Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الحاقة 69:1 – الجن 72:28
المحتويات
- الحاقة 69:1
- الحاقة 69:2
- الحاقة 69:3
- الحاقة 69:4
- الحاقة 69:5
- الحاقة 69:6
- الحاقة 69:7
- الحاقة 69:8
- الحاقة 69:9
- الحاقة 69:10
- الحاقة 69:11
- الحاقة 69:12
- الحاقة 69:13
- الحاقة 69:14
- الحاقة 69:15
- الحاقة 69:16
- الحاقة 69:17
- الحاقة 69:18
- الحاقة 69:19
- الحاقة 69:20
- الحاقة 69:21
- الحاقة 69:22
- الحاقة 69:23
- الحاقة 69:24
- الحاقة 69:25
- الحاقة 69:26
- الحاقة 69:27
- الحاقة 69:28
- الحاقة 69:29
- الحاقة 69:30
- الحاقة 69:31
- الحاقة 69:32
- الحاقة 69:33
- الحاقة 69:34
- الحاقة 69:35
- الحاقة 69:36
- الحاقة 69:37
- الحاقة 69:38
- الحاقة 69:39
- الحاقة 69:40
- الحاقة 69:41
- الحاقة 69:42
- الحاقة 69:43
- الحاقة 69:44
- الحاقة 69:45
- الحاقة 69:46
- الحاقة 69:47
- الحاقة 69:48
- الحاقة 69:49
- الحاقة 69:50
- الحاقة 69:51
- الحاقة 69:52
- المعارج 70:1
- المعارج 70:2
- المعارج 70:3
- المعارج 70:4
- المعارج 70:5
- المعارج 70:6
- المعارج 70:7
- المعارج 70:8
- المعارج 70:9
- المعارج 70:10
- المعارج 70:11
- المعارج 70:12
- المعارج 70:13
- المعارج 70:14
- المعارج 70:15
- المعارج 70:16
- المعارج 70:17
- المعارج 70:18
- المعارج 70:19
- المعارج 70:20
- المعارج 70:21
- المعارج 70:22
- المعارج 70:23
- المعارج 70:24
- المعارج 70:25
- المعارج 70:26
- المعارج 70:27
- المعارج 70:28
- المعارج 70:29
- المعارج 70:30
- المعارج 70:31
- المعارج 70:32
- المعارج 70:33
- المعارج 70:34
- المعارج 70:35
- المعارج 70:36
- المعارج 70:37
- المعارج 70:38
- المعارج 70:39
- المعارج 70:40
- المعارج 70:41
- المعارج 70:42
- المعارج 70:43
- المعارج 70:44
- نوح 71:1
- نوح 71:2
- نوح 71:3
- نوح 71:4
- نوح 71:5
- نوح 71:6
- نوح 71:7
- نوح 71:8
- نوح 71:9
- نوح 71:10
- نوح 71:11
- نوح 71:12
- نوح 71:13
- نوح 71:14
- نوح 71:15
- نوح 71:16
- نوح 71:17
- نوح 71:18
- نوح 71:19
- نوح 71:20
- نوح 71:21
- نوح 71:22
- نوح 71:23
- نوح 71:24
- نوح 71:25
- نوح 71:26
- نوح 71:27
- نوح 71:28
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:3
- الجن 72:4
- الجن 72:5
- الجن 72:6
- الجن 72:7
- الجن 72:8
- الجن 72:9
- الجن 72:10
- الجن 72:11
- الجن 72:12
- الجن 72:13
- الجن 72:14
- الجن 72:15
- الجن 72:16
- الجن 72:17
- الجن 72:18
- الجن 72:19
- الجن 72:20
- الجن 72:21
- الجن 72:22
- الجن 72:23
- الجن 72:24
- الجن 72:25
- الجن 72:26
- الجن 72:27
- الجن 72:28
الحاقة 69:1
سُورَةُ الحاقَّةِ
مَقْصُودُها تَنْزِيهُ الخالِقِ بِبَعْثِ الخَلائِقِ لِإحْقاقِ الحَقِّ وإزْهاقِ الباطِلِ بِالكَشْفِ التّامِّ لِشُمُولِ العِلْمِ لِلْكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ وكَمالِ القُدْرَةِ عَلى العَلَوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ، وإظْهارِ العَدْلِ بَيْنَ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، لِيُمَيِّزَ المُسْلِمَ مِنَ المُجْرِمِ بِالمُلَذَّذِ والمُؤْلِمِ، وتَسْمِيَتُها بِالحاقَّةِ في غايَةِ الوُضُوحِ في ذَلِكَ وهو أدَلُّ ما فِيها عَلَيْهِ ( بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، نَزاهَةً وحَمْدًا ( الرَّحْمَنِ الَّذِي عَمَّ جُودُهُ بِالعَدْلِ كِبَرًا ومَجْدًا ( الرَّحِيمِ الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِدِّهِ بِالوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ لِيَنالُوا بِطِيبِ جِوارِهِ عُلُوًّا وجِدًّا وفَوْزًا بِالأمانِي وسَعْدًا.
* *
لَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ في ”نُونٍ“ الإنْكارَ الشَّدِيدَ لِأنْ يُسَوِّي المُسِيءَ بِالمُحْسِنِ، وذَكَرَ القِيامَةَ وبَيَّنَها بِيَوْمِ كَشْفِ السّاقِ وزِيادَةِ المَشاقِّ، وهَدَّدَ التَّهْدِيدَ العَظِيمَ بِآيَةِ الِاسْتِدْراجِ الَّذِي لا يَدْفَعُ بِعِلاجٍ، وخَتَمَ بِأنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ - أيْ شَرَفٌ - وتَذْكِيرٌ، ومَواعِظُ لِلْعالَمِينَ في شُمُولِهِمْ كُلِّهِمْ (p-٣٣٨)بِرَحْمَتِهِ، أمّا مِن بَعْدِ إنْزالِهِ فَبِوَعِيدِهِ ووَعْدِهِ ووَعْظِهِ وقَصِّهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وأمّا مِن قَبْلِ إنْزالِهِ فَبِالشَّهادَةِ لَهم وعَلَيْهِمْ، وكانَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ وجَمِيعُ آثارِهِ إنَّما يَظْهَرُ ظُهُورًا تامًّا يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ، وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أعْظَمَ مُذَكِّرٍ لِلْعالَمِينَ وواعِظٍ لَهم وزاجِرٍ، تَنْبَنِي جَمِيعُ الخَيْراتِ عَلى تَذَكُّرِهِ وتَذَكُّرِ العِرْضِ عَلى المَلِكِ الدَّيّانِ، والسِّرِّ في إنْزالِ القُرْآنِ هو التَّذْكِيرُ بِذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي هو نِظامُ الوُجُودِ، قالَ واصِفًا لِلْقِيامَةِ واليَوْمِ الَّذِي يَكْشِفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ، واعِظًا بِذِكْرِها ومُحَذِّرًا مِن أمْرِها: ﴿الحاقَّةُ﴾ [ أيِ -] السّاعَةُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها هَؤُلاءِ وهي أثْبَتُ الأشْياءِ وأجْلاها فَلا كاذِبَةَ لَها ولا لِشَيْءٍ عَنْها، فَلا بُدَّ مِن حُقُوقِها فَهي ثابِتَةٌ في نَفْسِها، ومِن إحْضارِ الأُمُورِ فِيها بِحَقائِقِها، والمُجازاةِ عَلَيْها بِالحَقِّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، فَهي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ فِيها، وهي فاعِلَةٌ أيْضًا لِأنَّها غالِبَةٌ لِكُلِّ خِصْمٍ، مِن حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحَقَّهُ أيْ غالَبْتُهُ في الحَقِّ فَغَلَبْتُهُ فِيهِ، فَهي تُحِقُّ الحَقَّ ولا بُدَّ فَتَعْلُو الباطِلَ فَتَدْمَغُهُ وتُزْهِقُهُ فَتُحِقُّ العَذابَ لِلْمُجْرِمِينَ والثَّوابَ لِلْمُسْلِمِينَ، وكُلُّ ما فِيها داثِرٌ عَلى الثَّباتِ والبَيانِ، لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ ولا (p-٣٣٩)يَرْضى لِأحَدٍ مِنَ الحُكّامِ تَرَكَ رَعِيَّتَهُ بِغَيْرِ إنْصافِ بَيْنِهِمْ عَلى زَعْمِهِ فَكَيْفَ بِالحَكِيمِ العَلِيمِ، وقِصَّةُ صاحِبِ الحُوتِ عَلَيْهِ السَّلامُ أدُلُّ دَلِيلٍ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْها.
الحاقة 69:2
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ أمْرًا رائِعًا لِلْعُقُولِ، هازًّا لِلْقُلُوبِ، مُزْعِجًا لِلنُّفُوسِ، وكانَ رُبَّما تَوَقَّفَ فِيهِ الجِلْفُ الجافِي، أكَّدَ أمْرَهُ وزادَ في تَهْوِيلِهِ، وأطْنَبَ في تَفْخِيمِهِ وتَبْجِيلِهِ، إشارَةً إلى أنَّ هَوْلَهُ يَفُوتُ الوَصْفُ بِقَوْلِهِ، مُعْلِمًا أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ لَهُ أنْ يَسْتَفْهِمَ عَنْهُ سائِقًا لَهُ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ مُرادًا بِها التَّعْظِيمُ لِلشَّأْنِ، وأنَّ الخَبَرَ لَيْسَ كالعَيانِ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ فَأداةُ الِاسْتِفْهامِ مُبْتَدَأً أخْبَرَ عَنْهُ بِالحاقَّةِ وهُما خَبَرٌ عَنِ الأُولى، والرّابِطُ تَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ نَحْوُ زَيْدٍ أيْ ما هُوَ، [ و-] أكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ إذا أُرِيدَ مَعْنى التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ.
الحاقة 69:3
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِتَرْجَمَةِ المُرادِ بِكَشْفِ السّاقِ، عَظُمَ التَّهْوِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ في الزَّمَنِ الماضِي، وقَصَرَهُ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مَعَ تَعاطِيكَ لِلْبَحْثِ والمُداوَرَةِ، ثُمَّ زادَ التَّحْذِيرُ مِنها بِقَوْلِهِ عَلى النَّهْجِ الأوَّلِ مُسْتَفْهِمًا والمُرادُ بِهِ التَّفْخِيمُ ومَزِيدُ التَّعْظِيمِ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ أيْ إنَّها بِحَيْثُ (p-٣٤٠)لا يَعْلَمُ كُنْهَها أحَدٌ ولا يُدْرِكُها ولا يَبْلُغُها دِرايَتُهُ وكَيْفَ ما قُدِّرَتْ [ حالُها -] فَهي أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، فَلا تَعْلَمُ حَقَّ العِلْمِ إلّا بِالعِيانِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لِما بُنِيَتْ سُورَةُ ﴿ن والقَلَمِ﴾ [القلم: ١] عَلى تَقْرِيعِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وسائِرِ العَرَبِ وتَوْبِيخِهِمْ وتَنْزِيهِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَنِيعِ قَوْلِهِمْ وقَبِيحِ بُهْتِهِمْ، وبَيْنَ حَسَدِهِمْ وعَداوَتِهِمْ ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١] أُتْبِعَتْ بِسُورَةِ الحاقَّةِ وعْدًا لَهم وبَيانًا أنَّ حالَهم في سُوءِ ذَلِكَ المُرْتَكِبِ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ غَيْرُهم ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] [ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] -]، و ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] فَسُورَةُ الحاقَّةِ جارِيَةٌ مَجْرى هَذِهِ الآيِ المُعَقِّبِ بِها ذِكْرُ عِنادِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِيَتَّعِظَ بِها مَن رِزْقِ التَّوْفِيقِ لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعْيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ.
الحاقة 69:4
ولَمّا ذَكَّرَ حالَ مَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ بِسُوءِ تَكْذِيبِهِمْ وقَبِيحِ عِنادِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الوَعِيدِ الأُخْراوِيِّ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿ن والقَلَمِ﴾ [القلم: ١] (p-٣٤١)مِن تَنْزِيهِهِ ﷺ وتَكْرِيمِهِ مُقْسِمًا عَلى ذَلِكَ ”إنَّهُ لِقَوْلِ رَسُولٍ كَرِيمٍ وما هو بِقَوْلٍ شاعِرٍ - ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قليلًا ما تَذْكُرُونَ“ وانْتَهى نَفْيُ ما تَقَوَّلَهُ مَنصُوصًا عَلى نَزاهَتِهِ عَنْ كُلِّ خُلَّةٍ مِنها في السُّورَتَيْنِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] وما الَّذِي جِئْتَ بِهِ بِقَوْلِ شاعِرٍ ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ بَلْ هو تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ، فَنَزِّهْ رَبَّكَ وقَدِّسْهُ مِن عَظِيمِ ما ارْتَكَبُوهُ - [ انْتَهى-]
فَلَمّا بَلَغَ التَّهْوِيلُ حَدَّهُ، وكانَ سَبَبَ الإنْكارِ لِلسّاعَةِ ظَنَّ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلَيْها مُطْلَقًا أوْ لِعَدَمِ العِلْمِ بِالجُزْئِيّاتِ، [ قالَ دالًّا عَلى تَمامِ القُدْرَةِ والعِلْمِ -] بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، مُحَذِّرًا مَن أنْكَرَها بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ الِانْتِقامِ ولَكِنَّهُ لِإكْرامِهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أخَّرَ عَذابَها إلى الآخِرَةِ إلى لِمَن كانَ مِنهم مَنِ الخَواصِّ فَإنَّهُ يُظْهِرُهم في الدُّنْيا لِيُتِمَّ نَعِيمَهم بَعْدَ المَوْتِ بادِئًا بِأشَدِّ القَبائِلِ تَكْذِيبًا بِالبَعْثِ لِكَوْنِ ناقَتِهِمْ أوَّلَ دَلِيلٍ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وقالُوا مَعَ ذَلِكَ ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] إلى أنْ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] وقالُوا في التَّكْذِيبِ [ بِها -] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ (p-٣٤٢)هِيَ إلا حَياتُنا [ الدُّنْيا -] نَمُوتُ﴾ [المؤمنون: ٣٧] - الآيَةُ، فَإنَّ الأمْرَ فِيهِمْ دائِرٌ بَيْنَ عادٍ وثَمُودَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ وتَقْدِيمُهم أيْضًا مِن حَيْثُ أنَّ بِلادَهم أقْرَبُ إلى قُرَيْشٍ، وواعِظُ القُرْبِ أكْبَرُ وإهْلاكُهم بِالصَّيْحَةِ وهي أشْبَهُ بِصَيْحَةِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ المُبَعْثَرِ لِما في القُبُورِ ﴿وعادٌ﴾ وكانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: بِها، ولَكِنَّهُ أظْهَرَها بِوَصْفِ زادِها عِظَمًا وهَوْلًا فَقالَ: ﴿بِالقارِعَةِ﴾ أيِ [ الَّتِي -] تُقْرَعُ، أيْ تُضْرَبُ ضَرْبًا قَوِيًّا وتَدُقُّ دَقًّا عَنِيفًا شَدِيدًا لِلْأسْماعِ وجَمِيع العالَمِ بِانْفِطارِ السَّماواتِ وتَناثُرِ النَّيِّراتِ ونَسْفِ الجِبالِ الرّاسِياتِ، فَلا يَثْبُتُ لِذَلِكَ الهَوْلِ شَيْءٌ.
الحاقة 69:5
ولَمّا جَمَعَهم في التَّكْذِيبِ، فَصَلَهم في التَّعْذِيبِ لِأجْلِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿فَأمّا ثَمُودُ﴾ وهْم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولَمّا كانَ الهائِلُ لَهم لِتَقَيُّدِهِمْ بِالمَحْسُوساتِ إنَّما هو العَذابُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ: ﴿فَأُهْلِكُوا﴾ أيْ بِأيْسَرَ أمْرٍ مِن أوامِرِنا ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ أيِ الصَّيْحَةِ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ في الشِّدَّةِ فَرَجَفَتْ مِنها الأرْضُ والقُلُوبُ.
الحاقة 69:6
ولَمّا ذَكَرَ المُهْلِكِينَ [ بِالصَّيْحَةِ لِأجْلِ التَّكْذِيبِ بِالقارِعَةِ تَحْذِيرًا لِمَن يُكَذِّبُ بِها، أتْبَعَهُ المُهْلِكِينَ -] بِما هو سَبَبٌ لِإنْفاذِ الصَّيْحَةِ وتَقْوِيَتِها دَلالَةٌ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذابِ بِالِاخْتِيارِ (p-٣٤٣)فَقالَ تَعالى: ﴿وأمّا عادٌ﴾ وهم قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا﴾ [الحاقة: ٥] أيْ بِأشَقِّ ما يَكُونُ عَلَيْهِمْ وأيْسَرَ ما يَكُونُ في قُدْرَتِنا ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أيْ هي في غايَةِ ما يَكُونُ مِن شِدَّةِ البَرْدِ والصَّوْتِ كَأنَّهُ كَرَّرَ فِيها البَرْدَ حَتّى صارَ [ يَحْرِقُ بِشَدَّتِهِ والصَّوْتَ حَتّى صارَ -] يَصِمُّ بِقُوَّتِهِ، وقالَ المَلْوِيُّ: أصْلُهُ صَرَّ وهو البَرْدُ الشَّدِيدُ أوِ الحُرُّ الشَّدِيدُ ﴿عاتِيَةٍ﴾ أيْ مُجاوِزَةٍ لِلْحَدِّ مِن شِدَّةِ عَصْفِها وعَظَمَةِ قَصْفِها تَفْعَلُ [ أفْعالَ -] المُسْتَكْبِرِ الَّذِي لا يُبالِي بِشَيْءٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ خَزّانُها ضَبْطَها، ولَمْ يَمْلِكِ المُعَذَّبُ بِها رَدَّها ولا رَبْطَها، بَلْ كانَتْ تَنْزِعُهم مِن مَكامِنِهِمُ الَّتِي احْتَفَرُوها ومَصانِعِهُمُ الَّتِي أتْقَنُوها واخْتارُوها فَتُهْلِكُهُمْ، قالَ المَلْوِيُّ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ ماءٌ ولا رِيحٌ إلّا بِمِكْيالٍ عَلى يَدِ مَلِكٍ إلّا يَوْمَ الطُّوفانِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لِلْماءِ فَطَغى عَلى الخَزّانِ ويَوْمَ عادٍ أذِنَ لِلرِّيحِ فَعَتَتْ عَلى خَزّانِها“ انْتَهى.
الحاقة 69:7
ولَمّا وصَفَها بِالعُتُوِّ عَلى الخَلْقِ والغَلَبَةِ لَهم بِحَيْثُ كانَتْ خارِقَةً لِلْعادَةِ لَمْ يَأْتِ مِثْلُها قَبْلُ ولا بَعْدُ، دَلَّ عَلى صِغارِها بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي أوْجَدَها لا الطَّبِيعَةُ ولا غَيْرُها، بَلْ إنَّما كانَتْ بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ قَهْرًا لِمَن طَعَنَ في مُلْكِهِ وكَذَّبَ رُسُلَهُ فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ (p-٣٤٤)الَّتِي هي مَوْضِعُ الحِكْمَةِ وإظْهارُ جَمِيعِ العَظَمَةِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا دَلالَةً عَلى ذَلِكَ: ﴿سَخَّرَها﴾ أيْ قَهَرَها عَلى أنْ سَلَّطَها، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ تَسْخِيرُ تَعْذِيبٍ [ لا -] رَحْمَةٍ وتَأْدِيبٍ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وكَلَّفَها ذَلِكَ وذَلَّلَها لَهُ فَلَمْ يُمْكِنْها مَعَ عُتُوِّها إلّا أنْ كانَتْ طَوْعَ أمْرِهِ وصَنِيعَةَ عَظَمَتِهِ وقَهْرِهِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِتَحْقِيقِ الأُمُورِ، وكَشْفِ المُشْكِلِ وإيضاحِ الخَفِيِّ، حَقَّقَ فِيها زَمَنَ عَذابِهِمْ تَحْقِيقًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهُ، فَذَكَرَ الأيّامَ واللَّيالِي، وقَدَّمَ اللَّيالِي لِأنَّ المَصايِبَ فِيها أفْظَعُ وأقْبَحُ وأشْنَعُ لِقِلَّةِ المُغِيثِ والجَهْلِ بِالمَأْخَذِ والخَفاءِ في المَقاصِدِ والمَنافِذِ، ولِأنَّ عَدَدَها مُذَكَّرٌ في اللَّفْظِ، وتَذْكِيرُ اللَّفْظِ أدَلُّ عَلى قُوَّةِ المَعْنى ولِذَلِكَ جَعَلَ المُمَيَّزَ جَمْعَ كَثْرَةٍ، ولِأنَّها سَبْعٌ، والسَّبْعُ مُبالَغٌ فِيهِ وهو أجْمَعُ العَدَدِ كَما يَأْتِي تَحْقِيقُهُ قَرِيبًا في حَمَلَةِ العَرْشِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ بِتَقْدِيمِها أنَّ ابْتِداءَ العَذابِ كانَ فِيها لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ بِعَدَدِ الأيّامِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ﴾ أيْ لا تَفْتُرُ فِيها الرِّيحَ لَحْظَةً لِأنَّهُ بُولِغَ في شِدَّتِها مُبالَغَةً لَمْ يَكُنْ مِثْلُها قَطُّ ولا يَكُونُ بَعْدَها أبَدًا ﴿وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ كَذَلِكَ حالُ كَوْنِها ﴿حُسُومًا﴾ جَمْعُ حاسِمٍ أيْ بِحِسٍّ مانِعٍ مِنَ التَّصَرُّفِ دائِمٍ مُتَتابِعٍ لا فَتْرَةَ لَهُ، مِن حَسْمِ الكَيِّ - إذا تابَعَ فِيهِ بِالمِكْواةِ، (p-٣٤٥)قاطِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، مُسْتَأْصِلٌ لَهُ، فَأتَتْ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ أصْلًا في جَمِيعِ الوَقْتِ فاسْتَأْصَلَتْهم لَمْ تَبْقَ مِنهم أحَدٌ حَتّى أنَّ عَجُوزًا مِنهم تَوارَتْ في سِرْبٍ فانْتَزَعَتْها وأهْلَكَتْها، وبِها سُمِّيَتْ أيّامَ العَجُوزِ، أوْ لِأنَّها عَجَزُ الشِّتاءِ وهي [ ذاتُ -] بِرْدٍ ورِياحٍ شَدِيدَةٍ وهي مِن صَبِيحَةِ الأرْبِعاءَ لِثَمانٍ بَقَيْنَ مِن شَوّالَ إلى غُرُوبِ الأرْبِعاءِ الآخَرِ وهو آخِرُ الشَّهْرِ، وقَدْ لَزِمَ مِن زِيادَةِ عَدَدِ الأيّامِ أنَّ الِابْتِداءَ كانَ [ بِها -] قَطْعًا وإلّا لَمْ تَكُنِ اللَّيالِي سَبْعًا - فَتَأمَّلْ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الحاسِمُ المُهْلِكُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُصَوِّرًا لِحالِهِمُ الماضِيَةِ: ﴿فَتَرى القَوْمَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ القُدْرَةِ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ: ﴿فِيها﴾ أيْ في تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الأيّامِ واللَّيالِي لَمْ يَتَأخَّرْ [ أحَدٌ -] مِنهم عَنْها ﴿صَرْعى﴾ أيْ مِجْدَلَيْنِ عَلى الأرْضِ مَوْتى مَعْصُورِينَ مُجْهِزَةً عَلى كُلٍّ مِنهم مَن شِدَّةِ ضَغْطِها بادٍ عَلَيْهِمُ الذُّلُّ والصَّغارُ، جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ﴾ أيْ أُصُولُ ﴿نَخْلٍ﴾ قَدْ شاخَتْ وهَرِمَتْ فَهي في غايَةِ العَجْزِ والهَرَمِ ﴿خاوِيَةٍ﴾ أيْ مُتَآكِلَةَ الأجْوافِ ساقِطَةً، مِن (p-٣٤٦)خَوَيِ النَّجْمِ - إذا سَقَطَ لِلْغُرُوبِ، ومَن خَوِيَ المَنزِلِ - إذا [ خَلا -] مِن قَطّانِهِ، قالُوا: كانَتْ تَدْخُلُ مِن أفْواهِهِمْ فَتُخْرِجُ ما في أجْوافِهِمْ مِنَ الحَشْوِ مِن أدْبارِهِمْ، فالوَصْفُ بِذَلِكَ لِعِظَمِ أجْسامِهِمْ وتَقْطِيعِ الرِّيحِ لَهم وقَطْعُها لِرُؤُوسِهِمْ وخُلُوِّهِمْ مِنَ الحَياةِ وتَسْوِيدِها لَهم.
الحاقة 69:8
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا رائِعًا لِمَن لَهُ أدْنى مَعْقُولٍ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ مِمّا يَزِيدُ الرَّوْعَةَ، قالَ مُسَبِّبًا عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ لِيَكُونَ الإخْبارُ بِهِ المُسْتَلْزِمُ لِغايَةِ العِلْمِ بِالجُزْئِيّاتِ كالدَّعْوى بِدَلِيلِها: ﴿فَهَلْ تَرى﴾ أيْ أيُّها المُخاطَبُ الخَبِيرُ النّاسَ في جَمِيعِ الأقْطارِ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ خُصُوصًا، وأعْرَقَ في النَّفْيِ وعَبَّرَ بِالمَصْدَرِ المُلْحَقِ بِالهاءِ مُبالَغَةً فَقالَ: ﴿مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ بَقاءٍ أوْ نَفْسٍ مَوْصُوفَةٍ بِالبَقاءِ، وأنْجى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن آمَنَ بِهِ [ مِن بَيْنِ ثَمُودَ -] ولَمْ تَضُرُّهُمُ الطّاغِيَةُ وهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن آمَنَ بِهِ مِن بَيْنِ عادٍ لَمْ يَهْلَكْ مِنهم أحَدٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ لَهُ تَعالى تَمامَ العِلْمِ بِالجُزْئِيّاتِ كَما أنَّ لَهُ كَمالَ الإحاطَةِ بِالكُلِّيّاتِ وعَلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ وحِكْمَتِهِ، فَلا يُجْعَلُ المُسْلِمُ أصْلًا كالمُجْرِمِ ولا المُسِيءُ كالمُحْسِنِ.
الحاقة 69:9
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ أهْلَكَ بِالرِّيحِ ومِن أهْلَكَ بِما سَبَّبَهُ الرِّيحُ تَسْبِيبًا قَرِيبًا بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وكانَ ذَلِكَ [ كُلُّهُ -] - لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ - رادًّا عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ، أخْبَرَ بِمَن أهْلَكَ مِمّا سَبَّبَتْهُ الرِّيحُ مِنَ الماءِ (p-٣٤٧)بِواسِطَةِ السَّحابِ، وكانَتْ سَبَبَ تَطابُقِهِ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ كَفْرَهم بِالتَّعْطِيلِ الَّذِي هو أنْحَسُ أنْواعِ الكُفْرِ لِلْقَوْلِ بِالطَّبِيعَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الإنْكارَ لِلْبَعْثِ، وكانَ إغْراقُهم بِما يُكَذِّبُ مُعْتَقَدَهم لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى قُوَّةِ كُفْرِهِمْ بِالمَجِيءِ: ﴿وجاءَ﴾ أيْ أتى إتْيانًا عالِيًا شَدِيدًا ﴿فِرْعَوْنُ﴾ أيِ الَّذِي مَلَّكْناهُ عَلى طائِفَةٍ مِنَ الأرْضِ فَعَتى وتَجَبَّرَ وادَّعى الإلَهِيَّةَ ناسِيًا هَيْبَتَنا وقُدْرَتَنا بِنِقْمَتِنا وأنْكَرَ الصّانِعَ وقالَ بِالطَّبائِعِ ﴿ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ في جِهَتِهِ وفي حَيِّزِهِ وما يَلِيهِ وفي السَّيْرِ بِسِيرَتِهِ مِنَ العُلُوِّ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ والعُتُوِّ في الكُفْرِ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، هَكَذا عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ المُوَحِّدَةِ، فَعَمَّ ذَلِكَ كُلَّ مَن كانَ كافِرًا عاتِيًا مَن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ، وهو مَعْنى قِراءَةِ الباقِينَ بِفَتْحِ القافِ وإسْكانِ الباءِ المُوَحِّدَةِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ يُقابَلُ ”بَعْدُ“ بِزِيادَةٍ.
ولَمّا كانَ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ جَمَعُوا أنْواعًا مِنَ الفُسُوقِ لَمْ يُشارِكْهم فِيها أحَدٌ، فاشْتَمَلَ عَذابُهم عَلى ما لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ عَذابٌ، فَكانَ كُلٌّ مِن فِعْلِهِمُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقُهم بِهِ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ وعَذابَهُمُ الَّذِي ما كانَ مِثْلُهُ قَبْلُ ولا بَعْدُ، رادًّا عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ، نَصَّ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِ مَن دَخَلَ فِيمَن قَبْلَهُ عَلى القِراءَتَيْنِ فَقالَ: ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ أيْ (p-٣٤٨)أهْلُ المَدائِنِ المُنْقَلِباتِ بِأهْلِها حَتّى صارَ عالِيَها سافِلًا لِما حَصَلَ لِأهْلِها مِنَ الِانْقِلابِ حَتّى صارُوا إيّاهُ واتَّبَعَتْ حِجارَةُ الكِبْرِيتِ وخَسَفَ بِها وغَمَرَتْ بِما لَيْسَ في الأرْضِ مِثْلَهُ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيِ الخَطَأِ أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ الَّتِي تَتَخَطّى مِنها إلى نَفْسِ الفِعْلِ القَبِيحِ مِنَ اللِّواطِ والصَّفْعِ والضُّراطِ مَعَ الشِّرْكِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الفِسْقِ والعِنادِ والطُّغْيانِ.
الحاقة 69:10
ولَمّا كانَ الرُّسُلُ كُلُّهم جَمِيعًا كالفَرْدِ الواحِدِ لِاتِّفاقِ مَقاصِدِهِمْ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والحَمْلِ عَلى طاعَتِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُسَبِّبًا عَنْ مَجِيئِهِمْ بِذَلِكَ مُوَحِّدًا في اللَّفْظِ ما هو صالِحٌ لِلْكَثِيرِ بِإرادَةِ الجِنْسِ: ﴿فَعَصَوْا﴾ أيْ خالَفُوا ونابَذُوا ﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ خالَفَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مَن أرْسَلَهُ المُحْسِنُ إلَيْها بِإبْداعِها مِنَ العَدَمِ وإيداعِها القُوى وتَرْزِيقِها وبَعَثِ رَسُولِها لِإرْشادِها اغْتِرارًا بِإحْسانِهِ ولَمْ يُجَوِّزُوا أنَّ المُحْسِنَ يَقْدِرُ عَلى الضُّرِّ كَما قَدَرَ عَلى النَّفْعِ، لِأنَّهُ الضّارُّ كَما أنَّهُ النّافِعُ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ لا يَجُوزُ نَقْلُ أحَدِ الِاسْمَيْنِ عَنِ الآخَرِ، وسَبَّبَ عَنِ العِصْيانِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَهُمْ﴾ أيْ رَبُّهم أخْذَ قَهْرٍ وغَضَبٍ ﴿أخْذَةً﴾ لَمْ يَبْقَ مِن أُمَّةٍ مِنهم أحَدًا مِمَّنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ فَلَمْ يَكُنْ كَمَن يَنْصُرُ عَلى عَدْوٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ لا بُدَّ مِن أنْ يُفَوِّتَهُ كَثِيرٌ مِنهم وإنِ اجْتَهَدَ في الطَّلَبِ، وما ذاكَ إلّا لِتَمامِ عِلْمِهِ (p-٣٤٩)سُبْحانَهُ وتَعالى بِالجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، وتِلْكَ الأخْذَةُ - مَعَ كَوْنِها [ بِهَذِهِ -] العَظَمَةِ مِن أنَّها أخَذَتْهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ - جَعَلَها سُبْحانَهُ ﴿رابِيَةً﴾ أيْ عالِيَةً عَلَيْهِمْ عِلْيَةُ القَدْرِ في قُوَّةِ البَطْشِ وشِدَّةِ الفَتْكِ زائِدَةً عَلى الحَدِّ نامِيَةً بِقَدْرِ زِيادَةِ أعْمالِهِمْ في القُبْحِ، والرِّبا: النُّمُوُّ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، فَأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، وأغْرَقَ كُلَّ مَن كَذَّبَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، وهم كُلُّ أهْلِ الأرْضِ غَيْرِ مَن رَكِبَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ، وحَمَلَ مَدائِنَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ نَتَقَها مِنَ الأرْضِ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ بِواسِطَةٍ مِن أمْرِهِ بِذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ قَلَبَها وأتْبَعَها الحِجارَةَ وخَسَفَ بِها وغَمَرَها بِالماءِ المُنْتِنِ الَّذِي لَيْسَ في الأرْضِ ما يُشْبِهُهُ.
الحاقة 69:11
ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمِ التَّعَجُّبِ مِن وُجُودِ فِرْعَوْنَ ومَن بَعْدَهُ مِنَ الإخْبارِ بِأخْذِ مَن قَبْلَهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ مَعَ أنَّ ”مِن“ [ مِن -] صِيَغُ العُمُومِ، أشارَ إلى [ أنَّهُ أهْلَكَ -] جَمِيعَ المُخالِفِينَ وأنْجى جَمِيعَ المُوافِقِينَ، قالَ جَوابًا لِذَلِكَ السُّؤالِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يَتَعَنَّتُ ولِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِمّا يَتَعَجَّبُ مِنهُ ويَتَلَذَّذُ بِذِكْرِهِ: ﴿إنّا﴾ أيْ (p-٣٥٠)عَلى قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا وإحاطَتِنا ﴿لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ فَزادَ عَنِ الحَدِّ حَتّى عَلا عَلى أعْلى جَبَلٍ في الأرْضِ بِقَدْرِ ما يَغْرَقُ مَن كانَ عَلَيْهِ حِينَ أغْرَقَنا قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ [ بِهِ -] فَلَمْ يُطِيقُوا ضَبْطَهُ ولا قاوُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا وفَقُوا لِرُكُوبِ السَّفِينَةِ، فَكانَ خُرُوجُهُ عَنِ العادَةِ رادًّا عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ.
ولَمّا كانَ الإيجادُ نِعْمَةً فَكانَ إنْجاءُ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ حَتّى كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُجُودِهِمْ نِقْمَةٌ عَلَيْهِمْ قالَ تَعالى: ﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ في ظُهُورِ آبائِكم بِعَظَمَتِنا ومَشِيئَتِنا وقُدْرَتِنا ﴿فِي الجارِيَةِ﴾ أيِ السَّفِينَةِ الَّتِي جَعَلْناها بِحِكْمَتِنا عَرِيقَةً في الجَرَيانِ حَتّى كَأنَّهُ لا جارِيَةَ غَيْرُها عَلى وجْهِ الماءِ الَّذِي جَعَلْنا مِن شَأْنِهِ الإغْراقَ، وهو تَعْبِيرٌ بِالصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَ السَّفِينَةَ، وإنَّما صَنَعَها بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى وبِحِفْظِهِ لَهُ مِن أنْ يَزِلَّ في صَنْعَتِها، قالَ: اجْعَلْها كَهَيْئَةِ صَدْرِ الطّائِرِ لِيَكُونَ ما يَجْرِي في الماءِ مُقارِبًا لِما يَجْرِي في الهَواءِ، وأغْرَقَنا سِوى مَن في السَّفِينَةِ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ مَن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ.
الحاقة 69:12
ولَمّا بَدَأ سُبْحانَهُ وتَعالى بِثَمُودَ الَّذِينَ هم أقْرَبُ المُهْلِكِينَ إلى مَكَّةَ المُشْرِفَةِ لِأنَّ التَّخْوِيفَ بِالأقْرَبِ أقْعَدُ، وخَتَمَ بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهم كانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ ولَمْ يَخَفْ أمْرَهم عَلى أحَدٍ مِمَّنْ (p-٣٥١)بَعْدَهُمْ، عَلَّلَ اخْتِيارَ إنْجائِهِمْ بِالسَّفِينَةِ دُونَ غَيْرِها فَقالَ: ﴿لِنَجْعَلَها﴾ أيْ هَذِهِ الفِعْلاتِ العَظِيمَةِ مِن إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ بِحَيْثُ لا يَهْلَكُ مِنهم بِذَلِكَ العَذابِ أحَدٌ وإهْلاكُ الكافِرِينَ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ، وكَذا السَّفِينَةُ الَّتِي حَمَلْنا فِيها نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ بِإبْقائِها آيَةً مِن آياتِهِ وأُعْجُوبَةً مِن بَدائِعِ بَيِّناتِهِ وغَرِيبَةً في الدَّهْرِ مِن أُعْجُوباتِهِ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ أيُّها الأناسِيُّ ﴿تَذْكِرَةً﴾ أيْ سَبَبًا عَظِيمًا لِذِكْرِ أوَّلِ إنْشائِهِ والمَوْعِظَةِ بِهِ لِتَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تُعْلى وتَمامِ عِلْمِهِ وعَظَمَةِ رَحْمَتِهِ وقَهْرِهِ، فَيَقُودُكم ذَلِكَ إلَيْهِ وتَقْبَلُوا بِقُلُوبِكم عَلَيْهِ ﴿وتَعِيَها﴾ أيْ ولِتَحْفَظَ قِصَّةَ السَّفِينَةِ وغَيْرَها مِمّا تَقَدَّمَ، حِفْظًا ثابِتًا مُسْتَقِرًّا كَأنَّهُ مَحْوى في وِعاءٍ.
ولَمّا كانَ المُنْتَفِعُ بِما يَسْمَعُ الحافِظُ لَهُ قَلِيلًا جِدًّا، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِتَوْحِيدِ الأُذُنِ فَقالَ مُوَحِّدًا مُنْكِرًا مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِها: ﴿أُذُنٌ﴾ أيْ عَظِيمَةِ النَّفْعِ ﴿واعِيَةٌ﴾ أيْ مِن شَأْنِها أنْ تَحْفَظَ ما يَنْبَغِي حِفْظُهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الإلَهِيَّةِ والأسْرارِ الرَّبّانِيَّةِ لِنَفْعِ عِبادِ اللَّهِ كَما كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ وهم قَلِيلٌ سَبَبًا لِإدامَةِ النَّسْلِ والبَرَكَةِ فِيهِ (p-٣٥٢)حَتّى امْتَلَأتْ مِنهُ الأرْضُ. والوَعْيُ: الحِفْظُ في النَّفْسِ، والإيعاءُ: الحِفْظُ في الوِعاءِ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلنّاسِ بِقِلَّةِ الواعِي مِنهُمْ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا غَفَلَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ، وما سِواها لا يُبالِي بِهِمُ اللَّهُ بالَةً - قالَهُ الأصْبِهانِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُما.
الحاقة 69:13
ولَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ وهَوْلَ أمْرِها بِالتَّعْبِيرِ بِالحاقَّةِ وغَيْرِها، ودَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْها وعَلى حِكْمَتِهِ بِقِصَصِ مَن ذَكَرَ [ عَلى -] الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ إلى أنْ خَتِمَ بِالَّذِينِ كانَتْ قِصَّتُهم أشْبَهُ تِلْكَ القِصَصِ بِالقِيامَةِ مِن حَيْثُ أنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيها عَمَّ أهَّلَ الأرْضِ وفي زَمَنٍ يَسِيرٍ، وكانَ النّاجُونَ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلى المُهْلِكِينَ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، سَبَّبَ عَنْ جَمِيعِ ما مَضى قَوْلُهُ شَرْحًا لِأمْرِها: ﴿فَإذا نُفِخَ﴾ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ دَلالَةً عَلى هَوانِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وأنَّهُ ما تَأثَّرَ عَنْهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى نافِخٍ [ مُعَيَّنٍ -] بَلْ مَن أقامَهُ مِن جُنْدِهِ لِذَلِكَ تَأثَّرَ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ وذَكَرَهُ وإنْ كانَ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُؤَنَّثًا لِلْفَصْلِ ولِكَوْنِهِ غَيْرَ حَقِيقِيِّ [ التَّأْنِيثِ -] ولِلدَّلالَةِ عَلى [ قُوَّةِ -] النَّفْخِ ﴿فِي الصُّورِ﴾ أيِ القَرْنِ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ عَبَّرَ [ عَنْهُ -] بِهِ دُونَ القَرْنِ مَثَلًا لِأنَّهُ يَتَأثَّرُ عَنْهُ تارَةً إعْدامُ الصُّورَةِ وتارَةً إيجادُها ورَدُّها إلى أشْكالِها سِعَةُ فَمِهِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، (p-٣٥٣)وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَصْدَرِ لِيُفِيدَهُ بادِئَ بَدْءٍ لا لِيُؤَكِّدَهُ وإنْ كانَ التَّأْكِيدُ يُفْهَمُ مِنهُ وهو غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ فَقالَ: ﴿نَفْخَةٌ﴾ ولَمّا دَلَّ بِالفِعْلَةِ عَلى الواحِدَةِ، أكَّدَهُ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وحَقارَةِ الأشْياءِ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدَةٌ﴾ أيْ فَهَلَكَ الخَلائِقُ كُلُّهُمْ، هَكَذا قالُوا إنَّ هَذِهِ النَّفْخَةَ هي الأُولى، قالُوا: وعِنْدَها خَرابُ العالَمِ، وظاهِرُ السِّياقِ أنَّها الثّانِيَةُ الَّتِي بِها البَعْثُ، وخَرابُ ما ذُكِرَ بَعْدَ قِيامِهِمْ أنْسَبُ لِأنَّهُ لَهم أهْيَبُ، وكَوْنُها الثّانِيَةَ إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الحاقة 69:14
ولَمّا ذَكَرَ التَّأْثِيرَ في الإحْياءِ، أتْبَعَهُ التَّأْثِيرَ في الجَماداتِ، وبَدَأ بِالسُّفْلِيّاتِ لِمُلابَسَتِها لِلْإنْسانِ فَتَكُونُ عِبْرَتُهُ بِها أكْثَرَ فَقالَ: ﴿وحُمِلَتِ﴾ أيْ بِمُجَرَّدِ القُدْرَةِ ﴿الأرْضُ﴾ [ أيِ -] المُنْبَسِطَةِ ورَجَّتْ رَجًّا ﴿والجِبالُ﴾ [ أيِ -] الَّتِي بِها ثَباتُها فَرُفِعَتْ مِن أماكِنِها، وبُسَّتا بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا، لَمْ يَبْقَ فِيهِما حَجَرٌ ولا كُدْيَةٌ.
ولَمّا أُرِيدَ قُوَّةُ الدَّكِّ والإبْلاغِ في تَأْثِيرِهِ، جَعَلَ الجِبالَ شَيْئًا واحِدًا فَقالَ: ﴿فَدُكَّتا﴾ أيْ مَسَحَتِ الجُمْلَتانِ الأرْضَ وأوْتادَها وبَسَطَتا ودَقَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ ﴿دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَصارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وسُوِّيَتا بِأيْسَرِ أمْرٍ فَلَمْ يُمَيَّزْ شَيْءٌ مِنهُما مِنَ الآخَرِ، بَلْ صارا في غايَةِ الِاسْتِواءِ، مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ دَكّاءُ، أيْ لا سَنامَ لَها. وأرْضٌ دَكّاءُ، أيْ مُتَّسِعَةً مُسْتَوِيَةً، (p-٣٥٤)قالُوا: والدَّكُّ والدَّقُّ - أخَوانِ، والدَّكُّ أبْلَغُ، قالَ أبُو حَيّانَ: والدَّكُّ فِيهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ، والدَّقُّ فِيهِ اخْتِلاطُ الأجْزاءِ.
الحاقة 69:15
ولَمّا ذَكَرَ نَفْخَ الصُّوَرِ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا دَكَّتا وهي بَدَلٌ مِن ”إذْ“ كَرَّرَ لِطُولِ الفَصْلِ وأفادَ تَهْوِيلًا لَها وتَعْظِيمًا، ونَصَبَ الظَّرْفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيِ الَّتِي وقَعَ الوَعْدُ والوَعِيدُ بِها، فَكانَتْ كَأنَّها شَيْءٌ ثَقِيلٌ جِدًّا لَيْسَ لَهُ مُمْسِكٌ. فَما لَهُ مِن ذاتِهِ غَيْرُ السُّقُوطِ، وهي القِيامَةُ والحاقَّةُ والقارِعَةُ، نَوَّعَ أسْماءَها تَهْوِيلًا لَها أيْ قامَتِ القِيامَةُ، وكانَ المُرادُ بِها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
الحاقة 69:16
ولَمّا ذَكَرَ تَأْثِيرَ العالَمِ السُّفْلِيِّ ذَكَرَ العَلَوِيَّ فَقالَ: ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ لِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، [ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يَنْشَقُّ إلّا لِخَلَلٍ فِيهِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ. -] ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴿واهِيَةٌ﴾ أيْ ضَعِيفَةٌ مُتَساقِطَةٌ خَفِيفَةُ لا تَتَماسَكُ.
الحاقة 69:17
ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً فِيما يُعْرَفُ أنَّ المَلِكَ يُظْهِرُ أنْواعًا مَن عَظَمَتِهِ يَوْمَ عَرْضِ الجُنْدِ، قالَ مُعَرِّفًا لَنا بِنَحْوِ ما ألِفْناهُ: ﴿والمَلَكُ﴾ (p-٣٥٥)أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي يُصَدَّقُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والجَمْعُ لا يُصَدَّقُ عَلى ما دُونَ الجَمْعِ فَهَذا أشْمَلُ ﴿عَلى أرْجائِها﴾ أيْ نَواحِي السَّماءِ وأطْرافِها وحَواشِي ما لَمْ يَتَشَقَّقْ مِنها، قالَ الضَّحّاكُ: يَكُونُونَ بِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ فَيَنْزِلُونَ فَيُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها - [ انْتَهى-]
وقِيلَ: أرْجاءُ الأرْضِ واحِدُها رَجا، مَقْصُورٌ، والِاثْنانِ رَجَوانِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ فَيَحْشُرُونَهم حَشْرَ الصَّيْدِ لِإرادَةِ أخْذِهِ.
ولَمّا كانَ المَلِكُ يُظْهِرُ يَوْمَ العَرْضِ سَرِيرَ مُلْكِهِ ومَحَلَّ عِزِّهِ قالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ﴾ ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا هائِلًا مُقَطَّعًا لِلْقُلُوبِ، قالَ مُؤْنِسًا لِلْمُنْزِلِ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرَ مُؤْمِنًا لَهُ مِن كُلِّ ما يُحَذِّرُ: ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِكُلِّ ما يُرِيدُهُ لا سِيَّما في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما يَظْهَرُ مِن رِفْعَتِكَ.
ولَمّا كانَ العَرْشُ عامًّا لِجِهَةِ الفَوْقِ كُلِّها، أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ أيْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ وقَعَتِ الواقِعَةُ بِعَدَدِ ما كانَ تَحْتَهُ مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ والكُرْسِيِّ ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ أشْخاصٌ أوْ صُفُوفٌ يُؤَيِّدُ حَمَلَتُهُ الأرْبَعَةُ في الدُّنْيا بِأرْبَعَةٍ أُخْرى لِشِدَّةِ ذَلِكَ [ اليَوْمِ -] وثِقَلِهِ، وهو في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ وأبُو يَعْلى والبَغَوِيُّ عَنِ العَبّاسِ (p-٣٥٦)ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَظاهِرُهُ أنَّهم أشْخاصُ ولَفْظُهُ: «ثَمانِيَةُ أوَعالٍ بَيْنَ رَكْبِهِنَّ وأظْلافِهِنَّ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّهم في الدُّنْيا، وكَوْنُهم في الدُّنْيا أرْبَعَةٌ فَقَطْ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:
«هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ أيَّدَهم بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ» وهو مَذْكُورٌ في حَدِيثِ الصُّوَرِ الطَّوِيلِ الَّذِي يَرْوِيهِ أبُو يَعْلى وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ إسْماعِيلَ بْنِ رافِعٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيادٍ عَنِ القُرْطُبِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهَذا العَدَدُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أهْلُ السَّماواتِ السَّبْعِ والكُرْسِيُّ فَتِلْكَ ثَمانِيَةٌ، وهم خَلْقٌ لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو أوْفَقُ لِإظْهارِ العَظَمَةِ، [ ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِمْ ثَمانِيَةُ أفْرادٍ ويَكُونُ حَمْلُهم لَهُ أظْهَرَ في العَظَمَةِ -] لِيَعْلَمَ كُلُّ مَن يَرى ذَلِكَ أنَّ مَثَلَهم لا يَقْدِرُ عَلى حَمْلِ مِثْلِهِ في عَظَمَتِهِ وإحاطَتِهِ، وهَذا هو أظْهَرُ المَعانِي مِنَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيهِ، واخْتِيارُ هَذا العَدَدِ أوْفَقُ لِلْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ لِأنَّهُ يَزِيدُ عَلى العَدَدِ المَوْضُوعِ لِلْمُبالَغَةِ - وهو السَّبْعُ - [ بِواحِدَةٍ -] إشارَةً إلى أنَّهُ أبْلَغُ مِن عِدَّةِ المُبالَغَةِ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّكَ كُلَّما بالَغْتَ زادَ الأمْرِ عَلى مُبالَغَتِكَ بِما هو أوَّلُ العَدَدِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى عَدَمِ الِانْتِهاءِ والوُقُوفِ عِنْدَ حَدٍّ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ أيْضًا (p-٣٥٧)أنَّ لِلثَّمانِيَةِ مِنَ الكُسُورِ النِّصْفَ والرُّبْعَ والثُّمُنَ، وذَلِكَ سَبْعَةٌ، والسَّبْعَةُ عَدَدٌ جامِعٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ العَدَدِ الفَرْدِ والزَّوْجِ وزَوْجِ الزَّوْجِ وزَوْجِ الفَرْدِ، وكُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المُبالَغَةِ في [ إظْهارِ -] العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والعِزَّةِ وتَمْثِيلٌ لَنا بِما نَعْرِفُ مِن أحْوالِ المُلُوكِ وإلّا:
فالأمْرُ أعْظَمُ مِن مَقالَةِ قائِلٍ ...
؎إنْ رَقَّقَ البُلَغاءُ أوْ إنْ فَخَّمُوا
إعْلامًا بِعَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِيَخْشى العِبادَ فَيَلْزَمُوا أسْبابَ الإسْعادِ، وهَذا الَّذِي قُلْتُهُ مِن سِرِّ السَّبْعَةِ قَدْ ذَكَرَهُ الإمامُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ الدَّمامِينِيِّ قَرِينُ شُيُوخِنا في الكَلامِ عَلى الواوِ مِن حاشِيَتِهِ عَلى مُغْنِي ابْنِ هِشامٍ عَنْ تَفْسِيرِ العِمادِ الكَنَدِيِّ قاضِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ المُسَمّى الكَفِيلُ بِمَعانِي التَّنْزِيلِ فَقالَ: ونَقَلَ الأُسْتاذُ عَبْدُ اللَّهِ الكَفِيفُ المالِقِي أنَّها لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ أنْ [ يَقُولَ-]: واحِدٌ اثْنَيْنِ ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ ثَمانِيَةٌ تِسْعَةٌ عَشْرَةٌ - هَكَذا لُغَتُهُمْ، ومَتى جاءَ في كَلامِهِمْ لَفْظُ الثَّمانِيَةِ أدْخَلُوا الواوَ وقَدْ نَظَمَ بَعْضُ أصْحابِنا في كَوْنِ السَّبْعَةِ مُنْتَهى العَدَدِ أبْياتًا وهِيَ:
؎يا سائِلِي عَنْ سِرِّ كَوْنِ العَدَدِ ∗∗∗ غايَتُهُ في سَبْعَةٍ لَمْ تَزِدْ
؎ما سَرَّهُ إلّا انْحِصارُ قَسِيمِهِ ∗∗∗ في واحِدٍ فَرْدٍ وشَيْءٍ مُسْنَدٍ
؎ (p-٣٥٨)وذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي تُسْنِدُهُ ∗∗∗ مُنْحَصِرٌ في واحِدٍ وأزْيَدَ
؎فالفَرْدُ والفَرْدُ إذا ما اجْتَمَعا ∗∗∗ زَوَّجَ مَعَ الفَرْدِ الَّذِي لَمْ يُسْنَدِ
؎واثْنانِ واثْنانِ إذا ما اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ أرْبَعَةٌ تَضُمُّ مَعَ فَيْءِ اليَدِ
؎فَتِلْكَ سَبْعَةٌ إذا تَكامَلَتْ ∗∗∗ أرْبَعَةٌ واثْنانِ مَعَ مُنْفَرِدٍ
؎وما أتى مِن بَعْدِ هَذا فَهو تَكْ ∗∗∗ رارٌ لَهُ لا زائِدٌ في العَدَدِ
؎ثَلاثَةٌ مَعَ مِثْلِها فَرَدَّ وفَرَّ ∗∗∗ د قَدْ مَضى وما مَضى لا يُعَدِّدُ
؎وهَكَذا أرْبَعَةٌ مَعَ مِثْلِها ∗∗∗ زَوْجٌ وزَوْجٌ قَدْ مَضى لا تَزِدْ
وقالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الشِّهْرِسْتانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ المِلَلِ والنِّحَلِ: أكْثَرُ أصْحابِ العَدَدِ عَلى أنَّ الواحِدَ لا يَدْخُلُ في العَدَدِ، فالعَدَدُ مَصْدَرُهُ الأوَّلُ الِاثْنانِ، وهو يَنْقَسِمُ إلى زَوْجٍ وفَرْدٍ، فالفَرْدُ الأوَّلُ ثَلاثَةٌ، والزَّوْجُ الأوَّلُ أرْبَعَةٌ، وما وراءَ الأرْبَعَةِ مُكَرَّرٌ كالخَمْسَةِ فَإنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن فَرْدٍ وزَوْجٍ، ويُسَمّى العَدَدُ الدّائِرُ، والسِّتَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن فَرْدَيْنِ، ويُسَمّى العَدَدُ التّامُّ، والسَّبْعَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن فَرْدٍ وزَوْجٍ، وتُسَمّى العَدَدَ الكامِلَ، والثَّمانِيَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن زَوْجَيْنِ وهي بِدايَةُ الأُخْرى فَصَدَرَ الحِسابُ في مُقابَلَةِ الواحِدِ الَّذِي هو عِلَّةُ العَدَدِ ولَيْسَ يَدْخُلُ فِيهِ، ولِذَلِكَ هو فَرْدٌ لا أخَ لَهُ.
ولَمّا كانَ العَدَدُ مَصْدَرَهُ مِنَ اثْنَيْنِ صارَ مِنهُما المُحَقِّقُ مَحْصُورًا في قِسْمَيْنِ، (p-٣٥٩)ولَمّا كانَ العَدَدُ مُنْقَسِمًا إلى فَرْدٍ وزَوْجٍ، صارَ مِن ذَلِكَ الأصْلِ مَحْصُورًا في سَبْعَةٍ، فَإنَّ الفَرْدَ الأوَّلَ ثَلاثَةٌ، والزَّوْجُ الأوَّلُ أرْبَعَةٌ، وهي النِّهايَةُ، وما عَداها مُرَكَّبٌ مِنها، وكانَ البَسائِطُ عامَّةُ الكُلِّيَّةِ في العَدَدِ واحِدٌ واثْنانِ وثَلاثَةٌ وأرْبَعَةٌ وهي الكَمالُ، وما زادَ عَلَيْها مِنَ المُرَكَّبِ الكُلِّيِّ فَمَرْكَباتٌ كُلِّها ولا حَصْرَ لَها، وقالَ أبُو الحَكَمِ ابْنُ بُرْجانَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ القَدْرِ: انْتِهاءُ العَدَدِ سِتَّةٌ والسّابِعُ وتَرُها.
الحاقة 69:18
ولَمّا بَلَغَ النِّهايَةَ في تَحْذِيرِ العِبادِ مِن يَوْمِ التَّنادِ، وكانَ لَهم حالَتانِ: خاصَّةٌ وعامَّةٌ، فالعامَّةُ العَرَضُ، والخاصَّةُ التَّقْسِيمُ إلى مُحْسِنٍ ومُسِيءٍ، زادَهُ عِظَمًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا كانَ ما تَقَدَّمَ.
ولَمّا كانَ المَهُولُ نَفْسَ العَرْضِ، بَنى فِعْلَهُ لِلْمَفْعُولِ ولِأنَّهُ كَلامُ القادِرِينَ فَقالَ: ﴿تُعْرَضُونَ﴾ أيْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْحِسابِ كَما يَعْرِضُ السُّلْطانُ الجُنْدَ لِيَنْظُرَ في أمْرِهِمْ لِيَخْتارَ مِنهُمُ المُصْلِحَ لِلْإكْرامِ والتَّقْرِيبِ والإثابَةِ، والمُفْسِدَ لِلْإبْعادِ والتَّعْذِيبِ والإصابَةِ، عَبَّرَ عَنِ الحِسابِ بِالعَرْضِ الَّذِي هو جُزْؤُهُ، فالمُحْسِنُ لا يَكُونُ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ والمُسِيءُ يُناقِشُ ﴿لا تَخْفى مِنكُمْ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى أحَدٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لا تَخْفى مِنكُمْ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى أحَدٍ [ بِوَجْهٍ -] مِنَ الوُجُوهِ ﴿خافِيَةٌ﴾ أيْ لا يَقَعُ أصْلًا عَلى [ حالٍ -] مِنَ الأحْوالِ شَيْءٌ مِن خَفاءٍ لِشَيْءٍ كانَ مِن حَقِّهِ الخَفاءُ في الدُّنْيا لا مِنَ الأعْمالِ ولا مِنَ (p-٣٦٠)الأنْفُسِ وإنْ كانَ في غايَةِ الدِّقَّةِ والغُمُوضِ لِأنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الظُّهُورِ التّامِّ مِنَ القُبُورِ ومِنَ الصُّدُورِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أجَلَّ لِسَعادَةِ مَن سَعِدَ، وأقْبَحَ لِشَقاوَةِ مَن شَقِيَ فَأبْعُدُ، قالَ أبُو مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هي ثَلاثُ عَرْضاتٍ فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَها تَتَطايَرُ الصُّحُفُ فَأخَذَ بِيَمِينِهِ وأخَذَ بِشَمالِهِ.
الحاقة 69:19
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قِسْمانِ: مُحْسِنٌ ومُسِيءٌ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَنُعْطِي كُلًّا مِنكم صَحِيفَةَ أعْمالِهِ مِن أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعَ خَلائِقِهِ وأحْوالِهِ، فَمِنكم مَن تَدْفَعُ إلَيْهِ في يَمِينِهِ فَتَظْهَرُ لَهُ حَسَناتُهُ وتَسْتُرُ عَنْهُ سَيِّئاتُهُ، ومِنكم مَن يُعْطاها في شَمالِها فَتَبْدُو لَهُ سَيِّئاتُهُ ويَمْحِي ما كانَ مِن حَسَناتِهِ، لِأنَّهُ أُوتِيَ ثَوابَهُ في الدُّنْيا بِما عَجَّلَ لَهُ مِن طَيِّباتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا لَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ دَلالَةَ السَّعادَةِ الوُقُوعُ في اليَمِينِ لا مِن مُعْطٍ مُعَيَّنٍ ﴿كِتابَهُ﴾ أيِ الَّذِي أثْبَتَ فِيهِ أعْمالَهُ ﴿بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ﴾ لِما رَأى مِن سَعادَتِهِ تَبَجُّحًا بِحالِهِ وإظْهارًا لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِأنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى أنْ يَظْهَرَ ما آتاهُ مِن خَيْرٍ تَكْمِيلًا لِلَذَّتِهِ بِكَبْتِ أعْدائِهِ وتَفْرِيحِ أوْلِيائِهِ، قِيلَ: إنَّهُ تُكْتَبُ سَيِّئاتُهُ في باطِنِ صَحِيفَتِهِ وحَسَناتِهِ في ظاهِرِها، فَيَقْرَأُ الباطِنَ ويَقْرَأُ النّاسُ الظّاهِرَ، فَإذا أنْهاهُ قِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَها اللَّهُ، اقْلِبِ الصَّحِيفَةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿هاؤُمُ﴾ أيْ خُذُوا أيُّها الحاضِرُونَ مِنَ الخَلائِقِ المَلائِكَةَ وغَيْرَهُمْ، فِيها صَوْتٌ يُفْهَمُ مِنهُ مَعْنى: (p-٣٦١)خُذُوا، ويُوصَلُ تارَةً بِالكافِ وتارَةً بِالهَمْزَةِ، اسْمُ فِعْلٍ، وإنَّما اخْتارَها هُنا لِيَعْلَمَ أنَّ خِطابَها لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ مَن كانَ مِنهم باطِنًا مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ وغَيْرِهِمْ، ومَن كانَ مِنهم ظاهِرًا لِأنَّ الألِفَ عِنْدَ الرَّبّانِيِّينَ غَيْبٌ وإحاطَةٌ كَما دَلَّ عَلَيْها مُخْرِجُها، فَهي عِبارَةٌ عِنْدَهم عَنِ القائِمِ الأعْلى المُحِيطِ، ورُوِيَ مَعْنى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والهَمْزَةُ بَدْءُ غَيْبِهِ ولِذا كانَ مُخْرِجُها أقْصى الحُرُوفِ الحَلْقِيَّةِ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ، وبَدْءُ غَيْبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أفْعالَهُ وهي تَشْمَلُ الظّاهِرَ والخَفِيَّ أصْلُها الكافُ فَهي عِنْدَهم ظُهُورٌ مُتَكامِلٌ ذُو اسْتِقْلالٍ، وهو مَن يَكُونُ مِن شَأْنِهِ الظُّهُورُ، وأبْناءُ الجِنْسِ أحَقُّ بِهَذا، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ مَخْرَجُ الكافِ الَّذِي بَعْدَ القافِ مِن أصْلِ اللِّسانِ الأقْرَبِ إلى وسَطِهِ، ومَفْعُولُ ”ما“ مَحْذُوفٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ دَلَّ عَلَيْهِ ”كِتابِيَهْ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ وهاؤُهُ لِلسَّكْتِ، كَأنَّها إشارَةٌ إلى شِدَّةِ الكَرْبِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ إذا كانَ هَذا السَّعِيدُ بِسَكْتٍ في كُلِّ جُمْلَةٍ لِلِاسْتِراحَةِ لا يُقَدَّرُ في الكَلامِ عَلى المُضِيِّ فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِ، وتُشِيرُ أيْضًا مَعَ ذَلِكَ إلى فَراغِ الأمْرِ ونَجازَةِ الجَزْمِ بِهِ والوُثُوقِ بِأنَّهُ لا يُغَيَّرُ.
الحاقة 69:20
ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ الحِسابِ ذِكْرُ الأعْمالِ والمُجازاةِ عَلَيْها، وكانَ (p-٣٦٢)الآدَمِيُّ - لِأنَّهُ مَجْبُولٌ عَلى النَّقْصِ - لا يَقْدِرُ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وكُلَّما كانَ الإنْسانُ أعْلى كانَ الِاسْتِشْعارُ والنَّقْصُ مِن نَفْسِهِ أكْثَرَ، وكانَ مَن نُوقِشَ [ الحِسابَ -] - كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ - عُذِّبَ، قالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ مَن يَرى حالَهُ وكِتّابَهُ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ لَهُ ذَنْبٌ أوْ مِنهُ تَقْصِيرٌ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ أيْ في هَذا اليَوْمِ خَوْفًا مَن مِن سُوءِ أعْمالِي الَّتِي أعْرِفُها مِن نَفْسِي ﴿أنِّي مُلاقٍ﴾ أيْ ثابِتٍ لِي ثَباتًا لا يَنْفَكُّ أنِّي ألْقى بَيْنَ يَدِيِ الدَّيّانِ ﴿حِسابِيَهْ﴾ لِأنِّي كُنْتُ جامِعًا كَما أُمِرْتُ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَأخافُ أنْ يُقابِلَ بَيْنَ حَسَناتِي وبَيْنَ النِّعَمِ فَلا تَقُومُ لِي أصْغَرُ نِعْمَةٍ فَأُعَذَّبَ عَلى سَيِّئاتِي وأرْجُو غُفْرانَهُ، فَحَقَّقَ سُبْحانَهُ رَجائِي وأمَّنَ خَوْفِي، فَعَلِمْتُ الآنَ أنِّي لا أُناقِشُ الحِسابَ، وإنَّما حِسابِي العَرْضُ وهو الحِسابُ اليَسِيرُ بِأنْ تُعْرَضَ أعْمالِي فَلا أُجازى عَلى سَيِّئِها وأُثابُ عَلى حُسْنِها مَنًّا ورَحْمَةً وفَضْلًا ونِعْمَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ في الدُّنْيا، عَبَّرَ بِهِ عَنِ اليَقِينِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي العاقِلَ في الخَوْفِ الحامِلِ لَهُ عَلى العَمَلِ ظَنَّ الخَطَرَ، وفِيهِ إشْعارٌ بِهَضْمِ النَّفْسِ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَنْفِكُّ عَنْ خَطِراتٍ مِنَ الشُّبَهِ تُعْرَضُ لَهُ وتَهْجُمُ عَلَيْهِ وإيذانٌ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في الجَزْمِ بِالِاعْتِقادِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَكْفِي في (p-٣٦٣)إيجابِ العَمَلِ الظَّنُّ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِإعْطاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْكُفّارِ ونِداءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَصِلُوا في هَذا الأمْرِ المُحَقَّقِ إلى مَرْتَبَةِ الظَّنِّ، فَكَيْفَ بِالمُحَقَّقِ مِنَ العِلْمِ فَأهْمَلُوا العَمَلَ لَهُ فَخالَفُوا.
الحاقة 69:21
ولَمّا كانَ تَقْدِيرُ هَذا واضِحًا، سَبَّبَ عِنْدَ ما تَأثَّرَ عَنِ الحِسابِ اليَسِيرِ مِن إعْطاءِ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ﴾ أيْ حالَةٍ مِنَ العَيْشِ.
ولَمّا كانَ الرِّضى بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ إلّا إذا بَلَغَ نِهايَةَ السُّؤْلِ وغايَةَ المَأْمُولِ، قالَ مُسْنِدًا الرِّضا إلى العِيشَةِ كِنايَةً عَنْ رِضا صاحِبِها عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ: ﴿راضِيَةٍ﴾ أيْ ثابِتٌ لَهُ الرِّضا ودائِمٌ لَها لِأنَّها في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ، والعَرَبُ لا تُعَبِّرُ عَنْ أكْثَرِ السَّعاداتِ بِأكْثَرِ مِنَ العِيشَةِ الرّاضِيَةِ بِمَعْنى أنَّ أهْلَها راضُونَ بِها، والمُعْتَبَرُ في كَمالِ اللَّذَّةِ الرِّضى [ أوْ -] أنَّهُ لَوْ كانَ لِلْعِيشَةِ عَقْلٌ لَرَضِيَتْ لِنَفْسِها بِحالَتِها.
الحاقة 69:22
ولَمّا شَوَّقَ سُبْحانَهُ إلى حالِ صاحِبِ هَذِهِ العِيشَةِ، وكانَتْ أمْرًا إجْمالِيًّا، فَصَّلَها وبَيَّنَها بِالإبْدالِ مِنها زِيادَةً في التَّشْوِيقِ فَقالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ﴾ أيْ بَساتِينَ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ ما يُرادُ مِنها.
ولَمّا كانَ شَرَفُ المَسْكَنِ العُلُوَّ قالَ: ﴿عالِيَةٍ﴾ أيْ في المَكانِ والمَكانَةِ والأبْنِيَةِ والدَّرَجاتِ والأشْجارِ وكُلِّ اعْتِبارٍ.
الحاقة 69:23
(p-٣٦٤)ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ المَعالِي عُسْرُ الوُصُولِ إلَيْهِ قالَ: ﴿قُطُوفُها﴾ أيْ جَمْعُ كَثْرَةٍ لِقِطْفٍ - بِالكَسْرِ وهو ما يُجْنى مِنَ الثَّمَراتِ المُجْتَمِعَةِ في عِرْقٍ مِن عُرُوقِهِ ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ قَرِيبَةُ المَأْخَذِ سَهْلَةُ التَّناوُلِ جِدًّا، لِراكِبٍ والقائِمِ والقاعِدِ والمُضْطَجِعِ، [ كُلُّ -] ذَلِكَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ ولا كُلْفَةٍ عَلى أحَدٍ مِن أهْلِها في تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
الحاقة 69:24
ولَمّا كانَ كَوْنُ الثِّمارِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ دالًّا [ عَلى -] كَثْرَةِ الرَّيِّ، وكَثْرَةِ الرَّيِّ دالَّةٌ عَلى المَشْرَبِ، وكانَتْ مِن مُفْرَداتِ اللَّفْظِ عامَّةَ المَعْنى، فَكانَ قَدْ أفْرَدَ الضَّمائِرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها تَنْصِيصًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ جُمِعَ بِاعْتِبارِ المَعْنى إعْلامًا بِاشْتِراكِ جَمِيعِ أهْلِها في النِّعَمِ حالَ الِانْفِرادِ والِاجْتِماعِ فَقالَ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [ أيْ -] مَوْلًى لَهم ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ لا مانِعَ مِنهُ وإلى أنَّهم يُؤْمَرُونَ بِهِ صَرِيحًا دَلالَةً عَلى رِضا صاحِبِ الجَنَّةِ [ لِئَلّا -] يَتَنَغَّصَ عَلَيْهِمْ عَيْشُهم بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ المُوَهَّمَةِ لِلْخَطَرِ، وحُذِفَ المَفْعُولُ إيذانًا بِالتَّعْمِيمِ لِئَلّا يَظُنُّ أنَّهُ يَسْتَثْنِي مِنها شَيْءٌ فَيَكُونُ سَبَبُ الفِتْنَةِ كَما وقَعَ لِآدَمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ المَآكِلُ والمَشارِبُ في هَذِهِ الدّارِ تُورِثُ التُّخَمَ والأمْراضَ وفِيها ما لا يَلَذُّ، وكانَ ما وقَعَ لِأبِينا [ آدَمَ -] وأُمِّنا حَوّاءَ عَلَيْهِما (p-٣٦٥)الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أكْلَةٍ واحِدَةٍ مِن وخامَةِ العاقِبَةِ مَعْرُوفًا، قالَ مُؤْمِنًا مِن ذَلِكَ: ﴿هَنِيئًا﴾ أيْ أكْلًا طَيِّبًا لَذِيذًا شَهِيًّا مَعَ البُعْدِ عَنْ كُلِّ أذًى وسَلامَةَ العاقِبَةِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ ولا فَضْلَةَ هُناكَ مِن بَوْلٍ ولا غائِطٍ ولا بُصاقٍ ولا مُخاطٍ ولا قَرَفٍ ولا قَذِرٍ ولا وهَنٍ ولا صُداعٍ ولا ثِقَلٍ ولا شَيْءٍ مُؤْذٍ.
ولَمّا شَوَّقَ إلى المُسَبِّباتِ حَمَلَهم عَلى أسْبابِهِمْ وحَضَّهم عَلى المُسابَقَةِ في تَحْصِيلِها والمُثابَرَةِ [ والمُداوَمَةِ -] عَلى الِاسْتِكْثارِ مِنها؛ فَقالَ زِيادَةً في لَذَّتِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ العِوَضِ لا امْتِنانَ عَلَيْهِمْ في شَيْءٍ مِنهُ لِأحَدٍ مِنَ الخَلٍقِ، فَإنْ أحَبَّ ما إلى الإنْسانِ أنْ يَأْكُلَ مِمّا أفادَتْهُ يَمِينُهُ وحَصَّلَهُ بِعَمَلِهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الشَّرَفِ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ أيْ أعْطَيْتُمْ مِن أنْفُسِكم لِآخِرَتِكم طَوْعًا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وبِما تَرَكْتُمْ مِنَ الدُّنْيا مِمّا هو سافِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَوَّضْتُمْ عَنْهُ مِن أعْمالِ القَلْبِ والبَدَنِ والمالِ ﴿فِي الأيّامِ﴾ ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمَّنَ كُلَّ ما يَشْتَغِلُ بِهِ الإنْسانُ مِن مَصالِحَ دُنْياهُ فَهو واصِلٌ إلَيْهِ لا مَحالَةَ وإنْ فَرَّغَ أوْقاتَهُ كُلَّها لِعِبادَةِ رَبِّهِ قالَ: ﴿الخالِيَةِ﴾ أيِ الماضِيَةِ في الدُّنْيا الَّتِي انْقَضَتْ [ وذَهَبَتْ -] واسْتَرَحْتُمْ مِن تَعَبِها والَّتِي لا شاغِلَ فِيها عَنِ العِبادَةِ. إمّا بِتَرْكِ الِاشْتِغالِ بِالمَعاشِ لِلْواصِلِ إلى دَرَجَةِ التَّوَكُّلِ، وإمّا بِالسَّعْيِ عَلى وجْهِ الِاقْتِصادِ بِقَصْدِ المُساعَدَةِ لِلْعِبادِ (p-٣٦٦)فِي أُمُورِ هَذِهِ الدّارِ والإفْضالِ عَلَيْهِمْ وأنْ لا يَكُونَ كُلًّا عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ عَلى السَّعْيِ بَلِ امْتِثالًا لِلْأمْرِ مَعَ القَناعَةِ بِالكَفافِ.
الحاقة 69:25
ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ أهْلَ العَرْضِ يَنْقَسِمُونَ إلى قِسْمَيْنِ: مَقْبُولٌ ومَرْدُودٌ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى المَقْبُولَ بادِئًا بِهِ تَشْوِيقًا إلى حالِهِ وتَغْبِيطًا بِعاقِبَتِهِ وحُسْنِ مَآلِهِ، أتْبَعَهُ المَرْدُودَ تَنْفِيرًا عَنْ أعْمالِهِ بِما ذَكَرَ مِن قَبائِحَ أحْوالِهِ فَقالَ: ﴿وأمّا مَن﴾ ولَمّا كانَ الدّالُّ عَلى المَساءَةِ الإيتاءَ عَلى وجْهٍ قَبِيحٍ، لا تَعْيِينَ المُؤْتِي، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِذَلِكَ ولِلدَّلالَةِ عَلى ذُلِّ الأخْذِ وعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى الِامْتِناعِ عَنْ شَيْءٍ يَسُوءُهُ: ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ أيْ صَحِيفَةَ أعْمالِهِ - أعاذَنا اللَّهُ مِن ذَلِكَ ﴿بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ لِما يَرى مِن سُوءِ عاقِبَتِهِ الَّتِي كَشَفَ لَهُ عَنْها الغِطاءَ حَتّى لَمْ يَشُكَّ فِيها لِما يَرى مِن قَبائِحِهِ الَّتِي قَدَّمَها، وكُلُّ ما يَأْتِي مِمّا يُوهِمُ سَكْتَةً في ذَلِكَ اليَوْمِ فَمِن بابِ المُكابَرَةِ والمُدافَعَةِ بِالباطِلِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ﴿يا لَيْتَنِي﴾ تَمَنِّيًا لِلْمُحالِ، وجَرى عَنْ نَسَقٍ ما مَضى في البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الدّالِّ عَلى ذُلِّهِ وعَدَمِ جِبِلَّتِهِ فَقالَ: ﴿لَمْ أُوتَ﴾ أيْ مِن مُؤْتٍ ما ﴿كِتابِيَهْ﴾ أيْ هَذا الَّذِي ذَكَّرَنِي بِخَبائِثَ أعْمالِي وعَرَّفَنِي جَزاءَها
الحاقة 69:26
﴿ولَمْ﴾ أيْ و[ يا -] لَيْتَنِي لَمْ ﴿أدْرِ﴾ ولَوْ حاوَلْتُ الدِّرايَةَ ﴿ما﴾ [ أيْ -] حَقِيقَةَ ﴿حِسابِيَهْ﴾ (p-٣٦٧)مِن ذِكْرِ العَمَلِ وذِكْرِ جَزائِهِ، بَلِ اسْتَمْرَيْتُ جاهِلًا لِذَلِكَ كَما كُنْتُ في الدُّنْيا.
الحاقة 69:27
ولَمّا تَمَنّى هَذَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، اسْتَأْنَفَ مُرادَهُ بِهِما فَقالَ لِأنَّهُ رَأى أنَّ ما يَسْتَقْبِلُهُ شَرٌّ مِمّا كانَ فِيهِ مِنَ البَرْزَخِ: ﴿يا لَيْتَها﴾ أيِ المَوْتَةِ الَّتِي مِنها ﴿كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيِ الباتَّةَ الجازِمَةَ المُلْزِمَةَ لِدَوامِ المَوْتِ الخاتِمَةَ عَلَيْها حَتّى لا يَكُونَ بَعْدَها بَعْثٌ ولا شَيْءٌ غَيْرَ المَوْتِ كَما كُنْتُ أعْتَقِدُ في الدُّنْيا؛ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وفي الحَدِيثِ «تَمَنَّوُا المَوْتَ» أيْ إذْ ذاكَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا شَيْءٌ أكْرَهَ مِنهُ عِنْدَهم.
الحاقة 69:28
ولَمّا كانَ التَّمَنِّي مُفْهِمًا لِأنَّهُ كانَ [ لَهُ -] ضِدُّ ما تَمَنّاهُ مِنَ البَعْثِ عَلى ما كانَتْ تُخْبِرُهُ بِهِ الرُّسُلُ [ و-] مِنَ الحِسابِ الَّذِي هو سِرُّ البَعْثِ وخالِصُهُ، وقَدْ كانَ يَقُولُ: إنَّهُ يَتَخَلَّصُ مِنهُ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ، بِمالِهِ وجاهِهِ قالَ مُعَلِّلًا لِتَمَنِّيهِ: ﴿ما أغْنى﴾ نافِيًا تَأسُّفًا عَلى فَواتِ ما [ كانَ -] يَرْجُو مِن نَفْعِهِ، والمَفْعُولُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَحْذُوفٌ لِلتَّعْمِيمِ، أوْ مُسْتَفْهِمًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ عَلى نَفْسِهِ وتَوْبِيخٍ حَيْثُ سَوَّلَتْ لَهُ ما أثْمَرَ لَهُ كُلُّ سُوءٍ وكُلُّ مُحالٍ مُنازَعَةً لِلْفِطْرَةِ الأوْلى المُؤَيِّدَةِ بِما أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ حَتّى أوْقَعَهُ ذَلِكَ التَّسْوِيلُ في الهَلَكَةِ ﴿عَنِّي مالِيَهْ﴾ أيِ الَّذِي مَنَعَتْ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ وتَعَظَّمْتَ بِهِ عَلى عِبادِهِ. وهَذا النَّفْيُ لِلْإغْناءِ سائِغٌ مَفْهُومٌ عَلى كُلٍّ مِن تَقْرِيرَيِ النَّفْيِ والِاسْتِفْهامِ.
الحاقة 69:29
(p-٣٦٨)ولَمّا كانَ المالُ سَبَبَ الوُصُولِ إلى السُّلْطانِ، قالَ نافِيًا لِما أوْصَلَهُ إلَيْهِ مالَهُ شارِحًا لِعَدَمِ إغْنائِهِ،
﴿هَلَكَ عَنِّي﴾ أيْ مُجاوِزًا لِي حَتّى كَأنِّي لَمْ أكُنْ [ فِيهِ -] ساعَةً [ قَطُّ -] ﴿سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ تَسَلُّطِي عَلى الدُّعاةِ إلى اللَّهِ بِالشُّبَهِ الباطِلَةِ الَّتِي كانَ يُطْلِقُ اللِّسانَ بِها فَأُساعِدُهُ عَلَيْها مَعَ ظُهُورِ بُطْلانِها المُلْكَ الَّذِي أوْصَلَ إلَيْهِ المالَ فَعادَ [ لِأنَّ -] ذَلِكَ المُلْكُ الأعْظَمُ هَلَكَ والمُساعِدُ أبْعَدُ مُباعِدٍ.
الحاقة 69:30
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا ما قالَ، فَما يُقالُ؟ أُجِيبُ بِأنَّهُ يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ تَعْذِيبًا لِرُوحِهِ بِالتَّوْبِيخِ والأمْرِ بِالتَّعْذِيبِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ: ﴿خُذُوهُ﴾ أيْ أيُّها الزَّبانِيَةُ الَّذِينَ كانَ يَسْتَهِينُ بِهِمْ عِنْدَ سَماعِ ذِكْرِهِمْ.
ولَمّا كانَ الأخْذُ دالًّا عَلى الإهانَةِ النّاشِئَةِ عَنِ الغَضَبِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أيِ اجْمَعُوا يَدَيْهِ إلى عُنُقِهِ ورِجْلَيْهِ مِن وراءِ قَفاهُ إلى ناصِيَتِهِ.
الحاقة 69:31
ولَمّا كانَ الغِلُّ لِما بَعْدَهُ مِنَ العِقابِ، قالَ مُعَظِّمًا رُتْبَةَ عِقابِهِ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ﴾ أيِ النّارِ العُظْمى الَّتِي تَجْمَحُ عَلى مَن يُرِيدُ دِفاعًا وتُحْجِمَ عَنْها مَن رَآها لِأنَّها في غايَةِ الحُمُوِّ والتَّوَقُّدِ والتَّغَيُّظِ والتَّشَدُّدِ ﴿صَلُّوهُ﴾ أيْ بالَغُوا في تَصْلِيَتِهِ إيّاها (p-٣٦٩)وكَرَّرُوها لِغَمْسِهِ في النّارِ كالشّاةِ المُصَلِّيَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى [ ولا -] تَصْلُوهُ في أوَّلِ أمْرِهِ غَيْرَها لِأنَّهُ كانَ لا يَأْلُو جُهْدًا أنْ يَحْرِقَ قُلُوبَ النُّصَحاءِ بِأشَدِّ ما يَقْدِرُ [ عَلَيْهِ -] مِنَ الكَلامِ وغَيْرِهِ، وكانَ يَتَعَظَّمُ عَلى الضُّعَفاءِ، فَناسَبَ أنْ يُصْلِيَ أعْظَمَ النِّيرانِ، وعَبَّرَ أيْضًا بِأداةِ التَّراخِي لِعُلُوِّ رُتْبَةِ مَدْخُولِها، فَقالَ مُؤْذِنًا بِعَدَمِ الخَلاصِ: ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ عَظِيمَةٍ جِدًّا لا ما هو دُونَها.
الحاقة 69:32
ولَمّا قَدَّمَها دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِها وعَلى تَخْصِيصِها لِشِدَّةِ مَخافَتِها، عُرِفَ بِعَظِيمِ هَوْلِها وشَدَّةِ فَظاعَتِها لِيَجْتَمِعِ المَفْهُومُ والمَنطُوقُ عَلى تَهْوِيلِها فَقالَ: ﴿ذَرْعُها﴾ أيْ في أيِّ شَيْءٍ فُرِضَتْ مِن طُولٍ أوْ عَرْضٍ ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ [ هَذا -] العَدَدُ حَقِيقَةً، وأنْ يَكُونَ مُبالَغَةً، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّها لِلْمُبالَغَةِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ - وقالَ: إسْنادُهُ حَسَنٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ رَصاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وأشارَ [ إلى -] مِثْلِ الجُمْجُمَةِ - وأُرْسِلَتْ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ - وهي مَسِيرَةُ خَمْسِمائَةِ سَنَةٍ - لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، ولَوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِن رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلُ والنَّهارُ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أصْلَها وقَعْرَها» وأشارَ سُبْحانَهُ (p-٣٧٠)إلى ضِيقِها عَلى ما تُحِيطُ بِهِ مِن بَدَنِهِ بِتَعْبِيرِهِ بِالسَّلْكِ فَقالَ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ أدْخِلُوهُ بِحَيْثُ يَكُونُ كَأنَّهُ السِّلْكُ - أيِ الحَبَلُ - الَّذِي يَدْخُلُ في ثُقْبِ الخَرْزَةِ بِعُسْرٍ لِضِيقِ ذَلِكَ الثُّقْبِ إمّا بِإحاطَتِها بِعُنُقِهِ أوْ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ بِأنْ تَلَفَ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ في غايَةِ الضَّنْكِ والهَوانِ لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ أصْلًا، وهَذا تَعْذِيبُ القالَبِ لِأنَّهُ أفْسَدُ القَلْبَ بِعَدَمِ الإيمانِ والقالَبُ بِعَدَمِ الأعْمالِ.
الحاقة 69:33
ولَمّا ذَكَرَ عَلى الإجْمالِ عِقابَهُ أتْبَعَهُ أسْبابَهُ، فَقالَ بادِئًا بِأعْظَمِها مُؤَكِّدًا لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ حَتّى المُعَطِّلَ يُقِرُّ بِاللَّهِ تَعالى نَوْعَ إقْرارٍ ويَدَّعِي الإيمانَ بِهِ نَوْعَ ادِّعاءٍ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ لِما لَهُ سُبْحانَهُ مِن غَلَبَةِ الظُّهُورِ وانْتِشارِ الضِّياءِ والنُّورِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا وإنْ أظْهَرْ شَيْئًا يَلْبَسُ بِهِ عَلى الضُّعَفاءِ ويُدَلِّسُ عَلى الأغْنِياءِ ﴿لا يُؤْمِنُ﴾ أيِ الآنَ ولا في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى.
ولَمّا كانَتْ عَظَمَةُ المَلِكِ مُوجِبَةً لِزِيادَةِ النَّكالِ لِمَن يُعانِدُهُ عَلى قَدْرِ عُلُوِّها، وكانَ الَّذِي أوْرَثَ هَذا الشَّقِيَّ هَذا الخِزْيَ هو تَعَظُّمُهُ عَلى أمْرِ اللَّهِ وعِبادِهِ، أشارَ إلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العَظَمَةَ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿العَظِيمِ﴾ أيِ الكامِلِ العِظَمِ.
الحاقة 69:34
(p-٣٧١)ولَمّا بَيَّنَ عِنادَهُ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ بِإفْسادِهِ القُوَّةَ العِلْمِيَّةَ [ بَيْنَ ما يُوجِبُهُ الكُفْرُ مِنَ احْتِقارِهِ لِلضُّعَفاءِ إفْسادًا لِلْقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ -] إعْلامًا بِأنَّهُ مُكَلَّفٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَما أنَّهُ مُكَلَّفٌ بِأُصُولِها، وبَيانًا لِأنَّ عِنادَهُ لِمَن فَوْقَهُ لِرَداءَةِ طَبْعِهِ لا لِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، فَقالَ مُعَظِّمًا لِهَذا الذَّنْبِ لِجَعْلِهِ في سِياقِ الكُفْرِ وبِالتَّعْبِيرِ بِالحَضِّ مُشِيرًا بِهِ إلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ شَدِيدُ الِاسْتِغْراقِ في حُبِّ الدُّنْيا لِأنَّهُ لا يَمْنَعُهُ مِن حَثَّ غَيْرِهِ عَلى الخَيْرِ إلّا ادِّخارُهُ لِنَفْسِهِ: ﴿ولا يَحُضُّ﴾ أيْ يَحْمِلُ ويُحِثُّ ﴿عَلى﴾ بَذْلِ ﴿طَعامِ﴾ أوْ إطْعامِ ﴿المِسْكِينِ﴾ أيْ تَسْهِيلُهُ بِإعانَتِهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مَوْجُودًا، والسُّؤالُ في بَذْلِهِ وما يَقُومُ مَقامَهُ إنْ كانَ مَفْقُودًا، فَكَيْفَ بِالبَذْلِ مِن عِنْدِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا الإيمانُ لِخُلُوِّهِ عَنْ حَظِّ، والتَّقْيِيدُ يُفْهَمُ أنَّهُ يَحُثُّ عَلى خِدْمَةِ الأكابِرِ الجَبابِرَةِ ويُحِبُّ العُكُوفَ عَلى أبْوابِهِمْ والإضافَةَ مَعَ التَّعْبِيرِ بِالطَّعامِ دُونَ الإطْعامِ تُشْعِرُ بِأنَّ الفُقَراءَ يَمْلِكُونَ كِفايَتَهم مِن أمْوالِ الأغْنِياءِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَعَ كُفْرِهِ هو أشْنَعُ صِفاتِ الباطِنِ في غايَةِ الشُّحِّ والقَساوَةِ وعَدَمِ المُرُوءَةِ لِلْإعْراضِ عَنْ أسْبابِ التَّمَدُّحِ وعَنِ التَّنَزُّهِ عَنْ سُوءِ القالَةِ وقَبِيحِ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أشْنَعُ الرَّذائِلِ، فَلِذَلِكَ خَصَّصَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وكانَ أبُو الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحُضُّ عَلى طَعامِهِمْ ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ أفَلا نَخْلَعُ الآخَرَ - (p-٣٧٢)يَعْنِي بِالحَثِّ عَلى الإطْعامِ، وذَمَّهُ عَلى الِاسْتِهانِ بِالمَساكِينِ يُفْهَمُ الذَّمُّ عَلى الِاسْتِهانَةِ بِمَن هم دُونَهم مِمَّنْ هو أسْوَأُ حالًا مِنهم بِطَرِيقِ الأُولى.
الحاقة 69:35
ولَمّا وصَفَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأقْبَحِ العَقائِدِ وأشْنَعِ الرَّذائِلِ، سَبَّبَ عَنْهُما في مُقابَلَةِ إفْسادِ القُوَّتَيْنِ العِلْمِيَّةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الزَّمانَ المُتَعَقِّبَ لِلْبَعْثِ، ذَكَرَ المَكانَ الكائِنَ فِيهِ وهو الدّارُ الآخِرَةِ [ فَقالَ-]: ﴿ها هُنا﴾ أيْ في مَجْمَعِ القِيامَةِ كُلِّهِ ﴿حَمِيمٌ﴾ أيْ صَدِيقٍ خالِصٍ يَحْتَرِقُ لَهُ ويَحْمِيهِ مِنَ العَذابِ لِأنَّهم كُلُّهم لَهُ أعْداءٌ كَما أنَّهُ هو [ كانَ -] لا يَرِقُّ عَلى الضُّعَفاءِ فِيما هم فِيهِ مِنَ الإقْلالِ مِن حُطامِ الأمْوالِ.
الحاقة 69:36
ولَمّا نَفى عَنْهُ الجاهَ لِانْسِلاخِهِ مِن حِزْبِ المَلِكِ الوَلِيِّ الوَدُودِ، وتَحَيُّزِهِ إلى حِزْبِ الشَّيْطانِ العَدُوِّ الجَحُودِ، أتْبَعَهُ المَقْصُودَ بِالمالِ الَّذِي تَنْشَأُ عَنْهُ جَمِيعَ الِاسْتِمْتاعاتِ ويَقْصِدُ عِنْدَهُ الِاجْتِماعَ والأُنْسَ بِالأصْحابِ لِإخْلادِهِ إلى مالِهِ وإعْراضِهِ عَنْ عِيالِ المَلِكِ لِأجْلِ ضَعْفِهِمُ الَّذِي وهَبَهُ المالَ وأمَرَهُ بِمُواساتِهِمْ فِيهِ فَقالَ: ﴿ولا طَعامٌ﴾ ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِعْيارًا لِلْعُمُومِ قالَ: ﴿إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ غُسالَةُ أهْلِ النّارِ مِن فَيْحِهِمْ وصَدِيدِهِمْ، فِعْلَيْنِ مِنَ الغَسْلِ، ويَلْزَمُ مِن هَذا الطَّعامِ أنْ (p-٣٧٣)يَكُونَ تَحْتَ [ غَيْرِهِ -] لِيَسِيلَ ماءَ غُسالَتِهِ إلَيْهِ.
الحاقة 69:37
ولَمّا حَصَرَ طَعامَهم فِيما لا يَقْرَبُهُ أحَدٌ بِاخْتِيارِهِ، حَصَرَ مَن يَتَناوَلُهُ مُعَبِّرًا عَنْهم بِالوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم أكْلَهُ فَقالَ: ﴿لا يَأْكُلُهُ﴾ وفَرَغَ الِاسْتِثْناءُ تَنْبِيهًا عَلى [ أنَّ -] المُسْتَثْنى هو المَقْصُودُ حَتّى كَأنَّهُ لا مُسْتَثْنى مِنهُ فَقالَ: ﴿إلا الخاطِئُونَ﴾ أيْ يَأْكُلُهُ المُتَعَمِّدُونَ لِلْخَطايا لا غَيْرُهُمْ، وهو مِن خَطَأ الرَّجُلُ بِوَزْنِ فَرِحَ مَهْمُوزًا - إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبُ، وأمّا المُخْطِئُ فَهو مَن قَصَدَ الخَيْرَ فَلَمْ يُصِبْهُ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] أيْ أرَدْتُمُ الصَّوابَ فَلَمْ تُصِيبُوهُ، وهَذا الطَّعامُ يَغْسِلُ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأعْيانِ والمَعانِي الَّتِي بِها قِوامُ صاحِبِها، وهو بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَشِحُّونَ بِهِ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي أبْطَنُوها وادَّخَرُوها في خَزائِنِهِمْ واسْتَأْثَرُوا بِها عَلى الضُّعَفاءِ.
الحاقة 69:38
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الحاقَّةَ الَّتِي جَعَلَها دارَ الحِسابِ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ اللَّذَيْنِ قَسَّمَتْهُما القُدْرَةُ واقْتَضَتْهُما الحِكْمَةُ، وصَوَّبَ إلَيْهِما القُرْآنَ الَّذِي هو ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والبِشارَةِ والتَّهْدِيدِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أصْلًا في حِكْمَةِ أحَدٍ أنْ يَتْرُكَ مِن تَحْتِ يَدِهِ هَمَلًا لا سِيَّما إنْ كانَ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْها بِتَعْذِيبِ مَنِ اسْتَأْصَلَهم لِأجْلِ تَكْذِيبِ رُسُلِهِ لِيَكُونَ (p-٣٧٤)عَذابُهم وتَنْجِيَةُ المُحْسِنِينَ مِنهم [ مَثَلًا -] مَحْسُوسًا تَشْهَدُ فِيهِ الحاقَّةُ، لِأنَّ مِن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ كانَتْ لَهُ القُدْرَةُ [ التّامَّةُ -] عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ، وذَكَرَ ما دَلَّتِ الحِكْمَةُ عَلَيْهِ مِن تَنْعِيمِ الطّائِعِ وتَعْذِيبِ العاصِي بِما هو أنْسَبُ الأشْياءِ لِعَمَلِ كُلٍّ مِنهُما في هَذِهِ الأسالِيبِ المُعْجِزَةِ مُفْرَداتٍ وتَراكِيبَ ومَعانِي، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى آخِرِ سُورَةِ ”ن“ عادَ إلى تَقْرِيرِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ لِتَمامِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ لا يُقَرِّرُ مِن كَذَبَ عَلَيْهِ عَلى كَذِبِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُؤَيِّدَهُ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ حِينَ بَلَغَ الأمْرُ في الوُضُوحِ إلى النِّهايَةِ، ذاكِرًا ما هو أبْلَغُ مِنَ القَسَمِ لِأنَّ بَعْضَ أهْلِ الجَدَلِ إذا حَجَّهُ خَصْمُهُ يَقُولُ: إنَّما غَلَبَتْنِي بِأنَّكَ أتْقَنَ مِنِّي في الجَدَلِ بِالحَقِّ، فَإنَّ الحَقَّ مَعِي، فَيَحْلِفُ لَهُ صاحِبُهُ أنَّهُ ما غالَطَهُ ولا تَعْمِدْ في جَدَلِهِ إلّا الحَقَّ،
﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أيْ لا يَقَعُ مِنِّي إقْسامٌ ﴿بِما﴾ أيْ بِمَجْمُوعِ ما ﴿تُبْصِرُونَ﴾ أيْ لَكم أهْلِيَّةُ إبْصارِهِ مِن كُلِّ ما دَخَلَ في عالَمِ الشَّهادَةِ
الحاقة 69:39
﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ ما لَيْسَ لَكم في هَذا الدّارَ [ أهْلِيَّةٌ -] إبْصارَهُ، وذَلِكَ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ واجِبُها وجائِزُها مَعْقُولُها ومَحْسُوسُها، لِأنَّ الأمْرَ أوْضَحُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى إقْسامٍ وإنْ كُنْتُ أُقْسِمُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِما شِئْتُ مِن أفْرادِ هَذا المَجْمُوعِ.
الحاقة 69:40
(p-٣٧٥)ولَمّا أكَّدَ غايَةَ التَّأْكِيدِ بِما قالَ مِن [ أنَّ -] الأمْرَ وصَلَ في الوُضُوحِ إلى حَدٍّ لا يُحْتَمَلُ التَّأْكِيدَ، فَكانَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِعَدَمِ التَّأْكِيدِ، اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى إقْسامٍ بِإثْباتِ أداةِ التَّأْكِيدِ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لِيَكُونَ الكَلامُ جامِعًا بَيْنَ التَّأْكِيدِ بِالنَّفْيِ وبَيْنَ التَّأْكِيدِ بِالإثْباتِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي خَتَمَتْ بِهِ سُورَةُ ”ن“ ودَلَّ عَلى السّاعَةِ بِما أتى بِهِ مِن هَذِهِ الأسالِيبِ الَّتِي هي مَعَ كَوْنِها حَكِيمَةً مُعْجِزَةً ﴿لَقَوْلُ﴾ أيْ تِلاوَةً ﴿رَسُولٍ﴾ أيْ أنا أرْسَلْتُهُ وعَنِّي أخْذُهُ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إنَّما هو كُلُّهُ رِسالَةً واضِحَةً جِدًّا، أنا شاهِدٌ بِها بِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ الَّذِي يَشْهَدُ أنَّهُ كَلامِي.
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرَّسُولِ أنْ لا يُبَلِّغَ إلّا ما أرْسَلَهُ بِهِ مُرْسِلُهُ، وكانَ بَعْضُ الرُّسُلِ رُبَّما زادَ أوْ نَقَصَ تَعَمُّدًا أوْ سَهْوًا، أخْبَرَ أنَّ لَهُ ﷺ مِنَ الوَصْفِ ما يَحْفَظُهُ فَقالَ: ﴿كَرِيمٍ﴾ أيْ هو في غايَةِ الكَرَمِ الَّذِي هو البُعْدُ عَنْ مَساوِئِ الأخْلاقِ بِإظْهارِ مَعالِيها لِشَرَفِ النَّفْسِ وشَرَفِ الآباءِ فَهو لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وكَرَمَ الشَّيْءُ اجْتِماعُ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِهِ فِيهِ.
الحاقة 69:41
(p-٣٧٦)ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهُ قَوْلُ رَسُولِهِ ﷺ لَنا وهَوْلًا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، نَفى عَنْهُ ما يَتَقَوَّلُونَهُ عَلَيْهِ، فَبَدَأ بِالشِّعْرِ وهو ما يَقُولُهُ الإنْسانُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ عَلى وزْنٍ مَقْصُودٍ صِدْقًا كانَ أوْ كَذِبًا، ولا بُدَّ فِيهِ لِلتَّقَيُّدِ بِالوَزْنِ والقافِيَةِ مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي القُرْآنُ بَعِيدٌ عَنْهُ، وهو [ مَعَ -] مُشارَكَتِهِ لِلسَّجْعِ في التَّكَلُّفِ النّاقِصِ لِلْمَعْنى أعْلى مِنهُ بِالوَزْنِ الَّذِي يَكْسِبُهُ الرَّوْنَقُ والحَلاوَةُ فَقالَ: ﴿وما هُوَ﴾ أيْ [ هَذا -] الذِّكْرُ في باطِنِ أمْرِهِ ولا ظاهِرِهِ، وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ أيْ يَأْتِي بِكَلامٍ مُقَفًّى مَوْزُونٍ بِقَصْدِ الوَزْنِ، وإنَّما قِيلَ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ مَن هو كَذَلِكَ لِأنَّهُ، لا يُوافِقُ الوَزْنَ [ فِيهِ -] إلّا أماكِنَ نادِرَةً بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ القُرْآنِ، ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَرْضى بِهِ شاعِرٌ وهو أنَّهُ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ مَنصِبَ النَّظْمِ والِارْتِهانِ بِعُهْدَةِ الوَزْنِ، ثُمَّ يَأْتِي بِكَلامٍ أكْثَرُهُ غَيْرُ مَوْزُونٍ، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّ الَّذِي وافَقَ الوَزْنَ فِيهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ.
ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ خَفِيَّةً مِن حَيْثُ أنَّهُ لا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا الشُّعَراءُ وهم قَلِيلٌ في النّاسِ، والأغْلَبُ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، خَتَمَ الآيَةَ بِالإيمانِ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ بِالغَيْبِ فَقالَ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ ما تُوجِدُونَ التَّصْدِيقَ الَّذِي هو الإيمانُ إلّا إيجادًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وذَلِكَ لِأنِّي [ قَدْ -] أخْبَرْتُكم بِذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ فَلَمْ تُصَدِّقُوا وفِيكم شُعَراءُ كَثِيرٌ يَعْرِفُونَ (p-٣٧٧)مَعْرِفَةً تامَّةً أنَّهُ مُخالِفٌ لِلشِّعْرِ، وقَدْ أخْبَرَكم بَعْضُهم بِذَلِكَ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرة وعُتْبَةَ ابْنِ رَبِيعَةَ وغَيْرِهِما ثُمَّ [ لا -] تُتْبِعُونَ ذَلِكَ ثَمَرَتَهُ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وإيمانِهُمُ القَلِيلَ إقْرارُ مَن أقَرَّ مِن شُعَرائِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإخْلاصِهِمْ بِالوَحْدانِيَّةِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ وإفْرادِهِمُ الخالِقَ بِالخَلْقِ والرُّبُوبِيَّةِ، وهو إيمانٌ لُغَوِيٌّ [ لا شَرْعِيٌّ -]،
الحاقة 69:42
ولَمّا كانَ مَن يَعْرِفُ الشِّعْرَ يَعْرِفُ النَّثْرَ فَهو أعْلى فَقَدَّمَهُ، أتْبَعَهُ النَّثْرَ فَقالَ: ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ وهو المُنَجِّمُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ أشْياءَ يُوهِمُها لِرَئِيٍّ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وأغْلَبُها لَيْسَ لَها صِحَّةٌ، وعِبارَتُهُ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّجْعِ المُتَكَلَّفِ [ المَقْصُودُ -] كَوْنُهُ سَجْعًا الَّذِي يَكُونُ المَعْنى فِيهِ تابِعًا لِلَّفْظِ لِلتَّحْلِيَةِ بِمُشاكَلَةِ المَقاطِعِ.
ولَمّا كانَتْ مُبايَنَةُ القُرْآنِ لِلسَّجْعِ خَفِيَّةً جِدًّا لِما فِيهِ مِنَ الفَواصِلِ في الأغْلَبِ وتَرَكَها في البَعْثِ فارِقٌ لِأنَّ السّاجِعِينَ لا يَرْضَوْنَ أنْ يَأْتُوا بِقَرِينَةٍ لا أُخْتَ لَها ويَعُدُّونَ ذَلِكَ وعْيًا عَيِبًا رَدِيئًا، وكَذا تَطْوِيلُ السَّجْعَةِ عَنْ قَرِينَتِها وتَضْعِيفِها عَلى عَدِيلَتِها لا يَرْضى بِهِ ساجِعٌ ولَوْ أنَّهُ هاجِعٌ، ومُبايِنَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْكَهَنَةِ ظاهِرَةٌ جِدًّا، فَإنَّ الكاهِنَ مَن يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِلدَّلالِ عَلى الضَّوائِعِ والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ يُصَدِّقُ فِيها تارَةً ويُكَذِّبُ كَثِيرًا، ويَأْخُذُ الجَعْلَ عَلى ذَلِكَ، ويَقْتَصِرُ عَلى مَن يَسْألُهُ، فَعَبَّرَ لِذَلِكَ بِ ”كاهِنٍ“ دُونَ ”ساجِعٍ“ أدارَ أمْرَهُ عَلى التَّفَكُّرِ (p-٣٧٨)فَقالَ: ﴿قَلِيلا ما﴾ وأكَّدَ أمْرَ القِلَّةِ والخَفاءِ بِإدْغامِ تاءِ التَّفَعُّلِ فَقالَ تَعالى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ فَلِذَلِكَ يَلْتَبِسُ عَلَيْكُمُ الأمْرُ أوْ عَلى مَن تَلْبَسُونَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُما مَوْجُودٌ فِيهِمْ لِأنَّهُ يَرى أنَّ الكِتابَ تابِعٌ لِلْمَعْنى الصَّحِيحِ الثّابِتِ، فَإنْ صَحَّ غايَةَ الصِّحَّةِ مَعَ وُجُودِ القَرائِنِ المُتَوافِقَةِ في الرَّوِيِّ كانَ وإلّا انْتَقَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى قَرائِنَ غَيْرِ مُتَوافِقَةٍ في رَوِيٍّ ولا ما يُقارِبُهُ، [ أوْ -] قَرِيبَةٌ مُفْرَدَةٌ مَعَ إمْكانِ جَعْلِها كَما قَبِلَها لَكِنْ مَعَ نُقْصانِ المَقْصُورِ وطُولِ الكَلامِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدَّعِ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ عِلْمَ الغَيْبِ ولا نَصِيبَ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ لِشَيْءٍ مِمّا الكُهّانُ فِيهِ ولا نَقْلَ في ساعَةٍ مِنَ الدَّهْرِ عَنِ [ الجِنِّ -] خَبَرًا ذَكَرَ أنَّهُ اسْتَفادَهُ مِنهم ولا مَدَحَهم لِذَلِكَ كَما تَفْعَلُ الكُهّانُ، بَلْ ذَمَّ الفاسِقِينَ مِنهم غايَةَ الذَّمِّ وقالَ: إنَّ أكْثَرَ ما يَأْتُونَ بِهِ الكَذِبَ، ولا سَألَ جُعْلًا عَمّا يَدْعُو إلَيْهِ ولا اقْتَصَرَ عَلى مَن يَأْتِيهِ لِلسُّؤالِ، بَلْ هو ﷺ يُتْبِعُ النّاسَ في مَجامِعِهِمْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ بِإنْقاذِهِمْ مِنَ الضَّلالِ فَمُبايَنَتُهُ لِلْكُهّانِ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ تَذَكُّرٍ قَلِيلٍ - كَما أشارَ إلَيْهِ إدْغامُ تاءِ التَّفَعُّلِ - فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ لَيْسَ بِكِهانَةٍ، وقائِلُهُ والمُؤَدِّي لَهُ لَيْسَ بِكاهِنٍ، ونِسْبَةُ القَوْلِ إلى المُبَلِّغِ لِكَوْنِهِ مُبَلِّغًا واضِحَةُ الصِّحَّةِ.
الحاقة 69:43
(p-٣٧٩)ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ونَفى عَنْهُ ما قَدْ يُلَبِّسُ مِنَ الشِّعْرِ والكَهانَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما كانُوا يَرْمُونَهُ بِهِ مِنَ السِّحْرِ والأضْغاثِ لِأنَّهُ عَتادٌ مَحْضٌ لا يَرْتابُ أحَدٌ فِيهِ، وكانَتِ السُّورَةُ مَقْصُودًا فِيهِ إثْباتُ الحَقائِقِ الَّتِي قَدْ تَخْفى، وصَفَهُ بِما يُحَقِّقُ ما أُرِيدَ مِن نِسْبَتِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [ أيْ -] عَلى وجْهِ التَّنْجِيمِ وأشارَ إلى إرْسالِهِ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ مُوجِدِهِمْ ومُدَبِّرِهِمْ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ بِما يَفْهَمُ كُلٌّ مِنهم مِن هَذا الذِّكْرِ الَّذِي رَبّاهم بِهِ، ورَتَّبَ سُبْحانَهُ نَظْمَهُ عَلى وجْهِ سَهْلِهِ عَلى كُلٍّ مِنهم شَيْئًا يَكْفِي في هِدايَتِهِ البَيانِيَّةِ بِخِلافِ الشِّعْرِ والكَهانَةِ فَإنَّهُ لا يَفْهَمُهُما إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ لا جَمِيعُ العالَمِينَ، بَلْ كَثِيرٌ مِن أكابِرِ العُلَماءِ وحُذّاقِهِمْ رُبَّما قُرِئَ عَلى أحَدٍ مِنهُمُ الآنَ القَصِيدَةُ مِن قَصائِدِ العَرَبِ فَلا يَفْهَمُ المُرادَ مِنها ولا يَتَّضِحُ لَهُ بِوَجْهٍ.
الحاقة 69:44
ولَمّا كانَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الأقْسامِ الَّتِي كانُوا يَتَقَوَّلُونَها عَلَيْهِ الِافْتِراءِ في الرِّسالَةِ بِمَعْنى أنَّهُ عَثَرَ عَلى بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فانْتَحَلَها مِن غَيْرِ أنْ يُوحى إلَيْهِ، وكانَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ أنَّ العادَةَ تُحِيلُ أنْ يَطَّلِعَ شَخْصٌ مِنَ النّاسِ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَطَّلِعْ أحَدٌ مِنهم [ و-] لا سِيَّما إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ قَلِيلَ المُخالَطَةِ لِلْعُلَماءِ فَكَيْفَ إذا كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ كَما كانَ (p-٣٨٠)ﷺ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرِهِ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ عَلَيْهِ لَمْ يَعْجَزُوا عَنْهُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ أيْ كَلَّفَ نَفْسَهُ أنْ يَقُولَ مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ كَذِبًا ﴿عَلَيْنا﴾ عَلى ما لَنا مِن صِفاتِ العَظَمَةِ والجَلالِ والبَهاءِ والكَمالِ والكِبْرِياءِ ﴿بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ الَّتِي لَمْ نَقُلْها أوْ قُلْناها ولَمْ نَأْذَنْ لَهُ فِيها، وهو جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ كالأضاحِيكَ جَمْعُ أُضْحُوكَةٍ، لا جَمْعَ أقْوالٍ، لِيَكُونَ جَمْعَ الجَمْعِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يُعاقِبُ بِما دُونَ ثَلاثَةِ [ أقْوالٍ -]
الحاقة 69:45
﴿لأخَذْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا أخْذَ قُوَّةٍ وغَضَبٍ وقَهْرٍ وإهْلاكٍ، وأكَّدَهُ لِلْإعْلامِ بِشِدَّةِ الغَضَبِ مِنَ الكَذِبِ وشِدَّةِ قُبْحِهِ.
ولَمّا كانَ أخْذُهُ أخْذًا يَتَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ أخْذٍ لِأنَّ مَنِ افْتَرى عَلى المُلُوكِ لا يَفْعَلُ بِهِ إلّا ذَلِكَ قالَ: ﴿مِنهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿بِاليَمِينِ﴾ أيِ الَّتِي هي العُضْوُ الأقْوى مِنهُ فِيها يَكُونُ بَطْشُهُ فَنُذْهِبُهُ بِشِدَّةِ بَطْشِنا، أوِ اليَمِينِ مِنّا، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ أخْذِنا لَهُ بِغايَةِ القُوَّةِ، فَإنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ، وقِيلَ: إذا أرادَ المَلِكُ إهانَةَ شَخْصٍ قالَ: خُذْهُ يا فُلانُ، فَيَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ الإذْلالِ، وقِيلَ: هَذا تَصْوِيرُ قَتْلِ الصَّبْرِ بِأشْنَعِ صُورَةٍ، فَإنَّ المَلِكَ إذا أرادَ التَّخْفِيفَ عَلى مَن يَقْتُلُهُ أمَرَ السَّيّافَ فَأخَذَ يَسارَهُ بِيَسارِهِ، وضَرَبَ بِالسَّيْفِ مِن ورائِهِ لِأنَّ العُنُقَ (p-٣٨١)مِن خَلْفِ أوْسَعُ فَيَكُونُ أسْرَعَ قَطْعًا ولا يَرى المَقْتُولُ لَمْعَ السَّيْفِ، [ وإنْ أرادَ التَّعْذِيبَ والمُبالَغَةَ في الإهانَةِ أخَذَ يَدَهُ اليُمْنى بِيَدِهِ اليُسْرى وضَرَبَهُ وهو مُسْتَقْبَلٌ لَهُ يَرى لَمْعَ السَّيْفِ -]، ورُبَّما وقَعَتِ الضَّرْبَةُ لِضِيقِ المَجالِ مِن قُدّامٍ في حَنَكِهِ فَيَحْتاجُ إلى ثانِيَةٍ وثالِثَةٍ فَهو أفْحَشُ.
الحاقة 69:46
ولَمّا صَوَّرَ مَبْدَأ الإهْلاكِ بِأفْظَعِ صُورَةٍ، أتَمَّهُ مُشِيرًا إلى شِدَّةِ بَشاعَتِهِ بِحَرْفِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا﴾ حَتْمًا بِلا مَثْنَوِيَّةٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ قَطْعًا يَتَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ قَطْعٍ ﴿مِنهُ الوَتِينَ﴾ أيِ العَرَقِ الأعْظَمِ في العُنُقِ الثّابِتِ الدّائِمِ المَتِينِ الَّذِي يُسَمّى الوَرِيدُ، وهو بَيْنَ العِلْباءِ والحُلْقُومِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ نِياطُ القَلْبِ، وفي القامُوسِ: عِرْقٌ في القَلْبِ إذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ - انْتَهى. واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ لِأنَّ مادَّتَهُ بِهَذا التَّرْتِيبِ تَدُورُ عَلى المَتانَةِ والدَّوامِ، فَلِذا كانَ يَفُوتُ صاحِبَهُ بِفَواتِهِ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: عِرْقٌ مُتَّصِلٌ بِنِياطِ القَلْبِ مُسْتَبْطِنٌ لِلصُّلْبِ يَمْلَأُ الجَسَدَ كُلَّهُ تَسْقِيهِ الكَبِدُ وهي بَيْتُ الدَّمِ وهو يَجْرِي مِنها الدَّمُ في البَدَنِ يَأْخُذُ مِنهُ سِتُّونَ عِرْقًا هي أنْهارُ الدَّمِ في الجَسَدِ كُلِّهِ، مِن هَذِهِ الأنْهارِ تَأْخُذُ الجَسَدَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ تَسْقِي الصَّدْرَ، وسَبْعَةً تَسْقِي العَيْنَ، وأرْبَعَةً تَسْقِي الدِّماغَ، والوَتِينُ مِن مَجْمَعِ الوِرْكَيْنِ إلى مَجْمَعِ (p-٣٨٢)الصَّدْرِ بَيْنَ التُّرْقُوَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْقَسِمُ عَنْهُ سائِرُ العُرُوقِ إلى سائِرِ الجَسَدِ، ولا يُمْكِنُ في العادَةِ الحَياةُ بَعْدَ قَطْعِهِ، وفي المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ما يَنْفَعُ هُنا.
الحاقة 69:47
ولَمّا أتَمَّ تَصْوِيرَ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ مِن أنْ يَأْخُذَ السَّيِّئاتِ أوْ أعْوانُهُ بِيَمِينِهِ ويَكْبَحُهُ كالسَّيْفِ فَيَضْرِبُهُ عُنُقَهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ إتْمامًا لِعَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكُمْ﴾ أيْ أيُّها النّاسُ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أحَدٍ عَنْهُ﴾ أيِ القَتْلِ أوِ [ المَقْتُولِ -] المَنقُولِ، ولَمّا كانَ ”أحَدٌ“ عامًّا حَقَّقَ عُمُومَهُ واصِفًا لَهُ، وأخْبَرَ عَنْ ”ما“ عَلى لُغَةِ الحِجازِ بِقَوْلِهِ: ﴿حاجِزِينَ﴾ أيْ يَكُونُ حاجِزًا جَزْمًا كَثِيفًا مانِعًا مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ فَلا غَرَضَ يَتَعَلَّقُ مِن عاقِلٍ أنْ يَنْصَحَ لِأحَدٍ بِنَصِيحَةٍ تَعُودُ إلى المَنصُوحِ وحْدَهُ بِالنَّفْعِ ولاحَظَ لِلْقائِلِ [ فِيها -] بِكَذِبٍ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ تَقَوَّلَهُ عَلى مَلِكٍ لا يَقْدِرُ ذَلِكَ المَنضُوحُ أنْ يَحْمِيَهُ مِن عُقُوبَتِهِ عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ، واخْتارَ الإخْبارَ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ حَجْزِ الفَرْدِ مِن بابِ الأُولى و”مِنكُمْ“ حالَ لِتَقَدُّمِهِ، وهَذا كُلُّهُ كِنايَةٌ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ عَنْ أنَّ هَذا الذِّكْرِ كَلامُ اللَّهِ لا شُبْهَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ، مَضْمُومًا ذَلِكَ إلى وُجُوهِ إعْجازِهِ، فَإنَّ ”لَوْ“ لِامْتِناعِ الثّانِي لِأجْلِ امْتِناعِ الأوَّلِ، فالتَّقْدِيرُ كَما يُقالُ في القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ: لَكُنّا لَمْ نَأْخُذْهُ هَذا الأخْذَ فَثَبَتَ أنَّهُ ما تَقَوَّلَ عَلَيْنا شَيْئًا، فَثَبَتَ [ أنَّ -] ما قالَ كَلامَنا ثُبُوتًا تامًّا بِالبُرْهانِ عَلى وجْهٍ لا يُرامُ نَقْضُهُ.
الحاقة 69:48
(p-٣٨٣)ولَمّا كانَ هَذا كِنايَةً عَنْ هَذا مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى حَقائِقِ مُفْرَداتِهِ ولا مَعْنى شَيْءٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ غَيْرَ مُتَخَيَّلٍ فِيهِ الكَذِبَ بِوَجْهٍ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ بَعْدَ أنْ كانَ ذِكْرًا لِجَمِيعِ العالَمِينَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ مُذَكِّرٍ عَظِيمٍ جِدًّا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ مِنَ العالَمِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ لِإقْبالِهِمْ عَلَيْهِ إقْبال مُسْتَفِيدٍ.
الحاقة 69:49
ولَمّا عَلِمَ مِن هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِقِسْمَيِ المُسِيءِ والحَسَنِ ظَواهِرِهِمْ. وبَواطِنِهِمْ، صَرَّحَ بِالقِسْمِ الآخَرِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الضَّلالِ: ﴿وإنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَنَعْلَمُ﴾ أيْ عِلْمًا عَظِيمًا [ مُحِيطًا -] ﴿أنَّ مِنكُمْ﴾ أيُّها الأرْضِيُّونَ السَّفْلِيُّونَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم أهْلِيَّةُ العُلُوِّ إلى تَجْرِيدِ الأرْواحِ عَنْ عَلائِقِ الجَسَدِ الكَثِيفَةِ ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ فَأنْزَلْنا الكُتُبَ وأرْسَلْنا الرُّسُلَ لِيَظْهَرَ مِنكم إلى عالَمِ الشَّهادَةِ مِنها ما كُنّا نَعْمَلُهُ في الأزَلِ غَيْبًا مِن تَكْذِيبٍ وإيمانٍ فَتَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ العِقابَ أوِ الثَّوابَ، فَلِذَلِكَ وجَبَ في الحِكْمَةِ الَّتِي لا يُكَذِّبُ بِها أحَدٌ ولا يَشُكُّ في أنَّها خاصَّةَ المَلِكِ المُظْهِرَةِ لِلْكَمالِ أنْ يُعِيدَ الخَلْقَ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أجْسامِهِمْ قَبْلَ المَوْتِ لِنَحْكُمَ بَيْنَهم فَنُجازِي كُلًّا (p-٣٨٤)بِما يَلِيقُ بِهِ إظْهارًا لِلْعَدْلِ.
الحاقة 69:50
ولَمّا كانَ سَبَبُ التَّكْذِيبِ سَتْرَ ما تُجْلِيهِ مَرائِي العُقُولِ مِنَ الدَّلائِلِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهُ طَواهُ لِأنَّ السَّيِّقَ لِلتَّهْدِيدِ بِالحاقَّةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ بِهِ،
﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ العَظِيمُ ﴿لَحَسْرَةٌ﴾ أيْ بِما يَرى مِن تَأْوِيلِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ لِكَوْنِهِمْ كَذَّبُوا بِهِ لِما يَظْهَرُ لَهم مِن جَزائِهِمْ وجَزاءِ المُؤْمِنِينَ.
الحاقة 69:51
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَذُوقُ جَزاءَهُ في الآخِرَةِ، وكانَ كُلُّ أحَدٍ سَمِعَ القُرْآنَ ذاقَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِشَيْءٍ يُماثِلُهُ ولا يُدانِيهِ، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْزِيلًا لَهم في عِدادِ الجاهِلِينَ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ الجَزاءُ في يَوْمِ الجَزاءِ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي يُذاقُ فَيَصِيرُ [ لا -] يَقْبَلُ الشَّكَّ فَهو يَقِينٌ مُؤَكَّدٌ بِالحَقِّ. مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، [ و -] هو فَوْقَ عِلْمِ اليَقِينِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَحَقَّقَ لِذَلِكَ مَعْرِفَةَ الحَقِّ فَيَكُونُ مُشاهِدًا لِلْغُيُوبِ كَمُشاهَدَةِ المَرْئِيّاتِ لِما يُشاهِدُ مِن أمْثالِها، فَأمْرُ البَعْثِ يُشاهَدُ كُلَّ يَوْمٍ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وفي العامِ في النَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
الحاقة 69:52
ولَمّا كانَ البَعْثُ لِهَذا المَقْصِدِ مِن أعْظَمَ الكَمالِ، وكانَ عَدَمُهُ مُوِجِبًا لِلنَّقْصِ، سَبَّبَ عَنْ كِلا الأمْرَيْنِ إشارَةً وعِبارَةَ قَوْلِهِ آمِرًا بَعْدَ (p-٣٨٥)الإخْبارِ في أوَّلِ المُسَبِّحاتِ: ﴿فَسَبِّحْ﴾ أيْ أوْقَعَ التَّنْزِيهَ الكامِلَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ﴿بِاسْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ عِلْمِكَ بِصِفاتِ ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ المُوجِدِ والمُرَبِّي لَكَ والمُحْسِنِ إلَيْكَ بِأنْواعِ الإحْسانِ ﴿العَظِيمِ﴾ الَّذِي مَلَأتِ الأقْطارَ كُلَّها عَظَمَتُهُ، وزادَتْ عَلى ذَلِكَ بِما شاءَهُ سُبْحانَهُ مِمّا لا تَسَعُهُ العُقُولُ لا سِيَّما عَنْ قَوْلِهِمْ: لَنْ يُعِيدَنا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى ذَلِكَ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ وهو صادِقُ الوَعْدِ، وعَدَمُ البَعْثِ مُخِلٌّ بِالحِكْمَةِ لِظُلْمِ أكْثَرِ النّاسِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى المُتارَكَةِ، وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ في تَصْمِيمِهِمْ عَلى الكَذِبِ والعِنادِ، والجَلَدِ عَلى الجَدَلِ والفَسادِ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرَ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها بِإحْقاقِ الحاقَّةِ لِنَفْيِ ما وقَعَ الخَبْطُ فِيهِ في دارِ الِاحْتِجابِ بِالأسْبابِ مِن مَواقِعِ النَّقْصِ ومَظِنّاتِ اللَّبْسِ، فَيَثْبُتُ الحَقُّ ويَنْفِي الباطِلَ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ والسَّعِيدِ والشَّقِيِّ، فَيَحِقُّ السَّلامُ لِحِزْبِ الرَّحْمَنِ، ويَثْبُتُ الهَلاكُ لِأصْحابِ الشَّيْطانِ، ويَظْهَرُ اسْمُهُ الظّاهِرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، إنَّ في ذَلِكَ لِعِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ واللَّهُ الهادِي.
المعارج 70:1
سُورَةُ سَألَ وتُسَمّى المَعارِجُ
مَقْصُودُها إثْباتُ القِيامَةِ وإنْذارُ مَن كَفَرَ بِها وتَصْوِيرُ عَظَمَتِها بِعَظَمَةِ (p-٣٨٦)مُلْكِها وطُولِ يَوْمِها وتَسْلِيَةُ المُنْذِرِ بِها بِما لِمَن كَذَّبَهُ بِما لَهُ مِنَ الصَّغارِ والذُّلِّ والتَّبارِ، ودَلَّ عَلى وُجُوبِ وُقُوعِها سابِقًا بِما خَتَمَهُ بِتَسْمِيَتِها في السُّورَةِ الماضِيَةِ بِالحاقَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنها ولا مَحِيدَ عَنْها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالقُدْرَةِ في أوَّلِها والعِلْمِ في أثْنائِها والتَّنَزُّهِ عَمّا في إهْمالِها مِنَ النَّقْصِ في آخِرِها ولا خَفاءَ بِما أخْبَرَ مِن أنَّهُ أرْسَلَ جَمِيعَ رُسُلِهِ بِالتَّحْذِيرِ مِنها فَأرْسَلَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ في الزَّمانِ الأقْدَمِ كَما ذَكَرَ في سُورَتِهِ عِنْدَ ما اخْتَلَفَ النّاسُ بَعْدَما كانُوا عَلَيْهِ في زَمانِ أبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ الحَقِّ فافْتَرَقُوا إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، فَعَلِمَ مِنهُ أنَّ مَن بَعْدَهُ أوْلى بِذَلِكَ لِقُرْبِهِمْ مِنها وأتْبَعُ ذَلِكَ الإعْلامَ أنَّهُ دَعا إلى ذَلِكَ الجِنَّ الَّذِينَ كانَ سَبِيلَهم فِيها سَبِيلُ الآدَمِيِّينَ، [ وأتْبَعَ ذَلِكَ -] -بَعْدَ إرْسالِ أوَّلِ الرُّسُلِ بِها زَمانًا- آخِرُهم زَمانًا وأوَّلُهم نُبُوَّةً حِينَ كانَ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، فَبَدَأ بِسُورَةِ المُزَّمِّلِ بِنَبُّوتِهِ ومَزِيدِ تَزْكِيَتِهِ وتَقْدِيسِهِ ورِفْعَتِهِ والإخْبارِ عَنْ رِسالَتِهِ والتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَتِهِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ الإنْذارَ بِها بِالصَّدْعِ بِالرِّسالَةِ بِمَحْوِ كُلِّ ضَلالَةٍ، فَلَمّا تَقَرَّرَتْ نُبُوَّتُهُ وثَبَتَتْ رِسالَتُهُ عَلى أجْمَلِ الوُجُوهِ وأجْلاها (p-٣٨٧)وأبْيَنِها وأعْلاها، أشْرَفِها وأُولاها، جَعَلَ سُبْحانَهُ سُورَةَ القِيامَةِ كُلَّها لَها إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ [ عَظِيمٌ -] جِدًّا يَجِبُ الِاعْتِناءُ بِهِ والتَّأهُّبُ لَهُ والِاجْتِهادُ بِغايَةِ القُوَّةِ وإفْراغِ الجُهْدِ، ثُمَّ اتَّبَعَ ذَلِكَ الإنْسانُ دَلالَةً عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الأكْوانِ، فَلا يُسَوَّغُ في الحِكْمَةِ أنْ يَجْعَلَهُ سُبْحانَهُ سُدًى وبَيَّنَ كَثِيرًا مِن أحْوالِها ثُمَّ أقْسَمَ في المُرْسَلاتِ أنْ أمَلاها حَقٌّ لا بُدَّ مِنهُ ولا مَندُوحَةَ عَنْهُ، ثُمَّ عَجِبَ في ”عَمَّ“ [ مِنهم -] في تَساؤُلِهِمْ عَنْها وتَعْجِيبِهِمْ مِنها ثُمَّ أقْسَمَ عَلى زَقْزَعِها في النّازِعاتِ وصُوَرٍ مِن أمْرِها وهَزاهِزِها ما أرادَ، ثُمَّ أوْلى ذَلِكَ الدَّلالَةَ في سُورَةِ عَبَسَ عَلى أنَّ مِنَ النّاسِ مِن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا حِيلَةَ في تَصْدِيقِهِ بِها مَعَ ما تَبَيَّنَ بِالسُّورَةِ الماضِيَةِ وغَيْرِها مِن أمْرِها، ثُمَّ صَوَّرَها في ”كُوِّرَتْ“ تَصْوِيرٌ صارَتْ مِن رَأْيِ عَيْنِ لَوْ
كَشْفَ الغِطاءِ ما ازْدادَ المُوقِنُونَ بِها يَقِينًا، ثُمَّ بَيَّنَ في الِانْفِطارِ أنَّ الأُمُورَ فِيها لَيْسَتْ عَلى مِنهاجُ الأُمُورِ هَنَّأ، بَلِ الأسْبابُ كُلُّها مُنْقَطِعَةٌ والأنْسابُ مُرْتَفِعَةٌ، والكُلُّ خاضِعُونَ مُخْبِتُونَ خاشِعُونَ، أعْظَمُهم في الدُّنْيا تَجَبُّرًا أشَدُّهم هُنالِكَ صَغارًا وتَحَسُّرًا، ثُمَّ أتْبَعُ ذَلِكَ مِن يَسْتَحِقُّ هُنالِكَ النَّكالُ.والسَّلاسِلُ والأغْلالُ، ثُمَّ أوْلاهُ رِفْعَةً أهْلُ الإيمانِ الَّذِينَ طَبَّعَهم عَلى الإقْرارِ بِها والعِرْفانِ، واسْتَمَرَّ [ عَلى -] هَذا إلى آخِرِ القُرْآنِ قَلَّ أنْ تَأْتِيَ سُورَةٌ إلّا وهي مَعْرِفَةٌ بِها غايَةَ المَعْرِفَةِ إلى أنَّ خَتْمَكَ بِالدِّينِ إشارَةٌ بِذَلِكَ إلى أنَّ مَعْرِفَتَها هي [ الدِّينُ-] (p-٣٨٨)وأشارَ في ”تُبْتُ“ إلَيْها وأتْبَعَها الإخْلاصَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسْلَمُ فِيها إلّا المُوَحِّدُونَ المُعاذُونَ مِنَ الفِتَنِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، المُتَّصِفُونَ بِالمَحامِدِ المُتَعاظِمَةِ المُتَكاثِرَةِ، فَآذَنَ ذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ غايَةِ القُرْآنِ في أمْرِها العَظِيمِ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا كِتابَ بَعْدَ هَذا الكِتابِ يُنْتَظَرُ ولا أُمَّةَ أشْرَفُ مِن هَذِهِ تَخُصُّ بِبَيانِ أعْظَمَ مِن بَيانِها وهو أحَدُ الأوْجَهِ الَّتِي فاقَ بِها القُرْآنُ عَلى الكُتُبِ الماضِيَةِ والصُّحُفِ الكائِنَةِ في القُرُونِ الخالِيَةِ، وآذَنَ ذَلِكَ بِأنَّ الأمْرَ قَدْ قَرُبَ والهَوْلُ قَدْ دَهَمَ والخَوْفُ قَدْ قَدَحَ، لِيُشَمِّرَ أهْلُ الِاخْتِصاصِ في النَّجاةِ مِن عَذابِها والخَلاصِ حِينَ لا مَفَرَّ ولا مَلْجَأ ولاتَ حِينَ مَناصٍ، نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ في يَوْمِها والعِيشَةِ الرّاضِيَةِ، وعَلى هَذا المَقْصِدِ دَلَّ اسْمُها ”سَألَ“ وكَذا المَعارِجُ وهُما أنْسَبَ ما فِيها لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، وقانا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن آفاتِها والمَهالِكِ آمِينَ ( بِسْمِ اللَّهِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي تَنْقَطِعُ الأعْناقُ والآمالُ دُونَ عَلْيائِهِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي أوْضَحَ نِعْمَةَ البَيانِ وعَمَّ بِها وشَهَرَها حَتّى صارَتْ في الوُضُوحِ إلى حَدٍّ لا مَطْمَعَ [ لِأحَدٍ -] في [ ادِّعاءِ -] خَفائِهِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي [ اصْطَفى -] مِن عِبادِهِ مَن وفَّقَهم [ لِلْفَهْمِ -] عَنْهُ والطّاعَةِ لَهُ، فَكانَ مِن أوْلِيائِهِ.
* *
(p-٣٨٩)لَمّا خَتَمَ أمْرَ الطّامَّةِ الكُبْرى في الحاقَّةِ حَتّى ثَبَتَ أمْرُهُ، وتَساوى سِرُّهُ وجَهْرُهُ، ودَلَّ عَلَيْها حَتّى لَمْ يَبْقَ هُناكَ نَوْعُ لَبْسٍ في وُجُوبِ التَّفْرِقَةِ في الحِكْمَةِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، وخَتَمَ بِأنْ تَرْكَ ذَلِكَ مُنافٍ لِلْكَمالِ فِيما نَتَعارَقُهُ مِن أُمُورِ العُمّالِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مِنهم مُكَذِّبِينَ، وكانَ السّائِلُ عَنْ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى [ أنَّ -] السّائِلَ ما فَهِمَهُ حَقَّ فَهِمِهِ، ولا اتَّصَفَ بِحَقِيقَةِ عِلْمِهِ، عَجِبَ في أوَّلِ هَذِهِ مِمَّنْ سَألَ عَنْها فَقالَ: ﴿سَألَ﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْألْ عَنْها إلّا واحِدٌ مِنَ العِبادِ لَكانَ جَدِيرًا بِالتَّعَجُّبِ مِنهُ والإنْكارِ عَلَيْهِ بِالإفْرادِ في قَوْلِهِ: ﴿سائِلٌ﴾ وهو مِنَ السُّؤالِ في قِراءَتَيْ مَن خَفَّفَ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا ومِن هَمْزٍ.
ولَمّا كانَ سُؤالُهم مِن وقْتِ مَجِيءِ السّاعَةِ والعَذابِ وطَلَبُهم تَعْجِيلُ ذَلِكَ إنَّما هو اسْتِهْزاءٌ، ضِمْنَ ”سَألَ“ اسْتِهْزاءً ثُمَّ حَذَفَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ بِحالٍ انْتَزَعَها مِنهُ وحَذَفَها ودَلَّ عَلَيْها بِما تَعَدّى بِهِ فَقالَ، أوْ أنَّهُ حَذَفَ مَفْعُولَ السُّؤالِ المُتَعَدِّي ”بِعْنَ“ لِيَعُمَّ كُلَّ مَسْؤُولٍ عَنْهُ إشارَةً إلى أنَّ [ مَن -] تَأمَّلَ الفِطْرَةَ الأُولى وما تَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الكَمالِ فَأطاعَها فَكانَ مُسْلِمًا فاضَتْ عَلَيْهِ العُلُومُ، وبَرَقَتْ لَهُ مُتَجَلِّيهِ أشِعَّةُ الفُهُومِ، فَبَيَّنَ المُرادَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ بِقَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ﴾ أيْ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ بِسَبَبِ (p-٣٩٠)عَذابٍ أوْ مُسْتَهْزِئًا بِعَذابٍ عَظِيمٍ جِدًّا ﴿واقِعٍ﴾ وعَبَّرَ بِاللّامِ تَهَكُّمًا مِنهم مِثْلَ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] فَقالَ:
المعارج 70:2
﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في هَذا الوَصْفِ بِمَعْنى: إنْ كانَ [ لَهم -] في الآخِرَةِ شَيْءٌ فَهو العَذابُ، وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ [ أكْثَرُ -] تَعْجِيبًا أيِ انْدَفَعَ [ فَمُهُ بِالكَلامِ -] وتَحَرَّكَتْ بِهِ شَفَتاهُ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ يُقالُ: سالَ يَسْألُ مِثْلُ خافَ يَخافُ لُغَةً في المَهْمُوزِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن سَألَ يَسْألُ، قالَ البَغَوِيُّ: وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمّا خَوَّفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَذابِ قالُوا: مِن أهْلِ هَذا العَذابِ ولِمَن [ هُوَ-] ؟ سَلُوا عَنْهُ، فَأُنْزِلَتْ.
ولَمّا أخْبَرَ بِتَحَتُّمِ وُقُوعِهِ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولا حِيلَةً مِنَ الحِيَلِ ﴿دافِعٌ﴾ مُبْتَدِئٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [المعارج: ٣] أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ دافِعٌ [ مِنهُ لَمْ يَكُنْ دافِعٌ -] مِن غَيْرِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ الوَعْدُ بِهِ، ودَلَّتِ الحِكْمَةُ عَلَيْهِ فَتَحَتَّمَ وُقُوعُهُ وامْتَنَعَ رُجُوعُهُ.
المعارج 70:3
ولَمّا كانَ القادِرُ يُوصَفُ بِالعُلُوِّ، والعاجِزُ يُوصَفُ بِالسُّفُولِ والدُّنُوِّ، وكانَ ما يَصْعَدُ فِيهِ إلى العالِي يُسَمّى دَرَجًا، وما يَهْبِطُ فِيهِ إلى السّافِلِ [ يُسَمّى دَرَكًا-]، وكانَتِ الأماكِنُ كُلُّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، اخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِما يَدُلُّ عَلى العُلُوِّ الَّذِي يُكَنّى بِهِ عَنِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ، فَقالَ واصِفًا بِما يَصْلُحُ كَوْنُهُ مُشِيرًا إلى التَّعْلِيلِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ (p-٣٩١)أيِ الدُّرْجِ الَّتِي لا انْتِهاءَ لَها أصْلًا - بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ وهي كِنايَةٌ عَنِ العُلُوِّ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الصّاعِدَ في الدُّرْجِ يُشْبِهُ مِشْيَةَ الأعْرَجِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها السَّماواتُ، ودَلَّ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الكَثْرَةُ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى عَجِيبِ القُدْرَةِ في تَخْفِيفِها عَلى المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ:
المعارج 70:4
﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ وهم أشَدُّ الخَلْقِ وأقْدَرُهُ عَلى اخْتِراقِ الطِّباقِ، والإسْراعِ في النُّفُوذِ حَتّى يَكُونُوا أعْظَمَ مِن لَمْحِ البَرْقِ الخَفّاقِ ﴿والرُّوحُ﴾ أيْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، [ خَصَّهُ -] تَعْظِيمًا لَهُ، أوْ هو خَلْقٌ هو أعْظَمُ [ مِنَ -] المَلائِكَةِ، وقِيلَ: رُوحُ العَبْدِ المُؤْمِنِ إذا قُبِضَ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ مَحَلُّ مُناجاتِهِ ومُنْتَهى ما يُمْكِنُ مِنَ العُلُوِّ لِمَخْلُوقاتِهِ، وعَلَّقَ بِالعُرُوجِ أوْ بِواقِعِ قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ أيْ مِن أيّامِكُمْ، فِيهِ آدَمِيًّا ﴿خَمْسِينَ ألْفَ﴾ وبَيَّنَ المَشَقَّةَ في صُعُودِهِ أوِ الكَوْنِ فِيهِ إنْ أُرِيدَ القِيامَةُ بِأنْ قالَ: ﴿سَنَةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عامًا - مَثَلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ ظَرْفًا لِلْعَذابِ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنْ يَكُونَ طُولُهُ عَلى الكافِرِ بِاعْتِبارِ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الغَمِّ لِشِدَّةِ المَخاوِفِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ ورَدَ أنَّهُ يُخَفِّفُ عَلى المُؤْمِنِ (p-٣٩٢)حَتّى يَكُونَ بِمِقْدارِ صَلاةٍ واحِدَةٍ - انْتَهى.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ المَعْنى [ أنَّهُ -] لَوْ ولِيُّ الحِسابِ غَيْرُ اللَّهِ لَمْ يَفْرَغْ مِنهُ إلّا في هَذا المِقْدارِ، ويَفْرَغُ مِنهُ هو سُبْحانَهُ في نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقالَ مُجاهِدٌ والحَكَمُ وعِكْرِمَةُ: هو عُمْرُ الدُّنْيا مِن أوَّلِها إلى آخِرِها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدُكم مَضى وكَمْ بَقِيَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ مَضى في سُورَةِ ”ألَم السَّجْدَة“ ما يَنْفَعُ هَهُنا.
المعارج 70:5
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنِ اسْتِعْجالِهِمْ إيّاهُ بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا سَواءٌ أُرِيدَ تَصْوِيرُ العَظَمَةِ أوِ العَذابِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ عَلى أذاهم ولا يَنْفَكُّ ذَلِكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ فَإنَّكَ شارَفْتَ وقْتَ الِانْتِقامِ مِنهم أيُّها الفاتِحُ الخاتَمُ الَّذِي لَمْ أُبَيِّنْ لِأحَدٍ ما بَيَّنْتُ عَلى لِسانِهِ، والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَلى المَكْرُوهِ مِنَ الإقْدامِ أوِ الإحْجامِ، وجَمالُهُ بِسُكُونِ الظّاهِرِ بِالتَّثَبُّتِ والباطِنِ بِالعِرْفانِ ﴿صَبْرًا جَمِيلا﴾ أيْ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ اضْطِرابٍ و[ لا -] اسْتِثْقالَ، ولا شَكْوى ولا اسْتِعْجالَ، فَإنَّ عَذابَهم ونَصْرَكَ عَلَيْهِمْ لِعَظَمَةِ مَن أرْسَلَكَ، فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لِأنَّ القَدْحَ فِيهِ والتَّكْذِيبَ بِهِ قَدْحٌ فِيها، وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.
المعارج 70:6
(p-٣٩٣)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا انْطَوَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ عَلى أشَدِّ [ وعِيدٍ -] وأعْظَمَهُ أتْبَعْتُ بِجَوابِ مَنِ اسْتَبْطَأ ذَلِكَ واسْتَبْعَدَهُ إذْ هو مِمّا يَلْجَأُ إلَيْهِ المُعانِدُ المُمْتَحِنُ، فَقالَ تَعالى: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم إذْ ذاكَ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةُ، ثُمَّ أتْبَعَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُغْنِي عَنْهُ [ ولا يُفِيدُهُ ﴿إنَّها لَظى﴾ [المعارج: ١٥] ثُمَّ خُتِمَتِ السُّورَةَ بِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ -] وأشَدَّ التَّهْدِيدِ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا﴾ [المعارج: ٤٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] ذَلِكَ يَوْمُ الحاقَّةِ ويَوْمُ القارِعَةِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ كَوْنُهُ تَعالى، بِما تَقَدَّمَ في العَظَمَةِ، أمْرًا مَعْلُومًا بِما لَهُ مِنَ الآثارِ مِن هَذا الكَوْنِ [ وما -] فِيهِ، وكانَ اسْتِبْعادُهم لِما أخْبَرَ بِهِ أمْرًا واهِيًا ضَعِيفًا سَفْسافًا لا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ أحَدًا يُحاوِلُ أنْ يَرُدَّ بِهِ هَذِهِ الأُمُورَ الَّتِي هي في وُضُوحِها كالشَّمْسِ لا خَفاءَ بِها أصْلًا ولا لَبْسَ قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ الكُفّارُ المُكَذِّبِينَ المُسْتَعْجِلِينَ ﴿يَرَوْنَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمَ الطَّوِيلَ أوْ عَذابَهُ ﴿بَعِيدًا﴾ أيْ زَمَنَ وُقُوعِهِ، لِأنَّهم يَرَوْنَهُ غَيْرَ مُمْكِنٍ أوْ يَفْعَلُونَ أفْعالَ مَن يَسْتَبْعِدُهُ
المعارج 70:7
﴿ونَراهُ﴾ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي قَضَتْ بِوُجُودِهِ وهو عَلَيْنا هَيِّنٌ ﴿قَرِيبًا﴾ سَواءٌ أُرِيدَ بِذَلِكَ قُرْبُ الزَّمانِ أوْ قُرْبُ المَكانِ، فَهو هَيِّنٌ [ عَلى قُدْرَتِنا -] وهو آتٍ (p-٣٩٤)لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ والبَعِيدُ والقَرِيبُ عِنْدَنا عَلى حَدٍّ سَواءٍ.
المعارج 70:8
ولَمّا ذَكَرَ عَنْ هَذا اليَوْمِ ما يَبْعَثُ عَلى السُّؤالِ عَنْهُ، اسْتَأْنَفَ بَيانَهُ مُبَيِّنًا عَظَمَتَهُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ يَقَعُ حِينَ ﴿تَكُونُ السَّماءُ﴾ [ أيِ -] الَّتِي هي أوْثَقُ ما تَراهُ وأصْلَبُهُ مِن عِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ ﴿كالمُهْلِ﴾ أيِ الشَّيْءِ المُذابِ مِنَ المَعادِنِ في مَهْلٍ أوْ دُرْدِيِّ الزَّيْتِ
المعارج 70:9
﴿وتَكُونُ الجِبالُ﴾ الَّتِي هي أشَدُّ الأرْضِ وأثْقَلُ ما فِيها ﴿كالعِهْنِ﴾ أيِ الصُّوفِ المَصْبُوغِ ألْوانًا المَنقُوشُ، تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كالهَباءِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجِبالَ في أصْلِها مُتَلَوِّنَةً كَما قالَ تَعالى ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ﴾ [فاطر: ٢٧] الآيَةُ، قالَ البَغَوِيُّ: ولا يُقالُ عِهْنٌ إلّا لِلْمَصْبُوغِ، قالَ: وأوَّلُ ما تَتَغَيَّرُ الجِبالُ تَصِيرُ رَمْلًا مَهِيلًا ثُمَّ عِهْنًا مَنفُوشًا [ ثُمَّ هَباءً -] مَنثُورًا - انْتَهى.
المعارج 70:10
﴿ولا يَسْألُ﴾ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ ﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ قَرِيبٍ في غايَةِ القُرْبِ والصَّداقَةِ قَرِيبًا مِثْلُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لِفَرْطِ الشَّواغِلِ ولِأنَّهُ قَدْ كَشَفَ لَهم أنَّهُ لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، وأنَّهُ قَدْ تَقَطَّعَتِ الأسْبابُ وتَلاشَتِ الأنْسابُ لَمّا كَشَفَ الِابْتِلاءَ عَنْ أنَّهُ لا عِزَّ إلّا بِالتَّقْوى - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِفَتْحِ الياءِ و[ عَلى -] قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ المَعْنى أنَّهُ لا يُطالَبُ أحَدٌ بِأحَدٍ كَما بَعَّضَ الحُكّامُ في الدُّنْيا (p-٣٩٥)مِن أنَّهُ يَلْزَمُ أقارِبَ مَن قَرَّبَهُ لِأنَّهُ لا حاجَةَ لَهُ بِذَلِكَ، لِأنَّ القُدْرَةَ مُحِيطَةٌ بِالكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ.
المعارج 70:11
ولَمّا كانَ عَدَمُ السُّؤالِ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِكَثْرَةِ الجَمْعِ وشِدَّةِ الزِّحامِ وتَفَرُّقِ النّاسِ فِيهِ عَلى حَسَبِ مَراتِبِ أعْمالِهِمُ، اسْتَأْنَفَ الجَوابَ لِمَن كَأنَّهُ يَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ يُتْرَكُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لَهُمْ؟ فَقالَ دالًّا بِالمَجْهُولِ والتَّفْعِيلِ عَلى عَظَمَةِ ذَلِكَ التَّبْصِيرِ وخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ جامِعًا لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَمِيمِ الجِنْسُ والجَمْعُ أدَلُّ عَلى عُمُومِ التَّبْصِيرِ، قالَ البَغَوِيُّ: ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ إلّا وهو نَصَبَ عَيْنَ صاحِبِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ - انْتَهى، وكانَ حِكْمَةُ ذَلِكَ أنَّهُ أدَلُّ عَلى تَقَطُّعِ الأسْبابِ فَلا [ يَسْألُ -] أحَدٌ مِنهُمُ الآخَرَ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ لِاشْتِغالِ كُلٌّ بِنَفْسِهِ، فَعَدَمُ السُّؤالِ لا لِلْخَفاءِ بَلْ لِلِاشْتِغالِ وهَمَّ كُلُّ إنْسانٍ بِما عِنْدَهُ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أيْ يُبْصِرُهم مُبْصِرٌ فَلا يُخْفى أحَدٌ عَلى أحَدٍ وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ ويَفِرُّ كُلٌّ مِنَ الآخَرِ لِشَغْلِهِ بِنَفْسِهِ، ولَمّا تَناهى الإخْبارُ بِعَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ إلى حَدٍّ لا تَحْتَمِلُهُ القُلُوبُ، ذَكَرَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿يَوَدُّ﴾ [الحجر: ٢] أيْ يَتَمَنّى ويَشْتَهِي ﴿المُجْرِمُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعِ سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ مُسْلِمًا عاصِيًا عَلِمَ أنَّهُ يُعَذَّبُ بِعِصْيانِهِ، وقُيِّدَ بِهِ لِأنَّ المُسْلِمَ الطّائِعٌ (p-٣٩٦)يَشْفَعُ فِيمَن أذِنَ لَهُ فِيهِ ولا يُهِمُّهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ودَلَّ عَلى [ أنَّ -] هَذِهِ الوِدادَةُ مُجَرَّدَ تَمَنٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَفْتَدِي﴾ أيْ نَفْسَهُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ يَوْمٍ إذْ كانَتْ [ هَذِهِ -] المَخاوِفُ بِأعْلَقِ النّاسِ بِقَلْبِهِ وأقْرَبِهِمْ مِنهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْألَ عَنْ أحْوالِهِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلِافْتِداءِ، بَدَأ بِأعَزِّهِمْ في ذَلِكَ بِخِلافِ ما يَأْتِي في عَبَسَ فَقالَ: ﴿بِبَنِيهِ﴾ لِشِدَّةٍ ما يَرى.
المعارج 70:12
ولَمّا ذَكَرَ ألْصَقَ النّاسِ بِالفُؤادِ وأعَزَّ مَن يَلْزَمُهُ لِنَصْرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، أتْبَعُهُ ما يَلِيهِ في الرُّتْبَةِ والمَوَدَّةِ وما الِافْتِداءُ بِهِ لا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ مِن أقْبَحِ العارِ فَقالَ: ﴿وصاحِبَتِهِ﴾ أيْ زَوْجَتِهِ الَّتِي يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْها والكَوْنُ دائِمًا مَعَها لِكَوْنِها عَدِيلَةَ رُوحِهِ في الدُّنْيا.
ولَمّا ذَكَرَ الصّاحِبَةَ لِما لَها مِن تَمامِ الوَصْلَةِ، أتْبَعَها الشَّقِيقُ الَّذِي لا يَلْزَمُ مِنَ الذَّبِّ عَنْهُ ما يَلْزَمُ مِنَ الذَّبِّ عَنِ الحَرِيمِ ورُبَّما كانَ مُبايِنًا، فَقالَ: ﴿وأخِيهِ﴾
المعارج 70:13
ولَمّا كانَ مَن بَقِيَ مِنَ الأقارِبِ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَقارِبِينَ في الرُّتْبَةِ ذَكَرَ أُقْرَبَهم فَقالَ: ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾ أيْ عَشِيرَتِهِ الَّذِينَ هم أقْرَبُ مَن فُصِلَ عَنْهُ ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ تَضُمُّهُ إلَيْها عِنْدَ الشَّدائِدِ وتَحْمِيهِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ (p-٣٩٧)النّاسِ إلَيْها وأعَزُّهم عَلَيْها فَهم أعْظَمُ النّاسِ حَقًّا عَلَيْهِ وأعَزُّهم لَدَيْهِ.
المعارج 70:14
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الفِدْيَةِ، قَدَّمَ الأبْعَدَ عَنْ ذَلِكَ فالأبْعَدَ مِن جِهَةِ النَّفْعِ والمَعَرَّةِ. ولَمّا كانَتْ آيَةُ عَبَسَ في الفِرارِ والنَّفْرَةِ، قَدَّمَ الألْصَقَ فالألْصَقَ، والأعْلَقَ في الأُنْسِ فالأعْلَقِ.
ولَمّا خَصَّ هُنا عَمَّ فَقالَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِمْ سَواءٌ كانَ فِيهِمْ صَدِيقٌ لا صَبْرَ عَنْهُ ولا بُدَّ في كُلِّ حالٍ مِنهُ أوْ لا. ولَمّا كانَ رُبَّما خَصَّ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، قالَ مُحَقِّقًا لِإرادَةِ الحَقِيقَةِ في مَعْنى ”مِن“: ﴿جَمِيعًا﴾
ولَمّا كانَ الإنْسانُ تُكْشَفُ لَهُ الأُمُورُ هُناكَ أيْ كَشَفَ، وتَظْهَرَ لَهُ أتَمَّ ظُهُورٍ، قالَ تَعالى ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا يُنْجِيهِ مِنَ الخَطايا المُحِيطَةِ المُحْبِطَةِ شَيْءٌ، دَلَّ عَلى الِاسْتِبْعادِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ”يَفْتَدِي“: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ أيْ ثُمَّ يَوَدُّ لَوْ يَكُونُ لَهُ بِذَلِكَ نَجاةً تَتَجَدَّدُ لَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
المعارج 70:15
ولَمّا كانَ هَذا [ مِمّا -] قَدْ يَطْمَعُ في النَّجاةِ، فَإنَّ بَعْضَ النّاسِ يُطْبَعُ عَلى قَلْبِهِ فَيَسْتَغْوِيهِ الأطْماعُ حَتّى يَعُدَّ المُحالَ مُمْكِنًا، قالَ مُعَبِّرًا بِمَجْمَعِ الرَّوادِعِ والزَّواجِرِ الصَّوادِعِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لِيَكُنْ لِلْمُجْرِمِ رَدْعٌ (p-٣٩٨)أيْ رَدْعٌ عَنْ وِدادِهِ هَذا وتَرَتَّبَ أثَرُهُ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ أبَدًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ولَمّا كانَ الإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ المُضْمَرِ في المَهِيعِ الَّذِي هو فِيهِ، لِأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُسْتَحْضَرٌ في الذِّهْنِ لا يَغِيبُ أصْلًا لِما لِلْمَقامِ عَلَيْهِ مِن عَظِيمِ الدَّلالَةِ، قالَ بَعْدَ هَذا الرَّدْعِ العَظِيمِ عَنِ النَّجاةِ بَلْ عَنْ وِدادَةِ تَمَنِّيها: ﴿إنَّها﴾ أيِ النّارِ الَّتِي هي سَوْطُ المَلِكِ المُعَدِّ لِمَن عَصاهُ، المُهَدَّدِ في هَذا السِّياقِ بِعَذابِها، المُسْتَوْلِيَةِ عَلَيْهِ لِتَكُونَ سِجْنَهُ: ﴿لَظى﴾ أيْ ذاتِ اللَّهَبِ الخالِصِ المُتَناهِي في الحَرِّ يَتَلَظّى أيْ يَتَوَقَّدُ فَيَأْكُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُها بَعْضًا إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهُ وتَأْكُلُ ما وجَدَتْهُ كائِنًا ما كانَ
المعارج 70:16
﴿نَـزّاعَةً لِلشَّوى﴾ أيْ هي شَدِيدَةُ النَّزْعِ لِجُلُودِ الرُّؤُوسِ بَلِيغَتِهِ فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِ مِنَ الجِلْدِ، وقالَ في القامُوسِ: الشَّوى: اليَدانِ والرِّجْلانِ والأطْرافُ وقَحْفُ الرَّأْسِ وما كانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ - انْتَهى، وقِيلَ: والجِلْدُ كُلُّهُ واللَّحْمُ تَنْزِعُ ذَلِكَ ثُمَّ يَعُودُ كَما كانَ في الحالِ لِيَرَوُا التَّعَبَ الَّذِي (p-٣٩٩)كانُوا يُنْكِرُونَهُ في أنْفُسِهِمْ في كُلِّ لَحْظَةٍ.
المعارج 70:17
ولَمّا كانَ الخَلاصُ غَيْرَ مُمْكِنٍ مِنَ الدّاعِي القادِرِ عَلى الإحْضارِ كَنّى عَنْ إحْضارِها إيّاهم وجَذْبِها لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿تَدْعُو﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً فَتَقُولُ في الدُّعاءِ في نَفْسِها: إلَيَّ يا مُشْرِكُ إلَيَّ يا مُنافِقُ، ونَحْوُ ذَلِكَ ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ التِقاطَ الطَّيْرِ لِلْحَبِّ ﴿مَن﴾ أيْ كُلِّ شَخْصٍ ﴿أدْبَرَ﴾ أيْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ أيْ مِن وقَعَ مِنهُ إدْبارَهُما مِن حَقِّهِ الإقْبالُ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الإدْبارُ عَنْها أوْ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي مِن شَأْنِها التَّنْجِيَةُ مِنها، ولَمّا كانَ الإدْبارُ قَدْ يَكُونُ عَنْ طَبْعٍ غالِبٍ فَيَكُونُ صاحِبُهُ في عِدادِ مَن يَعْذُرُ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ كَلَّفَ فِطْرَتَهُ الأُولى المُسْتَقِيمَةَ الإعْراضَ عَنْ أسْبابِ النَّجاةِ.
المعارج 70:18
ولَمّا كانَتِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ضَرَّتَيْنِ، فَكانَ الإقْبالُ عَلى إحْداهُما دالًّا عَلى الإعْراضِ عَنِ الأُخْرى، قالَ دالًّا عَلى إدْبارِهِ بِقَلْبِهِ: ﴿وجَمَعَ﴾ أيْ كُلَّ ما كانَ مَنسُوبًا إلى الدُّنْيا.
ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مَن كانَتِ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّهِ كانَ هَمُّهُ بِجَمْعِهِ الِاكْتِنازَ لا الإنْفاقَ، سَبَبٌ عَنْ جَمْعِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأوْعى﴾ أيْ جَعَلَ ما جَمَعَهُ في وِعاءِ وكَنَزَهُ حِرْصًا وطُولَ أمَلٍ ولَمْ يُعْطِ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، فَكانَ هَمَّهُ الإيعاءُ لا إعْطاءَ ما وجَبَ مِنَ الحَقِّ إقْبالًا عَلى الدُّنْيا (p-٤٠٠)وإعْراضًا عَنِ الآخِرَةِ.
المعارج 70:19
ولَمّا كانَ مِن أعْجَبِ العَجَبِ أنْ يُقْبِلَ عَلى الدُّنْيا أحَدٌ يَسْمَعُ هَذا التَّهْدِيدَ بِالعَرْضِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ والعِقابِ لِمَن لَمْ يُقْبِلْ عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لِما جَبَلَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وأنَّ الإنْسانَ مَقْهُورٌ مَعَ جِبِلَّتِهِ إلّا مَن حَفِظَهُ اللَّهُ، وذَلِكَ [ دالٌّ -] مِن كِلا الطَّرَفَيْنِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، قالَ مُؤَكِّدًا لِاقْتِضاءِ المَقامِ لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ الإنْسانَ لَوْ خَوَّفَ بِالعَرْضِ عَلى بَعْضِ الأُمَراءِ ما لابَسَ ما يُغْضِبُهُ فَكَيْفَ بِالعَزِيزِ الحَكِيمِ القَدِيرِ العَلِيمِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا الجِنْسَ، عَبَّرَ بِهِ لِما لَهُ مِنَ الأُنْسِ بِنَفْسِهِ والرُّؤْيَةِ لِمَحاسِنِها والنِّسْيانِ لِرَبِّهِ ولِذَنْبِهِ.
ولَمّا دَعا الحالُ إلى بَيانِ الجِبِلَّةِ الدّاعِيَةِ إلى ما يَقْتَضِيهِ بِاخْتِيارِ صاحِبِها عَلى وجْهٍ كَأنَّهُ إلْجاءٌ بَيانًا لِسُهُولَةِ الأُمُورِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ أيْ جُبِلَ جِبِلَّةً هو فِيها بَلِيغُ الهَلَعِ وهو أفْحَشُ الجَزَعِ مَعَ شِدَّةِ الحِرْصِ وقِلَّةِ الصَّبْرِ والشُّحِّ عَلى المالِ والرَّغْبَةِ فِيما لا يَنْبَغِي، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ الحَرِيصُ عَلى ما لا يَحِلُّ لَهُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ تَفْسِيرَهُ ما بَعْدَهُ.
المعارج 70:20
ولَمّا كانَ الهَلَعُ شِدَّةَ الحِرْصِ وقِلَّةَ الصَّبْرِ، نَشَرَ مَعْناهُ فَقالَ مُقَدِّمًا (p-٤٠١)المَعْمُولَ الَّذِي هو الظَّرْفُ عَلى العامِلِ بَيانًا لِإسْراعِهِ في ذَلِكَ: ﴿إذا مَسَّهُ﴾ [ أيْ -] أدْنى مَسٍّ ﴿الشَّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ وهو ما تَطايَرَ شَرَرُهُ مِنَ الضُّرِّ ﴿جَزُوعًا﴾ أيْ عَظِيمَ الجَزَعِ، وهو ضِدُّ الصَّبْرِ بِحَيْثُ يَكادُ صاحِبُهُ يُنْقُدُ نِصْفَيْنِ ويَتَفَتَّتُ
المعارج 70:21
﴿وإذا مَسَّهُ﴾ أيْ كَذَلِكَ ﴿الخَيْرُ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ وهو ما يُلائِمُهُ فَيُعَيِّنُهُ مِنَ السِّعَةِ في المالِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الرِّزْقِ ﴿مَنُوعًا﴾ أيْ مُبالَغًا في الإمْساكِ عَمّا يَلْزَمُهُ مِنَ الحُقُوقِ لِلِانْهِماكِ في حُبِّ العاجِلِ وقُصُورِ النَّظَرِ عَلَيْهِ وُقُوفًا مَعَ المَحْسُوسِ لِغَلَبَةِ الجُمُودِ والبَلادَةِ، وهَذا الوَصْفُ ضِدُّ الإيمانِ، لِأنَّهُ [ نِصْفانِ-]: صَبْرٌ وشُكْرٌ.
المعارج 70:22
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو يُسارِعُ في آثارِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الجَزَعِ مِمّا لا يَجُوزُ في الشَّرْعِ ومِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى المَنعِ مِن ذَلِكَ أيْضًا فَيَكُونُ مِن أهْلِ النّارِ، وكانَ مِنَ القُدْرَةِ البالِغَةِ أنْ يَحْفَظَ سُبْحانَهُ مَن أرادَ مِنَ الخِزْيِ مَعَ جِبِلَّتِهِ ويَحْمِلُهُ عَلى كَسْرِ نَفْسِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَتّى يَتَلاشى ما عِنْدَهُ مِن جِبِلَّةِ الشَّرِّ وتَبْقى الرُّوحُ عَلى حالِها عِنْدَ الفِطْرَةِ الأُولى، فَلا تَزالُ تَحُثُّهُ عَلى المُبادَرَةِ إلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وحَفْظَ حُدُودِهِ، فَكانَ لا كَرامَةَ أعْظَمُ مِن حِفْظِ المُكَلَّفِ لِحُدُودِ الشَّرْعِ مَعَ المُنافاةِ لِطَبْعِهِ، فَيَكُونُ جامِعًا لِلْإيمانِ بِنِصْفَيْهِ: الصَّبْرُ والشُّكْرُ، لِما جَمَعَ مِن هَذِهِ الأوْصافِ الثَّمانِ المُعادَةِ لِأبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِ، فَكانَ أسْبابًا لَها، اسْتَثْنى [ مِن -] هَذا النَّوْعِ الهَلُوعُ ولِذَلِكَ جَمَعَ فَقالَ: (p-٤٠٢)﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ أيِ المُحافِظِينَ عَلى الصَّلاةِ الَّتِي هي مَواطِنُ الِافْتِقارِ، العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ، فَإنَّهُ لا يَشْتَدُّ هَلَعُهم فَلا يَشْتَدُّ جَزَعُهم ولا مَنعُهُمْ، فَيَكُونُوا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ مُعْتَدِلِينَ مُسارِعِينَ فِيما يُرْضِي الرَّبَّ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَنَ بِما جَبَلَهم عَلَيْهِ مِنَ الهَلَعِ مِن طَهارَةِ الجَسَدِ لِطَهارَةِ طِينَتِهِ وزُكاءِ رُوحِهِ ما هَيَّأهُ لِتَهْذِيبِ نَفْسِهِ مِمّا يُسِرُّهُ لَهُ مِن أصْدِقاءِ الخَيْرِ وأوْلِياءِ المَعْرُوفِ وسَماعِ المَواعِظِ الحِسانِ والإبْعادِ عَنْ مَعادِنِ الدَّنَسِ مِنَ البِقاعِ والأقْرانِ والكَلامِ والأفْعالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأحْوالِ، والمُلابَسَةِ بِكُلِّ ما يَحْمِلُ عَلى المَعالِي مِن صالِحِ الخِلالِ حَتّى كانُوا مِن أهْلِ الكَمالِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ عَراقَتَهم في الوَصْفِ لَها فَقالَ:
المعارج 70:23
﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِكُلِّيَّةِ ضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿عَلى صَلاتِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي هي مُعْظَمُ دِينِهِمْ وهي النّافِعَةُ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ - بِما أفادَتْهُ الإضافَةُ، والمُرادُ الجِنْسُ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأنْواعِ إلّا أنَّ مُعْظَمَ المَقْصُودِ الفَرْضُ، [ و-] لِذَلِكَ عَبَّرَ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى الثَّباتِ في قَوْلِهِ: ﴿دائِمُونَ﴾ أيْ لا فُتُورَ لَهم عَنْها ولا انْفِكاكَ لَهم مِنها بَلْ يُلازِمُونَها مُلازَمَةً يَحْكُمُ بِسَبَبِها أنَّها في حالِ الفَراغِ مِنهُ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ بِدَوامِ الذِّكْرِ لَها والتَّهَيُّؤِ لِأدائِها لِأنَّها صِلَتُهم بِمَعْبُودِهِمُ الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهم إلّا مِنهُ، فَلَمْ (p-٤٠٣)يَكُونُوا ناسِينَ لِمَساوِئِهِمْ ولا آسِينَ بِمَحاسِنِهِمْ، وكَفى بِالصَّلاةِ بَرَكَةً في دَلالَتِها عَلى النَّجاةِ مِن هَذا الوَصْفِ المُوجِبِ لِأسْبابِ النّارِ، وهي عِبادَةٌ ذاتُ شُرُوطٍ وأرْكانٍ وأبْعاضٍ وهَيْئاتٍ [ وسُنَنٍ -] وآدابٍ مُفْتَتَحَةٍ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتِمَةٍ بِالتَّسْلِيمِ، وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى ذاتِ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، وإلى ذاتِ سُجُودٍ بِلا رُكُوعٍ كَسَجْدَةِ الشُّكْرِ والتِّلاوَةِ، وإلى ما لا رُكُوعَ فِيها ولا سُجُودَ كَصَلاةِ الجِنازَةِ.
المعارج 70:24
ولَمّا ذَكَرَ زَكاةَ الرُّوحِ، أتْبَعَهُ زَكاةَ عَدِيلِها المالُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلرُّسُوخِ في الوَصْفِ بِالعَطْفِ بِالواوِ: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي مَنَّ سُبْحانَهُ بِها عَلَيْهِمْ ﴿حَقٌّ﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِأعَمِّ مِنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا في الذّارِياتِ اقْتَصَرَ عَلى الفَرْضِ فَقالَ: ﴿مَعْلُومٌ﴾ أيْ مِنَ الزِّكْواتِ وجَمِيعِ النَّفَقاتِ [ الواجِبَةِ-] .
المعارج 70:25
ولَمّا كانَ في السُّؤالِ مِن بَذْلِ الوَجْهِ وكَسْرِ النَّفْسِ ما يُوجِبُ الرِّقَّةَ مَعَ وِقايَةِ النَّفْسِ مَعَ المَذَمَّةِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ أيِ المُتَكَلِّفِ لِسُؤالِ الإنْفاقِ المُتَكَفِّفِ. ولَمّا كانَ في النّاسِ مَن شَرُفَتْ هَمَّتُهُ وعَلَتْ رُتْبَتُهُ عَلى مُهاوِي الِابْتِذالِ بِذُلِّ السُّؤالِ مِنَ الإقْلالِ بِذَبِّ المُقْبِلِ عَلى اللَّهِ لِلتَّفَطُّنِ والتَّوَسُّمِ لِأُولَئِكَ [ فَقالَ-]: ﴿والمَحْرُومِ﴾ أيِ المُتَعَفِّفِ (p-٤٠٤)الَّذِي لا يَسْألُ فَيَظُنُّ غَنِيًّا ولا مالَ لَهُ يُغْنِيهِ فَهو يَتَلَظّى بِنارِهِ في لَيْلِهِ ونَهارِهِ، ولا مَفْزِعَ لَهُ بَعْدَ رَبِّهِ المالِكِ لِعَلانِيَتِهِ وإسْرارِهِ إلّا إلى إفاضَةِ مَدامِعِهِ بِذُلِّهِ وانْكِسارِهِ، وهَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى حَثٌّ عَلى تَفَقُّدِ أرْبابِ الضَّرُوراتِ مِمَّنْ لا كَسْبَ لَهُ ومَنِ افْتَقَرَ بَعْدَ الغِنى، وقَدْ كانَ لِلسَّلَفِ الصّالِحِ في هَذا وأشْباهِهِ قَصَبُ السَّبْقِ، حُكِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ أنَّهُ لَمّا ماتَ وُجِدَ في ظَهْرِهِ آثارٌ سُودٍ عِنْدَ غَسْلِهِ كَأنَّها السُّيُورُ، فَعَجِبُوا مِنها، فَلَمّا كانَ بَعْدَ أيّامٍ قالَ نِسْوَةٌ أرامِلُ: كانَ شَخْصٌ يَأْتِي إلَيْنا لَيْلًا بِقُرْبِ الماءِ وأجْرِبَةِ الدَّقِيقِ عَلى ظَهْرِهِ فَفَقَدْناهُ [ واحْتَجْنا-]، فَعَلِمُوا أنَّهُ هو وأنَّ تِلْكَ السُّيُورَ مِن ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ شَخْصًا رَآهُ ماشِيًا في زَمَنِ خِلافَتِهِ في اللَّيْلِ فَتَبِعَهُ حَتّى يَعْلَمَ إلى أيْنَ يَقْصِدُ، فَلَمْ يَزَلْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى جاءَ إلى بَيْتِ [ نِسْوَةِ -] أرامِلَ فَقالَ: أعِنْدَكُنَّ ماءٌ وإلّا أمْلَأُ لَكِنْ، فَأعْطَيْنَهُ جَرَّةً فَأخَذَها وذَهَبَ فَمَلَأها عَلى كَتِفِهِ وأتى بِها إلَيْهِنَّ، والحِكاياتُ عَنْهم في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ جِدًّا.
المعارج 70:26
ولَمّا كانَ المالُ قَدْ يُصْرَفُ لِإصْلاحِ الدُّنْيا، بَيَّنَ أنَّ النّافِعَ (p-٤٠٥)مِنهُ إنَّما هو المُصَدِّقُ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ التَّصْدِيقَ لِمَن يُخْبِرُهم ويُجَدِّدُونَهُ كُلَّ وقْتٍ ﴿بِيَوْمِ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الحَثَّ عَلى العَمَلِ لِأجْلِ العَرْضِ عَلى المَلِكِ الأعْلى عَبْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿الدِّينِ﴾ أيِ الجَزاءِ الَّذِي ما مِثْلُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي يَقَعُ الحِسابُ فِيهِ والدَّيْنُونَةُ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ والتَّصْدِيقُ بِهِ حَقُّ التَّصْدِيقِ الِاسْتِعْدادُ لَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فالَّذِينَ يَعْمَلُونَ لِذَلِكَ اليَوْمِ هُمُ العُمّالُ، وأمّا المُصَدِّقُونَ بِمُجَرَّدِ الأقْوالِ فَلَهُمُ الوَبالُ وإنْ أنْفَقُوا أمْثالَ الجِبالِ.
المعارج 70:27
ولَمّا كانَ الدِّينُ مَعْناهُ الجَزاءَ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وكانَ رُبَّما صَرَفَهُ صارِفٌ إلى الثَّوابِ فَقَطْ لِلْعِلْمِ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ رَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ، صَرَّحَ بِالعِقابِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِجَمِيعِ ضَمائِرِهِمْ ﴿مِن عَذابِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ، لا مِن عَذابِ غَيْرِهِ، فَإنَّ المُحْسِنَ أوْلى بِأنْ يُخْشى ولَوْ مِن قَطْعِ إحْسانِهِ، وإذا خِيفَ مَعَ تَجَلِّيهِ في مَقامِ الإحْسانِ كانَ الخَوْفُ أوْلى عِنْدَ اعْتِلائِهِ في نُعُوتِ الجَلالِ مِنَ الكِبَرِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أيْ خائِفُونَ في هَذِهِ الدّارِ خَوْفًا عَظِيمًا هو في غايَةِ الثَّباتِ مِن أنْ يُعَذِّبَهم في الآخِرَةِ أوِ الدُّنْيا أوْ فِيهِما، فَهم لِذَلِكَ لا يَغْفُلُونَ ولا يَفْعَلُونَ إلّا ما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ.
المعارج 70:28
(p-٤٠٦)ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْهِيبِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ الرَّجاءِ [ عَلى -] فِعْلِ الطّاعاتِ بِالدِّينِ، فَصارَ العَذابُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ تَلْوِيحًا وتَصْرِيحًا، زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ اعْتِراضًا مُؤَكَّدًا لِما لَهم مِن إنْكارِهِ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاهم وهم مَغْمُورُونَ بِإحْسانِهِ وهم عارِفُونَ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ ولَوْ بِقَطْعِ الإحْسانِ ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَأْمَنَهُ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَحِلَّ بِهِ وإنْ بالَغَ في الطّاعَةِ لِأنَّ المَلِكَ مالِكٌ وهو تامُّ المِلْكِ، لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ - ومِن جَوَّزَ وُقُوعَ العَذابِ أُبْعِدَ عَنْ مُوجِباتِهِ غايَةَ الإبْعادِ ولَمْ يَزَلْ مُتَرَجِّحًا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ.
المعارج 70:29
ولَمّا ذَكَرَ التَّحَلِّي بِتَطْهِيرِ النَّفْسِ بِالصَّلاةِ وتَزْكِيَةِ المالِ بِالصَّدَقَةِ، نَدَبَ إلى التَّخَلِّي عَنْ أمْرٍ جامِعٍ بَيْنَ تَدْنِيسِ المالِ والنَّفْسِ وهو الزِّنا الحامِلُ عَلَيْهِ شَهْوَةُ الفَرْجِ الَّتِي هي أعْظَمُ الشَّهَواتِ حَمْلًا لِلنَّفْسِ عَلى المُهْلِكاتِ، فَقالَ بَعْدَ ذِكْرِ التَّخْوِيفِ بِالعَذابِ إعْلامًا بِأنَّهُ أسْرَعُ إلى صاحِبِ هَذِهِ القادُورَةِ وُقُوعًا مِنَ الذُّبابِ في أحْلى الشَّرابِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِبَواطِنِهِمُ الغالِبَةِ عَلى ظَواهِرِهِمْ ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ أيْ سَواءٍ كانُوا ذُكُورًا أوْ إناثًا ﴿حافِظُونَ﴾ أيْ حِفْظًا ثابِتًا دائِمًا عَنْ كُلِّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ.
المعارج 70:30
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الحِفْظَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ذَكَرَ ما أذِنَ فِيهِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِثْناءِ إشْعارًا بِأنَّهُ كَأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فَيَخْرُجُ إلّا بَعْدَ تَقْرِيرِ عُمُومِ (p-٤٠٧)الحِفْظِ لا أنَّهُ مَقْصُودُ ابْتِداءٍ بِقَصْدِ الصِّفَةِ فَقالَ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ بِعَقْدِ النِّكاحِ.
ولَمّا قَدَّمَهُنَّ لِشَرَفِهِنَّ وشَرَفِ الوَلَدِ بِهِنَّ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿أوْ ما﴾ عَبَّرَ بِما هو الأغْلَبُ لِغَيْرِ العُقَلاءِ نَدْبًا إلى إيساعِ البَطانِ في احْتِمالِهِنَّ ﴿مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ مِنَ السَّرارِي اللّاتِي هُنَّ مَحَلُّ الحَرْثِ والنَّسْلِ اللّاتِي هُنَّ أقَلُّ عَقْلًا مِنَ الرِّجالِ.
ولَمّا كانَ النّاكِحُ عِبادَةً نادِرًا جِدًّا، وكانَ الأصْلُ في العِبادَةِ الخُرُوجَ عَنِ العادَةِ، وإنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلْعِبادَةِ كُنْ مَلُومًا، اكْتَفى في مَدْحِهِ بِنَفْيِ اللَّوْمِ عَنْهُ، وأكَّدَهُ لِأنَّ الأصْلَ كانَ اسْتِحْقاقُهُ لِلْمَلامِ لِإقْبالِهِ عَلى تَحْصِيلِ ما لَهُ مِنَ المَرامِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ المُسْتَثْنى: ﴿فَإنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ بِالفُرُوجِ عَلَيْهِنَّ وإزالَةِ الحِجابِ مِن أجْلِ ذَلِكَ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أيْ في الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ مِن لائِمٍ ما - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - فَهم يَصْحَبُونَهُنَّ قَصْدًا لِلتَّعَفُّفِ وصَوْنَ النَّفْسِ وابْتِغاءَ الوَلَدِ لِلتَّعاوُنِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
المعارج 70:31
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ تَحْرِيمُ غَيْرِ المُسْتَثْنى ووَجَبَ الحِفْظَ لِلْفُرُوجِ عَنْهُ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ المُقَدِّماتِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى﴾ أيْ طَلَبَ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا عَنْ إقْبالٍ عَظِيمٍ مِنَ (p-٤٠٨)النَّفْسِ واجْتِهادٍ في الطَّلَبِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ أيْ شَيْئًا مِن هَذا خارِجًا عَنْ هَذا الأمْرِ الَّذِي أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، والَّذِي هو [ أعْلى -] المَراتِبِ في أمْرِ النِّكاحِ وقَضاءُ اللَّذَّةِ أحْسَنُها وأجْمَلُها. ولَمّا كانَ الوُصُولُ إلى ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَسَبُّبٍ مِنَ الفاعِلِ رَبَطَ بِالفاءِ قَوْلَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ [ أيِ -] الَّذِينَ هم في الحَضِيضِ مِنَ الدَّناءَةِ وغايَةِ البُعْدِ عَنْ مُواطِنِ الرَّحْمَةِ ﴿هُمُ﴾ أيْ بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿العادُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالخُرُوجِ عَنِ الحَدِّ المَأْذُونِ فِيهِ.
المعارج 70:32
ولَمّا ذَكَرَ العادِيَّ أتْبَعَهُ الواقِفُ عِنْدَ الحُدُودِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِبَذْلِ الجُهْدِ مِن تَوْجِيهِ الضَّمائِرِ ﴿لأماناتِهِمْ﴾ أيْ [ كُلُّ -] ما ائْتَمَنَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَقِّهِ وحَقِّ غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِ عَهْدٍ، قالَ مُخَصِّصًا: ﴿وعَهْدِهِمْ﴾ أيْ ما كانَ [ مِنَ -] الأماناتِ بِرَبْطٍ بِالكَلامِ وتَوْثِيقٍ ﴿راعُونَ﴾ أيْ حافِظُونَ لَها مُعْتَرِفُونَ [ بِها -] عَلى وجْهٍ نافِعٍ غَيْرِ ضارٍّ.
المعارج 70:33
ولَمّا كانَ أجَلُ العُهُودِ والأماناتِ ما كانَ بِإشْهادٍ قالَ مُبَيِّنًا لِفَضْلِ الشَّهادَةِ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِن تَوْجِيهِ القُلُوبِ ﴿بِشَهاداتِهِمْ﴾ الَّتِي شَهِدُوا بِها أوْ يَسْتَشْهِدُونَ بِها لِطَلَبٍ أوْ غَيْرِهِ، وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ إشارَةٌ إلى أنَّهم في فَرْطِ قِيامِهِمْ بِها ومُراعاتِهِمْ لَها كَأنَّهم (p-٤٠٩)لا شاغِلَ لَهم سِواها ﴿قائِمُونَ﴾ أيْ يَتَحَمَّلُونَها ويُؤَدُّونَها عَلى غايَةِ التَّمامِ والحُسْنِ أداءَ مَن هو مُتَهِيِّئٌ لَها واقِفٌ في انْتِظارِها.
المعارج 70:34
ولَمّا كانَتْ أضْدادُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ نَقائِصَ مُهْلِكاتٍ، وكانَتِ الأنْفُسُ - لِما لَها مِنَ النَّقْصِ - نَزّاعَةً إلى النَّقائِصِ مَيّالَةً إلى الدَّسائِسِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ بِالدَّواءِ المُبَرِّئِ مِن كُلِّ داءٍ، فَقالَ مُشِيرًا إلى حِفْظِ أحْوالِ الصَّلاةِ وأوْصافِها بَعْدَ [ ذِكْرِ -] الحِفْظِ لِذَواتِها وأعْيانِها تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِها: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ ولَمّا وسَّطَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى الإقْبالِ بِجَمِيعِ القَلْبِ قَدَّمَ الصِّلَةَ كَما فَعَلَ بِما قِيلَ تَأْكِيدًا وإبْلاغًا في المُرادِ إلى أقْصى ما يُمْكِنُ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي ذَوْقٍ فَقالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ﴾ مِنَ الفَرْضِ والنَّقْلِ ﴿يُحافِظُونَ﴾ أيْ يُبالِغُونَ في حِفْظِها ويُجَدِّدُونَهُ حَتّى كَأنَّهم يُبادِرُونَها الحِفْظَ ويُسابِقُونَها فِيهِ فَيَحْفَظُونَها لِتَحَفُّظِهِمْ أوْ يُسابِقُونَ غَيْرَهم في حِفْظِها لِأوْقاتِها وشُرُوطِها وأرْكانِها ومُتَمِّماتِها في ظَواهِرِها وبَواطِنِها مِنَ الخُضُوعِ والمُراقَبَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خِلالِ الإحْسانِ الَّتِي إذا فَعَلُوها كانَتْ ولا بُدَّ ناهِيَةً لِفاعِلِها ”أنَّ الصَّلاةَ“ الكامِلَةَ ”تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ“ فَتَحْمِلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأوامِرِ وتَبْعُدُ عَنْ [ أضْدادِها-]، ولِكَوْنِ السِّياقِ هَذا لِلتَّخَلِّي عَنِ الأوْصافِ الجارَّةِ إلى الكُفْرِ وحَدِّ الصَّلاةِ إشارَةً (p-٤١٠)إلى أنَّهُ يَكْفِي في ذَلِكَ الفَرائِضَ وإنْ كانَ الجاسُّ يَشْمَلُ، وفِيَّ المُؤْمِنُونَ السِّياقُ لِأهْلِ الرُّسُوخِ في المَحاسِنِ، فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ: الإفْرادُ في الأوَّلِ لِيَنْصَبَّ بادِئَ بِدْئٍ إلى الفَرائِضِ، والجَمْعُ في بَعْضِ القِراءاتِ لِيَفْهَمَ مَعَ ذَلِكَ النَّوافِلَ بِأنْواعِها، وفي فَتْحِ الأوْصافِ بِالصَّلاةِ وخَتْمِها بِها مِن بَيانِ جَلالَتِها وعَظَمَتِها أمْرٌ باهِرٌ.
المعارج 70:35
ولَمّا ذَكَرَ حُلاهم أتْبَعُهُ ما أعْطاهم فَقالَ مُسْتَأْنِفًا ومُسْتَنْتِجًا مِن غَيْرِ فاءِ إشارَةٍ إلى [ أنَّ -] رَحِمَتَهُ هي الَّتِي أوْصَلَتْهم إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنهم في الحَقِيقَةِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ العُلُوِّ لِما لَهم مِن هَذِهِ الأوْصافِ العالِيَةِ، وعَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَجَّلَ جَزاءَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الآخِرَةِ فَواضِحٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم [ لِما -] جاهَدُوا فِيهِ بِإتْعابِ أنْفُسِهِمْ في هَذِهِ الأوْصافِ حَتّى تَخَلَّقُوا بِها أعْطاهم بِمُباشَرَتِها لَذاذاتٍ مِن أُنْسِ القُرْبِ وحَلاوَةِ المُناجاةِ لا يُساوِيها شَيْءٌ أصْلًا، والجَنَّةُ مَحَلٌّ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ الرّاحاتِ والمُسْتَلَذّاتِ [ والسُّرُورِ-]، وانْتَفى عَنْهُ [ جَمِيعَ -] المَكْرُوهاتِ والشُّرُورِ، وضِدُّها النّارُ، وزادَهم عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ مُعَبِّرًا باسِمِ المَفْعُولِ إشارَةً إلى عُمُومِ الإكْرامِ مِنَ الخالِقِ والخَلْقِ النّاطِقِ وغَيْرِهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَضى بِأنْ يَعْلُوَ مِقْدارَهم حَتّى يَكُونُوا أعْظَمَ مُشَخِّصٍ لَهم في الغَيْبِ مُبالَغًا في إكْرامِهِمْ عِنْدَ المُواجَهَةِ لِيَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِن خَلْقِ نَبِيِّهِمْ صَلّى اللَّهُ (p-٤١١)عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَقِيَهُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ قَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِمْ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما عَلَيْكَ ألّا تَدْنُوَ مِن هَؤُلاءِ الأخابِثَ؟ فَقالَ: ولِمَ، لَعَلَّكَ سَمِعْتَ بِي مِنهم أذًى، لَوْ قَدْ دَنَوْتَ مِنهم لَمْ يَقُولُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ دَنا مِنهم فَقالَ: هَلْ أخْزاكُمُ اللَّهُ يا إخْوانَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، فَقالُوا: مَهْ يا أبا القاسِمِ ما كُنْتَ جَهُولًا" وكَلَّمُوهُ بِأحْسَنِ ما يُمْكِنُهُمْ، وكَذا كانَتْ مَعَهُ قُرَيْشٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ في أكْثَرِ أحْوالِهِمْ، هَذا في الدُّنْيا وأمّا في الآخِرَةِ فَيَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالبُشْرى حِينَ المَوْتِ وفي قُبُورِهِمْ ومِن حِينِ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ إلى حِينِ دُخُولِهِمْ إلى قُصُورِهِمْ.
المعارج 70:36
ولَمّا تَحَرَّرَ بِهَذا الكَلامِ الإلَهِيِّ الَّذِي يَشُكُّ عاقِلٌ في أنَّ مَخْلُوقًا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ الواحِدُ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ، العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أنَّهُ لا يَتَقَصّى عَنْ نَقائِصِ الإنْسانِ حَتّى يَتَخَلَّصَ مِن ظُلُماتِ النُّقْصانِ إلى نُورِ الإحْسانِ إلّا مَن لازَمَ هَذِهِ الأوْصافَ وزَكّى نَفْسَهُ [ بِها -] لِيَصِيرَ [ كامِلًا -] مَعَ العِلْمِ القَطْعِيِّ عِنْدَ المُسْلِمِ والكافِرِ أنَّ الكَمالَ سَبَبُ السَّعادَةِ، وأنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى [ ما -] صَدَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ النَّقائِصِ، عَلِمَ أنَّ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالسَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، وكانَ الكُفّارُ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَجْلِسُونَ حَوْلَهُ بِالقُرْبِ مِنهُ لِيَسْمَعُوا كَلامَهُ ويُكَذِّبُوهُ ويَهْزَؤُوا بِهِ، وكانَ العاقِلُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْتِيَ شَيْئًا لا سِيَّما إنْ كانَ إتْيانُهُ إلَيْهِ عَلى (p-٤١٢)هَيْئَةِ الإسْراعِ إلّا لِتَحْصِيلِ السَّعادَةِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُعَبِّرًا عَنْ عَظَمَةِ القُرْآنِ بِما حاصِلُهُ أنَّهم حِينَ يَسْمَعُونَهُ يَصِيرُونَ لِشِدَّةِ ما يُفْزِعُهم أمْرُهُ لا يَتَمالَكُونَ فَيَفْعَلُونَ أفْعالَ مَن لا وعْيَ لَهُ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ مِنَ السَّعادَةِ لِلَّذِينِ سَتَرُوا مَرائِيَ عُقُولِهِمْ عَنِ الإقْرارِ بِمَضْمُونِ هَذا الكَلامِ الَّذِي هو أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، حال كَوْنِهِمْ ﴿قِبَلَكَ﴾ أيْ نَحْوِكَ أيُّها الرَّسُولُ الكَرِيمُ وفِيما أقْبَلَ عَلَيْكَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ مَعَ [ مَدِّ -] الأعْناقِ وإدامَةِ النَّظَرِ إلَيْكَ في غايَةِ العُجْبِ مِن مَقالِكَ هَيْبَةَ مَن يَسْعى إلى أمْرٍ لا حَياةَ لَهُ بِدُونِهِ.
المعارج 70:37
ولَمّا كانَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ فَيُراعِي الأيامِنَ والأشائِمَ عَلى ما تَقَدَّمَ في الصّافّاتِ، لا يَتْرُكُ ذَلِكَ إلّا في أمْرٍ أدْهَشَ عَقْلَهُ وأطارَ لُبَّهُ، فَلَمْ يَدَعْهُ يَتَأمَّلُ، قالَ مُشِيرًا إلى شِدَّةِ اعْتِنائِهِمْ بِهَذا الإهْطاعِ مَعَ عَدَمِ التَّحَفُّظِ مِن شَيْءٍ: ﴿عَنِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ إلَيْكَ كُلَّ مَكانٍ كانَ [ عَنْ جِهَةِ -] ﴿اليَمِينِ﴾ أيْ مِنكَ حَيْثُ يَتَمَنَّوْنَ بِهِ ﴿وعَنِ الشِّمالِ﴾ أيْ مِنكَ وإنْ كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِهِ ﴿عِزِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ جَماعاتٍ جَماعاتٍ وخَلْقًا خَلْقًا مُتَفَرِّقِينَ فِرَقًا شَتّى أفْواجًا يَتَمَهَّلُونَ لِيَأْتُوا جَمِيعًا جَمْعَ عِزَةٍ، وأصْلُها عِزْوَةٌ لِأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ ما تَعْتَزِي (p-٤١٣)إلَيْهِ الأُخْرى، جُمِعَ [ جَمْعَ -] سَلامَةٍ شُذُوذًا.
المعارج 70:38
ولَمّا كانَ هَذا الإسْراعُ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ [ إلّا -] فِيما يَتَحَقَّقُ أنَّهُ مُسْعِدٌ، ومَعَ تَحَقُّقٍ أنَّهُ مُسْعِدٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا فِيما تَحْصُلُ بِهِ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ؛ قالَ مُنَبِهًا عَلى ذَلِكَ مُنْكِرًا أنْ يَكُونَ لَهم ما كانَ يَنْبَغِي ألّا يَكُونَ فِعْلُهم ذَلِكَ إلّا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ مِن جُمْلَةِ اسْتِهْزائِهِمْ إذا تُحَلِّقُوا لِسَماعِ ما يَقْرَأُ أنْ يَقُولُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ حَقًّا مِن أمْرِ البَعْثِ والجَنَّةِ لَنَكُونُنَّ أسْعَدَ بِها مِنهم [ كَما أنا أسْعَدُ مِنهم -] في هَذِهِ الدّارِ كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] وذَلِكَ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَأْتِي الغَلَطُ مِن [ أنَّ -] الإنْسانَ يَكُونُ في خَيْرٍ في الدُّنْيا فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مانِعٌ لَهُ مِنَ النّارِ لِأنَّهُ خَيْرٌ في نَفْسِ الأمْرِ، أوْ يَظُنُّ أنَّ إمْهالَهُ وهو عَلى الباطِلِ رَضِيَ بِهِ، ولا يَدْرِي [ أنَّهُ -] لا يَضَّجِرُ ويَقْلَقُ ويَعْجَلُ إلّا مَن يَخافُ الفَوْتَ، أوْ يَكُونُ شَيْءٌ بِغَيْرِ إرادَتِهِ: ﴿أيَطْمَعُ﴾ أيْ بِهَذا الإتْيانِ، وعَبَّرَ بِالطَّمَعِ إشارَةً إلى (p-٤١٤)أنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في السَّفَهِ لِكَوْنِهِمْ طَلَبُوا أعَزَّ الأشْياءِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ تَعاطَوْهُ لَهُ.
ولَمّا كانَ إتْيانُهم عَلى هَيْئَةِ التَّفَرُّقِ مِن غَيْرِ انْتِظارِ جَماعَةٍ لِجَماعَةٍ قالَ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ عَلى انْفِرادِهِ، ولَمّا كانَ المَحْبُوبُ دُخُولَ الجَنَّةِ لا كَوْنُهُ مِن مَدْخَلٍ مُعَيَّنٍ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿أنْ يُدْخَلَ﴾ أيْ بِالإهْطاعِ وهو كافِرٌ مِن غَيْرِ إيمانٍ يُزَكِّيهِ كَما يُدْخَلُ المُسْلِمُ فَيَسْتَوِي المُسِيءُ والمُحْسِنُ ﴿جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ أيْ لا شَيْءَ فِيها غَيْرَ النَّعِيمِ في كُلِّ ما فِيها عَلى تَقْدِيرِ ضَبْطِهِ.
المعارج 70:39
ولَمّا [ كانَ -] مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُفِيدِ لِلنَّفْيِ: لا يَدْخُلُ، أكَّدَ ذَلِكَ مَعَ إفْهامِ الضَّجَرِ والِاسْتِصْغارِ بِالإتْيانِ بِأُمِّ الزَّواجِرِ والرَّوادِعِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَكُونُ ما طَمِعُوا فِيهِ أصْلًا لِأنَّ ذَلِكَ تَمَنٍّ فارِغٍ لا سَبَبَ لَهُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالطَّمَعِ دُونَ الرَّجاءِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا أكْثَرَ مِن شَيْءٍ وجَعَلَهُ دَيْدَنَهُ فَساغَ عِنْدَهم أنْ يُقالَ: فُلانٌ خُلِقَ مِن كَذا، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا، عَدا لَهم مُنْكِرِينَ لِأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُقْصانِهِمْ يَدَّعُونَ الكَمالَ: ﴿إنّا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿خَلَقْناهُمْ﴾ بِالعَظْمَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقاوِيَها فَيَصْرِفُ شَيْئًا مِن إرادَتِهِ عَنْ تِلْكَ الوُجْهَةِ الَّتِي وُجْهَتِهِ إلَيْها إلى غَيْرِها (p-٤١٥)﴿مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ مِمّا يَسْتَحِي مِن ذِكْرِهِ ذاتًا ومَعْنًى، أمّا الذّاتُ فَهو نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ أُخْرِجَتْ مِن مَخْرَجِ البَوْلِ وغَذَّيْناها بِدَمِ الحَيْضِ، فَهي يَتَحَلَّبُ مِنها البَوْلَ والعَذْرَةَ، وأمّا المَعْنى فالهَلَعُ والجَزَعُ والمَنعُ اللّاتِي هم مُوافِقُونَ عَلى عَدِّها نَقائِصَ، فَلا يَصْلُحُونَ لِدارِ الكَمالِ إلّا بِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ الخِلالِ الَّتِي حَضَّ عَلَيْها المَلِكُ المُتَعالِّ، رَوى البَغْوِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ بِشْرِ بْنِ جِحاشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”وبَصَقَ يَوْمًا في كَفِّهِ ووَضَعَ عَلَيْها أُصْبُعَهُ فَقالَ:“ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: ابْنُ آدَمَ! أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَّلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ والأرْضُ مِنكَ وئِيدٌ وجَمَعَتْ ومَنَعَتْ حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِي قُلْتُ: أتَصَدَّقُ، وأنّى أوانُ الصَّدَقَةِ» - انْتَهى.
المعارج 70:40
ولَمّا كانَ في [ ذِكْرِ -] هَذا الخَلْقِ مَعَ ما تُقَدِّمُ إشارَةً عَظِيمَةً إلى ما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ مِنَ الحَشْرِ والجَنَّةِ لِنَكُونُنَّ آثَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنكم ولِنُدْخِلُنَّها كَما نَحْنُ الآنَ آثَرَ مِنكم [ عِنْدَهُ -] بِما لَنا مِنَ الأمْوالِ، والبَسْطَةُ في الدُّنْيا والوَجاهَةُ والإقْبالُ، وتَنْبِيهٌ عَلى [ أنَّ -] الكُلَّ مُتَساوُونَ في أنَّهم مِن نُطْفَةٍ فَما فَضْلُهم في هَذِهِ (p-٤١٦)الدُّنْيا بِهَذِهِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ إلّا هو سُبْحانَهُ، وقَدْ فَضَّلَ المُؤْمِنِينَ بِالنِّعَمِ الباطِنَةِ الَّتِي زادَتْهم في التَّمَكُّنِ فِيها التَّزْكِيَةُ بِهَذِهِ الأوْصافِ العَمَلِيَّةِ النّاشِئَةِ عَنِ الصِّفَةِ العِلْمِيَّةِ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يَضُمَّ إلى النِّعَمِ الباطِنَةِ النِّعَمَ الظّاهِرَةَ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: وأكَّدَ بِنَفْيِ القَسَمِ المُشِيرِ إلى عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِكَثْرَةِ الأدِلَّةِ المُغْنِيَةِ عَنْهُ لِما لِذَلِكَ المَقْسِمِ عَلَيْهِ مِنَ الغَرابَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِكَثْرَةِ الكُفّارِ وقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ: ﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ خُلُقِنا لَهم مِن ذَلِكَ المُنَبِّهِ عَلى أنّا نَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ نُرِيدُهُ وأنَّهُ لا يُعْجِزُنا شَيْءٌ أيْ لا ﴿أُقْسِمُ﴾ فَلَفَتَ القَوْلَ إلى أفْرادِ الضَّمِيرِ مُعَرًّى عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِئَلّا يَتَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ في أمْرِ الوَحْدانِيَّةِ ﴿بِرَبِّ﴾ أيْ مُرَبِّي وسَيِّدٌ ومُبْدِعٌ ومُدَبِّرٌ ﴿المَشارِقِ﴾ الَّتِي تُشْرِقُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ السَّيّارَةَ كُلَّ يَوْمٍ في مَوْضِعٍ مِنها عَلى المِنهاجِ الَّذِي دَبَّرَهُ، والقانُونِ القَوِيمِ الَّذِي أتْقَنَهُ وسَخَّرَهُ، سِتَّةَ أشْهُرٍ صاعِدَةٍ وسِتَّةَ أشْهُرٍ هابِطَةٍ ﴿والمَغارِبِ﴾ كَذَلِكَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المُحْكَمِ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ اخْتِلالٌ، وهي الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها اللَّيْلُ والنَّهارُ والفُصُولُ الأرْبَعَةُ، فَكانَ [ بِها -] صَلاحُ العالَمِ بِمَعْرِفَةِ الحِسابِ وإصْلاحِ المَآكِلِ والمَشارِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَآرِبِ، فَيُوجَدُ كُلٌّ مِنَ المَلَوَيْنِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ والنَّباتُ مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ كَذَلِكَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ قادِرٌ (p-٤١٧)عَلى الإيجادِ والإعْدامِ لِكُلِّ ما يُرِيدُهُ كَما يُرِيدُهُ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ما.
ولَمّا كانَ المَعْنى: لا أُقْسِمُ بِذَلِكَ وإنْ كانَ عَظِيمًا لِأنَّ الأمْرَ في وُضُوحِهِ لا يَحْتاجُ إلى قَسَمٍ، كَما لَوْ قالَ خَصْمٌ لِخَصْمِهِ: احْلِفْ، فَيَقُولُ لَهُ: الأمْرُ غَنِيٌّ عَنْ حَلِفِي إذْ يَحْتاجُ إلى اليَمِينِ مِن لا بَيِّنَةَ لَهُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنَ البَيِّناتِ بِما لا يَكُونُ مَعَهُ شُبْهَةٌ، وكانُوا في تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ - مَعَ الِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالقُدْرَةِ - كالمُنْكِرِينَ لِلْقُدْرَةِ عَلى قَلْبِ الأمْرِ، أكَّدَ قَوْلَهُ عائِدًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ [ بَعْدَ دَفْعِ اللَّبْسِ بِما هو في وُضُوحِهِ أجْلى مِنَ الشَّمْسِ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَقادِرُونَ﴾ بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ بِالأداةِ والإسْمِيَّةِ والِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ -] في كُلٍّ مِنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، فَكانَ في إخْبارِهِ بَعْدَ الإقْسامِ مَعَ التَّأْكِيدِ إشارَةٌ إلى أعْلى مَراتِبِ التَّأْكِيدِ
المعارج 70:41
﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ [ أيْ -] تَبْدِيلًا عَظِيمًا بِما لَنا مِنَ الجَلالَةِ عِوَضًا عَنْهم ﴿خَيْرًا مِنهُمْ﴾ أيْ بِالخَلْقِ أوْ تَحْوِيلُ الوَصْفِ فَيَكُونُوا أشَدَّ بَسْطَةً في الدُّنْيا وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا وأعْلى قَدْرًا وأكْثَرَ حَشَمًا ووَجاهَةً وحَزْمًا وخَدَمًا، فَيَكُونُوا عِنْدَكَ خَلْقًا عَلى قَلْبٍ واحِدٍ في سَماعِ قَوْلِكَ وتَوْقِيرِكَ وتَعْظِيمِكَ والسَّعْيِ في كُلِّ (p-٤١٨)ما يَشْرَحُ صَدْرَكَ بَدَلٌ ما يَعْمَلُ هَؤُلاءِ مِنَ الهَزْءِ والتَّصْفِيقِ والصَّفِيرِ وكُلِّ ما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ بِالسِّعَةِ في الرِّزْقِ بِأخْذِ أمْوالِ الجَبّارِينَ مِن كِسْرى وقَيْصَرَ، والتَّمَكُّنِ في الأرْضِ حَتّى كانُوا مُلُوكَ الدُّنْيا مَعَ العَمَلِ بِما يُوجِبُ لَهم [ مِلْكَ -] الآخِرَةِ، فَرَجَوُا الكَرْبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَذَلُوا في مَرْضاتِهِ الأنْفُسَ والأمْوالَ.
ولَمّا كانَ [ الإنْسانُ -] قَدْ يَفْعَلُ شَيْئًا ثُمَّ يَنْقَضُّ عَلَيْهِ، أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما﴾ وأكَدَّ الأمْرَ بِالِاسْمِيَّةِ الكائِنَةِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ مِن سابِقِ ما يَغْلِبُ عَلى شَيْءٍ لَمْ نُرِدْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولِذَلِكَ أتى بِاسْمِ المَفْعُولِ.
المعارج 70:42
ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ العَظَمَةَ البالِغَةَ الباهِرَةَ مِن شُمُولِ العِلْمِ وتَمامِ القُدْرَةِ، فَأُنْتِجُ اعْتِمادُ أهْلِ حِزْبِهِ عَلَيْهِ وإعْراضِهِمْ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَهْدِيدًا لِلْمُخالِفِينَ وتَسْلِيَةً لِلْمُؤالِفِينَ: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم [ ولَوْ -] عَلى أسْوَأِ أحْوالِهِمْ ﴿يَخُوضُوا﴾ أيْ يَفْعَلُوا في مَقالِهِمْ وفِعالِهِمُ الَّذِي لا شَيْءَ مِنهُ عَلى إتْقانٍ بَلْ هو كَفِعْلِ الحائِضِ في الماءِ الَّذِي لا يَضَعُ رِجْلَهُ في مَوْضِعٍ يَعْلَمُ أنَّهُ يُرْضِيهِ، فَهو بِصَدَدِ أنَّ (p-٤١٩)يَقَعَ أوْ يَغْرَقَ ﴿ويَلْعَبُوا﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ اللّاعِبِ الَّذِي لا فائِدَةَ لِفِعْلِهِ إلّا ضَياعُ الزَّمانِ والتَّعَطُّلُ عَمّا يُهِمُّ مِن عَظِيمِ الشَّأْنِ.
ولَمّا كانَ ما تَوَعَّدَ اللَّهُ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ كانَ كَأنَّهُ قادِمٌ عَلى الإنْسانِ والإنْسانُ ساعٍ بِجُهْدِهِ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالمُفاعَلَةِ فَقالَ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ ولَمّا كانَ ما يَقَعُ لِلْكُفّارِ مِنهُ أعْظَمُ، كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ كَأنَّهُ خاصٌّ بِهِمْ فَقالَ: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي﴾ ولَمّا كانَ الوَعِيدُ - وهو ما كانَ مِنَ الخَبَرِ تَخْوِيفًا لِلْمُتَوَعِّدِ - صادِعًا لِلْقُلُوبِ إذا كانَ مِنَ القادِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ذِكْرِ المُتَوَعِّدِ، بُنِي المَفْعُولُ قَوْلُهُ: ﴿يُوعَدُونَ﴾ وهو يَوْمُ كَشْفِ الغِطاءِ الَّذِي أوَّلَ تَجْلِيَتُهُ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ ونِهايَتُهُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ إلى دُخُولِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في دارِهِ ومَحَلِّ اسْتِقْرارِهِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
المعارج 70:43
ولَمّا كانَ ما بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ أعْظَمَهُ وأهْوَلَهُ، أبْدَلَ مِنهُ [ قَوْلَهُ-]: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ عَنْهُ سُؤالَ اسْتِهْزاءِ ويَسْتَبْعِدُونَهُ، وقِراءَةُ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِمّا هو في غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ القُبُورِ الَّتِي صارُوا بِتَغَيُّبِهِمْ فِيها تَحْتَ وقْعِ (p-٤٢٠)الحافِرِ والخُفِّ، فَهم بِحَيْثُ لا يَدْفَعُونَ شَيْئًا يُفْعَلُ بِهِمْ بَلْ هم كَلَحْمٍ في فَمٍ ماضِغٍ، فَإنَّ الجَدَثَ القَبْرُ والجَدَثَةُ صَوْتُ الحافِرِ والخُفِّ ومَضْغُ اللَّحْمِ ﴿سِراعًا﴾ أيْ نَحْوَ صَوْتِ الدّاعِي.
ولَمّا كانَتْ عادَةُ الإنْسانِ الإسْراعُ إلى ما يَقْصِدُهُ مِنَ الأعْلامِ المَنصُوبَةِ، وعادَتُهم - هم بِالخُصُوصِ - المُبادَرَةُ إلى الأنْصابِ الَّتِي يُبْعِدُونَها ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَساسَةِ خِفَّةً مِنهم في العُلُومِ وطَيْشًا في الحُلُومِ قالَ: ﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ﴾ أيْ عَلَمٍ مَنصُوبٍ مُصَدَّرٍ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما تَقُولُ: هَذا نُصْبُ عَيْنِي وضَرَبَ الأمِيرَ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَتْحِ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ بِالضَّمِّ: إلى عِلْمٍ أوْ شَيْءٍ يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى ما فِيهِ مِنَ الدّاءِ القاتِلِ والبَلاءِ، أوْ حَجَرٍ يَذْبَحُونَ عَلَيْهِ، قالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: النَّصْبُ والنُّصْبُ والنُّصُبُ: الدّاءُ والبَلاءُ: والنُّصُبُ كُلُّ ما نُصِبَ فَجَعَلَ عَلَمًا، والنَّصْبُ والنَّصَبُ: العَلَمُ المَنصُوبُ، والنُّصْبُ والنُّصُبُ: كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجَمْعُ أنْصابٌ، والأنْصابُ حِجارَةٌ كانَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ تُنْصَبُ فَيُهَلُّ عَلَيْها ويُذْبَحُ عَلَيْها لِغَيْرِ اللَّهِ، وأنْصابُ الحَرَمِ: حُدُودُهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: والنَّصْبُ ما نُصِبَ (p-٤٢١)لِلْإنْسانِ فَهو يَقْصِدُهُ مُسْرِعًا إلَيْهِ مِن عِلْمٍ أوْ بِناءٍ أوْ صَنَمٍ، وغَلَبَ في الأصْنامِ حَتّى قِيلَ: الأنْصابُ ﴿يُوفِضُونَ﴾ أيْ يَعَجِّلُونَ عَجَلَةَ مَن هو ذاهِبٌ إلى ما يُسِرُّهُ حَتّى كَأنَّهُ يَطَّرِدُ إلَيْهِ كَما كانُوا يُسْرِعُونَ إلى أنْصابِهِمْ.
المعارج 70:44
ولَمّا كانَ إيفاضُهم إلى الأنْصابِ عَلى حالِ السُّرُورِ، أخْبَرَ أنَّ هَذا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وأنَّ ذِكْرَ النَّصْبِ وتَصْوِيرَ حالَةِ الإتْيانُ إلَيْهِ ما كانَ إلّا تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿خاشِعَةً﴾ أيْ مُنْكَسِرَةً مُتَواضِعَةً لِما حَلَّ بِها مِنَ الذُّلِّ والصِّغارِ، وألْحَقَها عَلامَةَ التَّأْنِيثِ زِيادَةً في هَذا المَعْنى ومُبالَغَةً فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أبْصارُهُمْ﴾
ولَمّا كانَ خُشُوعُها دائِمًا فَعَبَّرَ بِالِاسْمِ، وكانَ ذُلُّهم يَتَزايَدُ في كُلِّ لَحْظَةٍ، عَبَّرَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ فَقالَ: ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ أيْ تَغْشاهم فَتَعُمُّهُمْ، وتَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فَتُكَلِّفُهم كُلَّ عُسْرٍ وضِيقٍ عَلى وجْهِ الإسْراعِ إلَيْهِمْ ﴿ذِلَّةٌ﴾ ضِدَّ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا لِأنَّ مَن تَعَزَّزَ في الدُّنْيا عَلى الحَقِّ ذُلٌّ في الآخِرَةِ، ومَن ذَلَّ لِلْحَقِّ في الدُّنْيا عَزَّ في الآخِرَةِ.
(p-٤٢٢)ولَمّا صَوَّرَهُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ أشارَ إلى أنَّ هَذا ما تُدْرِكُهُ العُقُولُ مِن وصْفِهِ وأنَّهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرَ الَّذِي هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ في العَظَمَةِ ﴿اليَوْمُ الَّذِي كانُوا﴾ أيْ في حالِ الدُّنْيا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُكْنَةِ في الوَعِيدِ.
ولَمّا كانَ الوَعِيدُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ مِنَ القادِرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مُخِيفًا مُوجِعًا مِن غَيْرِ ذِكْرِ مَن صَدَرَ عَنْهُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿يُوعَدُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُ لَهُمُ الإيعادَ بِهِ في الدُّنْيا في كُلِّ وقْتٍ لَعَلَّهم يَتَّعِظُونَ فَتَرِقُّ قُلُوبُهم فَيَرْجِعُونَ عَماهم فِيهِ مِنَ الجَبَرُوتِ، وهَذا هو زَمانُ العَذابِ الَّذِي سَألُوا عَنْهُ أوَّلَ السُّورَةِ، فَقَدْ رَجَعَ كَما تَرى آخِرُها عَلى أوَّلِها أيَّ رُجُوعٍ، وانْضَمَّ مَفْصِلُها إلى مُوصِلِها انْضِمامَ المُفْرَدِ إلى المَجْمُوعِ - واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ.
نوح 71:1
سُورَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى ما أنْذَرَ بِهِ آخَرَ ”سَألَ“ (p-٤٢٣)مِن إهْلاكِ المُنْذِرِينَ وتَبْدِيلِ خَيْرٍ مِنهُمْ، ومِنَ القُدْرَةِ عَلى إيجادِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي طالَ إنْذارُهم بِهِ وهم عَنْهُ مُعْرِضُونَ وبِهِ مُكَذِّبُونَ وبِهِ لاهُونَ، وتَسْمِيَتُها بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ أمْرَهُ في إهْلاكِ قَوْمِهِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ في قِصَّتِهِ في هَذِهِ [ السُّورَةِ -] مُقَرَّرٌ ومَسْطُورٌ ( بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مِنَ الجَلالِ والإكْرامِ ( الرَّحْمَنِ الَّذِي عَمَّ بِما أفاضَهُ مِن ظاهِرِ الإنْعامِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِلُزُومِ الطّاعَةِ [ في الِابْتِداءِ -] وإتْمامِ النِّعْمَةِ في الخِتامِ.
* *
لَمّا خُتِمَتْ ”سَألَ“ بِالإنْذارِ لِلْكَفّارِ، وكانُوا عُبّادَ أوْثانٍ، بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتْبَعَها أعْظَمَ عَذابٍ كانَ في الدُّنْيا في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ قَوْمُهُ عُبّادَ أوْثانٍ، وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وكانُوا أشَدَّ تَمَرُّدًا مِن قُرَيْشٍ وأجْلَفَ وأقْوى وأكْثَرَ، فَلَمْ يَنْفَعْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ وبُرُوكِ النِّقْمَةِ عَلَيْهِمْ وإتْيانِ العَذابِ إلَيْهِمْ، وابْتَدَأها بِالإنْذارِ تَخْوِيفًا مِن عَواقِبِ التَّكْذِيبِ بِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا أوْ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ مِن حَيْثُ أقَرُّوا بِرِسالَتِهِ وطَعَنُوا في رِسالَةِ غَيْرِهِ مَعَ المُساواةِ في البَشَرِيَّةِ: (p-٤٢٤)﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ البالِغَةِ ﴿أرْسَلْنا نُوحًا﴾ وهو أوَّلُ رَسُولٍ أتى بَعْدَ اخْتِلافِ أوْلادِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دِينِ أبِيهِمُ الأقْوَمِ ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ عَلى القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ وهم بِصَدَدِ أنْ يُجِيبُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ ويُكْرِمُوهُ لِما بَيْنَهم مِنَ القُرْبِ بِالنَّسَبِ واللِّسانِ، وكانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ مِنَ الآدَمِيِّينَ.
ولَمّا بانَ مَضى المُرْسِلُ والرَّسُولُ والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ، وكانَ الإرْسالُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ، أخَذَ في تَفْسِيرِهِ بَيانًا لِلْمُرْسَلِ بِهِ فَقالَ: ﴿أنْ أنْذِرْ﴾ أيْ حَذَّرَ تَحْذِيرًا بَلِيغًا عَظِيمًا ﴿قَوْمَكَ﴾ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ ”إعْلامَهم بِذَلِكَ“ في بَعْضِ الأوْقاتِ لِأنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ لَهُ مِن أوْقاتِ شُغْلٍ بِنَفْسِهِ مِن نَوْمٍ وأكْلٍ وغَيْرِهِ، أتى بِالجارِّ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ ورِفْقًا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهُمْ﴾ أيْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الخَبِيثَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾
[ و-] قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا﴾ [المعارج: ٥] (p-٤٢٥)وجَلِيلِ الإغْضاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا﴾ [المعارج: ٤٢] أتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَكَرُّرِ دُعائِهِ قَوْمَهُ إلى الإيمانِ، وخَصَّ مِن خَبَرِهِ حالَهُ في طُولِ مُدَّةِ التِّذْكارِ والدُّعاءِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ في المَوْضِعِ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ، ولِيَتَأسّى بِهِ في الصَّبْرِ والرِّفْقِ والدُّعاءِ كَما قِيلَ لَهُ ﷺ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] فَقَدْ دامَ دُعاءُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ أدْوَمَ مِن مُدَّتِكَ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزِدْهم إلّا فِرارًا [ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] ثُمَّ مَضَتْ آيُ السُّورَةِ عَلى هَذا المَنهَجِ مِن تَجْدِيدِ الإخْبارِ بِطُولِ مُكابَدَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَكْرِيرِ دُعائِهِ، فَلَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا بُعْدًا وتَصْمِيمًا عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى أخَذَهُمُ اللَّهُ، وأجابَ فِيهِمْ دُعاءَ نَبِيِّهِ [ نُوحٍ -] عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وذَلِكَ لِيَأْسِهِ مِن فَلاحِهِمْ، وانْجَرَّ في هَذا حَضَّ نَبِيِّنا ﷺ عَلى الصَّبْرِ (p-٤٢٦)عَلى قَوْمِهِ والتَّحَمُّلِ مِنهم كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وكَما قِيلَ لَهُ [ قَبْلَ -] ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] [ انْتَهى-] .
نوح 71:2
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ رِسالَتِهِ ومَضْمُونِها بِما أعْلَمَ مِن أنَّ الفَسادَ كانَ غالِبًا عَلَيْهِمُ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لِامْتِثالِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يا قَوْمِ﴾ فاسْتَعْطَفَهم بِتَذْكِيرِهِمْ أنَّهُ أحَدُهم يُهِمُّهُ ما يُهِمُّهم.
ولَمّا كانَ مَن طَبْعِ البَشَرِ إنْكارُ ما لَمْ يَعْلَمْ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ فَجَعَلَهُ مُنْقادًا لِلْإيمانِ بِالغَيْبِ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ أيْ مَبالَغٌ في النِّذارَةِ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ أمْرِي بَيِّنٌ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ أنَّهُ صارَ مِن شِدَّةِ وُضُوحِهِ كَأنَّهُ مَظْهَرٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ، مُنادٍ بِذَلِكَ لِلْقَرِيبِ والبَعِيدِ والفَطِنِ والغَبِيِّ.
نوح 71:3
ولَمّا كانَ تَرْكُ ما أنْذَرَهم بِسَبَبِهِ مِنَ الكُفْرِ لا يُغْنِيهِمْ إلّا أنْ آمَنُوا، وكانَ الإيمانُ مُخْلِصًا عَنْ عَواقِبِ الإنْذارِ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا مَعَ تَرْكِ جَمِيعِ أنْواعِ الكُفْرِ، فَسِرُّ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ (p-٤٢٧)الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ، وذَلِكَ بِأنْ تُخْلِصُوا التَّوَجُّهَ إلَيْهِ فَإنَّ غِناهُ يَمْنَعُ مِن أنْ يَقْبَلَ عِبادَةً فِيهِ شِرْكٌ وهَذا هو الإيمانُ ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِهِ وِقايَةً تَمْنَعُكم مِن عَذابِهِ بِالِانْتِهاءِ عَنْ كُلِّ ما يَكْرُهُهُ، فَلا تَتَحَرَّكُوا حَرَكَةً ولا تَسْكُنُوا سَكَنَةً إلّا في طاعَتِهِ، وهَذا هو العَمَلُ الواقِي مِن كُلِّ سُوءٍ.
ولَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ما يُرْضِي المَلِكَ لِيَلْزَمَ وما يُسْخِطُهُ لِيَتْرُكَ إلّا مِنهُ، ولا وُصُولَ إلى ذَلِكَ إلّا مِن خاصَّتِهِ، ولا خاصَّةَ مِثْلَ رَسُولِهِ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلى سِرِّهِ قالَ: ﴿وأطِيعُونِ﴾ أيْ لِأُعَرِّفَكم ما تُقَصِّرُ عَنْهُ عُقُولُكم مِن صِفاتِ مَعْبُودِكم ودِينِكم ودُنْياكم [ ومَعادِكُمْ-]، وأدُلُّكم عَلى اجْتِلابِ آدابٍ تَهْدِيكُمْ، واجْتِنابِ شُبْهَةٍ تُرْدِيكُمْ، فَفي طاعَتِي، فَلا حُكْمَ يُرْضِي المَلِكَ عَنْكُمْ، وهَذا هو الإسْلامُ، فَقَدْ جَمَعَ هَذا الدُّعاءَ الإيمانُ والإسْلامُ والعَمَلُ، وهي الأثافِيُّ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْها أسْبابُ الفَلاحِ.
نوح 71:4
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ، فَلا يَنْفَكُّ عَنْ ذَنْبٍ فَلا يَنْفَعُهُ إلّا فَناءُ الكَرَمِ، أشارَ إلى ذَلِكَ مُرَغِّبًا مُسْتَعْطِفًا لَهم لِئَلّا يَيْأسُوا فَيَهْلَكُوا بِقَوْلِهِ جَوابًا لِلْأمْرِ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ كَرَمًا مِنهُ وإحْسانًا ولُطْفًا.
ولَمّا كانَ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يَتَحَتَّمُ غُفْرانُهُ وهو ما بَعْدَ الإسْلامِ (p-٤٢٨)[ قالَ-]: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ الإيمانُ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ وما تَأخَّرَ عَنِ الإيمانِ مِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِالوَعْدِ بِتَكْفِيرِها بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ - هَذا مِمّا أوْجَبَهُ سُبْحانَهُ عَلى نَفْسِهِ المُقَدَّسِ بِالوَعْدِ الَّذِي لا يُبَدِّلُ، وأمّا غَيْرُهُ مِمّا عَدا الشِّرْكَ فَإلى مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ، لِما يَغْلُبُ عَلَيْهِ مِنَ النِّسْيانِ، والِاشْتِغالِ بِالآمالِ، يُعْرِضُ عَنِ المَوْتِ إعْراضَ الشّاكِّ فِيهِ بَلِ المُكَذِّبِ [ بِهِ -] ذَكَّرَهم تَرْهِيبًا لَهم لُطْفًا بِهِمْ لِيَسْتَحْضِرُوا أنَّهم في القَبْضَةِ فَيَنْزِعُوا مِمّا يُغْضِبُهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ طُولَ العُمْرِ في المَعْصِيَةِ - وإنْ كانَ مَعَ رَغَدِ العَيْشِ - عَدَمٌ، مُهَدِّدًا بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإهْلاكِ في كُلِّ حِينٍ: ﴿ويُؤَخِّرْكُمْ﴾ أيْ تَأْخِيرًا يَنْفَعُكُمْ، واعْلَمْ أنَّ الأُمُورَ كُلَّها قَدْ قُدِّرَتْ وفَرَغَ مِن ضَبْطِها لِإحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ فَلا يُزادُ فِيها ولا يُنْقَصُ، لِيَعْلَمَ أنَّ الإرْسالَ إنَّما هو مُظْهِرٌ لِما في الكِيانِ ولا يَظُنُّ أنَّهُ قالِبٌ لِلْأعْيانِ بِتَغْيِيرِ ما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ مِنَ الطّاعَةِ أوِ العِصْيانِ فَقالَ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ قَدْ سَمّاهُ اللَّهُ [ وعَلِمَهُ -] قَبْلَ إيجادِكم فَلا يُزادُ فِيهِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ، فَيَكُونُ مَوْتُكم عَلى العادَةِ مُتَفَرِّقًا وإلّا أخَذَكم جَمِيعًا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَهَذا مِن عِلْمِ ما لا يَكُونُ لَوْ كانَ كَيْفَ [ كانَ-] (p-٤٢٩)يَكُونُ، [ و-] ذَلِكَ أنَّهُ عَلِمَ أنَّهم إنْ أطاعُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَوْتُهم عَلى العادَةِ وإلّا هَلَكُوا هَلاكَ نَفْسِهِ واحِدَةً، وعَلِمَ أنَّهم لا يُطِيعُونَهُ، وأنَّ مَوْتَهم إنَّما يَكُونُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى الأطْماعِ الفارِغَةِ، فَكانَ رُبَّما قالَ لِلتَّعَنُّتِ أوْ غَيْرِهِ: لِمَ لا يُخَلِّدُنا؟ قالَ فَطَما عَنْ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ [ أيِ -] الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ فَلا رادَّ لِأمْرِهِ ﴿إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ وأمّا قَبْلَ مَجِيئِهِ فَرُبَّما يَقَعُ الدُّعاءُ والطّاعاتُ والبِرُّ في البَرَكَةِ فِيهِ يَمْنَعُ الشَّواغِلَ وإطابَةَ الحَياةِ، فَبادَرُوا مَجِيءَ الأجَلِ بِالإيمانِ لِأنَّهُ إذا جاءَ لَمْ يُمْكِنْكُمُ التَّدارُكَ، ولا يَنْفَعْكم بَعْدَ العِيانِ الإيمانُ.
ولَمّا كانَ مَن يَعْلَمُ هَذا يِقِينًا، ويَعْلَمُ أنَّهُ [ إذا -] كَشَفَ لَهُ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ أحَبَّ أنْ يُؤَخِّرَ لِيَتُوبَ حِينَ لا تَأْخِيرَ، أحْسَنَ العَمَلَ خَوْفًا مِن فَواتِ وقْتِهِ وتَحَتَّمَ مَقْتُهُ، نَبَّهْ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَوْ كانَ العِلْمُ أوْ تَجَدُّدُهُ وقْتًا ما في غَرائِزِكم لَعَلِمْتُمْ تَنْبِيهَ رَسُولِكم ﷺ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، وأنَّ الأجَلَ [ آتٍ -] لا مَحالَةَ فَعَمِلْتُمْ لِلنَّجاةِ، ولَكِنَّكم تَعْمَلُونَ في الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ عَمَلَ الشّاكِّ في المَوْتِ.
نوح 71:5
ولَمّا كانَ ﷺ أطْوَلَ الأنْبِياءِ عُمْرًا، وكانَ (p-٤٣٠)قَدْ طالَ نُصْحُهُ لَهم وبَلاؤُهُ بِهِمْ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ مُنادِيًا لِمَن أرْسَلَهُ لِأنَّهُ تَحَقَّقَ أنْ لا قَرِيبَ مِنهُ غَيْرُهُ، وأسْقَطَ أداةَ النِّداءِ كَما هي عادَةُ أهْلِ القُرْبِ فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ التَّكْرارَ لا بُدَّ أنْ يُؤَثِّرَ ولَوْ قَلِيلًا، فَكانَتْ مُخالَفَتُهم لِذَلِكَ مِمّا هو أهْلٌ لِأنْ يَشُكَّ فِيهِ، قالَ مُؤَكِّدًا إظْهارًا لِتَحَسُّرِهِ وحُرْقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم في تَمادِيهِمْ في إصْرارِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ شِكايَةً لِحالِهِ إلى اللَّهِ تَعالى واسْتِنْصارًا بِهِ واسْتِمْطارًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما يَفْعَلُ بِهِ بَذْلُهُ الجُهْدَ وتَنْبِيهًا لِمَن يَقُصُّ بِهِ عَلَيْهِمْ هَذا وإنْ كانَ المُخاطَبُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِالسِّرِّ وأخْفى: ﴿إنِّي دَعَوْتُ﴾ أيْ أوْقَعْتُ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ﴿قَوْمِي﴾ أيِ الَّذِينَ هم جَدِيرُونَ بِإجابَتِي لِمَعْرِفَتِهِمْ بِي وقُرْبِهِمْ مِن وفِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ.
ولَمّا كانَ قَدْ عَمَّ جَمِيعُ الأوْقاتِ بِالدُّعاءِ قالَ: ﴿لَيْلا ونَهارًا﴾ فَعَبَّرَ بِهَذا عَنِ المُداوَمَةِ.
نوح 71:6
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ضِدُّ المُرادِ قالَ: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي﴾ أيْ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ﴿إلا فِرارًا﴾ أيْ بُعْدًا عَنْكَ ونُفُورًا وبُغْضًا وإعْراضًا حَتّى كَأنَّهم حُمْرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ، وأسْنَدَ (p-٤٣١)الزِّيادَةَ إلى الدُّعاءِ لِأنَّهُ سَبَبُها.
نوح 71:7
ولَمّا كانَ الفِرارُ مَجازًا عَنْ رَدِّ كَلامِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُبَيِّنُهُ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ إعْراضَهم مَعَ هَذا الدُّعاءِ الطَّوِيلِ مِمّا لا يَكادُ يُصَدَّقُ: ﴿وإنِّي كُلَّما﴾ عَلى تَكْرارِ الأوْقاتِ وتَعاقُبِ السّاعاتِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٨] أيْ إلى الإقْبالِ عَلَيْكَ بِالإيمانِ [ بِكَ -] والإخْلاصِ لَكَ.
ولَمّا كانَ إعْراضُهم عَمّا يَنْفَعُهم أقْبَحُ، ذَكَرَ ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الإجابَةِ بِالإيمانِ فَقالَ: ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أيْ لِيُؤْمِنُوا فَتَمْحُو ما فَرَّطُوا فِيهِ [ في -] حَقِّكَ فَأفْرَطُوا لِأجْلِهِ في التَّجاوُزِ في الحُدُودِ مَحْوًا بِالِغًا فَلا [ يَبْقى -] لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَيْنًا ولا أثَرًا حَتّى لا تُعاقِبُهم عَلَيْهِ ولا تُعاتِبُهم ﴿جَعَلُوا﴾ أيْ في كُلِّ دُعاءٍ، ودَلَّ عَلى مُبالَغَتِهِمْ في التَّصامُمِ بِالتَّعْبِيرِ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ فَقالَ: ﴿أصابِعَهُمْ﴾ كَراهَةً لَهُ واحْتِقارًا لِلدّاعِي ﴿فِي آذانِهِمْ﴾ حَقِيقَةً لِئَلّا يَسْمَعُوا الدُّعاءَ إشارَةً إلى أنّا لا نُرِيدُ أنْ نَسْمَعَ ذَلِكَ مِنكَ، فَإنْ أبَيْتَ إلّا الدُّعاءَ فَإنّا لا نَسْمَعُ لِسَدِّ أسْماعِنا، ودَلُّوا عَلى الإفْراطِ في كَراهَةِ الدُّعاءِ بِما تَرْجَمَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ أوْجَدُوا التَّغْطِيَةَ لِرُؤُوسِهِمْ بِثِيابِهِمْ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لِذَلِكَ شَدِيدُ الرَّغْبَةِ فِيهِ حَتّى يَجْمَعُوا بَيْنَ ما يَمْنَعُ السَّماعَ (p-٤٣٢)لِكَلامِهِ والنَّظَرَ إلَيْهِ إظْهارًا لِكَراهَتِهِ وكَراهَةَ كَلامِهِ، وهَكَذا حالُ النُّصَحاءِ مَعَ مَن يَنْصَحُونَهُ دائِمًا ﴿وأصَرُّوا﴾ أيْ دامُوا عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ دَوامًا هم في غايَةِ الإقْبالِ عَلَيْهِ، مَن أصْرِ الحِمارِ عَلى العانَةِ - إذا صَرَّ أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ عَلَيْها يَطْرُدُها ويَكْدُمُها، اسْتُعِيرَ لِلْإقْبالِ عَلى المَعاصِي ومُلازَمَتِها لِأنَّهُ يَكُونُ بِغايَةِ الرَّغْبَةُ كَأنَّ فاعِلَهُ حِمارُ وحْشٍ قَدْ ثارَتْ شَهْوَتُهُ ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الكِبَرَ طالِبِينَ لَهُ راغِبِينَ فِيهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتِكْبارًا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِعْلَهم مُنابِذٌ لِلْحِكْمَةِ، فَكانَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يَفْعَلُوهُ فَهو مِمّا لا يَكادُ يُصَدَّقُ لِذَلِكَ، وقَدْ نادَتْ هَذِهِ الآياتُ بِالتَّصْرِيحِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِأنَّهم عَصَوْا نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وخالَفُوهُ مُخالَفَةَ لا أقْبَحَ مِنها ظاهِرًا بِتَعْطِيلِ الأسْماعِ والأبْصارِ، وباطِنًا بِالإصْرارِ والِاسْتِكْبارِ ولَمْ يُوافِقُوهُ بِقَوْلٍ ولا فِعْلٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن يَقُولُ: إنَّهم وافَقُوهُ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ دَعاهم لِلْمَغْفِرَةِ وقَدْ غَطَّوْا وُجُوهَهُمْ، والتَّغْطِيَةُ هي الغَفْرُ (p-٤٣٣)ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الخُرافاتِ الَّتِي لَوْ سَمِعَها أسْخَفُ عُبّادِ الحِجارَةِ الَّذِينَ لا أُسْخِفَ مِنهم لَهَزُؤُوا بِقائِلِها، وما قالَ هَذا القائِلُ ذَلِكَ إلّا تَحْرِيفًا لِكِتابِ اللَّهِ بِنَحْوِ تَحْرِيفِ الباطِنِيَّةِ الَّذِينَ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَكْفِيرِهِمْ لِذَلِكَ التَّحْرِيفِ، ولَعْنَةُ اللَّهِ عَلى مَن يَشُكُّ في كُفْرِ مَن يُحَرِّفُ هَذا التَّحْرِيفَ أوْ يَتَوَقَّفُ في لَعْنِهِ، وهُمُ الِاتِّحادِيَّةُ الَّذِينَ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ في آخِرِ الزَّمانِ، ومِن أكابِرِهِمُ الحَلّاجُ وابْنُ عَرَبِيٍّ وابْنُ الفارِضِ، وتَبِعَهم عَلى مِثْلِ الهَذَيانِ أسْخَفُ النّاسِ عُقُولًا
﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤٤] ولَقَدْ أخْبَرَنِي الإمامُ العَلّامَةُ بُرْهانُ الدِّينِ [ إبْراهِيمُ -] بْنُ أبِي شَرِيفَ القُدْسِيُّ الشّافِعِيُّ الثَّبْتُ النِّحْرِيرُ عَنْ بَعْضِ مَن يَتَعَصَّبُ لَهم في هَذا الزَّمانِ، وهو مِن أعْيانِ المُدَرِّسِينَ بِالقاهِرَةِ، أنَّهُ قالَ [ لَهُ-]: ما حَمَلَنِي عَلى انْتِقادِي لِابْنِ الفارِضِ إلّا أنِّي رَأيْتُ كَلامَ التّائِيَّةِ لَهُ مُتَناقِضًا، فَتارَةً يَفْهَمُ مِنها الحُلُولُ وتارَةً الِاتِّحادَ، وهو عِنْدِي يُحاشى عَنْ ذَلِكَ، فَعَلِمْتُ أنَّ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ اصْطِلاحًا نِسْبَتُنا مِنهُ نِسْبَةُ التَّبايُنِ إذا سَمِعُوا النَّحْوِيَّ يَقُولُ: الفاعِلُ مَرْفُوعٌ، فَإنَّهم يَضْحَكُونَ مِنهُ، ولَوْ فَهِمْنا اصْطِلاحَهم لَمْ نَعْتَرِضْ - هَذا مَعْنى ما نُقِلَ عَنْهُ وهو ما لا يَرْضاهُ ذُو مَسْكَةٍ، وهو شَبِيهٌ بِما نَقَلَ المَسْعُودِيُّ في أوائِلِ مُرُوجِ الذَّهَبِ عَنْ بَعْضِ مَنِ اتُّهِمَ بِعَقْلٍ وعِلْمٍ مِنَ النَّصارى في زَمَنِ أحْمَدَ بْنِ (p-٤٣٤)طُولُونَ، فاخْتَبَرَهُ فَوَجَدَهُ في العِلْمِ كَما وصَفَ، فَسَألَهُ عَنْ سَبَبِ ثَباتِهِ عَلى النَّصْرانِيَّةِ مَعَ عِلْمِهِ فَقالَ: السَّبَبُ تَناقُضُها مَعَ أنَّهُ دانَ بِها مُلُوكٌ مُتَكَبِّرُونَ وعُلَماءُ مُتَبَحِّرُونَ ورُهْبانٌ عَنِ الدُّنْيا مُعْرِضُونَ [ و-] مُدَبِّرُونَ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ ما جَمَعَ هَؤُلاءِ الأصْنافَ عَلى الدَّيْنُونَةِ بِها مَعَ تَناقُضِها إلّا أمْرٍ عَظِيمٍ اضْطَرَّهم لِذَلِكَ، فَدِنْتُ بِها، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ في لَعْنَةِ اللَّهِ فَلَقَدْ ضَيَّعْتَ كُلَّ عَقْلٍ وصَفَتْ، ولَقَدْ واللَّهِ صَدَقَ في الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ، وهو القَضاءُ والقُدْرَةُ الَّذِي [ حَمَلَ -] كُلَّ أحَدٍ مِنهم عَلى إلْقاءِ نَفْسِهِ في نارِ جَهَنَّمَ بِاخْتِيارِهِ بَلْ بِرَغْبَتِهِ في ذَلِكَ ومُقاتَلَةِ مَن يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ، وذَلِكَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى تَمامِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وفي هَذا تَصْدِيقُ قَوْلِهِ النَّبِيَّ ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَن كانَ قَبْلَكم شِبْرًا بِشِبْرٍ وذِراعًا بِذِراعٍ» وهم أهْلُ الكِتابِ، وقَدْ أشْبَعَتِ القَوْلَ في هَذا في كِتابِي ”القارِضِ في تَكْفِيرِ ابْنِ الفارِضِ“ الَّذِي بَيَّنْتُ فِيهِ عَوارَهُمْ، وأظْهَرْتُ عارَهُمْ، وكَذا كِتابِي ”صَوابُ الجَوابِ لِلسّائِلِ [ المُرْتابِ-]“ و”تَدْمِيرُ المَعارِضِ في تَكْفِيرِ ابْنِ الفارِضِ“ ولَمْ أبْقَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ (p-٤٣٥)شَيْئًا مِن لَبْسٍ - ولِلَّهِ الحَمْدُ.
نوح 71:8
ولَمّا ذَكَرَ دُعاءَهُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مَعَ إعْراضِهِمْ، وكانَ هَذا مُؤْيِسًا ومُوجِبًا لِلْإقْلاعِ عَنِ الدُّعاءِ، وإنْ وُجِدَ الدُّعاءُ بَعْدَهُ في غايَةِ البُعْدِ مِنهُ عَلى إيجادِهِ مَعَ الِاسْتِغْراقِ بِهِ لِجَمِيعِ الحالاتِ كَما اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ الأوْقاتِ، فَعَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ الأحْوالِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ وأكَّدَ لِنَحْوِ ما مَضى مِن أنَّ تَجَرُّدَ إقْبالِهِمْ عَلى دُعائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُصَدَّقُ فَضْلًا عَنِ الإكْثارِ مِنهُ فَقالَ: ﴿إنِّي دَعَوْتُهُمْ﴾ [ أيْ -] إلى الإيمانِ ومُنابَذَةِ الشَّيْطانِ.
ولَمّا كانَ الجَهْرُ أحَدَ نَوْعَيِ الدُّعاءِ، نَصَبَهُ [ بِهِ -] نَصْبَ المَصْدَرِ فَقالَ: ﴿جِهارًا﴾ أيْ مُكاشَفَةً في فَخامَةِ الصَّوْتِ والتَّعْمِيمِ لِجَماعَتِهِمْ جَلِيلِهِمْ وحَقِيرِهِمْ والإخْلاصِ في ذَلِكَ والمُداوَمَةِ [ لَهُ -] حَتّى كادَ بَصَرِي يَكِلُّ مِن شِدَّةِ التَّحْدِيثِ إلَيْهِمْ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ احْتِجابٍ عَنْهم ولا ارْتِقابٍ مِنهم بَلْ مُباغَتَةً، وكَرَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى أخْرَجْتُ [ ما عِنْدَهم -] مِنَ الجَوابِ، ولَمْ أكُفَّ عِنْدَ سَدِّ آذانِهِمْ واسْتِغْشائِهِمْ ثِيابَهم.
نوح 71:9
ولَمّا كانَ الجَهْرُ قَدْ لا يَشِيعُ ولا يَنْشُرُ في جَماعاتِهِمْ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ أذاعَ ذَلِكَ، وأكَّدَ لِلْإشارَةِ إلى ما فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ﴾ أيْ أظْهَرْتُ وأشَعْتُ وشَهَرْتُ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ (p-٤٣٦)مِن رَبِّهِمْ لِكَوْنِي لَسْتُ مُسْتَحْيِيًا مِنهُ ولا مُسْتَهْجِنًا لَهُ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ خَصَصْتُهم بِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَظُّ نَفْسٍ بِوَجْهٍ فَإنِّي كَرَّرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ سَقَطَ الوُجُوبُ عَنِّي، ولَمّا قُدِّمَ الجَهْرُ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى عَدَمِ الِاتِّهامِ، وكانَ السِّرُّ أجْدَرَ بِمَعْرِفَةِ الضَّمائِرِ وأقْرَبَ إلى الِاسْتِمالَةِ، أتْبَعَهُ بِهِ فَقالَ: ﴿وأسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ أيْ دَعَوْتُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم عَلى انْفِرادِهِ [ لِيَكُونَ -] أدْعى لَهُ وأجْدَرَ بِقَبُولِهِ النَّصِيحَةَ، وأدَلَّ عَلى الإخْلاصِ، وكُلُّ ذَلِكَ ما فَعَلْتُهُ إلّا لِأجْلِ نَصِيحَتِهِمْ، لا حَظَّ لِي أنا في ذَلِكَ، ولَمّا كانَ تَحَيُّنُ الإنْسانِ لِيَكُونَ وحْدَهُ لَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ ولا [ هو -] مُشْتَغِلٌ بِصارِفٍ مِمّا يَعْسُرُ جِدًّا فَلا يَكادُ يُصَدِّقُ أكَّدَهُ فَقالَ: ﴿إسْرارًا﴾ ولِيَدُلَّ بِتَأْكِيدِهِ عَلى تَأْكِيدِ ما قَبْلِهُ مِنَ الأفْعالِ، والظّاهِرُ مِن حالِهِ ومِن هَذا التَّرْتِيبِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الِاجْتِهادِ أنَّهُ سارَ فِيهِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، فَدَعا أوَّلًا أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِ وأشَدَّهم بِهِ إلْفًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مَن بَعْدَهم حَتّى عَمَّهُمُ الدُّعاءُ، وكانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ سِرًّا كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى حِدَتِهِ لِيَعْلَمُوا نُصْحَهُ ولا يَحْمِلُ أحَدٌ مِنهم ذَلِكَ عَلى تَبْكِيتٍ ولا تَقْرِيعٍ، جَهَرَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ مَلْجَأٌ مِنَ اللَّهِ (p-٤٣٧)إلى ذَلِكَ، وأنَّها عَزْمَةٌ إنْ قَصَّرُوا فِيها عَنِ الإجابَةِ عُوقِبُوا، فَلَمّا أصَرُّوا جَمَعَ بَيْنَ السِّرِّ والعَلَنِ، فَلَمّا تَمادَوْا وطالَ الأذى شَكا، وعَلى هَذا فَثَمَّ لِبُعْدِ الرُّتَبِ لا لِلتَّرْتِيبِ في الزَّمانِ، ويُمْكِنُ كَوْنُها لِلتَّرْتِيبِ لِأنَّ الجَهْرَ أبْعَدُ عَنِ الِاتِّهامِ ثُمَّ الإعْلانُ بَعْدَهُ أزْيَدُ بُعْدًا.
نوح 71:10
ولَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ بالِغٌ في الدَّعْوَةِ إلى حَدٍّ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَدَعْ مِنَ الأوْقاتِ ولا مِنَ الأحْوالِ شَيْئًا، سَبَّبَ عَنْهُ بَيانُ ما قالَ في دَعْوَتِهِ وهو التَّسَبُّبُ في السَّعادَةِ كُلِّها بِدَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَسارِّ، فَقالَ مُقَدِّمًا لِطَلَبِ الغُفْرانِ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ لِيَظْهَرُوا فَيَكُونُوا قابِلِينَ لِلتَّحْلِيَةِ بِالمَحاسِنِ الدِّينِيَّةِ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ عَنِ الأخْلاقِ الدَّنِيَّةِ: ﴿فَقُلْتُ﴾ أيْ في دُعائِي لَهُمْ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا مِنَ المُحْسِنِ إلَيْكُمُ، المُبْدِعِ لَكُمُ، المُدَبِّرِ لِأُمُورِكُمْ، أنْ يَمْحُوَ ذُنُوبَكم أعْيانَها وآثارَها، بِالرُّجُوعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ إلى الإخْلاصِ في عِبادَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ اسْتَعْطَفَهم أوَّلًا بِبَيانِ أنَّ رُجُوعَهم مُمْكِنٌ، لِئَلّا يَقُولُوا: إنّا قَدْ بالَغْنا في المَعاصِي فَلا نُقْبَلُ، وأعْلَمَهم أنَّ الِاسْتِغْفارَ بابُ الدُّخُولِ إلى طاعَةِ الجَبّارِ، أكَّدَ ذَلِكَ الِاسْتِعْطافَ بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ ولِجَوابِهِ بِنَحْوِ: يَغْفِرُ لَكُمْ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَوَقُّفِهِمْ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا ودائِمًا سَرْمَدًا ﴿غَفّارًا﴾ أيْ مُتَّصِفًا بِصِفَةِ (p-٤٣٨)السَّتْرِ عَلى مَن رَجَعَ إلَيْهِ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأعْلاها، وإذا وقَعَ الغُفْرانُ دَفْعَ المَضارِّ كُلِّها.
نوح 71:11
ولَمّا قَرَّرَ أمْرَ التَّوْبَةِ وبَيَّنَ قَبُولَها وقَدَّمَهُ اهْتِمامًا بِهِ لِأنَّهُ أصَّلُ ما يُبْتَنى عَلَيْهِ، ولِأنَّ التَّخَلِّيَ قَبْلَ التَّحَلِّي، ودَرْءُ المَفاسِدِ قَبْلَ جَلْبِ المَصالِحِ والفَوائِدِ، رَغَّبَ فِيها بِما يَكُونُ عَنْها مِنَ الزِّيادَةِ في الإحْسانِ عَلى أصْلِ القَبُولِ، ويَنْشَأُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ مِنَ الآثارِ الكِبارِ مِنَ الأفْضالِ بِجَلْبِ المَسارِ بِما هو مِثالٌ لِلْجَنَّةِ الَّتِي كانَ سَبَبَ الإخْراجِ مِنها النِّسْيانُ لِأنَّهم أحَبُّ شَيْءٍ في الأرْباحِ الحاضِرَةِ والفَوائِدِ العاجِلَةِ لا سِيَّما بِما يُبْهِجُ النُّفُوسَ ويَشْرَحُ الصُّدُورَ لِإذْهابِهِ البُؤْسَ، فَقالَ مُجِيبًا لِفِعْلِ الأمْرِ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المِظَلَّةَ الخَضْراءَ أوِ السَّحابَ أوِ المَطَرَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِالمَطَرِ وأنْواعِ البَرَكاتِ ﴿مِدْرارًا﴾ أيْ حالِ كَوْنِها كَثِيرَةَ الدَّوْرَةِ مُتَكَرِّرَتَهُ، وهَذا البِناءُ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ
نوح 71:12
﴿ويُمْدِدْكُمْ﴾ أظْهَرُ لِأنَّ المَوْضِعَ لِإرادَةِ المُبالَغَةِ والبَسْطِ والسِّعَةِ ﴿بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ وذَلِكَ يُفْهَمُ أنَّ مَن أكْثَرَ الِاسْتِغْفارَ حَباهُ اللَّهُ ما يَسُرُّهُ، وحَماهُ ما يَضُرُّهُ ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ﴾ أيْ في الدّارَيْنِ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ عَظِيمَةً، وأعادَ العامِلَ لِلتَّأْكِيدِ والبَسْطِ لِأنَّ المَقامَ لَهُ فَقالَ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ يَخُصُّكم بِذَلِكَ عَمَّنْ لَمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإنَّ مَن (p-٤٣٩)لَزِمَ الِاسْتِغْفارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومِن كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، رَوى أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَسْقى فَلَمْ يَزِدْ عَلى الِاسْتِغْفارِ فَلَمّا نَزَلَ قِيلَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! ما رَأيْناكَ اسْتَسْقَيْتَ؟ فَقالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الغَيْثَ بِمَجادِيحِ السَّماءِ الَّتِي بِها يَسْتَنْزِلُ القَطْرُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: مَن وقَعَتْ لَهُ إلى اللَّهِ حاجَةٌ فَلَنْ يَصِلَ إلى مُرادِهِ إلّا بِتَقْدِيمِ الِاسْتِغْفارِ، وقالَ: إنَّ عَمَلَ قَوْمِ نُوحٍ كانَ بِضِدِّ ذَلِكَ، كُلَّما ازْدادَ نُوحٌ في الضَّمانِ ووُجُوهِ الخَيْرِ والإحْسانِ ازْدادُوا في الكُفْرِ والنِّسْيانِ.
نوح 71:13
ولَمّا كانَ مَن رَجا مَلِكًا عَمِلَ بِما يُرْضِيهِ. ومَن خافَهُ تَجَنَّبَ ما يُسْخِطُهُ، نَبَّهَهم عَلى ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى الجَلالِ المُوجِبِ لِلتَّوْقِيرِ والجَمالِ بِالإحْسانِ إلى الخُلُقِ، مُصَرِّحًا لَهم بِالتَّرْغِيبِ مُلَوِّحًا إلى التَّرْهِيبِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن يَقُولُ مِنهُمْ: هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ مِن قَوْلِكَ؟: ﴿ما﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ ﴿لَكُمْ﴾ حالَ كَوْنِكم ﴿لا تَرْجُونَ﴾ أيْ تَكُونُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ عَلى حالٍ تُؤَمِّلُونَ بِها، وبَيْنَ فاعِلِ الوَقارِ ومُبْدِعِهِ بِتَقْدِيمِهِ، فَإنَّهُ لَوْ أخَّرَهُ لَكانَ لِ ”وقارًا“ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿وقارًا﴾ أيْ ثَوابًا يُوَقِّرُكم فِيهِ ولَوْ قَلَّ، فَإنَّ قَلِيلَهُ أكْثَرُ مِن كَثِيرِ غَيْرِهِ، ولا تَخافُونَ لَهُ إهانَةً بِالعِقابِ بِأنْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يُحاسِبَكم بَعْدَ البَعْثِ فَيُثِيبُ الطّائِعَ ويُعاقِبُ العاصِيَ، (p-٤٤٠)كَما هي عادَةُ كُلِّ أحَدٍ مَعَ مَن تَحْتَ يَدِهِ، فَتُوَقِّرُوا رُسُلَهُ بِتَصْدِيقِهِمْ فَتُؤْمِنُوا وتَعْمَلُوا، فَإنَّ مَن أرادَ مَن أحَدٍ أنَّهُ يُوَقِّرُهُ وقَّرَهُ وعَظَّمَهُ لِيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، والخُلُقِ إنَّما تُفاضِلُوا بِالمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، لا بِالأعْمالِ، إنَّما سَبَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النّاسَ بِشَيْءٍ وقَرَ في صَدْرِهِ، فَإنَّ بِالمَعْرِفَةِ تَزْكُو الأعْمالُ وتَصْلُحُ الأقْوالُ، وإنَّما يَصِحُّ تَعْظِيمُهُ سُبْحانَهُ بِأنْ لا تَرى لَكَ عَلَيْهِ حَقًّا، ولا تَنازَعَ لَهُ اخْتِيارًا، وتَعَظَّمَ أمْرُهُ ونَهْيُهُ، بِعَدَمِ المُعارَضَةِ بِتَرْخِيصٍ جافٍّ أوْ تَشْدِيدٍ غالٍ أوْ حَمْلٍ عَلى تَوَهُّمِ الِانْقِيادِ، وتَعَظَّمَ حُكْمُهُ بِأنْ لا تَبْغِي لَهُ عِوَجًا ولا تُدافِعُهُ بِعِلْمٍ، ولا يَنْبَغِي لَهُ غَرَضٌ وعِلَّةٌ، ولِأجْلِ أنَّ المَطْلُوبَ تَحْصِيلُ الأعْمالِ الَّتِي هي أسْبابٌ ظاهِرِيَّةٌ، عَبَّرَ بِالرَّجاءِ لِيُسِرَّهم بِأنَّ أعْمالَهم مُؤَثِّرَةٌ، وعَبَّرَ بِالطَّمَعِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ [ تَنْبِيهًا -] عَلى أنَّهُ لا سَبَبَ في الحَقِيقَةِ إلّا رَحْمَةُ اللَّهِ لِحالِ دُعاءٍ إلى ذَلِكَ.
نوح 71:14
ولَمّا كانَ هَذا إشارَةً إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ بِما يَعْلَمُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ صَرَّحَ بَعْدَ ما لَوَّحَ، فَقالَ آتِيًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِأنَّهُ مَقامُهُ: ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ أحْسَنَ إلَيْكم مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَقْطَعْ إحْسانَهُ عَنْكم فاسْتَحَقَّ أنْ تُؤْمِنُوا (p-٤٤١)بِهِ لِأنَّهُ ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ورَجاءً لِدَوامِ إحْسانِهِ وخَوْفًا مِن قَطْعِهِ لِأنَّهُ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيْ أوْجَدَكم مِنَ العَدَمِ مُقَدِّرِينَ ﴿أطْوارًا﴾ أيْ تارّاتِ عَناصِرَ أوَّلًا ثُمَّ مُرَكَّباتٍ تُغَذِّي الحَيَوانَ ثُمَّ أخْلاطًا ثُمَّ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ عِظامًا ولُحُومًا وأعْصابًا ودِماءً، ثُمَّ خَلْقًا آخَرَ تامًّا ناطِقًا ذُكْرانًا وإناثًا طُوالًا وقِصارًا بِيضًا وسُودًا وبَيْنَ ذَلِكَ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، [ ومَن -] قَدَرَ عَلى هَذا الِابْتِداءِ كانَ عَلى الإعادَةِ أعْظَمَ قُدْرَةً، وقَدْ ثَبَتَتْ حِكْمَتُهُ وأنَّهُ لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ سُدًى بِما بانَ مِن هَذا التَّطْوِيرِ عَلى هَذِهِ الهَيْئاتِ العَجِيبَةِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلَيْها بِوَجْهٍ، وهم يَتَهارَجُونَ في هَذِهِ الدّارِ تَهارُجَ الحُمُرِ، ويَمُوتُ المَظْلُومُ عَلى حالِهِ، والظّالِمُ يَبْلُغُ آمالَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُعِيدَهم لِيَفْصِلَ بَيْنَهم فَيُظْهِرَ حِكْمَتَهُ وعَدْلَهُ وإكْرامَهُ وفَضْلَهُ، ولَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَكانَ نَقْصًا في مِلْكِهِ، ومِن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَهو أهْلٌ لِأنْ يُخْشى ويُرْجى.
نوح 71:15
ولَمّا كانَ هَذا [ واضِحًا -] ولَكِنَّهم قَوْمٌ لُدٌّ، لا يَرُدَّهم إلّا الشَّمْسُ المُنِيرَةُ في وقْتِ الظَّهِيرَةِ، ذَكَرَهم - بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِما في أنْفُسِهِمْ - بِما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ مِن آياتِ الآفاقِ وقَسَّمَها إلى عُلْوِيٍّ وسُفْلِيٍّ، وبَدَأ (p-٤٤٢)بِالأنْفُسِ لِأنَّها مَعَ شَرَفِها أقْرَبُ مَنظُورٍ إلَيْهِ لَهُمْ، وثَنّى بِالعَلَوِيِّ لِأنَّهُ يَلِيها في الشَّرَفِ ووُضُوحِ الآياتِ، فَقالَ: [ دالًّا -] عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ والجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ: ﴿ألَمْ تَرَوْا﴾ أيْ أيُّها القَوْمُ.
ولَمّا كانَ تَأمُّلُ الكَيْفِيّاتِ [ يَحْتاجُ -] إلى دِقَّةٍ وتَوَقُّفٍ عَلى عَجائِبَ ولَطائِفَ تُؤْذِنُ قَطْعًا بِأنَّ فاعِلَها لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ التَّأمُّلِ: ﴿كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العِلْمُ التّامُّ والقُدْرَةُ البالِغَةُ والعَظَمَةُ الكامِلَةُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ هي في غايَةِ العُلُوِّ والسِّعَةِ والإحْكامِ والزِّينَةِ، يُعْرَفُ كَوْنُها سَبْعًا بِما فِيها مِنَ الزِّينَةِ.
ولَمّا كانَتِ المُطابَقَةُ بَيْنَ المُتَقابِلاتِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ أحَدٌ، قالَ: ﴿طِباقًا﴾ أيْ مُتَطابِقَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضِ وكُلُّ واحِدَةٍ في الَّتِي تَلِيها مُحِيطَةٌ بِها ”ما لَها مِن فُرُوجٍ“ لا يَكُونُ تَمامُ المُطابَقَةِ إلّا كَذَلِكَ بِالإحاطَةِ مِن كُلِّ جانِبٍ.
نوح 71:16
ولَمّا كانَ المُحِيطُ لا يَتَوَصَّلُ إلى داخِلِهِ إلى مُحِيطِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، قالَ دالًّا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ مُعَبِّرًا بِالجَعْلِ الَّذِي يَكُونُ عَنْ تَصْيِيرٍ وتَسْبِيبٍ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ﴾ أيِ الَّذِي تَرَوْنَهُ وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، وبَدَأ بِهِ لِقُرْبِهِ وسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ وقَطْعِهِ جَمِيعَ البُرُوجِ في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وغَيْبَتُهُ في لَيالِي السِّرارِ ثُمَّ ظُهُورُهُ، وذَلِكَ أعْجَبُ في القُدْرَةِ.
(p-٤٤٣)ولَمّا كانَتِ السَّماءُ شَفّافاتٍ قالَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أيِ السَّماواتُ جَمِيعُهُنَّ ﴿نُورًا﴾ أيْ لامِعًا مُنْتَشِرًا كاشِفًا لِلْمَرْئِيّاتِ، أحَدُ وجْهَيْهِ يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ والثّانِي لِأهْلِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَ نُورُهُ مُسْتَفادًا مِن نُورِ الشَّمْسِ قالَ: ﴿وجَعَلَ﴾ مُعَظِّمًا لَها بِإعادَةِ العامِلِ ﴿الشَّمْسَ﴾ أيْ في السَّماءِ الرّابِعَةِ ﴿سِراجًا﴾ أيْ نُورًا عَظِيمًا كاشِفًا لِظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنْ وجْهِ الأرْضِ وهي في السَّماءِ الرّابِعَةِ، ورَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ وعَبْدُ الرَّزّاقِ والطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ وُجُوهَهُما مِمّا يَلِي السَّماءَ، وأقْفِيَتُهُما إلى الأرْضِ»؛ ورَوى الحاكِمُ مِنهُ ذِكْرَ القَمَرَ وجَعَلَهُما سُبْحانَهُ آيَةً عَلى رُؤْيَةِ عِبادِهِ المُحْسِنِينَ لَهُ في الجَنَّةِ فَإنَّهُ يَرى كُلَّ أحَدٍ [ كُلًّا -] مِن مَكانِهِ مُخَلِّيًا بِهِ، وكَذَلِكَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ عَيانًا جِهارًا كَما رَأوْهُ في الدُّنْيا بِالإيمانِ نَظَرًا واعْتِبارًا،
نوح 71:17
ولَمّا دَلَّ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ بِخَلْقِ الإنْسانِ ثُمَّ بِخَلْقِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ أعادَ الدَّلالَةَ بِخَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المُحْدَثاتِ وأدَلُّها عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى وجْهٍ آخَرَ مُبَيِّنٍ لِبَعْضِ ما أشارَ إلَيْهِ [ الأوَّلُ -] مِنَ التَّفْصِيلِ (p-٤٤٤)مُصَرِّحًا بِالبَعْثِ فَقالَ مُسْتَعِيرًا الإنْباتَ لِلْإنْشاءِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿أنْبَتَكُمْ﴾ أيْ بِخَلْقِ أبِيكم [ آدَمَ -] عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ كَما يَنْبُتُ الزَّرْعُ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا لَنا لَمّا كانَ مِن خَلْقِ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أدُلُّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكَوُّنِ مِنَ الأرْضِ، وأشارَ إلى أنَّهُ جَعَلَ غِذَءانا مِنَ الأرْضِ الَّتِي خَلَقَنا مِنها، وبِذَلِكَ الغِذاءِ نُمُوُّنا.
ولَمّا كانَ إنْكارُهم لِلْبَعْثِ كَأنَّهُ إنْكارٌ لِلِابْتِداءِ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ وأجْراهُ عَلى غَيْرِ فِعْلِهِ بِتَجْرِيدِهِ مِنَ الزِّيادَةِ، إشارَةً إلى هَوانِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وسُهُولَتِهِ مَعَ أنَّهُ إبْداعٌ وابْتِداءٌ واخْتِراعٌ فَقالَ: ﴿نَباتًا﴾ ومَعَ ذَلِكَ فالآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاحْتِباكِ: ذِكْرُ ”أنْبُتُ“ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِ مَصْدَرِهِ ثانِيًا، وذِكْرُ ”النَّباتَ“ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذَفَ فِعْلَهُ أوَّلًا، لِيَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْبَتَكم إنْباتًا فَنَبَتُّمْ نَباتًا.
نوح 71:18
ولَمّا كانَ في المَوْتِ أيْضًا دَلِيلٌ عَلى تَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ غَيْرَ أنَّهُ لَيْسَ كَدَلالَةِ الِابْتِداءِ بِالِابْتِداعِ، وكانَ مُسْلِمًا لَيْسَ فِيهِ نِزاعٌ، ذَكَّرَهُ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِالمَصْدَرِ فَقالَ دالًّا عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ﴾ عَلى التَّدْرِيجِ ﴿فِيها﴾ أيِ الأرْضِ بِالمَوْتِ والإقْبارِ وإنْ طالَتْ (p-٤٤٥)الآجالُ ﴿ويُخْرِجُكُمْ﴾ أيْ فِيها بِالإعادَةِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ الجارِي عَلى الفِعْلِ إشارَةً إلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِهِ وتَحْتِيمِ وُقُوعِهِ لِإنْكارِهِمْ لَهُ فَقال: ﴿إخْراجًا﴾ أيْ غَرِيبًا لَيْسَ هو كَما تَعْلَمُونَ بَلْ تَكُونُونَ بِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الحَياةِ الباقِيَةِ، تُلابِسُ أرْواحُكم بِها أجْسامَكم مُلابَسَةً لا انْفِكاكَ بَعْدَها لِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ.
نوح 71:19
ولَمّا كانَ النّابِتُ مِنَ الشَّيْءِ لا يَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ الشَّيْءِ، دَلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ بِخَرْقِ تِلْكَ العادَةِ لَهم عَلى وجْهِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ مُظْهِرًا لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَعْظِيمًا لِلْأدِلَّةِ لِئَلّا تُقَيَّدَ القُدْرَةُ بِما يَقْتَرِنُ بِهِ الِاسْمُ دالًّا بِالعالَمِ السُّفْلِيِّ بَعْدَ الإرْشادِ بِالعَلَوِيِّ وآخِرِ السُّفْلِيِّ لِأنَّ آياتِهِ عَلى ظُهُورِها خَفِيَتْ بِكَثْرَةِ الإلْفِ لَها: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ أيْ نِعْمَةً عَلَيْكُمُ اهْتِمامًا بِأمْرِكم ﴿الأرْضَ بِساطًا﴾ أيْ [ سَهْلٌ -] عَلَيْكُمُ التَّصَرُّفُ فِيها والتَّقَلُّبُ عَلَيْها سُهُولَةُ التَّصَرُّفِ في البِساطِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ فَقالَ:
نوح 71:20
﴿لِتَسْلُكُوا﴾ أيْ مُنْجِدِينَ ﴿مِنها﴾ أيِ الأرْضَ [ مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ -] ﴿سُبُلا﴾ أيْ طُرُقًا واضِحَةً مَسْلُوكَةً بِكَثْرَةٍ ﴿فِجاجًا﴾ أيْ ذَواتَ اتِّساعٍ (p-٤٤٦)لِتَتَوَصَّلُوا إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ بَرًّا وبَحْرًا، فَيَعُمُّ الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ البِقاعِ، فالَّذِي قَدَرَ عَلى إحْداثِكم وأقْدَرِكم عَلى التَّصَرُّفِ [ في أصْلِكم مَعَ ضَعْفِكم قادِرٌ عَلى إخْراجِكم مَن أجْداثِكُمُ -] الَّتِي لَمْ تَزَلْ طَوْعَ أمْرِهِ ومَحَلَّ عَظَمَتِهِ وقَهْرِهِ.
نوح 71:21
ولَمّا كانُوا جادَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي لا يُشَكُّ في دَلالَتِهِ عَلى المُرادِ مِن تَحَقُّقٍ لِصَفاءِ الإيقانِ، فَأكْثَرُوا الجِدالَ ونَسَبُوهُ إلى الضَّلالِ وعَصَوْهُ أقْبَحَ العِصْيانِ وقابَلُوهُ بِأشْنَعِ الأقْوالِ والأفْعالِ، طَوى ذَلِكَ مُشِيرًا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ نُوحٌ﴾ أيْ بَعْدَ رِفْقِهِ بِهِمْ ولِينِهِ لَهم شاكِيًا مِنهُمْ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ المُدَبِّرُ لِي المُتَوَلِّي لِجَمِيعِ أُمُورِي.
ولَمّا كانَ الضُّعَفاءُ أكْثَرَ النّاسِ بِحَيْثُ إذا اجْتَمَعُوا دَلَّ الرُّؤُوسُ الأقْوِياءُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ وكانُوا كَأنَّهُمُ الكُلُّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ عِصْيانَهم لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا يَبْعُدُ وُقُوعُهُ: ﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ قَوْمَيِ الَّذِينَ دَعَوْتُهم إلَيْكَ مَعَ صَبْرِي عَلَيْهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا ﴿عَصَوْنِي﴾ أيْ فِيما أمَرْتُهم بِهِ ودَعَوْتُهم إلَيْهِ فَأبَوْا أنْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي وشَرَدُوا عَنِّي أشَدَّ شِرادٍ وخالَفُونِي أقْبَحَ مُخالَفَةٍ ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ نَظَرًا (p-٤٤٧)إلى المَظْنُونِ العاجِلِ بَعْدَ تَرْكِ المُحَقِّقِ عاجِلًا وآجِلًا ﴿مَن﴾ أيْ [ مِن -] رُؤَسائِهِمُ البَطِرِينَ بِأمْوالِهِمُ المُغْتَرِّينَ بِوِلْدانِهِمْ، وفَسَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَزِدْهُ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ.
ولَمّا كانَ المالُ يَكُونُ [ لِلْإنْسانِ -] الوَلَدُ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ الَّذِي آتاهُ إيّاهُ لِيَكُونَ لَهُ خَيْرًا في الدّارَيْنِ وكَذا الوَلَدُ قالَ: ﴿مالُهُ﴾ أيْ بِكَثْرَتِهِ ﴿ووَلَدُهُ﴾ كَذَلِكَ، وهو الجِنْسُ في قِراءَةِ التَّحْرِيكِ - وكَذا في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ والبَصْرِيِّينَ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ في المُفْرَدِ كالحُزْنِ والحُزُنِ والرُّشْدِ والرُّشُدِ، أوْ يَكُونُ عَلى هَذِهِ جَمْعًا كالأُسُدِ والأُسْدِ، ويَكُونُ اخْتِيارُ أبِي عَمْرٍو لِهَذِهِ القِراءَةِ في هَذا الحَرْفِ وحْدَهُ لِلْإشارَةِ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ المَبْنِيِّ عَلى الضَّمَّةِ الَّتِي هي أشَدُّ الحَرَكاتِ إلى أنَّهم - وإنْ زادَتْ كَثْرَتُهم وعَظُمَتْ قُوَّتُهم - لا يَزِيدُونَهم شَيْئًا ﴿إلا خَسارًا﴾ بِالبُعْدِ عَنِ اللَّهِ والعَمى عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ، فَإنَّ البَسْطَ لَهم في الدُّنْيا بِذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِطُغْيانِهِمْ وبَطَرِهِمْ واتِّباعِهِمْ لِأهْوائِهِمْ حَتّى كَفَرُوا واسْتَغْوَوْا غَيْرَهم (p-٤٤٨)فَغُلِبُوا عَلَيْهِمْ فَكانُوا سَبَبًا في شَقائِهِمْ وخَسارَتِهِمْ بِخَسارَتِهِمْ، وكانَ عِنْدَهم أنَّها زادَتْهم رِفْعَةً، وفي السِّياقِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم ما حَصَلَتْ لَهُمُ الوَجاهَةُ إلّا بِها.
نوح 71:22
ولَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الرُّؤَساءِ قُوَّةً أُخْرى إلى قُوَّتِهِمْ بِمَتاعِ الدُّنْيا، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَأمَرْتُهم بِالإيمانِ فَأبَوْا وأمَرُوهم بِالكُفْرِ فانْقادُوا لَهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لِكَثْرَتِهِمْ بِضَمِيرِ الجَمْعِ العائِدِ عَلى ”مِن“ عاطِفًا عَلى ”لَمْ يَزِدْهُ“ المُفْرَدَةُ الضَّمِيرُ لِلَّفْظِ جامِعًا لَهُ لِلْمَعْنى لِتَجَمُّعِ العِبارَةِ الحَكَمِ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ، فَيَكُونُ أدَلَّ شَيْءٍ عَلى المُرادِ مِنها فَقالَ: ﴿ومَكَرُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءِ في تَنْفِيرِ النّاسِ عَنِّي - وأكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى قُوَّتِهِ فَقالَ: ﴿مَكْرًا﴾ وزادَهُ تَأْكِيدًا بِصِيغَةٍ هي النِّهايَةُ في المُبالَغَةِ فَقالَ: ﴿كُبّارًا﴾ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن كُبارٍ المُخَفَّفِ الأبْلَغُ مِن كَبِيرٍ، فَلَمْ يَدْعُوا أحَدًا مِنهم بِذَلِكَ المَكْرِ يَتْبَعُنِي ﴿وقالُوا﴾ [نوح: ٢٣] أيْ لَهم في أدانِي [ المَكْرِ -] الَّذِي حَصَلَ مِنهم.
نوح 71:23
ولَمّا كانَ دُعاءُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَدِيرًا بِالقَبُولِ (p-٤٤٩)لِما لَهم مِنَ الجَلالَةِ والحَلاوَةِ والبَيانِ والرَّوْنَقِ والظُّهُورِ في الفَلاحِ، أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكَنَّها عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ لا قَبِيحَةٍ ولا حَسَنَةٍ، وأضافُوها إلَيْهِمْ تَحَسُّبًا فِيها، ثُمَّ خَصُّوا بِالتَّسْمِيَةِ زِيادَةً في الحَثِّ وتَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ فَقالُوا مُكَرِّرِينَ النَّهْيَ والعامِلَ تَأْكِيدًا: ﴿ولا تَذَرُنَّ﴾ ولَعَلَّهم كانُوا يُوافِقُونَ العَرَبَ في أنَّ الوِدَّ هو الحُبُّ الكَثِيرُ، فَناسَبَ المَقامَ بِذاتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ودًّا﴾ وأعادُوا النّافِي تَأْكِيدًا فَقالُوا: ﴿ولا سُواعًا﴾ وأكَّدُوا هَذا التَّأْكِيدَ وأبْلَغُوا فِيهِ فَقالُوا: ﴿ولا يَغُوثَ﴾ ولَمّا بَلَغَ التَّأْكِيدُ نِهايَةً وعَلِمَ أنَّ المَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ فَرْدِ فَرْدٌ لا عَنِ المَجْمُوعِ بِقَيْدِ الجَمْعِ أعْرَوْا فَقالُوا: ﴿ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ مُعَرّى عَنِ التَّأْكِيدِ لِلْعِلْمِ بِإرادَتِهِ، وكانَ هَؤُلاءِ ناسًا صالِحِينَ، فَلَمّا ماتُوا حَزِنَ عَلَيْهِمُ النّاسُ ثُمَّ زَيَّنَ لَهم إبْلِيسُ تَصْوِيرَهم تَشْوِيقًا إلى العَمَلِ بِطَرائِقِهِمُ الحَسَنَةِ فَصَوَّرُوهُمْ، فَلَمّا تَمادى الزَّمانُ زَيَّنَ لَهم عِبادَتَهم لِتَحْصِيلِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِبَرَكاتِهِمْ ثُمَّ نُسِيَ القَوْمُ الصّالِحُونَ، وجُعِلُوا أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وكانَتْ عِبادَةُ هَؤُلاءِ أوَّلَ عِبادَةِ الأوْثانِ فَأرْسَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نُوحًا عَلَيْهِ (p-٤٥٠)الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ إلى أنْ كانَ مَن أمْرَهُ وأمَرَ قَوْمَهُ ما هو مَعْلُومٌ، ثُمَّ أخْرَجَ إبْلِيسُ هَذِهِ الأصْنامَ بَعْدَ الطُّوفانِ فَوَصَلَ شَرُّهًا إلى العَرَبِ، فَكانَ وُدٌّ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ وسُواعُ لِهُذَيْلٍ ويَغُوثُ لِمُذْحِجٍ ويَعُوقُ لِمُرادٍ ونَسْرٌ لِحَمِيرٍ لِآلِ ذِي الكُلاعِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ قالَ البَغَوِيُّ: سُواعٌ لِهُذَيْلٍ ويَغُوثُ لِمُرادٍ، ثُمَّ لَبَنِي غَطِيفٍ بِالجَرْفِ عَنْ سَبَأٍ ويَعُوقُ لِهَمَذانَ. قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: رَأيْتُ يَغُوثَ وكانَ مِن رَصاصٍ يَحْمِلُ عَلى جَمَلٍ أجْرَدَ، يَسِيرُونَ مَعَهُ لا يُهَيِّجُونَهُ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَبْرُكُ، فَإذا بَرَكَ نَزَلُوا وقالُوا: قَدْ رَضِيَ لَكُمُ المَنزِلَ، فَيَنْزِلُونَ حَوْلَهُ ويَضْرِبُونَ عَلَيْهِ بِناءً، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في سَبَبِ وُصُولِ شَرِّ تِلْكَ الأوْثانِ إلى العَرَبِ أنَّها دَفَنَها الطُّوفانُ ثُمَّ أخْرَجَها الشَّيْطانُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، وكانَتْ لِلْعَرَبِ أصْنامٌ أُخَرُ فاللّاتُ لِثَقِيفٍ، والعُزّى (p-٤٥١)لِسَلِيمٍ وغَطَفانُ وجَشِيمٍ، ومَناتُ بَدِيدِ لِهُذَيْلٍ، وإسافُ ونايِلَةُ وهُبْلُ لِأهْلِ مَكَّةَ، وكانَ إسافُ حِيالَ الحَجَرِ الأسْوَدِ، ونايِلَةُ حِيالَ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ، وكانَ هُبَلُ في جَوْفِ الكَعْبَةِ - انْتَهى، وقالَ الواقِدِيُّ: وُدٌّ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وسُواعٌ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، [ و-] يَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ، ويَعُوقُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، ونَسْرٌ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ - انْتَهى.
ولا يُعارِضُ [ هَذا -] أنَّهم صُوَرٌ لِناسٍ صالِحِينَ لِأنَّ تَصْوِيرَهم لَهم يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُنْتَزَعًا مِن مَعانِيهِمْ، فَكَأنَّ وُدًّا كانَ أكْمَلَهم في الرُّجُولِيَّةِ، وكانَتْ سُواعٌ امْرَأةً كامِلَةً في العِبادَةِ، وكانَ يَغُوثُ شُجاعًا، ويَعُوقُ كانَ سَبّاقًا قَوِيًّا، وكانَ نَسْرٌ عَظِيمًا طَوِيلَ العُمْرِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
نوح 71:24
ولَمّا ذَكَرَ مَكْرَهم وما أظْهَرُوا مِن قَوْلِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما تَوَقَّعَ السّامِعُ مِن أمْرِهِ [ فَقالَ-]: ﴿وقَدْ أضَلُّوا﴾ أيِ الأصْنامُ وعابِدُوها بِهَذِهِ العِبادَةِ ﴿كَثِيرًا﴾ مِن [ عِبادِكَ -] الَّذِينَ خَلَقْتَهم عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مَن أهْلِ زَمانِهِمْ ومِمَّنْ أتى بَعْدَهم فَإنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ فَعَلَيْهِمْ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: (p-٤٥٢)﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الوَصْفِ المُوجِبِ لِأنْ تَكُونَ آثارُ المُتَّصِفِ بِهِ كَآثارِ الماشِي في الظَّلامِ [ في -] وُقُوعِها مُخْتَلَّةً، شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هي فِيهِمْ ﴿إلا ضَلالا﴾ أيْ طَبْعًا عَلى عُقُولِهِمْ وقُلُوبِهِمْ حَتّى يُعْمُوا عَنِ الحَقِّ وعَنْ جَمِيعِ مَقاصِدِهِمُ الفاسِدَةِ الضّالَّةِ الرّاسِخَةِ في الضَّلالِ فَلا يَكُونُ مِنها شَيْءٌ عَلى وجْهٍ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن سَدادٍ، وكانَ هَذا بَعْدَ أنْ أعْلَمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنهم إلّا مَن قَدْ آمَنَ، والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى كُلِّ حالٍ كالكَلامِ عَلى دُعاءِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما وعَلى مُحَمَّدٍ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ في الشَّدِّ عَلى [ قُلُوبِ -] فِرْعَوْنَ ومَلِئِهِ لِئَلّا يُؤْمِنُوا في حالٍ يَنْفَعُهم فِيهِ كَما مَضى في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ بالَغَ ابْنُ عَرَبِيٍّ في المُرُوقِ مِنَ الدِّينِ فَقالَ في فُصُوصِهِ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ حَسَنٌ في حَقِّهِمْ، وقالَ: إنَّ الضَّلالَ أهْدى مِنَ الهُدى، وإنَّ الضّالَّ أحْسَنُ حالًا مِنَ المُهْتَدِي، لِأنَّ الضّالَّ لا يَزالُ قَرِيبًا مِنَ القُطْبِ المَقْصُودِ دائِرًا حَوْلَهُ، والمُهْتَدِي صاحِبُ طَرِيقَةٍ مُسْتَطِيلَةٍ، فَهو يَبْعُدُ عَنِ المَقْصُودِ، فَأبانَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا أسَفَهَ مِنهُ إلّا مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَيْهِ وعَلى مَن يَنْحُو نَحْوَهُ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي لا يَرْضاهُ عاقِلٌ مِن عُبّادِ الأصْنامِ الَّذِينَ لا أسْفَهَ مِنهم ولا غَيْرَهُ، فَعَلَيْهِمْ أشَدُّ الخِزْيِ واللَّعْنَةِ.
(p-٤٥٣)
نوح 71:25
ولَمّا فَرَغَ مِن أمْرِهِمْ في ضَلالِهِمْ، ودَعا رَسُولَهم ﷺ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا إهْلاكُهم. وكانَ مِن مَفْهُوماتِ الضَّلالِ المُحِقِّ وإذْهابِ العَيْنِ كَما يَضِلُّ الماءُ في اللَّبَنِ، قالَ مُبَيِّنًا، إجابَتَهُ لِدُعائِهِ ذاكِرًا الجِهَةَ الَّتِي أُهْلِكُوا بِسَبَبِها: وأكَّدَ بِ ”ما“ النّافِيَةِ في الصُّورَةِ لِضِدِّ مَضْمُونِ الكَلامِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّ الإنْجاءَ والإهْلاكَ عادَةً الدَّهْرُ: ﴿مِمّا﴾ .
ولَمّا كانَ الكافِرُ قَدْ أخْطَأ ثَلاثَ مَرّاتٍ: يُكَفِّرُهُ في الإيمانِ بِالطّاغُوتِ، وتَكْذِيبِ رَبِّهِ، وتَكْذِيبِ رَسُولِهِ ﷺ، وكانَ ذَلِكَ كافِيًا في اسْتِحْقاقِهِ لِلْأخْذِ قالَ: ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ جامِعًا لَهُ جَمْعَ السَّلامَةِ - في قِراءَةِ الجَماعَةِ، وأفْهَمَتْ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِجَمْعِ التَّكْسِيرِ أنَّ لَهم مَعَ هَذِهِ الأُمَّهاتِ الكافِيَةَ في الأخْذِ مِنَ الذُّنُوبِ ما يَفُوتُ الحَصْرُ يُوجِبُ تَغْلِيظَ ذَلِكَ الأخْذَ، فَهي مُشِيرَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي الِاحْتِرازُ مِن [ كُلِّ -] الذَّنْبِ.
ولَمّا كانَ المُوجِعُ إغْراقَهم لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، قالَ مُخْبِرًا عَمّا فَعَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا: ﴿أُغْرِقُوا﴾ أيْ بِالطُّوفانِ بانِيًا لَهُ لِلْمَفْعُولِ لِذَلِكَ ولِلْإعْلامِ بِأنَّهُ في غايَةِ السُّهُولَةِ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ الواحِدِ القَهّارِ، فَطافَ الماءُ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الأرْضِ السَّهْلَ والجَبَلَ، فَلَمْ يُبْقِ مِنهم أحَدًا، وكَذا الكَلامُ فِيما تُسَبِّبَ عَنْهُ وتَعَقَّبَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ أيْ بِقَهْرِ القَهّارِ (p-٤٥٤)فِي الآخِرَةِ الَّتِي أوَّلُها البَرْزَخُ يُعْرَضُونَ فِيهِ عَلى النّارِ بِكُرَةً وعَشِيًّا ﴿نارًا﴾ أيْ عَظِيمَةً جِدًّا أخَفُّها ما يَكُونُ مِن مَبادِئِها في البَرْزَخِ، قالَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ المَلْوِيُّ: فَعُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِالحَرْقِ، والإياسِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِن ذَلِكَ، [ و-] قالَ الضَّحّاكُ: في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في الماءِ مِن جانِبٍ ويَحْتَرِقُونَ في الماءِ مِن جانِبٍ آخَرَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيها دَلالَةٌ عَلى قَوْلِ غَيْرِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ.
ولَمّا كانُوا قَدِ اسْتَنَدُوا إلى آلِهَتِهِمْ لِتَنْصُرَهم مِن أخْذِ اللَّهِ تَعالى، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ هَذا الإغْراقِ والإدْخالِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ [ أشَدَّ -] في العَذابِ، فَإنَّ الإنْسانَ - كَما قالَ المَلْوِيُّ: - إذا كانَ في العَذابِ ويَرْجُو الخَلاصَ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ الأمْرَ بِخِلافِ ما إذا يَئِسَ مِنَ الخَلاصِ، مُعْلِمًا بِأنَّ آلِهَتَهم عاجِزَةٌ فَإنَّهم لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، تَوْبِيخًا لِمَن يَعْبُدُ مِثْلَها: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا﴾ وحَقَّقَ الأمْرَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ عِنْدَما أناخَ اللَّهُ بِهِمْ سَطْوَتَهُ وأحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ.
ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ كُلُّها دُونَ رُتْبَتِهِ تَعالى، وكانَ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ ما تَحْتَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ المَراتِبِ، قالَ مُثْبِتًا الجارَّ: (p-٤٥٥)﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي تَتَضاءَلَ المَراتِبُ تَحْتَ رُتْبَةِ عَظَمَتِهِ وتَذِلُّ لِعِزِّهِ وجَلِيلِ سَطْوَتِهِ ﴿أنْصارًا﴾ يَنْصُرُونَهم عَلى مَن أرادَ بِهِمْ ذَلِكَ لِيَمْنَعُوهُ مِمّا فَعَلَ بِهِمْ أوْ يَقْتَصُّوا مِنهُ لَهم بِما شَهِدَ بِهِ شاهِدُ الوُجُودِ الَّذِي هو أعْدَلُ الشُّهُودِ مِن أنَّهُ تَمَّ ما أرادَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن إغْراقِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَتَخَلَّفَ مِنهم أحَدٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أعْداءَهُ وإنْجاءُ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ رِضْوانُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ عَلى ضَعْفِهِمْ وقِلَّتِهِمْ لَمْ يَقْعُدْ مِنهم أحَدٌ لِكَوْنِهِمْ أوْلِياءَهُ، فَكَما لَمْ يَهْلَكْ مِمَّنْ أرادَ إنْجاءَهُ أحَدٌ فَكَذَلِكَ لَمْ يَسْلَمْ مِنهُمْ، فَمَن قالَ عَنْ عِوَجٍ ما يَقُولُهُ القَصّاصُ فَهو أيْضًا ضالٌّ أشَدَّ ضَلالٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ غَيْرَ ناصِرِهِمْ، مَعَ هَذِهِ الدَّلالاتِ الَّتِي هي نَصٌّ في أنَّهُ عَدُوُّهُمْ، وأنَّ نَصْرَهم إنَّما يَكُونُ عَلى نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واعْتِقادُ ذَلِكَ أوْ شَيْءٌ مِنهُ كُفْرٌ ظاهِرٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ بِوَجْهٍ، وقائِلُ ذَلِكَ هو ابْنُ عَرَبِيٍّ صاحِبُ (p-٤٥٦)الفُصُوصِ الَّذِي لَمْ يُرِدْ بِتَصْنِيفِهِ إلّا هَدْمَ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ، ونَظْمُهُ أيْضًا ابْنُ الفارِضِ في تائِيَّتِهِ الَّتِي سَمّاها بِنَظْمِ السُّلُوكِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى مَن تَبِعَهُ أوْ شَكَّ في كُفْرِهِ أوْ تَوَقَّفَ في لَعْنِهِ بَعْدَ ما نَصَبَ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي سَعَّرَ بِهِ البِلادَ، وأرْدى كَثِيرًا مِنَ العِبادِ.
نوح 71:26
ولَمّا أتَمَّ الخَبَرَ عَنْ إغْراقِهِمْ، وقَدَّمَهُ لِلِاهْتِمامِ بِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ ﷺ في إجابَةِ دَعْوَتِهِ تَحْذِيرًا لِلْعَرَبِ أنْ يُخْرِجُوا رَسُولَهم ﷺ [ فَيُخْرِجُوهُ -] إلى مِثْلِ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلى قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوَّلِهِ قَوْلُهُ عِنْدَما أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهم مُغْرِقُونَ وأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا مِن قَدْ آمَنَ بَعْدَما طالَ بَلاؤُهُ بِهِمْ حَتّى أنْ كانَ الرَّجُلُ لِيَأْتِيَ بِابْنِهِ إلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ: احْذَرْ هَذا أنْ يُضِلَّكَ، وإنَّ أبِي حَذَّرَ بِهِ، وكانَتْ صِيغَةُ العُمُومِ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في أفْرادِها أبَدًا، اسْتِنْجازًا لِوَعْدِهِ وتَصْرِيحًا بِمُرادِهِ: ﴿وقالَ نُوحٌ﴾ وأسْقَطَ الأداةَ كَما هي عادَةُ أهْلِ الحَضْرَةِ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ﴾ أيْ تَتْرُكُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ ﴿عَلى الأرْضِ﴾ أيْ كُلُّها مِن مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها وسَهْلِها وجَبَلِها ووَهْدِها ﴿مِنَ الكافِرِينَ﴾ (p-٤٥٧)أيِ الرّاسِخِينَ في الكُفْرِ الَّذِي هو كانَ لَهم جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿دَيّارًا﴾ أيْ أحَدًا يَدُورُ فِيها، وهو مِن ألْفاظِ العُمُومِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ فَيُقالُ مِنَ الدُّورِ أوِ الدّارِ لا فِعالَ، وإلّا لَكانَ دَوّارًا، ويَجُوزُ - وهو أقْرَبُ - أنْ يَكُونَ هَذا الدُّعاءُ عِنْدَ رُكُوبِهِ السَّفِينَةَ وابْتِداءُ الإغْراقِ فِيهِمْ، يُرِيدُ بِهِ العُمُومَ كَراهِيَةَ أنْ يَبْقى أحَدٌ مِنهم عَلى ذِرْوَةِ جَبَلٍ أوْ نَحْوِهِ، لا أصْلُ الإغْراقِ، وأنْ يَكُونَ مَعْنى ما قَبْلَهُ الحُكْمُ بِإغْراقِهِمْ وتَحَتُّمُ القَضاءِ بِهِ أوِ الشُّرُوعُ فِيهِ.
نوح 71:27
ولَمّا كانَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَقُولُونَ ولا يَفْعَلُونَ إلّا ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الدِّينِ، عَلَّلَ دُعاءَهُ بِقَوْلِهِ وأكَّدَهُ إظْهارًا لِجَزْمِهِ بِاعْتِقادِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وإنْ كانَ ذَلِكَ خارِجًا عَنِ العادَةِ: ﴿إنَّكَ﴾ أيْ يا رَبِّ ﴿إنْ تَذَرْهُمْ﴾ أيْ تَتْرُكُهم عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ في إبْقائِهِمْ سالِمِينَ عَلى وجْهِ الأرْضِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ والإضْلالِ ولَوْ كانَتْ حالَةً دَنِيَّةً ﴿يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِي والَّذِينَ يُولَدُونَ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
(p-٤٥٨)ولَمّا كانَ رُبَّما كانَ الإنْسانُ ضارًّا ووُجِدَ لَهُ ولَدٌ نافِعٌ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَلِدُوا﴾ أيْ إنْ قَدَّرْتَ بَقاءَهم في الدُّنْيا ﴿إلا فاجِرًا﴾ أيْ مارِقًا مَن كُلِّ ما يَنْبَغِي الِاعْتِصامُ بِهِ، واكْتَفى فِيهِ بِأصْلِ الفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّ مَن جاوَزَ الحَدَّ أوْ شَرَعَ في شَيْءٍ بَعْدَهُ مِنَ التَّمادِي في الغَيِّ صارَ ذَلِكَ لَهُ دَيْدَنًا فَبالَغَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿كَفّارًا﴾ أيْ بَلِيغَ السَّتْرِ لِما يَجِبُ إظْهارُهُ مِن آياتِ اللَّهِ لِأنَّ قَوْلَكَ يا رَبِّ لا يَتَخَلَّفُ أصْلًا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَقُولُهُ إلّا عَنْ وحْيٍ كَما في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَيَكُونُ عَلى هَذا حَتّى صِغارُهم مُعَذَّبِينَ بِما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهم لَوْ بَلَغُوا لا بِما عَمِلُوهُ [ كَما -] قالَ ﷺ في أوْلادِ الكُفّارِ «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» .
نوح 71:28
ولَمّا دَلَّ هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّهُ دَعا عَلى أعْداءِ اللَّهِ، دَعا أيْضًا لِأوْلِيائِهِ وبَدَأ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ رَأْسُ تِلْكَ الأُمَّةِ، فَقالَ مُسْقِطًا عَلى عادَةِ أهْلِ الخُصُوصِ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِاتِّباعِ مَنِ اتَّبَعَنِي وتَجَنُّبِ مَن تَجَنَّبَنِي، فَإنَّ مَن كانَتْ طَبِيعَتُهُ طُبِعَتْ عَلى شَيْءٍ لا تُحَوُّلُ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ المَقامُ الأعْلى أجْلَّ مِن أنْ يُقَدِّرَهُ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ قالَ: ﴿اغْفِرْ لِي﴾ أيْ فَإنَّهُ لا يَسَعُنِي وإنْ كُنْتُ مَعْصُومًا إلّا حُلْمُكَ وعَفْوُكَ (p-٤٥٩)ورَحْمَتُكَ. ولَمّا أظْهَرَ بِتَواضُعِهِ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى رَتَّبَ المَدْعُوَّ لَهم [ عَلى -] الأحَقِّ فالأحَقِّ [ فَقالَ-]: ﴿ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ وهُما لَمْكُ بْنُ مِتْوَشَلَخْ وشَمْخاءُ بِنْتُ أنْوَشَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَكْفُرْ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أبٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأعادَ الجارَّ [ إظْهارًا -] لِلِاهْتِمامِ فَقالَ: ﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ لِأنَّ المُتَحَرِّمَ بِالإنْسانِ لَهُ حَقُّ أكِيدُ لا سِيَّما إنْ كانَ مُخْلِصًا في حُبِّهِ، ولِذا قالَ: ﴿مُؤْمِنًا﴾ ولَمّا خَصَّ عَمَّ وأعادَ الجارَّ أيْضًا اهْتِمامًا فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ في [ كُلِّ -] أُمَّةٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ [ و-] لا تَزِدْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا مَفازًا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ الِاحْتِباكُ: ولا تُكْرِمِ المارِقِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا تَبارًا﴾ أيْ إلّا هَلاكًا مُدَمِّرًا مُفَتِّتًا لِصُوَرِهِمْ قاطِعًا لِأعْقابِهِمْ مُخَرِّبًا لِدِيارِهِمْ وكَما اسْتَجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ في أهْلِ الإيمانِ والكُفْرانِ مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ فَكَذَلِكَ يَسْتَجِيبُ لَهُ في أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الخُسْرانِ بِالسَّعادَةِ والتَّبارُ في جَمِيعِ الأعْصارِ (p-٤٦٠)إلى أنْ يَقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ العَزِيزِ الجَبّارِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الدُّعاءِ المُقْتَضِي لِأصِلِ إكْرامِ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا مُرْشِدٌ إلى حَذْفِ الدُّعاءِ المُفْهِمِ لِأصِلِ إهانَةِ الكافِرِينَ ثانِيًا، وإثْباتِ الدُّعاءِ بِزِيادَةِ التَّبارِ [ ثانِيًا مُفْهِمٌ لِحَذْفِ الدُّعاءِ المُوجِبِ لِزِيادَةِ المَفازِ أوَّلًا، وهَذا الآخَرُ المُفْصِحُ بِالتَّبارِ -] هو ما أرْشَدَ إلَيْهِ الِابْتِداءُ بِالإنْذارِ، فَقَدِ انْطَبَقَ الآخَرُ عَلى الأوَّلِ عَلى أصْرَحِ وجْهٍ وأكْمَلَ، وأحْسَنِ حالٍ وأجْمَلِ مَنالٍ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ حالٍ.
الجن 72:1
سُورَةُ الجِنِّ وتُسَمّى ”قُلْ أُوحِي“
مَقْصُودُها إظْهارُ الشَّرَفِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ الفاتِحِ (ﷺ ( وعَلى أنَّهُ وأصْحابُهُ وذُرِّيَّتُهُ، أهْلُ بَيْتِهِ حَيْثُ لَيَّنَ لَهُ قُلُوبَ الإنْسِ والجِنِّ وغَيْرِهِما، فَصارَ مالِكًا لِقُلُوبِ المُجانِسِ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ لِعَظَمَةِ هَذا القُرْآنِ، ولُطْفِ ما لَهُ مِن غَرِيبِ الشَّأْنِ، هَذا والزَّمانُ في آخِرِهِ وزَمانُ لُبْثِهِ في قَوْمِهِ دُونَ رُبْعِ العُشْرِ مِن زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلِ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلى المُخالِفِينَ وما آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ (p-٤٦١)إلّا قَلِيلٌ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِالجِنِّ [ و-] يَقِلُّ أُوحِيَ، وبِتَأمُّلِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ وما فِيها مِن لَطِيفِ المَسالِكِ، أعاذَنا اللَّهُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ مِنَ الوُقُوعِ في المَهالِكِ، ( بِسْمِ اللَّهِ أيِ المُحِيطِ بِالكَمالِ أرْسَلَ رَسُولَهُ [ الخاتَمَ -] بِالهُدى لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ( الرَّحْمَنِ الَّذِي بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ عَمَّ بِهَذا الإرْسالِ لِيَعُمَّ بِالبَيانِ ما يُلْزِمُ الخَلْقَ مِنَ المَقالِ والفِعالِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي خَصَّ مَن بَيَّتْنَ أهْلَ الدَّعْوَةِ مَن شاءَ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ لِما سَبَقَ لَهم مِنَ الفَوْزِ في أزَلِ الآزالِ.
* *
ولَمّا كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلَ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى المُخالِفِينَ مِن أهْلِ الأرْضِ، وكانَ قَوْمُهُ عُبّادَ أوْثانٍ، وعَصَوْهُ أشَدَّ العِصْيانِ مَعَ أنَّهُ كانَ مِنهم نَسَبًا ولِسانًا، وخُتِمَتْ سُورَتُهُ بِدُعائِهِ عَلَيْهِمْ، وكانَ نَبِيُّنا ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، فَهو آخِرُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ الأرْضِ وغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، وكانَ قَوْمُهُ العَرَبَ قَدْ وافَقُوا قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ أحْوالِهِمْ عِبادَةَ الأوْثانِ حَتّى تِلْكَ الأوْثانُ إمّا بِأسامِيِّها أوْ بِأعْيانِها عَلى ما ورَدَ في الأخْبارِ، وفي عِصْيانِ رَسُولِهِمْ واسْتِضْعافِ أتْباعِهِ واسْتِهْزائِهِمُ ابْتُدِئَتْ، هَذِهِ بِما كانَ مِن سُهُولَةٍ مَن سَمِعَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الخاتِمَةِ الجامِعَةِ مِن غَيْرِ الجِنْسِ فَضْلًا (p-٤٦٢)عَنِ المُوافِقِينَ في الجِنْسِ مَعَ قِصَرِ الزَّمانِ وضَعْفِ الأعْوانِ لِجَلالَةِ هَذا القُرْآنِ، فَقالَ مُنَبِّهًا لَهُ بِالأمْرِ عَلى ما في هَذا مِن عَظِيمِ القَدْرِ، مَعَ الإشارَةِ إلى تَبْكِيتِ العَرَبِ عَلى التَّباطُؤِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما يُعَرِّفُونَ مِن رُشْدِهِ بِمَعْناهُ ونَظْمِهِ، لِكَوْنِهِ بِلِسانِهِمْ وكَوْنِهِمْ مِن نَوْعِ الدّاعِي وقَبِيلُهُ وأقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ ﴿قُلْ﴾ أيْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَعْظِيمَ المُوحى بِهِ، وأمّا المُوحِي إلى كُلٍّ مِنَ الرَّسُولَيْنِ فَواحِدٌ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا لِسِيرَةِ الجِنِّ في تَلَقِّيهِمْ لِهَذا القُرْآنِ بِالأخْذِ إرْثًا مِن أشْرَفِ النَّبِيِّينَ وإلْقائِهِمْ لَهُ بِالإبْلاغِ إلى غَيْرِهِمْ مِن وارِثِ العِلْمِ مِنهم لِيَكُونَ لَهُمُ الشَّرَفانِ: شَرَفُ العِلْمِ لِكَمالِ أنْفُسِهِمْ، والتَّعْلِيمِ لِتَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ، فَيَكُونُ لَهم مِثْلُ أجْرِ مَن عَمِلَ بِما ألْقَوْهُ إلَيْهِ وأمْلَوْهُ عَلَيْهِ: ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ أيْ أُخْبِرْتُ عَلى وجْهِ الخَفاءِ مِمَّنْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ في هَذا القُرْآنِ الَّذِي اقْتَضى إعْجازُهُ أنْ أكُونَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ تابِعًا عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو أمِينُهُ والواسِطَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ، ثُمَّ وضَعَ مَوْضِعَ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ قَوْلَهُ: ﴿أنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ العَظِيمُ ﴿اسْتَمَعَ﴾ أيْ بِغايَةِ الإصْغاءِ والإقْبالِ والتَّقَبُّلِ والإلْفِ اسْتِماعًا هو الِاسْتِماعُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ لِقِراءَتِي هَذا القُرْآنَ﴿نَفَرٌ﴾ هم في غايَةِ النَّفْرَةِ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ الَّذِينَ هم في غايَةِ الِاسْتِتارِ، وهم أجْسامٌ حَيَّةٌ عاقِلَةٌ خَفِيفَةٌ تَغْلُبُ عَلَيْها النّارِيَّةُ أوِ الهَوائِيَّةُ كَما تَغْلُبُ عَلى أجْسامِ الإنْسِ التُّرابِيَّةِ، والنَّفَرِ ما بَيْنَ (p-٤٦٣)الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ، قالَ البَغَوِيُّ: وكانُوا تِسْعَةً مِن جِنِّ نَصِيبِينَ، وقِيلَ: كانُوا سَبْعَةً، وفي هَذِهِ العِبارَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ﷺ ما رَآهم ولا قَرَأ عَلَيْهِمْ، وإنَّما اتَّفَقَ حُضُورُهم عِنْدَ قِراءَتِهِ، وهَلْ هَذا الِاسْتِماعُ هو المَذْكُورُ في الأحْقافِ أوْ غَيْرِهِ قالَ أبُو حَيّانَ: المَشْهُورُ أنَّهُ هُوَ، وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، والجِنُّ الَّذِينَ أتَوْهُ بِمَكَّةَ جِنُّ نَصِيبِينَ، والَّذِينَ أتَوْهُ بِنَخْلَةَ جِنُّ نِينَوى، والسُّورَةُ [ الَّتِي -] اسْتَمَعُوها قالَ عِكْرِمَةُ: العَلَقُ، وقِيلَ: الرَّحْمَنُ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا ولا في الأحْقافِ أنَّهُ رَآهُمْ، ويَظْهَرُ مِنَ الحَدِيثِ تَعَدُّدُ الواقِعَةِ، فَمِنها ما كانَ في المَبْدَأِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كَما في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي في الصَّحِيحِ
”أنَّهم فَقَدُوهُ ﷺ لَيْلَةً“مِنَ اللَّيالِي”فالتَمَسُوهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ، فَلَمّا أصْبَحَ إذا جاءَ مِن قِبَلِ حِراءَ فَقالَ: أتانِي داعِي الجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ بِنا فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ، ومِنها ما كانَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَهَبَ مَعَهُ إلى الحَجُونِ عِنْدَ الشِّعْبِ فَخَطَّ عَلَيْهِ خَطًّا، وقالَ: لا تُجاوِزُهُ، فانْحَدَرَ عَلَيْهِ أمْثالُ الحِجَلِ يُجَرُّونَ الحِجارَةَ بِأقْدامِهِمْ حَتّى غَشَوْهُ فَلا أراهُ، وأوْمَأ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ اجْلِسْ، فَتَلا القُرْآنَ، فَلَمْ يَزَلْ صَوْتُهُ يَرْتَفِعُ واخْتَفَوْا بِالأرْضِ حَتّى ما أراهُمْ“ قالَ الأصْبِهانِيُّ: وقِيلَ: كانُوا مَن بَنِي الشِّيصَبانَ (p-٤٦٤)وهم أكْثَرُ الجِنِّ عَدَدًا وهم عامَّةُ جُنُودِ إبْلِيسَ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: لَمّا رُجِمَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ فَرَقَّ إبْلِيسُ جُنُودَهُ لِعِلْمِ ذَلِكَ فَأتى سَبْعَةً مِنهم بَطْنُ نَخْلَةَ فاسْتَمَعُوا قِراءَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنُوا ثُمَّ أتَوْا قَوْمَهم فَقالُوا: يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا، يَعْنِي ولَمْ يَرْجِعُوا إلى إبْلِيسَ لِما عَلِمُوهُ مَن كَذِبِهِ وسَفاهَتِهِ، وجاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ في سَبْعِينَ مِن قَوْمِهِمْ فَأسْلَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآياتُ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ فَتُسَبِّبَ عَنِ اسْتِماعِهِمْ أنْ قالَ مِن سَمْعِ مِنهم لِمَن لَمْ يَسْمَعْ، أوْ لِمَن كانَ يُواخِيهِمْ مِنَ الإنْسِ امْتِثالًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ”رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنّا مَقالَةً فَوَعاها فَأدّاها كَما سَمِعَها“ وكانَ قَوْلُهم سُكُونًا إلى هَذا القُرْآنِ وأنْسابِهِ، مُؤَكِّدِينَ لِبُعْدِ حالِهِمْ عَنْ سَماعِ الوَحْيِ وعِلْمِهِمْ بِما زادَ بِهِ مِنَ الإعْجازِ: ﴿إنّا﴾ بِالكَسْرِ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْكِيٌّ بَعْدَ القَوْلِ ﴿سَمِعْنا﴾ حِينَ تَعَمَّدْنا الإصْغاءَ وألْقَيْنا إلَيْهِ أفْهامَنا ﴿قُرْآنًا﴾ أيْ كَلامًا هو في غايَةِ الِانْتِظامِ [ في نَفْسِهِ -] والجَمْعِ لِجَمِيعِ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ، ثُمَّ وصَفُوهُ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً في أمْرِهِ فَقالُوا: ﴿عَجَبًا﴾ أيْ بَدِيعًا [ خارِجًا -] عَنْ عادَةِ أمْثالِهِ مِن [ جَمِيعِ -] الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ النّاسِ (p-٤٦٥)فِي جَلالَةِ النَّظْمِ وإعْجازِ التَّرْكِيبِ والوَضْعِ مَعَ المُوافَقَةِ لَها في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى والبَيانِ لِلْمَحاسِنِ والمَساوِئِ والدُّعاءِ إلى كُلِّ فَلاحٍ حَتّى صارَ نَفْسَ العَجَبِ، والعَجَبُ ما خَرَجَ عَنْ حَدِّ أشْكالِهِ ونَظائِرِهِ فَخَفِيِ سَبَبُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى قُوَّتِهِمُ العِلْمِيَّةِ في فَصاحَتِهِمْ وكَمالِهِمْ في عِلْمِ الرُّسُومِ، وصَوْغِ الكَلامِ عَلى أبْلَغِ جِهاتِ النُّظُومِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُ حالِ كُفّارِ قُرَيْشٍ في تَعامِيهِمْ عَنِ النَّظَرِ وجَرْيِهِمْ في اللَّدَدِ والعِنادِ حَسَبَما انْطَوَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ن والقَلَمِ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِوَعِيدِهِمْ في الحاقَّةِ ثُمَّ بِتَحْقِيقِهِ وقُرْبِ وُقُوعِهِ في المَعارِجِ ثُمَّ بِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَأْنِيسِهِ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يَتَّعِظُ بِهِ المُوَفَّقُ ويَعْلَمُ أنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ: فَقَدْ كانَتِ اسْتِجابَةُ مُعانِدِي قُرَيْشٍ والعَرَبِ أقْرَبُ في ظاهِرِ الأمْرِ لِنَبِيٍّ مِن جِنْسِهِمْ و[ مِن -] أنْفُسِهِمْ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهم مَعْرِفَةُ صِدْقِهِ وأمانَتِهِ، ثُمَّ جاءَهم بِكِتابٍ بِلِسانِهِمُ الَّذِي بِهِ يَتَحاوَرُونَ ولُغَتِهِمُ الَّتِي بِها يَتَكَلَّمُونَ، فَقَدْ بَهَرَتِ العُقُولَ آياتُهُ، ووَضَحَتْ لِكُلِّ ذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ بَراهِينُهُ ومُعْجِزاتُهُ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى مُعارَضَتِهِ إلى ما شاهَدُوهُ مِن عَظِيمِ البَراهِينِ، ومَعَ ذَلِكَ عَمُوا وصَمُّوا - غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم - وسَبَقَ إلى الإيمانِ مَن لَيْسَ [ مِن -] جِنْسِهِمْ ولا سَبَقَتْ (p-٤٦٦)لَهُ مَزِيَّةُ تَكْرِيمِهِمْ، وهُمُ الجِنُّ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهم مِنَ [ اللَّهِ -] الحُسْنى فَآمَنُوا وصَدَّقُوا، وأمَرَ ﷺ بِالإخْبارِ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى [ عَلَيْهِ -] ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ الآياتُ إلى قَوْلِهِ إخْبارًا عَنْ تَعْرِيفِ الجِنِّ سائِرَ إخْوانِهِمْ بِما شاهَدُوهُ مِن عِنادِ كُفّارِ العَرَبِ ”وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا“ ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الآيُ مُلْتَحِمَةَ المَعانِي مُعْتَضِدَةَ المَبانِي إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.
الجن 72:2
ولَمّا بَيَّنُوا فَضْلَهُ مِن جِهَةِ الإعْجازِ وغَيْرِهِ، بَيَّنُوا المَقْصُودَ بِالذّاتِ الدّالِّ عَلى غَوْصِهِمْ عَلى المَعانِي بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِحُسْنِ المَبانِي فَقالُوا: ﴿يَهْدِي﴾ أيْ يُبَيِّنُ غايَةَ البَيانِ مَعَ الدُّعاءِ في لُطْفٍ وهُدًى ﴿إلى الرُّشْدِ﴾ أيِ الحَقِّ والصَّوابِ الَّذِي يَكادُ يَشْرُدُ لِثِقَلِهِ عَلى النُّفُوسِ الدّاعِيَةِ إلى الهَوى وخِفَّةِ، ضِدُّهُ الغَيُّ والسَّفَهُ المُلائِمُ لِنَقائِصِ النُّفُوسِ. ولَمّا وصَفُوهُ بِهَذِهِ الكَمالاتِ سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهم إعْمالًا لِلْقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ في المُبادَرَةِ إلى الصَّوابِ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ أصْلًا: ﴿فَآمَنّا﴾ أيْ كُلُّ مَنِ اسْتَمَعَ مِنّا لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنّا أحَدٌ ولا تَوَقَّفَ بَعْدَ الِاسْتِماعِ ﴿بِهِ﴾ أيْ أوْقَعْنا الأمانَ لِمُبَلِّغِ القُرْآنَ أنَّ نُكَذِّبَهُ أوْ نُخالِفَهُ أدْنى مُخالَفَةٍ بِسَبَبِ هَذا القُرْآنِ.
ولَمّا أخْبَرُوا عَنِ الماضِي، وكانَ الإيمانُ لا يُفِيدُ إلّا مَعَ الِاسْتِمْرارِ، (p-٤٦٧)قالُوا عاطِفِينَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَوَجَدْنا اللَّهَ في الحالِ لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ وخَلَعْنا الأنْدادَ: ﴿ولَنْ﴾ أيْ والحالُ أنا مَعَ إيقاعِ الإيمانِ في الحالِ لَنْ ﴿نُشْرِكَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا، أكَّدُوا لِأنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ يُصَدَّقُ ﴿بِرَبِّنا﴾ أيِ الَّذِي لا إحْسانَ قائِمٌ بِنا مِنَ الإيجادِ وما بَعْدَهُ إلّا مِنهُ ﴿أحَدًا﴾ أيْ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّهُ لَمْ يُشْرِكْهُ في شَيْءٍ مِن أمْرِنا أحَدٌ، وقَدْ وضَّحَتِ الدَّلائِلُ عَلى التَّوْحِيدِ فِيما سَمِعْنا مِن هَذا القُرْآنِ.
الجن 72:3
ولَمّا أظْهَرُوا القُوَّتَيْنِ العِلْمِيَّةِ بِفَهْمِهِمُ القُرْآنَ، والعَمَلِيَّةِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الإذْعانِ، أعْمَلُوا ما لَهم في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن قُوَّةِ البَيانِ، فَبَعْدَ أنْ نَزَّهُوهُ سُبْحانَهُ عَنِ الشِّرْكِ عُمُومًا خَصُّوا مُؤَكِّدِينَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ والبَصْرِيِّينَ وأبِي جَعْفَرٍ بِالكَسْرِ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مِثْلَ هَذِهِ السُّهُولَةِ لا تَكادُ تُصَدَّقُ، فَقالُوا عَطْفًا عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ [الجن: ١] ﴿وأنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ العَظِيمُ قالَ الجِنُّ: ﴿تَعالى﴾ أيِ انْتَهى في العُلُوِّ والِارْتِفاعِ إلى حَدٍّ لا يُسْتَطاعُ ﴿جَدُّ﴾ أيْ عَظْمَةٌ وسُلْطانٌ وكَمالُ غِنًى ﴿رَبِّنا﴾ أيِ المُوجِدِ لَنا والمُحْسِنِ إلَيْنا، وإذا كانَ هَذا التَّعالِي لِجَدِّهِ فَما بالُكَ بِهِ، وكَذا حَكَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِقَوْلِهِ الجِنِّ ما بَعْدَ هَذا إلّا
﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ [الجن: ١٦] و﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] و﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ﴾ [الجن: ١٩] فَإنَّهُ مَفْتُوحٌ فِيها عَطْفًا عَلى (p-٤٦٨)المُوحى بِهِ فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ إلّا عِنْدَ أبِي جَعْفَرٍ فَإنَّهُ فَتَحَ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ و﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ﴾ [الجن: ٤] ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ﴾ [الجن: ٦] ووافَقَهم نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في غَيْرِ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ﴾ [الجن: ١٩] فَإنَّهُما كَسَراها وفَتَحَ الباقُونَ وهُمُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ الكُلَّ إلّا ما صَدَرَ بِالفاءِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ في ”بِهِ“ أيْ صَدَقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ - لا عَلى لَفْظِهِ وإلّا لَزِمَ إعادَةَ الجارِّ عِنْدَ نُحاةِ البَصْرَةِ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى لَفْظِ الضَّمِيرِ في ”بِهِ“ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ الَّذِي نَصَرَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ اللِّسانِ.
ولَمّا وصَفُوهُ بِهَذا التَّعالِي الأعْظَمِ المُسْتَلْزِمِ لِلْغِنى المُطْلَقِ والتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، بَيَّنُوهُ بِنَفْيِ ما يُنافِيهِ بِقَوْلِهِمْ إبْطالًا لِلْباطِلِ: ﴿ما اتَّخَذَ﴾ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ بَيانًا لِمَوْضِعِ النَّقْصِ لا تَقْيِيدًا ﴿صاحِبَةً﴾ أيْ زَوْجَةً ﴿ولا ولَدًا﴾ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِمُعالَجَةٍ وتَسْبِيبٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِمُحْتاجٍ إلى بِضاعٍ أوْ غَيْرِهِ، والحاجَةُ لا تَكُونُ إلّا مِن ضَعْفٍ وعَجْزٍ، وذَلِكَ [ يُنافِي -] الجِدَّ، فالمُحْتاجُ لا يَصِحُّ أصْلًا أنْ يَكُونَ إلَهًا وإنْ كانَ بِغَيْرِ تَسْبِيبٍ ومُهْلَةٍ، فَهو عَبَثٌ لِأنَّ مُطْلَقَ الِاخْتِراعِ مُغْنٍ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا العَبَثُ الَّذِي يُنَزِّهُ الإلَهَ عَنْهُ (p-٤٦٩)والصّاحِبَةُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مِن نَوْعِ صاحِبِها، ومَن لَهُ نَوْعٌ فَهو مُرَكَّبٌ تَرْكِيبًا عَقْلِيًّا مِن صِفَةٍ مُشْتَرَكَةٍ وصِفَةٍ مُمَيَّزَةٍ، والوَلَدُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جُزْءًا مُنْفَصِلًا عَنْ والِدِهِ، ومَن لَهُ أجْزاءٌ فَهو مُرَكَّبٌ تَرْكِيبًا حِسِّيًّا، ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِمُحْتاجٍ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ مِن تَرْكِيبٍ حِسِّيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ.
الجن 72:4
ولَمّا تَبَيَّنَ لَهم ما هو عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنَ النَّزاهَةِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، وصَفُوا مَن قالَ بِضِدِّهِ صِيانَةً لِدِينِهِمْ وعِرْضِهِمْ بِالتَّرَفُّعِ عَنِ الخَسائِسِ والرَّذائِلِ بِعَدَمِ التَّمادِي في الباطِلِ مَقْتًا لِلْخَلْقِ في ذاتِ الخَلْقِ مُؤَكِّدِينَ لِما لِلسّامِعِ في الغالِبِ مِن تَصْدِيقِ ما يَسْمَعُ والمُحاجَّةِ عَنْهُ فَقالُوا: ﴿وأنَّهُ﴾ أيْ وقالُوا إلى الشَّأْنِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ، وآمَنّا بِأنَّهُ - عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ﴿كانَ يَقُولُ﴾ أيْ قَوْلًا هو في عَراقَتِهِ في الكَذِبِ بِمَنزِلَةِ الجِبِلَّةِ والطَّبْعِ ﴿سَفِيهُنا﴾ وهو الجِنْسُ فَيَتَناوَلُ إبْلِيسُ رَأْسَ الجِنْسِ تَناوَلًا أوَّلِيًّا، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ لِأنَّ ثَمَرَةُ العَقْلِ العِلْمَ، وثَمَرَةُ العِلْمِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ، فَمَن لَمْ يَعْرِفْهُ فَهو الَّذِي يُلازِمُ الطَّيْشَ والغَيُّ لِأنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدِهِ أصْلًا يَحْمِلُهُ عَلى الرَّزانَةِ، كاذِبًا مُتَقَوَّلًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ (p-٤٧٠)أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ المُنافِيَةِ لِقَوْلِ هَذا السَّفِيهِ في الوَلَدِ ﴿شَطَطًا﴾ أيْ قَوْلًا هو في بَعْدِهِ عَنِ الصَّوابِ نَفْسِ البُعْدِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ.
الجن 72:5
ولَمّا ذَكَرُوا ما هَدَوْا إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في اللَّهِ وفِيمَن كانَ يَحْمِلُهم عَلى الباطِلِ، ذَكَرُوا عُذْرَهم في اتِّباعِهِمْ لِلسَّفِيهِ وفي وُقُوعِهِمْ [ في -] مَواقِعِ التُّهَمِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ جَدِيرٌ بِأنْ يَظُنَّ أنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ لِشِدَّةِ وُضُوحِ بُطْلانِهِ: ﴿وأنّا﴾ أيْ مَعْشَرِ المُسْلِمِينَ مِنَ الجِنِّ ﴿ظَنَنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِن سَلامَةِ الفِطَرِ المُقْتَضِيَةِ لِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِشَهادَةِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ أحْمَدَ «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ والفاجِرُ خَبٌّ لَئِيمٌ» ﴿أنْ﴾ أيْ أنَّهُ، وزادُوا في التَّأْكِيدِ لِما مَضى فَقالُوا: ﴿لَنْ تَقُولَ﴾ وبَدَءُوا بِأفْضَلِ الجِنْسَيْنِ فَقالُوا: ﴿الإنْسُ﴾ وأتْبَعُوهم قُرَناءَهم فَقالُوا: ﴿والجِنُّ﴾ أيْ مُتَخَرِّصِينَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي بِيَدِهِ النَّفْعُ والضُّرُّ ﴿كَذِبًا﴾ أيْ قَوْلًا هو لِعَراقَتِهِ في مُخالَفَةِ الواقِعِ نَفْسَ الكَذِبِ، وهو في قِراءَةِ [ أبِي -] جَعْفَرٍ بِفَتْحِ القافِ والواوِ المُشَدَّدَةِ المَفْتُوحَةِ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ اللَّفْظِ، وإنَّما ظَنَنّا ذَلِكَ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ المَجْبُولُ عَلى الشَّهَواتِ مِن تَصْدِيقِ الأشْكالِ لا سِيَّما إذا كانَ قَوْلُهم جازِمًا وعَظِيمًا لا يُقالُ مِثْلُهُ إلّا بَعْدَ تَثَبُّتٍ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ لا سِيَّما إذا كانَ القائِلُ كَثِيرًا لا سِيَّما إذا تَأيَّدُوا بِجِنْسٍ آخَرَ، فَصارُوا لا يُحْصَوْنَ (p-٤٧١)كَثْرَةً، ولا تُطِيقُ العُقُولُ مُخالَفَةَ جَمْعٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلّا بِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ بِقاطِعٍ نَقْلِيٍّ، والآيَةُ عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ مِنَ الِاحْتِباكِ: فِعْلُ التَّقَوُّلِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى فِعْلِ الكَذِبِ ثانِيًا، ومَصْدَرُ الكَذِبِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى مَصْدَرِ التَّقَوُّلِ أوَّلًا، وسِرُّهُ [ أنَّ -] التَّقَوُّلَ دالٌّ عَلى التَّعَمُّدِ فَهو أفْحَشُ مَعْنًى والكَذِبُ أفْحَشُ لَفْظًا، وهَذا مُرْشِدٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي التَّقْلِيدُ في شَيْءٍ لِأنَّ الثِّقَةَ بِكُلِّ أحَدٍ عَجْزٌ، وإنَّما يَنْكَشِفُ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ، والتَّقْلِيدِ قَدْ يَجُرُّ إلى الكُفْرِ المُهْلِكِ هَلاكًا أبَدِيًّا، وإلَيْهِ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنِ النُّعْمانَ ابْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّ «مَنِ اتَّقى الشُّبَهاتِ اسْتَبْرَأ لَدَيْهِ وعِرْضِهِ» و[ في -] ذَلِكَ غايَةُ الحَثِّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يُقْدِمُ ولا يُحْجِمُ في أُصُولِ الدِّينِ إلّا بِقاطِعٍ.
الجن 72:6
ولَمّا عَلِمَ مِن قَوْلِهِمْ أنَّ مُسْتَنَدَ الضَّلالِ ظُنُونٌ وشُبَهٌ مَتى حَكَّتْ عَلى مَحَكِّ النَّظَرِ بانَ فَسادُها، وأظْهَرَ زَيْفَها نُقّادُها، أتْبَعَهُ شُبْهَةً أُخْرى زادَتِ الفَرِيقَيْنِ ضَلالًا بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِلتَّقَيُّدِ بِالمَحْسُوساتِ، والوُقُوفِ مَعَ الخَيالاتِ المَوْهُوماتِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم تَنْبِيهًا عَلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِالمَدْحِ والإطْراءِ المُوجِبَيْنِ لِلْغَلَطِ في النَّفْسِ وعَلى أنَّهُ يَجِبُ التَّثَبُّتُ (p-٤٧٢)حَتّى لا يَقَعَ الغَلَطُ في الأسْبابِ المُسَخَّرَةِ فَيَظُنُّ أنَّها مُؤَثِّرَةً فَيَتَجاوَزُ بِها الحَدَّ عَنْ رُتْبَةِ المُمَكَّناتِ إلى رُتْبَةِ الواجِبِ، مُؤَكِّدِينَ لِأنَّهُ لا يَكادُ يُصَدِّقُ أنَّ الجِنَّ يُخاطِبُهُمُ الإنْسَ فَيُكارِمُونَهُمْ: ﴿وأنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿كانَ رِجالٌ﴾ أيْ ذَوُو قُوَّةٍ وبَأْسٍ ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ أيِ النَّوْعِ الظّاهِرِ في عالَمِ الجِنْسِ ﴿يَعُوذُونَ﴾ أيْ يَلْجَئُونَ ويَعْتَصِمُونَ - خَوْفًا عَلى أنْفُسِهِمْ وما مَعَهم - إذا نَزَلُوا وادِيًا ﴿بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ أيِ القَبِيلِ المُسْتَتِرِ عَنِ الأبْصارِ فَإنَّهُ كانَ القَوْمُ مِنهم إذا نَزَلُوا وادِيًا أوْ غَيْرَهُ مِنَ القَفْرِ تَعْبَثُ بِهِمُ الجِنُّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِأنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنهم مَن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ولا دِينٍ صَحِيحٍ، ولا كِتابٍ مِنَ اللَّهِ صَرِيحٍ، فَحَمَلَهم ذَلِكَ عَلى أنْ يَسْتَجِيرُوا بِعُظَمائِهِمْ فَكانَ الرَّجُلُ يَقُولُ عِنْدَ خَوْفِهِ: إنِّي أعُوذُ بِعَظِيمِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ أوْ نَحْوِ هَذا فَلا يَرى إلّا خَيْرًا، ورُبَّما هَدَوْهُ إلى الطَّرِيقِ ورَدُّوا عَلَيْهِ ضالَّتَهُ، فَكانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلْإنْسِ بِاعْتِقادِهِمْ في الجِنِّ غَيْرَ ما هم عَلَيْهِ، فَتَبِعُوهم في الضَّلالِ، وفِتْنَةُ الجِنِّ بِأنْ يَغْتَرُّوا بِأنْفُسِهِمْ ويَقُولُوا سَدَّنا: الجِنُّ والإنْسُ، فَيَضِلُّوا ويَضِلُّوا، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهُمْ﴾ أيِ الإنْسِ الجِنِّ (p-٤٧٣)بِاسْتِعاذَتِهِمْ هَذِهِ المُرَتَّبِ عَلَيْها إعاذَتُهُمْ، والجِنُّ الإنْسُ بِتَرْئِيسِ الإنْسِ لَهم وخَوْفِهِمْ مِنهم ﴿رَهَقًا﴾ أيْ ضِيقًا وشِدَّةً وغَشَيانًا لِما هم فِيهِ مِن أحْوالِ الضَّلالِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنهُمُ الضِّيقَ والشِّدَّةَ، وأصْلُ الرَّهَقِ غَشِيانٌ بِقُوَّةٍ وشِدَّةٍ وقَهْرٍ، وقالَ البَغَوِيُّ: والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ الإثْمُ وغَشَيانُ المَحارِمِ.
كَما يَتَّفِقُ لِمَن يَسَلُكُ مِن أهْلِ التَّصَوُّفِ عَلى غَيْرِ أصْلٍ فَيَرى في أثْناءِ السَّيْرِ أنْوارًا وأشْياءَ تُعْجِبُهُ شَيْطانِيَّةً فَيَظُنَّها رَحْمانِيَّةً، فَيَقِفُ عِنْدَها ويَأْنَسُ بِها لِفَسادٍ في أصْلِ جِبِلَّتِهِ نَشَأ عَنْهُ سُوءُ مَقْصِدِهِ، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكُفْرِهِ فَيَزْدادُ هو وأمْثالُهُ مِنَ الإنْسِ ضَلالًا ويَزْدادُ مَن أضَلَّهُ مِنَ الجِنِّ ضَلالًا [ وإضْلالًا -] وعُتُوًّا، ويَزْدادُ الفَرِيقانِ بُعْدًا عَنِ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولَقَدْ أغْنانا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالقُرْآنِ والذِّكْرِ المَأْخُوذِ عَنْ خَيْرِ خَلْقِهِ بِشَرْطِهِ في أوْقاتِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ كَما أخْبَرَ ﷺ أنَّ مَن قالَ عِنْدَ إتْيانِهِ الخَلاءَ ”بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِثِ“ سَتَرَ عَنِ الجِنِّ، وأنَّ مَن قالَ إذا أتى امْرَأتَهُ ”اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطانَ وجِنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقَتَنِي“ فَأتاهُ ولَدٌ لَمْ يَقْدِرِ الشَّيْطانُ أنْ يَضُرَّهُ، ومِن أذِنَ أمَّنْ تَغَوَّلَ الغِيلانَ، ورَوى (p-٤٧٤)التِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ - قالَ المُنْذِرِيُّ: ورُواتُهُ [ رُواةُ -] الصَّحِيحِ - عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ فَيَقْرَأُ سُورَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا وكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مَلَكًا فَلا يَقْرَبُهُ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ حَتّى يَهَبَ مَتى وهَبَ» ولِلطَّبَرانِيِّ في الكَبِيرِ - قالَ المُنْذِرِيُّ: ورُواتُهُ رُواةُ الصَّحِيحِ إلّا المُسَيِّبُ بْنُ واضِحٍ، قالَ الهَيْثَمِيُّ: وهو ضَعِيفٌ وقَدْ وثِقَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”خَرَجْتُ مِن حِمْصَ فَآوانِي اللَّيْلُ إلى البَقِيعَةِ فَحَضَرَنِي مِن أهْلِ الأرْضِ فَقَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الأعْرافِ
﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُهم [ لِبَعْضٍ-]: احْرُسُوهُ الآنَ حَتّى يُصْبِحَ، فَلَمّا أصْبَحْتُ رَكِبْتُ دابَّتِي“ والأحادِيثُ في هَذا كَثِيرَةٌ في آيَةِ الكُرْسِيِّ وغَيْرِها، وكَذا حِكاياتُ مَنِ اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الجِنِّ فَلَمّا قَرَأ ذَهَبَ عَنْهُ.
الجن 72:7
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَضْلُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالآخَرِ ضَلالًا بَعِيدًا حَتّى أبْعَدُوا عَنِ الشَّرائِعِ النَّبَوِيَّةِ، واعْتَقَدُوا ما لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ مِنَ التَّعْطِيلِ واعْتِقادِ الطَّبِيعَةِ، فَلا يَزالُ الأمْرُ هَكَذا أرْحامٌ تَدْفَعُ وأرْضٌ تَبْلَعُ ولا رَسُولَ يَهْدِيهِمْ ولا بَعْثَ لِلْأرْضِ عَلى بارِئِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ (p-٤٧٥)قَوْلُهم مُؤَكِّدِينَ في قِراءَةِ الكَسْرِ إشارَةً إلى [ ظُهُورِ -] دَلائِلِ البَعْثِ، وأنَّهُ لا يَكادُ يُصَّدَّقُ أنْ أحَدًا يُكَذِّبُ بِهِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ الأهْواءَ والأغالِيطَ قَدْ يَتَطابَقُ عَلَيْها الجَمُّ الغَفِيرُ، حَثًّا لِلْمُهْتَدِي عَلى أنْ لا يَسْتَوْحِشَ في طَرِيقِ الهُدى لِقِلَّةِ السّالِكِينَ، ولا يُغْرَ بِطُرُقِ الرَّدى لِكَثْرَةِ الهالِكِينَ: ﴿وأنَّهُمْ﴾ أيِ الإنْسُ إنْ كانُوا يُخاطِبُونَ الجِنَّ، والجِنُّ إنْ كانُوا يُخاطِبُونَ الإنْسَ ﴿ظَنُّوا﴾ أيِ الجِنُّ أوِ الإنْسُ ظَنًّا لَيْسُوا فِيهِ عَلى ثَلْجٍ والظَّنُّ قَدْ يُصِيبُ، وقَدْ يُخْطِئُ وهو أكْثَرُ ﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها الجِنُّ أوِ الإنْسُ، والمَعْنى في قِراءَةِ الفَتْحِ: وأوْحى إلَيَّ أنَّ الإنْسَ أوِ الجِنَّ ظَنُّوا، وسَدُّوا عَنْ مَفْعُولَيْ”ظَنَّ“بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ ﴿لَنْ﴾ أكَّدَ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ إنْكارِهِمْ لِذَلِكَ ﴿يَبْعَثَ﴾ وأشارُوا إلى خَطَأِ هَذا الظَّنِّ بِالتَّعْبِيرِ بِالجَلالَةِ فَقالُوا: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿أحَدًا﴾ أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ لِما لَبَّسَ [ بِهِ -] عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ حَتّى رَأوْا حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحُسْنِ، أوْ أحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ يُزِيلُ [ بِهِ -] عَمايَةَ الجَهْلِ وما عَلَيْهِ الإنْسُ مِنَ اسْتِغْواءِ الجِنِّ لَهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الضَّلالِ، وقَدْ ظَهَرَ بِالقُرْآنِ أنَّ هَذا الظَّنَّ كاذِبٌ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ (p-٤٧٦)البَعْثِ في الأمْرَيْنِ لِأنَّهُ حِكْمَةُ المَلِكِ وخاصَّةُ المَلِكِ.
الجن 72:8
ولَمّا كانَ عَدَمُ البَعْثِ مِن خَلَلٍ في القُدْرَةِ، شَرَعُوا في إثْباتِ تَمامِ القُدْرَةِ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ وحِراسَتِهِ مِنَ الجانِّ، لِئَلّا يَظُنَّ أنَّهُ مِن نَحْوِ ما لِلْكُهّانِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ في قِراءَةِ الكَسْرِ لِاسْتِبْعادِ الوُصُولِ إلى السَّماءِ حَثًّا عَلى طَلَبِ المُهِمّاتِ وإنْ بَعُدَ مَكانُها: ﴿وأنّا﴾ ولَمّا كانَ يُعَبِّرُ عَنِ الإمْعانِ في التَّفْتِيشِ بِالِالتِماسِ، وكانَ تَجْرِيدُ الفِعْلِ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الخِفَّةِ وعَدَمِ الكُلْفَةِ قالَ: ﴿لَمَسْنا السَّماءَ﴾ أيِ الدُّنْيا التَمَسْنا أخْبارَها عَلى ما كانَ مِن عادَتِنا لِاسْتِماعِ ما يَغْوى بِهِ الإنْسانُ التِماسًا هو كالحِسِّ بِاللَّمْسِ بِاليَدِ ﴿فَوَجَدْناها﴾ مِن جَمِيعِ نَواحِيها وهو مِنَ الوِجْدانِ ﴿مُلِئَتْ﴾ أيْ مَلَأً هو في غايَةِ السُّهُولَةِ والخِفَّةِ عَلى فاعِلِهِ ﴿حَرَسًا﴾ أيْ حُرّاسًا اسْمُ جَمْعٍ، فَهو مُفْرَدُ اللَّفْظِ، ولِذَلِكَ وصَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿شَدِيدًا﴾ أيْ بِالمَلائِكَةُ ﴿وشُهُبًا﴾ جَمْعُ شِهابٍ وهو المُتَوَقِّدُ مِنَ النّارِ، فَعَلَتْ هِمَمُهم حَتّى طَلَبُوا المُهِمّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ والشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةَ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ صُعُودًا، فَأُفٍّ لِمَن يَكْسَلُ عَنْ مُهِمّاتِ الدِّينِ المُحَقِّقَةِ مِن مَسِيرَةِ ساعَةٍ أوْ دُونَها، وأنْ يَقْعُدَ في مَجْلِسِ العِلْمِ ساعَةً أوْ دُونَها، والتَّعْبِيرُ بِالمَلَأِ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ [ قَبْلَ ذَلِكَ -] تَحْرُسُ لَكِنْ لا عَلى [ هَذا -] الوَجْهِ فَقِيلَ: إنَّها (p-٤٧٧)حَرَسَتْ لِنُزُولِ التَّوْراةِ ثُمَّ اشْتَدَّ الحَرَسُ لِلنَّجِيلِ ثُمَّ مُلِئَتْ لِنُزُولِ القُرْآنِ فَمُنِعُوا مِنَ الِاسْتِماعِ أصْلًا إلّا ما يَصْدُقُ القُرْآنُ إرْهاصًا لِلنُّبُوَّةِ العُظْمى الخاتِمَةِ لِئَلّا يَحْصُلُ بِهِمْ نَوْعُ لَبْسٍ.
الجن 72:9
ولَمّا أخْبَرُوا عَنْ حالِها إذْ ذاكَ لِأنَّهُ الأهَمُّ عِنْدَهُمْ، أُخْبِرُوا عَنْ حالِها قَبْلُ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِما لِلْإنْسِ [ مِنَ التَّكْذِيبِ -] بِوُصُولِ أحَدٍ إلى السَّماءِ: ﴿وأنّا كُنّا﴾ أيْ فِيما مَضى ﴿نَقْعُدُ مِنها﴾ أيِ السَّماءِ ﴿مَقاعِدَ﴾ أيْ كَثِيرَةً قَدْ عَلِمْناها لا حَرَسَ فِيها فَهي صالِحَةٌ ﴿لِلسَّمْعِ﴾ أيْ لِأنَّ نَسْمَعُ مِنها بَعْضَ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ بِما أمَرُوا بِتَدْبِيرِهِ، وقَدْ جاءَ في الخَبَرِ أنَّ صِفَةَ قُعُودِهِمْ هي أنْ يَكُونَ الواحِدُ مِنهم فَوْقَ الآخَرِ حَتّى يَصِلُوا إلى السَّماءِ، قالَ أبُو حَيّانَ: فَمَتى احْتَرَقَ الأعْلى كانَ الَّذِي تَحْتَهُ مَكانَهُ فَكانُوا يَسْتَرِقُونَ الكَلِمَةَ فَيُلْقُونَها إلى الكُهّانِ فَيَزِيدُونَ مَعَها الكَذِبَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَسْتَمِعَ مِنها [ فَنَسْمَعُ -] ما يُقَدَّرُ لَنا مِن غَيْرِ مانِعٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ﴾ أيْ يَجْتَهِدُ في الوُصُولِ إلى السَّمْعِ ﴿الآنَ﴾ أيْ في هَذا الوَقْتِ فِيما يَسْتَقْبِلُ أنَّهم قَسَّمُوا الزَّمانَ إلى [ ما -] كانَ مِن إطْلاقِ الِاسْتِماعِ لَهم وإلى ما صارَ إلَيْهِ الحالُ مِنَ الحِراسَةِ، وأطْلَقُوا ”الآنَ“ عَلى الثّانِي كُلَّهُ، لِأنَّهم أرادُوا وقْتَ قَوْلِهِمْ فَقَطْ (p-٤٧٨)أوْ أرادُوهُ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما بَعْدَهُ فَيُجَوِّزُونَ أنْ يَكُونَ الحالَ فِيهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿يَجِدْ لَهُ﴾ أيْ لِأجْلِهِ ﴿شِهابًا﴾ أيْ شُعْلَةً مِن نارٍ ساطِعَةٍ مُحْرِقَةٍ.
ولَمّا كانَ الشِّهابُ في مَعْنى الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنها كَذَلِكَ، وصَفَهُ بِاسْمِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿رَصَدًا﴾ أيْ يَرْصُدُهُ الرّامُونَ بِهِ مِن غَيْرِ غَفْلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى المُبالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ، والرَّصْدُ التَّرَقُّبُ لِأنَّهُ لَمّا كانَ لا تَأخُّرَ عَنْ رَمْيِهِ عِنْدَ الدُّنُوِّ مِنَ السَّماءِ كانَ كَأنَّهُ هو الرّاصِدُ لَهُ، المُراقِبُ لِأمْرِهِ، المُلاحِظُ الَّذِي لا فُتُورَ عِنْدَهُ [ و-] لا غَفْلَةَ بِوَجْهٍ بَلْ هو الرَّصْدُ وهو المَعْنى بِنَفْسِهِ، فَمَتى تَسَنَّمَ لِلِاسْتِماعِ رُمِيَ بِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِماعِ وإنْ أدْرَكَهُ أحْرَقَهُ، وأمّا السَّمْعُ فَقَدِ امْتَنَعَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]
الجن 72:10
ولَمّا أُخْبِرُوا عَنْ إيمانِهِمْ أنَّهُ كانَ عَقِبَ سَماعِهِمْ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، ثُمَّ ذَكَرُوا مَنعَهم مِنَ الِاسْتِراقِ، ذَكَرُوا أنَّهُ اشْتُبِهَ عَلَيْهِمُ المَنعُ فَلَمْ يَعْلَمُوا سِرَّهُ دَلالَةً عَلى أنَّ جَهْلَ بَعْضِ المَسائِلِ [ الفَرْعِيَّةِ -] لا يَقْدَحُ، (p-٤٧٩)ونَدْبًا إلى رَفْعِ الهِمَّةِ عَنِ الخَوْضِ في شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وحَثًّا عَلى التَّفْوِيضِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ، فَبَيَّنُوا الَّذِي حَمَلَهم عَلى ضَرْبِ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها حَتّى وجَدُوا النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ: فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَنْسُبُونَهم إلى عِلْمِ المُغَيَّباتِ وحَلِّ المُشْكِلاتِ: ﴿وأنّا لا نَدْرِي﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وإنْ دافَعْنا واجْتَهَدْنا ﴿أشَرٌّ﴾ ولَمّا كانَ المَحْذُورُ نَفْسَ الإرادَةِ الماضِيَةِ [ لا كَوْنُها مِن مَعْرُوفٍ مَعَ أنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ، وهو الفاعِلُ المُخْتارُ الَّذِي لَهُ الإرادَةُ الماضِيَةُ -] النّافِذَةُ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿أُرِيدَ﴾ مُعَلِّمِينَ لِلْأدَبِ في أنَّ الشَّرَّ يَتَحاشى مِن إسْنادِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ حَيْثُ لا إشْكالَ في مَعْرِفَةِ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِهِ ﴿بِمَن في الأرْضِ﴾ أيْ بِهَذِهِ الحِراسَةِ فَيَنْشَأُ عَنْها الغَيُّ ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ المُدَبِّرُ لَهُمْ، بَنُوهُ لِلْفاعِلِ في جانِبِ الخَيْرِ إعْلامًا مَعَ تَعْلِيمِ الأدَبِ بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وإشارَةً إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أرادَ بِهَذا المَنعِ الخَيْرَ ﴿رَشَدًا﴾ أيْ سَدادًا فَيَنْشَأُ عَنْهُ الخَيْرُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الشَّرِّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الخَيْرِ ثانِيًا، والرُّشْدُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الغِنى أوَّلًا.
الجن 72:11
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ [ بِسُهُولَةِ -] إيمانِهِمْ، فَكانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لِأنَّ شَأْنَهُمُ اللِّينُ، أتْبَعَهُ ما يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ خارِقَةً لِأجْلِهِ (p-٤٨٠)ﷺ كانَتْ، [ و-] لِإعْظامِهِ وإكْرامِهِ وُجِدَتْ، فَقالَ حِكايَةً عَنْهم مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ الكَلامَ السّابِقَ ظاهِرٌ في سَلامَةِ طِباعِ الكُلِّ: ﴿وأنّا مِنّا﴾ أيْ أيُّها الجِنُّ ﴿الصّالِحُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في صِفَةِ الصَّلاحِ الَّتِي هي مُهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ كُلِّ خَيْرٍ.
ولَمّا كانَ غَيْرَ الصّالِحِ قَدْ يَكُونُ فاسِدًا بِأنْ يَكُونَ مُباشِرًا لِلْفَسادِ قاصِدًا لَهُ وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُباشِرٍ لَهُ، قالُوا مُتَفَطِّنِينَ لِمَراتِبِ العُلُومِ والأعْمالِ المُقَرَّبَةِ والمُبْعَدَةِ: ﴿ومِنّا﴾ وبَنى الظَّرْفَ المُبْتَدَأ بِهِ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ فَقِيلَ: ﴿دُونَ﴾ أيْ قَوْمٍ في أدْنى رُتْبَةٍ [ مِن -] ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ هَذا الوَصْفُ الشَّرِيفُ العالِي.
ولَمّا كانَ مِن دُونِ الصّالِحِ ذا أنْواعٍ كَثِيرَةٍ بِحَسَبِ قابِلِيَّتِهِ لِلْفَسادِ أوِ الصَّلاحِ وتَهَيُّئِهِ لَهُ أوْ بَعْدَهُ عَنْهُ، حُسْنُ بَيانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿كُنّا﴾ أوْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿طَرائِقَ﴾ أيْ ذَوِي طُرُقِ أيِّ مَذاهِبَ ووُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأطْلَقُوا الطُّرُقَ عَلى أصْحابِها إشارَةً إلى شِدَّةِ تَلَبُّسِهِمْ بِها.
ولَمّا كانَ الِانْفِصالُ قَدْ يَكُونُ بِأدْنى شَيْءٍ، بَيَّنَ أنَّهُ عَلى أعْلى الوُجُوهِ فَأطْلَقَ عَلَيْهِمْ نَفْسَ المُنْقَطِعِ ووَصَفَهم بِهِ فَقالَ: ﴿قِدَدًا﴾ أيْ (p-٤٨١)فِرَقًا مُتَفَرِّقَةً أهْواؤُها، جَمْعُ قِدَةٍ وهي الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ هَواها عَلى غَيْرِ هَواهُمْ، مِنَ القَدِّ [ و-] هو القَطْعُ المُوجِبُ لِلتَّفَرُّقِ العَظِيمِ مِثْلُ السُّيُورِ الَّتِي تَقْطَعُ مِنَ الجِلْدِ وقْدٌ مِنهُ بِحَيْثُ تَصِيرُ [ كُلُّ فِرْقَةٍ -] عَلى حِدَتِها، قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: كافِرِينَ ومُسْلِمِينَ ورافِضَةٍ ومُعْتَزِلَةٍ [ و-] مُرْجِئَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِثْلُ فِرَقِ الإنْسِ.
الجن 72:12
ولَمّا دَلُّوا عَلى قَهْرِهِمْ عَمّا كانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِن [ أمْرِ -] السَّماءِ بِما ذَكَرُوا، وعَلى قَهْرِ مُفْسِدِيهِمْ بِهَذا القُرْآنِ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِأهْلِ الأرْضِ، فَقُهِرُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ الشَّأْنِ في الحَقِيقَةِ عَنِ الخافِقِينَ فَمَنَعْنا مِنهم وحِفْظًا بِهِ، ودَلُّوا عَلى أنَّهم مَوْضِعُ القَهْرِ بِالتَّفَرُّقِ، كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِشُمُولِ قُدْرَتِهِ تَعالى حَتّى لا يُدْرِكَهُ طالِبٌ، ولا يَنْجُوَ مِنهُ هارِبٌ، لِما أبْدى لَهم مِن شُئُونِ عَظَمَتِهِ وقَهْرِهِ في الحِراسَةِ وغَيْرِها، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أثَرُ ذَلِكَ عِنْدَهم مِنَ الِاعْتِرافِ والإذْعانِ لِلْواحِدِ القَهّارِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ذَلِكَ نَدْبًا إلى الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْرِفَةِ النَّفْسِ بِالعِزِّ والذُّلِّ والضَّعْفِ بِالتَّفَرُّقِ والِانْقِسامِ، ومَعْرِفَةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ والسُّلْطانِ والعَظَمَةِ بِالتَّفَرُّدِ التّامِّ الَّذِي لا يَقْبَلَ المُماثَلَةَ ولا القِسْمَةَ: ﴿وأنّا﴾ أكَّدُوا لِظَنِّ الإنْسِ في قُوَّتِهِمْ غَيْرَ ما هو لَها ﴿ظَنَنّا﴾ أطْلَقُوا الظَّنَّ عَلى العِلْمِ إشارَةً إلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَجْتَنِبَ ما يُخَيِّلُهُ ضارًّا ولَوْ بِأدْنى أنْواعِ الحِيَلِ فَكَيْفَ إذا تَيَقَّنَ (p-٤٨٢)﴿أنْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ، وزادُوا في التَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ فَقالُوا: ﴿لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ أيْ أنْ نُقاوِمَهُ إنْ أرادَ بِنا سُوءًا لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً لِأنَّهُ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، ودَلُّوا عَلى وجْهِ [ الضَّعْفِ -] بِقَوْلِهِمْ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ كائِنِينَ فِيها مُقِيمِينَ وهي جِهَةُ السُّفْلِ المَلْزُومَةِ لِلْقَهْرِ، وذَلِكَ أقْصى جُهْدِنا فَأيْنَ نَحْنُ مِن سِعَةِ مُلْكِهِ الَّذِي هو في قَبْضَتِهِ ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿هَرَبًا﴾ أيْ ذَوِي هَرَبٍ أوْ مِن جِهَةِ الهَرَبِ، أيْ هَرَبْنا مِنَ الأرْضِ إلى غَيْرِها فَإنَّ السَّماءَ مَنَعَتْ مِنّا ولَيْسَ لَنا مُضْطَرِبٌ إلّا في قَبْضَتِهِ، فَأيْنَ أمْ إلى أيْنَ المَهْرَبُ، وقَدْ مَنَعُوا بِذَلِكَ وجْهَيِ النَّجاةِ بِاللِّقاءِ والنَّصْرِ والهَرَبِ عِنْدَ القَهْرِ.
الجن 72:13
ولَمّا كانَ الظّانُّ قَدْ يُبادِرُ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ ظَنِّهِ وقَدْ لا، بَيَّنُوا أنَّ مُرادَهم بِهِ العِلْمُ، وأنَّهم بادَرُوا إلى العَمَلِ بِما دَعا إلَيْهِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِما لِلْجِنِّ مِنَ الإباءِ والعُسْرِ: ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا﴾ أيْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ﴿الهُدى﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي لَهُ مِنَ العَراقَةِ التّامَّةِ في صِفَةِ البَيانِ والدُّعاءِ إلى الخَيْرِ ما سَوَّغَ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ نَفْسُ الهُدى: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أيْ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ أصْلًا عَمَلًا بِما لَهُ مِن هَذا الوَصْفِ العَظِيمِ.
(p-٤٨٣)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَآمَنّا بِسَبَبِ إيمانِنا الَّذِي قادَنا إلَيْهِ حَفْظُ السَّماءِ مِنَ الإيقاعِ بِهِ لِتَمامِ قُدْرَتِهِ عَلَيْنا الَّذِي هَدانا إلَيْهِ مَنَعَنا مِنَ الِاسْتِماعِ بِالحِراسَةِ، سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهم مُعْتَرِفِينَ بِالعَجْزِ عَنْ مُقاوَمَةِ التَّهْدِيدِ مِنَ المَلِكِ طالِبِينَ التَّحَصُّنَ بِتَحْصِينِهِ والِاعْتِصامَ بِحَبْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن﴾ أيْ يُوجِدُ حَقِيقَةَ الإيمانِ ويَسْتَمِرُّ عَلى تَجْدِيدِها كُلَّ لَحْظَةٍ.
ولَمّا فَهِمُوا أنَّ دُعاءَهُ إلَيْهِ وبَيانَهُ لِلطَّرِيقِ مَعَ قُدْرَتِهِ التّامَّةِ إنَّما هو مِن عُمُومِ لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ، ذَكَرُوا وصْفَ الإحْسانِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ فَقالُوا: ﴿بِرَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ مِنّا ومِن غَيْرِنا.
ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ هو المُخْتَصُّ مِن بَيْنِ الخَلْقِ بِالنَّجاةِ، أدْخَلَ الفاءَ عَلى الجَوابِ ورَفَعَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ نَجاتَهم ما لا بُدَّ مِنهُ فَقالَ: ﴿فَلا﴾ أيْ فَهو خاصَّةً [ لا -] ﴿يَخافُ﴾ أصْلًا ﴿بَخْسًا﴾ أيْ نَقْصًا وقِلَّةً وخُبْثًا ونَكِدًا في الثَّوابِ والإكْرامِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿ولا رَهَقًا﴾ أيْ مَكْرُوهًا يَلْحَقُهُ فَيَقْهَرُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ أحَدٍ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِيُجازى عَلَيْهِ، فَهَذا حَثٌّ لِلْمُؤْمِنِ عَلى اجْتِنابِ ذَلِكَ لِئَلّا يُجازى بِهِ، وقَدْ هَدى السِّياقُ إلى تَقْدِيرِ: ومَن يُشْرِكُ بِهِ فَلا، يَأْمَنُ مُحِقًّا ولا صَعْقًا.
(p-٤٨٤)
الجن 72:14
ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في أنَّهم أسْلَمُوا كُلَّهُمْ، قالُوا نافِينَ لِهَذا الظّاهِرِ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ إسْلامَهم [ مَعَ -] شَدِيدِ نَفْرَتِهِمْ لا يَكادُ يُصَدَّقُ: ﴿وأنّا مِنّا﴾ أيْ أيُّها الجِنُّ ﴿المُسْلِمُونَ﴾ أيِ المُخْلِصُونَ في صِفَةِ الإسْلامِ لِلْهادِي فَأسْلَمُوهُ قِيادَهم فَهم عَرِيقُونَ في ذَلِكَ مُقْسِطُونَ مُسْتَقِيمُونَ، فَلا يُفارِقُونَ الدَّلِيلَ فَهم عَلى الصِّراطِ السَّوِيِّ العَدْلِ الرَّضِيِّ، ومِنّا الجافُونَ الكافِرُونَ ﴿ومِنّا القاسِطُونَ﴾ وهُمُ الجائِرُونَ عَنِ المَنهَجِ الأقْوَمِ السّاقِطُونَ في المَهامَّهْ المَجاهِلِ الَّتِي لَيْسَ بِها مُعْلِمٌ، فَهم بِرَبِّهِمْ كافِرُونَ، ومِنّا المُقْسِطُونَ، يُقالُ: قَسَطَ - إذا جارَ جَوْرًا، أسْقَطَهُ عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِ إلى رُتْبَةِ أدْنى الحَيَوانِ، وأقْسَطَ - إذا أزالَ الجَوْرَ فَعَدَلَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ”المُسْلِمُونَ“ يَدُلُّ عَلى الكافِرِينَ، و”القاسِطُونَ“ يَدُلُّ عَلى المُقْسِطِينَ.
ولَمّا كانُوا قَدْ عَلِمُوا مِمّا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ لِلْجَزاءِ، سَبَّبُوا عَنْ هَذِهِ القِسْمَةِ قَوْلَهُمْ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ أيْ أوْقَعَ الإسْلامَ كُلَّهُ بِأنْ أسْلَمَ ظاهِرُهُ وباطِنُهُ لِلدَّلِيلِ مِنَ الجِنِّ و[ مِن -] غَيْرِهِمْ. (p-٤٨٥)ولَمّا كانَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ في الحَقِّ، رَبَطَ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ تَسْبِيبًا عَنْهُ قَوْلُهُ مَدْحًا لَهُمْ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿تَحَرَّوْا﴾ أيْ تَوَخَّوْا وقَصَدُوا مُجْتَهِدِينَ ﴿رَشَدًا﴾ أيْ صَوابًا عَظِيمًا وسَدادًا، كانَ - لِما عِنْدَهم مِنَ النَّقائِصِ - شارِدًا عَنْهم فَعالَجُوا أنْفُسَهم حَتّى مَلَكُوهُ فَجَعَلُوهُ لَهم مَنزِلًا، مِن قَوْلِهِمُ: الحَرا - بِالقَصْرِ: أُفْحُوصُ القَطاةِ يَأْوِي إلَيْهِ الظَّبْيُ، والنّاحِيَةُ والمَوْضِعُ، وما أحَراهُ بِكَذا: ما أوْجَبَهُ لَهُ، وبِالحَرا أنْ يَكُونَ كَذا أيْ خَلِيقٌ كَوْنُهُ، وفُلانٌ حَرِيٌّ بِكَذا أيْ خَلِيقٌ، وقَدْ يَجِيءُ بِالحُرِّ - مِن غَيْرِ ياءٍ، يُرادُ بِهِ بِالجُهْدِ، وتَحَرَّيْتُ الشَّيْءَ: قَصَدْتُ ناحِيَتَهُ، فَكانَ لَهم ذَلِكَ إلى الجَنَّةِ سَبَبًا، ومِن قَسَطَ فَأُولَئِكَ ضَنُّوا [ فَنالُوا -] غَيًّا وشَطَطًا.
الجن 72:15
ولَمّا عَرَفُوا بِالأمْنِ الِاعْتِصامَ بِطاعَةِ اللَّهِ، نَبَّهُوا عَلى خَطَرِ التَّعَرُّضِ لِبَطْشِهِ فَقالُوا: ﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في صِفَةِ الجَوْرِ عَنِ الصَّوابِ مِنَ الجِنِّ وغَيْرِهِمْ فَأُولَئِكَ أهْمَلُوا أنْفُسَهم فَلَمْ يَتَحَرَّوْا لَها فَضَّلُوا فَأُبْعِدُوا عَنِ المَنهَجِ فَوَقَعُوا في المَهالِكِ الَّتِي لا مَنجى مِنها: ﴿فَكانُوا﴾ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أيِ النّارِ البَعِيدَةِ القَعْرِ الَّتِي تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ والكَراهَةِ (p-٤٨٦)والعَبُوسَةِ ﴿حَطَبًا﴾ تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَهي في اتِّقادٍ ما دامُوا أحْياءً، وهم أحْياءٌ ما دامَتْ تَتَّقِدُ لا يَمُوتُونَ فَيَسْتَرِيحُونَ ولا يَحْيَوْنَ فَيَنْتَعِشُونَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، وهو مَنطُوقٌ لِما أوْجَبَهُ مِنَ السِّياقِ لا مَفْهُومَ: ذَكَرَ التَّحَرِّي أوَّلًا دَلِيلًا عَلى تَرْكِهِ ثانِيًا وذَكَرَ جَهَنَّمَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الجَنَّةِ أوَّلًا، وسَرَّ ذَلِكَ أنَّهم في مَقامِ التَّرْهِيبِ فَذَكَرُوا ما يُحْذَرُ، وطَوَوْا ما يَجِبُ العِلْمُ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّعُ لِأحَدٍ أجْرًا بَلْ لا يَقْتَصِرُ عَلى ما يُقابِلُ الحَسَنَةَ في العُرْفِ بَلْ لا بُدَّ أنْ يَزِيدَ عَلَيْها تِسْعَةَ أضْعافِها وعِنْدَهُ المَزِيدُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَنا إلّا بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
الجن 72:16
ولَمّا رَغِبَ ورَهِبَ سُبْحانَهُ عَلى ألْسِنَةِ الجِنِّ بِما هَداهم لَهُ ونَوَّرَ قُلُوبَهم بِهِ، وكانَتِ الآيَةُ السّالِفَةُ آخِرَ ما حَكى عَنْهُمْ، وكانَ التَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إلَيَّ أنَّ القاسِطِينَ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ لَوْ آمَنُوا فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الخَيْرِ ما فَعَلَ بِمُؤْمِنِي الجِنِّيِّ حِينَ آمَنُوا، فَأغْناهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا بِحَلالِهِ عَنْ حَرامِهِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ فَكَسا لَهم كُلَّ عَظْمٍ لَقُوهُ لَحْمًا أوْفَرَ ما كانَ، وأعادَ لَهم كُلَّ رَوَثٍ رَأوْهُ أحْسَنَ ما كانَ بِبَرَكَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ ﴿وأنْ﴾ أيْ وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ (p-٤٨٧)﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ أيْ طَلَبَ القاسِطُونَ مِنَ الخَلْقِ كُلِّهِمُ الجِنُّ والإنْسُ القَوْمَ وأوْجَدُوهُ، كائِنِينَ ﴿عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ [ أيِ -] الَّتِي لا طَرِيقَةَ غَيْرَها وهي الَّتِي فَهِمَها الجِنُّ مِنَ القُرْآنِ مِنَ الإسْلامِ والإقْساطِ المُؤَدِّيَةِ إلى الفَلاحِ في الدّارَيْنِ.
ولَمّا كانَ [ الماءُ -] أصْلَ كُلِّ خَيْرٍ كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] وكانَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ وكانَ عَزِيزًا عِنْدَ العَرَبِ، قالَ مُعَظِّمًا لَهُ بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿لأسْقَيْناهُمْ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهم بِما عِنْدَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ماءً غَدَقًا﴾ أيْ كَثِيرًا عَظِيمًا عَظِيمَ النَّفْعِ نُكْثِرُ بِهِ الرِّزْقَ ونُزَيِّنُ بِهِ الأرْضَ ونُرْغِدُ بِهِ العَيْشَ.
الجن 72:17
ولَمّا كانَتْ نِعَمُهُ فَضْلًا مِنهُ ولَيْسَ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ بِعِبادَةٍ ولا غَيْرِها، قالَ تَعالى مُعَرِّفًا أنَّ غايَتَها اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ أوِ العِقابِ عَلى ما كَتَبَهُ عَلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وأنَّ جَمِيعَ ما يُعامِلُ بِهِ عِبادَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن نَفْعٍ وضُرٍّ إنَّما هو فِتْنَةٌ لَهم يَسْتَخْرِجُ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن حَسَنٍ أوْ قَبِيحٍ: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ (p-٤٨٨)بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ الماءِ الَّذِي تَكُونُ عَنْهُ أنْواعُ النِّعَمِ لِيَنْكَشِفَ حالُ الشّاكِرِ والكافِرِ، قالَ الرّازِيُّ: وهَذا بَعْدَ ما حَبَسَ عَنْهُمُ المَطَرَ سِنِينَ - انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أيْنَما كانَ الماءُ كانَ المالُ، وأيْنَما كانَ المالُ كانَتِ الفِتْنَةُ. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: كانُوا سامِعِينَ مُطِيعِينَ فَفُتِحَتْ عَلَيْهِمْ كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ فَفُتِنُوا بِها فَوَثَبُوا بِإمامِهِمْ فَقَتَلُوهُ - يَعْنِي عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا لِلْعِلْمِ وأنْواعَ المَعارِفِ النّاشِئَةِ عَنِ العِباداتِ الَّتِي هي لِلنُّفُوسِ كالنُّفُوسِ لِلْأبْدانِ وتَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى التَّخْلِيصِ مِنَ الهُمُومِ الرَّذائِلِ في الدُّنْيا والنِّقَمِ في الآخِرَةِ، مَن فَتَنْتُ الذَّهَبَ - إذا خَلَّصْتُهُ مَن غِشِّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن يَقْبَلُ عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ نُنَعِّمُهُ في دارِ السَّلامِ أبَدًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُعْرِضْ﴾ أيْ إعْراضًا مُسْتَمِرًّا إلى المَوْتِ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ مُجاوِزًا عَنْ عِبادَةِ المُحْسِنِ إلَيْهِ المُرَبِّي لَهُ الَّذِي لا إحْسانَ عِنْدَهُ مِن غَيْرِهِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ [الحجر: ١٢] أيْ نُدْخِلُهُ ﴿عَذابًا﴾ يَكُونُ مَطْرُفًا لَهُ كالخَيْطِ يَكُونُ في ثُقْبِ الخَرَزَةِ في غايَةِ الضِّيقِ (p-٤٨٩)﴿صَعَدًا﴾ أيْ شاقًّا شَدِيدًا يَعْلُوهُ ويَغْلِبُهُ ويَصْعَدُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ كُلَّ يَوْمٍ أعْلى مِمّا قَبْلَهُ جَزاءً وِفاقًا، فَإنَّ الإعْراضَ كُلَّما تَمادى زَمانُهُ كانَ أقْوى مِمّا كانَ.
الجن 72:18
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ أوْحى إلَيَّ أنَّ الأمْرَ عَلى ما تَتَعارَفُونَهُ بَيْنَكم مِن أنَّ مَن خَدَمَ غَيْرَ سَيِّدِهِ عَذَّبَهُ أبَدًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا لِسِيرَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يَجِبُ لَهم مِنَ الكَمالِ الَّذِي يَكُونُ بِقُوَّتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، والتَّكْمِيلُ الَّذِي يَكُونُ بِهِما مَعَ قُوَّةِ البَيانِ، ومَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُ تَكْمِيلٌ لِيَكُونَ لَهُ ولَدٌ قَلْبٌ كَما أنَّ مَن لَمْ [ يَكُنْ -] بِالِغًا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُ ولَدٌ صُلْبٌ، ومُبَيِّنًا لِما يَجُوزُ عَلَيْهِمْ وما يَسْتَحِيلُ مِنهم وما لِلَّهِ تَعالى مِنَ العِنايَةِ بِشَأْنِهِمْ: ﴿وأنَّ﴾ أيْ وأوْحى إلَيَّ أنَّ ﴿المَساجِدَ﴾ أيْ مَواضِعَ السُّجُودِ مِنَ العالَمِ الآفاقِي مِنَ الأرْضِ ومِنَ العالِمِ النَّفْسِيِّ مِنَ الجَسَدِ - كَما قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ ﴿فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أيُّها المَخْلُوقُونَ عَلى وجْهِ العادَةِ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ [ أيِ -] الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿أحَدًا﴾ لِأنَّ مَن تَعَبَّدَ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ في مِلْكِ سَيِّدِهِ الَّذِي [ هو -] العالَمُ الآفاقِيُّ وبِآلَةِ سَيِّدِهِ الَّذِي هو العالِمُ النَّفْسِيُّ كانَ أشَدَّ النّاسِ لَوْمًا وعُقُوبَةً فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم أنْ يَخْلُقَ لَكم وجْهًا (p-٤٩٠)ويَدِينَ ورَجُلَيْنِ وأرْضًا تَنْتَفِعُونَ بِها وسَماءٌ تَتِمُّ نَفْعُها فَتَسْجُدُونَ بِالأعْضاءِ الَّتِي أوْجَدَها لَكم في الأرْضِ الَّتِي أمْكَنَكم مِنَ الِانْتِفاعِ بِها تَحْتَ السَّماءِ الَّتِي أتَمَّ مَنافِعَها بِها لِغَيْرِهِ فَتَكُونُونَ قَدْ صَرَفْتُمْ نِعْمَةَ السَّيِّدِ الَّتِي يَجِبُ شُكْرُهُ عَلَيْها لِغَيْرِهِ أيَفْعَلُ هَذا عاقِلٌ؟ قالَ البَغَوِيُّ: فَإنْ جُعِلَتِ المَساجِدُ مَواضِعَ الصَّلاةِ فَواحِدُها بِكَسْرِ الجِيمِ، وإنْ جَعَلْتَها الأعْضاءَ فَواحِدُها بِفَتْحِ الجِيمِ.
الجن 72:19
ولَمّا كانَ مَن يَدْعُو سَيِّدَهُ ويَنْقَطِعُ إلَيْهِ عامِلًا لِلْواجِبِ عَلَيْهِ اللّائِقِ بِأمْثالِهِ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ولا يَعْجَبُ مِنهُ، إنَّما يَعْجَبُ مِمَّنْ دَعا غَيْرَ سَيِّدِهِ أوْ مالَ إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ فَيَسْألُ عَنْ سَبَبِهِ، قالَ مُعَجِّبًا مِنَ القاسِطِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ: ﴿وأنَّهُ﴾ أيْ أُوحِيَ إلَيَّ أوْ قالَ الجِنَّ لِمَن أطاعَهم مِن قَوْمِهِمْ حاكِينَ ما رَأوْا مِن صَلاتِهِ ﷺ وازْدِحامِ أصْحابِهِ عَلَيْهِ مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ أنَّ الشَّأْنَ أوِ القِصَّةَ العَظِيمَةَ العَجِيبَةَ ﴿لَمّا﴾ قُمْتُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيَّ - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالعَبْدِ كَما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَن دَعا سَيِّدَهُ ولَوْ كانَ ذَلِكَ السَّيِّدُ أحْقَرَ المَوْجُوداتِ لا يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ إذا كانَ سَيِّدُهُ مالِكَ المُلْكِ ومَلِكَ المُلُوكِ ﴿قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ أيْ عَبْدُ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الجَلالُ كُلُّهُ والجَمالُ فَلا مَوْجُودَ يُدانِيهِ بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ مِن فائِضِ فَضْلِهِ ﴿يَدْعُوهُ﴾ أيْ (p-٤٩١)يَدْعُو سَيِّدَهُ دُعاءَ عِبادَةٍ مِن [ حَيْثُ -] كَوْنُهُ عَبْدَهُ ومِن حَيْثُ كَوْنُ سَيِّدُهُ يَسْمَعُ مَن دَعاهُ ويُجِيبُهُ.
ولَمّا كانَ القاسِطُونَ أكْثَرَ النّاسِ [ بَلِ النّاسُ -] كُلُّهم في ذَلِكَ الزَّمانِ جِنًّا وإنْسًا، قالَ مُبَيِّنًا لِأنَّهُ يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ أنْ يُؤْذُوا ويَنْتَقِصُوا رَفْعًا لِدَرَجاتِهِمْ وتَسْلِيَةً لِوُرّاثِهِمْ وإنْ كانَتْ رُتْبَتُهم تَأْبى ذَلِكَ،
﴿كادُوا﴾ أيْ قُرْبَ القاسِطُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى عَبْدِ اللَّهِ ﴿لِبَدًا﴾ أيْ مُتَراكِمِينَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِن شِدَّةِ ازْدِحامِهِمْ حَتّى كانَ ذَلِكَ جِبِلَّةً لَهم تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِنهُ مِن عِبادَتِهِ وإرادَةً لِرَدِّهِ عَنْ ذَلِكَ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يُعْجَبُ مِنهُ، وإنَّما العَجَبُ ما فَعَلُوا هم مِن عِبادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِن تَعَجُّبِهِمْ مِن عِبادَةِ عَبْدِهِ لَهُ وإخْلاصِهِ في دُعائِهِ، وهو جَمْعُ لِبَدٍ - بِكَسْرِ اللّامِ، وقُرِئَ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ بِضَمِّها، وهي [ ما -] تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
الجن 72:20
ولَمّا اسْتَشْرَفَتْ - عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ - نَفْسَ السّامِعِ إلى قَوْلِهِ ﷺ لِمَن تَراكَمُوا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، اسْتَأْنَفَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا لِما يَسْتَحِيلُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ ومَن تَرَكَ الدُّعاءَ إلَيْهِ مِن مُخالَفَةِ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ قالَ، (p-٤٩٢)أوْ لَمّا تاقَتْ نَفْسُهُ ﷺ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ إلى ما يَدْفَعُ بِهِ ما رَأى مِنهُمْ، قالَ تَعالى مُرْشِدًا لَهُ إلى ذَلِكَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِمَنِ ازْدَحَمَ عَلَيْكَ عادًّا لَهم عِدادَ الجاهِلِينَ بِما تَصْنَعُ لِأنَّهم عَمِلُوا عَمَلَ الجاهِلِ: ﴿إنَّما أدْعُو﴾ أيْ دُعاءَ العِبادَةِ ﴿رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي أوَجَدَنِي ورَبّانِي ولا نِعْمَةَ عِنْدِي إلّا مِنهُ وحْدَهُ، لا أدْعُو غَيْرَهُ حَتّى تَعْجَبُوا مِنِّي فَتَزْدَحِمُوا عَلَيَّ والظّاهِرُ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ أنَّ المَعْنى: وأُوحِيَ إلَيَّ [ أيْ -] لَمّا قُمْتُ [ في الصَّلاةِ -] أعْبُدُ اللَّهَ في بَطْنِ نَخْلَةٍ ورَآنِي الجِنُّ الَّذِينَ وجَّهَهم إبْلِيسُ نَحْوَ تِهامَةَ [ و-] سَمِعُوا القُرْآنَ ازْدَحَمُوا عَلَيَّ حَتّى كادُوا يَغْشُونَنِي ويَكُونُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ فَسَمِعُوا تَوْحِيدِي لِلَّهِ وتَمْجِيدِي لَهُ وإفْرادَهُ بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ آمَنُوا، وقِيلَ: هو حِكايَةُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ عَنْ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ وفَعَلَ أصْحابُهُ وراءَهُ في تَراصِّهِمْ في صَلاتِهِمْ وحُفُوفِهِمْ بِهِ ووَعْظِهِ وتَعْلِيمِهِ لَهُمْ، ويُحْكى هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَإنَّ ذَلِكَ هَيْئَةٌ غَرِيبَةٌ، يُحْكى أنَّ مَلِكَ الفُرْسِ أرْسَلَ مَن دَخَلَ في المُسْلِمِينَ لَمّا قَصَدُوا بِلادَهُ فَكانَ مِمّا حُكِيَ لَهُ عَنْهم أنْ قالَ: إذا (p-٤٩٣)صَلُّوا صَفُّوا أنْفُسَهم صُفُوفًا ويُقَدِّمُهم رَجُلٌ يَقُومُونَ بِقِيامَةٍ ويَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ ويَقْعُدُونَ بِقُعُودِهِ ويَفْعَلُونَ كَفِعْلِهِ، لا تَخالُفَ بَيْنَهُمْ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ ذَلِكَ راعَهُ وقالَ: ما لِي ولِهَؤُلاءِ، ما لِي ولِعُمَرَ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ بَلَغَ مِن تابَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ سَبْعِينَ ألْفًا وفَرَغُوا عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ.
ولَمّا كانَ الدّاعِي لِوَلِيِّ نِعْمَتِهِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أشْرَكَ غَيْرَهُ في دُعائِهِ ولَوْ بِأدْنى وُجُوهِ الإشْراكِ، ويَكُونُ الحَصْرُ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ فاسْتَحَقَّ الإنْكارَ [ عَلَيْهِ -] والِازْدِحامَ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الحَصْرِ وتَحْقِيقًا لَهُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ﴾ أيِ الآنَ ولا [ في -] مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿أحَدًا﴾ مِن وُدٍّ وسُواعٍ ويَغُوثَ وغَيْرِها مِنَ الصّامِتِ والنّاطِقِ.
الجن 72:21
ولَمّا كانَ السّامِعُ رُبَّما قالَ: ما لَهُ هو لا يُهْلِكُهم أوْ يَدْعُو رَبَّهُ في دَفْعِ المُتَبَلَّدِينَ عَلَيْهِ عَنْهُ بِالإهْلاكِ أوِ التَّوْبَةِ والمُتابَعَةِ، أمَرَهُ بِما يُبَيِّنُ عَظَمَةَ رَبِّهِ وأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا ما يُرِيدُ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا أنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يَسْتَحِيلُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ مِن أنْ يُؤَثِّرَ في شَيْءٍ بِنَفْسِهِ أوْ يُخالِفَ رَبَّهُ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ خالَفُوكَ، وأكَّدَ (p-٤٩٤)فَطْمًا لِمَن رُبَّما اعْتَقَدَ - لِكَثْرَةِ ما يَرى مِنَ الكَراماتِ - أنَّهُ مَهْما أرادَهُ فَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إنِّي لا أمْلِكُ﴾ أيِ الآنَ ولا بَعْدَ ﴿لَكُمْ﴾ بِنَفْسِي مِن غَيْرِ إقْدارِ اللَّهِ لِي لِأنَّهُ لا مُؤَثِّرَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْهُ، قالَ: ﴿ضَرًّا﴾ فَأفْهَمُ ذَلِكَ ”ولا نَفْعًا ولا غَيًّا“ ﴿ولا رَشَدًا﴾ أيْ صَوابًا وسَدادًا. فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ وهو ظاهِرٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، قالَ أبُو حَيّانَ: فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ مُقابِلُهُ عَلَيْهِ - انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: لا أمْلِكُ ضَرًّا لِأنِّي لا أمْلِكُ لَكم إضْلالًا ولا أمْلِكُ لَكم رَشَدًا فَلا أمْلِكُ لَكم نَفْعًا، فَإنَّهُ لا نَفْعَ في غَيْرِ الرَّشادِ، ولا ضُرَّ في غَيْرِ الضَّلالِ، فَقَبَّحَ اللَّهُ ابْنَ عَرَبِيٍّ الطّائِيِّ الَّذِي يَقُولُ في فُصُوصِهِ: إنَّ الضَّلالَ أهْدى مِنَ الهُدى، فَلا أسْخَفَ عَقْلًا مِنهُ إلّا مَن تَبِعَهُ - عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وخِزْيَهُ، فَإنْ قالُوا: إنَّهُ أرادَ غَيْرَ ما يَفْهَمُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ فَقُلْ: كَذَبْتُمْ فَقَدْ بَيَّنَ مُرادَهُ إطْباقَكم عَلى الفِسْقِ والفُجُورِ لا يَكادُ يَجِدُ مِنكم مَن يَتَّهِمُ بِمَذْهَبِهِ وهو يَتَقَيَّدُ بِشَرْعٍ، ولَمْ تَخْرُجِ الآيَةُ بِهَذا عَنِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ ذِكْرَ الضُّرِّ أوَّلًا دَلَّ عَلى حَذْفِ النَّفْعِ ثانِيًا، وذِكْرُ الرُّشْدِ ثانِيًا دَلَّ عَلى حَذْفِ الضَّلالِ أوَّلًا.
الجن 72:22
(p-٤٩٥)ولَمّا أجابَ مِن تَشَوُّفٍ إلى عِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْ دَفْعِهِمْ عَنْهُ بِما حاصِلُهُ أنَّهُ لا شَيْءَ بِيَدِهِ، لِأنَّ إلَهَهُ مِنَ العَظَمَةِ في إحاطَةِ [ العِلْمِ -] والقُدْرَةِ وأنَّهُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ فَلا يُعَجِّلُ في شَيْءٍ بِحَيْثُ لا يَفْعَلُ إلّا ما يُرِيدُ سَواءٌ سُئِلَ أوْ لا، فَكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُظَنَّ مِنهُ ﷺ مُوافَقَتَهُ لَهم لِئَلّا يَضُرُّوهُ لِأنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ في أذى مَن خالَفَهُمْ، أجابَ ما حاصِلُهُ أنَّهُ بَيْنَ ضَرَرَيْنِ أحَدِهِما مِنهم إنْ خالَفَهُمْ، والآخَرُ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنْ أعَرَضَ عَنْهُ وهو سُبْحانُهُ وتَعالى يَرُدُّ أذاهم إنْ أرادَ، وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى رَدِّ أذاهُ بِوَجْهٍ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِمَن يَدْعُوكَ إلى مُوافَقَتِهِمْ، وأكَّدَ لِما في ظَنِّ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مِن أنَّ الأسْبابَ لا تَتَخَلَّفُ فَقالَ: ﴿إنِّي﴾ وزادَ في التَّأْكِيدِ لِأنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الِاسْتِقْرارِ في النُّفُوسِ فَقالَ: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي﴾ أيْ فَيَدْفَعُ عَنِّي ما يَدْفَعُ الجارَ عَنْ جارِهِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿أحَدٌ﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ إنْ أرادَنِي سُبْحانَهُ بِسُوءٍ.
ولَمّا كانَ مَن هو بِهَذِهِ المَثابَةِ رُبَّما هَرَبَ مِنهُ المَطْلُوبُ قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿ولَنْ أجِدَ﴾ أيْ أصْلًا. ولَمّا كانَتْ كُلَّ رُتْبَةٍ دُونَ رُتْبَتِهِ، وكانَتِ الرُّتَبُ الَّتِي دُونَ رُتْبَتِهِ كَثِيرَةٍ جِدًّا لِما لَهُ مِنَ العُلُوِّ المُطْلَقِ (p-٤٩٦)ولِغَيْرِهِ مِن مَراتِبِ السُّفُولِ الَّتِي لا تُحَدُّ، قالَ مُشِيرًا لِذَلِكَ بِالجارِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيِ اللَّهِ تَعالى ﴿مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مَعْدِلًا ومَوْضِعَ مَيْلٍ ورُكُونٍ ومَدْخَلًا ومُلْتَجَأً وحِيلَةً، وإنِ اجْتَهَدْتَ كُلَّ الجُهْدِ لِأنَّ اللَّحْدَ أصْلُهُ المَيْلُ ولا يُقالُ إلّا في مَيْلٍ مِن حَقٍّ إلى باطِلٍ، والحَدُّ: جادَلَ ومارى ورَكَنَ.
الجن 72:23
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا شَيْءٌ لا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ، وكانَتِ الرُّتَبُ الَّتِي دُونَ شَرِيفٍ رُتْبَتُهُ سُبْحانَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا لِما لَهُ مِنَ العُلُوِّ المُطْلِقِ وكانَ ما يَلِيها لَهُ حُكْمُ شَرَفِها وحَقِيقِها، وكانَ أوَّلُ ذَلِكَ البَلاغِ مِنهُ سُبْحانَهُ بِلا واسِطَةٍ [ ثُمَّ البَلاغُ بِواسِطَةٍ -] مَلائِكَتُهُ الكِرامُ مِنهُ، اسْتَثْنى مِن ”مُلْتَحَدًا“ عَلى طَرِيقِ [ لا -] مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ فَفِرُّوا إلى اللَّهِ [ فَقالَ-]: ﴿إلا بَلاغًا﴾ أيْ يُبَلِّغُنِي كائِنًا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، ولَكِنَّهُ لِسِعَةِ رَحْمَتِهِ يَجْرِي الأُمُورَ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ في أنَّهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا إلّا بِحُجَّةٍ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّها حُجَّةٌ. ولَمّا بَيَّنَ الرُّتْبَةَ الأُولى الَّتِي هي أعْلى، أتْبَعَها الَّتِي تَلِيها فَقالَ: ﴿ورِسالاتِهِ﴾ الَّتِي أُوحِيَ إلَيَّ [ بِها -] بِواسِطَةِ المَلِكِ فَإنِّي أتَلَقّى ذَلِكَ حَقَّ تَلَقِّيهِ بِحِفْظِهِ والعَمَلِ بِهِ فَيَكُونُ، ذَلِكَ عاصِمًا مِن كُلِّ سُوءٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
(p-٤٩٧)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِبَيانِ أنَّ اللَّهَ شَرَّفَ الرُّسُلَ بِأنْ أعْطاهم عَظَمَةً مِن عَظَمَتِهِ فَجَعَلَ عِصْيانَهم عِصْيانَهُ، فَيَكُونُ جَزاءَ مَن عَصاهم هو جَزاءُ مَن عَصاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهم إنَّما يَتَكَلَّمُونَ بِأمْرِهِ، فَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ جَنَّةَ نَعِيمٍ يَكُونُونَ فِيها مَدى الدَّهْرِ سُعَداءَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي خَتَمَ بِهِ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ فَجَعَلَ رِسالَتَهُ مُحِيطَةً بِجَمِيعِ خَلْقِهِ في التَّوْحِيدِ أوْ غَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ الجَحْدِ ﴿فَإنَّ لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿نارَ جَهَنَّمَ﴾ أيِ الَّتِي تَلْقاهُ بِالعَبُوسَةِ والغَيْظِ، ولَمّا عَبَّرَ بِالإفْرادِ نَظَرًا إلى لَفْظِ ”مَن“ لِأنَّهُ أصَرَحُ في كُلِّ فَرْدٍ، عَبَّرَ بِالجَمْعِ حَمْلًا عَلى مَعْناها لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عُمُومِ الذُّلِّ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وأكَّدَ المَعْنى وحَقَّقَهُ لِقَوْلِ مَن يَدَّعِي الِانْقِطاعَ فَقالَ: ﴿أبَدًا﴾ وأمّا مَن يَدَّعِي أنَّها تَحْرِقُ وأنَّ [ عَذابَها -] عُذُوبَةٌ فَلَيْسَ أحَدٌ أجَنَّ مِنهُ إلّا مَن يُتابِعُهُ عَلى ضَلالِهِ وغَيِّهِ ومُحالِهِ، ولَيْسَ لَهم دِراءُ إلّا السَّيْفِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ بِما سَمَّوْهُ عُذُوبَةً وهم صائِرُونَ إلَيْهِ ومَوْقُوفُونَ [ عَلَيْهِ-] .
الجن 72:24
ولَمّا ذَكَرَ تَلَبُّدَهم عَلَيْهِ وقَدَّمَ ما هو الأهَمُّ مِن أمْرِهِ مِن كَشْفِ غُمُومِهِمْ بِإعْلامِهِمْ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي أنْكَرُوهُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ، (p-٤٩٨)ومِن أنَّهُ [ مَعَ -] ضَعْفِهِ عَنْ مُقاواتِهِمْ هو [ عَنِ -] الإعْراضِ عَنِ اللَّهِ أضْعَفُ لِأنَّ اللَّهَ أقْوى مِن كُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ لا يَسَعُهُ إلّا امْتِثالُ أمْرِهِ، وأشارَ إلى أنَّهم عاجِزُونَ [ عَنْ -] سَطَواتِهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الإجارَةِ عَلَيْهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ مُهَدِّدًا لَهُمْ، فَقالَ مُغَيِّيًا لِتَلَبُّدِهِمْ عَلَيْهِ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ أيْ بِأبْصارِهِمْ فِيهِ ﴿ما﴾ أيِ الشَّيْءَ الَّذِي. ولَمّا كانَ المَنكِيُّ مِنَ الوَعِيدِ بَرُوكَهُ عَلى كُلِّ مَن كانَ لِأجْلِهِ الوَعِيدُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ قالَ: ﴿يُوعَدُونَ﴾ أيْ ما حَصَلَ الإيعادُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أمّا في الآخِرَةِ فَواضِحٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَمِثْلُ إخْراجِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ اجْتِماعِ المُشْرِكِينَ عَلى المَكْرِ بِهِ لِقَتْلِهِ واجْتِهادِهِمْ في ذَلِكَ ثُمَّ سَراياهُ وغَزَواتُهُ مِثْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ وغَيْرِها مِن أيّامِ اللَّهِ الَّتِي مَلَأتِ الأرْضَ نُورًا وأهْلُ الحَقِّ سُرُورًا وُحُبُورًا، وأهْلُ الباطِلِ خُسْرًا وبَوَرًا ورُعْبًا وهَلاكًا وقُبُورًا ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ تَأْوِيلُهُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ولا طُولًا لِأمَدِهِ ﴿مَن أضْعَفُ ناصِرًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ النّاصِرِ أنا وإنْ كُنْتُ في هَذا الوَقْتِ وحِيدًا مُسْتَضْعَفًا أوْ هم ﴿وأقَلُّ عَدَدًا﴾ وإنْ كانُوا الآنَ بِحَيْثُ (p-٤٩٩)لا يُحْصِيهِمْ عَدَدًا إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَيا لِلَّهِ ما أعْظَمَ كَلامَ الرُّسُلِ حَيْثُ يَسْتَضْعِفُونَ أنْفُسَهم مِن حَيْثُ هِيَ، ويَذْكُرُونَ قُوَّتَهم مِن جِهَةِ مَوْلاهُمُ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ولَهُ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ بِخِلافِ أهْلِ الإلْحادِ فَإنَّهُ لا كَلامَ لَهم إلّا في تَعْظِيمِ أنْفُسِهِمْ وازْدِراءِ مَن سِواهُمْ، وإذا حاقَقْتَ أحَدًا مِن أتْباعِ أحَدٍ مِنهم قالَ هَذا عَلى لِسانِ النُّبُوَّةِ - ونَحْوُ هَذا مِن مُخادَعاتِهِمْ.
الجن 72:25
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم إذا سَمِعُوا هَذا الوَعِيدَ قالُوا اسْتِهْزاءً وعَمًى عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ واسْتِعْلاءً: مَتى يَكُونُ عَجَّلَ بِهِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ جَوابًا لَهم جَوابُ مَن لا يَسْتَخِفُّهُ عَجَلَةً ولا ضَجَرَ لِأنَّهُ لا يَخافُ الفَوْتَ ولا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِبَقاءِ العَدُوِّ واجْتِهادِهِمْ في أذى أوْلِيائِهِ مُبَيِّنًا ما يَجُوزُ عَلى الرُّسُلِ مِن أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِمْ ما عَلى البَشَرِ ويُطْلِعُهُمُ اللَّهُ تَعالى ما يَخْفى عَلى غَيْرِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ في جَوابِهِمْ إنْ كَذَّبُوا بِإتْيانِهِمُ العَذابَ وسَألُوا اسْتِهْزاءً مِنهُ عَنْ وقْتِ وُقُوعِهِ أمّا كَوْنُهُ فَلا بُدَّ مِنهُ لِأنَّهُ قَدْ بَرَزَ الوَعِيدَ [ بِهِ مِمَّنْ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وأمّا تَعْيِينُ وقْتِهِ فَقَدْ أخْفاهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ -] أقْعَدُ في التَّهْدِيدِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿أدْرِي﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وإنْ عالَجْتُ ذَلِكَ وتَسَبَّبْتُ فِيهِ، وزادَ في تَقْرِيرِ خَفائِهِ وأنَّهُ لا يَزالُ في حَيِّزِ ما يَسْألُ عَنْهُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ فَقالَ مُقَدِّمًا ما يُخْفِيهِمْ: ﴿أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ يَكُونُ الآنَ أوْ قَرِيبًا مِن هَذا الأوانِ بِحَيْثُ يَتَوَقَّعُ عَنْ (p-٥٠٠)قُرْبٍ ﴿أمْ﴾ بِعِيدٌ ﴿يَجْعَلُ لَهُ﴾ أيْ لِهَذا الوَعْيِ. ولَمّا كانَ [ التَّأْخِيرُ -] رُبَّما أفْهَمُ تَهاوُنًا بِالوَلِيِّ. فَقالَ دافِعًا لِذَلِكَ: ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ إنْ قَدَّمَهُ أوْ أخَّرَهُ ﴿أمَدًا﴾ أيْ أجَلًا مَضْرُوبًا عَظِيمًا بِكُلِّ اعْتِبارٍ حَتّى في البُعْدِ لا يَتَأتّى مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الآنَ ولا أنْ يَتَوَقَّعَ دُونَ ذَلِكَ الأمَدِ، فَهو في كُلِّ حالٍ مُتَوَقَّعٌ فَكُونُوا عَلى غايَةِ الحَذِرِ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ [ فَوُقُوعُهُ -] لا كَلامَ فِيهِ، وإنَّما الكَلامُ في تَعْيِينِ وقْتِهِ.
الجن 72:26
ولَمّا نَفى ﷺ عَلَمَهُ عَنْ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ، نَفى ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ عَلى وجْهٍ عامٍّ لِجَمِيعِ الغَيْبِ جالَ مِن عَظَمَةِ مُرْسِلِهِ ما تَنْقَطِعُ دُونَهُ الأعْناقُ فَقالَ واصِفًا لَهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ كُلِّهِ وهو ما لَمْ يَبْرُزْ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ فَهو مُخْتَصٌّ سُبْحانَهُ بِعِلْمِهِ، [ فَلِذَلِكَ -] سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ [ أيِ -] الَّذِي غَيَّبَهُ عَنْ غَيْرِهِ فَهو مُخْتَصٌّ بِهِ ﴿أحَدًا﴾ لِعَزَّةِ عِلْمِ الغَيْبِ ولِأنَّهُ خاصَّةً المَلِكُ.
الجن 72:27
ولَمّا كانَ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا بِبُرُوزِهِ عَلى عالَمِ الشَّهادَةِ، وكانَ لِأوَّلِ مَن يَطَّلِعُ عَلَيْهِ شَرَفٌ يَنْبَغِي أنْ يَعْرِفَ لَهُ قالَ: ﴿إلا مَنِ ارْتَضى﴾ أيْ عَمِلَ اللَّهُ تَعالى في كَوْنِهِ رَضِيَ عَمَلَ مَن يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ ويَجْتَهِدُ فِيهِ، وبَيَّنَ ”مِن“ بُقُولِهِ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ ومِنَ النّاسِ فَإنَّهُ يُظْهِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُرْتَضى المَوْصُوفَ (p-٥٠١)لا كُلَّ مُرْتَضًى بِأنْ يُظْهِرَهُ عَلى ما شاءَ مِنهُ لِأنَّ الغَيْبَ جِنْسٌ لا تَحَقُّقَ لَهُ إلّا في ضِمْنِ أفْرادِهِ، فَإذا ظَهَرَ فَرْدٌ مِنهُ فَقَدْ ظَهَرَ فِيهِ الجِنْسُ لِظُهُورِ حِصَّةٍ مِنهُ، وتارَةً يَكُونُ ذَلِكَ الرَّسُولُ مَلَكًا، وتارَةً يَكُونُ بَشَرًا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ كَمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أيّامِ المُناجاةِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ في العالَمِ الأعْلى في حَضْرَةِ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وإذا ظَهَرَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ غَيْبًا، وأوْصَلَهُ الرَّسُولُ إلى مَن أذِنَ لَهُ في إيصالِهِ لَهُ تارَةً بِالوَحْيِ لِلْأنْبِياءِ وتارَةً بِالنَّفْثِ والإلْهامِ لِلْأوْلِياءِ، وذَلِكَ عِنْدَ تَهَيُّئِ نُفُوسِهِمْ بِسُكُونِ قُواها عَنْ مُنازَعَةِ العَقْلِ بِالشَّهَواتِ والحُظُوظِ كَما يَكُونُ لِلنُّفُوسِ عامَّةً حِينَ سُكُونِ القُوى عَنِ المُنازَعَةِ بِالنَّوْمِ فَتَكُونُ مُتَهَيِّئَةً لِلنَّفْثِ فِيها [ فَمَن -] أعْرَضَ عَنْ جانِبِ الحِسِّ وأقْبَلَ عَلى جَنابِ القُدْسِ فَقَدْ هَيَّأ نَفْسَهُ لَنَفْثِ المَلِكِ في ورَعِهِ بِعِلْمِ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا وقَدْ عَلِمَ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ إذا أقْبَلَ عَلى شَيْءٍ بِكُلِّيَّتِهِ حَدَّثَ لَهُ فِيهِ أُمُورٌ حَدْسِيَّةٌ إلْهامِيَّةٌ بَغْتَةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ فِكْرٍ وطَلَبٍ، وعَلى قَدْرِ التَّهْيِئَةِ يَكُونُ النَّفْثُ مِن قِبَلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ورُبَّما كانَ النَّفْثُ شَيْطانِيًّا بِما تَلَقَّتْهُ الشَّياطِينُ مِنَ الِاسْتِراقاتِ مِنَ المَلائِكَةِ إمّا مِن (p-٥٠٢)الأرْضِ بَعْدَ نُزُولِهِمْ أوْ مِنَ السَّماءِ بِالِاسْتِراقِ فِيها - واللَّهُ أعْلَمُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأوْلِياءِ مُشافَهَةً [ مِنَ المَلِكِ -] كَما كانَ لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ بَعْضِهِمْ إنَّهُ لَوْ سَلَّمَ رَدَّ عَلَيْهِ. ولَمّا دَلَّ هَذا السِّياقُ عَلى عِزَّةِ عِلْمِ الغَيْبِ [ و-] كانَتْ عِزَّتُهُ سَبَبًا لِحِراسَةِ مَن يَطَّلِعُ عَلَيْهِ لِيُؤَدِّيَهُ إلى مَن أمَرَ بِهِ [ كَما أمَرَ بِهِ -]، أعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَمْيِيزًا لَهُ مِن عِلْمِ الكُهّانِ الَّذِي أصْلُهُ مِنَ الجانِّ دالًّا عَلى إجْلالِ الرُّسُلِ وإعْظامِهِمْ وتَبْجِيلِهِمْ وإكْرامِهِمْ: ﴿فَإنَّهُ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُظْهِرُ ذَلِكَ الرَّسُولُ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ الغَيْبِ.
وذَلِكَ أنَّهُ [ إذا -] أرادَ إظْهارَهُ عَلَيْهِ ﴿يَسْلُكُ﴾ أيْ يَدْخُلُ إدْخالَ السِّلْكِ في الجَوْهَرَةِ في تَقَوُّمِهِ ونُفُوذِهِ مِن غَيْرِ أدْنى تَعْرِيجٍ إلى غَيْرِ المُرادِ. ولَمّا كانَ الغَرَضُ يَحْصُلُ بِمَن يُقِيمُهُ سُبْحانَهُ مِن جُنُودِهِ لِلْحِراسَةِ ولَوْ أنَّهُ واحِدٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ بَلْ وبِغَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما جَعَلَ هَذا الإخْراجَ لِلْأمْرِ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ، عَبَّرَ بِالجارِّ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ اسْتِغْراقِ الرَّصْدِ لِلْجِهاتِ إلى مُنْقَطِعِ الأرْضِ مَثَلًا فَقالَ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ إلى الجِهَةِ الَّتِي يَعْلَمُها ذَلِكَ الرَّسُولُ ﴿ومِن خَلْفِهِ﴾ أيِ الجِهَةِ الَّتِي تَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ، فَصارَ ذَلِكَ كِفايَةً عَنْ كُلِّ جِهَةٍ، ويُمْكِنُ (p-٥٠٣)أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الجِهَتَيْنِ دَلالَةً عَلى الكُلِّ وخَصَّهُما لِأنَّ العَدُوَّ مَتى أُعْرِيَتْ واحِدَةٌ مِنهُما أتى مِنها، ومَتى حَفِظَتْ لَمْ يَأْتِ مِن غَيْرِها /، لِأنَّهُ يَصِيرُ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿رَصَدًا﴾ أيْ حَرَسًا مِن جُنُودِهِ يَحْرُسُونَهُ ويَحْفَظُونَهُ بِحِفْظِ ما مَعَهُ مِنَ الغَيْبِ مِنَ اخْتِطافِ الشَّياطِينِ أوْ غَيْرِهِمْ لِئَلّا يَسْتَرِقُوا شَيْئًا مِن خَبَرِهِ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُخْبِرُونَهُ بِمَن أنْكَرَهُ بِأنْ يُحَذِّرُوهُ مِنهُ إنْ كانَ شَيْطانًا أوْ يَأْمُرُوهُ بِالسَّماعِ مِنهُ إنْ كانَ مَلَكًا، وذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ [ كانَ -] يَأْتِي الأنْبِياءَ [ في صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ -] ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَهم مِنهُ.
الجن 72:28
ولَمّا كانَ هَذا الدَّأْبُ مِنَ الحِفْظِ في [ كُلِّ -] رَسُولٍ بَيْنَ الغايَةِ جامِعًا تَعْيِينًا لِما اقْتَضاهُ الجِنْسُ، وبَيانًا لِأنَّ الأفْرادَ أوَّلًا مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، وأنَّهُ ما عَبَّرَ بِهِ إلّا لِتَشْمَلَ الحِراسَةُ كُلَّ فَرْدِ مِنهم فَقالَ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أيِ اللَّهُ عِلْمًا كائِنًا واقِعًا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها [ عِلْمُهُ -] في الأزَلِ قَبْلَ وُجُودِها بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا هو سُبْحانَهُ أنَّها سَتَكُونُ ﴿أنْ﴾ أيْ إنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قَدْ أبْلَغُوا﴾ أيْ إلى مَن أرْسَلُوا إلَيْهِ (p-٥٠٤)﴿رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي أوَجَدَهم ودَبَّرَ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ واخْتارَهم لِرِسالاتِهِ عَلى ما هي عَلَيْهِ لَمْ يَشُبْها شائِبَةٌ ولا لَحِقَها غَبَرٌ. ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ مُحْتاجٌ في الحِفْظِ [ إلى الرَّصْدِ -] أزالَ ذَلِكَ [ بِقَوْلِهِ-]: ﴿وأحاطَ﴾ أيْ فِعْلُ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ قَدْ أحاطَ ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ أيِ الرُّسُلُ والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ عَلى أدَقِّ الوُجُوهِ وأعْظَمِها وأغْرَبِها بِما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِلُدّى، ولَمّا كانَ هَذا كافِيًا في المَقْصُودِ، لَكِنَّهُ قاصِرٌ عَلى مَحَلِّ الحاجَةِ عَمَّ تَعْرِيفًا بِالأمْرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، فَقالَ حامِلًا عَلى شِدَّةِ الوُثُوقِ بِما تَقَوَّلَهُ الرُّسُلُ عَنْ رَبِّهِمْ وأنَّهُ لا لَبْسَ فِيهِ ولا غائِلَةَ بِوَجْهٍ، مُبَيِّنًا غايَةَ البَيانِ كَذَّبَ حَدِيثَ الغَرانِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وغَيْرُهم في سُورَةٍ والنَّجْمِ: ﴿وأحْصى﴾ أيِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ أصْلًا ﴿عَدَدًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ العَدَدِ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ عَدُّهُ ولَوْ عَلى أقَلِّ مَقادِيرِ الذَّرِّ فِيما لَمْ يَزَلْ وفِيما لا يَزالُ، فَهو دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِالجُزْئِيّاتِ كَعِلْمِهِ بِالكُلِّيّاتِ، وقَدِ التَقى أوَّلَ السُّورَةِ وآخِرَها وباطِنَها الغَيْبِيَّ وظاهِرَها، فَدَلَّ آخِرُها عَلى الأوَّلِ المُجْمَلِ، وأوَّلُها عَلى الآخَرِ المُفَصَّلِ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ بَيْنَ عَظَمَةِ الوَحْيِ بِسَبَبِ الجِنِّ، ثُمَّ بَيَّنَ في أثْنائِها حَفِظَهُ مِن مُسْتَرْقِي السَّمْعَ، وخَتَمَ بِتَأْكِيدِ حِفْظِهِ وحِفْظِ جَمِيعِ كَلِماتِهِ واسْتَمَرَّ في تَأْكِيدِ أمْرِهِ (p-٥٠٥)حَتّى بانَتْ عَظَمَةُ هَذا القُرْآنِ، [ وظَهَرَتْ عِزَّةُ هَذا الفُرْقانِ -]، عَلى كُلِّ كِتابٍ، بِكُلِّ اعْتِبارٍ وحِسابٍ، فافْتَتَحَ المُزَّمِّلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وخَتَمَها بِالأمْرِ بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ، وذَكَرَ في المُدَّثِّرِ طَعْنَ الطّاعِنِ فِيهِ وما نالَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَّعْنِ مِنَ الخِزْيِ والعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعَ ضَمانِ الحِفْظِ مِنهُ، ثُمَّ نَهى نَبِيَّهُ ﷺ في سُورَةِ القِيامَةِ عَنِ العَجَلَةِ في أمْرِهِ لِئَلّا يَخْتَلَّ حِفْظُهُ، أوْ يَزِيغَ أدْنى زَيْغٍ لَفْظُهُ، [ و-] تَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ في تَرْكِ الِاسْتِعْجالِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مَن دَأْبِ الرِّجالِ، ثُمَّ أكَّدَ أمْرَ تَنْزِيلِهِ في الإنْسانِ، وبَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الإعْراضِ عَنْهُ حَبُّ العاجِلَةِ الَّتِي هي عَيْنُ النُّقْصانِ، وخَتْمُ المُرْسَلاتِ بِنِهايَةِ ما تَخَيَّلَ الأوْهامَ والظُّنُونَ، فَقالَ
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَسُبْحانَ مَن نَظْمِهِ هَذا النِّظامَ، وجَعَلَهُ أقْصى المُرادِ وغايَةَ المَرامِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى مَن لا نَبِيَّ بَعْدَهُ عَلى الدَّوامِ.