Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — المرسلات 77:1 – المطففين 83:36

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. المرسلات 77:1
  2. المرسلات 77:2
  3. المرسلات 77:3
  4. المرسلات 77:4
  5. المرسلات 77:5
  6. المرسلات 77:6
  7. المرسلات 77:7
  8. المرسلات 77:8
  9. المرسلات 77:9
  10. المرسلات 77:10
  11. المرسلات 77:11
  12. المرسلات 77:12
  13. المرسلات 77:13
  14. المرسلات 77:14
  15. المرسلات 77:15
  16. المرسلات 77:16
  17. المرسلات 77:17
  18. المرسلات 77:18
  19. المرسلات 77:19
  20. المرسلات 77:20
  21. المرسلات 77:21
  22. المرسلات 77:22
  23. المرسلات 77:23
  24. المرسلات 77:24
  25. المرسلات 77:25
  26. المرسلات 77:26
  27. المرسلات 77:27
  28. المرسلات 77:28
  29. المرسلات 77:29
  30. المرسلات 77:30
  31. المرسلات 77:31
  32. المرسلات 77:32
  33. المرسلات 77:33
  34. المرسلات 77:34
  35. المرسلات 77:35
  36. المرسلات 77:36
  37. المرسلات 77:37
  38. المرسلات 77:38
  39. المرسلات 77:39
  40. المرسلات 77:40
  41. المرسلات 77:41
  42. المرسلات 77:42
  43. المرسلات 77:43
  44. المرسلات 77:44
  45. المرسلات 77:45
  46. المرسلات 77:46
  47. المرسلات 77:47
  48. المرسلات 77:48
  49. المرسلات 77:49
  50. المرسلات 77:50
  51. النبأ 78:1
  52. النبأ 78:2
  53. النبأ 78:3
  54. النبأ 78:4
  55. النبأ 78:5
  56. النبأ 78:6
  57. النبأ 78:7
  58. النبأ 78:8
  59. النبأ 78:9
  60. النبأ 78:10
  61. النبأ 78:11
  62. النبأ 78:12
  63. النبأ 78:13
  64. النبأ 78:14
  65. النبأ 78:15
  66. النبأ 78:16
  67. النبأ 78:17
  68. النبأ 78:18
  69. النبأ 78:19
  70. النبأ 78:20
  71. النبأ 78:21
  72. النبأ 78:22
  73. النبأ 78:23
  74. النبأ 78:24
  75. النبأ 78:25
  76. النبأ 78:26
  77. النبأ 78:27
  78. النبأ 78:28
  79. النبأ 78:29
  80. النبأ 78:30
  81. النبأ 78:31
  82. النبأ 78:32
  83. النبأ 78:33
  84. النبأ 78:34
  85. النبأ 78:35
  86. النبأ 78:36
  87. النبأ 78:37
  88. النبأ 78:38
  89. النبأ 78:39
  90. النبأ 78:40
  91. النازعات 79:1
  92. النازعات 79:2
  93. النازعات 79:3
  94. النازعات 79:4
  95. النازعات 79:5
  96. النازعات 79:6
  97. النازعات 79:7
  98. النازعات 79:8
  99. النازعات 79:9
  100. النازعات 79:10
  101. النازعات 79:11
  102. النازعات 79:12
  103. النازعات 79:13
  104. النازعات 79:14
  105. النازعات 79:15
  106. النازعات 79:16
  107. النازعات 79:17
  108. النازعات 79:18
  109. النازعات 79:19
  110. النازعات 79:20
  111. النازعات 79:21
  112. النازعات 79:22
  113. النازعات 79:23
  114. النازعات 79:24
  115. النازعات 79:25
  116. النازعات 79:26
  117. النازعات 79:27
  118. النازعات 79:28
  119. النازعات 79:29
  120. النازعات 79:30
  121. النازعات 79:31
  122. النازعات 79:32
  123. النازعات 79:33
  124. النازعات 79:34
  125. النازعات 79:35
  126. النازعات 79:36
  127. النازعات 79:37
  128. النازعات 79:38
  129. النازعات 79:39
  130. النازعات 79:40
  131. النازعات 79:41
  132. النازعات 79:42
  133. النازعات 79:43
  134. النازعات 79:44
  135. النازعات 79:45
  136. النازعات 79:46
  137. عبس 80:1
  138. عبس 80:2
  139. عبس 80:3
  140. عبس 80:4
  141. عبس 80:5
  142. عبس 80:6
  143. عبس 80:7
  144. عبس 80:8
  145. عبس 80:9
  146. عبس 80:10
  147. عبس 80:11
  148. عبس 80:12
  149. عبس 80:13
  150. عبس 80:14
  151. عبس 80:15
  152. عبس 80:16
  153. عبس 80:17
  154. عبس 80:18
  155. عبس 80:19
  156. عبس 80:20
  157. عبس 80:21
  158. عبس 80:22
  159. عبس 80:23
  160. عبس 80:24
  161. عبس 80:25
  162. عبس 80:26
  163. عبس 80:27
  164. عبس 80:28
  165. عبس 80:29
  166. عبس 80:30
  167. عبس 80:31
  168. عبس 80:32
  169. عبس 80:33
  170. عبس 80:34
  171. عبس 80:35
  172. عبس 80:36
  173. عبس 80:37
  174. عبس 80:38
  175. عبس 80:39
  176. عبس 80:40
  177. عبس 80:41
  178. عبس 80:42
  179. التكوير 81:1
  180. التكوير 81:2
  181. التكوير 81:3
  182. التكوير 81:4
  183. التكوير 81:5
  184. التكوير 81:6
  185. التكوير 81:7
  186. التكوير 81:8
  187. التكوير 81:9
  188. التكوير 81:10
  189. التكوير 81:11
  190. التكوير 81:12
  191. التكوير 81:13
  192. التكوير 81:14
  193. التكوير 81:15
  194. التكوير 81:16
  195. التكوير 81:17
  196. التكوير 81:18
  197. التكوير 81:19
  198. التكوير 81:20
  199. التكوير 81:21
  200. التكوير 81:22
  201. التكوير 81:23
  202. التكوير 81:24
  203. التكوير 81:25
  204. التكوير 81:26
  205. التكوير 81:27
  206. التكوير 81:28
  207. التكوير 81:29
  208. الانفطار 82:1
  209. الانفطار 82:2
  210. الانفطار 82:3
  211. الانفطار 82:4
  212. الانفطار 82:5
  213. الانفطار 82:6
  214. الانفطار 82:7
  215. الانفطار 82:8
  216. الانفطار 82:9
  217. الانفطار 82:10
  218. الانفطار 82:11
  219. الانفطار 82:12
  220. الانفطار 82:13
  221. الانفطار 82:14
  222. الانفطار 82:15
  223. الانفطار 82:16
  224. الانفطار 82:17
  225. الانفطار 82:18
  226. الانفطار 82:19
  227. المطففين 83:1
  228. المطففين 83:2
  229. المطففين 83:3
  230. المطففين 83:4
  231. المطففين 83:5
  232. المطففين 83:6
  233. المطففين 83:7
  234. المطففين 83:8
  235. المطففين 83:9
  236. المطففين 83:10
  237. المطففين 83:11
  238. المطففين 83:12
  239. المطففين 83:13
  240. المطففين 83:14
  241. المطففين 83:15
  242. المطففين 83:16
  243. المطففين 83:17
  244. المطففين 83:18
  245. المطففين 83:19
  246. المطففين 83:20
  247. المطففين 83:21
  248. المطففين 83:22
  249. المطففين 83:23
  250. المطففين 83:24
  251. المطففين 83:25
  252. المطففين 83:26
  253. المطففين 83:27
  254. المطففين 83:28
  255. المطففين 83:29
  256. المطففين 83:30
  257. المطففين 83:31
  258. المطففين 83:32
  259. المطففين 83:33
  260. المطففين 83:34
  261. المطففين 83:35
  262. المطففين 83:36

المرسلات 77:1

(p-١٦٤)سُورَةُ المُرْسَلاتِ وتُسَمّى العُرْفُ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى [آخِرِ -] الإنْسانِ مِن إثابَةِ الشّاكِرِينَ بِالنَّعِيمِ، وإصابَةِ الكافِرِينَ بِعَذابِ الجَحِيمِ، في يَوْمِ الفَصْلِ بَعْدَ جَمْعِ الأجْسادِ وإحْياءِ العِبادِ بَعْدَ طَيِّ هَذا الوُجُودِ وتَغْيِيرِ العالَمِ المَعْهُودِ بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى إنْباتِ النَّباتِ وإنْشاءِ الأقْواتِ وإنْزالِ العُلُومِ وإيساعِ الفُهُومِ لِأحْياءِ الأرْواحِ وإسْعادِ الأشْباحِ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ وعِلَلٍ مَرْئِيَّةٍ وغَيْرِ مَرْئِيَّةٍ، وتَطْوِيرِ الإنْسانِ في أطْوارِ الأسْنانِ، وإيداعِ الإيمانِ فِيما يَرْضى مِنَ الأبْدانِ، وإيجادِ الكُفْرانِ في أهْلِ الخَيْبَةِ والخُسْرانِ، مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في أسالِيبِ هَذا القُرْآنِ، الَّذِي عَجَزَ الإنْسُ والجانُّ، عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ آيَةٍ [مِنهُ -] عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَطاوُلِ الزَّمانِ، واسْمُها المُرْسِلاتُ و[كَذا -] العُرْفُ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ لِمَن تَدَبَّرَ الأقْسامَ، وتَذَكَّرَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن مَعانِي الكَلامِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى ما يُرِيدُ ( الرَّحْمَنُ ) الَّذِي لَهُ عُمُومُ الإنْعامِ عَلى سائِرِ العَبِيدِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ رِضْوانِهِ بِإتْمامِ ذَلِكَ الإنْعامِ وعِنْدَهُ المَزِيدُ. * * لَمّا خُتِمَتْ سُورَةُ الإنْسانِ بِالوَعْدِ لِأوْلِيائِهِ والوَعِيدِ لِأعْدائِهِ، وكانَ (p-١٦٥)الكَفّارُ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ فَقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ أيْ مِنَ الرِّياحِ والمَلائِكَةِ ﴿عُرْفًا﴾ أيْ لِأجْلِ إلْقاءِ المَعْرُوفِ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ، ومِن إلْقاءِ الرُّوحِ والبَرَكَةِ وتَيْسِيرِ الأُمُورِ في الأقْواتِ وغَيْرِها، أوْ حالَ كَوْنِها مُتَتابِعَةً مُتَكاثِرَةً بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفٌ واحِدٌ - إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ فَأكْثَرُوا، ويُقالُ: جاؤُوا عُرْفًا واحِدًا، وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبْعِ - إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ.

المرسلات 77:2

ولَمّا كانَ العُصُوفُ لِلْعَواصِفِ يَتَعَقَّبُ الهُبُوبَ، عَطَفَ بِالفاءِ تَعْقِيبًا وتَسْبِيبًا فَقالَ: ﴿فالعاصِفاتِ﴾ أيِ الشَّدِيداتُ مِنَ الرِّياحِ عَقِبَ هُبُوبِها ومِنَ المَلائِكَةِ عَقِبَ شَقِّها لِلْهَواءِ بِما لَها مِن كِبَرِ الأجْسامِ والقُوَّةِ عَلى الإسْراعِ التّامِّ ﴿عَصْفًا﴾ أيْ عَظِيمًا بِما لَها مِنَ النَّتائِجِ الصّالِحَةِ.

المرسلات 77:3

ولَمّا كانَ نَشْرُ الرِّياحِ لِلسَّحابِ مُتَراخِيًا عَنْ هُبُوبِها ومُتَباطِئًا في الثَّوَرانِ وكَذا نَشْرُ المَلائِكَةِ لِأجْنِحَتِها كَما يَفْعَلُ الطّائِرُ القَوِيُّ في طَيَرانِهِ، عَطَفَ بِالواوِ الصّالِحَةِ لِلْمَعِيَّةِ والتَّعَقُّبِ بِمُهْلَةٍ وغَيْرِها قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِراتِ﴾ أيْ لِلسَّحابِ والأجْنِحَةِ عَلى وجْهِ اللِّينِ في الجَوِّ ولِلشَّرائِعِ الَّتِي تَنْشُرُ العَدْلَ بَيْنَ النّاسِ ﴿نَشْرًا﴾ وإذا راجَعْتَ أوَّلَ الذّارِياتِ ازْدَدْتَ في هَذا بَصِيرَةً.

المرسلات 77:4

(p-١٦٦)ولَمّا كانَ السَّحابُ يَجْتَمِعُ بَعْدَ الثَّوَرانِ مِن مَجالِ البُخاراتِ ويَتَكاثَفُ ثُمَّ يَحْمِلُ الماءَ، وكانَ ذَلِكَ - مَعَ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا - قَدْ تَقَدَّمَ في الذّارِياتِ والرُّومِ وغَيْرِهِما ثُمَّ بَعْدَ الحَمْلِ تُضْغَطُ السَّحابُ حَتّى يَتَحامَلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَتَنْفَرِقُ هُناكَ فُرَجٌ يَخْرُجُ مِنها، طَوى ذَلِكَ وذَكَّرَ هَذا فَقالَ بِالفاءِ الفَصِيحَةِ: ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ أيْ لِلسَّحابِ حَتّى يَخْرُجَ الوَدْقُ مِن خِلالِهِ ولِلْأجْنِحَةِ وبَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَبِّ والنَّوى - وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ.

المرسلات 77:5

ولَمّا كانَتِ السَّحابُ عَقِبَ الفَرْقِ يَنْزِلُ مِنها ما في ذَلِكَ السَّحابِ مِن ماءٍ أوْ ثَلْجٍ أوْ بِرْدٍ أوْ صَواعِقَ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُرِيدُهُ اللَّهُ مِمّا يَبْعَثُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ ولا بُدَّ والمَلائِكَةُ تُلْقِي ما مَعَها مِنَ الرُّوحِ المُحْيِي لِلْقُلُوبِ، قالَ مُعَبِّرًا بِفاءِ التَّعْقِيبِ والتَّسْبِيبِ: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ أطْلَقَ عَلَيْهِ الذِّكْرَ لِأنَّهُ سَبَّبَهُ إنْ كانَ مَحْمُولَ السَّحابِ أوْ مَحْمُولَ المَلائِكَةِ، وقَدْ يَكُونُ مَحْمُولَ المَلائِكَةِ ذِكْرُ اللَّهِ حَقِيقَةً، ولا يَخْفى أنَّهُما سَبَبٌ لِإصْلاحِ الدِّينِ والدُّنْيا.

المرسلات 77:6

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأقْسامَ عَلَّلَها بِقَوْلِهِ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ وهُما مَنصُوبانِ عَلى الحالِ جَمْعانِ لِعُذْرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ أوِ العاذِرِ، والنَّذِيرِ بِمَعْنى الإنْذارِ أوِ المُنْذِرِ، أيْ كانَتْ هَذِهِ مُنْقَسِمَةً إلى عُذْرٍ إنْ كانَتْ ألْقَتْ (p-١٦٧)مَطَرًا نافِعًا مَرِيئًا مُرِيعًا غَيْرَ ضارٍّ كانَ بَعْدَ قَحْطٍ فَإنَّهُ يَكُونُ كَأنَّهُ اعْتِذارٌ عَنْ تِلْكَ الشِّدَّةِ، وإنْ كانَتِ المَلائِكَةُ ألْقَتْ بَشائِرَ فَهي واضِحَةٌ في العُذْرِ لا سِيَّما إنْ كانَتْ بَعْدَ إنْذارٍ، وإلى نُذُرٍ إنْ كانَتْ ألْقَتْ صَواعِقَ أوْ ما [هُوَ -] في مَعْناها مِنَ البَرْدِ الكِبارِ ونَحْوِها، وكَذا المَلائِكَةُ، والكُلُّ سَبَبٌ لِذِكْرِ اللَّهِ هو سَبَبٌ لِاعْتِذارِ ناسٍ بِالتَّوْبَةِ، وسَبَبٌ لِعَذابِ الَّذِينَ يَغْفُلُونَ عَنِ الشُّكْرِ، ويَسْتَقْبِلُونَ ذَلِكَ بِالمَعاصِي أوْ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى الأنْواءِ.

المرسلات 77:7

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ الأقْسامُ مُشْتَمِلَةً عَلى أُمُورٍ عِظامٍ مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ أسْبابَها مِنَ الرِّياحِ والمِياهِ كانَتْ مَعَ النّاسِ وهم لا يَشْعُرُونَ بِها كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِيامَةُ كَذَلِكَ سَواءً بِسَواءٍ، [قالَ -] ذاكِرًا لِلْمُقْسِمِ عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّما﴾ أيِ الَّذِي ﴿تُوعَدُونَ﴾ [أيْ -] مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومِن قِيامِ السّاعَةِ ومِنَ البَشائِرِ لِأهْلِ الطّاعَةِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ المَرْهُوبُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ مَعَ أنَّهُ مَعْرُوفٌ أنَّهُ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ اللَّهُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَواقِعٌ﴾ أيْ كائِنٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ وأسْبابُهُ عَتِيدَةٌ عِنْدَكم وإنْ كُنْتُمْ لا تَرَوْنَها كَما في هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي أقْسَمَ بِها وما تَأثَّرَ عَنْها. (p-١٦٨)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أقْسَمَ تَعالى بِالمَلائِكَةِ المُتَتابِعِينَ في الإرْسالِ، والرِّياحِ المُسَخَّرَةِ، ووِلايَتُهُ بِالمَطَرِ والمَلائِكَةِ الفارِقَةِ بِمائِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُلْقِياتِ الذِّكْرُ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ وإنْذارًا، أقْسَمَ تَعالى بِما ذَكَرَ مِن مَخْلُوقاتِهِ عَلى صِدْقِ المَوْعُودِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤] الآياتُ وقَوْلُهُ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢] الآياتُ إلى ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا﴾ [الإنسان: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] ولَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا هَذا الوَعْدُ والوَعِيدُ المُخْتَتِمُ بِهِ السُّورَةَ لَطابَقَهُ افْتِتاحُ الأُخْرى قَسَمًا عَلَيْهِ أشَدَّ المُطابَقَةِ، فَكَيْفَ وسُورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ [الإنسان: ١] مُواعِدُ أُخْراوِيَّةٌ وإخْباراتٌ جَزائِيَّةٌ، فَأقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى صِحَّةِ الوُقُوعِ، وهو المُتَعالِي الحَقُّ وكَلامُهُ الصِّدْقُ - انْتَهى.

المرسلات 77:8

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَقُولُونَ اسْتِهْزاءً: مَتى هُوَ؟ وكانَ وقْتُهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ لِأنَّ إخْفاءَهُ عَنْ كُلِّ أحَدٍ أوْقَعُ في النُّفُوسِ وأهْيَبُ عِنْدَ العُقُولِ، سَبَّبَ عَنْ [ذَلِكَ -] قَوْلُهُ ذاكِرًا ما لا تَحْتَمِلُهُ العُقُولُ لِتَزْدادَ الهَيْبَةُ ويَتَعاظَمَ الخَوْفُ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ: ﴿فَإذا النُّجُومُ﴾ (p-١٦٩)أيْ عَلى كَثْرَتِها ﴿طُمِسَتْ﴾ أيْ أُذْهِبَ ضَوْءُها بِأيْسَرِ أمْرٍ فاسْتَوَتْ مَعَ بَقِيَّةِ السَّماءِ، فَدَلَّ طَمْسُها عَلى أنَّ لِفاعِلِهِ غايَةَ القُدْرَةِ، وأعادَ الظَّرْفَ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى زِيادَةً في التَّخْوِيفِ فَقالَ:

المرسلات 77:9

﴿وإذا السَّماءُ﴾ [أيْ -] عَلى عَظَمَتُها ﴿فُرِجَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ فَخَرَّبَتِ السُّقُوفَ وما بِها مِنَ القَنادِيلِ بِأسْهَلِ أمْرٍ

المرسلات 77:10

﴿وإذا الجِبالُ﴾ أيْ عَلى صَلابَتِها ﴿نُسِفَتْ﴾ أيْ ذَهَبَ بِها كُلَّها بِسُرْعَةٍ فَفَرَّقَتْها الرِّياحُ، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا فَلَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ، وذَلِكَ كَما يُنْسَفُ الحَبُّ، فَزالَ ثَباتُ الأرْضِ بِالأسْبابِ الَّتِي هي الرَّواسِي، لِأنَّ تِلْكَ الدّارَ لَيْسَتْ بِدارِ أسْبابٍ.

المرسلات 77:11

ولَمّا ذَكَرَ تَغْيِيرَ السَّماءِ والأرْضِ، ذَكَرَ ما فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ فَقالَ: ﴿وإذا الرُّسُلُ﴾ أيِ الَّذِي أنْذَرُوا النّاسَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَكَذَّبُوهم ﴿أُقِّتَتْ﴾ أيْ بَلَغَها الَّذِي لا قَدِيرَ سِواهُ بِأيْسَرِ أمْرٍ مِيقاتُها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ، وهو وقْتُ قَطْعِ الأسْبابِ وإيقاعِ الرَّحْمَةِ والثَّوابِ لِلْأحْبابِ والنِّقْمَةِ والعِقابِ لِلْأعْداءِ بِشَهادَتِهِمْ بَعْدَ جَمْعِهِمْ عَلى الأُمَمِ بِما كانَ مِنهم مَنِ الجَوابِ، وحُذِفَ العامِلُ في ”إذا“ تَهْوِيلًا لَهُ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: وقَعَ ما تُوعَدُونَ فَرَأيْتُمْ مِن هَذا الوَعِيدِ ما لا يَحْتَمِلُ ولا يَثْبُتُ لِوَصْفِهِ العُقُولُ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ مُلَقِّنًا لِما يَنْبَغِي (p-١٧٠)أنْ يُقالَ: وهو

المرسلات 77:12

﴿لأيِّ يَوْمٍ﴾ أيْ عَظِيمٍ ﴿أُجِّلَتْ﴾ أيْ وقَعَ تَأْجِيلُها بِهِ، بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَحْقِيقُ الأجَلِ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُعَيَّنَ لَهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ، ثُمَّ أجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ مُبَدِّلًا مَن ﴿لأيِّ يَوْمٍ﴾

المرسلات 77:13

﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ أيِ الَّذِي إذا أطْلَقَ ذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ إلّا إلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَتْرُكُ فِيهِ شَيْئًا إلّا وقَعَ الفَصْلُ فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِ الخَلْقِ مِن كُلِّ جَلِيلٍ وحَقِيرٍ، ثُمَّ هَوَّلَهُ وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ:

المرسلات 77:14

﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ وإنِ اجْتَهَدْتَ في التَّعَرُّفِ، ثُمَّ زادَهُ تَهْوِيلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ إنَّهُ أمْرٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْألَ عَنْهُ ويُعَظَّمَ، وكُلُّ ما عُظِّمَ بِشَيْءٍ فَهو أعْظَمُ مِنهُ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى الوُصُولِ إلى عِلْمِهِ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ يُقاسُ عَلَيْهِ.

المرسلات 77:15

ولَمّا هَوَّلَ أمْرَهُ ذَكَرَ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ﴾ أيْ هَلاكٌ عَظِيمٌ جِدًّا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يَكُونُ يَوْمَ الفَصْلِ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِالمُرْسَلاتِ الَّتِي أخْبَرَتْ بِذَلِكَ اليَوْمِ وغَيْرِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ، والوَيْلُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلِهِ، عَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ مَعْناهُ، وقَدْ كُرِّرَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِعِدَّةِ المُقْسَمِ بِهِ وما ذَكَرَ هُنا مِمّا يَكُونُ في يَوْمِ الفَصْلِ مِنَ الطَّمْسِ وما بَعْدَهُ وهو تِسْعَةُ (p-١٧١)أشْياءٍ، وزادَتْ واحِدَةٌ فَتَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ بِواحِدَةٍ مِنَ المَذْكُوراتِ، والعاشِرُ لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى أنَّ لَهم مِنَ الوَيْلِ ما لا يَنْتَهِي [ كَما أنَّ الواحِدَ لا يَنْتَهِي - ] عَلى أنَّها لَوْ كانَتْ كُلُّها لِتَأْكِيدِ الأوَّلِ لَكانَ ذَلِكَ حَسَنًا، فَإنَّ مَن كَذَبَكَ في أشْياءَ كانَ مِنَ البَلاغَةِ أنْ تُقَرِّرَهُ بِواحِدَةٍ مِنها ثُمَّ تَقُولُ لَهُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ ”ويْلٌ لَكَ“ ثُمَّ تَفْعَلُ فِيما بَعْدَهُ كُلَّهُ كَذَلِكَ وتُعِيدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ القَوْلَ بِعَيْنِهِ تَأْكِيدًا لَهُ وتَحْقِيقًا لِوُقُوعِ مَعْناهُ دَلالَةً عَلى أنَّ الغَيْظَ قَدْ بَلَغَ مُنْتَهاهُ والفُجُورَ وانْقِطاعَ العُذْرِ لَمْ يَدَعْ مَوْضِعًا لِلتَّنَصُّلِ مِنهُ والبُعْدِ عَنْهُ، وذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ شائِعٌ مَعْرُوفٌ سائِغٌ.

المرسلات 77:16

ولَمّا أقْسَمَ عَلى وُقُوعِ الوَعْدِ والوَعِيدِ مُطْلَقًا أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ بِأقْسامٍ دَلَّتْ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ دَلالَةً جَلِيَّةً، أتْبَعَهُ دَلالَةً أجْلى مِنها بِما يُشاهِدُ مِن خَرابِ العالِمِ النَّفْسِيِّ فَقالَ [مُنْكِرًا -] عَلى مَن يُكَذِّبُ بِهِ تَكْذِيبَهم مَعَ ما كانَ مِنهُ سُبْحانَهُ إلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ ومَن آمَنَ بِهِمْ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الأوَّلِينَ﴾ أيْ إهْلاكَ عَذابٍ وغَضَبٍ بِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم أُمَّةٌ بَعْدَ أمَةٍ وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، لَمْ نَدَعْ مِنهم أحَدًا. ولَمّا كانَ إهْلاكُ مَن في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ إنْ (p-١٧٢)لَمْ يَنْقُصْ عَنْ إهْلاكِ الأوَّلِينَ لَمْ يَزِدْ، وكانَ جَوابُ هَذا التَّقْدِيرِ: بَلى قَدْ أهْلَكَتْهُمْ، قالَ عاطِفًا عَلى هَذا الَّذِي أرْشَدَ السِّياقَ إلَيْهِ إرْشادًا ظاهِرًا جَعَلَهُ كالمَنطُوقِ ما تَقْدِيرُهُ: نَعَمْ أهْلَكْناهُمْ

المرسلات 77:17

﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِنا لَهم. ولَمّا كانَ الفِعْلُ مَرْفُوعًا، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى ”تُهْلِكِ“ لِيَكُونَ تَقْدِيرًا، بَلْ هو إخْبارٌ لِلتَّهْدِيدِ تَقْدِيرُهُ: نَحْنُ إنْ شِئْنا ﴿نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ في زَمانِكَ مِن كُفّارِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ لَكَ أوِ الَّذِينَ قَرَّبُوا مِن ذَلِكَ الزَّمانِ كَأصْحابِ الرَّسِّ وأصْحابِ الفِيلِ.

المرسلات 77:18

ولَمّا هَدَّدَ مَن واجَهَ الرُّسُلَ بِالتَّكْذِيبِ تَسْلِيَةً لَهُمْ، سَلّى مَن قَطَعُوهُ مِن أتْباعِهِمْ مِمّا يَجِبُ وصْلُهُ بِهِمْ مِنَ المَعْرُوفِ [فَقالَ -] مُسْتَأْنِفًا مُنَبِّهًا عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِذَلِكَ الإهْلاكِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإهْلاكِ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ جَمِيعُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ فِعْلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ وهم عَرِيقُونَ في ذَلِكَ القَطْعِ، وذَلِكَ مُثْبِتٌ لَنا القُدْرَةَ عَلى جَمْعِهِمْ لِيَوْمِ الفَصْلِ كَما قَدَرْنا عَلى جَمْعِهِمْ لِوَقْتِ الإجْرامِ وعَلى فَصْلِنا في الإهْلاكِ والإنْجاءِ بَيْنَ مُكَذِّبِي الأُمَمِ ومُصَدِّقِيهِمْ فَلا بُدَّ مِن إيجادِنا لِيَوْمِ الفَصْلِ:

المرسلات 77:19

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يُوجَدُ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِالعاصِفاتِ الَّتِي أهْلَكْنا بِها تِلْكَ الأُمَمَ تارَةً بِواسِطَةِ القَلْبِ وإمْطارِ الحِجارَةِ وأُخْرى بِواسِطَةِ الماءِ وتارَةً بِالرَّجْفَةِ [وتارَةً -] بِغَيْرِ واسِطَةٍ.

المرسلات 77:20

(p-١٧٣)ولَمّا ذَكَرَ الإهْلاكَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الدّالِّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى البَعْثِ وعَلى ما يُوعَدُ بِهِ بَعْدَ البَعْثِ، أتْبَعَهُ الدَّلالَةَ بِابْتِداءِ الخَلْقِ وهو أدَلُّ فَقالَ مُقَرِّرًا ومُنْكِرًا عَلى مَن يُخالِفُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ عَمَلَهُ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَعْشُرُها عَظَمَةٌ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ ذَلِيلَةٍ، وهو [مِن -] مَهَنَ بِالفَتْحِ، قالَ في القامُوسِ: والمَهِينُ: الحَقِيرُ الضَّعِيفُ والقَلِيلُ

المرسلات 77:21

﴿فَجَعَلْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالإنْزالِ لِذَلِكَ الماءِ في الرَّحِمِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَحْفُوظٍ مِمّا يُفْسِدُهُ مِنَ الهَواءِ وغَيْرِهِ ومَدَدْنا ذَلِكَ لِأجْلِ التَّطْوِيرِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ والتَّدْوِيرِ في أدْوارِ الصَّنْعَةِ

المرسلات 77:22

﴿إلى قَدَرٍ﴾ أيْ مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى [لِلْوِلادَةِ -] ﴿مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِنا مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ لِلْوِلادَةِ إلى ما فَوْقَها أوْ دُونَها لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ.

المرسلات 77:23

ولَمّا كانَ هَذا عَظِيمًا تَرْجَمَهُ وبَيَّنَهُ مُعَظِّمًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدَرْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا عَلى ذَلِكَ أوْ فَجَعَلْناهُ عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ والأحْوالِ والأعْمالِ ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ نَحْنُ مُطْلَقًا عَلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ، أوِ المُقَدِّرُونَ في تِلْكَ المَقادِيرِ لِما لَنا مِن كَمالِ العَظَمَةِ بِحَيْثُ نَجْعَلُ ذَلِكَ (p-١٧٤)بِمُباشَرَةِ مَن أرَدْناهُ مِنهُ بِطَوْعِهِ واخْتِيارِهِ. ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِما قَدْ يُفِيدُ مَعَ العَظَمَةِ الجَمْعُ لِما أقامَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ بِالمَلائِكَةِ وغَيْرِها، وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ ابْتِلاءٌ لِلْعِبادِ المُوَحِّدِ مِنهم والمُشْرِكِ:

المرسلات 77:24

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَ ذَلِكَ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِالنّاشِراتِ الَّتِي نَشَرَتْ تِلْكَ النُّفُوسَ وكُلَّ ما يُرادُ نَشْرُهُ وهم يَعْلَمُونَ قُدْرَتَنا عَلى ما ذَكَرَ وتَقْدِيرُهُ مِنَ ابْتِدائِنا لِخُلُقِهِمْ وغَيْرِهِ مِمّا يُفِيدُ كَمالَ القُدْرَةِ وهم يُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ ولا يَقِيسُونَهُ بِمِثْلِهِ.

المرسلات 77:25

ولَمّا دَلَّ بِابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ، أتْبَعَهُ الدَّلالَةَ بِانْتِهاءِ أمْرِهِ وأثْنائِهِ وما دَبَّرَ فِيهِما مِنَ المَصالِحِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ﴾ أيْ نُصَيِّرْ بِما سَبَّبْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الأرْضَ كِفاتًا﴾ أيْ وِعاءً قابِلَةً لِجَمْعِ ما يُوضَعُ فِيها [ وضَمَّهُ جَمْعًا فِيهِ - ] فَتَكَ وهَدَمَ، وهو اسْمٌ لِما يَكْفِتُ مِنَ الحَدِيدِ مَثَلًا أيْ يُغَلَّفُ بِالفِضَّةِ ويَضُمُّ ويَجْمَعُ، كالضِّمامِ والجِماعِ لِما يَضُمُّ ويَجْمَعُ، أوْ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ أوْ جَمْعُ كافِتَةٍ، كَصائِمَةٍ وصِيامٍ أوْ جَمْعُ كَفَتَ وهو الوِعاءُ، ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْناها ناشِرَةً لَكم إذا وُضِعْتُمْ فِيها كَما تَنْشُرُ النَّباتَ، وسَنَجْعَلُ ذَلِكَ إذا أرَدْنا البَعْثَ،

المرسلات 77:26

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ حَذْفُ المَفْعُولِ وهو لَكُمْ، أبْدى حالَةً دالَّةً أيْضًا عَلَيْهِ [فَقالَ-]: ﴿أحْياءً﴾ [أيْ -] عَلى ظَهْرِها في الدَّوْرِ وغَيْرِها ﴿وأمْواتًا﴾ أيْ (p-١٧٥)فِي بَطْنِها في القُبُورِ وغَيْرِها كَما كُنْتُمْ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

المرسلات 77:27

ولَمّا ذَكَرَ ما تَغَيَّبَهُ مِن جِبالِ العِلْمِ والمُلْكِ وغَيْرِهِما، أتْبَعَهُ ما تُبْرِزُهُ مِنَ الشَّواهِقِ إعْلامًا بِأنَّهُ لَوْ كانَ الفِعْلُ لِلطَّبِيعَةِ ما كانَ الأمْرُ هَكَذا، فَإنَّهُ لا يُخْرِجُ هَذِهِ الجِبالَ العَظِيمَةَ عَلى ما لَها مِنَ الكِبَرِ والرُّسُوخِ والثِّقَلِ والصَّلابَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ إلّا الفاعِلُ المُخْتارُ، هَذا إلى ما يَحْفَظُ في أعالِيها مِنَ المِياهِ الَّتِي تُنْبِتُ الأشْجارَ وتُخْرِجُ العُيُونَ والأنْهارَ، بَلْ أكْثَرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المِياهِ هو مِنها، وكَذا غالِبُ المَنافِعِ مِنَ المَعادِنِ وغَيْرِها قالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيها﴾ أيِ الأرْضِ ﴿رَواسِيَ﴾ لَوْلاها لَمادَتْ بِأهْلِها، ومِنَ العَجائِبِ أنَّ مَراسِيها مِن فَوْقِها خِلافًا لِمَراسِي السُّفُنِ ﴿شامِخاتٍ﴾ أيْ [هِيَ -] مَعَ كَوْنِها ثَوابِتَ في أنْفُسِها مُثْبِتَةً لِغَيْرِها طُوالَ جِدًّا عَظِيمَةَ الِارْتِفاعِ كَأنَّها قَدْ تَكَبَّرَتْ عَلى بَقِيَّةِ الأرْضِ وعَلى مَن يُرِيدُ صُعُودَها، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ. ولَمّا كانَ مِنَ العَجائِبِ الخارِقَةِ لِلْعَوائِدِ فَوَرانُ الماءِ الَّذِي مِن طَبْعِهِ أنْ يَغُورَ لا أنْ يَفُورَ لِما لَهُ مِنَ الثِّقَلِ واللَّطافَةِ الَّتِي أفادَتْهُ قُوَّةُ السَّرَيانِ في الأعْماقِ وفي كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ مِن مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ دُونَ آخَرَ، وكَوْنُهُ مِنَ الجِبالِ الَّتِي هي أصْلُ الأرْضِ ومِن صُخُورِها غالِبًا دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْواحِدِ المُخْتارِ الجِبالُ القَهّارُ لا لِلطَّبائِعِ قالَ: ﴿وأسْقَيْناكُمْ﴾ أيْ جَعَلْنا لَكم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ شَرابًا لِسَقْيِكم وسَقْيِ ما تُرِيدُونَ سَقْيَهُ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ماءً﴾ مِن لِأنْهارِ (p-١٧٦)والغُدْرانِ والعُيُونُ والآبارِ وغَيْرِها ﴿فُراتًا﴾ أيْ عَظِيمًا عَذْبًا سائِغًا وقَدْ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ مِلْحًا أُجاجًا لِما لِلْأراضِي المُمْسِكَةِ لَهُ مِن ذَلِكَ.

المرسلات 77:28

ولَمّا كانَ في هَذا دَلالَةٌ عَلى ظاهِرَةِ قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ -] يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ لِيَكُونَ الفَصْلُ بَيْنَ العِبادِ فَساقَها مَساقَ ما هو ثابِتٌ لا نِزاعَ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِها بَعْدَ ظُهُورِ الأدِلَّةِ إلّا مَن لا مَسْكَةٌ لَهُ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ الرُّسُوخِ في التَّكْذِيبِ حَتّى كَذَّبُوا بِما لَنا في هَذا مِنَ الفَرْقِ الَّذِي فَرَّقْنا بِهِ بَيْنَ أرْضٍ وأُخْرى حَتّى جَعَلْنا بَعْضَها صالِحًا لِانْفِراقِ أرْضِهِ عَنِ الماءِ، وبَعْضُها غَيْرُ صالِحٍ وجَعَلْنا بَعْضَها قابِلًا لِلْجِبالِ وبَعْضَها غَيْرَ قابِلٍ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفُرُوقِ البَدِيعَةِ.

المرسلات 77:29

ولَمّا وصَلَتْ أدِلَّةُ السّاعَةِ في الظُّهُورِ إلى حَدٍّ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وحَكَمَ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالوَيْلِ مَرَّةً، وأكَّدَ بِثَلاثٍ، فَكانَ مِن حَقِّ المُخاطَبِ أنْ يُؤْمِنَ فَلَمْ يُؤْمِنَ، أمَرَ بِما يَدُلُّ عَلى الغَضَبِ فَقالَ تَعالى مُعَلِّمًا لَهم بِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَحِلُّ بِهِمُ الوَيْلُ: ﴿انْطَلِقُوا﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ ﴿إلى ما كُنْتُمْ﴾ أيْ بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ عَدَمًا، وتُجَدِّدُونَ ذَلِكَ التَّكْذِيبَ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ.

المرسلات 77:30

(p-١٧٧)ولَمّا كانَ المُرادُ زِيادَةَ تَبْكِيتِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ والتَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ، كَرَّرَ الأمْرَ واصِفًا ما أمَرُوا بِالِانْطِلاقِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿انْطَلِقُوا﴾ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وقِراءَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَمامِ انْقِيادِهِمْ هُناكَ، وأنَّهُ لا شَيْءَ مِن مَنعِهِ عِنْدَهم أصْلًا، وهي اسْتِئْنافِيَّةٌ لِجَوابِ مَن يَقُولُ: ما كانَ حالُهم عِنْدَ هَذا الأمْرِ الفَظِيعِ؟ ﴿إلى ظِلٍّ﴾ أيْ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ الَّذِي سُمِّيَ بِاليَحْمُومِ لَمّا ذَكَرَ في الواقِعَةِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ يَنْشَعِبُ مِن عَظْمِهِ كَما تَرى الدُّخّانَ العَظِيمَ يَتَفَرَّقُ ذَوائِبَ، وخُصُوصِيَّةُ الثَّلاثِ لِأنَّ التَّكْذِيبَ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، فَتُعَذِّبُهم كُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَذابًا يَعْلَمُونَ هُناكَ لِأيِّ تَكْذِيبَةٍ مِنها هِيَ، أوْ لِأنَّ الحاجِبَ عَنْ أنْوارِ القُدْسِ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، أوْ لِأنَّ السَّبَبَ فِيهِ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الحالَّةُ في الدِّماغِ، والغَضَبِيَّةُ الَّتِي في عَيْنِ القَلْبِ، والشَّهَوِيَّةُ الَّتِي في يَسارِهِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النّارِ تَكُونُ ثَلاثَ فِرَقٍ: نارٌ ونُورٌ ودُخانٌ، يَقِفُ النُّورُ عَلى المُؤْمِنِينَ، واللَّهَبُ الصّافِي عَلى الكافِرِينَ، والدُّخانُ عَلى المُنافِقِينَ، تَكُونُ كَذَلِكَ إلى حِينِ الفَراغِ مِنَ الحِسابِ، وقالَ الرّازِيُّ: الشُّعَبُ لَهَبٌ وشَرَرٌ ودُخانٌ.

المرسلات 77:31

(p-١٧٨)ولَمّا كانَ المُنَبادَرُ مِنَ الظِّلِّ ما يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ فَظَنُّوا ذَلِكَ، أزالَ عَنْهم هَذا التَّوَهُّمَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ لِيَكُونَ أشَدَّ في النَّكالِ فَقالَ واصِفًا لِ ”ذِي“: ﴿لا ظَلِيلٍ﴾ أيْ مِنَ الحَرِّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ولَمّا كانَ ما انْتَفى عَنْهُ غَزارَةُ الظِّلِّ الَّتِي أفْهَمَتْها صِيغَةُ المُبالَغَةِ قَدْ يَكُونُ فِيهِ نَفْعُ ما قالَ: ﴿ولا يُغْنِي﴾ أيْ شَيْئًا مِن إغْناءِ ﴿مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ.

المرسلات 77:32

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذا الظِّلَّ في العَذابِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ دُخانٌ إلّا مِن نارٍ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّهُ لَوْ كانَ هُناكَ ظِلٌّ ما أغْنى: ﴿إنَّها﴾ أيِ النّارُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ ﴿تَرْمِي﴾ أيْ مِن شِدَّةِ الِاسْتِعارِ ﴿بِشَرَرٍ﴾ وهو ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا التَهَبَتْ، واحِدَتُها شَرارَةٌ وهي صَواعِقُ تِلْكَ الدّارِ ﴿كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرارَةٍ مِنها كَأنَّها قَصْرٌ مُشَيَّدٌ مِن عَظْمِها وقِيلَ: هو الغَلِيظُ مِنَ الشَّجَرِ، الواحِدَةُ قَصْرٌ مِثْلُ جَمْرٍ وجَمْرَةٍ، وهي اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا في جَمْعٍ فَهو شامِلٌ لِكَثِيرِ الجُمُوعِ وقَلِيلِها، وكَذا كُلُّ ما فَرَّقَ بَيْنَ واحِدَةٍ وجَمْعُهُ التّاءُ ولَيْسَ بِجَمْعٍ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعِ سَلامَةٍ وهو ظاهِرٌ ولا تَكْسِيرَ لِأنَّ أوْزانَهُ مَعْرُوفَةٌ ولَيْسَ مِنها فِعْلٌ ولَيْسَ بِجِنْسٍ، فَإنَّهُ لا يَشْمَلُ ما دُونُ الجَمْعِ ومِن عَظَمَةِ شَرارِها تُعْرَفُ عَظَمَةُ جَمْرِها.

المرسلات 77:33

(p-١٧٩)ولَمّا شَبَّهَهُ في عَظْمِهِ، شَبَّهَهُ في لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ﴾ جَمْعُ جِمالَةٌ جَمْعُ جَمَلٍ مِثْلُ حِجارَةٍ وحَجَرٍ لِلدَّلالَةِ مَعَ كَبَّرَهُ عَلى كَثْرَتِهِ وتَتابُعِهِ واخْتِلاطِهِ وسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ، ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ فَهو عِنْدُهُ جَمْعُ جِمالَةٍ وهي الحَبْلُ الغَلِيظُ مِن حِبالِ السَّفِينَةِ - شَبَّهَهُ [بِهِ -] في امْتِدادِهِ والتِفافِهِ، ولا تَنافِي فَإنَّ الشَّرَرَ مِنهُ ما هو هَكَذا و[مِنهُ -] ما هو كَما تَقَدَّمَ ﴿صُفْرٌ﴾ جَمْعُ أصْفَرَ لِلَّوْنِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ سَوادٌ يُضْرَبُ إلى صُفْرَةٍ كَما هي ألْوانُ الجِمالِ.

المرسلات 77:34

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا هائِلًا كانَتْ تَرْجَمَتُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يَكُونُ ذَلِكَ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ بِإلْقاءِ الذِّكْرِ عَلى الأنْبِياءِ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ.

المرسلات 77:35

ولَمّا دَلَّتْ قِراءَةُ ”انْطَلَقُوا“ بِالفَتْحِ عَلى امْتِثالِهِمْ لِلْأمْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْبِسُوا بِكَلِمَةٍ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ دالًّا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ المَقْتِ والغَضَبِ: ﴿هَذا﴾ أيِ المَوْقِفُ الَّذِي هو بَعْضُ مَواقِفَ ذَلِكَ اليَوْمِ، سُمِّيَ يَوْمًا لِتَمامِ أحْكامِهِ، فَلِذا قالَ مُخْبِرًا عَنِ المُبْتَدَأِ: ﴿يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِبِنْتِ شَفَةٍ مِن شِدَّةِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ في بَعْضِ المَواقِفِ، ويَنْطِقُونَ في بَعْضِها (p-١٨٠)فَإنَّهُ يَوْمٌ طَوِيلٌ ذُو ألْوانٍ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أوْ لا يَنْطِقُونَ بِما يَنْفَعُهم لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا لا يَنْطِقُونَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْفَعُهم.

المرسلات 77:36

ولَمّا كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ما إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وكانَ المُوجِعُ لَهم عَدَمَ الإذْنِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ [دَلالَةً -] عَلى عَدَمِ ناصِرٍ لَهم أوْ فَرَجٍ يَأْتِيهِمْ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ أيْ مِن آذَنَ ما ﴿لَهُمْ﴾ أيْ في كَلامٍ أصْلًا، ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ لَهم إذْنٌ ولا يُوجَدُ مِنهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يَنْظُرَ إلى تَسَبُّبِهِ عَنْ عَدَمِ الإذْنِ لِئَلّا يَفْهَمَ أنَّ لَهم عُذْرًا ولَكِنَّهم لَمْ يُبْدُوهُ لِعَدَمِ الإذْنِ، قالَ رافِعًا عَطْفًا عَلى ”يُؤْذِنُ“ ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى نَفْيِ الإذْنِ ونَفْيِ الِاعْتِذارِ عَقِبَهُ مُطْلَقًا، ولَوْ نَصَبَهُ لَدَلَّ عَلى أنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ اعْتِذارِهِمْ عَدَمُ الإذْنِ فَيَنْقُضُ المَعْنى.

المرسلات 77:37

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا فَظِيعًا تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَ هَذا المَوْقِفُ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ بِالإخْبارِ بِطَمْسِ النُّجُومِ فَجُعِلَتْ عُقُوبَتُهم سُكُوتَهُمُ الَّذِي هو ذَهابُ نُورِ الإنْسانِ لِيَكُونَ كالطَّمْسِ كَذَّبُوا بِهِ.

المرسلات 77:38

ولَمّا ذَكَرَ حَيْرَتَهم ودَهْشَتَهُمُ الَّتِي هي أمارَةُ قَوْلِ الحُكْمِ، وكانَتْ (p-١٨١)مَواطِنَ ذَلِكَ اليَوْمِ تُسَمّى أيّامًا لِتَمامِ الأحْكامِ في كُلِّ مَواطِنٍ مِنها، وتُمَيِّزُهُ بِذَلِكَ عَمّا عَداهُ، قالَ: ﴿هَذا﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمُ كُلُّهُ ﴿يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ بَيْنَ ما اخْتُلِفَ فِيهِ العِبادُ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ العالِي والسّافِلِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿جَمَعْناكُمْ﴾ أيْ يا مُكَذِّبِي هَذِهِ الأُمَّةِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿والأوَّلِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ تُقُدِّمَ أنّا أهْلَكْناهُمْ، وقَدْ كانُوا أكْثَرَ مِنكم عَدَدًا وأعْظَمَ عَدَدًا لِنَفْصِلَ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ ونُصْلِي العَذابَ ونَجْزِي بِالثَّوابِ، وقَدْ كانَ مِنكم مَن يَقُولُ: أنا أكْفِي عَشَرَةً مِن مَلائِكَةِ النّارِ، ثُمَّ أشارَ إلى انْقِطاعِ الأسْبابِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ:

المرسلات 77:39

﴿فَإنْ كانَ لَكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ عَلى وجْهٍ هو ثابِتٌ مِن ذَواتِكم ﴿كَيْدٌ﴾ أيْ مُقاواةٌ بِنَوْعِ حِيلَةٍ أوْ شِدَّةٍ ﴿فَكِيدُونِ﴾ تَقْرِيعٌ لَهم عَلى كَيْدِهِمْ لِأوْلِيائِنا المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا - بِما مَكَّنَهم بِهِ مِنَ الأسْبابِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مَن آذى ولَيَّهُ فَقَدْ آذَنَهُ بِالحَرْبِ عَلى أنَّهم عاجِزُونَ.

المرسلات 77:40

ولَمّا كانُوا أقَلَّ مِن أنْ يُجِيبُوا عَنْ هَذا وأحْقَرَ [مِن -] أنْ يُمْهَلُوا لِلْكَلامِ، قالَ مُتَرْجِمًا لِحالِهِمْ بَعْدَ هَذا الكَلامِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم لَوْ عَقَلُوا بَكَوْا عَلى أنْفُسِهِمُ الآنَ لِأنَّهُ لا حِيلَةَ إذْ ذاكَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ (p-١٨٢)إذْ يُقالُ لَهم هَذا الكَلامُ فَيَكُونُ زِيادَةً في عَذابِهِ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في التَّكْذِيبِ [بِأنَّ السَّماءَ -] تُفْرِجُ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِأنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم بَعْدَ المَوْتِ.

المرسلات 77:41

ولَمّا كانَ الواقِعُ بَعْدَ الفَصْلِ قَرارَ كُلٍّ في دارِهِ، [وكانَ -] قَدْ بَدَأ بِالمُكَذِّبِينَ لِأنَّ التَّحْذِيرَ في السُّورَةِ أعْظَمُ فَفَصَلَهم عَنِ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: انْطَلِقُوا - إلى آخِرِهِ، ثَنّى بِأضْدادِهِمُ الفَرِيقَ النّاجِي المُشارَ إلَيْهِ في آخِرِ الإنْسانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِ الكَفّارِ بِتِلْكَ الدّارِ وبِأنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ أسْعَدَ مِنهُمْ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ كانُوا يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ كُلِّ ما يُغْضِبُ اللَّهَ وِقايَةً مِمّا يُرْضِيهِ لِعَراقَتِهِمْ في هَذا الوَصْفِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ هي في الحَقِيقَةِ الظِّلالُ [لا -] كَما تَقَدَّمَ مِن ظَلَّ الدُّخانُ، ولا يُشْبِهُها أعْلى ظِلٍّ في الدُّنْيا ولا أحْسَنُهُ إلّا بِالِاسْمِ، ودَلَّ [عَلى -] أنَّها عَلى حَقِيقَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿وعُيُونٍ﴾ لِأنَّها تَكُونُ عَنْها الرِّياضُ والأشْجارُ [الكِبارُ -] كَما دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الظِّلَّ المُتَشَعِّبَ لِلتَّهَكُّمِ بِما ذَكَرَ بَعْدَهُ مِن أوْصافِ النّارِ، فَهَذِهِ العُيُونُ تُبْرِدُ الباطِنَ وتَنْبُتُ الأشْجارُ المُظَلَّةُ كَما أنَّ اللَّهَبَ يَحِرُّ الظّاهِرَ والباطِنَ ويُهْلِكُ ما قَرُبَ مِنهُ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ فَلا يَبْقى ولا يَذْرُ.

المرسلات 77:42

(p-١٨٣)ولَمّا ذَكَرَ العُيُونَ، أتْبَعَها ما يَنْشَأُ عَنْها فَقالَ دالًّا عَلى أنَّ عَيْشَهم كُلَّهُ لَذَّةً: ﴿وفَواكِهَ﴾ ولَمّا كانَ يُوجَدُ في فَواكِهِ الدُّنْيا الدُّونُ، قالَ دالًّا عَلى أنَّ عَيْشَهم كُلَّهُ لَذَّةٌ وأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ دُونٌ: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيِ الرَّغْبَةَ.

المرسلات 77:43

ولَمّا فَهِمَ مِنَ التَّعْبِيرِ [ بِ ”فِي“ - ] أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِن هَذا جَمِيعُهُ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ مِن ظَرْفِهِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالفاكِهَةِ جَمِيعُ المَآكِلِ، وإنَّما عَبَّرَ بِها إعْلامًا بِأنَّ كُلَّ أكْلٍ فِيها تَفَكُّهٌ لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ لِجَلْبِ نَفْعٍ غَيْرُ اللَّذَّةِ ولا دَفْعَ ضُرٍّ: ﴿كُلُوا﴾ أيْ مَقُولًا لَهُمْ: تَناوَلُوا جَمِيعَ المَآكِلِ عَلى وجْهِ التَّفَكُّهِ والتَّلَذُّذِ لا لِحِفْظِ الصِّحَّةِ فَإنَّها حاصِلَةٌ بِدُونِهِ ﴿واشْرَبُوا﴾ أيْ مِن جَمِيعِ المُشارِبِ كَذَلِكَ فَإنَّ عُيُونَها لَيْسَتْ مِنَ الماءِ خاصَّةً بَلْ مِن كُلِّ شَرابٍ أكْلًا وشُرْبًا ﴿هَنِيئًا﴾ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَوَقُّعُ ضُرٍّ، وزادَ في نَعِيمِهِمْ بِأنْ جَعَلَ ذَلِكَ عِوَضًا فَقالَ: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ بِجِبِلّاتِكُمُ الَّتِي جَبَلْتُكم عَلَيْها ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى أساسِ العِلْمِ الَّذِي أفادَ التَّصْدِيقَ بِالجَنَّةِ فَأوْجَبَ دُخُولَها كَما أوْجَبَ (p-١٨٤)تَكْذِيبَ المُجْرِمِينَ بِالنّارِ دُخُولَهم إيّاها وعَذابَهم بِها، وتَكْذِيبَهم بِالجَنَّةِ طَرْدُهم عَنْها وحِرْمانُهم لِنَعِيمِها جَزاءً وِفاقًا.

المرسلات 77:44

ولَمّا كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذا [لِناسٍ -] مُعِينِينَ في زَمَنٍ مَخْصُوصٍ - قالَ مُعْلِمًا بِالتَّعْمِيمِ مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى مَن يُنْكِرُ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ كُلَّ مَن كانَ عَرِيقًا في وصْفِ الإحْسانِ لَسْنا كَمُلُوكِ الدُّنْيا، يَعُوقُهم [عَنِ -] الإحْسانِ إلى بَعْضِ المُحْسِنِينَ عِنْدَهم بِما يَرَوْنَهُ جَزاءً لَهم بَعْضُ أهْلِ مَمْلَكَتِهِمْ لِما لَهم مِنَ الأهْوِيَةِ ولِمُلُوكِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ.

المرسلات 77:45

ولَمّا كانَ هَذا النَّعِيمُ عَذابًا [عَظِيمًا -] عَلى مَن لا يَنالُهُ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ [إذْ -] يَكُونُ هَذا النَّعِيمُ لِلْمُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِأنَّ الجِبالَ تُنْسَفُ فَتَكُونُ الأرْضُ كُلُّها سَهْلَةً دَمِثَةً مُسْتَوِيَةً لا عِوَجَ فِيها أصْلًا صالِحٌ لِلْعُيُونِ والأشْجارِ والتَّبَسُّطِ في أرْجائِها كَيْفَما يُرِيدُ صاحِبُها ويَخْتارُ.

المرسلات 77:46

ولَمّا ذَكَرَ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي لا يَنْقَضِي لِأنَّ لَهم غايَةُ المُكْنَةِ فِيهِ، وكانَ ذَلِكَ آجِلًا، وكانَ المُكَذِّبُونَ في اتِّساعٍ في الدُّنْيا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ (p-١٨٥)تَعالى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] وكانَ الشَّقاءُ مَتى وقَعَ بَعْدَ نَعِيمٍ نَسَخَهُ وعْدُ النَّعِيمِ - ولَوْ كانَ كَثِيرًا طَوِيلًا - قَلِيلًا، قالَ نَتِيجَةً لِجَوابِ القَسَمِ ضِدَّ ما يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ تَسْلِيَةً لَهم وتَحْزِينًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِناءً عَلى ما تَقْدِيرُهُ: إنَّ المُكَذِّبِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا في اسْتِدْراجٍ وغُرُورٍ، ويَقُولُ لَهم لِسانُ الحالِ المُعْرِبُ عَنْ أحْوالِهِمْ في المَآلِ تَوْبِيخًا وتَهْدِيدًا: ﴿كُلُوا﴾ أيْ أيُّها المُكَذِّبُونَ في هَذِهِ الدُّنْيا ﴿وتَمَتَّعُوا﴾ أيْ كَذَلِكَ بِمِثْلِ الجِيفَةِ، فَإنَّ المَتاعَ مِن أسْمائِها كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ ﴿قَلِيلا﴾ أيْ وإنِ امْتَدَّ زَمَنُهُ فَإنَّهُ زائِلٌ مَعَ قَصْرِ مُدَّتِهِ في مُدَّةِ الآخِرَةِ، ولا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلى الباقِي النَّفِيسِ إلّا خَسِيسُ الهِمَّةِ، قالَ الرّازِيُّ، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّمَتُّعُ بِالدُّنْيا مِن أفْعالِ الكافِرِينَ، والسَّعْيُ لَها مِن أفْعالِ الظّالِمِينَ، والِاطْمِئْنانُ إلَيْها مِن أفْعالِ الكاذِبِينَ، والسُّكُونُ فِيها عَلى حَدِّ الإذْنِ والأخْذِ مِنها عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِن أفْعالِ عَوامِّ المُؤْمِنِينَ، والإعْراضِ عَنْها مِن أفْعالِ الزّاهِدِينَ، وأهْلُ الحَقِيقَةِ أجْلُّ خَطَرًا مِن أنْ يُؤَثِّرَ فِيهِمْ حُبُّ الدُّنْيا وبُغْضُها وجَمْعُها وتَرْكُها. ولَمّا أحَلَّهم هَذا المَحَلُّ الخَبِيثُ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ العَذابِ بِكم يَوْمَ الفَصْلِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّهم يُنْكِرُونَ وصْفَهم بِذَلِكَ: ﴿إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في قَطْعِ كُلِّ ما أرادَ اللَّهُ بِهِ أنْ (p-١٨٦)يُوصَلَ، فَلا جائِزَ أنْ تُعامِلُوا مُعامَلَةَ المُحْسِنِينَ، فَلِذَلِكَ كانَتْ نَتِيجَةُ هَذا

المرسلات 77:47

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تُعَذَّبُونَ بِإجْرامِكم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِوُصُولِ الرُّسُلِ إلى وقْتِها المَعْلُومِ الَّذِي كانَتْ تَتَوَعَّدُ بِهِ المُجْرِمِينَ في الدُّنْيا حَيْثُ كَذَّبُوهم لِأجْلِ تَمَتُّعِهِمْ هَذا القَلِيلُ الكَدِرِ، وعَرَّضُوا أنْفُسَهم لِلْعَذابِ الدّائِمِ المُسْتَمِرِّ.

المرسلات 77:48

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهم كانُوا في دارِ العَمَلِ إذا قِيلَ لَهم آمِنُوا لا يُؤْمِنُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ مِن أيْ قائِلٍ كانَ ﴿ارْكَعُوا﴾ أيْ صَلُّوا الصَّلاةَ الَّتِي فِيها الرُّكُوعُ، وأطْلَقَهُ عَلَيْها تَسْمِيَةً لَها بِاسْمِ جُزْءٍ مِنها، وخَصَّ هَذا الجُزْءَ لِأنَّهُ يُقالُ عَلى الخُضُوعِ والطّاعَةِ، ولِأنَّهُ خاصٌّ بِصَلاةِ المُسْلِمِينَ، ولِأنَّ بَعْضَ العَرَبِ نَفَرَ عَنِ الدِّينِ مِن أجْلِهِ، وقالَ: لا أجْبِي لِأنَّ فِيهِ - زَعَمَ - إبْرازًا لِلْإسْتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَسَبَّةً، وكَذَلِكَ السُّجُودُ، قالَ في القامُوسِ: جَبى تَجْبِئَةً: وضَعَ يَدَيْهِ عَلى رُكْبَتَيْهِ أوْ عَلى الأرْضِ أوِ انْكَبَّ عَلى وجْهِهِ، والتَّجْبِئَةَ أنْ تَقُومَ قِيامَ الرُّكُوعِ ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ لا يَخْضَعُونَ ولا يُوجِدُونَ الصَّلاةَ فَلِذَلِكَ كانَ وعِيدُهُمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى [أنَّ -] الأمْرَ لِلْوُجُوبِ لِيَسْتَحِقَّ تارِكُهُ العَذابَ وعَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ

المرسلات 77:49

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ (p-١٨٧)أيْ إذْ يَكُونُ الفَصْلُ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِنهُ أوْ بِغَيْرِهِ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وقَدْ كُرِّرَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِعَدَدِ أجْزاءِ طَرَفِ القِسْمِ أوْ أجْزاءِ الجَوابِ لِتَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنها وعِيدًا عَلى التَّكْذِيبِ بِواحِدٍ مِن [تِلْكَ -] الأجْزاءِ، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ العاشِرَةُ مُؤَكِّدَةً لِتِلْكَ التِّسْعِ، وتَكْمِلَةً لِعَدِّها ومَعْناها، ومُعْلِمَةً بِأنَّ الوَيْلَ لَهم دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِضاءٍ كَما أنَّ الواحِدَ لا انْقِضاءَ لَهُ.

المرسلات 77:50

ولَمّا أعْلَمَ هَذا أنَّ لَهُمُ الوَيْلُ دائِمًا، ذَكَرَ أنَّ سَبَبَهُ عَدَمُ الإيمانِ بِالقُرْآنِ وأنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِالقُرْآنِ لَمْ يُؤْمِن بِشَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ مَعْنى الكَلامِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ أيْ ذِكْرٍ يَتَجَدَّدُ نُزُولُهُ عَلى المُرْسَلِ بِهِ في كُلِّ وقْتٍ تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ ﴿بَعْدَهُ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا القُرْآنِ الَّذِي هو شاهِدٌ لِنَفْسِهِ عَنْهُ بِصِحَّةِ النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن جِهَةِ ما حازَ مِنَ البَلاغَةِ في تَراكِيبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ جُمْلَةٍ وبِالنِّسْبَةِ إلى نَظْمِ الجُمَلِ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ، وبِالإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والحَمْلِ عَلى المَعالِي والتَّنْبِيهِ عَلى الحُكْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن بُحُورِ العِلْمِ ورِياضِ الفُنُونِ، فاللَّهُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ هو الشّاهِدُ بِأنَّهُ كَلامُهُ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الإيمانَ بِسَبَبِهِ بِكُلِّ ما أتى بِهِ (p-١٨٨)النَّبِيُّ ﷺ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي اللَّهُ شاهِدٌ بِأنَّهُ كَلامُهُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ إعْجازِهِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ، والمَعانِي الشَّرِيفَةِ الصّالِحَةِ، والنُّظُومِ المُلائِمَةِ لِلطَّبْعِ والرَّقائِقِ المُرَقَّقَةِ لِكُلِّ قَلْبٍ، والبَشائِرِ المُشَوِّقَةِ لِكُلِّ سَمْعٍ، فَمَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ لَمْ يُؤْمِن بِحَدِيثِ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ لا شَيْءَ يُقارِبُهُ ولا يُدانِيهِ، فَكَيْفَ [بِأنْ -] يَدَّعِيَ شَيْءٌ يُبارِيهِ أوْ يُراقِيهِ، ومِثْلُ هَذا إنَّما يُقالُ عِنْدَ مُقارَبَةِ اليَأْسِ مِنَ المَوْعُوظِ والعادَةُ قاضِيَةٌ بِحُلُولِ العَذابِ إذْ ذاكَ وإنْزالِ البَأْسِ، فَهو مِن أعْظَمِ أنْواعِ التَّهْدِيدِ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها في وعِيدِ المُكَذِّبِينَ، وانْطَبَقَ أوَّلُها عَلى آخِرِها في إخْزاءِ المُجْرِمِينَ - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.

النبأ 78:1

(p-١٨٩)سُورَةُ عَمَّ يَتَساءَلُونَ وتُسَمّى النَّبَأُ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى أنْ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي كانُوا مُجْمِعِينَ عَلى نَفْيِهِ، وصارُوا بَعْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ في خِلافٍ فِيهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ ثابِتٍ ثَباتًا لا يَحْتَمِلُ شَكًّا ولا خِلافًا بِوَجْهٍ، لِأنَّ خالِقَ الخَلْقِ مَعَ أنَّهُ حَكِيمٌ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ دَبَّرَهم أحْسَنَ تَدْبِيرٍ، بَنى لَهم مَسْكَنًا وأتْقَنَهُ، وجَعَلَهم عَلى وجْهٍ يَبْقى بِهِ نَوْعُهم مِن أنْفُسِهِمْ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُونَ إلى أمْرٍ خارِجٍ يَرَوْنَهُ، فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ لِأُلْفَتِهِمْ وأعْظَمَ لِأُنْسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وجَعَلَ سَقْفَهم وفِراشَهم كافِلِينَ لِمَنافِعِهِمْ، والحَكِيمُ لا يَتْرُكُ عَبِيدَهُ وهو تامُّ القُدْرَةِ كامِلُ السُّلْطانِ يَمْرَحُونَ يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَأْكُلُونَ خَيْرَهُ ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ بِلا حِسابٍ، فَكَيْفَ إذا كانَ حاكِمًا فَكَيْفَ إذا كانَ أحْكَمَ الحاكِمِينَ، هَذا ما لا يَجُوزُ في عَقْلٍ ولا خَطَرَ بِبالٍ أصْلًا، فالعِلْمُ واقِعٌ بِهِ قَطْعًا، وكُلٌّ مِنِ اسْمَيْها واضِحٌ في ذَلِكَ بِتَأمُّلِ آيَتِهِ ومَبْدَأِ ذِكْرِهِ [و -] غايَتِهِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الحَكِيمِ العَلِيمِ (p-١٩٠)الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي ساوى بَيْنَ عِبادِهِ في أُصُولِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ: الإيجادُ والجاهُ والمالُ، وبَيانُ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ بِالعَقْلِ الهادِي والإنْزالِ والإرْسالِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِإتْمامِ تِلْكَ النِّعَمِ فَوَفَّقَهم لِمَحاسِنِ الأعْمالِ لِما أخْبَرَ في المُرْسَلاتِ بِتَكْذِيبِهِمْ بِيَوْمِ الفَصْلِ وحَكَمَ عَلى أنَّ لَهم بِذَلِكَ الوَيْلِ المُضاعَفِ المُكَرَّرِ، وخَتَمَها بِأنَّهم إنْ كَفَرُوا بِهَذا القُرْآنِ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَهُ بِشَيْءٍ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِأنَّ ما خالَفُوا فِيهِ وكَذَّبُوا الرَّسُولَ في أمْرِهِ لا يَقْبَلُ النِّزاعَ لِما ظَهَرَ مِن بَيانِ القُرْآنِ لِحِكْمَةِ الرَّحْمَنِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيها اثْنانِ مَعَ الإعْجازِ في البَيانِ، فَقالَ مُعْجِبًا مِنهم غايَةَ العَجَبِ زاجِرًا لَهم ومُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ومُتَوَعِّدًا لَهم ومُفَخِّمًا لِلْأمْرِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْقِلُ خِلافَهُمْ، ولا يَعْرِفَ مَحَلَّ نِزاعِهِمْ، فَيَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى العالِمَ بِهِ إعْلامًا بِأنَّ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ لِوُضُوحِهِ لا يُصَدَّقُ أنَّ عاقِلًا يُخالِفُ أمْرَهُ فِيهِ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي التَّساؤُلُ [إلّا -] عَمّا هو خَفِيٌّ فَقالَ: * * ﴿عَمَّ﴾ أيْ عَنْ أيِّ شَيْءٍ - خَفَّفَ لَفْظًا وكِنايَةً بِالإدْغامِ، وحَذَفَ ألِفَهُ لِكَثْرَةِ الدُّورِ والإشارَةِ إلى أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُحْذَفَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَيُخْفى ويُسْتَحى مَن ذَكَرَهُ ويُخَفَّفُ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ لِكُلِّ مَن يَسْألُ (p-١٩١)عَنْ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ سُؤالَ شَكٍّ وتَوَقَّفَ وتَلَدَّدَ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولِشِدَّةِ العَجَبِ سُمِّيَ جِدالُهم وإنْكارُهم وعِنادُهم - إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ وجُلِيَتْ بَيِّناتُهُ - مُطْلَقَ سُؤالٍ.

النبأ 78:2

ولَمّا فَخَّمَ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ مُعْجِبًا مِنهم فِيهِ، بَيْنَهُ بِقَوْلِهِ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ الإيهامَ ما كانَ إلّا لِلْإعْظامِ: ﴿عَنِ النَّبَإ﴾ أيْ مِن رِسالَةِ الرَّسُولِ وإتْيانِهِ بِالكِتابِ المُبِينِ، وإخْبارِهِ عَنْ يَوْمِ الفَصْلِ، والشّاهِدِ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ اللَّهِ بِإعْجازِ هَذا الحَدِيثِ، وبِوَعْدِهِ الجازِمِ الحَثِيثِ. ولَمّا كانَ في مَقامِ التَّفْخِيمِ لَهُ، وصَفَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿العَظِيمِ﴾ مَعَ أنَّ النَّبَأ لا يُقالُ إلّا لِخَبَرٍ عَظِيمٍ [شَأْنُهُ-]، فَفي ذَلِكَ [كُلِّهِ -] تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن حَقِّهِ أنْ يُذْعِنَ لَهُ كُلُّ سامِعٍ ويَهْتَمَّ بِأمْرِهِ، لا أنْ يَشُكَّ فِيهِ ويَجْعَلَهُ مَوْضِعًا لِلنِّزاعِ؛ وعَظَّمَ تَوْبِيخَهم بِقَوْلِهِ:

النبأ 78:3

﴿الَّذِي هُمْ﴾ أيْ بِضَمائِرِهِمْ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّها أقْوَمُ الضَّمائِرِ ﴿فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ أيْ شَدِيدُ اخْتِلافِهِمْ وثَباتِهِمْ فَبَعْضُهم صَدَّقَ وبَعْضُهم كَذَّبَ، والمُكَذِّبُونَ بَعْضُهم شَكَّ وبَعْضُهم جَزَمَ وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وبَعْضُهُمْ: ساحِرٌ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ [مِنَ الأباطِيلِ-]، وذَلِكَ الأمْرُ هو أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أهُمُّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ اشْتَدَّ التِباسُهُ عَلَيْهِمْ وكَثُرَتْ مُراجَعَتُهم فِيهِ ومُساءَلَتُهم عَنْهُ مَعَ عِظَمِهِ وعِظَمِ ظُهُورِهِ، والعَظِيمُ لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ (p-١٩٢)فِيهِ بِوَجْهٍ، فَإنَّ ذا المُرُوءَةِ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَدْخُلَ في أمْرٍ إلّا وهو عَلى بَصِيرَةٍ فَكَيْفَ بِهِ إذا كانَ عَظِيمًا فَكَيْفَ بِهِ إذا تَناهى عِظَمُهُ فَكَيْفَ بِهِ إذا كانَ أهَمَّ ما يُهِمُّهُ فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أنْ يَبْحَثَ عَنْهُ غايَةَ البَحْثِ ويَطْلُبَ فِيهِ الأدِلَّةَ ويَفْحَصَ عَنِ البَراهِينِ ويَسْتَوْضِحَ الحُجَجَ حَتّى يَصِيرَ مَن أمْرِهِ بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ مِن حِينِ يَبْلُغُ مَبْلَغَ الرِّجالِ إلى أنْ يَمُوتَ فَكَيْفَ إذا كانَ بِحَيْثُ تُتْلى عَلَيْهِمُ الأدِلَّةُ وتُجْلى لَدَيْهِ قَواطِعُ الحُجَجِ وتَجْلِبُ إلَيْهِ البَيِّناتُ وهو يُكابِرُ فِيهِ ويُمارِي، ويُعانِدُ ويُدارِي. قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: سُورَةُ النَّبَأِ أمّا مُطْلَقُها فَمُرَتَّبٌ عَلى تَساؤُلٍ واسْتِفْهامٍ وقَعَ مِنهم وكَأنَّهُ وارِدٌ هُنا في مَعْرِضِ العُدُولِ والِالتِفاتِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبإ: ٤] ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبإ: ٥] فَمُناسِبٌ لِلْوَعِيدِ المُتَكَرِّرِ في قَوْلِهِ: ”ويْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ“ وكَأنَّ قَدْ قِيلَ: سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ أوْرَدَ تَعالى مِن جَمِيلِ صُنْعِهِ وما إذا اعْتَبَرَهُ المُعْتَبِرُ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ شَيْءٌ مِنهُ عَبَثًا بَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ ويُسْتَوْضِحُ وجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وقْتٍ يَنْكَشِفُ فِيهِ الغِطاءُ ويُجازِي الخَلائِقَ عَلى نِسْبَةٍ مِن أحْوالِهِمْ في الِاعْتِبارِ والتَّدَبُّرِ والخُضُوعِ لِمَن نَصَبَ مَجْمُوعَ (p-١٩٣)تِلْكَ الدَّلائِلِ، ويَسْتَشْعِرُ مِن تَكْرارِ الفُصُولِ وتَجَدُّدِ الحالاتِ وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، جَرى ذَلِكَ في البَعْثِ واطِّرادِ الحُكْمِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ [الأعراف: ٥٧] وقالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٦] فَهَذِهِ المَصْنُوعاتُ المَقْصُودُ بِها الِاعْتِبارُ كَما قَدَّمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧] أيْ مَوْعِدًا لِجَزائِكم لَوِ اعْتَبَرْتُمْ بِما ذَكَرَ لَكم لَعَلِمْتُمْ مِنهُ وُقُوعَهُ وكَوْنَهُ لِيَقَعَ جَزاؤُكم عَلى ما سَلَفَ مِنكم ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ويَشْهَدُ لِهَذا القَصْدِ مِمّا بَعُدَ مِنَ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى لِما ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلطّاغِينَ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ [النبإ: ٢٧] ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ [النبإ: ٢٨] ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ [النبإ: ٢٩] ثُمَّ قالَ بَعْدُ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ [النبإ: ٣١] ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ [النبإ: ٣٢] وقَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبإ: ٣٩] وأمّا الحَياةُ الدُّنْيا فَلَعِبٌ ولَهْوٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ، وقَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ويَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] انْتَهى.

النبأ 78:4

ولَمّا كانَ [الأمْرُ -] مِنَ العَظَمَةِ في هَذا الحَدِّ قالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وسَألُوا عَنْهُ لَيْسَ مَوْضِعًا لِلِاخْتِلافِ والتَّساؤُلِ بِأداةِ الرَّدْعِ، فَقالَ تَهْدِيدًا لَهم وتَوْكِيدًا لِوَعِيدِهِمْ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ ما سَألُوا عَنْهُ واخْتَلَفُوا فِيهِ بِمَوْضِعِ اخْتِلافٍ أصْلًا، ولا يَصِحُّ أنْ يَطْرُقَهُ رَيْبٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَلْيَنْزَجِرُوا عَنْ ذَلِكَ ولِيَرْتَدِعُوا قَبْلَ (p-١٩٤)حُلُولِ ما لا قُبِلَ لَهم بِهِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ يَنْقَطِعُ ما هم فِيهِ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ مُهَدِّدًا حاذِفًا مُتَعَلِّقَ العِلْمِ لِلتَّهْوِيلِ لِأجْلِ ذَهابِ النَّفْسِ كُلَّ مَذْهَبٍ: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَصِلُونَ إلى حَدٍّ يَكُونُ حالُهم فِيهِ في تَرْكِ العِنادِ حالَ العالَمِ بِكُلِّ ما يَنْفَعُهم ويَضُرُّهُمْ، وهَذا عَنْ قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، ويَكُونُ لَهم حِينَئِذٍ عَيْنُ اليَقِينِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ دِفاعُهُ بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ الَّذِي دافَعُوهُ، وعَظُمَ رُتْبَةُ هَذا الرَّدْعِ والتَّهْدِيدِ والزَّجْرِ والوَعِيدِ بِقَوْلِهِ:

النبأ 78:5

﴿ثُمَّ كَلا﴾ أيْ أنَّ أمْرَهُ في ظُهُورِهِ رادِعٌ عَنِ الِاخْتِلافِ في أمْرِهِ ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ قَبْلَهُ ما يَكُونُ مِن أمْرِهِ بِوَعْدٍ صادِقٍ لا شَكَّ فِيهِ، ويَصِيرُ حالُهم إذْ ذاكَ حالَ العالَمِ في كَفِّهِمْ عَنِ العِنادِ، وهم بَيْنَ ذَلُولٍ وذَلِيلٍ وحَقِيرٍ وجَلِيلٍ، فَأمّا مَنِ اخْتَرْناهُ مِنهُ لِلْإيمانِ فَيَكُونُ ذَلُولًا، ومَن أرَدْنا شَقاءَهُ بِالكُفْرانِ فَتَراهُ ناكِسًا ذَلِيلًا، ويَشْتَرِكُ الكُلُّ بِالذَّوْقِ في حَقِّ اليَقِينِ، و[قَدْ -] كانَ هَذا كَما قالَ الجَلِيل بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ، عِنْدَما أوْقَعَتْهم أيّامُ اللَّهِ وأرْغَمَتْ مِنهُمُ الأُنُوفَ وأذَلَّتِ الجِباهَ، وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ عَلى ما قِيلَ عَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ في الوَعِيدِ وأدَلُّ عَلى الِاسْتِعْطافِ لِلْمَتابِ.

النبأ 78:6

(p-١٩٥)ولَمّا حَقَّقَ لَهم أمْرَهُ تَحْقِيقَ مَن هو عَلى غايَةِ الوُثُوقِ بِما يَقُولُ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما لا يَحْتَمِلُ شَكًّا ولا وقْفَةً أصْلًا، فَقالَ مُقَرِّرًا لَهم ومُنْكِرًا عَلَيْهِمُ التَّساؤُلَ [ بِما نَدَبَ إلَيْهِ مِنَ التَّأمُّلِ وقَرَّرَ بِهِ مِنَ النَّظَرِ في باهِرِ آياتِهِ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي أبْدَعَها - ] مِنَ العَدَمِ دَلالَةً تامَّةً عَظِيمَةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ مَعَ تَمامِ الحِكْمَةِ المُوجِبِ لِلْقَطْعِ بِكُلِّ ما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ مِنَ الشَّرائِعِ والبَعْثِ والجَزاءِ بادِئًا بِما هم [لَهُ -] أشَدَّ مُلابَسَةً وهو الظَّرْفُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الأرْضَ مِهادًا﴾ أيْ فِراشًا لَكم مَوْطِئًا مُذَلَّلًا يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْهِ لِتَتَصَرَّفُوا فِيها كَما شِئْتُمْ

النبأ 78:7

﴿والجِبالَ﴾ أيْ تَعْرِفُونَ شِدَّتَها وعَظَمَتَها وعَجْزُكم عَنْ أقَلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِها ﴿أوْتادًا﴾ تُثَبِّتُها كَما أنَّ البَيْتَ لا يُثَبَّتُ إلّا بِأوْتادِهِ، قالَ الأفْوَهُ الأوْدِيُّ: ؎والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا لَهُ عُمَدٌ ∗∗∗ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادُ وذَلِكَ لِئَلّا تَمِيدَ [بِكم -] فَإنَّها مُعَلَّقَةٌ عَلى فَضاءِ العِلْمِ مُمْسِكَةٌ بِيَدِ القُدْرَةِ، فَلَوْلا الجِبالُ لِعِظَمِ ثِقَلِها لِأنَّها بِمَنزِلَةِ السَّفِينَةِ العالِيَةِ الفارِغَةِ عَلى مَتْنِ البَحْرِ فَهي في غايَةِ الحَرَكَةِ لا سِيَّما إذا عَظُمَتِ الرِّيحُ فَإنَّها حِينَئِذٍ لا يَسْتَقِرُّ عَلَيْها قائِمٌ ولا يَثْبُتُ قاعِدٌ ولا نائِمٌ، فالجِبالُ بِمَنزِلَةِ الأمْتِعَةِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي تُنْزِلُها في الماءِ فَتُحَفَّظُ عَنْ كَثْرَةِ التَّقَلُّبِ فَكَيْفَ يَصِحُّ بِوَجْهٍ أنْ يَتَوَقَّفَ في إخْبارِ (p-١٩٦)مَن هَذِهِ قُدْرَتُهُ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ المُخْبِرُ بِهِ مِمّا رَكَّزَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ في الفِطْرِ الأُولى وقَرَّرَ صِحَّتَهُ في العُقُولِ التَّقْرِيرَ الأوْضَحَ الأجْلى.

النبأ 78:8

ولَمّا ذَكَّرَ بِما في الظَّرْفِ الَّذِي هو فَرْشُهم مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِما في المَظْرُوفِ وهو أنْفُسُهم لِتَجْتَمِعَ آياتُ الأنْفُسِ والآفاقِ فَيَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهُ الحَقُّ فَقالَ: ﴿وخَلَقْناكُمْ﴾ أيْ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِن مَظاهِرِ العَظَمَةِ ﴿أزْواجًا﴾ طِوالًا وقِصارًا وحِسانًا ودِمامًا وذُكْرانًا وإناثًا لِجَمِيعِ أصْنافِكُمُ عَلى تَباعُدِ أقْطارِهِمْ وتَنائِي دِيارِهِمْ لِتَدُومَ أنْواعُكم إلى الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ انْقِطاعُكم.

النبأ 78:9

ولَمّا ذَكَرَ ما هو سَبَبٌ لِبَقاءِ النَّوْعِ، ذَكَرَ ما هو سَبَبٌ لِحِفْظِهِ مِن إسْراعِ الفَسادِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نَوْمَكُمْ﴾ الَّذِي رَكَّبْنا البَدَنَ عَلى قَبُولِهِ ﴿سُباتًا﴾ [أيْ -] قَطْعًا عَنِ الإحْساسِ والحَرَكَةِ الَّتِي أتْعَبَتْكم في نَهارِكم مَعَ الِامْتِدادِ والِاسْتِرْسالِ إراحَةً لِلْقُوى الحَيَوانِيَّةِ والحَواسِّ الجُثْمانِيَّةِ وإزاحَةً لِكِلالَها مَعَ أنَّهُ قاطِعٌ لِكَمالِ الحَياةِ، فَهو مُذَكَّرٌ بِالمَوْتَةِ الكُبْرى والِاسْتِيقاظُ مُذَكَّرٌ بِالعَبَثِ، قالَ الزُّجّاجُ: السُّباتُ أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ فِيهِ. (p-١٩٧)

النبأ 78:10

ولَمّا ذَكَرَ النَّوْمَ، اتْبَعَهُ وقْتُهُ الألْيَقُ بِهِ مُذَكِّرًا بِنِعْمَةِ الظَّرْفِ الزَّمانِيِّ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِالظَّرْفِ المَكانِيِّ، فَقالَ دالًّا بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ عَلى عِظَمِهِ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ أيْ بَعْدَ ذَهابِ الضِّياءِ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ ﴿لِباسًا﴾ أيْ غِطاءً وغِشاءً ساتِرًا بِظُلْمَتِهِ ما أتى عَلَيْهِ عَنِ العُيُونِ كَما يَسْتُرُهُ اللِّباسُ لِتَسْكُنُوا فِيهِ عَنِ المَعاشِ

النبأ 78:11

﴿وجَعَلْنا النَّهارَ﴾ أيِ الَّذِي آيَتُهُ الشَّمْسُ ﴿مَعاشًا﴾ أيْ وقْتًا لِلتَّقَلُّبِ الَّذِي هو مِن أسْبابِ التَّحْصِيلِ الَّذِي هو مِن أسْبابِ المَعاشِ، وهو العَيْشُ ووَقْتُهُ ومَوْضِعُهُ، مُظْهِرًا لِما سَتَرَهُ اللَّيْلُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ اللِّباسَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا والمَعاشِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا.

النبأ 78:12

ولَمّا ذَكَرَ المِهادَ وما فِيهِ، أتْبَعَهُ السَّقْفَ الَّذِي بِدَوَرانِهِ يَكُونُ الوَقْتُ والزَّمانُ وما يَحْوِيهِ مِنَ القَنادِيلِ الزّاهِرَةِ والمَنافِعِ الظّاهِرَةِ لِإحْياءِ المِهادِ ومِن فِيهِ مِنَ العِبادِ فَقالَ: ﴿وبَنَيْنا﴾ أيْ بِناءً عَظِيمًا ﴿فَوْقَكُمْ﴾ أيْ عامًّا لِجَمِيعِ جِهَةِ الفَوْقِ، وهي عِبارَةٌ تَدُلُّ عَلى الإحاطَةِ ﴿سَبْعًا﴾ أيْ مِنَ السَّماواتِ ﴿شِدادًا﴾ أيْ هي في غايَةِ القُوَّةِ والإحْكامِ، لا صَدْعَ فِيها ولا فَتْقَ، لا يُؤَثِّرُ فِيها كَرًّ العُصُورِ ولا مَرُّ الدُّهُورِ، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهُ بِإظْهارِ عَظائِمِ المَقْدُورِ.

النبأ 78:13

ولَمّا ذَكَرَ السَّقْفَ: ذَكَرَ [بَعْضَ -] ما فِيهِ [ مِن أُمَّهاتِ المَنافِعِ - ] فَقالَ دالًّا بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ عَلى عِظَمِها: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُنا (p-١٩٨)﴿سِراجًا﴾ أيْ نَجْمًا مُنِيرًا جِدًّا ﴿وهّاجًا﴾ أيْ هو مَعَ تَلَأْلُئِهِ وشِدَّةِ ضِيائِهِ حارٌّ مُضْطَرِمُ الِاتِّقادِ وهو الشَّمْسُ، مِن قَوْلِهِمْ: وهَجَ الجَوْهَرُ: تَلَأْلَأ، والجَمْرُ: اتَّقَدَ.

النبأ 78:14

ولَمّا ذَكَرَ ما يَمْحَقُ الرُّطُوبَةَ بِحَرارَتِهِ، أتْبَعَهُ ما يُطْفِئُ الحَرارَةَ بِرُطُوبَتِهِ وبُرُودَتِهِ فَيَنْشَأُ عَنْهُ المَأْكَلُ والمَشْرَبُ، الَّتِي بِها تَمامُ الحَياةِ ويَكُونُ تَوَلُّدُها مِنَ الظَّرْفِ بِالمِهادِ والسَّقْفِ، وجَعَلَ ذَلِكَ أشْبَهَ شَيْءٍ بِما يَتَوَلَّدُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الأوْلادِ، فالسَّماءُ كالزَّوْجِ والأرْضُ كالمَرْأةِ، والماءُ كالمَنِيِّ، والنَّباتُ مِنَ النَّجْمِ [والشَّجَرِ -] كالأوْلادِ فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ أيْ مِمّا يَعْجِزُ غَيْرُنا ﴿مِنَ المُعْصِراتِ﴾ أيِ السَّحائِبُ الَّتِي أثْقَلَتْ بِالماءِ فَشارَفَتْ أنْ يَعْصِرَها الرِّياحُ فَتُمْطِرَ كَما حَصَدَ الزَّرْعُ - إذا حانَ لَهُ أنْ يَحْصُدَ، قالَ الفَرّاءُ: المُعْصِرُ، السَّحابَةُ الَّتِي تَتَحَلّى بِالمَطَرِ ولا تُمْطِرُ كالمَرْأةِ المُعْصِرَةِ وهي الَّتِي دَنا حَيْضُها ولَمْ تَحِضْ، [و -] قالَ الرّازِيُّ: السَّحائِبُ الَّتِي دَنَتْ أنْ تُمْطِرَ كالمُعْصِرَةِ الَّتِي دَنَتْ مِنَ الحَيْضِ ﴿ماءً ثَجّاجًا﴾ أيْ مُنْصَبًّا بِكَثْرَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، يُقالُ: ثَجَّهُ وثَجَّ بِنَفْسِهِ.

النبأ 78:15

ولَمّا ذَكَرَ بِدايَتَهُ، أتْبَعَها نِهايَتَهُ فَقالَ: ﴿لِنُخْرِجَ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي رَبَطَنا بِها المُسَبِّباتِ بِالأسْبابِ ﴿بِهِ﴾ أيِ الماءِ [تَسْبِيبًا -] ﴿حَبًّا﴾ (p-١٩٩)أيْ نَجْمًا ذا حُبٍّ هو مَقْصُودُهُ لِأنَّهُ يَقْتاتُهُ العِبادَ، صَرَّحَ بِهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ وبَدَأ بِهِ لِأنَّهُ القُوتُ الَّذِي بِهِ البَقاءُ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما ﴿ونَباتًا﴾ يَتَفَكَّهُونَ ويَتَنَزَّهُونَ فِيهِ وتَعْتَلِفُهُ البَهائِمُ.

النبأ 78:16

ولَمّا كانَ مِنَ المَشاهِدِ الَّذِي لا يُسَوِّغُ إنْكارَهُ أنَّ في الأرْضِ مِنَ البَساتِينِ ما يَفُوتُ الحَصْرَ، عَبَّرَ بِجَمْعِ القِلَّةِ تَحْقِيرًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى باهِرِ العَظَمَةِ ونافِذِ الكَلِمَةِ فَقالَ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ تَجْمَعُ أنْواعَ الأشْجارِ والنَّباتِ المُقْتاتِ وغَيْرِهِ ﴿ألْفافًا﴾ أيْ مُلْتَفَّةَ الأشْجارِ مُجْتَمِعَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ مِن شِدَّةِ الرَّيِّ، جَمْعُ لَفِّ كَجِذْعٍ، قالَ البَغَوِيُّ: وقِيلَ: هو جَمْعُ الجَمْعِ، يُقالُ: جَنَّةٌ لِفاءُ، وجَمْعُها لُفٌّ - بِضَمِّ اللّامِ، وجَمْعُ الجَمْعِ ألْفافٌ. وتَضَمَّنَ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المِياهُ النّابِعَةُ الجارِيَةُ والواقِفَةُ، فاكْتَفى بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِها، قالَ مُقاتِلٌ: وكُلٌّ مِن هَذا الَّذِي ذَكَرَ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.

النبأ 78:17

ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى غايَةِ القُدْرَةِ ونِهايَةِ الحِكْمَةِ فَدَلَّ قَطْعًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّعَدُّدُ لَمْ تَكُنِ الحِكْمَةُ ولَمْ تَتِمَّ القُدْرَةُ، فَأثْمَرَ المَحَبَّةَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، فَأُنْتِجَ لِلطّائِعِ الشَّوْقُ إلى لِقائِهِ والتَّرامِي إلى مُطالَعَةِ كَمالِ نَعْمائِهِ، ولِلْعاصِي ما هو حَقِيقٌ بِهِ مِنَ الخَوْفِ مِن لِقائِهِ لِيَرُدَّهُ [ذَلِكَ-] (p-٢٠٠)عَنْ إعْراضِهِ وإبائِهِ، أتَّبِعْ ما أعْلَمُ أنَّهُ ما ذَكَرَهُ إلّا لِلدَّلالَةِ عَلى النَّبَأِ العَظِيمِ في لِقاءِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ، فَقالَ مُنْتِجًا عَمّا مَضى مِنَ الوَعِيدِ وما دَلَّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ [أيِ -] الَّذِي هو النَّبَأُ العَظِيمُ، وتَقَدَّمَ الإنْذارُ بِهِ في المُرْسَلاتِ وما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِجَمْعِهِمْ فِيهِ وإظْهارِ صِفاتِ الكَمالِ لِيَفْصِلَ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ مُلْبِسٍ فَصْلًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ويُؤْخَذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ ﴿كانَ﴾ أيْ في عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ كَوْنًا لا بُدَّ مِنهُ جُعِلَ فِيهِ كالجِبِلَّةِ في ذَوِي الأرْواحِ ﴿مِيقاتًا﴾ أيْ حَدًّا يُوَقِّتُ بِهِ الدُّنْيا وتَنْتَهِي عِنْدَهُ مَعَ ما فِيها مِنَ الخَلائِقِ.

النبأ 78:18

ولَمّا ذَكَرَهُ، ذَكَرَ ما فِيهِ تَعْظِيمًا لَهُ وحَثًّا عَلى الطّاعَةِ فَقالَ مُبَدِّلًا مِنهُ أوْ مُبَيِّنًا لَهُ: ﴿يَوْمَ﴾ ولَمّا كانَ الهائِلُ المُفْزِعُ النَّفْخُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ ﴿يُنْفَخُ﴾ أيْ مِن نافِخٍ أذِنَ اللَّهُ لَهُ ﴿فِي الصُّورِ﴾ وهو قَرْنٌ مِن نُورٍ عَلى ما قِيلَ سِعَتُهُ أعْظَمُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وهي نَفْخَةُ البَعْثِ وهي الثّانِيَةُ مِنَ النَّفَخاتِ الأرْضُ كَما مَرَّ في آخِرِ الزُّمَرِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَتَأْتُونَ﴾ أيْ بَعْدِ القِيامِ مِنَ القُبُورِ إلى المَوْقِفِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ لا تَفْقِدُونَ مِن أعْضائِكم وجُلُودِكم وأشْعارِكم وأظْفارِكم وألْوانِكُمُ الأصْلِيَّةِ شَيْئًا يَجْمَعُكم مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ تَمَزَّقْتُمْ (p-٢٠١)فِيها، واخْتَلَطَ تُرابُ مَن بَلِيَ مِنكم بِتُرابِها وتُرابُ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، وتَمْيِيزُ ذَلِكَ وجَمْعُهُ وتَرْكِيبُهُ كَما كانَ وإعادَةُ الرُّوحِ فِيهِ يَسِيرُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن نُطْفَةٍ بَعْدَ أنْ فَعَلَهُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ لا أصْلَ لَهُ في الحَياةِ، حالَ كَوْنِكم ﴿أفْواجًا﴾ أيْ أُمَمًا وزُمَرًا وجَماعاتٍ مُشاةً مُسْرِعِينَ كُلُّ أُمَّةٍ بِإمامِها، رَوى الثَّعْلَبِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وقالَ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ في تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زُهَيْرٍ في لِسانِ المِيزانِ: إنَّهُ ظاهِرُ الوَضْعِ - «أنَّ مُعاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَألَ عَنْ هَذِهِ الأفْواجِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ أُمَّتِي تُحْشَرُ عَلى عَشَرَةِ أصْنافٍ: عَلى صُوَرِ القِرَدَةِ، وعَلى صُوَرِ الخَنازِيرِ، وبَعْضٌ مُنَكَّسُونَ يُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وبَعْضٌ عُمْيٌ وبَعْضٌ صُمٌّ بُكْمٌ، وبَعْضٌ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهُمْ، فَهي مُدَلّاةٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القَيْحُ مِن أفْواهِهِمْ يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضٌ مُنْقَطِعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ، وبَعْضٌ مَصْلُوبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضٌ أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضٌ مُلَبِّسُونَ جَبابًا [ سابِغَةً - ] مِن قَطْرانٍ لازِقَةٍ بِجُلُودِهِمْ، فَسَرَّهم بِالقَتّاتِ وآكِلِي السُّحْتِ وأكَلَةِ الرِّبا والجائِرِينَ في الحُكْمِ والمُعْجَبِينَ بِأعْمالِهِمْ والعُلَماءِ (p-٢٠٢)الَّذِينَ يُخالِفُ قَوْلُهم فِعْلَهم والمُؤْذِينَ لِلْجِيرانِ والسّاعِينَ بِالنّاسِ لِلسُّلْطانِ، والتّابِعِينَ لِلشَّهَواتِ المانِعِينَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى والمُتَكَبِّرِينَ خُيَلاءَ“» .

النبأ 78:19

ولَمّا ذَكَرَ الآيَةَ في أنْفُسِهِمْ ذَكَرَ بَعْضَ آياتِ الآفاقِ، وبَدَأ بِالعَلَوِيِّ لِأنَّهُ أشْرَفَ فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُفْزِعَ مُطْلَقُ التَّفْتِيحِ، ولِأنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى قُدْرَةِ الفاعِلِ وهَوانِ الأُمُورِ عَلَيْهِ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ أيْ شَقَّقَ هَذا الجِنْسَ تَشْقِيقًا كَبِيرًا، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالتَّخْفِيفِ لِأنَّ التَّكْثِيرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَّبَ عَنِ الفَتْحِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكانَتْ﴾ أيْ [ كُلُّها - ] كَيْنُونَةً كَأنَّها جِبِلَّةٌ لَها ﴿أبْوابًا﴾ أيْ كَثِيرَةً جِدًّا لِكَثْرَةِ الشُّقُوقِ الكَبِيرَةِ بِحَيْثُ صارَتْ كَأنَّها لا حَقِيقَةَ لَها إلّا الأبْوابُ.

النبأ 78:20

ولَمّا ذَكَرَ السَّقْفَ، ذَكَرَ أقْرَبَ الأرْضِ إلَيْهِ وأشَدَّها، فَقالَ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ أيْضًا: ﴿وسُيِّرَتِ﴾ أيْ حُمِلَتْ بِأيْسَرِ أمْرٍ عَلى السَّيْرِ ﴿الجِبالُ﴾ عَلى ما تَعْلَمُونَ مِن صَلابَتِها وصُعُوبَتِها في الهَواءِ كَأنَّها الهَباءُ المَنثُورُ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَكانَتْ﴾ أيْ كَيْنُونَةً راسِخَةً ﴿سَرابًا﴾ أيْ لا نَرى فِيها إلّا خَيالًا يَتَراءى وهي سائِرَةٌ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ثُمَّ تَخْفى لِتَناثُرِ أجْزائِها كالهَباءِ - يا لَها مِن عَظَمَةٍ تَجِبُ لَها القُلُوبُ وتَتَعاظَمُ الكُرُوبُ.

النبأ 78:21

(p-٢٠٣)ولَمّا بَيَّنَ أنْ يَوْمَ الفَصْلِ هو النَّبَأُ العَظِيمُ بَعْدَ أنْ دَلَّ عَلَيْهِ وذَكَرَ ما فِيهِ مِنَ المُسَيَّرِ، ذَكَرَ ما إلَيْهِ مِنَ الدّارَيْنِ المَصِيرُ، فَقالَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِما في الجِبالِ مِنَ العَذابِ بِحَزُونَتِها وما فِيها مِنَ السِّباعِ والحَشَراتِ والأشْجارِ الشّائِكَةِ والقَواطِعِ المُتَشابِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عَجائِبِ التَّقْدِيرِ مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ﴾ أيِ النّارَ الَّتِي تُلْقى أصْحابُها مُتَجَهِّمَةً لَهم بِغايَةِ ما يَكْرَهُونَ ﴿كانَتْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وخُلُقًا ﴿مِرْصادًا﴾ أيْ مَوْضِعَ رَصْدٍ لِأعْداءِ اللَّهِ تَرْصُدُهم فِيها خَزَنَةُ النّارِ، فَإذا رَأوْهم كَرْدَسُوهم فِيها، ولِأوْلِياءِ اللَّهِ تَرْصُدُهم فِيها خَزَنَةُ الجَنَّةِ لِإنْجائِهِمْ مِنَ النّارِ عِنْدَ وُرُودِها أوْ هي راصِدَةٌ بَلِيغَةُ الرَّصْدِ لِلْكُفّارِ حَتّى صارَتْ مُجَسِّدَةً مِنَ الرَّصْدِ لِتَجَمُّعِ أصْحابِها فَلا يَفُوتُ مِنهم واحِدٌ كالمِطْعانِ لِكَثِيرِ الطَّعْنِ، والمِكْثارُ لِلْمُبالَغِ في الإكْثارِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ سَبْعَةَ مَجالِسٍ يَسْألُ عِنْدَ أوَّلِها عَنْ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإنْ جاءَ بِها تامَّةً جازَ إلى [ الثّانِي فَيَسْألُ عَنِ الصَّلاةِ، فَإنْ جاءَ بِها تامَّةً جازَ إلى الثّالِثِ (p-٢٠٤)فَيَسْألُ عَنِ الزَّكاةِ فَإنْ جاءَ بِها تامَّةً جازَ إلى الرّابِعِ فَيَسْألُ عَنِ الصَّوْمِ، فَإنْ جاءَ بِهِ تامًّا جازَ إلى - ] الخامِسِ فَيَسْألُ عَنِ الحَجِّ، فَإنْ جاءَ بِهِ تامًّا جازَ إلى السّادِسِ فَيَسْألُ عَنِ [ العُمْرَةِ فَإنْ جاءَ بِها تامَّةً جازَ إلى السّابِعِ فَيَسْألُ عَنِ - ] المَظالِمِ، فَإنْ خَرَجَ مِنها وإلّا قِيلَ: انْظُرُوا فَإنْ كانَ لَهُ تَطَوُّعٌ تُكْمِلُ بِهِ أعْمالَهُ. فَإذا فَرَغَ انْطَلَقَ بِهِ إلى الجَنَّةِ.

النبأ 78:22

ولَمّا كانَ دَرْءُ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، قَدَّمَ ذِكْرَ المُخَوِّفِ فَقالَ: ﴿لِلطّاغِينَ﴾ أيِ المُجاوَزِينَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴿مَآبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا ومَأْوًى بَعْدَ أنْ كانَ اللَّهُ ذَرَأهم لَها فَكَأنَّهم كانُوا فِيها ثُمَّ هَيَّأهم لِلْخُرُوجِ مِنها والبُعْدِ عَنْها بِفِطَرِهِمُ الأُولى، ثُمَّ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ وأرْسَلَ مِنَ الرُّسُلِ فَكَأنَّهُ بِذَلِكَ أخْرَجَهم مِنها، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْها بِما أحْدَثُوا مِنَ التَّكْذِيبِ.

النبأ 78:23

ولَمّا ذَكَرَ مَصِيرَهم إلَيْها ذَكَرَ إقامَتَهم فِيها فَقالَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”الطّاغِينَ“: ﴿لابِثِينَ فِيها﴾ ولَمّا كانَ جَمْعُ القِلَّةِ يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ فَكانَ الحُقْبُ يُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ مِن غَيْرِ حَدٍّ، ويُطْلَقُ عَلى زَمانٍ مَحْدُودٍ، فَقِيلَ عَلى ثَمانِينَ سَنَةٍ، وعَلى سَبْعِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَكانَ السِّياقُ مِن تَصْدِيرِ السُّورَةِ بِالنَّبَأِ وبِوَصْفِهِ مَعَ التَّعْبِيرِ بِالنَّبَأِ العَظِيمِ وما بَعْدَ ذَلِكَ يَفْهَمُ أنَّ المُرادَ (p-٢٠٥)الدَّوامَ إنْ أُرِيدَ ما لا حَدَّ لَهُ وأنَّ المُرادَ إنْ أُرِيدَ المَحْدُودُ جَمْعَ الكَثْرَةِ، وأكْثَرُ ما فَسَّرَ بِهِ الحِقْبُ، وأنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ لا التَّحْدِيدِ، كانَ جَمْعُ القِلَّةِ هُنا غَيْرَ مُشْكِلٍ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى ما دُونُ ذَلِكَ فَكَفاهُ زاجِرًا لَمْ يَضُرْهُ التَّعْبِيرُ [ بِهِ- ]، ومَنِ اجْتَرَأ عَلَيْهِ واسْتَهانَ بِهِ كانَ فِتْنَةً لَهُ كَما كانَ حَصْرُ عَدَدِ الخَزَنَةِ لِلنّارِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ فَلَمْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ ظَرْفِ اللُّبْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْقابًا﴾ أيْ دُهُورًا عَظِيمَةً مُتَتابِعَةً لا انْقِضاءَ لَها عَلى أنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ - ولَوْ حَمَلَ عَلى الأقَلِّ وجَعَلَ مُنْقَضِيًا - لا يُنافِي ما صَرَّحَ فِيهِ بِالخُلُودِ لِأنَّهُ أثْبَتَ شَيْئًا ولَمْ يَنْفِ ما فَوْقَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ [ قالَ- ]: لا يَكادُ يُذْكَرُ الحِقْبُ إلّا حَيْثُ يُرادُ تَتابُعُ الأزْمِنَةِ وتَوالِيها مِن غَيْرِ انْقِضاءٍ.

النبأ 78:24

ولَمّا كانَ المَسْكَنُ لا يَصْلُحُ إلّا بِالِاعْتِدالِ والماءِ الَّذِي هو حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَ ذاكِرًا حالَ هَذا اللُّبْثِ: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ أيْ ساعَةً ما فَكَيْفَ بِما فَوْقَ الذَّوْقِ ﴿فِيها﴾ أيِ النّارِ خاصَّةً، وكَأنَّهُ أشارَ بِتَقْدِيمِهِ إلى أنَّهم يَذُوقُونَ في دارٍ أُخْرى الزَّمْهَرِيرَ ﴿بَرْدًا﴾ أيْ رُوحًا وراحَةً لِنَفْعِهِمْ مِنَ الحَرِّ أوْ مُطْلَقِ البَرْدِ ﴿ولا شَرابًا﴾ مِن ماءٍ أوْ غَيْرِهِ يُغْنِيهِمْ مِنَ العَطَشِ (p-٢٠٦)عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ

النبأ 78:25

﴿إلا﴾ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّرابِ ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ ماءً حارًّا يَشْوِي الوُجُوهَ قَدِ انْتَهى حَرُّهُ ”و“ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّرابُ مَعَ حَرارَتِهِ، أوِ البَرْدِ ”غساقًا“ أيْ عُصارَةَ أهْلِ النّارِ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ البارِدِ المُنْتِنِ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُوَزَّعُ الحَمِيمِ مِنَ الشَّرابِ والغَسّاقِ مِنَ البَرْدِ، فالحَمِيمُ شَرابُهم في دَوْلَةِ السَّعِيرِ، والغَسّاقُ في دَوْلَةِ الزَّمْهَرِيرِ.

النبأ 78:26

ولَمّا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا العَذابِ [ الَّذِي لا يُطاقُ، ذَكَرَ حِكْمَتَهُ - ] قالَ إنَّهُ جَزاهم بِذَلِكَ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ أيْ ذا وِفاقٍ لِأعْمالِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ أمْوالَ النّاسِ فَيَحْرِقُونَ صُدُورَهم عَلَيْها ويُبَرِّدُونَ بِها الشَّرابَ ويَصِفُونَهُ ويُبَخِّرُونَهُ، فَهم يُحْرَقُونَ الآنَ بِعُصارَةِ غَيْرِهِمُ المُنْتِنَةِ، وكَأنَّهم بَعْدَ الأحْقابِ - إنْ جُعِلَتْ مُنْقَضِيَةً - يُبَدِّلُونَ عَذابًا غَيْرَ الحَمِيمِ والغَسّاقِ،

النبأ 78:27

ثُمَّ [ عَلَّلَ - ] عَذابَهم بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحِسابَ مِنَ الوُضُوحِ بِحالَةٍ يُصَدِّقُ بِهِ كُلُّ أحَدٍ، فَلا يَكادُ يُصَّدَّقُ أنَّ أحَدًا يُكَذِّبُ بِهِ فَلا يُجَوِّزُهُ فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ بِما هو لَهم كالجِبِلَّةِ الَّتِي لا تَقْبَلُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهم يُفْسِدُونَ القُوى العِلْمِيَّةَ بِأنَّهم ﴿لا يَرْجُونَ﴾ أيْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ رَأوْا كُلَّ آيَةٍ ﴿حِسابًا﴾ فَهم لا يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ الشَّهَواتِ، (p-٢٠٧)فَوافَقَ هَذا خُلُودَهم في النّارِ، وعَبَّرَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِنَفْيِ الرَّجاءِ لِأنَّهُ أبْلَغُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَطْمَعُ في الخَيْرِ بِأدْنى احْتِمالٍ.

النبأ 78:28

ولَمّا دَلَّ انْتِفاءُ رَجائِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمُ المُفْسِدِ لِلْقُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ أعَمَّ فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ الدّالَّةِ أنَّها مِن عِنْدِنا ﴿كِذّابًا﴾ أيْ تَكْذِيبًا هو في غايَةِ المُبالَغَةِ بِحَيْثُ لَوْ سَمِعُوا أكْذَبَ الكَذِبِ ما كَذَّبُوا بِهِ كَما كَذَّبُوا بِها، فَكانَ تَجْرِيعُهم لِما لا يَصِحُّ أنْ يَشْرَبَهُ أحَدٌ - وإنْ جَرَّعَ مِنهُ [ شَيْئًا - ] ماتَ في الحالِ مِن غَيْرِ مَوْتٍ - لَهم جَزاءٌ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالحَوارِقِ الَّتِي يُجَرِّعُونَ بِها الصّادِقِينَ أنْواعَ الحَرْقِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا في تَكْذِيبِهِمْ.

النبأ 78:29

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْنا لَهُ وزْنًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ مُطْلَقًا مِن أعْمالِهِمْ وغَيْرِها أوْ كُلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الحِسابُ (p-٢٠٨)﴿أحْصَيْناهُ﴾ ولَمّا كانَ الإحْصاءُ مُوافِقًا لِلْكِتابَةِ في الضَّبْطِ، أكَّدَ فِعْلَهُ بِها فَقالَ: ﴿كِتابًا﴾ فَلا جائِزَ أنْ نَتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ بِغَيْرِ جَزاءٍ، ويُمْكِنُ تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلى الِاحْتِباكِ وهو أحْسَنُ: دَلَّ فِعْلُ الإحْصاءِ عَلى حَذْفِ مَصْدَرِهِ، وإثْباتِ مَصْدَرِ ”كَتَبَ“ عَلَيْهِ أيْ أحْصَيْناهُ إحْصاءً وكَتَبْناهُ كِتابًا، وذَلِكَ الإحْصاءُ والكَتْبُ لِعَدَمِ الظُّلْمِ.

النبأ 78:30

ولَمّا ذَكَرَ عَذابَهُ ووَجَّهَ مُوافَقَتَهُ لِجَزائِهِمْ، سَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ ما يُقالُ لَهم بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ إهانَةً وزِيادَةً في الجَزاءِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِشِدَّةِ الخِزْيِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ وكَمالِ القُدْرَةِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا عَنْ مُقَدَّرٍ بَعْدَ ”كِتابًا“ نَحْوُ: لِيُجازِيهِمْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ، قائِلًا لَهم عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ أوْ لِسانِ الحالِ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ مِن هَذا العَذابِ في هَذا الحالِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِكم بِالحِسابِ، وأكَدَّ ذَوْقَهم في الِاسْتِقْبالِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ [ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ - ] ﴿إلا عَذابًا﴾ فَإنَّ دارَكم لَيْسَ بِها إلّا الجَحِيمُ كَما أنَّ الجَنَّةَ لَيْسَ بِها إلّا النَّعِيمُ، فَأفْهَمَ هَذا أنَّ حُصُولَ شَيْءٍ لَهم غَيْرَ العَذابِ مُحالٌ.

النبأ 78:31

(p-٢٠٩)ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَ الكافِرِينَ وأشْعَرَ آخِرَهُ بِكَوْنِهِ إخْزاءً، ذَكَرَ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ المُخالِفِينَ لَهم فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِ الكافِرِينَ بِهِ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الخَوْفِ المُقْتَضِي لِاتِّخاذِ الوِقايَةِ مِمّا يَخافُ فَوَقَوْا أنْفُسَهم مِن سَخَطِ اللَّهِ بِما يُرْضِيهِ مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ والأحْوالِ ﴿مَفازًا﴾ [ أيْ فَوْزٌ - ] ومَوْضِعُ فَوْزٍ وزَمانُ فَوْزٍ بِالرّاحَةِ الدّائِمَةِ مِن جَمِيعِ ما مَضى ذِكْرُهُ لِلطّاغِينَ الَّذِينَ هم أضْدادُهُمْ، وقَدْ كَشَفُوا أنْفُسَهم لِلْعَذابِ كُلَّ الكَشْفِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ أوْ أبْدَلَ مِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَوْزٍ:

النبأ 78:32

﴿حَدائِقَ﴾ أيْ بَساتِينَ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ ذَواتُ الثِّمارِ والرَّياحِينِ لِتَجْمَعَ مَعَ لَذَّةِ المَطْعَمِ لَذَّةَ البَصَرِ والشَّمِّ، قَدْ أحْدَقَتْ بِها الجُدْرانُ وحَوَّطَتْ بِها، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَإنْ لَمْ تَكُنْ بِحِيطانِ مُحْدِقَةٍ بِها لَمْ يَقُلْ لَها حَدِيقَةً. وخَصَّ أشْجارَ العِنَبِ لِطِيبِها وحَسَّنَها وشَرَّفَها وما فِيها مِن لَذَّةِ الذَّوْقِ وعَبَّرَ عَنْ أشْجارِها بِثَمَرَتِها إعْلامًا بِأنَّها لا تُوجَدُ إلّا مُوَقَّرَةً حَمْلًا وأنَّ ثَمَرَتَها هي [ جُلُّ - ] مَنفَعَتِها فَقالَ: ﴿وأعْنابًا﴾

النبأ 78:33

ولَمّا ذَكَرَ المَساكِنَ النُّزْهَةَ المُؤَنَّقَةَ المُعْجَبَةَ، ذَكَرَ ما يَتَمَتَّعُ بِهِ وهو جامِعٌ لِإلْذاذِ الحَواسِّ: البَصَرِ واللَّمْسِ والذَّوْقِ فَقالَ: ﴿وكَواعِبَ﴾ أيْ نِساءً كُعِّبَتْ ثَدْيُهُنَّ ﴿أتْرابًا﴾ أيْ عَلى سِنٍّ واحِدٍ مِن مَسِّ جِلْدٍ واحِدِ التُّرابِ قَبْلَ الأُخْرى، بَلْ لَوْ كُنَّ مَوْلُوداتٍ لَكانَتْ وِلادَتُهُنَّ في آنٍ واحِدٍ.

النبأ 78:34

(p-٢١٠)ولَمّا ذَكَرَ النِّساءَ ذَكَرَ المُلائِمَ لِعِشْرَتِهِنَّ فَقالَ: ﴿وكَأْسًا﴾ [ أيْ - ] مِنَ الخَبَرِ الَّتِي لا مَثَلَ لَها في لَذَّةِ الذَّوْقِ ظاهِرًا وباطِنًا وكَمالِ السُّرُورِ وإنْعاشِ القُوى. ولَمّا كانَتِ العادَةُ [ جارِيَةً - ] بِأنَّ الشَّرابَ الجَيِّدَ يَكُونُ قَلِيلًا، دَلَّ عَلى كَثْرَتِهِ دَلِيلًا عَلى جَوْدَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿دِهاقًا﴾ أيْ مُمْتَلِئَةً.

النبأ 78:35

ولَمّا كانَتْ مَجالِسُ الخَمْرِ في الدُّنْيا مُمْتَلِئَةً بِما يُنَغِّصُها مِنَ اللَّغْوِ والكَذِبِ إلّا عِنْدَ مَن لا مُرُوءَةَ لَهُ فَلا يُنَغِّصُهُ القَبِيحُ، قالَ نافِيًا عَنْها ما يُكَدِّرُ لَذَّةَ السَّمْعِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ في وقْتٍ ما ﴿لَغْوًا﴾ أيْ لَغَطًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُلْغى لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مُهْمَلًا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى أصْلًا، أوْ مُسْتَعْمَلًا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى مَوْجُودٌ في الخارِجِ وإنَّ قَلَّ، أوْ لَهُ مَعْنًى ولَكِنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ [ بِهِ - ] كَبِيرُ فائِدَةٍ. ولَمّا انْتَفى الكَذِبُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، [و -] كانَ التَّكْذِيبُ أذًى لِلْمُكَذِّبِ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا كِذّابًا﴾ فَإنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُقالُ عَلى التَّكْذِيبِ [ ومُطْلَقُ الكَذِبِ- ]، فَصارَ المَعْنى: ولا أذًى بِمُعارَضَةٍ في القَوْلِ، مَعَ مُوافَقَةِ قِراءَةِ الكِسائِيِّ بِالتَّخْفِيفِ فَإنَّ مَعْناها كَذِبًا أوْ مُكاذَبَةً، وشَدَّدَ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِرَشاقَةِ اللَّفْظِ ومُوازَنَةِ ”أعْنابًا وأتْرابًا“ مَعَ الإصابَةِ لِحَلْقِ المَعْنى مِن غَيْرِ أدْنى جَوْرٍ عَنِ القَصْدِ ولا تَكَلُّفٍ بِوَجْهٍ ما.

النبأ 78:36

(p-٢١١)ولَمّا كانَ العَطاءُ إذا كانَ عَلى المُعاوَضَةِ كانَ أطْيَبَ لِنَفْسِ الآخِذِ قالَ: ﴿جَزاءً﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ ما جَعَلَهُ جَزاءً لَهم إلّا إكْرامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ لِأنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ أنْ يُوَفِّيَ شُكْرَ نِعْمَةٍ مَن نَعْمِهِ فَإنَّ عَمَلَهُ مِن نِعَمِهِ فَقالَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإكْرامِ أُمَّتِكَ بِأنْواعِ الإكْرامِ، وفي ﴿عَطاءً﴾ إشارَةً إلى ذَلِكَ وهو بَذْلٌ مِن غَيْرِ جَزاءٍ ﴿حِسابًا﴾ أيْ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ وإنْ فَعَلَ الإنْسانُ مِنهم ما فَعَلَ وحَسَبَ جَمِيعَ أنْواعِ الحِسابِ، ومِن قَوْلِهِمْ: أعْطاهُ فَأحْسَبُهُ - إذا تابَعَ عَلَيْهِ العَطاءَ وأكْثَرَهُ حَتّى جاوَزَ العَدَّ وقالَ: حَسْبِي، لا يُمْكِنُ أنْ يَحْتاجَ مَعَ هَذا العَطاءِ وإنْ زادَ في الإنْفاقِ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ دُونَ ”كافِيًا“ مَثَلًا لِأنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إذا كانَ هَذا الحِسابُ فَما الظَّنُّ بِالثَّوابِ.

النبأ 78:37

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ سِعَةَ فَضْلِهِ، وصَفَ نَفْسَهُ الأقْدَسَ بِما يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ زِيادَةً في شَرَفِ المُخاطَبِ ﷺ لِأنَّ عَظْمَةَ العَبْدِ عَلى حَسَبِ عَظَمَةِ السَّيِّدِ، فَقالَ مُبْدِلًا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ وقاطِعًا بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعِهِما ومُدَبِّرِهِما ومالِكِهِما ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مُلْكًا ومَلِكًا. ولَمّا شَمِلَ (p-٢١٢)ذَلِكَ العَرْشَ وما دُونَهُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإنْعامُ العامُّ الَّذِي أدْناهُ الإيجادُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ، فَإنَّ الكُلَّ داخِلٌ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ، ولِذَلِكَ قالَ دالًّا عَلى الجَبَرُوتِ بَعْدَ صِفَةِ الرَّحْمَةِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ أيْ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ ومِن بَيْنِ ذَلِكَ أصْلًا دائِمًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ لا في يَوْمٍ بِعَيْنِهِ: ﴿مِنهُ﴾ أيِ العامِّ النِّعْمَةِ خاصَّةً ﴿خِطابًا﴾ أيْ أنْ يُخاطِبُوهُ أوْ يُخاطِبُوا غَيْرَهُ بِكَلِمَةٍ فَما فَوْقَها في أمْرِهِمْ في غايَةِ الِاهْتِمامِ بِهِ بِما أفادَهُ التَّعْبِيرُ بِالخِطابِ، فَكَيْفَ بِما دُونَهُ وإذا لَمْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ مِنهُ فَمِمَّنْ والكُلُّ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ؟ وعَدَمُ مُلْكِهِمْ لِأنْ يُخاطِبَهم مَفْهُومُ مُوافَقَةٍ، والحاصِلُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى خِطابِ ما مِن ذَواتِ أنْفُسِهِمْ كَما هو شَأْنُ المالِكِ. وأمّا غَيْرُهُ فَقَدْ يَمْلِكُونَ أنْ يُكْرِهُوهُ عَلى خِطابِهِمْ وأنْ يُخاطِبُوهُ بِغَيْرِ إذَنٍ مِن ذَلِكَ [ الغَيْرِ - ] ولا رِضًى وبِغَيْرِ تَمَلُّكٍ مِنهُ لَهم لِأنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ، وإذا كانَ هَذا في الخِطابِ فَما ظَنُّكَ بِمَن يَدَّعِي الوِصالَ بِالِاتِّحادِ - عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ المَآبِ، ما أجْرَأهم عَلى الِاتِّحادِ! وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُكَوِّنِ المَخْلُوقِ والفَقِيرِ المِسْكِينِ مُكْنَةٌ تَمْلِكُ مِنهُ خِطابًا أوْ تَتَنَفَّسُ نَفَسًا كَلّا بَلْ هو اللَّهُ الواحِدُ الجَبّارُ.

النبأ 78:38

(p-٢١٣)ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أفْهَمَ سَدَّ بابِ الشَّفاعَةِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، وكانَ الكَلامُ إنَّما يَنْشَأُ مِنَ الرُّوحِ، وكانَ المَلائِكَةُ أقْرَبُ شَيْءٍ إلى الرُّوحِيَّةِ، أكَّدَ هَذا المَعْنى مُزِيلًا ما قَدْ يُوهِمُهُ في الشَّفاعَةِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الرُّوحَ هُنا جِنْسٌ أمْ لا، فَقالَ ذاكِرًا ظَرْفَ ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ أوْ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَظِيمُ الشَّأْنِ جِدًّا، قِيلَ: هو المَلِكُ المُوَكَّلُ بِالأرْواحِ أوْ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ القُرْآنُ المُشارُ إلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]“ ”﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]“ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ كُلُّهُمْ، ونَبَّهَ بِالِاصْطِفافِ عَلى شِدَّةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿صَفًّا﴾ لِلِقاءِ ما في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن شَدائِدِ الأهْوالِ ولِحِفْظِ الثِّقَلَيْنِ وهم في وسَطِ دائِرَةِ صَفِّهِمْ مِنَ المَوْجِ والِاضْطِرابِ لِعَظِيمِ ما هم فِيهِ، ثُمَّ زادَ الأمْرَ عِظَمًا بِذِكْرِ العامِلِ في لا يَوْمَ فَقالَ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ أيْ مِن تَقَدُّمِ كُلِّهِمْ بِأجْمَعِهِمْ فِيهِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ مُطْلَقَ كَلامٍ خِطابًا كانَ أيْ في أمْرٍ عَظِيمٍ أوْ لا، لا لَهُ سُبْحانَهُ ولا لِغَيْرِهِ أصْلًا و[ لا - ] أحَدٌ مِنهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا حالًا لِهَؤُلاءِ الخَواصِّ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لَهم فَغَيْرُهم بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ﴾ أيْ في الكَلامِ إذْنًا خاصًّا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى أحَدٍ مِن خَلْقِهِ إلّا مِنهُ ﴿وقالَ صَوابًا﴾ فَإنْ (p-٢١٤)لَمْ يَحْصُلِ الأمْرُ إنْ لَمْ يَقَعِ الكَلامُ مِن أحَدٍ مِنهم أصْلًا، وهَذا كالدَّلِيلِ عَلى آيَةِ الخِطابِ بِأنَّهُ إذا كانَ الرُّوحُ والقَرِيبُ مِنهُ بِهَذِهِ المَثابَةِ في حالِ كُلِّ مَن حَضَرَهُ كانَ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى الكَلامِ فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِمْ؟ وهم في غَيْرِهِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الأوْلى وغَيْرِهِمْ فِيهِ وفي غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، وأمّا في الدُّنْيا فَإنَّهُ وإنْ كانَ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ لَكِنَّهُ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالخَطَأِ.

النبأ 78:39

ولَمّا عَظُمَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِالسُّكُوتِ خَوْفًا مِن ذِي الجَبَرُوتِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] أشارَ إلَيْهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ زِيادَةً في عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المُشارِ إلَيْهِ لِبُعْدِ مَكانَتِهِ وعِظَمِ رُتْبَتِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ ﴿اليَوْمُ الحَقُّ﴾ أيْ في اليَوْمِيَّةِ لِكَوْنِهِ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَلا بُدَّ مِن كَوْنِهِ ولا زَوالَ لَهُ ثابِتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ لِعاقِلٍ وثابِتًا كُلَّ ما أثْبَتَهُ وباطِلًا [ كُلَّ ما - ] نَفاهُ. ولَمّا قَرَّرَ مِن عَظَمَتِهِ ما يَعْجِزُ غَيْرُهُ عَنْ أنْ يُقَرِّرَ مِثْلَهُ، وكانَ قَدْ خَلَقَ القُوى والقَدَرَ والفِعْلَ بِالِاخْتِيارِ. فَكانَ مِن حَقِّ كُلِّ عاقِلٍ تَدَرُّعُ ما يُنَجّى مِنهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى الخَلاصِ مِنهُ وحَثًّا عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ [ أيِ - ] الِاتِّخاذِ مِنَ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ أذِنَ لَهم ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ أيْ خالِقِهِ نَفْسِهِ المُحْسِنِ إلَيْهِ أوْ رَبِّ ذَلِكَ اليَوْمِ بِاسْتِعْمالِ قُواهُ الَّتِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاها في الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿مَآبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا هو المَرْجِعُ مِمّا يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ الثَّوابُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم قُوَّةً واخْتِيارًا، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنهم عَلى مَشِيئَةِ شَيْءٍ (p-٢١٥)إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

النبأ 78:40

ولَمّا قَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن شَرْحِ هَذا النَّبَأِ العَظِيمِ ما قَدَّمَ مِنَ الحِكَمِ والمَواعِظِ واللَّطائِفِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، لَخَّصَهُ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنّا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أنْذَرْناكُمْ﴾ أيْ أيُّها الأُمَّةُ وخُصُوصًا العَرَبُ بِما مَضى مِن هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها ﴿عَذابًا﴾ ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ وكَوْنِهِ سَواءً كانَ بِالمَوْتِ أوْ بِالبَعْثِ، وكانَ كُلُّ ما تَحَقَّقَ إتْيانُهُ أقْرَبَ شَيْءٍ قالَ: ﴿قَرِيبًا﴾ ولَمّا حَذَّرَ مِنهُ، عَيَّنَ وقْتَهُ مُشَدِّدًا لِتَهْوِيلِهِ [ فَقالَ- ]: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ﴾ أيْ جِنْسِهِ الصّالِحِ مِنهُ والطّالِحِ نَظَرًا مِرْيَةً فِيهِ ﴿ما﴾ أيِ الَّذِي ﴿قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ كَسْبِهِ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وعَبَّرَ بِهِما لِأنَّهُما مَحَلُّ القُدْرَةِ فَكَنّى بِهِما عَنْها مَعَ أنَّ أكْثَرَ ما يَعْمَلُ كائِنٌ بِهِما مُسْتَقِلَّتَيْنِ بِهِ أوْ مُشارِكَتَيْنِ فِيهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: يا لَيْتَنِي قُمْتُ قَبْلَ هَذا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ الكافِرُ﴾ أيِ العَرِيقُ في الكُفْرِ عِنْدَما يَرى مِن [ تِلْكَ - ] الأهْوالِ مُتَمَنِّيًا مُحالًا: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ﴾ أيْ كَوْنًا لا بُدَّ مِنهُ ولا يَزُولُ ﴿تُرابًا﴾ أيْ في الدُّنْيا فَلَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكَلَّفْ، أوْ في هَذا اليَوْمِ فَلَمْ أُعَذَّبْ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ أوْ إبْلِيسُ الَّذِي تَكَبَّرَ (p-٢١٦)عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَخْلُوقُ مِنَ التُّرابِ، وعَظَّمَ نَفْسَهُ بِالحَمْدِ والِافْتِخارِ بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِن نارٍ، يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَما يَرى ما أعَدَّ اللَّهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِخَواصِّ بَنِيهِ مِنَ الكَرامَةِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ولِهَذا المُتَكَبِّرِ عَلى خالِقِهِ مِنَ العَذابِ الدّائِمِ الَّذِي لا يَزُولُ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْتَصُّ يَوْمَ البَعْثِ لِلْبَهائِمِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ثُمَّ يَقُولُ لَها: كُونِي تُرابًا، فَتَكُونُ فَيَتَمَنّى الكافِرُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ في غايَةِ العَظَمَةِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ، فَعَلِمَ أنَّ التَّساؤُلَ عَنْهُ لِلتَّعَجُّبِ مَن كَوْنِهِ مِن أعْظَمِ الجَهْلِ، فَرَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها، وانْعَطَفَ مَفْصِلُها أيَّ انْعِطافٍ عَلى مُوصِلِها، واتَّصَلَ مَعَ ذَلِكَ بِما بَعْدَها أيَّ اتِّصالٍ، فَإنَّ المُشْرِفَ بِالنَّزْعِ عَلى المَوْتِ يَرى كَثِيرًا مِنَ الأهْوالِ والزَّلازِلِ والأوْجالِ الَّتِي يَتَمَنّى لِأجْلِها أنَّهُ كانَ مُنْقَطِعًا عَنِ الدُّنْيا لَيْسَ لَهُ بِها وِصالٌ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ ولا لَيْلَةً مِنَ اللِّيالِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

النازعات 79:1

(p-٢١٧)سُورَةُ النّازِعاتِ وتُسَمّى السّاهِرَةُ والطّامَّةُ مَقْصُودُها بَيانُ أواخِرِ أمْرِ الإنْسانِ بِالإقْسامِ عَلى بَعْثِ الأنامِ، ووُقُوعِ القِيامِ يَوْمَ الزِّحامِ وزَلَلِ الأقْدامِ، بَعْدَ البَيانِ التّامِّ فِيما مَضى مِن هَذِهِ السُّوَرِ العِظامِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ وصَلَ الأمْرُ في الظُّهُورِ إلى مَقامٍ لَيْسَ بَعْدَهُ مَقامٌ، وصَوَّرَ ذَلِكَ بِنَزْعِ الأرْواحِ بِأيْدِي المَلائِكَةِ الكِرامِ، ثُمَّ أمْرُ فِرْعَوْنَ اللَّعِينِ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْمُها النّازِعاتُ واضِحٌ في ذَلِكَ المَرامِ، إذا تُؤُمِّلَ القِسْمُ وجَوابُهُ المَعْلُومُ لِلْأئِمَّةِ الأعْلامِ، وكَذا السّاهِرَةُ والطّامَّةُ إذا تُؤَمِّلَ السِّياقُ، وحَصَلَ التَّدْبِيرُ في تَقْرِيرِ الوِفاقِ (بِسْمِ اللَّهِ ) الظّاهِرِ الباطِنِ المَلِكِ العَلّامِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي عَمَّ بِالإنْعامِ (الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِلايَتِهِ بِالتَّمامِ، فاخْتَصُّوا بِالإكْرامِ في دارِ السَّلامِ. * * لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ويَتَمَنّى الكافِرُ العَدَمَ، أقْسَمَ أوَّلَ هَذِهِ بِنَزْعِ الأرْواحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِأيْدِي المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ (p-٢١٨)عَلى ما يَتَأثَّرُ عَنْهُ مِنَ البَعْثِ وساقَهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ لِأنَّهم بِهِ مُكَذِّبُونَ فَقالَ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ - كَما قالَ عَلَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لِلْأرْواحِ ولِأنْفُسِها مِن مَراكِزِها في السَّماواتِ امْتِثالًا لِلْأوامِرِ الإلَهِيَّةِ ﴿غَرْقًا﴾ أيْ إغْراقًا بِقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ تَغَلْغُلًا إلى أقْصى المُرادِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَدَنِ حَتّى الشَّعْرَ والظُّفْرَ والعَظْمَ كَما يَغْرَقُ النّازِعُ في القَوْسِ فَيَبْلُغُ أقْصى المَدِّ، وكانَ ذَلِكَ لِنُفُوسِ الكُفّارِ والعُصاةِ كَما يَنْزِعُ السَّفُّودُ وهو الحَدِيدَةُ المُتَشَعِّبَةُ المُتَعاكِسَةُ الشِّعْبِ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ، وعَمَّ ابْنُ جَرِيرٍ كَما هي عادَتُهُ في كُلِّ ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَقالَ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ، فَكُلُّ نازِعَةٍ داخِلَةٌ في قَسَمِهِ - يَعْنِي الِاعْتِبارَ بِما آتاها اللَّهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ النَّزْعِ الدّالَّةِ عَلى تَمامِ الحِكْمَةِ والِاقْتِدارِ عَلى ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ.

النازعات 79:2

ولَمّا ذَكَرَ الشَّدَّ مُبْتَدِئًا بِهِ لِأنَّهُ أهْوَلُ، أتْبَعَهُ الرِّفْقَ فَقالَ: ﴿والنّاشِطاتِ﴾ أيِ المُخْرِجاتِ بِرِفْقٍ لِلْأرْواحِ أوْ لِأجْنِحَتِها مِن مَحالِها ﴿نَشْطًا﴾ أيْ رِفْقًا فَلا تَدَعُ وإنْ كانَ رَفِيقًا بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ تَعَلُّقًا كَما يَنْشَطُ الشَّيْءُ مِنَ العِقالِ أيْ يَحِلُّ مِن عُرْوَةٍ كانَتْ [ عَقَدَتْ - ] عَلى هَيْئَةِ الأُنْشُوطَةِ، قالَ الفَرّاءُ إنَّهُ سَمِعَ العَرَبَ يَقُولُونَ: نَشَطْتُ (p-٢١٩)العِقالَ - إذا حَلَلْتُهُ، وأنْشَطْتُ - إذا عَقَدْتُ بِأُنْشُوطَةٍ - انْتَهى، والنَّشِطُ أيْضًا: الجَذْبُ والنَّزْعُ، يُقالُ: نَشَطْتُ الدَّلْوَ نَشْطًا - إذا نَزَعْتَها. وقالَ الخَلِيلُ: النَّشِطُ والإنْشاطُ مَدُّكَ الشَّيْءَ إلى نَفْسِكَ حَتّى يَنْحَلَّ، وكانَ هَذا الأرْواحُ أهْلَ الطّاعَةِ، وكَذَلِكَ نَزَعَ النَّباتَ والإنْشاءَ والإنْماءَ لِكُلِّ ما يُرادُ نَزْعُهُ أوْ نَشَّطَهُ، فالَّذِي قَدَّرَ بَعْضَ عَبِيدِهِ عَلى هَذا الَّذِي فِيهِ تَمْيِيزُ الأرْواحِ مِن غَيْرِها عَلى ما لَها مِنَ اللَّطافَةِ وشِدَّةِ المُمازَجَةِ قادِرٌ عَلى تَمْيِيزِ جَسَدِ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِن جَسَدِ غَيْرِهِ بَعْدَ أنْ صارَ كُلٌّ تُرابًا واخْتَلَطَ بِتُرابِ الآخَرِ.

النازعات 79:3

ولَمّا ذَكَرَ نَوْعَيِ السُّلِّ بِالشِّدَّةِ والرِّفْقِ، ذَكَرَ فِعْلَها في إقْبالِها إلَيْهِ ورُجُوعِها عَنْهُ فَقالَ: ﴿والسّابِحاتِ﴾ [ أيْ - ] مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا في الجَوِّ بَعْدَ التَّهَيُّؤِ لِلطَّيَرانِ إلى ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أوامِرِهِ مِنَ الرُّوحِ أوْ غَيْرِها ﴿سَبْحًا﴾ هو في غايَةِ السُّرْعَةِ لِأنَّهُ لا عائِقٌ لَها بَلْ [ قَدْ - ] أقْدَرَها اللَّهُ عَلى النُّفُوذِ في كُلِّ شَيْءٍ كَما أقْدَرَ السّابِحَ في الماءِ والهَواءِ، ولِذَلِكَ نَسَّقَ عَلَيْهِ بِالفاءِ قَوْلَهُ:

النازعات 79:4

﴿فالسّابِقاتِ﴾ أيْ بَعْدِ السَّبْحِ في الطَّيَرانِ إلى ما أمَرُوا بِهِ مِن غَمْسِ الأرْواحِ في النَّعِيمِ أوِ الجَحِيمِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أمَرُوا بِهِ في أسْرَعِ مِنَ اللَّمْحِ مَعَ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ لِجَمِيعِ ما يَقَعُ (p-٢٢٠)مُحاوَلَتَهُ ﴿سَبْقًا﴾

النازعات 79:5

ولَمّا بانَ بِذَلِكَ حَسُنَ امْتِثالُها لِلْأوامِرِ، بانَ بِهِ عَظِيمُ نَظَرِها في العَواقِبِ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ﴾ أيِ النّاظِراتِ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِإتْقانِ ما أمَرُوا بِهِ في الأرْواحِ وغَيْرِها ﴿أمْرًا﴾ أيْ عَظِيمًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والرِّياحِ والخَيْلِ السّابِحَةِ في الأرْضِ والجَوِّ لِمَنفَعَةِ العِبادِ وتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ، وبَعْضُها سابِقٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ إشارَةً إلى أنَّهُ مِن ظُهُورِ العِلْمِ بِهِ - بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ - في حَدٍّ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَهو بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ فَحَذَفَهُ كَإثْباتِهِ بِالبُرْهانِ فَتَقْدِيرُهُ: لَتَذْهَبَنَّ بِالدُّنْيا الَّتِي أنْتُمْ بِها مُغْتَرُّونَ لَنَزَعْنا لَها مِن حالِها وتَقْطِيعِ أوْصالِها، فَإنَّ كُلَّ ما تَقَدَّمَ مِن أعْمالِ مَلائِكَتِنا هو مِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِقَوْلِ الكُفّارِ ﴿ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] المُشارُ إلَيْهِ بِتَساؤُلِهِمْ عَنْها لِأنَّهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ؟ أوْ أنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بَعْدَ المَوْتِ وانْتِهاءِ هَذِهِ الدّارِ؟ ثُمَّ لَمُجازَوْنَ بِما عَمِلْتُمْ بِأسْبابٍ مَوْجُودَةٍ مُهَيَّأةٍ بَيْنَ أظْهُرِكم دَبَّرْناها وأوْجَدْناها حِينَ أوْجَبْنا هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا وإنْ كُنْتُمْ لا تَرَوْنَها كَما أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الَّتِي أخْبَرْناكم بِها في نَزْعِ الأرْواحِ والنَّباتِ والمَنافِعِ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ أظْهُرِكم (p-٢٢١)والمَيِّتُ أقْرَبُ ما يَكُونُ مِنكم وهي تَعْمَلُ أعْمالَها. والمُحْتَضِرُ أشَدُّ ما يَكُونُ صَوْتًا وأعْظَمُهُ حَرَكَةً إذا هو قَدْ خَفَتَ وهَمَدَ بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ وسَكَتَ وامْتَدَّتْ أعْضاؤُهُ وماتَ، وذَهَبَ عَنْكم قَهْرًا وفاتَ الَّذِي فاتَ كَأنَّهُ قَطُّ ما كانَ، ولا تَغَلَّبَ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ، بِتِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي تَعْمَلُ أعْمالَها وتَمُدُّ حِبالَها وتُرْسِي أثْقالَها، وتُلْقِي أهْوالَها وأوْجالَها، وأنْتُمْ لا تَرَوْنَها، فَياللِّهِ العَجَبُ أنْ لا يَرُدَّكم ذَلِكَ عَلى كَثْرَتِهِ عَنْ أنْ تَسْتَبْعِدُوا عَلى قُدْرَتِهِ تَمْيِيزَ تُرابِ جَسَدٍ مِن تُرابِ جَسَدٍ آخَرَ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أوْضَحَتْ سُورَةُ النَّبَأِ حالَ الكافِرِ في قَوْلِهِ ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] عِنْدَ نَظَرِهِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، ومُعايَنَتُهُ مِنَ العَذابِ عَظِيمٌ ما يَراهُ، وبَعْدَ ذِكْرِ تَفْصِيلِ أحْوالٍ وأهْوالٍ، أتْبَعَ ذَلِكَ ما قَدْ كانَ حالُهُ عَلَيْهِ في دُنْياهُ مِنَ اسْتِبْعادِ عَوْدَتِهِ في أُخْراهُ، وذَكَرَ قُرْبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ في المَوْضِعِ الآخَرِ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَيْنا ولَمّا عَهِدْناهُ، وإلّا فَلَيْسَ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ أهْوَنُ مِن شَيْءٍ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فَقالَ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] ﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] إذْ يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ ويَسْتَدْفِعُونَهُ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] أيْ صَيْحَةً ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] أيِ الأرْضِ قِيامًا يَنْظُرُونَ (p-٢٢٢)ما قَدَّمَتْ أيْدِيَهم ويَتَمَنَّوْنَ أنْ لَوْ كانُوا تُرابًا ولا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ما يُناسِبُ الحالَ في قَصْدِ الِاتِّعاظِ والِاعْتِبارِ، ولِهَذا أتْبَعَ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] انْتَهى.

النازعات 79:6

ولَمّا أقْسَمَ عَلى القِيامِ بِتِلْكَ الأفْعالِ العِظامِ الَّتِي ما أقْدَرَ أهْلَها عَلَيْها إلّا المَلِكُ العَلّامُ. ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأعْلامِ تَهْوِيلًا لِأمْرِ السّاعَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ المَحْسُوساتِ نَزّاعَةٌ، فالغائِباتُ عِنْدَها مَنسِيَّةٌ مُضاعَةٌ فَقالَ ناصِبًا الظَّرْفَ بِذَلِكَ المَحْذُوفِ لِأنَّهُ لِشِدَّةِ وُضُوحِهِ كالمَلْفُوظِ [ بِهِ- ]: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ أيْ تَضْطَرِبُ اضْطِرابًا كَبِيرًا مُزْعِجًا ﴿الرّاجِفَةُ﴾ أيِ الصَّيْحَةُ، وهي النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي هي بِحَيْثُ يَبْلُغُ - مِن شِدَّةِ إرْجافِها لِلْقُلُوبِ وجَمِيعِ الأشْياءِ السّاكِنَةِ مِنَ الأرْضِ والجِبالِ إلى نَزْعِ النُّفُوسِ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ - مَبْلَغًا تَسْتَحِقُّ بِهِ أنْ تُوصَفَ بِالعَراقَةِ في الرَّجْفِ، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُ الرَّجْفَةِ الصَّوْتُ والحَرَكَةُ.

النازعات 79:7

ولَمّا ذَكَرَ الصَّيْحَةَ الأُولى، أتْبَعَها الثّانِيَةَ حالًا مِنها دَلالَةً عَلى قُرْبِها (p-٢٢٣)قُرْبًا مَعْنَوِيًّا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ولِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ في [ حُكْمِ - ] يَوْمٍ واحِدٍ، فَصَحَّ مَجِيءُ الحالِ وإنْ بَعُدَ زَمَنُهُ مِن زَمَنِ صاحِبِهِ فَقالَ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ أيِ الصَّيْحَةِ التّابِعَةِ لَها الَّتِي يَقُومُ بِها جَمِيعُ الأمْواتِ وتَجْتَمِعُ الرُّفاتُ، وتَضْطَرِبُ مِن هَوْلِها الأرْضُ والسَّماواتُ، وتُدَكُّ الجِبالُ ويَعْظُمُ الزِّلْزالُ، ويَكُونُ عَنْها التَّسْيِيرُ بَعْدَ المَصِيرِ إلى الكَثِيبِ المَهِيلِ، و[ نَحْوِ - ] ذَلِكَ مِنَ الأمْرِ الشَّدِيدِ الطَّوِيلِ، قالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: رَوى [ السُّدِّيُّ - ] عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النّاسَ إذا ماتُوا في النَّفْخَةِ الأُولى أمْطَرَ عَلَيْهِمْ ماءً مِن تَحْتِ العَرْشِ يُدْعى ماءَ الحَياةِ فَيَنْبُتُونَ مِنهُ كَما يَنْبُتُ الزَّرْعُ مِنَ الماءِ، حَتّى إذا اسْتَكْمَلَتْ أجْسادُهم نُفِخَ فِيها الرُّوحُ ثُمَّ يَلْقى عَلَيْهِمْ نَوْمَةً فَبَيْنَما هم في قُبُورِهِمْ نُفِخَ في الصُّورِ ثانِيَةً فَجَلَسُوا وهم يَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ في رُؤُوسِهِمْ وأعْيُنِهِمْ.

النازعات 79:8

ولَمّا ذَكَرَ البَعْثَ، ذَكَرَ حالَ المُكَذِّبِ بِهِ لِأنَّ السِّياقَ لَهُ، فَقالَ مُبْتَدِئًا بِنَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ قامَ الخَلائِقُ بِالصَّيْحَةِ التّابِعَةِ لِلْأُولى ﴿واجِفَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةَ الِاضْطِرابِ أجْوافُها خَوْفًا تَكادُ (p-٢٢٤)تَخْرُجُ مِنها مِن شِدَّةِ الوَجِيفِ،

النازعات 79:9

ولَمّا وصَفَها بِالِاضْطِرابِ، وكانَ قَدْ يَخْفى سَبَبُهُ لِكَوْنِهِ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ السُّرُورِ العَظِيمِ كَما قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الوَجِلِ الشَّدِيدِ، أخْبَرَ عَنْهُ بِما يُحَقِّقُ مَعْناهُ فَقالَ: ﴿أبْصارُها﴾ أيْ أبْصارُ أصْحابِها فَهو مِنَ الِاسْتِخْدامِ ﴿خاشِعَةٌ﴾ أيْ ذَلِيلَةً ظاهِرٌ عَلَيْها الذُّلُّ واضْطِرابُ القُلُوبِ مِن سُوءِ الحالِ ولِذَلِكَ أضافَها إلَيْها.

النازعات 79:10

ولَمّا وصَفَها بِالِاضْطِرابِ والذُّلِّ، عَلَّلَهُ لِيَعْرِفَ مِنهُ أنَّ مَن يَقُولُ ضِدَّ قَوْلِهِمْ يَكُونُ لَهُ ضِدُّ وصْفِهِمْ مِنَ الثَّباتِ والسُّكُونِ والعِزِّ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا قَوْلًا يُجَدِّدُونَهُ كُلَّ وقْتٍ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا اسْتِحْياءٍ اسْتِهْزاءً وإنْكارًا. ﴿أإنّا لَمَرْدُودُونَ﴾ أيْ بَعْدِ المَوْتِ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِرَدِّنا كائِنًا مَن كانَ ﴿فِي الحافِرَةِ﴾ أيْ في الحَياةِ الَّتِي كُنّا فِيها قَبْلَ المَوْتِ هي حالَتُنا الأُولى، مِن قَوْلِهِمْ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ، أيْ طَرِيقَتِهِ الَّتِي جاءَ بِها فَحَفَرَها أيْ أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ كَما تُؤَثِّرُ الأقْدامُ، والحَوافِرُ في الطُّرُقِ، أطْلَقَ عَلى المُفَعْوِلَةِ فاعِلَةً مُبالَغَةً وذَلِكَ حَقِيقَتُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن كانَ في أمْرٍ فَخَرَجَ مِنهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ: رَجَعَ إلى حافِرَتِهِ، (p-٢٢٥)وقِيلَ: الحافِرَةُ الأرْضُ الَّتِي هي مَحَلُّ الحَوافِرِ.

النازعات 79:11

ولَمّا وصَفَ قُلُوبَهم بِهَذا الإنْكارِ الَّذِي يَنْبَغِي لِصاحِبِهِ أنْ يَذُوبَ مِنهُ خَجَلًا إذا فَرَّطَ [ مِنهُ - ] مَرَّةً واحِدَةً، وأشارَ إلى شِدَّةِ وقاحَتِهِمْ بِتَكْرِيرِهِ، أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِتَكْرِيرِهِمْ لَهُ عَلى وجْهٍ مُشِيرٍ إلى العِلَّةِ الحامِلَةِ لَهم عَلى قَوْلِهِ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿أإذا كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا صارَ جِبِلَّةً لَنا ﴿عِظامًا نَخِرَةً﴾ أيْ هي في غايَةِ الِانْتِخارِ حَتّى تَفَتَّتَتْ، فَكانَ الِانْتِخارُ وهو البِلى والتَّفَتُّتُ والتَّمَزُّقُ كَأنَّهُ طُبِعَ لَها طُبِعَتْ عَلَيْهِ، وهي أصْلَبُ البَدَنِ فَكَيْفَ بِما عَداها مِنَ الجِسْمِ، وعَلى قِراءَةِ ”ناخِرَةٍ“ المَعْنى أنَّها خَلا ما فِيها فَصارَ الهَواءُ يَنْخُرُ فِيها أيْ يُصَوِّتُ.

النازعات 79:12

ولَمّا كانَ العامِلُ في ”إذا“ مُقَدَّرًا بِنَحْوِ أنْ يُقالَ: نُرَدُّ إذْ ذاكَ إلى حالَتِنا الأُولى ونَقُومُ كَما كُنّا؟ دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿قالُوا﴾ أيْ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الرِّدَّةِ إلى الحالَةِ الأُولى العَجِيبَةِ جِدًّا البَعِيدَةِ مِنَ العَقْلِ في زَعْمِهِمْ ﴿إذًا﴾ أيْ إذْ نُرَدُّ إلى حَياتِنا الأُولى لا شَيْءَ لَنا كَما وُلِدْنا لا شَيْءَ لَنا، ونَفْقِدُ كُلَّ ما سَعَيْنا في تَحْصِيلِهِ وجَمْعِهِ وتَأْثِيلِهِ ﴿كَرَّةٌ﴾ أيْ رَجْعَةً وإعادَةً وعَطْفَةً ﴿خاسِرَةٌ﴾ أيْ هي لِشِدَّةِ خَسارَتِنا فِيها بِما فَقَدْنا مِمّا حَصَّلْناهُ مِنَ [ الحالِ و- ] المَآلِ (p-٢٢٦)وصالِحِ الخِلالِ، عَرِيقَةً في الخَسارَةِ حَتّى كَأنَّها هي الخاسِرَةُ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي لِأنَّهم ما سَمَحُوا بِهَذا القَوْلِ إلّا مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ، وأمّا أغْلَبُ قَوْلِهِمْ فَكانَ أنَّهم يَكُونُونَ عَلى تَقْدِيرِ البَعْثِ أسْعَدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى قِياسِ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا ونَحْوِ هَذا مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ.

النازعات 79:13

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: نَعَمْ واللَّهِ لَتُرَدُّنَّ يا هَؤُلاءِ، إنَّما هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ كُلَّهُ اسْتِبْعادٌ مِنكم كَما أنَّكم مُقِرُّونَ بِسُهُولَتِهِ لَوْ عَقَلْتُمْ، أمّا مِن جِهَةِ القُدْرَةِ فَلِأنَّ الِابْتِداءَ أصْعَبُ مِنَ الإعادَةِ وأنْتُمْ مُقِرُّونَ بِالِابْتِداءِ ولِأنَّ الِاسْتِبْعادَ إنْ كانَ مِن جِهَةِ وُقُوعِ الظَّنِّ بِأنَّ [ مَن - ] صارَ تُرابًا يَصِيرُ عَوْدُهُ مُحالًا مِن جِهَةِ تَعَذُّرِ تَمْيِيزِ تُرابِهِ مِن تُرابِ غَيْرِهِ، فَتَمْيِيزُ النّازِعِ والنّاشِطِ مِنَ المَلائِكَةِ لِلرُّوحِ مِنَ الجَسَدِ أصْعَبُ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وكَذا غَيْرُ هَذا مِمّا تُدَبِّرُهُ المَلائِكَةُ مِنَ الأُمُورِ، فَكَيْفَ يَصْعُبُ عَلى رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ شَيْءٌ يَسْهُلُ مِثْلُهُ عَلَيْهِمْ، وأمّا مِن جِهَةِ العَوائِدِ فَإنَّ أحَدًا لا يَدْعُ رَعِيَّةً لَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ أصْلًا، وأمّا مِن جِهَةِ الوَعْدِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بِهِ، ولَيْسَ مِن شِيَمِ الكِرامِ فَضْلًا عَنِ المُلُوكِ إخْلافُ الوَعْدِ ولا إقْرارُ الظُّلْمِ فَلا تُكَذِّبُوا بِها ولا تَسْتَصْعِبُوها، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ هَذا المُقَدَّرِ مُهَدِّدًا لِأصْحابِ الشُّبْهَةِ المُقَلِّدِينَ: ﴿فَإنَّما هِيَ﴾ أيِ القِيامَةُ ﴿زَجْرَةٌ﴾ أيْ صَيْحَةٌ بِانْتِهارٍ تَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالقِيامِ والسَّوْقَ إلى المَحْشَرِ والمَنعَ مِنَ التَّخَلُّفِ ﴿واحِدَةٌ﴾ (p-٢٢٧)عَبَّرَ بِالزَّجْرِ وهو أشَدُّ مِنَ النَّهْيِ لِأنَّهُ يَكُونُ لِلْعَرْضِ لِأنَّها صَيْحَةٌ لا يَتَخَلَّفُ عَنْها القِيامُ أصْلًا، فَكانَ كَأنَّ لِسانَ الحالِ قالَ عَنْ تِلْكَ الصَّيْحَةِ: أيُّها الأجْسادُ البالِيَةُ! انْتَهِي عَنِ الرُّقادِ، وقُومِي إلى المِيعادِ، بِما حَكَمْنا بِهِ مِنَ المَعادِ، فَقَدِ انْتَهى زَمانُ الحَصادِ، وآنَ [أوانُ - ] الِاجْتِناءِ لِما قَدَّمَ مِنَ الزّادِ، فَيا ويْلَ مَن لَيْسَ لَهُ زادٌ!

النازعات 79:14

﴿فَإذا هُمْ﴾ أيْ فَتُسُبِّبَ عَنْ هَذِهِ النَّفْخَةِ - وهي الثّانِيَةُ - أنَّهم فُوجِئُوا بِغايَةِ السُّرْعَةِ كَوْنُهم أحْياءً قائِمِينَ ﴿بِالسّاهِرَةِ﴾ [أيْ - ] عَلى [ظَهْرِ - ] الأرْضِ البَيْضاءِ المُسْتَوِيَةِ الواسِعَةِ الَّتِي يُجَدِّدُها اللَّهُ لِلْجَزاءِ فَتَكُونُ سِعَتُها كَأنَّها قَدِ ابْتَلَعَتْهم عَلى كَثْرَتِهِمُ الَّتِي تُفَوِّتُ العَدَّ، وتَزِيدُ عَلى الحَدِّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الشَّرابَ يَجْرِي فِيها مِنَ السّاهِرَةِ وهي العَيْنُ الجارِيَةُ، أوْ لِأنَّ سالِكَها يَسْهَرُ خَوْفًا كَما أنَّ النَّوْمَ يَكُونُ آمِنَةً، أوْ لِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ بِالخُصُوصِ لا نَوْمَ فِيها مَعَ طُولِ الوُقُوفِ وتَقَلُّبِ الصُّرُوفِ المُوجِبَةِ لِلْحُتُوفِ.

النازعات 79:15

ولَمّا كانَتْ قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ القِبْطِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالقِيامَةِ لِما حَصَلَ فِيها مِنَ التَّقَلُّباتِ والتَّغَيُّراتِ وإيجادِ المَعْدُوماتِ مِنَ الجَرادِ والقَمْلِ والضَّفادِعِ عَلى تِلْكَ الهَيْئاتِ الخارِجَةِ عَنِ العاداتِ في أسْرَعِ وقْتٍ. وقَهْرُ الجَبابِرَةِ والمَنُّ عَلى الضُّعَفاءِ حَتّى كانَ آخِرَ ذَلِكَ أنْ (p-٢٢٨)حَشَرَ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَشَّطَهم مِنَ القِبْطِ نَشْطًا رَقِيقًا كُلُّهم وجَمِيعُ ما لَهم مَعَ دَوابِّهِمْ [ إلى رَبِّهِمْ - ] وحَشَرَ جَمِيعَ القِبْطِ وراءَهم فَنَزَعَهم نَزْعًا كُلُّهم بِحَشْرِ فِرْعَوْنَ لَهم بِأصْواتِ المُنادِينَ عَنْهُ في أسْرَعِ وقْتٍ وأيْسَرِ أمْرٍ إلى هَلاكِهِمْ كَما يَحْشُرُ الأمْواتَ بَعْدَ إحْيائِهِمْ بِالصَّيْحَةِ إلى السّاهِرَةِ، ثُمَّ كانَتِ العاقِبَةُ في الطّائِفَتَيْنِ بِما لِلْمُدَبِّراتِ أمْرًا أنْ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ بِالبَحْرِ كَما يَنْجُو يَوْمَ البَعْثِ المُؤْمِنُونَ بِالصِّراطِ، وهَلَكَ فِرْعَوْنُ وآلُهُ بِهِ كَما يَتَساقَطُ الكافِرُونَ بِالصِّراطِ، وذَلِكَ أنَّهُ رَأى فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ البَحْرَ قَدِ انْفَلَقَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ثُمَّ دَخَلُوا فِيهِ وراءَهُمْ، ولَمْ يُجَوِّزُوا أنَّ الَّذِي حَسَرَهُ عَنْ مَكانِهِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ كَما ابْتَدَأهُ فَيُغْرِقُهم واسْتَمَرُّوا في عَماهم حَتّى رَدَّهُ اللَّهُ فَأغْرَقَهم بِهِ كَما أنَّ مَن يُكَذِّبُ بِالقِيامَةِ رَأى بَدْءَ اللَّهِ لَهُ [و -] لِغَيْرِهِ وإفْناءَهُ بَعْدَ إبْدائِهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُجِزْ أنْ يُعِيدَهُ كَما بَدَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى جَوابًا لِمَن يَقُولُ: هَلْ لِذَلِكَ مِن دَلِيلٍ؟ مُخاطِبًا لِأشْرَفِ الخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَعْتَبِرُ هَذا حَقَّ اعْتِبارِهِ إلّا أنْتَ، مُسْتَفْهِمًا عَنِ الإتْيانِ لِلتَّنْبِيهِ والحَثِّ عَلى جَمْعِ النَّفْسِ (p-٢٢٩)عَلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ والِاعْتِبارِ مُقَرِّرًا ومُسَلِّيًا لَهُ ﷺ ومُهَدِّدًا لِلْمُكَذِّبِينَ أنْ يَكُونَ حالُهم - وهم أضْعَفُ أهْلِ الأرْضِ لِأنَّهُ لا مَلِكَ لَهم – كَحالِ فِرْعَوْنَ في هَذا، وقَدْ كانَ أقْوى أهْلِ الأرْضِ بِما كانَ لَهُ مِنَ المَلِكِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ وقُوَّتِهِمْ وسِحْرِهِمْ ومَرُودِهِمْ في خِداعِهِمْ ومَكْرِهِمْ ورَأى مِنَ الآياتِ ما لَمْ يَرَهُ أحَدٌ قَبْلَهُ، فَلَمّا أصَرَّ عَلى التَّكْذِيبِ ولَمْ يَرْجِعْ ولا أفادَهُ التَّأْدِيبُ أغْرَقَهُ اللَّهُ وآلَهُ فَلَمْ يُبْقِ مِنهم أحَدًا وقَدْ كانُوا لا يُحْصَوْنَ عَدَدًا بِحَيْثُ إنَّهُ قِيلَ: إنَّ طَلِيعَتَهُ كانَتْ عَلى عَدَدِ بَنِي إسْرائِيلَ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ يا أعْلَمَ الخَلْقِ ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ أيْ ما كانَ مِن أمْرِهِ الَّذِي جَدَّدْناهُ لَهُ حِينَ أرَدْناهُ فَيَكُونُ كافِيًا لَكَ في التَّسْلِيَةِ ولِقَوْمِكَ في الحَثِّ عَلى التَّصْدِيقِ والتَّنْبِيهِ عَلى الِاعْتِبارِ والتَّهْدِيدِ عَلى التَّكْذِيبِ والإصْرارِ

النازعات 79:16

﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿ناداهُ رَبُّهُ﴾ أيِ المُحْسِنُ [إلَيْهِ - ] بِإيجادِهِ وتَقْرِيبِهِ وتَدْبِيرِهِ أمَرَ إرْسالَهُ وتَقْدِيرَهُ ﴿بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ أيِ المُطَهَّرِ غايَةَ التَّطَهُّرِ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ لَهُ بِإنْزالِ النُّبُوَّةِ المُفِيضَةِ لِلْبَرَكاتِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿طُوًى﴾ وهو الَّذِي طَوى فِيهِ الشَّرُّ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ومَن أرادَ اللَّهَ مِن خَلْقِهِ ونَشَرَ بَرَكاتِ النُّبُوَّةِ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ المُسْلِمِ بِإسْلامِهِ، وغَيْرُهُ بِرَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ، فَإنَّ العُلَماءَ قالُوا: إنَّ (p-٢٣٠)عَذابَ القَبْرِ - أيْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ - ارْتَفَعَ حِينَ أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ. وهُوَ وادٍ بِالطُّورِ بَيْنَ أيْلَةَ ومِصْرَ.

النازعات 79:17

ولَمّا ذَكَرَ المُناداةَ فَسَّرَ ثَمَرَتَها بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا مُنَبِّهًا لِأصْحابِ الشَّهْوَةِ المُعْجَبِينَ المُتَكَبِّرِينَ، وقَدْ أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ، ناداهُ قائِلًا: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ مَلِكِ مِصْرَ الَّذِي كانَ اسْتَعْبَدَ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ خَوَّفَ مِن واحِدٍ مِنهم فَصارَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم خَوْفًا مِنهُ وهو أنْتَ فَرَبَّيْناكَ في بَيْتِهِ لِهَلاكِهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ لا مَفَرَّ مِن قَدَرِنا، فَكُنْتَ أعَزَّ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ سَبَبُ هَلاكِهِ مَعَهُ في بَيْتِهِ بِمَرْأًى مِنهُ ومَسْمَعٍ وهو لا يَشْعُرُ بِذَلِكَ ثُمَّ قَتَلْتَ مِنهم نَفْسًا وخَرَجْتَ مِن بَلَدِهِمْ خائِفًا تَتَرَقَّبُ. ولَمّا أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، عَلَّلَهُ بِما يَسْتَلْزِمُ إهْلاكَهُ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشارَةً لَهُ بِالبِشارَةِ بِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ أمْرٌ يَقْتَضِي طَبْعَ البَشَرِ التَّوَقُّفُ فِيهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ أيِ الحَدَّ وتَجاوَزَ الحَدَّ فاسْتَحَقَّ المُقابَلَةَ بِالجِدِّ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الذَّهابِ إلَيْهِ قَوْلُهُ

النازعات 79:18

﴿فَقُلْ﴾ أيْ لَهُ تَفْصِيلًا لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ في ”طه“ مِن لِينِ القَوْلِ ولُطْفِ الِاسْتِدْعاءِ في الخِطابِ: ﴿هَلْ لَكَ﴾ أيْ مَيْلٌ وحاجَةٌ ﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ أيْ تَتَحَلّى بِالفَضائِلِ، وتَتَطَهَّرُ مِنَ الرَّذائِلِ، ولَوْ بِأدْنى أنْواعِ التَّزَكِّي: الطَّهارَةُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ المُوجِبَةُ لِلنَّماءِ والكَثْرَةِ، وإفْهامِ الأدْنى بِما (p-٢٣١)يُشِيرُ إلَيْهِ إسْقاطُ تاءِ التَّفَعُّلِ المُقْتَضِي لِلتَّخْفِيفِ، وذَلِكَ بِالإذْعانِ المُقْتَضِي لِلْإيمانِ وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ أيْ تَزْكِيَةً بَلِيغَةً لِأنَّ مَن دَخَلَ في التَّزَكِّي عَلى يَدِ كامِلٍ لا سِيَّما نَبِيٌّ مَن أُولِي العَزْمِ أوْشَكَ أنْ يَبْلُغَ الغايَةَ في الزَّكاءِ.

النازعات 79:19

ولَمّا أشارَ لَهُ الطَّهارَةَ عَنِ الشِّرْكِ، أتْبَعَها الأعْمالَ فَقالَ: ﴿وأهْدِيَكَ﴾ أيْ أُبَيِّنُ لَكَ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ بِالإيمانِ الَّذِي هو الأساسُ: كَيْفَ المَسِيرُ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُوجِدِ لَكَ والمُحْسِنِ إلَيْكَ والمُرَبِّي لَكَ بِتَعْرِيفِكَ ما يُرْضِيهِ مِنَ الأعْمالِ وما يُغْضِبُهُ مِنَ الخِصالِ بَعْدَ أنْ بَلَغَكَ في الدُّنْيا غايَةَ الآمالِ ﴿فَتَخْشى﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّكَ تَصِيرُ تَعْمَلُ أعْمالَ مَن يَخافُ مِن عَذابِهِ خَوْفًا عَظِيمًا، فَتُؤَدِّي الواجِباتِ وتَتْرُكُ المُحَرَّماتِ وسائِرَ المَنهِيّاتِ، فَتَصِيرُ إلى أعْلى رُتَبِ التَّزْكِيَةِ فَتَجْمَعُ مَلِكَ الآخِرَةِ إلى مَلِكِ الدُّنْيا، فَإنَّ الخَشْيَةَ هي الحامِلَةُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، والآمِنُ هو الحامِلُ عَلى الشَّرِّ.

النازعات 79:20

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ إلَيْهِ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ [لَهُ - ] ذَلِكَ فَطَلَبَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ واسْتَبْعَدَ أنْ يُخْتَصَّ عَنْهُ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ العَلِيَّةِ وقَدْ رَبّاهُ ولِيدًا ﴿فَأراهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ طَلَبِهِ لَهُ أنَّهُ (p-٢٣٢)دَلَّ عَلى صِدْقِهِ بِأنَّهُ أراهُ ﴿الآيَةَ﴾ أيِ العَلامَةَ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ﴿الكُبْرى﴾ وهي قَلْبُ العَصا حَيَّةً أوْ جَمِيعُ مُعْجِزاتِهِ

النازعات 79:21

﴿فَكَذَّبَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ رُؤْيَةِ ذَلِكَ أنَّهُ أوْقَعَ التَّكْذِيبَ بِشَيْءٍ إنَّما يَقْتَضِي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ التَّصْدِيقُ ﴿وعَصى﴾ أيْ أوْقَعَ العِصْيانَ، وهو الإباءُ الكَبِيرُ والتَّكَبُّرُ عَنِ امْتِثالِ ما دُعِيَ إلَيْهِ مَجْمُوعًا إلى التَّكْذِيبِ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى الصِّدْقِ وتَحَقُّقِ الأمْرِ.

النازعات 79:22

ولَمّا كانَ التَّمادِي عَلى التَّكْذِيبِ مِمَّنْ رَأى وعَرَفَ الحَقَّ ولا سِيَّما إذا كانَ كَبِيرًا مُسْتَبْعَدًا جِدًّا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي مَعَ دَلالَتِها عَلى حَقِيقَةِ التَّراخِي أيْضًا فَقالَ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ بَعْدَ المُهْلَةِ والأناةِ إدْبارًا عَظِيمًا بِالتَّمادِي عَلى أعْظَمِ مِمّا كانَ [فِيهِ - ] مِنَ الطُّغْيانِ بَعْدَ خُطُوبٍ جَلِيلَةٍ ومَشاهِدَ طَوِيلَةٍ. حالَ كَوْنِهِ ﴿يَسْعى﴾ أيْ يَعْمَلُ بِغايَةِ جُهْدِهِ عَمَلَ مَن هو مُسْرِعٌ غايَةَ الإسْراعِ في إبْطالِ الأمْرِ الرَّبّانِيِّ بِقِلَّةِ عَقْلِهِ وفَسادِ رَأْيِهِ وأبى أنْ يَقْبَلَ الحَقَّ

النازعات 79:23

﴿فَحَشَرَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إدْبارِهِ ساعِيًا وتَعَقَّبَهُ أنَّهُ جَمَعَ السَّحَرَةَ طَوْعًا وكُرْهًا وزادَ عَلَيْهِمْ أيْضًا جُنُودَهُ ﴿فَنادى﴾ أيْ في المَجامِعِ

النازعات 79:24

﴿فَقالَ﴾ أيْ مُنادِيهِ الَّذِي لا يَشُكُّ أنَّهُ عَنْهُ، (p-٢٣٣)فَكانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿أنا﴾ وقالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ رَبِّي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، لَئِنْ آمَنتُ بِرَبِّكَ تَكُونُ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ في السُّرُورِ والنَّعِيمِ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَقالَ: حَتّى أسْتَشِيرَ هامانَ، فاسْتَشارَهُ فَقالَ: أتَصِيرُ عَبْدًا بَعْدَ ما كُنْتَ رَبًّا تُعْبَدُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ الشُّرْطَ وجَمَعَ السَّحَرَةَ والجُنُودَ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا قامَ عَدُوُّ اللَّهِ عَلى سَرِيرِهِ فَقالَ: أنا ﴿رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَكانَ هَذا نِداؤُهُ يَعْنِي كُلُّكم أرْبابٌ بَعْضُكم فَوْقَ بَعْضٍ وأنا أعْلاكُمْ، ولا رَبَّ فَوْقِي أصْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإلَهَ عِنْدَهُ الطَّبِيعَةُ، وهي مُقَسَّمَةٌ في المَوْجُوداتِ، فَهم كُلُّهم أرْبابٌ، ومَن كانَ أعْلى كانَ أقْعَدُ في المُرادِ، وهو كانَ أعْلى مِنهم فَقَبَّحَهُ اللَّهُ ولَعَنَهُ ولَعَنَ مِن تَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِهِ كابْنِ عَرَبِيٍّ وابْنِ الفارِضِ وأتْباعِهِما حَيْثُ أنْكَرُوا المُخْتارَ المَلِكَ القَهّارَ، ورَسُولَهُ المُصْطَفى المُخْتارَ، وتَبِعُوا في وحْدَةِ الوُجُودِ بَعْضَ الفَلاسِفَةِ ثُمَّ الحَلّاجُ بَعْدَ فِرْعَوْنَ هَذا الَّذِي لَمْ يُصَرِّحِ اللَّهُ بِذَمِّ أحَدٍ ما صَرَّحَ بِذَمِّهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِشَقاءِ أحَدٍ ما صَرَّحَ بِشَقائِهِ، كَهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّها مُصَرِّحَةٌ بِوُقُوعِ نَكالِهِ في الآخِرَةِ كَما وقَعَ في الدُّنْيا، [و -] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] (p-٢٣٤)﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ والدَّلائِلِ الواضِحاتِ الَّتِي لا تُحْصى وهي كَثِيرَةٌ، وأعْظَمُها القِياسُ البَدِيهِيُّ الإنْتاجِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ويُرْوى أنَّ إبْلِيسَ لَمّا سَمِعَ مِنهُ قَوْلَهُ هَذا قالَ: إنِّي تَجَبَّرْتُ عَلى آدَمَ فَلَقِيتُ ما لَقِيتُ، وهَذا يَقُولُ هَذا؟ وهَذا دَعاهُ إلَيْهِ الكِبْرُ النّاشِئُ مِن فِتْنَةِ السَّرّاءِ الَّتِي الصَّبْرُ فِيها أعْظَمُ مِنَ الصَّبْرِ في الضَّرّاءِ، قالَ [الإمامُ - ] الغَزالِيُّ في كِتابِ الصَّبْرِ مِنَ الإحْياءِ: فالصَّبْرُ عَلى الطّاعَةِ شَدِيدٌ لِأنَّ النَّفْسَ بِطَبْعِها تَنْفِرُ عَنِ العُبُودِيَّةِ وتَشْتَهِي الرُّبُوبِيَّةَ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: ما مِن نَفْسٍ إلّا وهي مُضْمَرَةٌ ما أظْهَرَهُ فِرْعَوْنُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ولَكِنَّ فِرْعَوْنَ وجَدَ [لَهُ - ] مَجالًا وقَبُولًا فَأظْهَرَهُ إذِ اسْتَحَفَّ [فَأطاعُوهُ - ] وما مِن أحَدٍ إلّا وهو يَدَّعِي ذَلِكَ مَعَ عَبْدِهِ وخادِمِهِ وأتْباعِهِ وكُلِّ مَن هو تَحْتَ قَهْرِهِ وطاعَتِهِ وإنْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن إظْهارِهِ، فَإنَّ امْتِعاضَهُ وغَيْظَهُ عِنْدَ تَقْصِيرِهِمْ في خِدْمَتِهِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ إضْمارِ الكِبَرِ ومُنازَعَةِ الرُّبُوبِيَّةِ في رِداءِ الكِبْرِياءِ - انْتَهى. (p-٢٣٥)ويُؤَيِّدُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما لامَ خادِمَهُ في شَيْءٍ قَطُّ - واللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

النازعات 79:25

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ القادِحَةِ في المَلِكِ، وكانَ المُلُوكُ لا يَحْتَمِلُونَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، سَبَّبَ عَنْها وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ أخَذَ قَهْرَ وذُلَّ مُنَكَلًّا بِهِ مُخَذِّلًا لَهُ: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ﴾ فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى، أيْ أخْذُ تَنْكِيلٍ فِيها يَكُونُ مَثَلًا يَتَقَيَّدُ بِهِ ويَتَّعِظُ كُلَّ مَن سَمِعَهُ عَنْ مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ، وقَدَّمَها اهْتِمامًا بِشَأْنِها وإشارَةً إلى [أنَّ - ] عَظَمَةَ عَذابِها أعْظَمُ ولا يَذُوقُهُ الإنْسانُ إلّا بِكَشْفِ غِطاءِ الدُّنْيا بِالمَوْتِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَنعَ مِن مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى لِلصِّدْقِ بِها أمْكَنَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِلْفاصِلَةِ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: ”الأُخْرى“ لَوافَقَتْ ﴿والأُولى﴾ أيْ ونَكالُ الدُّنْيا الَّذِي هو قَبْلَ الآخِرَةِ فَإنَّ مِن سَمِعَ قِصَّةَ غَرَقِهِ ومَجْمُوعُ ما اتَّفَقَ لَهُ كانَ [لَهُ - ] ذَلِكَ نَكالًا مانِعًا مَن عَمِلَ مِثْلَهُ أوْ أقَلَّ مِنهُ، قالَ الضَّحّاكُ: أمّا في الدُّنْيا فَأغْرَقَهُ اللَّهُ تَعالى [وألْقاهُ - ] بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أمّا في العُقْبى فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ تَعالى النّارَ [و -] يَجْعَلُهُ ظاهِرًا عَلى تَلٍّ مِنها (p-٢٣٦)مَغْلُولًا مُقَيِّدًا يُنادِي عَلَيْهِ هَذا الَّذِي ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ دُونَ اللَّهِ انْتَهى. وأنا لا أشُكُّ أنَّ الحَلّاجَ وابْنَ عَرَبِيٍّ وابْنَ الفارِضِ، [وأتْباعَهم - ] يَكُونُونَ في النّارِ تَحْتَهم وتَحْتَ آلِهِ يَشْرَبُونَ عُصارَتَهُمْ، فَإنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهُ ناجٍ وصَدَّقُوهُ فِيما ادَّعاهُ وادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ [مِثْلُ - ] ما ادَّعاهُ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ وإغْراقًا في العُدْوانِ، وزادُوا عَلَيْهِ بِابْتِذالِ الِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي حَماهُ اللَّهُ مِن أنْ يَدَّعِيَهُ أحَدٌ قَبْلَ إرْسالِ النَّبِيِّ ﷺ فادَّعَوْا أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ وعَلى كُلِّ أحَدٍ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ، وأمارَةُ هَذِهِ الطّائِفَةِ الخَبِيثَةِ الَّتِي لا تَتَخَلَّفُ أنْ تَقُولَ لِأحَدِهِمُ: العَنْ فِرْعَوْنَ الَّذِي أجْمَعَ عَلى لَعْنِهِ جَمِيعُ الطَّوائِفِ. وهو مَثَلٌ عِنْدَهم في الشَّرارَةِ والخُبْثِ فَلا يَلْعَنُهُ، وإنَّ لَعْنَهُ فَبَعْدَ تَوَقُّفٍ.

النازعات 79:26

ولَمّا لَخَّصَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما مَضى مِن قِصَصِهِ في هَذِهِ الكَلِماتِ اليَسِيرَةِ أحْسَنَ تَلْخِيصٍ وأقْرَبَهُ مَعَ عَدَمِ المُخالَفَةِ لِشَيْءٍ مِمّا مَضى لِأنَّ المُفَصَّلَ مَوْضِعُ الِاخْتِصارِ أمّا بِاعْتِبارِ النُّزُولِ فَإنَّهُ نَزَلَ أوَّلًا فَكانَ تَقْرِيبُ القِصَصِ (p-٢٣٧)لِلنّاسِ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما لا بُدَّ مِنهُ أوْلى لِيَسْتَأْنِسُوا بِهِ، وأمّا مِن جِهَةِ التَّرْتِيبِ فَلِتَذْكِيرِهِمْ بِما مَضى لِيَجْتَمِعَ [فِي - ] المُخَيِّلَةِ في أقْرَبِ وقْتٍ ويَتَذَكَّرُ بِهِ ذَلِكَ المَبْسُوطُ، وخَتَمَهُ بِأخْذِهِ هَذا الأخْذَ الغَرِيبَ. أرْشَدَ [إلى - ] ما في القِصَّةِ مِنَ العِبْرَةِ، مُشِيرًا إلى اسْتِحْضارِ ما مَضى كُلُّهُ، فَقالَ مُؤَكِّدًا مُقَرِّرًا لِلْمُكَذِّبِ ومُنَبِّهًا لِلْمُصَدِّقِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي فَعَلَهُ والَّذِي فَعَلَ بِهِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيْ أمْرًا [عَظِيمًا - ] يَتَعَمَّدُ الِاعْتِبارُ بِهِ مِن مَعْنى إلى مَعْنى حَتّى يَقَعَ بِهِ الوُصُولُ إلى كَثِيرٍ مِنَ المَعارِفِ ﴿لِمَن يَخْشى﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ الخَوْفُ العَظِيمُ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ الخَشْيَةَ - كَما تَقَدَّمَ - هي أساسُ الخَيْرِ، فَأوَّلُ العُبُورِ أنْ يَنْقُلَ السّامِعُ حالَ غَيْرِهِ إلَيْهِ فَيَتَذَكَّرُ بِإنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ضَعْفِهِمْ مِنهم عَلى قُوَّتِهِمْ ثُمَّ بِقُوَّةِ ما حَصَلَ لَهم مِنَ القَهْرِ مِن ذَلِكَ حَتّى أوْجَبَ اتِّباعَهم بِالجُنُودِ ثُمَّ بِفَرْقِ البَحْرِ ثُمَّ بِإيرادِهِمْ إيّاهُ ثُمَّ بِإغْراقِهِمْ فِيهِ كَلَمْحِ البَصَرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنهم مُخْبِرٌ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إيرادِ الكُفّارِ النّارَ وقَهْرِ كُلِّ جَبّارٍ وبِجَعْلِ العَصا حَيَّةً وإخْراجِ القَمْلِ والضَّفادِعِ مِنَ الأرْضِ وتَحْوِيلِ الماءِ دَمًا (p-٢٣٨)قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ السّامِعِ بِالعَذابِ وغَيْرِهِ وعَلى خُصُوصِ البَعْثِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ [و -] واضِحُ الأثَرِ.

النازعات 79:27

ولَمّا خَتَمَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِالعِبْرَةِ، وكانَ أعْظَمُ عِبْرَتِها القُدْرَةُ التّامَّةُ لا سِيَّما عَلى البَعْثِ كَما هي مُشِيرَةٌ إلَيْهِ بِأوَّلِها وآخِرِها، والعُقُوبَةُ عَلى التَّكْذِيبِ [ بِهِ لِأنَّ التَّكْذِيبَ بِهِ - ] يَجْمَعُ مَجامِعَ [الشَّرِّ - ] والتَّصْدِيقَ بِهِ يَجْمَعُ مَجامِعَ الخَيْرِ، وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَهُ لِاسْتِبْعادِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وصَلَ بِهِ ما هو كالنَّتِيجَةِ مِنهُ، فَقالَ مُقَرَّرًا مُخاطَبًا لِأصْحابِ الشُّبْهَةِ الشّاكِّينَ مَوْقِفًا لَهم عَلى القُدْرَةِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمُ اسْتِبْعادَهم وذَلِكَ مُلْتَفِتًا بَعْدَ تَخْصِيصِ الخِطابِ بِهِ ﷺ [ لِما تَقَدَّمَ مِن دِقَّةِ فَهْمِهِ وجَلالَةِ عِلْمِهِ ﷺ - ] إلى عُمُومِ الخِطابِ لِوُضُوحِ هَذا البُرْهانِ لِكُلِّ إنْسانٍ اسْتِعْطافًا بِهِمْ في تَوْبِيخِ: ﴿أأنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها الأحْياءُ مَعَ كَوْنِكم خَلْقًا [ضَعِيفًا - ] ﴿أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ أصْعَبُ وأثْقَلُ مِن جِهَةِ التَّقْدِيرِ والإيجادِ ﴿أمِ السَّماءُ﴾ عَلى ما فِيها مِنَ السِّعَةِ والكِبْرِ والعُلُوِّ والمَنافِعِ. ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: السَّماءُ - لِما يَرى مِن أعْظَمِها لِأنَّ العالِمَ الإنْسانِيَّ مُخْتَصَرُ العالَمِ الآفاقِي، ويَزِيدُ الآفاقِي طُولَ البَقاءِ مَعَ عَدَمِ التَّأثُّرِ، وصَلَ بِهِ قَوْلُهُ دَلِيلًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ لِقُدْرَتِهِ عَلى ما هو أشَدُّ مِنهُ لِأنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى ابْتِداءِ الأكْبَرِ هو عَلى إعادَةِ الأصْغَرِ أقْدَرُ، مُبَيِّنًا (p-٢٣٩)لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ لَها: ﴿بَناها﴾ أيْ جَعَلَها سَقْفًا لِلْأرْضِ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ البِناءَ بِقَوْلِهِ:

النازعات 79:28

﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [أيْ - ] جَعَلَ مِقْدارَ ارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ أوْ سَمْنَها الذّاهِبِ في العُلُوِّ رَفِيعًا، قالَ في القامُوسِ: السَّمْكُ السَّقْفُ، أوْ مِن أعْلى البَيْتِ إلى أسْفَلِهِ، أوِ القامَةِ مَن كُلِّ شَيْءٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: السَّمْكُ الِارْتِفاعُ الَّذِي بَيْنَ سَطْحِ السَّماءِ الَّذِي يَلِينا وسَطْحِها الَّذِي يَلِي ما فَوْقَها: ﴿فَسَوّاها﴾ أيْ عَدَّلَها عَقِبَ ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَها مُسْتَوِيَةً لا شَيْءَ فِيها أعْلى مِن شَيْءٍ ولا أخْفَضَ ولا فُطُورَ فِيها، وأصْلَحُها بِما تَمَّ بِهِ كَمالُها مِنَ الكَواكِبِ وغَيْرِها، وجَعَلَ مِقْدارَ تُخْنِ كُلِّ سَماءٍ وما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ وتُخْنُ كُلِّ أرْضٍ وما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ عَلى السَّواءِ لا يَزِيدُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَلى الآخَرِ أصْلًا.

النازعات 79:29

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ لِأنَّهُ إيجادُ ما هو أشَدُّ مِن خَلْقِ الآدَمِيِّ مِن عَدَمٍ، أتْبَعَهُ ما يَتَصَوَّرُ بِهِ البَعْثَ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَرَّتَيْنِ فَقالَ: ﴿وأغْطَشَ﴾ أيْ أظْلَمَ إظْلامًا لا يَهْتَدِي مَعَهُ إلى ما كانَ في حالِ الضِّياءِ ﴿لَيْلَها﴾ أيْ بِغِيابِ شَمْسِها فَأخْفى ضِياءَها بِامْتِدادِ ظِلِّ الأرْضِ عَلى كُلِّ ما كانَتِ الشَّمْسُ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ. وأضافَهُ إلَيْها لِأنَّهُ يُحَدِّثُ بِحَرَكَتِها، وبَدَأ بِهِ لِأنَّهُ كانَ أوَّلًا، والعَدَمُ قَبْلَ الوُجُودِ (p-٢٤٠)﴿وأخْرَجَ ضُحاها﴾ بِطُلُوعِ شَمْسِها فَأضاءَ نَهارَها، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ بِ ”أغْطَشَ“ عَلى ”أضاءَ“ وبِإخْراجِ الضُّحى عَلى إخْفاءِ الضِّياءِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالضُّحى عَنِ النَّهارِ لِأنَّهُ أزْهَرُ ما فِيهِ وأقْوى نُورًا.

النازعات 79:30

ولَمّا بَدَأ بِدَلالَةِ العالَمِ العُلْوِيِّ لِأنَّهُ أدَلُّ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ والمَنافِعِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ، فَذَكَرَ أنَّهُ أتْقَنَ السَّماءَ الَّتِي هي كالذَّكَرِ، ثَنّى بِأنَّهُ سَوّى ما هي لَها كالأُنْثى فَقالَ: ﴿والأرْضَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ الزَّمانِ بِاسْتِمْرارِ الدَّحْوِ، حَذَفَ الخافِضَ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ كُلِّهِ ﴿دَحاها﴾ أيْ بَسَطَها ومَدَّها لِلسُّكْنى وبَقِيَّةِ المَنافِعِ بَعْدَ أنْ كانَ خَلَقَها وأوْجَدَها قَبْلَ إيجادِ السَّماءِ غَيْرَ مُسَوّاةٍ بِالفِعْلِ ولا مَدْحُوَّةٍ.

النازعات 79:31

ولَمّا ذَكَرَ الدَّحْوَ، أتْبَعَهُ ما اسْتَلْزَمَهُ مِنَ المَنافِعِ لِتَوَقُّفِ السُّكْنى المَقْصُودَةِ بِالدَّحْوِ عَلَيْهِ فَقالَ كالمُبَيِّنِ لَهُ مِن غَيْرِ عاطِفٍ: ﴿أخْرَجَ مِنها﴾ أيِ الأرْضَ ﴿ماءَها﴾ بِتَفْجِيرِ العُيُونِ، وإضافَتُهُ إلَيْها دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ فِيها ﴿ومَرْعاها﴾ الَّذِي يَخْرُجُ بِالماءِ، والمُرادُ ما يُرْعى مِنها ومَكانُهُ وزَمانُهُ.

النازعات 79:32

ولَمّا ذَكَرَ الأرْضَ ومَنافِعَها، ذَكَرَ المَراسِي الَّتِي تَمَّ بِها نَفْعُها فَقالَ: ﴿والجِبالَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿أرْساها﴾ أيْ أثْبَتَها وأقَرَّها [و -] مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً لا تَتَحَوَّلُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَها مَراسِي لِلْأرْضِ تَكُونُ سَبَبًا (p-٢٤١)لِثَباتِها كَما أنَّ المَراسِيَ سَبَبٌ لِثَباتِ السَّفِينَةِ.

النازعات 79:33

ولَمّا كانَتِ الإعادَةُ واضِحَةً مِن تَناوُلِ الحَيَوانِ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ وغَيْرِهِما مِنَ المَتاعِ فَإنَّهُ كُلَّما نَقَصَ مِنهُ شَيْءٌ تَناوُلَ ما قَدَرَ لَهُ لِيُعَوِّدَ ذَلِكَ أوْ بَعْضَهُ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ كُلُّ يَوْمٍ في إعادَةٍ بانِيًا حالًا مِمّا تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ: حالَ كَوْنِها ﴿مَتاعًا﴾ مُقَدَّرًا ﴿لَكُمْ﴾ تَتَمَتَّعُونَ بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ ﴿ولأنْعامِكُمْ﴾ أيْ مَواشِيكم بِالرَّعْيِ وغَيْرِهِ.

النازعات 79:34

ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى البَعْثِ، أتْبَعَهُ ما يَكُونُ عَنِ البَعْثِ مُسَبِّبًا عَنْهُ دَلالَةً عَلى أنَّ الوُجُودَ ما خَلَقَ إلّا لِأجْلِ البَعْثِ لِأنَّهُ مَحَطُّ الحِكْمَةِ: ﴿فَإذا جاءَتِ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ ﴿الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ أيِ الدّاهِيَةُ الدَّهْياءُ الَّتِي تَطِمُّ - أيْ تَعْلُو - عَلى سائِرِ الدَّواهِي وتُغَطِّيها فَتَكُونُ أكْبَرَ داهِيَةٍ تُوجَدُ، وهي البَعْثُ بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والعامِلُ في ”إذا“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَصَلَ النّاسَ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ.

النازعات 79:35

ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يُعْرَفُ قَدْرُهُ إذا كانَ غائِبًا إلّا بِما يَكُونُ فِيهِ، قالَ مُبْدِلًا مِنهُ: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ [أيْ - ] تَذَكُّرًا عَظِيمًا ظاهِرًا - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ ﴿الإنْسانُ﴾ أيِ الخَلْقُ الآنِسُ بِنَفَسِهِ الغافِلُ عَمّا (p-٢٤٢)خُلِقَ لَهُ ﴿ما سَعى﴾ أيْ عَمَلِ كُلَّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لِأنَّهُ يَراهُ في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ، والإخْبارُ عَنْ تَذَكُّرِهِ مُنَبِّهًا عَلى ما في ذَلِكَ [اليَوْمِ - ] مِنَ الخَطَرِ لِأنَّ أحَدًا لا يَعْمَلُ جُهْدَهُ في تَذَكُّرِهِ إلّا لِمُحْوِجٍ إلى ذَلِكَ وهو الحِسابُ وتَدْوِينُهُ في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ.

النازعات 79:36

ولَمّا أشارَ إلى الحِسابِ ذَكَرَ ما بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿وبُرِّزَتِ﴾ أيْ أظْهَرَتْ إظْهارًا عَظِيمًا، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الهائِلَ مُطْلَقُ تَبْرِيزِها لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، مَعَ الدَّلالَةِ عَلى الخِفَّةِ والسُّهُولَةِ لِكَوْنِهِ عَلى طَرِيقَةِ [كَلامٍ - ] القادِرِينَ ﴿الجَحِيمُ﴾ أيِ النّارُ الَّتِي اشْتَدَّ وقَدُها وحَرُّها ﴿لِمَن يَرى﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ لِأنَّهُ لا حائِلَ بَيْنَ أحَدٍ وبَيْنَ رُؤْيَتِها، لَكِنَّ النّاجِي لا يَصْرِفُ بَصَرَهُ إلَيْها فَلا يَراها كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء: ١٠٢]

النازعات 79:37

ولَمّا كانَ جَوابُ ”إذا“ كَما مَضى مَحْذُوفًا، وكانَ تَقْدِيرُهُ أنْ قَسَّمَ النّاسَ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لِلْجَحِيمِ وقِسْمٌ لِلنَّعِيمِ، قالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنْهُ مُفَصِّلًا: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ أيْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العُدْوانِ فَلَمْ يَخْشَ مَقامَ رَبِّهِ، قالَ في القامُوسِ: طَغى: جاوَزَ القَدْرَ وارْتَفَعَ [و -] طَغى: غَلا في الكُفْرِ وأسْرَفَ في المَعاصِي والظُّلْمِ، والماءُ: ارْتَفَعَ.

النازعات 79:38

ولَمّا كانَ الَّذِي بَعْدَ حُدُودِ اللَّهِ هو الدُّنْيا، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وآثَرَ﴾ أيْ أكْرَمَ وقَدَّمَ واخْتارَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ بِأنَّ جَعَلَ أثَرَ العاجِلَةِ (p-٢٤٣)الدَّنِيَّةِ لِحُضُورِها عِنْدَهُ أعْظَمَ مِن أثَرِ الآخِرَةِ العُلْيا لِغِيابِها، فَكانَ كالبَهائِمِ لا إدْراكَ لَهُ لِغَيْرِ الجُزْئِيّاتِ الحاضِرَةِ، فانْهَمَكَ في جَمِيعِ أعْمالِها وأعْرَضَ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ بِالعِبادَةِ وتَهْذِيبِ النَّفْسِ فَلَمْ يَنْهَ نَفْسَهُ عَنِ الهَوى.

النازعات 79:39

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُؤاخَذًا بِما اكْتَسَبَ، سَبَّبَ عَنْ أعْمالِهِ هَذِهِ قَوْلُهُ مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ﴾ أيِ النّارَ الشَّدِيدَةَ التَّوَقُّدَ العَظِيمَةَ الجُمُوعَ عَلى مَن يَدْخُلُها ﴿هِيَ﴾ أيْ لا غَيْرُها ﴿المَأْوى﴾ أيِ المَسْكَنِ لَهُ - هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ الضَّمِيرَ مَحْذُوفٌ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنْ ”ألْ“ نائِبٌ عَنِ الضَّمِيرِ - قالَهُ أبُو حَيّانَ.

النازعات 79:40

ولَمّا ذَكَرَ الطّاغِي، أتْبَعَهُ المُتَّقِي فَقالَ: ﴿وأمّا مَن خافَ﴾ ولَمّا [كانَ - ] ذَلِكَ الخَوْفُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أعْظَمُ مِن ذِكْرِ الخَوْفِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ قِيامَهُ بَيْنَ يَدَيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ عِنْدَ تَذَكُّرِ إحْسانِهِ فَلَمْ يَطْغَ فَكَيْفَ عِنْدَ تَذَكُّرِ جَلالِهِ وانْتِقامِهِ، أوِ المَكانِ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ والزَّمانِ، وإذا خافَ ذَلِكَ [المَقامَ - ] فَما ظَنُّكَ بِالخَوْفِ مِن صاحِبِهِ، وهَذا لا يَفْعَلُهُ إلّا مِن تَحَقُّقِ المَعادِ. ولَمّا ذَكَرَ الخَوْفَ ذَكَرَ ما يَتَأثَّرُ عَنْهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مُسَبِّبًا عَنْهُ لِيَفْهَمَ أنَّ كُلًّا مِنهُما فاصِلٌ عَلى حِيالِهِ وإنِ انْفَصَلَ عَنِ الآخَرِ فَقالَ: (p-٢٤٤)﴿ونَهى النَّفْسَ﴾ أيِ الَّتِي لَها المُنافَسَةُ ﴿عَنِ الهَوى﴾ أيْ كُلُّ ما تَهْواهُ فَإنَّهُ لا يَجُرُّ إلى خَيْرٍ لِأنَّ النّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَواتِ، والشَّرْعُ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما يُخالِفُ الطَّبْعَ وما تَهْوى الأنْفُسُ، وذَلِكَ هو المَحارِمُ الَّتِي حُفَّتْ بِها النّارُ فَإنَّها بِالشَّهَواتِ، قالَ الرّازِيُّ: والهَوى هو الشَّهْوَةُ المَذْمُومَةُ المُخالِفَةُ لِأوامِرِ الشَّرْعِ. قالَ الجُنَيْدُ: إذا خالَفَتِ النَّفْسُ هَواها صارَ داؤُها دَواءَها، أيْ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُؤْثِرِ الحَياةَ الدُّنْيا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أتى بِطَغى دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، وبِالنَّهْيِ عَنِ الهَوى ثانِيًا دَلالَةً عَلى إيثارِ الدُّنْيا أوَّلًا.

النازعات 79:41

ولَمّا كانَ مَقامَ تَرْغِيبٍ، رَبَطَ الجَزاءَ بِالعَمَلِ كَما صَنَعَ في التَّرْهِيبِ فَقالَ وأكَّدَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الكُفّارِ: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ﴾ أيِ البُسْتانِ الجامِعِ لِكُلِّ ما يَشْتَهِي ﴿هِيَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المَأْوى﴾ أيْ لَهُ، لا يَأْوِي إلى غَيْرِها، وهَذا حالُ المُراقِبِينَ.

النازعات 79:42

ولَمّا قَسَّمَهم هَذا التَّقْسِيمَ المُفْهِمَ أنَّ هَذا شَيْءٌ لا بُدَّ مِنهُ، اسْتَأْنَفَ ذِكْرَ اسْتِهْزائِهِمْ تَعْجِيبًا مِنهم فَقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أيْ قُرَيْشٌ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ سُؤالَ اسْتِهْزاءٍ وإنْكارٍ واسْتِبْعادٍ: ﴿عَنِ السّاعَةِ﴾ أيِ البَعْثِ الآخِرِ لِكَثْرَةِ ما تَتَوَعَّدُهم بِها عَنْ أمْرِنا. ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنْها مُبْهَمًا (p-٢٤٥)بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ [ في أيِّ - ] وقْتٍ إرْساؤُها أيْ وُقُوعُها أوْ ثَباتُها واسْتِقْرارُها.

النازعات 79:43

ولَمّا كانَ إيرادُ هَذا هَكَذا مُفْهِمًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ في هَذا السُّؤالِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّهم لَيَسْألُونَنِي ورُبَّما تَحَرَّكَتْ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ ﷺ إلى إجابَتِهِمْ لِحِرْصِهِ عَلى إسْلامِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَطَمَهُ عَنْ ذَلِكَ وصَرَّحَ بِالإنْكارِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ﴾ أيْ في أيِّ شَيْءٍ ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ ذِكْرُها العَظِيمُ لِتَعْرِفَها وتُبَيِّنَ وقْتَها لَهم حِرْصًا عَلى إسْلامِهِمْ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ عِلْمُها،

النازعات 79:44

ثُمَّ عَرَّفَها بِما لا يُمْكِنُ المَزِيدَ عَلَيْهِ مِمّا أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلُ مِن أنَّهُ لا يُمْكِنُ عِلْمُها لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ وحْدَهُ ﴿مُنْتَهاها﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِها وجَمِيعَ أمْرِها.

النازعات 79:45

ولَمّا كانَ غايَةُ أمْرِهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ مُتَقَوِّلٌ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، قَلَبَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ﴾ أيْ يا أشْرَفَ المُرْسَلِينَ ﴿مُنْذِرُ﴾ أيْ مُخَوِّفٌ عَلى سَبِيلِ الحَتْمِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ مَعَ عِلْمِكَ بِما تُخَوِّفُ بِهِ العِلْمَ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ﴿مَن يَخْشاها﴾ أيْ فِيهِ أهْلِيَّةٌ أنْ يَخافَها خَوْفًا عَظِيمًا فَيَعْمَلُ لَها لِعِلْمِهِ بِإتْيانِها لا مَحالَةَ وعِلْمِهِ بِمَوْتِهِ لا مَحالَةَ وعِلْمِهِ بِأنَّ كُلَّ ما (p-٢٤٦)تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ فَهو قَرِيبٌ، وذَلِكَ لا يُناسِبُ تَعْيِينَ وقْتِها فَإنَّ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الخَشْيَةِ لا يَزِيدُهُ إبْهامُها إلّا خَشْيَةً، وغَيْرُهُ لا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إلّا اجْتِراءً وإجْرامًا، فَما أرْسَلْناكَ إلّا لِلْإنْذارِ بِها لا لِلْإعْلامِ بِوَقْتِها، فَإنَّ النّافِعَ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي، ولَسْتَ في شَيْءٍ مِمّا يَصِفُونَكَ بِهِ كَذِبًا مِنهم لِأنّا ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ولا أنْتَ مَبْعُوثٌ لِتَحْرِيرِ وقْتِ السّاعَةِ وعِلْمٍ عَيَّنَهُ، وإنَّما قَصَرَهُ عَلى مَن يَخْشى لِأنَّ غَيْرَهُ لا يَنْتَفِعُ بِإنْذارِهِ، فَكانَ كَأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الإنْذارُ، ولِهَذا المَعْنى أضافَ إشارَةً إلى أنَّهُ عَرِيقٌ في إنْذارِ مَن يَخْشى، وأمّا غَيْرُهُ فَهو مُنْذِرٌ لَهُ في الجُمْلَةِ أيْ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةُ الإنْذارِ لِأنَّهُ مُنْذِرُهُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ مَعْنى الإنْذارِ.

النازعات 79:46

ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ مُنْذِرٌ، وكانَ أخْوَفُ الإنْذارِ الإسْراعُ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُحَقِّرًا لَهُمُ الدُّنْيا مُزَهِّدًا لَهم فِيها: ﴿كَأنَّهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ لِصِحَّةِ الإنْذارِ بِها ﴿يَوْمَ يَرَوْنَها﴾ أيْ يَعْلَمُونَ قِيامَها عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ويَرَوْنَ ما يَحْدُثُ فِيها بَعْدَ سَماعِ الصَّيْحَةِ وقِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ مِن عِلْمِهِمْ بِما مَرَّ مِن زَمانِهِمْ وما يَأْتِي مِنهُ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ في الدُّنْيا وفي القُبُورِ ﴿إلا عَشِيَّةً﴾ أيْ مِنَ الزَّوالِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. ولَمّا كانُوا عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ مِن شَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ قالَ: ﴿أوْ ضُحاها﴾ أيْ ضُحى عَشِيَّةٍ مِنَ العَشايا (p-٢٤٧)وهُوَ البَكْرَةُ إلى الزَّوالِ، والعَشِيَّةُ ما بَعْدَ ذَلِكَ، أُضِيفَ إلَيْها الضُّحى لِأنَّهُ مِنَ النَّهارِ، ولِإضافَةٍ تَحْصُلُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وهي هُنا كَوْنُهُما مِن نَهارٍ واحِدٍ، فالمُرادُ ساعَةٌ مِن نَهارٍ أوَّلُهُ أوْ آخِرُهُ، لَمْ يَسْتَكْمِلُوا نَهارًا تامًّا ولَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وهَذا كَما قالَ ﷺ «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ» وهَذا تَعْبِيرٌ لَنا بِما نُحِسُّهُ تَقْرِيبًا لِعُقُولِنا وإنْ كانَتِ القاعِدَةُ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِما يَتَناهى إلى ما لا يَتَناهى عَلى أنَّ الكُفّارَ أيْضًا يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ، فَكَأنَّهم أصْنافٌ: بَعْضُهم يَقُولُ: إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا، وبَعْضُهم يَتَحَيَّرُ فَيَقُولُ: اسْألِ العادِّينَ، أوْ أنَّ تِلْكَ أقْوالَهُمْ، والحَقُّ مِن ذَلِكَ هو ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ مُضافٍ إلى أقْوالِهِمْ مِن أنَّ ما مَضى لَهم في جَنْبِ ما يَأْتِي كَأنَّهُ ساعَةٌ مِن نَهارٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّهارِ [الكامِلِ - ] كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] عَلى أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ ذَلِكَ أيْضًا كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ حِينَ قالَ تَعالى ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما كَشَفَ لَهم عَنْ أنَّهم يَسْتَقْبِلُونَهُ مِمّا لا آخِرَ لَهُ أوْ أنَّهم لَمّا نَزَعَتْهم نَفْحَةُ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِيَدِ القُدْرَةِ مِن قُبُورِهِمْ غَرَقًا (p-٢٤٨)نَزْعًا شَدِيدًا فَقامُوا ورَأوْا تِلْكَ الأهْوالَ وعَلِمُوا ما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الأوْجالِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِأنَّ مَنِ اسْتَلَذَّ شَيْئًا اسْتَقْصَرَ مُدَّتَهُ وهُمُ اسْتَلَذُّوا ذَلِكَ وإنْ كانَ مِن أمَرِّ المُرِّ في جَنْبٍ لَهم عَنْ أنَّهم لاقَوْهُ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها بِالقِيامَةِ عَلى أوَّلِها، والتَفَّ مَفْصِلُها بِنَزْعِ الأنْفُسِ اللَّوّامَةِ عَلى مُوصِلِها، واتَّصَلَتْ بِأوَّلِ ما بَعْدَها مِن جِهَةِ الخَشْيَةِ والتَّذَكُّرِ فَيا طِيبَ مُتَّصَلِها، فَسُبْحانَ مَن جَعَلَهُ مُتَعانِقَ المُقاطِعِ والمُطالِعِ، وأنْزَلَهُ رِياضًا مُحْكَمَةَ المَذاهِبِ والمَراجِعِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

عبس 80:1

(p-٢٤٩)سُورَةُ عَبَسَ وتُسَمّى الصّاخَّةُ مَقْصُودُها شَرْحُ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] بِأنَّ المُرادَ الأعْظَمَ تَزْكِيَةُ القابِلِ لِلْخَشْيَةِ بِالتَّخْوِيفِ بِالقِيامَةِ الَّتِي قامَ الدَّلِيلُ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْها بِابْتِداءِ الخَلْقِ مِنَ الإنْسانِ، وبِكُلٍّ مِنَ الِابْتِداءِ والإعادَةِ لِطَعامِهِ والتَّعْجِيبِ مِمَّنْ أعْرَضَ مَعَ قِيامِ الدَّلِيلِ والإشارَةِ إلى أنَّ الِاسْتِغْناءَ والتَّرَفَ أمارَةُ الإعْراضِ وعَدَمُ القابِلِيَّةِ والتَّهَيُّؤِ لِلْكُفْرِ والفُجُورِ، وإلى أنَّ المَصائِبَ أمارَةٌ لِلطَّهارَةِ والإقْبالِ واسْتِكانَةِ القُلُوبِ وسُمُوِّ النُّفُوسِ لِشَرِيفِ الأ " مالَ، فَكُلُّ مَن كانَ فِيها أرْسَخُ كانَ قَلْبَيْهِ أرَقَّ وألْطَفَ فَكانَ أخْشى، فَكانَ الإقْبالُ عَلَيْهِ أحَبَّ وأوْلى، واسْمُها عَبَسَ هو الدّالُّ عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ آياتِهِ وتَدَبُّرِ فَواصِلِهِ وغاياتِهِ، وكَذا الصّاخَّةُ النّافِخَةُ بَشَرِّها وشَرَرِها والباخَةُ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ والحِكْمَةُ الباهِرَةُ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ الظّاهِرَةِ ثُمَّ بِآياتِ البَيانِ الزّاهِرَةِ، ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِأنْ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَتْ بِهِمْ إلى مَرْضاتِهِ سائِرَةٌ. * * (p-٢٥٠)لِما قَصَرَهُ سُبْحانَهُ عَلى إنْذارِهِ مَن يَخْشى، وكانَ قَدْ جاءَهُ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ [الأعْمى - ] رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكانَ مِنَ السّابِقِينَ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ مَجِيئِهِ مُشْتَغِلًا بِدُعاءِ ناسٍ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ وجَدَ مِنهم نَوْعَ لِينٍ، فَشَرَعَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْألُهُ [ وهو لا يَعْلَمُ ما هو فِيهِ مِنَ الشَّغْلِ، يَسْألُهُ - ] أنْ يُقْرِئَهُ ويُعَلِّمَهُ [ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ - ] فَكَرِهَ أنْ يَقْطَعَ كَلامَهُ مَعَ أُولَئِكَ خَوْفًا مِن أنْ يَفُوتَهُ مِنهم ما يَرْجُوهُ مِن إسْلامِهِمُ المُسْتَتْبَعِ لِإسْلامِ ناسٍ كَثِيرٍ مِن أتْباعِهِمْ، فَكانَ يُعْرِضُ عَنْهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِمْ، وتَظْهَرُ الكَراهَةُ في وجْهِهِ، لاطَفَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالعِتابِ عَنِ التَّشاغُلِ عَنْ أهْلِ ذَلِكَ بِالتَّصَدِّي لِمَن شَأْنُهُ أنْ لا يَخْشى لِافْتِتانِهِ بِزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وإقْبالِهِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى ما يَفْنى، فَقالَ مُبَيِّنًا لِشَرَفِ الفَقْرِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وفَضْلِ أهْلِ الدِّينِ وإنْ هانُوا، وخِسَّةِ أهْلِ الدُّنْيا وإنْ زانُوا، مُعَظِّمًا لَهُ ﷺ بِسِياقِ الغَيْبَةِ كَما قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا حَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ: وعَلى مَن هَهُنا - يُشِيرُ إلى ناحِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وهو مُعْرِضٌ عَنْها حَياءً مِنهُ ﷺ وإجْلالًا لَهُ: ﴿عَبَسَ﴾ أيْ فَعَلَ الَّذِي هو أعْظَمَ خَلْقِنا ونُجِلُّهُ عَنْ أنْ نُواجِهَهُ بِمِثْلِ هَذا العِتابِ بِوَجْهِهِ فِعْلَ الكارِهِ لِلشَّيْءِ مِن تَقْطِيبِ الوَجْهِ بِما لَهُ مِنَ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ حِينَ يُحالُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ، وآذَنَ بِمَدْحِهِ ﷺ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافَ ما طَبَّعَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن رَحْمَةِ المَساكِينِ ومَحَبَّتِهِمْ والسُّرُورِ بِقُرْبِهِمْ وصُحْبَتِهِمْ (p-٢٥١)[بِقَوْلِهِ - ] ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ كَلَّفَ نَفْسَهُ الإعْراضَ عَنْهُ رَجاءِ أنْ يُسْلِمَ أُولَئِكَ الأشْرافُ الَّذِينَ كانَ يُخاطِبُهم فَيَتَأيَّدُ بِهِمُ الإسْلامُ ويُسْلِمُ بِإسْلامِهِمْ أتْباعُهم فَتَعْلُو كَلِمَةُ اللَّهِ [لِأجَلِ - ]

عبس 80:2

﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُبالِغَ في العَطْفِ عَلَيْهِ وفي إكْرامِهِ جَبْرًا لِكَسْرِهِ واعْتِرافًا بِحَقِّهِ في مَجِيئِهِ، وذَكَرَهُ بِالوَصْفِ لِلْإشْعارِ بِعُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ الكَلامِ والبَعْثِ عَلى الرَّأْفَةِ [بِهِ - ] والرَّحْمَةِ لَهُ، فَكانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: «مُرَحِّبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي» واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ عِنْدَ غَزْوِهِ مَرَّتَيْنِ، قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ورَأيْتُهُ يَوْمَ القادِسِيَّةَ عَلَيْهِ دِرْعٌ ومَعَهُ رايَةٌ سَوْداءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

عبس 80:3

ولَمّا عَرَفَ بِسِياقِ الغَيْبَةِ ما أُرِيدَ مِنَ الإجْلالِ، وكانَ طُولُ الإعْراضِ مُوجِبًا لِلِانْقِباضِ، أقْبَلَ عَلَيْهِ ﷺ فَقالَ: ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِهِ وإنِ اجْتَهَدْتَ في ذَلِكَ فَإنَّ ذَواتَ الصُّدُورِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى ﴿لَعَلَّهُ﴾ أيِ الأعْمى ﴿يَزَّكّى﴾ أيْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُرْجى تَطَهُّرُهُ ونُمُوُّ أحْوالِهِ الصّالِحَةِ بِما يَسْمَعُ مِنكَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ إدْغامُ تاءِ الِافْتِعالِ (؟)، وكَذا قَوْلُهُ:

عبس 80:4

﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ أيْ أوْ يَقَعُ مِنهُ التَّذَكُّرُ لِشَيْءٍ يَكُونُ سَبَبًا لِزَكائِهِ وتَذَكُّرِهِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنهُ (p-٢٥٢)عَلى أدْنى الوُجُوهِ المُخْرِجَةِ مِنَ الكُفْرِ فَإنَّ الخَيْرَ لا يُحَقَّرُ شَيْءٌ مِنهُ، وسَبَّبَ عَنْ تَزَكِّيهِ وتَذَكُّرِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ أيْ عَقِبِ تَذَكُّرِهِ وسَبَبُهُ ﴿الذِّكْرى﴾ وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ الإعْراضَ كانَ لِتَزْكِيَةِ غَيْرِهِ وتَذَكُّرِهِ، وقِراءَةِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابُ ”لَعَلَّ“ .

عبس 80:5

ولَمّا ذَكَرَ العُبُوسَ والتَّوَلِّيَ عَنْهُ فَأفْهَما ضِدَّهُما لِمَن كانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ أيْ طَلَبَ الغِنى وهو المالُ والثَّرْوَةُ فَوَجَدَهُ وإنْ لَمْ يَخْشَ ولَمْ يَجِئْ إلَيْكَ

عبس 80:6

﴿فَأنْتَ لَهُ﴾ أيْ دُونَ الأعْمى ﴿تَصَدّى﴾ أيْ تَتَعَرَّضُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والِاجْتِهادِ في وعْظِهِ رَجاءَ إسْلامِهِ وإسْلامِ أتْباعِهِ بِإسْلامِهِ وهم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلٍ و[ أُبَيُّ و- ] أُمَيَّةً ابْنا خَلْفٍ، وأشارَ حَذْفَ تاءِ التَّفَعُّلِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وإدْغامِها في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ [إلى - ] أنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى وجْهٍ خَفِيفٍ كَما هي عادَةُ العُقَلاءِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] وقالَ بَعْدَ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] افْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الأُخْرى بِمِثالٍ يَكْشِفُ عَنِ المَقْصُودِ مِن حالِ أهْلِ التَّذَكُّرِ والخَشْيَةِ وجَمِيلِ الِاعْتِناءِ الرَّبّانِيِّ بِهِمْ و[ أنَّهم و- ] إنْ كانُوا في دُنْياهم ذَوِي خُمُولٍ لا يَؤُبُّهُ لَهم فَهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ في عِدادِ مَنِ اخْتارَهُ لِعِبادَتِهِ (p-٢٥٣)وأهْلِهِ لِطاعَتِهِ وإجابَةِ رَسُولِهِ ﷺ وأعْلى مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ» ومِنهُمُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [وهُوَ - ] الَّذِي بِسَبَبِهِ نَزَلَتِ السُّورَةُ ووَرَدَتْ بِطَرِيقِ العَتَبِ وُصاةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وتَنْبِيهًا عَلى أنْ يَعْمَلَ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ عَلى مُصابَرَةِ [أمْثالِ - ] ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وأنْ لا يَحْتَقِرَ وحاشاهُ ﷺ مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ التَّحْذِيرَ مِن هَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ وقْعٌ يُشْعِرُ بِعَظِيمِ الِاعْتِناءِ بِمَن حَذَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] و﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] و﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وهو كَثِيرٌ، وبَسْطٌ هَذا الضَّرْبِ لا يُلائِمُ مَقْصُودُنا في هَذا التَّعْلِيقِ، لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ ﷺ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ سائِلًا ومُسْتَرْشِدًا وهو ﷺ يُكَلِّمُ رَجُلًا مِن أشْرافِ قُرَيْشٍ وقَدْ طَمِعَ في إسْلامِهِ ورَجاءَ إنْقاذِهِ مِنَ النّارِ وإنْقاذِ ذَوِيهِ وأتْباعِهِ، فَتَمادى عَلى طَلَبِهِ هَذا الرَّجُلُ لَمّا كانَ يَرْجُوهُ ووَكَّلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ إلى إيمانِهِ [فَأغْفَلَ - ] فَوْرِيَّةَ مُجاوَبَتِهِ وشَقَّ عَلَيْهِ إلْحاحُهُ خَوْفًا مَن تَفَلُّتِ الآخِرَةِ ومُضِيِّهِ عَلى عَقِبِهِ وهَلاكِهِ (p-٢٥٤)عَتَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ٢] ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ [عبس: ٤] وهي مِنهُ سُبْحانَهُ واجِبَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في السُّورَةِ قَبْلَ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] فَلَمْ يُقَدِّرْ لَهُ بِذَلِكَ ولا انْتَفَعَ بِبُعْدِ صِيتِهِ في دُنْياهُ ولا أغْنى عَنْهُ ما نالَ مِنها وبارَتْ [مَوادُّ - ] تَدْبِيرِهِ وعَمِيَتْ عَلَيْهِ الأنْباءُ إلى أنْ قالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨] ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧] فَأنّى يَزَّكّى؟ ولَوْ سَبَقَتْ لَهُ سَعادَةٌ لَأبْصَرَ مِن حالِهِ عَيْنَ اللَّهْوِ ولِلَّعِبِ حِينَ مَقالَتِهِ الشَّنْعاءِ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] ولَمّا سَبَقَتْ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الحُسْنى لَمْ يَضِرْهُ عَدَمُ الصِّيتِ الدُّنْياوِيِّ ولا أخَلَّ بِهِ عَماهُ بَلْ عَظَّمَ رَبَّهُ شَأْنُهُ لَمّا نَزَلَ في حَقِّهِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] فَيا لَهُ صِيتًا ما أجَّلَهُ بِخِلافِ مَن قَدَّمَ ذِكْرَهُ مِمَّنْ طُرِدَ فَلَمْ يَتَزَكَّ ولَمْ يَنْتَفِعْ بِالذِّكْرى حِينَ قُصِدَ بِها ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] كابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، ومِن نَمَطِ ما نَزَلَ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] [ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] - ] فَتَبارَكَ رَبُّنا ما أعْظَمَ لُطْفَهُ بِعَبِيدِهِ - اللَّهُمَّ لا تُؤْيِسَنا (p-٢٥٥)مِن رَحْمَتِكَ ولا تَقْنُطْنا مِن لُطْفِكَ ولا تَقْطَعْ بِنا عَنْكَ بِمَنِّكَ وإحْسانِكَ - انْتَهى.

عبس 80:7

ولَمّا كانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ فِعْلَ مَن يَخْشى أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ في بَقائِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ مَلامَةً، بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ سالِمٌ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما﴾ [أيْ - ] فَعَلْتَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ ما ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ مِن بَأْسٍ في ﴿ألا يَزَّكّى﴾ أصْلًا ورَأْسًا ولَوْ بِأدْنى تَزَكٍّ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ - إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا أيْ وأيُّ شَيْءٍ يَكُونُ عَلَيْكَ في عَدَمِ تَزَكِّيهِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاجْتِهادُ في تَزَكِّيةِ التّابِعِ الَّذِي عَرَفَ مِنهُ القَبُولَ.

عبس 80:8

ولَمّا ذَكَرَ المُسْتَغْنِي، ذَكَرَ مُقابِلَهُ فَقالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَسْعى﴾ أيْ مُسْرِعًا رَغْبَةً فِيما عِنْدَكَ مِنَ الخَيْرِ المُذَكِّرِ بِاللَّهِ وهو فَقِيرٌ

عبس 80:9

﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿يَخْشى﴾ أيْ يُوجَدُ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنَ الكُفّارِ في أذاهم عَلى الإتْيانِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ومِن مَعاثِرِ الطَّرِيقِ لِعَماهُ

عبس 80:10

﴿فَأنْتَ عَنْهُ﴾ أيْ خاصَّةً في ذَلِكَ المَجْلِسِ لِكَوْنِهِ في الحاصِلِ ﴿تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ لِأجْلِ أُولَئِكَ الأشْرافِ (p-٢٥٦)الَّذِينَ تُرِيدُ إسْلامَهم لِعُلُوٍّ بِهِمُ الدِّينَ تَشاغُلًا حَفِيفًا بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ، مِن لَهّى عَنْهُ كَرَضِيَ - إذا سَلّى وغَفَلَ وتَرَكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِأُولَئِكَ لا فائِدَةَ فِيهِ عَلى ما تَفْهَمُهُ تَصارِيفُ المادَّةِ وإلى أنَّ مَن يَقْصِدُ الإنْسانَ ويَتَخَطّى رِقابَ النّاسِ إلَيْهِ لَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ عَظِيمٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الغِنى أوَّلًا يَدُلُّ عَلى الفَقْرِ ثانِيًا، وذِكْرُ المَجِيءِ والخِسِّيَّةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ التَّحْذِيرِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ مِنَ المَيْلِ إلى الأغْنِياءِ، ومِنَ الِاسْتِهانَةِ بِحَقِّ الآتِي إعْظامًا لِمُطْلَقِ إتْيانِهِ.

عبس 80:11

ولَمّا كانَ العِتابُ الَّذِي هو مِن شَأْنِ الأحْبابِ مُلَوِّحًا بِالنَّهْيِ عَنِ الإعْراضِ عَمَّنْ وقَعَ العِتابُ عَلَيْهِ، وكُلُّ مَن كانَ حالُهُ كَحالِهِ والتَّشاغُلُ عَنْ راغِبٍ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا تَفْعَلُ ذَلِكَ أصْلًا فَإنَّ الأمْرَ في القَضاءِ والقَدْرِ لَيْسَ عَلى ما يَظُنُّ العِبادُ ولا هو جارٍ عَلى الأسْبابِ الَّتِي تَعْرِفُونَها بَلْ هو مِن وراءِ عُلُومِهِمْ عَلى حُكْمٍ تَدُقُّ عَنْ أفْكارِهِمْ وفُهُومِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ، ﴿إنَّها﴾ أيِ القُرْآنُ، ولَعَلَّهُ أنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ ما تُلِيَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَجْلِسِ مِنَ الآياتِ أوِ السُّوَرِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ تُذَكِّرُهم تَذْكِيرًا عَظِيمًا بِما إنْ تَأمَّلُوهُ شاهَدُوهُ في أنْفُسِهِمْ (p-٢٥٧)وفِي الآفاقِ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إلّا وهم يَعْرِفُونَهُ لَوْ أقْبَلُوا بِكُلِّيَّتِهِمْ عَلَيْهِ، فَما عَلى المُذَكِّرِ بِها غَيْرُ البَلاغِ، فَمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ فَأهْلًا وسَهْلًا، ومَن أعْرَضَ فَبُعْدًا [لَهُ - ] وسُحْقًا.

عبس 80:12

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَ لِلْإنْسانِ عَقْلًا واخْتِيارًا، ويَسَّرَ أمْرَ القُرْآنِ في الحِفْظِ والفَهْمِ لِمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيْ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ في القُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ذَكَرَهُ﴾ أيْ حَفِظَ القُرْآنَ كُلَّهُ وتَذَكَّرَ ما فِيهِ مِنَ الوَعْظِ مِن غَيْرِ تَكْرِيرٍ ولا مُعالَجَةٍ تُحْوِجُ إلى الإعْراضِ عَنْ بَعْضِ المُقْبِلِينَ الرّاغِبِينَ، ولِلْإشارَةِ إلى حِفْظِهِ كُلِّهِ ذَكَرَ الضَّمِيرَ.

عبس 80:13

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: حالَ كَوْنِ القُرْآنُ مُثْبِتًا أوْ حالَ كَوْنِ الذّاكِرُ لَهُ [مُثْبِتًا- ]، قالَ واصِفًا لِتَذْكِرَةٍ مُبَيِّنًا لِشَرَفِها بِتَشْرِيفِ ظَرْفِها وظَرْفِ ظَرْفِها ﴿فِي صُحُفٍ﴾ أيْ أشْياءَ يُكْتَبُ فِيها مِنَ الوَرَقِ وغَيْرِهِ ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ أيْ مُكَرَّرَةِ التَّكْرِيمِ ومُعَظَّمَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ في كُلِّ أُمَّةٍ و[كُلِّ - ] مِلَّةٍ

عبس 80:14

﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ عَلَيْهِ المِقْدارُ بِإعْلاءِ كُلِّ أحَدٍ لا سِيَّما مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أيْ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي أهْلِ السُّفُولِ وعَنْ قَوْلِهِمْ (p-٢٥٨)إنَّها شِعْرٌ أوْ سِحْرٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، وعَلَّقَ [أيْضًا - ] بِمُثْبِتٍ - بِالفَتْحِ أوِ الكَسْرِ عَلى اخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ - قَوْلُهُ مُبَيِّنًا شَرَفَ ذَلِكَ الظَّرْفِ لِذَلِكَ الظَّرْفِ إشارَةً إلى نِهايَةِ الشَّرَفِ لِلْمَظْرُوفِ:

عبس 80:15

﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أيْ كَتَبَةٍ يُظْهِرُونَ الكِتابَةَ بِما فِيها مِنَ الأخْبارِ الغَرِيبَةِ والأحْكامِ العَلِيَّةِ في [كُلِّ - ] حالٍ، فَإنْ كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ بِالفَتْحِ فَهو حَقِيقَةٌ في أنَّهم مَلائِكَةٌ يَكْتُبُونَهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ يَكُونُ جَمْعًا سافِرًا إمّا بِمَعْنى الكِتابِ أوِ المُسافِرِ [أيِ - ] القَطْعِ لِلْمَسافَةِ أوِ السَّفِيرِ الَّذِي [هُوَ - ] المُصْلِحُ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ، وبِهِمْ يَصْلُحُ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا، وإنْ كانَ بِالكَسْرِ فَهو مَجازٌ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى كِتابَةِ الذِّكْرُ يَكُونُ مُهَذَّبًا في الحالِ أوْ في المَآلِ في الغالِبِ، وتَرْكِيبُ سِفْرٍ لِلْكَشْفِ

عبس 80:16

﴿كِرامٍ﴾ [ أيْ يَنْطَوُونَ عَلى مَعالِي الأخْلاقِ مَعَ أنَّهم أعِزّاءُ عَلى اللَّهِ - ] ﴿بَرَرَةٍ﴾ أيْ أتْقِياءٍ في أعْلى مَراتِبِ التَّقْوى والكَرَمِ وأعَزِّها وأوْسَعِها.

عبس 80:17

ولَمّا كانَ الوَصْفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ العالِيَةِ لِلْكَتَبَةِ الَّذِينَ أيْدِيهِمْ ظَرْفٌ لِلصُّحُفِ الَّتِي هي ظَرْفٌ لِلتَّذْكِرَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عُلُوِّ المَكْتُوبِ وجَلالَةِ مِقْدارِهِ وعَظْمَةِ آثارِهِ وظُهُورِ ذَلِكَ لِمَن تَدَبَّرَهُ وتَأمَّلَهُ حَقَّ تَأمُّلِهِ (p-٢٥٩)وأنْعَمَ نَظَرَهُ، عَقِبَهُ [بِقَوْلِهِ - ] ناعِيًا عَلى مَن [لَمْ - ] يُقْبِلْ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ داعِيًا بِأعْظَمِ شَدائِدِ الدُّنْيا الَّتِي هي القَتْلُ في صِيغَةِ الخَبَرِ لِأنَّهُ أبْلَغُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الآنِسُ بِنَفَسِهِ النّاسِي لِرَبِّهِ المُتَكَبِّرُ عَلى غَيْرِهِ المُعْجَبُ بِشَمائِلِهِ الَّتِي أبْدَعَها لَهُ خالِقُهُ، حَصَلَ قَتْلُهُ بِلَعْنِهِ وطَرْدِهِ وفَرَغَ مِنهُ بِأيْسَرِ سَعْيٍ وأسْهَلِهِ مِن كُلِّ مَن يَصِحُّ ذَلِكَ مِنهُ لِأنَّهُ أسْرَعُ شَيْءٍ إلى الفَسادِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى النَّقائِصِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ أيْ ما أشَدَّ تَغْطِيَتَهُ لِلْحَقِّ وجَحْدَهُ لَهُ وعِنادَهُ فِيهِ لِإنْكارِهِ البَعْثَ وإشْراكِهِ بِرَبِّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ، فَهو دُعاءُ عَلَيْهِ بِأشْنَعِ دُعاءٍ [و -] تَعْجِيبٌ مِن إفْراطِهِ في سَتْرِ مَحاسِنِ القُرْآنِ الَّتِي لا تَخْفى عَلى أحَدٍ ودَلائِلُهُ عَلى القِيامَةِ وكُلُّ شَيْءٍ لا يَسَعُ [أحَدًا - ] التَّغْبِيرُ في وجْهِ شَيْءٍ مِنها، وهَذا الدُّعاءُ عَلى وجازَتِهِ يَدُلُّ عَلى سُخْطٍ عَظِيمٍ وذَمٍّ بَلِيغٍ وهو وإنْ كانَ في مَخْصُوصٍ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِهِ في كُلِّ مَن كَفَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ غاضِبِ أباهُ فَأسْلَمَ ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ فَبَعَثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى، وأفْحَشَ في غَيْرِ هَذا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ» فَلَمّا انْتَهى إلى مَكانٍ مِنَ الطَّرِيقِ فِيهِ الأسَدُ (p-٢٦٠)ذَكَرَ الدُّعاءَ فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ [حَيًّا - ] فَجَعَلُوهُ في وسَطِ الرُّفْقَةِ والمَتاعِ والرِّحالِ فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا إلّا كانَ، [ومَعَ - ] ذَلِكَ فَما نَفَعَهُ ما عَرَفَ مِن ذَلِكَ، فَسُبْحانَ مَن بِيَدِهِ القُلُوبُ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن هِدايَتِهِ وإضْلالِهِ شاهِدٌ بِأنَّ لَهُ الحَمْدُ.

عبس 80:18

ولَمّا كانَ أكْثَرُ انْصِبابِ التَّعْجِيبِ مِنهُ ناظِرًا إلى تَكْذِيبِهِ بِالسّاعَةِ لِأجْلِ ظُهُورِ أدِلَّتِها في القُرْآنِ جِدًّا ولِأنَّهُ تَوالَتْ في هَذِهِ السُّوَرِ إقامَةُ الأدِلَّةِ عَلَيْها مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، شَرَعَ في إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْها بِآيَةِ الأنْفُسِ مِنَ ابْتِداءِ الخَلْقِ في أُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ لِخِسَّتِهِ وحَقارَتِهِ وأنَّ مَن ألْبَسَهُ أثْوابَ الشَّرَفِ بَعْدَ تِلْكَ الخِسَّةِ والحَقارَةِ جَدِيرٌ مِنهُ بِالشُّكْرِ لا بِالكُفْرِ، فَقالَ مُنَبِّهًا لَهُ بِالسُّؤالِ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّحْقِيرِ ﴿خَلَقَهُ﴾

عبس 80:19

ثُمَّ أجابَ إشارَةً إلى أنَّ الجَوابَ واضِحٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى وقْفَةٍ أصْلًا فَقالَ مُبَيِّنًا حَقارَتَهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ ماءٍ يَسِيرٍ جِدًّا لا مِن غَيْرِهِ ﴿خَلَقَهُ﴾ أيْ أوْجَدَهُ مُقَدَّرًا عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّخْطِيطِ ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ هَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ مِنَ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ والأشْكالِ والأطْوارِ (p-٢٦١)إلى [أنْ - ] صَلَحَ لِذَلِكَ ثُمَّ جَعَلَهُ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ: ظُلْمَةِ البَطْنِ ثُمَّ الرَّحِمِ ثُمَّ المَشِيمَةِ، أوْ هي عَلى ما قالَ أهْلُ التَّشْرِيحِ ثَلاثَةُ أغْشِيَةِ: أحَدُها المَشِيمَةُ تَتَّصِلُ بِسُرَّةِ الجَنِينِ تَمُدُّهُ بِالغِذاءِ، والثّانِي يَقْبَلُ بَوْلَهُ، والثّالِثُ يَقْبَلُ البُخاراتِ الَّتِي تَصْعَدُ مِنهُ بِمَنزِلَةِ العَرَقِ والوَسَخِ في أبْدانِ الكامِلِينَ، وأعْطاهُ قُدْرَةً لِما أرادَهُ [مِنهُ - ]

عبس 80:20

﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ انْتِهاءِ المُدَّةِ ﴿السَّبِيلَ﴾ أيِ الأكْمَلَ في العُمُومِ والِاتِّساعِ والوُضُوحِ لا غَيْرُهُ، وهو مُخْرِجُهُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ وطَرِيقِهِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ ﴿يَسَّرَهُ﴾ أيْ سَهَّلَ لَهُ أمْرَهُ في خُرُوجِهِ بِأنْ فَتَحَ فَمَ الرَّحِمِ وألْهَمَهُ أنْ يَنْتَكِسَ، وذَلَّلَ [لَهُ - ] سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وجَعَلَ لَهُ عَقْلًا يَقُودُهُ إلى ما يَسَّرَ لَهُ مِنهُما، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الدُّنْيا دارُ المَمَرِّ، والمَقْصِدُ غَيْرُها وهو الأُخْرى الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْها الدُّنْيا، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ عادًا المَوْتُ مِنَ النِّعَمِ لِأنَّهُ لَوْ دامَ الإنْسانُ حَيًّا مَعَ ما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ والخَوْفِ لَكانَ في غايَةِ البَشاعَةِ والشَّماتَةِ لِأعْدائِهِ والمُساءَةِ لِأوْلِيائِهِ عَلى أنَّ المَوْتَ سَبَبُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ:

عبس 80:21

﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ أُمُورٍ قَدَّرَها سُبْحانَهُ مِن أجَلْ وتَقَلُّباتٍ (p-٢٦٢)﴿أماتَهُ﴾ وأشارَ إلى إيجابِ المُبادَرَةِ إلى التَّجْهِيزِ بِالفاءِ المُعَقِّبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا فَغَيَّبَهُ [فِيهِ - ] وأمَرَ بِدَفْنِهِ تَكْرِمَةً لَهُ وصِيانَةً عَنِ السِّباعِ، والإقْبارُ جَعْلُكَ لِلْمَيِّتِ قَبْرًا وإعْطاؤُكَ القَتِيلَ لِأهْلِهِ لِيَدْفِنُوهُ، والمَعْنى الِامْتِنانُ بِأنَّهُ جَعَلَ لَلْأنِسانِ مَوْضِعًا يَصْلُحُ لِدَفْنِهِ وجَعَلَهُ بَعْدَ المَوْتِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِن دَفْنِهِ، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ يَتَفَتَّتُ مَعَ النَّتِنِ ونَحْوِهِ مِمّا يَمْنَعُ مِن قُرْبانِهِ، أوْ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَتَهاوَنُ بِهِ فَلا يُدْفَنُ كَبَقِيَّةِ الحَيَواناتِ، فَقَدْ عَرَفَ بِهَذا أنَّ أوَّلَ الإنْسانِ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وآخِرَهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وهو فِيما بَيْنَ ذَلِكَ يَحْمِلُ العُذْرَةَ، فَما شَرَّفَهُ بِالعِلْمِ إلّا الَّذِي أبْدَعَهُ وصَوَّرَهُ، وذَلِكَ مُوجِبُ لِأنْ يَشْكُرُهُ لا أنْ يَكْفُرَهُ.

عبس 80:22

ولَمّا كانَتْ مُدَّةُ البَرْزَخِ طَوِيلَةً، وكانَ البَعْثُ [أمْرًا - ] مُحَقَّقًا غَيْرَ مَعْلُومِ الوَقْتِ بِالعَيْنِ بِغَيْرِهِ تَعالى، عَبَّرَ عَنِ المَعانِي الثَّلاثَةِ بِأداتَيِ التَّراخِي والتَّحَقُّقِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ﴾ أيْ إنْشارَهُ ﴿أنْشَرَهُ﴾ أيْ بَعَثَهُ مِن قَبْرِهِ كَما كانَ في دُنْياهُ بِزِيادَةِ أنَّهُ عَلى تَرْكِيبٍ قَوِيٍّ لا يَتَهَيَّأُ فِيهِ فِراقُ الرُّوحِ الجَسَدَ.

عبس 80:23

ولَمّا كانَ إخْبارُهُ بِأنَّهُ مَعَ الَّذِي يَسَّرَ لَهُ السَّبِيلَ قَدْ يَفْهَمُ أنَّهُ لا يَعْمَلُ إلّا بِما يُرْضِيهِ، نَفى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الرَّدْعِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لِيَرْتَدِعَ هَذا الإنْسانُ الَّذِي عَرَفَ أنَّ هَذِهِ حالاتُهُ أوَّلًا وآخِرًا وأثْناءً ومَخْرَجًا (p-٢٦٣)تارَةً مِن مَخْرَجِ البَوْلِ وأُخْرى مِن مَخْرَجِ الحَيْضِ ومَقْبَرًا، ولِيَنْزَجِرَ ولِيَعْرِفَ، نَفْسَهُ بِالذِّلَّةِ والخِسَّةِ والحاجَةِ والعَجْزِ، ولِيَعْرِفَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ بِالعِزَّةِ والعَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والفَناءِ والقُدْرَةِ عَلى تَشْرِيفِ الحَقِيرِ وتَحْقِيرِ الشَّرِيفِ، وبِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَلا يَلْزَمُ مِن تَعْرِيفِ هَذا الإنْسانِ السَّبِيلَ وتَمْيِيزَهُ لَهُ لِأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا ما لا يُعاتِبُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ [مِنَ - ] الإنْسانِ وغَيْرِهِ إلّا ما يُرِيدُهُ، وتارَةً يُرِيدُ هُداهُ، وتارَةً يُرِيدُ ضَلالَهُ، فَقَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُهُ ويُرِيدُ ما لا يَأْمُرُ بِهِ ولا يَرْضاهُ، ولِذَلِكَ قالَ مُسْتَأْنِفًا نَفْيُ ما أفْهَمَهُ بِتَيْسِيرِهِ لِلسَّبِيلِ مِن [أنَّ - ] الإنْسانَ يَفْعَلُ جَمِيعَ ما أمَرَهُ بِهِ اللَّهُ الَّذِي يَسَّرَ لَهُ السَّبِيلَ: ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ أيْ يَفْعَلُ الإنْسانُ فِعْلًا نافِذًا ماضِيًا ﴿ما أمَرَهُ﴾ أيْ بِهِ اللَّهُ كُلُّهُ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ ما مِن حِينِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ بَلْ مِن حِينِ وجَدَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وإلى آخِرِ الدَّهْرِ، لِأنَّ الإنْسانَ [مَبْنِيٌّ - ] عَلى النُّقْصانِ والإلَهُ مُنَزَّهٌ التَّنَزُّهَ الأكْمَلَ، وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وأيْضًا الإنْسانُ الَّذِي هو النَّوْعُ لَمْ [يَعْمَلْ - ] بِأسْرِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهُ فَرْدٌ جَمِيعَ ما أمَرَهُ، بَلْ أغْلَبُ الجِنْسِ عَصاهُ وكَذَّبَ بِالسّاعَةِ الَّتِي هي حِكْمَةُ الوُجُودِ، وإنْ صَدَّقَ بِها بَعْضُهم كانَ تَصْدِيقُهُ بِها تَكْذِيبًا لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ أشْياءَ مِنها عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ.

عبس 80:24

(p-٢٦٤)ولَمّا رَدَعَهُ بَعْدَ تَفْصِيلِ [ ما لَهُ - ] في نَفْسِهِ مِنَ الآياتِ، وأشارَ إلى ما لَهُ مِنَ النَّقائِصِ، شَرَعَ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى تَقْصِيرُهُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شُكْرِ نِعْمَةِ المُنْعِمِ فِيما لَهُ مِنَ المَطْعَمِ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ فَكَيْفَ بِغَيْرِها في أُسْلُوبٍ دالٍّ عَلى الإنْشارِ بِآياتِ الآفاقِ مُنَبِّهٌ عَلى سائِرِ النِّعَمِ في مُدَّةِ بَقائِهِ المُسْتَلْزِمِ لِدَوامِ احْتِياجِهِ إلى رَبِّهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ أيْ يُوقِعُ النَّظَرَ التّامَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلى النَّظَرِ بِهِ مِن بَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ ومَدَّ لَهُ المَدى فَقالَ: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ يَعْنِي مَطْعُومَهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ مُلْتَفِتًا إلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ بِالِاعْتِبارِ بِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ الَّتِي مِنها أنّا لَوْ لَمْ نُيَسِّرْهُ لَهُ هَلَكَ.

عبس 80:25

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ النَّظَرَ إلى صَنائِعِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ. وكانَتْ أفْعالُ الإنْسانِ وأقْوالُهُ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ أفْعالَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ الصُّنْعِ، قالَ سُبْحانَهُ مُفَصِّلًا لِما يَشْتَرِكُ في عِلْمِهِ الخاصِّ والعامِّ مِن صَنائِعِهِ في الطَّعامِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ بِالبَعْثِ يَسْتَلْزِمُ التَّكْذِيبَ بِإبْداعِ النَّباتِ وإعادَتِهِ، وذَلِكَ في أُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ أنَّ الإنْسانَ مُحْتاجٌ إلى جَمِيعِ ما في الوُجُودِ، ولَوْ نَقَصَ مِنهُ شَيْءٌ اخْتَلَّ أمْرُهُ، وبَدَأ أوَّلًا بِالسَّماوِيِّ لِأنَّهُ أشْرَفُ، وبِالماءِ الَّذِي هو حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، تَنْبِيهًا لَهُ عَلى ابْتِداءِ خَلْقِهِ: ﴿أنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿صَبَبْنا الماءَ﴾ أيِ الَّذِي جَعَلْنا مِنهُ (p-٢٦٥)كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿صَبًّا﴾ وثَنّى بِالأرْضِ الَّتِي هي كالأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ فَقالَ:

عبس 80:26

﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن إنْزالِ الماءِ، وفاوَتْنا بَيْنَها في البِلادِ والنَّباتِ ﴿شَقَقْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ الَّذِي هو في غايَةِ الضَّعْفِ عَنْ شِقِّ أصْعَبِ الأشْياءِ فَكَيْفَ بِالأرْضِ اليابِسَةِ المُتَكَزِّرَةِ جِدًّا عِنْدَ مُخالَطَةِ الماءِ، وحَقَّقَ المَعْنى فَقالَ: ﴿شَقًّا﴾

عبس 80:27

ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الشَّقِّ ما هو كالتَّفْسِيرِ لَهُ مُبَيِّنًا الِاحْتِياجَ إلى النَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ أيْ أطْلَعَنا عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ المُوجِبِ لِلتَّغَذِّي والنُّمُوِّ ﴿فِيها﴾ بِسَبَبِ الشَّقِّ ﴿حَبًّا﴾ أيْ لِاقْتِياتِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والرُّزِّ وغَيْرِها.

عبس 80:28

ولَمّا كانَ الحَبُّ قُوتًا فَبَدَأ بِهِ لِأنَّهُ الأصْلُ في القِوامِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو فاكِهَةٌ وقُوتٌ فَقالَ: ﴿وعِنَبًا﴾ هو فاكِهَةٌ في حالٍ عِنَبِيَّتِهِ وقُوتٍ بِاتِّخاذِهِ زَبِيبًا ودَبَسًا وخَلًّا. ولَمّا كانَ لِذَلِكَ في بَيانِ عَجائِبِ الصُّنْعِ لِيَدُلَّ عَلى القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَيَدُلُّ [عَلى - ] القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ فَذَكَرَ ما إنْ أخَذَ مِن مَنبَتِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَسَدَّ، وإنْ تَرَكَ اشْتَدَّ وصَلُحَ لِلِادِّخارِ، واتَّبَعَهُ ما إنْ تُرِكَ عَلى أصْلِهِ فَسَدَ، وإنْ أُخِذَ [وعُولِجَ - ] - صَلُحَ (p-٢٦٦)لِلِادِّخارِ، أتْبَعَهُ [ ما لا يَصْلُحُ - ] لِلِادِّخارِ بِوَجْهٍ فَقالَ: ﴿وقَضْبًا﴾ وهو الرَّطْبُ مِنَ البَقْلِ وغَيْرِهِ، وهو يَزِيدُ عَلى الماضِيَيْنِ بِأنَّهُ فِيهِ ما هو دَواءٌ نافِعٌ وسُمٌّ ناقِعٌ، وبِأنَّهُ يَقْطَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَيَخْلُفُ، سُمِّيَ بِمَصْدَرٍ قَضَبَهُ - إذا قَطَعَهُ بِحَصْدٍ أوْ قَلْعٍ.

عبس 80:29

ولَمّا ذَكَرَ ما لا يَصْلُحُ أنْ يُؤْكَلَ إلّا رَطْبًا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، أتْبَعَهُ ما لا يَفْسَدُ بِحالٍ لا عَلى أُمِّهِ ولا بَعْدَ القِطافِ [ ويَصْلُحُ بَعْدَ القِطافِ - ] فَيُؤْكَلُ أوْ يُعْصَرُ، فَيَكُونُ لَهُ دُهْنٌ لِلِاسْتِصْباحِ والادِّهانِ والِائْتِدامِ، وفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِلْعِظامِ والأعْصابِ ولا يُفْسِدُهُ الماءُ بِوَجْهٍ كَما أنَّ العِنَبَ يُعْصَرُ فَيَكُونُ مِنهُ دَبَسٌ وخَلٌّ وغَيْرُهُما، ومَتى خالَطَهُ الماءُ فَسَدَ، [فَقالَ- ]: ﴿وزَيْتُونًا﴾ يَكُونُ فِيهِ مَعَ ما مَضى حَرافَةٌ وغَضاضَةٌ فِيها إصْلاحُ المِزاجِ. ولَمّا ذَكَرَ ما لا يُفْسَدُ وشَجَرُهُ يَصْبِرُ عَلى البَرْدِ، أتْبَعَهُ ما هو كالعِنَبِ يُؤْكَلُ عَلى أُمِّهِ ويُقْطَعُ فَيُدَّخَرُ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ التَّحَلِّي والتَّحَمُّضِ بِالخَلِّ والتَّفَكُّهِ والتَّقَوِّي والتَّداوِي لِلسُّمِّ النّاقِعِ والسِّحْرِ الصّارِعِ مِن عَجْوَةِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن ثَمَرَةٍ وشَجَرَةٍ، ولا يَصْبِرُ شَجَرُهُ عَلى البَرْدِ فَقالَ: ﴿ونَخْلا﴾ وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأشْجارِ مُخالِفٌ لِلْآخَرِ في الشَّكْلِ والحَمْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ المُوافَقَةِ في الأرْضِ والسَّقْيِ.

عبس 80:30

(p-٢٦٧)ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ مِنَ الأقْواتِ والفَواكِهِ لِكَثْرَةِ مَنافِعِها، وكانَتِ البَساتِينُ تَجْمَعُها وغَيْرُها مَعَ ما لَها مِن بَهْجَةِ العَيْنِ وسُرُورِ النَّفْسِ وبَسْطِ الخاطِرِ وشَرْحِ القَلْبِ قالَ: ﴿وحَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ وهي الرَّوْضَةُ ذاتُ النَّخْلِ والشَّجَرِ، أوْ كُلُّ ما أحاطَ بِهِ [البِناءُ - ] وهي تَجْمَعُ ذَلِكَ [كُلَّهُ - ] ﴿غُلْبًا﴾ جَمْعُ غَلْباءَ - بِفَتْحِ الغَيْنِ والمَدِّ، وهي الحَدِيقَةُ ذاتُ أشْجارٍ كَثِيرَةٍ عِظامٍ غِلاظٍ طِوالٍ مُلْتَفَّةِ الأغْصانِ مُتَكاثِفَةٍ [مُتَكاثِرَةٍ- ]، مُسْتَعارٌ مِن وصْفِ الرِّقابِ، يُقالُ: غَلَبَ فُلانٌ - كَفَرِحَ أيْ غَلُظَ عُنُقُهُ، والغَلْباءُ أيْضًا مِنَ القَبائِلِ العَزِيزَةِ المُمْتَنِعَةِ، ومِنَ الهِضابِ المُشْرِفَةِ.

عبس 80:31

ولَمّا ذَكَرَ ما يُتَفَكَّهُ ويُدَّخَرُ جَمَعَ فَقالَ: ﴿وفاكِهَةً﴾ أيْ ثَمَرَةً رَطْبَةً يُتَفَكَّهُ بِها كالخَوْخِ والعِنَبِ والتِّينِ والتُّفّاحِ والكُمِّثْرى والبُرْقُوقِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَصْلُحَ فَيُدَّخَرَ ومِمّا لا يُمْكِنُ. ولَمّا ذَكَرَ فاكِهَةَ النّاسِ، ذَكَرَ فاكِهَةَ بَقِيَّةِ الحَيَوانِ فَقالَ: ﴿وأبًّا﴾ أيْ ومَرْعًى ونَباتًا وعُشْبًا وكَلَأً ما دامَ رَطْبًا يَقْصِدُ، مِن أبَّ الشَّيْءُ - إذا أمَّهُ.

عبس 80:32

ولَمّا جَمَعَ ما يُقْتاتُ وما يُتَفَكَّهُ، فَدَلَّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، ذَكَرَ بِالنِّعْمَةِ فِيهِ قارِعًا بِأُسْلُوبِ الخِطابِ لِتَعْمِيمِ الأفْرادِ بَعْدَ سِياقِ (p-٢٦٨)العِتابِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ الكُلَّ عاجِزُونَ عَنِ الوَفاءِ بِالشُّكْرِ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ الكُفْرُ فَقالَ: ﴿مَتاعًا﴾ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ وما يُعْلَفُ لِلدَّوابِّ، وكانَ السِّياقُ هُنا لِطَعامِ الإنْسانِ، قالَ مُقَدِّمًا ضَمِيرَهُمْ: ﴿لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ بِخِلافِ ما في السَّجْدَةِ وقَدْ مَضى، والأنْعامُ بِها يَكُونُ تَمامَ الصَّلاحِ لِلْإنْسانِ بِما لَهُ فِيها مِنَ النِّعَمِ بِالرُّكُوبِ والأكْلِ والشُّرْبِ والكِسْوَةِ والجَمالِ وسائِرِ المَنافِعِ، وذَكَرَ هَذا ذِكْرًا ظاهِرًا مُشِيرًا إلى المَعادِنِ لِأنَّ مِنها ما لا يَتِمُّ ما مَضى إلّا بِهِ، وهي آلاتُ الزَّرْعِ والحَصْدِ والطَّبْخِ والعَجْنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَلائِكَةُ المُدَبِّرَةُ لِما صَرَفَها اللَّهُ فِيهِ مِن ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الوُجُودَ كُلَّهُ خُلِقَ لِأجْلِ مَنافِعِ الإنْسانِ لِيَشْكُرَ لا لِيَكْفُرَ، ودَلَّتِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ قَطْعًا عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ.

عبس 80:33

ولَمّا ذَكَرَ عَجائِبَ الصُّنْعِ في الطَّعامِ، وكانَ ذَلِكَ يُقْطَفُ فَيَعُودُ لا سِيَّما المَرْعى فَإنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ الخَرِيفُ فَيُنَشَّفُ ثُمَّ يُتَحَطَّمُ مِنَ الرِّياحِ ويَتَفَرَّقُ في الأرْضِ ثُمَّ يَصِيرُ تُرابًا ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ المَطَرَ فَيَجْمَعُهُ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ صارَ تُرابًا ثُمَّ يُنْبِتُهُ كَما كانَ، وكانَ ذَلِكَ مِثْلَ إحْياءِ المَوْتى سَواءً، فَتَحَقَّقَ لِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الإنْشارِ بَعْدَ الإقْبارِ، وكانَ (p-٢٦٩)ذَلِكَ أيْضًا مُذَكِّرًا بِأمْرِ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِالأكْلِ مِنَ الجَنَّةِ إلّا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهاهُ عَنْها، فَلَمّا أكَلَ مِنها أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ فَسَجَنَهُ في دارٍ لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ ولا نارٍ ولا غَيْرِهِما بَلْ هي مِن مُمْتَزِجِ الدّارَيْنِ وكالبَرْزَخِ بَيْنَهُما، فِيها ما يُذَكِّرُ بِهَذِهِ وما يُذَكِّرُ بِتِلْكَ، وفِيها أمْثِلَةٌ المُوجَداتِ كُلِّها، قالَ مُسَبِّبًا عَمّا ثَبَتَ بِهِ الإحْياءُ لِلْبَعْثِ إلى المَحْشَرِ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ لِأنَّ السّاعَةَ مِمَّنْ لا بُدَّ مِنهُ ولا مَحِيدَ عَنْهُ لِأنَّها سِرُّ الكَوْنِ فَإنَّ فِيها حِسابَ الَّذِينَ اسْتَخْلَفُوا في هَذا الوُجُودِ وأُفِيضَتْ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ الَّتِي أوْدَعَها فِيهِ، وأشارَ إلى أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ القِيامِ بِشُكْرِها، وكَثِيرٌ مِنهم - بَلْ أكْثَرُهم - زادَ عَلى ذَلِكَ بِكُفْرِها، فَأوْجَبَ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - حِسابُهم عَلى ما فَعَلُوا فِيما اسْتَخْلَفُوا فِيهِ واسْتَرْعَوْهُ كَما هي عادَةُ كُلِّ مُسْتَرْعٍ ومُسْتَخْلَفٍ: ﴿فَإذا جاءَتِ﴾ أيْ كانَتْ ووُجِدَتْ لِأنَّ كُلَّ ما هو كائِنٌ كَأنَّهُ لاقِيكَ وجاءَ [إلَيْكَ - ] ﴿الصّاخَّةُ﴾ أيِ الصَّرْخَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يُبالِغُ في إسْماعِ الأسْماعِ بِها حَتّى تَكادَ تَصِمُّها لِشِدَّتِها، وكَأنَّها تَطْعَنُ فِيها لِقُوَّةِ وقْعَتِها وعَظِيمِ وجَبْتِها، وتَضْطَرُّ الآذانُ إلى أنْ تُصِيخَ إلَيْها [أيْ - ] تَسْمَعُ، وهي مِن أسْماءِ القِيامَةِ، وأصْلُ الصَّخِّ: الضَّرْبُ بِشَيْءٍ صُلْبٍ عَلى مُصْمَتٍ.

عبس 80:34

(p-٢٧٠)ولَمّا كانَ وصْفُها بِما يَقَعُ فِيها أهْيَبُ، قالَ مُبَدِّلًا مِن ”إذا“ ما يَدُلُّ عَلى جَوابِها مِن نَحْوِ: اشْتَغَلَ كُلٌّ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَراغُ ما لِغَيْرِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ أيِ الَّذِي هو أعْظَمُ الخَلْقِ مُرُوءَةً: ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْفِرارِ، قَدَّمَ أدْناهم رُتْبَةً في الحُبِّ والذَّبِّ فَأدْناهم عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي، وأخَّرَ الأوْجَبَ في ذَلِكَ فالأوْجَبُ بِخِلافِ ما في ”سَألَ“ كَما مَضى فَقالَ: ﴿مِن أخِيهِ﴾ لِأنَّهُ يَأْلَفُهُ صَغِيرًا وقَدْ يَرْكَنُ إلَيْهِ كَبِيرًا مَعَ طُولِ الصَّحابَةِ وشِدَّةِ القُرْبِ في القَرابَةِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ في غايَةِ العِزَّةِ.

عبس 80:35

ولَمّا كانَتِ الأُمُّ مُشارِكَةً لَهُ في الإلْفِ، ويَلْزَمُ مِن حِمايَتِها أكْثَرُ مِمّا يَلْزَمُ الأخُ وهو لَها آلَفُ وإلَيْها أحَنُّ وعَلَيْها أرَقُّ وأعْطَفُ قالَ ﴿وأُمِّهِ﴾ ولَمّا كانَ الأبُ أعْظَمَ مِنها في الإلْفِ لِأنَّهُ أقْرَبُ في النَّوْعِ ولِلْوَلَدِ عَلَيْهِ مِنَ العاطِفَةِ لِما لَهُ مِن مَزِيدِ النَّفْعِ أكْثَرَ مِمَّنْ قَبْلَهُ قالَ: ﴿وأبِيهِ﴾

عبس 80:36

ولَمّا كانَتِ الزَّوْجَةُ الَّتِي هي أهْلٌ لِأنْ تَصْحَبَ ألْصَقَ بِالفُؤادِ وأعْرَقَ في الوِدادِ، وكانَ الإنْسانُ أذَبَّ عَنْها عِنْدَ الِاشْتِدادِ، قالَ: ﴿وصاحِبَتِهِ﴾ ولَعَلَّهُ أفْرَدَها إشارَةً إلى أنَّها عِنْدَهُ في الدَّرَجَةِ العُلْيا مِنَ المَوَدَّةِ بِحَيْثُ لا يَأْلَفُ غَيْرَها. ولَمّا كانَ لِلْوالِدِ إلى الوَلَدِ مِنَ المَحَبَّةِ والعاطِفَةِ [والإباحَةِ - ] (p-٢٧١)بِالسِّرِّ والمُشاوَرَةِ في الأمْرِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ يَضِيعُ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وعُمْرُهُ قالَ: ﴿وبَنِيهِ﴾ وإنِ اجْتَمَعَ فِيها الصَّغِيرُ الَّذِي هو عَلَيْهِ أشْفَقُ والكَبِيرُ الَّذِي هو في [قَلْبِهِ - ] أجَلُّ وفي عَيْنِهِ أنْبَلُ ومِن بَيْنِهِما مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى.

عبس 80:37

ولَمّا ذَكَرَ فِرارَهُ الَّذِي مَنَعَهُ قَرارُهُ، عَلَّلَهُ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ﴾ أيْ وإنْ كانَ أعْظَمَ النّاسِ مُرُوءَةً ﴿مِنهم يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ [إذْ - ] تَكُونُ هَذِهِ الدَّواهِي العِظامُ والشَّدائِدُ والآلامُ ﴿شَأْنٌ﴾ أيْ أمْرٌ بَلِيغٌ عَظِيمٌ ﴿يُغْنِيهِ﴾ أيْ يَكْفِيهِ - في الِاهْتِمامِ بِحَيْثُ لا يَدْعُ لَهُ حِصَّةً يُمْكِنُهُ صَرْفَها إلى غَيْرِهِ ويُوجِبُ لَهُ لُزُومَ المَعْنى، وهو المَنزِلُ - الَّذِي يُرْضِيهِ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ [أنَّهُ - ] يُتْبِعُونَهُ ويَخافُ أنْ يُطالِبُوهُ لِما هم فِيهِ مِنَ الكَرْبِ بِما لَعَلَّهُ قَصَّرَ فِيهِ مِن حُقُوقِهِمْ.

عبس 80:38

ولَمّا ذَكَرَ اليَوْمَ، قَسَّمَ أهْلَهُ إلى القِسْمَيْنِ المَقْصُودَيْنِ بِالتَّذْكِرَةِ أوَّلَ السُّورَةِ، فَقالَ دالًّا عَلى البَواطِنِ بِأشْرَفِ الظَّواهِرِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الفِرارِ وغَيْرِهِ ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ أيْ بَيْضٌ مُضِيئَةٌ بِالإشْراقِ والِاسْتِنارَةِ، مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ - إذا أشْرَقَ واسْتَنارَ

عبس 80:39

﴿ضاحِكَةٌ﴾ لِما عَلِمَتْ مِن سَعادَتِها ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أيْ طالِبَةٌ لِلْبَشَرِ وهو (p-٢٧٢)تَغَيُّرُ البَشَرَةِ مِنَ السُّرُورِ ومُوجِدَةٌ لِذَلِكَ، وهي بَيْضاءُ نَيِّرَةٌ بِما يَرى مِن تَبْشِيرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ بِما كانَتْ فِيهِ في الدُّنْيا مِن عُبُوسِ الوُجُوهِ وتَغَيُّرِها وشُحُوبِها مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى وما يَظْهَرُ مِن جَلالِهِ في السّاعَةِ كابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهُ خَوْفُ السّاعَةِ عَلى حَمْلِ الرّايَةِ في أشَدِّ الحُرُوبِ كَيَوْمِ القادِسِيَّةِ والثَّباتِ بِها حَتّى يَكُونَ كالعَمُودِ، لا يَزُولُ عَنْ مَرْكَزِهِ أصْلًا لِيُرْضِيَ المَعْبُودَ.

عبس 80:40

ولَمّا ذَكَرَ أهْلُ السَّعادَةِ الَّذِينَ هُمُ المُقْبِلُونَ عَلى الخَيْرِ المُصابُونَ في أنْفُسِهِمْ بِما يُكَفِّرُ سَيِّئاتِهِمْ ويُعْلِي دَرَجاتِهِمْ، ذَكَرَ أضْدادَهم فَقالَ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ﴾ وأكَّدَ بِإعادَةِ الظَّرْفِ لِإزالَةِ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ - ] إذْ وجَدَ ما ذَكَرَ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ مُلاصَقَةً لَها مَعَ الغَلَبَةِ والعُلُوِّ ﴿غَبَرَةٌ﴾ أيِ ارْبِدادٍ وكَأنَّهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ كَأنَّهُ قَدْ عَلاها غُبارٌ وهي عابِسَةٌ حَذِرَةٌ وجِلَةٌ مُنْذَعِرَةٌ، وذَلِكَ مِمّا يَلْحَقُها مِنَ المَشَقّاتِ وكَثْرَةِ الزِّحامِ مَعَ رُعْبِ الفُؤادِ، وتَذَكُّرِ ما هي صائِرَةٌ إلَيْهِ مِنَ الأنْكادِ الشِّدادِ

عبس 80:41

﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ تَغْشاها وتَقْهَرُها وتَعْلُوها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أيْ كَدَوْرَةٍ وسَوادٍ وظُلْمَةٍ ضِدَّ الإسْفارِ فَهي باكِيَةٌ عابِسَةٌ مِمّا كانَتْ فِيهِ في الدُّنْيا (p-٢٧٣)مِنَ الفَرَحِ واللَّعِبِ والضَّحِكِ والأمْنِ مِنَ العَذابِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الإسْفارِ والبِشْرِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ والذُّعْرِ ثانِيًا، وذِكْرُ الغَبَرَةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى البَياصِ والنُّورِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ الرّاحَةِ ودَلِيلَ التَّعَبِ لِظُهُورِهِما تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا.

عبس 80:42

ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ هائِلًا، وكانَ الفاجِرُ، لِما عَلى قَلْبِهِ مِنَ الرَّيْنِ ولَهُ مِنَ القَساوَةِ، قَلِيلُ الخَوْفِ مِنَ الأجَلِ عَدِيمُ الفِكْرِ فِيما يَأْتِي بِهِ غَدُ لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهْوَتَيْنِ: السَّبْعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ بِخِلافِ المُتَّقِي في كُلِّ ذَلِكَ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ زِيادَةً في التَّهْوِيلِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغْضاءُ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿الكَفَرَةُ﴾ أيِ الَّذِينَ سَتَرُوا دَلائِلَ الإيمانِ ﴿الفَجَرَةُ﴾ أيِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ دائِرَةِ الشَّرْعِ خُرُوجًا فاحِشًا حَتّى كانُوا عَرِيقِينَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والفُجُورِ، وهم في الأغْلَبِ المُتْرَفُونَ الَّذِينَ يَحْمِلُهم غِناهم عَلى التَّكَبُّرِ والأشَرِ والبَطَرِ، فَلِجَمْعِهِمْ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ جَمَعَ لَهم بَيْنَ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ، كَما يَكُونُ لِلزُّنُوجِ مِنَ البِقاعَةِ إذا عَلا وُجُوهَهم غُبارٌ ووَسَخٌ، فَقَدْ عادَ آخِرُها عَلى أوَّلِها فِيمَن يَسْتَحِقُّ الإعْراضَ عَنْهُ ومَن يَسْتَحِقُّ الإقْبالَ عَلَيْهِ - واللَّهُ الهادِي.

التكوير 81:1

(p-٢٧٤)سُورَةُ التَّكْوِيرِ مَقْصُودُها التَّهْدِيدُ الشَّدِيدُ بِيَوْمِ الوَعِيدِ الَّذِي هو مَحَطُّ الرَّحّالِ، لِكَوْنِهِ أعْظَمَ مَقامٍ لِظُهُورِ الجَلالِ، لِمَن كَذَّبَ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ تَذْكِرَةٌ لِمَن ذَكَرَهُ في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ، والدَّلالَةُ عَلى حَقِّيَّةِ كَوْنِهِ كَذَلِكَ بِأنَّ السَّفِيرَ بِهِ أمِينٌ في المَلَأِ الأعْلى مَكِينُ المُكانِفِ فِيما هُنالِكَ والمُوصِلُ بَعْدَهُ إلَيْنا مُنَزَّهٌ عَنِ التُّهْمَةِ بَرِئٌ مِنَ النَّقْصِ لِما يَعْلَمُونَهُ مِن حالِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وما كانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِهِ مِن أمْرِهِ ولَمْ يَأْتِهِمْ بَعْدَها إلّا بِما هو شَرَفٌ لَهُ وتَذْكِيرٌ بِما في أنْفُسِهِمْ وفي الآفاقِ ومِنَ الآياتِ، وذَلِكَ كافٍ [لَهم - ] في الحُكْمِ بِأنَّهُ صِدْقٌ والعِلْمُ اليَقِينُ بِأنَّهُ حَقٌّ، واسْمُها التَّكْوِيرُ أدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ الظَّرْفِ وجَوابِهِ وما فِيهِ مِن بَدِيعِ القَوْلِ وصَوابِهِ، وما تَسَبَّبَ عَنْهُ مِن عِظَمِ الشَّأْنِ لِهَذا القُرْآنِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الواحِدِ القَهّارِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَةُ إيجادِهِ وبَيانِهِ الأبْرارَ والفُجّارَ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِدادِهِ بِما أسْعَدَهم في (p-٢٧٥)دارِ القَرارِ. * * لَمّا خُتِمَتْ سُورَةُ عَبَسَ بِوَعِيدِ الكَفَرَةِ [الفَجَرَةِ - ] بِيَوْمِ الصّاخَّةِ لِجُحُودِهِمْ بِما لِهَذا القُرْآنِ مِنَ التَّذْكِرَةِ، ابْتُدِئَتْ هَذِهِ بِإتْمامِ ذَلِكَ، فَصَوَّرَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ مِن عالَمِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ حَتّى كَأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِرِجالٍ ثِقاتٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ رَأْيَ العَيْنِ فَلْيَقْرَأْ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾» فَقالَ بادِئًا بِعالَمِ المُلْكِ والشَّهادَةِ لِأنَّهُ أقْرَبُ تَصَوُّرًا لِما يَغْلِبُ عَلى الإنْسانِ مِنَ الوُقُوفِ مَعَ المَحْسُوساتِ، مُعْلِمًا بِأنَّهُ سَيُخَرِّبُ تَزْهِيدًا في كُلِّ ما يَجُرُّ إلَيْهِ وحَثًّا عَلى عَدَمِ المُبالاةِ والِابْتِعادِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِن أسْبابِهِ: ﴿إذا الشَّمْسُ﴾ أيِ الَّتِي هي أعْظَمُ آياتِ السَّماءِ الظّاهِرَةِ وأوْضَحُها لِلْحِسِّ. ولَمّا كانَ المَهُولُ مُطْلَقَ تَكْوِيرِها الدّالِّ عَلى عَظَمَةِ مُكَوِّرِها، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ قَوْلُهُ: ﴿كُوِّرَتْ﴾ أيْ لُفَّتْ بِأيْسَرِ أمْرٍ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ما أصْلًا، فَأُدْخِلَتْ في العَرْشِ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَذَهَبَ ما كانَ يَنْبَسِطُ مِن نُورِها، مِن كُوِّرَتِ العِمامَةُ - إذا لَفَفْتَها فَكانَ (p-٢٧٦)بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وانْطَمَسَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، والثَّوْبُ - إذا جَمَعْتَهُ فَرَفَعْتَهُ، فالتَّكْوِيرُ كِنايَةٌ عَنْ رَفْعِها أوْ إلْقائِها في جَهَنَّمَ زِيادَةً في عَذابِ أهْلِها ولا سِيَّما عَبَدَتُها، أوْ ألْقَيْتُ عَنْ فَلَكِها، مِن طَعْنِهِ فَكَوَّرَهُ أيْ ألْقاهُ مُجْتَمِعًا، والتَّرْكِيبُ لِلْإدارَةِ والجَمْعِ والرَّفْعِ لِلشَّمْسِ، فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ ”كُوِّرَتْ“ لِأنَّ ”إذا“ تَطَلَّبُ الفِعْلَ لِما فِيها مِن مَعْنى الشَّرْطِ، و[لِما - ] كانَ التَّأْثِيرُ في الأعْظَمِ دالًّا عَلى التَّأْثِيرِ فِيما دُونَهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُعَمِّمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ:

التكوير 81:2

﴿وإذا النُّجُومُ﴾ أيْ كُلُّها صِغارُها وكِبارُها ﴿انْكَدَرَتْ﴾ أيِ انْقَضَتْ فَتَهاوَتْ وتَساقَطَتْ وتَناثَرَتْ حَتّى كانَ ذَلِكَ كَأنَّهُ بِأنْفُسِها مِن غَيْرِ فِعْلِ فاعِلٍ في غايَةِ الإسْراعِ، أوْ أظْلَمَتْ، مِن كَدَّرْتُ الماءَ فانْكَدَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُكَوِّرُ اللَّهُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ [ يَوْمَ القِيامَةِ - ] - في البَحْرِ ثُمَّ يَبْعَثُ عَلَيْها رِيحًا دَبُورًا فَتَضْرِمُها فَتَصِيرُ نارًا، وقالَ الكَلْبِيُّ وعَطاءٌ: تُمْطِرُ السَّماءُ يَوْمَئِذٍ نُجُومًا، لا يَبْقى نَجْمٌ إلّا وقَعَ.

التكوير 81:3

ولَمّا بَدَأ بِأعْلامِ السَّماءِ لِأنَّها أشْهَرُ وأعَمُّ تَخْوِيفًا وإرْهابًا، وذَكَرَ مِنها اثْنَيْنِ [هُما - ] أشْهَرُ ما فِيها وأعَمُّها نَفْعًا، أتْبَعَها أعْلامُ الأرْضِ فَقالَ مُكَرِّرًا لِلظَّرْفِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالتَّهْوِيلِ: ﴿وإذا الجِبالُ﴾ أيِ الَّتِي هي في العالَمِ السُّفْلِيِّ كالنُّجُومِ في العالَمِ العُلْوِيِّ، وهي أصْلَبُ ما في الأرْضِ، (p-٢٧٧)ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ القُدْرَةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿سُيِّرَتْ﴾ أيْ وقَعَ تَسْيِيرُها بِوَجْهِ الأرْضِ فَصارَتْ كَأنَّها السَّحابُ في السَّيْرِ والهَباءِ في النَّثْرِ لِتَسْتَوِيَ الأرْضُ فَتَكُونُ قاعًا صَفْصَفًا لا عِوَجَ فِيها، لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لا يَقْبَلُ العِوَجَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ.

التكوير 81:4

ولَمّا ذَكَرَ أعْلامَ الجَمادِ، أتْبَعَهُ أعْلامَ الحَيَوانِ النّافِعِ الَّذِي هو أعَزُّ أمْوالِ العَرَبِ وأغْلَبُها عَلى وجْهٍ دَلَّ عَلى عِظَمِ الهَوْلِ فَقالَ: ﴿وإذا العِشارُ﴾ أيِ النُّوقِ الَّتِي أتى عَلى حَمْلِها عَشَرَةَ أشْهُرٍ، جَمْعُ عُشَراءَ مِثْلُ نُفَساءَ، وهي أحَبُّ أمْوالِ العَرَبِ إلَيْهِمْ وأنْفَسُها عِنْدَهم لِأنَّها تَجْمَعُ اللَّحْمَ والظَّهْرَ واللَّبَنَ والوَبَرَ، ”رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [مَرَّ - ] في أصْحابِهِ بِعِشارٍ مِنَ النُّوقِ حَفْلٍ، فَأعْرَضَ عَنْها وغَضَّ بَصَرَهُ فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَذا أنْفَسُ أمْوالِنا، لِمَ لا تَنْظُرُ إلَيْها؟ فَقالَ: قَدْ نَهانِي اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا﴾ [طه: ١٣١] الآيَةُ“» ولا يَزالُ ذَلِكَ اسْمُها حَتّى تَضَعَ لِتَمامِ السَّنَةِ ﴿عُطِّلَتْ﴾ أيْ تُرِكَتْ مُهْمَلَةً كَأنَّهُ لا صاحِبَ لَها مَعَ أنَّها أنْفَسُ أمْوالِهِمْ، فَكانَتْ إذا بَلَغَتْ ذَلِكَ أحْسَنَتْ إلَيْها وأعَزَّتْها واشْتَدَّ إقْبالُها عَلَيْها: وقالَتْ: جاءَ خَيْرُها مِن ولَدٍ ولَبَنٍ، لِأنَّ الأمْرَ، لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ، أهْوَلُ مِن أنْ يَلْتَفِتَ أحَدٌ إلى شَيْءٍ وإنَّ عَزَّ.

التكوير 81:5

ولَمّا ذَكَرَ المِقْرَعاتِ الدّالاتِ عَلى إرادَةِ أمْرٍ عَظِيمٍ، قُرْبَ ذَلِكَ (p-٢٧٨)الأمْرِ بِإفْهامِ أنَّهُ الحَشْرُ، ودَلَّ عَلى عُمُومِهِ بِذِكْرِ ما يَظُنُّ إهْمالَهُ فَقالَ: ﴿وإذا الوُحُوشُ﴾ أيْ دَوابُّ البَرِّ الَّتِي لا تَأْنَسُ بِأحَدٍ الَّتِي يَظُنُّ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِها ولا التِفاتَ إلَيْها فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها ﴿حُشِرَتْ﴾ أيْ بُعِثَتْ وجُمِعَتْ مِن كُلِّ أوْبٍ قَهْرًا لِإرادَةِ العَرْضِ عَلى المَلِكِ الأعْظَمِ والفَصْلِ فِيما بَيْنَها في أنْفُسِها حَتّى يَقْتَصَّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ وبَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها أيْضًا حَتّى يَسْألَ العُصْفُورَ قاتِلَهُ، لِمَ قَتَلَهُ؟ قالَ قَتادَةُ: يَحْشُرُ كُلُّ شَيْءٍ لِلْقَصاصِ حَتّى الذُّبابُ - انْتَهى. ولا يَسْتَوْحِشُ [الوَحْشُ - ] مِنَ النّاسِ ولا النّاسُ مِنَ الوُحُوشِ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ، وذَلِكَ أهْوَلُ وأفْزَعُ وأخْوَفُ وأفْظَعُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإيصالِ مَنافِعَ إلَيْها جَوازًا لا وُجُوبًا كَما قالَهُ أهْلُ البِدَعِ - انْتَهى. وكُلُّ شَيْءٍ في الدُّنْيا يَحْضُرُ في تِلْكَ الدّارِ، فَإذا وقَعَ الفَصْلُ جُعِلَ الخَبِيثُ في جَهَنَّمَ زِيادَةً في عَذابِ أهْلِها، والطَّيِّبُ في الجَنَّةِ زِيادَةٌ في نَعِيمِ أهْلِها.

التكوير 81:6

ولَمّا أفْهَمَ هَذا الحَشْرَ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى ما يَنالُ أهْلُ المَوْقِفِ مِنَ الشَّدائِدِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ فَقالَ: ﴿وإذا البِحارُ﴾ أيْ عَلى كَثْرَتِها ﴿سُجِّرَتْ﴾ أيْ فُجِّرَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى صارَتْ بَحْرًا واحِدًا ومُلِئَتْ حَتّى كانَ ما فِيها أكْثَرُ مِنها وأُحْمِئَتْ حَتّى كانَ كالتَّنُّورِ التِهابًا وتَسَعُّرًا فَكانَتْ شَرابًا لِأهْلِ النّارِ وعَذابًا عَلَيْهِمْ، ولا يَكُونُ هَذا إلّا وقَدْ حَصَلَ (p-٢٧٩)مِنَ الحَرِّ ما يُذِيبُ الأكْبادَ.

التكوير 81:7

ولَمّا ذَكَرَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ مِن عالَمِ المُلْكِ اثْنَيْنِ ومِنَ السُّفْلِيَّةِ أرْبَعَةً، فَأفْهَمَ جَمِيعَ الخَلْقِ أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الخَطَرِ فَتَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى ما يَفْعَلُ، قالَ ذاكِرًا لِما أرادَ مِن عالَمِ الغَيْبِ والمَلَكُوتِ، وهو أُمُورٌ سِتَّةٌ عَلى عَدَدِ ما مَضى مِن عالَمِ المُلْكِ والشَّهادَةِ تَرْغِيبًا في الأعْمالِ الصّالِحَةِ والقُرَناءِ الصّالِحِينَ لِئَلّا يُزَوِّجَ بِما يَسُوءُهُ وابْتَدَأ بِما يُناسِبُ تَكْوِيرَ الشَّمْسِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ﴾ أيْ مِن كُلِّ ذِي نَفْسٍ مِنَ النّاسِ وغَيْرِهِمْ ﴿زُوِّجَتْ﴾ أيْ قَرَنَتْ بِأبْدانِها وجَمْعُ كُلٍّ مِنَ الخَلْقِ إلى ما كانَتْ نَفْسُهُ تَأْلَفُهُ وتَنْزِعُ إلَيْهِ، فَكانُوا أصْنافًا كَما قالَ تَعالى﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٣] والتِفافُ الأزْواجِ كالتِفافِ الشَّمْسِ حَتّى يَذْهَبَ نُورُها.

التكوير 81:8

ولَمّا صَرَّحَ الأمْرُ فَكانَتِ القُلُوبُ أحَرَّ مِنَ الجَمْرِ، ذَكَرَ ما هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ وهو السُّؤالُ عَلى وجْهٍ يَفْهَمُ العُمُومَ فَقالَ: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ﴾ أيْ ما دُفِنَ مِنَ الأوْلادِ حَيًّا بَعْدَ الوِلادَةِ أوْ حَصَلَ تَسَبُّبٌ في قَتْلِهِ قَبْلَ الوِلادَةِ بِدَواءٍ ونَحْوِهِ، سُمِّيَتْ مَوْءُودَةً لِما يُوضَعُ عَلَيْها مِنَ التُّرابِ (p-٢٨٠)فَيُثْقِلُها فَيَقْتُلُها ”وأْدًا“ مَقْلُوبُ ”آدا“ إذا أثْقَلَ، وإلْقاؤُها في البِئْرِ المَحْفُورِ لَها قَرِيبٌ مِنَ انْكِدارِ النُّجُومِ وتَساقُطِها. ولَمّا كانَ هَذا أهْوَنَ القَتْلِ عِنْدَهم وكانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ مِمّا لا عِبْرَةَ بِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ مُعْتَنًى بِهِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِن بَعْثِها وجَعْلِها بِحَيْثُ تَعْقِلُ وتُجِيبُ وإنْ كانَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيها في زَمَنٍ يَسِيرٍ فَقالَ: ﴿سُئِلَتْ﴾ أيْ وقَعَ سُؤالُها عَمّا يَلِيقُ أنْ تَسْألَ عَنْهُ،

التكوير 81:9

ثُمَّ قِيلَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ تَخْوِيفًا لِلْوالِدَيْنِ: ﴿بِأيِّ﴾ أيْ بِسَبَبِ أيْ ﴿ذَنْبٍ﴾ [يا - ] أيُّها الجاهِلُونَ ﴿قُتِلَتْ﴾ أيِ اسْتَحَقَّتْ بِهِ عِنْدَكُمُ القَتْلَ وهي [لِمَ - ] تُباشِرُ سُوءًا لِكَوْنِها لَمْ تَصِلْ إلى حَدِّ التَّكْلِيفِ، فَما ظَنُّكَ بِمَن هو فَوْقَها وبِمَن هو جانٍ، وسُؤالُها هو عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ لِقاتِلِها، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَدْفِنُ البَناتَ أحْياءً مَخافَةَ الإمْلاقِ أوْ لُحُوقِ العارِ بِهِنَّ، ويَقُولُونَ: نَرُدُّها إلى اللَّهِ هو أوْلى بِها، فَلا يَرْضَوْنَ البَناتَ لِأنْفُسِهِمْ ويَرْضُونَها لِخالِقِهِمْ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَتَكَرَّمُ عَنْ ذَلِكَ ومَن يَفْدِي المَوْءُوداتِ ويُرَبِّيهِنَّ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَعْذِيبِ أطْفالِ الكَفَرَةِ ولا عَدَمِهِ، فَإنَّ الكافِرَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ (p-٢٨١)الخُلُودَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَأْمِنًا فَلا يَحِلُّ قَتْلُهُ، والأطْفالُ ما عَمِلُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ، ويُؤْخَذُ مِن سُؤالِ المَوْؤُدَةِ تَحْرِيمُ الظُّلْمِ لِكُلِّ [أحَدٍ - ] وكَفَّ اليَدِ واللِّسانِ عَنْ كُلِّ إنْسانٍ.

التكوير 81:10

ولَمّا دَلَّ هَذا عَلى عُمُومِ السُّؤالِ، ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى النَّعِيمِ أوِ النَّكالِ فَقالَ: ﴿وإذا الصُّحُفُ﴾ أيِ الأوْراقُ الَّتِي كُتِبَتْ فِيها أعْمالُ العِبادِ ﴿نُشِرَتْ﴾ أيْ فُرِّقَتْ مُفَتَّحَةً تَفْتِيحًا عَظِيمًا عَلى أرْبابِها بِأيْسَرِ أمْرٍ فَتَأْتِي السَّعِيدَ في يَمِينِهِ مِن تِلْقاءِ وجْهِهِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ فِيهِ بِشارَةً لَهُ، وتَأْتِي الشَّقِيَّ مِن وراءِ ظَهْرِهِ وفي شِمالِهِ بَعْدَ أنْ كانَتْ [طُوِيَتْ - ] عِنْدَ مَوْتِهِ، ونَشَرَها مِثْلَ تَسْيِيرِ الجِبالِ وتَطايُرِها، فَمَنِ اعْتَقَدَ أنَّ صَحِيفَتَهُ ثابِتَةً فَتُرْدِيهِ أوْ تُنْجِيهِ لَمْ يَضَعْ فِيها إلّا حُسْنًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ أوِ اعْتِقادٍ.

التكوير 81:11

ولَمّا ذَكَرَ ما يُطْلِقُ ويَنْشُرُ، أتْبَعُهُ ما يُطْوى ويُحْصَرُ، لِيَبْدُوَ ما فَوْقَهُ مِنَ العَجائِبِ ويَنْظُرَ، فَقالَ: ﴿وإذا السَّماءُ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ كُلُّهُ، أفْرَدَهُ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْضِهِ القُدْرَةَ عَلى الباقِي ﴿كُشِطَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وسُرْعَةٍ زائِدَةٍ وأُزِيلَتْ عَنْ مَكانِها الَّتِي هي ساتِرَةٌ لَهُ مُحِيطَةٌ بِهِ، أوْ عَنِ الهَواءِ المُحِيطِ بِسَطْحِها الَّذِي هو كالرُّوحِ لَها كَما يُكْشَطُ الإهابُ عَمّا هو ساتِرٌ لَهُ ومُحِيطٌ بِهِ مَعَ شِدَّةِ الِالتِزاقِ [بِهِ - ] لِأنَّ ذَلِكَ يَوْمُ الكَشْفِ والإظْهارِ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] وكَشْطَها (p-٢٨٢)هُوَ مِثْلُ انْكِشافِ النّاسِ عَنِ العِشارِ وتَفَرُّقِهِمْ عَنْها، فَمَنِ اعْتَقَدَ زَوالَها أعْرَضَ عَنْ رَبْطِ هِمَّتِهِ بِشَيْءٍ مِنها وناطَ أُمُورَهُ كُلَّها بِرَبِّها.

التكوير 81:12

ولَمّا زالَتِ المَوانِعُ ظَهَرَتْ عَجائِبُ الصَّنائِعِ الَّتِي هي غاياتُ المَطالِبِ، ونِهاياتُ الرَّغائِبِ والرَّهائِبِ، فَقالَ: ﴿وإذا الجَحِيمُ﴾ أيِ النّارُ الشَّدِيدَةُ التَّأجُّجِ والَّتِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والعَظِيمَةُ في مُهْواةٍ عَمِيقَةٍ ﴿سُعِّرَتْ﴾ أيْ أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا بِأيْسَرِ أمْرٍ وقَرَّبَتْ مِنَ الكافِرِينَ بِغايَةِ السُّرْعَةِ، فَكانَ الأمْرُ في غايَةِ العُسْرِ، وذَلِكَ قَرِيبٌ مِن نَتِيجَةِ ما يَحْصُلُ مِنَ الهَوْلِ مِن حَشْرِ الوُحُوشِ.

التكوير 81:13

ولَمّا ذَكَرَ دارَ الأعْداءِ البُعَداءِ تَرْهِيبًا، أتْبَعَهُ دارَ المُقَرَّبِينَ السُّعَداءَ تَرْغِيبًا، فَقالَ: ﴿وإذا الجَنَّةُ﴾ أيِ البُسْتانُ ذُو الأشْجارِ المُلْتَفَّةِ والرِّياضِ المُعْجَبَةِ ﴿أُزْلِفَتْ﴾ أيْ قَرُبَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ونَعِمَتْ بِبَرْدِ العَيْشِ وطِيبِ المُسْتَقَرِّ، ودَرَجَتْ دَرَجاتِها وهُيِّئَتْ، ومُلِئَتْ حِياضُها ومَصانِعُها، وزُيِّنَتْ صِحافُها ونُظِّفَتْ أرْضُها وطَهُرَتْ عَنْ كُلِّ ما يَشِينُ، وحَسُنَتْ رِياضُها بِكُلِّ ما يُزَيَّنُ، مِن قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ، الزَّلْفُ - مُحَرِّكَةُ: القِرْبَةِ والدَّرَجَةِ والحِياضِ المُمْتَلِئَةِ و[الزُّلْفَةُ- ]: المُصَّنَّعَةُ المُمْتَلِئَةُ والصَّحْفَةُ والأرْضُ المَنكُوسَةُ، والزِّلْفُ - بِالكَسْرِ. الرَّوْضَةُ، ومَعْنى هَذا ضِدُّ سَجْرِ البِحارِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ التَّسْعِيرَ أوَّلًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ في الجَنَّةِ ثانِيًا، (p-٢٨٣)وذِكْرُ التَّقْرِيبِ ثانِيًا دالٌّ عَلى مِثْلِهِ أوَّلًا.

التكوير 81:14

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ لِهَوْلِها مُوجِبَةً لِاجْتِماعِ الهَمِّ وصَرْفِ الفِكْرِ عَمّا يَشْغَلُهُ مِن زِينَةٍ أوْ لَهْوٍ أوْ لَعِبٍ أوْ سَهْوٍ، فَكانَ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِما يُرْجى نَعِيمًا أوْ يُوجِبُ جَحِيمًا، وكانَ ذَلِكَ [مُوجِبًا - ] لِتَشَوُّفِ السّامِعِ إلى ما يَكُونُ، قالَ تَعالى كاشِفًا تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالعامِلِ في ”إذا“ وما عَطَفَ عَلَيْها: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أيْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النُّفُوسِ، فالتَّنْكِيرُ فِيهِ مِثْلِهِ في ”ثَمَرَةِ خَيْرٍ مِن جَرادَةٍ“ ودَلالَةُ هَذا السِّياقِ المَهُولِ عَلى ذَلِكَ يُوجِبُ اليَقِينَ فِيهِ ﴿ما﴾ أيْ كُلَّ شَيْءٍ ﴿أحْضَرَتْ﴾ [أيْ - ] عَمِلَتْ وأوْجَدَتْ، فَكانَ أهْلًا لِلْحُضُورِ، وكانَ عَمَلُهُ لَها سَبَبًا لِإحْضارِ القَدِيرِ إيّاهُ لَها في ذَلِكَ اليَوْمِ مَحْفُوظًا لَمْ يَغِبْ عَنْهُ مِنها ذَرَّةٌ مِن خَيْرِهِ وشَرِّهِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ كانَ لِكُلِّ امْرِئٍ شَأْنٌ يُعْنِيهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في أعْمالِهِ ما [لا - ] يُرْضِيهِ وما يَسْتَصْغِرُهُ عَنْ حَضْرَةِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، فَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ رَغِبَ في أنْ لا يَحْضُرَ إلّا ما يَسَّرَهُ، ورَهِبَ في إحْضارِ ما يَسُوءُهُ فَيَضُرُّهُ، وجَمِيعُ هَذِهِ الأشْياءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ المَعْدُودَةَ المَذْكُورَةَ في حَيِّزِ ”إذا“ في الآخِرَةِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ في الحاقَّةِ أنَّهُ الظّاهِرُ، وأنَّهُ رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لِأنَّ التَّهْوِيلَ بَعْدَ القِيامِ أنْسَبُ، وأدْخَلُ [فِي - ] الحِكْمَةِ وأغْرَبُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ سُبْحانَهُ ﴿فَإذا جاءَتِ (p-٢٨٤)الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] - الآياتُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، كانَ مَظِنَّةً لِاسْتِفْهامِ السّائِلِ عَنِ الوُقُوعِ مَتى يَكُونُ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] ووُقُوعُ تَكْوِيرِ الشَّمْسِ وانْكِدارِ النُّجُومِ وتَسْيِيرِ الجِبالِ وتَعْطِيلِ العِشارِ كُلُّ ذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ عَلى فِرارِ المَرْءِ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ - إلى ما ذَكَرَ إلى آخِرِ السُّورَةِ لِاتِّصالِ ما ذَكَرَ في مَطْلَعِ سُورَةِ التَّكْوِيرِ بِقِيامِ السّاعَةِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ أمارَةً لِلْأوَّلِ وعَلَمًا [عَلَيْهِ - ] - انْتَهى.

التكوير 81:15

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّرْهِيبِ، وكانَ الألْيَقُ بِآخِرِ عَبَسَ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ، وكانَ أعْظَمَ ما يَحْضُرُهُ الكَفَرَةُ مِن أعْمالِهِمْ بَعْدَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ بِالحَقِّ، وأعْظَمُهُ التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ التَّكْذِيبُ هو الَّذِي جَمَعَ الخِزْيَ كُلَّهُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] الَّذِي السِّياقُ كُلُّهُ لَهُ، وإنَّما اسْتَحَقَّ المُكَذِّبُ بِهِ ذَلِكَ لِأنَّ التَّكْذِيبَ بِهِ يُوقِعُ في كُلِّ حَرَجٍ مَعَ أنَّهُ لا شَيْءَ أظْهَرُ مِنهُ في أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ لِما لَهُ مِنَ الرَّوْنَقِ والجَمْعِ لِلْحُكْمِ والأحْكامِ والمَعارِفِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى جَمْعِها عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وتَرْتِيبِها ذَلِكَ التَّرْتِيبَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مُعْجِزٌ، سَبَّبَ عَنْ هَذا التَّهْدِيدِ قَوْلُهُ مُقْسِمًا بِما دَلَّ عَلى عَظِيمِ قَدْرِ المُقْسِمِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الإقْسامِ بِأشْياءَ هي مِنَ الإجْلالِ والإعْظامِ في أسْنى مَقامٍ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أيْ لِأجْلِ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ لِأنَّ الأمْرَ فِيهِ غِنًى عَنْ قَسَمٍ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ وانْتِشارِ نُورِهِ، ولِذَلِكَ أشارَ إلى عُيُوبٍ تَلْحَقُ هَذِهِ (p-٢٨٥)الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَها والقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، لِأنَّهُ كَلامُ المَلِكِ الأعْلى فَقالَ: ﴿بِالخُنَّسِ﴾ أيِ الكَواكِبِ الَّتِي يَتَأخَّرُ طُلُوعُها عَنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَتَغِيبُ في النَّهارِ لِغَلَبَةِ ضِياءِ الشَّمْسِ لَها، وهي النُّجُومُ ذَواتُ الأنْواءِ الَّتِي كانُوا يُعَظِّمُونَها بِنِسْبَةِ الأمْطارِ والرَّحْمَةِ - الَّتِي يُنَزِّلُها اللَّهُ - إلَيْها، قالُوا: وهي القَمَرُ فَعُطارِدُ فالزَّهْرَةُ فالشَّمْسُ فالمِرِّيخُ فالمُشْتَرِي فَزُحَلُ وقَدْ نَظَمَها بَعْضُهم مُتَدَلِّيًا فَقالَ: ؎زُحَلُ اشْتَرى مَرِّيخَهُ مِن شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَهَّرَتْ لِعُطارِدٍ أقْمارُ

التكوير 81:16

ثُمَّ أبْدَلَ مِنها أعْظَمَها فَقالَ: ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ أيِ السَّيّارَةِ الَّتِي تَخْتَفِي وتَغِيبُ بِالنَّهارِ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، مِن كَنْسِ الوَحْشِ - إذا دَخَلَ كَنّاسَهُ وهو بَيْتُهُ المُتَّخَذُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ، وقالَ الرّازِيُّ: يَكْنُسُ ويَسْتَتِرُ العَلَوِيُّ مِنها بِالسُّفْلِيِّ عِنْدَ القِراناتِ كَما تَسْتَتِرُ الظِّباءُ في الكَنّاسِ، وقالَ قَتادَةُ: تَسِيرُ بِاللَّيْلِ وتَخْنِسُ بِالنَّهارِ فَتُخْفى ولا تُرى، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُ الخُنُوسِ الرُّجُوعُ (p-٢٨٦)[إلى - ] وراءٍ والكُنُوسُ أنْ تَأْوِي إلى مَكانِسِها. وقالَ القُشَيْرِيُّ: إنَّ ذَلِكَ غُرُوبُها، وإنَّما نَفى الإقْسامَ [بِها - ] لِأنَّها وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً في أنْفُسِها بِما ناطَ بِها سُبْحانَهُ مِنَ المَصالِحِ وأنْتُمْ تُعَظِّمُونَها وتَغْلُونَ فِيها لِأنَّ فِيها نَقائِصَ الغَيْبُوبَةِ [و -] انْبِهارَ النُّورِ، والقُرْآنُ المُقْسَمُ لِأجْلِهِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ هو الغالِبُ عَلى كُلِّ ما سِواهُ مِنَ الكَلامِ [غَلَبَةً - ] هي أعْظَمُ مِن غَلَبَةِ ضِياءِ الشَّمْسِ لِنُورِ ما سِواها مِنَ الكَواكِبِ، فَلِذَلِكَ لا يَلِيقُ أنْ يُقْسِمَ بِها لِأجْلِهِ.

التكوير 81:17

ولَمّا ذَكَرَ غِيابَها فَفُهِمَ مِنهُ مَحَلُّهُ وهو النَّهارُ، ذَكَرَ مَحَلَّ ظُهُورِها فَأفْهَمَ الظُّهُورَ فَقالَ: ﴿واللَّيْلِ﴾ أيِ الَّذِي هو مَحَلُّ ظُهُورِ النُّجُومِ وزَوالِ خُنُوسِها وذَهابِ كَنَوْسِها ﴿إذا عَسْعَسَ﴾ أيْ أقْبَلَ ظَلامُهُ، واعْتَكَرَ سَوادُهُ وقَتامُهُ، فَظَهَرَتِ الكَواكِبُ زَهْرًا مَنثُورًا في بَيْداءَ تِلْكَ الغَياهِبِ، فَإنَّ فِيهِ نُقْصانًا بِالظَّلّامِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ أدْبَرَ، وقِيلَ: أظْلَمَ، وقِيلَ: انْتَصَفَ، وقِيلَ: انْقَضى، وسَعْسَعَ بِمَعْناهُ فَهو ما لا يَسْتَحِيلُ بِالِانْعِكاسِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ خُنُوسِ الكَواكِبِ وكُنُوسِها أوَّلًا يُفْهِمُ ظُهُورَها ثانِيًا، وذِكْرُ اللَّيْلِ ثانِيًا يُفْهِمُ حَذْفَ النَّهارِ أوَّلًا.

التكوير 81:18

(p-٢٨٧)ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ ما نَقُصَ بِالظَّلامِ عَنْ صَلاحِيَّةِ الإقْسامِ يَتَأهَّلُ ذَلِكَ بِزَوالِهِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿والصُّبْحِ﴾ أيِ الَّذِي هو أعْدَلُ أوْقاتِ النَّهارِ ﴿إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ أضاءَ وأقْبَلَ رُوحُهُ ونَسِيمُهُ، وأُنْسُهُ ونَعِيمُهُ، واتَّسَعَ نُورُهُ، وانْفَرَجَ بِهِ عَنِ اللَّيْلِ دَيْجُورُهُ، وذَلِكَ بَعْدَ إقْبالِ اللَّيْلِ ثُمَّ إدْبارِهِ أيْ لا أُقْسِمُ بِهِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ ذا نُورٍ ونِعْمَةٍ وحُبُورٍ وبَهْجَةٍ وسُرُورٍ فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضاءَلُ عَنْ نُورِ القُرْآنِ، وما فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والرِّضْوانِ، ”وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ“ عَلى أنَّ تَنَفُّسَهُ بِالبَرْدِ واللَّطافَةِ تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ بِالحَرِّ والكَثافَةِ، وتَنَفُّسُ القُرْآنِ بِنَفَحاتِ القُدْسِ ونَعِيمِ المَواعِظِ والأُنْسِ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ.

التكوير 81:19

ولَمّا بَيَّنَ [أنَّ - ] هَذِهِ الأشْياءَ - الَّتِي لَوْلاها لَما طابَ لَهم عَيْشٌ ولا تَهْنَؤُوا بِحَياةٍ، وهي مِنَ الفَضْلِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُهُ إلّا خالِقُها - تَصْغُرُ عَنْ أنْ يُقْسِمَ بِها عَلى شَيْءٍ مِن فَضائِلِ القُرْآنِ لِما لَهُ مِن عَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُطِيقُ التَّعْبِيرَ [عَنْهُ - ] البَيانُ، ويَتَضاءَلُ دُونَهُ اللِّسانُ، قالَ مُجِيبًا لِذَلِكَ إخْبارًا عَمّا هو مُحَقَّقٌ في نَفْسِهِ الأمْرُ أعْظَمُ مِن تَحَقُّقِ هَذِهِ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها، هادٍ إلى مَصالِحِ الدّارَيْنِ أكْثَرَ مِن هِدايَتِها، مُبَيِّنًا لِلسَّفِيرَيْنِ بِهِ المَلَكِيِّ والبَشَرِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ مُؤَكِّدًا لِما يَسْتَحِقُّهُ السِّياقُ كَما يَسْتَحِقُّهُ مَعَ ما لَهم مِنَ الإنْكارِ تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ (p-٢٨٨)وعَظِيمِ سَفَهِهِمْ بَعْدَ أنْ أقْسَمَ بِثَلاثَةِ أقْسامٍ، فَإنَّ نَفْيَ الإقْسامِ [ بِها بِما ذَكَرَ مِن نَقائِصِها - كالإقْسامِ - ] بِها مَعَ بَيانِ [أنَّ - ] المُقْسِمَ عَلَيْهِ أعْظَمُ مِنها بِما لا يُقايِسُ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ هَذا الذِّكْرُ الَّذِي تَقَدَّمَ في عَبَسَ بَعْضَ ما يَسْتَحِقُّ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ والنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَحْنُ أرْسَلْناهُ بِهِ إلى خَيْرٍ خَلَقْنا وجَعَلْناهُ بَرِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَهُ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ ذَلِكَ، وهي أنْ يَكُونَ خُلاصَةُ الخَلْقِ ذا جِهَتَيْنِ: واحِدَةٌ مِلْكِيَّةٌ يَتَلَقّى بِها مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِكَوْنِ غَيْرُهُ مِنَ البَشَرِ لا يُطِيقُ ذَلِكَ، وأُخْرى بَشَرِيَّةٌ يَتَلَقّى بِها مِنَ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الرَّسُولَ إنَّما وظِيفَتُهُ تَبْلِيغَ ما أرْسَلَ بِهِ فَهو سَفِيرٌ مَحْضٌ، والَّذِي أوْحاهُ وإنْ كانَ قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ نَطَقَ بِهِ وبَلَّغَهُ مِن غَيْرِ مُشارَكَةِ شَيْطانٍ ولا غَيْرِهِ هو قَوْلُ اللَّهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ لِكَوْنِهِ مُعَبِّرًا عَنِ الصِّفَةِ القَدِيمَةِ النَّفْسِيَّةِ، ولَوْ كانَ قَوْلُ الرَّسُولِ مُسْتَقِلًّا [بِهِ - ] لَما كانَ لِوَصْفِهِ بِالرِّسالَةِ مَدْخَلٌ فَما كانَتِ البَلاغَةُ تَقْتَضِي ذِكْرَهُ بِالوَصْفِ. ولَمّا بَيَّنَ بِوَصْفِ الرِّسالَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِهِ إلّا لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا بِهِ وُمُبَلِّغًا لَهُ، وأنَّهُ في الحَقِيقَةِ قَوْلُ مَن أرْسَلُهُ، وصَفَهُ بِما أفْهَمَهُ الوَصْفُ مِمّا يُوجِبُ حِفْظَهُ مِن غَيْرِ تَحْرِيفِ ما ولا تَغْيِيرَ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، (p-٢٨٩)وذَلِكَ بِبَيانِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ووَجاهَتِهِ وبَيانِ قَدْرِهِ ونُفُوذِ كَلِمَتِهِ فَقالَ: ﴿كَرِيمٍ﴾ أيِ انْتَفَتْ عَنْهُ وجُوهُ المَذامِّ كُلِّها وثَبَتَتْ لَهُ وُجُوهُ المَحامِدِ كُلِّها، فَهو جَوادٌ شَرِيفُ النَّفْسِ ظاهِرٌ عَلَيْهِ مَعالِي الأخْلاقِ بَرِيءٌ مِن أنْ يُلِمَّ شَيْءٌ [ مِنَ اللَّوْمِ - ] بِساحَتِهِ، فَلِذَلِكَ هو يَفِيضُ الخَيْراتِ بِإذْنِ رَبِّهِ عَلى مَن أمَرَ بِهِ العالِمِينَ، فَيُؤَدِّي ما أرْسَلَ بِهِ كَما هو لِقِيامِهِ بِالرِّسالَةِ قِيامَ الكِرامِ فَلَمْ يُغَيِّرْ فِيها شَيْئًا أصْلًا ولا فَرَّطَ حَتّى يُمْكِنَ غَيْرَهُ أنْ يُحَرِّفَ أوْ يُغَيِّرَ، والكَرَمُ اجْتِماعُ كَمالاتِ الشَّيْءِ اللّائِقَةِ بِهِ.

التكوير 81:20

ولَمّا اقْتَضى هَذا القُوَّةَ، صَرَّحَ بِهِ تَأْكِيدًا فَقالَ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ أيْ عَلى [ضَبْطِ - ] ما أُرْسِلَ بِهِ بِنَفْسِهِ وعَلى المُدافَعَةِ لِلْغَيْرِ عَنْ أنْ يُدْخِلَ فِيهِ شَيْئًا مِن نَقْصٍ، وأكَّدَ القُوَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ عَرْشُهُ بِجَمِيعِ الأكْوانِ الَّذِي لا عِنْدِيَّةَ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُ ﴿مَكِينٍ﴾ أيْ بالِغُ المُكْنَةِ عِنْدَهُ عَظِيمُ المَنزِلَةِ جِدًّا بَلِيغٌ فِيها فَهو بِحَيْثُ لا يَتَأتّى مِنهُ تَفْرِيطٌ ما في إبْلاغِ شَيْءٍ مِمّا أُرْسِلَ بِهِ لِأنَّهُ لا يُغَيِّرُهُ الأحْوالُ ولا يَعْمَلُ فِيهِ تَضادُّ الشَّهَواتِ، لِأنَّهُ لا شَهْوَةَ لَهُ إلّا ما يَأْمُرُ بِهِ مُرْسِلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

التكوير 81:21

(p-٢٩٠)ولَمّا كانَ المُتَمَكِّنُ في نَفْسِهِ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أعْوانٌ، قالَ: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أيْ في المَلَأِ الأعْلى فَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ أطْوَعُ شَيْءٍ لَهُ، قالَ الحَسَنُ: فَرَضَ اللَّهُ عَلى أهْلِ السَّماواتِ طاعَةَ جِبْرِيلٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما فَرَضَ عَلى أهْلِ الأرْضِ طاعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي الأمانَةَ، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ بَلِيغُ الأمانَةِ فَهو مُصَدِّقُ القَوْلِ مَقْبُولُ الأمْرِ مَوْثُوقٌ بِهِ في أمْرِ الرِّسالَةِ وإفاضَةِ العُلُومِ عَلى القُلُوبِ رُوحانِيٌّ مُطَهَّرٌ جَوْهَرًا وفِعْلًا وحالًا، ومَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ كانَ بِحَيْثُ لا يَأْتِي إلّا في أمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا لِأنَّ المُلُوكَ لا يُرْسِلُونَ خَواصَّهم [إلّا - ] في مِثْلِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ ائْتَمَنَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رِسالَتِهِ.

التكوير 81:22

ولَمّا وصَفَهُ السَّفِيرُ المَلَكِيُّ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسِ الَّتِي أزالَتْ عَنِ القُرْآنِ كُلَّ لَبْسٍ، وكانَ وصْفُهُ بِها إنَّما هو لِأجْلِ إثْباتِ شَرَفِ الرَّسُولِ البَشَرِيِّ الَّذِي هو بَيْنَ الحَقِّ وعامَّةِ الخَلْقِ، وهو النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّ ما يَقُولُهُ كَلامُ اللَّهِ حَقًّا، وكانُوا يَصِفُونَهُ بِما هو في غايَةِ النَّزاهَةِ عَنْهُ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أبْطَلَهُ مُبَكِّتًا لَهم بِالكَذِبِ ومُوَبِّخًا بِالبَلادَةِ بِقَوْلِهِ زِيادَةً في شَرَفِهِ حَيْثُ كانَ هو المُدافِعُ عَنْهُ: ﴿وما صاحِبُكُمْ﴾ أيِ الَّذِي طالَتْ صُحْبَتُهُ لَكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ (p-٢٩١)فِي غايَةِ الكَمالِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ وصْفٌ عِنْدَكم إلّا الأمِينَ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ أيْ كَما تَبْتَهُونَهُ بِهِ مِن غَيْرِ اسْتِحْياءٍ مِنَ الكَذِبِ الظّاهِرِ مَعَ ظُهُورِ التَّناقُضِ فِعْلُ ألْأمِ اللِّئامِ، بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ، فَما القُرْآنُ الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكم قَوْلُ مَجْنُونٍ ولا [قَوْلُ - ] مُتَوَسِّطٍ في العَقْلِ بَلْ قَوْلُ أعْقَلِ العُقَلاءِ وأكْمَلِ الكُمَلاءِ، وهَذا النَّفْيُ المُؤَكَّدُ ثابِتٌ لَهُ دائِمًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ لِكُلِّ زَمانٍ - هَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لا ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلى بَقِيَّةِ المَلائِكَةِ، فَإنَّهُ ما سِيقَ لِذَلِكَ ولا هو واللَّهِ مِمّا يُرْضِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ الأصْبِهانِيُّ هُنا: هَذا يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ وأمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ المَلائِكَةِ ومِن مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا يُمْكِنُهُ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى في البَقَرَةِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٩٨] ولَمْ يَلْزَمْ مِن تَقْدِيمِ المَلائِكَةِ في الذِّكْرِ تَفْضِيلُهم عَلى الرُّسُلِ، وأمّا تَقْدِيمُ جِبْرِيلَ عَلى مِيكائِيلَ فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَكُونَ لِلشَّرَفِ كَما أنَّ تَخْصِيصَهُما بِالذِّكْرِ لِفَضْلِهِما، وقالَ في النَّجْمِ: ثُمَّ دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ أقْرَبَ المَلائِكَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ» - انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ (p-٢٩٢)لَكانَ فِيهِ كِفايَةً لَكِنْ لَمْ أجِدْهُ أصْلًا، وقالَ الأصْبَهانِيُّ في عَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبإ: ٣٨] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو أعْظَمُ المَلائِكَةِ خَلْقًا وأشْرَفُ مِنهُمْ، وأقْرَبُ مِن رَبِّ العالَمِينَ - انْتَهى. فَهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في تَفْضِيلِ الرُّوحِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ في غَزْوَةِ بَدْرٍ في كِتابِهِ الرَّوْضِ: ونَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَكانَ في خَمْسِمِائَةٍ في المَيْمَنَةِ، ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في خَمْسِمِائَةٍ في المَيْسَرَةِ، ووَراءَهم مَدَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُقاتِلُوا وهُمُ الآلافُ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَطَ الصَّفِّ لا يُقاتِلُ كَما يُقاتِلُ غَيْرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - [انْتَهى- ] . وهَذا يَدُلُّ عَلى شَرَفِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ رَئِيسِ القَوْمِ وفِعْلَهُ فِعْلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ.

التكوير 81:23

ولَمّا كانَ المَجْنُونُ لا يُثْبِتُ ما يَسْمَعُهُ ولا ما يُبْصِرُهُ حَقَّ الإثْباتِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ هَذا النَّفْيِ: فَلَقَدْ سَمِعَ مِن رَسُولِنا إلَيْهِ ما أرْسَلَ بِهِ حَقَّ السَّمْعِ، ما التَبَسَ عَلَيْهِ [فِيهِ - ] حَقٌّ بِباطِلٍ، عَطَفَ [عَلَيْهِ - ] الإخْبارَ بِرَفْعِهِ شَأْنَهُ في رُؤْيَةِ ما لَمْ يَرَهُ [غَيْرُهُ - ] وأمانَتُهُ وُجُودُهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ﴾ أيِ المُرْسَلُ إلَيْهِ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ وبِعَرَفاتٍ، جامِعًا إلى حِسِّ السَّمْعِ حِسِّ البَصَرِ ﴿بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ أيِ الأعْلى الَّذِي هو عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، حَيْثُ (p-٢٩٣)لا يَكُونُ لَبْسٌ أصْلًا، ولا يَكُونُ لِشَيْطانٍ عَلى ذَلِكَ المَكانِ سَبِيلٌ فَعَرَفَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: بِمَطْلَعِ الشَّمْسِ الأعْلى - يَعْنِي وهو مَشْرِقُ الأنْوارِ، والأُفُقُ: النّاحِيَةُ الَّتِي تَفُوقُ وتَعْلُو.

التكوير 81:24

ولَمّا انْتَفى ما يُظَنُّ مِن لَبْسِ السَّمْعِ وزَيْغِ البَصَرِ، لَمْ يَبْقَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّأْدِيَةِ فَنَفى ما يُتَوَهَّمُ مِن ذَلِكَ [بِقَوْلِهِ- ]: ﴿وما﴾ أيْ سَمِعَهُ ورَآهُ والحالُ أنَّهُ ما ﴿هُوَ عَلى الغَيْبِ﴾ أيِ الأمْرِ الغائِبِ عَنْكم في النَّقْلِ عَنْهُ ولا في غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى ﴿بِضَنِينٍ﴾ أيْ بِمُتَّهَمٍ، مِنَ الظِّنَّةِ وهي التُّهْمَةُ، كَما يُتَّهَمُ الكاهِنُ لِأنَّهُ يُخْطِئُ في بَعْضِ ما يَقُولُ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُوثَقَ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقُولُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ، هَذا في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالظّاءِ، والمَعْنى في قِراءَةِ الباقِينَ [بِالضّادِ- ]: بِبَخِيلٍ كَما يَبْخَلُ الكاهِنُ رَغْبَةً في الحُلْوانِ، بَلْ هو حَرِيصٌ عَلى أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن أُمَّتِهِ عالِمًا بِكُلِّ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِتَبْلِيغِهِ.

التكوير 81:25

ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الأمانَةَ والجُودَ بَعْدَ أنْ نَفى عَنْهُ ما بَهَتُوهُ بِهِ، وكانَ الجُنُونُ أظْهَرَ مِن قَوْلِ المَجْنُونِ لِأنَّ بَعْضَ المَجانِينِ رُبَّما تَكَلَّمَ الكَلامَ (p-٢٩٤)المُنْتَظِمَ في [بَعْضِ - ] الأوْقاتِ فَنَفاهُ لِذَلِكَ، وكانَ قَوْلُ الكاهِنِ أظْهَرَ مِنَ الكَهانَةِ، نَفى القَوْلَ فَقالَ: ﴿وما هُوَ﴾ أيِ القُرْآنُ الَّذِي مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ الإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِالتَّأْكِيدِ بِالباءِ فَقالَ: ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ﴾ . ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الطَّرْدِ لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مَن شَطَنَ وشاطَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي البُعْدَ والِاحْتِراقَ، وصَفَهُ بِما هو لازِمٌ لَهُ فَقالَ: ﴿رَجِيمٍ﴾ أيْ مَرْجُومٌ بِاللَّعْنِ وغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُبِ لِأجْلِ اسْتِراقِ السَّمْعِ مَطْرُودٌ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ القائِلَ لَهُ لَيْسَ بِكاهِنٍ كَما تَعْلَمُونَ، وبَقِيَ مِمّا قالُوهُ السِّحْرُ وهو لا يَحْتاجُ إلى نَفْيِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلٍ، بَلْ هو فِعْلٌ صِرْفٌ أوْ قَوْلٌ مُقْتَرَنٌ بِهِ، والأضْغاثُ وهي لِذَلِكَ واضِحَةُ العَوارِ فَلَمْ يُعِدْها، فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الأوْصافَ لِلْقُرْآنِ والرَّسُولَيْنِ الآتِيَيْنِ بِهِ المَلَكِيِّ والبَشَرِيِّ أحَبَّهُ وأحَبَّهُما، وبالَغَ في التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وأقْبَلَ عَلى تِلاوَتِهِ في كُلِّ أوْقاتِهِ، وبالَغَ في السَّعْيِ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ والهَرَبِ مِمّا يَنْهى عَنْهُ، لِيَحْصُلَ لَهُ الِاسْتِقامَةُ رَغْبَةً في مُرافَقَةِ مَن أتى بِهِ ورُؤْيَةَ مَن أتى مِن عِنْدِهِ.

التكوير 81:26

ولَمّا لَمْ يَدَعْ وجْهًا يُلَبِّسُ بِهِ عَلى مَن لا يُعْرَفُ حالُهُ ﷺ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُوَبِّخًا مُنْكِرًا: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أيْ بِقُلُوبِكم عَنْ (p-٢٩٥)هَذا الحَقِّ المُبِينِ يا أهْلَ مَكَّةَ المُدَّعِينَ لِغايَةِ الفَطِنَةِ وقَدْ عَلِمْتُمْ هَذا الحِفْظَ العَظِيمَ في الرَّسُولَيْنِ المَلَكِيِّ والبَشَرِيِّ فَمِن [أيْنَ - ] يَأْتِي ما تَدَّعُونَ مِنَ التَّخْلِيطِ في هَذا الكِتابِ العَظِيمِ الَّذِي دَلَّ عَلى حِفْظِهِ بِبُرْهانِ عَجْزِكم عَنْ مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِنهُ؟ وهو اسْتِضْلالٌ لَهم واسْتِجْهالٌ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ في كُلِّ ما كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ بِحَيْثُ صارَ ضَلالُهم مَعْرُوفًا لا لَبْسَ فِيهِ.

التكوير 81:27

ولَمّا كانَ الحالُ قَدْ صارَ في الوُضُوحِ إلى أنَّهُ إذا نَبَّهَ صاحِبَهُ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ نَظَرَ أدْنى نَظَرٍ، فَقالَ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ: لا أيْنَ، قالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي أتاكم بِهِ ﴿إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ شَرَفٌ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ ومَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم.

التكوير 81:28

ولَمّا تَشَرَّفَ الوُجُودَ كُلَّهُ بِإظْهارِهِ فِيهِ نَوْعِ تَشَرُّفٍ، أطْلَقَ هَذِهِ العِبارَةَ. ولَمّا كانَ الَّذِي ثَمَّ شَرَّفَهُ المُهْتَدِي، فَكانَ الوَعْظُ والشَّرَفُ إنَّما هو لَهُ في الحَقِيقَةِ قالَ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُخاطَبُونَ ﴿أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أيْ يَطْلُبَ القَوْمَ ويُوجِدَهُ.

التكوير 81:29

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما تَعَنَّتَ بِهِ المُتَعَنِّتُ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ نافِيًا (p-٢٩٦)لِاسْتِقْلالِهِمْ ومُثْبِتًا لِلْكَسْبِ: ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيْ أيُّها الخَلائِقُ الِاسْتِقامَةُ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا حُكْمَ لِأحَدٍ سِواهُ مَشِيئَتُكُمْ، وإنْ لَمْ يَشَأْها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى مَشِيئَةٍ، فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يَشَأْ لَكم ما يُرْضِيهِ فَيُوَفِّقَكم إلَيْهِ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: الكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِضْعٌ وتِسْعُونَ كِتابًا قَرَأْتُ مِنها بِضْعًا [وثَمانِينَ - ] كِتابًا فَوَجَدْتُ فِيها: مَن جَعَلَ إلى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ المَشِيئَةِ فَقَدْ كَفَرَ - انْتَهى. ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآيَةَ أدْنى تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ كَلامَ المُعْتَزِلَةِ بَعْدَها في القَدْرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ لَهُ هَوًى لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ أصْلًا ”ومَن يُضَلِّلُ الله فَما لَهُ مِن هادَ“ . ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الوَصْفَ بِما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيِ المُوجِدِ لَهم والمالِكِ والمُحْسِنِ إلَيْهِمْ والمُرَبِّي لَهم وهو أعْلَمُ بِهِمْ مِنهُمْ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ إلّا عَلى ما قَدَّرَهم عَلَيْهِ، ويَجِبُ عَلى كُلٍّ مِنهم طاعَتُهُ والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وشُكْرُهُ اسْتِمْطارًا [لِلزِّيادَةِ- ]، فَلِهَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ في الشَّمْسِ وما تَبِعَها مِمّا ذَكَرَ (p-٢٩٧)أوَّلَ السُّورَةِ لِإقامَةِ السّاعَةِ لِأجْلِ حِسابِ الخَلائِقِ، والإنْصافِ بَيْنَهم بِقَطْعِ كُلِّ العَلائِقِ، كَما يَفْعَلُ كُلُّ رَبٍّ مَعَ مَن يُرَبِّيهِ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ! فَقَدِ التَقى طَرَفاها عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ وأجْلاها، وانْتَظَمَ أوَّلُ الِانْفِطارِ بِما لَهُ مِن بَدِيعِ الأسْرارِ، فالتَّكْوِيرُ كالِانْشِقاقِ والتَّفْطِيرِ، والِانْكِدارُ مِثْلُ التَّساقُطِ والِانْتِشارِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

الانفطار 82:1

(p-٢٩٨)سُورَةُ الِانْفِطارِ مَقْصُودُها التَّحْذِيرِ مِنَ الِانْهِماكِ في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ اغْتِرارًا بِإحْسانِ الرَّبِّ وكَرَمِهِ ونِسْيانًا لِيَوْمِ الدِّينِ الَّذِي يُحاسِبُ فِيهِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، ولا تُغْنِي فِيهِ نَفَّسَ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، واسْمُها الِانْفِطارُ أدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ الجَلالُ كَما أنَّ لَهُ الجَمالَ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِالرَّحْمَةِ لِيَشْكُرَ فَغَرَّ ذَلِكَ أهْلَ الضَّلالِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ مَن أرادَ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضى مِنَ الخِصالِ. * * لِما خُتِمَتِ التَّكْوِيرُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْرُجُ عَنْ مَشِيئَتِهِ وأنَّهُ مُوجِدُ الخَلْقِ ومُدَبِّرُهُمْ، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ هَذا العالَمَ هَكَذا بِهَذا الوَصْفِ لا آخِرَ لَهُ ”أرْحامٌ تَدْفَعُ وأرْضٌ تَبْلَعُ ومَن ماتَ فاتَ وصارَ إلى الرُّفاتِ ولا عَوْدَ بَعْدَ الفَواتِ“ افْتَتَحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ بِما يَكُونُ مُقَدِّمَةً لِمَقْصُودِ الَّتِي قَبْلَها مِن أنَّهُ لا بُدَّ مِن نَقْضِهِ لِهَذا العالَمِ وإخْرابِهِ لِيُحاسِبَ النّاسَ فَيَجْزِي كُلًّا مِنهم مَنِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِما عَمِلَ فَقالَ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ أيْ عَلى شِدَّةِ إحْكامِها واتِّساقِها وانْتِظامِها ﴿انْفَطَرَتْ﴾ (p-٢٩٩)أيِ انْشَقَّتْ شُقُوقًا أفْهَمَ سِياقَ التَّهْوِيلِ أنَّهُ صارَ لِبابِها أطْرافٌ كَثِيرَةٌ فَزالَ ما كانَ لَها مِنَ الكُرْيَةِ الجامِعَةِ لِلْهَواءِ الَّذِي النّاسُ فِيهِ كالسَّمَكِ في الماءِ، فَكَما أنَّ الماءَ إذا انْكَشَفَ عَنِ الحَيَواناتِ البَحْرِيَّةِ هَلَكَتْ، كَذَلِكَ يَكُونُ الهَواءُ مَعَ الحَيَواناتِ البَرِّيَّةِ، فَلا تَكُونُ [حَياةٌ - ] إلّا بِبَعْثٍ جَدِيدٍ ونَقْلٍ عَنْ هَذِهِ الأسْبابِ، لِيَكُونَ الحِسابُ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

الانفطار 82:2

ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِنِ انْفِطارِها وهَيِّها وعَدَمِ إمْساكِها لِما أثْبَتَ بِها لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ تَخْوِيفًا لِمَن تَحْتَها بِأنَّهم يَتَرَقَّبُونَ كُلَّ وقْتٍ سُقُوطَها أوْ سُقُوطَ طائِفَةٍ مِنها فَوْقَهم فَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لا يَقَرُّ لَهم قَرارٌ، [قالَ- ]: ﴿وإذا الكَواكِبُ﴾ أيِ النُّجُومُ الصِّغارُ والكِبارُ كُلُّها الغَرّاءُ الزّاهِرَةُ المُتَوَقِّدَةُ تُوقَدُ النّارُ المُرَصَّعَةُ تَرْصِيعَ المَسامِيرِ في الأشْياءِ المُتَماسِكَةِ الَّتِي دَبَّرَ اللَّهُ في دارِ الأسْبابِ بِها الفُصُولُ الأرْبَعَةُ واللَّيْلُ والنَّهارُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَقاصِدِ الكِبارِ، وكانَتْ مَحْفُوظَةً بِانْتِظامِ السَّماءِ ﴿انْتَثَرَتْ﴾ أيْ تَساقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً كَما يَتَساقَطُ الدُّرُّ مِنَ السِّلْكِ إذا انْقَطَعَ تَساقُطًا كَأنَّهُ لِسُرْعَتِهِ لا يَحْتاجُ إلى فِعْلِ فاعِلٍ لِقُوَّةِ تَداعِيهِ إلى التَّساقُطِ.

الانفطار 82:3

ولَمّا كانَ إخْبارُهُ بِما دَلَّ عَلى وهي السَّماءُ [مُشْعِرًا - ] بِوَهْيِ الأرْضِ لِأنَّها أتْقَنُ مِنها وأشْرَفُ إذْ هي لِلْأرْضِ بِمَنزِلَةِ الذَّكَرِ لِلْأُنْثى، (p-٣٠٠)وكانَ الِانْفِعالُ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ فاعِلٍ، صَرَّحَ بِوَهْيِ الأرْضِ مُعَبِّرًا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّ الكُلَّ بِفِعْلِهِ، وأنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، فَقالَ مُخْبِرًا بِانْفِطارِ الأراضِي أيْضًا لِيَجْمَعَ بَيْنَ التَّخْوِيفِ [بِالمُطِلِّ - ] والتَّرْوِيعِ بِالمُقِلِّ: ﴿وإذا البِحارُ﴾ المُتَفَرِّقَةُ في الأرْضِ وهي ضابِطَةٌ لَها أتَمَّ ضَبْطٍ لِنَفْعِ العِبادِ عَلى كَثْرَتِها ﴿فُجِّرَتْ﴾ أيْ تَفْجِيرًا كَثِيرًا بِزَوالِ ما بَيْنَها مِنَ البَرازِخِ الحائِلَةِ، وقالَ الرَّبِيعُ: بِفَيْضِها وخُرُوجِ مائِها عَنْ حُدُودِهِ فاخْتَلَطَ بَعْضُها بِبَعْضٍ مِن مِلْحِها وعَذَّبَها فَصارَتْ بِحْرًا واحِدًا، فَصارَتِ الأرْضُ كُلُّها ماءً ولا سَماءَ ولا أرْضَ فَأيْنَ المَفَرُّ.

الانفطار 82:4

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لَغَمْرِ القُبُورِ فَأُوهِمَ أنَّ أهْلَها لا يَقُومُونَ كَما كانَ العَرَبُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ مَن ماتَ فاتَ، قالَ دافِعًا لِذَلِكَ عَلى نَمَطِ كَلامِ القادِرِينَ إشارَةً إلى سُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ: ﴿وإذا القُبُورُ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿بُعْثِرَتْ﴾ أيْ نُبِشَ تُرابُها عَلى أسْهَلِ وجْهٍ عَنْ أهْلِها فَقامُوا أحْياءً كَما كانُوا، فَرَأوْا ما أفْظَعَهم وهالَهم ورَوَّعَهم.

الانفطار 82:5

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّها الَّتِي جُعِلَتْ أشْراطًا عَلى السّاعَةِ مُوجِبَةً لِعُلُومٍ دَقِيقَةٍ، وتَكْشِفُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَنْ أُمُورٍ عَجِيبَةٍ، وكانَتْ (p-٣٠١)كُلُّها دالَّةً عَلى الِانْتِقالِ مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارٍ أُخْرى لِخَرابِ هَذِهِ الدّارِ، ناسَبَ أنْ يُجِيبَ ”إذْ“ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أيْ جَمِيعُ النُّفُوسِ بِالإنْباءِ بِالحِسابِ وبِما يَجْعَلُ لَها سُبْحانَهُ بِقُوَّةِ التَّرْكِيبِ مِن مَلَكَةٍ لِلِاسْتِحْضارِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] والدّالُّ عَلى إرادَةِ العُمُومِ التَّعْبِيرُ بِالتَّنْكِيرِ في سِياقِ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ النُّفُوسَ كُلَّها في عِلْمٍ مِثْلِ هَذا وجَهْلِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَمَهْما ثَبَتَ لِلْبَعْثِ ثَبَتَ لِلْكُلِّ، ولَعَلَّهُ نَكَّرَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن وهَبَهُ اللَّهُ عَقْلًا أنْ يُجَوِّزَ أنَّهُ هو المُرادُ فَيَخافُ: ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ أيْ مِن عَمَلٍ ﴿وأخَّرَتْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما عَمِلَتْ مَن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ أوْ غَيْرِهِما، أوْ ما قَدَّمَتْ قَبْلَ المَوْتِ وما أخَّرَتْ مِن سُنَّةٍ تَبْقى بَعْدَهُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ السُّورَةُ كَأنَّها مِن تَمامِ سُورَةِ التَّكْوِيرِ لِاتِّحادِ القَصْدِ فاتِّصالُها بِها واضِحٌ وقَدْ مَضى نَظِيرَ هَذا - انْتَهى.

الانفطار 82:6

ولَمّا كانَ ذَلِكَ خالِعًا لِلْقُلُوبِ، وكانَ الإنْسانُ إذا اعْتَقَدَ البَعْثَ قَدْ يَقُولُ تَهاوُنًا بِبَعْضِ المَعاصِي: المَرْجِعُ إلى كِرِيمٍ ولا يَفْعَلُ بِي إلّا خَيْرًا، أُنْتِجَ قَوْلُهُ مُنادِيًا بِأداةِ البُعْدِ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ مَعَ ذَلِكَ مُعَرَّضٌ، مُنْكِرًا سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى مَن يَقُولُ هَذا اغْتِرارًا بِخُدَعِ الشَّيْطانِ إنْكارًا يَهُدُّ (p-٣٠٢)الأرْكانَ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ أيِ البَشَرُ الآنِسُ بِنَفَسِهِ النّاسِي لِما يَعْنِيهِ ﴿ما غَرَّكَ﴾ أيْ أدْخَلَكَ في الغِرَّةِ، وهي أنْ تَرى فِعْلَكَ القَبِيحَ حَسَنًا أوْ تَرى أنَّهُ يُعْفى عَنْكَ لا مَحالَةَ، وذَلِكَ بِمَعْنى قِراءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والأعْمَشِ: أغُرَّكَ - بِهَمْزَةِ الإنْكارِ، وتَزِيدُ المَشْهُورَةُ مَعْنى التَّعَجُّبِ ﴿بِرَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ الَّذِي أنْساكَ إحْسانَهُ ما خَلَقْتَ لَهُ مِن خَلاصِ نَفْسِكَ بِعَمَلِ ما شَرَعَهُ لَكَ. ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِالرَّبِّ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى الإحْسانِ يَدُلُّ عَلى الِانْتِقامِ عِنْدَ الإمْعانِ في الإجْرامِ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ المُرَبِّي، فَكانَ ذَلِكَ مانِعًا مِنَ الِاغْتِرارِ لِمَن تَأْمَّلَ، أتْبَعَهُ ما هو كَذَلِكَ أيْضًا ظاهِرُهُ لُطْفٌ وباطِنُهُ جَبَرُوتٌ وقَهْرٌ، فَقالَ لِلْمُبالَغَةِ في المَنعِ عَنِ الِاغْتِرارِ، ﴿الكَرِيمِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ المُقْتَضِي لِئَلّا يُهْمِلَ الظّالِمُ بَلْ يُمْهِلُهُ، ولا يُسَوِّي بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ والمُوالِي والمُعادِي والمُطِيعِ والعاصِي، المُقْتَضِي لِأنْ يُبالِغَ في التَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ شُكْرًا لَهُ، وأنْ لا يُعْرِضُ أحَدٌ عَنْهُ لِأنَّ بِيَدِهِ كُلَّ شَيْءٍ ولا شَيْءَ بِيَدِ غَيْرِهِ، فَيَجِبُ أنْ يَخْشى شِدَّةَ بَطْشِهِ لِأنَّهُ كَذَلِكَ يَكُونُ المُتَّصِفُ بِالكَرَمِ لا يَكُونُ إلّا عَزِيزًا، فَإنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الحِلْمِ عَظِيمَ السَّطْوَةِ عِنْدَ انْتِهاكِ حُرْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الحِلْمِ فَإنَّهُ يَجِدُ أعْوانًا كَثِيرَةً عَلى مُرادِهِ، ولا يَجِدُ المُعاقِبَ عُذْرًا في تَقْصِيرِهِ بِخِلافِ اللَّئِيمِ (p-٣٠٣)فَإنَّهُ لا يَجِدُ أعْوانًا فَلا يَشْتَدُّ أخْذُهُ، [فَصارَ - ] الإنْكارُ بِواسِطَةِ هَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ أشَدَّ وأغْلَظَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ومِن جِهَةٍ أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ المُحْسِنِ الَّذِي لا تَكْدِيرَ في إحْسانِهِ بِوَجْهٍ، فَلا يُعْصى لَهُ أمْرٌ ولا يُفَرَّطُ [لَهُ - ] في حَقٍّ، ومَعَ ذَلِكَ فَفي ذِكْرِ هَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ تَلْقِينُ الحُجَّةِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لَوْ سَألَنِي لَقُلْتُ: غَرَّنِي كَرَمُ الكَرِيمِ وحِلْمُهُ، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مِن كَرَمِ الرَّجُلِ سُوءُ أدَبِ غِلْمانِهِ، وقالَ الإمامُ الغَزالِيُّ في شَرْحِهِ لِلْأسْماءِ: هو الَّذِي إذا قَدَرَ عَفا، وإذا وعَدَ وفى، وإذا أعْطى زادَ عَلى مُنْتَهى الرَّجا، ولا يُبالِي لِمَن أعْطى ولا كَمْ أعْطى، وإذا رُفِعَتْ حاجَةٌ إلى غَيْرِهِ لا يَرْضى، وإذا جَفى عاتَبَ وما اسْتَقْصى، ولا يَضِيعُ مَن لاذَ بِهِ وإلَيْهِ التَجَأ، ويُغْنِيهِ عَنِ الوَسائِلِ والشُّفَعاءِ.

الانفطار 82:7

ولَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى الكَمالَيْنِ، بِالجَلالِ، دَلَّ عَلَيْهِما تَقْرِيرًا لَهُما بِإفاضَةِ الجُودِ في التَّرْبِيَةِ بِوَصْفِ الجَمالِ بِالإكْرامِ لِئَلّا يَعْتَقِدَ الإنْسانُ بِما لَهُ مِنَ الطُّغْيانِ أنَّهُ حُرٌّ مالِكٌ لِنَفْسِهِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ [ أيْ أوْجَدَكَ - ] مِنَ العَدَمِ مُهَيَّئًا لِتَقْدِيرِ الأعْضاءِ ﴿فَسَوّاكَ﴾ عَقِبَ تِلْكَ الأطْوارِ بِتَصْوِيرِ الأعْضاءِ والمَنافِعِ بِالفِعْلِ ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أيْ جَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ سَلِيمًا مُودَعًا فِيهِ قُوَّةُ المَنافِعِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ لَها، وعَدَلَ المِزاجَ حَتّى قَبْلَ الصُّورَةِ، والتَّعْدِيلِ جَعَلَ البِنْيَةَ (p-٣٠٤)مُتَناسِبَةَ الخِلْقَةِ، وكَذا العَدْلُ في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالتَّخْفِيفِ [أيْ - ] فَأمالَكَ عَنْ تَشْوِيهِ الخِلْقَةِ وتَقْبِيحِ الصُّورَةِ، وجَعَلَكَ مُعْتَدِلًا في صُورَتِكَ، وكُلُّ هَذا يَقْتَضِي غايَةَ الشُّكْرِ والخَوْفِ مِنهُ إنْ عَصى، لِأنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى التَّسْوِيَةِ يَقْدِرُ عَلى التَّشْوِيهِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ.

الانفطار 82:8

ولَمّا أضاءَ بِهَذا إضاءَةَ الشَّمْسِ أنَّهُ عَظِيمُ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُعَلِّقًا بِ ”رَكِبَ“: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي تَعْرِفُها والَّتِي لا تَعْرِفُها مِنَ الدَّوابِّ والطُّيُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ [ مِنَ الحَيَوانِ- ]، ولَمّا كانَ المُرادُ تَقْرِيرَ المَعْنى غايَةَ التَّقْرِيرِ، أثْبَتَ النّافِي في سِياقِ الإثْباتِ لِيَنْتَفِيَ ضِدَّ ما أثْبَتَهُ الكَلامُ فَيَصِيرُ ثَباتُ المَعْنى عَلى غايَةٍ [مِنَ - ] القُوَّةِ الَّتِي لا مَزِيدَ عَلَيْها، [فَقالَ- ]: ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أيْ ألَّفَ تَرْكِيبَ أعْضائِكَ وجَمَعَ الرُّوحَ إلى البَدَنِ، رَوى الطَّبَرانِيُّ في مَعاجِمِهِ الثَّلاثَةِ بِرِجالٍ ثِقاتٍ عَنْ مالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أرادَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ أنْ يَخْلُقَ النَّسَمَةَ فَجامَعَ الرَّجُلُ المَرْأةَ طارَ ماؤُهُ في [كُلِّ - ] عِرْقٍ وعَصَبَ مِنها، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ السّابِعُ أحْضَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ، ثُمَّ [قَرَأ - ] ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾» فَتَحَرَّرَ بِهَذا أنَّ الإنْسانَ رَقِيقٌ رِقًّا لازِمًا، ومَن خَلَعَ رِبْقَةَ ذَلِكَ الرِّقِّ اللّازِمِ وُكِّلَ إلى نَفْسِهِ فَهَلَكَ.

الانفطار 82:9

(p-٣٠٥)ولَمّا أوْضَحَ سُبْحانَهُ غايَةَ الإيضاحِ الدَّلِيلَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الإعادَةِ بِالِابْتِداءِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ما أوْجَبَ لِلْإنْسانِ، الخَسارَ بِنِسْيانِ هَذا الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى تِلْكَ الدّارِ إلّا الِاغْتِرارُ، وكانَ الِاغْتِرارُ يُطْلَقُ عَلى أدْنى المَعْنى، بَيَّنَ أنَّهُ ارْتَقى بِهِ الذُّرْوَةَ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ ما أوْقَعَكم أيُّها النّاسُ في الإعْراضِ [ عَمَّنْ يَجِبُ الإقْبالُ عَلَيْهِ ويُقَبِّحُ غايَةَ القَباحَةِ الإعْراضَ - ]بِوَجْهٍ عَنْهُ مُطْلَقُ الغُرُورِ ﴿بَلْ﴾ أعْظَمَهُ وهو أنَّكم ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ بِتَحَدُّدِ إقامَةِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ وقِيامِ البَراهِينِ السّاطِعَةِ ﴿بِالدِّينِ﴾ أيِ الجَزاءِ الَّذِي وظَّفَهُ اللَّهُ [فِي - ] يَوْمِ البَعْثِ، فارْجِعُوا عَنِ الغُرُورِ مُطْلَقًا خاصًّا وعامًّا، وارْتَدَعُوا غايَةَ الِارْتِداعِ

الانفطار 82:10

﴿وإنَّ﴾ أيْ والحالُ أنَّ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ مِمَّنْ أقَمْناهم مَن جُنْدِنا مِنَ المَلائِكَةِ ﴿لَحافِظِينَ﴾ لَهم عَلى أعْمالِكم غايَةَ العُلُوِّ فَهم بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ مِنها جَلِيلٌ ولا حَقِيرٌ.

الانفطار 82:11

ولَمّا أثْبُتَ لَهُمُ الحِفْظَ، نَزَّهَهم عَنِ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ فَقالَ: ﴿كِرامًا﴾ أيْ فَهم في غايَةِ ما يَكُونُونَ مِن طَهارَةِ الأخْلاقِ والعِفَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا ثَبَتَ الحِفْظُ والأمانَةُ بِغايَةِ الإبانَةِ، وكانَ الحافِظُ رُبَّما (p-٣٠٦)يَنْسى قالَ: ﴿كاتِبِينَ﴾ أيْ هم راسِخُونَ في وصْفِ الكِتابَةِ يَكْتُبُونَها في الصُّحُفِ كَما يَكْتُبُ الشُّهُودُ بَيْنَكُمُ العُهُودَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلى غايَةِ التَّحْرِيرِ.

الانفطار 82:12

ولَمّا أفْهَمَ الِاسْتِعْلاءُ والتَّعْبِيرُ بِالوَصْفِ إحاطَةَ الِاطِّلاعِ عَلى ما يَبْرُزُ مِنَ الأعْمالِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ فِعْلَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالعَزْمِ الثّابِتِ والدّاعِيَةِ الصّادِقَةِ سَواءٌ كانَ مَبْنِيًّا عَلى عِلْمٍ أوْ لا، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ هَذا تَكْذِيبٌ بِالجَزاءِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ هَلْ يَكُونُ إحْصاءَ مَثاقِيلِ الذَّرِّ مِن أعْمالِكم عَبَثًا وهَلْ عَلِمْتُمْ بِمَلَكٍ يَكُونُ لَهُ رَعِيَّةً يَتْرُكُهم هَمَلًا فَلا يُحاسِبُهم عَلى ما في أيْدِيهِمْ [ وما عَمِلُوهُ، ولِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِالدِّينِ أكَدَّ المَعْنى المُسْتَلْزِمَ لَهُ - ] وهو أمْرُ الحَفَظَةِ غايَةَ التَّأْكِيدِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ كُلَّ ما انْقَدَحَ في القَلْبِ وخَطَرَ في الخاطِرِ قَبْلَ أنْ يَفْعَلَ، وأمّا ما لَمْ يَجِرْ في النَّفْسِ لَهُ [ذَكَرَ - ] فَلا يَعْلَمُونَهُ كَما بَيَّنَهُ حَدِيثُ: «ومَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً» .

الانفطار 82:13

ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةَ حِفْظِ الأعْمالِ الجَزاءُ عَلَيْها، أنْتَجَ ذَلِكَ بَيانُ ما كانَتِ الكِتابَةُ لِأجْلِهِ تَفْرِيقًا بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ الَّذِي لا يَصِحُّ في حِكْمَةِ حَكِيمٍ ولا كَرَمِ كَرِيمٍ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ أيِ العامِلِينَ بِما هو واسِعٌ لَهم مِمّا يُرْضِي اللَّهَ (p-٣٠٧)جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ أيْ مُحِيطٍ بِهِمْ لا يَنْفَكُّ عَنْهم ولا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ أصْلًا في الدُّنْيا في نَعِيمِ الشُّهُودِ، وفي الآخِرَةِ في نَعِيمِ الرُّؤْيَةِ والوُجُودِ في هَذِهِ الدّارِ مَعْنًى وفي الآخِرَةِ حِسًّا، فَكُلُّ نَعِيمٍ في الجَنَّةِ لَهم مِنَ المِنَحِ الآجِلَةِ فَرَقائِقُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا لَهم عاجِلَةٌ

الانفطار 82:14

﴿وإنَّ الفُجّارَ﴾ أيِ الَّذِي شَأْنُهُمُ الخُرُوجُ مِمّا يَنْبَغِي الِاسْتِقْرارُ فِيهِ مِن رِضا اللَّهِ إلى سُخْطِهِ ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ أيْ نارٍ تَتَوَقَّدُ غايَةَ التَّوَقُّدِ يَصِلُونَ بِها جَحِيمُ العُقُوبَةِ الفَظِيعَةِ كَما كانُوا في الدُّنْيا في جَحِيمِ البُعْدِ والقَطِيعَةِ.

الانفطار 82:15

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّرْهِيبِ، وصَفَ عَذابَ الفُجّارِ فَقالَ: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ يُغْمَسُونَ فِيها كالشّاةِ المُصْلِيَةِ فَيُباشِرُونَ حَرَّها ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ المَضْبُوطَةِ عَلى مَثاقِيلِ الذَّرِّ.

الانفطار 82:16

ولَمّا كانَ العَذابُ عَلى ما نَعْهَدُهُ لا بُدَّ أنْ يَنْقَضِيَ، بَيْنَ أنَّ عَذابَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ما ﴿هم عَنْها﴾ أيِ الجَحِيمِ ﴿بِغائِبِينَ﴾ أيْ بِثابِتٍ لَهم غَيْبَةَ ما عَنْها في وقْتٍ ما، بَلْ هم فِيها خالِدُونَ جَزاءً لِأعْمالِهِمْ وِفاقًا وعَدْلًا طِباقًا حَتّى الآنَ في دارِ الدُّنْيا وإنْ كانُوا لا يُحِسُّونَ بِها إلّا بَعْدَ المَوْتِ لِأنَّ النّاسَ نِيامٌ، فَإذا ماتُوا انْتَبَهُوا.

الانفطار 82:17

(p-٣٠٨)ولَمّا عَلِمَ أنَّ الوَعِيدَ الأعْظَمَ يَوْمُ الدِّينِ، هَوَّلَ أمْرَهُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ إعْلامًا بِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَصْرِفُ العُمْرَ إلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ والسُّؤالِ عَنْ حَقِيقَةِ حالِهِ سُؤالَ إيمانٍ وإذْعانٍ لا سُؤالَ كُفْرانٍ وطُغْيانٍ، لِيَكُونَ أقْعَدَ في الوَعِيدِ بِهِ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ أعْلَمَكَ وإنِ اجْتَهَدْتَ في طَلَبِ الدِّرايَةِ بِهِ ﴿ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ [هُوَ - ] في طُولِهِ وأهْوالِهِ وفَظاعَتِهِ وزِلْزالِهِ.

الانفطار 82:18

ولَمّا كانَتْ أهْوالُهُ زائِدَةً عَلى الحَدِّ، كَرَّرَ ذَلِكَ السُّؤالَ لِذَلِكَ الحالِ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي زِيادَةً في التَّهْوِيلِ: ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ﴾ أيْ كَذَلِكَ ﴿ما يَوْمُ الدِّينِ﴾

الانفطار 82:19

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ لا تُدْرِكُهُ دِرايَةُ دارٍ وإنْ عَظُمَ وإنِ اجْتَهَدَ، لَخَّصَ أمْرَهُ في شَرْحِ ما يَحْتَمِلُهُ العُقُولُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ دافِعًا ما قَدْ يَقُولُهُ بَعْضُ مَن لا عَقْلَ لَهُ: إنْ كانَ انْضَمَمْتَ والتَجَأْتَ إلى بَعْضِ الأكابِرِ وقَصَدْتَ بَعْضَ الأماثِلِ فَأخْلَصَ قَهْرًا أوْ بِشَفاعَةٍ ونَحْوِها، فَقالَ مُبْدِلًا مِن ”يَوْمِ الدِّينِ“ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ والبَصْرِيِّينَ بِالرَّفْعِ: ﴿يَوْمَ﴾ وهو ظَرْفٌ، قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تُؤْثِرُ الرَّفْعَ إذا أضافُوا اللَّيْلَ واليَوْمَ إلى مُسْتَقْبَلٍ، وإذا أضافُوا إلى فِعْلٍ ماضٍ آثَرُوا النَّصْبَ ﴿لا تَمْلِكُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في وقْتٍ ما ﴿نَفْسٌ﴾ أيْ نَفْسٌ (p-٣٠٩)كانَتْ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ، ونَصَبَهُ الباقُونَ عَلى الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ لِلْبِناءِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ ﴿لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ أيْ قَلَّ أوْ جَلَّ، وهَذا وإنْ كانَ اليَوْمُ ثابِتًا لَكِنَّهُ في هَذِهِ الدّارِ بَطَّنَ سُبْحانَهُ في الأسْبابِ، فَتَقَرَّرَ في النُّفُوسِ أنَّ المَوْجُودِينَ يَضُرُّونَ ويَنْفَعُونَ لِأنَّهم يَتَكَلَّمُونَ ويَبْطِشُونَ، وأمّا هُناكَ فالمُقَرَّرُ في النُّفُوسِ خِلافُ ذَلِكَ مِن أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ إذْنًا ظاهِرًا، ولا يَكُونُ لِأحَدٍ فِعْلٌ ما إلّا بِإذْنِهِ كَذَلِكَ، فالأمْرُ كُلُّهُ لَهُ دائِمًا، لَكِنَّ اسْمَهُ الظّاهِرَ هُناكَ [ظاهِرٌ - ] واسْمُهُ الباطِنُ هَذا مُقَرَّرٌ لِمُوجِباتِ الغُرُورِ وسارٌّ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ أصْلًا، [لا - ] ظاهِرًا ولا باطِنًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والأمْرُ﴾ أيْ كُلُّهُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَ البَعْثُ لِلْجَزاءِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ مُخْتَصٌّ بِهِ لا يُشارِكُهُ [فِيهِ - ] مُشارِكٌ ظاهِرًا كَما أنَّهُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ باطِنًا، ويَحْصُلُ هُناكَ الكَشْفُ الكُلِّيُّ فَلا يَدَّعِي أحَدٌ لِأحَدٍ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ بِغَيْرِ إذْنٍ ظاهِرٍ خاصٍّ، وتَصِيرُ المَعارِفُ بِذَلِكَ ضَرُورِيَّةً، فَلِذَلِكَ كانَ الِانْفِطارَ والزَّلازِلَ الكِبارَ، والإحْصاءَ لِجَمِيعِ الأعْمالِ الصِّغارِ والكِبارِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُها كَما تَرى إلى أوَّلِها، والتَفَّ مَفْصِلُها بِمُوصِلِها - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.

المطففين 83:1

(p-٣١٠)سُورَةُ التَّطْفِيفِ مَقْصُودُها شَرْحُ آخَرِ الِانْفِطارِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن دَيْنُونَةِ العِبادِ يَوْمَ التَّنادِ بِإسْكانِ الأوْلِياءِ أهْلِ الرَّشادِ دارَ النَّعِيمِ، والأشْقِياءِ أهْلِ الضَّلالِ والعِنادِ دارَ الجَحِيمِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مُرَبِّيهِمْ والمُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِعُمُومِ النِّعْمَةِ، ولا يَتَخَيَّلُ عاقِلٌ أنَّ أحَدًا يُرَبِّي أحَدًا مِن غَيْرِ سُؤالٍ عَمّا حَمَلَهُ إيّاهُ وكَلَّفَهُ بِهِ ولا أنَّهُ لا يُنْصِفُ بَعْضَ مَن يُرَبِّيهِمْ مِن بَعْضٍ، واسْمُها التَّطْفِيفُ أدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والبَيانِ الشّامِلَةِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي أكْرَمَ حِزْبَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِحُسْنِ المُعامَلَةِ. * * لَمّا خَتَمَ الِانْفِطارَ بِانْقِطاعِ الأسْبابِ وانْحِسامِ الأنْسابِ [ يَوْمَ الحِسابِ- ]، وأبْلَغَ في التَّهْدِيدِ بِيَوْمِ الدِّينِ وأنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، (p-٣١١)وذَكَرَ الأشْقِياءَ والسُّعَداءَ، وكانَ أعْظَمَ ما يَدُورُ بَيْنَ العِبادِ المَقادِيرُ، وكانَتِ المَعْصِيَةُ بِالبَخْسِ فِيها مِن أخَسِّ المَعاصِي وأدْناها، حَذَّرَ مِنَ الخِيانَةِ فِيها وذَكَّرَ ما أعَدَّ لِأهْلِها وجَمَعَ إلَيْهِمْ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمْ فَحِلْمُهُ وصَفَهُ عَلى نَوْعٍ مِنَ المَعاصِي، كُلُّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْأشْقِياءِ الغافِلِينَ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ السُّمُومِ المُمْرِضَةِ المُهْلِكَةِ، ونَبَّهَ عَلى الشِّفاءِ لِمَن أرادَهُ [فَقالَ- ]: ﴿ويْلٌ﴾ أيْ هَلاكٌ ثابِتٌ عَظِيمٌ في كُلِّ حالٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَنْقُصُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ ويَبْخَسُونَ حُقُوقَ النّاسِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أصْلَ الآفاتِ الخُلُقُ السَّيِّئُ وهو حُبٌّ الدُّنْيا المُوقِعُ في جَمْعِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ وجْهِها ولَوْ بِأخَسِّ الوُجُوهِ: التَّطْفِيفُ الَّذِي لا يَرْضاهُ ذُو مُرُوءَةٍ وهم مَن يُقارِبُونَ مِلْءَ الكَيْلِ وعَدْلَ الوَزْنِ ولا يَمْلُئُونَ ولا يَعْدِلُونَ، وكَأنَّهُ مِنَ الإزالَةِ أيْ أزالَ ما أشْرَفَ مِن أعْلى الكَيْلِ، مَنِ ألْطَفٍ، وهو ما أشْرَفَ مِن أرْضِ العَرَبِ عَلى رِيفِ العِراقِ، ومِنهُ ما في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كُنْتُ فارِسًا فَسَبَقْتُ النّاسَ حَتّى طَفَتْ لِيَ الفَرَسُ مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ - يَعْنِي أنَّ الفَرَسَ وثَبَ حَتّى كادَ يُساوِي المَسْجِدَ، ويُقالُ: طَفَّ الرَّجُلُ الحائِطَ - (p-٣١٢)إذا عَلاهُ، أوْ مِنَ القُرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: أخَذْتُ مِن مَتاعِي ما خَفَّ وطَفَّ، أيْ قَرُبَ مِنِّي، وكُلُّ شَيْءٍ أدْنَيْتُهُ مِن شَيْءٍ فَقَدْ أطَفَفْتُهُ، والطَّفافُ مِنَ الإناءِ وغَيْرِهِ: ما قارَبَ أنْ يَمْلَأهُ، ولا يُتِمَّ مَلْأهُ، وفي الحَدِيثِ: «كُلُّكم بَنُو آدَمَ طَفُّ الصّاعِ»، أوْ مِنَ الطَّفَفِ وهو التَّقْتِيرُ، يُقالُ: طَفَّفَ عَلَيْهِ تَطْفِيفًا - إذا قَتَرَ عَلَيْهِ، أوْ مِنَ الطَّفِيفِ وهو مِنَ الأشْياءِ الخَسِيسِ الدُّونِ والقَلِيلِ، فَكَأنَّ التَّضْعِيفَ لِلْإزالَةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ كَما مَضى، ولِلْمُقارَبَةِ الكَثِيرَةِ عَلى المَعْنى الثّانِي أيْ أنَّهُ يُقارُّ مَلْءَ المِكْيالِ مُقارَبَةً كَبِيرَةً مَكْرًا وخِداعًا حَتّى يَظُنَّ صاحِبُ الحَقِّ [أنَّهُ - ] وفّى ولا يُوَفِّي، يُقالُ: أطَفَّ فُلانٌ لِفُلانٍ - إذا أرادَ خَتْلَهُ، وإذا نَهى عَنْ هَذا فَقَدَ نَهى عَمّا نَقَصَ أكْثَرَ بِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ، وعَلى المَعْنى الثّالِثِ بِمَعْنى التَّقْتِيرِ والمُشاحَحَةِ في الكَيْلِ، وعَلى المَعْنى الرّابِعِ بِمَعْنى التَّنْقِيصِ والتَّقْلِيلِ فِيهِ، وكَأنَّهُ اخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَسْرِقُ في المِيزانِ والمِكْيالِ [ إلّا الشَّيْءُ - ] اليَسِيرُ جِدًّا، هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ وقَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ:

المطففين 83:2

﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا﴾ أيْ عالَجُوا الكَيْلَ أوِ الوَزْنَ فاتَّزَنُوا - بِما دَلَّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي، وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ لِيَكُونَ المَعْنى: مُسْتَعْلِينَ أوْ مُتَحامِلِينَ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ خاصَّةً بِمُشاهَدَتِهِمْ كائِنِينَ مَن كانُوا [لا - ] يَخافُونَ شَيْئًا ولا يُراعُونَ أحَدًا، بَلْ صارَتِ الخِيانَةُ والوَقاحَةُ (p-٣١٣)لَهم دَيْدَنًا، وهَذا الفِعْلُ يَتَعَدّى بِمِن وعَلى، يُقالُ: اكْتالَ مِنَ الرَّجُلِ وعَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِيارُ التَّعْبِيرِ بِعَلى هُنا مَعَ ما تَقَدَّمَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم إذا كانَ لَهم نَوْعُ عُلُوٍّ بِأنْ كانَ المُكْتالُ مِنهُ ضَعِيفًا خانُوهُ فَيَكُونُ أمْرُهم دائِرًا عَلى الرَّذالَةِ وسُفُولِ الهِمَّةِ الَّتِي لا أسْفَلَ مِنها ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ لِأنْفُسِهِمُ الوَفاءَ وهو تَمامُ الكَيْلِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ والمُبالَغَةِ في المَلْءِ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ ”اكْتالُوا“ ولَمْ يَذْكُرِ ”اتَّزِنُوا“ لِأنَّهُ لا يَتَأتّى [فِي - ] الوَزْنِ مِنَ المُعالَجَةِ ما يَتَأتّى في الكَيْلِ، ولِأنَّهم يَتَمَكَّنُونَ في الِاكْتِيالِ مِنَ المُبالَغَةِ في اسْتِيفاءِ المُؤَدِّي إلى الزِّيادَةِ ما لا يَتَمَكَّنُونَ مِن مِثْلِهِ في الِاتِّزانِ، وهَذا بِخِلافِ الإخْسارِ فَإنَّ التَّمَكُّنَ بِسَبَبِهِ حاصِلٌ في المَوْضِعَيْنِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُما فِيهِ.

المطففين 83:3

ولَمّا أفْهَمَ تَقْدِيمَ الجارِّ الِاخْتِصاصُ فَأفْهَمَ أنَّهم إذا فَعَلُوا مِن أنْفُسِهِمْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ أيْ كالُوا النّاسَ أيْ حَقَّهم أيْ ما لَهم [ مِنَ الحَقِّ - ] ﴿أوْ وزَنُوهُمْ﴾ أيْ وزَنُوا ما عَلَيْهِمْ لَهُ مِنَ الحَقِّ، يُقالُ: اكْتالَ مِنَ الرَّجُلِ وعَلَيْهِ وكالَ لَهُ الطَّعامَ [ وكالَهُ الطَّعامُ- ]، ووَزَنْتُ الرَّجُلَ الشَّيْءَ ووَزَنْتُ لَهُ الشَّيْءَ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَ ”عَلى“ في الأوَّلِ والمُعَدّى إلى اثْنَيْنِ في الثّانِي لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى (p-٣١٤)حُضُورِ صاحِبِ الحَقِّ، فَهو في غَيْبَتِهِ أوْلى، فَهو أدَلُّ عَلى المَرُونِ عَلى الوَقاحَةِ، فَهُما كَلِمَتانِ لا أرْبَعُ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الواوِ ألِفُ جَمْعٍ، قالَ البَغَوِيُّ: وكانَ عِيسى بْنُ عُمَرَ يَجْعَلُهُما حَرْفَيْنِ يَقِفُ عَلى كالُوا ووَزَنُوا ويَبْتَدِئُ هُمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والِاخْتِيارُ الأوْلى، قالَ البَغَوِيُّ: يَعْنِي أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ كَلِمَةٌ لِأنَّهم كَتَبُوهُما بِغَيْرِ ألْفٍ بِاتِّفاقِ المَصاحِفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِلْمُطَفِّفِينَ لِأنَّ الكَلامَ يَخْرُجُ بِهِ إلى نَظْمٍ فاسِدٍ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى: إذا أخَذُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفُوا وإذا أعْطُوهم أُخْسِرُوا، وإنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ لِلْمُطَفِّفِينَ انْقَلَبَ إلى قَوْلِكَ: [إذا - ] أخَذُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفُوا، وإذا تَوَلَّوُا الكَيْلَ أوِ الوَزْنَ هم عَلى الخُصُوصِ أُخْسِرُوا، وهو كَلامٌ مُتَنافِرٌ لِأنَّ الحَدِيثَ واقِعٌ في الفِعْلِ لا في المُباشِرِ، والتَّعَلُّقُ في إبْطالِهِ بِخَطِّ المُصْحَفِ وأنَّ الألِفَ الَّتِي تُكْتَبُ بَعْدَ واوِ الجَمْعِ غَيْرُ ثابِتَةٍ فِيهِ رَكِيكٌ لِأنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لَمْ يُراعَ في كَثِيرٍ مِنهُ حَدُّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في عِلْمِ الخَطِّ - انْتَهى. ولا شَكَّ أنَّ في خَطِّ المُصْحَفِ تَقْوِيَةً لِهَذا الوَجْهِ المَعْنَوِيِّ وتَأْكِيدًا ﴿يُخْسِرُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الخَسارَةَ بِالنَّقْصِ فِيما يَكِيلُونَ لِغَيْرِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهم يَأْخُذُونَ وافِيًا أوْ زائِدًا ويُعْطُونَ ناقِصًا. (p-٣١٥)وقالَ الإمامُ [ أبُو جَعْفَرِ - ] ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ الِانْفِطارِ ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] الآيَةُ وكانَ مُقْتَضى ذَلِكَ الإشْعارُ بِوُقُوعِ الجَزاءِ عَلى جُزْئِيّاتِ الأعْمالِ وأنَّهُ لا يَفُوتُ عَمَلٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أتْبَعَ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِجَزاءِ عَمَلٍ يَتَوَهَّمُ فِيهِ قُرْبَ المُرْتَكِبِ وهو مِن أكْبَرِ الجَرائِمِ، وذَلِكَ التَّطْفِيفُ في المِكْيالِ والمِيزانِ والِانْحِرافِ عَنْ إقامَةِ القِسْطِ في ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ثُمَّ أرْدَفَ تَهْدِيدَهم وتَشْدِيدَ وعِيدِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ مُناسِبَةً لِما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ إلى خِتامِها - انْتَهى.

المطففين 83:4

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم أدْمَنُوا عَلى هَذِهِ الرَّذائِلِ حَتّى صارَتْ لَهم خُلُقًا مَرَنُوا عَلَيْهِ وأنِسُوا بِهِ وسَكَنُوا إلَيْهِ، وكانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ أمِنَ العِقابَ وأنْكَرَ الحِسابَ، أنْتَجَ ذَلِكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ لِإفْهامِهِ أنَّ حالَهم أهْلٌ لِأنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ ويَسْتَفْهِمَ عَنْهُ وأنَّ المُسْتَفْهِمَ عَنْ حُصُولِهِ عِنْدَهُمُ الظَّنُّ، وأمّا اليَقِينُ فَلا يَتَخَيَّلُ فِيهِمْ لِبُعْدِ أحْوالِهِمُ الجافِيَةِ وأفْهامِهِ الجامِدَةِ عَنْهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ أيِ الأخِسّاءُ البُعَداءُ الأرْجاسُ الأراذِلُ يَتَجَدَّدُ لَهم وقْتًا مِنَ الأوْقاتِ ظَنَّ أنْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا بِما مَضى مِنَ البَراهِينِ الَّتِي أفادَتْ أعْلى رُتَبِ اليَقِينِ، (p-٣١٦)فَإنَّهم لَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ ظَنًّا نَهاهم إنَّ كانَ لَهم نَظَرٌ لِأنْفُسِهِمْ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ القَبائِحِ، ومَن لَمْ تُفِدِهِ تِلْكَ الدَّلائِلُ القاطِعَةُ ظَنًّا يَحْتاطُ بِهِ لِنَفْسِهِ فَلا حِسَّ لَهُ أصْلًا ﴿أنَّهُمْ﴾ وعَبَّرَ باسِمِ المَفْعُولِ فَقالَ: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ إشارَةً إلى القَهْرِ عَلى أهْوَنِ وجْهٍ بِالبَعْثِ الَّذِي قَدْ ألِفُوا مِثْلَهُ مِنَ القَهْرِ بِاليَقَظَةِ بَعْدَ القَهْرِ بِالنَّوْمِ

المطففين 83:5

﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ لِأجْلِهِ وفِيهِ، وزادَ التَّهْوِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ لِعَظَمَةِ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الجُمَعِ والحِسابِ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ الثَّوابُ والعِقابُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى.

المطففين 83:6

ولَمّا عَظُمَ ذَلِكَ اليَوْمُ تَحْذِيرًا مِنهُ، وزادَهُ تَعْظِيمًا بِأنْ أتْبَعَهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ قَوْلَهُ ناصِبًا بِتَقْدِيرِ ”أعْنِي“ إعْلامًا بِأنَّ الجَحْدَ فِيهِ بِأعْيُنِ جَمِيعِ الخَلائِقِ فَهو فَضِيحَةٌ لا يُشْبِهُها فَضِيحَةٌ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ أيْ عَلى الأرْجُلِ ﴿النّاسُ﴾ أيْ كُلُّ مَن فِيهِ قابِلِيَّةُ الحَرَكَةِ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ - رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ ورِجالُهُ ثِقاتٌ ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ لِأجْلِ حُكْمِ مُوجِدِ الخَلائِقِ ومُرَبِّيهِمْ كُلِّهِمْ فَلا يَنْسى أحَدًا مِن رِزْقِهِ ولا يُهْمِلُهُ مِن حُكْمِهِ ولا يَرْضى بِظُلْمِ أحَدٍ مِمَّنْ يُرَبِّيهِ فَهو يَفِيضُ لِكُلٍّ مِن كَلٍّ بِحُكْمِ التَّرْبِيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ وكُلُّهُ الظَّنُّ، ووَصَفَ اليَوْمَ بِما (p-٣١٧)وصَفَ وغَيْرُ ذَلِكَ لِلْإبْلاغِ في المَنعِ عَنِ التَّطْفِيفِ وتَعْظِيمِ إثْمِهِ، ورَوى الحاكِمُ مِن رِوايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ: «ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفاحِشَةُ إلّا فَشا فِيهِمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مَنَعُوا النَّباتَ وأخَذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ» ومِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، ولِلطَّبَرانِيِّ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

المطففين 83:7

ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن تَعْظِيمِ ذَلِكَ [اليَوْمِ - ] والتَّعْجِيبِ مِمَّنْ لَمْ يُفِدْهُ بَراهِينَهُ أنْ يُجَوِّزَهُ والإنْكارَ عَلَيْهِ، وكانَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ مُفْهِمًا لِلتَّقْرِيرِ، نَفى بِأداةِ الرَّدْعِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّفْيِ مَضْمُونَ ما وقَعَ الِاسْتِفْهامُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَظُنُّ أُولَئِكَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِكَثافَةِ طِباعِهِمْ ووُقُوفِهِمْ مَعَ المَحْسُوسِ دَأبَ البَهائِمُ بَلْ لا يُجَوِّزُونَهُ، ولَوْ جَوَّزُوهُ لَما وقَعُوا في ظُلْمِ أحَدٍ مَن يَسْألُونَ عَنْهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ المَهُولِ، وما أوْجَبَ لَهُمُ الوُقُوعَ في الجَرائِمِ إلّا الإعْراضُ عَنْهُ، وقالَ (p-٣١٨)الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: هي بِمَعْنى حَقًّا مُتَّصِلَةً بِما بَعْدَها - انْتَهى. وهي مَعَ ذَلِكَ مُفْهِمَةٌ لِلرَّدْعِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ رَدْعٌ عَنِ اعْتِقادِ مِثْلِ ذَلِكَ والمُوافَقَةِ لِشَيْءٍ مِمّا يُوجِبُ الخِزْيَ فِيهِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنْ إنْكارِهِمُ، اسْتَأْنَفَ إثْباتَ ما أنْكَرُوهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأفْظَعِهِ مُهَوِّلًا لِما يَقَعُ لَهم مِنَ الشُّرُورِ وفَواتِ السُّرُورِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ كِتابَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الفُجّارِ﴾ أيْ صَحِيفَةَ حِسابِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَمَلَهم عَلى كُفْرِهِمْ مُرُوقِهِمْ وكَذا كُلُّ مَن وافَقَهم في صِفاتِهِمْ فَكانَ في غايَةِ المُرُوقِ مِمّا حَقَّ مُلابَسَتَهُ ومُلازَمَتَهُ، وأبْلَغَ في التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ هو عِلْمٌ مَنقُولٌ في صِيغَةِ المُبالَغَةِ عَنْ وصْفِ [مِنَ - ] السِّجْنِ وهو الحَبْسُ لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ في جَهَنَّمَ أيْ إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أهْلِيَّةِ الصُّعُودِ إلى مَحَلِّ الأقْداسِ إشارَةٌ إلى أنَّ كِتابَهم إذا كانَ في سِجْنٍ عَظِيمٍ أيْ ضَيِّقٍ شَدِيدٍ كانُوا هم [فِي - ] أعْظَمَ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي (p-٣١٩)الأرْضُ السّابِعَةُ - انْتَهى [وهُوَ يَفْهَمُ -] مَعَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ أنَّهم في غايَةِ الخَسارَةِ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مَنِ انْحَطَّ: صارَ تُرابًا ولَصِقَ بِالأرْضِ - ونَحْوُ ذَلِكَ،

المطففين 83:8

ثُمَّ زادَ في هَوْلِهِ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ ويُضْرَبَ إلى العالَمِ بِهِ - إنْ [كانَ - ] يُمْكِنُ - آباطُ الإبِلِ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ جَعَلَكَ دارِيًا وإنِ اجْتَهَدْتَ في ذَلِكَ ﴿ما سِجِّينٌ﴾ أيْ أنَّهُ بِحَيْثُ لا تَحْتَمِلُ وصْفَهُ العُقُولُ، وهو مَعَ ذَلِكَ في أسْفَلِ سافِلِينَ ويَشْهَدُهُ المُبْعِدُونَ مِنَ الشَّياطِينِ وسائِرِ الظّالِمِينَ، يَصْعَدُ بِالمَيِّتِ [مِنهم - ] إلى السَّماءِ فَتُغْلِقُ أبْوابَها دُونَهُ فَيَرِدُ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ تَشْمَتُ بِهِ الشَّياطِينُ. وكُلُّ ما قالَ فِيهِ: ”وما أدْراكَ“ فَقَدْ أدْراهُ بِهِ بِخِلافِ ”وما يُدْرِيكَ“ .

المطففين 83:9

ولَمّا أتَمَّ ما أرادَ مِن وصْفِهِ، أعْرَضَ عَنْ بَيانِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ إنَّهُ يَكِلُّ عَنْهُ الوَصْفُ، واسْتَأْنَفَ أمْرَ الكِتابِ المَسْجُونِ فِيهِ فَقالَ مُحَذِّرًا مِنهُ مُهَوِّلًا لِأمْرِهِ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ لِحِفْظِهِ النَّقِيرَ والقِطْمِيرَ ﴿مَرْقُومٌ﴾ أيْ مَسْطُورٌ بَيْنَ الكِتابَةِ كَما تَبَيَّنَ الرَّقْمَةَ البَيْضاءَ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، ويَعْلَمُ كُلَّ مَن رَآهُ أنَّهُ غايَةٌ في الشَّرِّ، وهو كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ والنَّقْشِ في الحَجَرِ لا يَبْلى ولا يَحْمى.

المطففين 83:10

ولَمّا أعْلَمَ هَذا بِما لِلْكِتابِ مِنَ الشَّرِّ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِما أنْتَجَهُ (p-٣٢٠)مِمّا لِأصْحابِهِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ﴾ أيْ أعْظَمَ الهَلاكِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِما تَقَدَّمَ: ولَمّا كانَ الأصْلُ: لَهُمْ، أبْدَلَهُ بِوَصْفٍ ظاهِرٍ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ فَقالَ: ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في التَّكْذِيبِ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي التَّصْدِيقُ بِهِ.

المطففين 83:11

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ ويْلِهِمْ، وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ ما كَذَّبُوا بِهِ ويَبْلُغُ في ذَمِّهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ التَّكْذِيبَ لِكُلِّ مَن يَنْبَغِي تَصْدِيقُهُ، مُسْتَهِينِينَ ﴿بِيَوْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ الإخْبارِ بِيَوْمِ ﴿الَّذِينَ﴾ أيِ الجَزاءِ الَّذِي هو سِرُّ الوُجُودِ

المطففين 83:12

﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿يُكَذِّبُ﴾ أيْ يُوقِعُ التَّكْذِيبَ ﴿بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ أيْ مُتَجاوِزٌ لِلْحَدِّ في العِنادِ أوِ الجُمُودِ والتَّقْلِيدِ لِأنَّ مَحَطَّةَ نِسْبَةِ مَن ثَبَتَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إلى العَجْزِ عَنْ إعادَةِ ما ابْتَدَأهُ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ مَبالِغٌ في الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ المُوجِبَةِ لِلْآثامِ، وهي الذُّنُوبُ، فاسْوَدَّ قَلْبُهُ فَعَمِيَ بِنَظَرِ الشَّهَواتِ الَّتِي حُفَّتْ بِها النّارُ عَمّا عَداها.

المطففين 83:13

ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الإبْلاغَ في الإثْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بِأداةِ التَّحَقُّقِ: ﴿إذا تُتْلى﴾ أيْ مِن أيِّ تالٍ كانَ، مُسْتَعْلِيَةً بِما لَها مِنَ البَراهِينِ ﴿عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيِ العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى ما أُرِيدَ بَيانُها لَهُ مَعَ [ما - ] لَها مِنَ العَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا ﴿قالَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا تَأمُّلٍ بَلْ بِحَظِّ نَفْسٍ أوْقَعَهُ (p-٣٢١)[فِي - ] شَهْوَةِ المُغالَبَةِ الَّتِي سَبَبُها الكِبَرُ: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مِنَ الأباطِيلِ ولَيْسَتْ كَلامَ اللَّهِ، فَكانَ لِفَرْطِ جَهْلِهِ بِحَيْثُ لا يَنْتَفِعُ بِشَواهِدِ النَّقْلِ كَما أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ في دَلائِلِ العَقْلِ.

المطففين 83:14

ولَمّا كانَ هَذا قَدْ صارَ كالأنْعامِ في عَدَمِ النَّظَرِ بَلْ هو أضَلُّ سَبِيلًا لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى النَّظَرِ دُونَها، قالَ رادِعًا لَهُ ومُكَذِّبًا ومُبَيِّنًا لِما أدّى بِهِ إلى هَذا القَوْلِ وهو لا يَعْتَقِدُهُ: ﴿كَلا﴾ أيْ لِيَرْتَدِعَ ارْتِداعًا عَظِيمًا ولِيَنْزَجِرَ انْزِجارًا شَدِيدًا، فَلَيْسَ الأمْرُ كَما قالَ في المَتْلُوِّ ولا [هُوَ - ] مُعْتَقَدٌ لَهُ اعْتِقادًا جازِمًا لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ عَنْ بَصِيرَةٍ ﴿بَلْ رانَ﴾ أيْ غَلَبَ وأحاطَ وغَطّى تَغْطِيَةَ الغَيْمِ لِلسَّماءِ والصَّدَأِ لِلْمِرْآةِ، وجَمَعَ اعْتِبارًا بِمَعْنى ”كُلٍّ“ لِئَلّا يَتَعَنَّتُ مُتَعَنِّتٌ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِجَمْعِ الكَثْرَةِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِمْ: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ كُلِّ مَن قالَ هَذا القَوْلَ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ بِجِبِلّاتِهِمُ الفاسِدَةِ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ كَسْبَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الرَّدِيَّةِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلِكاتِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وإنَّ شَرًّا فَشَرًّا، فَيَتَراكَمُ الذَّنْبُ عَلى القَلْبِ فَيَسْوَدُّ، فَلِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ مِثْلَ هَذا الِاعْتِقادِ، بَلْ هو شَيْءٌ يَسِدُّونَ بِهِ المَجْلِسَ ويُقِيمُونَ لِأنْفُسِهِمْ عِنْدَ العامَّةِ المَعاذِيرَ ويَفْتَرُونَ بِهِ عَزائِمَ التّالِّينَ بِما يَحْرِقُونَ مِن قُلُوبِهِمْ - أحْرَقَ اللَّهُ قُلُوبَهم وبُيُوتَهم بِالنّارِ - فَإنَّهم لا يَنْقَطِعُونَ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ ولا يَخْشَوْنَ مِن (p-٣٢٢)عارٍ ولا شَنارٍ، رَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا أذْنَبَ العَبْدُ نَكَتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ فَإنْ تابَ صَقُلَ مِنها، وإنْ زادَ زادَتْ حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى» وقالَ الغَزالِيُّ في كِتابِ التَّوْبَةِ مِنَ الإحْياءِ: قَدْ سَبَقَ أنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو في مَبْدَأِ خِلْقَتِهِ عَنِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ، وكُلُّ شَهْوَةٍ اتَّبَعَها الإنْسانُ ارْتَفَعَ مِنها ظُلْمَةٌ إلى قَلْبِهِ كَما يَرْتَفِعُ عَنْ نَفْسِ الإنْسانِ ظُلْمَةٌ إلى وجْهِ المِرْآةِ [ الصَّقِيلَةِ، فَإنْ تَراكَمَتْ ظُلْمَةُ الشَّهَواتِ صارَ رَيْنًا كَما يَصِيرُ بُخارُ النَّفْسِ في وجْهِ المِرْآةِ - ] عِنْدَ تَراكُمِهِ خَبَثًا، فَإذا تَراكَمَ الرَّيْنُ صارَ طَبْعًا كالخُبْثِ عَلى وجْهِ المِرْآةِ إذا تَراكَمَ وطالَ زَمانُهُ غاصَ في جِرْمِ الحَدِيدِ وأفْسَدَهُ وصارَ لا يَقْبَلُ التَّصْقِيلَ بَعْدَهُ، وصارَ كالمَطْبُوعِ مِنَ الخُبْثِ ولا يَكْفِي في تَدارُكِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ تَرَكَها في المُسْتَقْبَلِ بَلْ لا بُدَّ مِن مَحْوِ تِلْكَ الآثارِ الَّتِي انْطَبَعَتْ في القَلْبِ كَما لا يَكْفِي في ظُهُورِ الصُّورَةِ في المِرْآةِ قَطْعُ الأنْفاسِ والبُخاراتِ المُسَوَّدَةِ لِوَجْهِها في المُسْتَقْبَلِ ما لَمْ يَشْتَغِلْ بِمَحْوِ ما انْطَبَعَ فِيها مِنَ الآثارِ، وكَما يَرْتَفِعُ إلى القَلْبِ ظُلْمَةٌ مِنَ المَعاصِي والشَّهَواتِ فَيَرْتَفِعُ إلَيْهِ نُورٌ مِنَ الطّاعاتِ وتَرْكُ الشَّهَواتِ فَتَنْمَحِي ظُلْمَةُ المَعْصِيَةِ بِنُورِ الطّاعَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها» .

المطففين 83:15

(p-٣٢٣)ولَمّا كانَ ادِّعاؤُهم إنَّما هو قَوْلٌ قالُوهُ بِأفْواهِهِمْ لا يَتَجاوَزُها عَظِيمًا جِدًّا، أعادَ رَدْعَهم عَنْهُ وتَكْذِيبَهم فِيهِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا مِنَ الأساطِيرِ لا في الواقِعِ ولا عِنْدَهم فَلْيَرْتَدِعُوا عَنْهُ أعْظَمَ ارْتِداعٍ. ولَمّا كانَ قَوْلُ الإنْسانِ لِما لا يَعْتَقِدُهُ ولا هو في الواقِعِ كَما في غايَةِ العَجَبِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ، عِلَلَهُ مُبَيِّنًا أنَّ الحامِلَ لَهم عَلَيْهِ إنَّما هو الحِجابُ الَّذِي خَتَمَ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِمَن يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنَ المَغْرُورِينَ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ وخَشْيَتِهِ ورَجائِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ قالُوا هَذا القَوْلَ الفارِغَ. ولَمّا كانَ المانِعُ إنَّما هو الحِجابُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمُ الشَّياطِينُ والأهْوِيَةُ، فَصارُوا يَقُولُونَ ما لَوْ عَقَلَتِ البَهائِمُ لاسْتَحْيَتْ مِن أنْ تَقُولَهُ، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ بَيانًا وتَعْلِيلًا لِوَيْلِهِمُ الَّذِي سَبَقَ الإخْبارُ بِهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ كانَ يَوْمَ الدِّينِ، ويَكُونُ المُرادُ الحِجابَ عَنِ الرُّؤْيَةِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِها. وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: عَنْ رُؤْيَتِهِ، وقالَ: إنَّ الإمامَيْنِ الشّافِعِيِّ وشَيْخِهِ مالِكًا اسْتَدَلّا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الرُّؤْيَةِ، وأسْنَدَ الحافِظُ أبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ أوْلِياءَهُ يَرَوْنَهُ عَلى صِفَتِهِ، وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: كَما حَجَبَهم في الدُّنْيا عَنْ تَوْحِيدِهِ حَجَبَهم (p-٣٢٤)فِي الآخِرَةِ عَنْ رُؤْيَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: لَوْ عَلِمَ الزّاهِدُونَ والعابِدُونَ أنَّهم لا يَرَوْنَ رَبَّهم في المَعادِ لَزَهَقَتْ أنْفُسُهم في الدُّنْيا. وقالَ القُشَيْرِيُّ: ودَلِيلُ الخِطابِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ يَرَوْنَهُ كَما يَعْرِفُونَهُ اليَوْمَ [انْتَهى- ] . وفِيهِ تَمْثِيلٌ لِإهانَتِهِمْ بِإهانَةِ مَن يَمْنَعُ الدُّخُولَ عَلى المَلِكِ.

المطففين 83:16

ولَمّا بَيَّنَ [ما - ] لَهم مِنَ العَذابِ بِالحِجابِ الَّذِي هو عَذابُ القَلْبِ الَّذِي لا عَذابَ أشَدُّ مِنهُ، لِأنَّهُ يَتَفَرَّعُ [عَنْهُ - ] جَمِيعُ العَذابِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ بَعْضَ ما تَفَرَّعَ عَنْهُ مِن عَذابِ القالِبِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي إعْلامًا بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ في أنْواعِ العَذابِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ ما شاءَ اللَّهُ مِن إمْهالِهِمْ ﴿لَصالُو الجَحِيمِ﴾ أيْ لَدَخَلُو النّارَ العُظْمى ويُقِيمُونَ فِيها مُقاسُونَ لِحَرِّها ويُغْمَسُونَ فِيها كَما تُغْمَسُ الشّاةُ المُصْلِيَةُ أيِ [المَشْوِيَّةُ- ] .

المطففين 83:17

ولَمّا بَيَّنَ ما لَهم مِنَ الفِعْلِ الَّذِي هو لِلْقَلْبِ والقالَبِ، أتْبَعَهُ القَوْلَ بِالتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ الَّذِي هو عَذابُ النَّفْسِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكِئَ سَماعُهُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، وإشارَةً إلى أنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن قَوْلِهِ لَهم كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ القَوْلُ مِن خَزَنَةِ النّارِ ومِن أهْلِ الجَنَّةِ وغَيْرِهِمْ لِأنَّهُ لا مَنعَةَ عِنْدَهُمْ: ﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ أيْ لَهم بَعْدَ مُدَّةٍ تَبْكِيتًا وتَقْرِيعًا وتَنْدِيمًا وتَبْشِيعًا: ﴿هَذا﴾ أيِ العَذابُ الَّذِي هو حالٌّ بِكم ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾ (p-٣٢٥)أيْ بِما لَكَمَ مِنَ الجِبِلّاتِ الخَبِيثَةِ ﴿بِهِ﴾ أيْ خاصَّةً لِأنَّ تَكْذِيبَكم بِغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِما لَهُ مِنَ القَباحَةِ ولَكم مِنَ الرُّسُوخِ فِيهِ والمُلازَمَةِ لَهُ (؟) ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ التَّكْذِيبَ بِهِ وتُجَدِّدُونَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ.

المطففين 83:18

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أفْهَمَ أنَّهم يَرَوْنَ جَمِيعَ عَذابِهِمْ إذْ ذاكَ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ هو المَجْمُوعُ بَلْ هو فَرْدٌ مِنَ الجِنْسِ فَلِهَذا عَمِلَ عَلَيْهِ الجِنْسُ وهو نُزُلُهم والأمْرُ أطَمُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ الوَصْفُ. ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُكَذِّبِينَ مِنَ العَذابِ الَّذِي جَرَّهُ إلَيْهِمْ إقْبالُهم عَلى الدُّنْيا بادِئًا بِهِ لِأنَّ المَقامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ لِلْوَعِيدِ وصَوادِعِ التَّهْدِيدِ، أتْبَعَهُ ما لِلْمُصَدِّقِينَ الَّذِينَ أقْبَلَ بِهِمْ إلى السَّعادَةِ تَرْكَ الحُظُوظِ وإعْراضِهِمْ عَنْ عاجِلِ شَهَواتِ الدُّنْيا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ﴾ أيْ صَحِيفَةَ حَسَناتِ الَّذِينَ هم في غايَةِ الِاتِّساعِ في شَرْحِ صُدُورِهِمْ، واتِّساعِ عُقُولِهِمْ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ وزَكائِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَحاسِنِ أُمُورِهِمْ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أيْ أماكِنَ مَنسُوبَةً إلى العُلُوِّ، وقَعَ النَّسَبُ أوَّلًا إلى فِعْلِيٍّ ثُمَّ جَمَعَ [وإنْ كانَ -] لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعِشْرِينَ وأخَواتِهِ، قالَ الكِسائِيُّ: إذا جَمَعَتِ العَرَبُ ما لا يَذْهَبُونَ فِيهِ إلى أنَّ لَهُ بِناءً مِن واحِدٍ واثْنَيْنِ فَإنَّهم يَجْمَعُونَ بِالواوِ والنُّونِ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ - انْتَهى، فَهي دَرَجاتٌ مُتَصاعِدَةٌ تَصْعَدُ إلى اللَّهِ ولا تَحْجُبُ (p-٣٢٦)عَنْهُ كَما يَحْجُبُ ما لِلْأشْقِياءِ بَعْضُها فَوْقَ [بَعْضٍ - ] إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ بِحَسَبِ رُتَبِ الأعْمالِ، وكُلُّ مَن كانَ كِتابُهُ مِنَ الأبْرارِ في مَكانٍ لَحِقَ بِهِ كَما أنَّ مَن كانَ كِتابُهُ مِنَ الفُجّارِ في سِجِّينٍ لَحِقَ بِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: مَن تَرَقّى عِلْمُهُ عَنِ الحَواسِّ والأوْهامِ وفِعْلُهُ عَنْ مُقْتَضى الشَّهْوَةِ والغَضَبِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلِيًّا، ومَن كانَ عِلْمُهُ وإدْراكُهُ مَقْصُورًا عَلى الحَواسِّ والخَيالِ والأوْهامِ وفِعْلُهُ عَلى مُقْتَضى الشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ في سِجِّينٍ.

المطففين 83:19

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا، زادَ في تَعْظِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ ﴿أدْراكَ﴾ أيْ جَعَلَكَ دارِيًا وإنْ بالَغْتَ في الفَحْصِ ﴿ما عِلِّيُّونَ﴾ فَإنَّ وصْفَهُ لا تَسَعُهُ العُقُولُ ويَلْزَمُهُ لِعُلُوِّهِ فَضاءٌ مُطْلَقٌ واتِّساعٌ مُبِينٌ.

المطففين 83:20

ولَمّا عَظَّمَ المَكانَ فَعُلِمَتْ عَظَمَةُ الكِتابِ، ابْتَدَأ الإخْبارُ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ زِيادَةً في عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ ﴿مَرْقُومٌ﴾ أيْ فِيهِ [أنَّ - ] فُلانًا أمِنَ مِنَ النّارِ فَيا لَهُ مِن رَقْمٍ ما أحْسَنَهُ وما أبْهاهُ وما أجْمَلَهُ.

المطففين 83:21

ولَمّا عَظَّمَهُ في نَفْسِهِ وفي مَكانِهِ، عَظَّمَهُ في حِضارِهِ فَقالَ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ أيْ يَحْضُرُهُ حُضُورًا تامًّا دائِمًا لا غَيْبَةَ فِيهِ الجَماعَةُ (p-٣٢٧)الَّذِينَ يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لَيْسَ لَهم عِنْدَ كُلِّ مَن يَعْتَبِرُ تَقْرِيبَهُ إلّا التَّقْرِيبَ مِنَ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ هم شُهُودُ هَذا المَسْطُورِ وهُمُ المَلائِكَةُ يُشِيعُونَهُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ ويَحِفُّونَ بِهِ سُرُورًا وتَعْظِيمًا لِصاحِبِهِ ويَشْهَدُهُ مَن في السَّماواتِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فالآيَةُ مَعَ الأُولى مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ سَجِينٍ أوَّلًا دالٌّ عَلى الِاتِّساعِ ثانِيًا، وذِكْرُ عِلِّيِّينَ والمُقَرَّبِينَ ثانِيًا دالٌّ عَلى أسْفَلِ سافِلِينَ والمُبْعَدِينَ أوَّلًا.

المطففين 83:22

ولَمّا عَظُمَ كِتابُهم بِهَذِهِ الفَضائِلِ، التَفَتَتِ النَّفْيُ إلى مَعْرِفَةِ حالِهِمْ فَقالَ شافِيًا لِعِيِّ هَذا الِالتِفاتِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يُنْكِرُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ أيِ الَّذِينَ هَذا كِتابُهم ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ أيْ مُحِيطٍ بِهِمْ ضِدَّ ما فِيهِ الفُجّارِ مِنَ الجَحِيمِ:

المطففين 83:23

ولَمّا كانَ لا شَيْءَ أنْعَمُ لِلْإنْسانِ مِن شَيْءٍ عالٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ ويَمُدُّ بَصَرَهُ إلى ما يَشْتَهِي مِمّا لَدَيْهِ، قالَ مُبَيِّنًا لِذَلِكَ النَّعِيمِ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ الأسِرَّةِ العالِيَةِ [مَعَ هَذا -] العُلُوِّ المُطْلَقِ في الحِجالِ الَّتِي يُعْيِي الفِكْرَ وصْفُها لِما لَها مِنَ العُلُوِّ مِن تَرْصِيعِ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ إلى ما يَشْتَهُونَ مِنَ الجِنانِ والأنْهارِ والحُورِ والوِلْدانِ، لَيْسَ لَهم شُغْلٌ غَيْرَ ذَلِكَ وما شابَهَهُ مِنَ المُسْتَلَذّاتِ. وقالَ الإمامُ القُشَيْرِيُّ: أثْبَتَ النَّظَرَ ولَمْ يُبَيِّنِ المَنظُورَ إلَيْهِ لِاخْتِلافِهِمْ: مِنهم مَن يَنْظُرُ إلى قُصُورِهِ، ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلى حُورِهِ، ومِنهم ومِنهُمْ، (p-٣٢٨)والخَواصُّ عَلى دَوامِ الأوْقاتِ إلى اللَّهِ تَعالى يَنْظُرُونَ كَما أنَّ الفُجّارَ دائِمًا عَنْ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ.

المطففين 83:24

ولَمّا وصَفَ نَعِيمَهُمْ، أخْبَرَ أنَّهم مِن عَراقَتِهِمْ فِيهِ [يَعْرِفُهم بِهِ -] كُلُّ ناظِرٍ إلَيْهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ﴾ أيْ أيُّها النّاظِرُ إلَيْهِمْ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وهو أدَلُّ عَلى العُمُومِ ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أيْ بَهْجَتَهُ ورَوْنَقَهُ وحُسْنَهُ وبَرِيقَهُ وطَراوَتَهُ، مِن نَضَرَ النَّباتُ - إذا أزْهَرَ ونَوَّرَ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: النَّضِرَةُ في الوَجْهِ والسُّرُورُ في القَلْبِ.

المطففين 83:25

ولَمّا كانَتْ مَجالِسُ الأُنْسِ لا سِيَّما في الأماكِنِ النَّضِرَةِ لا تَطِيبُ إلّا بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ، وكانَ الشَّرابُ يَدُلُّ عَلى الأكْلِ، قالَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لِأنَّ هَذِهِ السُّوَرَ قِصارٌ يَقْصِدُ فِيها الجَمْعَ مَعَ الِاخْتِصارِ قالَ: ﴿يُسْقَوْنَ﴾ بانِيًا لَهُ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ أبَدًا لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في شَيْءٍ ﴿مِن رَحِيقٍ﴾ أيْ شَرابٍ خالِصٍ صافٍ عَتِيقٍ أبْيَضَ مُطَيَّبٍ في غايَةِ اللَّذَّةِ، فَإنَّهم قالُوا: إنَّ الرَّحِيقَ الخَمْرُ أوْ أطْيَبُها أوْ أفْضَلُها أوِ الخالِصُ أوِ الصّافِي، وضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ. ولا شَكَّ أنَّ العاقِلَ لا يَشْرَبُ (p-٣٢٩)الخَمْرَ مُطْلَقًا فَكَيْفَ بِأعْلاها [إلّا - ] إذا [كانَ - ] مُسْتَكْمِلًا لِمُقَدِّماتِها مِن مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ ومَلْبُوسٍ ومَنكُوحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ الخَتْمُ لا يَكُونُ إلّا لِما عَظُمَتْ رُتْبَتُهُ وعَزَّتْ نَفاسَتُهُ، قالَ مُرِيدًا الحَقِيقَةَ، أوِ الكِنايَةَ عَنْ نَفاسَتِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ أيْ فَهو مَعَ نَفاسَتِهِ سالِمٌ مِنَ الغُبارِ وجَمِيعِ الأقْذاءِ والأقْذارِ.

المطففين 83:26

ولَمّا كانَ الخَتْمُ حِينَ الفَكِّ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ مِن فُتاتِهِ في الشَّرابِ قالَ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ المُرادَ بِخِتامِهِ آخِرُ طَعْمِهِ، فَيَحْصُلُ أنَّ خِتامَهُ في أوَّلِ فَتْحِهِ وفي آخِرِ شُرْبِهِ المِسْكَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ يَفْتَحُهُ إلّا شارِبُهُ، وأنَّهُ يَكُونُ عَلى قَدْرِ كِفايَتِهِ فَيَشْرَبُهُ كُلَّهُ، والعِبارَةُ صالِحَةٌ لِأنْ يَكُونَ [الخِتامُ - ] أوَّلًا وآخِرًا، وهو يَجْرِي مَجْرى افْتِضاضِ البِكْرِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: [فِيهِ - ] يَبْلُغُ نِهايَةَ اللَّذَّةِ الشّارِبُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وفِي ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ [العَظِيمِ - ] البَعِيدِ المُتَناوَلِ وهو العَيْشُ والنَّعِيمُ والشَّرابُ الَّذِي هَذا وصْفُهُ ﴿فَلْيَتَنافَسِ﴾ أيْ فَلْيَرْغَبْ غايَةَ الرَّغْبَةِ بِجَمِيعِ الجُهْدِ والِاخْتِيارِ ﴿المُتَنافِسُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ المُنافَسَةُ وهو أنْ يَطْلُبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُتَنافِسُ فِيهِ لِنَفْسِهِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا، (p-٣٣٠)والنَّفِيسُ هو الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ وتَتَغالى فِيهِ. والمُنافَسَةُ في مِثْلِ هَذا بِكَثْرَةِ الأعْمالِ [الصّالِحاتِ - ] والنِّيّاتِ الخالِصَةِ.

المطففين 83:27

ولَمّا ذَكَرَ الشَّرابَ، أتْبَعَهُ مِزاجَهُ عَلى ما يَتَعارَفَهُ أهْلُ الدُّنْيا لَكِنْ بِما هو أشْرَفُ مِنهُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِحالِ هَذا المَسْقِيِّ: ﴿ومِزاجُهُ﴾ أيْ يَسْقُونَ مِنهُ والحالُ أنَّ مِزاجَ هَذا الرَّحِيقِ ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ عَلَمٌ عَلى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ وهو - مَعَ كَوْنِهِ عَلَمًا - دالٌّ عَلى أنَّها عالِيَةُ المَحَلِّ والرُّتْبَةِ، والشَّرابُ يُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ ماؤُها [مِنَ العُلُوِّ -] -، وقالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: ماؤُها يَجْرِي عَلى الهَواءِ مُتَنَسِّمًا يَنْصَبُّ في أوانِي أهْلِ الجَنَّةِ عَلى مِقْدارِ الحاجَةِ، فَإذا امْتَلَأتْ أمْسَكَ، وهو في الشِّعْرِ اسْمُ جَبَلٍ عالٍ وكَذا التَّنْعِيمُ وأصْلُهُ مِنَ السَّنامِ، ولِذَلِكَ قَطَعَها مادِحًا فَقالَ:

المطففين 83:28

﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها﴾ أيْ بِسَبَبِها عَلى طَرِيقَةِ المِزاجِ مِنها ﴿المُقَرَّبُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ وقَعَ تَقْرِيبُهم مِنَ اجْتِذابِ الحَقِّ لَهم إلَيْهِ وقَصْرِ هِمَمِهِمْ عَلَيْهِ، كُلُّ شَرابٍ يُرِيدُونَهُ، وأمّا الأبْرارُ فَلا يَشْرَبُونَ بِها إلّا الرَّحِيقَ، وأمّا غَيْرُهم فَلا يَصِلُ إلَيْها أصْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُقَرَّبِينَ يَشْرَبُونَ مِن هَذِهِ العَيْنِ صِرْفًا، والأبْرارُ يَمْزُجُ لَهم مِنها والفَرْقُ ظاهِرٌ - هَنِيًّا لَهم.

المطففين 83:29

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَزاءَ الكافِرِ بِالجَحِيمِ وجَزاءَ المُؤْمِنِ بِالنَّعِيمِ، (p-٣٣١)وكانَ مِن أجْلِ النَّعِيمِ الشَّماتَةُ بِالعَدُوِّ، عَلَّلَ جَزاءَ الكافِرِ بِما فِيهِ شَماتَةُ المُؤْمِنِ بِهِ لِأنَّهُ اشْتَغَلَ في الدُّنْيا بِما لا يُغْنِي، فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ تَفْوِيتُهُ لِما يُغْنِي، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ ذا المُرُوءاتِ والهِمَمِ العالِياتِ والطَّبْعِ السَّلِيمِ والمِزاجِ القَوِيمِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ مِثْلُ هَذا، وأكَّدَهُ إشارَةً إلى أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَكُونَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ قَطَعُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿كانُوا﴾ أيْ في الدُّنْيا دَيْدَنًا وخُلُقًا وطَبْعًا وجِبِلَّةً ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ ولَوْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الضَّحِكَ كُلَّما رَأوْهم أوْ ذَكَّرُوهُمُ اسْتِهْزاءً بِهِمْ وبِحالاتِهِمُ الَّتِي هم عَلَيْها مِن عَلاماتِ الإيمانِ في رَثاثَةِ أحْوالِهِمْ وقِلَّةِ أمْوالِهِمْ [و - ] احْتِقارِ النّاسِ لَهم مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا بُدَّ أنْ يَنْصُرَهم ويُعْلِيَ أمْرَهُمْ

المطففين 83:30

﴿وإذا مَرُّوا﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿بِهِمْ﴾ أيْ بِالَّذِينِ أجْرَمُوا في أيِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ يَسْتَهْزِئُونَ و﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَغْمِزُ بَعْضُ الَّذِينَ أجْرَمُوا بَعْضًا لِأذى الَّذِينَ آمَنُوا.

المطففين 83:31

ولَمّا وصَفَهم في مَواضِعِ التَّرَدُّدِ والتَّقَلُّبِ، وصَفَهم في المَنازِلِ فَقالَ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ أيْ رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِرَغْبَتِهِمْ في الرُّجُوعِ وإقْبالِهِمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَكَرُّهٍ ﴿إلى أهْلِهِمُ﴾ أيْ مَنازِلِهِمُ الَّتِي هي عامِرَةٌ (p-٣٣٢)بِجَماعَتِهِمْ ﴿انْقَلَبُوا﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿فَكِهِينَ﴾ أيْ مُتَلَذِّذِينَ غايَةَ التَّلَذُّذِ بِما كانَ مِن مُكْنَتِهِمْ ورِفْعَتِهِمُ الَّتِي أوْصَلَتْهم إلى الِاسْتِسْخارِ بِغَيْرِهِمْ، قالَ: ابْنُ بُرْجانَ: وذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ الدِّينَ بَدَأ غَرِيبًا وسَيَعُودُ [غَرِيبًا - ] - كَما بَدَأ، يَكُونُ القابِضُ عَلى دِينِهِ كالقابِضِ عَلى الجَمْرِ» وفي أُخْرى: «يَكُونُ المُؤْمِنُ فِيهِمْ أذَلَّ مِنَ الأُمَّةِ. وفي أُخْرى: العالَمُ فِيهِمْ أنْتَنُ مِن جِيفَةِ حِمارٍ» - فاللَّهُ المُسْتَعانُ.

المطففين 83:32

ولَمّا ذَكَرَ مُرُورَهم بِهِمْ، ذَكَرَ مُطْلَقَ رُؤْيَتِهِمْ لَهم فَقالَ: ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْ رَأى الَّذِينَ أجْرَمُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴿قالُوا﴾ أيْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِلَّذِينِ آمَنُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّهم يَسْتَشْعِرُونَ أنَّ كُلَّ ذِي عَقْلٍ يُكَذِّبُهم مُشِيرِينَ إلى تَحْقِيرِهِمْ بِأداةِ القُرْبِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿لَضالُّونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في الضَّلالِ لِأنَّهم تَرَكُوا الدُّنْيا لِشَيْءٍ أجَلَّ لا صِحَّةَ لَهُ

المطففين 83:33

﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهم [ما - ] ﴿أُرْسِلُوا﴾ أيْ مِن مُرْسَلٍ ما ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا خاصَّةً حَتّى يَكُونَ لَهم بِهِمْ هَذا الِاعْتِناءُ في بُيُوتِهِمْ وخارِجِها عِنْدَ مُرُورِهِمْ وغَيْرِهِ ﴿حافِظِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في حِفْظِ أعْمالِ الَّذِينَ آمَنُوا فَما اشْتِغالُهم بِهِمْ إلى هَذا الحَدِّ أنْ كانُوا عِنْدَهم في عِدادِ السّاقِطِ المُهْمَلِ كَما يَزْعُمُونَ فَما هَذِهِ المُراعاةُ المُسْتَقْصِيَةُ لِأحْوالِهِمْ وإنْ كانُوا في عِدادِ المَنظُورِ إلَيْهِ المُعْتَنى بِهِ فَلْيُبَيِّنُوا فَسادَ حالِهِمْ بِوَجْهٍ تَقْبَلُهُ العُقُولُ (p-٣٣٣)ويَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أوْ لِيُتْبِعُوهم وإلّا فَهم غَيْرُ عارِفِينَ بِمَواضِعِ الإصْلاحِ وتَعاطِي الأُمُورِ عَلى وجْهِها فَما أحَقَّهم بِقَوْلِ القائِلِ: ؎أوْرَدَها سَعْدٌ وسَعْدٌ مُسْتَمِلٌ ∗∗∗ ما هَكَذا تُورَدُ يا سَعْدُ الإبِلَ

المطففين 83:34

ولَمّا كانَ لا نَعِيمَ أفْضَلُ مِنَ الشَّماتَةِ بِالعَدُوِّ لا سِيَّما إذا كانَتْ عَلى أعْلى طَبَقاتِ الشَّماتَةِ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا مِن فِعْلِهِمْ في دارِ العَمَلِ أنَّهُ يَكُونُ في دارِ الجَزاءِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَوْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ خاصَّةً، وهُمُ الرّاسِخُونَ في الكُفْرِ مِن عُمُومِ الَّذِينَ أجْرَمُوا، في الحَشْرِ والجَنَّةِ سُخْرِيَةً وهُزُؤًا، فَإنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لا يَضْحَكُونَ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لَوْ رَأوْهم يُعَذَّبُونَ بَلْ يَرْحَمُونَهم لِاشْتِراكِهِمْ في الدِّينِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ قَصاصًا وجَزاءً حِينَ يَرَوْنَ ما هم فِيهِ مِنَ الذُّلِّ سُرُورًا بِحالِهِمْ شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما أعْطاهم مِنَ النَّجاةِ مِنَ النّارِ والنِّقْمَةِ مِن أعْدائِهِمْ، قالَ أبُو صالِحٍ: تُفْتَحُ لَهُمُ الأبْوابُ ويُقالُ: اخْرُجُوا، فَيُسْرِعُونَ فَإذا وصَلُوا إلى الأبْوابِ غُلِّقَتْ في وُجُوهِهِمْ ورَدُّوا عَلى أقْبَحِ حالٍ، فَيَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ - انْتَهى. ويا لَها مِن خَيْبَةٍ وخَجِلَةٍ (p-٣٣٤)وسَوادِ وجْهٍ وتَعَبِ قَلْبٍ وتَقْرِيعِ نَفْسٍ مِنَ العَذابِ بِالنّارِ وبِالشَّماتَةِ والعارِ، حالَ كَوْنِ الَّذِينَ آمَنُوا مُلُوكًا

المطففين 83:35

﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ الأُسْرَةِ العالِيَةِ المُزَيَّنَةِ الَّتِي هي مِن حُسْنِها أهْلٌ لِأنْ يُقِيمَ المُتَّكِئَ بِها ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ تَحْدِيقَ العُيُونِ إلَيْهِمْ كُلَّما أرادُوا فَيَرَوْنَ ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والذُّلِّ والعَذابِ بَعْدَ العِزَّةِ والنَّعِيمِ نَظَرُ المُسْتَفْهِمِ

المطففين 83:36

﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُلَذَّذَ مُطْلَقُ مُجازاتِهِمْ ﴿الكُفّارُ﴾ أيْ وقَعَ تَثْوِيبُ العِرِيقِينَ في الكُفْرِ أيْ إعْطاؤُهُمُ الثَّوابَ والجَزاءَ عَلى أنْهى ما يَكُونُ، فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبِ ”يَنْظُرُونَ“ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ نَفْسَ فِعْلِهِمْ بِما هو لَهم كالجِبِلّاتِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ [أيْ - ] بِدَواعِيهِمُ الفاسِدَةِ ورَغَباتِهِمُ المَعْلُولَةِ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ لَهُمُ الوَيْلَ الَّذِي افْتَتَحَتِ السُّورَةُ بِالتَّهْدِيدِ بِهِ لِمَن يَفْعَلُ فِعْلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يُجازى عَلى فِعْلِهِ، وآخِرُها فِيمَنِ انْتَقَصَ الأعْراضَ في خَفاءٍ، [و - ] أوَّلُها فِيمَنِ انْتَقَصَ الأمْوالَ كَذَلِكَ، وجَفاءُ العَدْلِ والوَفاءِ، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ وإلَيْهِ المَتابُ.