيْ في شَيْءٍ مِنها. ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ، أعْرَقُ [ في النَّفْيِ -] بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فُطُورٍ﴾ أيْ خَلَلٍ بِشُقُوقٍ وصُدُوعٍ أوْ غَيْرِها لِتُغايِرَ ما [ هي -] عَلَيْهِ وأخْبَرَتْ بِهِ مِن تَناسُبِها واسْتِجْماعِها واسْتِقامَتِها ما يَحِقُّ لَها مِمّا يَدُلُّ عَلى عِزَّةِ ما فِيها وبَلِيغِ غُفْرانِهِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى إحاطَةِ كُلٍّ مِنها بِما دُونَهُ فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَها فُرُوجٌ لَفاتَتِ المَنافِعُ الَّتِي رُتِّبَتْ لَها النُّجُومُ المُفَرَّقَةُ في طَبَقاتِها أوْ بَعْضِها أوْ كَمالِها، فالهَواءُ وجَمِيعُ المَنافِعِ مُنْحَبِسَةٌ فِيها مَحُوطَةٌ [ بِها -] مُضْطَرِبَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ فِيها عَلى حَسَبِ التَّدْبِيرِ والحَيَوانِ في الهَواءِ كالسَّمَكِ في الماءِ، أوِ انْحَبَسَ الهَواءُ عَنْهُ لَماتَ كَما أنَّهُ لَوِ انْكَشَفَ الماءُ عَنِ السَّمَكِ لَماتَ.

الملك 67:4

ولَمّا كانَ في سِياقِ المُجازاةِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ الَّتِي دَلَّ عَدَمُ الِانْتِصافِ مِنَ الظّالِمِينَ في هَذِهِ الدّارِ عَلى أنَّها تَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ (p-٢٢٩)وكانَتِ العِزَّةُ مُقْتَضِيَةً لِذَلِكَ، وكانَ خَلْقُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِهَذا الوُجُودِ عَلى هَذا النِّظامِ مُثْبَتًا لَها، وكانَتْ أعْمالُهم أعْمالَ المُنْكَرِ لَها، ولا سِيَّما تَصْرِيحُهم بِأنَّهُ لا بَعْثَ، دَلَّ عَلى عَظَمَةِ عِزَّتِهِ بِما أبْدَعَهُ مِن هَذا السَّقْفِ الرَّفِيعِ البَدِيعِ، ثُمَّ بِجَعْلُهُ مَحْفُوظًا هَذا الحِفْظَ المَنِيعَ، عَلى تَعاقُبِ الأحْقابِ وتَكَرُّرِ السِّنِينَ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي دالًّا عَلى جَلالِهِ بِإدامَةِ التَّكْرِيرِ طُولَ الزَّمانِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ﴾ وأكَّدَ ما أفْهَمَتْهُ الآيَةُ مِن طَلَبِ التَّكْرِيرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ - هَذا مَدْلُولُها لُغَةً، وبِالنَّظَرِ إلى السِّياقِ عُلِمَ أنَّ المَرَدَّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لا تَزالُ تُكَرِّرُ ذَلِكَ لِارْتِيادِ الخَلَلِ لا إلى نِهايَةٍ، كَما أنَّ ”لَبَّيْكَ“ مُرادٌ بِهِ إجابَةٌ إلى غَيْرِ غايَةٍ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ بَلْ غَلَبَةٌ وإعْياءٌ وانْكِسارٌ ﴿البَصَرُ خاسِئًا﴾ أيْ صاغِرًا مَطْرُودًا [ ذَلِيلًا -] بَعِيدًا عَنْ إصابَةِ المَطْلُوبِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿حَسِيرٌ﴾ أيْ كَلَيْلٍ تَعِبَ مَعِي مِن طُولِ المُعاوَدَةِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ وبُعْدِ المَسْرَحِ، وإذا كانَ هَذا الحالُ في بَعْضِ المَصْنُوعِ فَكَيْفَ يَطْلُبُ العِلْمَ بِالصّانِعِ في كَمالِهِ مِن جَلالِهِ وجَمالِهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَفَوَّهُ بِالحُلُولِ أوِ الِاتِّحادِ حَسْبُهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ.

الملك 67:5

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ بَدِيعِ هَذا الخَلْقِ، ونَبَّهَ عَلى بَعْضِ (p-٢٣٠)دَقائِقِهِ وأمَرَ بِالإبْصارِ وتَكْرِيرِهِ، وكانَ السّامِعُ أوَّلَ ما يُصَوِّبُ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ لِشَرَفِها وغَرِيبِ صُنْعِها وبَدِيعِ وضْعِها ومَنِيعِ رَفْعِها، فَكانَ بِحَيْثُ يَتَوَقَّعُ الإخْبارَ عَنْ هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي رُصِّعَتْ بِها، قالَ في جَوابِ [ مِن -] تُوقِعُهُ مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ إعْلامًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَبْعُدَ العاقِلُ عَنْ إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا يُنْسَبُ إلى صاحِبِ هَذا الخَلْقِ مِنَ الكَمالِ، [ عاطِفًا -] عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ كَفى هَذا القَدْرَ في الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ مُبْدِعِ هَذا الصُّنْعِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ: ﴿ولَقَدْ﴾ واسْتَجْلَبَ الشُّكْرَ بِجَلْبِ المَسارِّ فَقالَ ناظِرًا إلى مَقامِ العَظَمَةِ صَرْفًا لِلْعُقُولِ عَمّا اقْتَضاهُ ”الرَّحْمَنُ“ مِن عُمُومِ الرَّحْمَةِ تَذْكِيرًا بِما في الآيَةِ الماضِيَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى ما في الزِّينَةِ بِالنُّجُومِ مِن مَزْجِها بِالرُّجُومِ الَّذِي هو عَذابُ ”الجِنِّ المُتَمَرِّدِينَ الطّاغِينَ“: ﴿زَيَّنّا﴾ دَلالَةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلالَةِ الأُولى ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيْ أدْنى السَّماواتِ إلى الأرْضِ وهي الَّتِي تَشْهَدُ وأنْتُمْ دائِمًا تُشاهِدُونَها وهي سَقْفُ الدّارِ الَّتِي اجْتَمَعْتُمْ فِيها في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿بِمَصابِيحَ﴾ أيْ نُجُومٍ مُتَّقِدَةٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا، كَثْرَتُها تَفُوتُ الحَصْرَ، ظاهِرَةٌ سائِرَةٌ مُضِيئَةٌ زاهِرَةٌ. وهي الكَواكِبُ الَّتِي تُنَوِّرُ الأرْضَ بِاللَّيْلِ إنارَةَ السَّرْجِ الَّتِي تُزَيِّنُونَ بِها سُقُوفَ دُورِكُمْ، فَتُفِيدُ شُعْبَةً مِن ضَوْءِ الصَّباحِ، والتَّزْيِينُ بِها لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً فِيها فَوْقَها [ مِنَ السَّماواتِ -] وهي تَتَراءى لَنا بِحَسَبِ الشُّفُوفِ (p-٢٣١)بِما لِلْجِرامِ السَّماوِيَّةِ مِنَ الصَّفاءِ، ولِتِلْكَ المَصابِيحِ مِن شِدَّةِ الإضاءَةِ. ولَمّا أخْبَرَ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ - بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ فِيها مُنَبِّهًا عَلى ما فِيها مِن جَلْبِ المَسارِ بِتِلْكَ الأنْوارِ والهِدايَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا الَّتِي لَوْلا هي لَما انْتَفَعَ أحَدٌ في لَيْلٍ انْتِفاعًا تامًّا، أخْبَرَ بِما فِيها مَعَ الزِّينَةِ مِن دَفْعِ المَضارِّ بِعِبارَةٍ عامَّةٍ وإنْ كانَ المُرادُ البَعْضَ الأغْلَبَ فَإنَّ ما لِلرُّجُومِ مِنها غَيْرَ ما لِلِاهْتِداءِ والرُّسُومِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْناها﴾ أيِ النُّجُومَ مِن حَيْثُ [ هي -] بِعَظَمَتِنا مَعَ كَوْنِها زِينَةً وأعْلامًا لِلْهِدايَةِ ﴿رُجُومًا﴾ جَمْعُ رُجْمٍ وهو مَصْدَرٌ واسْمٌ لِما يُرْجَمُ بِهِ ﴿لِلشَّياطِينِ﴾ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الطَّرْدَ والبُعْدَ والحَرْقَ مِنَ الجِنِّ لِما لَهم مِنَ الِاحْتِراقِ، وذَلِكَ بَيانًا لِعَظَمَتِنا وحِراسَةً لِلسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي هي مَحَلُّ تَنَزُّلِ أمْرِنا بِالقَضاءِ والقَدْرِ، وإنْزالِ هَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ لِئَلّا يُفْسِدُوا بِاسْتِراقِ السَّمْعِ مِنها عَلى النّاسِ دِينَهُمُ الحَقَّ، ويُلَبِّسُوا عَلَيْهِمْ أمْرَهم بِخَلْطِ الحَقِّ الَّذِي خَتَمْنا بِهِ الأدْيانَ بِالباطِلِ، فَيُخْرِجُوهم - لِأنَّهم أعْداؤُهم - مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ [ كَما -] كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مَعَ ما فِيها بِما خَلَقَ سُبْحانَهُ في أمْزِجَتِها مِن تَرْطِيبٍ وتَجْفِيفٍ وحَرٍّ وبَرْدٍ واعْتِدالٍ يَنْشَأُ عَنْهُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ وقَهْرُها بِهِ مِن شُرُوقٍ وغُرُوبٍ وحَرَكَةٍ وسُكُونٍ يُعْرَفُ بِها ما إلَيْهِ المَآلُ، مِمّا أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الزَّوالِ، مَعَ ما يَدُلُّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والعَشِيِّ (p-٢٣٢)والإبْكارِ وأشْياءِ يَكِلُّ عَنْها الوَصْفُ في ذَواتِها وعَنْ إحْصاءِ مَنافِعِها حَتّى لَوْ عُدِمَ شَيْءٌ مِمّا في السَّماواتِ مِمّا دَبَّرَهُ الحَكِيمُ لِصَلاحِ هَذا العالَمِ يَهْلَكُ كُلُّ حَيَوانٍ ونَباتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ، والشِّهابُ المَرْجُومُ بِهِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِ الكَواكِبِ وهو قارٌّ في فَلَكِهِ عَلى حالَةٍ كَقَبَسِ النّارِ يُؤْخَذُ مِنها وهي باقِيَةٌ عَلى حالِها لا نَقُصُّ، وذَلِكَ مُسَوِّغٌ لِتَسْمِيَتِها بِالرُّجُومِ، فَمَن لَحِقَهُ الشِّهابُ مِنهم قَتَلَهُ أوْ ضَعْضَعَ أمْرَهُ وخَبَلَهُ، ويَحْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ظُنُونًا لِشَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِها رَجْمًا بِالغَيْبِ في أشْياءَ هي مِن عَظِيمِ الِابْتِلاءِ لِيَتَبَيَّنَ المُوقِنَ مِنَ المُزَلْزِلِ والعالِمَ مِنَ الجاهِلِ؛ وفي البُخارِيِّ: قالَ قَتادَةُ: ”خُلِقَتِ النُّجُومُ لِثَلاثٍ: زِينَةٌ لِلسَّماءِ، ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٌ يُهْتَدى بِها، فَمَن تَأوَّلَ فِيها غَيْرَ ذَلِكَ أخْطَأ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ“ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ورَجَمْناهم بِها بِالفِعْلِ عِنْدَ اسْتِراقِهِمْ لِلسَّمْعِ إبْعادًا لَهم عَنْ مَسْكَنِ المُكَرَّمِينَ ومَحَلِّ النَّزاهَةِ والأُنْسِ ومَهْبِطِ القَضاءِ والتَّقْدِيرِ، ونَكالًا لِغَيْرِهِمْ مِن أمْثالِهِمْ عَذابًا لَهم في الدُّنْيا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَرْهِيبًا مِن جَلالِهِ بَعْدَ ما رَغِبَ في عَظِيمِ جَمالِهِ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ هَيَّأْنا في الآخِرَةِ مَعَ هَذا (p-٢٣٣)الَّذِي في الدُّنْيا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَهُمْ﴾ أيِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أيِ [ النّارِ -] الَّتِي هي في غايَةِ الِاتِّقادِ، فَفي الآيَةِ بِشارَةُ أهْلِ السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ وفِيها مِنَ التَّنْبِيهِ ما لا يَخْفى.

الملك 67:6

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ تَهْيِئَتِهِ العَذابَ لَهم بِالخُصُوصِ، أخْبَرَ أيْضًا عَنْ تَهْيِئَتِهِ لِكُلِّ عامِلٍ بِأعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ انْدَرَجُوا هم فِيهِ فَقالَ حاثًّا عَلى التَّكَفُّرِ في عَظِيمِ انْتِقامِهِ الخارِجِ عَنِ العادَةِ في عَدَمِ الِانْطِفاءِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِسَيْفٍ ولا عَصًا. ولا بِسَوْطٍ ونَحْوِهِ بَلِ النّارُ الخارِجَةُ عَنِ العادَةِ في عَدَمِ الِانْطِفاءِ، ولا لِلْمُعَذَّبِ مِنَ الخَلاصِ مِنها مَسْلَكٌ ولا رَجاءٌ [ بَلْ -] كُلَّما طالَ الزَّمانُ تَلَقَّتْهُ بِالشِّدَّةِ والِامْتِدادِ، بِئْسَ الجامِعَةُ لِلْمَذامِّ في كُلِّ انْتِقامٍ مَعَ الإهانَةِ والِاحْتِقارِ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ أيْ أوْقَعُوا -] التَّغْطِيَةَ لِما [ مِن -] حَقِّهِ أنْ يَظْهَرَ ويُشْهِرَ مِنَ الإذْعانِ لِلْإلَهِ، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ عَنْ مَقامِ العَظَمَةِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ الخاصَّةِ بِالتَّرْبِيَةِ تَنْبِيهًا عَلى ما في إنْكارِهِ مِن عَظِيمِ الكُفْرانِ: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِإيجادِهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ فَأنْكَرُوا إيجادَهُ لَهم بَعْدَ المَوْتِ وذَلِكَ كُفْرًا مِنهم بِما شاهَدُوا مِنِ اخْتِراعِهِ لَهم مِنَ العَدَمِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ أيِ الدِّرْكَةِ النّارِيَّةِ الَّتِي تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ (p-٢٣٤)والعَبُوسَةِ والغَضَبِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هي مَصِيرُهُمْ، قالَ دالًّا عَلى عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنها أصْلًا أزَلًا وأبَدًا: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ هي.

الملك 67:7

ولَمّا عَبَّرَ عَنْ ذَمِّها بِمَجْمَعِ المَذامِّ، أتْبَعَهُ الوَصْفَ لِبَعْضِ تَجَهُّمِها عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ، فَقالَ دالًّا بِالإلْقاءِ عَلى خَساسَتِهِمْ وحَقارَتِهِمْ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحْقِيقِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وبِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ إلْقاءَهم في غايَةِ السُّهُولَةِ عَلى كُلِّ مَن يُؤْمَرُ بِهِ: ﴿إذا أُلْقُوا﴾ أيْ طُرِحَ الَّذِينَ كَفَرُوا [و -] الأخِسّاءُ مِن أيِّ طارِحٍ أمَرْناهُ بِطَرْحِهِمْ ﴿فِيها﴾ حِينَ تَعْتِلُهُمُ المَلائِكَةُ فَتَطْرَحُهم كَما تُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ ﴿سَمِعُوا لَها﴾ أيْ جَهَنَّمَ نَفْسَها ﴿شَهِيقًا﴾ أيْ صَوْتًا هائِلًا أشَدَّ نَكارَةً مِن أوَّلِ صَوْتِ الحِمارِ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها، أوْ لِأهْلِها - عَلى حَذْفِ مُضافٍ ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ أيْ تَغْلِي بِهِمْ كَغْلِيِ المِرْجَلِ بِما فِيهِ [ مِن -] شِدَّةِ التَّلَهُّبِ والتَّسَعُّرِ، فَهم لا يَزالُونَ فِيها صاعِدِينَ هابِطِينَ كالحُبِّ إذا كانَ [ الماءُ -] يَغْلِي بِهِ، لا قَرارَ لَهم أصْلًا.

الملك 67:8

ولَمّا وصَفَها بِالفَوَرانِ، بَيَّنَ سَبَبَهُ تَمْثِيلًا لِشِدَّةِ اشْتِعالِها عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ أيْ تَقَرَّبُ [ مِن -] أنْ يَنْفَصِلَ بَعْضُها مِن (p-٢٣٥)بَعْضٍ كَما يُقالُ: يَكادُ فُلانٌ يَنْشَقُّ مِن غَيْظِهِ وفُلانٌ غَضِبَ فَطارَتْ شَقَّةٌ مِنهُ في الأرْضِ وشَقَّةٌ في السَّماءِ - كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ حَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَحْصُلُ [ مِنها -] افْتِراقٌ واتِّصالٌ عَلى وجْهٍ مِنَ السُّرْعَةِ لا يَكادُ يُدْرَكُ حَقَّ الإدْراكِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِغَضَبِ سَيِّدِها، وتَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ تُقادُ إلى المَحْشَرِ بِألْفِ زِمامٍ لِكُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَها بِهِ، وهي شِدَّةُ الغَيْظِ تَقْوى عَلى المَلائِكَةِ وتَحْمِلُ عَلى النّاسِ فَتَقْطَعُ الأزْمَةَ جَمِيعًا وتُحَطِّمُ أهْلَ المَحْشَرِ فَلا يَرُدُّها عَنْهم إلّا النَّبِيُّ ﷺ يُقابِلُها بِنُورِهِ فَتَرْجِعُ مَعَ أنَّ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنَ القُوَّةِ ما لَوْ أمَرَ [ بِهِ -] أنْ يَقْتَلِعَ الأرْضَ وما عَلَيْها مِنَ الجِبالِ ويَصْعَدُ بِها في الجَوِّ فَعَلَ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ، وهَذا كَما أطْفَأها في الدُّنْيا بِنَفْخَةٍ كَما رَواهُ الجَماعَةُ إلّا التِّرْمِذِيِّ وهَذا لَفْظُ أبِي داوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - فَذَكَرَ صَلاتَهُ إلى أنْ قالَ: ثُمَّ نَفَخَ في آخِرِ سُجُودِهِ. فَقالَ: أُفٍّ أُفٍّ ألَمْ تَعِدْنِي أنْ لا تُعَذِّبُهم وأنا فِيهِمْ وهم يَسْتَغْفِرُونَ» وفي رِوايَةِ النَّسائِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ ﷺ: «لَقَدْ أُدْنِيَتْ مِنِّي النّارُ حَتّى جَعَلْتُ ألْفِتُها خَشْيَةَ أنْ تَغْشاكُمْ» . ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَها، أتْبَعَهُ حالَهم في تَعْذِيبِ القَلْبِ بِاعْتِقادِهِمْ (p-٢٣٦)أنَّهم ظَلَمَةٌ عَلى وجْهٍ، بَيَّنَ السَّبَبَ في عَذابِهِمْ زَجْرًا عَنْهُ فَقالَ: ﴿كُلَّما﴾ ولَمّا كانَ المُنْكِئُ مُجَرَّدَ الإلْقاءِ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ وعَلى حَقارَتِهِمْ بِسُهُولَةِ إلْقائِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿أُلْقِيَ فِيها﴾ أيْ جَهَنَّمَ بِدَفْعِ الزَّبانِيَةِ بِهِمُ الَّذِينَ هم أغْيَظُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّارِ ﴿فَوْجٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ هم في غايَةِ الإسْراعِ مُوجِفِينَ مُضْطَرِبِي الأجْوافِ مِن شِدَّةِ السَّوْقِ ﴿سَألَهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الفَوْجُ ﴿خَزَنَتُها﴾ أيِ النّارِ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإرْجافٍ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ سُؤالُهُمْ؟ قالَ: قالُوا مُوَبِّخِينَ لَهم مُبَكِّتِينَ مُحْتَجِّينَ عَلَيْهِمْ في اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ زِيادَةً في عَذابِهِمْ بِتَعْذِيبِ أرْواحِهِمْ بَعْدَ تَعْذِيبِ أشْباحِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ يُخَوِّفُكم هَذا العَقارُ ويُذَكِّرُكم بِما حَلَّ بِكم وبِما حَلَّ مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ المُثُلاثِ، لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ، ويَقْرَأُ عَلَيْكُمُ الكُتُبَ المُنْزَلاتِ

الملك 67:9

﴿قالُوا بَلى﴾ ولَمّا طابَقَ هَذا الجَوابَ فَتَوَقَّعَ السّامِعُ إيضاحَهُ. أفْصَحُوا بِما أفْهَمَهُ وشَرَحُوهُ تَأسُّفًا عَلى أنْفُسِهِمْ مِمّا حَلَّ بِهِمْ وتَحَسُّرًا فَقالُوا: ﴿قَدْ جاءَنا﴾ وأظْهَرُوا مَوْضِعَ الإضْمارِ تَأْكِيدًا وتَنْصِيصًا فَقالُوا: ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ مُخَوِّفٌ بَلِيغُ التَّحْذِيرِ ﴿فَكَذَّبْنا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ مَجِيئِهِ أنَّنا أوْقَعْنا التَّكْذِيبَ بِكُلِّ (p-٢٣٧)ما قالَهُ النَّذِيرُ ﴿وقُلْنا﴾ أيْ زِيادَةً في التَّكْذِيبِ والنِّكايَةِ لَهُ والعِنادِ الَّذِي حَلَّ شُؤْمُهُ بِنا: ﴿ما نَـزَّلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ عَلَيْكم و[ لا -] عَلى غَيْرِكُمْ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّفْعِيلِ إشارَةٌ إلى إنْكارِهِمُ الفِعْلَ بِالِاخْتِيارِ المُلازِمِ لِلتَّدْرِيجِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأعْرَقْنا في النَّفْيِ فَقُلْنا: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لا وحْيًا ولا غَيْرَهُ، وما كَفانا هَذا الفُجُورُ حَتّى قُلْنا مُؤَكِّدِينَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما. ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِرَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبًا لِجَمِيعِ الرُّسُلِ قالُوا عِنادًا: ﴿أنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها النُّذُرُ المَذْكُورُونَ في ”نَذِيرٍ“ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وفي خِطابِ الجَمْعِ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ جَوابَ الكُلِّ لِلْكُلِّ كانَ مُتَّحِدًا مَعَ افْتِراقِهِمْ في الزَّمانِ حَتّى كَأنَّهم كانُوا [ عَلى -] مِيعادٍ ﴿إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ بُعْدٍ عَنِ الطَّرِيقِ وخَطَأٍ وعَمًى مُحِيطٍ بِكم ﴿كَبِيرٍ﴾ فَبالَغْنا في التَّكْذِيبِ والسَّفَهِ بِالِاسْتِجْهالِ والِاسْتِخْفافِ.

الملك 67:10

ولَمّا حَكى سُبْحانَهُ ما قالُوهُ لِلْخَزَنَةِ تَحَسُّرًا عَلى أنْفُسِهِمْ حَكى ما قالُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم زِيادَةً في التَّحَزُّنِ ومَقْتًا لِأنْفُسِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا﴾ أيِ الكَفَرَةِ في تَوْبِيخِ أنْفُسِهِمْ: ﴿لَوْ كُنّا﴾ أيْ بِما هو لَنا كالغَرِيزَةِ. ولَمّا كانَ السَّمْعُ أعْظَمَ مَدارِكِ العَقْلِ الَّذِي هو مَدارُ التَّكْلِيفِ قالُوا: ﴿نَسْمَعُ﴾ أيْ سَماعًا يَنْفَعُ بِالقَبُولِ لِلْحَقِّ والرَّدِّ لِلْباطِلِ ﴿أوْ نَعْقِلُ﴾ أيْ بِما أدَّتْهُ إلَيْنا حاسَّةُ السَّمْعِ وغَيْرِها عَقْلًا يُنْجِي وإنْ (p-٢٣٨)لَمْ يَكُنْ سَمْعٌ، وإنَّما قَصَرُوا الفِعْلَيْنِ إشارَةً إلى أنَّ ما كانَ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ عَدَمٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهم هَذا البَلاءُ بِالقَبُولِ مِنَ الرُّسُلِ لِما ذَكَّرُوهم بِهِ مِن نَصائِحِ رَبِّهِمْ وشَهادَةِ الشَّواهِدِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿ما كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا دائِمًا ﴿فِي أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ في عِدادِ مَن أُعِدَّتْ لَهُ النّارُ الَّتِي هي في غايَةِ الِاتِّقادِ والحَرِّ والتَّلَهُّبِ والتَّوَقُّدِ حَتّى كَأنَّ بِها جُنُونًا، وحَكَمَ بِخُلُودِهِمْ في صُحْبَتِها، وأعْظَمُ ما في هَذا مِنَ العَذابِ بِكَوْنِهِمْ أُلْجِئُوا إلى أنْ يُباشِرُوا تَوْبِيخَ أنْفُسِهِمْ ومَقْتَها بِأنْفُسِهِمْ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم خُرُوجًا عَنِ العادَةِ في الدُّنْيا مِن أنَّ الإنْسانَ إذا أظْهَرَ الخُضُوعَ بِاعْتِرافِهِ ولَوْمِهِ نَفْسَهُ وإنْصافِهِ رُحِمَ وقُبِلَ، وفي الآيَةِ أعْظَمُ فَضِيلَةٍ لِلْعَقْلِ، رَوى ابْنُ المُحَبَّرِ في كِتابِ العَقْلِ والحارِثُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"لِكُلِّ شَيْءٍ دِعامَةٌ ودِعامَةُ المُؤْمِنِ عَقْلُهُ فَبِقَدْرِ عَقْلِهِ تَكُونُ عِبادَتُهُ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الفُجّارِ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾» .

الملك 67:11

ولَمّا كانَ هَذا الإقْرارُ زائِدًا في ضَرَرِهِمْ، وإنَّما كانَ يَكُونُ نافِعًا لَهم لَوْ قالُوهُ في دارِ العَمَلِ ونَدِمُوا عَلَيْهِ وأقْلَعُوا عَنْهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ ضامًّا - إلى ما تَقَدَّمَ مِن تَعْذِيبِ أرْواحِهِمْ بِمَقْتِ المَلائِكَةِ لَهم ثُمَّ مَقْتِهِمْ (p-٢٣٩)لِأنْفُسِهِمْ - مَقْتَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿فاعْتَرَفُوا﴾ أيْ بالَغُوا جامِعِينَ إلى مَقْتِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ لَهم مَقْتَهم لِأنْفُسِهِمْ في الِاعْتِرافِ وهو الإقْرارُ عَنْ مَعْرِفَةٍ. ولَمّا كانَ الَّذِي أوْرَدَهُمُ المَهالِكَ هو الكُفْرُ الَّذِي تَفَرَّعَتْ عَنْهُ جَمِيعُ المَعاصِي، أفْرَدَ فَقالَ تَعالى: ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ أيْ في دارِ الجَزاءِ كَما كانُوا يُبالِغُونَ في التَّكْذِيبِ في دارِ العَمَلِ فَلَمْ [ يَكُنْ -] يَنْفَعُهم لِفَواتِ مَحِلِّهِ، أوْ أنَّهُ لَمْ يَجْمَعِ الذَّنْبَ إشارَةً إلى أنَّهم كانُوا كُلُّهم في المُبالَغَةِ في التَّكْذِيبِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] أوْ أنَّ الإفْرادَ أشَدُّ في التَّحْذِيرِ مِن كَثِيرِ الذُّنُوبِ وقَلِيلِها حَقِيرِها وجَلِيلِها. ولَمّا كانُوا قَدْ أبْلَغُوا في كِلْتَيِ الدّارَيْنِ في إبْعادِ أنْفُسِهِمْ عَنْ مُواطِنِ الرَّحْمَةِ وتَسْفِيلِها إلى حالِ النِّقْمَةِ أنْتَجَ ذَلِكَ وسَبَّبَ قَوْلُهُ: ﴿فَسُحْقًا﴾ أيْ بُعْدًا في جِهَةِ السُّفْلِ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ مُسْتَجابٌ ﴿لأصْحابِ﴾ وأظْهَرُ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ تَوَقُّدِها وتَغَيُّظِها وتَهَدُّدِها فَقالَ: ﴿السَّعِيرِ﴾ أيِ الَّذِي قَضَتْ عَلَيْهِمْ أعْمالُهم بِمُلازَمَتِها. (p-٢٤٠)

الملك 67:12

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أهْلَ المُعامَلَةِ بِصِفَةِ العِزَّةِ لِما حَصَلَ لَهم مِنَ العِزَّةِ، أتْبَعُهم أضْدادَهُمُ المُطَوِّعِينَ أنْفُسَهم لِإشارَةِ العَقْلِ المُتَأهِّلِينَ لِنَعْتِ المَعْرِفَةِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لِلْأضْدادِ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ أيْ يَخافُونَ [ خَوْفًا -] أرَقَّ قُلُوبَهم وأرَقَّ غَيْرَهم بِحَيْثُ كانُوا كالحُبِّ عَلى المَقْلِيِّ لا يُقِرُّ لَهم قَرارٌ مِن تَوَقُّعِهِمُ العُقُوبَةَ، كُلَّما ازْدادُوا طاعَةً ازْدادُوا خَشْيَةً، يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ فَوَقَوْا أنْفُسَهم فَوَرانَ النّارِ بِهِمْ، وعَدَلَ عَنْ سِياقِ الجَلالَةِ الجامِعِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم غُلِّبَ عَلَيْهِمُ النَّظَرُ إلى الإحْسانِ فَقادَهم إلى الشُّكْرِ مَعَ ما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الخَشْيَةُ مِنَ اتِّصافِهِمْ بِالفَرْقِ الَّذِي أدّاهم إلى الذُّعْرِ فَقالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِتَطْوِيرِهِمْ بِما جَعَلَ لَهم مِنَ الأسْبابِ في أطْوارِ الخَيْرِ وإذا كانُوا يَخْشَوْنَهُ مَعَ نَظَرِهِمْ إلى صِفَةِ إحْسانِهِ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ عِنْدَ النَّظَرِ إلى صِفاتِ انْتِقامِهِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ غائِبِينَ عَنْهُ سُبْحانَهُ ووَعِيدُهُ غائِبًا عَنْهم وهم غائِبُونَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ وقَدْ مَلَأ الخَوْفُ ما غابَ عَنْهم عَنِ النّاسِ وهي قُلُوبُهم فَهم مَعَ النّاسِ يَتَكَلَّمُونَ وقُلُوبُهم تَتَلَظّى بِنِيرانِ الخَوْفِ وتُكَلَّمُ بِسُيُوفِ الهَيْبَةِ، فَيَتْرُكُونَ المَعْصِيَةَ حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ مِنَ النّاسِ! ولا يَكُونُ لَهم هَذا إلّا بِرِياضَةٍ عَظِيمَةٍ لِما عِنْدَ (p-٢٤١)النّاسِ مِنَ القُوى المُوجِبَةِ لِلطُّغْيانِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: في الإنْسانِ [ خَواصٌّ -] تَسْتَدْعِي العِلْمَ بِما يَشُوبُها مِنَ الحُظُوظِ فَتَنْشَأُ مِنها - والعِياذُ بِاللَّهِ - المُنازَعَةُ في الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ والجَلالِ والجَمالِ، فالقَلْبُ يَسْتَدْعِي التَّفَرُّدَ بِالوُجُودِ والأمْرِ والنَّهْيِ، فَما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُسْتَبْطِنٌ ما قالَ فِرْعَوْنُ، ولَكِنْ لا يَجِدُ لَهُ مَجالًا كَما وجَدَ فِرْعَوْنُ، والعَقْلُ يَسْتَدْعِي في تَدْبِيرِهِ وتَأْثِيرِهِ اعْتِقادُ أنَّهُ لَوْ مَكَّنَ مِنَ الوُجُودِ لَدَبَّرَهُ، ويَرى أنَّ تَدْبِيرَهُ هو التَّدْبِيرُ وإنْ كانَ أفْسَدَ الفاسِدُ، وكَذَلِكَ لا يَزالُ يَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ كَذا، والنَّفْسُ لا تَتَخَيَّلُ أنَّها مِنَ القُوَّةِ والِاقْتِدارِ بِحَيْثُ لَوْ أرادَتْ أنْ تُخَرِّبَ مُدُنًا وتَبْنِيَها فَعَلَتْ، فَلْيَحْذَرِ الإنْسانُ فَإنَّ أعْدى عَدُوُّهُ نَفْسَهُ الَّتِي هي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فَمَهْما تَرَكَها انْتَشَرَتْ، قالَ تَعالى ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ويَنْسى ما بَعْدَها ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨] ولِهَذا كانَ بَعْضُ الأكاسِرَةِ - وكانُوا أعْقَلَ المُلُوكِ - يُرَتِّبُ واحِدًا يَكُونُ وراءَهُ بِالقُرْبِ مِنهُ، [ يَقُولُ لَهُ -] إذا اجْتَمَعَتْ جُنُودُهُ بَعْدَ كُلِّ قَلِيلٍ: أنْتَ عَبْدٌ، لا يَزالُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ، والمَلِكُ يَقُولُ لَهُ كُلَّما قالَهُ: نَعَمْ: فَعَلى العاقِلِ أنْ يُطَوِّعَ نَفْسَهُ لِأنْ تَرْجِعَ مُطَمْئِنَّةً بِأنْ (p-٢٤٢)يَرْضى بِاللَّهِ رَبًّا لِيَدْخُلَ في رِقِّ العُبُودِيَّةِ، وبِالإسْلامِ دِينًا لِيَصِيرَ عَرِيقًا فِيها، فَلا يُنازِعُ المُلْكَ في رِدائِهِ الكِبْرِياءُ وإزارِهِ العَظَمَةُ وتاجِهِ الجَلالُ وحُلَّتِهِ الجَمالُ، ولا يُنازِعُهُ فِيما يُدَبِّرُهُ مِنَ الشَّرائِعِ، ويُظْهِرُهُ مِنَ المَعارِفِ، ويَحْكُمُ بِهِ عَلى عَبِيدِهِ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. ولَمّا كانَتِ الخَشْيَةُ مُشِيرَةً إلى الذُّنُوبِ، فَكانَ أهَمُّ ما إلَيْهِمُ الإراحَةُ مِنها قالَ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ سُتْرَةٌ عَظِيمَةٌ تَأْتِي عَلى جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ. ولَمّا كانَ السُّرُورُ إنَّما يَتِمُّ بِالإعْطاءِ قالَ: ﴿وأجْرٌ﴾ أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴿كَبِيرٌ﴾ يَكُونُ لَهم بِهِ مِنَ الإكْرامِ ما يُنْسِيهِمْ ما قاسَوْهُ في الدُّنْيا مِن شَدائِدِ الآلامِ، وتَصْغُرُ في جَنْبِهِ لَذائِذُ الدُّنْيا العِظامِ.

الملك 67:13

ولَمّا كانَتِ الخَشْيَةُ مِنَ الأفْعالِ الباطِنَةِ، وكانَ كُلُّ أحَدٍ يَدَّعِي أنَّهُ يَخْشى اللَّهَ، قالَ مُخَوِّفًا لَهم بِعِلْمِهِ نادِبًا إلى مُراقَبَتِهِ لِئَلّا يَغْتَرُّوا بِحِلْمِهِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ لِإيجابِ المُراقَبَةِ: فَأبْطَنُوا أفْعالَهم وأظْهَرُوها: ﴿وأسِرُّوا﴾ أيْ أيُّها الخَلائِقُ. ولَمّا كانَ إفْرادُ الجِنْسِ دالًّا عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ قالَ: ﴿قَوْلَكُمْ﴾ (p-٢٤٣)أيْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِيكم بِهِ لِأنَّ عِلْمَهُ لا يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: أسِرُّوا وإلّا يَسْمَعُ إلَهُ مُحَمَّدٍ: ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما لِلنّاسِ مِنَ اسْتِبْعادِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ رَبُّكم ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ بِحَقِيقَتِها وكُنْهِها وحالِها وجِبِلَّتِها وما يَحْدُثُ عَنْها سَواءٌ كانَتْ قَدْ تَخَيَّلَتْهُ ولَمْ تُعَبِّرْ عَنْهُ، أوْ كانَ مِمّا لَمْ تَتَخَيَّلُهُ بَعْدُ بِدَلِيلِ ما يُخْبِرُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهم مِمّا وقَعَ وهم يُخْفُونَهُ، أوْ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ثُمَّ يَقَعُ كَما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ؛

الملك 67:14

ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعْجِبًا مِمَّنْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ أدْنى تَوَقُّفٍ ومُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ العِلْمِ ونَفى ضِدَّهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ: ﴿ألا يَعْلَمُ﴾ أيْ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الفاعِلَ واصِفًا لَهُ بِما يُقَرِّبُ المُخْبِرَ [ بِهِ -] لِلْإفْهامِ فَقالَ: ﴿مَن خَلَقَ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَ الخَلْقَ مِنَ القُلُوبِ الحاوِيَةِ لِلْأسْرارِ والأبْدانِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وطُبِعَ في كُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما طُبِعَ مِمّا قَدَّرَهُ بِعِلْمِهِ وأتْقَنَهُ بِحِكْمَتِهِ، فَإنَّ كُلَّ صانِعٍ أدْرى بِما صَنَعَهُ، ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ ”مِن“ مَفْعُولًا والفاعِلُ مُسْتَتِرًا، أيْ ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَخْلُوقَهُ عَلى الإطْلاقِ ولَهُ صِفَتا اللُّطْفِ والخَبَرِ اللَّتانِ شَأْنُهُما إدْراكُ البَواطِنِ إدْراكًا لا يَكُونُ مِثْلُهُ لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ العِلْمِ لِما أخْفَوْهُ لِظَنِّهِمْ أنَّهم إذا أسَرُّوا يَخْفى، لا إثْباتُ مُطْلَقِ العِلْمِ فَإنَّهم (p-٢٤٤)لَمْ يُنْكِرُوهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ هو ﴿اللَّطِيفُ﴾ [ أيِ -] الَّذِي يَعْلَمُ ما بَثَّهُ في القُلُوبِ لِأنَّهُ يَصِلُ إلى الأشْياءِ بِأضْدادِها فَكَيْفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿الخَبِيرُ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، وهو أعْظَمُ تَهْدِيدٍ يَكُونُ؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ مَن يَعْصِيهِ عالِمًا بِهِ وهو قادِرٌ عَلَيْهِ لا يَعْصِيهِ أبَدًا.

الملك 67:15

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا غامِضًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِأمْرٍ مُشاهَدٍ أبْدَعَهُ بِلُطْفِهِ وأتْقَنَهُ بِخِبْرَتِهِ لِاسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ مِن عِبادِهِ عَلى ما أبْدَعَ لَهم ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الباهِرَةِ الَّتِي بِها قِوامُهُمْ، ولَوْلاهُ لَما كانَ لَهم بَقاءٌ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ لِتَتَوَصَّلُوا إلى ما يَنْفَعُكم ﴿الأرْضَ﴾ عَلى سِعَتِها وعِظَمِها وجَزْوَنَةِ كَثِيرٍ مِنها ﴿ذَلُولا﴾ أيْ مُسَخَّرَةً لا تَمْتَنِعُ، قابِلَةً لِلِانْقِيادِ لِما تُرِيدُونَ مِنها مِن مَشْيٍ وإنْباطِ مِياهٍ وزَرْعِ حُبُوبٍ وغَرْسِ أشْجارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ غايَةَ الِانْقِيادِ، بِما تَفْهَمُهُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ مَعَ أنَّ فِيها أماكِنُ خَوّارَةً تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ ويَغُوصُ فِيها ما خالَطَها، ومَواضِعُ مُشْتَبِكَةٌ بِالأشْجارِ يَتَعَذَّرُ أوْ يَتَعَسَّرُ سُلُوكُها، وأماكِنُ (p-٢٤٥)مَلْأى سِباعًا وحَيّاتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَوانِعِ، وأماكِنَ هي جِبالٌ شاهِقَةٌ إمّا يَتَعَذَّرُ سُلُوكُها كَجَبَلِ السَّدِّ بَيْنَنا وبَيْنِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَزْلَقُ عَلَيْهِ الأرْجُلُ ولا تَثْبُتُ، أوْ يُشَقُّ سُلُوكُها، ومَواطِنُ هي بُحُورٌ عَذْبَةٌ أوْ مُلِحَّةٌ فَلَوْ شاءَ لَجَعَلَها كُلَّها كَذَلِكَ لِيَكُونَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها، فَما قَسَّمَها إلى سُهُولٍ وجِبالٍ وبُرُورٍ وبُحُورٍ وأنْهارٍ وعُيُونٍ ومِلْحٍ وعَذْبٍ وزَرْعٍ وشَجَرٍ وتُرابٍ وحَجَرٍ ورِمالٍ ومَدَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وقُدْرَةٍ باهِرَةٍ، لِتَكُونَ قابِلَةً لِجَمِيعِ ما تُرِيدُونَ مِنها، صالِحَةً لِسائِرِ ما يَنْفَعُكم فِيها. ولَمّا كانَ مَعْنى التَّذْلِيلِ ما تَقَدَّمَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَمْثِيلًا لِغَرَضِ التَّذْلِيلِ لِأنَّ مِنكَبَيِ البَعِيرِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِينَ أرَقَّ شَيْءٍ وأنْباهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ: ﴿فامْشُوا﴾ [ أيِ -] الهُوَيْنا مُكْتَسِبِينَ وغَيْرِ مُكْتَسِبِينَ إنْ شِئْتُمْ مِن غَيْرِ صُعُوبَةٍ تُوجِبُ لَكم وثْبًا أوْ حَبْوًا ﴿فِي مَناكِبِها﴾ أيْ أماكِنِها الَّتِي هي لَوْلا تَسْهِيلُنا لِمَناكِبِ الحَيَواناتِ لَكانُوا يَنْتَكِبُونَ عَنِ الوُقُوفِ عَلَيْها، فَكَيْفَ بِالمَشْيِ، [و -] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّها الجِبالُ - لِأنَّ تَذْلِيلَها أدَلُّ دَلِيلٍ (p-٢٤٦)عَلى تَذْلِيلِ غَيْرِها، ولِيَكُنْ مِشْيَتُكم فِيها وتَصَرُّفُكم بَذْلٌ وإخْباتٌ وسُكُونٌ اسْتِصْغارًا لِأنْفُسِكم وشُكْرًا لِمَن سَخَّرَ لَكم ذَلِكَ - واللَّهُ الهادِي. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَسَرَّها لِلْمَشْيِ، ذَكَّرَهم بِأنَّهُ سَهَّلَها لِإخْراجِ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ فَقالَ: ﴿وكُلُوا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ الرِّزْقَ فَوْقَ الكِفايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رِزْقِهِ﴾ أيِ الَّذِي أوْدَعَهُ لَكم فِيها وأمْكَنَكم مِن إخْراجِهِ بِضِدِّ ما تَعْرِفُونَ مِن أحْوالِكم فَإنَّ الدَّفْنَ في الأرْضِ مِمّا يُفْسِدُ المَدْفُونَ ويُحِيلُهُ إلى جَوْهَرِها كَما يَكُونُ لِمَن قَبَرْتُمُوهُ فِيها، ومَعَ ذَلِكَ فَأنْتُمْ تَدْفِنُونَ الحُبَّ وغَيْرَهُ مِمّا يَنْفَعُكم فَيُخْرِجُهُ لَكم سُبْحانَهُ عَلى أحْسَنِ ما تُرِيدُونَ ويَخْرُجُ لَكم مِنَ الأقْواتِ والفَواكِهِ والأدْهانِ والمَلابِسِ ما تَعْلَمُونَ، وكَذَلِكَ النُّفُوسُ هي صَعْبَةٌ كالجِبالِ وإنْ قُدْتَها لِلْخَيْرِ انْقادَتْ لَكَ كَما قِيلَ ”هِيَ النَّفْسُ ما عَوَّدْتَها تَتَعَوَّدُ“ . ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِلْبَعْثِ عَلى الشُّكْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ: واعْبُدُوهُ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ إلَيْكم وتَرْبِيَتِهِ لَكم. فَمِنهُ مَبْدَأُ جَمِيعِ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدْعُو إلى الحَياءِ مِنَ السَّيِّدِ والخَجَلِ مِن تَوْبِيخِهِ عِنْدَ لِقائِهِ فَقالَ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿النُّشُورُ﴾ وهو إخْراجُ جَمِيعِ الحَيَواناتِ الَّتِي أكَلَتْها الأرْضُ وأفْسَدَتْها، يُخْرِجُها في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ (p-٢٤٧)عَلى ما كانَ كُلٌّ مِنها [ عَلَيْهِ -] عِنْدَ المَوْتِ كَما أخْرَجَ تِلْكَ الأرْزاقَ، لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وذاكَ، غَيْرَ أنَّكم لا تَتَأمَّلُونَ [ فَيَسْألُكم -] عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَيا فَوْزَ مَن شَكَرَ ويا هَلاكَ مَن كَفَرَ، فَإنَّ هَذا أبْعَثُ شَيْءٍ عَلى الشُّكْرِ، وأشَدُّ شَيْءٍ إبْعادًا عَنِ العِصْيانِ لا سِيَّما الكُفْرُ، لِما قَرَّرَ مِن حاجَةِ الإنْسانِ، [و -] الإحْسانِ [ إلَيْهِ -] بِأنْواعِ الإحْسانِ.

الملك 67:16

ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الِاسْتِعْطافِ إلّا الإنْذارُ عَلى الخِلافِ، قالَ مُهَدِّدًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِعَذابٍ دُونَ عَذابِ جَهَنَّمَ، مُنْكَرًا عَلَيْهِمُ الأمانُ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ بِيَدِهِ المُلْكَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِنهُ بِأسْبابِ جُنُودِهِ وبِغَيْرِ سَبَبٍ، مُقَرِّرًا بَعْدَ تَقْرِيرِ حاجَةِ الإنْسانِ وعَجْزِهِ أنَّهُ [ لا حِصْنَ لَهُ ولا -] مانِعَ لَهُ بِوَجْهٍ مِن عَذابِ اللَّهِ، فَهو دائِمُ الِافْتِقارِ مَلازِمٌ لِلصَّغارِ: ﴿أأمِنتُمْ﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ، وخاطَبَهم بِما كانُوا يَعْتَقِدُونَ مَعَ أنَّهُ [ إذا -] حَمَلَ عَلى الرُّتْبَةِ وأوَّلَ السَّماءَ بِالعُلُوِّ أوْ جَعَلَ كِنايَةً عَنِ التَّصَرُّفِ لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ غالِبًا أنَّ مَن كانَ في شَيْءٍ كانَ مُتَصَرِّفًا فِيهِ صَحَّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَقالَ: ﴿مَن في السَّماءِ﴾ أيْ عَلى زَعْمِكُمُ العالِيَةَ قاهِرَةٌ لَكُمْ، أوِ المَعْنى: مِنَ المَلائِكَةِ الغِلاظِ الشِّدادِ الَّذِي صَرَفَهم في مَصالِحِ العِبادِ، أوِ المَعْنى: في غايَةِ العُلُوِّ رُتْبَةً، أوْ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ في السَّماءِ أعْظَمَ أمْرِهِ لِأنَّها تَرْفَعُ إلَيْها أعْمالَ عِبادِهِ وهي مَهْبِطُ الوَحْيِ (p-٢٤٨)ومَنزِلُ القُطْرِ ومَحَلُّ القُدْسِ والسُّلْطانِ والكِبْرِياءِ وجِهَةِ العَرْشِ ومَعْدِنِ المُطَهَّرِينَ والمُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ في تَصْرِيفِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، والَّذِي دَعا إلى مِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ السّائِغِ الماشِي عَلى لِسانِ العَرَبِ [ قِيامُ -] الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ لِأنَّهُ مُحِيطٌ فَلا يُحاطُ بِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِمُحْتاجٍ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”مِن“ بَدَلَ اشْتِمالٍ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ ولَمّا كانَتْ قُدْرَتُهُ عَلى ما يُرِيدُ بِلا واسِطَةٍ كَقُدْرَتِهِ بِالواسِطَةِ، وقُدْرَتِهِ إذا كانَ الواسِطَةَ جَمْعًا كَقُدْرَتِهِ إذا كانَ واحِدًا، لِأنَّ الفاعِلَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرِ حَقِيقَةٍ هو لا غَيْرُهُ، وحَدٍّ بِما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ ”مِن“ إشارَةً إلى هَذا المَعْنى سَواءٌ أُرِيدَ بِ ”مِن“ هو سُبْحانَهُ أوْ مَلائِكَتُهُ أوْ واحِدٌ مِنهم [ فَقالَ-]: ﴿يَخْسِفَ﴾ أيْ أأمِنتُمْ خَسْفَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِ ”مِنَ“ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما مَضى خِطابًا عَلى زَعْمِهِمْ وظَنِّهِمْ أنَّهُ في السَّماءِ وإلْزامًا لَهم بِأنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى الإمْطارِ والإنْباتِ وغَيْرِهِما مِنَ التَّصَرُّفاتِ في الأرْضِ فَهو يَقْدِرُ عَلى غَيْرِهِ ﴿بِكُمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ وغَيْرِهِ. ولَمّا كانَ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ مِنَ الأرْضَ يَصِيرُ كالسّاقِطِ في الهَواءِ [ وكانَ السّاقِطُ في الهَواءِ -] يَصِيرُ يَضْطَرِبُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ الأرْضُ الَّتِي أنْتُمْ بِها ﴿تَمُورُ﴾ أيْ تَضْرِبُ وهي تَهْوِي بِكم وتَجْرِي هابِطَةً في الهَواءِ وتَتَكَفَّأُ إلى حَيْثُ شاءَ سُبْحانَهُ، (p-٢٤٩)قالَ في القامُوسِ: المَوْرُ الِاضْطِرابُ والجَرَيانُ عَلى وجْهِ الأرْضِ والتَّحَرُّكُ.

الملك 67:17

ولَمّا كانُوا رُبَّما اسْتَبْعَدُوا الخَسْفَةَ، وكانُوا يَعْهَدُونَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ النَّدى والأمْطارِ والصَّواعِقِ، عادِلٌ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ، وكَرَّرَ لَهم ذِكْرَ ما يَخْشَوْنَهُ زِيادَةً في التَّرْهِيبِ فَقالَ: ﴿مَن في السَّماءِ﴾ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ﴿أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ ﴿حاصِبًا﴾ أيْ [ حِجارَةً -] يَحْصِبُكم - أيْ يَرْمِيكم - بِها مَعَ رِيحٍ عاصِفٍ بِقُوَّتِها كَما وقَعَ لِقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ. ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ إنْذارًا عَظِيمًا ووَعْظًا بَلِيغًا شَدِيدًا، وكانَ حالُهم عِنْدَهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ إقْبالٍ وإدْبارٍ، سَبَّبَ عَنْهُ عَلى تَقْدِيرِ إدْبارِهِمْ بِتَمادِيهِمْ بِما لِلْإنْسانِ مِنَ النُّقْصانِ قَوْلُهُ مُتَوَعِّدًا بِما يَقْطَعُ القُلُوبَ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ إيذانًا بِتَشْدِيدِ الغَضَبِ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ أيْ عَنْ قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ العِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الشَّيْءِ أعْظَمَ مِنَ العِلْمِ بِمُطْلَقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ العِلْمِ بِها العِلْمُ بِمُطْلَقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وكانَ ما هو (p-٢٥٠)بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا قالَ: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أيْ إنْذارِي البَلِيغِ إذا شاهَدْتُمُ العَذابَ وهو بِحَيْثُ لا يُسْتَطاعُ، ولا تَتَعَلَّقُ الأطْماعُ بِكَشْفٍ لَهُ ولا دِفاعٍ، وحُذِفَ الياءُ مِنهُ [و -] مِن ”نَكِيرٍ“ إشارَةً إلى أنَّهُ وإنْ كانَ خارِجًا عَنِ الطُّرُقِ لَيْسَ مُنْتَهى مَقْدُورِهِ بَلْ لَدَيْهِ مَزِيدٌ، لا غايَةَ لَهُ بِوَجْهٍ ولا تَحْدِيدٍ.

الملك 67:18

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَأْمُورَ بِإبْلاغِهِمْ وإنْذارِهِمْ هَذا الإنْذارَ ﷺ في غايَةِ الرَّحْمَةِ لَهم [ والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ -] فَهو بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِ غايَةَ المَشَقَّةِ ما أفْهَمَهُ هَذا الكَلامُ مِن إهْلاكِهِمْ أنْ يُصَدِّقُوا، [و -] يُحِبُّ التَّأنِّي بِهِمْ، لَفَتَ سُبْحانَهُ الخِطابُ إلَيْهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَقَدْ طالَ إمْهالُنا لَهم وحِلْمُنا عَنْهم وتَعْرِيفُنا لَهم بِعَظِيمِ قُدْرَتِنا وهم لا يَرْجِعُونَ وكَثُرَ وعْظُنا لَهم وتَصْرِيفُنا القَوْلَ بَيْنَهم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم يَتَمادَوْنَ ولا يَنْتَهُونَ، قَوْلُهُ مُصَوِّرًا [ لَهم -] ما تَوَعَّدَهم بِهِ في أمْرٍ مَحْسُوسٍ لِأنَّ الأُمُورَ المُشاهَداتِ أرْوَعُ لِلْإنْسانِ لِما لَهُ مِنَ التَّقَيُّدِ بِالوَهْمِ مُؤَكِّدًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّكْذِيبَ مَعَ إقامَةِ البَراهِينِ أمْرٌ يَجِبُ إنْكارُهُ فَلا يَكادُ يُصَدِّقُ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ﴾ وطَغى وبَغى وأعْرَضَ وتَجَبَّرَ وتَمَرَّدَ ووَلّى بِوَجْهِهِ (p-٢٥١)وقَلْبِهِ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ هَذا التَّكْذِيبُ لَمْ يَعُمَّ الماضِينَ بَعَّضَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ أمْلى لَهم ثُمَّ أخَذَهم بَعْدَ طُولِ الحِلْمِ أخْذًا بَقِيَتْ أخْبارُهُ، ولَمْ تَنْدَرِسْ إلى الآنَ عَلى تَمادِي الزَّمانِ آثارُهُ، فَكانَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْهُ لِعِظَمِ أحْوالِهِ، وشِدَّةِ زَلازِلِهِ وفَظاعَةِ أهْوالِهِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُنَبِّهًا عَلى اسْتِحْضارِ ذَلِكَ العَذابِ ولَوْ بِالسُّؤالِ عَنْهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِما أصَبْتَهم بِهِ مِنَ العَذابِ في تَمَكُّنِ كَوْنِهِ وهَوْلِ أمْرِهِ، فَقَدْ جَمَعَ إلى التَّسْلِيَةِ غايَةَ التَّهْدِيدِ.

الملك 67:19

ولَمّا ذَكَرَ بِمُصارِعِ الأوَّلِينَ، وكانَ التَّذْكِيرُ بِالحاصِبِ تَذْكِيرًا لِقُرَيْشٍ بِما حَصَّبَ بِهِ عَلى قُرْبِ الزَّمانِ عَدُوَّهم أصْحابَ الفِيلِ بِما أرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّيْرِ الأبابِيلِ تَحْذِيرًا لَهم مِن ذَلِكَ إنْ تَمادَوْا عَلى كُفْرِهِ، ولَمْ يَنْقادُوا إلى شُكْرِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ تَقْرِيرًا لِزِيادَةِ قُدْرَتِهِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ ولُطْفِ تَرْبِيَتِهِ حَيْثُ جَبَرَ الطَّيْرَ لِضَعْفِها بِالطَّيَرانِ لِيُكْمِلَ بِعُمُومِ رَحْمانِيَّتِهِ أمْرَ مَعاشِها تَقْرِيرًا لِأنَّ بِيَدِهِ المُلْكَ وتَرْهِيبًا مِن أنْ يُنازِعَهُ (p-٢٥٢)أحَدٌ في تَدْبِيرِهِ مَعَ تَبْقِيَةِ القَوْلِ مَصْرُوفًا عَنْ خِطابِهِمْ، إيذانًا بِشِدَّةِ حِسابِهِمْ وسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ ومَآبِهِمْ؛ ألَمْ يَرَوْا إلى قُدْرَتِنا عَلى مَصارِعِ الأوَّلِينَ وإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ وإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعْرِضًا عَنْهم زِيادَةً في الإنْذارِ بِالحَصَبِ مِنَ الطَّيْرِ وغَيْرِها: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وأجْمَعُ القُرّاءُ عَلى القِراءَةِ هُنا بِالغَيْبِ لِأنَّ السِّياقَ لِلرَّدِّ عَلى المُكَذِّبِينَ بِخِلافِ ما في النَّحْلِ. وأشارَ إلى بُعْدِ الغايَةِ بِحَرْفِ النِّهايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الطَّيْرِ﴾ وهو جَمْعُ طائِرٍ. ولَمّا كانَ الجَوُّ كُلُّهُ مُباحًا لِلطَّيَرانِ نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ وبَيَّنَ حالَ الطَّيْرِ في الفَوْقِيَّةِ بِقَوْلِهِ واصِفًا لَها بِالتَّأْنِيثِ إشارَةً إلى ضَعْفِها في أنْفُسِها لَوْلا تَقْوِيَتُهُ لَها ﴿صافّاتٍ﴾ أيْ باسِطاتٍ أجْنِحَتَها تَمُدُّها غايَةَ المَدِّ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُسْتَوِيَةً لا اعْوِجاجَ فِيها مَعَ أنَّهُ إذا كانَ جَماعَةٌ مِنها كانَتْ صُفُوفًا أوْ صَفًّا واحِدًا في غايَةِ الِانْتِظامِ تابِعَةً لِإمامٍ مِنها. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الصَّفِّ بِالِاسْمِ لِأنَّهُ الأصْلُ الثّابِتُ، عَبَّرَ عَنِ التَّحْرِيكِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الطَّيَرانَ في ساحَةِ الهَواءِ كالسِّباحَةِ في باحَةِ الماءِ، والأصْلُ في السِّباحَةِ مَدُّ الأطْرافِ وبَسْطُها، والقَبْضُ طارِئٌ عَلى البَسْطِ فَقالَ: [ ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ أيْ يُوقِعْنَ قَبْضَ الأجْنِحَةِ وبَسْطَها وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ لِلِاسْتِراحَةِ والِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى السَّبْحِ في الهَواءِ. ولَمّا تَمَّ هَذا التَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّائِعِ لِلْقُلُوبِ تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ - ]: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ أيْ في (p-٢٥٣)الجَوِّ في حالِ القَبْضِ والبَسْطِ عَنِ السُّقُوطِ عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ. ولَمّا كانَ هَذا مِنَ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ النّاظِرِ إلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ قالَ: ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي رَحْمَتُهُ عامَّةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِأنْ هَيَّأهُنَّ - بَعْدَ أنْ أفاضَ عَلَيْهِنَّ رَحْمَةَ الإيجادِ - عَلى أشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ وخَصائِصَ مُفْتَرِقَةٍ لِلْجَرْيِ في الهَواءِ بِما أوْجَدَ لَها مِنَ القَوادِمِ والحَوافِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الهَيْئاتِ المُقابِلَةِ لِذَلِكَ، وكَذا جَمِيعُ العالَمِ لَوْ أمْسَكَ عَنْهُ حَفِظَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَفَسَدَ بِتَهافُتِ الأفْلاكِ وتَداعِي الجِبالِ وغَيْرِها، وعَبَّرَ في النَّحْلِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِأنَّ سِياقَها لِلرَّدِّ عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ وهُمُ الفَلاسِفَةُ الَّذِينَ لا يَقُومُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ إلّا المُتَبَحِّرُ في مَعْرِفَةِ جَمِيعِ أُصُولِ الدِّينِ بِمَعْرِفَةِ جَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى الَّتِي جَمَعَها اسْمُ الذّاتِ. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا رائِعًا لِلْعَقْلِ، ولَكِنَّهُ لِشِدَّةِ الإلْفِ صارَ لا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلّا بِالتَّنْبِيهِ، وكانَ الجاهِلُ رُبَّما ظَنَّ أنَّ التَّقْدِيرَ عَلى الطَّيَرانِ خاصٌّ بِالطَّيْرِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى عَظَمَةِ ما هَيَّأ الطَّيْرَ لَهُ وعَلى أنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ قُصُورِ بَعْضِ العُقُولِ عَنِ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ وتَضَمَّنَ الإشْراكَ لِلطَّعْنِ في تَمامِ الِاقْتِدارِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ في تَمامِ العِلْمِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الرَّحْمَنُ سُبْحانَهُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قَلَّ أوْ كَثُرَ جَلِيلٌ وحَقِيرٌ ظاهِرٌ وباطِنٌ ﴿بَصِيرٌ﴾ بالِغُ البَصَرِ والعِلْمِ بِظَواهِرِ الأشْياءِ (p-٢٥٤)وبَواطِنِها، فَمَهْما أرادَ كانَ وهو يَخْلَقُ العَجائِبَ ويُوجِدُ الغَرائِبَ، فَيُهَيِّئُ مَن أرادَ مِنَ الآدَمِيِّينَ وغَيْرِهِمْ لِمِثْلِ ذَلِكَ.

الملك 67:20

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَقْرِيرًا لِذَلِكَ: فَمَن يُدَبِّرُ مَصالِحَكم ظاهِرًا وباطِنًا، وفَعَلَ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ عائِدًا إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أقْعَدُ في التَّكْبِيثِ والتَّوْبِيخِ، وأدَلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ لَيْسَ بِأهْلٍ لِأنْ يَهابَ مُقَرِّرًا لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمُلْكِ: ﴿أمَّنْ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ لِلْأشْياءِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في غايَةِ القُرْبِ والشَّهادَةِ لَها لِيَكُونَ بَصِيرًا بِرَعْيِها، ويَكُونَ مَعَ مَزِيدِ قُرْبِهِ عالِيَ الرُّتْبَةِ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِ، فَقالَ مُقَرِّرًا لِعَجْزِ العِبادِ: ﴿هَذا﴾ بِإشارَةِ الحاضِرِ ﴿الَّذِي﴾ وأبْرَزَ العائِدَ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن إبْرازِهِ مَعَ الِاسْمِ بِعَدَمِ صَلاحِهِ لِتَحَمُّلِ الضَّمِيرِ فَقالَ: ﴿هُوَ جُنْدٌ﴾ أيْ عَسْكَرٌ وعَوْنٌ، وصَرَفَ القَوْلَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّقْرِيعِ فَقالَ: ﴿لَكم يَنْصُرُكُمْ﴾ أيْ عَلى مَن يَقْصِدُكم بِالخَسْفِ والحَصْبِ وغَيْرِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ألْكُمُ إلَهٌ يُدَبِّرُ مَصالِحَكم غَيْرُنا أمْ كانَ الَّذِي عَذَّبَ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ سِوانا أمْ لَكم جُنْدٌ يُصارُ إلَيْهِ يَنْصُرُكم دُونَنا كَما قالَ تَعالى ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنبياء: ٤٣] ولَكِنَّهُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ عَنْ تَعْيِينِ الجُنْدِ تَعْرِيفًا بِأنَّهم لِغايَةِ جَهْلِهِمُ اعْتَقَدُوا أنَّ لَهم مِن أجْنادِ الأرْضِ أوِ السَّماءِ مَن يَنْصُرُهم وإلّا لَما كانُوا آمِنِينَ. (p-٢٥٥)ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ مُتَضائِلَةً عَنْ جَنابِهِ مُتَكَثِّرَةً جِدًّا، قالَ تَعالى مُشِيرًا بِالحَرْفِ والظَّرْفِ إلى ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى ظُهُورِهِ سُبْحانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ ولا يَقْدِرُ أنْ يُنازِعَهُ في ذَلِكَ ولا في أنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِكُلِّ ما دُونَهُ مِنَ المَراتِبِ: ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ إنْ أرْسَلَ عَلَيْكم عَذابَهُ، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ بَعْثًا عَلى اسْتِحْضارِ ما لَهُ مِن شُمُولِ الرَّحْمَةِ، وتَلْوِيحًا إلى التَّهْدِيدِ بِأنَّهُ لَوْ قَطَعَها [عَنْ - ] أحَدٍ مِمَّنْ أوْجَدَهُ عَمَهُ الغَضَبِ كُلِّهِ، ولِذَلِكَ قالَ مُسْتَنْتِجًا عَنْهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ رَفْعَ المَضارِّ وجَمْعَ المَسارِّ لَيْسَ إلّا بِيَدِهِ لِأنَّهُ المُخْتَصُّ [بِالمُلْكِ- ]: ﴿إنِ﴾ أيْ ما، وأبْرَزَ الضَّمِيرَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ ومُواجَهَةً بِذَلِكَ لِأنَّهُ أقْعَدُ في التَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الكُفْرِ وهم مِن يَمُوتُ عَلَيْهِ ﴿إلا في غُرُورٍ﴾ أيْ قَدْ أحاطَ بِهِمْ فَلا خَلاصَ لَهم مِنهُ وهو أنَّهم يَعْتَمِدُونَ عَلى غَيْرِ مُعْتَمَدٍ.

الملك 67:21

ولَمّا قَدَّمَ أعْظَمَ الرَّحْمَةِ بِالحِياطَةِ والنُّصْرَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَقاءِ، أتْبَعَهُ ما يَتِمُّ بِهِ البَقاءُ فَقالَ: ﴿أمَّنْ﴾ وأشارَ إلى القُرْبِ بِالعِلْمِ والبُعْدِ بِالعُلُوِّ والعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ وأشارَ إلى مَعْرِفَةِ كُلِّ أحَدٍ لَهُ بِصِفاتِهِ العَلِيَّةِ الَّتِي (p-٢٥٦)تَنْشَأُ عَنْها أفْعالُهُ المُحْكَمَةُ السُّنِّيَّةُ، فَقالَ: ﴿الَّذِي﴾ [ وأسْقَطَ العائِدَ لِتَحَمُّلِ الفِعْلِ لَهُ فَقالَ: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ - ] أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، لا يَنْقَطِعُ مَعْرُوفُهُ أبَدًا مَعَ أنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ ولا غَفْلَةَ لَهُ عَنْ شَيْءٍ ﴿إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ بِإمْساكِ الأسْبابِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها ويَكُونُ وُصُولُهُ إلَيْكم مِنها كالمَطَرِ، ولَوْ كانَ الرِّزْقُ مَوْجُودًا أوْ كَثِيرًا وسَهْلَ التَّناوُلِ فَوَضَعَ الأكْلَةِ في فَمِهِ فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ قُوَّةَ الِازْدِراءِ عَجَزَ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ عَنْ أنْ يُسَوِّغُوهُ تِلْكَ اللُّقْمَةَ. ولَمّا قامَتْ بِهَذا دَلائِلُ قُدْرَتِهِ وشُمُولُ عِلْمِهِ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ فالخُصُوصِ، فَكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يَرْجِعَ الجاحِدُ ويَخْجَلَ المُعانِدُ، ويَعْلَمَ الجاهِلُ ويَتَنَبَّهَ الغافِلُ، فَكانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: هَلْ رَجَعُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ لافِتًا الكَلامَ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم تَنْبِيهًا عَلى سُقُوطِ مَنزِلَتِهِمْ وسُوءِ أفْهامِهِمْ وقُوَّةِ غَفْلَتِهِمْ: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أيْ تَمادَوْا سَفاهَةً لا احْتِياطًا وشَجاعَةً، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: واللَّجاجُ تَقَحُّمُ الأمْرِ مَعَ كَثْرَةِ الصَّوارِفِ عَنْهُ ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ أيْ مَظْرُوفِينَ لِعِنادٍ وتَكَبُّرٍ عَنِ الحَقِّ وخُرُوجٍ إلى فاحِشِ الفَسادِ ﴿ونُفُورٍ﴾ أيْ (p-٢٥٧)شِرادٍ عَنْ حُسْنِ النَّظَرِ والِاسْتِماعِ، دَعا إلَيْهِ الطِّباعَ، واسْتَوْلى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى أحاطَ بِهِمْ مَعَ أنَّهُ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ مِنهم في جَلْبِ سارٍّ ولا دَفْعِ ضارٍّ، والدّاعِي إلى ذَلِكَ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ.

الملك 67:22

ولَمّا كانَ هَذا فِعْلُ مَن لا بَصَرَ لَهُ ولا بَصِيرَةَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُمَثِّلًا لِلْمُوَحِّدِ والمُشْرِكِ بِسالِكَيْنِ ولِدِينِيهِما بِمَسْلَكَيْنِ: ﴿أفَمَن يَمْشِي﴾ أيْ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ ﴿مُكِبًّا﴾ أيْ داخِلًا بِنَفْسِهِ في الكَبِّ وصارا إلَيْهِ، وهو السُّقُوطُ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ السَّيْرِ عَلى رَسْمٍ مَجْهُولٍ وأثَرٍ [مُعْوَجٍّ - ] مَعْلُولٍ، عَلى غَيْرِ عادَةِ العُقَلاءِ لِخَلَلٍ في أعْضائِهِ، واضْطِرابٍ في عَقْلِهِ ورَأْيِهِ، فَهو كُلٌّ حِينَ يُعْثَرُ فَيَخِرُّ عَلى وجْهِهِ، لِأنَّهُ لِعَدَمِ نَظَرِهِ يَمْشِي في أصْعَبِ الأماكِنِ لِإمالَةِ الهَوى لَهُ عَنِ المَنهَجِ المَسْلُوكِ، وغَلَبَةِ الجَهْلِ عَلَيْهِ فَهو بِحَيْثُ لا يَكُونُ تَكْرارُ المَشاقِّ عَلَيْهِ زاجِرًا [لَهُ - ] عَنِ السَّبَبِ المُوقِعِ لَهُ فِيهِ، ولَمْ يُسَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى مَمْشاهُ طَرِيقًا لِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ رُبَّما صادَفَ السَّهْلَ لا عَنْ بَصِيرَةٍ بَلِ اتِّفاقًا قالَ: ﴿أهْدى﴾ أيْ أشَدَّ هِدايَةً ﴿أمَّنْ يَمْشِي﴾ دائِمًا مُسْتَمِرًّا ﴿سَوِيًّا﴾ قائِمًا رافِعًا رَأْسَهُ ناصِبًا وجْهَهُ سالِمًا مِنَ العِثارِ لِأنَّهُ لِانْتِصابِهِ يُبْصِرُ ما أمامَهُ وما عَنْ يَمِينِهِ وما عَنْ شِمالِهِ﴿عَلى صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ مُوَطَّأٍ واسِعٍ (p-٢٥٨)مَسْلُوكٍ سَهْلٍ قَوِيمٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ هو في غايَةِ القَوْمِ، هَذا مِثْلُ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا فَإنَّهُ يَتْبَعُ الفِطْرَةَ الأُولى السَّلِيمَةَ عَنْ شَهْوَةٍ أوْ غَضَبٍ أوْ شائِبَةِ حَظٍّ، والأوَّلُ مِثْلُ الكافِرِ، حالُهُ في سَيْرِهِ إلى اللَّهِ حالُ المُكِبِّ أيِ الَّذِي كَبَّ نَفْسَهُ بِغايَةِ الشَّهْوَةِ عَلى وجْهِهِ، لا يَرى ما حَوْلَهُ ولا يَشْعُرُ بِما أحاطَ بِهِ، ولا يَنْظُرُ في الآياتِ ولا يَعْتَبِرُ بِالمَسْمُوعاتِ، فَهو اليَوْمُ شَيْءٌ باطِنٌ لِظُهْرِ يَوْمِ القِيامَةِ فَيُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ جَزاءً لِرِضاهُ بِحالَتِهِ هَذِهِ في هَذِهِ الدّارِ فَيُظْهِرُ لَهُ سُبْحانَهُ ما أبْطَنَ [لَهُ - ] اليَوْمَ، والمُؤْمِنُ بِخِلافِ ذَلِكَ فِيهِما، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الكَبَّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والمُسْتَقِيمُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى المُعْوَجِّ أوَّلًا، وسَرَّهُ أنَّهُ ذَكَرَ أنَكَأ ما لِلْمُجْرِمِ وأسَرَّ ما لِلْمُسْلِمِ.

الملك 67:23

ولَمّا كانَ العَرَبُ المَوْعُوظُونَ بِهَذا الذِّكْرِ يَتَغالَوْنَ في التَّفاخُرِ بِالهِدايَةِ في الطُّرُقِ المَحْسُوسَةِ وعَدَمِ الإخْلالِ بِشُكْرِ المَعْرُوفِ لِمُسْدِيهِ ولَوْ قَلَّ، فَنَفى عَنْهُمُ الأوَّلَ بِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى خَطَئِهِمُ الفاحِشِ في كُلِّ ما خالَفُوا فِيهِ الرَّسُولَ ﷺ مِن طَرِيقِهِمُ المَعْنَوِيِّ الَّذِي اتَّخَذُوهُ دِينًا، فَهو أشْرَفُ مِنَ الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ، أتْبَعَهُ بَيانَ انْسِلاخِهِمْ مِنَ [ الثّانِي مَعَ التَّأْكِيدِ لِانْسِلاخِهِمْ مِنَ - ] الأوَّلِ، قالَ آمِرًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِتَنْبِيهِهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ عَلى نَوْعِهِ أقْبَلُ لِأنَّهُ إلَيْهِ أمْيَلُ، (p-٢٥٩)إسْقاطًا لَهم مِن رُتْبَةِ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِسُفُولِ هِمَمِهِمْ ولِقُصُورِ نَظَرِهِمْ مَعَ أنَّهُ جَعَلَ لَهم حَظًّا ما مِنَ الحُضُورِ بِتَأْهِيلِهِمْ لِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ لِإقامَتِهِمْ بِالمَذْكُورِ في الآيَةِ فِيما يُرْجى مَعَهُ العِلْمُ ويُورَثُ الفَطِنَةَ [و - ] الفَهْمَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أشْرَفَ الخَلْقِ وأشْفَقَهم عَلَيْهِمْ مُذَكِّرًا لَهم بِما دَفَعَ عَنْهُمُ المُلْكُ مِنَ المُفْسِداتِ وجَمَعَ لَهم مِنَ المُصْلِحاتِ والقُوى والعَقْلِ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ، ولا يُعَوِّلُوا في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا عَلَيْهِ، ويَنْظُرُوا في لَطِيفِ صُنْعِهِ وحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ فَيَمْشِي كُلٌّ مِنهم سَوِيًّا: ﴿هُوَ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿الَّذِي﴾ شَرَّفَكم بِهَذا الذِّكْرِ وبَيَّنَ لَكم هَذا البَيانَ وحْدَهُ الَّذِي ﴿أنْشَأكُمْ﴾ أيْ أوَجَدَكم ودَرَجَكم في مَدارِجِ التَّرْبِيَةِ حَيْثُ طَوَّرَكم في أطْوارِ الخِلْقَةِ في الرَّحِمِ ويَسَّرَ لَكم بَعْدَ خُرُوجِكُمُ [الخُرُوجَ - ] اللِّيِّنَ حَيْثُ كانَتِ المَعِدَةُ ضَعِيفَةً عَنْ أكْثَفِ مِنهُ. ولَمّا كانَ مَن أعْظَمِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ بَعْدَ الإيجادِ العَقْلُ، أتْبَعَهُ بِهِ، [وبَدَأ - ] بِطَرِيقِ تَنْبِيهِهِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾ أيْ خاصَّةً مُسَبِّبًا عَنِ الجِسْمِ الَّذِي أنْشَأهُ ﴿السَّمْعَ﴾ [أيِ - ] الكامِلِ لِتَسْمَعُوا (p-٢٦٠)ما تَعْقِلُهُ قُلُوبُكم فَيَهْدِيكُمْ، ووَحَّدَهُ لِقِلَّةِ التَّفاوُتِ فِيهِ لِيَظْهَرَ سِرُّ تَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ في القُلُوبِ بِغايَةِ المُفاوَتَةِ مَعَ أنَّهُ أعْظَمُ الطُّرُقِ المُوصِلَةِ لِلْمَعانِي إلَيْها ﴿والأبْصارَ﴾ لِتَنْظُرُوا صَنائِعَهُ فَتَعْتَبِرُوا وتَزْدَجِرُوا عَمّا يُرْدِيكم ﴿والأفْئِدَةَ﴾ أيِ القُلُوبِ الَّتِي جَعَلَها سُبْحانَهُ في غايَةِ التَّوَقُّدِ بِالإدْراكِ لِما [لا - ] يُدْرِكُهُ بَقِيَّةُ الحَيَوانِ لِتَتَفَكَّرُوا فَتَقْبَلُوا عَلى ما يُعْلِيكُمْ، وجَمْعًا لِكَثْرَةِ التَّفاوُتِ في نُورِ الأبْصارِ وإدْراكِ الأفْكارِ، وهَذا تَنْبِيهٌ [عَلى - ] إكْمالِ هَذِهِ القُوى في دَرْكِ الحَقائِقِ بِتَلْطِيفِ السِّرِّ لِتَدْقِيقِ الفِكْرِ، قالَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ المَلْوِيُّ: انْظُرْ إلى الأفْئِدَةِ كَيْفَ تَحْكُمُ بِأنَّ الِاثْنَيْنَ أكْثَرُ مِنَ الواحِدِ، وأنَّ الجِسْمَ الواحِدَ لا يَكُونُ في مَكانَيْنِ في آنٍ واحِدٍ، وأنَّ الضِّدَّيْنِ لا يَجْتَمِعانِ - وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَشَيْتُمْ مَشْيَ المُكِبِّ عَلى وجْهِهِ فَلَمْ تَسْتَعْمِلُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأسْرارِ الشَّرِيفَةِ فِيما خَلَقَ لَهُ، كانَتْ تَرْجَمَةُ ذَلِكَ: ﴿قَلِيلا﴾ وأكَّدَ المَعْنى بِما صَوَّرَتْهُ صُورَةُ النّافِي فَقالَ: ﴿ما﴾ ولَمّا زادَ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلى العامِلِ في وصْفِ المَصْدَرِ دَلَّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: (p-٢٦١)﴿تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ الشُّكْرَ لِمَن أعْطاكم ما لا تَقْدِرُونَ قَدْرَهُ بِاسْتِعْمالِهِ فِيما خَلَقَ لِأجْلِهِ تَدَّعُونَ أنَّكم أشْكُرُ النّاسِ لِلْإحْسانِ وأعْلاهم [فِي - ] العِرْفانِ.

الملك 67:24

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الهِدايَةِ وعَنِ الشُّكْرِ اللَّذَيْنِ يَفْخَرُونَ عَلى النّاسِ كافَّةً بِكُلٍّ مِنهُما، واسْتَعْطَفَهم بِما أوْدَعَ فِيهِمْ مِنَ اللَّطائِفِ الرَّبّانِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ بِنُورانِيَّتِها لِلْعُرُوجِ إلى مُواطِنِ القُدْسِ ومَعادِنِ الأُنْسِ، دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى حَشْرِهِمْ تَحْذِيرًا لَهم مِنَ التَّمادِي في الإعْراضِ بِمَعْنًى يَجِدُهُ كُلٌّ مِنهم في نَفْسِهِ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ بِما أوْدَعَ فِيهِمْ مَعَ تِلْكَ اللَّطائِفِ مَعَ كَثائِفِ طِباعِ الأرْضِ المُوجِبَةِ لِلسُّفُولِ لِيَكُونَ - إذا أعْلَتْهُ تِلْكَ اللَّطائِفَ بِالتَّوْبَةِ - مُجْتَهِدًا في تَنْقِيَةِ آثارِ تِلْكَ الكَثائِفِ المُسْفَلَةِ كَما يَكُونُ لِلزَّرْعِ إذا حُصِدَ مِن بَقايا تِلْكَ الجِذْرِ الَّتِي إنْ لَمْ تُقْلَعْ مِن أصْلِها عادَتْ بِالنَّباتِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ الزَّرْعُ أوَّلًا، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا بَيانًا لِأنَّهُ دَلِيلٌ بِرَأْسِهِ كافٍ فِيما سَبَقَ لَهُ: ﴿قُلْ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي ذَرَأكُمْ﴾ أيْ خَلَقَكم وبَثَّكم ونَشَرَكم وكَثَّرَكم وأنْشَأكم بَعْدَ ما كُنْتُمْ كالذَّرِّ أطْفالًا ضُعَفاءَ، ثُمَّ قَوّاكم ثُمَّ جَعَلَكم شِيَبًا ضُعَفاءَ وأسْكَنَكُمُ الغَضَبَ والذُّعْرَ واللَّجاجَ الحامِلَ لَكم عَلى الوَلُوعِ بِما يُلْجِئُ إلَيْهِ الطِّباعُ المُثِيرَةُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ الَّتِي تُقَدِّمُ أنَّهُ ذَلَّلَها لَكم ورَزَقَكم مِنها النَّباتَ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّ إبْداءَهُ مِنها (p-٢٦٢)ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْها [و- ] افْنائِهِ فِيها ثُمَّ إعادَتِهِ كَما كانَ بَعْدَ أنْ صارَ رُفاتًا وشَيْئًا فانِيًا مُماتًا دَلِيلٌ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم أصْلًا، فَكانَ مِنهُ البَدْأُ ﴿وإلَيْهِ﴾ وحَدّهُ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى البَرْزَخِ [و - ] دُفْعَةً واحِدَةً يَوْمَ البَعْثِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ بِمَن أرادَ مِن عِبادِهِ كُرْهًا مِنكم كَما كانَ أمْرُكم في الدُّنْيا، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلى الإنْسانِ مِنكم أحَبُّ مِنَ الدَّعَةِ والسُّكُونِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَضْطَرُّهُ بِما أوْدَعَهُ مِنَ الطَّبائِعِ المُتَضادَّةِ وأثارَ لَهُ مِنَ الأسْبابِ في طَلَبِ رِزْقِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ إلى السَّعْيِ إلى حَيْثُ يَكْرَهُ، فَكَما أنَّهُ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ مِنكم في الِابْتِداءِ فَهو يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ في الِانْتِهاءِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَكم ويُجازِي كُلًّا عَلى عَمَلِهِ كَما يَفْعَلُ كُلُّ مَلِكٍ بِرَعِيَّتِهِ، وكُلُّ إنْسانٍ مِنكم بِجَماعَتِهِ.

الملك 67:25

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ أبْلَغَ سُبْحانَهُ في وعْظِهِمْ بِنَفْسِهِ وعَلى لِسانِكَ يا أشْرَفَ الخَلْقِ ﷺ وذَلِكَ بِما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ قَطْعًا، ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ ذَلِكَ فَقالَ إعْلامًا بِكَثافَةِ طِباعِهِمْ حَيْثُ لَمْ تُلَطَّفْ أسْرارُهم لِقَبُولِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى وإثارَةِ الأحْوالِ الحَسَنَةِ (p-٢٦٣)مِنَ الصَّبْرِ المُثْبِتِ واليَقِينِ وحُسْنِ الِانْطِباعِ لِقَبُولِ النَّصائِحِ والخَوْفِ وعَدَمِ الِاعْتِزازِ بِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِن جِهَةِ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، وكَذَلِكَ لَفَتَ القَوْلَ إلى الإعْراضِ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ مِنهُمْ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ هَذا القَوْلَ تَجْدِيدًا مُسْتَمِرًّا اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الواوِ في ”[بَلْ - ] لَجُّوا“: ﴿مَتى هَذا﴾ وزادُوا في الِاسْتِهْزاءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿الوَعْدُ﴾ وألْهَبُوا وهَيَّجُوا إيضاحًا لِلتَّكْذِيبِ [عَلى زَعْمِهِمْ -] بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقِينَ﴾ في أنَّهُ لا بُدَّ لَنا مِنهُ، وأنَّكم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ لَهم ثَباتُ الصَّبْرِ واليَقِينِ لَما طاشُوا هَذا الطَّيْشَ بِإبْرازِ هَذا القَوْلِ القَبِيحِ الَّذِي ظاهِرُهُ طَلَبُ الإخْبارِ بِوَقْتِ الأمْرِ المُتَوَعَّدِ بِهِ، وباطِنُهُ الِاسْتِعْجالُ بِهِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا.

الملك 67:26

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا مَعَ أنَّهُ اسْتِعْجالٌ بِأمْرِ السّاعَةِ اسْتِهانَةً بِها حَتّى أنَّهُ عِنْدَهم كَأنَّها مِن قَبْلِ الوَعْدِ الحَسَنِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِإيهامِ أنَّها مِمّا يَطَّلِعُ [الخَلْقُ - ] عَلى تَعْيِينِ وقْتِهِ، نَفى ذَلِكَ بَيانًا لِعَظَمَتِها بِعَظَمَةٍ مِن أمْرِها بِيَدِهِ فَقالَ آمِرًا لَهُ بِجَوابِهِمْ مُؤْذِنًا بِدُونِ ذَلِكَ الإعْراضِ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ عِلْمَهُ تَعالى ذَلِكَ الإنْكارَ: ﴿قُلْ﴾ يا أكْرَمَ الخَلْقِ مُنَبِّهًا لَهم عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ بِأنَّ ما عَلِمُوهُ وحَكَمُوا بِعِلْمِهِمْ فِيهِ وما لا (p-٢٦٤)رَدُّوا عِلْمَهُ إلى اللَّهِ: ﴿إنَّما العِلْمُ﴾ أيِ المُحِيطُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِما سَألْتُمْ عَنْهُ مِن تَعْيِينِ زَمانِ هَذا الوَعْدِ وغَيْرِهِ، ولِأجَلِ إظْهارِ فَضْلِ العِلْمِ اللّازِمِ مِن كَمالِهِ تَمامَ القُدْرَةِ صَرَفَ القَوْلَ عَنْ عُمُومِ الرَّحْمَةِ إلى إفْهامِ العُمُومِ المُطْلَقِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقِيلَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ وبِيَدِهِ جَمِيعُ ما يُرادُ مِنهُ، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهَيْبَتُهُ تَمْنَعُ العالَمَ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ أنْ يَجْتَرِئَ عَلى سُؤالِهِ عَمّا لَمْ يَأْذَنْ [فِيهِ- ]، وعَظَمَتُهُ تَقْتَضِي الِاسْتِئْثارَ بِالأُمُورِ العِظامِ، وإلى ذَلِكَ يُلَوِّحُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّما أنا﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ، وكانَتِ النِّذارَةُ يَكْفِي فِيها تَجْوِيزُ وُقُوعِ المَنذُورِ بِهِ فَكَيْفَ [إذا - ] كانَ مَظْنُونًا فَكَيْفَ إذْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ في الجُمْلَةِ لِيَكُونَ العاقِلُ مُتَوَقَّعًا لَهُ في كُلِّ وقْتٍ قالَ: ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ كامِلٍ في أمْرِ النِّذارَةِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنها البِشارَةُ لِمَن أطاعَ النُّذُرَ لا وظِيفَةَ لِي عِنْدَ هَذا المَلِكِ الأعْظَمِ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلا وُصُولَ لِي إلى سُؤالِهِ عَمّا لا يَأْذَنُ لِي في السُّؤالِ عَنْهُ. ولَمّا كانَ النَّذِيرُ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما يُنْذِرُ بِهِ لِأنَّهُ يَكْفِي العاقِلَ في قَبُولِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ بَلْ إمْكانُ صِدْقِهِ في التَّحَرُّزِ (p-٢٦٥)عَمّا يُنْذَرُ بِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ كاشِفٌ لِلنَّذْرِيِّ غايَةَ الكَشْفِ بِإقامَةِ الأدِلَّةِ عَلَيْها حَتّى تَصِيرَ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ لِمَن لَهُ قَبُولٌ لِلْعِلْمِ.

الملك 67:27

ولَمّا كانَ ما يُنْذِرُ بِهِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، وكانَ كُلُّ آتٍ قَرِيبًا، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالفاءِ والماضِي فَقالَ صارِفًا العُقُولَ إلى الإعْراضِ لِأنَّ وقْتَ الرُّؤْيَةِ لِلْعَذابِ في غايَةِ المُناسَبَةِ لِلْإهانَةِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ أيِ الوَعْدَ بِانْكِشافِ المَوْعُودِ بِهِ عِنْدَ كَوْنِهِ، وحَقَّقَ مَعْنى الماضِي، والفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿زُلْفَةً﴾ أيْ ذا قُرْبٍ عَظِيمٍ مِنهُمْ، وذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ عَنِ اسْمِ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ إبْلاغًا في المَعْنى المُرادِ وأكَّدَ المُبالَغَةَ [ بِالتّاءِ لِأنَّها تَرِدُ لِلْمُبالَغَةِ - ] إذا لَمْ يَرِدْ مِنها التَّأْنِيثُ، ولا سِيَّما إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ أُخْرى عَلى ذَلِكَ. ولَمّا كانَ المُخَوِّفُ في النَّذْرِيِّ الوُقُوعَ في السُّوءِ لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ قالَ: ﴿سِيئَتْ﴾ ولَمّا كانَ السُّوءُ يَظْهَرُ في الوَجْهِ قالَ: ﴿وُجُوهُ﴾ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ ظَهَرَ السُّوءُ وغايَةُ الكَراهَةِ في وُجُوهِ مَن أوْقَعَ هَذا الوَصْفَ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الإيقاعِ وعِلَّتُها الكَآبَةُ. ولَمّا كانَ لا أوْجَعَ مِنَ التَّبْكِيتِ عِنْدَ إحاطَةِ المَكْرُوهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَعْيِينِ فاعِلِهِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ﴾ أيْ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ﴿هَذا الَّذِي﴾ أيْ تَقَدَّمَ مِن عِنادِكم ومَكْرِكم واسْتِكْبارِكم (p-٢٦٦)﴿كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ ومِن أجْلِهِ، وصَرَفَ القَوْلَ إلى الخِطابِ لِأنَّ التَّقْرِيعَ بِهِ أنَكَأُ في العَذابِ: ﴿تَدَّعُونَ﴾ أيْ تَطْلُبُونَ وتُوَقِّعُونَ الطَّلَبَ لَهُ طَلَبًا شَدِيدًا تَبْلُغُونَ فِيهِ غايَةَ الجُهْدِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْجالِ أنْ يَسْتَنْزِلَ بِكم مَكْرُوهُهُ فِعْلَ مَن لا يُبالِي بِهِ بِوَجْهٍ، وتُكَرِّرُونَ ذَلِكَ الطَّلَبَ وتَعُودُونَ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ مُعْرِضِينَ عَنِ السَّعْيِ في الخَلاصِ فِيهِ مِن عُدْوانِ العَذابِ ونَيْلِ الوَعْدِ الحَسَنِ بِجَزِيلِ الثَّوابِ لِبَيانِ قُوَّةِ طَلَبِهِمْ لَهُ وتَداعِيهِمْ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِ حَتّى كَأنَّهم لا مَطْلُوبَ لَهم غَيْرُهُ، قَدَّمَ الجارَّ المُفِيدَ غالِبًا لِلِاخْتِصاصِ فَهو افْتِعالُ مَن دَعا الشَّيْءَ [و- ] بِالشَّيْءِ إذا طَلَبَهُ، ودَعاهُ اللَّهُ بِمَكْرُوهٍ: أنْزَلَهُ بِهِ.

الملك 67:28

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن نَهى آخَرَ عَنْ هَواهُ وبالَغَ في ذَلِكَ أبْغَضَهُ ذَلِكَ النّاهِي وتَمَنّى هَلاكَهُ، فَكَيْفَ إذا والى عَلَيْهِ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ بِما لا يَصِلُ إلى دَرْكِهِ عَقْلَهُ ولا يَرى لَهُ مُقَدِّمَةً بِتَحَقُّقِها، وكانَ الكُفّارُ يَسْعَوْنَ في هَلاكِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن تَبِعَهُ كُلُّ سَعْيٍ، وكانَ هَلاكُ النَّذِيرِ إنَّما يَنْفَعُ المُنْذِرَ عَلى تَقْدِيرِ نَجاتِهِ مِن (p-٢٦٧)هَوْلِ ما كانَ يُحَذِّرُهُ مِنهُ النَّذِيرُ، أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُذَكِّرَهم بِهَذا لِيَنْظُرُوا في ذَلِكَ المُتَوَعِّدِ بِهِ، فَإنْ كانَ مُمْكِنًا سَعَوْا في الخَلاصِ مِمّا قَدْ يَكُونُ مِنهُ مِنَ العَذابِ، وسَلَكُوا في الهَرَبِ مِنهُ مَسْلَكًا سَهْلًا بَعِيدًا مِن سُوءِ الِانْقِلابِ، ودَخَلُوا إلى فَسِيحِ المانِعِ مِنهُ مِن أوْسَعِ بابٍ، أوْ كَفُّوا عَنِ السَّعْيِ في هَلاكِ النَّذِيرِ وطَوَوْا ما مَدُّوا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، لِيَدُلَّهم إذا كانَ صادِقًا عَلى شَيْءٍ يَحْمِيهِمْ أوْ يُخَفِّفُ عَنْهم ذَلِكَ المُصابَ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى شِدَّةِ الحَذَرِ مِن مَكْرِ اللَّهِ وعَدَمِ الِاغْتِرارِ [بِهِ - ] لِلْمُؤْمِنِ الطّائِعِ لِعِلْمِهِ، أنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ فَكَيْفَ بِالعاصِي فَضْلًا عَنِ الكافِرِ مُكَرِّرًا لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ صَدَرَتْ بِهِ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى مَقْصُودِ السُّورَةِ وعائِدَةٌ إلَيْهِ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن باهِرِ القُدْرَةُ ووافِرِ العَظَمَةِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أفْضَلَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وأشْرَفَهم وأعْظَمَهم وأتْقاهم لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ طالَ تَضَجُّرُهم مِنكَ وهم يَتَمَنَّوْنَ هَلاكَكَ حَسَدًا مِنهم وعَمًى في قُلُوبِهِمْ وبُعْدًا وطَرْدًا، قَدِ اسْتَحْكَمَ واسْتَدارَ بِهِمْ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي خَبَرًا أنْتُمْ في الوُثُوقِ بِهِ عَلى ما هو كالرُّؤْيَةِ. ولَمّا كانُوا غَيْرَ عالِمِينَ بِعاقِبَةِ الأمْرِ في هَلاكِهِ ومَن مَعَهُ بِما يَقْصِدُونَهم بِهِ، حَذَّرَهم عاقِبَةَ ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ، وإسْنادِ الإهْلاكِ (p-٢٦٨)إلى اللَّهِ مُعَبِّرًا عَنِ الِاسْمِ الدّالِّ عَلى تَناهِي العَظَمَةِ إلى حَدٍّ لا يَدْعُ لِغَيْرِهِ مِنها شَيْئًا إعْلامًا بِأنَّهُ عَلى القَطْعِ بِأنَّهُ لا شَيْءَ في أيْدِيهِمْ فَهو لا يَخافُهم بِوَجْهٍ فَقالَ: ﴿إنْ أهْلَكَنِيَ﴾ أيَّ أماتَنِي بِعَذابٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿اللَّهُ﴾ [أيِ - ] الَّذِي لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ما يَعْصِمُ بِهِ ولَيَّهُ ويَقْصِمُ بِهِ عَدُوَّهُ ﴿ومَن مَعِيَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُناصِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ بِغَضَبِهِ عَلَيْنا مَعَ ما لَنا مِنَ الأسْبابِ بِالطّاعَةِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي رَتَّبَ سُبْحانَهُ عَلَيْها الفَوْزَ والنَّجاةَ حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِمَّنْ يُكَدِّرُ عَلَيْكم بِالمَنعِ مِنَ الهَوى القائِدِ إلى القُوى والحَثِّ عَلى العَقْلِ الضّامِنِ لِلنَّجاةِ ﴿أوْ رَحِمَنا﴾ بِالنُّصْرَةِ وإظْهارِ الإسْلامِ كَما نَرْجُو فَأنْجانا بِذَلِكَ مِن كُلِّ سُوءٍ ووَقانا كُلَّ مَحْذُورٍ وأنالَنا كُلَّ سُرُورٍ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإهْلاكَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى النَّجاةِ ثانِيًا، والرَّحْمَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الغَضَبِ أوَّلًا ﴿فَمَن﴾ وكانَ ظاهِرُ الحالِ يَقْتَضِي: يُجِيرُكم مَعَ طَلَبِكُمُ المُسَبِّباتِ مِنَ الفَوْزِ والنَّجاةِ بِغَيْرِ أسْبابٍ بَلْ بِأسْبابٍ مُنافِيَةٍ لِلنَّجاةِ جالِبَةٍ لِلْعَذابِ، فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ واسْتِعْطافًا لَهم إلى إيقاعِ الإيمانِ والرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرانِ فَقالَ: ﴿يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في الكُفْرِ بِأنْ (p-٢٦٩)يَدْفَعُ عَنْهم ما يَدْفَعُ الجارُ عَنْ جارِهِ ﴿مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ يُصِيبُهم بِهِ الَّذِي هم عالِمُونَ بِأنَّهُ لا شَيْءَ [إلّا - ] بِيَدِهِ، وإلّا لَنَجى أحَدٌ مِنَ المَوْتِ الَّذِي خَلَقَهُ وقَدَّرَهُ بَيْنَ عِبادِهِ جَزاءً عَلى ما كانُوا يُؤْلِمُونَ مَن يَدْعُوهم إلَيْهِ ويَنْصَحُهم فِيهِ، فَإذا كانَ لا يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِهِ شَيْءٌ سَواءٌ مِتْنا أوْ بَقَيْنا فالَّذِي يَنْبَغِي لَهم إنْ كانُوا عُقَلاءَ السَّعْيُ فِيما يُنَجّى مِن عَذابِهِ، لا السَّعْيُ في إهْلاكِ مَن هو ساعٍ في خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى إهْلاكِهِ أصْلًا إلّا بِتَقْدِيرِ الَّذِي أمَرَهُ بِإنْذارِهِمْ.

الملك 67:29

ولَمّا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى التَّعْمِيمِ [بِالنِّعْمَةِ - ] إلّا مَن كانَ عامَّ القُدْرَةِ والنِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ، وكانَ التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ أشَدَّ اسْتِعْطافًا، صَرَفَ القَوْلَ إلى التَّعْبِيرِ بِما هو صَرِيحٌ في ذَلِكَ، فَقالَ مُذَكِّرًا بِذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا نِعْمَةَ عَلَيْهِمْ إلّا مِنهُ واعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ لِيَحْذَرُوهُ ويَتَذَكَّرُوا عُمُومَ قُدْرَتِهِ فَيَعْلَمُوا [قُدْرَتَهُ - ] عَلى البَعْثِ فَيَنْفَصِلُ النِّزاعُ: ﴿قُلْ﴾ يا خَيْرَ الخَلْقِ: ﴿هُوَ﴾ أيِ اللَّهُ وحْدَهُ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أيِ الشّامِلُ الرَّحْمَةِ لِكُلِّ ما تَناوَلَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ، فَلا يَلِيقُ بِعَقْلِ عاقِلٍ أنْ يَدَعَ أحَدًا مِن خَلْقِهِ في ظُلْمِ ظالِمِهِ فَلا يَأْخُذُ لَهُ بِحَقِّهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَرْضاهُ أقَلُّ النّاسِ لِنَفْسِهِ مَعَ عَجْزِهِ فَكَيْفَ بِمَن هو كامِلُ القُدْرَةِ وإلّا لَما قَدَرَ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ (p-٢٧٠)أيْ أنا ومَن آمَنَ بِي لِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ بِأنَّهُ لا يُكافِئُهُ شَيْءٌ فَهو كافٍ في الإيمانِ بِهِ ﴿وعَلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْنا﴾ لِأنَّهُ لا شَيْءَ في يَدِ غَيْرِهِ وإلّا لَرَحِمَ مَن يُرِيدُ عَذابَهُ أوْ عَذابَ مَن يُرِيدُ رَحْمَتَهُ، فَكُلُّ ما جَرى عَلى أيْدِي خَلْقِهِ مِن رَحْمَةٍ أوْ نِقْمَةٍ فَهو الَّذِي أجْراهُ لِأنَّهُ الفاعِلُ بِالذّاتِ، المُسْتَجْمِعُ لِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ، فَنَحْنُ نَرْجُو خَيْرَهُ ولا نَخافُ غَيْرَهُ، وقَدْ أقْرَرْنا لَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَلى وجْهِ الحَصْرِ بِالأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ فَلا نَحْتَجْ في السُّلُوكِ إلَيْهِ إلى مُعَوَّقٍ عَنْ ذِكْرِهِ والتَّفَكُّرِ في آلائِهِ ولَوْ كانَ المُعَوِّقُ نَفِيسًا في ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا ولَوْ كانَ مُخَوِّفًا فَإنَّهُ لا خَوْفَ مَعَهُ سُبْحانَهُ، فالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ مَنجاةٌ مِن كُلِّ هَلَكَةٍ مَجْلَبَةٌ لِكُلِّ مَلَكَةٍ، ولَمْ يَفْعَلْ كَما تَفْعَلُونَ أنْتُمْ في تَوَكُّلِكم عَلى رِجالِكم وجاهِكم وأمْوالِكم. ولَمّا أبانَ هَذا طَرِيقُ الصَّوابَ، وجَلى كُلَّ ارْتِيابٍ، وكانَ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ والِانْقِلابِ، لِإتْمامِ الرَّحْمَةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ أيْ عِنْدَ التَّجَلِّي عَلَيْكم بِصِفَةِ القَهْرِ عَمّا قَلِيلٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مَن هُوَ﴾ أيْ مِنّا ومِنكم مُتَداعٍ بِذاتِهِ ظاهِرًا وباطِنًا (p-٢٧١)﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ أخْذٍ في [غَيْرِ - ] مَسْلَكٍ مُوصِلٍ إلى مَقْصِدٍ مُحِيطٍ بِهِ الضَّلالُ بِحَيْثُ إنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الِانْفِكاكِ مِنهُ إلّا إنْ أطاعَ مَن يَجُرُّهُ بِيَدِهِ فَيُخْرِجُهُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الشَّيْءُ إذا كانَ فِيهِ نَوْعَ لَبْسٍ كانَ رُبَّما اقْتَضى قَبُولَ العُذْرِ قالَ: ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ مُوَضِّحٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنَّهُ لا خَفاءَ بِهِ.

الملك 67:30

ولَمّا افْتَتَحَ سُبْحانَهُ السُّورَةَ بِعَظِيمِ بَرَكَتِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ في مَمْلَكَتِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِتَفَرُّدِهِ بِالإماتَةِ والإحْياءِ، خَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ بِالماءِ الَّذِي وُجُودُهُ هو سَبَبٌ لِلْحَياةِ وعَدَمُهُ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ، فَقالَ قارِعًا بِالتَّنْبِيهِ مُشِيرًا بِتَكْرِيرِ الأمْرِ إلى مَزِيدِ التَّوْبِيخِ والزَّجْرِ والتَّبْكِيتِ دالًّا عَلى تَعْيِينِ ما أُبْهِمَ مِن أهْلِ الضَّلالِ، ومُصَرِّحًا بِما لَوَّحَ [إلَيْهِ - ] مِن ذَلِكَ الإجْمالِ. ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أعْظَمَ خَلْقِنا وأعْلَمَهم بِنا: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي إخْبارًا لا لَبْسَ فِيهِ ولا خَفاءَ، ولَمّا كانَ شَدِيدَ العِنايَةِ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ، سَكَنَ قَلْبُهُ في وعِيدِهِمْ بِالإشارَةِ إلى الرِّفْقِ بِهِمْ لِأجْلِهِ، فابْتَدَأ الوَعِيدَ بِحَرْفِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ ولَمّا كانَتِ النِّعْمَةُ أشَدَّ ما يَكُونُ إذا كانَتْ في الصَّباحِ الَّذِي هو مَوْضِعُ ارْتِقابِ الفَلاحِ قالَ: ﴿أصْبَحَ ماؤُكُمْ﴾ أيِ الَّذِي تَعُدُّونَهُ في أيْدِيكم - بِما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الإضافَةُ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ المُبالَغَةَ، جَعَلَهُ نَفْسُ المَصْدَرِ فَقالَ: ﴿غَوْرًا﴾ (p-٢٧٢)أيْ نازِلًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ لَكم نَيْلُهُ بِنَوْعِ حِيلَةٍ - بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ﴾ عَلى ضَعْفِكم حِينَئِذٍ وافْتِقارِكم وانْخِلاعِ قُلُوبِكم واضْطِرابِ أفْكارِكم ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ جارٍ دائِمًا لا يَنْقَطِعُ أوْ ظاهِرًا لِلْأعْيُنِ سَهْلُ المَأْخَذِ، إلّا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ فَإنَّهُ هو القادِرُ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ رَجَعَ ذَلِكَ الآخَرُ كَما تَرى عَلى ذَلِكَ الأوَّلِ، وعانَقَهُ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأكْمَلَ - واللَّهِ أعْلَمُ.

القلم 68:1

سُورَةُ ن وتُسَمّى سُورَةُ القَلَمِ مَقْصُودُها إظْهارُ ما اسْتَتَرَ، وبَيانُ ما أبْهَمَ في آيَةِ ”فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ“ بِتَعْيِينِ المُهْتَدِي الَّذِي بَرْهَنَ عَلى هِدايَتِهِ حِيازَتُهُ العِلْمَ الَّذِي هو النُّورُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يَضِلُّ بِمُصاحَبَتِهِ بِتَقَبُّلِ القُرْآنِ والتَّخَلُّقِ بِالفُرْقانِ الَّذِي هو صِفَةُ الرَّحْمَنِ بِقَدْرِ الإمْكانِ الَّذِي تَصِلُ إلَيْهِ قُوَّةُ الإنْسانِ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا الغَرَضِ ”ن“ وكَذا و”القَلَمِ“ فَلِذا سُمِّيَتْ بِكُلٍّ مِنهُما، وبِالكَلامِ عَلى كُلٍّ مِنهُما يُعْرَفُ ذَلِكَ، وحاصِلُهُ أنَّ النُّونَ مُبِيِّنٌ مُحِيطٌ في بَيانِهِ كَما يُحِيطُ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِما يُظْهِرُهُ (p-٢٧٣)وكَما تُحِيطُ الدَّواةُ بِمِدادِها بِآيَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ بِمَخْرَجِهِ وصِفاتِهِ، واسْتَقَرَّ الكَلامُ الواقِعُ فِيها وفي المَعانِي الَّتِي اشْتَرَكَتْ في لَفْظِهِ، وأماتَ القَلَمَ فَإبانَتُهُ لِلْمَعارِفِ أمْرٌ لا يُنْكَرُ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَةُ إيجادِهِ لِأهْلِ مَعادِهِ البِرِيءَ مِنهم والسَّقِيمَ ”الرَّحِيم“ الَّذِي أتَمَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ عَلى مَن وفَّقَهُ لِطاعَتِهِ فَألْزَمَهُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ. * * لَمّا أبْهَمَ الضّالَّ والمُهْتَدِي في آخِرِ ”المُلْكِ“ والمُسِيءَ والمُحْسِنَ في العَمَلِ أوَّلَها، وخَتَمَ بِآيَةِ الماءِ المَعِينِ الَّذِي دَلَّتْ حُرُوفُهُ بِمَجْمُوعِها عَلى تَمامِ مَعْناهُ، ودَلَّ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى شَيْءٍ مِنهُ، فَدَلَّتْ مِيمُهُ عَلى تَمامِ شَيْءٍ ظاهِرٍ، وعَيْنُهُ عَلى آيَةٍ هادِيَةٍ، وياؤُهُ عَلى قائِمٍ مُلَطِّفٍ مُتَنَزِّلٍ مَعَ كُلِّ مَقامٍ، ونُونُهُ عَلى مَظْهَرٍ مُبَيِّنٍ مُحِيطٍ بِما أظْهَرَهُ، ورَدَّهم سُبْحانَهُ إلَيْهِ بَعْدَ شِرادِهِمْ عَنْهُ بِالِاسْتِفْهامِ في هَذِهِ الآيَةِ بِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ مَن عَجْزِهِمْ وعَجْزِ كُلِّ مَن يَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الماءِ الَّذِي هو حَياةُ الأشْباحِ بَعْدَ ذَهابِهِ إلّا مَن تَمَّتْ قُدْرَتُهُ، فَكانَ قادِرًا عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ، وكانَ لا يَقْدِرُ عَلى [كُلِّ - ] ما يُرِيدُهُ إلّا مَن كَمُلَ عِلْمُهُ الَّذِي يُحْيِي بِهِ مَيِّتَ الأرْواحِ، دَلٌّ عَلى شُمُولِ قُدْرَتِهِ بِكَمالِ عِلْمِهِ بِما أفادَهُ عَلى النَّبِيِّ الكَرِيمِ الأُمِّيِّ مِنَ العُلُومِ الَّتِي زَخَرَتْ بِحارُها، فَأحْيا مَدَرارَها، (p-٢٧٤)وأغْرَقَ تَيّارَها، فافْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِكَلِمَةِ البَيانِ وهو اسْمُ الحَرْفِ الَّذِي هو آخِرُ حُرُوفِ تِلْكَ، ومِن لَوازِمِ بَعْضِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الماءُ الَّذِي هو الحَياةُ المُصَحِّحَةُ، ونَبَّهَ عَلى نَصْبِهِ لَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى العِلْمِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن مَخْرَجِ مُسَمّاهُ وصِفاتِهِ ومَواقِعِهِ في الكَلِمِ في جَمِيعِ تَقَلُّباتِهِ فَقالَ: ﴿ن﴾ هَذِهِ الكَلِمَةُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ وهي اسْمٌ لِمُسَمّى بِهِ ظُهُورُ الأشْياءِ وعِلْمُها وإدْراكُها كَما دَلَّ عَلَيْهِ مَوْقِعُهُ في اسْمِ النُّورِ والنّارِ والنَّيْلِ والنُّمُوِّ والنَّباهَةِ والنَّقاءِ والنُّصْحِ والنَّبَأِ والنَّجابَةِ والنَّجاةِ والنَّحْتِ والنَّدَمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ كِتابٍ سِرٌّ وسِرُّ القُرْآنِ هَذِهِ الحُرُوفُ، ولا يَعْلَمُ ما هي إلّا واضِعُها سُبْحانَهُ. ولَمّا كانَ هَذا الحَرْفُ مُشْتَرَكًا في اللُّغَةِ بَيْنَ حَرْفِ المُعْجَمِ والدَّواةِ والحُوتِ وشَفْرَةِ السَّيْفِ، سَكَنَ لِلدَّلالَةِ بادِئَ بَدْءٍ عَلى أنَّهُ حَرْفٌ، ولا يَمْنَعُ إسْكانُهُ المُتَأصِّلُ في البِناءِ مِن إرادَةِ بَقِيَّةِ المَعانِي لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما سَكَّنَتِ الكَلِمَةَ بِنِيَّةِ الوَقْفِ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ مَعْناها، فَلا يَلْزَمُ مِنَ الإسْكانِ عَنْ غَيْرِ عامِلِ البِناءِ، وقِيلَ: النُّونُ اللَّوْحُ، والنُّونَةُ الكَلِمَةُ مِنَ الصَّوابِ، والسَّمَكَةُ، فَهو صالِحٌ لِحَرْفِ المُعْجَمِ الكُلِّيِّ الصّالِحِ [لِكُلِّ - ] فَرْدٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ أخَّرَ حُرُوفَ [الرَّحْمَنِ - ] والدَّواةَ لِما يَتَأثَّرُ عَنْها مِنَ العُلُومِ، والحُوتَ الَّذِي عَلى ظَهْرِهِ الكَوْنُ (p-٢٧٥)واسْمُهُ اليَهَمُوتُ لِما في ذَلِكَ مِن عَجائِبِ القَدَرِ والأسْرارِ، ويَكُونُ الإقْسامُ وقَعَ بِالنُّونِ والقَلَمِ عُلُوًّا لِلْإحاطَةِ، والسَّيْفِ لِما يَتَأثَّرُ عَنْهُ مِن جَلِيلِ الآثارِ، وكَيْفَما كانَ المُرادُ فَهو الإحاطَةُ، وهو سِرٌّ باطِنٌ لا يَظْهَرُ، وإنَّما تَظْهَرُ نَتائِجُهُ، فَهو الحُكْمُ ونَتائِجُهُ القَضاءُ والقَدَرُ بِالإشْقاءِ أوِ الإسْعادِ. ولَمّا كانَ هَذا الحَرْفُ آيَةَ الكَشْفِ لِلْأشْياءِ كانَ مَخْرَجُهُ أمْكَنُ المَخارِجِ وأيْسَرُها وأخَفُّها وأوْسَعُها وهو رَأْسُ المَقُولِ، فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِمّا بَيْنَ طَرَفِ اللِّسانِ وفُوَيْقَ الثَّنايا مِنَ اللَّثَةِ، وهو أخْرَجُ مِن مَخْرَجِ اللّامِ ومِن مَخْرَجِ الرّاءِ أيْضًا، وتُسَمّى هَذِهِ الحُرُوفُ [الثَّلاثَةُ - ] الزَّلَقِيَّةُ مَعَ بَقِيَّةِ حُرُوفِ ”فَرَّ مِن لُبٍّ“ لِأنَّ طَرَفَ كُلِّ شَيْءٍ زَلِقَةٌ، والنُّونُ أمْكَنُها في هَذا المَخْرَجِ وأشُدُّها انْطِباقًا فِيما بَيْنَ اللِّسانِ واللَّثَةِ، وهو مِمّا كَرَّرَ مُسَمّاهُ في اسْمِهِ فانْتَهى إلى حَيْثُ ابْتَدَأ، واخْتَصَّ بِكَوْنِ عِمادَهُ وقِوامَهُ الحِرَفُ الأقْوى الأظْهَرُ ذا الرِّفْعَةِ والعُلُوِّ وهو الواوُ والزَّلَقِيَّةُ الَّتِي هو أحَدُها ضِدَّ المُصْمَتَةِ وهي أخَفُّ الحُرُوفِ عَلى اللِّسانِ وأكْثَرُها امْتِزاجًا بِغَيْرِها، وأمّا المُصْمَتَةُ فَمَنَعَتْ أنْ تَنْفَرِدَ بِنَفْسِها (p-٢٧٦)فِي لُغَةِ العَرَبِ في كَلِمَةٍ هي أكْثَرُ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعَها بَعْضُ الزَّلَقِيَّةِ، والألِفُ خارِجَةٌ عَنِ الصِّنْفَيْنِ لِأنَّها مُجَرَّدُ أهْواءٍ لا مُسْتَقَرَّ لَها، فَقَدْ ناسَبَتْ بِمَخْرَجِها لِسِعَتِهِ وخِفَّتِهِ ووَصَفَها بِالزَّلاقَةِ الَّتِي تَقَعُ لِما اتَّصَفَ بِها مِنَ الحُرُوفِ الكَمالُ غَنِيَّةٌ عَنْ سِواها ولا يَقَعُ لِما لَمْ يُخالِطْها كَمالٌ فِيما ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِن أنَّ مَعْناها البَيانُ والإظْهارُ ومِن صِفاتِها الجَهْرُ وبَيْنَ الشِّدَّةِ والرَّخاوَةِ والِانْفِتاحِ والِاسْتِفالِ، والغُنَّةِ الخارِجَةِ مِنَ الخَيْشُومِ إذا سَكَنَ، وكُلُّ هَذا واضِحٌ في العِلْمِ الَّذِي لَهُ الِاتِّساعُ والِانْتِشارُ والتَّغَلْغُلُ في الأشْياءِ الباطِنَةِ، ويُشارِكُهُ المِيمُ في الغُنَّةِ كَما أنَّهُ [ يُشارِكُهُ في أنَّ لَهُ حَظًّا مِنَ الظُّهُورِ والنُّونِ وهو الأصْلُ في الغُنَّةِ كَما أنَّهُ - ] الأصْلُ في الظُّهُورِ لِما لَهُ مِنَ العُلُوِّ بِالعِمادِ، وهو أيْضًا مِن حُرُوفِ الذَّبْذَبَةِ والزِّيادَةِ الَّتِي لا تَسْتَقِرُّ عَلى حالٍ فَتَقَعُ مَرَّةً زَوائِدَ وأُخْرى أُصُولًا كَما أنَّ العِلْمَ أيْضًا كَذَلِكَ لا اسْتِقْرارَ لَهُ بَلْ مَهْما وسَّعْتَهُ اتَّسَعَ، ومَهْما تَرَكْتَهُ اضْمَحَلَّ وانْجَمَعَ، وهو مِن حُرُوفِ الأبْدالِ الَّتِي تُبْدَلُ مِن غَيْرِها ولا يَكُونُ غَيْرُها بَدَلًا مِنها فَلازِبُ ولازِمُ المِيمِ بَدَلٌ مِنَ الباءِ بِخِلافِ العَكْسِ كَما أنَّ العِلْمَ أصْلٌ يَتْبَعُهُ غَيْرُهُ ولا يَكُونُ هو تابِعًا لِغَيْرِهِ، وهو مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ ولَيْسَتْ مُعْتَلَّةً، والعِلْمُ جَدِيرٌ بِهَذا الوَصْفِ وهو إذا كانَ مَخْفِيٌّ مِنَ الحُرُوفِ المُشْرَبَةِ ويُقالُ (p-٢٧٧)لَها المُخالَطَةُ - بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها، وهي الَّتِي اتَّسَعَتْ فِيها العَرَبُ فَزادَتْها عَلى التِّسْعَةِ والعِشْرِينَ المُسْتَعْمَلَةِ وهي مِنَ الحُرُوفِ الصُّمِّ وهي ما عَدا الحَلْقِيَّةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَمَكُّنِها في خُرُوجِها مِنَ الفَمِّ واسْتِحْكامِها فِيهِ، يُقالُ لِلْمُحْكَمِ المُصْتَمِّ [و - ] العِلْمُ أشَدُّ ما يَكُونُ مُناسِبَةً لِهَذا الوَصْفِ، فَقَدِ انْطَبَقَتْ بِمَخْرَجِها وجَمِيعِ صِفاتِها عَلى العِلْمِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ فَتَبَيَّنَ حَقًّا أنَّهُ مَقْصُودُها، وأمّا رُتْبَةُ القَلَمِ في بَيانِ العِلْمِ وإظْهارِهِ وكَشْفِ خَفاياهُ وأسْرارِهِ وبَثِّهِ وإشْهارِهِ فَهي بِحَيْثُ لا يَجْهَلُها أحَدٌ اتَّصَفَ بِالعَقْلِ، ومِمّا يَخْتَصُّ بِهِ هَذا الحَرْفُ أنَّهُ يَصْحَبُ كُلَّ حِرَفٍ لِأنَّ حَدَّهُ هو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ التَّنْوِينُ الَّذِي انْتِظامُهُ بِالحَرَكاتِ هو ما آيَتُهُ العِلْمُ المُكَمِّلُ ”بِهِ الحَياةَ“ الَّتِي هي آيَةُ ما يُعَبِّرُ عَنْهُ هَذِهِ الحَرَكاتُ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الحَرَكاتُ آيَةً عَلى ما هو الحَياةُ كانَ التَّنْوِينُ عَقِبَها آيَةٌ عَلى ما بِهِ كَمالُ الحَياةِ مِنَ العِلْمِ، وهو سَبَبٌ لِما بِهِ القِيامُ مِنَ الظُّهُورِ، ومِن مَعْناهُ اسْمُهُ تَعالى النُّورُ، ثُمَّ هو اسْمٌ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ما خَفِيَ باطِنًا كالعِلْمِ في الإدْراكِ الَّذِي تَظْهَرُ حَقائِقُ الأشْياءِ بِهِ، وظاهِرًا كالنَّيِّرَيْنِ لِلْعُيُونِ، وسائِرِ الأنْوارِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وما هو وسِيلَةُ الظُّهُورِ كالعُيُونِ مِمّا (p-٢٧٨)بِهِ تُشاهَدُ الأشْياءُ ويَظْهَرُ [بِهِ - ] صُوَرُها، والدَّواةُ الَّتِي مِنها مِدادُ ما كُتِبَ بِالقَلَمِ في العَوالِمِ أعْلاها وأدْناها وكُلُّ آلَةٍ يُتَوَصَّلُ بِها إلى إظْهارِ صُورَةٌ تَكُونُ تَمامًا كَماءِ المُزْنِ الَّذِي هو مِدادُ كُلِّ شَيْءٍ كَوَّنَ اللَّهُ بِهِ الكائِناتِ والبادِئاتِ ”وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ“ ومِنهُ مَعْنى النَّجْمِ النَّباتِيِّ الَّذِي هو لِلشَّجَرِ بِمَنزِلَةِ الفُولِ لِلْبَشَرِ مُتَلَبِّسًا بِالنُّورِ - بِالفَتْحِ - الَّذِي فِيهِ حَظٌّ مِنَ النُّورِ - بِالضَّمِّ - والذَّرْءِ الَّذِي هو ظاهِرٌ في نَفْسِهِ مَظْهَرَ لِطُرُقِ الِاهْتِداءِ، وكَذَلِكَ الأمْرُ في النّارِ المُخْلِصَةِ مِن رُتْبَةِ ظُلْمَتِها الَّتِي هي غايَتُها بِالرَّمادِ، وابْتِداؤُها بِما يَخْرُجُ مِنهُ مِن شَجَرٍ وحَدِيدٍ وحَجَرٍ. ولَمّا كانَ هَذا الحَرْفُ اسْمًا لِما بِهِ ظُهُورُ أمْرٍ لَمْ يَخْتَصَّ بِشَيْءٍ مِنَ المُظْهِراتِ دُونَ آخَرَ بَلْ شَمِلَ النُّورَ والحاسَّةَ والمُرادَ والمادَّةَ، ولِذَلِكَ كانَ مَعَ الكافِ الَّذِي هو عِلْمُ التَّكْوِينِ سَبَبُ ظُهُورِ كُلِّ شَيْءٍ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ولِصِدْقِهِ عَلى [كُلِّ - ] مَظْهَرٍ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِالدَّواةِ فَفَسَّرَ بِما يُسْتَمَدُّ مِنهُ القَلَمُ، ولِيَلْحَظَ مَوْقِعَهُ في نَجْدٍ فَإنَّهُ اسْمٌ لِما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ وظَهَرَ في نَفْسِهِ وأظْهَرَ غَيْرَهُ، وفي نُهُودِ الجارِيَةِ وهو ظُهُورُ نَهْدِها، وفي النَّهْبِ وهو ما أخَذَ أخْذًا ظاهِرًا كَما قالَ ﷺ ”ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النّاسَ إلَيْهِ فِيها أبْصارُهُمْ“ وفي النَّفْخِ والنَّفْعِ والنَّصْرِ والنَّقْرِ والنَّقْبِ وما أشْبَهَها فَإنَّها كُلُّها ظُهُورُ (p-٢٧٩)وإظْهارٌ كالنَّمِّ والمَنِّ والنَّمُؤِ ولِأجْلِ عُلُوِّهِ واسْتِبْطانِهِ وأنَّهُ اسْتِغْراقُ المَظْهَرِ المُبَيِّنِ كانَتْ إقامَتُهُ يَتَعالى الألِفَ وهو الواوُ وانْتِهاؤُهُ إلى مِثْلِ ما بَدَأ بِهِ، ولِكَوْنِ المِيمِ تَمامًا كانَ قِوامُهُ بِمُتَنَزِّلٍ كالألِفِ الَّتِي هي الياءُ في قَوْلِكَ مِيمٌ، ولِرُجُوعِ الواوِ إلى عُلُوِّ الألِفِ كانَ عِمادُها الألِفُ في قَوْلِكَ ”واوٌ“ وهَذِهِ الحُرُوفُ الثَّلاثَةُ ظاهِرَةٌ في عالِمَيْنِ ظاهِرُهُما المَبْدُوءُ بِهِ وباطِنُهُما المَخْتُومُ بِهِ، فالنُّونُ الأُولى يُعَبَّرُ بِها عَنْ نُورِ الأبْصارِ، والخاتِمَةُ يُعَبَّرُ بِها عَنْ نُورِ القَلْبِ، ولَمّا كانَ الهاءُ وتَرَ الدّالِ، وكانَ مُحِيطًا باطِنًا غَيْبًا وجَبَ أنْ يَكُونَ مَحَلَّ تَضْعِيفِهِ بِالياءِ مَحَلٌّ مُحِيطٌ [باطِنٌ - ] نازِلُ الرُّتْبَةِ في الغَيْبِ عَنِ الهاءِ لِوُقُوعِهِ في رُتَبِ العَشَراتِ وهو النُّونُ، فَكانَ ظاهِرًا بِالإضافَةِ إلى خَفاءِ الهاءِ باطِنًا بِالإضافَةِ إلى ظُهُورِ المِيمِ، فَيَكُونُ بِالنُّونِ ظُهُورُ المِيمِ المُعَبِّرُ عَنْ ”المُلْكِ“ الَّذِي سَبَقَ في السُّورَةِ الماضِيَةِ كَما كانَ شَهادَةُ الدّالِّ وثُبُوتِهِ بِالهاءِ. ولِذَلِكَ انْبَنى تَمامُ كُلِّ عَمَلٍ عَلى نُورِ عِلْمٍ كَما كانَ قِوامُ ظاهِرِ كُلِّ دالٍّ غَيْرِ هاءٍ، وكانَ النُّونُ مِدادًا لِمِثْلِ العِلْمِ الَّذِي يُظْهِرُ صُوَرَها بِسَطْرِ القَلَمِ حَتّى أنَّ آيَةَ ما بَطَنَ مِنهُ فَأظْهَرُهُ القَلَمُ هو ما بَطَنَ دُونَ الأرْضِ مِنَ النُّونِ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ (p-٢٨٠)الَّذِي أوَّلُ ما يَطْعَمُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زِيادَةُ كَبِدِهِ مَعَ الثَّوْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ [أيْضًا - ] الَّذِي يُذْبَحُ لَهم - عَلى ما ورَدَ في الخَبَرِ، وقابَلَ اسْتِبْطانَ النُّونِ في الأرْضِ ظُهُورَ القافِ عَلى ظاهِرِها الَّذِي هو جَبَلُ الزَّبَرْجَدِ المُحِيطِ بِالدُّنْيا، وعَنْ ذَلِكَ الِاسْتِيلاءِ عَلى القُلُوبِ في الدُّنْيا إنَّما يَكُونُ بِالعِلْمِ الَّذِي هو حَقِيقَةُ نُونٍ كَما أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأجْسامِ في ظاهِرِ الدُّنْيا إنَّما يَكُونُ بِالقُدْرَةِ الَّتِي هي حَقِيقَةُ قافٍ عَلى ما يَظْهَرُ مِن إجالَتَيِ العُلَماءِ في النُّونِ الأبْطَنِ والمُلُوكِ في القافِ الأظْهَرِ، وهَذانَ الصِّنْفانِ مِنَ الخَلْقِ هُما المُسْتَوْلِيانِ عَلى النّاسِ بِالأيالَةِ ونُفُوذِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ أُقِيمَ المُفَصَّلُ مِنَ القُرْآنِ بِحَرْفَيْ قافٍ ونُونٍ، واقْتَرَنَ أيْضًا هَذانَ الحَرْفانِ في كَلِمَةِ القُرْآنِ ولَفْظِ الفُرْقانِ اللَّذَيْنِ هُما في ظَواهِرِ أسْمائِهِ، وإنَّما كانَ أوَّلُ ما يَطْعَمُهُ أهْلُ الجَنَّةِ مِنَ الثَّوْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدُّنْيا الَّذِي [كانَ - ] يَرْعى في أطْرافِ الجَنَّةِ - عَلى ما ورَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، لِأنَّ صُورَةَ الثَّوْرِ هي مَعْنى ما هو الكَدُّ والكَدْحُ وجُهْدُ العَمَلِ في الأرْضِ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ أمْرُ الدُّنْيا، ولَمّا كانَ أهْلُ الدُّنْيا أوَّلَ ما يُراحُونَ مِنهُ مِن أمْرِ الدُّنْيا تَقْدِيمُ أمْرِ الكَدِّ بَيْنَ يَدَيْ مَعاشِهِمْ في الجَنَّةِ، كانَ الَّذِي [يَذْبَحُ - ] لَهُمُ الثَّوْرُ الَّذِي هو صُورَةُ كَدِّهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَهو جَزاءُ ما عَمِلُوا بِهِ في دُنْياهم مِن حَيْثُ كانُوا ذَوِي دِينٍ، (p-٢٨١)فاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ جَزاءَ كَدِّهِمْ بِما هو صُورَتُهُ، وأُضِيفَ لِذَلِكَ زِيادَةُ كَبِدِ النُّونِ الَّتِي هي صُورَةُ حَظِّهِمْ مِن أصْلِ العِلْمِ فَأطْعَمُوها وجُوزُوا بِها، ورُوعِيَ في أعْمالِهِمْ حُسْنَ نِيَّتِهِمْ في أصْلِ دِينِهِمْ، فَلَمّا أتَوْا عَلَيْهِما اسْتَقْبَلُوا الرّاحَةَ والخُرُوجَ عَنِ الكُلْفَةِ في مَعاشِهِمْ في الجَنَّةِ، والَّذِي جَرَّهم بِهِ سُبْحانَهُ إلى سِنِي هَذِهِ الرُّتْبَةِ ما أتْقَنَهُ بِحِكْمَتِهِ مِن ثَناءِ المُفَصَّلِ القُرْآنِيِّ عَلى حَرْفَيِ القافِ الَّذِي بِهِ القُوَّةُ والقَهْرُ والقُدْرَةُ، والنُّونُ الَّذِي بِهِ إظْهارُ ذَلِكَ لِلْعَقْلِ بِنُورِ العِلْمِ، [و - ] ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ نَزَّلَهُ سُبْحانَهُ مَثانِيَ، ضَمَّنَ ما عَدا المُفَصَّلَ مِنهُ الَّذِي [هُوَ - ] مِن قافٍ إلى خاتِمَةِ الكِتابِ العَزِيزِ، وفاتِحَتِهِ ما يَخْتَصُّ بِأُولِي العِلْمِ والفِقْهِ مِن مَبْسُوطاتِ الحُكْمِ ومُحْكَماتِ الأحْكامِ ومُطَوَّلاتِ الأقاصِيصِ ومُتَشابِهِ الآياتِ، والسُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِالحُرُوفِ العَلِيَّةِ الإحاطَةِ الغَيْبِيَّةِ المَنحى المُسْتَنِدَةِ إلى آحادٍ.الأعْدادُ مِمّا يَخْتَصُّ بِعِلْمِ ظاهِرِها خاصَّةً الأُمَّةُ، ويَخْتَصُّ بِأمْرِ باطِنِها آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلِعُلُوِّ رُتْبَةِ إيرادِ ما عَدا المُفَصَّلَ ثَنّى الحَقُّ تَعالى الخِطابَ وانْتَظَمَهُ في سُوَرٍ كَثِيرَةِ العَدَدِ يَسِيرَةِ عَدِّ الآيِ هي المُفَصَّلُ، ذَكَرَ فِيها مِن أطْرافِ القِصَصِ والمَواعِظِ والأحْكامِ والأنْباءِ وأمْرِ الجَزاءِ ما يَلِيقُ بِسَماعِ العامَّةِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ سَماعُهُ ولِيَأْخُذُوا (p-٢٨٢)بِحَظٍّ مِمّا أخَذَ الخاصَّةُ، ويَتَكَرَّرُ عَلى أسْماعِهِمْ في قِراءَةِ الأئِمَّةِ لَهُ في الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ الَّتِي لا مَندُوحَةَ لَهم عَنْها ما يَكُونُ لَهم خَلْقًا مِمّا يَفُوتُهم مِن مَضْمُونِ سائِرِ السُّوَرِ المُطَوَّلاتِ، فَكانَ أحَقَّ ما افْتَتَحَ بِهِ مُفَصَّلُهم حَرْفَ القافِ الَّذِي هو وتَرُ الآحادِ حَتّى صارَتْ عَشْرَةً، ثُمَّ إذا ضَرَبَتْ في نَفْسِها صارَتْ مِائَةً، فافْتُتِحَ بِهِ المُفَصَّلُ، لِيَكُونَ مَضْمُونَ ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ أظْهَرُ مِمّا يَحْتَوِي عَلَيْهِ ما افْتَتَحَ بِالم، ولِذَلِكَ كانَ ﷺ يَكْثُرُ أنْ يَقْرَأ في خُطْبَةِ الجُمْعَةِ سُورَةُ [”-ق“ - ] فَيَفْتَتِحُ لِلْعامَّةِ المُتَوَجِّهِ بِخُطْبَةِ يَوْمِ الجُمْعَةِ إلَيْهِمْ لِأنَّها صَلاةٌ جامِعَةُ الظّاهِرِ بِفاتِحَةِ المُفَصَّلِ الخاصِّ، وفي مَضْمُونِها مِن مَعْنى القُدْرَةِ والقَهْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في إقامَةِ أمْرِ العامَّةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وشَفَعَتْ بِسُورَةِ ”ن“ المُظْهِرَةِ ظاهِرَ ”ق“ فَخَصُّوا بِما فِيهِ القَهْرَ والإبانَةَ، واخْتَصَّتْ سُورَةُ ”ن“ مِن مُقْتَضى العِلْمِ بِما هو مُحِيطٌ بِأمْرِ العامَّةِ المُنْتَهِي إلى غايَةِ الذِّكْرِ الشّامِلِ لِلْعالَمِينَ، لِأنَّ القُوَّةَ المُعْرِبَةَ عَنِ العِلْمِ رُبَّما كانَ ضَرَرُها أكْثَرَ مِن نَفْعِها، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ عِزٍّ لَمْ يُوَطِّدْهُ عِلْمٌ فَإلى ذُلٍّ يَؤُولُ، وكَما كانَ جَمِيعُ السُّوَرِ التِّسْعِ والعِشْرِينَ المُفْتَتَحَةِ بِالحُرُوفِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمَراتِبِ التِّسْعِ في التِّسْعَةِ ولِلْعاشِرِ الجامِعِ لِلْمَراتِبِ التِّسْعِ بِإيتارِ آحادِها والعاشِرُ الجامِعُ يَضْرِبُ (p-٢٨٣)العَشْرَ المُوَتَّرَ في نَفْسِهِ قُوامًا وإحاطَةً [ في جَمِيعِ القُرْآنِ كَذَلِكَ كانَ سُورَةُ ”ق“ وسُورَةُ ”ن“ قِوامًا خاصًّا وإحاطَةً - ] خاصَّةً بِما يَخُصُّ العامَّةَ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي يَجْمَعُهُمُ الأرْضُ بِما أحاطَ مِن ظاهِرِها مِن صُورَةِ جَبَلِ ”ق“ وما أحاطَ بِباطِنِها مِن صُورَةِ حَيَوانِ ”ن“ الَّذِينَ تَمامُ أمْرِهِمْ بِما بَيْنَ مَدَدِي إقامَتِهِما، وبِهَذِهِ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ [بِالحُرُوفِ - ] ظَهَرَ اخْتِصاصُ القُرْآنِ وتَمَيَّزَ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ لِتَضَمُّنِهِ الإحاطَةُ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا لِلْخاتَمِ الجامِعِ، واقْتَرَنَ مِنَ التَّفْصِيلِ في سُوَرِها ما يَلِيقُ بِإحاطَتِها، ولِإحاطَةِ مَعانِيها وإبْهامِها كانَ كُلُّ ما فَسَّرَتْ بِهِ مِن مَعْنى يَرْجِعُ إلى مُقْتَضاها صَحِيحًا في إحاطَتِها بِمُتَنَزِّلِها مِن أسْماءِ اللَّهِ وتَرَتُّبِها في جَمِيعِ العَوالِمِ فَلا يُخْطِئُ فِيها مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ لِأنَّهُ كُلَّما قَصَدَ وجْهًا مِنَ التَّفْسِيرِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ إحاطَةِ ما يَقْتَضِيهِ، ومَهْما فُسِّرَتْ بِهِ [مِن - ] أسْماءِ اللَّهِ أوْ مِن أسْماءِ المَلائِكَةِ أوْ مِن أسْماءِ الأنْبِياءِ أوْ مِن [مِثْلِ - ] الأشْياءِ أوْ صُوَرِ المَوْجُوداتِ أوْ مِن أنَّها أقْسامٌ أقْسَمَ بِها أوْ فَواتِحُ عُرِفَتْ بِها السُّوَرُ أوْ أعْدادٌ تَدُلُّ عَلى حَوادِثَ وحُظُوظٍ مِن ظاهِرِ الأمْرِ أوْ باطِنِهِ عَلى اخْتِلافِ رُتَبٍ وأحْوالٍ مِمّا أُعْطِيهِ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ﷺ (p-٢٨٤)مِن مِقْدارِ أمَدِ الخِلافَةِ والمُلْكِ والسَّلْطَنَةِ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهُ مِن ظُهُورِ الهِدايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُحِيطُ بِأمَدِ يَوْمِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وكُلُّ داخِلٍ في إحاطَتِها، ولِذَلِكَ أيْضًا لا يَخْتَصُّ بِمَحَلٍّ مَخْصُوصٍ يَلْزَمُهُ عَلامَةُ إعْرابٍ مَخْصُوصَةٍ، فَمَهْما قَدَّرَ في مَواقِعِها مِن هَذِهِ السُّورَةِ جَرًّا أوْ رَفْعًا أوْ نَصْبًا فَداخِلٌ في إحاطَةِ رُتْبَتِها ولَمْ يَلْزَمْها مَعْنًى خاصٌّ لِما لَمْ يَكُنْ لَها انْتِظامٌ، لِأنَّها مُسْتَقِلّاتٌ مُحِيطاتٌ، وإنَّما يَنْتَظِمُ ما يَتِمُّ مَعْنى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُنْتَظِمِينَ بِحُصُولِ الِانْتِظامِ، وذَلِكَ يَخْتَصُّ مِنَ الكَلِمِ بِما يُقَصِّرُ عَنْ إحاطَةِ مَضْمُونِ الحُرُوفِ حَتّى أنَّهُ مَتى وقَعَ اسْتِقْلالٌ وإحاطَةٌ في كَلِمَةٍ لَمْ يَقَعْ فِيها انْتِظامٌ. ولَمّا كانَ قِوامُ هَذا الوُجُودِ بِالسَّيْفِ والقَلَمِ، وكانَ [ ”نُونُ“ - ] مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعانٍ مِنها السَّيْفُ والدَّواةُ الَّتِي هي آلَةُ القَلَمِ، واللَّوْحُ الَّذِي هو مَحَلٌّ ما يَثْبُتُ مِنَ العِلْمِ، وكانَ السَّيْفُ قَدْ تَقَدَّمَ في حَيِّزِ القافِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ سُورَةُ ”ق“ كَما هو أنْسَبُ لِتَضَمُّنِهِ القُوَّةَ والقُدْرَةَ والقَهْرَ في سُورَةِ الحَدِيدِ بَعْدَ الوَعْظِ والتَّهْدِيدِ والتَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ في (p-٢٨٥)السُّورَةِ الواقِعَةِ بَيْنَهُما، ذَكَرَ هُنا ما هو لِحَيِّزِ النُّونِ مِن آيَةِ العِلْمِ فَقالَ مُقْسِمًا بَعْدَ حَرْفِ ”ن“: ﴿والقَلَمِ﴾ أيْ قَلَمِ القُدْرَةِ الَّذِي هو أوَّلُ ما أبْدَعَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَخَطَّ جَمِيعَ الكائِناتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ حَقِيقَةً، وفي ألْواحِ صَفَحاتِ الكائِناتِ حالًا ومَجازًا، فَأظْهَرَ جَمِيعَ العُلُومِ، ثُمَّ خَتَمَ عَلى فِيهِ فَلَمْ يَنْطِقْ ولا يَنْطِقْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ الخَلْقُ ما نَوَّلَهُمُ اللَّهُ مِن تِلْكَ المَعارِفِ والفُهُومِ، وذَلِكَ هو قِوامُ أُمُورِ الدُّنْيا، والإشارَةُ بِهِ إلى القَضاءِ الَّذِي هو مِن نَتائِجِ ”ن“ لِأنَّهُ مِن مَصْنُوعاتِ اللَّهِ الظّاهِرَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ إيجادَها ووَجَّهَهُ إلى تَفْصِيلِ ما جَرى بِهِ الحُكْمُ. ولَمّا كانَ الحاصِلُ بِالقَلَمِ مِن بَثِّ الأخْبارِ ونَشْرِ العُلُومِ عَلى تَشَعُّبِها والأسْرارِ ما يَفُوقُ الحَصْرُ، فَصارَ كَأنَّهُ العالَمُ المُطِيقُ واللَّسِنُ المِنطِيقُ، وكانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ أسْنَدَ إلَيْهِ كَما يُسْنِدُ [إلى - ] العُقَلاءِ فَقالَ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ قَلَمُ القُدْرَةِ، وجَمْعُهُ وأجْراهُ مَجْرى أُولِي العِلْمِ لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّهُ فَعَلَ أفْعالَهُمْ، أوِ الأقْلامُ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ إلى الكاتِبِينَ بِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِهِ، أمّا المَلائِكَةُ إنْ كانَ المُرادُ ما كَتَبَ في الكِتابِ المُبِينِ واللَّوْحِ المَحْفُوظِ وغَيْرِهِ مِمّا (p-٢٨٦)يَكْتُبُونَهُ، وأمّا كُلُّ مَن يَكْتُبُ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ حَتّى أصْحابُ الصَّحِيفَةِ الظّالِمَةِ الَّتِي تَقاسَمُوا فِيها عَلى أنْ يُقاطِعُوا بَنِي هاشِمٍ [ومَن - ] لافَهم حَتّى يُسَلِّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُونَ بِهِ ما شاءُوا، وكَيْفَ ما كانَ فَهو إشارَةٌ إلى المُقَدَّرِ لِأنَّهُ إنَّما يُسَطِّرُ ما قَضى بِهِ وحَكَمَ.

القلم 68:2

ولَمّا كانَ المُخاطَبُ بِهَذا ﷺ قَدْ عاشَرَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا وزَمَنًا مَدِيدًا أرْبَعِينَ سَنَةً وهو أعْلاهم قَدْرًا وأطْهَرُهم خَلائِقَ وأمَتْنُهم عَقْلًا وأحْكَمُهم رَأْيًا وأرْأفُهم وأرْفَعُهم عَنْ شَوائِبِ الأدْناسِ هِمَّةً وأزْكاهم نَفْسًا بِحَيْثُ إنَّهُ لا يُدْعى بَيْنَهم إلّا بِالأمِينِ ولَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ شَيْءٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ أنْ يَصِفُوهُ بِسَبَبِهِ بِالجُنُونِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الضَّلالُ عَنِ المَقاصِدِ المَذْكُورِ آخِرَ المُلْكِ في قَوْلِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الملك: ٢٩] إلّا النِّعْمَةُ الَّتِي ما نالَ أحَدٌ [قَطُّ - ] مِثْلَها في دَهْرٍ مِنَ الدُّهُورِ ولا عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ، قالَ مُجِيبًا هَذا القَسَمَ العَظِيمَ رادًّا عَلَيْهِمْ بِأجْلى ما يَكُونُ وأدَلَّهُ عَلى المُرادِ تَأْنِيسًا لَهُ ﷺ مِمّا أوْجَبَ افْتِراؤُهم عَلَيْهِ [لَهُ - ] مِنَ الوَحْشَةِ وشَرْحًا (p-٢٨٧)لِصَدْرِهِ وتَهْدِئَةَ لِسِرِّهِ: ﴿ما أنْتَ﴾ أيْ يا أعْلى المُتَأهِّلِينَ لِخِطابِنا ﴿بِنِعْمَةِ﴾ أيْ بِسَبَبِ إنْعامِ ﴿رَبِّكَ﴾ المُرَبِّي لَكَ بِمِثْلِ تِلْكَ الهِمَمِ العالِيَةِ والسَّجايا الكامِلَةِ بِأنْ خَصَّكَ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو جامِعٌ لِكُلِّ عِلْمٍ وحِكْمَةٍ، وأكَّدَ النَّفْيَ زِيادَةً في شَرَفِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ أيْ [ بَلِ - ] الَّذِي وصَفَكَ بِهَذا هو الحَقِيقُ بِاسْمِ الجُنُونِ ومَعْناهُ فَضْلًا عَنِ الضَّلالِ الَّذِي رَدَّدَ في آخِرِ تِلْكَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم فِيهِ سُلُوكًا لِسَبِيلِ الإنْصافِ لِيَنْظُرُوا في تِلْكَ بِالأدِلَّةِ فَيَعْلَمُوا ضَلالَهم وهِدايَتَكَ بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ بِالنَّظَرِ في الآثارِ المُظْهِرَةِ لِذَلِكَ غايَةَ الإظْهارِ، فَنَفى عَنْهُ ﷺ الشَّقاوَةَ الَّتِي سَبَّبَها [ فَسادُ العَقْلِ فَثَبَتَتِ السَّعادَةُ الَّتِي سَبَّبَها - ] صَلاحُ العَقْلِ ونِعْمَةُ الرَّبِّ لَهُ. [ و-] قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَضَمَّنَتْ سُورَةُ المُلْكِ مِن عَظِيمِ البَراهِينِ ما يُعْجِزُ العُقُولَ عَنِ اسْتِيفاءِ الِاعْتِبارِ بِبَعْضِهِ كالِاعْتِبارِ بِخَلْقِ السَّماواتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] أيْ يُطابِقُ بَعْضُها بَعْضًا مِن طابَقَ النَّعْلَ - إذا خَصَفَها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، ويَشْعُرُ هَذا بِتَساوِيها في مِساحَةِ أقْطارِها ومَقادِيرِ أجْرامِها - واللَّهُ أعْلَمُ، ووَقْعُ الوَصْفُ (p-٢٨٨)بِالمَصْدَرِ يُشْعِرُ بِاسْتِحْكامِ مُطابَقَةِ بَعْضِها لِبَعْضٍ إنْباءً مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّها مِن عِظَمِ أجْرامِها وتَباعُدِ أقْطارِها يُطابِقُ بَعْضُها [ بَعْضًا - ] مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] أيْ مِنِ اخْتِلافٍ واضْطِرابٍ في الخِلْقَةِ أوْ تَناقُضٍ، إنَّما هي مُسْتَوِيَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وجِيءَ بِالظّاهِرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ولَمْ يَقُلْ: ما تَرى فِيهِ مِن تَفاوُتٍ - لِيُشْعِرَ أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ جارٍ عَلى هَذا، كُلُّ شَكْلٍ يُناسَبُ شَكْلَهُ، لا تَفاوُتَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا اضْطِرابَ، فَأعْطى الظّاهِرَ مِنَ التَّعْمِيمِ ما لَمْ يَكُنْ يُعْطِيهِ الإضْمارُ كَما أشْعَرَ خُصُوصُ اسْمِ الرَّحْمَنِ بِما في هَذِهِ الأدِلَّةِ المَبْسُوطَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِلْخَلائِقِ لِمَن رَزِقَ الِاعْتِبارَ، ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى ما يَرْفَعُ الرَّيْبَ ويُزِيحُ الإشْكالَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ [الملك: ٣] أيْ عاوِدِ الِاعْتِبارَ وتَأمَّلْ ما تُشاهِدُهُ مِن هَذِهِ المَخْلُوقاتِ حَتّى يَصِحَّ عِنْدَكَ ما أخْبَرْتَ بِهِ بِالمُعايَنَةِ ولا يَبْقى مَعَكَ في ذَلِكَ شُبْهَةٌ ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] أيْ [ مِن - ] صُدُوعٍ وشُقُوقٍ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَكْرِيرِ البَصَرِ فِيهِنَّ مُتَصَفِّحًا ومُتَمَتِّعًا هَلْ تَجِدُ عَيْبًا أوْ خَلَلًا ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ [الملك: ٤] أيْ إنَّكَ إذا فَعَلْتَ هَذا رَجَعَ بَصَرُكَ بَعِيدًا عَنْ إصابَةِ المُلْتَمِسِ كَأنَّهُ يَطْرُدُ عَنْ ذَلِكَ طَرْدًا (p-٢٨٩)بِالصَّغارِ وبِالإعْياءِ وبِالكَلالِ لِطُولِ الإجابَةِ والتَّرْدِيدِ، وأمَرَ بِرُجُوعِ البَصَرِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ اسْتِجْمامُهُ واسْتِعْدادُهُ حَتّى لا يَقَعَ بِالرَّجْعَةِ الأُولى [ الَّتِي - ] يُمْكِنُ فِيها [ الغَفْلَةُ و- ] الذُّهُولُ إلى أنْ يَحْسَرَ بَصَرُهُ مِن طُولِ [ المُعاوَدَةِ إذْ مَعْنى التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ ”كَرَّتَيْنِ“ التَّكْرِيرُ كَقَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ فَيَحْسَرُ البَصَرُ مِن طُولِ - ] التَّكْرارِ ولا يَعْثُرُ عَلى شَيْءٍ مِن فُطُورٍ، فَلَوْ لَمْ تَنْطَوِ السُّورَةُ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ مَن أوَّلِهِ إلى هُنا لَكانَ في ذَلِكَ أعْظَمَ مُعْتَبِرٍ، وأوْضَحَ دَلِيلٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، إذْ هَذا الِاعْتِبارُ بِما ذَكَرَ مِن عُمُومِهِ جارٍ في كُلِّ المَخْلُوقاتِ ولا يَسْتَقِلُّ بِفَهْمِ مَجارِيهِ إلّا آحادٌ مِنَ العُقَلاءِ بَعْدَ التَّحْرِيكِ والتَّنْبِيهِ، فَشَهادَتُهُ بِنُبُوَّةِ الآتِي بِهِ قائِمَةٌ واضِحَةٌ، ثُمَّ قَدْ تَكَرَّرَتْ في السُّورَةِ دَلالاتٌ كَقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُهُ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] الآياتُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأدْناها كافٍ في الِاعْتِبارِ فَأنّى يَصْدُرُ بَعْضٌ عَنْ مُتَّصِفٍ بِبَعْضِ ما هَزِئُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: مَجْنُونٌ [ و-] ساحِرٌ وشاعِرٌ وكَذّابٌ، ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] فَلِعَظِيمِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ المُلْكِ مِنَ البَراهِينِ اتَّبَعْتُ بِتَنْزِيهِ الآتِي (p-٢٩٠)بِها مُحَمَّدٌ ﷺ عَمّا تَقَوَّلَهُ المُبْطِلُونَ مُقْسِمًا عَلى ذَلِكَ زِيادَةً في التَّعْظِيمِ، تَأْكِيدًا في التَّعْزِيرِ والتَّكْرِيرِ فَقالَ تَعالى ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ وأنّى يَصِحُّ [ مِن مَجْنُونٍ -] تَصَوَّرَ بَعْضَ تِلْكَ البَراهِينِ قَدِ انْقَطَعَتْ دُونَها أنْظارُ العُقَلاءِ فَكَيْفَ بِبَسْطِها وإيضاحِها في نَسَقٍ مُوجَزٍ، ونَظْمٍ مُعْجِزٍ، وتَلاؤُمٍ يُبْهِرُ العُقُولَ، وعِبارَةٌ تَفُوقُ كُلَّ مَقُولٍ، تُعْرَفُ ولا تُدْرَكُ، وتَسْتَوْضِحُ سُبُلُها فَلا تُسْلَكُ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جَوابًا لِقَوْلِهِ تَعالى [ في - ] آخِرِ السُّورَةِ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ، وتَقَدَّمَ الجَوابُ بِنَفْيِ قَوْلِهِمْ والتَّنْزِيهِ عَنْهُ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لِيَكُونَ أبْلَغَ في إجْلالِهِ ﷺ وأخَفَّ وقْعًا عَلَيْهِ وأبْسَطَ لِحالِهِ في تَلَقِّي ذَلِكَ مِنهُمْ، ولِهَذا قَدَّمَ مَدْحَهُ ﷺ بِما خَصَّ بِهِ مِنَ الخَلْقِ العَظِيمِ، فَكانَ هَذا أوْقَعَ في الإجْلالِ مِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِمْ ثُمَّ رَدَّهُ إذْ كَسَرَ سُورَةَ تِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ بِتَقْدِيمِ التَّنْزِيهِ عَنْها أتَمَّ في الغَرَضِ وأكْمَلَ، ولا مَوْضِعَ ألْيَقُ بِذِكْرِ تَنْزِيهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووَصْفِهِ مِنَ الخُلُقِ والمِنَحِ الكَرِيمَةِ بِما وصَفَ مِمّا أعْقَبَ بِهِ ذَلِكَ إذْ بَعْضُ ما تَضَمَّنَتْهُ (p-٢٩١)سُورَةُ المُلْكِ بِما تَقَدَّمَ الإيماءُ إلَيْهِ شاهِدٌ قاطِعٌ لِكُلِّ عاقِلٍ مُتَّصِفٍ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ وجَلِيلِ صِدْقِهِ ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَقَدْ تَبَيَّنَ مَوْقِعُ هَذِهِ السُّورَةِ هُنا، وتَلاؤُمُ ما بَعْدَهُ مِن آيِها يُذْكَرُ في التَّفْسِيرِ - انْتَهى.

القلم 68:3

ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُ ﷺ ما قالُوهُ مِمّا تَواقَحُوا بِهِ، فَثَبَتَ لَهُ ﷺ كَمالُ العَقْلِ، وكانَ المَجْنُونُ مَن لا يَكُونُ لَهُ عَمَلٌ يَنْتَظِمُ ولا قَوْلٌ يَرْتَبِطُ، فَلا يَسْتَعْمِلُهُ أحَدٌ في شَيْءٍ لِيَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ أجْرٌ، أثْبَتَ لَهُ الأجْرَ المُسْتَلْزِمَ لِلْعَقْلِ فَيَتَحَقَّقُ إثْباتُهُ مِن أحْكَمِ الحُكَماءِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ مِمّا [ لَوْ - ] صَرَّحَ بِهِ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِإنْكارِهِمْ لَهُ بِما ادَّعَوْا فِيهِ مِنَ البُهْتِ: ﴿وإنَّ لَكَ﴾ أيْ عَلى ما تَحَمَّلَتْ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ وعَلى صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ بِما يَرْمُونَكَ بِهِ وهو تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ ﴿لأجْرًا﴾ ولَمّا أثْبَتَ لَهُ ما يُلازِمُ العَقْلَ ويَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ في الدُّنْيا وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ دالًّا بِتَنْوِينِهِ وما أفْهَمَهُ السِّياقُ مِن مَدْحِهِ ﷺ عَلى عَظَمَتِهِ، وكانَ الأجْرُ لا يَسْتَلْزِمُ الدَّوامَ، وقَدْ يَكُونُ مُنَغِّصًا بِنَوْعِ مِنَّةٍ قالَ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ في دُنْياكَ ولا في آخِرَتِكَ ولا لِأحَدٍ (p-٢٩٢)مِنَ النّاسِ عَلَيْكَ [ بِهِ - ] صَنِيعٌ يَمْتَنُّ بِهِ بِأنْ يَذْكُرَهُ عَلى سَبِيلِ اللَّوْمِ والتَّقْرِيعِ، فَهَذا بَيانُ السَّعادَةِ، والأجْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والعَمَلُ رَشَّحَ الأخْلاقَ، فَصالَحَهُ نَتِيجَةَ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ والعَقْلِ الرّاجِحِ.

القلم 68:4

ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا العَقْلِ مَعَ ما أفادَهُ مِنَ الفَضْلِ، وكانَ الَّذِي يُؤْجَرُ قَدْ يَكُونُ في أدْنى رُتَبِ العَقْلِ، بَيَّنَ أنَّهُ ﷺ في أعْلاها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما مَضى: ﴿وإنَّكَ﴾ وزادَ في التَّأْكِيدِ لِزِيادَتِهِمْ في المُكابَرَةِ فَقالَ: ﴿لَعَلى خُلُقٍ﴾ ولَمّا أفْهَمَ السِّياقُ التَّعْظِيمُ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿عَظِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ القُرْآنُ لا بِالبَلاءِ يَنْحَرِفُ، ولا بِالعَطاءِ يَنْصَرِفُ، لِأنَّ خُلُقُهُ - بِشَهادَةِ أعْرَفِ النّاسِ بِهِ زَوْجُهُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقَةُ عائِشَةُ بِنْتُ الصَّدِيقِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - القُرْآنَ، فَلا يَتَحَرَّكُ ولا يَسْكُنُ إلّا بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَهَذا الخُلُقُ نَتِيجَةُ الهُدى والهُدى نَتِيجَةُ العَقْلِ، وهو سَبَبُ السَّعادَةِ، فَأفْهَمَ ذَلِكَ عَدَمَ سَعادَتِهِمْ لِعَدَمِ عُقُولِهِمْ، [ و-] قالَ الواسِطِيُّ: أظْهَرَ اللَّهُ قُدْرَتَهُ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفاذَهُ في آصَفَ، وسُخْطَهُ وقَهْرَهُ في (p-٢٩٣)عَصى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأظْهَرَ أخْلاقَهُ ونُعُوتَهُ في مُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى والتَّخَلُّقُ بِأخْلاقِهِ أنْ يُنَزِّهَ عِلْمَهُ عَنِ الجَهْلِ وجُودَهُ عَنِ البُخْلِ وعَدْلَهُ عَنِ الظُّلْمِ وحِلْمَهُ عَنِ السَّفَهِ، واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ والخُلُقَ صُورَتانِ: الخَلْقُ صُورَةُ الظّاهِرِ، والخُلُقُ صُورَةُ الباطِنِ؛ فَتَناسُبُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الخَلْقِ الحَسَنِ، وتُناسُبُ المَعانِي الباطِنَةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الخُلُقِ الحَسَنِ، ثُمَّ الخُلُقُ الحَسَنُ تارَةً مَعَ اللَّهِ، وتارَةً مَعَ حُكْمِ اللَّهِ، وتارَةً مَعَ الخَلْقِ، فَمَعَ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ ومَعَ حُكْمِهِ بِالصَّبْرِ في الضَّرّاءِ والبَأْساءِ والشُّكْرِ في الرَّخاءِ والِامْتِثالِ لِلْأوامِرِ والِانْزِجارِ عَنِ النَّواهِي عَنْ طِيبِ قَلْبٍ مُسارَعَةٍ وسَماحَةٍ، وحُسْنُ الخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ بَثُّ النَّصَفَةِ في المُعامَلَةِ وحُسْنِ المُجامَلَةِ في العِشْرَةِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [ أنَّهُ - ] قالَ: «الخُلُقُ وِعاءُ الدِّينِ، لِأنَّ مِنَ الخُلُقِ يَخْرُجُ الدِّينُ، وهو الخُضُوعُ والخُشُوعُ وبَذْلُ النَّفْسِ لِلَّهِ واحْتِمالِ المَكْرُوهِ» .

القلم 68:5

ولَمّا كانَ الإسْلامُ أشْرَفَ الأدْيانِ، أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى أقْوى الأخْلاقِ وأشْرَفَها وهو الحَياءُ كَما رُوِيَ أنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وخُلُقُ الإسْلامِ الحَياءُ، ومِنَ الحَياءِ حَياةُ القَلْبِ، فَكانَ ﷺ يَأْخُذُ العَفْوَ (p-٢٩٤)ويَأْمُرُ بِالعُرْفِ ويُعْرِضُ عَنِ الجاهِلِينَ ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ لَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ ويُحْسِنُ مَعَ ذَلِكَ ويَجْذِبُ بِرِدَّتِهِ حَتّى يُؤَثِّرَ في عُنُقِهِ فَيَلْتَفِتَ وهو يَضْحَكُ ويَقْضِي حاجَةَ الجاذِبِ ويُحْسِنُ إلَيْهِ، فَقَدِ اشْتَمَلَ الكَلامُ التَّدْبِيرِيُّ المُشارُ إلَيْهِ بِالنُّونِ والقَضاءِ الكُلِّيِّ التَّأْثِيرِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بِالقَلَمِ والقَدَرِ المُبْرَمِ التَّفْصِيلِيِّ الواقِعِ عَلى وقْفِ القَضاءِ المُشارِ إلَيْهِ بِالسَّطْرِ، ومِثالُ ذَلِكَ أنَّ مَن أرادَ بِناءَ دُولابٍ احْتاجَ [ أوَّلًا - ] إلى مُهَنْدِسٍ يُدَبِّرُ لَهُ بِعِلْمِهِ مَوْضِعَ البِئْرِ والمَدارِ ومَوْضِعَ المَحَلَّةِ ومَوْضِعَ السَّهْمِ ومَوْضِعَ الجَداوِلِ، ونَحْوَ ذَلِكَ وهو الحُكْمُ التَّدْبِيرِيُّ، ثانِيًا إلى صانِعٍ يَحْفُرُ البِئْرَ ويَبْنِي ونَجّارٌ يُرَكِّبُ الأخْشابَ عَلى وفْقِ حِكْمَةِ المُهَنْدِسِ، وهو القَضاءُ التَّأْثِيرِيُّ، وثالِثًا إلى إقامَةِ الثَّوْرِ في مَوْضِعِهِ ودَوْرانِ المَحَلَّةِ بِما عَلَيْها مِنَ القَوادِيسِ وجَرْيِ الماءِ في الجَداوِلِ عَلى وفْقِ القَضاءِ وهو القَدَرُ، ويَحْتاجُ رابِعًا وخامِسًا إلى بَيانِ انْقِسامِ المُقَدَّرِ لَهُ إلى شِقِيٍّ وسَعِيدٍ، فالحُكْمُ باطِنٌ وهو سِرٌّ مِن أسْرارِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى - سُبْحانَ مَن لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ. (p-٢٩٥)ولَمّا أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى نَفْيِ ما بَهَتُوهُ بِهِ ودَلَّ عَلى ما وهَبَهُ مِن كَمالِ العَقْلِ وتَمامِ الشَّرَفِ والنُّبْلِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا فَثَبَتَ غايَةَ الثَّباتِ بِأخْبارِ العالِمِ الحَكِيمِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِالمُشاهَدَةِ عَلى وجْهٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِلْحُكْمِ عَلى المُسْتَقْبَلِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ صادِقِ هَذا الإخْبارِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ أيْ سَتَعْلَمُ يا أعْلى الخَلْقِ وأشْرَفَهم وأكْمَلَهم عَنْ قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عَلَمًا أنْتَ في تَحَقُّقِهِ كالمُبْصِرِ بِالحُسْنِ الباصِرِ ﴿ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ الَّذِينَ رَمَوْكَ بِالبُهْتانِ عِلْمًا هو كَذَلِكَ.

القلم 68:6

ولَمّا كانَ ﷺ هو ومَن مَعَهُ فَرِيقًا والأعْداءُ فَرِيقًا، وقَدْ أبْهَمَ آخِرُ المُلْكِ الضّالِّ في الفَرِيقَيْنِ قالَ: ﴿بِأيِّيكُمُ﴾ أيْ في أيِّ فَرِيقَيْكم ﴿المَفْتُونُ﴾ [ أيْ - ] بِالضَّلالِ والجُنُونِ حَتّى صَدَّ عَنِ الهُدى ودِينِ الحَقِّ، أوْ بِأيِّكُمُ الفِتْنَةُ بِالجُنُونِ وغَيْرِهِ عَلى أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ فِتَنٍ، قالَ الرّازِيُّ: مَصْدَرٌ مِثْلُ المَفْتُونِ وهو الجُنُونُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ كَما يُقالُ: ما لَهُ مَعْقُولٌ ولَيْسَ لَهُ مَجْلُودٌ، أيْ عَقْلٌ وجَلّادَةٌ.

القلم 68:7

ولَمّا كانَ هَذا إخْبارًا بِجُنُونِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِضَلالِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ المُتَّصِفِ، وكانَ مِثْلُ هَذا [ قَدْ - ] يَقَعُ في مُحاوَراتِ النّاسِ بِضَرْبٍ مِنَ الظَّنِّ، اسْتَأْنَفَ تَعالى ما هو كالتَّعْلِيلِ لِما أفادَهُ السِّياقُ مِن هَذا الحُكْمِ (p-٢٩٦)عَلَيْهِمْ إعْلامًا بِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ عِلْمٍ قَطْعِيٍّ لا مِرْيَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لِأنْ يَكُونُ الأمْرُ عَلى ما أفادَهُ ما تَقَدَّمَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاكَ أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ وجَبَلَكَ عَلى أعْظَمِ الخَلائِقِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ﴾ [ أيْ - ] مِن كُلِّ أحَدٍ لا سِيَّما مَن يَتَحَرَّضُ ﴿بِمَن ضَلَّ﴾ أيْ حارَ وجارَ وذَهَبَ وزَلَّ وضاعَ وغابَ غَيْبَةً عَظِيمَةً لا يَهْتَدِي مِنها، وسَلَكَ غَيْرَ سَبِيلِ القَصْدِ، وأخْطَأ مَوْضِعَ الرُّشْدِ، مُعْرِضًا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَكانَ أجَنَّ المَجانِينَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خالِقُهُمْ، وشارِعُهُ ”ألّا يَعْلَمَ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ“ ولا سِيَّما وهو الحَيُّ القَيُّومُ الَّذِي لا يَغْفُلُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيِ الثّابِتِينَ عَلى الهُدى وهم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى، وهَذا سِرُّ القَدَرِ الَّذِي يُقالُ: إنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ يَوْمَ الحاقَّةِ.

القلم 68:8

ولَمّا كانَ مِن طَبْعِ البَشَرِ أنَّ الحَلِيمَ مِنهُمُ الرَّزِينُ إذا اشْتَدَّ [ عَلَيْهِ - ] الأذى مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ العادَةُ بِأنَّ مِثْلَهُ يُطِيقُ مِثْلَهم قارَبَهم ولا يَتَّهِمُ فِيما الخِلافُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ المُقارَبَةِ، وكانَ سَبَبُ تِلْكَ المُقارَبَةِ إنَّما هو عَدَمُ عِلْمِهِ بِالعَواقِبِ، سَبَّبَ سُبْحانَهُ ما مَضى مِن إعْلامِهِ (p-٢٩٧)بِحَقائِقِ الأُمُورِ وكَشْفِهِ لِمَسْتُورِها قَوْلُهُ إلْهابًا وتَهْيِيجًا عَلى الثَّباتِ عَلى مُعاصاتِهِمْ إعْلامًا لِلضّالِّ بِأماراتِهِ لِيَعْلَمَ المُهْتَدِي لِأنَّ الأُمُورَ تُعْلَمُ بِأضْدادِها. وهو خِطابٌ لَهُ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في سَماعِهِمْ: ﴿فَلا تُطِعِ﴾ أيْ أيُّها المَأْمُورُ بِإنْقاذِهِمْ مِن غَوائِلِ أهْوائِهِمْ وأشْراكِ أهَلاكِهِمْ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ، قالَ المَلْوِيُّ: ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ كُفْرٍ ظَهَرَ وكُلُّ ضَلالَةٍ ظَهَرَتْ، وكُلُّ بِدْعَةٍ [ وكُلَّ - ] شَرٍّ إنَّما كانَ سَبَبُهُ إفْسادَ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ والنُّطْقِيَّةِ، وهو يَكُونُ بِالتَّكْذِيبِ،

القلم 68:9

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يَكُونُ مَجْمُوعُهُ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم مِن مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ودُّوا﴾ أيْ أحَبُّوا مَحَبَّةً عَظِيمَةً واسِعَةً مُتَجاوِزَةً لِلْحَدِّ قَدِيمًا مَعَ الِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ وأكَّدَ تَهالُكَهم عَلى هَذِهِ الوِدادَةِ بِما يَفْهَمُ التَّمَنِّي وإنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ مِنهم لا أنَّهُ وقَعَ ومَضى، فَقالَ مُشِيرًا إلى إفْسادِهِمُ القُوَّةَ النُّطْقِيَّةَ وخَلْقَ الشَّجاعَةِ الغَرِيزِيَّةِ: ﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾ أيْ تُلايِنُ فَتُوافِقُ عَلى بَعْضِ (p-٢٩٨)ما يُرِيدُونَ فَتُهادِنُهم عَلى تَرْكِ نَهْيِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ وتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِسَبِّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: والأدْهانُ مُلايَنَةٌ وانْجِرارٌ بِالباطِلِ وإغْماضٌ عَنِ الحَقِّ مَعَ المَعْرِفَةِ بِذَلِكَ - انْتَهى. وهُوَ مِنَ الدُّهْنِ لِأنَّهُ يَلِينُ ما يُدْهَنُ بِهِ. ولَمّا كانَ مِن طَبْعِهِمْ أنَّهم كانُوا يَلِينُونَ لَهُ ﷺ بَعْضَ الأوْقاتِ [ خِداعًا - ] كَما قِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ ”الكافِرُونَ“ مِن أنَّهم قالُوا لَهُ ﷺ: تَعالى فَلْنَصْطَلِحْ عَلى أنْ نَعْبُدَ إلَهَكَ سَنَةً وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأباطِيلِ حَتّى أنَّهم سَجَدُوا وراءَهُ ﷺ لَمّا تَلا عَلَيْهِمْ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ فِيها فَسَجَدَ وراءَهُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ والجِنُّ والإنْسُ حَتّى سَمِعَ المُهاجِرُونَ إلى الحَبَشَةِ وهم بِالحَبَشَةِ فَرَجَعَ بَعْضُهم [ ظَنًّا - ] مِنهم أنَّهم قَدْ أسْلَمُوا فَوَجَدُوهم عَلى أخْبَثِ ما كانُوا عَلَيْهِ أوَّلًا، قالَ سُبْحانَهُ مُعَرِّفًا بِأنَّ ذَلِكَ مِنهم خِداعٌ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ أيْ فَبِسَبَبِ وِدادَتِهِمْ أنَّكَ تَدَّهِنُ [ هم - ] يُدْهِنُونَ، فَهو عَطْفٌ عَلى [ ”ودُّوا“ لا - ] جَوابَ ”لَوْ“ لِأجْلِ تَنْبِيهِهِ (p-٢٩٩)ﷺ عَلى أنَّ لِينَهم إنَّما هو خِداعٌ لَمْ يُرِدْ بِهِ غَيْرَ الفَسادِ، وقَدْ أخَّرُوا الإدْهانَ وإنْ كانُوا قَدِيمًا في وِدادِهِ طَمَعًا في أنْ تَبْدَأ بِهِ فَيَظْهَرُوهُ حِينَئِذٍ، قالَ القُشَيْرِيُّ: مَن أصْبَحَ عَلِيلًا تَمَنّى أنْ يَكُونَ النّاسُ كُلُّهم مَرْضى.

القلم 68:10

ولَمّا نَهاهُ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِ وعَلَّلَهُ، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يُخْفِي تَكْذِيبَهُ، قالَ ناصِبًا عَلاماتِ المُكَذِّبِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مِنهم ولا مِن غَيْرِهِمْ ﴿كُلَّ حَلافٍ﴾ أيْ مَبالَغٍ في الِاجْتِراءِ عَلى الأيْمانِ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ لَكَ تَكْذِيبُهُ، ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنِ العُمُومِ بَلْ عُمُومُ النَّهْيِ، أيِ انْتَهِ عَنْ كُلِّ حَلّافٍ فالنَّهْيُ أصْلٌ والكُلُّ وارِدٌ عَلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ مِثْلِهِ في آخِرِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وهَذِهِ الأوْصافُ مُتَفَرِّخَةٌ مِنَ الكَذِبِ وخَبُثِ السَّجِيَّةِ، فَهي كالتَّفْصِيلِ، فَكَثْرَةُ الحَلِفِ دالَّةٌ عَلى فَسادِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ فَنَشَأ عَنْها سُقُوطُ تَعْظِيمِ الحَقِّ، فَصارَ صاحِبُها لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، فَلِذَلِكَ يَحْلِفُ صادِقًا وكاذِبًا كَيْفَما اتَّفَقَ ﴿مَهِينٍ﴾ أيْ حَقِيرٍ ضَعِيفٍ سافِلِ الهِمَّةِ والمُرُوءَةِ سافِلِ الرَّأْيِ، لِأنَّ الإنْسانَ لا يَكْثُرُ الحَلِفُ إلّا وهو يَتَصَوَّرُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لا يُصَدَّقُ إلّا بِذَلِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ المَهابَةِ عِنْدَ مَن يُحَدِّثُهُ والجَلالَةُ ما يُصَدِّقُهُ (p-٣٠٠)بِسَبَبِهِ، وهو مُؤْثِرٌ لِلْبِطالَةِ لِما فِيها مِن مُوافَقَةِ طَبْعِهِ، وذَلِكَ هو الحَقارَةُ الكُبْرى.

القلم 68:11

ولَمّا كانَ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ، أحَبَّ أنْ يُشارِكَهُ النّاسُ [ فِيها - ] أوْ يُقارِبُوهُ لا سِيَّما إنْ كانَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ دَنِيَّةً لِيَسْلَمَ مِنَ العَيْبِ أوِ الِانْفِرادِ بِهِ ولِأنَّ الشَّيْءَ لَمّا داناهُ ألْفٌ قالَ: ﴿هَمّازٍ﴾ أيْ كَثِيرِ العَيْبِ لِلنّاسِ في غَيْبَتِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: هو الَّذِي يَغْمِزُ بِأخِيهِ في المَجْلِسِ، أيْ لِأنَّ الهَمْزَ العَضُّ والعَصْرُ والدَّفْعُ - مِنَ المِهْمازِ الَّذِي يَطْعَنُ [ بِهِ - ] في بُطُونِ الدَّوابِّ، وهو مَخْصُوصٌ بِالغِيبَةِ كَما أنَّ اللَّمْزَ مَخْصُوصٌ بِالمُواجَهَةِ. ولَمّا كانَتِ النَّمِيمَةُ - وهي نَقْلُ الحَدِيثِ عَلى وجْهِ السِّعايَةِ - أشَدُّ الهَمْزِ أفادَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ ولا يَقْتَصِرُ عَلى مُجَرَّدِ النَّقْلِ بَلْ يَسْعى بِهِ إلى غَيْرِهِ [ وإنْ بَعُدَ -] فَقالَ تَعالى: ﴿مَشّاءٍ﴾ أيْ كَثِيرِ المَشْيِ ﴿بِنَمِيمٍ﴾ أيْ يَنْقُلُ ما قالَهُ الإنْسانُ [ في آخِرِ -] وأذاعَهُ سِرًّا، لا يُرِيدُ صاحِبُهُ إظْهارَهُ عَلى وجْهِ الإفْسادِ لِلْبَيْنِ مُبالَغٌ في ذَلِكَ بِغايَةِ جُهْدِهِ.

القلم 68:12

ولَمّا كانَ مَن كانَ هَكَذا يُرِيدُ إعْلاءَ نَفْسِهِ بِهَضْمِ النّاسِ /، وكانَ المَنعُ لِإرادَةِ الِاسْتِئْثارِ بِالمَمْنُوعِ لِيَكُونَ الغَيْرُ مُحْتاجًا إلَيْهِ وعاكِفًا عَلَيْهِ (p-٣٠١)لِأنَّ مِن طَبْعِهِ أنَّهُ لا يَرْتَبِطُ إلّا طَمَعًا لا شُكْرًا بِضِدِّ الجَوادِ، فَإنَّهُ يَرْفَعُ نَفْسَهُ عَنِ المَطامِعِ، ولا يَرْتَبِطُ إلّا شُكْرًا عَلى الصَّنائِعِ فَيَجُودُ ظَنًّا مِنهُ أنَّ النّاسَ كَذَلِكَ، قالَ: ﴿مَنّاعٍ﴾ أيْ كَثِيرِ المَنعِ شَدِيدِهِ ﴿لِلْخَيْرِ﴾ أيْ كُلِّ خَيْرٍ مِنَ المالِ والإيمانِ وغَيْرِهِما مِن نَفْسِهِ ومَن غَيْرِهِ مِنَ الدِّينِ والدُّنْيا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ مَن يَفْعَلُ هَذِهِ المَخازِي مِنَ النّاسِ ويَقْتَصِرُ في الهَمْزِ والنَّمِّ عَلى الواقِعِ، وفي المَنعِ عَلى ما لَهُ مَنعُهُ - لَئِيمًا، بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْنَعُ بِذَلِكَ، بَلْ زادَ عَلَيْهِ بِبَذْلِ الجُهْدِ فِيما يَصِيرُ بِهِ ألْأمُ فَقالَ: ﴿مُعْتَدٍ﴾ أيْ ثابِتِ التَّجاوُزِ لِلْحُدُودِ في كُلِّ ذَلِكَ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ مَبالِغٍ في ارْتِكابِ ما يُوجِبُ الإثْمَ فَيَتْرُكُ الطَّيِّباتِ ويَأْخُذُ الخَبائِثَ ويَرْغَبُ في المَعاصِي ويَتَطَلَّبُها، ويَدَعُ الطّاعاتِ ويَزْهَدُ فِيها.

القلم 68:13

ولَمّا كانَ كُلُّ مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الدَّنايا الَّتِي مِن شَأْنِها إبْعادُ النّاسِ عَنْهُ ونَفَّرَتْهم مِنهُ يَسْعى في سَتْرِها إنْ كانَ عاقِلًا بِلِينٍ وتَواضُعٍ (p-٣٠٢)وخِداعٍ وسُهُولَةِ انْقِيادٍ، بَيَّنَ أنَّ هَذا عَلى [ غَيْرِ - ] ذَلِكَ فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى هَذا بِالبُعْدِيَّةِ: ﴿عُتُلٍّ﴾ أيْ أكُولٍ شَدِيدِ الخُصُومَةِ جافٍّ غَلِيظٍ في خُلُقِهِ وخُلُقُهُ ثَقِيلٌ مُرٌّ، كَأنَّهُ قِطْعَةُ جَبَلٍ قَدِ انْقَطَعَ عَنْ سائِرِهِ لا يَنْجَرُّ إلى خَيْرٍ إلّا بِعُسْرٍ وصُعُوبَةٍ وعُنْفٍ، مَن عَتَلَهُ - إذا قادَهُ بِغِلْظَةٍ، فَهو في غايَةِ ما يَكُونُ مِن يُبْسِ الطِّباعِ وعَدَمِ الطَّواعِيَةِ في الخَيْرِ والِانْطِباعِ، قالَ الرّازِيُّ: وسُئِلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - أيْ عَنِ العُتُلِّ - فَقالَ: ”هُوَ الشَّدِيدُ الخُلُقِ الرَّحِيبُ الجَوْفِ الأكُولُ الشَّرُوبُ الظَّلُومُ“ ونَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ثَباتِهِ في تِلْكَ المَخازِي المُوجِبِ لِاسْتِغْراقِ أوْقاتِهِ وأحْوالِهِ بِها بِنَزْعِ الخافِضِ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الخُلُقِ الجَدِيرِ بِتَكَلُّفِ الإبْعادِ عَنْهُ الَّذِي تَجْمَعُ مِن هَذِهِ الأوْصافِ الَّتِي بَلَغَتْ نِهايَةَ القَباحَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها خُلُقٌ واحِدٌ ثابِتٌ راسِخٌ لا حِيلَةَ [ لَهُ - ] في مُداواتِهِ، وعَلى ذَلِكَ نَبَّهَ قَوْلُهُ: ﴿زَنِيمٍ﴾ أيْ صارَتْ لَهُ عَلامَةَ سُوءٍ وشَرٍّ وثَناءٍ قَبِيحٍ ولِأُمَّةٍ بَيِّنَةٍ ومَعْرِفَةٍ يُعْرَفُ بِها كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وهي الجِلْدَةُ الَّتِي تَكُونُ تَحْتَ حَلْقِها مُدَلّاةً تَنُوسُ، والعَبْدُ بِمَعايِبِهِ وسَفْسافِ أخْلاقِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَتَشَبَّهُ بِقَوْمٍ ولَيْسَ مِنهم في شَيْءٍ، ولا يَخْلُو التَّعْبِيرُ بِهِ مِن إشارَةٍ إلى أنَّهُ دَعِيٌّ لَيْسَ ثابِتَ النَّسَبِ (p-٣٠٣)إلى مَن يَنْتَسِبُ إلَيْهِ، لِيَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وإنْ كانَ يُنْسَبُ إلى آباءٍ كِرامٍ، أخْذًا مِن زَنَمَةِ البَعِيرِ، وهي جِلْدَةٌ تُقْطَعُ مِن أُذُنِهِ فَتُتْرَكُ مُعَلَّقَةً، ولا يُفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِكِرامِ الإبِلِ، وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها تُنافِي الشَّجاعَةَ المُقْتَضِيَةَ لِإحْسانِ صاحِبِها إلى كُلِّ أحَدٍ وأنْ لا يَحْسَبُ لَهُ حِسابًا ولا يُوصَلُ إلَيْهِ أذًى إلّا بَعْدَ ظُهُورِ شَرِّهِ فَيُعامِلُهُ حِينَئِذٍ بِحَسَبَ العَدْلِ بِما لا يُرْزِئُ بِالمُرُوءَةِ والمُشارِ إلَيْهِ بِهَذا مَعَ إرادَةِ العُمُومِ قِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وقِيلَ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ أحَدًا ولا ذَكَرَ [ مِن - ] عُيُوبِهِ ما ذَكَرَ مِن عُيُوبِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:14

ولَمّا كانَ حُطامُ هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهُ عَرَضًا فانِيًا وظِلًّا مُتَقَلِّصًا زائِلًا، لا يَفْتَخِرُ بِهِ بَلْ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ إلّا مَن كانَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، فَإذا كانَ أكْبَرُ هَمِّهِ ومَبْلَغُ عِلْمِهِ أثْمَرَ لَهُ التَّرَفُّعُ عَلى الحُقُوقِ والتَّكَبُّرُ عَلى العِبادِ قالَ: ﴿أنْ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ ﴿كانَ﴾ هَذا المَوْصُوفُ ﴿ذا مالٍ﴾ أيْ مَذْكُورٍ بِالكَثْرَةِ ﴿وبَنِينَ﴾ أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِهِما فَصارَ يُطاعُ لِأجْلِهِما، (p-٣٠٤)فَكانَ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُنا بِسَبَبِهِما

القلم 68:15

﴿إذا تُتْلى﴾ أيْ تَذَكَّرَ عَلى سَبِيلِ المُتابَعَةِ ﴿عَلَيْهِ﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الخُصُوصِ لَهُ ﴿آياتُنا﴾ أيِ العَلاماتِ الدّالَّةِ دَلالَةً في غايَةِ الظُّهُورِ عَلى المَلِكِ الأعْلى وعَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ ﴿قالَ﴾ أيْ فاجَأ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ ولا تَوَقُّفٍ [ عِوَضًا - ] عَنِ الشُّكْرِ، فَ ”إنَّ“ مَعَ جارِهِ مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ نَحْوُ كَذَبَ لِأجْلِ كَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا، ولا يَتَعَلَّقُ بَقالَ لِأنَّهُ جَزاءُ الشَّرْطِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلا تُطِعْ أيْ لا تُوجَدُ طاعَتُهُ لِأجَلٍ إنْ كانَ كَذا، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ طاعَتِهِ لِعِلَّةِ الغِنى مُفْهِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِ عِنْدَ الوَصْفِ بِغَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى كالتَّعْلِيلِ بِإمْلاقٍ في الوَأْدِ: ﴿أساطِيرُ﴾ جَمْعُ سُطُورٍ جَمْعُ سَطْرٍ ﴿الأوَّلِينَ﴾ أيْ أشْياءَ سَطَرُوها ودَوَّنُوها، وفَرَغُوا مِنها فَحَمَلَهُ دَنِيءُ طَبْعِهِ عَلى تَكَبُّرِهِ بِالمالِ فَوَرَّطَهُ في التَّكْذِيبِ بِأعْظَمِ ما يُمْكِنُ سَماعُهُ فَجَعَلَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ ولَمْ يَسْتَحِ مِن كَوْنِهِ يَعْرِفُ كَذِبَهُ كُلُّ مَن يَسْمَعُهُ، فَأعْرَضَ عَنِ الشُّكْرِ ووَضَعَ مَوْضِعِهِ الكُفْرَ، فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ مَعَ التَّعْلِيلِ بِالإسْنادِ إلى ما هو عِنْدَ العاقِلِ أوْهَمُ وأوْهى مِن بَيْتِ (p-٣٠٥)العَنْكَبُوتِ، والِاسْتِنادُ إلَيْهِ وحْدَهُ كافٍ في الِاتِّصافِ بِالرُّسُوخِ في الدَّناءَةِ، ولا يَعْمَلُ في ”أنْ قالَ“ بَلْ ما دَلَّ عَلَيْهِ لِأنَّ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ.

القلم 68:16

ولَمّا كانَ هَذا المَذْكُورُ قَدْ أغْرَقَ في الشَّرِّ فَتَوَقَّعَ السّامِعُ جَزاءَهُ، قالَ مُعْلِمًا أنَّهُ يَجْعَلُ لَهُ مِنَ الخِزْيِ والفَضائِحِ ما يَصِيرُ بِهِ شُهْرَةً بَيْنَ الخَلائِقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ: ﴿سَنَسِمُهُ﴾ أيْ نَجْعَلُ ما يَلْحَقُ بِهِ مِنَ العارِ في الدّارَيْنِ كالوَسْمِ الَّذِي لا يَنْمَحِي أثَرُهُ، تَقُولُ العَرَبُ: وسَمَهُ مِيسَمَ سُوءٍ. ولَمّا كانَ الوَسْمُ مُنْكَّئًا، وكانَ جَعْلُهُ في مَوْضِعٍ لا يُسْتَرُ أنَكَأ، وكانَ الوَجْهُ أشْرَفَ ما في الإنْسانِ، وكانَ أظْهَرَ ما فِيهِ وأُكْرِمَهُ الأنْفُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ واشْتَقُوا مِنهُ الأنَفَةَ قالَ: ﴿عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيِ الأنْفِ الطَّوِيلِ جَمِيعُهُ وما قارَبَهُ مِنَ الحُنُكِينَ وسْمًا مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ بِوُضُوحٍ جِدًّا لِيَكُونَ هُتْكَةً بَيْنَ النّاسِ وفَضِيحَةً لِقَوْمِهِ وذُلًّا وعارًا، وكَذا كانَ لَعَمْرِي لَهُ بِهَذا [ الذِّكْرِ - ] الشَّنِيعِ والذَّنْبِ القَبِيحِ مِنَ الكُفْرِ وما مَعَهُ، وسَيَكُونُ لَهُ يَوْمُ الجَمْعِ الأعْظَمِ ما هو أشْنَعُ مِن هَذا عَلى أنَّهُ قَدْ حَقَّقَ في الدُّنْيا هَذا الخَطْمُ حِسًّا بِأنَّهُ ضُرِبَ يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً (p-٣٠٦)حَطَّمَتْ أنْفَهُ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والتَّعْبِيرُ عَنِ الأنْفِ بِهَذا لِلِاسْتِهانَةِ والِاسْتِخْفافِ.

القلم 68:17

ولَمّا ذَكَرَ [ في - ] أوَّلِ المُلْكِ أنَّهُ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِلِابْتِلاءِ في الأعْمالِ، وخَتَمَ هُنا بِعَيْبِ مَن يَغْتَرُّ بِالمالِ والبَنِينَ وهو يَعْلَمُ أنَّ المَوْتَ وراءَهُ، أعادَ ذِكْرَ الِابْتِلاءَ وأكَّدَهُ لِأنَّ أعْمالَهم مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَرَضٌ زائِلٌ [ أعْمالُ - ] مَن ظَنَّ المُلْكَ الثّابِتَ والتَّصَرُّفَ التّامَّ، [ فَقالَ- ]: ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أيْ عامَلْنا - عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - الَّذِينَ نَسِمُهم عَلى الخَراطِيمِ مِن قُرَيْشٍ وسائِرِ عِبادِنا بِما وسَّعْنا عَلَيْهِمْ بِهِ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ مَعَ عِلْمِنا بِالظّاهِرِ والباطِنِ، فَغَرَّهم [ ذَلِكَ - ] وظَنُّوا أنَّهم أحْبابٌ، ومَن قَتَّرْنا عَلَيْهِ مِن أوْلِيائِنا أعْداءٌ، فاسْتَهانُوا بِهِمْ، ونَسَبُوهم لِأجْلِ تَقَلُّلِهِمْ في الدُّنْيا إلى السَّفَهِ والجُنُونِ والضَّلالِ والفُتُونِ، فَيُوشِكُ أنْ نَأْخُذَهم بَغْتَةً كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الجَنَّةِ، فَكُلُّ مَن رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ، فَإنْ آمَنَ كانَ مِمَّنْ أحْسَنَ عَمَلًا، وإلّا كانَ مِمَّنْ أساءَ. (p-٣٠٧)ولَمّا لَمْ تَعْرِفْ عامَّةُ أهْلِ مَكَّةَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِهِ ﷺ، أخْرَجَهُ اللَّهُ عَنْهم وأكْرَمَهُ بِأنْصارٍ جَعَلَهُ أكْرَمَ الكَراماتِ لَهُمْ، وكُلُّ مِن سَمِعَ بِهِ ولَمْ يُؤْمِن فَهو كَذَلِكَ، تَكُونُ أعْمالُهُ كَهَذِهِ الجَنَّةِ يَظُنُّها شَيْئًا فَتَخُونُهُ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْها، أوْ كانَ ابْتِلاؤُنا لَهم بِالقَحْطِ الَّذِي دَعا عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ فَما تابُوا كَما تابَ ﴿كَما بَلَوْنا﴾ أيِ اخْتَبَرْنا بِأنْ عامَلَنا مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ مَعَ عِلْمِنا بِالظّاهِرِ والباطِنِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ اسْتَخْرَجَ ما في البَواطِنِ لِيَعْلَمَهُ العِبادُ في عالَمِ الشَّهادَةِ كَما يَعْلَمُهُ الخالِقُ في عالَمِ الغَيْبِ، أوْ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ عَرَفَها لِأنَّها كانَتْ شَهِيرَةً عِنْدَهم وهي بُسْتانٌ عَظِيمٌ كانَ دُونَ صَنْعاءَ بِفَرْسَخَيْنِ، يُقالُ لَهُ الضِّرْوانُ، يَطَؤُهُ أهْلُ الطَّرِيقِ، كانَ صاحِبُهُ يُنادِي الفُقَراءَ وقْتَ الصِّرامِ، ويَتْرُكُ لَهم ما أخْطَأ المِنجَلُ أوْ ألْقَتْهُ الرِّيحُ أوْ بَعُدَ عَنِ البِساطِ الَّذِي يَبْسُطُ تَحْتَ النَّخْلَةِ، فَلَمّا ماتَ شَحَّ بَنُوهُ بِذَلِكَ فَحَلَفُوا عَلى أنْ يَجُذُّوها قَبْلَ الشَّمْسِ حَتّى لا يَأْتِيَ الفُقَراءُ إلّا بَعْدَ فَراغِهِمْ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أقْسَمُوا﴾ ودَلَّ عَلى تَأْكِيدِ القَسَمِ فَقالَ: ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الجُذاذِ بِدَلالَتِهِ عَلى القَطْعِ البائِنِ المَعْزُومِ عَلَيْهِ المُسْتَأْصِلِ المانِعِ لِلْفُقَراءِ (p-٣٠٨)لِيَكُونَ قَطْعًا مِن كُلِّ وجْهٍ، مِنَ الصَّرِيمِ - لِعَوْدٍ يَعْرِضُ عَلى فَمِ الجَدْيِ لِئَلّا يَرْضَعَ، ومِنَ الصَّرْماءِ: المَفازَةُ لا ماءَ بِها، والنّاقَةُ القَلِيلَةُ اللَّبَنِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ٢١] أيْ داخِلِينَ في أوَّلِ وقْتِ الصَّباحِ

القلم 68:18

﴿ولا﴾ أيْ والحالُ أنَّهم [ لا - ] ﴿يَسْتَثْنُونَ﴾ أيْ لا يَطْلُبُونَ ولا يُوجِدُونَ ثَنْيًا - أيْ عَوْدًا - إلى ما قَبْلَ اليَمِينِ بِقَوْلِهِمْ ”إنْ شاءَ اللَّهُ“ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ المُوجِبَةِ لِأنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن جَنَّتِهِمْ مُطْلَقًا غَيْرَ مَمْنُوعٍ، وسُمِّيَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً لِأنَّهُ إخْراجٌ لِشَيْءٍ يَكُونُ حُكْمُهُ غَيْرَ المَذْكُورِ أوَّلًا، وكانَ الأصْلُ فِيهِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، وألْحَقُ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ لِرُجُوعِهِ إلَيْهِ في اتِّحادِ الحُكْمِ

القلم 68:19

﴿فَطافَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ عَمَلِهِمْ هَذا الطّامِحُ أنْ طافَ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ جَنَّتِهِمْ ﴿طائِفٌ﴾ أيْ عَذابٌ مُهْلِكٌ مُحِيطٌ مَعَ أنَّهُ أمْرٌ يَسِيرٌ جِدًّا عِنْدَ اللَّهِ وإنْ كانَ عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها لِأنَّهُ لَمْ يَدَعْ مِنها شَيْئًا، ولا يَكُونُ الطّائِفُ بِهَذا [ المَعْنى - ] إلّا بِاللَّيْلِ، كَذا قِيلَ، ويَرُدُّهُ ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] ولَمّا كانَ هَذا مَقْتًا في الصُّورَةِ أخْبَرَ بِأنَّهُ لُطْفٌ وتَرْبِيَةٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المَعْرُوفِ بِالعَظَمَةِ الَّتِي لا تُحَدُّ وبِالإحْسانِ إلَيْكَ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُؤَدِّبَ قَوْمَكَ لِيَقْبَلُوا مِنكَ كَما أدَّبَ أصْحابَ الجَنَّةِ بِما أوْجَبَ تَوْبَتَهم وهو الحَقِيقُ بِتَرْبِيَةِ العِبادِ يَعْقِلُوا عَنْكَ ويَكُونُوا (p-٣٠٩)خَلِيقِينَ بِالتَّجَنُّبِ لِلدُّنْيا والإقْبالِ عَلى المَعالِي ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ المُقْسِمِينَ ﴿نائِمُونَ﴾ وقْتَ [ إرْسالِ - ] الطّائِفِ

القلم 68:20

﴿فَأصْبَحَتْ﴾ [ أيْ - ] فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الطّائِفِ الَّذِي أرْسَلَهُ القادِرُ الَّذِي لا يَغْفُلُ ولا يَنامُ عَلى مَآلِ مَن لا يَزالُ أسِيرَ العَجْزِ [ والنَّوْمِ - ] فِعْلًا أوْ قُوَّةً أنْ صارَتْ جَنَّتُهم وقْتَ اجْتِنائِهِمْ لَها بِالغَدِ وسُرُورِهِمْ بِها ﴿كالصَّرِيمِ﴾ أيْ كالأشْجارِ الَّتِي صَرُمَ عَنْها ثَمَرُها أوْ كالشَّيْءِ الَّذِي انْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ قاصِدِهِ فَلا وُصُولَ إلَيْهِ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: كاللَّيْلِ المُظْلِمِ الأسْوَدِ، وقِيلَ: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، لَيْسَ بِها ثَمَرَةٌ، لِأنَّ ذَلِكَ الطّائِفَ أتْلَفَها لَمْ يَدَعْ فِيها شَيْئًا، لِأنَّهم طَلَبُوا الكُلَّ فَلَمْ يُزَكُّوهُ بِما يَمْنَعُ عَنْهُ الطَّوارِقَ بِضِدِّ ما كانَ لِأبِيهِمْ مِن ثَمَرَةِ عَمَلِهِ الصّالِحِ مِنَ الدَّفْعِ عَنْ مالِهِ والبَرَكَةِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ.

القلم 68:21

ولَمّا كانُوا لِقُوَّةِ عَزْمِهِمْ عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ كَأنَّهم كانُوا عَلى مِيعادٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ كانُوا كَأنَّهم نادى كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ في حالِ أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الإصْباحِ، وفَسَّرَ التَّنادِي بِقَوْلِهِ:

القلم 68:22

﴿أنِ اغْدُوا﴾ أيْ بَكَّرُوا جِدًّا مُقْبِلِينَ ومُسْتَوْلِينَ وقادِرِينَ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ أيْ مَحَلِّ فائِدَتِكُمُ الَّذِي أصْلَحْتُمُوهُ وتَعِبْتُمْ فِيهِ فَلا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُكُمْ، فَكَأنَّهُمُ اسْتَبْطَئُوا قِيامَهم وغُدُوَّهم فَكَفُّوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (p-٣١٠)﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيِ اليَوْمِ كَوْنًا هو لَكم بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿صارِمِينَ﴾ أيْ جاذِّينَ جُذاذًا لِيَسْلَمَ لَكم مِن غَيْرِ مُشارَكَةِ أحَدٍ لَكم كَما تَواثَقْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ جازِمِينَ بِما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ، [ و-] عَبَّرَ عَنْ إسْراعِهِمْ إلى الذَّهابِ بِقَوْلِهِ:

القلم 68:23

﴿فانْطَلَقُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذا الحَثِّ وعَقِبِهِ كَأنَّهم كانُوا مُتَهَيِّئِينَ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَقُولُونَ في حالِ انْطِلاقَهم قَوْلًا هو في غايَةِ السِّرِّ [ كَأنَّهم - ] ذاهِبُونَ إلى سَرِقَةٍ مِن دارٍ هي في غايَةِ الحِراسَةِ، مِنَ الخُفُوتِ وهو الخُمُودُ، ثُمَّ فَسَّرَ ما يَتَخافَتُونَ بِهِ بِقَوْلِهِ:

القلم 68:24

﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها﴾ وأكَّدُوهُ لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ أنَّ أحَدًا يَصِلُ إلى هَذِهِ الوَقاحَةِ وصَلابَةِ الوَجْهِ وأنَّ جُذاذًا يَخْلُو مِن سائِلٍ. ولَمّا كانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْسى الإنْسانُ شَيْئًا أوْ يَقْفِلَ بابًا أوْ ثَغْرَةً يَدْخُلُ مِنهُ وبِسَبَبِهِ فَقِيرٌ قالُوا: ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ في جَمِيعِ النَّهارِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ نَزْعُ الخافِضِ - لِتَكُرُّوا عَلَيْهِ مِرارًا وتُفَتِّشُوا فَلا تَدْعُوا فِيهِ ثَمَرَةً واحِدَةً ولا مَوْضِعًا يَطْمَعُ بِسَبَبِهِ أحَدٌ في قَصْدِكم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ وأنْتُمْ بِها ﴿مِسْكِينٌ﴾ وهو نَهْيٌ لِلْمِسْكِينِ في اللَّفْظِ لِلْمُبالَغَةِ في نَهْيِ أنْفُسِهِمْ أنْ لا يَدَعُوهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم أوْسَطُهم سِنًّا وخَيْرُهم نَفْسًا وأعْدَلُهم طَبْعًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي: لا تَقُولُوا هَكَذا واصْنَعُوا مِنَ الإحْسانِ ما كانَ يَصْنَعُ أبُوكُمْ، وكَأنَّهُ طَواهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ مَعَ الدَّلالَةِ (p-٣١١)عَلَيْهِ بِما يَأْتِي لَمْ يُؤْثِرْ شَيْئًا، وأكَّدَ كَوْنَ انْطِلاقِهِمْ حالَ الإصْباحِ بِقَوْلِهِ:

القلم 68:25

﴿وغَدَوْا﴾ أيْ سارُوا إلَيْها غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ لا غَيْرُهُ وهو القَصْدُ وشِدَّةُ الغَضَبِ مَعَ الجَزْمِ بِالأمْرِ واللَّجاجِ فِيهِ والسُّرْعَةِ والنَّكَدِ بِالمَنعِ وقِلَّةِ الخَيْرِ، مَن حارَدَتِ السَّنَةُ أيْ لَمْ يَكُنْ فِيها مَطَرٌ، والإبِلُ: مَنَعَتْ دَرَّها، وحَرْدٍ - إذا أسْرَعَ ﴿قادِرِينَ﴾ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وفي زَعْمِهِمْ بِدَلِيلِ عَدَمِ اسْتِثْنائِهِمْ فَإنَّ الجَزْمَ عَلى الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَعَ الخُلْفِ فِعْلَ مَن لا كُفُؤَ لَهُ، ودَلَّ عَلى قُرْبِها مِن مَنزِلِهِمْ بِالفاءِ فَقالَ:

القلم 68:26

﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ بَعْدِ سَيْرٍ يَسِيرُ ولَيْسَ لِلزَّرْعِ ولا لِلثَّمَرِ بِها أثَرٌ ﴿قالُوا﴾ لِأنَّها صارَتْ لِسُوءِ حالِها مِن ذَلِكَ الطّائِفِ بَعِيدَةً مِن حالِ ما كانَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ تَباعُدِهِمْ وتَغْيِيرِ نِيّاتِهِمْ فَأدْهَشَهم مُنَظِّرُها وحَيَّرَهم خَبَرُها، وأكَّدُوا لِأنَّ ضَلالَهم لا يُصَدَّقُ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِمْ بِها وكَثْرَةِ مُلابَسَتِهِمْ لَها وقُوَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِها فَقالُوا: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ عَنْ طَرِيقِ جَنَّتِنا لِأنَّ هَذِهِ لا تُشْبِهُها بِوَجْهٍ فِيما كانَ فِيهِ بِالأمْسِ مِنَ النَّضارَةِ وشِدَّةِ الحَمْلِ وحُسْنِ الهَيْئَةِ.

القلم 68:27

ولَمّا انْجَلى ما أدْهَشَهم [ في الحالِ -] قالُوا مُضْرِبِينَ عَنِ الضَّلالِ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أيْ ثابِتٌ حِرْمانِنا مِمّا كانَ فِيها مِنَ الخَيْرِ الَّذِي لا نَغِيبُ عَنْها إلّا سَوادُ اللَّيْلِ فَحَرَّمَنا اللَّهُ إيّاها بِما عَزَمْنا عَلَيْهِ مِن حِرْمانِ (p-٣١٢)المَساكِينِ لِأنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ.

القلم 68:28

ولَمّا كانَ القَرْعُ بِالمَصائِبِ مَظِنَّةَ الرِّقَّةِ والتَّوْبَةِ لِمَن أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ، وزِيادَةُ الكُفْرِ لِغَيْرِهِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ [ أيْ - ] رَأْيًا وعَقْلًا وسِنًّا ورِئاسَةً وفَضْلًا، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أنَّ ما فَعَلْتُمُوهُ لا يَنْبَغِي، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمِرْصادِ لِمَن غَيَّرَ ما في نَفْسِهِ وحادَ. ولَمّا كانَ مَنعُ الخَيْرِ ولا سِيَّما في [ مِثْلِ - ] هَذا مُسْتَلْزِمًا لِظَنِّ النَّقْصِ في اللَّهِ تَعالى إمّا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخْلِفُ ما حَصَلَ التَّصَدُّقُ بِهِ وإمّا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إهْلاكِ ما شَحَّ الإنْسانُ بِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ التَّنْزِيهَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا أوْهَمَهُ فِعْلُكُمْ، وأقَلُّ التَّسْبِيحِ الِاسْتِثْناءُ عِنْدَ الإقْسامِ شَكًّا في قُدْرَةِ الإنْسانِ وإثْباتًا لِقُدْرَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ اسْتِحْضارًا لِعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ودَلَّ سِياقُ الكَلامِ عَلى أنَّهم كانُوا مُتَهَيِّئِينَ لِلتَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ:

القلم 68:29

﴿قالُوا﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ بِما عادَ عَلَيْهِمْ مِن بَرَكَةِ أبِيهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ (p-٣١٣)حاكِيًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ أيْ تَنَزَّهَ المُحْسِنُ إلَيْنا التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ عَنْ أنْ يَكُونَ وقَعَ مِنهُ فِيما فَعَلَ بِنا ظُلْمٌ، وأكَّدُوا قَباحَةَ فِعْلِهِمْ هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ وخُضُوعًا لِرَبِّهِمْ [ و-] تَحْقِيقًا لِتَوْبَتِهِمْ لِأنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ يَقْتَضِي أنْ لا يُصَدَّقَ رُجُوعُهم عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ بِما في جِبِلّاتِنا مِنَ الفَسادِ ﴿ظالِمِينَ﴾ أيْ راسِخِينَ في إيقاعِنا الأشْياءَ في غَيْرِ مَواقِعِها حَيْثُ لَمْ نَعْزِمُ عَزْمًا جازِمًا عَلى ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا مِنَ البَرِّ، [ ثُمَّ حَيَّتْ حَلِفُنا عَلى تَرْكِ ذَلِكَ ثُمَّ حَيْثُ لَمْ نَرُدَّ الأمْرَ إلى اللَّهِ بِالِاسْتِثْناءِ حَيْثُ حَلَفْنا - ] فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ ما لا يُرِيدُ، وأكَّدَ تَوْبَتَهم بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنِ اعْتِرافِهِمْ بِالظُّلْمِ:

القلم 68:30

﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ أيْ في حالِ مُبادَرَتِهِمْ إلى الخُضُوعِ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ ودَلَّتِ التَّسْوِيَةُ [ بَيْنَ - ] فَرِيقَيْهِمْ في اللَّفْظِ عَلى الِاسْتِواءِ في التَّوْبَةِ ﴿يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ يَفْعَلُ كُلٌّ مِنهم مَعَ الآخَرِ في اللَّوْمِ عَلى ما قَصَدَهُ مِنَ المَنعِ وتَرَكَ ما تَرَكُوهُ مِنَ الإعْطاءِ والدَّفْعِ ما يَفْعَلُهُ الآخَرُ مَعَهُ، ويُنْسَبُ النُّقْصانُ إلَيْهِ كَما [ هو - ] دَأْبُ المَغْلُوبِينَ العَجَزَةِ.

القلم 68:31

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ [ بَعْضِ - ] ذَلِكَ قالَ: ﴿قالُوا﴾ مُنادِينَ لِما شَغَلَهم قُرْبُهُ مِنهم ومُلازَمَتُهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ: ﴿يا ويْلَنا﴾ (p-٣١٤)أيْ هَذا وقْتُ حُضُورِكَ أيُّها الوَيْلُ إيّانا ومُنادَتُكَ لَنا فَإنَّهُ لا نَدِيمَ لَنا إلّا أنْتَ، والوَيْلُ هو الهَلاكُ والإشْرافُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ أهْلُ الرَّذالَةِ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ مِن يَمْنَعُ الفُقَراءَ طاغِيًا، أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿طاغِينَ﴾ أيْ مُجاوِزِينَ الحُدُودَ فِيما فَعَلْنا مِنَ التَّقاسُمِ عَلى مَنعِ الفُقَراءِ وعَلى جَذِّها في الصَّباحِ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءِ فِعْلِ القادِرِ، وكانَ ذَلِكَ إنْ كانَ لا بُدَّ لَنا مِنهُ مُمْكِنًا بِغَيْرِ قَسَمٍ ولا إخْفاءَ مِنَ الغَيْرِ ولا مُخافَتَةَ حالَ السَّيْرِ بِأنْ يُقالَ لِلْفُقَراءِ: يَفْتَحُ اللَّهُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ.

القلم 68:32

ولَمّا قَدَّمُوا ما هو أنْفَعُ لَهم مِنَ اللَّوْمِ المُتَقَضِّي لِإجْماعِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ النَّدَمِ الَّذِي هو أمارَةُ التَّوْبَةِ، اسْتَأْنَفُوا جَوابًا لِمَن سَألَ: هَلِ اقْتَصَرُوا عَلى التَّلاوُمِ؟ قَوْلُهُمْ: ﴿عَسى﴾ أيْ يُمْكِنُ [ أنْ يَكُونَ -] وهو جَدِيرٌ وخَلِيقٌ بِأنْ يَكُونَ ﴿رَبُّنا﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْنا بِتَرْبِيَةِ هَذِهِ الجَنَّةِ وبِإهْلاكِ ثَمَرِها الآنَ تَأْدِيبًا لَنا ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ أيْ مِن جَنَّتِنا شَيْئًا ﴿خَيْرًا مِنها﴾ يُقِيمُ لَنا أمْرَ مَعاشِنا فَتَنْقَلِبُ أحْوالُنا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ فِيها مِنَ الهُمُومِ والبَذاذَةِ بِسُرُورٍ ولَذاذَةٍ بِما أفادَهُ إيقاعُ الفِعْلِ عَلى ضَمِيرِهِمْ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو ونافِعٍ بِالتَّشْدِيدِ وقِراءَةُ الباقِينَ بِالتَّخْفِيفِ وهُما (p-٣١٥)مُتَقارِبَتانِ غَيْرَ أنَّ التَّشْدِيدَ يَدُلُّ عَلى التَّدْرِيجِ، فالتَّخْفِيفُ أبْلَغُ مَعْنًى: وإنَّما تَعَلَّقَ رَجاؤُنا بِسَبَبِ تَوْبَتِنا وعِلْمِنا بِأنَّ رَبَّنا قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، ولا يَيْأسُ مِن رُوحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ. ولَمّا دَلَّ هَذا الدُّعاءُ عَلى إقْبالِهِمْ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ صَرَّحُوا وأكَّدُوا لِأنَّ حالَهُمُ الأوَّلَ كانَ حالُ مَن يُنْكِرُ مِنهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقالُوا مُعَلِّلِينَ: ﴿إنّا﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّوْبَةِ والرُّجُوعُ عَنِ الحَوْبَةِ، عَبَّرُوا بِأداةِ الِانْتِهاءِ إشارَةً إلى بُعْدِهِمْ عَنِ الحَضَراتِ الرَّبّانِيَّةِ تَأدُّبًا مِنهم فَقالُوا: ﴿إلى رَبِّنا﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْنا والمُرَبِّي لَنا بِالإيجادِ ثُمَّ الإبْقاءُ خاصَّةً لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿راغِبُونَ﴾ أيْ ثابِتَةٌ رَغْبَتُنا ورَجاؤُنا الخَيْرُ والإكْرامُ بَعْدَ العَفْوِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى جَلَّتْ قُدْرَتُهُ قَبْلَ رُجُوعِهِمْ وأخْلَفَ عَلَيْهِمْ فَأبَدْلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها الحَيَوانُ بِحَيْثُ كانَ القَطْفُ الواحِدُ [ مِنها -] يَحْمِلُهُ وحْدَهُ مِن كَثْرَةِ البَقْلِ - رَواهُ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ولَكِنْ لَمّا كانَ المَقامُ لِتَرْهِيبٍ مِن رُكْنٍ إلى مالِهِ واحْتَقَرَ الضُّعَفاءَ مِن عِبادِ اللَّهِ ولَمْ يُجْلِهِمْ بِجَلالِهِ طَواهُ، وذَكَرَ ما صَوَّرَ هَذا الكَلامَ وأنْتَجَهُ مِن مُساواةِ حالِ قُرَيْشٍ وحالِ هَؤُلاءِ في الإحْسانِ وطُولِ الحُلْمِ مَعَ احْتِقارِ أوْلِيائِهِ والتَّقَوِّي عَلَيْهِمْ بِأفْضالِهِ ونَعْمائِهِ، فَقالَ مُرَهِّبًا:

القلم 68:33

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الَّذِي بَلَوْنا بِهِ أصْحابَ الجَنَّةِ مِن إهْلاكِ ما كانُوا (p-٣١٦)عِنْدَ أنْفُسِهِمْ في غايَةِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ مَعَ الِاسْتِحْسانِ مِنهم لِفِعْلِهِمْ والِاسْتِصْوابِ وهَدَّدَنا بِهِ أهْلُ مَكَّةَ فَلَمْ يُبادِرُوا إلى المَتابِ: ﴿العَذابُ﴾ الَّذِي تُحَذِّرُهم [ مِنهُ -] وتُخَوِّفُهم بِهِ في الدُّنْيا، فَإذا تَمَّ الأجَلُ الَّذِي قَدَّرْناهُ لَهُ أخَذْناهم بِهِ غَيْرَ مُسْتَعْجِلِينَ ولا مُفَرِّطِينَ لِأنَّهُ لا يُعَجَّلُ إلّا ناقِصٌ يَخافُ الفَوْتَ. ولَمّا كانُوا مُنْكِرِينَ لِأُمُورِ الآخِرَةِ أشَدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِأُمُورِ الدُّنْيا أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ أيِ الَّذِي يَكُونُ فِيها لِلْعُصاةِ والجَبّارِينَ ﴿أكْبَرُ﴾ أيْ في كُلِّ ما يَتَوَهَّمُونَهُ. ولَمّا كانَ هَذا مُوجِبًا لِمَن لَهُ أدْنى شُعُورٍ لِلْهُرُوبِ مِنهُ قالَ: ﴿لَوْ كانُوا﴾ أيِ الكَفّارُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِن غَرائِزِهِمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لَرَجَعُوا عَمّا هم فِيهِ مِمّا عَرَفُوا أنَّهُ يُغْضِبُ اللَّهَ فَيَكُونُ سَبَبَ العَذابِ في الدّارَيْنِ، وهم مَعَ ذَلِكَ مِمّا يَرْزَأُ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ النّاسِ مِن تِلْكَ الآثارِ الخَبِيثَةِ الَّتِي مِنها الأيْمانُ الكاذِبَةُ، ويَدُلُّ عَلى [ عَدَمِ -] شَجاعَتِهِمْ وقِلَّةِ عُقُولِهِمْ، لَكِنَّهم لَيْسَ لَهم نَوْعُ عِلْمٍ الآنَ، والمَخْتُومُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ نَوْعُ عِلْمٍ، وغَيْرِهِ سَيَرْجِعُ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ.

القلم 68:34

(p-٣١٧)ولَمّا ذَكَرَ ما لِأهْلِ الجُمُودِ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ المُمَكَّناتِ، ذَكَرَ أضْدادَهَمُ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في صِفَةِ التَّقْوى خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَتَّقِي، والتَّقْوى: الِاحْتِرازُ بِالوِقاءِ الحامِلِ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنَ المُؤْذِي، الحامِلُ عَلَيْهِ تَجْوِيزُ المُمَكَّناتِ، قالَ المَلْوِيُّ: وأصْلُها أنَّ الفَرَسَ الواقِيَ - وهو المَوْجُوعُ الحافِي - لا يَضَعُ حافِرَهُ حَتّى يَرى هَلِ المَوْضِعُ لَيِّنٌ يُناسِبُ، وكَذا المُتَّقِي لا يَتَحَرَّكُ ولا يَسْكُنُ إلّا عَلى [ بَصِيرَةٍ مِن -] رِضا اللَّهِ بِذَلِكَ، فَلا يَفْعَلُ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا مِن تِلْكَ الآثارِ الخَبِيثَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْمُكَذِّبِينَ، فَحازُوا الكَمالَ بِصَلاحِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ النّاشِئِ عَنْ صَلاحِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، وزادَ في التَّرْغِيبِ إشارَةً إلى جَنَّةِ القَلْبِ [ وبَسْطِ الرُّوحِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ في مَوْضِعِ نَدَمِ أُولَئِكَ وخَيْبَةِ آمالِهِمْ، فَإنَّ تَقْرِيبَهم دَلَّ عَلى رِضاهُ سُبْحانَهُ، ورِضا صاحِبِ الدّارِ مَطْلُوبٌ قَبْلَ نَظَرِ الدّارِ، ولَمّا أشارَ إلى جَنَّةِ القَلْبِ أتْبَعَها جَنَّةَ القَلْبِ -] فَقالَ تَعالى: ﴿جَنّاتِ﴾ جَمْعُ جَنَّةٍ وهي لُغَةُ البُسْتانِ الجامِعِ، وفي عُرْفِ الشَّرْعِ مَكانٌ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ السُّرُورِ وانْتَفى مِنهُ جَمِيعُ الشُّرُورِ ﴿النَّعِيمِ﴾ وهو الخالِصُ مِنَ المُكَدَّرِ والمُشَوَّشِ والمُنَغَّصِ، لا شَيْءَ فِيها غَيْرُهُ أصْلًا - بِما أفادَتْهُ الإضافَةُ.

القلم 68:35

ولَمّا كانَ عَدَمُ إيراثِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الدّارِ الَّتِي تَقَدَّمَ وصْفَها (p-٣١٨)تَسْوِيَةً بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، وكانَ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحَكِيمِ أنْ يَفْعَلَهُ، وجَبَ إنْكارُهُ لِتُحَقِّقَ أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّهم كالمُسْلِمِينَ أوْ أحْسَنَ حالًا مِنهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ لا بَعْثَ، كَما كانُوا يَظُنُّونَ، فَقَدِ اسْتَوُوا فِيما بَعْدَهُ مَعَ ما فَضَّلُوهم بِهِ في الدُّنْيا مِنَ اتِّباعِ الأهْواءِ والظَّفَرِ بِاللَّذائِذِ، وإنْ كانَ ثَمَّ بَعْثٌ فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ لِشُبْهَةٍ دَعَتْهم إلَيْها شَهْوَتُهُمْ: أما نَكُونُ عَلى تَقْدِيرِهِ أحْسَنُ حالًا مِنكم وآثَرُ عِنْدَ اللَّهِ في حُسْنِ العَيْشِ كَما نَحْنُ في هَذِهِ الدّارِ لِأنَّهُ ما بَسَطَ لَنا في هَذِهِ الدّارِ إلّا ونَحْنُ عِنْدُهُ أفْضَلُ مِنكُمْ، فَقالَ تَعالى مُنْكِرًا ومُكَذِّبًا لِذَلِكَ غايَةَ إنْكارٍ والتَّكْذِيبُ عائِبًا التَّحَكُّمَ بِالجَهْلِ غايَةَ العَيْبِ نافِيًا لِلْمُساواةِ لِيَكُونَ انْتِقامًا هو أعْلى مِن بابِ الأوْلى مُسَبِّبًا عَمًّا تَقْدِيرُهُ: ولا يَكُونُ لِغَيْرِ المُتَّقِينَ ذَلِكَ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم عَرِيقُونَ في الِانْقِيادِ لِأوامِرِنا والصِّلَةِ لِما أمَرَنا بِوَصْلِهِ طَلَبًا لِمَرْضاتِنا فَلا اخْتِيارَ لَهم مَعَنا في نَفْسٍ ولا غَيْرِها لِحُسْنِ جِبِلّاتِهِمْ ﴿كالمُجْرِمِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في قَطْعِ ما أمَرَنا بِهِ [ أنْ يُوصَلَ -] وأنْتُمْ لا تُقِرُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ، بَلْ مَن عانَدَكم نَوْعُ مُعانَدَةٍ قاطَعْتُمُوهُ ولَوْ وصَلَ الأمْرُ إلى القَتْلِ.

القلم 68:36

(p-٣١٩)ولَمّا كَشَفَ هَذا الدَّلِيلُ الشُّبَهَ ورَفَعَ السِّتارَ، فَأوْصَلَ إلى أعْظَمِ مِن ضَوْءِ النَّهارِ، لَفَتَ القَوْلَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ لَفْتَ المُغْضِبِ عِنْدَ العِتابِ، فَقالَ مُعَجِّبًا مِنهم مُنَبِّهًا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ اعْوِجاجِ الفِطَرِ وفَسادِ الفِكَرِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ غايَةَ الإنْكارِ: ﴿ما لَكُمْ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ لَكم مِن هَذِهِ الأحْكامِ الجائِرَةِ البَعِيدَةِ عَنِ الصَّوابِ. ولَمّا نَبَّهَهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم في مِثْلِ هَذِهِ الأحْكامِ شَيْءٌ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نافِعًا، وكانَ العاقِلُ إذا عَلِمَ [ أنَّ -] شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لا نَفْعَ فِيهِ بَعُدُ مِنهُ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ثالِثًا حالَ أحْكامِهِمْ هَذِهِ لِأنَّ نَفْيَ أحْوالِها أشَدُّ لِنَفْيِها كَما تَقَدَّمَ في ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] في البَقَرَةِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أيْ أيُّ عَقْلٍ دَعاكم إلى هَذا الحُكْمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ مِنَ السَّيِّدِ بَيْنَ المُحْسِنِ مِن عَبِيدِهِ والمُسِيءِ.

القلم 68:37

ولَمّا كانَ الحُكْمُ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ إلّا مُكَيَّفًا بِكَيْفِيَّةٍ، وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ نَفى حُكْمَهم هَذا بِإنْكارِ جَمِيعِ كَيْفِيّاتِهِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ [ مَعَها-]، وكانَ الحُكْمُ الصَّحِيحُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إلى عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ، زادَ بُطْلانُ حُكْمِهِمْ وُضُوحًا بِنَفْيِ الأمْرَيْنِ مَعًا، فَقالَ عاطِفًا (p-٣٢٠)عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ألَكم دَلِيلٌ مِنَ العَقْلِ إلَيْهِ تَلْجَئُونَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ أيْ سَماوِيٌّ مَعْرُوفٌ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ خاصٌّ بِكم ﴿فِيهِ﴾ أيْ لا [ في -] غَيْرِهِ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ وزُبُرِ المَمْحُوقِينَ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أيْ تَقْرَءُونَ قِراءَةَ أتْقَنْتُمْ مُخالَطَتَها أوْ أنْعَمْتُمْ فَهْمَهُ بِسَبَبِها.

القلم 68:38

ولَمّا ذَكَرَ الدَّرْسَ ذَكَرَ المَدْرُوسَ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الَّذِي لا رُخْصَةَ في تَرْكِهِ ﴿فِيهِ﴾ أيِ الكِتابُ لِتَكُونُوا في غايَةِ الوُثُوقِ بِهِ، لا في غَيْرِهِ مِمّا لا وُثُوقَ لَكم بِهِ ﴿لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ تُبالِغُونَ في انْتِقائِهِ وأخَذَ خِيارَهُ، وكَسَرَ الهَمْزَةَ وكانَ حَقَّها الفَتْحُ لَوْلا اللّامُ لِأنَّ ما بَعْدَها هو المَدْرُوسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافِيَّةً.

القلم 68:39

ولَمّا نَفى دَلِيلَ العَقْلِ والنَّقْلِ مَعَ التَّعَجُّبِ مِنهم والتَّهَكُّمِ بِهِمْ، وكانَ قَدْ بَقِيَ أنَّ الإنْسانَ رُبَّما عاهَدَ غَيْرَهُ عَلى شَيْءٍ فَيُلْزِمُهُ الوَفاءُ بِهِ وإنْ كانَ خارِجًا عَمّا يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ والنَّقْلُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ﴾ أيْ غَلِيظَةٌ جِدًّا ﴿عَلَيْنا﴾ قَدْ حَمَّلْتُمُونا إيّاها ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ (p-٣٢١)لِأجْلِ عِظَمِها إلى نِهايَةِ رُتَبِ التَّأْكِيدِ بِحَيْثُ يَكُونُ بُلُوغُ غَيْرِها ما يَقْصِدُ بِالنِّسْبَةِ إلى بُلُوغِها ذَلِكَ عَدَمًا أيْ أنَّ بُلُوغَها هو البُلُوغُ لا غَيْرُهُ، أوْ ثَباتُها مُنْتَهٍ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا يُمْكِنُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِها إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ لِيَحْتاجَ لِأجْلِها إلى إكْرامِكم في الدّارَيْنِ. ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ القَسَمَ بِالأيْمانِ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ المُسْلِمِينَ ﴿لَما تَحْكُمُونَ﴾ أيْ تَفْعَلُونَهُ فِعْلَ الحاكِمِ الَّذِي يُلْزِمُ قَوْلَهُ لِعُلُوِّ أمْرِهِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الَّذِي لا مَندُوحَةَ عَنْهُ فَتَحْكُمُونَ لِأنْفُسِكم بِما تُرِيدُونَ مِنَ الخَيْرِ.

القلم 68:40

ولَمّا عَجِبَ مِنهم [ و-] تَهَكَّمَ بِهِمْ، ذَيَّلَ ذَلِكَ بِتَهَكُّمٍ أعْلى مِنهُ يَكْشِفُ عُوارَهم غايَةَ الكَشْفِ ويَنْزِلُ بِهِمْ أشَدَّ الحَتْفِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم بِالإعْراضِ: ﴿سَلْهُمْ﴾ أيْ يا أيُّها الرَّسُولُ الَّذِي مَحَتْ دَلائِلُهُ بِقُوَّةِ أنْوارِها الأنْوارُ. ولَمّا كانَ السُّؤالُ سَبَبًا لِحُصُولِ العِلْمِ عُلِّقَتْ، ”سَلْ“ عَلى مَطْلُوبِها الثّانِي وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِعْنَ فَقالَ: ﴿أيُّهم بِذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ المُعاهَدَةِ والدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ والعَقْلِيُّ ﴿زَعِيمٌ﴾ أيْ كَفِيلٌ وضامِنٌ أوْ سَيِّدٌ أوْ رَئِيسٌ أوْ مُتَكَلِّمٌ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ لِتَلْزَمَهُ في ادِّعائِهِ صِحَّةٌ ذَلِكَ (p-٣٢٢)ما تَدَعُهُ بِهِ ضِحْكَةٌ لِلْعِبادِ، وأُعْجُوبَةٌ لِلْحاضِرِ مِنهم والبادِ، فَلَمْ يَجْسُرْ لِما تَعْلَمُونَ مِن حَقِّيَّةِ هَذا القُرْآنِ و[ما-] لِأقْوالِهِمْ كُلِّها مِنَ العَراقَةِ في البُطْلانِ أحَدٌ مِنهم عَلى شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ لِلْمُغالَبَةِ وشَمّاخَتِهِمْ أنْ يَبْرُزَ لِادِّعاءِ ذَلِكَ،

القلم 68:41

ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ في تَسْوِيَتِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أوْ نَقْلِيٌّ أوْ عَهْدٌ وثِيقٌ عَلى هَذا [ التَّرْتِيبِ -] المُحْكَمِ والمِنهاجِ الأقْوَمِ، أتْبَعُهُ ما يَكُونُ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ إنْ كانَ ثَمَّ غَيَّرَ عَلى ما ادَّعَوْا فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ أمْرًا ووَعَدُوهم بِشَيْءٍ أقامُوا عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ ما أقَمْنا لِنَبِيِّنا ﷺ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ أيْ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ كَما أتَيْنا نَحْنُ في نَصْرِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الأمْرَيْنِ مَعًا بِما لا شُبْهَةَ فِيهِ، وسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالكِتابِ مُلْهِبًا مُهَيِّجًا بِما يَحْرُقُ بِهِ أكْبادَهم ولا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ بِوَجْهٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى [ إبْطالِهِمْ-]: فَقالَ: ﴿إنْ كانُوا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ كَما يَدْعُونَهُ، ولَمّا نَفى جَمِيعَ شُبَهِهِمُ الَّتِي يُمْكِنُ [ أنْ -] يَتَشَبَّثُوا بِها مَعَ البَيانِ لِقُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ مِن تَفْتِيقِ الأدِلَّةِ وتَشْقِيقِ البَراهِينِ الدّالِّ عَلى تَمامِ العِلْمِ اللّازِمِ مِنهُ كَمالُ القُدْرَةِ فَأوْصَلَهم مِن وُضُوحِ الأمْرِ إلى حَدٍّ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا العِنادُ، أتْبَعَ ذَلِكَ تَهْدِيدَهم بِما يُثْبِتُ ذَلِكَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ مِن يَوْمِ الفَصْلِ ومُعامَلَتِهِمْ (p-٣٢٣)فِيهِ بِالعَدْلِ فَقالَ:

القلم 68:42

﴿يَوْمَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِيَوْمِ القِيامَةِ، وبَنى لِإضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَأْتُوا، أوْ مَنصُوبًا بِما أخَذَ مِن مَعْنى الكَلامِ مِن [ نَحْوِ-]: سَيَعْلَمُونَ ما يُلْقُونَ مِن غِبِّ هَذِهِ المُعامَلاتِ وإنْ نالُوا في هَذِهِ الدّارِ جَمِيعَ اللَّذّاتِ في جَمِيعِ اليَوْمِ الَّذِي ﴿يُكْشَفُ﴾ أيْ يَحْصُلُ الكَشْفُ فِيهِ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُخِيفَ وُقُوعُ الكَشْفِ الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنْ تَفاقُمِ الأُمُورِ وخُرُوجِها عَنْ حَدِّ الطَّوْقِ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، مَعَ أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا فاعِلَ هُناكَ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿عَنْ ساقٍ﴾ أيْ يَشْتَدُّ فِيهِ الأمْرُ غايَةَ الِاشْتِدادِ لِأنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الأمْرُ وجَدَّ في فَصْلِهِ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ لِأجْلِهِ وشَمَّرَتْ حَرَمُهُ عَنْ سُوقِهِنَّ غَيْرَ مُحْتَشِماتٍ هَرَبًا، فَهو كِنايَةٌ عَنْ هَذا ولِذَلِكَ نَكَّرَهُ تَهْوِيلًا [ لَهُ -] وتَعْظِيمًا، نُقِلَ هَذا التَّأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وغَيْرِهِما، وعَنِ انْكِشافِ جَمِيعِ الحَقائِقِ وظُهُورِ الجَلائِلِ فِيهِ والدَّقائِقِ مِنَ الأهْوالِ وغَيْرِها كَما كَشَفَتْ هَذِهِ الآياتُ جَمِيعَ الشُّبَهِ وتَرَكَتِ السّامِعَ لَها في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ، وفي الجُزْءِ الخامِسِ والثَّلاثِينَ مِن مُسْنَدِ أبِي يَعْلى المُوصِلِيِّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعالى عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا قالَ: «عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ يَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا» وهو لا يُنافِي ما ذَكَرَ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ: الشِّدَّةُ والكَشْفُ. ولَمّا كانَ هَذا الكَشْفُ الَّذِي كَشَفَ لَهُمُ المَعانِي في هَذا القُرْآنِ إنَّما هو لِأجْلِ العِبادَةِ الَّتِي هي الخُضُوعُ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالسُّجُودِ وهو (p-٣٢٤)آيَتُها وأمارَةُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الباطِنُ مِنها وعَلامَتُها فَيَأْتُونَها وهم قادِرُونَ عَلَيْها ذَكَّرَهم يَوْمًا يُرِيدُونَها فِيهِ فَلا يَتَأتّى لَهم تَنْدِيمًا لَهم وزِيادَةَ تَحْسِيرٍ وإظْهارَ تَظْلِيلٍ وتَخْسِيرٍ لِأنَّ ظُهُورَهم وأعْضاءَهم تَكُونُ طَبَقًا واحِدًا لا تَنْثَنِي، فَكُلَّما أرادُوا أنْ يَسْجُدُوا انْقَلَبُوا عَلى أقْفائِهِمْ، فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى إرادَتِهِمْ لِلِانْقِيادِ ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ مِن أيِّ داعٍ كانَ، وهو دالٌّ عَلى أنَّ التَّكْلِيفَ لا يَنْقَطِعُ إلّا بِدُخُولِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ دارَهُ ﴿ويُدْعَوْنَ﴾ أيْ مِن داعِي المَلِكِ الدَّيّانِ ﴿إلى السُّجُودِ﴾ تَوْبِيخًا عَلى تَرْكِهِ الآنَ وتَنْدِيمًا وتَعْنِيفًا لا تَعَبُّدًا وتَكْلِيفًا فَيُرِيدُونَهُ لِيَضُرُّوا أنْفُسَهم مِمّا يَرَوْنَ مِنَ المَخاوِفِ ﴿فَلا﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم [ لا -] ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ لِأنَّهم غَيْرُ سالِمِينَ لا أعْضاءَ لَهم تَنْقادُ بِهِ مَعَ شِدَّةِ مُعالَجَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ عَلى أنَّ تَطَوُّعَ لَهم أعْضاؤُهم بِما تُفْهِمُهُ هَذِهِ الصِّيغَةُ مِن أنَّ الإنْسانَ مِنهم إذا أرادَ الفِعْلَ وعالَجَهُ بِقُوَّةٍ فَلَمْ يُطِقْهُ فَإنَّ ظُهُورَهم تَكُونُ عَلى حالَةٍ لا تَنْثَنِي مَعَها بَلْ كانَ فِيها السَّفافِيدُ فَيَكُونُ لَهم في ذَلِكَ أشَدَّ نَدَمٍ لِتَرْكِهِمْ إيّاهُ في الدُّنْيا وهم يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وهو إذْ ذاكَ نافِعٌ لَهم [ ومُعالَجَتُهم فِعْلَهُ أشَدَّ مُعالَجَةٍ وهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلَيْهِ وهو غَيْرُ نافِعٍ لَهم -] وإذا عَجَزُوا مَعَ المُعالَجَةِ كانُوا بِدُونِها أعْجَزَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُبْعَثُ المَرْءُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ ويُحْشَرُ عَلى ما بُعِثَ عَلَيْهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ،

القلم 68:43

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ المانِعَ [ لَهُمُ -] الكِبَرُ كَما في هَذِهِ الدُّنْيا، قالَ مُبَيِّنًا لِنَفْيِ الكِبَرِ في (p-٣٢٥)مِثْلِ هَذا اليَوْمِ العَظِيمِ ﴿خاشِعَةً﴾ أيْ مُخْبِتَةً مُتَواضِعَةً ﴿أبْصارُهُمْ﴾ لِأنَّ ما في القَلْبِ يُعْرَفُ في العَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمُ ووُجُوهَهم أضْوَأ مِنَ الشَّمْسِ، ووُجُوهُ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ سُودٌ مُظْلِمَةٌ. ولَمّا كانَ الخاشِعُ لِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ خُشُوعُهُ لِخَيْرٍ عِنْدَهُ حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ مَعَ العِزِّ قالَ: ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ أيْ تَغْشاهم وتَقْهَرُهم ﴿ذِلَّةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ لِأنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الأعْضاءَ الَّتِي أعْطاهُمُوها سُبْحانَهُ وتَعالى لِيَتَقَرَّبُوا بِها إلَيْهِ في دارِ العَمَلِ في التَّمَتُّعِ بِما يَبْعُدُ مِنهُ. ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُطابَقَةً لِما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلى أنَّ مَن كانَ في قَلْبِهِ مَرَضٌ في الدُّنْيا يَصِيرُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا فَقارَّةً واحِدَةً فَيُعالِجُ السُّجُودَ فَيَصِيرُ كُلَّما أرادَهُ انْقَلَبَ لِقَفاهُ، عَجَبَ مِنهم في مُلازَمَةِ الظُّلْمِ الَّذِي هو إيقاعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ فَقالَ: ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿كانُوا﴾ أيْ دائِمًا بِالخِطابِ الثّابِتِ ﴿يُدْعَوْنَ﴾ في الدُّنْيا مِن كُلِّ داعٍ يَدْعُو إلَيْنا ﴿إلى السُّجُودِ وهُمْ﴾ أيْ فَيَأْبَوْنَهُ والحالُ أنَّهم ﴿سالِمُونَ﴾ أيْ [ فَهم -] مُسْتَطِيعُونَ، لَيْسَ في أعْضائِهِمْ ما يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، وإنَّما يَمْنَعُهم مِنهُ الشَّمّاخَةُ والكِبْرُ، فالآيَةُ مِنَ [ الِاحْتِباكِ-]: ذَكَرَ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِ الِاسْتِطاعَةِ ثانِيًا، وذِكْرُ السَّلامَةِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ عَدَمِ السَّلامَةِ أوَّلًا.

القلم 68:44

(p-٣٢٦)ولَمّا عَلِمَ بِهَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ بِما يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ مِنَ المَنعِ والتَّمْكِينِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجِدُ مِن تَكْذِيبِهِمْ لَهُ - مَعَ إتْيانِهِ بِما لا يَحْتَمِلُ التَّكْذِيبَ بِوَجْهٍ - مِنَ المَشَقَّةِ ما لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وكانَ عِلْمُ المَغْمُومِ بِأنَّ لَهُ مُنْقِذًا يُخَفِّفُ عَنْهُ، وكانَ عِلْمُهُ بِاقْتِدارِهِ عَلى ما يُرادُ مِنهُ أقَرَّ لِعَيْنِهِ سَبَبٌ عَنْ كَمالِ اقْتِدارِهِ قَوْلُهُ مُخَفِّفًا عَنْهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، لافِتًا القَوْلَ إلى التَّكَلُّمِ بِالإفْرادِ تَنْصِيصًا عَلى المُرادِ زِيادَةً في تَسْكِينِ القَلْبِ وشَرْحِ الصَّدْرِ: ﴿فَذَرْنِي﴾ أيِ اتْرُكْنِي عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ ﴿ومَن يُكَذِّبُ﴾ أيْ يُوقِعُ التَّكْذِيبَ لِمَن يَتْلُو ما جَدَّدَتْ إنْزالُهُ مِن كَلامِي القَدِيمِ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ إيقاعُهُ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ نَصًّا عَلى تَهْدِيدِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ: ﴿بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ أيْ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهم وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ ولا تَكْتَرِثْ بِشَيْءٍ مِنهُ أصْلًا فَإنِّي أكْفِيكَهم لِأنَّهُ [ لا -] مانِعَ مِنهم فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ أصْلًا. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا تَعْمَلُ فِيهِ إذا خَلَّيْتَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ؟ (p-٣٢٧)أجابَهُ بِقَوْلِهِ جامِعًا الضَّمِيرَ لِيَكُونَ الواحِدُ مُهَدَّدًا مِن بابِ الأوْلى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ فَنَأْخُذُهم بِعَظَمَتِنا عَمّا قَلِيلٍ عَلى غِرَّةٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ونُدْنِيهِمْ إلى الهَلاكِ دَرَجَةً دَرَجَةً بِواسِطَةِ مَن شِئْنا مِن جُنُودِنا وبِغَيْرِ واسِطَةٍ بِما نُواتِرُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي تُوجِبُ [ عَلَيْهِمُ -] الشُّكْرَ فَيَجْعَلُونَها سَبَبًا لِزِيادَةِ الكُفْرِ فَنُوجِبُ لَهُمُ النِّقَمَ. ولَمّا كانَ أخْذُ الإنْسانِ مِن مَأْمَنِهِ عَلى حالَةِ غَفْلَةٍ بِتَوْرِيطِهِ في أسْبابِ الهَلاكِ لا يُحِسُّ بِالهَلاكِ إلّا وهو لا يَقْدِرُ عَلى التَّفَصِّي فِيها بِوَجْهٍ قالَ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ﴾ أيْ مِن جِهاتٍ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم عِلْمٌ ما في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ بِغَوائِلِها، وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَغُرُّهم بِالإمْهالِ ولا يُعاجِلُهم بِالعِقابِ في وقْتِ المُخالَفَةِ كَما يَتَّفِقُ لِمَن يُرادُ بِهِ الخَيْرُ فَيَسْتَيْقِظُ بَلْ يُمْهِلُهم ويَمُدُّهم بِالنِّعَمِ حَتّى يَزُولَ عَنْهم خاطِرُ التَّذَكُّرِ فَيَكُونُوا مُنْعَمِينَ في الظّاهِرِ مُسْتَدْرِجِينَ في الحَقِيقَةِ فَيَقُولُونَ: قَدْ قُلْتُمْ: إنَّ القَدَرَ فائِضٌ عَنِ القَضاءِ وأنَّ الأعْمالَ [ قَضاءٌ -] وجَزاءَها قَدَرٌ، ويَقُولُونَ: إنَّ أفْعالَنا في الدُّنْيا قَبِيحَةٌ ونَحْنُ لا نَرى جَزاءَها إلّا ما يَسُرُّنا لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ فَأنْتُمْ كاذِبُونَ في تَوَعُّدِنا فَإنّا كُلَّما أحْدَثْنا ما تُسَمُّونَهُ مَعْصِيَةً تَجَدَّدَتْ لَنا نِعْمَةٌ، وذَلِكَ كَما قادَهم إلى تَدْرِيجِهِمْ (p-٣٢٨)وهم في غايَةِ الرَّغْبَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والِاسْتِدْراجُ أنْ يُرِيدَ السَّيِّئَ ويَطْوِي عَنْ صاحِبِهِ وجْهَ القَصْدِ حَتّى يَأْخُذَهُ بَغْتَةً فَيُدْرَجُ إلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

القلم 68:45

ولَمّا كانَ الِاسْتِدْراجُ يَكُونُ بِأسْبابٍ كَثِيرَةٍ مِن بَسْطِ النِّعَمِ وغَيْرِها، فَأبْرَزَهُ بِالنُّونِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الِاسْتِتْباعِ والعَظَمَةِ، وكانَ تَأْخِيرُ الأجَلِ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ بِغَيْرِ واسِطَةِ شَيْءٍ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأُمْلِي﴾ أيْ أُأخِّرُ أنا وحْدِي في آجالِهِمْ وأُوَسِّعُ لَهم في جَمِيعِ تَمَتُّعِهِمْ لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴿لَهُمْ﴾ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مَدِّ الأجَلِ وتَرْفِيهِ العَيْشِ غَيْرِي. ولَمّا سَلّاهُ ﷺ بِهَذا غايَةَ التَّسْلِيَةِ، عَلَّلَ أوِ اسْتَأْنَفَ في جَوابٍ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ أحَدُهم عَلى هَذا الوَجْهِ؟ مُسَمِّيًا إنْعامَهُ كَيْدًا: ﴿إنَّ كَيْدِي﴾ أيْ سَتْرِي لِأسْبابِ الهَلاكِ عَمَّنْ أُرِيدُ إهْلاكَهُ وإبْدائِي ذَلِكَ لَهُ في مَلابِسِ الإحْسانِ وخَلْعِ البِرِّ والِامْتِنانِ ﴿مَتِينٌ﴾ أيْ في غايَةِ القُوَّةِ حَيْثُ كانَ حامِلًا لِلْإنْسانِ عَلى إهْلاكِ نَفْسِهِ بِاخْتِيارِهِ وسَيَعْلَمُ عِنْدَ الأخْذِ أنِّي لَمّا أمْهَلْتُهُ ما أهْمَلْتُهُ وأنَّ (p-٣٢٩)إمْهالِي إنَّما كانَ اسْتِدْراجًا.

القلم 68:46

ولَمّا كانَ هَذا القُرْآنُ أعْظَمَ إحْسانٍ، ساقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلَيْهِمْ فَكانَ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ عَلَيْهِمْ لِلَّذِي أنْزَلَهُ ولِإكْرامِ الآتِي بِهِ، فَكانَ سَبَبًا لِمُباشَرَتِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ [ بِهِ -] والأذى لِلْآتِي بِهِ إلَيْهِمْ ما يُوجِبُ أخْذَهُمْ، قالَ دالًّا [ عَلى -] مَتانَةِ كَيْدِهِ سُبْحانَهُ ودِقَّةِ اسْتِدْراجِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ لِبَيانِ أنَّهم يُباشِرُونَ ما يُهْلِكُهم بِاخْتِيارِهِمْ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ: أكانَ تَكْذِيبُهم هَذا الذِّكْرَ لِشَيْءٍ فِيهِ يَرْتابُونَ؟ قَوْلُهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ، مُبَيِّنًا أنَّ تَكْذِيبَهم إنَّما هو لِأنَّهُ طَبْعٌ وخُبْثٌ سَجِيَّةً لا شَهْوَةَ لَهم فِيهِ ولا شُبْهَةَ: ﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ أنْتَ يا أعَفَّ الخَلْقِ وأعْلاهم هِمَمًا ﴿أجْرًا﴾ عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وتَعَقَّبَ أنَّهم ﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ كُلَفْتِهِمْ بِهِ فَهم لِشِدَّتِهِ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ أيُّ واقِعُ إثْقالِهِمْ بِهِ حَتّى أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ الغُرْمَ النّاقِصَ لِأمْوالِهِمُ التَّقاعُدَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِما جِئْتَ بِهِ إلَيْهِمْ مِن عِنْدِنا فَصارُوا يَشْتَهُونَ إقْلاعَكَ عَنْهُ.

القلم 68:47

ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ تَكْذِيبُهم بِشَهْوَةٍ دَعَتْهم إلى ذَلِكَ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ شُبْهَةٌ مِن شَكٍّ في الذِّكْرِ [ أوْ حَيْفٍ في المُذَكَّرِ -] (p-٣٣٠)وأنْ يَكُونُوا عَلى ثِقَةٍ أوْ ظَنٍّ مِن سَلامَةِ العاقِبَةِ فَقالَ: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الغَيْبُ﴾ أيَّ عَلِمُوهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿يَكْتُبُونَ﴾ أيْ ما يُرِيدُونَ مِنهُ لِيَكُونُوا قَدِ اطَّلَعُوا عَلى أنَّ هَذا الذِّكْرَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْ عَلى أنَّهم لا دَرْكَ عَلَيْهِمْ في التَّكْذِيبِ بِهِ، فَقَدْ عَلِمَ بِهَذا أنَّهُ لا شَهْوَةَ لَهم في ذَلِكَ عادِيَّةً ولا شُبْهَةَ، وإنَّما تَكْذِيبُهم مُجَرَّدُ خُبْثِ طِباعٍ، وظُلْمَةِ نُفُوسٍ وأمالِي فارِغَةٍ وأطْماعٍ.

القلم 68:48

ولَمّا انْتَفى جَمِيعَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهم عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، وقَدْ أخْبَرَ بِإهْلاكِهِمْ مِن أجْلِهِ ﷺ، وأنَّ كُفْرَ مَن كَفَرَ وإيمانَ مَن آمَنَ بِقَضائِهِ وتَقْدِيرِهِ، فَكّانَ لا بُدَّ مِنهُما، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا حامِلًا لَهُ [ عَلى -] الصَّبْرِ إلى الوَقْتِ الَّذِي ضَرَبَهُ سُبْحانَهُ لِلْفَرَجِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا تَقْدِيرُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرَ، وإنَّما هو القَضاءُ والقَدَرُ: ﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ أوْفَرَ الصَّبْرِ وأوْجَدَهُ عَلى كُلِّ ما يَقُولُونَ فِيكَ وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يَقَعُ مِنهم ومِن غَيْرِهِ مِن مُرِّ القَضاءِ والقَدَرِ ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِلْقَضاءِ الَّذِي قَضاهُ وقَدَّرَهُ (p-٣٣١)المُحْسِنُ إلَيْكَ الَّذِي أكْرَمَكَ [ بِما أكْرَمَكَ بِهِ مِنَ الرِّسالَةِ وألْزَمَكَ بِما ألْزَمَكَ مِنَ البَلاغِ وخَذَلَهم بِالتَّكْذِيبِ -] ومَدَّ لَهم عَلى ذَلِكَ في الآجالِ وأوْسَعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ وأخَّرَ ما وعَدَكَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ. ولَمّا كانَ حاصِلُ قِصَّةِ يُونُسَ - عَلى نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ - أنَّهُ اسْتَثْقَلَ الكَرامَةَ بِالرِّسالَةِ لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ الشَّدِيدَةِ مِن مُعالَجَةِ الخَلْقِ فامْتُحِنَ، كانَ سَبَبًا لِقَبُولِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ كانَ سَبَبُ إسْلامِ قَوْمِهِ إدْناءَ العَذابِ مِنهم وتَقْرِيبَ غَشَيانِهِ لَهُمْ، أشارَ [ لَهُ -] بِقِصَّتِهِ إلى أنَّهُ يُرادُ إعْلاؤُهُ ﷺ وعَلى سائِرِ الأنْبِياءِ - وإعْلاءُ أُمَّتِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ بِما يَحْتاجُ إلى صَبْرٍ [ عَلى -] ما يَسْتَثْقِلُ مِن ضُرٍّ أوْ أمْرٍ شَدِيدٍ مَرَّ فَقالَ: ﴿ولا تَكُنْ﴾ أيْ ولا يَكُنْ حالُكَ في الضَّجَرِ والعَجَلَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ قَدِ افْتَتَحَ السُّورَةَ بِالنُّونِ الَّذِي مِن مَدْلُولاتِهِ الحُوتُ، عَبَّرَ بِهِ هُنا تَحْقِيقًا لِإرادَتِهِ فَقالَ: ﴿كَصاحِبِ﴾ أيْ كَحالِ صاحِبِ ﴿الحُوتِ﴾ وهو يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ، والعامِلُ في هَذا الظَّرْفِ المُضافِ المَحْذُوفِ مِنَ الحالِ ونَحْوِها، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا يَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ يَحْصُلُ لَكَ [ مِثْلُ -] ما حَصَلَ لَهُ حِينَ ﴿نادى﴾ أيْ رَبَّهُ (p-٣٣٢)المُرَبِّي لَهُ بِإحْسانِهِ في الظُّلُماتِ مِن بَطْنِ الحُوتِ وظُلْمَةِ ما يُحِيطُ بِهِ مِنَ الجَثَّةِ وظُلْمَةٍ لِحَجِّ البِحارِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ عِنْدَ نِدائِهِ ﴿مَكْظُومٌ﴾ أيْ مَمْلُوءٌ كَرْبًا وهَمًّا وشِدَّةً وغَمًّا مَحْمُولٌ عَلى السُّكُوتِ بِبَطْنِهِ فَهو لا يَنْطِقُ مِن شِدَّةِ حُزْنِهِ، ومَحْبُوسٌ عَنْ جَمِيعِ ما يُرِيدُ مِنَ التَّصَرُّفِ إلى أنْ ألْجَأهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ إلى الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، مِنَ الكَظْمِ، وهو السُّكُوتُ عَنِ امْتِلاءٍ وتَجَرُّعٍ لِلْمَراراتِ، ومِن هَذا كَظَمْتَ السِّقاءَ أيْ شَدَدَتْهُ ومَلَأتْهُ فَكانَ مَكْظُومًا، والمَكْظُومُ: المَكْرُوبُ - كَأنَّهُ قَدْ أخَذَ بِكَظْمِهِ وهو مُخْرِجٌ نَفْسَهُ.

القلم 68:49

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِن أمْرِهِ بَعْدَ هَذا الأمْرِ العَجِيبِ قالَ: ﴿لَوْلا أنْ﴾ وعَظُمَ الإحْسانُ بِالتَّذْكِيرِ وصِيغَةِ التَّفاعُلِ فَقالَ: ﴿تَدارَكَهُ﴾ أيْ أدْرَكَهُ إدْراكًا عَظِيمًا كانَ كَلًّا مِنَ النِّعْمَةِ والمِنَّةِ يُرِيدُ أنْ تُدْرِكَ [ الآخَرَ -] ﴿نِعْمَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ جِدًّا ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ الَّذِي أرْسَلَهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ بِإرْسالِهِ وتَهْذِيبِهِ لِلرِّسالَةِ والتَّوْبَةِ عَلَيْهِ والرَّحْمَةِ لَهُ ﴿لَنُبِذَ﴾ أيْ لَوْلا هَذِهِ الحالَةُ السُّنِّيَّةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِها لَطَرَحَ طَرْحًا هَيِّنًا جِدًّا ﴿بِالعَراءِ﴾ أيِ الأرْضِ القَفْرِ الَّتِي لا بِناءَ فِيها ولا نَباتَ، البَعِيدَةِ مِنَ الإنْسِ حِينَ طَرَحَ فِيها كَما حَكَمَ بِذَلِكَ مِن (p-٣٣٣)الأزَلِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿مَذْمُومٌ﴾ أيْ مَلُومٌ عَلى الذَّنْبِ،

القلم 68:50

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهُ تَدارَكَهُ بِالنِّعْمَةِ فَلَمْ يَكُنْ في نَبْذِهِ مَلُومًا، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاجْتَباهُ﴾ أيِ اخْتارَهُ لِرِسالَتِهِ ﴿رَبُّهُ﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ اجْتِبائِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ رَسَخُوا في رُتْبَةِ الصَّلاحِ فَصَلَحُوا في أنْفُسِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وصَلَحَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَنَبَذَ بِالعَراءِ وهو مَحْمُودٌ، ومَن صَبَرَ أعْظَمَ مِن صَبْرِهِ كانَ أعْظَمَ أجْرًا مِن أجْرِهِ، وأنْتَ كَذَلِكَ فَأنْتَ أشْرَفُ العامِلِينَ والعالِمِينَ.

القلم 68:51

ولَمّا نَهاهُ ﷺ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِينَ وحَذَّرَهُ إدْهانَهم وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالَ، وتَوَعَّدَهم إلى أنْ قالَ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ [القلم: ٤٤] وخَتَمَ بِقِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّدْرِيبِ عَلى الصَّبْرِ وعَدَمِ الضَّعْفِ ولَوْ بِالصَّغْوِ إلى المُدَّهِنِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ تَسْبِيبًا عَمّا فِيها مِنَ النَّهْيِ: فَإنَّهم إنَّما يُبالِغُونَ في أذاكَ لِتَضْجَرَ فَتَتْرُكَ ما أنْتَ فِيهِ، قالَ عاطِفًا عَلى [ هَذا -] المُقَدَّرِ مُخْبِرًا لَهُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنَ الإحَنِ عَلَيْهِ وفي قُلُوبِهِمْ مِنَ الضَّغائِنِ لَهُ لِيَشْتَدَّ حَذَرُهُ مِن إدْهانِهِمْ، مُؤَكِّدًا لِأنَّ مَن يَرى إدْهانَهم يَظُنُّ إذْعانَهم ويُنْكِرُ لِمُبالَغَتِهِمْ فِيهِ طُغْيانُهُمْ: (p-٣٣٤)﴿وإنْ﴾ أيْ وإنَّهُ ﴿يَكادُ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعُ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِمّا جِئْتَ بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ. ولَمّا كانَتْ [ ”ن“ -] مُخَفَّفَةً، أتى بِاللّامِ الَّتِي هي عِلْمُها فَقالَ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ أيْ مِن شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ وحَسَدِهِمْ وغَيْظِ قُلُوبِهِمْ ﴿بِأبْصارِهِمْ﴾ أيْ يُوجِدُونَ لَكَ التَّنْحِيَةَ عَمّا أنْتَ فِيهِ والزَّلَلُ العَظِيمُ الَّذِي صاحَبَهُ في مَوْضِعِ دَحْضٍ لا مُسْتَمْسِكَ فِيهِ بِالهَلاكِ فَما دُونَهُ مِنَ الأذى حَتّى يَرْمُوكَ مِن قامَتِكَ إلى الأرْضِ كَما يَزْلَقُ الإنْسانُ فَيَنْطَرِحُ لِما يَتَراءى في عُيُونِهِمْ حِينَ تَصْوِيبِ [ النَّظَرِ -] لِلْفِطَنِ مِنَ الحَنَقِ والسُّخْطِ الدّالِّ عَلى أنَّ صُدُورَهم تَغْلِي، وهو مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا كادَ يَصْرَعُنِي، [ يَعْنِي -] لَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَصْرَعَنِي بِهِ لَصَرَعَنِي كَما قالَ تَعالى ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] وقِيلَ: يُهْلِكُونَكَ بِإصابَةِ العَيْنِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: كانُوا إذا أرادُوا أنْ يُصِيبُوا شَيْئًا بِأعْيُنِهِمْ جاعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ نَظَرُوا إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ وقالَ: ما أحْسَنَهُ مِن شَيْءٍ، فَيَسْقُطُ المَنظُورُ إلَيْهِ في الوَقْتِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وقالُوا: ما أنْصَحَهُ مِن رَجُلٍ، فَحَفِظَهُ اللَّهُ مِنهُمْ، ولِلشَّيْخَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (p-٣٣٥)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العَيْنُ حَقٌّ» وفي رِوايَةٍ عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ ماجَّةَ: «يَحْضُرُ بِها الشَّيْطانُ وحَسَدَ ابْنَ آدَمَ» ولِأحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَفَعَهُ: «العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ أنَّ شَيْئًا سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذا اسْتَغْسَلْتُمْ فاغْسِلُوا» ولِأبِي نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ: «العَيْنُ حَقٌّ تُدْخِلُ الجُمَلَ القِدْرَ والرَّجُلَ القَبْرَ» ولِأبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «وإنَّها لِتُدْرِكُ الفارِسَ فَتُدَعْثِرُهُ» . ولَمّا ذَكَرَ هَذا الإزْلاقَ العَظِيمَ، ذَكَرَ ظَرْفَهُ مُعَبِّرًا بِالماضِي تَذْكِيرًا بِالحالِ الماضِيَةِ فَقالَ: ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي [ غُلِبَ -] عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ بِأُمُورٍ يُعْلِيها كُلُّ أحَدٍ مِن نَفْسِهِ، ومِنَ الآفاقِ كانَ هَواياهُ أوَّلُ ما سَمِعُوهُ حَسَدًا عَلى ما أُوتِيَتْ مِنَ الشَّرَفِ فَكانَ سَماعُهم لَهُ باعِثًا لِما عِنْدَهم مِنَ البُغْضِ والحَسَدِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَزِدْهم تَمادِي الزَّمانِ إلّا حَنَقًا بِدَلالَةِ ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ قَوْلًا لا يَزالُونَ يُجَدِّدُونَهُ. ولَمّا كانَ ﷺ في غايَةِ البُعْدِ عَمّا يَشِينُ، أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ حَيْرَةٌ في أمْرِكَ وتَنْفِيرًا عَنْكَ لِما يَعْلَمُونَ مِن أنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أحَدٌ لا غَرَضَ لَهُ إلّا كَذِبُهم ومالَ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْكَ وكانَ (p-٣٣٦)مَعَكَ وارْتَبَطَ بِكَ واغْتَبَطَ بِما جِئْتَ بِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ قِراءَةَ هَذِهِ الآيَةِ دَواءٌ لِلْإصابَةِ بِالعَيْنِ.

القلم 68:52

ولَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِمْ هَذا أنَّ ما يَقُولُهُ تَخالِيطُ مَن يَصْرَعُ بِالجِنِّ، أكَّدَ بِقَصْرِ القَلْبِ قَوْلُهُ مُعْجَبًا مِنهم ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّ هَذا القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ ﷺ ما ﴿هُوَ إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ مَوْعِظَةٌ وشَرَفٌ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ كُلِّهِمْ عالِيهِمْ ودانِيهِمْ لَيْسَ مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا شَيْءَ يُشْبِهُهُ في جَلالَةِ مَعانِيهِ وحَلاوَةِ ألْفاظِهِ وعَظْمَةِ سَبْكِهِ ودِقَّةِ فَهْمِهِ ورِقَّةِ حَواشِيهِ وجَزالَةِ نُظُومِهِ، ويَفْهَمُ مِنهُ عَلى حَسَبِ ما هَيَّأهُ اللَّهُ لَهُ لِيُناسِبَ عُمُومَ ذِكْرِيَّتِهِ عُمُومَ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وأحْكامٍ ومَواعِظَ شامِلٌ لَهم كُلُّهُمْ، فَوَجَبَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مُسْلِمِهِمْ ومُجْرِمِهِمْ لِتَصْدُقَ أقْوالُهُ فَيَكْمُلُ جَلالُهُ وجَمالُهُ فَقَدْ رَجَعَتْ خاتِمَتُها - كَما تَرى - عَلى فاتِحَتِها بِالنُّونِ والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ مِن هَذا الذِّكْرِ، وسَلَبَ ما قالُوا فِيهِ مِنَ الجُنُونِ والإقْسامِ عَلى الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي هو هَذا الذِّكْرُ الحَكِيمُ، ونَبَّهَ كَوْنَهُ ذِكْرًا لِجَمِيعِ الخَلْقِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحاقَّةِ وهي القِيامَةُ لِيَظْهَرَ فِيها تَأْوِيلُهُ وإجْمالُهُ وتَفْصِيلُهُ، ويَتَّضِحُ غايَةَ الِاتِّضاحِ سَبِيلُهُ، (p-٣٣٧)وتَحِقُّ فِيها حَقائِقُهُ وتَظْهَرُ جَلائِلُهُ ودَقائِقُهُ بِما يَقَعُ مِنَ الحِسابِ، ويَتَبَيَّنُ غايَةَ البَيانِ ويَظْهَرُ الخَطَأُ مِنَ الصَّوابِ - واللَّهُ الهادِي.