Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — المزمل 73:1 – الإنسان 76:31
المحتويات
- المزمل 73:1
- المزمل 73:2
- المزمل 73:3
- المزمل 73:4
- المزمل 73:5
- المزمل 73:6
- المزمل 73:7
- المزمل 73:8
- المزمل 73:9
- المزمل 73:10
- المزمل 73:11
- المزمل 73:12
- المزمل 73:13
- المزمل 73:14
- المزمل 73:15
- المزمل 73:16
- المزمل 73:17
- المزمل 73:18
- المزمل 73:19
- المزمل 73:20
- المدثر 74:1
- المدثر 74:2
- المدثر 74:3
- المدثر 74:4
- المدثر 74:5
- المدثر 74:6
- المدثر 74:7
- المدثر 74:8
- المدثر 74:9
- المدثر 74:10
- المدثر 74:11
- المدثر 74:12
- المدثر 74:13
- المدثر 74:14
- المدثر 74:15
- المدثر 74:16
- المدثر 74:17
- المدثر 74:18
- المدثر 74:19
- المدثر 74:20
- المدثر 74:21
- المدثر 74:22
- المدثر 74:23
- المدثر 74:24
- المدثر 74:25
- المدثر 74:26
- المدثر 74:27
- المدثر 74:28
- المدثر 74:29
- المدثر 74:30
- المدثر 74:31
- المدثر 74:32
- المدثر 74:33
- المدثر 74:34
- المدثر 74:35
- المدثر 74:36
- المدثر 74:37
- المدثر 74:38
- المدثر 74:39
- المدثر 74:40
- المدثر 74:41
- المدثر 74:42
- المدثر 74:43
- المدثر 74:44
- المدثر 74:45
- المدثر 74:46
- المدثر 74:47
- المدثر 74:48
- المدثر 74:49
- المدثر 74:50
- المدثر 74:51
- المدثر 74:52
- المدثر 74:53
- المدثر 74:54
- المدثر 74:55
- المدثر 74:56
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:3
- القيامة 75:4
- القيامة 75:5
- القيامة 75:6
- القيامة 75:7
- القيامة 75:8
- القيامة 75:9
- القيامة 75:10
- القيامة 75:11
- القيامة 75:12
- القيامة 75:13
- القيامة 75:14
- القيامة 75:15
- القيامة 75:16
- القيامة 75:17
- القيامة 75:18
- القيامة 75:19
- القيامة 75:20
- القيامة 75:21
- القيامة 75:22
- القيامة 75:23
- القيامة 75:24
- القيامة 75:25
- القيامة 75:26
- القيامة 75:27
- القيامة 75:28
- القيامة 75:29
- القيامة 75:30
- القيامة 75:31
- القيامة 75:32
- القيامة 75:33
- القيامة 75:34
- القيامة 75:35
- القيامة 75:36
- القيامة 75:37
- القيامة 75:38
- القيامة 75:39
- القيامة 75:40
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:9
- الإنسان 76:10
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:12
- الإنسان 76:13
- الإنسان 76:14
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:16
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:19
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:21
- الإنسان 76:22
- الإنسان 76:23
- الإنسان 76:24
- الإنسان 76:25
- الإنسان 76:26
- الإنسان 76:27
- الإنسان 76:28
- الإنسان 76:29
- الإنسان 76:30
- الإنسان 76:31
المزمل 73:1
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
مَقْصُودُها الإعْلامُ بِأنَّ مَحاسِنَ الأعْمالِ تَدْفَعُ الأخْطارَ والأوْجالَ، وتُخَفِّفُ الأحْمالَ الثِّقالَ، ولا سِيَّما الوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ المُتَعالِ، والتَّجَرُّدُ في خِدْمَتِهِ في ظُلُماتِ اللِّيالِ، فَإنَّهُ نِعْمَ الإلَهُ لِقَبُولِ الأفْعالِ والأقْوالِ، ومَحْوِ ظُلَلِ الضَّلالِ، والمُعِينُ الأعْظَمُ عَلى الصَّبْرِ والِاحْتِمالِ، لِما يَرِدُ مِنَ الكُدُوراتِ في دارِ الزَّوال، والقَلْعَةِ والِارْتِحالِ، واسْمُها المُزَّمِّلِ أدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَقالِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الكافِي مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والبَيانِ المَهْدِيِّ والضّالِّ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ ( الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالسَّدادِ في الأقْوالِ والأفْعالِ لِإيصالِهِمْ إلى دارِ الكَمالِ.
* *
(p-٢)لَمّا تَقَدَّمَ في آخِرِ الجِنِّ مِن تَعْظِيمِ الوَحْيِ وأنَّ مِن تَعْظِيمِهِ حِفْظَ المُرْسَلِ بِهِ مِن جَمِيعِ الآفاتِ المُفْتِرَةِ عَنْ إبْلاغِهِ بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ ونَدْبِ نَبِيِّهِ الَّذِي ارْتَقاهُ لِرِسالَتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى ما أرادَهُ مِن غَيْبِهِ ﷺ أوَّلَ هَذِهِ إلى القِيامِ بِأعْباءِ النُّبُوَّةِ بِالمُناجاةِ بِهَذا الوَحْيِ في وقْتِ الأُنْسِ والخَلْوَةِ بِالأحْبابِ، والبَسْطِ والجِلْوَةِ لِمَن دَقَّ البابَ، لِلِاعْتِلاءِ والمَتابِ، المَهِيِّئِ لِحَمْلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ، والمُقَوِّي عَلى أثْقالِ المُعالِجَةِ لِأهْلِ الضَّلالَةِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الصّالِحَةِ لِلْقِرَبِ والبَعْدِ المُخْتَصَّةِ بِأنَّهُ لا يُقالُ بَعْدَها إلّا الأُمُورُ الَّتِي هي في غايَةِ العَظَمَةِ، أشارَ إلى أنَّهُ ﷺ يُرادُ بِهِ غايَةَ القُرْبِ بِالأُمُورِ البَعِيدَةِ عَنْ تَناوُلِ الخَلْقِ بِكَوْنِها خَوارِقَ لِلْعاداتِ ونَواقِضَ لِلْمَأْلُوفاتِ المُطَّرِداتِ، وأمّا التَّزَمُّلُ فَهو وإنْ كانَ مِن آلاتِ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ مِنَ الأُمُورِ العادِيَّةِ، فَهو دُونَ ما يُرادُ مِنَ التَّهْيِئَةِ لِذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ، وبِالتَّزَمُّلِ لِكَوْنِهِ مُنافِيًا لِلْقِيامِ في الصَّلاةِ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ الَّذِي أخْفى شَخْصَهُ وسِتْرَ أمْرِهِ وما أمَرْناهُ بِهِ - بِما أشارَ إلَيْهِ التَّزَمُّلُ الَّذِي مَدْلُولُهُ التَّلَفُّفُ في الثَّوْبِ عَلى جَمِيعِ البَدَنِ والِاخْتِفاءِ ولُزُومِ مَكانٍ واحِدٍ، ولِأنَّهُ يَكُونُ مُنْطَرِحًا عَلى الأرْضِ كَما قالَ ﷺ في قَتْلى [أُحُدٍ - ]: «زَمِّلُوهم بِثِيابِهِمْ (p-٣)ودِمائِهِمْ"» مَعَ الإشارَةِ إلى الإخْفاءِ أيْضًا بِإدْغامِ تاءِ التَّفَعُّلِ، ورُبَّما أشارَ الإدْغامُ إلى أنَّ السَّتْرَ بِالثَّوْبِ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ البَدَنِ، كَما يَأْتِي في المُدَّثِرِ عَلى أنَّ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ إشارَةً إلى البِشارَةِ بِالقُوَّةِ عَلى حَمْلِ أعْباءِ ما يُرادُ بِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: زَمَلَ الشَّيْءُ - إذا رَفَعَهُ وحَمَلَهُ، والِازْدِمالُ: احْتِمالُ الشَّيْءِ، وزَمَّلْتُ الرَّجُلَ عَلى البَعِيرِ وغَيْرِهِ - إذا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، ومِن زَمَلَتِ الدّابَّةُ في عَدْوِها - إذا نَشَطَتْ، والزّامِلُ مِن حُمُرِ الوَحْشِ الَّذِي كَأنَّهُ يَظْلَعُ مِن نَشاطِهِ، ورَجُلٌ إزْمِيلٌ: شَدِيدٌ، والزّامِلَةُ: بَعِيرٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ الرَّجُلُ لِحَمْلِ طَعامِهِ ومَتاعِهِ عَلَيْهِ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ بِالأمْرِ: هو ابْنُ زَوْمَلَتِها، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: يا أيُّها المَخْفِيُّ ما تَظْهَرُهُ عَلَيْهِ مِن آثارِ الخُصُوصِيَّةِ! هَذا أوانُ كَشْفِهِ، وقالَ [عِكْرِمَةُ - ]: يا أيُّها الَّذِي حَمَلَ هَذا الأمْرَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أرادَ يا أيُّها النّائِمُ، وقالَ غَيْرُهُ: كانَ هَذا في ابْتِداءِ الوَحْيِ بِالنُّبُوَّةِ، والمُدَّثِرُ في ابْتِداءِ الوَحْيِ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ خُوطِبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ والرَّسُولِ:
المزمل 73:2
﴿قُمِ﴾ أيْ في خِدْمَتِنا بِحَمْلِ أعْباءِ نُبُوَّتِنا والِازْدِمالِ بِالِاجْتِهادِ في الِاحْتِمالِ، واتْرُكِ التَّزَمُّلَ فَإنَّهُ مُنافٍ لِلْقِيامِ.
ولَمّا كانَ الِاجْتِهادُ في الخِدْمَةِ دالًّا عَلى غايَةِ المَحَبَّةِ، وكانَتِ النِّيَّةُ (p-٤)خَيْرًا مِنَ العَمَلِ، وكانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى الضَّعْفِ، وكانَ سُبْحانَهُ لَطِيفًا بِهَذِهِ الأُمَّةِ تَشْرِيفًا لِإمامِها ﷺ، رِضِيَ مِنّا سُبْحانَهُ بِصِدْقِ التَّوَجُّهِ إلى العَمَلِ وجَعَلَ أُجُورَنا أكْثَرَ مِن أعْمالِنا، فَجَعَلَ إحْياءَ البَعْضِ إحْياءً لِلْكُلِّ، فَأطْلَقَ اسْمَ الكُلِّ وأرادَ البَعْضَ فَقالَ: ﴿اللَّيْلَ﴾ أيِ الَّذِي هو وقْتُ الخُلْوَةِ والخُفْيَةِ والسَّتْرِ، فَصَلِّ لَنا في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن هَذا الجِنْسِ وقِفْ بَيْنَ يَدَيْنا بِالمُناجاةِ والأُنْسِ بِما أنْزَلَنا عَلَيْكَ مِن كَلامِنا فَإنّا نُرِيدُ إظْهارَكَ وإعْلاءَ قَدْرِكَ في البَرِّ والبَحْرِ والسِّرِّ والجَهْرِ، وقِيامِ اللَّيْلِ في الشَّرْعِ مَعْناهُ الصَّلاةُ فَلِذا لَمَّ يُقَيِّدْهُ، وهي جامِعَةٌ لِأنْواعِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وهي عِمادُها، فَذِكْرُها دالٌّ عَلى ما عَداها.
ولَمّا كانَ لِلْبَدَنِ حَظٌّ في الرّاحَةِ قالَ مُسْتَثْنِيًا مِنَ اللَّيْلِ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، ونُودِيَ هَذا [النِّداءَ لِأنَّهُ -] ﷺ «لَمّا جاءَهُ الوَحْيُ بِغارِ حِراءٍ رَجَعَ إلى خَدِيجَةَ زَوْجَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها يَرْجُفُ فُؤادُهُ فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي! [لَقَدْ خَشِيتُ عَلى نَفْسِي، فَسَألَتْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ حالِهِ، فَلَمّا قَصَّ عَلَيْها أمْرَهُ - ] قالَ:”خَشِيتُ عَلى نَفْسِي“» يَعْنِي أنْ يَكُونَ هَذا مَبادِئُ شِعْرٍ أوْ كِهانَةٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الشَّياطِينِ وأنْ يَكُونَ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ بِالوَحْيِ لَيْسَ بِمَلَكٍ، وكانَ صَلّى اللَّهُ (p-٥)عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبْغِضُ الشِّعْرَ والكَهانَةَ غايَةَ البَغْضَةِ، فَقالَتْ لَهُ وكانَتْ وزِيرَةَ صِدْقٍ: " «كَلّا واللَّهِ! لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لِتَصِلُ الرَّحِمَ وتَقْرِي الضَّيْفَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ» - ونَحْوُ هَذا مِنَ المَقالِ الَّذِي يُثَبِّتُ، وفائِدَةُ التَّزَمُّلِ أنَّ الشُّجاعَ الكامِلَ إذا دَهَمَهُ أمْرٌ هو فَوْقَ قُواهُ فَفَرَّقَ أمْرَهُ فَرَجَعَ إلى نَفْسِهِ، وقَصَرَ بَصَرَهُ وبَصِيرَتَهُ عَلى حِسِّهِ، اجْتَمَعَتْ قُواهُ إلَيْهِ فَقَوِيَتْ جِبِلَّتُهُ الصّالِحَةُ عَلى تِلْكَ العَوارِضِ التَّخْيِيلِيَّةِ فَهَزَمَتْها فَرَجَعَ إلى أمْرِ الجِبِلَّةِ العَلِيَّةِ، وزالَ ما عَرَضَ مِنَ العِلَّةِ البَدَنِيَّةِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا كانَ ذِكْرُ إسْلامِ الجِنِّ قَدْ أحْرَزَ غايَةً انْتَهى مَرْماها وتَمَّ مَقْصِدُها ومَبْناها، وهي الإعْلامُ بِاسْتِجابَةِ هَؤُلاءِ وحِرْمانُ مَن كانَ أوْلى بِالِاسْتِجابَةِ، وأقْرَبُ في ظاهِرِ الأمْرِ إلى الإنابَةِ، بَعْدَ تَقَدُّمِ وعِيدِهِمْ وشَدِيدِ تَهْدِيدِهِمْ، صَرَفَ الكَلامَ إلى أمْرِهِ ﷺ بِما يَلْزَمُهُ مِن وظائِفِ عِبادَتِهِ وما يَلْزَمُهُ في أذْكارِهِ مِن لَيْلِهِ ونَهارِهِ، مُفْتَتِحًا ذَلِكَ بِأجْمَلِ مُكالَمَةِ وألْطَفِ مُخاطَبَةٍ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] وكانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ كَما (p-٦)ورَدَ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] إلى آخِرِهِ، ولِيَحْصُلْ مِنهُ الِاكْتِراثُ بِعِنادِ مَن قَدَّمَ عِنادَهُ وكَثْرَةَ لُجُجِهِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَشْهَدُ لِهَذا الغَرَضِ ويُعَضِّدُهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا﴾ [المعارج: ٥] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] وهَذا عَيْنُ الوارِدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] وفي قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ [المزمل: ١٢] فَذَكَرَ ما أعَدَّ لَهُمْ، وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الآيِ وجَدْتَها قاطِعَةً بِما قَدَّمْناهُ، وبانَ لَكَ التِحامَ ما ذَكَرَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى التَّلَطُّفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِأصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ - وأجْزَلَ جَزاءَهم مَعَ وُقُوعِ التَّقْصِيرِ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ تَعْظِيمُ المَعْبُودِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِالِاسْتِغْفارِ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِن عِنادِ الجاحِدِينَ المُقَدَّمِ ذِكْرُهم فِيما قَبْلُ مِنَ السُّورِ إلى ما لا يَفِي العِبادُ المُسْتَجِيبُونَ بِهِ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] - انْتَهى.
المزمل 73:3
ولَمّا كانَ اللَّيْلُ اسْمًا لِما بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وكانَ قِيامُهُ في غايَةِ المَشَقَّةِ، حَمَلَ سُبْحانَهُ مِن ثِقَلِ ذَلِكَ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِمُرادِهِ بِما حَطَّ عَلَيْهِ الكَلامُ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ، ومُبَدِّلًا مِن جُمْلَةِ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى (p-٧)مِنهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ أيِ اللَّيْلَ، فَعَلِمَ أنَّ المُرادَ بِالقَلِيلِ المُسْتَثْنى النِّصْفُ، وسَمّاهُ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ اللَّيْلِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى النِّصْفِ الَّذِي وقَعَ إحْياؤُهُ، لِأنَّ ما يَلِي بِالعَمَلِ أكْثَرُ مِمّا لا عَمَلَ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نِصْفَهُ“ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا وهو السُّدْسُ أوِ انْقُصْ مِنهُ إلى الرُّبْعِ، وجاءَتِ العِبارَةُ هَكَذا لِتُفِيدَ أنَّ مَن قامَ ثُلْثَ اللَّيْلِ بَلْ رُبْعَهُ فَما فَوْقَهُ كانَ مُحْيِيًا لِلَيْلِ كُلِّهِ.
ولَمّا كانَتِ الهِمَمُ مُخْتَلِفَةً بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْخاصِ وبِالنِّسْبَةِ إلى الأوْقاتِ قالَ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ أيْ هَذا النِّصْفَ الَّذِي أُمِرْتَ بِقِيامِهِ، أوْ مِنَ النِّصْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ القَلِيلُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو الثُّلْثُ ﴿قَلِيلا﴾ فَلا تُقِمْهُ حَتّى لَوْ أحْيَيْتَ ثُلْثَ اللَّيْلِ [عَلى الوَجْهِ - ] الأوَّلِ أوْ رُبْعَهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي كُنْتُ مُحْيِيًا لَهُ [كُلَّهُ -] في فَضْلِ اللَّهِ بِالتَّضْعِيفِ
المزمل 73:4
﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى النِّصْفِ قَلِيلًا كالسُّدُسِ مَثَلًا، فَيَكُونُ الَّذِي تَقُومُهُ الثُّلْثَيْنِ مَثَلًا، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِن هَذِهِ التَّقادِيرِ يُصادِفُ القِيامَ - وهو لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ النَّوْمِ: الوَقْتُ الَّذِي يُبارِكُهُ اللَّهُ بِالتَّجَلِّي [فِيهِ - ] فَإنَّهُ صَحَّ أنَّهُ يَنْزِلُ سُبْحانَهُ [عَنْ -] أنْ يُشْبِهَ ذاتَهُ شَيْئًا (p-٨)أوْ نُزُولُهُ نُزُولُ غَيْرِهِ [بَلْ -] هو كِنايَةٌ عَنْ فَتْحِ بابِ السَّماءِ الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنْ وقْتِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ - حِينَ يَبْقى ثُلْثُ اللَّيْلِ - وفي رِوايَةٍ: حِينَ يَبْقى شَطْرُ اللَّيْلِ الآخَرِ - إلى سَماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأُعْطِيهِ، هَلْ مِن تائِبٍ فَأتُوبُ عَلَيْهِ، هَلْ مِن كَذا هَلْ مِن كَذا حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ. وكانَ هَذا القِيامُ في أوَّلِ الإسْلامِ فَرْضًا عَلَيْهِمْ عَلى التَّخْيِيرِ بَيْنَ هَذِهِ المَقادِيرِ الثَّلاثَةِ فَكانُوا يَشُقُّونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ حَتّى يُصْبِحَ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ القَدْرَ الواجِبَ، وكَذا بَعْضُ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى انْتَفَخَتْ أقْدامُهُمْ، وكانَ هَذا قَبْلَ فَرِيضَةِ الخُمْسِ، فَنَزَلَ آخِرُها بِالتَّخْفِيفِ بَعْدَ سَنَةٍ ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتُ، فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ.
ولَمّا أُمِرَ بِالقِيامِ وقَدَّرَ وقْتَهُ وعَيْنَهُ، أمَرَ بِهَيْئَةِ التِّلاوَةِ عَلى وجْهٍ عامٍّ لِلنَّهارِ مُعْلِمٍ بِأنَّ القِيامَ بِالصَّلاةِ الَّتِي رُوحُها القُرْآنُ فَقالَ: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ﴾ أيِ اقْرَأْهُ عَلى تُؤَدَةٍ [و -] بَيْنَ حُرُوفِهِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن عَدِّها [و - ] حَتّى يَكُونَ المَتْلُوُّ شَبِيهًا بِالثَّغْرِ المُرَتِّلِ وهو المُفَلَّجُ المُشَبَّهُ بِنُورِ الأُقْحُوانِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ لِتَدَبُّرِهِ فَتَكْشِفُ لَهُ مُهِمّاتِهِ ويَنْجَلِي عَلَيْهِ أسْرارُهُ وخَفِيّاتُهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (p-٩)ولا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقْلِ ولا تَهْذُوهُ هَذَّ الشِّعْرِ، ولَكِنْ قَفُّوا عِنْدَ عَجائِبِهِ وحَرَّكُوا بِهِ القُلُوبَ ولا يَكُنْ هم أحَدُكم آخِرَ السُّورَةِ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ حَتّى أصْبَحَ بِآيَةٍ، والآيَةُ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] "» ولَمّا أعْلَمَ سُبْحانَهُ بِالتَّرْتِيلِ أعْلَمَ بِشَرَفِهِ بِالتَّأْكِيدِ بِالمَصْدَرِ فَقالَ: ﴿تَرْتِيلا﴾
المزمل 73:5
ولَمّا كانَ المُرادُ مِنهُ ﷺ الثَّباتَ لِلنُّبُوَّةِ ومِن أُمَّتِهِ الثَّباتُ في الِاقْتِداءِ بِهِ في العَمَلِ والأمْرِ والنَّهْيِ، وكانَ ذَلِكَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، وكانَ الإنْسانُ عاجِزًا إلّا بِإعانَةِ مَوْلاهُ، وكانَ العَوْنُ النّافِعُ إنَّما يَكُونُ لِمَن صَفَتْ نَفْسُهُ عَنِ الأكْدارِ وأشْرَقَتْ بِالأنْوارِ، وكانَ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِالِاجْتِهادِ في خِدْمَتِهِ سُبْحانَهُ، عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا لِلْقُرْآنِ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ ما هو وما وصَفَهُ، مُعْلِمًا أنَّ التَّهَجُّدَ يُعَدُّ لِلنَّفْسِ مِنَ القُوى ما بِهِ يُعالِجُ المَشَقّاتِ، مُؤَكِّدًا لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو خارِجٌ عَنْ جَمِيعِ أشْكالِ الكَلامِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿سَنُلْقِي﴾ أيْ قَرِيبًا بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ فَتَهَيَّأ لِذَلِكَ بِما يَحِقُّ لَهُ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِبَيانِ الصُّعُوبَةِ، عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: (p-١٠)﴿عَلَيْكَ﴾ وأشارَ إلى اليُسْرِ مَعَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ”ولِقَدٍّ يَسُرُّنا القُرْآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِر“ بِالتَّعْبِيرِ بِما تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى اليُسْرِ والخِفَّةِ فَقالَ: ﴿قَوْلا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ثَقِيلا﴾ أيْ لِما فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ مِن [جِهَةِ -] حَمْلِها وتَحْمِيلِها لِلْمَدْعُوِّينَ لِأنَّها تَضادُّ الطَّبْعَ وتُخالِفُ النَّفْسَ، ومِن جِهَةِ رَزانَةِ لَفْظِهِ لِامْتِلائِهِ بِالمَعانِي مَعَ جَلالَةِ مَعْناهُ وتَصاعُدِهِ في خَفاءٍ فَلا يَفْهَمُهُ المُتَأمِّلُ ويَسْتَخْرِجُ ما فِيهِ مِنَ الجَواهِرِ إلّا بِمَزِيدِ فِكْرٍ وتَصْفِيَةِ سِرٍّ وتَجْرِيدِ نَظَرٍ، فَهو ثَقِيلٌ عَلى المُوافِقِ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ وغَيْرِها، وعَلى المُخالِفِ مِن جِهَةِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ ولا يَتَمَكَّنُ مِن طَعْنٍ فِيهِ بِوَجْهٍ مَعَ أنَّهُ ثَقِيلٌ في المِيزانِ وعِنْدَ تَلَقِّيهِ ولَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ وقَدْرٌ عَظِيمٌ، رُوِيَ في الصَّحِيحِ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أتاهُ الوَحْيُ يَفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا في اليَوْمِ الشّاتِي الشَّدِيدِ البَرْدِ، وكانَ - إذا أنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيَ وهو راكِبٌ عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جُرّانَها فَلا تَكادُ تَتَحَرَّكُ حَتّى يُسَرِّيَ عَنْهُ» "قالَ القُشَيْرِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ وهو راكِبٌ فَبَرَكَتْ (p-١١)ناقَتُهُ مِن ثِقَلِ القُرْآنِ وهَيْبَتِهِ،» وهو مَعَ ثِقَلِهِ عَلى الأرْكانِ خَفِيفٌ عَلى اللِّسانِ سَهْلُ التِّلاوَةِ والحِفْظِ عَلى الإنْسانِ.
المزمل 73:6
ولَمّا أفْهَمَ هَذا أنَّ التَّهَجُّدَ في غايَةِ العَظَمَةِ، أكَّدَ ذَلِكَ حاثًّا عَلى عَدَمِ الرِّضى بِدُونِ الأفْضَلِ الأجْمَلِ الأكْمَلِ بِقَوْلِهِ: مُؤَكِّدًا لِيَخِفَّ أمْرُ القِيامِ عَلى النَّفْسِ: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ ساعاتُهُ الَّتِي كَلُّ واحِدَةٍ مِنها ناشِئَةٌ والعِبادَةُ تَنْشَأُ فِيهِ بِغايَةِ الخِفَّةِ، مَن نَشَأ أيْ نَهَضَ مِن مَضْجَعِهِ بِغايَةِ النَّشاطِ لِقُوَّةِ الهِمَّةِ ومُضاءِ العَزِيمَةِ الَّتِي جَعَلْتَها كَأنَّها نَشَأتْ بِنَفْسِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَهُ فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: النّاشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَّوْمِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: النّاشِئَةُ القِيامُ، مَصْدَرُ جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعافِيَةِ بِمَعْنى العَفْوِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ لِشِدَّةِ مُنافَرَتِهِ لِلطَّبْعِ، زادَ في التَّأْكِيدِ تَرْغِيبًا فِيهِ فَقالَ: ﴿هِيَ﴾ أيْ خاصَّةٌ لِما لَها مِنَ المَزايا ﴿أشَدُّ﴾ أيْ أثْقَلَ وأقْوى وأمْتَنَ وأرْصَنَ ﴿وطْئًا﴾ أيْ كُلْفَةً ومَشَقَّةً لِما فِيها مِن تَرْكِ الرّاحَةِ وفِراقِ الإلْفِ والمَحْبُوبِ، وأشَدَّ ثَباتِ قَدَمٍ - عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وطِئَ في قِراءَةِ الجَماعَةِ - بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ، ومُواطَأةً بَيْنَ القَلْبِ (p-١٢)واللِّسانِ في الحُضُورِ وفي التِزامِ الدِّينِ بِالإذْعانِ والخُضُوعِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ واطَأ مِثْلُ قاتِلٍ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ بِالكَسْرِ والمَدِّ [و - ] هي أبْلَغُ لِأنَّ صِيغَةَ المُفاعَلَةِ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُغالِبانِ فَيَكُونُ الفِعْلُ أقْوى.
ولَمّا كانَ التَّهَجُّدُ يَجْمَعُ القَوْلَ والفِعْلَ، وبَيْنَ ما في الفِعْلِ لِأنَّهُ أشَقُّ، فَكانَ بِتَقْدِيمِ التَّرْغِيبِ بِالمِدْحَةِ أحَقُّ، أتْبَعَهُ القَوْلَ فَقالَ: ﴿وأقْوَمُ قِيلا﴾ أيْ وأعْظَمَ سِدادًا مِن جِهَةِ القِيلِ في فَهْمِهِ ووَقْعِهِ في القُلُوبِ بِحُضُورِ القَلْبِ ورِياقَةِ اللَّيْلِ بِهُدُوءِ الأصْواتِ وتُجْلِي الرَّبَّ سُبْحانَهُ وتَعالى بِحُصُولِ البَرَكاتِ، وأخْلَصُ مِنَ الرِّياءِ والقُصُودِ الدَّنِيّاتِ.
المزمل 73:7
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا ما بِهِ صَلاحُ الدِّينِ الَّذِي عَصَمَهُ الأمْرُ [و - ] بِهِ صَلاحُ الدّارَيْنِ، وأظْهَرَ ما لِلتَّهَجُّدِ مِنَ الفَضائِلِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ حَتْمًا: فَواظَبَ عَلَيْهِ لِتُناوِلِ هَذِهِ الثَّمَراتِ، قالَ [مُعَلِّلًا -] مُحَقِّقًا لَهُ مُبَيِّنًا ما بِهِ صَلاحَ الدُّنْيا الَّتِي هي فِيها المَعاشُ، وصَلاحُها وسِيلَةً إلى صَلاحِ المَقْصُودِ، وهو الدِّينُ وهو الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ لِئَلّا يَكُونُ كَلًّا عَلى النّاسِ لِيَحْصُلَ مِنَ الرِّزْقِ ما يُعِينُهُ عَلى دِينِهِ (p-١٣)ويُوَسِّعُ بِهِ عَلى عِيالِ اللَّهِ مِن غَيْرِ مَلَلٍ ولا ضَجَرٍ ولا كَسَلٍ ولا مُبالَغَةٍ، مُؤَكِّدًا لِما لِلنَّفْسِ مِنَ الكَسَلِ عَنْهُ: ﴿إنَّ لَكَ﴾ أيْ أيُّها المُتَهَجِّدُ أوْ يا أكْرَمَ العِبادِ إنْ كانَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَكُونَ آكَدَ في إلْزامِ الأُمَّةِ بِهِ ﴿فِي النَّهارِ﴾ الَّذِي هو مَحَلُّ السَّعْيِ في مَصالِحِ الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ يَهْتَمُّ في سَعْيِهِ لِنَفْسِهِ حَتّى يَكُونَ كَأنَّهُ لِشِدَّةِ عَزْمِهِ وسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ كالسّابِحِ فِيما لا عائِقَ لَهُ فِيهِ قالَ: ﴿سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَقَلُّبًا مُمْتَدَّ الزَّمانِ، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُ السَّبْحِ سُرْعَةُ الذِّهابِ، وقالَ الرّازِيُّ: سُهُولَةُ الحَرَكَةِ.
المزمل 73:8
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاجْتَهَدَ في التَّهَجُّدِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ حاثًّا عَلى حُضُورِ الفِكْرِ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ والمُوجِدِ والمُدَبِّرِ لَكَ بِكُلِّ ما يَكُونُ ذِكْرًا مِنَ اسْمٍ وصْفَةٍ وثَناءٍ وخُضُوعٍ وتَسْبِيحٍ وتَحْمِيدٍ وصَلاةٍ وقِراءَةٍ ودُعاءٍ وإقْبالٍ عَلى عِلْمٍ شَرْعِيٍّ وأدَبٍ مَرْعِيٍّ ودَمٍ عَلى ذَلِكَ، فَإذا عَظَّمْتَ الِاسْمَ بِالذِّكْرِ فَقَدْ عَظَّمْتَ المُسَمّى بِالتَّوْحِيدِ (p-١٤)والإخْلاصِ، وذَلِكَ عَوْنٌ لَكَ عَلى مَصالِحِ الدّارَيْنِ، أمّا الآخِرَةُ فَواضِحٌ، وأمّا الدُّنْيا فَقَدْ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ أعَزَّ الخَلْقِ عَلَيْهِ فاطِمَةَ ابْنَتَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لَمّا سَألْتَهُ خادِمًا يَقِيها التَّعَبَ إلى التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ عِنْدَ النَّوْمِ.
ولَمّا كانَ الذِّكْرُ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّعَلُّقِ بِالغَيْرِ، أعْلَمَ أنَّ الذّاكِرَ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو المُسْتَغْرِقُ فِيهِ سُبْحانَهُ وبِهِ يَكُونُ تَمامَ العَوْنِ فَقالَ: ﴿وتَبَتَّلْ﴾ أيِ اجْتَهِدْ في قَطْعِ نَفْسِكَ عَنْ كُلِّ شاغِلٍ، والإخْلاصِ في جَمِيعِ أعْمالِها بِالتَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا، مُنْتَهِيًا: ﴿إلَيْهِ﴾ ولا تَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَصِيرَ لَكَ ذَلِكَ خَلْقًا فَتَكُونُ نَفْسُكَ كَأنَّها مُنْقَطِعَةً بِغَيْرِ قاطِعٍ ومُقَطَّعَةً تَقْطِيعًا كَثِيرًا بِكُلِّ قاطِعٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ المَصْدَرُ ”تَبَتُّلًا“ وبِتَّلَها ﴿تَبْتِيلا﴾ فَأعْلَمَ بِالتَّأْكِيدِ بِالمَصْدَرِ المُرْشِدِ إلى الجَمْعِ بَيْنَ التَّفَعُّلِ والتَّفْعِيلِ بِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ وصُعُوبَةِ المَقامِ، وهو مِنَ البَتْلِ وهو القَطْعُ، صَدَقَةُ بَتْلَةٌ أيْ مَقْطُوعَةٌ عَنْ صاحِبِها، ولِذَلِكَ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَّبَتُّلُ رَفْضُ الدُّنْيا وما فِيها والتِماسُ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والبَتُولُ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ لِانْقِطاعِها إلى اللَّهِ تَعالى، عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وكَذا فاطِمَةُ الزَّهْراءُ البَتُولُ أيْضًا لِانْقِطاعِها عَنْ قَرِينٍ ومَثِيلٍ ونَظِيرٍ، فالمُرادُ (p-١٥)بِهَذا هو المُرادُ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ المُقْتَضِيَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وذَلِكَ بِمُلازَمَةِ الذِّكْرِ وخَلْعِ الهَوى، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ وهو ظاهِرٌ: ذِكْرُ فِعْلِ التَّبَتُّلِ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مَصْدَرِهِ، وذِكْرُ مَصْدَرِ بِتَلَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ فِعْلِهِ.
المزمل 73:9
ولَمّا كانَ الواجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ شُكْرَ المُنْعِمِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ الَّذِي أنْعَمَ بِسَكَنِ اللَّيْلِ الَّذِي أمَرَ بِالتَّهَجُّدِ فِيهِ [و - ] مُنْتَشِرِ النَّهارِ الَّذِي أمَرَ بِالسَّبْحِ فِيهِ، فَقالَ واصِفًا الرَّبَّ المَأْمُورَ بِذِكْرِهِ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ والكُوفِيِّينَ غَيْرَ حَفْصٍ مُعَظِّمًا لَهُ بِالقَطْعِ في قِراءَةِ الباقِينَ بِالرَّفْعِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ﴾ أيْ مُوجِدٌ مَحَلِّ الأنْوارِ الَّتِي بِها يَنْمَحِي هَذا اللَّيْلُ الَّذِي أنْتَ قائِمٌ فِيهِ ويُضِيءُ بِها الصَّباحُ ”وعِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى“ بِما أنالَهم مِنَ الأنْوارِ في مِرائِي قُلُوبِهِمْ وما زَيَّنَها بِهِ مِن شُهُبِ المَعانِي كَما أوْجَدَ لَهم في آفاقِ أفَلاكِهِمْ مِن شُمُوسِ المَعانِي المُثْمِرَةِ لِيَدُورَ الأُنْسُ في مُواطِنَ القُدْسِ، فَلا يَطْلُعُ كَوْكَبٌ في المَوْضِعِ الَّذِي هو رَبُّهُ إلّا بِإذْنِهِ، وهو رَبُّ كُلِّ مَكانٍ، وما أحْسَنَ ما قالَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ العِيدِ:
؎كَمْ لَيْلَةً فِيكَ وصَلْنا السُّرى ∗∗∗ لا نَعْرِفُ الغَمْضَ ولا نَسْتَرِيحُ ∗∗∗ (p-١٦)واخْتَلَفَ الأصْحابُ ماذا الَّذِي
؎ ∗∗∗ يُزِيحُ مِن شَكْواهم أوْ يُرِيحُ
؎فَقِيلَ تَعْرِيسُهم ساعَةً ∗∗∗ ∗∗∗ وقُلْتُ بَلْ ذِكْراكَ وهو الصَّحِيحُ
ولَمّا ذَكَرَ مَطالِعَ الأنْوارِ، لِأنَّها المَقْصُودُ لِما لَها مِن جَلِيِّ الإظْهارِ، ووَحَّدَ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ الَّذِي هو مَحَطَّةُ لِانْجِماحِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالتَّزَمُّلِ، أتْبَعَهُ مُقابِلُهُ فَقالَ: ﴿والمَغْرِبِ﴾ أيِ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ اللَّيْلُ والَّذِي هو مَحَلُّ السَّكَنِ ومَوْضِعُ الخَلَواتِ ولَذِيذِ المُناجاةِ، فَلا تَغْرُبُ شَمْسٌ ولا قَمَرٌ ولا نَجْمٌ إلّا بِتَقْدِيرِهِ سُبْحانَهُ، وإذا كانَ رَبُّ ما فِيهِ هَذِهِ الصَّنائِعُ الَّتِي هي أبْدَعُ ما يَكُونُ كانَ رَبَّ ما دُونُ ذَلِكَ.
ولَمّا عَلِمَ بِهَذا أنَّهُ المُخْتَصُّ بِتَدْبِيرِ الكائِناتِ، المُتَفَرِّدِ بِإيجادِ المَوْجُوداتِ، كانَ أهْلًا لِأنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ وجَمِيعَ التَّوَجُّهِ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لا إلَهَ﴾ أيْ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ ﴿إلا هُوَ﴾ أيْ رَبُّكَ الَّذِي دَلَّتْ تَرْبِيَتُهُ لَكَ عَلى مَجامِعِ العَظَمَةِ وأنْهى صِفاتِ الكَمالِ والتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ. ولَمّا عَلِمَ تَفَرُّدَهُ سُبْحانَهُ كانَ الَّذِي يَنْبَغِي لِعِبادِهِ أنْ لا يُوَجَّهَ [أحَدٌ -] مِنهم شَيْئًا مِن رَغْبَتِهِ لِغَيْرِهِ فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذْهُ﴾ أيْ خُذْهُ بِجَمِيعِ جُهْدِكَ وذَلِكَ بِإفْرادِكَ إيّاهُ بِكَوْنِهِ تَعالى ﴿وكِيلا﴾ أيْ عَلى كُلِّ مَن خالَفَكَ بِأنْ تُفَوِّضَ جَمِيعَ أُمُورِكَ إلَيْهِ فَإنَّهُ يَكْفِيكَها كُلَّها ويَكْلَؤُها (p-١٧)غايَةَ الكَلايَةَ فَإنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا شَيْءَ أصْلًا في يَدِ غَيْرِهِ، فَلا تَهْتَمَّ بِشَيْءٍ أصْلًا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِأنْ يَتْرُكَ الإنْسانُ كُلَّ عَمَلٍ، فَإنَّ ذَلِكَ طَمَعٌ فارِغٌ بَلْ بِالإجْمالِ في طَلَبِ كُلِّ ما نُدِبَ الإنْسانُ إلى طَلَبِهِ، لِيَكُونَ مُتَوَكِّلًا في السَّبَبِ لا مِن دُونِ سَبَبٍ، فَإنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ كَمَن يَطْلَبُ الوَلَدَ مِن غَيْرِ زَوْجَةٍ، وهو مُخالِفٌ لِحِكْمَةِ هَذِهِ الدّارِ المَبْنِيَّةِ عَلى الأسْبابِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ [فِي -] إفْرادِهِ بِالوِكالَةِ إلّا أنَّهُ يُفارِقُ الوُكَلاءَ بِالعَظَمَةِ والشَّرَفِ والرِّفْقِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ فَإنَّ وكِيلَكَ مِنَ النّاسِ دُونَكَ وأنْتَ تَتَوَقَّعُ أنْ يُكَلِّمَكَ كَثِيرًا في مَصالِحِكَ ورَبُّكَ أعْظَمُ العُظَماءِ وهو يَأْمُرُكَ أنْ تُكَلِّمَهُ كَثِيرًا في مَصالِحِكَ وتَسْألُهُ طَوِيلًا ووَكِيلُكَ مِنَ [ النّاسِ - ] إذا حَصَّلَ مالَكَ سَألَكَ الأُجْرَةَ وهو سُبْحانَهُ يُوَفِّرُ مالِكَ ويُعْطِيكَ الأجْرَ، ووَكِيلُكَ مِنَ النّاسِ يُنْفِقُ عَلَيْكَ مِن مالِكَ وهو سُبْحانَهُ يَرْزُقُكَ ويُنْفِقُ عَلَيْكَ مِن مالِهِ، ومَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عاشَ حُرًّا كَرِيمًا، وماتَ خالِصًا شَرِيفًا، ولَقِيَ اللَّهَ تَعالى عَبْدًا صافِيًا مُخْتارًا تَقِيًّا، ومِن شَرْطِ المُوَحِّدِ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى الواحِدِ ويُقْبِلُ عَلى الواحِدِ ويَبْذُلُ لَهُ نَفْسَهُ عُبُودِيَّةً ويَأْتَمِنَهُ عَلى نَفْسِهِ ويُفَوِّضَ إلَيْهِ أُمُورَهُ ويَتْرُكَ التَّدْبِيرَ ويَثِقَ بِهِ ويَرْكَنَ إلَيْهِ ويَتَذَلَّلَ لِرُبُوبِيَّتِهِ، ويَتَواضَعَ لِعَظَمَتِهِ ويَتَزَيَّنَ بِبَهائِهِ ويَتَّخِذَهُ عُدَّةً لِكُلِّ نائِبَةِ دُنْيا وآخِرَةٍ.
المزمل 73:10
(p-١٨)ولَمّا كانَتِ الوِكالَةُ لا تَكُونُ إلّا فِيما يَعْجَزُ، وكانَ الأمْرُ بِها مُشِيرًا [إلى -] أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ [عَنْ -] هَذا القَوْلِ الثَّقِيلِ خُطُوبٌ طِوالٌ وزَلازِلٌ وأهْوالٌ، قالَ: ﴿واصْبِرْ﴾ وأشارَ إلى عَظَمَةِ الصَّبْرِ بِتَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى ما﴾ وخَفَّفَ الأمْرَ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى غَيْرِ الأذى بِالقَوْلِ، [وعَظَّمَهُ -] بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيِ المُخالِفُونَ المَفْهُومُونَ مِنَ الوَكالَةِ مِن مُدافَعَتِهِمُ الحَقَّ بِالباطِلِ في حَقِّ اللَّهِ وحَقِّكَ.
ولَمّا كانَتْ مُجانَبَةُ البَغِيضِ إلّا عِنْدَ الِاضْطِرارِ مِمّا يُخَفِّفُ مِن أذاهُ قالَ: ﴿واهْجُرْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم جِهارًا دافِعًا لِلْهَرْجِ مَهْما أمْكَنَ ﴿هَجْرًا جَمِيلا﴾ بِأنْ تُعاشِرَهم بِظاهِرِكَ وتُبايِنَهم بِسِرِّكَ وخاطِرِكَ، فَلا تُخالِطُهم إلّا فِيما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ عَلى ما حَدِّهِ لَكَ مِن دُعائِهِمْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ومِن مُوافاتِهِمْ في أفْراحِهِمْ وأحْزانِهِمْ فَتُؤَدِّي حُقُوقَهم ولا تُطالِبُهم بِحُقُوقِكَ لا تَصْرِيحًا ولا تَلْوِيحًا.
المزمل 73:11
ولَمّا كانَ في أمْرِهِ هَذا بِما يَفْعَلُ ما يَشُقُّ جِدًّا بِما فِيهِ مِنَ احْتِمالِ عُلُوِّهِمْ، أعْلَمَ بِقُرْبِ فَرَجِهِ بِتَهْدِيدِهِمْ بِأخْذِهِمْ سَرِيعًا فَقالَ: ﴿وذَرْنِي﴾ أيِ اتْرُكْنِي عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ مِنِّي في مُعامَلَتِهِمْ، وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ وتَعْمِيمًا فَقالَ: ﴿والمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ فَإنِّي قادِرٌ عَلى رَحْمَتِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ. (p-١٩)ولَمّا ذَكَرَ وصْفَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ العَذابَ، ذَكَرَ الحامِلَ عَلَيْهِ تَزْهِيدًا فِيهِ وصَرْفًا عَنْ مُعاشَرَةِ أهْلِهِ لِئَلّا تَكُونَ المُعاشَرَةُ فِتْنَةً فَتَكُونُ حامِلَةً عَلى الِاتِّصافِ بِهِ وجارَّةً إلى حُبِّ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ أصْحابِ التَّنَعُّمِ بِغَضارَةِ العَيْشِ والبَهْجَةِ الَّتِي أفادْتُهموها النِّعْمَةُ - بِالكَسْرِ وهي الإنْعامُ وما يَنْعَمُ بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ، والجاهِ الَّذِي أفادَتْهُ النُّعْمَةُ - بِالضَّمِّ وهي المَسَرَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي الشُّكْرَ وهم أكابِرُ قُرَيْشٍ وأغْنِياؤُهم.
ولَمّا كانَ العَلِيمُ القَدِيرُ إذا قالَ مِثْلَ هَذا لِوَلِيٍّ مِن أوْلِيائِهِ عاجَلَ عَدُوَّهُ، قالَ مُحَقِّقًا لِلْمُرادِ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ مِن هَذا في النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِأنَّ زَمَنَها قَصِيرٌ: ﴿ومَهِّلْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم بِرِفْقٍ وتَأنٍّ وتَدْرِيجٍ ولا تَهْتَمَّ بِشَأْنِهِمْ.
ولَمّا سَرَّهُ بِوَعِيدِهِمُ الشَّدِيدِ بِهَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي مَضْمُونُها أنْ أخَذَهم بِيَدِهِ ﷺ وهو سُبْحانُهُ يَسْألُ في تَأْخِيرِهِ لَهُمْ، زادَ في البِشارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلا﴾ أيْ مِنَ الزَّمانِ والإمْهالِ إلى مَوْتِهِمْ أوِ الإيقاعِ بِهِمْ قَبْلَهُ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ وقْعَةِ بَدْرٍ يَسِيرُ - قالَهُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وفِيهِ بِشارَةٌ لَهُ ﷺ بِالبَقاءِ بَعْدَ أخْذِهِمْ كَما كانَ، وأنَّهُ لَيْسَ مُحْتاجًا في أمْرِهِمْ إلى غَيْرِ وكْلِهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإلْقائِهِمْ عَنْ بالِهِ صَلّى اللَّهُ (p-٢٠)عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَفْرِيغِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ لِما هو مَأْمُورٌ بِهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الإقْبالِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَفي الآيَةِ أنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِعَدُوِّهِ وكَّلَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ، فَكانَ ذَلِكَ كالمانِعِ مِن أخْذِ اللَّهِ [لَهُ-]، فَإذا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فَقَدْ أزالَ [ذَلِكَ المانِعَ -].
المزمل 73:12
ولَمّا كانَ هَذا مُنادِيًا بِعَذابِهِمْ، وكانَ وصْفُهم بِالنِّعْمَةِ مُفْهِمًا لِأنَّهم مُعْتادُونَ بِالمَآكِلِ الطَّيِّبَةِ، وكانَ مَنعُ اللَّذِيذِ مِنَ المَآكِلِ لِمَنِ اعْتادَهُ لا يَبْلُغُ في نِكايَةِ النَّفْسِ بِحَدِّ نِكايَةِ البَدَنِ إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ إهانَةٍ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لِنَوْعِ ما أفْهَمَهُ التَّهْدِيدُ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، وأكَّدَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ﴾ وأشارَ إلى شَدَّةِ غَرابَتِهِ وجَلالَتِهِ وعَظْمَتِهِ وخُصُوصِيَّتِهِ وتَحَقَّقَ حُضُورُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَدَيْنا﴾ دُونَ ”عِنْدَنا“ ولَمّا كانَ أشُدَّ ما عَلى الإنْسانِ مَنعُهُ مِمّا يُرِيدُ مِنَ الِانْبِساطِ بِهِ بِالحَرَكاتِ، قالَ ذاكِرًا ما يُضادُّ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزِّ: ﴿أنْكالا﴾ جَمْعُ نِكْلٍ بِالكَسْرِ وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ الَّذِي لا يُفَكُّ أبَدًا إهانَةً لَهم لا خَوْفًا مِن فِرارِهِمْ، جَزاءً عَلى تَقْيِيدِهِمْ [أنْفُسَهم -] بِالشَّهَواتِ عَنِ اتِّباعِ الدّاعِي وإيساعِهِمْ في المَشْيِ في فَضاءِ الأهْوِيَةِ. ولَمّا كانَ [ذَلِكَ -] مُحَرِّقًا لِلْباطِنِ أتْبَعَهُ حَرِيقَ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿وجَحِيمًا﴾ أيْ نارًا حامِيَةً جِدًّا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ بِما كانُوا (p-٢١)يَتَقَيَّدُونَ [بِهِ -] مِن تَبْرِيدِ الشَّرابِ، والتَّنَعُّمِ بِرَقِيقِ اللِّباسِ والثِّيابِ، وتَكَلُّفِ أنْواعِ الرّاحَةِ.
المزمل 73:13
ولَمّا أتَمَّ ما يُقابِلُ تَكْذِيبَهُمْ، أتْبَعُهُ ما يُقابِلُ النِّعْمَةَ فَقالَ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ أيْ صاحِبَ انْتِشابٍ في الحَلْقِ كالضَّرِيعِ والزَّقُّومِ يَشْتَبِكُ فِيهِ فَلا يُسَوِّغُ: لا يَنْزِلُ ولا يَخْرُجُ بِما كانُوا يُعانُونَهُ مِن تَصْفِيَةِ المَآكِلِ والمَشارِبِ، وإفْراغِ الجُهْدِ في الظَّفَرِ بِجَمِيعِ المَآرِبِ. ولِما خَصَّ عَمَّ فَقالَ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ [مُؤْلِمًا -] شَدِيدَ الإيلامِ لا يَدَعُ لَهم عُذُوبَةً بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا بِما كانُوا يَصِفُونَ بِهِ أوْقاتَهم ويُكَدِّرُونَ عَلى مَن يَدْعُوهم إلى ما يَنْفَعُهم بِالخَلاصِ مِن قُيُودِ المُشاهَداتِ والعُرُوجِ مِن حَضِيضِ الشَّهَواتِ إلى أوْجِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.
المزمل 73:14
ولَمّا ذَكَرَ هَذا العَذابَ ذَكَرَ ظَرْفَهُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ أيْ تَضْطَرِبُ وتَتَزَلْزَلُ زِلْزالًا شَدِيدًا ﴿الأرْضُ﴾ أيْ كُلُّها ﴿والجِبالُ﴾ الَّتِي هي أشَدُّها. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَتِ الأرْضُ قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكانَتِ الجِبالُ﴾ أيِ الَّتِي هي مَراسِي الأرْضِ وأوْتادُها، وعَبَّرَ عَنْ شِدَّةِ الِاخْتِلاطِ والتَّلاشِي بِالتَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ رَمْلًا مُجْتَمِعًا، فَعِيلٌ بِمَعْنى (p-٢٢)مَفْعُولٍ، مِن كَثْبِهِ - إذا جَمَعَهُ، ومادَّةُ كَثَبَ [بِتَرْكِيبِها كَثَبَ - ] وكَبَثَ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ مَعَ القُرْبِ، وتَلْزَمُهُ القِلَّةُ، فَإنَّ حَقِيقَةَ القُرْبِ قِلَّةُ المَسافَةِ زَمانًا أوْ مَكانًا، والنُّعُومَةُ، مَن كَثَبْتُ التُّرابَ: دَرَسْتُهُ، وكَثَبَ عَلَيْهِ - بِمَعْنى حَمَلَ أوْ كَرَّ، مَعْناهُ قارَبَ أنْ يُخالِطَهُ، وكَثِيبُ الرَّمْلِ: قِطْعَةٌ تَنْقادُ مُحْدَوْدِبَةً - ناظِرٌ إلى القِلَّةِ مِن مَعْنى قِطْعَةٍ، وكُلُّ ما انْصَبَّ كَذَلِكَ أيْضًا لِأنَّ الِانْصِبابَ عادَةً يَكُونُ لِما قَلَّ وأمّا نَعَمْ كِثابٌ بِتَقْدِيمِ الثّاءِ وبِتَأْخِيرِها أيْضًا أيْ كَثِيرٌ فَجاءَتْهُ الكَثْرَةُ مِنَ الصِّيغَةِ، والكاثِبَةِ مِنَ الفَرَسِ هو أضْيَقُ مَوْضِعٍ في عَرْضِها، والكُثْبَةُ مِنَ الأرْضِ: المُطَمَئِنَّةُ بَيْنَ الجِبالِ - لِأنَّها تَكُونُ صَغِيرَةً غالِبًا، والكَباثُ كَسَحابٍ: النَّضِيجُ مِن ثَمَرِ الأراكِ، وقِيلَ: ما لَمْ يَنْضَجْ، وقِيلَ: حَمْلُهُ إذا كانَ مُتَفَرِّقًا، فَإنْ أُرِيدَ النَّضِيجُ مِنهُ فَتَسْمِيَتُهُ بِهِ لِأنَّهُ مُجْتَمَعٌ، وإنْ أُرِيدَ ما لَمْ يَنْضَجْ فَهو مِن مُقارَبَةِ النُّضْجِ، وإنْ أُرِيدَ المُتَفَرِّقُ فَلِقُرْبِ بَعْضِهِ (p-٢٣)مِن بَعْضٍ لِأنَّ الأراكَ نَفْسَهُ صَغِيرُ الشَّجَرِ، وكَبَثَ اللَّحْمَ - كَفَرِحَ: باتَ مَغْمُومًا فَتَغَيَّرَ أوْ أرْوَحَ أيْ جَمَعَ عَلى إنائِهِ الَّذِي هو فِيهِ إناءٌ آخَرُ، أوْ جَمْعُ ما هو فِيهِ حَتّى تَضايَقَ فَهو مِنَ الجَمْعِ لِهَذا، وأمّا الكُنْبُثُ كَقُنْفُذِ والثّاءُ مُؤَخَّرَةٌ: الصُّلْبُ الشَّدِيدُ، فَهو في الغالِبِ مِن تَجَمُّعِ أجْزائِهِ وتَداخُلِ بَعْضِها في بَعْضٍ، وتَكْبِيثُ السَّفِينَةِ أنْ تَجْنَحَ إلى الأرْضِ، هو مِنَ الجَمْعِ والقُرْبِ مَعًا، وأمّا كَثَبْتُ كِنانَتَهُ - بِمَعْنى نَكَثَها، فَكانَ فِعْلٌ اسْتُعْمِلَ هُنا لِلْإزالَةِ، أيْ أزالَ اجْتِماعَها أوْ بِمَعْنى أنَّهُ قَرَّبَها مِن رَمْيِهِ بِتَسْيِيرِها لِسُرْعَةِ التَّناوُلِ.
ولَمّا كانَ الكَثِيبُ رُبَّما أُطْلِقَ مَجازًا عَلى ما ارْتَفَعَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ناعِمًا قالَ: ﴿مَهِيلا﴾ أيْ رَمْلًا سائِلًا رِخْوًا لَيِّنًا مَنثُورًا، مَن هالَهُ - إذا نَثَرَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الَّذِي إذا أخَذْتَ مِنهُ شَيْئًا تَبِعَكَ ما بَعْدَهُ،
المزمل 73:15
ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ ووَقَتَهُ وقَدَّمَهُما لِيَكُونَ السّامِعُ أقْبَلَ لِما يُطْلَبُ مِنهُ، أتْبَعَهُما السَّبَبَ فِيهِ مُشِيرًا إلى ما بِهِ إصْلاحُ أمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي فِيها المَعادُ وإلَيْها المُنْتَهى والمَآبُ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنّا أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلَيْكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ شَرَفًا لَكم خاصَّةً، وإلى كُلِّ مَن بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ عامَّةً ﴿رَسُولا﴾ [أيْ-] (p-٢٤)جِدًّا [و - ] هو مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ النَّبِيِّينَ وإمامِهِمْ ﷺ ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِما تَصْنَعُونَ لِيُؤَدِّيَ الشَّهادَةَ عِنْدَ طَلَبِها مِنهُ بِما هو الحَقُّ يَوْمَ نَنْزِعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَن أوَّلِ ما نَزَلَ والدِّينُ ضَعِيفٌ وأهْلُهُ في غايَةِ القِلَّةِ والذِّلَّةِ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ مَن آلَ بِهِ أمْرُهُ إلى أنْ كانَ في زَمانٍ صارَ فِيهِ الدِّينُ غَرِيبًا كَغُرْبَتِهِ إذْ ذاكَ، وكانَ فِرْعَوْنُ أعْتى النّاسِ في زَمانِهِ وأجْبَرَهُمْ، وأشُدَّهم خِداعًا وأمْكَرَهم [و - ] كانَ بَنُو إسْرائِيلَ في غايَةِ الذُّلِّ لَهُ والطَّواعِيَةِ لِأمْرِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي ذَبَحَ فِرْعَوْنُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ في جُمْلَةٍ مَن ذَبَحَهُ لِأنَّهُ قِيلَ لَهُ أنَّهُ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُ القِبْطِ عَلى يَدِهِ أظْهَرَهُ بِهِ وأهْلَكَهُ عَلى قُوَّتِهِ وأنْجى مِنهُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ضَعْفِهِمْ، قالَ [تَعالى -] تَنْبِيهًا لِقُرَيْشٍ والعَرَبِ وغَيْرِهِمْ عَلى أنَّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقاوِيَ ولَوْ أنَّهُ أضْعَفُ الخَلْقِ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِ هَذا الطّاغِيَةِ الَّذِي يَزِيدُ عَلَيْهِمْ بِالمُلْكِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ والأمْوالِ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ (p-٢٥)العَظْمَةِ ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ مَلِكِ مِصْرَ ﴿رَسُولا﴾ ولَعَلَّهُ نَكَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَلا مانِعَ لَهُ مِنهُ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ مَن كانَتْ لَهُ قَبِيلَةٌ تُحامِي عَنْهُ أوْلى بِالنُّصْرَةِ.
المزمل 73:16
ولَمّا كانَ الإرْسالُ سَبَبًا لِلْقَبُولِ أوِ الرَّدِّ قالَ: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن تَعَوُّجِ الطِّباعِ ﴿الرَّسُولَ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنّا أرْسَلْناهُ إلَيْهِ فَصارَ مَعْهُودًا لَكم بَعْدَ ما أراهُ مِنَ المُعْجِزاتِ البَيِّناتِ والآياتِ الدّامِغاتِ - بِما أشارَ إلَيْهِ مَظْهَرُ العَظَمَةِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ عِصْيانِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ أخَذَ وقَهَرَ وغَضِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخْذًا وبِيلا﴾ أيْ ثَقِيلًا شَدِيدًا مُتْعَبًا مُضِيقًا رَدِيءَ العاقِبَةِ مِن قَوْلِهِمْ: طَعامٌ وبِيلٌ - إذا كانَ وخِمًا لا يُسْتَمْرَأُ أيْ لا يَنْزِلْ في المَرِّيءِ ولا يَخَفْ عَلَيْهِ، وذَلِكَ بِأنْ أهْلَكْناهُ ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ لَمْ نَدَعْ مِنهم أحَدًا - وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في ”ألَمْ نَشْرَحْ“ قاعِدَةُ إعادَةِ النَّكِرَةِ والمَعْرِفَةِ.
المزمل 73:17
ولَمّا عَلِمَ بِهَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ شَدِيدَ الأخْذِ، وأنَّهُ لا يُغْنِي ذا الجِدِّ مِنهُ الجِدُّ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُحَذِّرًا لَهُمُ الِاقْتِداءَ بِفِرْعَوْنَ: (p-٢٦)﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أيْ تُوجِدُونَ الوِقايَةَ الَّتِي تَقِي أنْفُسَكُمْ، و[لَمّا -] كانَ التَّنْفِيرُ مِن سَبَبِ التَّهْدِيدِ أهَمَّ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى رَحْمَةِ المُحَذِّرِ وأبْعَثُ عَلى اجْتِنابِهِ، قالَ مُشِيرًا بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ كَفْرَهم بِاللَّهِ مَعَ ما نَصَبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ المُؤَيِّدَةِ بِالنَّقْلِيَّةِ يَنْبَغِي أنْ لا يُوجَدُ بِوَجْهٍ، وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: ﴿إنْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أوْقَعْتُمُ السِّتْرَ لِما غُرِسَ في فِطَرِكم مِن أنْوارِ الدَّلائِلِ القائِدَةِ إلى الإيمانِ فَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم - عَلى أنَّ العِبارَةَ مُشِيرَةٌ إلى أنَّهُ عَفا عَنْهُمُ الكُفْرَ الماضِي فَلا يَعُدُّهُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً مِنهُ وكَرَمًا ولا يُعَدُّ عَلَيْهِمْ إلّا ما أوْقَعُوهُ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿يَوْمًا﴾ [أيْ -] هو مَثَلٌ في الشِّدَّةِ بِحَيْثُ [إنَّهُ -] يُقالُ فِيهِ ﴿يَجْعَلُ﴾ لِشِدَّةِ أهْوالِهِ وزِلْزالِهِ وأوْجالِهِ ﴿الوِلْدانَ﴾ أيْ عِنْدَ الوِلادَةِ أوْ بِالقُرْبِ مِنها ﴿شِيبًا﴾ جَمْعُ أشْيَبَ وهو مِنِ ابْيَضَّ شَعْرُهُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ أنَّ عَنْ كَثْرَةِ الهُمُومِ فِيهِ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّها إذا تَفاقَمَتْ أسْرَعَتْ بِالشَّيْبِ، والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَجْعَلُوا لَهم وِقايَةً بِغايَةِ جُهْدِهِمْ تَقِيهِمْ عَذابَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْصُوفِ بِهَذا الهَوْلِ الأعْظَمِ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: «يا آدَمُ قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٍ وتِسْعِينَ» وأسْنَدَ الجَعْلَ إلى اليَوْمِ لِكَوْنِهِ واقِعًا فِيهِ كَما جَعَلَهُ المُتَّقِي، وإنَّما المُتَّقِي العَذابُ الواقِعُ فِيهِ.
المزمل 73:18
(p-٢٧)ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا، صَوَّرَ بَعْضَ أهْوالِهِ زِيادَةً في عِظَمِهِ فَقالَ: ﴿السَّماءُ﴾ أيْ عَلى عِظَمِها وعُلُوِّها وشِدَّةِ إحْكامِها. ولَمّا كانَ المُرادُ الجِنْسَ الشّامِلَ لِلْكُلِّ ذَكَرَ فَقالَ: ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ أيْ مُنْشَقٌّ مُتَزايِلٌ مِن هَيْبَةِ الرَّبِّ تَزايُلَ المُتَفَرِّطِ مِنَ السِّلْكِ، ولَوْ أنَّثَ لَكانَ ظاهِرًا في واحِدَةٍ مِنَ السَّماواتِ، وفي اخْتِيارِ التَّذْكِيرِ أيْضًا لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهي إفْهامُ الشِّدَّةِ الزّائِدَةِ في الهَوْلِ المُؤَدِّي إلى انْفِطارِهِ ما هو في غايَةِ الشِّدَّةِ لِأنَّ الذَّكَرَ في كُلِّ شَيْءٍ أشَدُّ مِنَ الأُنْثى، وذَلِكَ كُلُّهُ تَهْوِيلًا لِلْيَوْمِ المَذْكُورِ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِشِدَّةٍ ذَلِكَ اليَوْمِ وباؤُهُ لِلْآلَةِ، ويَجُوزُ كَوْنُها بِمَعْنى ”فِيهِ“ أيْ يَحْصُلُ فِيهِ التَّفَطُّرُ والتَّشَقُّقُ بِالغَمامِ ونُزُولِ المَلائِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّساقُطِ والوَهْيِ عَلى شِدَّةِ وثاقَتِها فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها.
ولَمّا كانَ هَذا عَظِيمًا، اسْتَأْنَفَ بَيانَ هَوانِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ﴿كانَ﴾ أيْ عَلى [كُلِّ -] حالٍ وبِكُلِّ اعْتِبارٍ ﴿وعْدُهُ﴾ أيْ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في مَظاهِرِ العَظَمَةِ، فالإضافَةُ لِلْمَصْدَرِ عَلى الفاعِلِ ﴿مَفْعُولا﴾ أيْ سَهْلًا مَفْرُوغًا مِنهُ في أيْ شَيْءٍ كانَ، فَكَيْفَ إذا كانَ بِهَذا اليَوْمِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ، (p-٢٨)أوِ الضَّمِيرِ لِلْيَوْمِ فالإضافَةُ إلى المَفْعُولِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الوَعْدَ الواقِعَ بِهِ وفِيهِ لا بُدَّ مِنهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ.
المزمل 73:19
ولَمّا كانَ ما مَضى مِن هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ مُرْشِدًا إلى مَعالِي الأخْلاقِ مُنْقِذًا مِن كُلِّ سُوءٍ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها وأنَّها مِمّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيِ القِطْعَةَ المُتَقَدِّمَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ تَذْكِيرٌ عَظِيمٌ هو أهْلٌ لِأنْ يَتَّعِظَ بِهِ المُتَّعِظُ ويَعْتَبِرَ بِهِ المُعْتَبِرُ، ولا سِيَّما ما ذَكَّرَ فِيها بِأهْلِ الكُفْرِ مِن أنْواعِ العِقابِ. ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْإنْسانِ عَقْلًا يُدْرِكُ بِهِ الحَسَنَ والقَبِيحَ، واخْتِيارًا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ اتِّباعِ ما يُرِيدُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مانِعٌ مِن جِهَةِ اخْتِيارِ الأصْلَحِ والأحْسَنِ إلّا قَسْرُ المَشِيئَةِ الَّتِي لا اطِّلاعَ لَهُ عَلَيْها ولا حِيلَةَ [لَهُ -] فِيها، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيِ التَّذَكُّرَ لِلِاتِّعاظِ ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ أخَذَ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ أيْ خاصَّةً، لا إلى غَيْرِهِ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ طَرِيقًا يَسْلُبُهُ حُظُوظَهُ لِكَوْنِهِ لا لَبْسَ فِيهِ، فَيَسَلَكُ عَلى وفْقِ ما جاءَهُ مِنَ التَّذْكِرَةِ، وذَلِكَ الِاعْتِصامُ حالَ السَّيْرِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى وفْقِ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، ومَتى زاغَ عَنْ ذَلِكَ هَلَكَ.
المزمل 73:20
ولَمّا كانَ رُبَّما تَغالى بَعْضُ النّاسِ في العِبادَةِ وشُقَّ عَلى نَفْسِهِ، (p-٢٩)ورُبَّما شُقَّ عَلى غَيْرِهِ، أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى الِاقْتِصادِ تَخْفِيفًا لِما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِنَ النَّصْبِ، مُشِيرًا إلى ما يَعْمَلُ حالَةَ اتِّصالِ الرُّوحِ بِالجَسَدِ وهي حالَةُ الحَياةِ، لِأنَّ مَنفَعَتَها التَّزَوُّدُ مِن كُلِّ خَيْرٍ لِما أدْناهُ هَوْلُ المَقابِرِ، فَإنَّ الرُّوحَ في غايَةِ اللَّطافَةِ، والسُّجَّدُ في غايَةِ الكَثافَةِ، لِأنَّها مِن عالَمِ الأمْرِ، وهو ما يَكُونُ الإيجادُ فِيهِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَدْرِيجٍ وتَطْوِيرٍ والجَسَدُ مِن عالَمِ الخُلُقِ فَهي غَرِيبَةٌ فِيهِ تَحْتاجُ إلى التَّأْنِيسِ وتَأْنِيسِها بِكُلِّ ما يُقَرِّبُها إلى العالِمِ الرُّوحانِيِّ المُجَرَّدِ عَنْ عَلائِقِ الأجْسامِ، وذَلِكَ بِصَرْفِ القَلْبِ كُلِّهِ عَنْ هَذِهِ الدَّنايا والتَّلَبُّسِ بِالأذْكارِ والصَّلَواتِ وجَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحاتِ، فَإنَّ ذَلِكَ هو المُعِينُ عَلى اتِّصالِها بِعالَمِها العالِي العَزِيزِ الغالِي، وأعُونُ ما يَكُونُ عَلى ذَلِكَ الحِكْمَةُ، وهي العَدْلُ في الأعْمالِ والِاقْتِصادُ في الأقْوالِ والأفْعالِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا الجَوابَ عَنْ تَيْسِيرِ السَّبِيلِ وبِنائِهِ عَلى الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ بِحَيْثُ صارَ لا مانِعَ مِنهُ إلّا يَدُ القُدْرَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُدَبِّرَ لِأمْرِكَ عَلى ما يَكُونُ إحْسانًا إلَيْكَ ورِفْقًا بِكَ وبِأُمَّتِكَ ﴿يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ أيْ في الصَّلاةِ كَما أمَرْتَ بِهِ أوَّلَ السُّورَةِ.
ولَمّا كانَتْ كَثْرَةُ العَمَلِ مَمْدُوحَةً وقِلَّتُهُ بِخِلافٍ ذَلِكَ، اسْتَعارَ لِلْأقَلِّ [قَوْلَهُ-]: ﴿أدْنى﴾ أيْ زَمانًا أقَلَّ، والأدْنى مُشْتَرَكٌ (p-٣٠)بَيْنَ الأقْرَبِ، والأدْوَنِ لِلْأنْزَلِ رُتْبَةً لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَلْزَمُ مِنهُ قِلَّةُ المَسافَةِ ﴿مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ في بَعْضِ اللَّيالِي ﴿ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ [أيْ -] وأدْنى مِن كُلٍّ مِنهُما في بَعْضِ اللَّيالِي - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، والمَعْنى، عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ والكُوفِيِّينَ بِالنَّصْبِ تَعْيِينُ النِّصْفِ والثُّلُثِ الدّاخِلِ تَحْتَ الأدْنى مِنَ الثُّلُثَيْنِ، وهو عَلى القِراءَتَيْنِ مُطابِقٌ لِما وقَعَ التَّخْيِيرُ فِيهِ في أوَّلِ السُّورَةِ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ بِتَمامِهِ أوِ النّاقِصِ مِنهُ وهو الثُّلْثُ أوِ الزّائِدُ عَلَيْهِ وهو الثُّلُثانِ، أوِ الأقَلُّ مِنَ الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ وهو الرُّبُعُ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ قِيامَهُ ﷺ، أتْبَعُهُ قِيامَ أتْباعِهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في تَقُومُ وحَسَّنَهُ الفَصْلُ: ﴿وطائِفَةٌ﴾ أيْ ويَقُومُ كَذَلِكَ جَماعَةٌ فِيها أهْلِيَّةِ التَّحَلُّقِ بِإقْبالِهِمْ عَلَيْكَ وإقْبالِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ولَمّا كانَتِ العادَةُ أنَّ الصّاحِبَ رُبَّما أطْلَقَ [عَلى -] مَن مَعَ الإنْسانِ بِقَوْلِهِ دُونَ قَلْبِهِ عَدَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أيْ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، أيْ عَلى الإسْلامِ، وكَأنَّهُ (p-٣١)اخْتارَ هَذا دُونَ أنْ يَقُولَ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُ يَفْهَمُ أنَّ طائِفَةً لَمْ تَقُمْ بِهَذا القِيامِ فَلَمْ يُرِدْ أنْ يُسَمِّيَهم مُسْلِمِينَ، والمَعِيَّةُ أعَمُّ.
ولَمّا كانَ القِيامُ - عَلى هَذا التَّفاوُتِ مَعَ الِاجْتِهادِ في السَّبْقِ في العِبادَةِ دالًّا عَلى عَدَمِ العِلْمِ بِالمَقادِيرِ ما هي عَلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ تَقُومُونَ هَكَذا لِعَدَمِ عِلْمِكم بِمَقادِيرِ السّاعاتِ عَلى التَّحْرِيرِ والحالُ أنَّ المَلِكَ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا وحْدَهُ ﴿يُقَدِّرُ﴾ أيْ تَقْدِيرًا عَظِيمًا هو في غايَةِ التَّحْرِيرِ ﴿اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَيَعْلَمُ كُلَّ دَقِيقَةٍ مِنهُما عَلى ما هي عَلَيْهِ لِأنَّهُ خالِقُهُما ولا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنهُما إلّا بِهِ ”﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]“ .
ولَمّا عَلِمَ مِن هَذا المَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ في قِيامِ اللَّيْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ عِلْمًا وعَمَلًا، تَرْجَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أيْ تُطِيقُوا التَّقْدِيرَ عِلْمًا وعَمَلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا» ﴿فَتابَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا العِلْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَجَعَ بِالنَّسَخِ عَمّا كانَ أوْجَبَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بِالتَّرْخِيصِ لَكم في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ أوَّلِ السُّورَةِ، أيْ رَفَعَ التَّبِعَةَ عَنْكم في تَرْكِ القِيامِ عَلى ذَلِكَ (p-٣٢)التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ كَما رَفَعَ عَنِ التّائِبِ، وكَأنَّهُ سَمّاهُ تَوْبَةً وإنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ مَعْصِيَةً إشارَةً إلى أنَّهُ مِن شَأْنِهِ لِثِقَلِهِ أنْ يُجَرَّ إلى المَعْصِيَةِ.
ولَمّا رَفَعَهُ سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَهم بِما يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ فَقالَ مُعَبِّرًا عَنِ الصَّلاةِ بِالقِراءَةِ لِأنَّها أعْظَمُ أرْكانِها إشارَةً إلى أنَّ التَّهَجُّدَ مُسْتَحَبٌّ لا واجِبٌ: ﴿فاقْرَءُوا﴾ أيْ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿ما تَيَسَّرَ﴾ أيْ سَهُلَ وهانَ إلى الغايَةِ عَلَيْكم ولانَ وانْقادَ لَكم ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ أيِ الكِتابِ الجامِعِ لِجَمِيعِ ما يَنْفَعُكُمْ، قالَ القُشَيْرِيُّ: يُقالُ: مِن خَمْسِ آياتٍ إلى ما زادَ، ويُقالُ: مِن عَشْرِ آياتٍ إلى ما يَزِيدُ، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِالبَصْرَةِ، فَقَرَأ في أوَّلِ رَكْعَةٍ بِالحَمْدِ وأوَّلِ آيَةٍ مِنَ البَقَرَةِ، ثُمَّ قامَ في الثّانِيَةِ فَقَرَأ بِالحَمْدِ والآيَةِ الثّانِيَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ أمَرَ بِالقِراءَةِ مُجَرَّدَةً إقامَةً [لَها -] مَقامَ ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلاةِ بِزِيادَةٍ في التَّخْفِيفِ، ولِذَلِكَ رَوى أبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قامَ بِعَشْرِ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ، ومَن قامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ، ومَن قامَ بِألْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِينَ» قالَ المُنْذِرِيُّ: مِن سُورَةِ المُلْكِ إلى آخِرِ القُرْآنِ ألْفَ آيَةٍ. (p-٣٣)ولَمّا كانَ هَذا نَسْخًا لَما كانَ واجِبًا مِن قِيامِ اللَّيْلِ أوَّلَ السُّورَةِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ إحْصائِهِ، فَسِرُّ ذَلِكَ العِلْمِ المُجْمَلِ بِعِلْمٍ مُفَصَّلٍ بَيانًا لِحِكْمَةٍ أُخْرى لِلنَّسْخِ فَقالَ: ﴿عَلِمَ أنْ﴾ أيْ أنَّهُ ﴿سَيَكُونُ﴾ يَعْنِي بِتَقْدِيرٍ لا بُدَّ لَكم مِنهُ ﴿مِنكم مَرْضى﴾ جَمْعُ مَرِيضٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ، فَفي هَذِهِ بِشارَةٌ بِأنَّ أهْلَ الإسْلامِ يَكْثُرُونَ جِدًّا.
ولَمّا ذَكَرَ عُذْرَ المَرِيضِ وبَدَأ بِهِ لِكَوْنِهِ أعَمَّ ولا قُدْرَةَ لِلْمَرِيضِ عَلى دَفْعِهِ، أتْبَعَهُ السَّفَرَ لِلتِّجارَةِ لِأنَّهُ يَلِيهِ في العُمُومِ، فَقالَ مُبَشِّرًا مَعَ كَثْرَةِ أهْلِ الإسْلامِ بِاتِّساعِ الأرْضِ لَهُمْ: ﴿وآخَرُونَ﴾ أيْ غَيْرُ المَرْضى ﴿يَضْرِبُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ الضَّرْبَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ يُسافِرُونَ لِأنَّ الماشِيَ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ يَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلِهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ عِلَّةِ الضَّرْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ طَلَبًا شَدِيدًا، وأشارَ إلى سِعَةِ ما عِنْدَ اللَّهِ بِكَوْنِهِ فَوْقَ أمانِيهِمْ فَقالَ: ﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أيْ بَعْضَ ما أوْجَدَهُ المَلِكُ الأعْظَمُ لِعِبادِهِ ولا حاجَةَ بِهِ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الرِّبْحِ في التِّجارَةِ أوْ تَعَلُّمِ العِلْمِ ﴿وآخَرُونَ﴾ أيْ مِنكم أيُّها المُسْلِمُونَ ﴿يُقاتِلُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ ويُوقِعُونَ قَتْلَ أعْداءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (p-٣٤)﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ ذَلِكَ القَتْلُ مَظْرُوفٌ لِطَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ لِيَزُولَ عَنْ سُلُوكِهِ المانِعِ لِقَتْلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ المَعْنَوِيِّ والحِسِّيِّ، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْظِيمًا لِلْجِهادِ ولِئَلّا يَلْبَسَ بِالعُودِ إلى المَتْجَرِ، وهو نَدْبٌ لَنا مِنَ اللَّهِ إلى رَحْمَةِ العِبادِ والنَّظَرِ في أعْذارِهِمْ، فَمَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ، قالَ البَغَوِيُّ: رَوى إبْراهِيمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أيُّما رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا مِن مَدِينَةٍ مِن مَدائِنِ المُسْلِمِينَ صابِرًا مُحْتَسِبًا فَباعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ كانَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ الشُّهَداءِ، ثُمَّ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ﴾ الآيَةُ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ مَوْتَةً أُمُوتُها بَعْدَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتِي رِجْلٍ أضْرِبُ في الأرْضِ أبْتَغِي مِن فَضْلِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ أعْذارًا أُخْرى مُقْتَضِيَةً لِلتَّرْخِيصِ أوْ أسْبابًا لِعَدَمِ الإحْصاءِ، رَتَّبَ عَلَيْها الحُكْمَ السّابِقَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِلْقِراءَةِ بَيانًا لِمَزِيدِ عَظَمَتِها: ﴿فاقْرَءُوا﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنكم ﴿ما تَيَسَّرَ﴾ أيْ لَكم ﴿مِنهُ﴾ أيِ القُرْآنُ، أضْمَرَهُ إعْلامًا بِأنَّهُ عَيْنُ السّابِقِ، فَصارَ الواجِبُ قِيامَ شَيْءٍ مِنَ اللَّيْلِ عَلى وجْهِ التَّيْسِيرِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. ولَمّا كانَ صالِحًا لِأنْ يُرادَ [بِهِ -] الصَّلاةَ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ أرْكانِها وأنْ يُرادَ بِهِ نَفْسُهُ مِن غَيْرِ صَلاةِ زِيادَةٍ في التَّخْفِيفِ، قالَ تَرْجِيحًا لِإرادَةِ هَذا الثّانِي (p-٣٥)أوْ تَنْصِيصًا عَلى إرادَةِ الأوَّلِ: ﴿وأقِيمُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا إقامَةَ ﴿الصَّلاةَ﴾ المَكْتُوبَةَ بِجَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي تَقُومُ بِها مِن أرْكانِها وشُرُوطِها ومُقَدِّماتِها ومُتَمِّماتِها وهَيْئاتِها ومُحْسِناتِها ومُكْمِلاتِها.
ولَمّا ذَكَّرَ بِصِفَةِ الخالِقِ الَّتِي هي [أحَدُ -] عَمُودَيِ الإسْلامِ البَدَنِيِّ والمالِيِّ، أتْبَعُها العَمُودُ الآخَرُ وهو الوَصْلَةُ بَيْنَ الخَلائِقِ فَقالَ: ﴿وآتُوا﴾ مِن طِيبِ أمْوالِكُمُ الَّتِي أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْكم ﴿الزَّكاةَ﴾ أيِ المَفْرُوضَةِ، ولَمّا كانَ المُرادُ الواجِبَ المَعْرُوفَ، أتْبَعَهُ سائِرَ الإنْفاقاتِ المَفْرُوضَةِ والمَندُوبَةِ، فَقالَ: ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها الغِنى المُطْلَقُ، مِن أبْدانِكم وأمْوالِكم في أوْقاتِ صِحَّتِكم ويَسارِكم ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مِن نَوافِلِ الخَيْراتِ كُلِّها في جَمِيعِ شَرْعِهِ بِرَغْبَةٍ تامَّةٍ وعَلى هَيْئَةٍ جَمِيلَةٍ في ابْتِدائِهِ وانْتِهائِهِ وجَمِيعِ أحْوالِهِ، فَإنَّهُ مَحْفُوظٌ لَكم عِنْدَهُ مُبارَكٌ فِيهِ لِيَرُدَّهُ عَلَيْكم مُضاعَفًا أحْوَجَ ما تَكُونُونَ إلَيْهِ.
ولَمّا كانَ هَذا الدِّينُ جامِعًا، وكانَ هَذا القُرْآنُ حَكِيمًا لِأنَّ مَنزِلَهُ لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَأمَرَ في هَذِهِ الجُمَلِ بِأُمَّهاتِ الأعْمالِ اهْتِمامًا بِها، (p-٣٦)أتْبَعَ ذَلِكَ أمْرًا عامًّا بِجَمِيعِ شَرائِعِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما تُقَدِّمُوا﴾ وحَثَّ عَلى إخْلاصِ النِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً سَلَفًا لِأجْلِ ما بَعْدَ المَوْتِ لا تَقْدِرُونَ عَلى الأعْمالِ ﴿مِن خَيْرٍ﴾ أيْ أيِّ خَيْرٍ كانَ مِن عِباداتِ البَدَنِ والمالِ ﴿تَجِدُوهُ﴾ مَحْفُوظًا لَكم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿هُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ ﴿خَيْرًا﴾ أيْ لَكُمْ، وجازَ وُقُوعُهُ الفَصْلَ بَيْنَ غَيْرِ مَعْرِفَتَيْنِ لِأنَّ ”أفْعَلَ مِن“ كالمَعْرِفَةِ، ولِذَلِكَ يَمْنَعُ دُخُولَ أداةِ التَّعْرِيفِ عَلَيْها.
ولَمّا كانَ [كُلُّ -] مَن عَمِلَ خَيْرًا جُوزِيَ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في الحَياةِ سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ مُسْلِمًا مُخْلِصًا أوْ لا، إنْ كانَ مُخْلِصًا كانَ جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، وإلّا فَفي الدُّنْيا، [قالَ-]: ﴿وأعْظَمَ أجْرًا﴾ أيْ مِمّا لِمَن أوْصى في مَرَضِ المَوْتِ، و[كانَ -] بِحَيْثُ يُجازى بِهِ في الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا عَمِلَ ما يُمْدَحُ عَلَيْهِ ولا سِيَّما إذا كانَ المادِحُ (p-٣٧)لَهُ رَبَّهُ رُبَّما أدْرَكَهُ الإعْجابُ، بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ بِوَجْهٍ عَلى أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، فَلا يَزالُ مُقَصِّرًا فَلا يَسَعُهُ إلّا العَفْوُ بَلِ الغَفْرُ فَقالَ حاثًّا عَلى أنْ يَكُونَ خِتامُ الأعْمالِ بِالِاسْتِغْفارِ والِاعْتِرافِ بِالتَّقْصِيرِ في خِدْمَةِ المُتَكَبِّرِ الجَبّارِ مُشِيرًا إلى حالَةِ انْفِصالِ رُوحِهِ عَنْ بَدَنِهِ وأنَّ صَلاحَها الرّاحَةُ مِن كُلِّ شَرٍّ: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ أيِ اطْلُبُوا وأوْجِدُوا سَتْرَ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا تُحِيطُونَ بِمَعْرِفَتِهِ [فَكَيْفَ -] بِأداءِ حَقِّ خِدْمَتِهِ لِتَقْصِيرِكم عَيْنًا وأثَرًا بِفِعْلِ ما يُرْضِيهِ واجْتِنابِ ما يُسْخِطُهُ.
ولَمّا عَلِمَ مِنَ السِّياقِ ومِنَ التَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ بالِغٌ في العَظَمَةِ إلى حَدٍّ يُؤَيِّسُ مِن إجابَتِهِ، عَلَّلَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَقْرِيبًا لِما يَسْتَبْعِدُهُ مَن يَسْتَحْضِرُ عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ وشَدَّةَ انْتِقامِهِ وقُوَّةَ بَطْشِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ وأظْهَرَ إعْلامًا بِأنَّ صِفاتَهُ لا تَقْتَصِرُ آثارُها عَلى المُسْتَغْفِرِينَ ولا عَلى مُطْلَقِ السّائِلِينَ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بالِغُ السَّتْرِ لِأعْيانِ الذُّنُوبِ وآثارِها حَتّى لا يَكُونَ عَلَيْها عِتابٌ ولا عِقابٌ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ الإكْرامِ بَعْدَ السَّتْرِ إفْضالًا وإحْسانًا وتَشْرِيفًا وامْتِنانًا، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى شَرْحِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما أُوتِيَ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ «[اللَّهُمَّ -] أصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هو عِصْمَةُ أمْرِي وأصْلِحْ في دُنْيايَ الَّتِي فِيها مَعاشِي وأصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْها (p-٣٨)مُنْقَلَبِي واجْعَلِ الحَياةَ زِيادَةً لِي في كُلِّ خَيْرٍ واجْعَلِ المَوْتَ راحَةً لِي مِن كُلِّ شَرٍّ» كَما أُشِيرَ إلى كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها في مَحَلِّها، ولَقَدْ رَجَعَ آخِرَ السُّورَةِ - بِالتَّرْغِيبِ في العَمَلِ وذِكْرِ جَزائِهِ - عَلى أوَّلِها الأمْرُ بِالقِيامِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِإشارَةِ الِاسْتِغْفارِ إلى عِظَمِ المَقامِ وإنْ جَلَّ العَمَلُ ودامَ وإنْ كانَ بِالقِيامِ في ظَلامِ اللَّيالِي والنّاسُ نِيامٌ، فَسُبْحانَهُ مَن لَهُ هَذا الكَلامُ المُعْجِزُ لِسائِرِ الأنامِ لِإحاطَتِهِ بِالجَلالِ والإكْرامِ، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ جابِرِ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ.
المدثر 74:1
(p-٣٩)سُورَةُ المُدَّثِرِ
مَقْصُودُها الجِدُّ والِاجْتِهادُ في الإنْذارِ بِدارِ البَوارِ لِأهْلِ الِاسْتِكْبارِ، وإثْباتِ البَعْثِ في أنْفُسِ المُكَذِّبِينَ الفُجّارِ، والإشارَةُ بِالبِشارَةِ لِأهْلِ الِادِّكارِ، بِحِلْمِ العَزِيزِ الغَفّارِ، واسْمُها المُدَّثِرُ أدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ واضِحٌ لِمَن تَأمَّلَ النِّداءَ والمُنادى بِهِ والسَّبَبَ ( بِسْمِ اللَّهِ) المَلِكِ الأعْلى الواحِدِ القَهّارِ ( الرَّحْمَنِ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَتَيِ الإيجادِ والبَيانِ الأبْرارِ والفُجّارِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ أصْفِيائِهِ بِالِاسْتِبْصارِ، والتَّوْفِيقِ إلى ما يُوصَلُ إلى دارِ القَرارِ.
* *
لَمّا خُتِمَتِ ”المُزَّمِّلُ“ بِالبِشارَةِ لِأرْبابِ البِصارَةِ بَعْدَما بُدِئَتْ بِالِاجْتِهادِ في الخِدْمَةِ المَهَيَّئِ لِلْقِيامِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ، افْتُتِحَتْ هَذِهِ [بِمَحَطِّ -] حِكْمَةِ الرِّسالَةِ وهي النِّذارَةُ لِأصْحابِ الخَسارَةِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِما فِيهِ بِشارَةٌ بِالسِّعَةِ في المالِ والرِّجالِ والصَّلاحِ وحُسْنِ الحالِ في الحالِ والمَآلِ، ومُعَرِّفًا بِأنَّ المُخاطَبَ في غايَةِ اليَقَظَةِ بِالقَلْبِ وإنْ (p-٤٠)سَتَرَ القالِبَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ المُشْتَمِلُ بِثَوْبِهِ، مَن تَدَثَّرَ بِالثَّوْبِ: اشْتَمَلَ بِهِ، والدِّثارُ - بِالكَسْرِ ما فَوْقَ الشِّعارِ مِنَ الثِّيابِ، والشِّعارُ ما لاصِقَ البَدَنِ «الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ» والدُّثُرُ: المارُّ الكَثِيرُ، ودَثَرَ الشَّجَرُ: أوْراقٌ، وتَدْثِيرُ الطّائِرِ: إصْلاحُهُ عُشَّهُ، والتَّعْبِيرُ بِالأداةِ الصّالِحَةِ لِلْقُرْبِ والبُعْدِ يُرادُ بِهِ غايَةَ القُرْبِ بِما عَلَيْهِ السِّياقُ وإنْ كانَ التَّعْبِيرُ بِالأداةِ فِيهِ نَوْعُ سِتْرٍ لِذَلِكَ مُناسِبَةً لِلتَّدَثُّرِ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِها لِأنَّهُ لا يُقالُ بَعْدَها إلى ما جَلَّ وعَظُمَ مِنَ الأُمُورِ، وكانَ الدِّثارُ لَمْ يَعُمَّ بَدَنَهُ الشَّرِيفَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالإدْغامِ دُونَ الإظْهارِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ لِأنَّ المُرادَ إنَّما كانَ سَتْرُ العَيْنِ لِيَجْتَمِعَ القَلْبُ، فَيَكْفِي في ذَلِكَ سِتْرُ الرَّأْسِ وما قارَبَهُ مِنَ البَدَنِ، والإدْغامُ شَدِيدُ المُناسَبَةِ لِلدِّثارِ.
المدثر 74:2
ولَمّا كانَ [فِي -] حالِ تَدَثُّرِهِ قَدْ لَزِمَ مَوْضِعًا واحِدًا فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ إخْفاءُ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ، أمَرَهُ ﷺ بِالقِيامِ، وسَبَّبَ عَنْهُ الإنْذارَ إشارَةً إلى أنَّ ما يُرادُ بِهِ مِن أنَّهُ يَكُونُ أشْهَرَ الخَلْقِ بِالرِّسالَةِ العامَّةِ مُقْتَضٍ لِتَشْمِيرِ الذَّيْلِ والحَمْلِ عَلى النَّفْسِ بِغايَةِ الجِدِّ والِاجْتِهادِ اللّازِمِ عَنْهُ كَثْرَةُ الِانْتِشارِ، فَهو مُنافٍ لِلتَّدَثُّرِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ فَقالَ: ﴿قُمْ﴾ أيْ مُطْلَقُ قِيامٍ، ولا سِيَّما مِن مَحَلِّ تَدَثُّرِكَ بِغايَةِ العَزْمِ والجِدِّ. (p-٤١)ولَمّا كانَ الأمْرُ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِهِ والنّاسُ قَدْ عَمَّهُمُ الفَسادُ، ذَكَرَ أحَدُ واصِفِي الرِّسالَةِ إيذانًا بِشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ قِيامِهِ: ﴿فَأنْذِرْ﴾ أيْ فافْعَلِ الإنْذارَ لِكُلِّ مَن يُمْكِنُ إنْذارُهُ فَأنْذَرَ مَن كانَ راقِدًا في غَفَلاتِهِ، مُتَدَثِّرًا بِأثْوابِ سَكَراتِهِ، لاهِيًا عَمّا أمامَهُ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وكَذا مَن كانَ مُسْتَيْقِظًا ولَكِنَّهُ مُتَدَثِّرٌ بِأثْوابِ تَشْوِيفاتِهِ وأغْشِيَتِهِ فَتَراتِهِ، فَإنَّهُ [يَجِبُ -] عَلى كُلِّ مَرْبُوبٍ أنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ وإلّا عاقَبَهُ بِعِنادِهِ لَهُ أوْ غَفْلَتِهِ عَنْهُ بِما أقَلُّهُ الإعْراضُ عَنْهُ، وحَذَفَ المَفْعُولَ إشارَةً إلى عُمُومِ الإنْذارِ لِكُلِّ مَن يُمْكِنُ مِنهُ المُخالَفَةُ عَقْلًا وهم جَمِيعُ الخَلْقِ، وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ كانَ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ونَحْوِها فَكانَ بِذَلِكَ نَبِيًّا ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ [الآيَةُ -] فَكانَ بِها رَسُولًا، وذَلِكَ أنَّهُ نُودِيَ وهو في جَبَلِ حِراءٍ، فَلَمّا سَمِعَ الصَّوْتَ نَظَرَ يَمِينًا وشِمالًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جالِسٌ عَلى عَرْشٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَفَرَقَ مِن ذَلِكَ أشَدَّ الفَرَقِ، (p-٤٢)فَبادَرَ المَجِيءَ إلى البَيْتِ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ وقالَ:
«دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، لَقَدْ خَشِيتُ عَلى نَفْسِي، صُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا» .
المدثر 74:3
ولَمّا كانَ الإنْذارُ يَتَضَمَّنُ مُواجَهَةَ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ عَظِيمٌ عَلى الإنْسانِ، وكانَ المُفْتِرُ عَنِ اتِّباعِ الدّاعِي أحَدُ أمْرَيْنِ: تَرْكُهُ مِمّا يُؤْمَرُ بِهِ، وطَلَبُهُ عَلَيْهِ الأجْرَ، كَما أنَّ المُوجِبَ لِاتِّباعِهِ عَمَلُهُ بِما دَعا إلَيْهِ، وبُعْدُهُ عَنْ أخْذِ الأجْرِ عَلَيْهِ، أمْرُهُ بِتَعْظِيمِ مَن أرْسَلَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ إذا عَظَّمَ حُقَّ تَعْظِيمِهِ صَغُرَ كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، فَهانَ عَلَيْهِ الدُّعاءُ وكانَ لَهُ مُعِينًا عَلى القَبُولِ فَقالَ: ﴿ورَبَّكَ﴾ أيِ المُرَبِّي لَكَ خاصَّةً ﴿فَكَبِّرْ﴾ أيْ وقُمْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قِيامِكَ بِغايَةِ الجِدِّ والِاجْتِهادِ أنْ تَصِفَهُ وحْدَهُ بِالكِبْرِياءِ قَوْلًا واعْتِقادًا عَلى كُلِّ حالٍ، وذَلِكَ تَنْزِيهُهُ عَنِ الشِّرْكِ أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ، وكَذا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِن وصْلٍ وفَصْلٍ، ومِن سُؤالِ غَيْرِهِ، والِاشْتِغالِ بِسِواهُ.
[و - ] قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: مُلاءَمَتُها لِسُورَةِ المُزَّمِّلِ واضِحَةٌ، واسْتِفْتاحُ السُّورَتَيْنِ مِن نَمَطٍ واحِدٍ، وما ابْتُدِئَتْ بِهِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَلِيلِ خِطابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَظِيمِ تَكْرِيمِهِ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] والأمْرُ فِيهِما بِما يَخُصُّهُ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] الآيِ، وفي الأُخْرى ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] (p-٤٣)﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أتْبَعَتْ في الأوْلى بِقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] وفي الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] وكُلُّ ذَلِكَ قَصْدٌ واحِدٌ، واتَّبَعَ أمْرَهُ بِالصَّبْرِ في الزَّمْلِ بِتَهْدِيدِ الكُفّارِ ووَعِيدِهِمْ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] الآياتُ، وكَذَلِكَ في الأُخْرى ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتُ، فالسُّورَتانِ وارِدَتانِ في مَعْرِضٍ واحِدٍ وقَصْدٍ مُتَّحِدٍ - انْتَهى.
المدثر 74:4
ولَمّا كانَ تَنْزِيهُ العَبْدِ عَنِ الأدْناسِ لِأجْلِ تَنْزِيهِ المَعْبُودِ، قالَ آمِرًا بِتَطْهِيرِ الظّاهِرِ والباطِنِ بِاسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ في تَعْظِيمِهِ سُبْحانَهُ لِيَصْلُحَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ حَضْرَتِهِ وهو أوَّلُ مَأْمُورٍ بِهِ مَن رَفَضَ العاداتِ المَذْمُومَةَ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أيْ وقُمْ فَخَصَّ ثِيابَكَ الحِسِّيَّةَ بِإبْعادِها عَنِ النَّجاساتِ بِمُجانَبَةِ عَوائِدِ المُتَكَبِّرِينَ مِن تَطْوِيلِها، وبِتَطْهِيرِها لِتَصْلُحَ لِلْوُقُوفِ في الخِدْمَةِ بِالحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ، والمَعْنَوِيَّةِ وهي كُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى العَبْدِ مِنَ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والعَوائِدِ السَّقِيمَةِ مِنَ الفَتْرَةِ عَنِ الخِدْمَةِ والضَّجَرِ والِاسْتِرْسالِ مَعَ شَيْءٍ مِن عَوائِدَ النَّفْسِ، وذَلِكَ يَهُونُ بِاسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
المدثر 74:5
ولَمّا أمَرَ بِمُجانَبَةِ الذَّرِّ في الثِّيابِ وأرادَ الحِسِّيَّةَ والمَعْنَوِيَّةَ، وكانَ ذَلِكَ ظاهِرًا في الحِسِّيَّةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ تَجَنُّبِ الأقْذارِ كُلِّها لِأنَّ مَن جَنَّبَ ذَلِكَ [مَلْبَسَهُ -] أبْعَدَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِن بابِ الأوْلى، (p-٤٤)حَقَّقَ العُمُومَ وأكَّدَ فَقالَ: ﴿والرُّجْزَ﴾ أيْ كُلُّ قَذِرٍ فَإنَّهُ سَبَبُ الدَّنايا الَّتِي هي سَبَبُ العَذابِ، قالَ في القامُوسِ: الرِّجْزُ بِالكَسْرِ والضَّمِّ: القَذِرُ وعِبادَةُ الأوْثانِ والعَذابُ والشِّرْكُ.
﴿فاهْجُرْ﴾ أيْ جانِبْ جِهارًا وعِبادَةً، لِيَحْصُلَ لَكَ الثَّوابُ كَما كُنْتَ تُجانِبُها سِرًّا وعادَةً، فَحَصَلَ لَكَ الثَّناءُ الحَسَنُ حَتّى أنَّ قُرَيْشًا إنَّما تُسَمِّيكَ الأمِينَ ولا تُناظِرُ لَكَ أحَدًا مِنها.
المدثر 74:6
ولَمّا بَدَأ بِأحَدِ سَبَبَيِ القَبُولِ، أتْبَعُهُ الثّانِي المُبْعِدَ عَنْ قاصِمَةِ العَمَلِ مِنَ الإعْجابِ والرِّياءِ والمَلَلِ فَقالَ: ﴿ولا تَمْنُنْ﴾ [أيْ -] عَلى أحَدٍ بِدُعائِكَ لَهُ أوْ بِشَيْءٍ تُعْطِيهِ لَهُ عَلى جِهَةِ الهِبَةِ أوِ القَرْضِ بِأنْ تَقْطَعَ لَذَّةَ مَن أحْسَنْتَ إلَيْهِ بِالتَّثْقِيلِ عَلَيْهِ بِذِكْرِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِكْثارِ بِما فَعَلْتَهُ مَعَهُ، أوْ لا تُعْطِ شَيْئًا حالَ كَوْنِكَ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ تَطْلُبُ أنْ تُعْطِيَ أجْرًا أوْ أكْثَرَ مِمّا أعْطَيْتَ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وهو مِن قَوْلِهِمْ، مَن - إذا أعْطى، وذَلِكَ لِأنَّهُ الألْيَقُ بِالمُعْطِي مِنَ الخَلْقِ أنْ يَسْتَقِلَّ ما أعْطى، ويَشْكُرَ اللَّهُ الَّذِي وفَّقَهُ لَهُ، [و - ] بِالآخِذِ أنْ يَسْتَكْثِرَ [ما أخَذَ -]، فَأمَرَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ لا يَفْعَلُ شَيْئًا لِعِلَّةٍ أصْلًا، بَلْ لِلَّهِ خالِصًا، فَإنَّهُ إذا زالَ الِاسْتِكْثارُ حَصَلَ الإخْلاصُ، لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ هَمُّهُ بِطَلَبٍ الِاسْتِمْثالِ، فَكَيْفَ بِالِاسْتِقْلالِ، فَيَكُونُ [العَمَلُ -] في غايَةِ الخُلُوصِ لا يُقْصَدُ بِهِ ثَوابًا أصْلًا، ولا يُرادُ لِغَيْرِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو النِّهايَةُ في الإخْلاصِ.
المدثر 74:7
(p-٤٥)ولَمّا كانَ الإنْذارُ شَدِيدًا عَلى النُّفُوسِ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ المُعالَجاتِ ما المَوْتُ دُونَهُ، لِأنَّ تَرْكَ المَأْلُوفاتِ أصْعَبُ شَيْءٍ عَلى النُّفُوسِ، وكَذا تَرْكُ الفَوائِدِ، قالَ أمْرًا بِالتَّحَلِّي بِالعاصِمِ بَعْدَ التَّخَلِّي عَنِ القاصِمِ، مُعْلِمًا بِأنَّ الأذى مِنَ المُنْذِرِينَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ فَيَدْخُلُ في الطّاعَةِ عَلى بَصِيرَةٍ، فاقْتَضى الحالُ لِذَلِكَ أنَّ الإنْذارَ يَهُونُ بِالغِنى عَنِ الفانِينَ والكَوْنِ مَعَ الباقِي وحْدَهُ، فَأشارَ إلى ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الإلَهِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِوَصْفِ الإحْسانِ تَرْغِيبًا فَقالَ: ﴿ولِرَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ، المُرَبِّي لَكَ، المُدَبِّرُ لِجَمِيعِ مَصالِحِكَ وحْدَهُ ﴿فاصْبِرْ﴾ [أيْ -] عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ أمْرًا ونَهْيًا وأذى المُشْرِكِينَ وشَظَفِ العَيْشِ وجَمِيعِ البَلايا، فَإنَّهُ يُجْزِلُ عَطاءَكَ مِن خَيْرِ الدّارَيْنِ بِحَيْثُ لا يُحْوِجُكَ إلى أحَدٍ، ويُحْوِجُ النّاسَ إلَيْكَ، ويُهَوِّنُ عَلَيْكَ حَمْلَ المَشاقِّ في الدّارَيْنِ ولا سِيَّما أمْرُ يَوْمِ البَعْثِ، فَإنَّ [مَن -] حَمَلَ العَمَلَ في الدُّنْيا حَمَلَهُ العَمَلُ في الآخِرَةِ.
المدثر 74:8
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْإنْذارِ، وكانَ مَن رَدَّ الأوامِرَ تَكْذِيبًا كَفَرَ، ومَن تَهاوَنَ بِها ما أطاعَ ولا شَكَرَ، حَذَّرَ مِنَ الفُتُورِ عَنْها بِذِكْرِ (p-٤٦)ما لِلْمُكَذِّبِ بِها، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ باعِثًا عَلى اكْتِسابِ الخَيْراتِ مِن غَيْرِ كَسَلٍ ولا تَوَقُّفٍ، مُذَكِّرًا بِأنَّ المَلِكَ التَقَمَ القَرْنَ وأصْغى بِجَبْهَتِهِ انْتِظارًا لِلْأمْرِ بِالنَّفْخِ، مُشِيرًا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى هَوانِهِ لَدَيْهِ وخِفَّتِهِ عَلَيْهِ مُؤْذِنًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ: ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ أيْ نَفَخَ وصَوَّتَ بِشِدَّةٍ وصَلابَةٍ ونُفُوذٍ وإنْكاءٍ ﴿فِي النّاقُورِ﴾ أيِ الصُّورِ وهو القَرْنُ الَّذِي إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُلْتَقِمُهُ الآنَ وهو مُصْغٍ لِانْتِظارِ الأمْرِ بِالنَّفْخِ فِيهِ لِلْقِيامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الأيّامَ الَّتِي يَقْضِي فِيها بِالذُّلِّ عَلى الكافِرِينَ كَيَوْمِ بَدْرِ والفَتْحِ وغَيْرِهِما كَما جُعِلَتِ السّاعَةُ والقِيامَةُ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ، فَقالَ ﷺ:
«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» عَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّقْرِ إشارَةً إلى أنَّهُ في شِدَّتِهِ كالنَّقْرِ في الصُّلْبِ فَيَكُونُ عَنْهُ صَوْتٌ هائِلٌ، وأصْلُ النَّقْرِ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُ الصَّوْتِ فَهو أشَدُّ مَن صَدَّعَكَ لَهم بِالإنْذارِ لِلْحِذارِ مِن دارِ البَوارِ، فَهُنالِكَ تُرَدُّ الأرْواحُ إلى أجْسادِها، فَيَبْعَثُ النّاسَ فَيَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، وتَرى عاقِبَةَ الصَّبْرِ، ويَرى أعْداؤُكَ عاقِبَةَ الكِبَرِ، والتَّعْبِيرُ فِيهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ وجَعَلَهُ فاعِلًا كالجاسُوسِ إشارَةً إلى زِيادَةِ العَظَمَةِ حَتّى كَأنَّهُ هو الفاعِلُ عَلى هَيْئَةٍ هي في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، وحَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ النَّفْخِ في (p-٤٧)الصُّوَرِ وقُرْبِهِ فَقالُوا: «كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قُولُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّسَبُّبُ عَنِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ، أيِ اصْبِرْ فَلْنَأْخُذَنَّ بِثَأْرِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما يَقَرُّ عَيْنُكَ، فَيَكُونُ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ وتَهْدِيدًا لَهم.
المدثر 74:9
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ هَلِ (؟) الَّذِي صَوَّرَهُ [بِصُوَرِهِ -] هائِلَةٌ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَلِكَ﴾ أيِ الوَقْتِ الصَّعْبِ الشَّدِيدِ العَظِيمِ الشِّدَّةِ جِدًّا البالِغِ في ذَلِكَ مَبْلَغًا يُشارُ إلَيْهِ إشارَةَ ما [هُوَ -] أبْعَدُ بِعِيدٍ، وهو وقْتُ النَّقْرِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن هَذا المُبْتَدَأِ زِيادَةً في تَهْوِيلِهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ وقْتَ إذْ يَكُونُ النَّقْرُ الهائِلُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ العُسْرِ
المدثر 74:10
﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَهِينُونَ بِالإنْذارِ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ لِأنَّهم راسِخُونَ في الكُفْرِ الَّذِي هو سَتْرُ ما يَجِبُ إظْهارُهُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ولَمّا كانَ العُسْرُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الشَّيْءِ [و - ] فِيهِ يُسْرٌ مِن بَعْضِ الجِهاتِ أوْ يُعالِجُ فَيَرْجِعُ يَسِيرًا، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ فَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ إثْباتِ الشَّيْءِ ونَفْيِ ضِدِّهِ تَحْقِيقًا لِأمْرِهِ ودَفْعًا لِلْمَجازِ عَنْهُ وتَأْيِيدًا لِكَوْنِهِ ولِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ بِوَجْهٍ، وتَقْيِيدُهُ بِالكافِرِينَ يُشْعِرُ بِتَيَسُّرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ.
المدثر 74:11
ولَمّا آذَنُ هَذا بِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُوافِي يَوْمَ القِيامَةِ عَلى كُفْرِهِ وخُبْثِ طَوِيَّتِهِ وسُوءِ أمْرِهِ وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُهِمُّ لِشَفَقَتِهِ ﷺ (p-٤٨)عَلى الخَلْقِ، ولَمّا يَعْلَمُ مَن نَصَبَهم لِلْعَداوَةِ، هَوَّنَ أمَرَهم عَلَيْهِ وحَقَّرَ شَأْنَهم لَدَيْهِ بِوَعْدِهِ بِالكِفايَةِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا مُنَبِّهًا عَلى أسْبابِ الهَلاكِ الَّتِي أعْظَمُها الغُرُورُ وهو شُبْهَةُ زَوْجَتِها شَهْوَةٌ: ﴿ذَرْنِي﴾ أيِ اتْرُكْنِي عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ ﴿ومَن﴾ أيْ مَعَ كُلِّ مَن ﴿خَلَقْتُ﴾ أيْ أوْجَدْتُ مِنَ العَدَمِ وأنْشَأْتُ في أطْوارِ الخِلْقَةِ، حالَ كَوْنِهِ ﴿وحِيدًا﴾ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ ولا شَيْءَ، وحالَ كَوْنِي أنا واحِدًا شَدِيدَ الثَّباتِ في صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ لَمْ يُشارِكْنِي في صُنْعِهِ أحَدٌ فَلَمْ يَشْكُرْ هَذِهِ النِّعْمَةَ بَلْ كَفَرَها بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ القادِرِ عَلى إعْدامِهِ بَعْدَ إيجادِهِ.
المدثر 74:12
ولَمّا كانَ المُطْغى لِلْإنْسانِ المُكْنَةَ الَّتِي قَطَّبَ دائِرَتَها المالُ قالَ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ﴾ [أيْ -] بِأسْبابٍ أوْجَدْتُها أنا وحْدِي لا حَوْلَ مِنهُ ولا قُوَّةَ بِدَلِيلَ أنَّ غَيْرَهُ أقْوى مِنهُ بَدَنًا وقَلْبًا وأوْسَعَ فِكْرًا وعَقْلًا وهو دُونُهُ في ذَلِكَ ﴿مالا مَمْدُودًا﴾ أيْ مَبْسُوطًا واسِعًا نامِيًا [كَثِيرًا جِدًّا -] عامًّا لِجَمِيعِ أوْقاتِ وُجُودِهِ، والمُرادُ بِهِ كَما يَأْتِي الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ لَهُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ إبِلٌ وحُجُورٌ ونَعَمٌ وجِنانٌ وعَبِيدٌ وجَوارٍ.
المدثر 74:13
(p-٤٩)[ ولَمّا كانَ أوَّلُ ما يَمْتَدُّ إلَيْهِ النَّفْسُ بَعْدَ كَثْرَةِ المالِ الوَلَدُ، وكانَ أحَبَّ الوَلَدِ الذَّكَرُ -]، قالَ: ﴿وبَنِينَ﴾ ولَمّا كانَ الِاحْتِياجُ إلى فِراقِهِمْ ولَوْ زَمَنًا يَسِيرًا شاقًّا، وكانَ ألْزَمُهم لَهُ وأغْناهم عَنِ الضَّرْبِ في الأرْضِ نِعْمَةٌ أُخْرى قالَ: ﴿شُهُودًا﴾ أيْ حُضُورًا مَعَهُ لِغِناهُ عَنِ الأسْفارِ بِكَثْرَةِ المالِ وانْتِشارِ الخَدَمِ [و - ] قُوَّةُ الأعْوانِ، وهم مَعَ حُضُورِهِمْ في الذُّرْوَةِ مِنَ الحُضُورِ بِتَمامِ العَقْلِ وقُوَّةِ الحِذْقِ، فَهم في غايَةِ المَعْرِفَةِ بِما يَزِيدُهُمُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ حَيْثُما أرادَهم وجَدَهم وتَمَتَّعَ بِلُقْياهُمْ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم أعْيانُ المَجالِسِ وصُدُورُ المَحافِلِ كَأنَّهُ لا شاهِدَ بِها غَيْرُهُمْ، مِنهم خالِدٌ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِإسْلامِهِ، فَكانَ سَيْفَ اللَّهِ تَعالى وسَيْفَ رَسُولِهِ ﷺ.
المدثر 74:14
ولَمّا كانَ [هَذا كِنايَةً -] عَنْ سَعَةِ الرِّزْقِ وعِظَمِ الجاهِ، وكانَ مَن بَسَطَ لَهُ في المالِ والوَلَدِ والجاهِ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلى إتْمامِ ذَلِكَ بِالحِفْظِ والتَّيْسِيرِ، قالَ مُسْتَعْطِفًا لَمّا كانَ هَكَذا بِالتَّذْكِيرِ بِنِعَمِهِ: ﴿ومَهَّدْتُ﴾ أيْ بِالتَّدْرِيجِ والمُبالَغَةِ ﴿لَهُ﴾ أيْ وطَّأْتُ وبَسَطْتُ وهَيَّأْتُ في الرِّئاسَةِ بِأنْ جَمَعْتُ لَهُ إلى مِلْكِ الأعْيانِ مِلْكِ المَعانِي الَّتِي مِنها القُلُوبُ، وأطَلْتُ عُمْرَهُ، وأزَلْتُ عَنْهُ مَوانِعَ الرَّغْدِ في العَيْشِ، ووَفَّرْتُ أسْبابَ الوَجاهَةِ لَهُ حَتّى دانَ لِذَلِكَ النّاسُ، وأقامَ بِبَلَدِهِ مُطْمَئِنًّا يَرْجِعُ إلى رَأْيِهِ الأكابِرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: (p-٥٠)وسَّعْتُ لَهُ ما بَيْنَ اليَمَنِ إلى الشّامِ فَأكْمَلْتُ لَهُ مِن سَعادَةِ الدُّنْيا ما أوْجَبَ التَّفَرُّدَ في زَمانِهِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وفَخْذِهِ بِحَيْثُ كانَ يُسَمّى الوَحِيدَ ورَيْحانَةَ قُرَيْشٍ فَلَمْ يَزَعْ هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ: [و - ] أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَمْهِيدًا﴾
المدثر 74:15
ولَمّا كانَ قَدْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ سُبْحانَهُ، فَأوْرَثْتُهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنَ البَطَرِ والِاسْتِكْبارِ عَلى مَن خَوَّلَهُ فِيها ضِدَّ ما كانَ يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الشُّكْرِ والِازْدِجارِ، قالَ مُحَقِّقًا أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي وهَبَها لَهُ وهو الواحِدُ القَهّارُ، مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى اسْتِبْعادِ الزِّيادَةِ لَهُ عَلى حالَتِهِ هَذِهِ مِن عَدَمِ الشُّكْرِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ مِن تَكْذِيبِ رَسُولِنا ﷺ ﴿يَطْمَعُ﴾ أيْ بِغَيْرِ سَبَبٍ يُدْلِي بِهِ إلَيْنا مِمّا جَعَلْناهُ سَبَبَ المَزِيدِ مِنَ الشُّكْرِ: ﴿أنْ أزِيدَ﴾ أيْ فِيما آتَيْتُهُ مِن دُنْياهُ أوْ آخِرَتَهُ وهو يُكَذِّبُ رَسُولِي ﷺ.
المدثر 74:16
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَيَطْمَعُ في ذَلِكَ لِأنَّ المالَ والجاهَ يَجُرّانِ الشَّرَفَ والعَظَمَةَ بِأيْسَرِ سَعْيٍ، هَذا هو المَعْرُوفُ المُتَداوَلُ المَأْلُوفُ، اسْتَأْنَفَ زَجْرَهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَجامِعِ الزَّجْرِ: عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وبُرْهانًا قاطِعًا عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ، فَقالَ ما لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ (p-٥١)لِأنَّهُ مَعَ أنَّهُ لا تَرَدُّدَ فِيهِ ولا افْتِراءَ طابَقَ الواقِعَ، فَلَمْ يَزِدْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، بَلْ لَمْ يَزَلْ في نُقْصانٍ حَتّى هَلَكَ وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴿كَلا﴾ أيْ وعِزَّتِنا وجَلالِنا لا تَكُونُ لَهُ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ أصْلًا، وأمّا النُّقْصانُ فَسَيَرى إنِ اسْتَمَرَّ عَلى تَكْذِيبِهِ فَلْيَرْتَدِعْ عَنْ هَذا الطَّمَعِ، ولِيُزْدَجِرْ ولِيَرْتَجِعْ، فَإنَّهُ حُمْقٌ مَحْضٌ وزُخْرُفٌ بَحْتٌ، وغُرُورٌ صِرْفٌ، ولَمّا رَدَعَهُ هَذا الرَّدْعَ المُقْتَضِيَ ولا بُدَّ لِلْإذْعانِ وصادِقِ الإيمانِ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ الحِرْمانُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمُ العِنادَ والمَعادَ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ هَذا المَوْصُوفُ ﴿كانَ﴾ بِخُلُقٍ كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ [لَهُ -] وطَبْعٌ لا يَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ ﴿لآياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ خاصَّةً لِكَوْنِها هادِيَةً إلى الوَحْدانِيَّةِ، لا لِغَيْرِها مِنَ الشُّبَهِ القائِدَةِ إلى الشِّرْكِ ﴿عَنِيدًا﴾ أيْ بالِغُ العِنادِ عَلى وجْهٍ لا يُعِدْ عِنادُهُ لِغَيْرِها بِسَبَبِ مَزِيدِ قُبْحِهِ عِنادًا، والعِنادُ - كَما قالَ المَلْوِيُّ: مَن كَبُرَ في النَّفْسِ أوْ يَبِسَ في الطَّبْعِ أوْ شَراسَةً في الأخْلاقِ أوْ خَبَلٌ في العَقْلِ، وقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ إبْلِيسُ، لِأنَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ. وهي مِن طَبْعِها اليُبُوسَةُ وعَدَمُ الطَّواعِيَةِ، وحَقِيقَتُهُ مَيْلٌ عَنِ الجادَّةِ، ومُجاوَزَةٌ لِلْحَدِّ مَعَ الإصْرارِ واللُّزُومِ، ومِنهُ مُخالَفَةُ الحَقِّ مَعَ المَعْرِفَةِ بِأنَّهُ حَقٌّ.
المدثر 74:17
ولَمّا كانَ هَذا مُحَرًّا لِلتَّشَوُّفِ إلى بَيانِ هَذا الرَّدْعِ، وكانَ العِنادُ غِلْظَةً في الطَّبْعِ وشَكاسَةَ في الخُلُقِ يُوجِبُ النَّكَدَ والمَشَقَّةُ جَعَلَ (p-٥٢)جَزاءَهُ مِن جِنْسِهِ فَقالَ: ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾ أيْ أُلْحِقُهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ وقَهْرٍ إلْحاقًا يَغْشاهُ ويُحِيطُ بِهِ بِوَعِيدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿صَعُودًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الدَّواهِي والأنْكادِ كَأنَّهُ عَقَبَةٌ، فَإنَّ الصُّعُودَ لُغَةُ العَقَبَةِ شاقُّ المِصْعَدِ جِدًّا، ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ جَبَلٌ مِن نارٍ يَتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي،» وفي رِوايَةٍ: أنَّهُ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ في مُعالَجَةِ الصُّعُودِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ وكَذا رِجْلُهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ صَخْرَةٌ مَلْساءُ في النّارِ يُكَلَّفُ أنْ يُصَعِّدَها بِجَذْبٍ مِن أمامِهِ بِسَلاسِلِ الحَدِيدِ، ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ فَيَصْعَدُها في أرْبَعِينَ [عامًا-]، فَإذا بَلَغَ ذُرْوَتَها أسْقَطَ إلى أسْفَلِها ثُمَّ يُكَلِّفُ أنْ يَصْعَدَها، فَذَلِكَ دَأْبُهُ أبَدًا.
المدثر 74:18
ولَمّا حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلى بَعْضِ ما عانَدَ بِهِ الآياتِ، قالَ مُبَيِّنًا لِذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِ العُقَلاءِ لِما صَنَعَ لِبُعْدِهِ عَنِ الصَّوابِ ومَعْرِفَةِ كُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّهُ كَذِبٌ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ هَذا العَنِيدُ ﴿فَكَّرَ﴾ أيْ رَدَّدَ فِكْرَهُ وأدارَهُ تابِعًا لِهَواهُ لِأجْلِ الوُقُوعِ عَلى شَيْءٍ يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ ﴿وقَدَّرَ﴾ أيْ أوْقَعَ تَقْدِيرًا لِلْأُمُورِ الَّتِي يَطْعَنُ بِها فِيهِ وِقايَتُها (p-٥٣)فِي نَفْسِهِ لِيَعْلَمَ أيُّها أقْرَبُ إلى القَبُولِ.
المدثر 74:19
ولَمّا كانَ تَفْكِيرُهُ وتَقْدِيرُهُ قَدْ أوْقَعَ غَيْرَهُ في الهَلاكِ بِمَنعِهِ مِن حَياةِ الإيمانِ أُصِيبَ هو بِما مَنَعَهُ مِن حَياةٍ نافِعَةٍ في الدّارَيْنِ، وذَلِكَ هو الهَلاكُ الدّائِمُ. ولَمّا كانَ الضّارُّ إنَّما هو الهَلاكُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ مُخْبِرًا [و- ] داعِيًا دُعاءً مُجابًا لا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ: ﴿فَقُتِلَ﴾ أيْ هَلَكَ ولُعِنَ وطُرِدَ في دُنْياهُ هَذِهِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ غايَةَ التَّفْكِيرِ، وكانَ التَّفْكِيرُ يَنْبَغِي أنْ يَهْدِيَهُ إلى الصَّوابِ فَقادَهُ إلى الغَيِّ، عَجِبَ مِنهُ فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مُعَبِّرًا بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا يَتَعَجَّبُ مِنهُ ويَسْألُ عَنْهُ: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ عَلى أيِّ كَيْفِيَّةٍ أوْقَعَ تَقْدِيرُهُ هَذا، وإذا أنْكَرَ [مُطْلَقَ -] الكَيْفِيَّةِ لِكَوْنِها لا تَكادُ لِبُطْلانِها تَتَحَقَّقُ، كانَ إنْكارُ الكَيْفِ أحَقَّ.
المدثر 74:20
ولَمّا كانَ وُقُوعُهُ في هَذا الطَّعْنِ عَظِيمًا [جِدًّا لِما فِيهِ مِنَ الكَذِبِ المَفْضُوحِ ومِن مُعانَدَةِ مَن هو القَوِيُّ المَتِينُ المُنْتَقِمُ القَهّارُ العَظِيمُ -] ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُجُوهِ المُبْعَدَةِ عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ، أكَّدَ المَعْنى زَجْرًا عَنْ مِثْلِهِ وحَثًّا عَلى التَّوْبَةِ مِنهُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ دَلالَةً عَلى عَظَمَةِ هَذا القَتْلِ بِالتَّعْبِيرِ بِها وبِالتَّكْرارِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ﴾ أيْ هَلَكَ ولُعِنَ هَذا العَنِيدُ هَلاكًا ولَعْنًا هو في غايَةِ العَظَمَةِ فِيما بَعْدَ المَوْتِ في البَرْزَخِ والقِيامَةِ ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾
المدثر 74:21
ولَمّا كانَ الماهِرُ بِالنَّظَرِ إذا فَكَّرَ وصَحَّحَ فِكْرَهُ نَظَرَ في (p-٥٤)لَوازِمِهِ قالَ مُشِيرًا إلى طُولِ تَرَوِّيهِ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ فِيما يَدْفَعُ بِهِ أمْرُ القُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قُبْحِ أفْعالِهِ، فَظُهُورُ الحَقِّ لَهُ مَعَ إصْرارِهِ فَإنَّ تَكْرارَ النَّظَرِ في الحَقِّ لا يَزِيدُهُ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا ظُهُورًا وفي الباطِلِ لا يَزِيدُهُ إلّا ضِعْفًا وفُتُورًا.
المدثر 74:22
ولَمّا كانَ مَن فَعَلَ كَذَلِكَ فَظَهَرَ لَهُ فَسادُ رَأْيِهِ ووَقَفَ مَعَ حَظِّ نَفْسِهِ يَصِيرُ يَعْبِسُ ويَفْعَلُ أشْياءَ تَتَغَيَّرُ لَها خِلْقَتُهُ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ قالَ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَبَ وجْهُهُ وكَلَحَ فَتَرْبَدَ وجْهُهُ مَعَ تَقَبُّضِ جِلْدِهِ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ بِكَراهَةٍ شَدِيدَةٍ كالمُتَّهَمِ المُتَفَكِّرِ في شَيْءٍ وهو لا يَجِدُ فِيهِ فَرَجًا لِأنَّهُ ضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ فِيما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَطْعَنًا ﴿وبَسَرَ﴾ اتِّباعٌ لَعَبَسَ تَأْكِيدًا لَها، ورُبَّما أفْهَمَتْ أنَّهُ سَبَرَ ما قالَهُ ووَزَنَهُ بِمِيزانِ الفِكْرِ وتَتْبَّعَهُ تَتَبُّعًا مُفْرِطًا حَتّى رَسَخَتْ فِيهِ قَدَمُهُ، كَذا قالُوا إنَّها اتِّباعٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّأْكِيدُ وإلّا فَقَدْ ورَدَتْ مُفْرَدَةً، قالَ في القامُوسِ: بَسَرَ - إذا عَبَسَ، وبَسَرَ الحاجَةَ: طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها، وبَسَرَ الدِّينَ: تَقاضاهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ، فَكَأنَّهُ لَمّا طالَ عَلَيْهِ التَّفْكِيرُ صارَ يَسْتَعْجِلُ حُصُولَهُ إلى مُرادِهِ، ويُقالُ: بَسَرَ - إذا ابْتَدَأ الشَّيْءَ، فَكَأنَّهُ لَمّا عَبَسَ خَطَرَ لَهُ السِّحْرُ فابْتَدَأ في إبْداءٍ ما سَنَحَ لَهُ مِن أمْرِهِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: (p-٥٥)البُسُورُ هَيْئَةٌ في الوَجْهِ تَدُلُّ عَلى تَحَزُّنٍ في القَلْبِ.
المدثر 74:23
ولَمّا كانَ هَذا النَّظَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أمْدَحُ شَيْءٍ لِلْمَنظُورِ فِيهِ إذا لَمْ يُوصَلْ مِنهُ إلى طَعْنٍ، وكانَ ظاهِرُهُ إنَّهُ لِتَطَلُّبِ الحَقِّ، فَكانَ الإصْرارُ مَعَهُ عَلى الباطِلِ في غايَةِ البُعْدِ، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ مِنَ المَدْحِ وعَدَمِ وِجْدانِ الطَّعْنِ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا التَّرَوِّي العَظِيمِ ﴿أدْبَرَ﴾ [أيْ -] عَمّا أدّاهُ إلَيْهِ فِكْرُهُ مِنَ الإيمانِ بِسَلامَةِ المَنظُورِ فِيهِ وعُلُوِّهِ عَنِ المُطاعِنِ، فَحادَ عَنْ وُجُوهِ الأفْكارِ إلى أقْفائِها ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ [و - ] أوْجَدَ الكِبَرَ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ إيجادُ مَن هو في غايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، وكانَ هَذا غايَةُ العِنادِ، فَكانَ مَعْنى العَنِيدِ
المدثر 74:24
﴿فَقالَ﴾ أيْ عَقِبِ ما جَرَّهُ إلَيْهِ طَبْعُهُ الخَبِيثُ مِن إيقاعِ الكِبَرِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِكَوْنِهِ رَآهُ نافِعًا لَهم في الدُّنْيا ولَمْ يُفَكِّرْ في عاقِبَةِ ذَلِكَ مِن جِهَةِ اللَّهِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ولا يَنْجَحُ مُرادُ الكاذِبِينَ، ونَحْوُ هَذا مِمّا جَرَّبُوهُ في دُنْياهم فَكَيْفَ رَقّى نَظَرَهُ إلى أمْرِ الآخِرَةِ، وأكَّدَ الكَلامَ لِما يَعْلَمُ مِن إنْكارِ مَن يَسْمَعُهُ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هَذا﴾ أيِ [الَّذِي -] أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿إلا سِحْرٌ﴾ أيْ أُمُورٌ تَخْيِيلِيَّةٌ لا حَقائِقَ لَها، وهي لِدِقَّتِها بِحَيْثُ تَخْفى أسْبابُها.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ لَهم أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما سُحِرَ قَطُّ ولا تَعْلَمُ سِحْرًا، فَكانَ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ عُلِمَ كَذِبُهُ بِأدْنى نَظَرٍ بَعْدَ (p-٥٦)الأمْرِ بِقَدْرِ اسْتِطاعَتِهِ فَقالَ: ﴿يُؤْثَرُ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْقُلَهُ السّامِعُ لَهُ مِن غَيْرِهِ، فَهو لِقُوَّةِ سِحْرِيَّتِهِ وإفْراطِها في بابِها يُفَرِّقُ بِمُجَرَّدِ الرِّوايَةِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ وابْنِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْهُ.
المدثر 74:25
ولَمّا كانَ السّامِعُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْثُورًا عَنِ اللَّهِ فَيُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ الرَّغْبَةَ فِيهِ، قالَ مِن غَيْرِ عاطِفٍ كالمُبَيِّنِ لِلْأوَّلِ والمُؤَكَّدِ لَهُ، وساقَهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِالحَصْرِ لِعِلْمِهِ أنَّ كُلَّ ذِي بَصِيرَةٍ يُنْكِرُ كَلامَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هَذا﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ اللَّهِ فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِهِ ولا يَعْرُجُ عَلَيْهِ، وقَدْ مَدَحَهُ بِهَذا الذَّمِّ بَعْدَ هَذا التَّفْكِيرِ كُلِّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أثْبَتَ أنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْهُ لِأغْلَبِ النّاسِ كَما يَعْجَزُونَ عَنِ السِّحْرِ فَسَكَتَ ألَفًا ونَطَقَ خَلَفًا، فَكانَ شَبِيهًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ بِما قالَهُ بَعْضُهُمْ:
؎لَوْ قِيلَ ”كَمْ خَمْسٌ وخَمْسٌ“ لاغْتَدى ∗∗∗ يَوْمًا ولَيْلَتُهُ يَعِدُّ ويَحْسِبُ
؎ويَقُولُ مُعْضِلَةُ عَجِيبِ أمْرِها ∗∗∗ ∗∗∗ ولَئِنْ عَجِبْتُ لَها لِأمْرِي أعْجَبُ
؎حَتّى إذا خُدِّرَتْ يَداهُ وعَوِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَيْناهُ مِمّا قَدْ يَخُطُّ ويَكْتُبُ
؎أوْفى عَلى شَرَفٍ وقالَ ألا انْظُرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ ويَكادُ مِن فَرَحٍ يَجِنُّ ويَسْلُبُ
؎خَمْسٌ وخَمْسٌ سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ قَوْلانِ قالَهُما الخَلِيلُ وثَعْلَبُ
وهَكَذا كُلُّ حَقٍّ يَجِدُ المُبالِغَ في ذَمِّهِ لا يَنْفَكُّ ذَمُّهُ عَنْ إفْهامِ مَدْحٍ لَهُ (p-٥٧)يَنْقُضُ كَلامَهُ، ولَكِنْ أيْنَ النُّقّادُ المَعْدُودُ مِنَ الأفْرادِ بَيْنَ العِبادِ، وهَذا الكَلامُ صالِحٌ لِعُمُومِ كُلِّ مَن خَلَقَهُ سُبْحانَهُ هَكَذا في الرَّوَغانِ مِنَ الحَقِّ لِما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الرِّئاسَةِ لِأنَّ أهْلَ العَظَمَةِ في الدُّنْيا هم في الغالِبِ القائِمُونَ في رَدِّ الحَقِّ والتَّعاظُمِ عَلى أهْلِهِ كَما ذَكَرَ هُنا ولا يُنافِي ذَلِكَ ما قالُوهُ: إنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، بَلْ ذَلِكَ مِن إعْجازِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ في شَخْصٍ فَتُبَيِّنَ حالَهُ غايَةَ البَيانِ ويَعُمَّ غَيْرَهُ ذَلِكَ البَيانُ، قالُوا: كانَ لِلْوَلِيدِ هَذا عَشَرَةٌ مِنَ البَنِينَ، كُلُّ واحِدٍ مِنهم كَبِيرُ قَبِيلَةٍ، ولَهم عَبِيدٌ يُسافِرُونَ في تِجاراتِهِمْ ويَعْمَلُونَ احْتِياجاتِهِمْ، ولا يُحْوِجُونَهم إلى الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ لِتِجارَةٍ ولا غَيْرِها، وأسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وخالِدٌ وهُشامٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أوَّلُ سُورَةِ غافِرٍ إلى قَوْلِهِ: ﴿المَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] أوْ أوَّلُ ”فُصِّلَتْ“ قَرَأها النَّبِيُّ ﷺ في المَسْجِدِ والوَلِيدُ يَسْمَعُهُ، فَأعادَ القِراءَةَ فانْطَلَقَ الوَلِيدُ حَتّى أتى مَجْلِسَ قَوْمِهِ بَنِي مَخْزُومٍ، واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ [آنِفًا -] كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةٌ، وإنَّ أعْلاهُ لِمُثْمِرٌ وإنَّ أسْفَلَهُ لِمُعْذِقٌ، وإنَّهُ لَيَعْلُو ولا يُعْلى، ثُمَّ انْصَرَفَ (p-٥٨)فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبا واللَّهِ الوَلِيدُ، واللَّهِ لَتَصْبُونَ قُرَيْشَ كُلَّها، وكانَ يُقالُ لِلْوَلِيدِ رَيْحانَةُ قُرَيْشٍ، فَقالَ ابْنُ أخِيهِ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ، فَقَعَدَ إلى جَنْبِ الوَلِيدِ حَزِينًا، فَقالَ الوَلِيدُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا يا ابْنَ أخِي؟ قالَ: وما يَمْنَعُنِي وهَذِهِ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ لَكَ نَفَقَةً تُعِينُكَ بِها عَلى كِبَرِ سَنِّكَ وتَزْعُمُ أنَّكَ صَبَوْتَ، لِتَدْخُلَ عَلى ابْنِ أبِي كَبْشَةَ وابْنِ أبِي قُحافَةَ لِتَنالَ مِن فَضْلِ طَعامِهِمْ، فَغَضِبَ الوَلِيدُ وقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ قُرَيْشٌ أنِّي مَن أكْثَرِها مالًا ووَلَدًا، وهَلْ شَبِعَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِنَ الطَّعامِ فَيَكُونُ لَهم فَضْلٌ؟ ثُمَّ قامَ مَعَ أبِي جَهْلٍ حَتّى أتى مَجْلِسَ قَوْمِهِ وأدارُوا الرَّأْيَ فِيما يَقُولُونَهُ في القُرْآنِ فَقالُوا لَهُ: ما تَقُولُ في هَذا [الَّذِي -] جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؟ قالَ: قُولُوا أسْمَعُ لَكُمْ، قالُوا: شِعْرٌ، قالَ: لَيْسَ بِشِعْرٍ، قَدْ عَلِمْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ، وفي رِوايَةٍ: هَلْ [رَأيْتُمُوهُ -] يَتَعاطى شِعْرًا؟ قالُوا: كَهانَةٌ، قالَ: لَيْسَ بِكِهانَةٍ، هَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَكَهَّنُ؟ فَعَدُّوا أنْواعَ البُهْتِ الَّتِي رَمَوْا بِها القُرْآنَ فَرَدَّها، وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى رَدِّها، وقالَ: لا تَقُولُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا أعْلَمُ أنَّهُ كَذِبٌ، قالُوا: فَقُلْ أنْتَ وأقِمْ لَنا فِيهِ رَأْيًا نَجْتَمِعُ عَلَيْهِ، قالَ: أقْرَبُ ذَلِكَ إلَيْهِ السِّحْرُ، هو يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وعَشِيرَتِهِ، فافْتَرَقُوا عَلى ذَلِكَ، وكانَ (p-٥٩)قَوْلُهُ هَذا سَبَبُ هَلاكِهِ فَكانَ كَما قالَ بَعْضُهُمُ:
؎احْفَظْ لِسانَكَ أيُّها الإنْسانُ ∗∗∗ لا يَلْدَغَنَّكَ إنَّهُ ثُعْبانُ
؎كَمْ في المَقابِرِ مِن قَتِيلِ لِسانِهِ ∗∗∗ كانَتْ تَخافُ لِقاءَهُ الشُّجْعانُ
المدثر 74:26
ولَمّا انْقَضى بَيانُ عِنادِهِ فَحَصَلَ التَّشَوُّفُ لِتَفْصِيلِ جَزائِهِ في مَعادِهِ، قالَ مُبَيِّنًا لِبَعْضِ ما أفْهَمَهُ إرْهاقُهُ الصُّعُودُ: ﴿سَأُصْلِيهِ﴾ أيْ بِوَعِيدٍ لا بُدَّ مِنهُ عَنْ قُرْبٍ ﴿سَقَرَ﴾ أيِ الدِّرْكَةِ النّارِيَّةِ الَّتِي تَفْعَلُ في الأدْمِغَةِ مِن شِدَّةِ حُمُوِّها ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، فَأدْخَلَهُ إيّاها وألْوَحَهُ في الشَّدائِدِ حَرَّها وأُذِيبُ دِماغُهُ بِها، وأُسِيلَ ذِهْنُهُ وكُلُّ عُصارَتِهِ بِشَدِيدِ حَرِّها جَزاءً عَلى تَفْكِيرِهِ، هَذا الَّذِي قَدَّرَهُ وتَخَيَّلَهُ وصَوَّرَهُ بِإدارَتِهِ في طَبَقاتِ دِماغِهِ لِيُحْرِقَ أكْبادَ أوْلِياءِ اللَّهِ وأصْفِيائِهِ.
المدثر 74:27
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ هَذا العَذابَ عَظَّمَهُ وهَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ أعْلَمَكَ وإنِ اجْتَهَدْتَ في البَحْثِ ﴿ما سَقَرُ﴾ يَعْنِي أنَّ عِلْمَ هَذا خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ أحَدٌ مِنهم بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ لِأنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ بِشَرٌ.
المدثر 74:28
ولَمّا أثْبَتَ لَها هَذِهِ العَظَمَةَ، زادَها عِظَمًا بِبَيانِ فِعْلِها دُونَ شَرْحِ ماهِيَّتِها [فَقالَ-]: ﴿لا تُبْقِي﴾ أيْ سَقَرُ هَذِهِ لا تَتْرُكُ شَيْئًا يَلْقى فِيها عَلى حالَةِ البَقاءِ عَلى ما كانَ (p-٦٠)عَلَيْهِ ﴿ولا تَذَرُ﴾ أيْ تَتْرُكُ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ ولَوْ كانَتْ أقْبَحَ الحالاتِ فَضْلًا عَمّا دُونَها، بَلْ هي دائِمَةُ الإهْلاكِ لِكُلِّ ما أذِنَ فِيهِ والتَّغْيِيرُ لِأحْوالِ ما أذِنَ لَها في عَذابِهِ، ولَمْ يُؤْذَنْ في مَحْقِهِ بِالكُلِّيَّةِ، لِكُلِّ شَيْءٍ فَتْرَةٌ ومَلالٌ دُونَها.
المدثر 74:29
ولَمّا كانَ تَغَيُّرُ حالِ الإنْسانِ إلى دُونِ ما هو عَلَيْهِ غائِطًا لَهُ مُوجِعًا إذا كانَ ذَلِكَ تُغَيِّرُ لَوْنَهُ لِأنَّ الظّاهِرَ عُنْوانُ الباطِنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى دالًّا عَلى شِدَّةِ فِعْلِها في ذَلِكَ: ﴿لَوّاحَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةِ التَّغْيِيرِ بِالسَّوادِ والزُّرْقَةِ واللَّمْعِ والِاضْطِرابِ [والتَّعْطِيشِ ونَحْوِها -] مِنَ الإفْسادِ مِن شِدَّةِ حَرِّها، تَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النّارُ الشَّيْءَ - إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ ﴿لِلْبَشَرِ﴾ أيْ لِلنّاسِ أوْ لِجُلُودِهِهِمْ، جَمْعُ بَشَرَةٍ وجَمْعُ البَشَرِ أبْشارٌ
المدثر 74:30
﴿عَلَيْها﴾ أيْ مُطْلَقِ النّارِ بِقَرِينَةٍ ما يَأْتِي مِنَ الخَزَنَةِ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أيْ مَلَكًا، لِطَبَقَةِ المُؤْمِنِينَ وهي العُلْيا مَلَكٌ واحِدٌ، ولِلسِّتِّ الباقِيَةِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، لِكُلِّ واحِدَةٍ ثَلاثَةٌ، لِأنَّ الواحِدَ يُؤازِرُ بِثانٍ، وهُما يُعَزِّزانِ بِثالِثٍ، فَلِذا واللَّهُ أعْلَمُ كانُوا ثَلاثَةً، أوْ لِأنَّ الكَفْرَ يَكُونُ بِاللَّهِ وكُتّابَهُ ورَسُولَهُ ﷺ، فَكانَ لِكُلِّ تَكْذِيبٍ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِها السِّتِّ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَلى الأوَّلِ في كَوْنِهِمْ أشْخاصًا بِأعْيانِهِمْ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ عُلِمَ مِمّا مَضى أنَّهم غِلاظٌ شِدادٌ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَكْفِي لِأهْلِهِ الأرْضَ كُلَّهم كَما أنَّ مَلَكًا واحِدًا وُكِّلَ (p-٦١)بِقَبْضِ جَمِيعِ الأرْواحِ، وجاءَ في الآثارِ أنَّ أعْيُنَهم كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأنْيابَهم كالصَّياصِي، يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ مِن أفْواهِهِمْ، ما بَيْنَ مِنكَبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةَ سَنَةٍ، نُزِعَتْ مِنهُمُ الرَّحْمَةُ، يَدْفَعُ أحَدُهم سَبْعِينَ ألْفًا فَيَرْمِيهِمْ حَيْثُ أرادَ مِن جَهَنَّمَ، قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: إنَّ واحِدًا مِنهم يَدْفَعُ بِالدَّفْعَةِ الواحِدَةِ أكْثَرَ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ العُدَّةَ لِمُكافَأةِ ما في الإنْسانِ مِنَ القُوى الَّتِي بِها يَنْتَظِمُ قِوامُهُ، وهي الحَواسُّ الخَمْسُ الظّاهِرَةُ: السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، والخَمْسُ الباطِنَةُ: المُتَخَيَّلَةُ والواهِمَةُ والمُفَكِّرَةُ والحافِظَةُ والذّاكِرَةُ، وقُوَّتا الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ السَّبْعِ: الماسِكَةُ والهاضِمَةُ والجاذِبَةُ والدّافِعَةُ والغاذِيَةُ والنّامِيَةُ والمُوَلِّدَةُ، وقِيلَ: اخْتِيرَ هَذا العَدَدُ لِأنَّ التِّسْعَةَ نِهايَةُ الآحادِ، والعَشَرَةُ بِدايَةُ العَشَراتِ، فَصارَ مَجْمُوعُهُما جامِعًا لِأكْثَرِ القَلِيلِ وأقَلِّ الكَثِيرِ، فَكانَ أجْمَعَ الأعْدادِ، فَكانَ إشارَةً إلى أنَّ خَزَنَتَها أجْمَعُ الجُمُوعِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قِراءَةَ البَسْمَلَةَ تُنْجِي (p-٦٢)مِن خَزَنَةِ النّارِ فَإنَّها تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، كُلُّ حَرْفٍ مِنها لِمَلِكٍ مِنهم.
المدثر 74:31
ولَمّا كانَ هَذا غَيْرَ مُمَيِّزٍ لِلْمَعْدُودِ، وكانَتِ الحِكْمَةُ في تَعْيِينِ هَذا العَدِّ غَيْرَ ظاهِرٍ، وكانَ هَذا العَدَدُ مِمّا يَسْتَقِلُّهُ المُتَعَنِّتُ فَيَزِيدُهُ كُفْرًا، [قالَ تَعالى -] مُبَيِّنًا لِذَلِكَ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وإنْ خَفِيَ وجْهُ العَظَمَةِ فِيهِ عَلى مَن عَمِيَ قَلْبُهُ ﴿أصْحابَ النّارِ﴾ أيْ خَزَنَتُها ﴿إلا مَلائِكَةً﴾ أيْ إنَّهم لَيْسُوا مِن جِنْسِ المُعَذَّبِينَ فَيَرِقُّوا لَهم ويُطِيقَ المُعَذَّبُونَ مُحاوَلَتَهم أوْ يَسْتَرِيحُوا إلَيْهِمْ وهم أقْوى الخَلْقِ، وقَدْ تَكَرَّرَ عَلَيْكم ذِكْرُهم وعَلِمْتُمْ أوْصافَهم وأنَّهم لَيْسُو كالبَشَرِ بَلِ الواحِدُ مِنهم يَصِيحُ صَيْحَةً واحِدَةً فَيُهْلِكُ مَدِينَةً كامِلَةً كَما وقَعَ لِثَمُودَ، فَكَيْفَ إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الخَزَنَةِ رَئِيسًا تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الجُنُودِ ما لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عِدَّتَهُمْ﴾ أيْ مَذْكُورَةً ومَحْصُورَةً فِيما ذَكَرْنا ﴿إلا فِتْنَةً﴾ أيْ حالَةً مُخالِطَةً مُمِيلَةً مُحِيلَةً ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ، فَإنَّهم يَسْتَقِلُّونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ [بِهِ -] ويَتَعَنَّتُونَ أنْواعًا مِنَ التَّعَنُّتِ بِحَيْثُ إنَّ بَعْضَ أغْبِياءِ قُرَيْشٍ وهو أبُو جَهْلٍ، (p-٦٣)قالَ: ثَكَلَتْكم أُمَّهاتُكُمْ، أسْمَعُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ يَقُولُ كَذا وأنْتُمْ ألَدُّهُمْ، أيَعْجَزُ كُلُّ عَشْرَةِ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ - وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَإنَّهم مُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ الَّذِي هَذا مِن آثارِهِ، وكانَ في عِلْمِ أهْلِ الكِتابِ أنَّ هَذِهِ العُدَّةَ عُدَّتُهُمْ، وأنَّ العَرَبَ إذا سَمِعُوا هَذِهِ العُدَّةَ كانَتْ سَبَبًا لِلشَّكِّ أكْثَرُهم ومَوْضِعًا لِلتَّعَنُّتِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَ بِالفِتْنَةِ أوْ بِ ”جَعَلْنا“ قَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ أيْ يُوجَدُ اليَقِينُ إيجادًا تامًّا كَأنَّهُ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ مُطْلَقَ الإيتاءِ كافٍ في ذَلِكَ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى تَعْيِينِ المُؤْتِي مَعَ أنَّهُ مَعْرُوفٌ أنَّهُ هو اللَّهُ، قالَ البَغَوِيُّ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهم تِسْعَةَ عَشَرَ.
﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ إلى ما عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ ﴿إيمانًا﴾ بِتَصْدِيقِ ما لَمْ يَعْلَمُوا وجْهَ حِكْمَتِهِ لا سِيَّما مَعَ افْتِتانِ غَيْرِهِمْ بِهِ وكَثْرَةِ كَلامِهِمْ فِيهِ، فَإنَّ الإيمانَ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَكُونُ أعْظَمَ.
ولَمّا أثْبَتَ لِكُلٍّ مِنَ الجاهِلِ والعالِمِ ما أثْبَتَ، أكَّدَهُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مُبَيِّنًا لِلْفِتْنَةِ فَقالَ: ﴿ولا يَرْتابَ﴾ أيْ يَشُكُّ شَكًّا يَحْصُلُ بِتَعَمُّدٍ وتَكَسُّبٍ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ المُطابِقِ لِذَلِكَ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «إنَّ قَوْمًا مَن أهْلِ (p-٦٤)الكِتابِ جاؤُوا إلَيْهِ في قَضِيَّةٍ - فِيها طُولٌ، وفِيها أنَّهم سَألُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذا وهَكَذا، في مَرَّةٍ عَشْرَةٌ وفي مَرَّةٍ تِسْعَةٌ، فَقالُوا: بارَكَ اللَّهُ فِيكَ يا أبا القاسِمِ، ثُمَّ سَألَهُمْ: ما خَزَنَةُ الجَنَّةِ؟ فَسَكَتُوا هَيْبَةً [ثُمَّ -] قالُوا: خُبْزَةٌ يا أبا القاسِمِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الخُبْزَةُ مِنَ الدِّرْمَكِ» ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَرْتابُ الَّذِينَ رَسَخَ الإيمانُ عِنْدَهم لِما رَأوْا مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي جَعَلَتْهم في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ﴾ اسْتَقَرَّ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ وإنْ قَلَّ، ونُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ وُجُودِ المُنافِقِينَ عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، ولا يُنْكَرُ جَعْلُ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ الأُمُورِ عِلَّةً لِمَصالِحِ ناسٍ وفَسادِ آخَرِينَ، لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ عَلى أنَّ العِلَّةَ قَدْ تَكُونُ مَقْصُودَةً لِشَيْءٍ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ثُمَّ يُرَتَّبُ عَلَيْها شَيْءٌ آخَرُ يَكُونُ قَصْدُهُ بِالقَصْدِ الثّانِي تَقُولُ: [خَرَجْتُ -] مِنَ البَلَدِ لِمُخالَفَةِ أكْثَرَ ومَخافَةِ الشَّرِّ لا يَتَعَلَّقُ بِها الغَرَضُ ﴿والكافِرُونَ﴾ أيْ ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في الكُفْرِ الجازِمُونَ بِالتَّكْذِيبِ المُجاهِرُونَ بِهِ السّاتِرُونَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ مِنَ الحَقِّ ﴿ماذا﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ ﴿أرادَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿بِهَذا﴾ أيِ العَدَدِ القَلِيلِ في جَنْبِ عَظَمَتِهِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ مِن جِهَةٍ أنَّهُ صارَ بِذَلِكَ مُسْتَغْرِبًا اسْتِغْرابَ المِثْلِ، أوْ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ظاهِرُهُ بَلْ (p-٦٥)مَثَّلَ لِشَيْءٍ لَمْ يَفْهَمُوهُ وفَهِمُوا أنَّ بَيْنَ اسْتِجْماعِهِ لِلْعَظَمَةِ وهَذا العَدَدِ عِنادًا، وما عَلِمُوا أنَّ القَلِيلَ مِن حَيْثُ العَدَدِ قَدْ يَكُونُ أعْظَمَ بِقُوَّتِهِ مِنَ الكَثِيرِ العَدَدِ، ويَكُونُ أدَلَّ عَلى اسْتِجْماعِ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: أرادَ بِهَذا إضْلالَ مَن ضَلَّ وهو لا يُبالِي، وهِدايَةَ مَنِ اهْتَدى وهو لا يُبالِي، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا في غَيْرِ هَذا؟ فَقالَ جَوابًا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ ومَعاقِدُ العِزِّ ﴿مَن يَشاءُ﴾ بِأيِّ كَلامٍ شاءَ ﴿ويَهْدِي﴾ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ بِنَفْسِ ذَلِكَ الكَلامِ أوْ بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ مِن حِكَمِ جَعْلِ الخَزَنَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ والإخْبارُ عَنْهم بِتِلْكَ العُدَّةِ فَإنَّ إبْرازَ الأحْكامِ عَلى وجْهِ الغُمُوضِ مِن أعْظَمِ المُهْلِكاتِ والمُسْعِداتِ، لِأنَّ المُنْحَرِفَ الطِّباعِ يَبْحَثُ عَنْ عِلَلِها بَحْثًا مُتَعَنِّتًا، فَإذا عَمِيَتْ عَلَيْهِ قَطَعَ بِبُطْلانِ تِلْكَ الأحْكامِ أوْ شَكَّ، ورُبَّما أبى الِانْقِيادَ، وذَلِكَ هو سَبَبُ كُفْرِ إبْلِيسَ والمُسْتَقِيمُ المِزاجِ [يَبْحَثُ -] مَعَ التَّسْلِيمِ فَإنْ ظَهَرَ لَهُ الأمْرُ ازْدادَ تَسْلِيمًا وإلّا قالَ: آمَنتُ بِذَلِكَ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا - فَكانَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن تَمامِ الِانْقِيادِ لِما (p-٦٦)يَعْلَمُ سِرَّهُ - رَزَقَنا اللَّهُ التَّسْلِيمَ لِأمْرِهِ وأعانَنا عَلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يُوهِمُ قِلَّةَ جُنُودِهِ تَعالى، أتْبَعَهُ ما يُزِيلُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأنْواعِ الإحْسانِ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ بِغايَةِ الإتْقانِ مِن جَعْلِ النّارِ وخَزَنَتِها وجَعْلِهِمْ عَلى هَذِهِ العُدَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَلا تَعْلَمُ عُدَّتَهم لِأجْلِ كَثْرَتِهِمْ وخُرُوجِهِمْ عَنْ طَوْقِ المَخْلُوقِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ في الأجْسادِ والمَعانِي ﴿إلا هُوَ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَلَوْ أرادَ لِجَعْلِ الخَزَنَةِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ «البَيْتَ المَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ لا تَعُودُ إلَيْهِمْ نَوْبَةٌ أُخْرى،» وقَدْ ورَدَ أنَّ الأرْضَ في السَّماءِ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ [فِي فَلاةٍ -] وكُلُّ سَماءٍ في الَّتِي فَوْقَها كَذَلِكَ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ يُصَلِّي».
وإنَّما خُصٌّ هَذا العَدَدُ لِحِكَمٍ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، ومَن أرادَ إطْلاعَهُ عَلى ذَلِكَ مِن عِبادِهِ مَعَ أنَّ الكِفايَةَ تَقَعُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ في المَلائِكَةِ مَنِ اقْتَلَعَ مَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ وهي سَبْعٌ ”ورَفَعَها“ إلى عَنانِ السَّماءِ، وكُلُّ ما في الإنْسانِ مِنَ الجَواهِرِ (p-٦٧)والإعْراضِ مِن جُنُودِ اللَّهِ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن نَفْسِهِ لَأهْلَكَهُ: لَوْ تَحَرَّكَ عِرْقٌ ساكِنٌ أوْ سَكَنَ مُتَحَرِّكٌ أوِ انْسَدَّ مُجَوَّفٌ أوْ تَجَوَّفَ مُنْسَدٌّ لَهَلَكَ.
ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أسْرارِ سَوْقِ الأخْبارِ عَنْها غامِضًا، وكانَ ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ العِبادِ لِيَفْتَحَ لَهم بابًا إلى التَّسْلِيمِ لِما يُغْمِضُ مِن تَذْكِيرِهِمْ بِأمْرِ مَلِيكِهِمْ لِأنَّ العاجِزَ لا يَسَعُهُ في المَشْيِ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ إلّا التَّسْلِيمُ لِلْقادِرِ وإلّا أهْلَكَ نَفْسَهُ وما ضَرَّ غَيْرَها، خَصَّ أمْرَها في التَّذْكِيرِ تَأْكِيدًا لِلْإعْلامِ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ لِأجْلِ ما لِأغْلَبِ المُخاطَبِينَ مِنَ اعْوِجاجِ الطِّباعِ المُقْتَضِي لِلرَّدِّ والإنْكارِ، المُقْتَضِي لِسَوْقِ الكَلامِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيِ النّارُ الَّتِي هي [مِن -] أعْظَمِ جُنُودِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيْ تَذْكِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِكُلِّ مَن هو ظاهِرُ البَشْرَةِ فَبَدَنُهُ أقْبَلُ شَيْءٍ لِلتَّأثُّرِ بِها لِأجْلِ ما يَعْرِفُونَ مِنها في دُنْياهُمْ، وإلّا فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى إيجادِ ما هو أشَدُّ مِنها وأعْظَمُ وأكْثَرُ إيلامًا مِمّا لا يَعْلَمُهُ الخَلائِقُ.
المدثر 74:32
ولَمّا كانَ حَصْرُها في الذِّكْرى رُبَّما أوْهَمَ نَقْصًا في أمْرِها يُوجِبُ لِبَعْضِ المُعانِدِينَ رِيبَةً في عِظَمِهِ وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَها ولا عَذابَ فِيها، قالَ رادِعًا مِن ذَلِكَ ومُنَبِّهًا عَلى الِاسْتِعْدادِ والحَذَرِ بِكَلِمَةِ الرَّدْعِ (p-٦٨)والتَّنْبِيهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ إيّاكَ أنْ تَرْتابَ في أهْوالِها وعَظِيمِ أمْرِها وأحْوالِها وأوْجالِها لِأنَّ الأمْرَ أطَمُّ وأعْظَمُ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ، فَلْيَرْتَدِعِ السّامِعُ ولِيَنْزَجِرْ.
ولَمّا حَصَرَ أمْرَها في الذِّكْرى ونَفى أنْ يَظُنَّ بِها نَقْصٌ فِيما جُعِلَتْ لَهُ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ إشارَةً إلى ما لِأغْلَبِ المُخاطَبِينَ مِنَ الشَّكاسَةِ والعُوَجِ إيقاظًا مِمّا هم فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ وتَلْطِيفًا لِما لَهم مِنَ اللَّوْمِ والكَثافَةِ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى السَّعْيِ في تَقْوِيمِ أنْفُسِهِمْ بِما يَسْتَعْمِلُونَهُ مِنَ الأدْوِيَةِ الَّتِي يُرْشِدُهم سُبْحانَهُ إلى عِلاجِ أمْراضِ القُلُوبِ بِها، زادَ الأمْرَ تَأْكِيدًا فَأقْسَمَ عَلى ذَلِكَ بِما هو ذِكْرى لِلنّاسِ ولا يَظْهَرُ مَعَهُ ظَلامُ اللَّيْلِ كَما أنَّ ضِياءَ القُرْآنِ لا يَظْهَرُ مَعَهُ ظَلامُ الجَهْلِ مَن أعْمَلَ عَيْنَ فِكْرَتِهِ، وألْقى حُظُوظَ نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿والقَمَرِ﴾ [أيِ الَّذِي -] هو آيَةُ اللَّيْلِ الهادِيَةُ لِمَن ضَلَّ بِظَلامِهِ
المدثر 74:33
﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ أيْ مَضى فانْقَلَبَ راجِعًا مِن حَيْثُ جاءَ فانْكَشَفَ ظَلامُهُ فَزالَ الجَهْلُ بِانْكِشافِهِ، وانْصَرَفَتِ الرِّيَبُ والشُّكُوكُ بِانْصِرافِهِ
المدثر 74:34
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أقْبَلَ ضِياؤُهُ فَجَلَّ العِلْمُ بِحُلُولِهِ، وحَصَلَتِ الهِدايَةُ بِحُصُولِهِ، أوْ دَبَرَ بِمَعْنى ”أقْبَلَ“ قالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ: دَبَرَنِي فُلانٌ أيْ جاءَ خَلَفِي.
المدثر 74:35
ولَمّا أقْسَمَ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن ذِكْراها، وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمُ العَظِيمِ لِبَلاياها (p-٦٩)اسْتَأْنَفَ تَعْظِيمَها والتَّخْوِيفَ مِنها تَأْكِيدًا لِلتَّخْوِيفِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإنْكارِ فَقالَ: ﴿إنَّها﴾ أيِ النّارُ الَّتِي سَقَرَ دَرْكَةٌ مِن دَرْكاتِها، وزادَ في التَّأْكِيدِ عَلى مُقْتَضى زِيادَتِهِمْ في الِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿لإحْدى الكُبَرِ﴾ أيْ مِنَ الدَّواهِي والعَظائِمِ، جَمْعُ كَبِيرَةٍ وكُبْرى، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ هَوْلِها كَما يَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ أيْ لا مِثْلَ لَهُ، أوِ المُرادُ بِها واحِدَةُ سَبْعٍ هي غايَةٌ في الكِبَرِ أيْ دِرْكاتُ النّارِ، وهو جَهَنَّمُ فَلَظى فالحَطْمَةُ فالسَّعِيرُ فَسَقَرُ فالجَحِيمُ فالهاوِيَةُ، هي إحْداها في عَظِيمِ أقْطارِها وشَدِيدِ إيلامِها وإضْرارِها، حالَ كَوْنِها
المدثر 74:36
﴿نَذِيرًا﴾ عَظِيمًا أوْ مِن جِهَةِ نِذارَتِها أوْ إنْذارًا بِالِغًا: فَعِيلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ مِثْلُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] أيْ إنْكارِي، وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلْبَشَرِ﴾ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى إسْراعِ الجِسْمِ العادِيِّ في قَبُولِ التَّأثُّرِ لا سِيَّما بِالنّارِ.
المدثر 74:37
ولَمّا كانَ التَّقَدُّمُ عِنْدَ النّاسِ لا سِيَّما العَرَبُ مَحْبُوبًا والتَّأخُّرُ مَكْرُوهًا، وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ خَلَقَ في الإنْسانِ قُوَّةً واخْتِيارًا بِها يَفْعَلُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ وغَطّى عَنْهُ عِلْمَ العاقِبَةِ حَتّى صارَ الفِعْلُ يُنْسَبُ إلَيْهِ وإنْ كانَ إنَّما هو بِخَلْقِ اللَّهِ، قالَ تَعالى باعِثًا لَهم عَلى الخَيْرِ ومُبْعِدًا مِنَ الشَّرِّ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُبْدِلًا جَوابًا لِمَن يَقُولُ: وما عَسى أنْ نَفْعَلَ؟ أوْ يَنْفَعَ (p-٧٠)الإنْذارُ وقَدْ قالَ إنَّهُ هو الهادِي المُضِلُّ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ [ويَهْدِي مَن يَشاءُ -]: ﴿لِمَن شاءَ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ، وصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ لِئَلّا يَتَعَنَّتَ مُتَعَنِّتُهم فَيَقُولُ: المُرادُ غَيْرُنا، فَقالَ: ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُعانِدُونَ ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ أيْ إلى الخَيْراتِ ﴿أوْ يَتَأخَّرَ﴾ أيْ عَنْها فَيَصِلُ إلى غَضَبِ اللَّهِ تَعالى والنّارِ الَّتِي هي أثَرُ غَضَبِهِ، الَّتِي جَعَلَ ما عِنْدَنا مِن مُؤْلِمِ الحَرِّ ومُهْلِكِ البَرْدِ مُتَأثِّرًا عَنْ نَفْسَيْها تَذْكِيرًا لَنا ورَحْمَةً بِنا، وحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّ اسْتِعْمالَهُ كَثِيرٌ حَتّى صارَ يُعْرَفُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، وتَرْجَمَةُ ذَلِكَ: لِمَن شاءَ أنْ يَتَقَدَّمَ التَّقَدُّمَ بِما لَهُ مِنَ المُكْنَةِ والِاخْتِيارِ في ظاهِرِ الأمْرِ، ولِمَن شاءَ أنْ يَتَأخَّرَ التَّأخُّرَ، و﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وهو مَثَلٌ ”لِمَن يَتَوَضَّأُ أنْ يُصَلِّيَ“ ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِن ”لِلْبَشَرِ“ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغائِبِ إلى الحاضِرِ لِيَصِيرَ كُلُّ مُخاطَبٍ بِهِ كَأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِذَلِكَ بِالقَصْدِ الأوَّلِ فَيَتَأمَّلُ المَعْنى في نَفْسِهِ فَيَجِدُهُ صادِقًا ثُمَّ يَتَأمَّلُ فَلا يَجِدُ مانِعًا مِن تَعْدِيَتِهِ إلى غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ البِشْرِ، ويَكُونُ ”أنْ“ والفِعْلُ عَلى هَذا مَفْعُولًا لِ ”شاءَ“ .
المدثر 74:38
ولَمّا كانَ التَّقَدُّمُ [والتَّأخُّرُ -] بِالأفْعالِ، وكانَ أكْثَرَ أفْعالِ الإنْسانِ الشَّرُّ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ، قالَ مُبَيِّنًا لِما يُقَدِّمُ وما يُؤَخِّرُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى عَلى العُمُومِ ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ خاصَّةً (p-٧١)لا بِما كَسَبَ غَيْرُها ﴿رَهِينَةٌ﴾ أيْ مُرْتَهِنَةً بِالفِعْلِ، اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ كَما في [قَوْلِ -] الحَماسِيِّ:
؎أبَعْدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفُّ كُوَيْكِبُ ∗∗∗ رَهِينَةٌ رَمْسِ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ
لا تَأْنِيثَ ”رَهِينُ“ الَّذِي هو وصْفٌ، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى [مَفْعُولٍ -] يَسْتَوِي مُذَكَّرُهُ ومُؤَنَّثُهُ، ولَوْ كانَتِ الفَواصِلُ الَّتِي يُعَبِّرُونَ بِها عَنِ السَّجْعِ تَأدُّبًا تُراعى في القُرْآنِ بِوَجْهٍ لَقِيلَ: [رَهِينٌ -] - لِأجْلِ يَمِينٍ، ولَكِنْ لا نَظَرَ فِيهِ لِغَيْرِ المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ [الهاءُ -] لِلْمُبالَغَةِ بِمَعْنى مُوَثَّقَةً إيثاقًا بَلِيغًا مَحْبُوسَةً حَبْسًا عَظِيمًا فَهي في النّارِ، فَجُعِلَ الأصْلُ في الكَسْبِ المُوَثَّقِ.
المدثر 74:39
ولَمّا كانَ الرَّهْنُ تارَةً يُفَكُّ وتارَةً يُغْلَقُ، وكانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكًا، جَعَلَ رَهِينَةً بِمَعْنى هالِكَةً، ثُمَّ اسْتَثْنى المَمْدُوحَ فَقالَ: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ أيِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ وصْفُهم وهُمُ الَّذِينَ تَحَيَّزُوا إلى اللَّهِ فائْتَمَرُوا بِأوامِرِهِ وانْتَهُوا بِنَواهِيهِ، فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِأعْمالِهِمْ، بَلْ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ فَيَقْبَلُ حَسَناتِهِمْ ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ.
المدثر 74:40
ولَمّا أخْرَجَهم عَنْ حُكْمِ الِارْتِهانِ الَّذِي أطْلَقَ عَلى الإهْلاكِ لِأنَّهُ (p-٧٢)سَبَبُهُ، اسْتَأْنَفَ بَيانَ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ في غايَةِ العِظَمِ لِأنَّهم أطْلَقُوا أنْفُسَهم وفَكُّوا رِقابَهم فَلَمْ يَرْتَهِنُوا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا الِارْتِهانَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وأثْبَتَ ثانِيًا الجَنَّةَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّها أوَّلًا.
ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنْ حالِ الغَيْرِ دالًّا دَلالَةً واضِحَةً عَلى الرّاحَةِ والفَراغِ عَنْ كُلِّ ما يَهِمُّ النَّفْسَ، عَبَّرَ عَنْ راحَتِهِمْ في أجَلِّ وعْظٍ وألْطَفِ تَحْذِيرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا
المدثر 74:41
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ أحْوالِ العَرِيقِينَ في قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ.
المدثر 74:42
ولَمّا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ وكانَ أحَدٌ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، فَكانَ لا عِلْمَ لَهُ بِتَفاصِيلِ ما يَتَّفِقُ لِغَيْرِهِ، وكانَ أوْلِياءُ اللَّهِ إذا دَخَلُوا دارَ كَرامَتِهِ أرادُوا العِلْمَ بِما فَعَلَ بِأعْدائِهِمْ فِيهِ سُبْحانَهُ، فَتَساءَلُوا عَنْ حالِهِمْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا عِلْمَ لَنا، فَكَشَفَ [اللَّهُ -] لَهم عَنْهم حَتّى رَأوْهم في النّارِ وهي تُسَعَّرُ بِهِمْ لِيُقِرَّ اللَّهُ أعْيُنَهم بِعَذابِهِمْ، زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وثَوابِهِمْ، كَما تَقَدَّمَ في الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وكانَ [بِساطُ -] الكَلامِ دالًّا عَلى هَذا كُلِّهِ، أشارَ لَنا سُبْحانَهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَمّا يَقُولُ لَهم أوْلِياؤُهم تَوْبِيخًا (p-٧٣)وتَعْنِيفًا وشَماتَةً وتَقْرِيعًا تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] الآيَةُ، ولِتَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ مَوْعِظَةً لِلسّامِعِينَ وذِكْرى لِلذّاكِرِينَ: ﴿ما﴾ هي مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ ﴿سَلَكَكُمْ﴾ أيْ أدْخَلَكم أيُّها المُجْرِمُونَ إدْخالًا هو في غايَةِ الضَّيِّقِ حَتّى كَأنَّكُمُ السِّلْكُ في الثُّقْبِ ﴿فِي سَقَرَ﴾ فَكانَ هَذا الخِطابُ مُفْهِمًا لِأنَّهم لَمّا تَساءَلُوا نَفُوا العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ نَفْيَ العِلْمِ لِأنَّهم شُغِلُوا عَنْ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ وأنَّهم ما شُغِلُوا - مَعَ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ السَّعادَةِ - إلّا لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ عَظِيمُ الشَّواغِلِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ إذا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ عِلْمُ أحْوالِهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وهم غَيْرُ مُرِيدِينَ الشَّفاعَةَ فِيهِمْ فَلَمْ يَبْقَ لَهم طَرِيقٌ إلى عِلْمِ ذَلِكَ لا يَظُنُّ بِهِ التَّعْرِيضُ لِلشَّفاعَةِ إلّا السُّؤالُ مِنهم عَنْ أنْفُسِهِمْ في أنَّهم يُخاطِبُونَهم بِذَلِكَ فَيَعْلَمُونَ عِلْمَهم لِيَزْدادُوا بِذَلِكَ غِبْطَةً وسُرُورًا بِما نَجّاهُمُ اللَّهُ مِن مِثْلِ حالِهِمْ ويُكْثِرُوا مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما وفَّقَهم لَهُ ولِيَكُونَ ذَلِكَ عِظَةً لَنا بِسَماعِنا إيّاهُ فَحَكى اللَّهُ أنَّهم لَمّا سَألُوهُمْ
المدثر 74:43
﴿قالُوا﴾ ذاكِرِينَ عِلَّةَ دُخُولِهِمُ النّارَ بِإفْسادِ قُوَّتِهِمُ العَمَلِيَّةِ في التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ فَذْلَكَةٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ [مِن-] (p-٧٤)مُهِمّاتِ السُّورَةِ بِما حاصِلُهُ أنَّهم لَمْ يَتَحَلَّوْا بِفَضِيلَتَيْنِ ولَمْ يَتَخَلَّوْا عَنْ رَذِيلَتَيْنِ تَعْرِيفًا بِأنَّهم كانُوا مُخاطِبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وفي البَداءَةِ بِالعَمَلِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ المُبادَرَةُ إلى ما يَأْمُرُهُ بِهِ الصّادِقُ لِأنَّهُ المُصَدِّقُ لِحُسْنِ الِاعْتِقادِ، والمُبادَرَةُ إلى التَّلَبُّسِ بِالعَمَلِ أسْهَلُ مِنَ المُبادَرَةِ إلى التَّلَبُّسِ بِالعِلْمِ، لِأنَّ العَمَلَ لَهُ صُورَةٌ وحَقِيقَةٌ، ومُطْلَقُ التَّصْوِيرِ أسْهَلُ مِنَ التَّحْقِيقِ، ومِن صَوَّرَ شَيْئًا كانَ أقْرَبَ إلى تَحْقِيقِهِ مِمَّنْ لَمَّ يُصَوِّرْهُ، فَكانَ أجْدَرَ بِتَحْقِيقِهِ مِمَّنْ لَمَّ يُباشِرْ تَصْوِيرَهُ، فَفِيهِ حَثٌّ عَلى المُسابَقَةِ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ وإنْ لَمْ تَكُنِ النِّيَّةُ خالِصَةً، وإيذانٌ بِأنَّ مَن أدْمَنَ تَرْكَ الأعْمالِ قادَهُ إلى الِانْسِلاخِ مِن حُسْنِ الِاعْتِقادِ، ووَرَّطَهُ في الضَّلالِ،
﴿لَمْ نَكُ﴾ حَذَفُوا النُّونَ دَلالَةً عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضِّيقِ عَنِ النُّطْقِ حَتّى بِحَرْفٍ يُمْكِنُ الِاغْتِناءُ عَنْهُ، ودَلالَةً عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم نَوْعُ طَبْعٍ جَيِّدٍ يَحُثُّهم عَلى الكَوْنِ في عِدادِ الصّالِحِينَ، وكانَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عَظِيمٍ ما هم فِيهِ مِنَ الدَّواهِي الشّاغِلَةِ بِضِدِّ ما فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ مِنَ الفَراغِ الحامِلِ لَهم عَلى السُّؤالِ عَنْ أحْوالِ غَيْرِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ: ﴿مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [أيْ-] (p-٧٥)صَلاةٌ يُعْتَدُّ بِها، فَكانَ هَذا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ رُسُوخَ القَدَمِ [فِي الصَّلاةِ -] مانِعٌ مِن مِثْلِ حالِهِمْ، وعَلى أنَّهم يُعاقِبُونَ عَلى فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وإنْ كانَتْ لا تَصِحُّ مِنهُمْ، فَلَوْ فَعَلُوها قَبْلَ الإيمانِ لَمْ يُعْتَدَّ بِها، وعَلى أنَّ الصَّلاةَ [أعْظَمُ -] الأعْمالِ، وأنَّ الحِسابَ بِها يُقَدَّمُ عَلى غَيْرِها.
المدثر 74:44
ولَمّا نَفَوُا الوَصْلَةَ بِالخالِقِ، أتْبَعُوهُ إفْسادَ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِعَدَمِ وصْلَةِ الخَلائِقِ بِتَرْكِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ [فَقالُوا-]: ﴿ولَمْ نَكُ﴾ بِحَذْفِ النُّونِ أيْضًا لِما هم [فِيهِ -] مِنَ النَّكَدِ ونَفْيًا لِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الطَّبْعِ الجَيِّدِ ﴿نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لِأجْلِ مَسْكَنَتِهِ، نَفَوْا هُنا وُجُودَ إطْعامِهِ لِأنَّهم إنِ اتَّفَقَ إطْعامُهم لَهُ فَلِعِلَّةٍ أُخْرى غَيْرِ المَسْكَنَةِ، وأمّا الصَّلاةُ فَهم يُوجِدُونَها [لِلَّهِ -] بِزَعْمِهِمْ، لَكِنْ [لَمّا -] كانَتْ عَلى غَيْرِ ما أمَرُوا بِهِ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً فَلَمْ يَكُونُوا مِنَ الرّاسِخِينَ في وصْفِها.
المدثر 74:45
ولَمّا سَلَبَهُمُ التَّحَلِّي بِلِباسِ الأوْلِياءِ أثْبَتَ لَهُمُ التَّحَلِّي بِلِباسِ الأشْقِياءِ بِإفْسادِ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ جامِعًا القَوْلَ إلى الفِعْلِ فَقالُوا: ﴿وكُنّا﴾ أيْ بِما جَبَلَنا عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿نَخُوضُ﴾ أيْ نُوجِدُ الكَلامَ الَّذِي هو في غَيْرِ مَواقِعِهِ ولا عِلْمَ لَنا بِهِ إيجادُ المَشْيِ [مِنَ الخائِضِ في ماءٍ غَمْرٍ- ] (p-٧٦)﴿مَعَ الخائِضِينَ﴾ بِحَيْثُ صارَ لَنا هَذا [ وصْفًا راسِخًا فَنَقُولُ في القُرْآنِ: إنَّهُ سِحْرٌ، وإنَّهُ شِعْرٌ، وإنَّهُ كَهانَةٌ وغَيْرُ هَذا -] مِنَ الأباطِيلِ، لا نَتَوَرَّعُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا نَقِفُ مَعَ عَقْلٍ، ولا نَرْجِعُ إلى صَحِيحِ نَقْلٍ، فَلْيَأْخُذِ الَّذِينَ يُبادِرُونَ إلى الكَلامِ في كُلِّ ما يَسْألُونَ عَنْهُ مِن أنْواعِ العِلْمِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتِ مَنزِلَتِهِمْ [مِن -] هُنا.
المدثر 74:46
ولَمّا كانَ الإدْمانُ عَلى الباطِلِ يَجُرُّ إلى غَلَبَةِ الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ، وغَلَبَهُ ذَلِكَ ولا بُدَّ تُوجِبُ إفْسادَ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ بِتَصْدِيقِ الكَذِبِ وتَكْذِيبِ الصِّدْقِ، قالُوا بَيانًا لِاسْتِحْبابِهِمُ الخُلُودَ: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ﴾ أيْ بِحَيْثُ صارَ لَنا ذَلِكَ وصْفًا ثابِتًا ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾
المدثر 74:47
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: واسْتَمَرَّ تَكْذِيبُنا لِصَيْرُورَتِهِ لَنا أوْصافًا ثابِتَةً. بَنَوْا عَلَيْهِ قَوْلَهُمْ: ﴿حَتّى أتانا﴾ أيْ قَطْعًا ﴿اليَقِينُ﴾ أيْ بِالمَوْتِ أوْ مُقَدَّماتِهِ الَّتِي قَطَّعَتْنا عَنْ [دارِ -] العَمَلِ فَطاحَ الإيمانُ بِالغَيْبِ.
المدثر 74:48
ولَمّا أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِما أوْجَبَ العَذابَ الدّائِمَ، فَكانُوا مِمَّنْ فَسَدَ مِزاجُهُ فَتَعَذَّرَ عِلاجُهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ في حالِ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفاتِ وهي حالَةٌ لازِمَةٌ لَهم دائِمًا ﴿شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ لَوْ شَفَعُوا فِيهِمْ.
المدثر 74:49
ولَمّا كانَ هَذا الإخْبارَ بِنَعِيمِ المُنْعِمِ وعَذابِ المُعَذَّبِ (p-٧٧)مُوجِبًا لِلتَّذَكُّرِ، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فَما﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يَكُونُ ﴿لَهُمْ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ أيِ التَّذَكُّرِ العَظِيمِ خاصَّةً بِالقُرْآنِ خُصُوصًا وبِغَيْرِهِ عُمُومًا ﴿مُعْرِضِينَ﴾ وعَلى الباطِلِ وحْدَهُ مُقْبِلِينَ، وذَلِكَ مِن أعْجَبِ العَجَبِ، لِأنَّ طَبْعَ الإنْسانِ إذا حُذِّرَ مِن شَيْءٍ حَذَرَهُ أشَدَّ الحَذَرِ كَما لَوْ حَذَّرَ المُسافِرُ مِن سَبْعٍ في طَرِيقِهِ فَإنَّهُ يَبْذُلُ جُهْدَهُ في الحَيْدَةِ عَنْهُ والحَذَرِ مِنهُ وإنْ كانَ المُخْبِرُ كاذِبًا، فَكَيْفَ يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا المَحْذُورِ الأعْظَمِ والمُخْبِرُ أصْدَقُ الصّادِقِينَ، فَإعْراضُهم هَذا دَلِيلٌ عَلى اخْتِلالِ عُقُولِهِمْ واخْتِبالِ فُهُومِهِمْ، وزادَ ذَلِكَ عَجَبًا شِدَّةَ نِفارِهِمْ حَتّى
المدثر 74:50
﴿كَأنَّهُمْ﴾ في إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مِن شِدَّةِ النَّفْرَةِ والإسْراعِ في الفَرَّةِ ﴿حُمُرٌ﴾ أيْ مِن حُمْرِ الوَحْشِ وهي أشَدُّ الأشْياءِ نِفارًا، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُ تَشْبِيهاتِ العَرَبِ في وصْفِ الإبِلِ بِسُرْعَةِ السَّيْرِ بِالحُمْرِ في عَدْوِها إذا ورَدَتْ ماءً فَأحَسَّتْ عَلَيْهِ ما يُرِيبُها، وفي تَشْبِيهِ الكَفَرَةِ بِالحُمْرِ ولا سِيَّما في هَذِهِ الحالَةِ مَذَمَّةٌ ظاهِرَةٌ وتَهْجِينٌ لِحالِهِمْ بَيِّنٌ، وشَهادَةً عَلَيْهِمْ بِالبَلَهِ وقِلَّةِ العَقْلِ وعَدَمِ التَّثَبُّتِ ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ أيْ مُوجِدَةٌ لِلنِّفارِ (p-٧٨)بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ حَتّى كَأنَّها تَطْلُبُهُ مِن أنْفُسِها لِأنَّهُ مِن شَأْنِها وطَبْعِها - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى أنَّهُ نَفَّرَها مُنَفِّرٌ.
المدثر 74:51
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِسَبَبٍ عَظِيمٍ يَتَشَوَّفُ إلَيْهِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ أسَدٍ شَدِيدِ القَسْرِ عَظِيمِ القَهْرِ فَنَشَبَتْ في حَبائِلِ سَقَرٍ أوْ صَيّادِينَ.
المدثر 74:52
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا شَيْءَ لَهم في إعْراضِهِمْ هَذا، أضْرَبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ﴾ أيْ [عَلى -] دَعْواهم وبِزَعْمِهِمْ ﴿كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيِ المُعْرِضِينَ، مَعَ ادِّعائِهِ الكَمالَ في المُرُوءَةِ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ مُرادَهم مَعْرُوفٌ ﴿صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ مَكْتُوبَةً ﴿مُنَشَّرَةً﴾ أيْ كَثِيرَةً جِدًّا وكُلُّ واحِدٍ مِنها مَنشُورٌ لا مانِعَ مِن قِراءَتِهِ وأخْذِهِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى تَأْتِيَ كُلًّا مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ: مِنَ اللَّهِ إلى فُلانٍ اتَّبِعْ مُحَمَّدًا ﷺ.
المدثر 74:53
ولَمّا كانَ ذَلِكَ إنَّما هو تَعَنُّتٌ، لا أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ قالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ لَهم غَرَضٌ في الِاتِّباعِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا بِهَذا الشَّرْطِ ولا بِغَيْرِهِ: ﴿بَلْ﴾ عِلَّتُهُمُ الحَقِيقِيَّةُ في هَذا الإعْراضِ أنَّهم ﴿لا يَخافُونَ﴾ أيْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿الآخِرَةَ﴾
المدثر 74:54
ولَمّا كانَ (p-٧٩)فِعْلُهم هَذا فِعْلَ مَن يَعْتَقِدُ في القُرْآنِ أنَّهُ لَيْسَ بِوَعْظٍ صَحِيحٍ يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَّبَعَ، قالَ رادِعًا لَهم عَنْ هَذا اللّازِمِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ قَطْعًا كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ لا يَسْتَحِقُّ الإقْبالَ، ثُمَّ أسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما تَضَمَّنَ هَذا الفِعْلَ مِن إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ مَوْضِعُ وعْظٍ عَظِيمٍ يُوجِبُ إيجابًا عَظِيمًا اتِّباعُهُ وعَدَمُ الِانْفِكاكِ عَنْهُ بِوَجْهٍ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: أنا مَعْذُورٌ لِأنِّي لَمْ أجِدْ مُذَكِّرًا ولا مُعَرِّفًا فَإنَّ عِنْدَهُ أعْظَمَ مُذَكِّرٍ وأشْرَفَ مُفَرِّقٍ.
المدثر 74:55
ولَمّا كانَ في غايَةِ السُّهُولَةِ والحَلاوَةِ لِكُلِّ مَن عَرَفَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَ القُوى والقَدَرَ، وجَعَلَ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ كَوْنِهِ مَوْضِعًا لِلتَّذَكُّرِ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيْ أنْ يَذْكُرَهُ ﴿ذَكَرَهُ﴾ فَثَبَتَ في صَدْرِهِ وعَلِمَ مَعْناهُ وتَخَلَّقَ بِهِ، فَلَيْسَ أحَدٌ [يَقْدِرُ -] أنْ يَقُولَ: إنَّهُ صَعْبُ التَّرْكِيبِ عَظِيمُ التَّعْقِيدِ عَسِرُ الفَهْمِ، يَحْتاجُ في اسْتِخْراجِ المَعانِي مِنهُ إلى عِلاجٍ كَبِيرٍ ومُمارَسَةٍ طَوِيلَةٍ فَأنا مَعْذُورٌ في الوُقُوفِ عَنْهُ، بَلْ [هُوَ -] كالبَحْرِ الفُراتِ، مَن شاءَ اغْتَرَفَ، لِأنَّهُ خُوطِبَ بِهِ أُمَّةً أُمِّيَّةً لا مُمارَسَةَ لَها لِشَيْءٍ مِنَ العُلُومِ، فَسَهُلَ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ غايَةَ السُّهُولَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُوصَلُ إلى قَرارِهِ ولا (p-٨٠)يَطْمَعُ في مُناظَرَةِ أثَرٍ مِن آثارِهِ، بَلْ كُلَّما زادَ الإنْسانُ فِيهِ تَأمُّلًا زادَهُ مَعانِي.
المدثر 74:56
ولَمّا كانَ [هَذا -] رُبَّما أوْهَمَ أنَّ لِلْعَبْدِ اسْتِقْلالًا بِالتَّصَرُّفِ، قالَ مُعَلِّمًا بِأنَّ هَذا إنَّما هو كِنايَةٌ عَمّا لَهُ مِنَ السُّهُولَةِ والحَلاوَةِ والعُذُوبَةِ الَّتِي تُوجِبُ عِشْقَهُ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ مُنَبِّهًا عَلى تَرْكِ الإعْجابِ وإظْهارِ الذُّلِّ والِالتِجاءِ والِافْتِقارِ إلى العَزِيزِ الغَفّارِ في طَلَبِ التَّوْفِيقِ لِأقْوَمِ طَرِيقٍ: ﴿وما يَذْكُرُونَ﴾ أيْ [و -] لا واحِدَ مِنكم هَذا القُرْآنُ ولا غَيْرُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [أيِ -] المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا أمَرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وهو صَرِيحٌ في أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِنَ المَشِيئَةِ، وما يَنْشَأُ عَنْها [إنَّما هو -] بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
* *
ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ وأنَّهُ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ أكْثَرَ أفْعالِ العِبادِ مِمّا لا يُرْضِيهِ، فَلَوْلا حِلْمُهُ ما قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ، وكانَ عَفْوُ القادِرِ مُسْتَحْسَنًا، قالَ مُبَيِّنًا لِأنَّهُ أهَلٌ [لِلرَّهْبَةِ -] والرَّغْبَةِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ أنْ يَتَّقُوهُ عِبادُهُ ويَحْذَرُوا غَضَبَهُ بِكُلِّ ما تَصِلُ قُدْرَتُهم إلَيْهِ لِما لَهُ مِنَ الجَلالِ [و -] العَظَمَةِ والقَهْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَّقِي ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ (p-٨١)أيْ لِأنْ يَطْلُبَ غُفْرانَهُ لِلذُّنُوبِ لا سِيَّما إذا اتَّقاهُ المُذْنِبُ لِأنَّ لَهُ الجَمالَ واللُّطْفَ وهو قادِرٌ ولا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ ولا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يَجْعَلَ مَوْضِعَ الإنْذارِ الَّذِي أمَرَ بِهِ أوَّلَ السُّورَةِ البِشارَةَ، ويُوَفِّقَ عِبادَهُ لِتَكْبِيرِهِ وهُجْرانِ الرِّجْزِ، وكَذا فَعَلَ سُبْحانَهُ بِقَوْمِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ، رَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَةَ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وأبُو يَعْلى والبَغَوِيُّ والبَزّارُ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَمَنِ اتَّقى أنْ يُشْرِكَ بِي غَيْرِي فَإنْ أهَلَّ [أنْ -] أغْفِرَ لَهُ“» وقالَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ عَدَيٍّ والطَّبَرانِيُ: تَفَرَّدَ بِهِ سَهْلُ بْنُ [أبِي -] حَزْمٍ القَطْعِيِّ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرَ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها، وانْطَبَقَ مَفْصِلُها عَلى مُوصِلِها، بِضَمِّ البِشارَةِ إلى النِّذارَةِ، وصارَ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذَرَ العاصِي فَإنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَرْجِعَ إلى طاعاتِهِ، فَيَكُونُ سُبْحانَهُ أهْلًا لِأنْ يَعُودَ عَلَيْهِ بِسَتْرِ زَلّاتِهِ.
القيامة 75:1
(p-٨٢)سُورَةُ القِيامَةِ
مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى عَظَمَةِ المُدَّثِّرِ المَأْمُورِ بِالإنْذارِ ﷺ لِعَظَمَةِ مُرْسِلِهِ سُبْحانَهُ وتَمامِ اقْتِدارِهِ بِأنَّهُ كَشَفَ لَهُ العُلُومَ حَتّى صارَ إلى الأعْيانِ بَعْدَ الرُّسُومِ بِشَرْحِ آخِرِ سُورَتِهِ مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ تَذْكِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِما أوْدَعَهُ [اللَّهُ -] مِن وُضُوحِ المَعانِي وعُذُوبَةِ الألْفاظِ وجَلالَةِ النُّظُومِ ورَوْنَقِ السَّبْكِ وعُلُوِّ المَقاصِدِ، فَهو لِذَلِكَ مَعْشُوقٌ لِكُلِّ طَبْعٍ، مَعْلُومٌ ما خَفِيَ مِن أسْرارِهِ وإشاراتِهِ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وقُوَّةِ العَزْمِ بِحَيْثُ يَصِيرُ بَعْدَ كَشْفِهِ إذا أثَّرَ كَأنَّهُ كانَ مَنسِيًّا بَعْدَ حِفْظِهِ فَذَكِّرْ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] فَحَفِظَهُ وعَلِمَ مَعانِيَهُ وتَخَلَّقَ بِها، وإنَّما المانِعُ عَنْ ذَلِكَ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى، فَمَن شاءَ حَجَبَهُ عَنْهُ أصْلًا ورَأْسًا، ومَن شاءَ كَشَفَ عَنْةُ الحِجابَ وجَعَلَهُ يُعِينُهُ عَلى (p-٨٣)عَلى أعْظَمِ صَوابٍ دُونَ شَكٍّ ولا ارْتِيابٍ، وجَلّى عَلَيْهِ أوانِسَهُ وعَرائِسَهُ وحَباهُ جَواهِرَهُ ونَفائِسَهُ، وحَلّاهُ بِهِ، فَكانَ مِلْكَهُ وسائِسَهُ، كَما كانَ المُدَّثِّرُ ﷺ حِينَ كانَ خُلُقَهُ القُرْآنُ، واسْمُها القِيامَةُ واضِحٌ في ذَلِكَ جِدًّا، ولَيْسَ فِيها ما يَقُومُ بِالدَّلالَةِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ إذا تُؤُمِّلَتِ الآيَةُ مَعَ ما أشارَتْ إلَيْهِ ”لا“ النّافِيَةُ لِلْقَسَمِ أوِ المُؤَكَّدَةُ مَعَ أنَّها في الوُضُوحِ في حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى الإقْسامِ [عَلَيْهِ -] لِأنَّهُ لا يُوجَدُ أحَدٌ يَدَعُ مِن تَحْتِ يَدِهِ يَعْدُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ويَتَصَرَّفُونَ فِيما خَوَّلَهم فِيهِ مِنهُ غَيْرَ حِسابٍ، فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ الَّذِي وكَّلَ عَبِيدَهُ أضْعافَهم مِنَ المَلائِكَةِ فَهم يُدِيرُونَ كُلَّ لَحْظَةٍ فِيهِمْ كُؤُوسُ المَنايا، ويَأْخُذُونَ مِن أمْرِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ إلى دارِهِ البَرْزَخِ لِلتَّهْيِئَةِ لِلْعَرْضِ ويَسُوقُونَهم زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ إلى العَوْدِ في الأرْضِ حَتّى يَنْتَهِيَ الجَمْعُ في القُبُورِ، ويُقَيِّمَهم بِالنَّقْرِ في النّاقُورِ، والنَّفْخِ في الصُّورِ، إلى ساحَةِ الحِسابِ لِلثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ يَحْجُبْ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ حَتّى ضَلَّ عَنْهُ أكْثَرُ الخَلْقِ إلّا مَشِيئَتُهُ سُبْحانَهُ بِتَغْلِيبِ النَّفْسِ الأمّارَةِ حَتّى صارَتِ اللَّوّامَةُ مُنْهَمِكَةً في الشَّرِّ شَدِيدَةَ اللَّوْمِ عَنِ الإقْصارِ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ كَما أنَّ ما جَلّاهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى كانَ خُلُقُهُ، ولِمَن أرادَ مِن أتْباعِهِ إلّا إرادَتُهُ سُبْحانَهُ (p-٨٤)بِتَغْلِيبِ المُطَمْئِنَّةِ حَتّى صارَ الكُلُّ رُوحًا صِرْفًا [و -] نُورًا خالِصًا بَحْتًا ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي شَرُفَ رَسُولُهُ ﷺ فَأعْجَزَ الخَلْقَ بِكِتابِهِ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَتَيِ الإيجادِ والبَيانِ أهْلَ الهُدى والضَّلالِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ العِنايَةِ بِالسَّدادِ في الأقْوالِ والأفْعالِ.
* *
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الآخِرَةَ أوَّلَ سُورَةِ المُدَّثِرِ وخَوَّفَ مِنها بِالتَّعْبِيرِ بِالنّاقُورِ وما تَبِعَهُ، ثُمَّ أعادَ أمْرُها آخِرَها، وذَكَرَ التَّقْوى الَّتِي هي أعْظَمُ أسْبابِ النَّجاحِ فِيها والمَغْفِرَةَ الَّتِي هي الدَّواءُ الأعْظَمُ لَها، وكانَ الكُفّارُ يُكَذِّبُونَ بِها، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ أقامَ عَلَيْها مِنَ الأدِلَّةِ مِن أوَّلِ القُرْآنِ إلى هُنا تارَةً مَعَ الإقْسامِ وأُخْرى مَعَ الخُلُوِّ عَنْهُ ما صَيَّرَها في حَدِّ البَدِيهِيّاتِ، وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ المُخْبِرَ إذا كَذَّبَهُ السّامِعُ حَلَفَ عَلى ما أخْبَرَهُ بِهِ، وكانَ الإقْسامُ مَعَ تَحَقُّقِ العِنادِ لا يُفِيدُ، أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى أنَّ الأمْرَ قَدْ صارَ غَنِيًّا عَنِ الإقْسامِ لِما لَهُ مِنَ الظُّهُورِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ [إلّا -] مُعانِدٌ، فَقالَ مُشِيرًا إلى تَعْظِيمِها والتَّهْوِيلِ في أمْرِها بِذِكْرِها وإثْباتِ أمْرِها بِعَدَمِ الإقْسامِ أوْ تَأْكِيدِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ أيْ لا أُوقِعُ الإقْسامَ أوْ أُوقِعُهُ مُؤَكِّدًا ﴿بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ عَلى وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ بِسَبَبِ وُجُودِهِ لِأنَّ الأمْرَ (p-٨٥)غَنِيٌّ فِيهِ [عَنْ ذَلِكَ -] وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ قَسَمٌ هو مُؤَكَّدٌ بِالنّافِي، ودُخُولُهُ في التَّأْكِيدِ سائِغٌ بَلْ شائِعٌ في كَلامِهِمْ جِدًّا، وجازَ القَسَمُ بِالشَّيْءِ عَلى وُجُودِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ في العَظَمَةِ في الدَّرَجَةِ العُلْيا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: واللَّهِ إنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ، أيْ لا شَيْءَ أحْلِفُ بِهِ عَلى وُجُودِهِ - يا أيُّها المُنْكِرُ - أعْظَمُ مِنهُ [حَتّى -] أحْلِفَ بِهِ ولا بُدَّ لِي مِنَ الحَلِفِ لِأجْلِ إنْكارِكَ فَأنا أحْلِفُ بِهِ عَلَيْهِ، فالمَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهُ لا شَيْءَ أدَلُّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ مِن هَذَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَلِذا أُوقِعُ القَسَمَ بِهِما، وسِرُّ التَّأْكِيدِ [بِ ”لا“ -]- كَما قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ، إنَّ الإثْباتَ مِن طَرِيقِ النَّفْيِ آكَدُ كَأنَّهُ رَدَّ عَلى المُنْكَرِ أوَّلًا ثُمَّ أثْبَتَ القَسَمَ ثانِيًا، فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ دَلِيلُ الحَصْرِ.
القيامة 75:2
ولَمّا كانَ مِنَ المُقَرَّرِ المَعْلُومِ الَّذِي هو في أقْصى غاياتِ الظُّهُورِ أنَّ مَن طَلَبَهُ المَلِكُ [طَلَبَ -] عَرْضٍ وحِسابٍ [وثَوابٍ -] وعِقابٍ يَلُومُ نَفْسَهُ في كَوْنِهِ لَمْ يُبالِغْ في العَمَلِ بِما يُرْضِي المَلِكَ والإخْلاصَ في مُوالاتِهِ، والتَّحَيُّزَ إلَيْهِ ومُصافاتِهِ. وكانَ أكْثَرَ لَوْمِ النَّفْسِ واقِعًا في ذَلِكَ اليَوْمِ، وكانَ إدْراكُها لِلَّوْمِ المُرَتَّبِ عَلى إدْراكِ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ومَعْرِفَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُما مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ الخالِقِ وكَمالِ عَظَمَتِهِ المُوجِبِ لِإيجادِ ذَلِكَ اليَوْمِ (p-٨٦)لِإظْهارِ عَظَمَتِهِ و[حُكْمِهِ و-] حِكْمَتِهِ قالَ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ﴾ عَلى حَدِّ ما مَضى في [أنَّ -] الباءَ صِلَةٌ أوْ سَبَبٌ ﴿اللَّوّامَةِ﴾ أيِ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها وهي خَيِّرَةٌ وشِرِّيرَةٌ، فالخَيِّرَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ فِيهِ والأُخْرى [تَكُونُ -] سَبَبًا لِلْهَلاكِ فِيهِ، فَإنْ لامَتْ عَلى الشَّرِّ أوْ عَلى التَّهاوُنِ بِالخَيْرِ أنْجَتْ، وإنْ لامَتْ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ أهْلَكَتْ، وكَيْفَما كانَتْ لا بُدَّ أنْ تَلُومَ، وهي [بَيْنَ -] الأمارَةِ والمُطْمَئِنَّةِ، فَما غُلِبَ عَلَيْها مِنهُما كانَتْ في حَيِّزِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: فالمُطْمَئِنَّةُ الَّتِي انْقادَتْ لِأوامِرِ اللَّهِ، والأمّارَةُ المُخالِفَةُ لَها المُتَّبِعَةُ لِلْهَوى، واللَّوّامَةُ هي المُجاهِدَةُ، فَتارَةً لَها اليَدُ وتارَةً عَلَيْها، وهي نَفْسُ الإنْسانِ خاصَّةً لِأنَّها بَيْنَ طَوْرَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ والكَمالِ والنُّقْصانِ والصُّعُودِ والهُبُوطِ والطّاعَةِ والعِصْيانِ، قالَ الإمامُ السَّهَرْوَرْدِيُّ في البابِ السّادِسِ والخَمْسِينَ مِن مَعارِفِهِ: وهي نَفْسٌ واحِدَةٌ لَها صِفاتٌ مُتَغايِرَةٌ، فالمَلائِكَةُ في دَرَجَةِ الكَمالِ، والحَيَواناتُ الأُخَرُ في دِرْكَةِ النُّقْصانِ. ولِهَذا جَمَعَ بَيْنَ القِيامَةِ و[بَيْنَ -] اللَّوّامَةِ، لِأنَّ الثَّوابَ والعِقابَ لِلْآدَمِيِّ دُونَ المَلائِكَةِ (p-٨٧)والحَيَواناتِ العُجْمِ، واللَّوّامَةُ يَشْتَدُّ لَوْمُها في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى عَدَمِ الخَيْرِ أوْ عَدَمِ الزِّيادَةِ مِنهُ، لا أُقْسِمُ عَلى ذَلِكَ بِهَذا الَّذِي هو مِن أدَلِّ الأُمُورِ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ القَسَمِ.
القيامة 75:3
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ قَطْعًا بِما يُرْشِدُ إلَيْهِ جَمِيعُ ما مَضى جَوابًا لِلْقَسَمِ: إنَّكَ واللَّهِ صادِقٌ في إنْذارِكَ فَلا بُدَّ أنْ يُنْقَرَ في النّاقُورِ بِالنَّفْخِ في الصُّورِ. قالَ بانِيًا عَلَيْهِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ القِيامَةِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُ الجَوابِ مِن أنَّها في وُضُوحِ الأمْرِ وتَحَتُّمِ الكَوْنِ عَلى حالَةٍ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ مُنْكِرًا عَلى مَن يَشُكُّ فِيها بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي يَقْبَلُ [عَلى -] الأُنْسِ بِنَفْسِهِ والنَّظَرِ في عَطْفِهِ والسُّرُورِ بِحَسَبِهِ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى النَّوْعِ كُلِّهِ لِأنَّ أكْثَرَهم كَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الحُظُوظِ عَلى العَقْلِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ ”أنَّ“ أيْ أنا.
ولَمّا كانَ فِيهِمْ مَن يُبالِغُ في الإنْكارِ، عَبَّرَ أيْضًا بِأداةِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ”لَنْ نَجْمَعَ“ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عِظامَهُ﴾ أيِ الَّتِي هي قالَبُ بَدَنِهِ وعِمادِهِ مِنَ الأرْضِ فَيُعِيدُها كَما كانَتْ بَعْدَ تَمَزُّقِها وتَفَتُّتِها وافْتِراقِها وبَلاها وانْمِحاقِها، وقَدْ سَدَّتِ المُخَفَّفَةُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ”يَحْسَبُ“ المُقَدَّرَيْنِ بِ ”يَحْسَبُنا“ غَيْرَ جامِعَيْنِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ مُخْبِرًا عَنْ أهْلِ (p-٨٨)الكُفْرِ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ثُمَّ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، والوَعِيدُ بِهِ لِمَن ذُكِرَ بَعْدُ في قَوْلِهِ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتُ ومَن كانَ عَلى حالِهِ في تَكْذِيبِ وُقُوعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ عِنْدَ جَوابِ مَن سُئِلَ بِقَوْلِهِ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] فَبَسَطَ القَوْلَ في هَذِهِ السُّورَةِ في بَيانِ ذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وأهْوالِهِ، وأُشِيرَ إلى حالِ مَن كَذَّبَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أحْوالِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] انْتَهى.
القيامة 75:4
ولَمّا أسْنَدَ الحُسْبانَ إلى النَّوْعِ لِأنَّ مِنهم مَن يَقُولُ: لا نُبْعَثُ لِأنَّنا نَتَفَتَّتُ ونَنْمَحِقُ، قالَ مُجِيبًا لَهُ: ﴿بَلى﴾ أيْ لَنَجْمَعَنَّ عِظامَهُ وجَمْعُ أجْزائِهِ لِأنّا قَدَرْنا عَلى تَفْصِيلِ عِظامِهِ وتَفْتِيتِها مِن بَعْدِ ارْتِتاقِها حالَ كَوْنِها نُطْفَةً واحِدَةً لِأنَّ كُلَّ مَن قَدَرَ عَلى التَّفْصِيلِ قَدَرَ عَلى الجَمْعِ والتَّوْصِيلِ حالَ كَوْنِنا ﴿قادِرِينَ﴾ أيْ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى أنْ﴾
ولَمّا كانَتْ تَسْوِيَةُ الصَّغِيرِ أصْعَبَ، قالَ: ﴿نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أيْ أصابِعَهُ [أوْ -] سُلامَيّاتِهِ وهي عِظامُهُ الصِّغارُ الَّتِي في يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ كُلٌّ مِنها طُولُ إصْبَعٍ وأقَلُّ، خَصَّها لِأنَّها أطْرافُهُ وآخِرُ ما يَتِمُّ [بِهِ -] خَلْقُهُ بِأنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ سَواءٌ، فالكِبارُ (p-٨٩)بِطَرِيقِ الأوْلى لِأنَّها أبْيَنُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ تَسْوِيَتِنا ذَلِكَ مِنَ النُّطْفَةِ وتَسْوِيَتِنا لَهُ مِنَ التُّرابِ، وهي لا تَكُونُ مُسَوّاةً وهي قالَبُ البَدَنِ إلّا بِتَسْوِيَةِ ما عَلَيْهِ مِن لِباسِ اللَّحْمِ والعَصَبِ والجِلْدِ كَما يَعْهَدُها العاهِدُ، فَتَسْوِيَةُ البَنانِ كِنايَةٌ عَنْ تَسْوِيَةِ جَمِيعِ البُنْيانِ كَما لَوْ قِيلَ لَكَ: هَلْ تَقْدِرُ عَلى تَأْلِيفِ هَذا الحَنْظَلِ، فَقُلْتَ: نَعَمْ، وعَلى تَأْلِيفِ الخَرْدَلِ، مَعَ ما يُفْهَمُ مِن تَخْصِيصِها مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن بَدِيعِ الصُّنْعِ المُتَأثِّرِ عَنْهُ ما لَها مِن لَطائِفِ المَنافِعِ، أوْ أنْ نُسَوِّيَها الآنَ فَنَجْمَعُها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِها نُطْفَةً مِنَ الِاجْتِماعِ قَبْلَ فَتْقِها وتَفْرِيقِها حَتّى تَكُونَ كَخُفِّ البَعِيرِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى تَفْصِيلِ الأنامِلِ حَتّى تَتَهَيَّأ لِلْأعْمالِ اللَّطِيفَةِ قادِرٌ عَلى جَمْعِها، فَتَزُولُ عَنْها تِلْكَ المَنفَعَةُ. ومَن قَدَرَ عَلى تَفْصِيلِ الماءِ بَعْدَ [اخْتِلاطِهِ -] وجَمَعَهُ بَعْدَ انْفِصالِهِ قادِرٌ عَلى جَمْعِ التُّرابِ بَعْدَ افْتِراقِهِ، وكَيْفَما كانَ فَهو تَنْبِيهٌ عَلى التَّأمُّلِ في لُطْفِ تَفْصِيلِ الأنامِلِ وبَدِيعِ صُنْعِها المُوجِبِ لِلْقَطْعِ بِأنَّ صانِعَها قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ، قالَ في القامُوسِ: البَنانُ: الأصابِعُ أوْ أطْرافُها. والسُّلامى - وزْنُ حُبارى: عِظامٌ صِغارٌ طُولَ إصْبَعٍ أوْ أقَلَّ في اليَدِ والرِّجْلِ.
القيامة 75:5
ولَمّا تَقَدَّمَ ما أشارَ إلى أنَّ القِيامَةَ في غايَةِ الظُّهُورِ، أضْرَبَ عَنْ هَذا الإنْكارِ فَقالَ بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: إنَّهُ لا يَحْسَبُ عَدَمَ ذَلِكَ (p-٩٠)لِأنَّهُ مِنَ الظُّهُورِ في حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى كَبِيرِ تَأمُّلٍ فَلَوْ مَشى مَعَ عَقْلِهِ عَرَفَ الحَقَّ: ﴿بَلْ يُرِيدُ﴾ أيْ يُوقِعُ الإرادَةَ ﴿الإنْسانُ﴾ أظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّعْمِيمِ لِمُقْتَضى الطَّبْعِ المُوجِبِ لَهُ عَدَمُ الفِكْرِ في الآخَرِ مَعَ شِدَّةِ ظُهُورِها لِأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ فَلا نَجاةَ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وحَذَفَ مَفْعُولَ ”يُرِيدُ“ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ ما يُرِيدُهُ بِمُقْتَضى طَبْعِهِ وشَهَواتِهِ خارِجٌ عَنْ طَوْرِهِ فَهو مُعاقَبٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ عَبْدٌ، والعَبْدُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُراقِبًا لِلسَّيِّدِ، لا يُرِيدُ إلّا ما يَأْمُرُهُ بِهِ، فَإذا أرادَ ما أمَرَهُ بِهِ لَمْ تُنْسَبْ إلَيْهِ إرادَةٌ بَلِ الإرادَةُ لِلسَّيِّدِ لا لَهُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ، وكانَتْ إرادَتُهُ الخارِجَةُ عَنِ الأمْرِ مَعْصِيَةٌ، قالَ مُعَلِّلًا: ﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ يَقَعُ مِنهُ الإرادَةُ لِيَقَعَ مِنهُ الفُجُورُ في المُسْتَقْبَلِ مِن زَمانِهِ بِأنْ يَقْضِيَ شَهَواتِهِ ويَمْضِيَ راكِبًا رَأْسَهُ في هَواهُ، ونَفْسُهُ الكاذِبَةُ تُورِدُ عَلَيْهِ الأمانِي وتُوَسِّعُ لَهُ في الأمَلِ وتُطْمِعُهُ في العَفْوِ مِن دُونِ عَمَلٍ، قالَ الحَسَنُ: المُؤْمِنُ ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ [ويَقُولُ: ما أرَدْتُ بِكَلامِي؟ وما أرَدْتُ بِأكْلِي؟ والفاجِرُ يَمْضِي قِدَمًا لا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ] ولا يُعاتِبُها. ويَجُوزُ أنْ يُعَوِّدَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ المَعْنى: لِيَعْمَلَ الفُجُورُ بَيْنَ [يَدِيِ -] اللَّهِ تَعالى (p-٩١)وبِمَرْأًى مِنهُ ومَسْمَعٍ ويَطْمَعُ في أنْ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ أوْ يُجازِيهِ بِفُجُورِهِ، قالَ في القامُوسِ: والفَجْرُ: الِانْبِعاثُ في المَعاصِي والزِّنا كالفُجُورِ.
القيامة 75:6
ولَمّا كانَ عَرِيقًا في التَّلَبُّسِ بِهَذا الوَصْفِ، أنْتَجَ لَهُ الِاسْتِهْزاءَ بِهَذا الخَطْبِ الأعْظَمِ فَتَرْجَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُ﴾ [أيْ -] سُؤالَ اسْتِهْزاءٍ واسْتِبْعادٍ، ويُوضَعُ مَوْضِعَ مَفْعُولِ يَسْألُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ فَقالَ: ﴿أيّانَ﴾ [أيْ -] أيُّ وقْتٍ يَكُونُ ﴿يَوْمُ القِيامَةِ﴾
القيامة 75:7
ولَمّا كانَ الجَوابُ: [يَوْمُ -] يَكُونُ كَذا وكَذا، عَدَلَ عَنْهُ إلى ما سَبَّبَ عَنِ اسْتِبْعادِهِ لِأنَّهُ أهْوَلُ، فَقالَ دالًّا عَلى خَرابِ العالَمِ لِتَجَرُّدِ الإنْسانِ عَنْ مَسْكَنِهِ وما ألِفَهُ مِن أحْوالِهِ فَيَكُونُ أهْوَلَ مَعْبَرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ لِأنَّها مَوْضِعُها: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ شَخَصَ وقَفَ فَلا يَطْرِفُ مِن هَوْلِ ما يَرى - هَذا عَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالفَتْحِ، وهي إشارَةٌ إلى مَبْدَأِ حالِهِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالكَسْرِ مُشِيرَةٌ إلى مَآلِهِ فَإنَّ مَعْناها: تَحَيَّرَ ودَهِشَ وغَلَبَ، مِن بَرْقِ الرَّجُلِ - إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَحُسِرَ بَصَرُهُ وتَفَرَّقَ تَفَرُّقَ الشَّيْءِ في المايِعِ إذا انْفَتَحَ عَنْهُ وِعاؤُهُ بِدَلِيلِ قِراءَةِ بَلَقَ مِن بَلَقَ البابُ - إذا انْفَتَحَ، وبَلَقَ البابُ كَنَصَرَ: فَتَحَهُ (p-٩٢)كُلَّهُ، أوْ شَدِيدًا كَأبْلَقَهُ فانْبَلَقَ، وبَلَقَ كَفَرِحَ: تَحَيَّرَ - قالَهُ في القامُوسِ.
القيامة 75:8
ولَمّا كانَتْ آياتُ السَّماواتِ أخْوَفُ، ذَكَرَها بادِئًا بِما طَبَعَهُ البَرْدُ، إشارَةً إلى شِدَّةِ الحَرِّ والتَّوَهُّجِ والأخْذِ بِالأنْفاسِ المُوجِبِ لِشِدَّةِ اليَأْسِ فَقالَ: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ أيْ وجَدَ خَسَفَهُ بِأنْ خَسَفَهُ اللَّهُ تَعالى أذْهَبُ صُورَتَهُ كَما تَذْهَبُ صُورَةُ الأرْضِ المَخْسُوفَةِ، وذَلِكَ بِإذْهابِ ضَوْئِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ لِزَوالِ رَبْطِ المُسَبِّباتِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالأسْبابِ وظُهُورِ الخَوارِقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
القيامة 75:9
﴿وجُمِعَ﴾ أيْ جَمْعًا هو في غايَةِ الإحْكامِ والشِّدَّةِ كَما أفْهَمَهُ التَّذْكِيرُ [و -] عَلى أيْسَرِ الوُجُوهِ وأسْهَلِها ﴿الشَّمْسُ﴾ أيْ آيَةُ النَّهارِ ﴿والقَمَرُ﴾ مَعَ عَدَمِ إنارَتِهِ وإنْ كانَ نُورُهُ الآنَ مِن نُورِها فَذَهَبَ الِانْتِفاعُ بِهِما وهُما مَعَ ذَهابِ النُّورِ وتَفَرُّقِ البَصَرِ مُدْرِكانِ لِوُجُودِ الكَشْفِ التّامِّ عَنِ الخَفِيّاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] وبَعْدَ جَمْعِهِما يُلْقَيانِ في النّارِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُهُولَ مُطْلَقُ جَمْعِهِما المُخْرَجِ لَهُما عَنِ العادَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى السُّهُولَةِ.
القيامة 75:10
ولَمّا عَظُمَ أمْرُ القِيامَةِ بِما تَقَدَّمَ، أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ الأمْرَ (p-٩٣)فِيهِ عَلى غَيْرِ ما نَعْهَدُهُ في الدُّنْيا مِن وِجْدانِ مُهَرِّبٍ أوْ حاكِمٍ غَيْرِ الَّذِي يَخافُهُ المَطْلُوبُ أوْ شَيْءٌ مِن تَشَعُّبِ الكَلِمَةِ وتَفَرُّقِها [فَقالَ-]: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ﴾ أيْ بِشِدَّةِ رَوْعِهِ جَرْيًا مَعَ طَبْعِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا كانَ هَذا الخَطْبُ الأجَلُّ والقادِحُ الأكْبَرُ، وحَكى بِيَقُولُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ فَقالَ: ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيِ الفِرارُ والمَوْضِعُ الَّذِي إلَيْهِ الفِرارُ والزَّمانُ القابِلُ لِذَلِكَ، قَوْلُ آيِسٍ مَدْهُوشٍ قادَهُ إلَيْهِ الطَّبْعُ، وذَلِكَ حِينَ تُقادُ جَهَنَّمُ بِسَبْعِينَ ألْفَ سِلْسِلَةٍ، كُلُّ سِلْسِلَةٍ بِأيْدِ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ، لَها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ.
القيامة 75:11
ولَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ انْقِطاعِ الأسْبابِ، قالَ نافِيًا بِما سالَ عَنْهُ بِأداةِ الرَّدْعِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يُقالُ هَذا فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى وُجُودِ مَعْناهُ وهو مَعْنى ﴿لا وزَرَ﴾ أيْ مَلْجَأ ومُعْتَصِمَ ولا حِصْنَ ولا التِجاءَ واعْتِصامَ، وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ الإنْسانِ رُجُوعًا مِن طَبْعِهِ إلى عَقْلِهِ أقْعَدُ وأدَلُّ عَلى الهَوْلِ لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ سَألَ مِن عَظِيمِ الهَوْلِ نَظَرَ في جُمْلَةِ الأمْرِ فَتَحَقَّقَ أنْ لا حِيلَةَ بِوَجْهٍ أصْلًا، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الجامِعَةِ لِمَجامِعِ الرَّدْعِ.
القيامة 75:12
ولَمّا كانَ المَعْنى: لا مَفَرَّ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ، لِأنَّ مُلْكَهُ مُحِيطٌ وقُدْرَتَهُ شامِلَةٌ، قالَ مُتَرْجِمًا عَنْهُ ذاكِرًا صِفَةَ الإحْسانِ لَوْمًا لِنَفْسِهِ عَلى عَدَمِ الشُّكْرِ: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأنْواعِ الإحْسانِ وحْدَهُ، لا (p-٩٤)إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ اسْتِقْرارِ الخَلْقِ [كُلِّهِمْ -] ناطِقِهِمْ وصامِتِهِمْ ومَكانِ قَرارِهِمْ وزَمانِهِ إلى حُكْمِهِ سُبْحانَهُ ومَشِيئَتِهِ ظاهِرًا وباطِنًا لا [حُكْمَ -] لِأحَدٍ غَيْرُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في ظاهِرٍ ولا باطِنٍ كَما هو في الدُّنْيا.
القيامة 75:13
ولَمّا كانَ مَوْضِعُ السُّؤالِ عَنْ عِلَّةِ هَذا الِاسْتِقْرارِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكِئَ إنَّما هو كَشْفُ الأسْرارِ لا كَوْنُهُ مِن كاشَفٍ مُعِينٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى يُسْرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّ مَن نَدَبَهُ إلى ذَلِكَ فِعْلُهُ كائِنًا مَن كانَ: ﴿يُنَبَّأُ﴾ أيْ يُخْبِرُ تَخْبِيرًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى ﴿الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ -] إذا كانَ هَذا الزِّلْزالُ الأكْبَرُ ﴿بِما قَدَّمَ﴾ أيْ مِن عَمَلِهِ العَظِيمِ ﴿وأخَّرَ﴾ أيْ في أوَّلِ عُمْرِهِ وآخِرِهِ - كِنايَةً عَنِ الِاسْتِقْصاءِ أوْ بِما قَدَّمَهُ فَآثَرَهُ عَلى غَيْرِهِ هَلْ هو الشَّرْعُ أوِ الهَوى أوْ بِما عَمِلَ في مُدَّةِ عُمْرِهِ وبِما أخَّرَ عَمَلَهُ لِمُعاجَلَةِ المَوْتِ لَهُ عَنْهُ فَيُخْبِرُ بِما كانَ يَعْمَلُهُ مِن أمَلِهِ لَوْ مَدَّ في أجْلِهِ، أوِ الَّذِي قَدَّمَهُ هو ما عَمِلَهُ بِنَفْسِهِ وما أخَّرَهُ هو ما سَنَّهُ فَعَمِلَ بِهِ النّاسُ مِن بَعْدِهِ (p-٩٥)مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعَلَيْهِ مَشى الغَزالِيُّ في البابِ الثّالِثِ مِن كِتابِ البَيْعِ مِنَ الإحْياءِ.
القيامة 75:14
ولَمّا عَظُمَ القِيامَةُ بِكَشْفِ الأسْرارِ فِيها والإنْباءِ بِها، وكانَ الشَّأْنُ أنَّ الإنْسانَ لا يُنَبَّأُ إلّا بِما هو جاهِلٌ لَهُ أوْ غائِبٌ عَنْهُ، و[كانَ -] مِمّا يَخِفُّ عَلى الإنْسانِ في الدُّنْيا النِّسْيانُ، وكانَ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمُ كَشْفِ الغِطاءِ، زادَهُ عِظَمًا بِالإعْلامِ بِأنَّهُ يَجْلُو بَصِيرَةَ الإنْسانِ حَتّى يَصِيرَ مُسْتَحْضِرًا لِجَمِيعِ ما لَهُ مِن شَأْنٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: ولَيْسَ جاهِلًا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا مُحْتاجًا إلى الإنْباءِ بِهِ، قالَ بانِيًا عَلَيْهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ﴾ [أيْ كُلُّ -] واحِدٍ مِن هَذا النَّوْعِ ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾ خاصَّةً ﴿بَصِيرَةٌ﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً عَلى أعْمالِهِ، فالهاءُ لِلْمُبالَغَةِ - يَعْنِي أنَّهُ في غايَةِ المَعْرِفَةِ لِأحْوالِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ إذا تَأمَّلَ وأنْعَمَ النَّظَرَ ولَمْ يَقِفْ مَعَ الحُظُوظِ عَرَفَ جَيِّدَ فِعْلِهِ مِن رَدِيئِهِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ الفِطَرَ الأُولى شاهِدَةٌ بِالخَيْرِ والشَّرِّ - كَما أشارَ إلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «البِرُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ وتَرَدَّدَتْ فِيهِ النَّفْسُ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ [الخَشَنِيِّ-] (p-٩٦)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَوْلُهُ ﷺ: «إنَّما أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» - رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ في ذَلِكَ [اليَوْمَ -] قُوَّةَ الذِّكْرى حَتّى تَصِيرَ أعْمالُهُ كُلُّها بَيْنَ عَيْنَيْهِ لِأنَّهُ تَعالى يَنْفِي عَنْهُ الشَّواغِلَ البَدَنِيَّةَ ويَكْشِفُ عَنْهُ الحُجُبَ النَّفْسانِيَّةَ حَتّى تَصِيرَ أعْمالُهُ مُمَثَّلَةً لَهُ كَأنَّهُ يَراها ولا تَنْفَعُهُ مَعْذِرَتُهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَعْتَذِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ يُعْرَفُ كَذِبُهُ بِنَفْسِ وُجُودِهِ لا بِشَيْءٍ خارِجٍ عَنْهُ تارَةً يَكُونُ خالِقُهُ أوْجَدَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ وسَلامَةِ الأسْبابِ المُزِيلَةِ لِلْعِلَلِ وتارَةً بِإنْطاقِ جَوارِحِهِ.
القيامة 75:15
ولَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَذِرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَنْ كُلِّ سُوءِ عَمَلِهِ، ويُجادِلُ أعْظَمَ مُجادَلَةٍ، وكانَ المُجادِلُ في الغالِبِ [يَظُنُّ -] أنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ أوْ لا يَعْلَمُ لَهُ ذَنْبًا، قالَ: ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ ذَكَرَ بِغايَةِ السُّرْعَةِ ذَلِكَ الإنْسانَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ دَلالَةً عَلى غايَةِ الصِّدْقِ والِاهْتِمامِ والتَّمَلُّقِ ﴿مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ كُلُّ كَلامٍ يُمْكِنُ أنْ يُخْلِصَ بِهِ، جَمْعُ عُذْرٍ أوْ مَعْذِرَةٍ وهو إيساعُ الحِيلَةِ في دَفْعِ الخَلَلِ: وقالَ في القامُوسِ: المَعاذِيرُ: (p-٩٧)السُّتُورُ والحُجَجُ جَمْعُ مِعْذارٍ، وذَلِكَ لِاشْتِراكِهِما في مُطْلَقِ السَّتْرِ بِالفَتْحِ والسِّتْرِ بِالكَسْرِ في سَتْرِ المُذْنِبِ والحُجَّةُ في سَتْرِ الذَّنْبِ فالمَعْنى أنَّهُ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِهِ ولَوِ احْتَجَّ عَنْها واجْتَهَدَ في سَتْرِ عُيُوبِها، فَلا تُقْبَلُ مِنها الأعْذارُ، لِأنَّهُ قَدْ أعْطى البَصِيرَةَ فَأعْماها بِهَوْنِ النَّفْسِ وشَهَواتِها، وتِلْكَ البَصِيرَةُ هي نُورُ المَعْرِفَةِ المَرْكُوزِ في الفِطْرَةِ الأُولى وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]
القيامة 75:16
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا كُلُّهُ أنَّ الإنْسانَ مَحْجُوبٌ في هَذِهِ الدّارِ عَنْ إدْراكِ الحَقائِقِ بِما فِيهِ مِنَ الحُظُوظِ والكَسَلِ والفُتُورِ، لِما فِيهِ مِنَ النَّقائِصِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ مُبَرَّءًا مِن ذَلِكَ لِخَلْقِ [اللَّهِ -] لَهُ كامِلًا وتَرْقِيَتُهُ بَعْدَ مِيلادِهِ كُلَّ يَوْمٍ في مَراقِي الكَمالِ حَتّى صارَ إلى حَدٍّ لا يَشْغَلُهُ [عَنِ العُلُومِ -] شَيْءٌ فَكانَ بِحَيْثُ يَرى مَواقِعَ الفِتَنِ خِلالَ البُيُوتِ كَمَواقِعِ القَطْرِ، ويَرى مِن ورائِهِ كَما يَرى مِن أمامِهِ، ويَقُولُ: «واللَّهِ لا يَخْفى عَلَيَّ خُشُوعُكم ولا رُكُوعُكم إنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» وكانَ ﷺ يَرى في أشَدِّ الظَّلّامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ ﷺ مِن رِقَّةِ الجَوْهَرِ الَّذِي لَمْ يَنَلْهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى الكَشْفِ التّامِّ ولَكِنَّهُ [كانَ -] (p-٩٨)ﷺ لِتَعْظِيمِهِ لِهَذا القُرْآنِ لِما لَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الجَلالَةِ ولِما فِيهِ مِن خَزائِنِ السَّعادَةِ والعُلُومِ الَّتِي لا حَدَّ لَها فَتُسْتَقْصى، ولِأنَّهُ كَلامُ المَلِكِ الأعْظَمِ، وبِأمْرِهِ نَزَلَ إلَيْهِ ﷺ مَعَ رَسُولِهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يُعالِجُ عِنْدَ سَماعِهِ أوَّلَ ما يَأْتِيهِ شِدَّةٌ، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ اسْتِعْجالًا بِتَعَهُّدِهِ لِيَحْفَظَهُ ولا يَشِذَّ عَنْهُ مِنهُ شَيْءُ، وكانَ قَدْ خَتَمَ سُبْحانَهُ ما قَبْلَها بِالمَعاذِيرِ، وكانَتِ العَجَلَةُ مِمّا يَعْتَذِرُ عَنْهُ، وكانَ الحامِلُ عَلى جَمِيعِ ما يُوجِبُ المَلامَةَ والِاعْتِذارَ ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن حُبِّ العاجِلِ، قالَ سُبْحانَهُ نَتِيجَةً عَنْ هَذِهِ المُقَدِّماتِ المُوجِبَةِ لِانْكِشافِ الأشْياءِ لِلْإنْسانِ المُوجِبِ لِلْإخْبارِ بِها والخَوْفِ مِن عَواقِبِها لِئَلّا يَمِيلَ إلى العاجِلَةِ ولا يَقَعُ في مُخالَفَةٍ لَوْلا ما شَغَلَهُ بِهِ مِنَ الحَجْبِ إعْلامًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ دَفَعَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ الحُجُبَ وأوْصَلَهُ مِن رُتْبَةِ «لَوْ كَشَفَ الغِطاءَ ما ازْدَدْتَ يَقِينًا» إلى أنْهاها، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِن كَشْفِ ما يُرِيدُ لِمَن يُرِيدُ كَما يَكْشِفُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَنْ أعْمالِهِ في القِيامَةِ حَتّى يَصِيرَ يَعْرِفُ ما قَدَّمَ مِنها وما أخَّرَ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ﷺ لا كَسْبَ لَهُ في هَذا القُرْآنِ (p-٩٩)بِغَيْرِ حُسْنِ التَّلَقِّي إبْعادًا لَهُ عَنْ قَوْلِ البَشَرِ وتَمْهِيدًا بِما يُحَرِّكُ مِن لِسانِهِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ تَمامِ الإلْقاءِ لِذَمِّ ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أيِ القُرْآنَ الَّذِي هو تَذْكِرَةُ مَن شاءَ ذَكَرَهُ لَوْلا حِجابُ المَشِيئَةِ، وقَدْ كَشَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى حِجابَ المَشِيئَةِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ وشاءَ أنْ يَذْكُرَهُ حِينَ قالَ ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] لِأنَّهُ ما نَزَلَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ اكْتِسابٍ مِنهُ إلّا وقَدْ شاءَ ذَلِكَ ﴿لِسانَكَ﴾ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ حَرَكَةٌ إلّا في ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّحْرِيكِ فائِدَةٌ مَعَ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا قَصَدَ الطّاعَةَ بِالعَجَلَةِ، وكانَتِ العَجَلَةُ هي الإتْيانُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ أوانِهِ الألْيَقِ بِهِ، وإنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مُثابًا عَلى ذَلِكَ أعْظَمَ الثَّوابِ لِأنَّهُ لا حامِلَ لَهُ عَلَيْهِ إلّا حُبُّ اللَّهِ وحُبُّ ما يَأْتِي مِنهُ، وجَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِلَّةً وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً فَقالَ: ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ بِحَمْلِهِ وأخْذِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرَغَ مِن إلْقائِهِ إلَيْكَ رَسُولُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ، لِأنَّ هَذِهِ العَجَلَةَ وإنْ كانَتْ مِنَ الكَمالاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ وإلى إخْوانِكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] (p-١٠٠)لِأنَّها مِنَ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ الَّتِي تَلُومُ عَلى تَرْكِ المُبادَرَةِ إلى أفْعالِ الخَيْرِ فَغَيْرُها مِن أفْعالِ المُطْمَئِنَّةِ أكْمَلُ مِنها، فَنَقَلَ ﷺ مِن مَقامٍ كامِلٍ إلى أكْمَلِ مِنهُ، وكانَ هَذا الكَلامُ المُتَعَلِّقُ بِالقُرْآنِ والَّذِي بَعْدَهُ فُرْقانًا بَيْنَ صِفَتِيِ اللَّوّامَةِ في الخَيْرِ واللَّوّامَةِ في الشَّرِّ، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في المُدَّثِرِ حِكايَةً ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ في وصْفِ حالِ القِيامَةِ جَرَّ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] أيْ أنَّ الَّذِي خُيِّلَ بِهِ المُتَقَوِّلُ في القُرْآنِ أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سِحْرٌ والآخَرُ أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ، والعِلْمُ اليَقِينُ حاصِلٌ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ، وأمّا الثّانِي فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْشى أنْ لا يُتْقِنَ حِفْظَهُ فَتَدْخُلَ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ مَثَلًا فَيَكُونُ مِن قَوْلِ البَشَرِ فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ العَجَلَةِ وضَمِنَ لَهُ الحِفْظَ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّهُ مِن مَجَرّاتِهِ:
القيامة 75:17
﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ أيْ بِما [لَنا -] مِنَ العَظَمَةِ، لا عَلى أحَدٍ سِوانا ﴿جَمْعَهُ﴾ أيْ في صَدْرِكَ حَتّى نُثْبِتَهُ ونَحْفَظَهُ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ أيْ إطْلاقِ لِسانِكَ بِهِ وإثْباتِهِ في رُتْبَتِهِ مِنَ الكِتابِ حالَ كَوْنِهِ مَجْمُوعًا أتَمَّ جَمْعٍ مُيَسَّرًا حُسْنَ تَيْسِيرٍ فَأرِحْ نَفْسَكَ مِمّا تَعالَجَ في أمْرِهِ مِنَ المَشَقَّةِ وتُكابِدِهِ مِنَ العَناءِ.
القيامة 75:18
(p-١٠١)ولَمّا نَهاهُ أمَرَهُ فَقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أقْدَرَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَأْدِيَتِهِ إلَيْكَ كَما حَمَلْناهُ إيّاهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وعَلى حَسَبِها ﴿فاتَّبِعْ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِكَ بِإلْقاءِ سَمْعِكَ وإحْضارِ ذِهْنِكَ ﴿قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ مَجْمُوعَةُ عَلى حَسَبِ ما أدّاهُ إلَيْكَ رَسُولُنا وجَمَعْناهُ لَكَ في صَدْرِكَ، وكَرَّرَ تِلاوَتَهُ حَتّى يَصِيرَ لَكَ بِهِ مَلْكَةً عَظِيمَةً واعْمَلْ بِهِ حَتّى يَصِيرَ لَكَ خَلْقًا فَيَكُونُ قائِدُكَ إلى كُلِّ خَيْرٍ، فالضَّمِيرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ، يَكُونُ القُرْآنُ هُنا بِمَعْنى القِراءَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنْها تَعْظِيمًا لَها، أيِ اتَّبَعْ قِراءَةَ القُرْآنِ أيْ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ [لَهُ-]، ولَوْ كانَ عَلى بابِهِ لَمْ يَكُنْ مَحْذُورًا، فَإنَّ المُرادَ بِهِ خاصٌّ وبِالضَّمِيرِ عامٌّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ [أيِ -] اتْبَعْ قِراءَتَهُ ولا تُراسِلْهُ.
القيامة 75:19
ولَمّا كانَ بَيانُ كَلِماتِهِ ونُظُومِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ سَمِعَهُ مِن مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وغَيْرِها وبَيانِ مَعانِيهِ وما فِيهِ مِن خَزائِنِ العِلْمِ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ يَقْصُرُ عَنْهُ الوَصْفُ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي، فَقالَ دالًّا عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ إلى وقْتِ الحاجَةِ، مُشْعِرًا بِأنَّهُ كانَ يُعَجِّلُ بِالسُّؤالِ عَنِ المَعْنى كَما كانَ يُعَجِّلُ بِالقِراءَةِ: ﴿ثُمَّ﴾ وأكَّدَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لِعِظَمِهِ مِمّا يَتَوَقَّفُ فِيهِ فَقالَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ (p-١٠٢)أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بَيانَهُ﴾ أيْ بَيانَ ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ لَكَ سَواءٌ سَمِعْتَهُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ أوْ بِكَلامِ النّاسِ المُعْتادِ بِالصَّوْتِ والحَرْفِ، ولِغَيْرِكَ عَلى لِسانِكَ وعَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ مِن أُمَّتِكَ، [والآيَةُ -] مُشِيرَةٌ إلى تَرْكِ مُطْلَقِ العَجَلَةِ لِأنَّهُ إذا نَهى عَنْها في أعْظَمِ الأشْياءِ وأهَمِّها كانَ غَيْرُهُ بِطْرِيقِ الأوْلى، رَوى البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ في أوَّلِ صَحِيحِهِ وآخِرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «”كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَأنا أُحَرِّكُهُما لَكَ كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُما“ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الآيَةَ حَتّى قالَ: جَمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قالَ: فاسْتَمِعْ لَهُ وأنْصِتْ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا أنْ تَقْرَأهُ، قالَ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَمَعَ مُطْرِقًا فَإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأهُ النَّبِيُّ ﷺ كَما أقْرَأهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ بِكَفالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]» .
القيامة 75:20
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ خَتَمَ الكَلامَ في المُكَذِّبِينَ بِأنَّ أعْمالَهم (p-١٠٣)مَحْفُوظَةٌ، وأنَّ كُلَّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ شاهِدٌ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ جَمِيلَ ما يَفْعَلُ مِن قَبِيحِهِ وإنِ اعْتَذَرَ، ولَوْلاهُ ما اشْتَدَّ اتِّصالُهُ بِهِ، وخَتَمَ بِضَمانِ البَيانِ لِلْقُرْآنِ، فَكانَ شاهِدًا بَيِّنًا عَلى كُلِّ إنْسانٍ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ البَيانِ. قالَ نافِيًا لِما يُظَنُّ مِن جَهْلِهِمْ بِقَبِيحِ أفْعالِهِمُ الَّذِي اقْتَضاهُ اعْتِذارُهم مُشْعِرًا بِأنَّ الآدَمِيَّ مَطْبُوعٌ عَلى الِاسْتِعْجالِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ العَجَلَةِ في أعَزِّ الأشْياءِ وأعْلاها وأهَمَّها وأوْلاها، لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِلنَّهْيِ عَنِ العَجَلَةِ بِالقُرْآنِ ومُؤَكِّدًا لِذَمِّهِمْ بِحُبِّ العاجِلَةِ مُغَلِّظًا لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى المَيْلِ مَعَ الطَّبْعِ وتَرْكِ ما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ والعَقْلُ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَجْهَلُ أحَدٌ مِنهم قَبائِحَ ما ارْتَكَبَهُ وإنِ اعْتَذَرَ وما ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنها عَنْ جَهْلٍ ﴿بَلْ﴾ هم ﴿تُحِبُّونَ﴾ أيْ مَحَبَّةً مُتَجَدِّدَةً مُسْتَمِرَّةً عَلى تَجَدُّدِ الزَّمانِ ﴿العاجِلَةَ﴾ بِدَلِيلِ أنَّهم يُقْبِلُونَ غايَةَ الإقْبالِ عَلَيْها فَيَأْخُذُونَها، وحُبُّها أوْجَبَ لَهُمُ ارْتِكابَ ما يَعْلَمُونَ قُبْحَهُ فَإنَّ الآخِرَةَ والأُولى ضَرَّتانِ مَن أحَبَّ إحْداهُما فَعَلَ ولا بُدَّ ما يُباعِدُهُ عَنِ الأُخْرى، فَإنَّ «حُبَّكَ لِلشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ» وهَذا بِخِلافِ نَبِيِّنا ﷺ في مُطْلَقِ العَجَلَةِ فَكَيْفَ بِالعاجِلَةِ فَإنَّما طَبَّعْناهُ عَلى الكَمالِ، فَكانَ يُعالِجُ مِنَ العَجَلَةِ بِالقِراءَةِ شِدَّةً فَحِينَ نَهَيْناهُ عَنْ ذَلِكَ انْتَهى رُجُوعًا إلى طَبْعِهِ الكامِلِ الَّذِي (p-١٠٤)لا يَشُوبُهُ نَقْصٌ، وكَذا كانَ أمْرُهُ تَكْوِينًا لا إباءَ مَعَهُ ولا كُلْفَةَ، فَإنَّ نَفْسَهُ المُطْمَئِنَّةَ هي الغالِبَةُ ولَها السُّلْطانُ الأكْبَرُ، ولِأجْلِ تَضارُرِ الدّارَيْنِ وكَوْنِهِمْ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ قالَ:
القيامة 75:21
﴿وتَذَرُونَ﴾ أيْ يَتْرُكُونَ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ ولَوْ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ ﴿الآخِرَةَ﴾ لِأنَّهم يُبْغِضُونَها لِارْتِكابِهِمْ ما يَضْرِبُهم فِيها، وجَمَعَ الضَّمِيرَ وإنْ كانَ مَبْنى الخِطابِ مَعَ الإنْسانِ نَظَرًا لِلْمَعْنى إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسْلَمُ مِنَ العَجَلَةِ المَذْمُومَةِ [إلّا -] أفْرادٌ حَفِظَهُمُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الحُبَّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى البُغْضِ ثانِيًا، والتَّرْكَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الإقْبالِ والأخْذَ أوَّلًا، فَأنْفُسُهُمُ اللَّوّامَةُ تَلُومُهم عَلى التَّقْصِيرِ في الشَّرِّ كَما أنَّ نَفْسَكَ تَحُثُّكَ عَلى الِازْدِيادِ مِنَ الخَيْرِ والمُبادَرَةِ إلَيْهِ، فَنِعْمَ النَّفْسُ هي ولِتُعْلِينَ مَقامَها، وأمّا أنْفُسُهم فَإنَّها تَحُثُّهم لِأجْلِ اللَّوْمِ عَلى التَّقْصِيرِ في الشَّرِّ عَلى الإخْلادِ إلى العاجِلِ الفانِي والإقْلاعِ عَنِ الباقِي لِكَوْنِهِ غائِبًا فَبِئْسَ الأنْفُسُ هي.
القيامة 75:22
ولَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها، ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيها بَيانًا بِجَهْلِهِمْ وسَفَهِهِمْ وقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، تَرْهِيبًا لِمَن أدْبَرَ عَنْها وتَرْغِيبًا لِمَن أقْبَلَ عَلَيْها لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً لَهم فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ﴾ أيْ مِنَ المَحْشُورِينَ وهم جَمِيعُ الخَلائِقِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تَقُومُ القِيامَةُ ﴿ناضِرَةٌ﴾ مِنَ (p-١٠٥)النَّضِرَةِ بِالضّادِ، وهي النِّعْمَةُ والرَّفاهِيَةُ أيْ هي بَهِيَّةٌ مُشْرِقَةٌ ظاهِرٌ عَلَيْها أثَرُ النِّعْمَةِ بِحَيْثُ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى نِعْمَةِ أصْحابِها
القيامة 75:23
﴿إلى رَبِّها﴾ أيِ المُحْسِنِ لَها خاصَّةً بِاعْتِبارِ أنْ عَدَّ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِ كَلا نَظَرَ ﴿ناظِرَةٌ﴾ أيْ دائِمًا هم مُحَدِّقُونَ أبْصارَهم نَحْوَ جُودِهِ بِالتَّجَلِّي لا غَفْلَةَ لَهم عَنْ ذَلِكَ فَإذا رَفَعَ الحِجابَ عَنْهم أبْصَرُوهُ بِأعْيُنِهِمْ بِدَلِيلِ جُودِهِ بِالتَّجَلِّي لا غَفْلَةَ لَهم عَنْ ذَلِكَ فَإذا رَفَعَ الحِجابَ عَنْهم أبْصَرَهُ بِأعْيُنِهِمْ بِدَلِيلِ التَّعْدِيَةِ بِ ”إلى“ وذَلِكَ، النَّظَرِ جَهْرَةً مِن غَيْرِ اكْتِتامٍ ولا تَضامٍّ ولا زِحامٍ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وجَمِيعُ أهْلِ السُّنَّةِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الأحادِيثِ الصِّحاحِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بِحَيْثُ اشْتُهِرَ غايَةَ الشُّهْرَةِ، وتَكُونُ الرُّؤْيَةُ كَما مَثَّلَتْ في الأحادِيثِ
«كَما يُرى القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ» كُلُّ مَن يُرِيدُ رُؤْيَتَهُ مِن بَيْتِهِ مُخَلِّيًا بِهِ - هَذا وجْهُ الشَّبَهِ، لا أنَّهُ في جِهَةٍ ولا في حالَةٍ لَها شَبِيهَ - تَعالى اللَّهُ عَنِ التَّشْبِيهِ، وهَكَذا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ في المَنامِ مِنَ الأشْخاصِ المُسْتَكْثِرَةِ في البِلادِ المُتَبايِنَةِ في الوَقْتِ الواحِدِ، وقَدَّمَ الجارَّ الدّالِّ عَلى الِاخْتِصاصِ إشارَةً إلى هَذا النَّظَرِ مُبايِنٍ لِلنَّظَرِ إلى غَيْرِهِ فَلا يُعَدُّ ذَلِكَ نَظَرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وإلى أنَّ تِلْكَ الوُجُوهَ مُسْتَغْرِقَةٌ في مُطالَعَةِ جَمالِهِ بِحَيْثُ لا تَفْتُرُ عَنْ ذَلِكَ، ولا يَعُدْ نَظَرُها إلى ما سِواهُ شَيْئًا، وهي آمِنَةٌ مِن (p-١٠٦)أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ، وعَبَّرَ بِالوُجُوهِ عَنْ أصْحابِها لِأنَّها أدَلُّ ما يَكُونُ عَلى السُّرُورِ، ولِيَكُونَ ذِكْرُها أصْرَحَ في أنَّ المُرادَ بِالنَّظَرِ حَقِيقَتُهُ، وزادُهُ صَراحَةً بِالتَّعْدِيَةِ بِ ”إلى“ فَإنَّ الِانْتِظارَ لا يُعَدّى بِها، قالَ الإمامُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ المَحَبَّةِ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ أنْ جَوَّزَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ النَّظَرَ في الجِهَةِ وغَيْرِها: والحَقُّ ما ظَهَرَ لِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةُ مِن شَواهِدِ الشَّرْعِ أنَّ ذَلِكَ يَخْلُقُ في العَيْنِ لِيَكُونَ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ والنَّظَرِ وسائِرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في الشَّرْعِ مَجْرى عَلى ظاهِرِهِ إذْ لا يَجُوزُ إزالَةُ الظَّواهِرِ إلّا لِضَرُورَةٍ - انْتَهى، وأهْلُ الجَنَّةِ مُتَفاوِتُونَ في النَّظَرِ: رُوِيَ أنَّ مِنهم مَن يَنْظُرُ إلى اللَّهِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، وفي خَبَرٍ آخَرَ، وما بَيْنَ القَوْمِ [وبَيْنَ -] أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلّا رِداءَ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، ومُتَفاوِتُونَ في مِقْدارِ الكَشْفِ في الجَمالِ والأُنْسِ والبَهْجَةِ الَّتِي يَكُونُ عَنْها اللَّذَّةُ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ.
القيامة 75:24
ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ النِّعْمَةِ، أتْبَعَهُ أضْدادَهم مِن أهْلِ النِّقْمَةِ فَقالَ: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ ﴿باسِرَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةِ العُبُوسِ والكُلُوحُ والتَّكَرُّهُ لِما هي فِيهِ مِنَ الغَمِّ كَأنَّها قَدْ غَرِقَتْ فِيهِ فَرَسَبَتْ بَعْدَ أنْ سَبَرَتْ أحْوالُها، فَلَمْ يَظْهَرْ لَها وجْهُ خَلاصٍ.
(p-١٠٧)والباسِلُ أبْلَغُ مِنَ الباسِرِ لَكِنَّهُ غَلَبَ في الشُّجاعِ لِاشْتِدادِ كَلَوْحِهِ عِنْدَ العِراكِ، وتِلْكَ الوُجُوهُ عَنْ رَبِّها مَحْجُوبَةٌ، وإلى أنْواعِ العَذابِ ناظِرَةٌ.
القيامة 75:25
ولَمّا كانَ ظَنُّ الشَّرِّ كافِيًا في الحَذَرِ مِنهُ والمُبالَغَةِ في اسْتِعْمالِ ما يَحْمِي مِنهُ، قالَ دالًّا عَلى أنَّهُ عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ: ﴿تَظُنُّ﴾ أيْ تَتَوَقَّعُ بِما تَرى مِنَ المُخايِلِ: ﴿أنْ يُفْعَلَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَحْذُورَ وُقُوعُ الشَّرِّ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿بِها﴾ أيْ بِهِمْ فَإنَّهُ إذا أُصِيبَ الوَجْهُ الَّذِي هو أشْرَفُ ما في الجُمْلَةِ كانَ ما عَداهُ أوْلى ﴿فاقِرَةٌ﴾ أيْ داهِيَةٌ تَكْسِرُ الفَقارَ وهو عَظْمُ سِلْسِلَةِ الظَّهْرِ الَّذِي هو أصْلَبُ ما في العِظامِ فَتَكُونُ قاصِمَةَ الظَّهْرِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ النَّظَرِ في الأوْلى دَلِيلٌ عَلى ضِدِّهِ في الثّانِيَةِ، وذِكْرُ الفاقِرَةِ في الثّانِيَةِ دَلِيلٌ عَلى ضِدِّها في الأُولى.
القيامة 75:26
ولَمّا ذَكَرَ مَحَبَّتَهم لِلْعاجِلَةِ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ حُبُّ غَيْرِهِ مُنْفَكُّ التَّجَدُّدِ أصْلًا، أخْبَرَ أنَّهُ يَنْقِطِعُ عَنْ هَوْلِ المُطَّلِعِ [مَعَ -] الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يُرَدُّ قَضاؤُهُ، فَقالَ رادِعًا لِمَن يَظُنُّ عَدَمَ انْقِطاعِهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَدُومُ هَذا الحُبُّ بَلْ لا بُدَّ أنْ يَنْقَطِعَ انْقِطاعًا قَبِيحًا جِدًّا. ولَمّا كانَ المُحِبُّ لِلدُّنْيا هو النَّفْسُ، أضْمَرَها لِذَلِكَ ولِدَلالَةِ الكَلامِ [عَلَيْها -] فَقالَ ذاكِرًا (p-١٠٨)ظَرْفَ ما أفْهَمَ حَرْفَ الرَّدْعِ تَقْدِيرُهُ مِن عَدَمِ المَحَبَّةِ: ﴿إذا بَلَغَتِ﴾ أيِ النَّفْسِ المُقْبِلَةِ عَلى العاجِلَةِ بِأمْرٍ مُحَقَّقٍ - بِما أفْهَمَتْهُ أداةُ التَّحَقُّقِ ﴿التَّراقِيَ﴾ أيْ عِظامُ أعالِي الصَّدْرِ، جَمْعُ تَرْقُوَةٍ وهي العِظامُ الَّتِي حَوْلَ الحُلْقُومِ عَنْ يَمِينِ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وشَمالِها بَيْنَ الثَّغْرَةِ وبَيْنَ العاتِقِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تُرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، لَعَلَّهُ جَمَعَ المُثَنّى إشارَةً إلى شِدَّةِ انْتِشارِها بِغايَةِ الجُهْدِ لِما هي فِيهِ مِنَ الكَرْبِ لِاجْتِماعِها مِن أقاصِي البَدَنِ إلى هُناكَ وضِيقِ المَجالِ عَلَيْها كَأنَّها تُرِيدُ أنْ تَخْرُجَ مِن أدْنى مَوْضِعٍ يَقْرُبُ مِنها، وهَذا كِنايَةٌ عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ وما أحْسَنَ قَوْلَ حاتِمٍ الطّائِيِّ وأشَدَّ التِئامِهِ مَعَ ما هُنا مِن أمْرِ الرُّوحِ:
؎أماوِيٌّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
القيامة 75:27
ولَمّا كانَ أهْلُ المَيِّتِ يَشْتَدُّ انْزِعاجُهم إذْ ذاكَ ويَشْتَدُّ تَطَلُّبُهم لِما يُنْجِي المُحْتَضِرَ مِن غَيْرِ أنْ يُفِيدَهم ذَلِكَ شَيْئًا، فَكانَ قَوْلُهم كَأنَّهُ لا قائِلَ لَهُ عَلى التَّعْيِينِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ﴾ أيْ مِن كُلِّ قائِلٍ يَعِزُّ عَلَيْهِ المَيِّتُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ: ﴿مَن راقٍ﴾ أيْ مَن هو الَّذِي يَتَّصِفُ بِرُسُوخِ القَدَمِ في أمْرِ الرُّقى الشّافِيَةِ لِيَرْقِيهِ فَيُخَلِّصَهُ مِمّا هو فِيهِ فَإنَّهُ صارَ (p-١٠٩)إلى حالَةٍ لا يَحْتَمِلُ فِيها دَواءٌ فَلا رَجاءَ إلّا في الرُّقى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذا القَوْلَ مِن بَعْضِ المَلائِكَةِ لِلِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ: أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟ فالأوَّلُ اسْمُ فاعِلٍ مِن رَقى يَرْقى بِمَعْنى الرُّقْيَةِ بِالفَتْحِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ، [ والثّانِي الَّذِي بِمَعْنى الصُّعُودِ بِالكَسْرِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ. -]
القيامة 75:28
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَطْبُوعًا عَلى التَّرَجُّحِ بَيْنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ تَتَعَلَّقُ لِما يَغْلُبُ عَلَيْهِ مِن طَبْعِ الإلْفِ وشِدَّةِ الرُّكُونِ لِما يَأْلَفُهُ بِأدْنى شَيْءٍ، عَبَّرَ عَمّا هو أهْلٌ لِلتَّحَقُّقِ بِالظَّنِّ فَقالَ: ﴿وظَنَّ﴾ أيِ المُحْتَضِرُ لِما لاحَ لَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ أوِ القائِلِ ”هَلْ مِن راقٍ“ مِن أهْلِهِ ﴿أنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي هو [فِيهِ -] ﴿الفِراقُ﴾ أيْ لَمّا كانَ فِيهِ مِن مَحْبُوبِ العاجِلَةِ الَّذِي هو الفِراقُ الأعْظَمُ الَّذِي لا فِراقَ مِثْلُهُ، فَفي الخَبَرِ أنَّ العَبْدَ لِيُعالِجُ كَرْبَ المَوْتِ وسَكَراتِهِ وأنَّ مَفاصِلَهُ لَيُسَلِّمُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ تُفارِقُنِي وأُفارِقُكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ:
القيامة 75:29
﴿والتَفَّتِ السّاقُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ ﴿بِالسّاقِ﴾ أيِ انْضَمَّتْ إلَيْها واتَّصَلَتْ [بِها -] ودارَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى فَكانَتا (p-١١٠)كالشَّيْءِ الواحِدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ لِأنَّ المَشْيَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ انْفِصالِ إحْدى السّاقَيْنِ عَنِ الأُخْرى، أوْ عَنِ اشْتِدادِ الأمْرِ جِدًّا وبَعْدَهُ عَنِ الخَلاصِ، فَإنَّ العَرَبَ لا تَذْكُرُ السّاقَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ إلّا في أمْرٍ شَدِيدٍ مِثْلَ ”شَمَّرَ عَنْ ساقٍ“ وإذا اشْتَدَّ حِرابُ المُتَحارِبِينَ: ”دَنَتِ السُّوقُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ“ فَلا افْتِراقَ إلّا عَنْ مَوْتِ أحَدِهِما أوْ أشَدَّ مِن مَوْتِهِ مِن هَزِيمَتِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ اخْتِلاطِ شِدَّةِ آخِرِ الدُّنْيا بِشِدَّةِ أوَّلِ الآخِرَةِ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: زالَ تَعَلُّقُهُ الَّذِي كانَ بِالدُّنْيا وحُبُّهُ لَها وإعْراضُهُ عَنِ الآخِرَةِ.
القيامة 75:30
ولَمّا صَوَّرَ وقْتَ تَأسُّفِهِ عَلى الدُّنْيا وإعْراضِهِ عَنْها، ذَكَرَ غايَةَ ذَلِكَ فَقالَ مُفْرِدًا النَّبِيَّ ﷺ بِالخِطابِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيْ مَوْعِدٌ وحُكْمُ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وتَصْدِيقِكَ في جَمِيعِ ما بَلَّغَتَهُ عَنْهُ ونَصَرَكَ عَلى كُلِّ مَن ناواكَ، لا إلى غَيْرِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَ هَذا الأمْرُ ﴿المَساقُ﴾ [أيِ السُّوقِ -] ومَوْضِعُ السُّوقِ وزَمانُهُ، كُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في حُكْمِهِ، قَدْ (p-١١١)انْقَطَعَتْ عَنْهُ أحْكامُ أهْلِ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ تَسُوقَهُ المَلائِكَةُ إلى سَعادَةٍ بَيِّنَةٍ وإمّا إلى شَقاوَةٍ بَيِّنَةٍ، أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ عَرْضِهِ بَعْدَ المَوْتِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَلا يَنْفَعُهُ إذا حَقَّقَ لَهُ الوَعْظُ بِالمَوْتِ قَوْلُهُ: أمُوتُ فَأسْتَرِيحُ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ بِالمَوْتِ إلى سَيِّدِهِ، فَإنْ كانَ مُطِيعًا لَقِيَهُ بِما يُرْضِيهِ، وإنْ كانَ عاصِيًا لَقِيَهُ بِما يَلْقى بِهِ العَبْدَ الآبِقَ عَلى قَدْرِ إباقِهِ.
القيامة 75:31
ولَمّا ذَكَرَ كَراهَتَهُ لِلْآخِرَةِ ذَكَرَ أنَّ سَبَبَهُ إفْسادُهُ ما آتاهُ اللَّهُ مِن قُوى العِلْمِ والعَمَلِ بِتَعْطِيلِهِما عَنِ الخَيْرِ واسْتِعْمالِهِما في الشَّرِّ فَقالَ مُبَيِّنًا عَمَلَ العَبْدِ المُوافِقِ والآبِقِ، عاطِفًا عَلى ﴿يَسْألُ أيّانَ﴾ [القيامة: ٦] الَّذِي مَعْناهُ جَحَدَ البَعْثَ: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ - أيْ هَذا الإنْسانُ [ الَّذِي الكَلامُ فِيهِ - ] الرَّسُولُ فِيما أخْبَرَهُ بِما كانَ يَعْمَلُ مِنَ الأعْمالِ الخَبِيثَةِ، ولا إيمانُهُ بِالإنْفاقِ في وُجُوهِ الخَيْرِ الَّتِي نَدَبَ إلَيْها واجِبَةً كانَتْ أوْ مَسْنُونَةً، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّعْمِيمِ.
ولَمّا ذَكَرَ أصْلَ الدِّينِ، أتْبَعَهُ فُرُوعَهُ دَلالَةً عَلى أنَّ الكافِرَ مُخاطَبٌ بِها فَقالَ: ﴿ولا صَلّى﴾ أيْ ما أمَرَ بِهِ مِن فَرْضٍ وغَيْرِهِ، فَلا تُمْسِكُ بِحَبْلِ الخالِقِ ولا وصَلَ إلى حَبَلِ الخَلائِقِ عَلى حَدِّ ما شَرَّعَ ما.
القيامة 75:32
ولَمّا نَفى عَنْهُ أفْعالَ الخَيْرِ، أثْبَتَ لَهُ أفْعالَ الشَّرِّ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ (p-١١٢)أيْ فَعَلَ ضِدَّ التَّصْدِيقِ بِأنْ ﴿كَذَّبَ﴾ أيْ بِما أتاهُ [مِنَ -] اللَّهِ ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ وفَعَلَ ضِدَّ الصَّلاةِ الَّتِي هي [صِلَةٌ -] بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، فاجْتَهَدَ في خِلافِ ما تَدْعُوهُ إلَيْهِ فِطْرَتُهُ الأُولى المُسْتَقِيمَةُ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الطّاعَةِ مِنَ الصَّلاةِ وغَيْرِها حَتّى صارَ لَهُ ذَلِكَ دَيْدَنًا، فَصارَتِ الطّاعَةُ لا تَخْطُرُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى بالٍ لِمَوْتِ الفِطْرَةِ الأُولى وحَياةِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرارٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ التَّصْدِيقِ التَّكْذِيبُ.
القيامة 75:33
ولَمّا كانَ الإصْرارُ عَلى هَذا عَظِيمًا يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يَعْمَلَهُ أحَدٌ فَكَيْفَ بِالِافْتِخارِ بِهِ والتَّكَبُّرِ لِأجْلِهِ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ، فَقالَ مُؤْذِنًا بِأنَّ الحالَ عَلى التَّكْذِيبِ الكِبْرُ، والحامِلُ عَلى الكِبْرِ التَّرَفُ، وسَبَبُ ذَلِكَ الِانْقِيادُ أوَّلًا مَعَ الطَّبْعِ في إفْسادِ القُوَّتَيْنِ: العَمَلِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ حَتّى نَشَأ عَنْهُما هَذا الخُلُقُ السِّيِئُ، وهو عَدَمُ المُبالاةِ، ولَمْ يَزَلْ بِهِ ذَلِكَ حَتّى صارَ مُلْكَةً يَفْتَخِرُ بِهِ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ﴾ أيْ هَذا الإنْسانُ بَعْدَ تَوَلِّيهِ عَنِ الحَقِّ ﴿إلى أهْلِهِ﴾ غَيْرِ مُفَكِّرٍ في عاقِبَةِ ما فَعَلَ (p-١١٣)مِنَ التَّكْذِيبِ [حالَ كَوْنِهِ -] ﴿يَتَمَطّى﴾ أيْ يَفْتَخِرُ افْتِخارًا بِتَكْذِيبِهِ وإعْراضِهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِذَلِكَ، مِنَ المَطِّ، أبْدَلَ الحَرْفَ الثّانِيَ ألِفًا تَخْفِيفًا فَصارَ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ كَأنَّهُ يُساعِدُهُ عَلى [مَدِّ -] الخُطا، أوْ أنَّ المُتَبَخْتِرَ إذا مَشى لَوى ظَهْرَهُ، وإنَّما فَعَلَ هَذا لِمُرُونِهِ عَلى المَعْصِيَةِ بَدَلُ الِاسْتِحْياءِ والخَجَلِ والِانْكِسارِ.
القيامة 75:34
ولَمّا كانَ هَذا غايَةُ الفُجُورِ، وكانَ أهْلُ الإنْسانِ يُحِبُّونَهُ إذا أقْبَلَ إلَيْهِمْ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ عِنْدَ أغْلَبِ النّاسِ، أخْبَرَ بِما هو حَقِيقٌ أنْ يُقالَ لَهُ في مَوْضِعِ ”تَحِيَّةِ أهْلِهِ“ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿أوْلى لَكَ﴾ أيْ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُ، ودَخَلَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ الزّائِدِ والتَّخْصِيصِ، وزادَ التَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْلى﴾ أيِ ابْتَلاكَ اللَّهُ بِداهِيَةٍ عَقِبَ داهِيَةٍ، وأبْلَغَ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ إشارَةً إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى مَدى الأعْصارِ، فَقالَ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ وقُوَّةِ اسْتِحْقاقِهِ لِهَذا التَّأْكِيدِ:
القيامة 75:35
﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ﴾ أيْ أيُّها الَّذِي قَدْ أحَلَّ نَفْسَهُ بِالغَفْلَةِ دُونَ مَحَلِّ البَهائِمِ ﴿فَأوْلى﴾ أيْ وصَلَتْ إلى هَذا الهَلاكِ بِداهِيَةٍ تَعْقُبُها تارَةً مُتَوالِيًا وتارَةً مُتَراخِيًا، وبَعْضُها أعْظَمُ مِن بَعْضٍ، لَحِقَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَإنَّ هَذا دُعاءٌ مِمَّنْ بِيَدِهِ الأمْرُ كُلُّهُ، ويَجُوزُ أنْ (p-١١٤)يَكُونَ المَعْنى: أوْلى لَكَ أنْ تَتْرُكَ ما أنْتَ عَلَيْهِ وتُقْبِلَ عَلى ما يَنْفَعُكَ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ المُدَّثِرِ: «إنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا اسْتَهْزَأ عَلى جَعْلِ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ أوْحى اللَّهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَأْتِيَهُ فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ في بَطْحاءَ مَكَّةَ فَيَقُولُ لَهُ: أوْلى لَكَ - إلى آخِرِها، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لا تَفْعَلُ أنْتَ ورَبُّكَ شَيْئًا، فَأخْزاهُ [اللَّهُ -] يَوْمَ بَدْرٍ - انْتَهى». ويُمْكِنُ تَنْزِيلُ الكَلِماتِ الأرْبَعِ عَلى حالاتِهِ الأرْبَعِ: الحَياةُ ثُمَّ المَوْتُ ثُمَّ البَعْثُ ثُمَّ دُخُولُ النّارِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَكَ المَكْرُوهُ الآنَ وفي المَوْتِ والبَعْثِ ودُخُولِ النّارِ. قالَ البَغَوِيُّ: وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِرْعَوْنًا، وإنَّ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ أبُو جَهْلٍ» وقَدْ أفْهَمَتِ الآيَةُ أنَّ مَن أصْلَحَ قُوَّتَيِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ بِأنْ صَدَّقَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقْبَلَ وأقامَ الصَّلاةَ فَتَبِعَتْها جَمِيعُ الأعْمالِ الَّتِي هي عِمادُها، فَنَشَأ عَنْ ذَلِكَ خُلُقٌ حَسَنٌ وهو الوَجَلُ مَعَ الطّاعَةِ، فَهُنالِكَ يُقالُ لَهُ: بُشْرى لَكَ فَبُشْرى ثُمَّ بُشْرى [لَكَ -] فَبُشْرى.
القيامة 75:36
ولَمّا كانَ هَذا فِعْلُ مَن أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ أصْلًا فَلَمْ يَخْطُرْ شَيْئًا مَن عَظَمَتِهِ عَلى بالِهِ، فَكانَ ظانًّا أنَّهُ مُهْمِلٌ لا مالِكَ لَهُ وأنَّهُ هو (p-١١٥)السَّيِّدُ لا عُبُودِيَّةَ عَلَيْهِ، فَلا يُؤَمَرُ ولا يَنْهى [ولا يَعْمَلُ -] إلّا بِمُقْتَضى شَهَواتِهِ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مُعَبِّرًا بِالحُسْبانِ الَّذِي الحامِلُ عَلَيْهِ نَقْصُ العَقْلِ: ﴿أيَحْسَبُ﴾ أيْ أيَجُوزُ لِقِلَّةِ عَقْلِهِ ﴿الإنْسانُ﴾ أيِ الَّذِي هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ضَعِيفٌ عاجِزٌ مُحْتاجٌ بِما يَرى في نَفْسِهِ وأبْناءِ جِنْسِهِ.
ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى الجَراءَةِ مُطْلَقَ التُّرْكِ هَمَلًا، لا كَوْنَ التَّرْكِ مِن مُعَيَّنٍ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿أنْ يُتْرَكَ﴾ [ أيْ يَكُونُ تَرْكُهُ بِالكُلِّيَّةِ - ] ﴿سُدًى﴾ أيْ مُهْمَلًا لاعِبًا لاهِيًا لا يُكَلَّفُ ولا يُجازى ولا يُعْرَضُ عَلى المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي خَلَقَهُ فَيَسْألُهُ عَنْ شُكْرِهِ فِيما أسْدى إلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ، فَإنَّها تَقْتَضِي الأمْرَ بِالمَحاسِنِ والنَّهْيَ عَنِ المَساوِئِ والجَزاءَ عَلى كُلٍّ مِنهُما، وأكْثَرُ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ يَمُوتُونَ مِن غَيْرِ جَزاءٍ، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةَ ولا بُدَّ البَعْثُ لِلْجَزاءِ.
القيامة 75:37
ولَمّا كانَ الإنْسانُ يَجْرِي عَلى ما ”فِي طَبْعِهِ“ مِنَ النَّقائِصِ فَيَغْفُلُ عَمّا خَلَقَ لَهُ فَتَتَراكَمُ عَلَيْهِ ظُلُماتُهُ فَيَبْعُدُ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ إمّا بِجَهْلٍ بِالحِكْمَةِ أوْ بِجَهْلٍ بِالقُدْرَةِ، رَحِمَهُ سُبْحانَهُ بِإعادَةِ البُرْهانِ عَلى المَعادِ بِأمْرٍ يَجْمَعُ القُدْرَةَ والحِكْمَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ لا يَجُوزُ في عَقْلِ عاقِلٍ (p-١١٦)أنَّ صانِعًا يَصْنَعُ شَيْئًا ويَتْرُكُهُ ضَياعًا وهو حَكِيمٌ أوْ حاكِمٌ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحُكَماءِ والحاكِمِينَ فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ظَنَّهُ أنَّهُ يُهْمِلُهُ سُبْحانَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِصَنائِعِهِ المُحْكَّمَةَ فِيهِ، مُقَرِّرًا أحْوالَ بِدايَتِهِ الَّتِي لا يُسَوِّغُ مَعَها إنْكارُ إعادَتِهِ لِأنَّها أدَلُّ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِنها أصْلًا، حاذِفًا نُونَ الكَوْنِ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ في هَذِهِ النَّتِيجَةِ العُظْمى ضاقَ عَنْ أقَلِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ كَراهِيَةَ التَّمادِي مِنَ المَوْعُوظِ عَلى ما وعَظَ لِأجْلِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ الهَلاكُ، وإشارَةٌ إلى مَهانَةِ أصْلِهِ وحَقارَتِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ﴾ أيِ الإنْسانُ ﴿نُطْفَةً﴾ أيْ شَيْئًا يَسِيرًا جِدًّا ﴿مِن مَنِيٍّ﴾ أيْ ماءٍ مَن صُلِبَ الرَّجُلَ وتَرائِبِ المَرْأةِ مَقْصُودٌ ومُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ لِلِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ مِثالُهُ المَنِيَّةُ الَّتِي هي المَوْتُ ﴿يُمْنى﴾ أيْ سَبَّبَ اللَّهُ لِلْإنْسانِ المُعالَجَةَ في إخْراجِها بِما رَكَّبَ فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ وجَعَلَ لَهُ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي يُسِرُّها لِقَضاءِ وطَرِهِ مِنها حَتّى أنَّ وقْتَ صَبِّها في الرَّحِمِ [انْصَبَّتْ -] مِنهُ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ حَتّى كَأنَّهُ لا فِعْلَ لَهُ [فِيها -] أصْلًا، ولِذَلِكَ بَنى الفِعْلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ،
القيامة 75:38
و[لَمّا -] كانَ تَكْثِيرُ تِلْكَ النُّطْفَةِ وتَحْوِيلُها أمْرًا عَظِيمًا عَجِيبًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ مَعَ إفادَتِها لِلتَّراخِي في الزَّمانِ أيْضًا (p-١١٧)فَقالَ: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا مُحْكَمًا ﴿عَلَقَةً﴾ أيْ دَمًا أحْمَرَ عَبِيطًا شَدِيدَ الحُمْرَةِ والغِلْظَةِ ﴿فَخَلَقَ﴾ أيْ قَدَّرَ سُبْحانَهُ عَقِبَ ذَلِكَ لَحْمَهُ وعِظامَهُ وعَصَبَهُ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن جَواهِرِهِ وأعْراضِهِ ﴿فَسَوّى﴾ أيْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ خَلْقًا آخَرَ غايَةَ التَّعْدِيلِ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا.
القيامة 75:39
ولَمّا كانَ اسْتِبْعادُهم لِلْقِيامَةِ إمّا لِاسْتِبْعادِ القُدْرَةِ عَلى إعادَةِ الأجْزاءِ بَعْدَ تَفَرُّقِها أوْ لِاسْتِبْعادِ القُدْرَةِ عَلى تَمْيِيزِ تُرابِها مِن تُرابِ الأرْضِ بَعْدَ الِاخْتِلاطِ، وكانَ تَمْيِيزُ النُّطْفَةِ إلى ذَكَرٍ وأُنْثى كافِيًا في [رَدِّ -] الِاسْتِبْعادَيْنِ قالَ: ﴿فَجَعَلَ﴾ أيْ بِسَبَبِ النُّطْفَةِ ﴿مِنهُ﴾ أيْ هَذا الماءَ الدّافِقَ أوِ المَخْلُوقَ المُسَوّى وهُما شَيْءٌ واحِدٌ ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ القَرِينَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِأحَدِهِما إلّا بِالآخَرِ، ثُمَّ بَيَّنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وهُما كَما تَعْلَمُونَ مُتَبايِنانِ في الطِّباعِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الأعْضاءِ والآلاتِ والمَتاعِ، كَما لَمْ يَتْرُكِ النُّطْفَةَ حَتّى صَيَّرَها عَلَقَةً ولا تَرَكَ العَلَقَةَ حَتّى صَيَّرَها [مُضْغَةً ولا تَرَكَ المُضْغَةَ حَتّى صَيَّرَها -] عِظامًا ولَمْ يَتْرُكِ العِظامَ حَتّى صَيَّرَها خَلْقًا آخَرَ إلى تَمامِ الخِلْقَةِ لِتَمامِ الحِكْمَةِ الظّاهِرَةِ وفَصَّلَها إلى ذَكَرٍ وأُنْثى وهي [ماءٌ-]، (p-١١٨)تَمْيِيزُ ما يَصْلُحُ مِنهُ لِلذَّكَرِ وما يَصْلُحُ مِنهُ لِلْأُنْثى أشَدُّ وأخْفى مِن تَمْيِيزِ تُرابِ المَيِّتِ مِن تُرابِ الأرْضِ، فَكَذَلِكَ لا يُتْرَكُ الجِسْمُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتّى يُعِيدَهُ ثُمَّ يَبْعَثُهُ إلى آخِرِ ذَلِكَ لِتَمامِ الحِكْمَةِ الباطِنَةِ وهي الجَزاءُ والحِكَمُ الَّذِي [هُوَ -] خاصَّةُ المَلِكِ.
القيامة 75:40
ولَمّا تَقَرَّرَ مِن حَيْثُ إتْقانُ الِاصْطِناعِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مَعَهُ الإهْمالُ وانْقِطاعُ النِّزاعِ، وكانَ رُبَّما تَوَقَّفَ مِن حَيْثُ ظَنَّ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى تَمامِ القُدْرَةِ مُقَرِّرًا عَلَيْهِ مُنْكِرًا عَلى مَن يَتَوَقَّفُ فِيهِ مُوَبِّخًا لَهُ مُرَتَّبًا عَلى ما قامَ عَلى القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ مِن دَلِيلِ القُدْرَةِ الشُّهُودِيِّ عَلى البِدايَةِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيِ الخالِقِ المُسَوِّي الإلَهِ الأعْظَمِ الَّذِي قَدَّرَ عَلى هَذِهِ الإنْشاءاتِ وصَنَعَ هَذِهِ الصَّنائِعَ المُتْقَنَةَ الَّتِي لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى شَيْءٍ مِنها، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِقادِرٍ﴾ أيْ عَظِيمَ القُدْرَةِ ﴿عَلى أنْ يُحْيِيَ﴾ أيْ كَيْفَ أرادَ دُفْعَةً أوْ في أوْقاتٍ مُتَعاقِبَةٍ ﴿المَوْتى﴾ فَيُقِيمُ القِيامَةَ بَلْ [و -] عِزَّتِهِ وجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ إنَّهُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ قَدِيرٌ، وقَدْ رَجَعَ آخِرَ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها أتَمَّ رُجُوعٍ، والتَأمَ بِهِ أتَمَّ التِئامٍ، فَتَمَّتْ (p-١١٩)مَعانِيها أعْظَمَ تَمامٍ بِجَمْعِ العِظامِ وإيجادِ القِيامِ لِيَوْمِ التَّغابُنِ والزِّحامِ - أعانَنا اللَّهُ [فِيهِ -] بِحَسَبِ الخِتامِ، رَوى البَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ مِن طَرِيقِ أبِي داوُدَ عَنْ أعْرابِيٍّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فَلْيَقُلْ: [بَلى -] وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ، ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فانْتَهى إلى قَوْلِهِ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ المُرْسَلاتِ فَقَرَأ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَلْيَقُلْ:”آمَنّا بِاللَّهِ»“[و -] رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ في آخِرِ القِيامَةِ أنْ يُحْيِيَ المَوْتى:”بَلى وعَزَّةِ رَبِّنا“وقالَ الحافِظُ نُورُ الدِّينِ الهَيْثَمِيُّ في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ: ورَوى أحْمَدُ وفِيهِ رَجُلانِ لَمْ أعْرِفْهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ:" قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ: والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ، ومَن قَرَأ: والتِّينُ والزَّيْتُونُ، فَلْيَقُلْ: وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ، ومَن قَرَأ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى» واللَّهِ الهادِي لِلصَّوابِ.
الإنسان 76:1
(p-١٢٠)سُورَةُ الإنْسانِ وتُسَمّى هَلْ أتى والأمْشاجِ والدَّهْرِ.
مَقْصُودُها تَرْهِيبُ الإنْسانِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ القِيامَةِ مِنَ العَرْضِ عَلى المَلِكِ الدَّيّانِ بِتَعْذِيبِ العاصِي ”فِي النِّيرانِ“ وتَنْعِيمِ المُطِيعِ في الجِنانِ بَعْدَ جَمْعِ الخَلائِقِ [كُلُّها -] الإنْسُ والمَلائِكَةُ والجانُّ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحَيَوانِ، ويَكُونُ لَهم مَواقِفٌ طِوالٍ وأهْوالٍ وزِلْزالَ، لِكُلٍّ مِنها أعْظَمُ شَأْنٍ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ الإنْسانِ بِتَأمُّلِ آيَتِهِ وتَدَبُّرِ مَبْدَئِهِ وغايَتِهِ، وكَذا تَسْمِيَتُها بِهَلْ أتى وبِالدَّهْرِ وبِالأمْشاجِ مِن غَيْرِ مَيْلٍ ولا اعْوِجاجٍ ( بِسْمِ اللَّهِ ) المَلِكِ الَّذِي خَلَقَ الخَلائِقَ لِمَعْرِفَةِ أسْمائِهِ الحُسْنى ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّهم بِنِعْمَةِ الظّاهِرَةِ فُرادى ومَثْنى ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ مِنهم مَنِ اخْتارَهُ لِوِدادِهِ بِالنِّعْمَةِ الباطِنَةِ والمَقامِ الأسْنى.
* *
ولَمّا تَقَدَّمَ في آخِرِ القِيامَةِ التَّهْدِيدُ عَلى مُطْلَقِ التَّكْذِيبِ، وأنَّ (p-١٢١)المَرْجِعَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، والإنْكارُ عَلى مَن ظَنَّ أنَّهُ يُتْرَكُ سُدًى والِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ وتَمامُ القُدْرَةِ [عَلَيْهِ-]، تَلاهُ أوَّلُ هَذِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى ما يَقْطَعُ مَعَهُ بِأنْ لا يُتْرَكَ سُدًى، فَقالَ مُفَصَّلًا ما لَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةِ الإيجادِ والإعْدادِ والإمْدادِ والإسْعادِ: ﴿هَلْ أتى﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿عَلى الإنْسانِ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي شَغَلَهُ عَمّا يُرادُ بِهِ ويُرادُ لَهُ لِعِظَمِ مِقْدارِهِ في نَفْسِ الأمْرِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ والإعْجابُ بِظاهِرِ حِسِّهِ والنِّسْيانِ لِما بَعْدَ حُلُولِ رَمْسِهِ ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ أيْ مِقْدارٍ مَحْدُودٍ وإنْ قَلَّ مَنِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ الغَيْرِ المَحْدُودِ حالَ كَوْنِهِ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ أيْ في ذَلِكَ الحِينِ كَوْنًا راسِخًا ﴿شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أيْ ذِكْرًا لَهُ اعْتِبارٌ ظاهِرٌ في المَلَأِ الأعْلى وغَيْرِهِ حَتّى أنَّهُ يَكُونُ مُتَهاوِنًا بِهِ غَيْرَ مَنظُورٍ إلَيْهِ لِيَجُوزَ أنْ يَكُونَ سُدًى بِلا أمْرٍ ونَهْيٍ، ثُمَّ يَذْهَبُ [عَدَمًا -] لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ ما أتى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِهِ إلّا وهو فِيهِ شَيْءٌ مَذْكُورٌ، وذَلِكَ أنَّ الدَّهْرَ هو الزَّمانُ، والزَّمانُ هو مِقْدارُ حَرَكَةِ الفَلَكِ - كَما نَقَلَهُ الرّازِيُّ في [كِتابِ -] اللَّوامِعِ في سُورَةِ ”يس“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠] فَإنَّهُ قالَ: الزَّمانُ ابْتِداؤُهُ مِن حَرَكاتِ السَّماءِ فَإنَّ الزَّمانَ مِقْدارُ حَرَكاتِ الفَلَكِ انْتَهى.
وآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَّ الخَلْقَ بِتَمامِ خَلْقِهِ في آخِرِ يَوْمِ الجُمْعَةِ أوَّلُ جُمْعَةٍ (p-١٢٢)كانَتْ، وكانَتْ [طِينَتُهُ -] قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ مُخَمَّرَةٍ هو فِيها بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن طِينٍ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن حَمَإٍ [مَسْنُونٍ -] أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ خَلَقَهُ بَعْدَ سِتِّينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، [ وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ثُمَّ خَلَقَهُ بَعْدَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ -]: فَحِينَئِذٍ ما أتى عَلَيْهِ زَمانٌ إلّا وهو شَيْءٌ مَذْكُورٌ إمّا بِالتَّخْمِيرِ وإمّا بِتَمامِ التَّصْوِيرِ، فالِاسْتِفْهامُ عَلى بابِهِ وهو إنْكارِيٌّ، ولَيْسَتْ ”هَلْ“ بِمَعْنى ”قَدْ“ إلّا إنْ قُدِّرَتْ قَبْلَها الهَمْزَةُ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا لِيَنْتَفِيَ مَضْمُونُ الكَلامِ، والمُرادُ أنَّهُ هو المُرادُ مِنَ العالَمِ، فَحِينَئِذٍ ما خَلَقَ الزَّمانَ إلّا لِأجْلِهِ، فَهو أشْرَفُ الخَلائِقِ، وهَذا أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى بَعْثِهِ لِلْجَزاءِ، فَهَلْ يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُتْرَكَ سُدًى فَيَفْنى المَظْرُوفُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، ويَبْقى الظَّرْفُ الَّذِي ما خَلَقَ إلّا صِوانًا لَهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن أقْوالِ السَّلَفِ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قَرَأها عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا لَيْتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ.
(p-١٢٣)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ تَعْرِيفُ الإنْسانِ بِحالِهِ وابْتِداءِ أمْرِهِ لِيَعْلَمَ أنْ لا طَرِيقَ لَهُ لِلْكِبَرِ واعْتِقادِ السِّيادَةِ لِنَفْسِهِ، وأنْ لا يُغَلِّطَهُ ما اكْتَنَفَهُ مِنَ الألْطافِ الرَّبّانِيَّةِ والِاعْتِناءِ الإلَهِيِّ والتَّكْرِمَةِ فَيَعْتَقِدُ أنَّهُ يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ ويَسْتَحِقُّهُ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ولَمّا تَقَدَّمَ في القِيامَةِ إخْبارُهُ تَعالى عَنْ حالِ مُنْكِرِي البَعْثِ عِنادًا واسْتِكْبارًا وتَعامِيًا عَنِ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] وقَوْلُهُ بَعْدَ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] أيْ يَتَبَخْتَرُ عُتُوًّا واسْتِكْبارًا ومَرَحًا وتَجَبُّرًا، وتَعْرِيفُهُ بِحالِهِ الَّتِي لَوْ فَكَّرَ فِيها لَمّا كانَ مِنهُ ما وصَفَ، [و -] ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] أتْبَعَ ذَلِكَ بِما هو أعْرَقُ في التَّوْبِيخِ وأوْغَلُ في التَّعْرِيفِ وهو أنَّهُ [قَدْ -] كانَ لا شَيْءَ فَلا نُطْفَةَ ولا عَلَقَةَ، ثُمَّ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةِ الإيجادِ ونَقَلَهُ تَعالى مَن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ فَجَعَلَهُ نُطْفَةً مِن ماءٍ مَهِينٍ في قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى إخْراجِهِ وتَسْوِيَتِهِ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنَ الخالِقِينَ، فَمَنِ اعْتُبِرَ اتِّصافُهُ بِالعَدَمِ ثُمَّ تَقَلُّبُهُ في هَذِهِ الأطْوارِ المُسْتَنْكِفِ حالُها والواضِحُ (p-١٢٤)فَناؤُها واضْمِحْلالُها، وأمَدَّهُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِ عَرَفَ حِرْمانَ مِن وصْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] فَسُبْحانَ اللَّهُ ما أعْظَمَ حِلْمَهُ وكَرَمَهُ ورِفْقَهُ، [ثُمَّ -] بَيَّنَ تَعالى ما جَعَلَهُ لِلْإنْسانِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ ابْتِلاءً لَهُ، ومَن أدْرَكَهُ أدْرَكَهُ الغَلَطُ وارْتَكَبَ الشَّطَطَ - انْتَهى.
الإنسان 76:2
ولَمّا ذَكَرَ مُطْلَقَ خَلْقِهِ، وقَرَّرَ أنَّهُ خُلاصَةُ الكَوْنِ، شَرْعٌ يَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ ويَدُلُّ عَلى ما لَزِمَ مِن ذَلِكَ مِن أنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِأجْلِهِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُهْمِلَ فَقالَ مُعْلِمًا بِالحالِ الَّتِي هي قَيْدُ الجُمْلَةِ ومَحَطُّ الفائِدَةِ أنَّهُ ما خَلَقَ إلّا لِلْآخِرَةِ، مُفَصَّلًا أمْرَ الإيجادِ بِالفاعِلِ والصُّورَةِ والمادَّةِ والغايَةِ وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمْ لَهُ: ﴿إنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿خَلَقْنا﴾ أيْ قَدَّرْنا وصُوَّرْنا، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِأنَّ الثّانِي خاصٌّ والأوَّلُ عامٌّ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ فَقالَ: ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ بَعْدِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ مادَّةٍ هي ماءُ جِدًّا مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٍ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ وهي المادَّةُ الَّتِي هي السَّبَبُ الحامِلُ لِلْقُوَّةِ المُوَلَّدَةِ. (p-١٢٥)ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَلى طَبائِعِ مُخْتَلِفَةٍ وأمْزِجَةٍ مُتَفاوِتَةٍ أعْظَمَ لِأجْرِهِ إنَّ جاهِدَ ما يَتَنازَعُهُ مِنَ المُخْتَلِفاتِ بِأمْرِ رَبِّهِ الَّذِي لا يَخْتَلِفُ، وكانَتْ أفْعالُهُ تابِعَةً [ لِأخْلاقِهِ وأخْلاقُهُ تابِعَةٌ -] لِجِبِلَّتِهِ قالَ: ﴿أمْشاجٍ﴾ [ أيْ أخْلاطٌ - ] جَمْعُ مُشْجٍ أوْ مَشِيجٍ مِثْلُ خِدْنٍ وخَدَّيْنِ وأخْدانٍ، وخَلَطَ وخَلِيطٍ وأخْلاطٍ، مِن مَشَجْتُ الشَّيْءَ - إذا خَلَطْتُهُ، لِأنَّهُ مِن مَنِيِّ الرَّجُلِ ومَنِيِّ المَرْأةِ، وكُلٌّ مِنهُما مُخْتَلِفُ الأجْزاءِ مُتَبايِنُ الأوْصافِ في الرِّقَّةِ والثِّخَنِ والقَوامِ والخَواصِّ تَجْتَمِعُ مَعَ الأخْلاطِ وهي العَناصِرُ الأرْبَعَةُ، ماءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أبْيَضٌ، وماءُ المَرْأةِ رَقِيقٌ أصْفَرُ فَأيُّهُما عَلا كانَ الشَّبَهُ لَهُ، وما كانَ مِن عَصَبٍ وعَظْمٍ فَمِن نُطْفَةِ الرَّجُلِ، وما كانَ مِن دَمٍ ولَحْمٍ وشَعْرٍ فَمِن ماءِ المَرْأةِ، وقالَ يَمانُ: كُلُّ لَوْنَيْنِ اخْتَلَطا فَهو أمْشاجٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي أطْوارُ الخَلْقِ مِنَ النُّطْفَةِ وما بَعْدَهُما، وكَما يُشْبِهُ ما غَلَبَ عَلَيْهِ مِن باطِنِ الأمْشاجِ مِنَ الطِّيبِ والخُبْثِ، وكَيْفِيَّةُ تَمْشِيجِهِ أنَّ الماءَ إذا وصَلَ إلى قَرارِ الرَّحِمِ اخْتَلَطَ بِماءِ المَرْأةِ ثُمَّ بِدَمِ الطَّمْثِ وخَثُرَ حَتّى صارَ كالرّائِبِ ثُمَّ احْمَرَّ وحِينَئِذٍ يُسَمّى عَلَقَةً، فَإذا اشْتَدَّ ذَلِكَ الِامْتِزاجُ وقَوِيَ وتَمُتْنَ حَتّى اسْتَعَدَّ لِأنْ يُقَسَّمَ فِيهِ الأعْضاءُ سُمِّيَ مُضْغَةً، فَإذا (p-١٢٦)أُفِيضَتْ عَلَيْهِ صُورَةُ الأعْضاءِ وتُقَسَّمُ كِساهُ حِينَئِذٍ مُفِيضُهُ عَزَّ وجَلَّ لَحْمًا، فَأفاضَ عَلَيْهِ القُوَّةُ العاقِلَةُ، ويُسَمّى حِينَئِذٍ جَنِينًا، وذَلِكَ بَعْدَ تَقَسُّمِ أجْزائِهِ إلى عِظامٍ وعُرُوقٍ وأعْصابٍ وأوْتارٍ ولَحْمٍ، فَدَوْرُ الرَّأْسِ وشَقَّ في جانِبَيْهِ السَّمْعُ وفي مُقَدِّمِهِ المُبْصِرِ والأنْفِ والفَمِ، وشَقَّ في البَدَنِ سائِرُ المَنافِذِ ثُمَّ مَدَّ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ وقَسَّمَ رُؤُوسَها بِالأصابِعِ، ورَكَّبَ الأعْضاءَ الباطِنَةَ مِنَ القَلْبِ والمَعِدَةِ [والكَبِدِ -] - والطُّحالِ والرِّئَةِ والمَثانَةِ، فَسُبْحانَ مَن خَلَقَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن نُطْفَةٍ سَخِيفَةٍ مُهِينَةٍ كَوَّنَ مِنها العِظامَ مَعَ قُوَّتِها وشِدَّتِها وجَعَلَها عِمادَ البَدَنِ وقِوامَهُ وقَدَّرَها بِمَقادِيرَ وأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمِنها صَغِيرٌ وكَبِيرٌ، وطَوِيلٌ وقَصِيرٌ، وعَرِيضٌ ومُسْتَدِيرٌ، ومُجَوَّفٌ ومُصْمَتٌ، ودَقِيقٌ وثَخِينٌ، ولَمْ يَجْعَلْها عَظْمًا واحِدًا لِأنَّ الإنْسانَ مُحْتاجٌ إلى الحَرَكَةِ بِجُمْلَةِ بَدَنِهِ وبِبَعْضِ أعْضائِهِ ثُمَّ جَعَلَ بَيْنَ تِلْكَ العِظامَ مَفاصِلَ ثُمَّ وصَلَها بِأوْتارٍ أنْبَتَها مِن أحَدِ طَرَفَيِ العَظْمِ وألْصَقَها بِالطَّرَفِ الآخَرِ بِالرِّباطِ لَهُ ثُمَّ خَلَقَ في أحَدِ طَرَفَيِ العَظْمِ زَوائِدَ خارِجَةً، وفي الآخَرِ حُفَرًا مُوافِقَةً لِشَكْلِ الزَّوائِدِ لِتَدْخُلَ فِيها، وخَلَقَ الرَّأْسَ مَعَ كَرِيتِهِ مِن خَمْسَةٍ وخَمْسِينَ عَظْمًا مُخْتَلِفَةَ الأشْكالِ وألَّفَ بَعْضَها مَعَ بَعْضٍ، فَجَعَلَ في القَحْفِ سِتَّةً وفي اللِّحى الأعْلى أرْبَعَةَ عَشَرَ، واثْنانِ لِلْأسْفَلِ، والباقِي في الأسْنانِ، وجَعَلَ [الرَّقَبَةَ-] (p-١٢٧)مُرَكَّبًا لِلرَّأْسِ ورَكَّبَها مِن سَبْعِ خَرَزاتٍ فِيها تَجْوِيفاتٍ وزِياداتٍ ونُقْصاناتٍ لِيَنْطَبِقَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ورَكَّبَ الظَّهْرَ مِن أرْبَعٍ وعِشْرِينَ خَرَزَةً وعَظُمَ العَجْزُ مِن ثَلاثَةِ أجْزاءَ، وجَعَلَ مِن أسْفَلِهِ عَظْمَ العُصْعُصِ أوِ اللَّفَّةِ مِن ثَلاثَةِ أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ وصَلَ عِظامَ الظَّهْرِ بِعِظامِ الصَّدْرِ وعِظامِ الكَتِفِ وغَيْرِها حَتّى بَلَغَ مَجْمُوعُ عِظامِ بَدَنِ الإنْسانِ مِائَتَيْ عَظْمٍ وثَمانِيَةَ وأرْبَعِينَ عَظْمًا سِوى العِظامِ الَّتِي حَشا بِها خَلَلُ المَفاصِلِ، وخَلَقَ سُبْحانَهُ آلاتِ التَّحْرِيكِ لِلْعِظامِ وهي العَضَلاتُ وهي خَمْسِمِائَةٍ وسَبْعٌ وعِشْرُونَ عَضَلَةً كُلٌّ مِنها عَلى قَدْرٍ مَخْصُوصٍ ووَضْعٍ مَخْصُوصٍ لَوْ تَغَيَّرَ [عَنْ -] ذَلِكَ أدْنى تَغَيُّرٍ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ البَدَنِ، وكَذا الأعْصابُ والأوْرِدَةُ والشَّرايِينُ، ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ خَلَقَ الظَّهْرَ أساسًا لِلْبَدَنِ، والبَطْنَ حاوِيًا لِآلاتِ الغِذاءِ والرَّأْسِ مَجْمَعًا لِلْحَواسِّ، .فَفَتَحَ العَيْنَ ورَتَّبَ طَبَقاتِها وأحْسَنَ شَكْلَها ولَوْنَها وأحْكَمَها بِحَيْثُ يَنْطَبِعُ في مِقْدارِ عَدَسَةِ مِنها صُورَةُ السَّماواتِ عَلى عَظْمِها، وحِماها بِالأجْفانِ لِتَسْتُرُها وتَحْفَظُها، ثُمَّ أوْدَعَ الأُذُنَيْنِ ماءً مُرًّا يَدْفَعُ عَنْها الهَوامَّ وحاطَّهُما بِصَدْفَيْنِ لِجَمْعِ الصَّوْتِ ورَدِّهِ إلى الصِّماخِ ولِيُحِسَّ بِدَبِيبِ الهَوامِّ وجَعَلَ فِيها تَعْرِيجًا لِتَطْوِيلِ (p-١٢٨)الطَّرِيقِ فَلا تَصِلُ الهَوامُّ إلى جُرْمِ الصِّماخِ سَرِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ الأنْفَ في الوَجْهِ وأوْدَعَ فِيهِ حاسَّةَ الشَّمِّ لِلِاسْتِدْلالِ بِالرَّوائِحِ عَلى الأطْعِمَةِ والأغْذِيَةِ ولِاسْتِنْشاقِ الرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ لِتَكُونَ مِرْوَحَةً لِلْقَلْبِ، وأوْدَعَ الفَمُ اللِّسانَ وجَعَلَهُ عَلى كَوْنِهِ لُحْمَةً واحِدَةً مُعْرِبًا عَمّا في النَّفْسِ، وزَيَّنَ القُمَّ بِالإنْسانِ فَحَدَّدَ بَعْضَها لِتَكُونَ آلَةً لِلنَّقْبِ وحَدَّدَ بَعْضَها لِتَصْلُحَ لِلْقَطْعِ، وجَعَلَ بَعْضَها عَرِيضًا مُفَلْطَحًا صالِحًا لِلطَّحْنِ وبَيْضِ ألْوانِها ورُتَبِ صُفُوفِها وسِوى رُؤُوسِها ونَسَقَ تَرْتِيبَها حَتّى صارَتْ كالدُّرِّ المَنظُومِ، ثُمَّ أطْبَقَ عَلى الفَمِ الشَّفَتَيْنِ وحَسُنَ لَوْنُهُما لِتَحْفَظا مُنَفِّذَهُ وهَيَّأ الحَنْجَرَةَ لِخُرُوجِ الصَّوْتِ، وخالَفَ أشْكالَ الحَناجِرِ في الضِّيقِ والسِّعَةِ والخُشُونَةِ والمَلاسَةِ والصَّلابَةِ والرَّخاوَةِ والطُّولِ والقَصْرِ، فاخْتَلَفَتِ الأصْواتُ بِسَبَبِها لِيُمَيِّزَ السّامِعُ المُصَوِّتِينَ بِسَبَبِ تَمْيِيزِ أصْواتِهِمْ فَيَعْرِفُهم وإنْ لَمْ يَرَهُمْ، وسَخَّرَ كُلُّ عُضْوٍ مِن أعْضاءِ الباطِنِ لِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، فالمَعِدَةُ لِإنْضاجِ الغِذاءِ، والكَبِدِ لِإحالَتِهِ إلى الدَّمِ، والطُّحالِ لِجَذْبِ السَّوادِ، والمَرارَةُ لِجَذْبِ الصَّفْراءِ، والكُلْيَةِ لِجَذْبِ الفَضْلَةِ المائِيَّةِ، والمَثانَةِ لِخِدْمَةِ الكُلِّيَّةِ بِقَبُولِ الماءِ عَنْها ثُمَّ إخْراجُهُ مِن طَرِيقِهِ، والعُرُوقُ لِخِدْمَةِ الكَبِدِ في إيصالِ الدَّمِ إلى سائِرِ أطْرافِ البَدَنِ، وكانَ مَبْدَأ ذَلِكَ كُلِّهِ النُّطْفَةُ عَلى صِغَرِها في داخِلِ الرَّحِمِ في ظُلُماتِ ثَلاثَةٍ ولَوْ كَشَفَ الغِطاءَ وامْتَدَّ البَصَرُ إلَيْهِ لَرَأى التَّخْطِيطَ والتَّصْوِيرَ يَظْهَرُ عَلَيْهِ (p-١٢٩)شَيْئًا فَشَيْئًا ولا يَرى المُصَوِّرَ ولا الإلَهَ، فَسُبْحانَهُ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وأبْهَرَ بُرْهانَهُ، فَيالِلَّهِ العَجَبُ مِمَّنْ يَرى نَقْشًا حَسَنًا عَلى جِدارٍ فَيَتَعَجَّبُ مِن حُسْنِهِ وحَذَقَ صانِعُهُ ثُمَّ لا يَزالُ يَسْتَعْظِمُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى هَذِهِ العَجائِبِ في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ ثُمَّ يَغْفُلُ عَنْ [صانِعِهِ -] ومُصَوِّرُهُ فَلا تُدْهِشُهُ عَظْمَتُهُ ويُحَيِّرُهُ جَلالُهُ وحِكْمَتُهُ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُرَكَّبًا مِن رُوحٍ خَفِيفٍ طاهِرٍ وبَدَنٍ هو مُرَكَّبُ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ واللَّوْمِ والدَّنِيّاتِ، فَكانَ الرُّوحُ بِكَمالِهِ والبَدَنُ بِنُقْصانِهِ يَتَعالَجانِ، كُلٌّ مِنهُما يُرِيدُ أنْ يَغْلِبَ صاحِبَهُ، قَوّى سُبْحانَهُ الرُّوحَ بِالشَّرْعِ الدّاعِي إلى مَعالِي الأخْلاقِ، النّاهِي عَنْ مُساوِيها، المُبَيِّنِ لِذَلِكَ غايَةَ البَيانِ عَلى يَدِ إنْسانٍ طَبَّعَهُ سُبْحانَهُ عَلى الكَمالِ لِيَقْدِرَ عَلى التَّلَقِّي مِنَ المَلائِكَةِ، فَيُكْمِلُ أبْناءُ نَوْعِهِ، فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِحالٍ بَناها مِن ضَمِيرِ العَظَمَةِ فَقالَ مُبَيِّنًا لِلْغايَةِ: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أيْ نُعامِلُهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْظِ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ ونَحْنُ أعْلَمُ بِهِ مِنهُ، ولَكِنّا فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِيمَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ، فَإنَّ العاصِيَ لا يَعْلَمُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ العِصْيانُ، وكَذا الطّائِعُ، فَصارَ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ وهْمِهِ لِما خَلَقَ اللَّهُ لَهُ مِنَ القُوَّةِ والقُدْرَةِ الصّالِحَةِ في الجُمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ الغايَةَ، أتْبَعَها الإعْداداتِ المُصَحِّحَةَ لَها فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهُ﴾ (p-١٣٠)أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿سَمِيعًا﴾ أيْ بالِغُ السَّمْعِ ﴿بَصِيرًا﴾ أيْ عَظِيمَ البَصَرِ والبَصِيرَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِن مُشاهَدَةِ الدَّلائِلِ بِبَصَرِهِ وسَماعِ الآياتِ بِسَمْعِهِ، ومَعْرِفَةِ الحُجَجِ بِبَصِيرَتِهِ، فَيَصِحُّ تَكْلِيفُهُ وابْتِلاؤُهُ، فَقَدَّمَ العِلَّةَ الغائِيَّةَ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ في الِاسْتِحْضارِ [عَلى -] التّابِعِ لَها مِنَ المُصَحِّحِ لِوُرُودِها، وقَدَّمَ [السَّمْعَ -] لِأنَّهُ أنْفَعُ في المُخاطَباتِ، ولِأنَّ الآياتِ المَسْمُوعَةَ أبْيَنُ مِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ وإلى هُنا انْتَهى الخَبَرُ الفِطْرِيُّ ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنهُ الِاخْتِبارُ الكَسْبِيُّ - انْتَهى. وذَلِكَ بِنَفْخِ الرُّوحِ وهي حادِثَةٌ بَعْدَ حُدُوثِ البَدَنِ بِإحْداثِ القادِرِ المُخْتارِ لَها بَعْدَ تَهْيِئَةِ البَدَنِ لِقَبُولِها، ثُمَّ أفاضَ سُبْحانَهُ [عَلى الجُمْلَةِ -] العَقْلَ، وجَعَلَ السَّمْعَ والبَصَرَ اللَّتَيْنِ لَهُ، ولَعَلَّهُ خَصَّهُما لِأنَّهُما أنْفَعُ الحَواسِّ، ولِأنَّ البَصَرَ يَفْهَمُ البَصِيرَةَ وهي تَتَضَمَّنُ الجَمِيعَ، وجَعَلَ [سُبْحانَهُ -] لَهُ ذَلِكَ لِاسْتِقْراءِ صُوَرِ المَحْسُوساتِ وانْتِزاعِ العُلُومِ الكُلِّيَّةِ مِنها، وبِذَلِكَ يَكْمُلُ عِلْمُهُ الَّذِي مِنهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَحَلَّ التَّكْلِيفِ لِيَكْمُلَ تَكْلِيفُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَكَّبَهُ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، وجَعَلَ صَلاحَهُ بِصَلاحِها، وفَسادَهُ بِفَسادِها (p-١٣١)لِتَعالِيها، فاضْطَرَّ إلى قُوى يُدْرِكُ بِها المُنافِي فَيَجْتَنِبُهُ والمُلائِمُ فَيَطْلُبُهُ، فَرَتَّبَ لَهُ سُبْحانَهُ الحَواسَّ الخَمْسَ الظّاهِرَةَ، فَجَعَلَ السَّمْعَ في الأُذُنِ، والبَصَرَ في العَيْنِ، والذَّوْقَ في اللِّسانِ، والشَّمَّ في الأنْفِ، وبَثَّ اللَّمْسَ في سائِرِ البَدَنِ، لِيَدْفَعَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الأعْضاءِ ما يُؤْذِيها، وهَذِهِ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ تَنْبَعِثُ عَنْ قُوَّةٍ باطِنَةٍ تُسَمّى الحِسَّ المُشْتَرَكَ بِحَمْلِ ما أدْرَكَتْهُ فَيَرْتَسِمُ هُناكَ وهو في مُقَدَّمِ البَطْنِ الأوَّلِ مِنَ الدِّماغِ ويَنْتَقِلُ ما ارْتَسَمَ هُنا إلى خِزانَةِ الخَيالِ وهي في مُؤَخَّرِ هَذا البَطْنِ مِنَ الدِّماغِ فَتُحْفَظُ فِيها صُورَتُهُ وإنْ غابَتْ عَنِ الحَواسِّ، وثَمَّ قُوَّةٌ أُخْرى مِن شَأْنِها إدْراكُ المَعانِي الجُزْئِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَحْسُوساتِ الشَّخْصِيَّةِ كَعَداوَةِ زَيْدٍ وصَداقَتِهِ تُسَمّى الوَهْمَ ومَحَلُّها الدِّماغُ كُلُّهُ والأخَصُّ بِها التَّجْوِيفُ الأوْسَطُ وخُصُوصًا مُؤَخَّرُهُ، وقُوَّةٌ أُخْرى أيْضًا شَأْنُها خَزْنُ ما أدْرَكَتْهُ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ مِنَ المَعانِي الجُزْئِيَّةِ تُسَمّى الحافِظَةَ بِاعْتِبارٍ، والذّاكِرَةَ بِاعْتِبارٍ، ومَحَلُّها التَّجْوِيفُ المُؤَخَّرُ في الدِّماغِ، وقُوَّةٌ أُخْرى مِن شَأْنِها تَفْتِيشُ تِلْكَ الخَزائِنِ وتَرْكِيبُ بَعْضِ مُودِعاتِها مَعَ بَعْضٍ وتَفْصِيلِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ ومَحَلِّها وسُلْطانِها في أوَّلِ التَّجْوِيفِ الأوْسَطِ، وتِلْكَ (p-١٣٢)القُوَّةُ تُسَمّى مُخَيَّلَةً بِاعْتِبارِ تَصْرِيفِ الوَهْمِ لَها ومُفَكِّرَةً بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ النَّفْسِ لَها، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ تَقْدِيمَ ما يُدْرِكُ الصُّوَرَ الجَرْمِيَّةَ وتَأْخِيرُ ما يُدْرِكُ المَعانِيَ الرُّوحانِيَّةَ، وتَوْسِيطُ المُتَصَرِّفِ فِيهِما بِالحُكْمِ والِاسْتِرْجاعِ لِلْأمْثالِ المُنْمَحِيَةِ مِنَ الجانِبَيْنِ، ثُمَّ لا تَزالُ هَذِهِ القُوى تَخْدِمُ ما فَوْقَها كَما خَدَمَتْها الحَواسُّ الخَمْسُ إلى أنْ تَصِيرَ عَقْلًا مُسْتَفادًا، وهو قُوَّةٌ لِلنَّفْسِ بِها يَكُونُ لَها حُضُورُ المَعْقُولاتِ [ بِالفِعْلِ، وهَذا العَقْلُ هو غايَةُ السُّلُوكِ الطَّلَبِيِّ لِلْإنْسانِ وهو الرَّئِيسُ المُطْلَقُ المَخْدُومُ لِلْعَقْلِ بِالفِعْلِ، وهو القُوَّةُ الَّتِي تَكُونُ لِلنَّفْسِ بِها اقْتِدارٌ عَلى اسْتِحْضارِ المَعْقُولاتِ - ] الثّانِيَةِ وهو المَخْدُومُ لِلْعَقْلِ الهِيوُلانِيِّ المُشَبَّهِ بِالهَيُولى.الخالِيَةُ في نَفْسِها عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ، وهو قُوَّةٌ مِن شَأْنِها الِاسْتِعْدادُ المَحْضُ لِدَرْكِ المَعْقُولاتِ بِاسْتِعْمالِ الحَواسِّ في تَصَفُّحِ الجُزْئِيّاتِ واسْتِقْرائِها المَخْدُوماتِ كُلِّها لِلْعَقْلِ العَمَلِيِّ، وهو القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ المَخْدُومُ لِلْوَهْمِ المَخْدُومِ لِما بَعْدَهُ مِنَ الحافِظَةِ وما قَبْلَهُ مِنَ المُتَخَيِّلَةِ المَخْدُومَتَيْنِ لِلْخَيالِ المَخْدُومِ لِلْحِسِّ المُشْتَرَكِ المَخْدُومِ لِلْحَواسِّ الظّاهِرَةِ.
الإنسان 76:3
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ [قِيلَ-]: هَبْهُ خَلَقٌ هَكَذا فَكانَ ماذا؟ قالَ (p-١٣٣)شِفاءٌ لِعِيِّ هَذا السُّؤالِ وبَيانًا لِنِعْمَةِ الإمْدادِ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿هَدَيْناهُ﴾ أيْ بَيِّنًا لَهُ لِأجْلِ الِابْتِلاءِ ﴿السَّبِيلَ﴾ أيِ الطَّرِيقِ الواضِحِ الَّذِي لا طَرِيقَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وهو طَرِيقُ الخَيْرِ الَّذِي مِن حادَ عَنْهُ ضَلَّ، وذَلِكَ بِما أنْزَلَ مِنَ الكُتُبِ وأرْسَلْنا مِنَ الرُّسُلِ ونَصَبْنا مِنَ الدَّلائِلِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وجَعَلْنا لَهُ مِنَ البَصِيرَةِ الَّتِي يُمَيِّزُ بِها بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ وكَلامِ الخَلْقِ وكَلامِ الخالِقِ والحَقِّ والباطِلِ وما أشْبَهَهُ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ عِنْدَ البَيانِ قَدْ كانَ مِنهُ قِسْمانِ، وكانَ السِّياقُ لِبَيانِ تَعْظِيمِهِ بِأنَّهُ خُلاصَةُ الكَوْنِ والمَقْصُودُ مِنَ الخَلْقِ، قالَ بانِيًا حالًا مِن ضَمِيرِهِ في ”هَدَيْناهُ“ مُقْسِمًا لَهُ مُقَدِّمًا القَسَمَ الَّذِي أتَمَّ عَلَيْهِ بِالبَيانِ نِعْمَةَ الهِدايَةِ بِخَلْقِ الإيمانِ، لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِذِكْرِ تَشْرِيفِهِ لِلْإنْسانِ، بِجَعْلِهِ خُلاصَةَ الوُجُودِ وبِقَوْلِهِ: «إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» في سِياقِ ابْتِداءِ الخَلْقِ، مُعَبِّرًا باسِمِ الفاعِلِ الخالِي مِنَ المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَشْكُرَ جَمِيعَ النِّعَمِ، فَلا يُسَمّى شَكُورًا إلّا بِتَفَضُّلٍ [مِن -] رَبِّهِ عَلَيْهِ: ﴿إمّا شاكِرًا﴾ أيْ لِإنْعامِهِ رَبَّهُ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ، لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ، لا يَنْفَكُّ غالِبًا عَنْ كُفْرٍ ما، أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى ذَلِكَ مُعَرِّفًا لَهُ أنَّهُ لا يَأْخُذُهُ إلّا (p-١٣٤)بِالتَّوَغُّلِ فِيهِ لِيَعْرِفَ نِعْمَةَ الحِلْمِ عَنْهُ فَيَحْمِلُهُ الخَجَلُ عَلى [الإقْبالِ عَلى -] مَن يَرْضى مِنهُ بِقَلِيلِ الشُّكْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ مَن كَفَرَ نِعْمَةً واحِدَةً فَقَدْ كَفَرَ الجَمِيعَ فَصارَ بَلِيغَ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَلِيغُ الكَفْرِ بِالإعْراضِ والتَّكْذِيبِ وعِبادَةِ الغَيْرِ والمُعانَدَةِ فَإحْسانُهُ غَيْرُ مُوفٍ إساءَتَهُ مُفَرِّطَةً، وبَدَأ بِالشُّكْرِ لِأنَّهُ الأصْلُ، رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» الحَدِيثُ، ورَواهُ أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولَفُظُهُ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسانُهُ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا وأبُو يَعْلى عَنِ الأُسُودِ بْنِ سَرِيعٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الإنسان 76:4
ولَمّا قَسَمَهم إلى القِسْمَيْنِ، ذَكَرَ جَزاءَ كُلِّ قِسْمٍ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا جَوابَ مَن يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ مُبَشِّرًا لِلشّاكِرِ الَّذِي اسْتَعَدَّ بِعُرُوجِهِ في مَراقِي العِباداتِ إلى مَلَكُوتِ العُلْوِيّاتِ لِرُوحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، ومُنْذِرًا (p-١٣٥)لِلْكافِرِ الَّذِي اسْتَعَدَّ بِالهُبُوطِ في دِرْكاتِ المُخالَفاتِ إلى التَّقَيُّدِ بِالسُّفْلِيّاتِ لِنُزُلٍ مِن حَمِيمٍ وتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ، مُقَدِّمًا لِلْعاصِي لِأنَّ طَرِيقَ النَّشْرِ المُشَوَّشِ أفْصَحُ، ولِيُعادِلَ البُداءَةَ بِالشّاكِرِ في أصْلِ التَّقْسِيمِ لِيَتَعادَلَ الخَوْفُ والرَّجاءُ، ولِيَكُونَ الشّاكِرُ أوَّلًا وآخِرًا، ولِأنَّ الِانْقِيادَ بِالوَعِيدِ أتَمُّ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ لا سِيَّما في حَقِّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِينَ بَعُدَتْ عَنْهم مَعْرِفَةُ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وأكْثَرَ في القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ الدُّعاءِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِأنَّهُ الَّذِي يَفْهَمُهُ الجُهّالُ الَّذِينَ هم أغْلَبُ النّاسِ دُونَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، فَإنَّها لا يَفْهَمُها إلّا الخَواصُّ وأكَّدَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الكُفّارِ: ﴿إنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أعْتَدْنا﴾ أيْ هَيَّأْنا وأحْضَرْنا بِشِدَّةٍ وغِلْظَةٍ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ خاصَّةً، وقَدَّمَ الأسْهَلَ في العَذابِ فالأسْهَلَ تَرَقِّيًا فَقالَ: ﴿سَلاسِلَ﴾ يُقادُونَ ويَرْتَقُونَ بِها، وقِراءَةُ مَن نَوَّنَ مُشِيرَةٌ إلى أنَّها عَظِيمَةٌ جِدًّا، وكَذا وقْفُ أبِي عَمْرٍو عَلَيْهِ بِالألِفِ مَعَ المَنعِ مِنَ الصَّرْفِ ﴿وأغْلالا﴾ أيْ جَوامِعَ تَجْمَعُ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ فِيها فَيُهانُونَ بِها ﴿وسَعِيرًا﴾ أيْ نارًا حامِيَةً جِدًّا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ.
الإنسان 76:5
ولَمّا أوْجَزَ في جَزاءِ الكافِرِ، أتْبَعَهُ جَزاءَ الشّاكِرِ وأطْنَبَ فِيهِ (p-١٣٦)تَأْكِيدًا لِلتَّرْغِيبِ، فَإنَّ النُّفُوسَ بَعْدَ كَسْرِ الوَعِيدِ لَها تَهْتَزُّ لِأدْنى وعْدٍ وأقَلَّهُ فَكَيْفَ بِأتَمِّهِ وأجَلِّهِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِ الكافِرِ مُبَيِّنًا بِذِكْرِ الخَمْرِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ أنَّهم في أنْهى ما يَكُونُ مِن رَغَدِ العَيْشِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن شُرْبِها جَمِيعُ مُقَدِّماتِها ومُتَمِّماتِها: ﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ بِخُصُوصِهِمْ مِن عُمُومِ الشّاكِرِينَ جَمْعُ بَرٍّ كَأرْبابٍ جَمْعُ رَبٍّ، أوْ بارٍّ كَأشْهادٍ جَمْعُ شاهِدٍ، وهُمُ الَّذِينَ سَمَتْ هِمَمُهم عَنِ المُسْتَحْقَراتِ فَظَهَرَتْ في قُلُوبِهِمْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ فَأنْفَقُوا مِن مُساكَنَةِ الدُّنْيا ﴿يَشْرَبُونَ﴾ أيْ ما يُرِيدُونَ شُرْبَهُ ﴿مِن كَأْسٍ﴾ أيْ خَمْرٍ - قالَهُ الحَسَنُ وهو اسْمٌ لِقَدَحٍ تَكُونُ فِيهِ ﴿كانَ مِزاجُها﴾ أيِ الَّذِي تُمْزَجُ بِهِ ﴿كافُورًا﴾ أيْ لِبَرْدِهِ وعُذُوبَتِهِ وطِيبِ عُرْفِهِ، وذِكْرُ فِعْلِ الكَوْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ شَأْنًا في المَزْجِ عَظِيمًا يَكُونُ فِيهِ كَأنَّهُ مِن نَفْسِ الجِبِلَّةِ لا كَما يَعْهَدُ.
الإنسان 76:6
ولَمّا كانَ الكافُورُ [أعْلى -] ما نَعْهَدُهُ جامِدًا، بَيْنَ أنَّهُ هُناكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ مُبَدِّلًا مِن ”كافُورٍ“: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها﴾ أيْ بِمِزاجِها (p-١٣٧)كَما تَقُولُ: شَرِبْتُ الماءَ بِالعَسَلِ ﴿عِبادُ اللَّهِ﴾ أيْ خَواصُّ المَلِكِ الأعْظَمِ وأوْلِياؤُهُ أيَّ شَرابٍ أرادُوهُ.
ولَمّا كانَ المِزاجُ يَتَكَلَّفُ لِنَقْلِهِ قالَ: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ يُشَقِّقُونَها ويُجْرُونَها بِغايَةِ الكَثْرَةِ إجْراءً حَيْثُ أرادُوا مِن مَساكِنِهِمْ وإنْ عَلَتْ وغَيْرِها.
الإنسان 76:7
ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَهم عَلى بِرِّهِمُ المُبَيِّنِ لِشُكْرِهِمْ، أتْبَعَهُ تَفْصِيلَهُ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا بَيانًا لِأنَّ شُكْرَهم بِالتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ وعِمارَةِ الظّاهِرِ والباطِنِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ كَرَمِ الطَّبْعِ ولَطافَةِ المِزاجِ الحامِلِ عَلى تَجْوِيزِ المُمْكِنِ المُقْتَضِي لِلْإيمانِ بِالغَيْبِ: ﴿يُوفُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿بِالنَّذْرِ﴾ وهَذا كِنايَةٌ عَنْ وفائِهِمْ بِجَمِيعِ أنْحاءِ العِبادَةِ لِأنَّ مَن وفّى بِما أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ كانَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أوْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النُّذُرُ كُلَّ ما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِيهِ سُبْحانَهُ.
ولَمّا دَلَّ وفاؤُهم عَلى سَلامَةِ طِباعِهِمْ، قالَ عاطِفًا دَلالَةً عَلى جَمْعِهِمْ لِلْأمْرَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ فَهم يَفْعَلُونَ الوَفاءَ لا لِأجْلِ الخَوْفِ بَلْ لِكَرَمِ الطَّبْعِ: ﴿ويَخافُونَ﴾ أيْ مَعَ فِعْلِهِمْ لِلْواجِباتِ ﴿يَوْمًا كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو في (p-١٣٨)جِبِلَّتِهِ ﴿شَرُّهُ﴾ أيْ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ أيْ مَوْجُودِ الطَّيَرانِ وُجُودًا كَأنَّهُ بِغايَةِ الرَّغْبَةُ فِيهِ فَهو في غايَةِ الِانْتِشارِ، والخَوْفِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى عِمارَةِ الباطِنِ، قالُوا: وما فارَقَ الخَوْفُ قَلْبًا إلّا خَرَّبَ، مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ المَنزِلَ، فالخَوْفُ لِاجْتِنابِ الشَّرِّ والوَفاءُ لِاجْتِلابِ الخَيْرِ.
الإنسان 76:8
ولَمّا كانَ مَن خافَ شَيْئًا سَعى في الأمْنِ مِنهُ بِكُلِّ ما عَساهُ يَنْفَعُ [فِيهِ-]، وكانَ قَدْ ذَكَّرَ تَذَرُّعَهم بِالواجِبِ، أتْبَعَهُ المَندُوبَ دَلالَةً عَلى أنَّهم لا رُكُونَ لَهم إلى الدُّنْيا ولا وُثُوقَ بِها، فَقَدْ جَمَعُوا إلى كَرَمِ الطَّبْعِ بِالوَفاءِ ورِقَّةِ القَلْبِ شَرَفَ النَّفْسِ بِالِانْسِلاخِ مِنَ الفانِي فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ أيْ عَلى حَسَبِ ما يَتَيَسَّرُ لَهم مِن عالٍ ودُونٍ عَلى الدَّوامِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَسْمَحُ بِما لا يَلَذُّ لَهُ قالَ: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ حُبِّهِ إيّاهُ حُبًّا هو في غايَةِ المُكْنَةِ مِنهم والِاسْتِعْلاءِ عَلى قُلُوبِهِمْ لِقِلَّتِهِ وشَهْوَتِهِمْ [لَهُ -] وحاجَتِهِمْ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] لِيَفْهَمَ أنَّهم لِلْفَضْلِ أشَدُّ بَذْلًا، ولِهَذا قالَ ﷺ: «لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ أيِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ولا نَصِيفَهُ» لِقِلَّةِ المَوْجُودِ إذْ ذاكَ وكَثْرَتِهِ (p-١٣٩)بَعْدَ ﴿مِسْكِينًا﴾ أيْ مُحْتاجًا احْتِياجًا يَسِيرًا، فَصاحِبُ الِاحْتِياجِ الكَثِيرِ أوْلى ﴿ويَتِيمًا﴾ أيْ صَغِيرًا لا أبَ لَهُ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿وأسِيرًا﴾ أيْ في أيْدِي الكُفّارِ أيْ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ والكافِرُ الَّذِي في أيْدِي المُسْلِمِينَ، وقَدْ نَقَلَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كانَ يُؤْثِرُ أسِيرَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالخُبْزِ، وكانَ الخُبْزُ إذْ ذاكَ عَزِيزًا حَتّى كانَ [ذَلِكَ -] الأسِيرُ يَعْجَبُ مِن مَكارِمِهِمْ حَتّى كانَ ذَلِكَ مِمّا دَعاهُ إلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لِما دَفَعَهم إلَيْهِمْ قالَ: «اسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» . ومِن حُكْمٍ الأسِيرِ الحَقِيقِيِّ كُلُّ مَضْرُورٍ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهم يَقُولُونَ بِلِسانِ الحالِ أوِ القالِ إنِ احْتِيجَ إلَيْهِ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ المَنِّ أوْ تَوَقُّعِ المُكافَأةِ مُؤَكِّدِينَ إشارَةً إلى أنَّ الإخْلاصَ أمْرٌ عَزِيزٌ لا يَكادُ أحَدٌ يُصَدِّقُ أنَّهُ يَتَأتّى لِأحَدٍ:
الإنسان 76:9
﴿إنَّما نُطْعِمُكُمْ﴾ أيُّها المُحْتاجُونَ ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أيْ لِذاتِ المَلِكِ الَّذِي اسْتَجْمَعَ الجَلالَ والإكْرامَ لِكَوْنِهِ أمَرَنا بِذَلِكَ، وعَبَّرَ بِهِ لِأنَّ الوَجْهَ يَسْتَحْيِي مِنهُ ويُرْجى ويَخْشى عِنْدَ رُؤْيَتِهِ.
ولَمّا أثْبَتُوا بِهَذا الإخْلاصِ، حَقَّقُوهُ بِنَفْيِ ما يُغَيِّرُ فِيهِ، وفَسَّرُوهُ (p-١٤٠)لِما لا يَكُونُ إلّا بِهِ فَقالُوا: ﴿لا نُرِيدُ مِنكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿جَزاءً﴾ أيْ لَنا مِن أعْراضِ الدُّنْيا ﴿ولا شُكُورًا﴾ بِشَيْءٍ مِن قَوْلٍ ولا فِعْلٍ، وكَأنَّهُ اخْتِيرَ هَذا المَصْدَرُ [المَزِيدُ -] كالدُّخُولِ والخُرُوجِ والقُعُودِ إيماءً إلى أنَّ المَنفِيَّ ما يَتَكَلَّفُ لَهُ، وأمّا مَثَلُ المَحَبَّةِ والدُّعاءِ فَلا، ولَوْ أرادُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِما كانَ لِلَّهِ؛ ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ عَلِيًّا وابْنَيْهِ وأُمَّهُما فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأصْبَحُوا الرّابِعَ يَرْتَعِشُونَ، فَلَمّا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ساءَهُ ذَلِكَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ السُّورَةِ مُهَنِّئًا لَهُ بِها» ولا يُسْتَبْعَدُ الصَّبْرُ عَلى الجُوعِ هَذِهِ المُدَّةَ لِأنَّهُ رُبَّما كانَتْ لِلنَّفْسِ هَيْئَةٌ قَوِيَّةٌ مِنَ اسْتِغْراقٍ في مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهَبَطَتْ إلى البَدَنِ فَشَغَلَتِ الطَّبِيعَةَ عَنْ تَحْلِيلِ الأجْزاءِ فَلا يَحْصُلُ الجُوعُ كَما أنّا نُشاهِدُ الإنْسانَ يَبْقى في المَرَضِ الحادِّ مُدَّةً مِن غَيْرِ تَناوُلِ شَيْءٍ مِن غِذاءٍ ولا يَتَأثَّرُ بَدَنُهُ لِذَلِكَ، فَلا بِدَعَ أنْ تَقِفَ الأفْعالُ الطَّبِيعِيَّةُ في حَقِّ بَعْضِ السّالِكِينَ وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنِّي أبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» .
الإنسان 76:10
ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ مَجْبُولَةً عَلى حُبِّ الجَزاءِ والثَّناءِ، فَكانَ لا يَكادُ يُصَدِّقُ أحَدٌ أنَّ أحَدًا يَفْعَلُ ما لا يَقْصِدُ بِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وكانَ (p-١٤١)اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ مَنَّ عَلَيْنا بِأنَّ جَعْلَ العِبادَةَ لِأجْلِ خَوْفِهِ ورَجائِهِ لا يَقْدَحُ في الإخْلاصِ، عَلَّلُوا قَوْلَهم هَذا عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا نَخافُ﴾ ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ المُحْسِنِ بِالنَّظَرِ إلى إحْسانِهِ مُوجِبًا لِلْخَوْفِ مِنهُ بِالنَّظَرِ إلى عِزِّهِ وجَبَرُوتِهِ وسُلْطانِهِ مِن بابِ الأوْلى قالُوا: ﴿مِن رَبِّنا﴾ أيِ الخالِقِ لَنا [المُحْسِنِ إلَيْنا -] ﴿يَوْمًا﴾ أيْ أهْوالَ يَوْمٍ هو - في غايَةِ العَظَمَةِ، وبَيَّنُوا عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عَبُوسًا﴾ أيْ ضَيِّقًا - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، نَسَبُوا العَبُوسَ إلَيْهِ لِأنَّهُ في شِدَّتِهِ كالأسَدِ الغَضُوبِ، فَهو مُوجِبٌ لِعُبُوسِ الوُجُوهِ فِيهِ أوْ [هُوَ -] لِعُبُوسِ أهْلِهِ كَ ”لَيْلِهِ قائِمٌ ونَهارِهِ صائِمٌ وعِيشَةٍ راضِيَةٍ“ ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ طَوِيلًا - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أوْ شَدِيدَ العُبُوسِ مُجْتَمَعُ الشَّرِّ كالَّذِي يَجْمَعُ [ما -] بَيْنَ عَيْنَيْهِ - مَأْخُوذٌ مِنَ القَطْرِ لِأنْ يَوْمَهُ يَكُونُ عابِسًا، وزِيدَ فِيهِ المِيمُ وبُولِغَ فِيهِ بِالصِّيغَةِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، يُقالُ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ فَهو مُقَمَطِرٌّ - إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا.
الإنسان 76:11
ولَمّا كانَ فِعْلُهم هَذا خالِصًا لِلَّهِ، سَبَّبَ عَنْهُ جَزاءَهم فَقالَ مُخْبِرًا أنَّهُ دَفَعَ عَنْهُمُ المَضارَّ وجَلَبَ لَهُمُ المَسارَّ:﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ بِسَبَبِ خَوْفِهِمْ ﴿شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيِ العَظِيمِ، وأشارَ إلى نَعِيمِ الظّاهِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهُمْ﴾ أيْ تَلْقِيَةً عَظِيمَةً فِيهِ وفي غَيْرِهِ ﴿نَضْرَةً﴾ (p-١٤٢)أيْ حَسَنًا ونِعْمَةً تَظْهَرُ عَلى وُجُوهِهِمْ وعَيْشًا هَنِيئًا، وإلى نَعِيمِ الباطِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسُرُورًا﴾ أيْ دائِمًا في قُلُوبِهِمْ في مُقابَلَةِ خَوْفِهِمْ في الدُّنْيا وعُبُوسِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وخِزْيِهِمْ - وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ وصْفَ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في عُبُوسِ أهْلِهِ، وأشارَ إلى المَسْكَنِ بِقَوْلِهِ:
الإنسان 76:12
﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ما أوْجَدُوهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى العِبادَةِ مِن لُزُومِ الطّاعَةِ واجْتِنابِ المَعْصِيَةِ ومَنعِ أنْفُسِهِمُ الطَّيِّباتِ وبَذْلِ المَحْبُوباتِ ﴿جَنَّةً﴾ أيْ بُسْتانًا جامِعًا يَأْكُلُونَ مِنهُ ما يَشْتَهُونَ جَزاءً عَلى ما كانُوا يُطْعِمُونَ. ولَمّا ذَكَرَ ما يَكْسُو الباطِنَ، ذَكَرَ ما يَكْسُو الظّاهِرَ فَقالَ: ﴿وحَرِيرًا﴾ أيْ هو في غايَةِ العَظَمَةِ.
الإنسان 76:13
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ كَفاهُمُ المُخَوِّفَ وحَباهُمُ الجَنَّةَ، أتْبَعَهُ حالَهم فِيها وحالَها فَقالَ دالًّا عَلى راحَتِهِمُ الدّائِمَةِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ أيْ [لِأنَّ -] كُلَّ ما أرادُوهُ حَضَرَ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَرَكَةٍ أصْلًا، ودَلَّ عَلى المَلِكِ بِقَوْلِهِ ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ الأسِرَّةِ العالِيَةِ الَّتِي في الحِجالِ، لا تَكُونُ أرِيكَةً إلّا مَعَ وُجُودِ الحَجْلَةِ، [و -] قالَ بَعْضُهُمْ: هي السَّرِيرُ المُنَجَّدُ في قُبَّةٍ عَلَيْهِ شَوارُهُ ونَجِدُهُ أيْ مَتاعَهُ، وهي مُشِيرَةٌ إلى الزَّوْجاتِ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنِ الأرائِكَ لا تَخْلُو عَنْهُنَّ بَلْ هي لَهُنَّ لِاسْتِمْتاعِ الأزْواجِ بِهِنَّ فِيها. ولَمّا كانَتْ بُيُوتُ الدُّنْيا وبَساتِينُها تَحْتاجُ إلى الِانْتِقالِ مِنها (p-١٤٣)مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ لِأجْلِ الحَرِّ أوِ البَرْدِ، بَيْنَ أنَّ جَمِيعَ أرْضِ الجَنَّةِ وغُرَفِها سَواءٌ في لَذَّةِ العَيْشِ وسُبُوغِ الظِّلِّ واعْتِدالِ الأمْرِ، فَقالَ نافِيًا ضُرُّ الحُرِّ ثُمَّ البَرْدِ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها﴾ أيْ بِأبْصارِهِمْ ولا بَصائِرِهِمْ أصْلًا ﴿شَمْسًا﴾ أيْ ولا قَمَرًا ﴿ولا﴾ أيْ ولا يَرَوْنَ فِيها أيْضًا بِبَصائِرِهِمْ أيْ لا يُحِسُّونَ بِما يُسَمّى ﴿زَمْهَرِيرًا﴾ أيْ بَرْدًا شَدِيدًا مُزْعِجًا ولا حَرًّا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ بِنَفْيِ الشَّمْسِ أوَّلًا عَلى نَفْيِ القَمَرِ، لِأنَّ ظُهُورَهُ بِها لِأنَّ نُورَهُ اكْتِسابٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، ودَلَّ بِنَفْيِ الزَّمْهَرِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ البَرْدِ ثانِيًا عَلى نَفْيِ الحَرِّ الَّذِي سَبَّبَهُ الشَّمْسُ، فَأفادَ هَذا أنَّ الجَنَّةَ غَنِيَّةٌ عَنِ النَّيِّرَيْنِ، لِأنَّها نَيِّرَةٌ بِذاتِها وأهْلِها غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى مَعْرِفَةِ زَمانٍ لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ فِيها بِوَجْهٍ، وأنَّها ظَلِيلَةٌ ومُعْتَدِلَةٌ دائِمًا لِأنَّ سَبَبَ الحَرِّ الآنَ قُرْبُ الشَّمْسِ مِن مَسامَتِهِ الرُّؤُوسَ، وسَبَبُ البَرْدِ بَعْدَها عَنْ ذَلِكَ.
الإنسان 76:14
ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ هَذا كَما مَضى: جَنَّةٌ ظَلِيلَةٌ ومُعْتَدِلَةٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِالواوِ دَلالَةً عَلى تَمَكُّنِ هَذا الوَصْفِ وعَلى اجْتِماعِهِ مَعَ ما قَبْلَهُ قَوْلُهُ: ﴿ودانِيَةً﴾ أيْ قَرِيبَةً مِنَ الِارْتِفاعِ ﴿عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ مِنها ما يُزِيلُ الِاعْتِدالَ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها﴾ جَمْعُ قِطْفٍ بِالكَسْرِ (p-١٤٤)وهُوَ العُنْقُودُ واسْمٌ لِلثِّمارِ المَقْطُوفَةِ أيِ المَجْنِيَّةِ ﴿تَذْلِيلا﴾ أيْ سَهْلٌ تَناوُلُها تَسْهِيلًا عَظِيمًا لا يَرُدُّ اليَدَ عَنْها بَعْدُ ولا شَوْكَ لِكُلِّ مَن يُرِيدُ أخْذَها عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ مِنَ اتِّكاءٍ وغَيْرِهِ، فَإنْ كانُوا قُعُودًا تَدَلَّتْ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا قِيامًا [و -] كانَتْ عَلى الأرْضِ ارْتَقَتْ إلَيْهِمْ، وهَذا جَزاءٌ لَهم عَلى ما كانُوا يُذَلِّلُونَ أنْفُسَهم لِأمْرِ اللَّهِ.
الإنسان 76:15
ولَمّا كانَ الدَّوَرانُ بِالآنِيَةِ مُتَجَدِّدًا، عَبَّرَ فِيهِ بِالمُضارِعِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا لِأنَّهُ المَقْصُودُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ طائِفٍ فَقالَ: ﴿ويُطافُ﴾ أيْ مِن أيِّ طائِفٍ كانَ لِكَثْرَةِ الخَدَمِ ﴿عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ﴾ جَمْعُ إناءٍ جَزاءً عَلى طَوافِهِمْ عَلى المُحْتاجِينَ بِما يُصْلِحُهم.
ولَمّا كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ تَرْهِيبُ الإنْسانِ المُوَبَّخِ في سُورَةِ القِيامَةِ مِنَ الكُفْرِ، وكانَ الإنْسانُ أدْنى أسْنانِ المُخاطَبِينَ في مَراتِبِ الخِطابِ، اقْتَصَرَ في التَّرْغِيبِ في شَرَفِ الآنِيَةِ عَلى الفِضَّةِ دُونَ الذَّهَبِ المَذْكُورِ في فاطِرٍ والحَجِّ المُعَبِّرِ فِيهِما بِالنّاسِ، فَلَعَلَّ هَذا لِصِنْفٍ [وذاكَ لِصِنْفٍ -] أعْلى مِنهُ مَعَ إمْكانِ الجَمْعِ والمُعاقَبَةِ، وأمّا مَن هو أعْلى مِن هَذَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ومِن فَوْقِهِمْ فَلَهم فَوْقَ هَذَيْنَ الجَوْهَرَيْنِ مِنَ الجَواهِرِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى (p-١٤٥)قَلْبِ بَشَرٍ فَقالَ: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ أيِ اسْمُهُ ذَلِكَ، وأمّا الحَقِيقَةُ فَأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوَلِ.
ولَمّا جَمَعَ الآنِيَةَ خَصَّ فَقالَ: ﴿وأكْوابٍ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ، فَيَسْهُلُ الشُّرْبُ مِنهُ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ فَلا يَحْتاجُ عِنْدَ التَّناوُلِ إلى إدارَةٍ ﴿كانَتْ﴾ أيْ تِلْكَ الأكْوابُ كَوْنًا هو مِن جِبِلَّتِها ﴿قَوارِيرا﴾ أيْ كانَتْ بِصِفَةِ القَوارِيرِ مِنَ الصَّفاءِ والرِّقَّةِ والشُّفُوفِ والإشْراقِ والزِّهارَةِ، جَمْعُ قارُورَةٍ وهي ما قَرَّ فِيهِ الشَّرابُ ونَحْوُهُ مِن كُلِّ إناءٍ رَقِيقٍ صافٍ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالزُّجاجِ.
الإنسان 76:16
ولَمّا كانَ هَذا رَأْسَ آيَةٍ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِالقارُورَةِ رُبَّما أفْهَمَ أوْ أوْهَمَ أنَّها مِنَ الزُّجاجِ، وكانَ في الزُّجاجِ مِنَ النَّقْصِ سُرْعَةُ الِانْكِسارِ لِإفْراطِ الصَّلابَةِ، قالَ مُعِيدًا لِلَفْظِ أوَّلِ الآيَةِ الثّانِيَةِ، تَأْكِيدًا لِلِاتِّصافِ بِالصّالِحِ مِن أوْصافِ الزُّجاجِ وبَيانًا لِنَوْعِها: ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ فَجَمَعَتْ صِفَتَيِ الجَوْهَرَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ: صَفاءُ الزُّجاجِ [وشُفُوفُهُ -] وبَرِيقُهُ وبَياضُ الفِضَّةِ وشَرَفُها ولِينُها، وقِراءَةُ مَن نَوَّنَ الِاثْنَيْنِ صارِفًا ما مِن حَقِّهِ المَنعُ مُشِيرَةً إلى عَظَمَتِها وامْتِدادِ كَثْرَتِها وعُلُوِّها في الفَضْلِ والشَّرَفِ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ في الِاقْتِصارِ عَلى تَنْوِينِ الأوَّلِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ والثّانِي أوَّلُ الَّتِي بَعْدَها مَعَ إفْهامِ العَظَمَةِ لِأنَّ الثّانِي إعادَةٌ لِلْأوَّلِ لَمّا (p-١٤٦)تَقَدَّمَ مِنَ الإفادَةِ، فَكَأنَّهُ مُنَوَّنٌ، ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ مَعَ المَنعِ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّ ذَلِكَ كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يُحِبُّ أنْ يَكُونَ الإناءُ ولا ما فِيهِ مِن مَأْكُولٍ أوْ مَشْرُوبٍ زائِدًا عَنْ حاجَتِهِ ولا ناقِصًا عَنْها قالَ: ﴿قَدَّرُوها﴾ أيْ في الذّاتِ والصِّفاتِ ﴿تَقْدِيرًا﴾ أيْ عَلى مَقادِيرِ الِاحْتِياجِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ لِأنَّ ما أرادَ كُلَّ مِنها كانَ، لا كُلْفَةَ ولا كَدِرَ ولا نَقْصَ.
الإنسان 76:17
ولَمّا ذَكَرَ الأكْوابَ، أتْبَعَها غايَتَها فَقالَ تَخْصِيصًا بِالعَطْفِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: يَسْقُونَ فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهُمْ: ﴿ويُسْقَوْنَ﴾ مِمَّنْ أرادُوهُ مِن خَدَمِهِمُ الَّذِينَ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً ﴿فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ أوْ تِلْكَ الأكْوابِ ﴿كَأْسًا﴾ أيْ خَمْرًا في إناءٍ ﴿كانَ مِزاجُها﴾ عَلى غايَةُ الإحْكامِ ﴿زَنْجَبِيلا﴾ هو في غايَةِ اللَّذَّةِ، وكانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ الشَّرابَ المَمْزُوجَ [بِهِ -] لِهَضْمِهِ وتَطْيِيبِهِ الطَّعْمَ والنَّكْهَةَ.
الإنسان 76:18
ولَمّا كانَ الزَّنْجَبِيلُ عِنْدَنا شَجَرًا يَحْتاجُ في تَناوُلِهِ إلى عِلاجٍ، أبانَ أنَّهُ هُناكَ عَيْنٌ لا يَحْتاجُ في صَيْرُورَتِهِ زَنْجَبِيلًا إلى أنْ تُحِيلَهُ الأرْضُ بِتَخْمِيرِهِ فِيها حَتّى يَصِيرَ شَجَرًا لِيَتَحَوَّلَ عَنْ طَعْمِ الماءِ إلى طَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ خَرْقًا لِلْعَوائِدِ (p-١٤٧)فَقالَ: ﴿عَيْنًا فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ يُمْزَجُ فِيها شَرابُهم كَما يُمْزَجُ بِالماءِ.
ولَمّا كانَ الزَّنْجَبِيلُ يَلْذَعُ الحَقَّ فَتَصْعُبُ إساغَتُهُ قالَ: ﴿تُسَمّى﴾ [أيْ -] لِسُهُولَةِ إساغَتِها ولَذَّةِ طَعْمِها وسُمُوِّ وصْفِها ﴿سَلْسَبِيلا﴾ والسَّلْسَبِيلُ والسَّلْسَلُ والسَّلْسالُ ما كانَ مِنَ الشَّرابِ غايَةً في السَّلاسَةِ، زِيدَتْ فِيهِ الباءُ دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ في هَذا المَعْنى، قالُوا: وشَرابُ الجَنَّةِ في بَرْدِ الكافُورِ وطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ ورِيحِ المِسْكِ مِن غَيْرِ لَذْعٍ.
الإنسان 76:19
ولَمّا ذَكَرَ المُطَوِّفَ بِهِ لِأنَّهُ الغايَةُ المَقْصُودَةُ، وصَفَ الطّائِفَ لِما في طَوافِهِ مِنَ العَظَمَةِ المَشْهُودَةِ تَصْوِيرًا لِما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ بَعْدَ ما نَجَوا مِنهُ مِنَ الهَلَكِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِالشَّرابِ وغَيْرِهِ مِنَ المَلاذِ والمُحابِّ ﴿وِلْدانٌ﴾ أيْ غِلْمانٌ هم في سِنِّ مَن هو دُونَ البُلُوغِ ”أقَلُّ أهْلِ الجَنَّةِ مَن يَخْدِمُهُ ألْفُ غُلامٍ“ ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ قَدْ حَكَمَ مَن لا يَرُدُّ حُكْمَهُ بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ [دائِمًا -] مِن غَيْرِ غَلَّةٍ ولا ارْتِفاعٍ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ مَعَ أنَّهم مُزَيَّنُونَ بِالخُلْدِ وهو الحَلْقُ والأساوِرُ والقِرَطَةُ والمَلابِسُ الحَسَنَةُ ﴿إذْ رَأيْتَهُمْ﴾ [طه: ٩٢] أيْ يا أعْلى الخَلْقِ ﷺ وأنْتَ أثْبَتُ النّاسِ نَظَرًا أوْ أيُّها الرّائِي مَن كانَ في أيْ حالَةٍ رَأيْتَهم (p-١٤٨)فِيها ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ مِن بَياضِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ ولَمْعِ أنْوارِهِمْ وانْعِكاسِ شُعاعِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وانْبِثاثِهِمْ في المَجالِسِ ذِهابًا وإيابًا ﴿لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في الخِدْمَةِ وشَرَفِهِمْ وحُسْنِهِمْ؛ وعَنْ [بَعْضِهِمْ -] أنَّ لُؤْلُؤَ الجَنَّةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعَظَمَةِ واخْتِلافِ الأشْكالِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِالحُسْبانِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ مُطْلَقُ تَجْوِيزٍ لا مَعَ تَرْجِيحٍ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هم غِلْمانٌ يُنْشِئُهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَةِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم ماتُوا عَلى الفِطْرَةِ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: [و -] أرى واللَّهُ أعْلَمُ [أنَّهم -] مَن عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إيمانَهُ مِن أوْلادِ الكُفّارِ يَكُونُونَ خَدَمًا لِأهْلِ الجَنَّةِ كَما كانُوا لَهم في الدُّنْيا سَبْيًا وخُدّامًا، وأمّا أوْلادُ المُؤْمِنِينَ فَيَلْحَقُونَ بِآبائِهِمْ سِنًّا ومُلْكًا وسُرُورًا لَهُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا «قَوْلُهُ ﷺ في ابْنِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”إنَّ لَهُ لَظِئْرًا يَتِمُّ رَضاعُهُ في الجَنَّةِ“» فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْبالِ شَأْنِهِ فِيما هُنالِكَ وتَنَقُّلِهِ في الأحْوالِ كالدُّنْيا، ولا دَلِيلَ عَلى خُصُوصِيَّتِهِ بِذَلِكَ.
الإنسان 76:20
ولَمّا ذَكَرَ المَخْدُومَ والخَدَمَ شَرَعَ في ذِكْرِ المَكانِ فَقالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ أيْ أجَّلْتَ بَصَرَكَ، وحَذَفَ مَفْعُولَهُ لِيَشِيعَ ويَعُمَّ ﴿ثَمَّ﴾ أيْ هُناكَ في أيِّ مَكانٍ كانَ وأيِّ شَيْءٍ كانَ ﴿رَأيْتَ نَعِيمًا﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ كَدِرٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولَمّا كانَ النَّعِيمُ قَدْ يَكُونُ في حالَةٍ وُسْطى قالَ: (p-١٤٩)﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ لَمْ يَخْطُرْ [عَلى بالٍ -] مِمّا هو فِيهِ مِنَ السِّعَةِ وكَثْرَةِ المَوْجُودِ والعَظَمَةِ أدْناهم وما فِيهِمْ دَنِيُّ الَّذِي يَنْظُرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ ومَهْما أرادَهُ كانَ.
الإنسان 76:21
ولَمّا ذَكَرَ الدّارَ وساكِنِيها مِن مَخْدُومٍ وخَدَمٍ، ذَكَرَ لِباسَهم بانِيًا حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ: ”عَلَيْهِمْ“ أيْ حالَ كَوْنِ الخادِمِ والمَخْدُومِ يَعْلُو أجْسامَهم عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، وسَكَّنَ نافِعٌ وحَمْزَةُ الياءِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ وخَبَرٌ شارِحٌ لِلْمَلِكِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رَقَّ مِنَ الحَرِيرِ ﴿خُضْرٌ﴾ رَفَعَهُ الجَماعَةُ صِفَةً لِثِيابٍ، وجَرَّهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ صِفَةً لِسُنْدُسٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ ﴿وإسْتَبْرَقٌ﴾ وهو ما غِلَظٍ مِنَ الدِّيباجِ يَعْمَلُ بِالذَّهَبِ، أوْ هو ثِيابٌ حَرِيرٌ صِفاقٌ نَحْوُ الدِّيباجِ - قالَهُ في القامُوسِ، رَفَعَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ نَسَقًا عَلى ثِيابٍ، وجَرَّهُ الباقُونَ عَلى سُنْدُسٍ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ لِأرْبابِ اللِّباسِ الفاخِرِ الحِلْيَةِ، أخْبَرَ عَنْ تَحْلِيَتِهِمْ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى تَيَسُّرِ ذَلِكَ لَهم وسُهُولَتِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وحُلُّوا﴾ أيْ وُجِدَتْ تَحْلِيَةُ المَخْدُومِينَ والخَدَمِ ﴿أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ وإنَّ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِتَفاوُتِ الرُّتَبُ، وتَقَدَّمُ سِرِّ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالفِضَّةِ والأساوِرَةِ بِجَمْعِ ما فِيها مِن لَذَّةِ الزِّينَةِ لَذَّةِ اتِّساعِ المُلْكِ فَإنَّها (p-١٥٠)كِنايَةٌ عَنْهُ فَإنَّهُ - كَما قالَ المَلْوِيُّ - كانَ في الزَّمَنِ [القَدِيمِ -] إذا مَلَكَ مَلِكٌ أقالِيمَ عَظِيمَةً كَثِيرَةً لَبِسَ سِوارًا وسُمِّيَ المَلِكُ المُسَوَّرُ لِاتِّساعِ مَمْلَكَتِهِ وعَظْمَتِها وكَثْرَةِ أقالِيمِها، وإنْ لَمْ تَجْمَعْ أقالِيمَ لَمْ يُسَوَّرْ فَما ظَنُّكَ بِمَن أعْطى مِن ذَلِكَ جَمْعَ الكَثْرَةِ، وهي بالِغَةٌ مِنَ الأعْضاءِ ما يَبْلُغُ التَّحْجِيلَ في الوُضُوءِ كَما قالَ ﷺ: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءَ» فَلِذا كانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْفَعُ الماءَ إلى المَنكِبَيْنِ وإلى السّاقَيْنِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ بِما تَقَدَّمَ مِن ذَلِكَ المَمْزُوجِ شَيْءٌ مِن نَقْصٍ لِأجْلِهِ يُمْزَجُ كَما هو في الدُّنْيا، وكانَ قَدْ قالَ أوَّلًا ﴿يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥] بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وثانِيًا (يَسْقُونَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، قالَ بانِيًا لِلْفاعِلِ بَيانًا لِفَضْلِ ما يَسْقُونَهُ في نَفْسِهِ وفي كَوْنِهِ مِن عِنْدِ الإلَهِ الأعْظَمِ المُتَّصِفِ بِغايَةِ الإحْسانِ عَلى صِفَةٍ مِنَ العَظَمَةِ تَلِيقُ بِإحْسانِهِ سُبْحانَهُ بِما أفادَهُ إسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ: ﴿وسَقاهُمْ﴾ وعَبَّرَ بِصِفَةِ الإحْسانِ تَأْكِيدًا [لِذَلِكَ -] فَقالَ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُوجِدُ لَهُمُ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ المُدَبِّرُ لِمَصالِحِهِمْ ﴿شَرابًا طَهُورًا﴾ أيْ لَيْسَ هو كَشَرابِ الدُّنْيا سَواءٌ كانَ مِنَ الخَمْرِ أوْ مِنَ الماءِ أوْ مِن غَيْرِهِما، بَلْ هو بالِغُ الطَّهارَةِ والوَصْفِ بِالشَّرابِيَّةِ مِنَ العُذُوبَةِ واللَّذَّةِ واللَّطافَةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ آلَةٌ لِلتَّطْهِيرِ البالِغِ لِلْغَيْرِ فَلا يَبْقى في بَواطِنِهِمْ (p-١٥١)غِشٌّ ولا وسْواسٌ، ولا يُرِيدُونَ إلّا ما يُرْضِي مَلِيكُهم مِمّا أسَّسَ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ وفاقَ كامِلَ وسَجايا مُطَهَّرَةٍ وأخْلاقَ مُصْطَفاةٍ لا عِوَجَ فِيها، ولا يَسْتَحِيلُ شَيْءٌ مِن شَرابِهِمْ إلى نَجاسَةٍ مِن بَوْلٍ ولا غَيْرِهِ، بَلْ يَصِيرُ رَشْحًا كَرَشْحِ المِسْكِ ويُعْطِي الرَّجُلُ شَهْوَةَ مِائَةِ رَجُلٍ في الأكْلِ وغَيْرِهِ، فَإذا أكَلَ شَرِبَ فَطَهُرَ باطِنُهُ ورَشَحَ مِنهُ المِسْكُ فَعادَتِ الشَّهْوَةُ، بَلِ الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَهْوَتَهم لا تَنْقَضِي أصْلًا فَإنَّهُ قالَ: ”يَجِدُ لِآخَرَ لِقِمَّةٍ مِنَ اللَّذَّةِ ما يَجِدُ لِأوَّلِها“ يَفْعَلُ [بِهِمْ -] هَذا سُبْحانَهُ قائِلًا لَهم مُؤَكِّدًا تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ لِئَلّا يَظُنُّونَ أنَّ ما هم فِيهِ عَلى وجْهِ الضِّيافَةِ ونَحْوِها فَيَظُنُّوا انْقِطاعَهُ
الإنسان 76:22
﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الثَّوابِ كُلِّهِ ﴿كانَ﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا ﴿لَكُمْ﴾ بِتَكْوِينِي إيّاهُ مِن قَبْلِ مَوْتِكم ﴿جَزاءً﴾ أيْ عَلى أعْمالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُجاهِدُونَ فِيها أنْفُسَكم عَنْ هَواها إلى ما يُرْضِي رَبَّكم فَكُنْتُمْ كُلَّما عَمِلْتُمْ عَمَلًا كَوَّنْتُ مِن هَذا ما هو جَزاءٌ لَهُ ﴿وكانَ﴾ أيْ عَلى وجْهِ الثَّباتِ ﴿سَعْيُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ القَبُولَ لِأنَّ القابِلَ الشّاكِرَ هو المَعْمُولُ لَهُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿مَشْكُورًا﴾ أيْ لا يُضَيِّعُ شَيْئًا مِنهُ ويُجازى بِأكْثَرَ مِنهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً.
الإنسان 76:23
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بَيَّنَ لِلنّاسِ السَّبِيلَ فانْقَسَمُوا إلى مُبْصِرٍ شاكِرٍ وأعْمى (p-١٥٢)كافِرٍ، وأتْبَعَهُ جَزاءَ الكافِرِينَ والشّاكِرِينَ، وخَتَمَهُ بِالشَّرابِ الطَّهُورِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْيِيَ مَيِّتَ الأراضِي كَما أنَّ العِلْمَ الَّذِي مَنبَعُهُ القُرْآنُ يُحْيِي مَيِّتَ القُلُوبِ، وسَكَنَ القُلُوبَ بِتَأْيِيدِ الجَزاءِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِالشُّكْرِ كَما بَدَأهُ بِهِ، وكانَ نُصْبَ ما يَهْدِي جَمِيعَ النّاسِ أمْرًا لا يَكادُ يُصَدَّقُ قالَ ذاكِرًا لِما شَرَّفَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ، وجَعَلَ الشَّرابَ الطَّهُورَ جَزاءً [لَهُ -] لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وأكَّدَهُ ثانِيًا بِما أفادَ التَّخْصِيصَ لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ ولِتَطْمَئِنَّ أنْفُسُ أتْباعِهِ بِما حَثَّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ إلى وقْتِ الإذْنِ في القِتالِ: ﴿إنّا نَحْنُ﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، لا غَيْرُها ﴿نَـزَّلْنا عَلَيْكَ﴾ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ إنْزالًا [اسْتَعْلى -] حَتّى صارَ المُنْزَلَ خُلُقًا لَكَ ﴿القُرْآنَ﴾ أيِ الجامِعَ لِكُلِّ هُدًى، الحافِظَ مِنَ الزَّيْغِ، كَما يَحْفَظُ الطِّبُّ لِلصَّحِيحِ صِحَّةَ المِزاجِ، الشّافِي لِما عَساهُ يَحْصُلُ مِنَ الأدْواءِ بِما يَهْدِي إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، وزادَ في التَّأْكِيدِ لِعَظِيمِ إنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿تَنْـزِيلا﴾ أيْ عَلى التَّدْرِيجِ بِالحِكْمَةِ جَوابًا لِلسّائِلِ ورِفْقًا بِالعِبادِ فَدَرَجَهم في وظائِفِ الدِّينِ تَدْرِيجًا مُوافِقًا لِلْحِكْمَةِ، ولَمْ يَدَعْ لَهم شُبْهَةً إلّا أجابَ عَنْها، وعَلَّمَهم جَمِيعَ الأحْكامِ الَّتِي فِيها رِضانا، وأتاهم مِنَ المَواعِظِ والآدابِ والمَعارِفِ (p-١٥٣)بِما مَلَأ الخافِقِينَ وخَصَصْناكَ بِهِ شُكْرًا عَلى سِيرَتِكَ الحُسْنى الَّتِي كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وتُجَنِّبِكَ كُلَّ ما يُدَنِّسُ، فَلَمّا كانَ بِتَنْزِيلِنا كانَ جامِعًا لِلْهُدى لِما لَنا مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَلا عَجَبَ في كَوْنِهِ جامِعًا لِهُدى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، لَمْ يَدْعُ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لَبْسًا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ في القِيامَةِ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] المُلْتَفِتَةَ إلى ما في المُدَّثِرِ مِن أنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةُ، النّاظِرَةِ إلى ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥] المُشِيرَةِ إلى ما في سُورَةِ الجِنِّ مِن [أمٍرِ -] القُرْآنِ، فالحاصِلُ أنَّ أكْثَرَ القُرْآنِ في تَقْرِيرِ عَظَمَةِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِن أمْرِ الآيَةِ الكُبْرى الَّتِي إذا ثَبَتَتْ تَبِعَها جَمِيعُ المُرادِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وتَفْرِيقِ تَقْرِيرِ شَأْنِهِ أتْقَنُ ما يَكُونُ في إحْكامِ أمْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ الحَكِيمَ إذا اهْتَمَّ بِشَيْءٍ افْتَتَحَ الكَلامَ بِهِ، فَإذا رَأى مَن يُنْكِرُهُ انْتَقَلَ إلى غَيْرِهِ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ يَصِيرُ يَرْمِي [بِهِ -] في خِلالِ ذَلِكَ، رَمْيًا كَأنَّهُ غَيْرُ قاصِدٍ لَهُ، ولا يَزالُ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتّى يَتَقَرَّرَ أمْرُهُ غايَةَ التَّقْرِيرِ ويَثْبُتَ في النَّفْسِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ.
الإنسان 76:24
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن تَرَكَ الهُدى الَّذِي هو البَيانُ، فَعَمِيَ (p-١٥٤)عَنْهُ لِإعْراضِهِ عَنْهُ، سَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْزالِ وذاكَ الضَّلالِ قَوْلَهُ مُنَبِّهًا عَلى أمْراضِ القُلُوبِ، ومُرْشِدًا إلى دَوائِها: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَخْصِيصِهِ لَكَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ عَلى ضَلالِ مَن حَكَمَ بِضَلالِهِ، وعَلى كُلِّ ما يَنُوبُكَ [وأطِعْهُ -] في التَّعَبُّدِ لَهُ بِجَمِيعِ ما أمَرَكَ بِهِ مِنَ الرِّفْقِ إلى أنْ يَأْمُرَكَ بِالسَّيْفِ، واسْتَعِنْ عَلى مُرِّ الصَّبْرِ بِاسْتِحْضارِ أنِ المُرَبِّي الشَّفِيقِ يُرَبِّي بِما يَشاءُ مِنَ المُرِّ والحُلْوِ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ وضَبْطُها عَلى مُقاوَمَةِ الهَوى لِئَلّا تَنْقادَ إلى شَيْءٍ مِن قَبائِحِ اللَّذّاتِ.
ولَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، وكانَ الأمْرُ بِهِ مُفْهِمًا وُجُودُهُ لِلْمُخالِفِ، وكانَ المُخالِفُونَ لَهُ ﷺ هُمُ القِسْمُ المُضادُّ لِلشّاكِرِ وهُمُ الكَفَرَةُ، وكانَ ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ تارَةً مُطَلَقُ إثْمٍ، وأُخْرى كُفْرًا وتارَةً غَيْرَ ذَلِكَ، ذَكَرَ النَّتِيجَةَ ناهِيًا عَنِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِيَعْلَمَ أنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ لا نَهْيَ فِيهِ فَقالَ: ﴿ولا تُطِعْ مِنهُمْ﴾ أيِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ هم ضِدُّ الشّاكِرِينَ ﴿آثِمًا﴾ أيْ داعِيًا إلى إثْمٍ سَواءٌ كانَ مُجَرَّدًا عَنْ مُطْلَقِ الكُفْرِ أوْ مُصاحِبًا لَهُ ﴿أوْ كَفُورًا﴾ أيْ مُبالِغًا في الكُفْرِ وداعِيًا إلَيْهِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وعَظِيمًا في الدُّنْيا فَإنَّ الحَقَّ أكَبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، (p-١٥٥)وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَعَ شِدَّةِ الأذى لَهُ ﷺ يَبْذُلُونَ لَهُ الرَّغائِبَ مِنَ الأمْوالِ، والتَّمْلِيكِ والتَّزْوِيجِ لِأعْظَمِ نِسائِهِمْ عَلى أنْ يَتْبَعَهم عَلى دِينِهِمْ ويَكُفَّ عَمّا هو عَلَيْهِ والنَّهْيُ عَنِ الأحَدِ المُبْهَمِ نَهْيٌ عَنْ كُلٍّ مِنهُما، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما في أنَّهُ يَجِبُ اجْتِنابُهُ في رُتْبَةٍ واحِدَةٍ ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] وكَذا الِانْتِهاءُ عَنْهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالِانْتِهاءِ عَنْ كُلٍّ مِنهُما، ولَوْ عَطَفَ بِالواوِ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ الِاثْنَيْنِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ كُلٍّ مِنهُما، وأفْهَمَ تَرْتِيبَ النَّهْيِ عَلى الوَصْفَيْنِ أنَّهُ إذا دَعاهُ الكَفّارُ إلى ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْمٌ ولا كُفْرٌ جازَ لَهُ قَبُولُهُ.
الإنسان 76:25
ولَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِما القاطِعَةِ عَنِ اللَّهِ، أمَرَ بِمُلازَمَةِ المُوصِلِ إلى اللَّهِ وهو الذِّكْرُ مِن غَيْرِ عائِقٍ الَّذِي هو دَواءٌ لِما عَساهُ يَلْحَقُ مِنَ الأدْواءِ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الآثِمِ أوِ الكَفُورِ لِأرْبابِ القُلُوبِ الصّافِيَةِ، والذِّكْرُ مُقَدَّمٌ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ وإنْ وضَعَ العِبادَ لَمّا كانَ طَلَبًا لِلتَّوَصُّلِ إلى نَيْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وكانَ التَّصَوُّرُ بِحَسَبِ الِاسْمِ أوَّلَ مَراتِبِ التَّصَوُّرِ طَبْعًا بَدَأ بِهِ وضْعًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ تُحِبُّ السُّفُولَ لِما لَها مِنَ النَّقائِصِ، فاحْتاجَتْ إلى سَبَبٍ مُشَوِّقٍ لَها إلى الأعْلى فَوَضَعَتْ لَها العِباداتِ، وأجَلُّها العِبادَةُ المَشْفُوعَةُ بِالفِكْرِ، لِأنَّهُ السَّبَبُ المُوصِلُ إلى المَقْصُودِ ولا تُفِيدُ العِبادَةُ بِدُونِهِ فَقالَ: ﴿واذْكُرِ﴾ أيْ بِلِسانِكَ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ (p-١٥٦)إلَيْكَ بِكُلِّ جَمِيلٍ ﴿بُكْرَةً﴾ عِنْدَ قِيامِكَ مِن مَنامِكَ الَّذِي هو المَوْتَةُ الصُّغْرى وتُذَكِّرُكَ أنَّهُ يُحْيِي المَوْتى ويَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴿وأصِيلا﴾ عِنْدَ انْقِراضِ نَهارِكَ وتُذَكِّرُكَ انْقِراضَ دُنْياكَ وطَيَّ هَذا العالِمِ لِأجْلِ إيجادِ يَوْمِ الفَصْلِ، وفي ذِكْرِ الوَقْتَيْنِ أيْضًا إشارَةٌ إلى دَوامِ الذِّكْرِ، وذِكْرِ اسْمِهِ لازِمٌ لِذِكْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِالصَّلاةِ لِأنَّها أفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ لِأنَّها أعْظَمُ الذِّكْرِ لِأنَّها ذِكْرُ اللِّسانِ والجَنانِ والأرْكانِ فَوُظِّفَتْ فِيها أذْكارٌ لِسانِيَّةٌ وحَرَكاتٌ وسَكَناتٌ عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَن عادَتِها ألّا تَفْعَلَ إلّا بَيْنَ أيْدِي المُلُوكِ، فَكانَ تَنْبِيهُها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ والِاعْتِرافِ بِإلَهِيَّتِهِ وتَفَرُّدِهِ أكْثَرَ فَكانَتْ أفْضَلَ، فَيَكُونُ هَذا عَلى هَذا أمْرًا بِصَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ أمَرَ في أوَّلِ الإسْلامِ بِغَيْرِهِما وبِهِما أُمِرَ مَن كانَ قَبْلَنا، وهُما أفْضَلُ الصَّلَواتِ وكانَتا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِصَلاتَيِ الصُّبْحِ [والظُّهْرِ -] والعَصْرِ فَإنَّ الأصِيلَ يَتَناوَلُ وقْتَيْهِما لِأنَّهُ مُطْلَقُ العَشِيِّ، وأمّا المَغْرِبُ والعَشاءُ ونافِلَةُ اللَّيْلِ فَدَخَلَتْ في قَوْلِهِ:
الإنسان 76:26
﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ (p-١٥٧)أيْ بَعْضِهِ والباقِي لِلرّاحَةِ بِالنَّوْمِ ﴿فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ فَصَلِّ لَهُ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وذِكِّرْهُما بِالسُّجُودِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أفْضَلُ الصَّلاةِ، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّيْلَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِما في صَلاةِ اللَّيْلِ مِن مَزِيدِ الكُلْفَةِ والخُلُوصِ ومَزِيدِ الفَضِيلَةِ لِأنَّ الِالتِفاتَ فِيهِ إلى جانِبِ الحَقِّ أتَمُّ لِزَوالِ الشّاغِلِ لِلْحَواسِّ مِن حَرَكاتِ النّاسِ وأصْواتِهِمْ وسائِرِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَكانَ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ فَكانَ [الخُشُوعُ -] فِيهِ [و -] اللَّذَّةُ التّامَّةُ بِحَلاوَةِ العِبادَةِ أوْفى ﴿وسَبِّحْهُ﴾ [أيْ -] بِالتَّهَجُّدِ ﴿لَيْلا طَوِيلا﴾ نِصْفَهُ أوْ أكْثَرَ مِنهُ أوْ أقَلَّ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ تَسْبِيحًا لِأنَّ مُكابَدَةَ القِيامِ فِيهِ وغَلَبَةَ النَّوْمِ تُذَكِّرُ بِما لِلَّهِ مِنَ العَظَمَةِ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ نَقِيصَةٍ، ولِأنَّهُ لا يَتْرُكُ مَحْبُوبَهُ مِنَ الرّاحَةِ بِالنَّوْمِ إلّا مَن كانَ اللَّهُ عِنْدَهُ في غايَةِ النَّزاهَةِ، وكانَ لَهُ في غايَةِ المَحَبَّةِ.
الإنسان 76:27
ولَمّا أنْهى أمْرَهُ بِلازِمِ النَّهْيِ، عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ مُحَقِّرًا بِإشارَةِ القَرِيبِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّعَنُّتِ بِالطَّعْنِ في كُلِّ ما يَذْكُرُهُ ﷺ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَغْفُلُونَ عَنِ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ وغَيْرِهِمْ فاسْتَحَقُّوا المَقْتَ مِنَ اللَّهِ ﴿يُحِبُّونَ﴾ أيْ مَحَبَّةً تَتَجَدَّدُ عِنْدَهم زِيادَتُهم في كُلِّ وقْتٍ ﴿العاجِلَةَ﴾ أيْ ويَأْخُذُونَ مِنها ويَسْتَخِفُّونَ لِما حَفَّتْ بِهِ مِنَ الشَّهَواتِ زَمَنًا قَلِيلًا لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ وجُمُودِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ الَّتِي الإقْبالُ عَلَيْها مَنشَأُ البَلادَةِ والقُصُورِ، ومَعْدِنِ الأمْراضِ لِلْقُلُوبِ الَّتِي في الصُّدُورِ، [و -] مَن تَعاطى أسْبابَ المَرَضِ مَرِضَ وسُمِّي كَفُورًا، ومَن (p-١٥٨)تَعاطى ضِدَّ ذَلِكَ شُفِيَ وسُمِّيَ شاكِرًا، ويَكْرَهُونَ الآخِرَةَ الآجِلَةَ،
﴿ويَذَرُونَ﴾ أيْ يَتْرُكُونَ مِنها عَلى حالَةٍ هي [مِن -] أقْبَحِ ما يَسُوءُهم إذا رَأوْهُ ﴿وراءَهُمْ﴾ أيْ أمامَهم أيْ قُدّامَهم عَلى وجْهِ الإحاطَةِ بِهِمْ وهم عَنْهُ مُعْرِضُونَ كَما يُعْرِضُ الإنْسانُ عَمّا وراءَهُ، أوْ خَلْفَهم لِأنَّهُ يَكُونُ بَعْدَهم لا بُدَّ أنْ يُدْرِكَهم ﴿يَوْمًا﴾ أيْ مِنها. ولَمّا كانَ ما أعْيا الإنْسانَ وشَقَّ عَلَيْهِ ثَقِيلًا قالَ: ﴿ثَقِيلا﴾ أيْ شَدِيدًا جِدًّا لا يُطِيقُونَ حَمْلَ ما فِيهِ مِنَ المَصائِبِ بِسَبَبِ أنَّهم لا يُعِدُّونَ لَهُ عَدَّتْهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الحُبَّ والعاجِلَةَ أوَّلًا دَلالَةً عَلى ضِدِّهِما ثانِيًا، والتَّرْكُ [و -] الثِّقَلُ ثانِيًا دَلالَةً عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أدَلُّ عَلى سَخافَةِ العَقْلِ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ لِلْعَواقِبِ.
الإنسان 76:28
ولَمّا كانَ تَرْكُهم لِلْيَوْمِ الثَّقِيلِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ الَّذِي هو أقْبَحُ التَّرْكِ، وكانَ تَكْذِيبُهم لِاعْتِقادِهِمْ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قالَ دالًّا عَلى الإعادَةِ بِالِابْتِداءِ مِن بابِ الأوْلى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ لا غَيْرُنا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ أيْ قَوَّيْنا وأتْقَنّا رَبْطَ مَفاصِلِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِالأعْصابِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ بَعْدَ كَوْنِهِمْ نُطْفَةً أمْشاجًا (p-١٥٩)فِي غايَةِ الضَّعْفِ، وأصْلُ الأُسَرِ، القَدُّ يُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ أوِ الرَّبْطُ والتَّوْثِيقُ، ولا شَكَّ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ شَخْصٍ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ كَما كانَ [لِأنَّ -] جَسَدَهُ الَّذِي أنْشَأهُ إنْ كانَ مَحْفُوظًا فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وإنْ كانَ قَدْ صارَ تُرابًا فَإبْداعُهُ مِنهُ مِثْلُ إبْداعِهِ مِنَ النُّطْفَةِ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ كَأبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو أوْلى فَإنَّهُ تُرابُهُ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ [ بِما كانَ حَيًّا، وتُرابُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ قَطُّ في الحَياةِ -] والإعادَةُ أهْوَنُ في مَجارِي عاداتِ الخَلْقِ مِنَ الِابْتِداءِ، [و -] لِذَلِكَ قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ: ﴿وإذا شِئْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ أنْ نُبَدِّلَ ما نَشاءُ مِن صِفاتِهِمْ أوْ ذَواتِهِمْ ﴿بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ في الخِلْقَةِ وشِدَّةِ الأسْرِ ﴿تَبْدِيلا﴾ أوِ المَعْنى: جِئْنا بِأمْثالِهِمْ بَدَلًا مِنهم وخَلائِفَ لَهُمْ، أوْ يَكُونَ المُرادُ - وهو أقْعُدُ - بِالمَثَلِ الشَّخْصِ أيْ بَدَّلْنا أشْخاصَهم لِتَصِيرَ بَعْدَ القُوَّةِ إلى ضَعْفٍ وبَعْدَ الطُّولِ إلى قِصَرٍ وبَعْدَ البَياضِ إلى سَوادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ كَما شُوهِدَ في بَعْضِ الأوْقاتِ في المَسْخِ وغَيْرِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى تَمامِ قُدْرَتِنا وشُمُولِ عِلْمِنا.
الإنسان 76:29
ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا عَظِيمًا عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ مُخْزِيًا لَهُمْ، قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ عِنادًا: ﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيِ الفِعْلَةَ البُدائِيَّةَ، أوِ المَواعِظَ (p-١٦٠)الَّتِي ذَكَّرْناها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي جَمِيعِ القُرْآنِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ مَوْضِعُ ذِكْرٍ عَظِيمٍ لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وتَذَكُّرِ عَظِيمٍ لِما فَعَلْتُ في الإنْشاءِ أوَّلًا، ومَوْعِظَةً عَظِيمَةً فَإنَّ في تَصَفُّحِها تَنْبِيهاتٍ عَظِيمَةً لِلْغافِلِينَ، وفي تَدَبُّرِها وتَذَكُّرِها فَوائِدُ جَمَّةٌ لِلطّالِبِينَ السّالِكِينَ مِمَّنْ ألْقى سَمْعَهُ [ وأحْضَرَ نَفْسَهُ، وكانَتْ نَفْسُهُ مُقْبِلَةٍ عَلى ما ألْقى إلَيْهِ سَمْعُهُ -]، فَمَن أقْبَلَ هَذا الإقْبالَ عَلِمَ أنّا آتَيْناهُ مِنَ الآلاتِ والدَّلائِلِ ما إنْ سَلَكَ مَعَهُ مُجْتَهِدًا وصَلَ دُونَ ضَلالٍ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ كَوْنِها تَذْكِرَةً قَوْلُهُ مِن خِطابِ البَسْطِ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيْ أنْ يَجْتَهِدُ في وُصُولِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ أخَذَ بِجُهْدِهِ مِن مُجاهَدَةِ نَفْسِهِ ومُغالَبَةِ هَواهُ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُحِبَّهُ بِجَمِيعِ قَلْبِهِ ويَجْتَهِدَ في القُرْبِ مِنهُ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ طَرِيقًا واسِعًا واضِحًا سَهْلًا بِأفْعالِ الطّاعَةِ الَّتِي أمَرَ بِها لِأنّا بَيَّنّا الأُمُورَ غايَةَ البَيانِ وكَشَفْنا اللَّبْسَ وأزَلْنا جَمِيعَ مَوانِعِ أنْفُسِهِمْ عَمَّنْ شِئْنا ورَكَّزْنا ذَلِكَ في الطِّباعِ، ولَمْ يَبْقَ مانِعٌ مِنَ اسْتِطْراقٍ أصْلًا غَيْرَ مَشِيئَتِنا، والفِطْرَةُ الأوْلى أعْدَلُ شاهِدٍ بِهَذا.
الإنسان 76:30
ولَمّا أثْبَتَ لَهُمُ المَشِيئَةَ الَّتِي هي مَناطُ التَّكْلِيفِ، وهي الكَسْبُ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أوِ ادَّعى مُدَّعٍ في خَلْقِ الأفْعالِ كَما قالَ أهْلُ (p-١٦١)الِاعْتِزالِ، قالَ نافِيًا عَنْهُمُ الِاسْتِقْلالَ، لافِتًا القَوْلَ إلى خِطابِهِمْ، وهو مَعَ كَوْنِهِ خِطابٌ قُبِضَ اسْتِعْطافًا بِهِمْ إلى التَّذَكُّرِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وبِالغَيْبِ عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ: ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مَشِيئَةً مِنَ المَشِيئاتِ لِهَذا وغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِراعِ والِاسْتِقْلالِ ﴿إلا﴾ وقْتَ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، فَيُوجَدُ المَعانِي في أنْفُسِكم عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويُقَدِّرُ عَلى ما يَشاءُ مِن آثارِها، وقَدْ صَحَّ بِهَذا ما قالَ الأشْعَرِيَّةُ وسائِرُ أهْلِ السُّنَّةِ مِن أنَّ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً تُسَمّى كَسْبًا لا تُؤَثِّرُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَحْرِيكِها لِقُدْرَةِ العَبْدِ، وانْتَفى مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنّا نَحْنُ [نَخْلُقُ -] أفْعالَنا، ومَذْهَبُ الجَبْرِيَّةِ القائِلِينَ: لا فِعْلَ لَنا أصْلًا، ومَثَّلَ المَلْوِيُّ ذَلِكَ بِمَن يُرِيدُ قَطَعَ بِطِّيخَةٍ [ فَحَدَّدَ سِكِّينًا وهَيَّأها وأوْجَدَ فِيها أسْبابَ القَطْعِ وأزالَ عَنْها مَوانِعَهُ ثُمَّ وضَعَها عَلى البِطِّيخَةِ - ] فَهي لا تَقْطَعُ دُونَ أنْ يَتَحامَلَ عَلَيْها التَّحامُلَ المَعْرُوفَ لِذَلِكَ، ولَوْ وضَعَ عَلَيْها ما لَمْ يَصْلُحْ لِلْقَطْعِ كَحَطَبَةٍ مَثَلًا لَمْ تَقْطَعْ ولَوْ تَحامَلَ، فالعَبْدُ كالسِّكِّينِ خَلَقَهُ اللَّهُ وهَيَّأهُ بِما أعْطاهُ مِنَ القُدْرَةِ لِلْفِعْلِ، فَمَن قالَ: أنا أخْلُقُ فَعَلِي مُسْتَقِلًّا بِهِ، فَهو كَمَن قالَ: السِّكِّينُ تَقْطَعُ بِمُجَرَّدِ وضْعِها مِن غَيْرِ تَحامُلٍ، ومَن قالَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ، مِن غَيْرِ (p-١٦٢)نَظَرٍ إلى العَبْدِ أصْلًا كانَ كَمَن قالَ: هو يَقْطَعُ البِطِّيخَةَ بِتَحامُلِ يَدِهِ أوْ قَصَبَةٍ مَلْساءَ مِن غَيْرِ سِكِّينٍ، والَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ باشَرَ بِقُدْرَتِهِ المُهَيَّأةِ لِلْفِعْلِ بِخَلْقِ اللَّهِ لَها وتَحْرِيكِها في ذَلِكَ الفِعْلِ كانَ كَمَن قالَ: إنَّ السِّكِّينَ قَطَعَتْ بِالتَّحامُلِ [عَلَيْها-]، بِهَذا أجْرى سُبْحانَهُ عادَتَهُ في النّاسِ، ولَوْ شاءَ غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِإحاطَتِهِ بِمَشِيئَتِهِمْ قائِلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿كانَ﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ بالِغَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، فَهو يَمْنَعُ مَنعًا مُحْكَمًا مِن أنْ يَشاءَ غَيْرُهُ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَمَن عَلِمَ في جِبِلَّتِهِ خَيْرًا أعانَهُ عَلَيْهِ، ومَن عَلِمَ مِنهُ الشَّرَّ ساقَهُ إلَيْهِ وحَمَلَهُ عَلَيْهِ، وهو مَعْنى
الإنسان 76:31
﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِلْمِهِ أهْلًا لِلسَّعادَةِ، لَيْسَ بِظالِمٍ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ بِحِكْمَتِهِ فَيُيَسِّرُ لَهُ اتِّخاذَ السَّبِيلِ المُوصِلِ إلَيْهِ بِأنْ يُوَفِّقَهُ لِلْعَدْلِ، ويُعِدَّ لَهُ ثَوابًا جَسِيمًا.
ولَمّا بُشِّرَ أهْلُ العَدْلِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُؤْذِنِ بِالِاسْتِمْرارِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ ماضِيًا لِئَلّا يَتَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ مِمَّنْ هو مُتَلَبِّسٌ بِالضَّلالِ فَيَقُولُ: أنا لا أصْلُحُ لِأنَّهُ ما أدْخَلَنِي، عَطَفَ عَلَيْهِ ما لِأضْدادِهِمْ في جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ بَناها عَلى الماضِي إعْلامًا بِأنَّ عَذابَهم مَوْجُودٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ [فَقالَ-]: ﴿والظّالِمِينَ﴾ أيْ وأهانَ العَرِيقِينَ في وصْفِ المَشْيِ عَلى غَيْرِ سُنَنِ مَرْضى كالماشِي في الظَّلامِ فَهو يُدْخِلُهم في نِقْمَتِهِ وقَدْ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ (p-١٦٣)[أيْ -] إعْدادًا أمْضاهُ بِعَظَمَتِهِ، فَلا يُزادُ فِيهِ ولا يُنْقَصُ أبَدًا ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإدْخالَ والرَّحْمَةَ أوَّلًا دَلالَةً عَلى الضِّدِّ ثانِيًا، والعَذابَ ثانِيًا دَلالَةً عَلى الثَّوابِ أوَّلًا، وسَرُّ ذَلِكَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أوْلى بِتَرْغِيبِ أهْلِ العَدْلِ فِيهِ وإنْ ساءَتْ حالُهم في الدُّنْيا، وبِتَرْهِيبِ أهْلِ الظُّلْمِ مِنهُ وإنْ حَسُنَتْ حالُهم في الدُّنْيا، فَقَدْ رَجَعَ هَذا الآخَرُ المُفَصَّلُ إلى السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عَلى أوَّلِها المُؤْذِنُ بِأنَّ الإنْسانَ مُعْتَنًى بِهِ غايَةَ الِاعْتِناءِ، وأنَّهُ ما خُلِقَ إلّا لِلِابْتِلاءِ، فَهو إمّا كافِرٌ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وإمّا شاكِرٌ مَنظُورٌ بِعَيْنِ الرِّضى إلَيْهِ - فَسُبْحانَ مَن خَلَقَنا ويُمِيتُنا ويُحْيِينا بِقُدْرَتِهِ واللَّهُ الهادِي.