Tafsir Abi Al-Suaood — البقرة 2:210 – البقرة 2:286
المحتويات
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
البقرة 2:210
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ؛ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ بِما يَفْعَلُونَ مِنَ العِنادِ؛ والمُخالَفَةِ في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ؛ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: أمْرُهُ؛ وبَأْسُهُ؛ أوْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِأمْرِهِ؛ وبَأْسِهِ؛ فَحُذِفَ المَأْتِيُّ بِهِ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ؛ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهم. وحِكايَةُ جِنايَتِهِمْ لِمَن عَداهم مِن أهْلِ الإنْصافِ عَلى طَرِيقَةِ المُباثَّةِ؛ وإيرادُ الِانْتِظارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم لِانْهِماكِهِمْ فِيما هم فِيهِ مِن مُوجِباتِ العُقُوبَةِ (p-213)كَأنَّهم طالِبُونَ لَها؛ مُتَرَقِّبُونَ لِوُقُوعِها؛ ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ كَـ "قُلَلٌ"؛ في جَمْعِ "قُلَّةٌ"؛ وهي ما أظَلَّكَ؛ وقُرِئَ: "فِي ظِلالٍ"؛ كَـ "قِلالٌ"؛ في جَمْعِ "قِلَّةٌ"؛ ﴿مِنَ الغَمامِ﴾؛ أيْ: السَّحابِ الأبْيَضِ؛ وإنَّما أتاهُمُ العَذابُ فِيهِ لِما أنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ؛ فَإذا أتى مِنهُ العَذابُ كانَ أفْظَعَ؛ وأقْطَعَ لِلْمَطامِعِ؛ فَإنَّ إتْيانَ الشَّرِّ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ صَعْبٌ؛ فَكَيْفَ بِإتْيانِهِ مِن حَيْثُ يُرْجى مِنهُ الخَيْرُ؟
﴿والمَلائِكَةُ﴾: عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ أيْ: ويَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ؛ فَإنَّهم وسائِطُ في إتْيانِ أمْرِهِ (تَعالى)؛ بَلْ هُمُ الآتُونَ بِبَأْسِهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ الآتِيَ أوَّلًا مِن جِنْسِ ما يُلابِسُ الغَمامَ؛ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عادَةً؛ وأمّا المَلائِكَةُ - وإنْ كانَ إتْيانُهم مُقارِنًا لِما ذُكِرَ مِنَ الغَمامِ - لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاعْتِيادِ؛ وقُرِئَ بِالجَرِّ؛ عَطْفًا عَلى "ظُلَلٍ"؛ أوْ "الغَمامِ"؛ ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾؛ أيْ: أُتِمَّ أمْرُ إهْلاكِهِمْ؛ وفُرِغَ مِنهُ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "يَأْتِيَهُمْ" داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ؛ وإنَّما عُدِلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ؛ فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ؛ أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ جِيءَ بِها إنْباءً عَنْ وُقُوعِ مَضْمُونِها؛ وقُرِئَ "وَقَضاءُ الأمْرِ"؛ عَطْفًا عَلى "المَلائِكَةُ"؛ ﴿وَإلى اللَّهِ﴾؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾؛ بِالتَّأْنِيثِ؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ مِن "الرَّجْعُ"؛ وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ؛ وعَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتَّأْنِيثِ مِن "الرُّجُوعُ".
البقرة 2:211
﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الخِطابِ؛ والمُرادُ بِالسُّؤالِ تَبْكِيتُهُمْ؛ وتَقْرِيعُهم بِذَلِكَ؛ وتَقْرِيرٌ لِمَجِيءِ البَيِّناتِ؛ ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾؛ مُعْجِزَةٍ ظاهِرَةٍ؛ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وآيَةٍ ناطِقَةٍ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ المَأْمُورِ بِالدُّخُولِ فِيهِ؛ و"كَمْ" خَبَرِيَّةٌ؛ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ؛ ومَحَلُّها النَّصْبُ؛ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ؛ عَلى حَذْفِ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ؛ و"آيَةٍ" مُمَيِّزُها؛ ﴿؛ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ الَّتِي هي آياتُهُ الباهِرَةُ؛ فَإنَّها سَبَبٌ لِلْهُدى الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ؛ وتَبْدِيلُها: جَعْلُها سَبَبًا لِلضَّلالَةِ؛ وازْدِيادِ الرِّجْسِ؛ أوْ تَحْرِيفُها؛ أوْ تَأْوِيلُها الزّائِغُ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾؛ ووَصَلَتْ إلَيْهِ؛ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها. والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ؛ مَعَ أنَّ التَّبْدِيلَ لا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ المَجِيءِ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم قَدْ بَدَّلُوها بَعْدَما وقَفُوا عَلى تَفْصِيلِها؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾؛ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "فَبَدَّلُوها ومَن يُبَدِّلُ"؛ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ لِظُهُورِهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ عاقَبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ؛ فَإنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ"؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
البقرة 2:212
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾: أيْ: حَسُنَتْ في أعْيُنِهِمْ؛ وأُشْرِبَتْ مَحَبَّتُها في قُلُوبِهِمْ؛ حَتّى تَهالَكُوا عَلَيْها؛ وتَهافَتُوا فِيها؛ مُعْرِضِينَ عَنْ غَيْرِها؛ والتَّزْيِينُ - مِن حَيْثُ الخَلْقُ والإيجادُ - مُسْتَنِدٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ القِراءَةُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو خالِقُهُ؛ وكُلٌّ مِنَ الشَّيْطانِ؛ والقُوى الحَيَوانِيَّةِ؛ وما في الدُّنْيا مِنَ الأُمُورِ البَهِيَّةِ؛ والأشْياءِ الشَّهِيَّةِ؛ مُزَيَّنٌ بِالعَرَضِ؛ ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "زُيِّنَ"؛ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ (p-214)عَلى اسْتِمْرارِ السُّخْرِيَةِ مِنهُمْ؛ وهم فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ؛ كَبِلالٍ؛ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ كانُوا يَسْتَرْذِلُونَهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا؛ وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى؛ و"مِن": ابْتِدائِيَّةٌ؛ فَكَأنَّهم جَعَلُوا السُّخْرِيَةَ مُبْتَدَأةً مِنهُمْ؛ ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ هَمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعَيْنِهِمْ؛ وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ التَّقْوى لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْراضَهم عَنِ الدُّنْيا لِلِاتِّقاءِ عَنْها؛ لِكَوْنِها مُخِلَّةً بِتَبَتُّلِهِمْ إلى جَنابِ القُدْسِ؛ شاغِلَةً عَنْهُ؛ ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّهم في أعْلى عِلِّيِّينَ؛ وهم في أسْفَلِ سافِلِينَ؛ أوْ لِأنَّهم في أوْجِ الكَرامَةِ؛ وهم في حَضِيضِ الذُّلِّ والمَهانَةِ؛ أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ؛ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها؛ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾؛ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ؛ فَيُوَسِّعُ في الدُّنْيا اسْتِدْراجًا تارَةً؛ وابْتِلاءً أُخْرى.
البقرة 2:213
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾: مُتَّفِقِينَ عَلى كَلِمَةِ الحَقِّ؛ ودِينِ الإسْلامِ؛ وكانَ ذَلِكَ بَيْنَ آدَمَ؛ وإدْرِيسَ؛ أوْ نُوحٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾؛ أيْ: فاخْتَلَفُوا؛ فَبَعَثَ.. إلَخْ.. وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وقَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ما يُذْكَرُ عُقَيْبَهُ؛ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾؛ عَنْ كَعْبٍ: "الَّذِي عَلِمْتُهُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مائَةٌ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا؛ والمُرْسَلُ مِنهم ثُلْثُمائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ؛ والمَذْكُورُ في القرآن ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ"؛ وقِيلَ: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً؛ مُتَّفِقَةً عَلى الكُفْرِ؛ والضَّلالِ؛ في فَتْرَةِ إدْرِيسَ؛ أوْ نُوحٍ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ؛ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ؛ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ؛ ﴿وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾؛ أيْ جِنْسَ الكِتابِ؛ أوْ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ مِمَّنْ لَهُ كِتابٌ؛ كِتابَهُ الخاصَّ بِهِ؛ لا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الإطْلاقِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِهِمْ كِتابٌ؛ وإنَّما كانُوا يَأْخُذُونَ بِكُتُبِ مَن قَبْلَهُمْ؛ وعُمُومُ النَّبِيِّينَ لا يُنافِي خُصُوصَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾: حالٌ مِن "الكِتابَ"؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أنْزَلَ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ .
﴿لِيَحْكُمَ﴾: أيْ: الكِتابُ؛ أوْ: اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ أوْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ؛ ﴿بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: المَذْكُورِينَ؛ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ؛ ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ أوْ: فِيما التُبِسَ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في الحَقِّ؛ أوْ في الكِتابِ المُنْزَلِ مُلْتَبِسًا بِهِ؛ والواوُ حالِيَّةٌ؛ ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾؛ أيْ: الكِتابَ المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ؛ وإزاحَةِ الشِّقاقِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنِ الإنْزالِ بِالإيتاءِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الوُقُوفِ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الحَقِّ؛ فَإنَّ الإنْزالَ لا يُفِيدُ تِلْكَ الفائِدَةَ؛ أيْ: عَكَسُوا الأمْرَ؛ حَيْثُ جَعَلُوا ما أُنْزِلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِهِ؛ ورُسُوخِهِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾؛ أيْ: رَسَخَتْ في عُقُولِهِمْ؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فاخْتَلَفُوا؛ وما اخْتَلَفَ فِيهِ.. إلَخْ.. وقِيلَ: بِالمَلْفُوظِ؛ بِناءً عَلى عَدَمِ مَنعِ "إلّا" عَنْهُ؛ كَما في قَوْلِكَ: "ما قامَ إلّا زَيْدٌ يَوْمَ (p-215)الجُمُعَةِ"؛ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ "مِن"؛ أيْ: اخْتَلَفُوا بَغْيًا؛ وتَهالُكًا عَلى الدُّنْيا؛ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفَ؛ ﴿مِنَ الحَقِّ﴾؛ بَيانٌ لِـ "ما"؛ وفي إبْهامِهِ أوَّلًا؛ وتَفْسِيرِهِ ثانِيًا؛ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾؛ بِأمْرِهِ؛ أوْ بِتَيْسِيرِهِ؛ ولُطْفِهِ؛ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ مُوصِلٍ إلى الحَقِّ؛ وهو اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ.
البقرة 2:214
﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾؛ خُوطِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ حَثًّا لَهم عَلى الثَّباتِ عَلى المُصابَرَةِ عَلى مُخالَفَةِ الكَفَرَةِ؛ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ مِن جِهَتِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ اخْتِلافِ الأُمَمِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وقَدْ بُيِّنَ فِيهِ مَآلُ اخْتِلافِهِمْ؛ وما لَقِيَ الأنْبِياءُ؛ ومَن مَعَهم مِن قَبْلِهِمْ؛ مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ؛ ومُقاساةِ الهُمُومِ؛ وأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ النَّصْرُ؛ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ؛ والهَمْزَةُ فِيها لِلْإنْكارِ؛ والِاسْتِبْعادِ؛ أيْ: بَلْ حَسِبْتُمْ؛ ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ مِنَ الأنْبِياءِ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِكم مَثَلُهم بَعْدُ؛ ولَمْ تُبْتَلَوْا بِما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ؛ الَّتِي هي مَثَلٌ في الفَظاعَةِ؛ والشِّدَّةِ؛ وهو مُتَوَقَّعٌ؛ ومُنْتَظَرٌ؛ ﴿مَسَّتْهُمُ﴾: اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ مَثَلُهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ﴾؛ أيْ: الشِّدَّةُ؛ مِنَ الخَوْفِ؛ والفاقَةِ؛ ﴿والضَّرّاءُ﴾؛ أيْ: الآلامُ؛ والأمْراضُ؛ ﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أيْ: أُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا؛ بِما دَهَمَهم مِنَ الأهْوالِ؛ والأفْزاعِ؛ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أيْ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ الشِّدَّةِ إلى حَيْثُ اضْطَرَّهُمُ الضَّجَرُ إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ - وهو أعْلَمُ النّاسِ بِشُئُونِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وأوْثَقُهم بِنَصْرِهِ -؛ والمُؤْمِنُونَ المُقْتَدُونَ بِآثارِهِ؛ المُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِهِ: ﴿مَتى﴾؛ أيْ: مَتى يَأْتِي؛ ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾؛ طَلَبًا؛ وتَمَنِّيًا لَهُ؛ واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ؛ والعَناءِ؛ وقُرِئَ: "حَتّى يَقُولُ"؛ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ وهَذا - كَما تَرى - غايَةُ الغاياتِ القاصِيَةِ؛ ونِهايَةُ النِّهاياتِ النّائِيَةِ؛ كَيْفَ لا.. والرُّسُلُ - مَعَ عُلُوِّ كَعْبِهِمْ في الثَّباتِ؛ والِاصْطِبارِ - حَيْثُ عِيلَ صَبْرُهُمْ؛ وبَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ مِنَ الضَّجَرِ؛ والضَّجِيجِ؛ عُلِمَ أنَّ الأمْرَ بَلَغَ إلى غايَةٍ لا مَطْمَحَ وراءَها؟ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾؛ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: فَقِيلَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ؛ إسْعافًا لِمَرامِهِمْ؛ والمُرادُ بِالقُرْبِ: القُرْبُ الزَّمانِيُّ؛ وفي إيثارِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها؛ وتَصْدِيرِها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ والتَّأْكِيدِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِها؛ وتَقْرِيرِهِ ما لا يَخْفى؛ واخْتِيارُ حِكايَةِ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ لَنا؛ لِما أنَّها في حُكْمِ إنْشاءِ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والِاقْتِصارُ عَلى حِكايَتِها؛ دُونَ حِكايَةِ نَفْسِ النَّصْرِ؛ مَعَ تَحَقُّقِهِ؛ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ؛ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وارِدًا مِن جِهَتِهِ (تَعالى) عِنْدَ الحِكايَةِ؛ عَلى نَهْجِ الِاعْتِراضِ؛ لا وارِدًا عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ؛ وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى جَنابِ القُدْسِ لا يَتَسَنّى إلّا بِرَفْضِ اللَّذّاتِ؛ ومُكابَدَةِ المَشاقِّ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ؛ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ".»
البقرة 2:215
﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾: (p-216)أيْ: مِن أصْنافِ أمْوالِهِمْ؛ ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾؛ "ما": إمّا شَرْطِيَّةٌ؛ وإمّا مَوْصُولَةٌ حُذِفَ العائِدُ إلَيْها؛ أيْ: ما أنْفَقْتُمُوهُ مِن خَيْرٍ؛ أيِّ خَيْرٍ كانَ؛ فَفِيهِ تَجْوِيزُ الإنْفاقِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ الأمْوالِ؛ وبَيانٌ لِما في السُّؤالِ؛ إلّا أنَّهُ جُعِلَ مِن جُمْلَةِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ أوِ الصِّلَةِ؛ وأُبْرِزَ في مَعْرِضِ بَيانِ المَصْرِفِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ المَصارِفِ المَعْدُودَةِ؛ لِأنَّ الِاعْتِدادَ بِالإنْفاقِ بِحَسَبِ وُقُوعِهِ في مَوْقِعِهِ؛ «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ جاءَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ؛ وهو شَيْخٌ هَرِمٌ؛ لَهُ مالٌ عَظِيمٌ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا؟ وأيْنَ نَضَعُها؟ فَنَزَلَتْ.»
﴿واليَتامى﴾؛ أيْ: المُحْتاجِينَ مِنهُمْ؛ ﴿والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلسّائِلِينَ؛ والرِّقابِ؛ إمّا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في المَواقِعِ الأُخَرِ؛ وإمّا بِناءً عَلى دُخُولِهِمْ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾؛ فَإنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ واقِعٍ؛ في أيِّ مَصْرِفٍ كانَ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ فَيُوَفِّي ثَوابَهُ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِيهِ فَرْضُ الزَّكاةِ لِيُنْسَخَ بِهِ؛ كَما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ.
البقرة 2:216
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾: بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ ورَفْعِ "القِتالُ"؛ أيْ: قِتالُ الكَفَرَةِ؛ وقُرِئَ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ؛ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ونَصْبِ "القِتالُ"؛ وقُرِئَ "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَتْلُ"؛ أيْ: قَتْلُ الكَفَرَةِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾: حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ مَكْرُوهٌ لَكم طَبْعًا؛ عَلى أنَّ الكُرْهَ مَصْدَرٌ؛ وُصِفَ بِهِ المَفْعُولُ؛ مُبالَغَةً؛ أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ كَـ "الخُبْزُ"؛ بِمَعْنى "المَخْبُوزُ"؛ وقُرِئَ بِالفَتْحِ؛ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَضْمُومِ؛ كَـ "الضَّعْفُ"؛ و"الضُّعْفُ"؛ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الإكْراهِ مَجازًا؛ كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لَهُ؛ ومَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ وهو جَمِيعُ ما كُلِّفُوهُ مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القِتالُ؛ فَإنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُهُ؛ وتَنْفِرُ عَنْهُ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ دالَّةٌ عَلى أنَّ في القِتالِ خَيْرًا لَهُمْ؛ ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾؛ وهو جَمِيعُ ما نُهُوا عَنْهُ؛ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَلَذَّةِ؛ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ لا مَحَلَّ لَهُما مِنَ الإعْرابِ؛ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾؛ ما هو خَيْرٌ لَكُمْ؛ فَلِذَلِكَ يَأْمُرُكم بِهِ؛ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا تَعْلَمُونَهُ؛ ولِذَلِكَ تَكْرَهُونَهُ؛ أوْ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما هو خَيْرٌ؛ وشَرٌّ لَكُمْ؛ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُما؛ فَلا تَتَّبِعُوا في ذَلِكَ رَأْيَكُمْ؛ وامْتَثِلُوا بِأمْرِهِ (تَعالى).
البقرة 2:217
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾؛ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ عَلى سَرِيَّةٍ؛ في جُمادى الآخِرَةِ؛ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ؛ لِيَتَرَصَّدُوا عِيرًا لِقُرَيْشٍ؛ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ؛ وثَلاثَةٌ مَعَهُ؛ فَقَتَلُوهُ؛ وأسَرُوا اثْنَيْنِ؛ واسْتاقُوا العِيرَ بِما فِيها مِن تِجارَةِ الطّائِفِ؛ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ؛ وهم يَظُنُّونَهُ مِن جُمادى (p-217)الآخِرَةِ؛ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ؛ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ؛ ويَبْذَعِرُّ فِيهِ النّاسُ إلى مَعايِشِهِمْ؛ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ؛ وعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ السَّرِيَّةِ؛ وقالُوا: ما نَبْرَحُ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتُنا؛ ورَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ؛ والأُسارى؛» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "لَمّا نَزَلَتْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَنِيمَةَ؛ والمَعْنى: يَسْألُكَ الكُفّارُ؛ أوِ المُسْلِمُونَ؛ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ عَلى أنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "الشَّهْرِ"؛ وتَنْكِيرُهُ لِما أنَّ سُؤالَهم كانَ عَنْ مُطْلَقِ القِتالِ؛ الواقِعِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ لا عَنِ القِتالِ المَعْهُودِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: يَسْألُونَكَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ وقُرِئَ: "عَنْ قِتالٍ فِيهِ"؛ بِتَكْرِيرِ العامِلِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾؛ وقُرِئَ: "قَتْلٍ"؛ قُلْ؛ في جَوابِهِمْ؛ ﴿قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ؛ وخَبَرٍ؛ مَحَلُّها النَّصْبُ بِـ "قُلْ"؛ وإنَّما جازَ وُقُوعُ "قِتالٌ" مُبْتَدَأً؛ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً؛ لِتَخَصُّصِهِ إمّا بِالوَصْفِ؛ إنْ تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: "قِتالٌ كائِنٌ فِيهِ"؛ وإمّا بِالعَمَلِ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ؛ وإنَّما أُوثِرَ التَّنْكِيرُ احْتِرازًا عَنْ تَوَهُّمِ التَّعْيِينِ؛ وإيذانًا بِأنَّ المُرادَ مُطْلَقُ القِتالِ الواقِعِ فِيهِ؛ أيِّ قِتالٍ كانَ؛ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ؛ ولا في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ إلّا أنْ يُقاتَلُوا فِيهِ؛ وما نُسِخَتْ؛ وأكْثَرُ الأقاوِيلِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مُبْتَدَأٌ قَدْ تَخَصَّصَ بِالعَمَلِ فِيما بَعْدَهُ؛ أيْ: ومَنعٌ عَنِ الإسْلامِ المُوصِلِ لِلْعَبْدِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾: عَطْفٌ عَلى "صَدٌّ"؛ عامِلٌ فِيما بَعْدَهُ مِثْلَهُ؛ أيْ: وكُفْرٌ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ وحَيْثُ كانَ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ الكُفْرِ بِهِ (تَعالى)؛ لَمْ يَقْدَحِ العَطْفُ المَذْكُورُ في حُسْنِ عَطْفِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ عَلى "سَبِيلِ اللَّهِ"؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مَحْضٍ؛ وقِيلَ: هو أيْضًا مَعْطُوفٌ عَلى "صَدٌّ"؛ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: "وَصَدُّ المَسْجِدِ الحَرامِ"؛ ﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ﴾؛ وهو النَّبِيُّ ﷺ؛ والمُؤْمِنُونَ؛ ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "وَكُفْرٌ بِهِ"؛ ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: خَبَرٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ؛ أيْ: كَبائِرُ السّائِلِينَ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِمّا عَنَوْا بِالسُّؤالِ؛ وهو ما فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ خَطَأً؛ وبِناءً عَلى الظَّنِّ؛ و"أفْعَلُ" يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ؛ والجَمْعُ؛ والمُذَكَّرُ؛ والمُؤَنَّثُ؛ ﴿والفِتْنَةُ﴾؛ أيْ: ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ؛ والشِّرْكِ؛ وصَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ؛ ابْتِداءً؛ وبَقاءً؛ ﴿أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾؛ أيْ: أفْظَعُ مِن قَتْلِ الحَضْرَمِيِّ؛ ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾: بَيانٌ لِاسْتِحْكامِ عَداوَتِهِمْ؛ وإصْرارِهِمْ عَلى الفِتْنَةِ في الدِّينِ؛ ﴿حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾؛ الحَقِّ؛ إلى دِينِهِمُ الباطِلِ؛ وإضافَةُ الدِّينِ إلَيْهِمْ لِتَذْكِيرِ تَأكُّدِ ما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ المُوجِبَةِ لِامْتِناعِ الِافْتِراقِ؛ ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾: إشارَةٌ إلى تَصَلُّبِهِمْ في الدِّينِ؛ وثَباتِ قَدَمِهِمْ فِيهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنّى لَهم ذَلِكَ؟ ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾: تَحْذِيرٌ مِنَ الِارْتِدادِ؛ أيْ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ بِإضْلالِهِمْ؛ وإغْوائِهِمْ؛ ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾؛ بِأنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى الإسْلامِ؛ وفِيهِ تَرْغِيبٌ في الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الِارْتِدادِ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِارْتِدادِ؛ والمَوْتِ عَلَيْهِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ والجَمْعُ لِلنَّظَرِ إلى المَعْنى؛ أيْ: أُولَئِكَ المُصِرُّونَ عَلى الِارْتِدادِ إلى حِينِ المَوْتِ؛ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾؛ الحَسَنَةُ؛ الَّتِي كانُوا عَمِلُوها في حالَةِ الإسْلامِ؛ حُبُوطًا لا تَلافِيَ لَهُ قَطْعًا؛ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَها حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ والأُخْرَوِيَّةِ؛ ﴿وَأُولَئِكَ﴾؛ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ سابِقًا؛ ولاحِقًا؛ مِنَ القَبائِحِ؛ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: مُلابِسُوها؛ ومُلازِمُوها؛ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ كَدَأْبِ (p-218)سائِرِ الكَفَرَةِ.
البقرة 2:218
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نَزَلَتْ في أصْحابِ السَّرِيَّةِ؛ لِما ظُنَّ بِهِمْ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلا أجْرَ لَهُمْ؛ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ كَرَّرَ المَوْصُولَ؛ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ؛ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الهِجْرَةِ؛ والجِهادِ؛ فَكَأنَّهُما مُسْتَقِلّانِ في تَحْقِيقِ الرَّجاءِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿يَرْجُونَ﴾؛ بِما لَهم مِن مَبادِي الفَوْزِ؛ ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ثَوابَهُ؛ أثْبَتَ لَهُمُ الرَّجاءَ؛ دُونَ الفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْأجْرِ؛ وإنَّما هو عَلى طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لا لِأنَّ في فَوْزِهِمُ اشْتِباهًا؛ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾: مُبالِغٌ في مَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِن عِبادِهِ خَطَأً؛ ﴿رَحِيمٌ﴾: يُجْزِلُ لَهُمُ الأجْرَ؛ والثَّوابَ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
البقرة 2:219
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾: تَوارَدَتْ في شَأْنِ الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ؛ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾؛ فَطَفِقَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها؛ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ؛ ومُعاذًا؛ ونَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - قالُوا: أفْتِنا يا رَسُولَ اللَّهِ في الخَمْرِ؛ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَشَرِبَها قَوْمٌ؛ وتَرَكَها آخَرُونَ؛ ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ناسًا مِنهم فَشَرِبُوا؛ فَسَكِرُوا؛ فَأمَّ أحَدُهُمْ؛ فَقَرَأ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ؛ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ"؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾؛ الآيَةُ.. فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها؛ ثُمَّ دَعا عِتْبانُ بْنُ مالِكٍ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ؛ في نَفَرٍ؛ فَلَمّا سَكِرُوا تَفاخَرُوا؛ وتَناشَدُوا؛ حَتّى أنْشَدَ سَعْدٌ شِعْرًا فِيهِ هِجاءُ الأنْصارِ؛ فَضَرَبَهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ بَعِيرٍ؛ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً؛ فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: « "اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا"؛» فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ .. إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "انْتَهَيْنا يا رَبُّ"؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "لَوْ وقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنها في بِئْرٍ فَبُنِيَتْ في مَكانِها مَنارَةٌ؛ لَمْ أُؤَذِّنْ عَلَيْها؛ ولَوْ وقَعَتْ في بَحْرٍ؛ ثُمَّ جَفَّ؛ فَنَبَتَ فِيهِ الكَلَأُ؛ لَمْ أرْعَهُ"؛ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "لَوْ أدْخَلْتُ أُصْبُعِي فِيها لَمْ تَتْبَعْنِي"؛ وهَذا هو الإيمانُ؛ والتُّقى حَقًّا - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -؛ والخَمْرُ: مَصْدَرُ "خَمَرَهُ"؛ أيْ: "سَتَرَهُ"؛ سُمِّيَ بِهِ مِن عَصِيرِ العِنَبِ ما غُلِي؛ واشْتَدَّ؛ وقُذِفَ بِالزُّبْدِ؛ لِتَغْطِيَتِها العَقْلَ؛ والتَّمْيِيزَ؛ كَأنَّها نَفْسُ السَّتْرِ؛ كَما سُمِّيَتْ "سَكَرًا" لِأنَّها تُسْكِرُهُما؛ أيْ: تَحْجِزُهُما؛ والمَيْسِرُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن "يَسَرَ"؛ كَـ "المَوْعِدُ"؛ و"المَرْجِعُ"؛ يُقالُ: "يَسَرْتَهُ"؛ إذا "قَمَرْتَهُ"؛ واشْتِقاقُهُ إمّا مِن "اليُسْرُ"؛ لِأنَّهُ أخْذُ المالِ بِيُسْرٍ؛ مِن غَيْرِ كَدٍّ؛ وإمّا مِن "اليَسارُ"؛ لِأنَّهُ سَلْبٌ لَهُ؛ وصِفَتُهُ أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ؛ هي الأزْلامُ؛ والأقْلامُ: الفَذُّ؛ والتَّوْأمُ؛ والرَّقِيبُ؛ والحِلْسُ؛ والنّافِسُ؛ والمُسْبِلُ؛ والمُعَلّى؛ والمَنِيحُ؛ والسَّفِيحُ؛ والوَغْدُ؛ لِكُلٍّ مِنها نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مِن جَزُورٍ يَنْحَرُونَها؛ ويُجَزِّئُونَها عَشَرَةَ أجْزاءٍ؛ وقِيلَ: ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ؛ إلّا الثَّلاثَةَ؛ هِيَ: المَنِيحُ؛ والسَّفِيحُ؛ والوَغْدُ؛ لِلْفَذِّ سَهْمٌ؛ ولِلتَّوْأمِ (p-219)سَهْمانِ؛ ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةٌ؛ ولِلْحِلْسِ أرْبَعَةٌ؛ ولِلنّافِسِ خَمْسَةٌ؛ ولِلْمُسْبِلِ سِتَّةٌ؛ ولِلْمُعَلّى سَبْعَةٌ؛ يَجْعَلُونَها في الرَّبابَةِ؛ وهي خَرِيطَةٌ؛ ويَضَعُونَها عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ ثُمَّ يُجَلْجِلُها؛ ويُدْخِلُ يَدَهُ فَيُخْرِجُ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ؛ قِدْحًا قِدْحًا؛ فَمَن خَرَجَ لَهُ قِدْحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المُعَيَّنَ لَها؛ ومَن خَرَجَ لَهُ مِن تِلْكَ الثَّلاثَةِ غَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ؛ مَعَ حِرْمانِهِ؛ وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ؛ ولا يَأْكُلُونَ مِنها؛ ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ؛ ويَذُمُّونَ مَن يَدْخُلُ فِيهِ؛ ويُسَمُّونَهُ "البَرْمَ"؛ وفي حُكْمِهِ جَمِيعُ أنْواعِ القِمارِ؛ مِنَ النَّرْدِ؛ والشَّطْرَنْجِ؛ وغَيْرِهِما؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إيّاكم وهاتَيْنِ اللُّعْبَتَيْنِ المَشْئُومَتَيْنِ؛ فَإنَّهُما مَياسِرُ العَجَمِ"؛» وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّ النَّرْدَ؛ والشَّطْرَنْجَ؛ مِنَ المَيْسِرِ؛ وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: "كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ خَطَرٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ"؛ والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْ حُكْمِهِما؛ وعَمّا في تَعاطِيهِما؛ ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ أيْ: في تَعاطِيهِما ذَلِكَ؛ لِما أنَّ الأوَّلَ مَسْلَبَةٌ لِلْعُقُولِ؛ الَّتِي هي قُطْبُ الدِّينِ؛ والدُّنْيا؛ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَتْلَفَةً لِلْأمْوالِ؛ ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾؛ مِن كَسْبِ الطَّرَبِ؛ واللَّذَّةِ؛ ومُصاحَبَةِ الفِتْيانِ؛ وتَشْجِيعِ الجَبانِ؛ وتَقْوِيَةِ الطَّبِيعَةِ؛ وقُرِئَ: "إثْمٌ كَثِيرٌ"؛ بِالمُثَلَّثَةِ؛ وفي تَقْدِيمِ بَيانِ إثْمِهِ؛ ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ؛ وتَأْخِيرِ ذِكْرَ مَنافِعِهِ؛ مَعَ تَخْصِيصِهِما بِالنّاسِ؛ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غَلَبَةِ الأوَّلِ ما لا يَخْفى؛ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾؛ أيْ: المَفاسِدُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى تَعاطِيهِما أعْظَمُ مِنَ الفَوائِدِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ؛ وقُرِئَ: "أقْرَبُ مِن نَفْعِهِما"؛ ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى "يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ.." إلَخْ.. عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَهُ؟ قِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ أيْضًا؛ سَألَ أوَّلًا مِن أيِّ جِنْسٍ يُنْفِقُ مِن أجْناسِ الأمْوالِ؛ فَلَمّا بُيِّنَ جَوازُ الإنْفاقِ مِن جَمِيعِ الأجْناسِ؛ سَألَ ثانِيًا: مِن أيِّ أصْنافِها نُنْفِقُ؟ أمِن خِيارِها؛ أمْ مِن غَيْرِها؟ أوْ سَألَ عَنْ مِقْدارِ ما يُنْفِقُهُ مِنهُ؛ فَقِيلَ: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾؛ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: يُنْفِقُونَ العَفْوَ؛ أوْ: أنْفِقُوا العَفْوَ؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّ "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ و"ذا" مَوْصُولَةٌ؛ صِلَتُها "يُنْفِقُونَ"؛ أيْ: الَّذِي يُنْفِقُونَهُ العَفْوُ؛ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ "العَفْوُ" في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ؛ وقالَ القَفّالُ: العَفْوُ: ما سَهُلَ وتَيَسَّرَ مِمّا فَضَلَ مِنَ الكِفايَةِ؛ وهو قَوْلُ قَتادَةَ؛ وعَطاءٍ؛ والسُّدِّيِّ؛ وكانَتِ الصَّحابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - يَكْسِبُونَ المالَ؛ ويُمْسِكُونَ قَدْرَ النَّفَقَةِ؛ ويَتَصَدَّقُونَ بِالفَضْلِ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ؛ أصابَها في بَعْضِ المَغانِمِ؛ فَقالَ: خُذْها مِنِّي صَدَقَةً؛ فَأعْرَضَ عَنْهُ؛ فَكَرَّرَ ذَلِكَ مِرارًا؛ حَتّى قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُغْضَبًا -: "هاتِها"؛ فَأخَذَها؛ فَخَذَفَها عَلَيْهِ خَذْفًا؛ لَوْ أصابَتْهُ لَشَجَّتْهُ؛ ثُمَّ قالَ: "يَأْتِي أحَدُكم بِمالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ ويَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ؛ إنَّما الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى"؛» ﴿كَذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الآتِي؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ؛ مَعَ كَمالِ تَمَيُّزِهِ؛ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ والكافُ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ؛ وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ؛ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطَبِينَ؛ بِاعْتِبارِ القَبِيلِ؛ أوِ الفَرِيقِ؛ أوْ لِعَدَمِ القَصْدِ إلى تَعْيِينِ المُخاطَبِ؛ كَما مَرَّ؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ؛ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا مَضى في أجْوِبَةِ الأسْئِلَةِ المارَّةِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾؛ الدّالَّةَ عَلى الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المَذْكُورَةِ؛ لا بَيانًا أدْنى مِنهُ؛ وقَدْ مَرَّ تَمامُ تَحْقِيقِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾؛ وتَبْيِينُ الآياتِ: تَنْزِيلُها مُبَيَّنَةَ الفَحْوى؛ واضِحَةَ المَدْلُولِ؛ لا أنَّهُ (تَعالى) يُبَيِّنُها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُشْتَبِهَةً؛ مُلْتَبِسَةً؛ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ لِكَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها؛ (p-220)وَتَقِفُوا عَلى مَقاصِدِها؛ وتَعْمَلُوا بِما في تَضاعِيفِها؛ .
البقرة 2:220
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِـ "يُبَيِّنُ"؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ الآياتِ؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "الآياتِ"؛ أيْ: يُبَيِّنُها لَكم كائِنَةً فِيهِما؛ أيْ: مُبَيِّنَةً لِأحْوالِكُمُ المُتَعَلِّقَةِ بِهِما؛ وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ التَّفَكُّرِ؛ وإمّا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: تَتَفَكَّرُونَ في الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ في الأحْكامِ الوارِدَةِ في أجْوِبَةِ الأسْئِلَةِ المارَّةِ؛ فَتَخْتارُونَ مِنها ما يَصْلُحُ لَكم فِيهِما؛ وتَجْتَنِبُونَ عَنْ غَيْرِهِ؛ وهَذا التَّخْصِيصُ هو المُناسِبُ لِمَقامِ تَعْدادِ الأحْكامِ الجُزْئِيَّةِ؛ ويَجُوزُ التَّعْمِيمُ لِجَمِيعِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَـ "ذَلِكَ" حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ البَياناتِ؛ كُلًّا؛ أوْ بَعْضًا؛ لا إلى مَصْدَرِ ما بَعْدَهُ؛ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ فِعْلٌ مُسْتَقِلٌّ؛ لَيْسَ بِعِبارَةٍ عَنْ تِلْكَ البَياناتِ؛ والمُرادُ بِالآياتِ غَيْرُ ما ذُكِرَ؛ والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الوارِدِ في الأجْوِبَةِ المَذْكُورَةِ يُبَيِّنُ اللَّهُ (تَعالى) لَكُمُ الآياتِ والدَّلائِلَ؛ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في أُمُورِكُمُ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ؛ وتَأْخُذُونَ بِما يَصْلُحُ لَكُمْ؛ ويَنْفَعُكم فِيهِما؛ وتَذَرُونَ ما يَضُرُّكُمْ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الآياتُ المُبَيِّنَةُ؛ ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن نَظِيرِهِ؛ رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ الآيَةُ.. تَحامى النّاسُ عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى؛ وتَعَهُّدِ أمْوالِهِمْ؛ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ فَذَكَرُوهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ.»
﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾: أيْ: التَّعَرُّضُ لِأحْوالِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ عَلى طَرِيقِ الإصْلاحِ؛ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمُ اتِّقاءً؛ ﴿وَإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾؛ وتُعاشِرُوهم عَلى وجْهٍ يَنْفَعُهُمْ؛ ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾؛ أيْ: فَهم إخْوانُكُمْ؛ أيْ: في الدِّينِ الَّذِي هو أقْوى مِنَ العَلاقَةِ النَّسَبِيَّةِ؛ ومِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ؛ ومَواجِبِها؛ المُخالَطَةُ بِالإصْلاحِ؛ والنَّفْعِ؛ وقَدْ حُمِلَ المُخالَطَةُ عَلى المُصاهَرَةِ؛ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾: "العِلْمُ" بِمَعْنى: "المَعْرِفَةُ"؛ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ؛ و"مِن" لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ؛ أيْ: يَعْلَمُ مَن يُفْسِدُ في أُمُورِهِمْ عِنْدَ المُخالَطَةِ؛ أوْ مَن يَقْصِدُ بِمُخالَطَتِهِ الخِيانَةَ؛ والإفْسادَ؛ مُمَيِّزًا لَهُ مِمَّنْ يُصْلِحُ فِيها؛ أوْ يَقْصِدُ الإصْلاحَ؛ فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِعَمَلِهِ؛ فَفِيهِ وعْدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ خَلا أنَّ في تَقْدِيمِ "المُفْسِدَ"؛ مَزِيدَ تَهْدِيدٍ؛ وتَأْكِيدٍ لِلْوَعِيدِ؛ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾؛ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يُعْنِتَكُمْ؛ أيْ: يُكَلِّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم - مِن "العَنَتُ"؛ وهو "المَشَقَّةُ" -؛ لَفَعَلَ؛ ولَمْ يُجَوِّزْ لَكم مُداخَلَتَهُمْ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ لا يَعِزُّ عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إعْناتُكُمْ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أيْ: فاعِلٌ لِأفْعالِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الدّاعِيَةُ إلى بِناءِ التَّكْلِيفِ؛ عَلى أساسِ الطّاقَةِ؛ دَلِيلٌ عَلى ما يُفِيدُهُ كَلِمَةُ "لَوْ"؛ مِنَ انْتِفاءِ مُقَدَّمِها.
البقرة 2:221
﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾: أيْ: لا تَتَزَوَّجُوهُنَّ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ؛ مِن "الإنْكاحُ"؛ أيْ: لا تُزَوِّجُوهُنَّ (p-221)مِنَ المُسْلِمِينَ؛ ﴿حَتّى يُؤْمِنَّ﴾؛ والمُرادُ بِهِنَّ إمّا ما يَعُمُّ الكِتابِيّاتِ أيْضًا؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ التَّعْلِيلَيْنِ الآتِيَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾؛ وإمّا غَيْرُ الكِتابِيّاتِ؛ فَهي ثابِتَةٌ؛ ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مِرْثَدَ بْنَ أبِي مِرْثَدٍ الغَنَوِيَّ إلى مَكَّةَ؛ لِيُخْرِجَ مِنها ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وكانَ يَهْوى امْرَأةً في الجاهِلِيَّةِ؛ اسْمُها "عَناقُ"؛ فَأتَتْهُ؛ فَقالَتْ: ألا تَخْلُو؟ فَقالَ: ويْحَكِ؛ إنَّ الإسْلامَ حالَ بَيْنَنا؛ فَقالَتْ: هَلْ لَكَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِي؟ قالَ: نَعَمْ؛ ولَكِنْ أرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأسْتَأْمِرُهُ؛ فاسْتَأْمَرَهُ؛ فَنَزَلَتْ.
﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُواصَلَتِهِنَّ؛ وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِناتِ؛ صُدِّرَ بِلامِ الِابْتِداءِ؛ الشَّبِيهَةِ بِلامِ القَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الِانْزِجارِ؛ وأصْلُ "أمَةٌ": "أمَوٌ"؛ حَذِفَتْ لامُها عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ وعُوِّضَ عَنْهُ تاءُ التَّأْنِيثِ؛ ودَلِيلُ كَوْنِ لامِها واوًا رُجُوعُها في الجَمْعِ؛ قالَ الكِلابِيُّ:
؎ أمّا الإماءُ فَلا يَدْعُونَنِي ولَدًا ∗∗∗ إذا تَداعى بَنُو الأمَواتِ بِالعارِ
وَظُهُورُها في المَصْدَرِ؛ يُقالُ: هي أمَةٌ بَيِّنَةُ الأُمُوَّةِ؛ وأقَرَّتْ لَهُ بِالأُمُوَّةِ؛ وقَدْ وقَعَتْ مُبْتَدَأً؛ لِما فِيها مِن لامِ الِابْتِداءِ؛ والوَصْفِ؛ أيْ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ؛ مَعَ ما بِها مِن خَساسَةِ الرِّقِّ وقِلَّةِ الخَطَرِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ بِحَسَبِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ ﴿مِن مُشْرِكَةٍ﴾؛ أيْ: امْرَأةٍ مُشْرِكَةٍ؛ مَعَ ما لَها مِن شَرَفِ الحُرِّيَّةِ؛ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ؛ ﴿وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾؛ قَدْ مَرَّ أنَّ كَلِمَةَ "لَوْ" في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ في الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ؛ مَعَ انْصِبابِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِهِ؛ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ؛ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ؛ عَلى الإجْمالِ؛ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ؛ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ مَعَهُ ثُبُوتُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ؛ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ؛ لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ؛ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى؛ ولِذَلِكَ لا يُذَكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ؛ ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها؛ المُقابِلَةِ لَها؛ المُتَناوِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ تُعْجِبْكُمْ؛ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى الحالِيَّةِ مِن "مُشْرِكَةٍ"؛ إذِ المَآلُ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنِ امْرَأةٍ مُشْرِكَةٍ حالَ عَدَمِ إعْجابِها؛ وحالَ إعْجابِها إيّاكم بِجَمالِها؛ ومالِها؛ ونَسَبِها؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَبادِي الإعْجابِ؛ ومُوجِباتِ الرَّغْبَةِ فِيها؛ أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ؛ وقَدِ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ ما هو أشَدُّ مُنافاةً لِلْخَيْرِيَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها حَيْثُ تَحَقَّقَتْ مَعَهُ فَلَأنْ تَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى؛ وقِيلَ: الواوُ حالِيَّةٌ؛ ولَيْسَ بِواضِحٍ؛ وقِيلَ: اعْتِراضِيَّةٌ؛ ولَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ والحَقُّ أنَّها عاطِفَةٌ؛ مُسْتَتْبِعَةٌ لِما ذُكِرَ مِنَ الِاعْتِبارِ اللَّطِيفِ؛ نَعَمْ.. يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الأُولى؛ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْها؛ مُسْتَأْنِفَةً؛ مُقَرِّرَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ فَتَدَبَّرْ.
﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾: مِن "الإنْكاحُ"؛ والمُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ لِما مَرَّ؛ أيْ: لا تُزَوِّجُوا مِنهُمُ المُؤْمِناتِ؛ سَواءٌ كُنَّ حَرائِرَ؛ أوْ إماءً؛ ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾؛ ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ؛ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾؛ مَعَ ما بِهِ مِن ذُلِّ المَمْلُوكِيَّةِ؛ ﴿خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾؛ مَعَ ما لَهُ مِن عِزِّ المالِكِيَّةِ؛ ﴿وَلَوْ أعْجَبَكُمْ﴾؛ بِما فِيهِ مِن دَواعِي الرَّغْبَةِ فِيهِ؛ الرّاجِعَةِ إلى ذاتِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ التَّعْلِيلَيْنِ المارَّيْنِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ مِنَ المُشْرِكاتِ؛ والمُشْرِكِينَ؛ ﴿يَدْعُونَ﴾؛ مَن يُقارِنُهُمْ؛ ويُعاشِرُهُمْ؛ ﴿إلى النّارِ﴾؛ أيْ: إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ الكُفْرِ؛ والفُسُوقِ؛ فَلا بُدَّ مِنَ الِاجْتِنابِ عَنْ مُقارَنَتِهِمْ؛ ومُقارَبَتِهِمْ؛ ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾؛ بِواسِطَةِ عِبادِهِ (p-222)المُؤْمِنِينَ مَن يُقارِنُهُمْ؛ ﴿إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾؛ أيْ: إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ المُوَصِّلَيْنِ إلَيْهِما؛ وتَقْدِيمُ "الجَنَّةِ"؛ عَلى "المَغْفِرَةِ"؛ مَعَ أنَّ حَقَّ التَّخْلِيَةِ أنْ تُقَدَّمَ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ لِرِعايَةِ مُقابَلَةِ النّارِ ابْتِداءً؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَدْعُو"؛ أيْ: يَدْعُو مُلْتَبِسًا بِتَوْفِيقِهِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ إرْشادُ المُؤْمِنِينَ لِمُقارِنِيهِمْ إلى الخَيْرِ؛ ونَصِيحَتُهم إيّاهُمْ؛ فَهم أحِقّاءُ بِالمُواصَلَةِ؛ ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ﴾؛ المُشْتَمِلَةَ عَلى الأحْكامِ الفائِقَةِ؛ والحِكَمِ الرّائِقَةِ؛ ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ يَتَذَكَّرُوا؛ ويَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَيَفُوزُوا بِما دُعُوا إلَيْهِ؛ مِنَ الجَنَّةِ؛ والغُفْرانِ؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: مَعْنى "واللَّهُ يَدْعُو": وأوْلِياءُ اللَّهِ يَدْعُونَ؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ تَشْرِيفًا لَهُمْ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الضَّمِيرَ في المَعْطُوفِ عَلى الخَبَرِ - أعْنِي قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ -؛ لِلَّهِ (تَعالى)؛ فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: واللَّهُ يَدْعُو بِأحْكامِهِ المَذْكُورَةِ إلى الجَنَّةِ؛ والمَغْفِرَةِ؛ فَإنَّها مُوصِلَةٌ لِمَن عَمِلَ بِها إلَيْهِما؛ وهَذا - وإنْ كانَ مُسْتَدْعِيًا لِاتِّحادِ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ الكائِنَيْنِ في الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ؛ الواقِعَتَيْنِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ؛ لَكِنْ يَفُوتُ حِينَئِذٍ حُسْنُ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾؛ ولَعَلَّ الطَّرِيقَ الأسْلَمَ ما أوْضَحْناهُ أوَّلًا؛ وإيرادُ التَّذَكُّرِ هَهُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ واضِحٌ؛ لا يَحْتاجُ إلى التَّفَكُّرِ؛ كَما في الأحْكامِ السّابِقَةِ.
البقرة 2:222
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِهِ؛ ولَعَلَّ حِكايَةَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِالعَطْفِ لِوُقُوعِ الكُلِّ عِنْدَ السُّؤالِ عَنِ الخَمْرِ؛ وحِكايَةَ ما عَداها بِغَيْرِ عَطْفٍ لِوُقُوعِ كُلٍّ مِن ذَلِكَ في وقْتٍ عَلى حِدَةِ؛ والمَحِيضُ: مَصْدَرٌ مِن "حاضَتِ المَرْأةُ"؛ كَـ "المَجِيءُ"؛ و"المَبِيتُ"؛ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُساكِنُونَ الحُيَّضَ؛ ولا يُؤاكِلُونَهُنَّ؛ كَدَأْبِ اليَهُودِ؛ والمَجُوسِ؛ واسْتَمَرَّ النّاسُ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ سَألَ عَنْ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ في نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ فَنَزَلَتْ.
﴿قُلْ هو أذًى﴾؛ أيْ: شَيْءٌ يُسْتَقْذَرُ مِنهُ ويُؤْذِي مَن يَقْرَبُهُ؛ نَفْرَةً مِنهُ؛ وكَراهَةً لَهُ؛ ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾؛ أيْ: فاجْتَنِبُوا مُجامَعَتَهُنَّ في حالَةِ المَحِيضِ؛ قِيلَ: أخَذَ المُسْلِمُونَ بِظاهِرِ الِاعْتِزالِ؛ فَأخْرَجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِمْ؛ فَقالَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ البَرْدُ شَدِيدٌ؛ والثِّيابُ قَلِيلَةٌ؛ فَإنْ آثَرْناهُنَّ هَلَكَ سائِرُ أهْلِ البَيْتِ؛ وإنْ اسْتَأْثَرْنا بِها هَلَكَتِ الحُيَّضُ؛ فَقالَ ﷺ: « "إنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تَعْتَزِلُوا مُجامَعَتَهُنَّ إذا حِضْنَ؛ ولَمْ يَأْمُرْكم بِإخْراجِهِنَّ مِنَ البُيُوتِ؛ كَفِعْلِ الأعاجِمِ"؛» وقِيلَ: إنَّ النَّصارى كانُوا يُجامِعُونَهُنَّ؛ ولا يُبالُونَ بِالحَيْضِ؛ واليَهُودَ كانُوا يُفْرِطُونَ في الِاعْتِزالِ؛ فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالِاقْتِصادِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ تَأْكِيدٌ لِحُكْمِ الِاعْتِزالِ؛ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ عَدَمُ قُرْبانِهِنَّ؛ لا عَدَمُ القُرْبِ مِنهُنَّ؛ وبَيانٌ لِغايَتِهِ؛ وهو انْقِطاعُ الدَّمِ؛ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ فَإنْ كانَ ذَلِكَ في أكْثَرِ المُدَّةِ حَلَّ القُرْبانُ؛ كَما انْقَطَعَ؛ وإلّا فَلا بُدَّ مِنَ الِاغْتِسالِ؛ أوْ مِن مُضِيِّ وقْتِ صَلاةٍ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يَغْتَسِلْنَ بَعْدَ الِانْقِطاعِ؛ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ؛ ويُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ فَإنَّ التَّطَهُّرَ هو الِاغْتِسالُ؛ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ مِنَ المَأْتى الَّذِي حَلَّلَهُ لَكُمْ؛ وهو القُبُلُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾؛ مِمّا عَسى يَنْدُرُ مِنهم مِنَ ارْتِكابِ بَعْضِ ما نُهُوا عَنْهُ؛ ومِن سائِرِ الذُّنُوبِ؛ ﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾؛ المُتَنَزِّهِينَ عَنِ الفَواحِشِ؛ والأقْذارِ؛ وفي ذِكْرِ التَّوْبَةِ إشْعارٌ بِمِساسِ الحاجَةِ إلَيْها؛ بِارْتِكابِ بَعْضِ النّاسِ لِما (p-223)نُهُوا عَنْهُ؛ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأمْرِ التَّطَهُّرِ.
البقرة 2:223
﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مَواضِعُ حَرْثٍ لَكُمْ؛ شُبِّهْنَ بِها لِما بَيْنَ ما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ؛ وبَيْنَ البُذُورِ مِنَ المُشابَهَةِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما مادَّةٌ لِما يَحْصُلُ مِنهُ؛ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ لَمّا عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِالحَرْثِ عَبَّرَ عَنْ مُجامَعَتِهِنَّ بِالإتْيانِ؛ وهو بَيانٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ .
﴿أنّى شِئْتُمْ﴾: مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ؛ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مَن أتى امْرَأتَهُ في قُبُلِها مِن دُبُرِها يَأْتِي ولَدُهُ أحْوَلَ؛ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَنَزَلَتْ.
﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: ما يُدَّخَرُ لَكم مِنَ الثَّوابِ؛ وقِيلَ: هو طَلَبُ الوَلَدِ؛ وقِيلَ هو التَّسْمِيَةُ عِنْدَ المُباشَرَةِ؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عُدَّ مِنَ الأُمُورِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾؛ فَتَعَرَّضُوا لِتَحْصِيلِ ما تَنْتَفِعُونَ بِهِ حِينَئِذٍ؛ واجْتَنِبُوا اقْتِرافَ ما تُفْتَضَحُونَ بِهِ؛ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ الَّذِينَ تَلَقَّوْا ما خُوطِبُوا بِهِ مِنَ الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ بِحُسْنِ القَبُولِ؛ والِامْتِثالِ بِما يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ مِنَ الكَرامَةِ؛ والنَّعِيمِ المُقِيمِ؛ أوْ بِكُلِّ ما يُبَشَّرُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُسَرُّ بِها القُلُوبُ؛ وتَقَرُّ بِها العُيُونُ؛ وفِيهِ؛ مَعَ ما في تَلْوِينِ الخِطابِ؛ وجَعْلِ المُبَشِّرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ مِنَ المُبالَغَةِ في تَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى.
البقرة 2:224
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾؛ قِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ؛ حِينَ حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَ خَتْنَهُ بَشِيرَ بْنَ النُّعْمانِ؛ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُخْتِهِ؛ وقِيلَ: في الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ حَلَفَ ألّا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ؛ لِخَوْضِهِ في حَدِيثِ الإفْكِ؛ والعُرْضَةُ: "فُعْلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"؛ كَـ "القُبْضَةُ"؛ و"الغُرْفَةُ"؛ تُطْلَقُ عَلى ما يَعْرِضُ دُونَ الشَّيْءِ؛ فَيَصِيرُ حاجِزًا عَنْهُ؛ كَما يُقالُ: "فُلانٌ عُرْضَةٌ لِلْخَيْرِ"؛ وعَلى المُعَرَّضِ لِلْأمْرِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ ∗∗∗ فَلا تَجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ
فالمَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ مانِعًا لِلْأُمُورِ الحَسَنَةِ؛ الَّتِي تَحْلِفُونَ عَلى تَرْكِها؛ وعَبَّرَ عَنْها بِالأيْمانِ؛ لِمُلابَسَتِها بِها؛ كَما في قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمُرَةَ: « "إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ؛ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها؛ فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ؛ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ"؛» وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾: عَطْفُ بَيانٍ لِـ "أيْمانِكُمْ"؛ أوْ بَدَلٌ مِنها؛ لِما عَرَفْتَ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها؛ واللّامُ في "لِأيْمانِكُمْ": مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِـ "عُرْضَةً"؛ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاعْتِراضِ؛ أيْ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ لِبِرِّكُمْ؛ وتَقْواكُمْ؛ وإصْلاحِكم بَيْنَ النّاسِ؛ عُرْضَةً؛ أيْ: بَرْزَخًا حاجِزًا بِأنْ تَحْلِفُوا بِهِ (تَعالى) عَلى تَرْكِها؛ أوْ لا تَجْعَلُوهُ (تَعالى) عُرْضَةً؛ أيْ: شَيْئًا يَعْتَرِضُ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ؛ ويَحْجُزُها بِما ذُكِرَ مِنَ الحَلِفِ بِهِ (تَعالى) عَلى تَرْكِها؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ؛ ويَتَعَلَّقُ "أنْ تَبَرُّوا..." إلَخْ.. بِالفِعْلِ؛ أوْ بِـ "عُرْضَةً"؛ فَيَكُونُ الأيْمانُ بِمَعْناها؛ وأنْتُ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ؛ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ مَعْرِضًا لِأيْمانِكُمْ؛ تَبْتَذِلُونَهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذُمَّ مَن نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾؛ بِأشْنَعِ المَذامِّ؛ وجُعِلَ "الحَلّافُ" مُقَدِّمَتَها؛ و"أنْ تَبَرُّوا" حِينَئِذٍ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ؛ أيْ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا؛ وتَتَّقُوا؛ وتُصْلِحُوا؛ لِأنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ مُعَظِّمٍ لَهُ؛ فَلا يَكُونُ بَرًّا؛ مُتَّقِيًا؛ ثِقَةً (p-224)بَيْنَ النّاسِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّوَسُّطِ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾؛ يَسْمَعُ أيْمانَكُمْ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ يَعْلَمُ نِيّاتِكُمْ؛ فَحافِظُوا عَلى ما كُلِّفْتُمُوهُ.
البقرة 2:225
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾: اللَّغْوُ: ما سَقَطَ مِنَ الكَلامِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ؛ والمُرادُ بِهِ في الأيْمانِ: ما لا عَقْدَ مَعَهُ؛ ولا قَصْدَ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾؛ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ وقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَعِنْدَنا هو أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَظُنُّهُ عَلى ما حَلَفَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ يَظْهَرُ خِلافُهُ؛ فَإنَّهُ لا قَصْدَ فِيهِ إلى الكَذِبِ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هو قَوْلُ العَرَبِ: "لا واللَّهِ"؛ و"بَلى واللَّهِ"؛ مِمّا يُؤَكِّدُونَ بِهِ كَلامَهُمْ؛ مِن غَيْرِ إخْطارِ الحَلِفِ بِالبالِ؛ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ؛ أيْ: لا يُعاقِبُكُمْ؛ بِلَغْوِ اليَمِينِ؛ الَّذِي يَحْلِفُهُ أحَدُكُمْ؛ ظانًّا أنَّهُ صادِقٌ فِيهِ؛ ولَكِنْ يُعاقِبُكم بِما اقْتَرَفَتْهُ قُلُوبُكم مِن إثْمِ القَصْدِ إلى الكَذِبِ في اليَمِينِ؛ وذَلِكَ في الغَمُوسِ؛ وعَلى الثّانِي: لا يُلْزِمُكُمُ الكَفّارَةَ بِما لا قَصْدَ مَعَهُ إلى اليَمِينِ؛ ولَكِنْ يُلْزِمُكُمُوها بِما نَوَتْ قُلُوبُكُمْ؛ وقَصَدَتْ بِهِ اليَمِينَ؛ ولَمْ يَكُنْ كَسْبَ اللِّسانِ فَقَطْ؛ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾؛ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكم بِاللَّغْوِ؛ مَعَ كَوْنِهِ ناشِئًا مِن عَدَمِ التَّثَبُّتِ؛ وقِلَّةِ المُبالاةِ؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ بِالمُؤاخَذَةِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ﴾؛ إلَخْ.. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ بِالمُؤاخَذَةِ: المُعاقَبَةُ؛ لا إيجابُ الكَفّارَةِ؛ إذْ هي الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها المَغْفِرَةُ؛ والحِلْمُ؛ دُونَهُ.
البقرة 2:226
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾؛ الإيلاءُ: الحَلِفُ؛ وحَقُّهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ بِـ "عَلى"؛ واسْتِعْمالُهُ بِـ "مِن" لِتَضْمِينِهِ مَعْنى البُعْدِ؛ أيْ: لِلَّذِينِ يَحْلِفُونَ مُتَباعِدِينَ مِن نِسائِهِمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: لَهم مِن نِسائِهِمْ؛ ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾؛ كَقَوْلِكَ: "لِي مِنكَ كَذا"؛ وقُرِئَ: "آلَوْا مِن نِسائِهِمْ"؛ وقُرِئَ: "يُقْسِمُونَ مِن نِسائِهِمْ"؛ والإيلاءُ مِنَ المَرْأةِ: أنْ يَقُولَ: "واللَّهِ لا أقْرَبُكِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَصاعِدًا"؛ عَلى التَّقْيِيدِ بِالأشْهُرِ؛ أوْ: "لا أقْرَبُكِ عَلى الإطْلاقِ"؛ ولا يَكُونُ فِيما دُونَ ذَلِكَ؛ وحُكْمُهُ أنَّهُ إنْ فاءَ إلَيْها في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ أمْكَنَ؛ أوْ بِالقَوْلِ إنْ عَجِزَ عَنْهُ؛ صَحَّ الفَيْءُ؛ وحَنِثَ القادِرُ؛ ولَزِمَتْهُ كَفّارَةُ اليَمِينِ؛ ولا كَفّارَةَ عَلى العاجِزِ؛ وإنْ مَضَتِ الأرْبَعَةُ بانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ؛ والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ؛ والتَّوَقُّفُ؛ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا؛ أيْ: لَهم أنْ يَنْتَظِرُوا في هَذِهِ المُدَّةِ مِن غَيْرِ مُطالَبَةٍ بِفَيْءٍ؛ أوْ طَلاقٍ؛ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَنِ اليَمِينِ بِالحِنْثِ؛ والفاءُ لِلتَّفْصِيلِ؛ كَما إذا قُلْتَ: "أنا نَزِيلُكم هَذا الشَّهْرَ؛ فَإنْ أحْمَدْتُكم أقَمْتُ عِنْدَكم إلى آخِرِهِ؛ وإلّا لَمْ ألْبَثْ إلّا رَيْثَما أتَحَوَّلُ"؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يَغْفِرُ لِلْمُولِي بِفَيْئَتِهِ - الَّتِي هي كَتَوْبَتِهِ - إثْمَ حِنْثِهِ؛ عِنْدَ تَكْفِيرِهِ؛ أوْ ما قَصَدَ بِالإيلاءِ مِن ضِرارِ المَرْأةِ.
البقرة 2:227
﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾؛ وأجْمَعُوا عَلَيْهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾؛ بِما جَرى مِنهم مِنَ الطَّلاقِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الدَّمْدَمَةِ؛ والمُقاوَلَةِ؛ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْها الحالُ عادَةً؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِنِيّاتِهِمْ؛ وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ عَلى الإصْرارِ؛ وتَرْكِ الفَيْئَةِ؛ ما لا يَخْفى.
البقرة 2:228
(p-225)﴿والمُطَلَّقاتُ﴾: أيْ: ذَواتُ الأقْراءِ؛ مِنَ الحَرائِرِ؛ المَدْخُولِ بِهِنَّ؛ لِما قَدْ بُيِّنَ أنْ لا عِدَّةَ عَلى غَيْرِ المَدْخُولِ بِها؛ وأنَّ عِدَّةَ مَن لا تَحِيضُ؛ لِصِغَرٍ؛ أوْ كِبَرٍ؛ أوْ حَمْلٍ؛ بِالأشْهُرِ؛ ووَضْعِ الحَمْلِ؛ وأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ قُرْءانِ؛ أوْ شَهْرانِ؛ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ؛ مُفِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ؛ بِإشْعارِهِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَلَقّى بِالمُسارَعَةِ إلى الإتْيانِ بِهِ؛ فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ بِالأمْرِ بِالتَّرَبُّصِ؛ فَتُخْبِرُ بِهِ مَوْجُودًا مُتَحَقَّقًا؛ وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَإ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَأْكِيدٍ؛ ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾؛ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: يَقْمَعْنَها؛ ويَحْمِلْنَها عَلى ما لا تَشْتَهِيهِ؛ بَلْ يَشُقُّ عَلَيْها مِنَ التَّرَبُّصِ؛ وفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ لَهُنَّ عَلى ذَلِكَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الإنْباءِ عَنْ الِاتِّصافِ بِما يَسْتَنْكِفْنَ مِنهُ؛ مِن كَوْنِ نُفُوسِهِنَّ طَوامِحَ إلى الرِّجالِ؛ فَيَحْمِلُهُنَّ ذَلِكَ عَلى الإقْدامِ عَلى الإتْيانِ بِما أُمِرْنَ بِهِ؛ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾: نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أوِ المَفْعُولِيَّةِ؛ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: يَتَرَبَّصْنَ مُدَّةَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ؛ أوْ يَتَرَبَّصْنَ مُضِيَّ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ؛ وهو جَمْعُ "قُرْءٌ"؛ والمُرادُ بِهِ: الحَيْضُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ « "دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ"؛» وقَوْلِهِ ﷺ: « "طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ؛ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ"؛» وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾؛ ولِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ؛ ومَدارُهُ الحَيْضُ دُونَ الطُّهْرِ؛ ويُقالُ: "أقْرَأتِ المَرْأةُ"؛ إذا حاضَتْ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ مَعْناهُ: مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ؛ وهي الحِيَضُ الثَّلاثُ؛ وإيرادُ جَمْعِ الكَثْرَةِ في مَقامِ جَمْعِ القِلَّةِ بِطَرِيقِ الِاتِّساعِ؛ فَإنَّ إيرادَ كُلٍّ مِنَ الجَمْعَيْنِ مَكانَ الآخَرِ شائِعٌ؛ ذائِعٌ؛ وقُرِئَ: "ثَلاثَةَ قُرُوٍّ"؛ بِغَيْرِ هَمْزٍ؛ ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾؛ مِنَ الحَيْضِ؛ والوَلَدِ؛ اسْتِعْجالًا في العِدَّةِ؛ وإبْطالًا لِحَقِّ الرَّجْعَةِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ قَوْلِهِنَّ في ذَلِكَ؛ نَفْيًا؛ وإثْباتًا؛ ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ دَلالَةً واضِحَةً؛ أيْ: فَلا يَجْتَرِئْنَ عَلى ذَلِكَ؛ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمان باللَّهِ (تَعالى)؛ واليَوْمِ الآخِرِ؛ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الجَزاءُ والعُقُوبَةُ؛ مُنافِيَةٌ لَهُ قَطْعًا؛ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البُعُولَةُ: جَمْعُ "بَعْلٌ"؛ وهو في الأصْلِ السَّيِّدُ المالِكُ؛ والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ؛ كَما في "الحُزُونَةُ"؛ و"السُّهُولَةُ"؛ أوْ مَصْدَرٌ؛ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلُ بُعُولَتِهِنَّ؛ أيْ: أزْواجُهُنَّ؛ الَّذِينَ طَلَّقُوهُنَّ طَلاقًا رَجْعِيًّا؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالبُعُولَةِ؛ والضَّمِيرُ لِبَعْضِ أفْرادِ المُطَلَّقاتِ؛ ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ إلى مِلْكِهِمْ؛ بِالرَّجْعَةِ إلَيْهِنَّ؛ ﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أيْ: في زَمانِ التَّرَبُّصِ؛ وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لِإفادَةِ أنَّ الرَّجُلَ إذا أرادَ الرَّجْعَةَ؛ والمَرْأةُ تَأْباها؛ وجَبَ إيثارُ قَوْلِهِ عَلى قَوْلِها؛ لا أنَّ لَها أيْضًا حَقًّا في الرَّجْعَةِ؛ ﴿إنْ أرادُوا﴾؛ أيْ: الأزْواجُ بِالرَّجْعَةِ؛ ﴿إصْلاحًا﴾؛ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ؛ وإحْسانًا إلَيْهِنَّ؛ ولَمْ يُرِيدُوا مُضارَّتَهُنَّ؛ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ شَرْطِيَّةَ قَصْدِ الإصْلاحِ بِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ؛ بَلْ هو الحَثُّ عَلَيْهِ؛ والزَّجْرُ عَنْ قَصْدِ الضِّرارِ؛ ﴿وَلَهُنَّ﴾؛ عَلَيْهِمْ؛ مِنَ الحُقُوقِ؛ ﴿مِثْلُ الَّذِي﴾؛ لَهُمْ؛ ﴿عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها؛ ويَتَحَتَّمُ المُحافَظَةُ عَلَيْها؛ ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ أيْ: زِيادَةٌ في الحَقِّ؛ لِأنَّ حُقُوقَهم في أنْفُسِهِنَّ؛ وحُقُوقَهُنَّ في المَهْرِ؛ (p-226)والكَفافِ؛ وتَرْكِ الضِّرارِ؛ ونَحْوِها؛ أوْ مَزِيَّةٌ في الفَضْلِ؛ لِما أنَّهم قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ؛ حُرّاسٌ لَهُنَّ؛ ولِما في أيْدِيهِنَّ؛ يُشارِكُونَهُنَّ فِيما هو الغَرَضُ مِنَ الزَّواجِ؛ ويَسْتَبِدُّونَ بِفَضِيلَةِ الرِّعايَةِ؛ والإنْفاقِ؛ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ يَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِمَّنْ يُخالِفُ أحْكامَهُ؛ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ تَنْطَوِي شَرائِعُهُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ.
البقرة 2:229
﴿الطَّلاقُ﴾: هو بِمَعْنى: "التَّطْلِيقُ"؛ كَـ "السَّلامُ"؛ بِمَعْنى "التَّسْلِيمُ"؛ والمُرادُ بِهِ: الرَّجْعِيُّ؛ لِما أنَّهُ السّابِقُ؛ الأقْرَبُ حُكْمُهُ؛ ولِما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الثّالِثَةِ؛ فَقالَ ﷺ: "أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ"؛» وهو مُبْتَدَأٌ؛ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ فِيهِ الرَّدَّ؛ والرَّجْعَةَ؛ حَسْبَما بُيِّنَ آنِفًا؛ ﴿مَرَّتانِ﴾؛ أيْ: اثْنَتانِ؛ وإيثارُ ما ورَدَ بِهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَقَعا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لا دَفْعَةً واحِدَةً؛ وإنْ كانَ حُكْمُ الرَّدِّ ثابِتًا حِينَئِذٍ أيْضًا؛ ﴿فَإمْساكٌ﴾؛ أيْ: فالحُكْمُ بَعَدَهُما إمْساكٌ لَهُنَّ بِالرَّجْعَةِ؛ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أيْ: بِحُسْنِ عِشْرَةٍ؛ ولُطْفِ مُعامَلَةٍ؛ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ بِالطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ كَما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ؛ أوْ بِعَدَمِ الرَّجْعَةِ إلى أنْ تَنْقَضِيَ العِدَّةُ؛ فَتَبِينَ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: الطَّلاقُ الشَّرْعِيُّ؛ وبِالمَرَّتَيْنِ: مُطْلَقُ التَّكْرِيرِ؛ لا التَّثْنِيَةُ بِعَيْنِها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾؛ أيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ؛ والمَعْنى أنَّ التَّطْلِيقَ الشَّرْعِيَّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ؛ عَلى التَّفْرِيقِ؛ دُونَ الجَمْعِ بَيْنَ الطَّلْقَتَيْنِ؛ أوِ الثَّلاثِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ عِنْدَنا؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ﴾؛ إلَخْ.. حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ؛ وتَخْيِيرٌ مُسْتَأْنِفٌ؛ والفاءُ فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ عَلى التَّعْلِيمِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "إذا عَلِمْتُمْ كَيْفِيَّةَ التَّطْلِيقِ فَأمْرُكم أحَدُ الأمْرَيْنِ؛ ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾؛ مِنهُنَّ؛ بِمُقابَلَةِ الطَّلاقِ؛ ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾؛ أيْ: مِنَ الصَّدُقاتِ؛ وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ؛ وإنْ شارَكَها في الحُكْمِ سائِرُ أمْوالِهِنَّ؛ إمّا لِرِعايَةِ العادَةِ؛ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ يَحِلَّ لَهم أنْ يَأْخُذُوا مِمّا آتَوْهُنَّ بِمُقابَلَةِ البُضْعِ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِمْ فَلَأنْ لا يَحِلُّ أنْ يَأْخُذُوا مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالبُضْعِ أوْلى؛ وأحْرى؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: نَزْرًا يَسِيرًا؛ فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا؛ والخِطابَ مَعَ الحُكّامِ؛ وإسْنادُ الأخْذِ والإيتاءِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِهِما عِنْدَ المُرافَعَةِ؛ وقِيلَ: مَعَ الأزْواجِ؛ وما بَعْدَهُ مَعَ الحُكّامِ؛ وذَلِكَ مِمّا يُشَوِّشُ النَّظْمَ الكَرِيمَ؛ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ.
﴿إلا أنْ يَخافا﴾؛ أيْ: الزَّوْجانِ؛ وقُرِئَ: "يَظُنّا"؛ وهو مُؤَيِّدٌ لِتَفْسِيرِ الخَوْفِ بِالظَّنِّ؛ ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ألّا يُراعِيا مَواجِبَ أحْكامِ الزَّوْجِيَّةِ؛ وقُرِئَ: "يُخافا"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وإبْدالِ "أنْ" بِصِلَتِهِ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ؛ وقُرِئَ: "تَخافا"؛ و"تُقِيما"؛ بِتاءِ الخِطابِ؛ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾؛ أيُّها الحُكّامُ؛ ﴿ألا يُقِيما﴾؛ أيْ: الزَّوْجانِ؛ ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ بِمُشاهَدَةِ بَعْضِ الأماراتِ؛ والمَخايِلِ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: عَلى الزَّوْجَيْنِ؛ ﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ لا عَلى الزَّوْجِ في أخْذِ ما افْتَدَتْ بِهِ؛ ولا عَلَيْها في إعْطائِهِ إيّاهُ؛ ورُوِيَ «أنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كانْتَ تُبْغِضُ زَوْجَها ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ؛ فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: "لا أنا؛ ولا ثابِتٌ؛ لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَهُ شَيْءٌ؛ واللَّهِ ما أعِيبُ عَلَيْهِ في دِينٍ؛ ولا خُلُقٍ؛ ولَكِنْ أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ؛ ما أُطِيقُهُ بُغْضًا؛ إنِّي رَفَعْتُ جانِبَ الخِباءِ فَرَأيْتُهُ أقْبَلَ في عِدَّةٍ؛ فَإذا هو أشَدُّهم سَوادًا؛ (p-227)وَأقْصَرُهم قامَةً؛ وأقْبَحُهم وجْهًا"؛» فَنَزَلَتْ؛ فاخْتَلَعَتْ مِنهُ بِحَدِيقَةٍ كانَ أصْدَقَها إيّاها.
﴿تِلْكَ﴾؛ أيْ: الأحْكامُ المَذْكُورَةُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾؛ بِالمُخالَفَةِ؛ والرَّفْضِ؛ ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ﴾؛ المُتَعَدُّونَ؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ؛ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ؛ بِتَعْرِيضِها لِسُخْطِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعِقابِهِ؛ ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ؛ وتَعْقِيبُ النَّهْيِ بِالوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ.
البقرة 2:230
﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ؛ ﴿فَلا تَحِلُّ﴾؛ هِيَ؛ ﴿لَهُ مِن بَعْدُ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ هَذا الطَّلاقِ؛ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ أيْ: تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ؛ (فَإنَّ النِّكاحَ أيْضًا يُسْنَدَ إلى كُلٍّ مِنهُما؛ وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى العَقْدِ؛ والجُمْهُورُ عَلى اشْتِراطِ الإصابَةِ؛ لِما رُوِيَ «أنَّ امْرَأةَ رِفاعَةَ قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ رُفاعَةَ طَلَّقَنِي؛ فَبَتَّ طَلاقِي؛ وإنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرٍ تَزَوَّجَنِي؛ وإنَّ ما مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ؛ فَقالَ ﷺ: "أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟"؛ قالَتْ: نَعَمْ؛ قالَ ﷺ: "لا.. إلّا أنْ تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ؛ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"؛» وبِمِثْلِهِ تَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ؛ وقِيلَ: النِّكاحُ بِمَعْنى: "الوَطْءُ؛ والعَقْدُ"؛ مُسْتَفادٌ مِن لَفْظِ "الزَّوْجُ"؛ والحِكْمَةُ مِن هَذا التَّشْرِيعِ الرَّدْعُ عَنِ المُسارَعَةِ إلى الطَّلاقِ؛ والعَوْدُ إلى المُطْلَّقَةِ ثَلاثًا؛ والرَّغْبَةُ فِيها؛ والنِّكاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ مَكْرُوهٌ عِنْدَنا؛ ويُرْوى عَدَمُ الكَراهَةِ فِيما لَمْ يَكُنِ الشَّرْطُ مُصَرَّحًا بِهِ؛ وفاسِدٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ « "لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ؛ والمُحَلَّلَ لَهُ".»
﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾؛ أيْ: الزَّوْجُ الثّانِي؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: عَلى الزَّوْجِ الأوَّلِ؛ والمَرْأةِ؛ ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾؛ أنْ يَرْجِعَ كُلٌّ مِنهُما إلى الآخَرِ بِالعَقْدِ؛ ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ الَّتِي أوْجَبَ مُراعاتِها عَلى الزَّوْجَيْنِ مِنَ الحُقُوقِ؛ ولا وجْهَ لِتَفْسِيرِ الظَّنِّ بِالعِلْمِ؛ لِما أنَّ العَواقِبَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ؛ ولِأنَّ "أنْ" النّاصِبَةَ لِلتَّوَقُّعِ المُنافِي لِلْعِلْمِ؛ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يُقالُ: "عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ".
﴿وَتِلْكَ﴾: إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ إلى هُنا؛ ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أحْكامُهُ المُعَيَّنَةُ؛ المَحْمِيَّةُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِالتَّغْيِيرِ والمُخالَفَةِ؛ ﴿يُبَيِّنُها﴾؛ بِهَذا البَيانِ اللّائِقِ؛ أوْ سَيُبَيِّنُها فِيما سَيَأْتِي؛ بِناءً عَلى أنَّ بَعْضَها يَلْحَقُهُ زِيادَةُ كَشْفٍ وبَيانٍ بِالكِتابِ؛ والسُّنَّةِ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾؛ أوْ حالٌ مِن "حُدُودُ اللَّهِ"؛ والعامِلِ مَعْنى الإشارَةِ؛ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: يَفْهَمُونَ؛ وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ؛ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ؛ والتَّبْلِيغِ؛ لِما أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالبَيانِ؛ أوْ لِأنَّ ما سَيَلْحَقُ بَعْضَ النُّصُوصِ مِنَ البَيانِ لا يَقِفُ عَلَيْهِ إلّا الرّاسِخُونَ في العِلْمِ.
البقرة 2:231
﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾؛ أيْ: آخِرَ عِدَّتِهِنَّ؛ فَإنَّ الأجَلَ؛ كَما يَنْطَلِقُ (p-228)عَلى المُدَّةِ؛ يَنْطَلِقُ عَلى مُنْتَهاها؛ والبُلُوغُ هو الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ؛ وقَدْ يُقالُ لِلدُّنُوِّ مِنهُ؛ اتِّساعًا؛ وهو المُرادُ هَهُنا؛ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ إذْ لا مَكانَ لِلْإمْساكِ بَعْدَ تَحَقُّقِ بُلُوغِ الأجْلِ؛ أيْ: فَراجِعُوهُنَّ بِغَيْرِ ضِرارٍ؛ أوْ خَلُّوهُنَّ حَتّى يَنْقَضِيَ أجَلُهُنَّ بِإحْسانٍ؛ مِن غَيْرِ تَطْوِيلٍ؛ وهَذا كَما تَرى إعادَةٌ لِلْحُكْمِ في بَعْضِ صُوَرِهِ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ؛ ومُبالَغَةً في إيجابِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾؛ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالإمْساكِ بِمَعْرُوفٍ؛ وتَوْضِيحٌ لِمَعْناهُ؛ وزَجْرٌ صَرِيحٌ عَمّا كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ؛ أيْ: لا تُراجِعُوهُنَّ إرادَةَ الإضْرارِ بِهِنَّ؛ كانَ المُطَلِّقُ يَتْرُكُ المُعْتَدَّةَ؛ حَتّى إذا شارَفَتِ انْقِضاءَ الأجَلِ يُراجِعُها؛ لا لِرَغْبَةٍ فِيها؛ بَلْ لِيُطَوِّلَ عَلَيْها العِدَّةَ؛ فَنُهِيَ عَنْهُ؛ بَعْدَما أُمِرَ بِضِدِّهِ؛ لِما ذُكِرَ؛ و"ضِرارًا": نُصِبَ عَلى العِلِّيَّةِ؛ أوِ الحالِيَّةِ؛ أيْ: لا تُمْسِكُوهُنَّ لِلْمُضارَّةِ؛ أوْ مُضارِّينَ؛ واللّامُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "ضِرارًا"؛ أيْ: لِتَظْلِمُوهُنَّ بِالإلْجاءِ إلى الِافْتِداءِ؛ ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإمْساكِ المُؤَدِّي إلى الظُّلْمِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ في ضِمْنِ ظُلْمِهِ لَهُنَّ؛ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ؛ ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ﴾؛ المُنْطَوِيَةَ عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ؛ أوْ: جَمِيعَ آياتِهِ؛ وهي داخِلَةٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ ﴿هُزُوًا﴾؛ أيْ: مَهْزُوًّا بِها؛ بِأنْ تُعْرِضُوا عَنْها؛ وتَتَهاوَنُوا في المُحافَظَةِ عَلى ما في تَضاعِيفِها مِنَ الأحْكامِ؛ والحُدُودِ؛ مِن قَوْلِهِمْ لِمَن لَمْ يَجِدَّ في الأمْرِ: "أنْتَ هازِئٌ"؛ كَأنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الهُزْءِ بِها؛ وأُرِيدَ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الأمْرِ بِضِدِّهِ؛ أيْ: جِدُّوا في الأخْذِ بِها؛ والعَمَلِ بِما فِيها؛ وارْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها؛ وإلّا فَقَدَ أخَذْتُمُوها هُزُؤًا ولَعِبًا؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الإمْساكِ ضِرارًا؛ فَإنَّ الرَّجْعَةَ بِلا رَغْبَةِ فِيها عَمَلٌ بِمُوجِبِ آياتِ اللَّهِ (تَعالى)؛ بِحَسَبِ الظّاهِرِ؛ دُونَ الحَقِيقَةِ؛ وهو مَعْنى الهُزْءِ؛ وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَنْكِحُ؛ ويُطَلِّقُ؛ ويُعْتِقُ؛ ثُمَّ يَقُولُ: إنَّما كُنْتُ ألْعَبُ؛ فَنَزَلَتْ. ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: « "ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ؛ والطَّلاقُ؛ والعِتاقُ".»
﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ حَيْثُ هَداكم إلى ما فِيهِ سَعادَتُكُمُ الدِّينِيَّةُ؛ والدُّنْيَوِيَّةُ؛ أيْ: قابِلُوها بِالشُّكْرِ؛ والقِيامِ بِحُقُوقِها؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "نِعْمَةَ اللَّهِ"؛ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكُمْ؛ أوْ صِفَةٌ لَها؛ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ؛ أيْ: الكائِنَةَ عَلَيْكُمْ؛ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِها؛ إنْ أُرِيدَ بِها الإنْعامُ؛ لِأنَّها اسْمُ مَصْدَرٍ؛ كَـ "نَباتٌ"؛ مِن "أنْبَتَ"؛ ولا يَقْدَحُ في عَمَلِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْها؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ فَلَوْلا رَجاءُ النَّصْرِ مِنكَ ورَهْبَةٌ ∗∗∗ عِقابَكَ قَدْ كانُوا لَنا كالمَوارِدِ
﴿وَما أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "نِعْمَةَ اللَّهِ"؛ و"ما" مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ عائِدُها مِنَ الصِّلَةِ؛ و"مِن" في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾: بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: مِنَ القرآن؛ والسُّنَّةِ؛ أوِ القرآن الجامِعِ لِلْعُنْوانَيْنِ؛ عَلى أنَّ العَطْفَ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗
وَفِي إبْهامِهِ أوَّلًا؛ ثُمَّ بَيانِهِ؛ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى؛ وفي إفْرادِهِ بِالذِّكْرِ؛ مَعَ كَوْنِهِ أوَّلَ ما دَخَلَ في النِّعْمَةِ المَأْمُورِ بِذِكْرِها؛ إبانَةٌ بِخَطَرِهِ؛ ومُبالَغَةٌ في البَعْثِ عَلى مُراعاةِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأحْكامِ؛ ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾؛ أيْ: بِما أنْزَلَ؛ حالٌ مِن فاعِلِ "أنْزَلَ"؛ أوْ مَفْعُولِهِ؛ أوْ مِنهُما مَعًا؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في شَأْنِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ الواجِبَةِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا تَأْتُونَ؛ وما تَذَرُونَ؛ فَيُؤاخِذُكم بِأفانِينِ العِقابِ.(p-229)
البقرة 2:232
﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: بَيانٌ لِحُكْمِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ حَقِيقَةً؛ بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ المُشارَفَةِ إلَيْهِ؛ والعَضْلُ: الحَبْسُ؛ والتَّضْيِيقُ؛ ومِنهُ: "عَضَّلَتِ الدَّجاجَةُ"؛ إذا نَشِبَ بَيْضُها ولَمْ يَخْرُجْ؛ والمُرادُ: المَنعُ؛ والخِطابُ إمّا لِلْأوْلِياءِ؛ لِما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ حِينَ عَضَلَ أُخْتَهُ "جُمَلَ" أنْ تَرْجِعَ إلى زَوْجِها الأوَّلِ بِالنِّكاحِ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ حِينَ عَضَلَ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ؛ وإسْنادُ التَّطْلِيقِ إلَيْهِمْ لِتَسَبُّبِهِمْ فِيهِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَصَدِّيهِمْ لِلْعَضْلِ؛ ولَعَلَّ التَّعَرُّضَ لِبُلُوغِ الأجَلِ؛ مَعَ جَوازِ التَّزَوُّجِ بِالزَّوْجِ الأوَّلِ قَبْلَهُ أيْضًا؛ لِوُقُوعِ العَضْلِ المَذْكُورِ حِينَئِذٍ؛ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنْ لَيْسَ لِلْمَرْأةِ أنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها؛ وإلّا لَما احْتِيجَ إلى نَهْيِ الأوْلِياءِ عَنِ العَضْلِ؛ لِما أنَّ النَّهْيَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُنَّ؛ فَإنَّهُنَّ - وإنْ قَدَرْنَ عَلى تَزْوِيجِ أنْفُسِهِنَّ - لَكِنَّهُنَّ يَحْتَرِزْنَ عَنْ ذَلِكَ مَخافَةَ اللَّوْمِ؛ والقَطِيعَةِ؛ وإمّا لِلْأزْواجِ؛ حَيْثُ كانُوا يَعْضُلُونَ مُطَلَّقاتِهِمْ؛ ولا يَدَعُونَهُنَّ يَتَزَوَّجْنَ؛ ظُلْمًا وقَسْرًا؛ لِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ وإمّا لِلنّاسِ كافَّةً؛ فَإنَّ إسْنادَ ما فَعَلَهُ واحِدٌ مِنهم إلى الجَمِيعِ شائِعٌ؛ مُسْتَفِيضٌ؛ والمَعْنى: إذا وُجِدَ فِيكم طَلاقٌ فَلا يَقَعْ فِيما بَيْنَكم عَضْلٌ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ الأوْلِياءِ؛ أوْ مِن جِهَةِ الأزْواجِ؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِأمْرِ العَضْلِ؛ وتَحْذِيرٌ مِنهُ؛ وإيذانٌ بِأنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ؛ وهم ساكِتُونَ عَنْهُ؛ بِمَنزِلَةِ صُدُورِهِ عَنِ الكُلِّ في اسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ؛ وسَرايَةِ الغائِلَةِ؛ ﴿أنْ يَنْكِحْنَ﴾؛ أيْ: مِن أنْ يَنْكِحْنَ؛ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ والفَرّاءِ؛ والجَرُّ؛ عِنْدَ الخَلِيلِ؛ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ؛ وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "تَعْضُلُوهُنَّ"؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ النِّكاحِ بِعِبارَتِهِنَّ؛ ﴿أزْواجَهُنَّ﴾؛ إنْ أُرِيدَ بِهِمُ المُطَلِّقُونَ؛ فالزَّوْجِيَّةُ إمّا بِاعْتِبارِ ما كانَ؛ وإمّا بِاعْتِبارِ ما يَكُونُ؛ وإلّا فَبِالِاعْتِبارِ الأخِيرِ؛ ﴿إذا تَراضَوْا﴾: ظَرْفٌ لِـ "لا تَعْضُلُوا"؛ وصِيغَةُ التَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى النِّساءِ؛ والتَّقْيِيدُ بِهِ لِأنَّهُ المُعْتادُ؛ لا لِتَجْوِيزِ المَنعِ؛ قَبْلَ تَمامِ التَّراضِي؛ وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ "أنْ يَنْكِحْنَ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظَرْفٌ لِلتَّراضِي؛ مُفِيدٌ لِرُسُوخِهِ؛ واسْتِحْكامِهِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ الجَمِيلِ عِنْدَ الشَّرْعِ؛ المُسْتَحْسَنِ عِنْدَ النّاسِ؛ والباءُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ "تَراضَوْا"؛ أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَراضِيًا كائِنًا بِالمَعْرُوفِ؛ وإمّا بِـ "تَراضَوْا"؛ أيْ: يَتَراضَوْا بِما يَحْسُنُ في الدِّينِ؛ والمُرُوءَةِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المَنعَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ كُفُؤٍ؛ أوْ بِما دُونَ مَهْرِ المِثْلِ؛ لَيْسَ مِن بابِ العَضْلِ.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ مِنَ الأحْكامِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ؛ والخِطابُ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ كَما فِيما بَعْدَهُ؛ والتَّوْحِيدُ إمّا بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ وإمّا بِتَأْوِيلِ القَبِيلِ؛ والفَرِيقِ؛ وإمّا لِأنَّ الكافَ لِمُجَرَّدِ الخِطابِ؛ والفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ؛ والمُنْقَضِي؛ دُونَ تَعْيِينِ المُخاطَبِينَ؛ أوْ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ المُشارِ إلَيْهِ أمْرٌ لا يَكادُ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ؛ ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ فَيُسارِعُ إلى الِامْتِثالِ بِأوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ إجْلالًا لَهُ؛ وخَوْفًا مِن عِقابِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): (p-230)﴿مِنكُمْ﴾: إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ "كانَ"؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ عَمَلَها في الظُّرُوفِ؛ وشِبْهِها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ "يُؤْمِنُ"؛ أيْ: كائِنًا مِنكُمْ؛ ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ أيْ: الِاتِّعاظُ بِهِ؛ والعَمَلُ بِمُقْتَضاهُ؛ ﴿أزْكى لَكُمْ﴾؛ أيْ: أنْمى؛ وأنْفَعُ؛ ﴿وَأطْهَرُ﴾؛ مِن أدْناسِ الآثامِ؛ وأوْضارِ الذُّنُوبِ؛ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾؛ ما فِيهِ مِنَ الزَّكاءِ؛ والطُّهْرِ؛ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ ذَلِكَ؛ أوْ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ أُمُورِكم مِنَ الأحْكامِ؛ والشَّرائِعِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما بَيَّنَهُ هَهُنا؛ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَها؛ فَدَعُوا رَأْيَكُمْ؛ وامْتَثِلُوا بِأمْرِهِ (تَعالى)؛ ونَهْيِهِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ؛ وما تَذَرُونَ.
البقرة 2:233
﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأوْلادِهِنَّ خُصُوصًا؛ واشْتِراكًا؛ وهو أمْرٌ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الخَبَرِ؛ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ؛ ومَعْناهُ: النَّدْبُ؛ أوِ الوُجُوبُ؛ إنْ خُصَّ بِمادَّةِ عَدَمِ قَبُولِ الصَّبِيِّ ثَدْيَ الغَيْرِ؛ أوْ فِقْدانِ الظِّئْرِ؛ أوْ عَجْزِ الوالِدِ عَنْ الِاسْتِئْجارِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُنَّ بِالعُنْوانِ المَذْكُورِ لِهَزِّ عَطْفِهِنَّ نَحْوَ أوْلادِهِنَّ؛ والحُكْمُ عامٌّ لِلْمُطَلَّقاتِ؛ وغَيْرِهِنَّ؛ وقِيلَ: خاصٌّ بِهِنَّ؛ إذِ الكَلامُ فِيهِنَّ؛ ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾؛ التَّأْكِيدُ بِصِفَةِ الكَمالِ لِبَيانِ أنَّ التَّقْدِيرَ تَحْقِيقِيٌّ؛ لا تَقْرِيبِيٌّ؛ مَبْنِيٌّ عَلى المُسامَحَةِ المُعْتادَةِ؛ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾: بَيانٌ لِمَن يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُكْمُ؛ أيْ: ذَلِكَ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَّضاعَةِ؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ النَّقْصِ؛ وقِيلَ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُرْضِعْنَ"؛ فَإنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإرْضاعُ؛ كالنَّفَقَةِ؛ والأُمُّ تُرْضِعُ لَهُ؛ كَما يُقالُ: "أرْضَعَتْ فُلانَةُ لِفُلانٍ ولَدَهُ"؛ ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾؛ أيْ: الوالِدِ؛ فَإنَّ الوَلَدَ يُولَدُ لَهُ؛ ويُنْسَبُ إلَيْهِ؛ وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلْإشارَةِ إلى المَعْنى المُقْتَضِي لِوُجُوبِ الإرْضاعِ؛ ومُؤْنَةِ المُرْضِعَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾؛ أُجْرَةً لَهُنَّ؛ واخْتُلِفَ في اسْتِئْجارِ الأُمِّ؛ وهو غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَنا؛ ما دامَتْ في النِّكاحِ؛ أوِ العِدَّةِ؛ جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ حَسْبَما يَراهُ الحاكِمُ؛ ويَفِي بِهِ وُسْعَهُ؛ ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾: تَعْلِيلٌ لِإيجابِ المُؤَنِ بِالمَعْرُوفِ؛ أوْ تَفْسِيرٌ لِلْمَعْرُوفِ؛ وهو نَصٌّ عَلى أنَّهُ (تَعالى) لا يُكَلِّفُ العَبْدَ ما لا يُطِيقُهُ؛ وذَلِكَ لا يُنافِي إمْكانَهُ.
﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾: تَفْصِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ وتَقْرِيرٌ لَهُ؛ أيْ: لا يُكَلِّفْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ ما لا يُطِيقُهُ؛ ولا يُضارَّهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ؛ وقُرِئَ: "لا تُضارُّ" بِالرَّفْعِ؛ بَدَلًا مِن "تُكَلَّفُ"؛ وأصْلُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ: "لا تُضارِرْ"؛ بِالكَسْرِ؛ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ وبِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "تَضُرَّ"؛ والباءُ مِن صِلَتِهِ؛ أيْ: لا يَضُرَّ الوالِدانِ بِالوَلَدِ؛ فَيُفَرَّطَ في تَعَهُّدِهِ؛ ويُقَصَّرَ فِيما يَنْبَغِي لَهُ؛ وقُرِئَ: "لا تُضارْ"؛ بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ؛ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ؛ وبِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ؛ عَلى أنَّهُ مِن "ضارَهُ؛ يَضِيرُهُ"؛ وإضافَةُ الوَلَدِ إلى كُلٍّ مِنهُما لِاسْتِعْطافِهِما إلَيْهِ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَتَّفِقا عَلى اسْتِصْلاحِهِ؛ ولا يَنْبَغِي أنْ يَضُرّا بِهِ؛ أوْ يَتَضارّا بِسَبَبِهِ؛ ﴿وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: (p-231)عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾؛ إلَخْ.. وما بَيْنَهُما تَعْلِيلٌ؛ أوْ تَفْسِيرٌ مُعْتَرِضٌ؛ والمُرادُ بِهِ وارِثُ الصَّبِيِّ؛ مِمَّنْ كانَ ذا رَحِمٍ؛ مَحْرَمٍ مِنهُ؛ وقِيلَ: عَصَباتُهُ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: "هُوَ وارِثُ الأبِ"؛ وهو الصَّبِيُّ؛ أيْ تُمْأنُ المُرْضِعَةُ مِن مالِهِ عِنْدَ مَوْتِ الأبِ؛ ولا نِزاعَ فِيهِ؛ وإنَّما الكَلامُ فِيما إذا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ مالٌ؛ وقِيلَ: الباقِي مِنَ الأبَوَيْنِ؛ مِن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا"؛» وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما وجَبَ عَلى الأبِ؛ مِنَ الرِّزْقِ؛ والكِسْوَةِ؛ ﴿فَإنْ أرادا﴾؛ أيِ الوالِدانِ؛ ﴿فِصالا﴾؛ أيْ: فِطامًا عَنِ الرَّضاعِ؛ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ؛ والتَّنْكِيرُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ فِصالٌ غَيْرُ مُعْتادٍ؛ ﴿عَنْ تَراضٍ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ أيْ: صادِرًا عَنْ تَراضٍ؛ ﴿مِنهُما﴾؛ أيْ: مِنَ الوالِدَيْنِ؛ لا مِن أحَدِهِما فَقَطْ؛ لِاحْتِمالِ إقْدامِهِ عَلى ما يَضُرُّ بِالوَلَدِ؛ بِأنْ تَمَلَّ المَرْأةُ الإرْضاعَ؛ ويَبْخَلَ الأبُ بِإعْطاءِ الأُجْرَةِ؛ ﴿وَتَشاوُرٍ﴾؛ في شَأْنِ الوَلَدِ؛ وتَفَحُّصٍ عَنْ أحْوالِهِ؛ وإجْماعٍ مِنهُما عَلى اسْتِحْقاقِهِ لِلْفِطامِ. و"التَّشاوُرُ": مِن "المَشُورَةُ"؛ وهي اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ؛ مِن "شُرْتَ العَسَلَ"؛ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ؛ وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾؛ في ذَلِكَ؛ لِما أنَّ تَراضِيَهُما إنَّما يَكُونُ بَعْدَ اسْتِقْرارِ رَأْيِهِما؛ أوِ اجْتِهادِهِما عَلى أنَّ صَلاحَ الوَلَدِ في الفِطامِ؛ وقَلَّما يَتَّفِقانِ عَلى الخَطَإ؛ ﴿وَإنْ أرَدْتُمْ﴾: بَيانٌ لِحُكْمِ عَدَمِ اتِّفاقِهِما عَلى الفِطامِ؛ والِالتِفاتُ إلى خِطابِ الآباءِ لِهَزِّهِمْ إلى الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ؛ ﴿أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾؛ بِحَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ؛ اسْتِغْناءً عَنْهُ؛ أيْ: أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ لِأوْلادِكُمْ؛ يُقالُ: "أرْضَعَتِ المَرْأةُ الصَّبِيَّ"؛ و"اسْتَرْضَعْتُها إيّاهُ"؛ وقِيلَ: إنَّما يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ؛ يُقالُ: "اسْتَرْضَعْتُ المَرْأةَ لِلصَّبِيِّ"؛ أيْ: أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ لِأوْلادِكُمْ؛ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ أيْضًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذا كالُوهُمْ﴾؛ أيْ: كالُوا لَهُمْ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: في الِاسْتِرْضاعِ؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِلْوَلَدِ؛ ويَمْنَعَ الأُمَّ مِنَ الإرْضاعِ؛ ﴿إذا سَلَّمْتُمْ﴾؛ أيْ: إلى المَراضِعِ؛ ﴿ما آتَيْتُمْ﴾؛ أيْ: ما أرَدْتُمْ إيتاءَهُ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ وقُرِئَ: "ما أتَيْتُمْ"؛ مِن "أتى إلَيْهِ إحْسانًا"؛ إذا فَعَلَهُ؛ وقُرِئَ: "ما أُوتِيتُمْ"؛ أيْ: مِن جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾؛ وفِيهِ مَزِيدُ بَعْثٍ لَهم إلى التَّسْلِيمِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "سَلَّمْتُمْ"؛ أيْ: بِالوَجْهِ المُتَعارَفِ؛ المُسْتَحْسَنِ؛ شَرْعًا؛ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ؛ ولَيْسَ التَّسْلِيمُ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ؛ والجَوازِ؛ بَلْ هو نَدْبٌ إلى ما هُو الألْيَقُ؛ والأوْلى؛ فَإنَّ المَراضِعَ إذا أُعْطِينَ ما قُدِّرَ لَهُنَّ ناجِزًا؛ يَدًا بِيَدٍ؛ كانَ ذَلِكَ أدْخَلَ في اسْتِصْلاحِ شُئُونِ الأطْفالِ؛ ﴿؛ واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في شَأْنِ مُراعاةِ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؛ والتَّهْدِيدِ؛ ما لا يَخْفى.
البقرة 2:234
﴿والَّذِينَ﴾: عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: وأزْواجُ الَّذِينَ؛ ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: تُقْبَضُ أرْواحُهم بِالمَوْتِ؛ فَإنَّ "التَّوَفِّي" هُوَ: "القَبْضُ"؛ يُقالُ: "تَوَفَّيْتُ مالِي مِن فُلانٍ"؛ و"اسْتَوْفَيْتُهُ مِنهُ"؛ أيْ: أخَذْتُهُ؛ وقَبَضْتُهُ؛ والخِطابُ لِكافَّةِ النّاسِ؛ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ؛ ﴿وَيَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾؛ أوْ عَلى حَذْفِ العائِدِ إلى المُبْتَدَإ في الخَبَرِ؛ (p-232)أيْ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهُمْ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ"؛ أيْ: "مَنَوانِ مِنهُ"؛ وقُرِئَ: "يَتَوَفَّوْنَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: يَسْتَوْفُونَ آجالَهُمْ؛ وتَأْنِيثُ العَشْرِ بِاعْتِبارِ اللَّيالِي؛ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ والأيّامِ؛ ولِذَلِكَ تَراهم لا يَكادُونَ يَسْتَعْمِلُونَ التَّذْكِيرَ في مِثْلِهِ أصْلًا؛ حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ: "صُمْتُ عَشْرًا"؛ ومِنَ البَيِّنِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾؛ ثُمَّ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾؛ ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الجَنِينَ إذا كانَ ذَكَرًا يَتَحَرَّكُ غالِبًا لِثَلاثَةِ أشْهُرٍ؛ وإنْ كانَ أُنْثى يَتَحَرَّكُ لِأرْبَعَةٍ؛ فاعْتُبِرَ أقْصى الأجَلَيْنِ؛ وزِيدَ عَلَيْهِ العَشْرُ اسْتِظْهارًا؛ إذْ رُبَّما تَضْعُفُ الحَرَكَةُ؛ فَلا يُحَسُّ بِها؛ وعُمُومُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي تَساوِي المُسْلِمَةِ؛ والكِتابِيَّةِ؛ والحُرَّةِ؛ والأمَةِ؛ في هَذا الحُكْمِ؛ ولَكِنَّ القِياسَ اقْتَضى التَّنْصِيفَ في الأمَةِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ﴾؛ خَصَّ الحامِلَ مِنهُ؛ وعَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أنَّها تَعْتَدُّ بِأبْعَدِ الأجَلَيْنِ احْتِياطًا؛ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾؛ أيْ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيُّها الحُكّامُ؛ والمُسْلِمُونَ جَمِيعًا؛ ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾؛ مِنَ التَّزَيُّنِ؛ والتَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ؛ وسائِرِ ما حُرِّمَ عَلى المُعْتَدَّةِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُنَّ لَوْ فَعَلْنَ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَكُفُّوهُنَّ عَنْ ذَلِكَ؛ وإلّا فَعَلَيْهِمُ الجُناحُ؛ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ فَلا تَعْمَلُوا خِلافَ ما أُمِرْتُمْ بِهِ.
البقرة 2:235
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾: خِطابٌ لِلْكُلِّ؛ ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾: "التَّعْرِيضُ"؛ و"التَّلْوِيحُ": إبْهامُ المَقْصُودِ؛ بِما لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَقِيقَةً؛ ولا مَجازًا؛ كَقَوْلِ السّائِلِ: "جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ"؛ وأصْلُهُ إمالَةُ الكَلامِ عَنْ نَهْجِهِ إلى عُرْضٍ مِنهُ؛ أيْ: جانِبٍ؛ والكِنايَةُ هي الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ؛ ورَوادِفِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "طَوِيلُ النِّجادِ"؛ لِلطَّوِيلِ؛ و"كَثِيرُ الرَّمادِ"؛ لِلْمِضْيافِ؛ ﴿مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾؛ "الخِطْبَةُ"؛ بِالكَسْرِ؛ كَـ "القِعْدَةُ"؛ و"الجِلْسَةُ"؛ ما يَفْعَلُهُ الخاطِبُ مِنَ الطَّلَبِ؛ والِاسْتِلْطافِ بِالقَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ فَقِيلَ: هي مَأْخُوذَةٌ مِن "الخَطْبُ"؛ أيْ: الشَّأْنُ الَّذِي لَهُ خَطَرٌ؛ لِما أنَّها شَأْنٌ مِنَ الشُّؤُونِ؛ ونَوْعٌ مِنَ الخُطُوبِ؛ وقِيلَ: مِن "الخِطابُ"؛ لِأنَّها نَوْعُ مُخاطَبَةٍ؛ تَجْرِي بَيْنَ جانِبِ الرَّجُلِ؛ وجانِبِ المَرْأةِ؛ والمُرادُ بِالنِّساءِ: المُعْتَدّاتُ لِلْوَفاةِ؛ والتَّعْرِيضُ لِخِطْبَتِهِنَّ أنْ يَقُولَ لَها: "إنَّكِ لَجَمِيلَةٌ"؛ أوْ "صالِحَةٌ"؛ أوْ "نافِعَةٌ"؛ و"مِن غَرَضِي أنْ أتَزَوَّجَ"؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ مِمّا يُوهِمُ أنَّهُ يُرِيدُ نِكاحَها؛ حَتّى تَحْبِسَ نَفْسَها عَلَيْهِ إنْ رَغِبَتْ فِيهِ؛ ولا يُصَرِّحْ بِالنِّكاحِ؛ ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: أضْمَرْتُمْ في قُلُوبِكُمْ؛ فَلَمْ تَذْكُرُوهُ تَصْرِيحًا؛ ولا تَعْرِيضًا؛ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ ولا تَصْبِرُونَ عَلى السُّكُوتِ عَنْهُنَّ؛ وعَنْ إظْهارِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ؛ وفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ لَهم عَلى قِلَّةِ التَّثَبُّتِ؛ ﴿وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: اسْتِدْراكٌ عَنْ مَحْذُوفٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ "سَتَذْكُرُونَهُنَّ"؛ أيْ: فاذْكُرُوهُنَّ؛ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ نِكاحًا؛ بَلِ اكْتَفُوا بِما رُخِّصَ لَكم مِنَ التَّعْرِيضِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنِ النِّكاحِ بِالسِّرِّ لِأنَّ مُسَبِّبَهُ - الَّذِي هو الوَطْءُ - مِمّا يُسَرُّ بِهِ؛ وإيثارُهُ عَلى اسْمِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُسَرَّ بِهِ؛ ويُكْتَمَ؛ وحَمْلُهُ عَلى الوَطْءِ رُبَّما يُوهِمُ الرُّخْصَةَ في المَحْظُورِ؛ الَّذِي هو التَّصْرِيحُ بِالنِّكاحِ؛ وقِيلَ: انْتِصابُ "سِرًّا" عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ في السِّرِّ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ (p-233)المُواعَدَةُ بِما يُسْتَهْجَنُ؛ وفِيهِ ما فِيهِ؛ ﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّهْيُ؛ أيْ: لا تَواعِدُوهُنَّ مُواعَدَةً ما؛ إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً؛ غَيْرَ مُنْكَرَةٍ شَرْعًا؛ وهي ما يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ؛ والتَّلْوِيحِ؛ أوْ: إلّا مُواعَدَةً بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ؛ أوْ: لا تُواعِدُوهُنَّ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِأنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ مِن "سِرًّا"؛ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأدائِهِ إلى جَعْلِ التَّعْرِيضِ مَوْعُودًا؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾؛ مِن "عَزَمَ الأمْرَ"؛ إذا قَصَدَهُ قَصْدًا جازِمًا؛ وحَقِيقَتُهُ: القَطْعُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: « "لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَعْزِمِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ"؛» ورُوِيَ: « "لِمَن لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيامَ"؛» والنَّهْيُ عَنْهُ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ مُباشَرَةِ عَقْدِ النِّكاحِ؛ أيْ: لا تَعْزِمُوا عَقْدَ عُقْدَةِ النِّكاحِ؛ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾؛ أيْ: العِدَّةُ المَكْتُوبَةُ؛ المَفْرُوضَةُ؛ آخِرَها؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ؛ أيْ: لا تُبْرِمُوها؛ ولا تُلْزِمُوها؛ ولا تُقْدِمُوا عَلَيْها؛ فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ نَفْسِ الفِعْلِ؛ لا عَنْ قَصْدِهِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾؛ مِن ذَواتِ الصُّدُورِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَزْمُ عَلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ؛ ﴿فاحْذَرُوهُ﴾؛ بِالِاجْتِنابِ عَنِ العَزْمِ ابْتِداءً؛ أوْ إقْلاعًا عَنْهُ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾؛ يَغْفِرُ لِمَن يُقْلِعُ عَنْ عَزْمِهِ؛ خَشْيَةً مِنهُ (تَعالى)؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ؛ فَلا تَسْتَدِلُّوا بِتَأْخِيرِها عَلى أنَّ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ العَزْمِ لَيْسَ مِمّا يَسْتَتْبِعُ المُؤاخَذَةَ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
البقرة 2:236
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ؛ وهو الأظْهَرُ؛ وقِيلَ: مِن وِزْرٍ؛ إذْ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ؛ وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ النَّهْيَ عَنِ الطَّلاقِ؛ فَظُنَّ أنَّ فِيهِ جُناحًا؛ فَنُفِيَ ذَلِكَ؛ ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أيْ: ما لَمْ تُجامِعُوهُنَّ؛ وقُرِئَ: "تُماسُّوهُنَّ"؛ بِضَمِّ التّاءِ؛ في جَمِيعِ المَواقِعِ؛ أيْ: مُدَّةَ عَدَمِ مَساسِكم إيّاهُنَّ؛ عَلى أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ ظَرْفِيَّةٌ؛ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ ونَقَلَ أبُو البَقاءِ أنَّها شَرْطِيَّةٌ؛ بِمَعْنى "إنْ"؛ فَيَكُونُ مِن بابِ اعْتِراضِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ؛ فَيَكُونُ الثّانِي قَيْدًا لِلْأوَّلِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "إنْ تَأْتِنِي إنْ تُحْسِنْ إلَيَّ أُكْرِمْكَ"؛ أيْ: إنْ تَأْتِنِي مُحْسِنًا إلَيَّ؛ والمَعْنى: إنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ غَيْرَ ماسِّينَ لَهُنَّ؛ وهَذا المَعْنى أقْعَدُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِما أنَّ "ما" الظَّرْفِيَّةَ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُها فِيما إذا كانَ المَظْرُوفُ أمْرًا مُمْتَدًّا؛ مُنْطَبِقًا عَلى ما أُضِيفَ إلَيْها مِنَ المُدَّةِ؛ أوِ الزَّمانِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ ولا يَخْفى أنَّ التَّطْلِيقَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وتَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِنَفْيِ الجُناحِ رُبَّما يُوهِمُ إمْكانَ المَسِيسِ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ فالوَجْهُ أنْ يُقَدَّرَ الحالُ مَكانَ الزَّمانِ؛ والمُدَّةِ؛ ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾؛ أيْ: إلّا أنْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ؛ أوْ: حَتّى تَفْرِضُوا لَهُنَّ عِنْدَ العَقْدِ مَهْرًا؛ عَلى أنَّ "فَرِيضَةً": "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"؛ والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ؛ وانْتِصابُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ صِيغَةً؛ وإعْرابًا؛ والمَعْنى أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ بِمُطالَبَةِ المَهْرِ أصْلًا؛ إذا كانَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ؛ عَلى كُلِّ حالٍ؛ إلّا في حالِ تَسْمِيَةِ المَهْرِ؛ فَإنَّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نِصْفَ المُسَمّى. وفي حالِ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ عَلَيْهِ المُتْعَةُ؛ نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ؛ وأمّا إذا كانَ بَعْدَ المِساسِ فَعَلَيْهِ في صُورَةِ التَّسْمِيَةِ تَمامُ المُسَمّى؛ وفي صُورَةِ عَدَمِها تَمامُ مَهْرِ المِثْلِ؛ وقِيلَ: كَلِمَةُ "أوْ" عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى (p-234)ما قَبْلَها مِنَ الفِعْلِ المَجْزُومِ؛ عَلى مَعْنى: ما لَمْ يَكُنْ مِنكم مَسِيسٌ؛ ولا فَرْضُ مَهْرٍ؛ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ؛ ومَتِّعُوهُنَّ؛ والحِكْمَةُ في إيجابِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ؛ وهِيَ: دِرْعٌ؛ ومِلْحَفَةٌ؛ وخِمارٌ؛ عَلى حَسَبِ الحالِ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ أيْ: ما يَلِيقُ بِحالِ كُلٍّ مِنهُما؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الدّالِ؛ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مُبَيِّنَةٌ لِمِقْدارِ المُتْعَةِ؛ بِالنَّظَرِ إلى حالِ المُطَلِّقِ؛ إيسارًا؛ وإقْتارًا؛ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ "مَتِّعُوهُنَّ"؛ بِحَذْفِ الرّابِطِ؛ أيْ: عَلى المُوسِعِ مِنكم.. إلَخْ.. أوْ عَلى جَعْلِ الألِفِ واللّامِ عِوَضًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ؛ أيْ: عَلى مُوسِعِكم.. إلَخْ.. وهَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَهْرُ مِثْلِها أقَلَّ مِن ذَلِكَ؛ فَإنْ كانَ أقَلَّ فَلَها الأقَلُّ مِن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ؛ ومِنَ المُتْعَةِ؛ ولا يَنْقُصُ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ؛ ﴿مَتاعًا﴾؛ أيْ: تَمْتِيعًا؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: بِالوَجْهِ الَّذِي تَسْتَحْسِنُهُ الشَّرِيعَةُ؛ والمُرُوءَةُ؛ ﴿حَقًّا﴾؛ صِفَةٌ لِـ "مَتاعًا"؛ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا؛ ﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إلى أنْفُسِهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ؛ أوْ إلى المُطَلَّقاتِ؛ بِالتَّمْتِيعِ بِالمَعْرُوفِ؛ وإنَّما سُمُّوا "مُحْسِنِينَ" اعْتِبارًا لِلْمُشارَكَةِ؛ وتَرْغِيبًا؛ وتَحْرِيضًا.
البقرة 2:237
﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾؛ قَبْلَ ذَلِكَ؛ ﴿فَرِيضَةً﴾؛ أيْ: وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ المَسِيسِ؛ حالَ كَوْنِكم مُسَمِّينَ لَهُنَّ فِيما سَبَقَ؛ أيْ: عِنْدَ النِّكاحِ مَهْرًا؛ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن فاعِلِ "طَلَّقْتُمُوهُنَّ"؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ؛ لِتَحْقِيقِ الرّابِطِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما؛ ونَفْسُ الفَرْضِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ؛ أوْ لِلْمَفْعُولِ؛ وإنْ لَمْ يُقارَنْ حالَةَ التَّطْلِيقِ؛ لَكِنَّ اتِّصافَ المُطَلِّقِ بِالفارِضِيَّةِ فِيما سَبَقَ مِمّا لا رَيْبَ في مُقارَنَتِهِ لَها؛ وكَذا الحالُ في اتِّصافِ المُطَلَّقَةِ بِكَوْنِها مَفْرُوضًا لَها فِيما سَبَقَ؛
﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾: أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ ما سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ المَهْرِ؛ أوْ: فالواجِبُ عَلَيْكم ذَلِكَ؛ وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَنفِيَّ في الصُّورَةِ السّابِقَةِ إنَّما هو تَبِعَةُ المَهْرِ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: فَأدُّوا نِصْفَ ما فَرَضْتُمْ؛ ولَعَلَّ تَأْخِيرَ حُكْمِ التَّسْمِيَةِ؛ مَعَ أنَّها الأصْلُ في العَقْدِ؛ والأكْثَرُ في الوُقُوعِ؛ لِما أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ نَزَلَتْ في أنْصارِيٍّ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي حَنِيفَةَ؛ وكانَتْ مُفَوَّضَةً؛ فَطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ بِها؛ فَتَخاصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ لَهُ ﷺ عِنْدَ إظْهارِ أنْ لا شَيْءَ لَهُ -: « "مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ"؛» ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ المَفْرُوضِ مُعَيَّنًا في كُلِّ حالٍ؛ إلّا حالَ عَفْوِهِنَّ؛ فَإنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ؛ وظاهِرُ الصِّيغَةِ في نَفْسِها يَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ؛ والتَّأْنِيثَ؛ وإنَّما الفارِقُ في الِاعْتِبارِ؛ والتَّحْقِيقِ؛ فَإنَّ الواوَ في الأُولى ضَمِيرٌ؛ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ؛ وفي الثّانِيَةِ لامُ الفِعْلِ؛ والنُّونُ ضَمِيرٌ؛ والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِذَلِكَ؛ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ أنْ تَأْثِيرَهُ فِيما عُطِفَ عَلى مَحَلِّهِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ يَعْفُوَ﴾ بِالنَّصْبِ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الواوِ؛ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾؛ أيْ: يَتْرُكُ الزَّوْجُ؛ المالِكُ لِعَقْدِهِ؛ وحَلِّهِ؛ ما يَعُودُ إلَيْهِ مِن نِصْفِ المَهْرِ؛ الَّذِي ساقَهُ إلَيْها كامِلًا؛ عَلى ما هو المُعْتادُ؛ تَكَرُّمًا؛ فَإنَّ تَرْكَ حَقِّهِ عَلَيْها عَفْوٌ بِلا شُبْهَةٍ؛ أوْ سُمِّيَ ذَلِكَ عَفْوًا في صُورَةِ عَدَمِ السَّوْقِ؛ (p-235)مُشاكَلَةً؛ أوْ تَغْلِيبًا لِحالِ السَّوْقِ؛ عَلى حالِ عَدَمِهِ؛ فَمَرْجِعُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ إلى مَنعِ الزِّيادَةِ في المُسْتَثْنى مِنهُ؛ كَما أنَّهُ في الصُّورَةِ الأُولى إلى مَنعِ النُّقْصانِ فِيهِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ هَذا القَدْرُ زِيادَةً؛ ولا نُقْصانَ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ إلّا في حالِ عَفْوِهِنَّ؛ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَهُنَّ القَدْرُ المَذْكُورُ؛ بَلْ يَنْتَفِي ذَلِكَ؛ أوْ يَنْحَطُّ؛ أوْ في حالِ عَفْوِ الزَّوْجِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُنَّ الزِّيادَةُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ؛ هَذا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ؛ وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّ في صُورَةِ عَفْوِ الزَّوْجِ لا يُتَصَوَّرُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ؛ هَذا عِنْدَنا؛ وفي القَوْلِ القَدِيمِ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ المُرادَ عَفْوُ الوَلِيِّ؛ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكاحِ الصَّغِيرَةِ؛ وهو ظاهِرُ المَأْخَذِ؛ خَلا أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾؛ إلى آخِرِهِ.. فَإنَّ إسْقاطَ حَقِّ الصَّغِيرَةِ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْوى؛ وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً؛ وطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وأكْمَلَ لَها الصَّداقَ؛ وقالَ: "أنا أحَقُّ بِالعَفْوِ"؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ ﴿وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: لا تَتْرُكُوا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ؛ كالشَّيْءِ المَنسِيِّ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الواوِ؛ والخِطابِ في الفِعْلَيْنِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا؛ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ فَلا يَكادُ يُضَيِّعُ ما عَمِلْتُمْ مِنَ التَّفَضُّلِ؛ والإحْسانِ.
البقرة 2:238
﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾؛ أيْ: داوِمُوا عَلى أدائِها لِأوْقاتِها؛ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها؛ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ؛ المُفِيدَةُ لِلْمُبالَغَةِ؛ ولَعَلَّ الأمْرَ بِها في تَضاعِيفِ بَيانِ أحْكامِ الأزْواجِ؛ والأوْلادِ؛ قَبْلَ الإتْمامِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّها حَقِيقَةٌ بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها؛ والمُثابَرَةِ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِ اشْتِغالٍ عَنْها بِشَأْنِهِمْ؛ بَلْ بِشَأْنِ أنْفُسِهِمْ أيْضًا؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الأمْرُ بِها في حالَةِ الخَوْفِ؛ ولِذَلِكَ أمَرَ بِها في خِلالِ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ المُتَشابِكَةِ؛ الآخِذِ بَعْضُها بِحُجْزَةِ بَعْضٍ؛ ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ أيْ: المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَها؛ أوْ: الفُضْلى مِنها؛ وهي صَلاةُ العَصْرِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ -: « "شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى؛ صَلاةِ العَصْرِ؛ مَلَأ اللَّهُ (تَعالى) بُيُوتَهم نارًا"؛» وقالَ ﷺ: « "إنَّها الصَّلاةُ الَّتِي شُغِلَ عَنْها سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ"؛» وفَضْلُها لِكَثْرَةِ اشْتِغالِ النّاسِ في وقْتِها بِتِجاراتِهِمْ؛ ومَكاسِبِهِمْ؛ واجْتِماعِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ؛ ومَلائِكَةِ النَّهارِ حِينَئِذٍ؛ وقِيلَ: هي صَلاةُ الظُّهْرِ؛ لِأنَّها في وسَطِ النَّهارِ؛ وكانَتْ أشَقَّ الصَّلَواتِ عَلَيْهِمْ؛ لِما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُصَلِّيها بِالهاجِرَةِ؛ فَكانَتْ أفْضَلَها؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: « "أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها"؛» وقِيلَ: هي صَلاةُ الفَجْرِ؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ اللَّيْلِ؛ والنَّهارِ؛ والواقِعَةُ في الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما؛ ولِأنَّها مَشْهُودَةٌ؛ كَصَلاةِ العَصْرِ؛ وقِيلَ: هي صَلاةُ المَغْرِبِ؛ لِأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ مِن حَيْثُ العَدَدُ؛ ومِن حَيْثُ الوُقُوعُ بَيْنَ صَلاتَيِ النَّهارِ؛ واللَّيْلِ؛ ووَتْرُ النَّهارِ؛ ولا تُنْقَصُ في السَّفَرِ؛ وقِيلَ: هي صَلاةُ العِشاءِ؛ لِأنَّها بَيْنَ الجَهْرِيَّتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في طَرَفَيِ اللَّيْلِ؛ وعَنْ عائِشَةَ؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - «أنَّهُ ﷺ كانَ يَقْرَأُ: "والصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ"؛» فَتَكُونُ حِينَئِذٍ إحْدى الأرْبَعِ؛ قَدْ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ؛ مَعَ العَصْرِ؛ لِانْفِرادِها بِالفَضْلِ؛ وقُرِئَ: "وَعَلى الصَّلاةِ الوُسْطى"؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى المَدْحِ؛ وقُرِئَ: "الوُصْطى"؛ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: في الصَّلاةِ؛ ﴿قانِتِينَ﴾: ذاكِرِينَ لَهُ (تَعالى) في القِيامِ؛ لِأنَّ القُنُوتَ هو الذِّكْرُ فِيهِ؛ وقِيلَ: هو إكْمالُ الطّاعَةِ؛ وإتْمامُها بِغَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِن أرْكانِها؛ وقِيلَ: خاشِعِينَ؛ وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: المُرادُ بِهِ القُنُوتُ في الصُّبْحِ.
البقرة 2:239
(p-236)﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾: أيْ: مِن عَدُوٍّ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿فَرِجالا﴾: جَمْعُ "راجِلٌ"؛ كَـ "قِيامٌ"؛ و"قائِمٌ"؛ أوْ "رَجُلٌ"؛ بِمَعْنى "راجِلٌ"؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ؛ مَعَ التَّخْفِيفِ؛ وبِضَمِّها مَعَ التَّشْدِيدِ أيْضًا؛ وقُرِئَ: "فَرَجُلًا"؛ أيْ: "راجِلًا"؛ ﴿أوْ رُكْبانًا﴾: جَمْعُ "راكِبٌ"؛ أيْ: "فَصَلُّوا راجِلِينَ؛ أوْ راكِبِينَ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحالُ؛ ولا تُخِلُّوا بِها ما أمْكَنَ الوُقُوفُ في الجُمْلَةِ"؛ وقَدْ جَوَّزَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أداءَها حالَ المُسايَفَةِ أيْضًا؛ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾؛ بِزَوالِ الخَوْفِ؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: فَصَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِـ "الذِّكْرِ" لِأنَّهُ مُعْظَمُ أرْكانِها؛ ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ وصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ذِكْرًا كائِنًا؛ كَما عَلَّمَكُمْ؛ أيْ: كَتَعْلِيمِهِ إيّاكُمْ؛ ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ مِن كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ؛ والمُرادُ بِالتَّشْبِيهِ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ المُؤَدّاةُ مُوافِقَةً لِما عَلَّمَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وإيرادُها بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ؛ أوْ: اشْكُرُوا اللَّهَ (تَعالى)؛ شُكْرًا يُوازِي تَعْلِيمَهُ إيّاكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَهُ مِنَ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَيْفِيَّةُ إقامَةِ الصَّلاةِ حالَتَيِ الخَوْفِ؛ والأمْنِ؛ هَذا.. وفي إيرادِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى بِكَلِمَةِ "إنْ"؛ المُفِيدَةِ لِمَشْكُوكِيَّةِ وُقُوعِ الخَوْفِ؛ ونُدْرَتِهِ؛ وتَصْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ بِكَلِمَةِ "إذا"؛ المُنْبِئَةِ عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ الأمْنِ؛ وكَثْرَتِهِ؛ مَعَ الإيجازِ في جَوابِ الأُولى؛ والإطْنابِ في جَوابِ الثّانِيَةِ؛ المَبْنِيَّيْنِ عَلى تَنْزِيلِ مَقامِ وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ فِيهِما مَنزِلَةَ مَقامِ وُقُوعِ الأمْرِ؛ تَنْزِيلًا مُسْتَدْعِيًا لِإجْراءِ مُقْتَضى المَقامِ الأوَّلِ؛ في كُلٍّ مِنهُما مُجْرى مُقْتَضى المَقامِ الثّانِي؛ مِنَ الجَزالَةِ ولُطْفِ الِاعْتِبارِ ما فِيهِ؛ عِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ.
البقرة 2:240
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾: عَوْدٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُفَصَّلَةِ فِيما سَلَفَ؛ إثْرَ بَيانِ أحْكامٍ وُسِّطَتْ بَيْنَهُما؛ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ؛ ﴿وَصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾ أيْ: يُوصُونَ؛ أوْ: لِيُوصُوا؛ أوْ: كَتَبَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ وصِيَّةً؛ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةُ لِأزْواجِكُمْ"؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في المُبْتَدَإ؛ أوِ الخَبَرِ؛ أيْ: "حُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ"؛ أوْ: "والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أهْلُ وصِيَّةٍ لِأزْواجِهِمْ"؛ أوْ: "كُتِبَ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ"؛ أوْ: "عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ"؛ وقُرِئَ: "مَتاعٌ لِأزْواجِهِمْ"؛ بَدَلَ "وَصِيَّةً"؛ ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾: مَنصُوبٌ بِـ "يُوصُونَ"؛ إنْ أضْمَرْتَهُ؛ وإلّا فَبِـ "الوَصِيَّةِ"؛ أوْ: بِـ "مَتاعٌ"؛ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ؛ ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾: بَدَلٌ مِنهُ؛ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ كَما في قَوْلِكَ: "هَذا القَوْلُ غَيْرُ ما تَقُولُ"؛ أوْ حالٌ مِن "أزْواجِهِمْ"؛ أيْ: غَيْرَ مُخْرَجاتٍ؛ والمَعْنى: يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ الِاحْتِضارِ لِأزْواجِهِمْ بِأنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا؛ بِالنَّفَقَةِ؛ والسُّكْنى؛ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ الإسْلامِ؛ ثُمَّ نُسِخَتِ المُدَّةُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾؛ فَإنَّهُ؛ وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ؛ مُتَأخِّرٌ في النُّزُولِ؛ وسَقَطَتِ النَّفَقَةُ بِتَوْرِيثِها الرُّبُعَ؛ أوِ الثُّمُنَ؛ وكَذَلِكَ السُّكْنى عِنْدَنا؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ هي باقِيَةٌ؛ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾؛ عَنْ مَنزِلِ الأزْواجِ بِاخْتِيارِهِنَّ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيُّها الأئِمَّةُ؛ ﴿فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾؛ لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ؛ كالتَّزَيُّنِ؛ والتَّطَيُّبِ؛ وتَرْكِ الحِدادِ؛ والتَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَحْظُورَ إخْراجُها عِنْدَ إرادَةِ القَرارِ؛ ومُلازَمَةِ مَسْكَنِ الزَّوْجِ؛ والحِدادِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ (p-237)عَلَيْها ذَلِكَ؛ وأنَّها كانَتْ مُخَيَّرَةً بَيْنَ المُلازَمَةِ؛ مَعَ أخْذِ النَّفَقَةِ؛ وبَيْنَ الخُرُوجِ؛ مَعَ تَرْكِها؛ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾: غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ يُعاقِبُ مَن خالَفَهُ؛ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ يُراعِي في أحْكامِهِ مَصالِحَ عِبادِهِ.
البقرة 2:241
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ﴾: سَواءٌ كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ؛ أوْ لا؛ ﴿مَتاعٌ﴾ أيْ: مُطْلَقُ المُتْعَةِ؛ الشّامِلَةِ لِلْواجِبَةِ؛ والمُسْتَحَبَّةِ؛ وأوْجَبَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ وأبُو العالِيَةِ؛ والزُّهْرِيُّ لِلْكُلِّ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالمَتاعِ: نَفَقَةُ العِدَّةِ؛ وقِيلَ: اللّامُ لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ: غَيْرُ المَدْخُولِ بِهِنَّ؛ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ شَرْعًا؛ وعادَةً؛ ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: مِمّا لا يَنْبَغِي.
البقرة 2:242
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾؛ الدّالَّةَ عَلى أحْكامِهِ؛ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾؛ لِكَيْ تَفْهَمُوا ما فِيها؛ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها.
البقرة 2:243
﴿ألَمْ تَرَ﴾: تَقْرِيرٌ لِمَن سَمِعَ بِقِصَّتِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وأرْبابِ الأخْبارِ؛ وتَعْجِيبٌ مِن شَأْنِهِمُ البَدِيعِ؛ فَإنَّ سَماعَهم لَها بِمَنزِلَةِ الرُّؤْيَةِ النَّظَرِيَّةِ؛ أوِ العِلْمِيَّةِ؛ أوْ: لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ؛ إيذانًا بِأنَّ قِصَّتَهم مِنَ الشُّهْرَةِ؛ والشُّيُوعِ؛ بِحَيْثُ يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يُحْمَلَ عَلى الإقْرارِ بِرُؤْيَتِهِمْ؛ وسَماعِ قِصَّتِهِمْ؛ ويُعْجَبُ بِها؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُمْ؛ أوْ سَمِعَ بِقِصَّتِهِمْ؛ فَإنَّ هَذا الكَلامَ قَدْ جَرى مُجْرى المَثَلِ في مَقامِ التَّعْجِيبِ؛ لِما أنَّهُ شَبَّهَ حالَ غَيْرِ الرّائِي لِشَيْءٍ عَجِيبٍ؛ بِحالِ الرّائِي لَهُ؛ بِناءً عَلى ادِّعاءِ ظُهُورِ أمْرِهِ؛ وجَلائِهِ؛ بِحَيْثُ اسْتَوى في إدْراكِهِ الشّاهِدُ؛ والغائِبُ؛ ثُمَّ أُجْرِيَ الكَلامُ مَعَهُ كَما يُجْرى مَعَ الرّائِي؛ قَصْدًا إلى المُبالَغَةِ في شُهْرَتِهِ؛ وعَراقَتِهِ في التَّعَجُّبِ؛ وتَعْدِيَةُ الرُّؤْيَةِ بِـ "إلى" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بِمَعْنى الإبْصارِ؛ بِاعْتِبارِ مَعْنى النَّظَرِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها إدْراكًا قَلْبِيًّا؛ لِتَضْمِينِ مَعْنى الوُصُولِ؛ والِانْتِهاءِ؛ عَلى مَعْنى: "ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ؟"؛ ﴿وَهم أُلُوفٌ﴾؛ أيْ: أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ؛ قِيلَ: عَشْرَةُ آلافٍ؛ وقِيلَ: ثَلاثُونَ؛ وقِيلَ: سَبْعُونَ ألْفًا؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "خَرَجُوا"؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ؛ رُوِيَ أنَّ أهْلَ "داوَرْدانَ"؛ قَرْيَةٍ قَبْلَ "واسِطٍ"؛ وقَعَ فِيهِمُ الطّاعُونُ؛ فَخَرَجُوا مِنها هارِبِينَ؛ فَأماتَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ثُمَّ أحْياهُمْ؛ لِيَعْتَبِرُوا؛ ويَعْلَمُوا أنْ لا مَفَرَّ مِن حُكْمِ اللَّهِ - عَزَّ سُلْطانُهُ -؛ وقَضائِهِ؛ وقِيلَ: مَرَّ عَلَيْهِمْ حَزْقِيلُ؛ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ؛ وقَدْ عَرِيَتْ عِظامُهُمْ؛ وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهُمْ؛ فَلَوى شِدْقَيْهِ؛ وأصابِعَهُ؛ تَعَجُّبًا مِمّا رَأى مِن أمْرِهِمْ؛ فَأُوحِيَ إلَيْهِ: "نادِ فِيهِمْ: أنْ قُومُوا بِإذْنِ اللَّهِ"؛ فَنادى؛ فَإذا هم قِيامٌ؛ يَقُولُونَ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ؛ وبِحَمْدِكَ؛ لا إلَهَ إلّا أنْتَ"؛ وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ دَعاهم مَلِكُهم إلى الجِهادِ؛ فَهَرَبُوا؛ حَذَرًا مِنَ المَوْتِ؛ فَأماتَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) ثَمانِيَةَ أيّامٍ؛ ثُمَّ أحْياهُمْ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾: إمّا عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ (تَعالى) بِمَوْتِهِمْ دَفْعَةً؛ وإمّا تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ (تَعالى) إيّاهم مِيتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ في أقْرَبِ وقْتٍ؛ وأدْناهُ؛ وأسْرَعِ زَمانٍ؛ وأوْحاهُ؛ بِأمْرِ آمِرٍ مُطاعٍ؛ لِمَأْمُورٍ مُطِيعٍ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): (p-238)﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾: عَطْفٌ؛ إمّا عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فَماتُوا؛ ثُمَّ أحْياهُمْ؛ وإنَّما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِاسْتِحالَةِ تَخَلُّفِ مُرادِهِ (تَعالى) عَنْ إرادَتِهِ؛ وإمّا عَلى "قالَ"؛ لِما أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإماتَةِ؛ وفِيهِ تَشْجِيعٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ؛ والتَّعَرُّضِ لِأسْبابِ الشَّهادَةِ؛ وأنَّ المَوْتَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ؛ ولَمْ يَنْفَعْ مِنهُ المَفَرُّ؛ فَأوْلى أنْ يَكُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾؛ عَظِيمٍ؛ ﴿عَلى النّاسِ﴾؛ قاطِبَةً؛ أمّا أُولَئِكَ فَقَدْ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ؛ فَيَفُوزُوا بِالسَّعادَةِ العُظْمى؛ وأمّا الَّذِينَ سَمِعُوا قِصَّتَهم فَقَدْ هَداهم إلى مَسْلَكِ الِاعْتِبارِ؛ والِاسْتِبْصارِ؛ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَشْكُرُونَ فَضْلَهُ كَما يَنْبَغِي؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالشُّكْرِ الِاعْتِبارُ؛ والِاسْتِبْصارُ؛ وإظْهارُ النّاسِ في مَقامِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ.
البقرة 2:244
﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ يُعَيِّنُهُ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "فاشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قَصَّ عَلَيْكُمْ؛ وقاتِلُوا في سَبِيلِهِ؛ لِما عَلِمْتُمْ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ الحِمامِ؛ وأنَّ المُقَدَّرَ لا مَرَدَّ لَهُ؛ فَإنْ كانَ قَدْ حانَ الأجَلُ فَمَوْتٌ في سَبِيلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإلّا فَنَصْرٌ عَزِيزٌ؛ وثَوابٌ"؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾؛ يَسْمَعُ مَقالَةَ السّابِقِينَ؛ والمُتَخَلِّفِينَ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِما يُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِهِمْ؛ وهو مِن وراءِ الجَزاءِ؛ خَيْرًا؛ وشَرًّا؛ فَسارِعُوا إلى الِامْتِثالِ؛ واحْذَرُوا المُخالَفَةَ؛ والمُساهَلَةَ.
البقرة 2:245
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾: "مَن" اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ؛ و"ذا" خَبَرُهُ؛ والمَوْصُولُ صِفَةٌ لَهُ؛ أوْ بَدَلٌ مِنهُ؛ وإقْراضُ اللَّهِ (تَعالى) مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ العاجِلِ طَلَبًا لِلثَّوابِ الآجِلِ؛ والمُرادُ هَهُنا: إمّا الجِهادُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ بَذْلِ النَّفْسِ؛ والمالِ؛ في سَبِيلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ابْتِغاءً لِمَرْضاتِهِ؛ وإمّا مُطْلَقُ العَمَلِ الصّالِحِ؛ المُنْتَظِمُ لَهُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا؛ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: إقْراضًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ وطِيبِ النَّفْسِ؛ أوْ: مُقْرَضًا حَلالًا طَيِّبًا؛ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾؛ بِالنَّصْبِ؛ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ؛ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ فَإنَّهُ في مَعْنى "أيُقْرِضُهُ؟"؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: يُضاعِفُ أجْرَهُ؛ وجَزاءَهُ؛ جُعِلَ ذَلِكَ مُضاعَفَةً لَهُ بِناءً عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ بِالسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ؛ ظاهِرًا؛ وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ؛ وقُرِئَ: "فَيُضْعِفُهُ"؛ بِالرَّفْعِ؛ وبِالنَّصْبِ؛ ﴿أضْعافًا﴾: جَمْعُ "ضِعْفٌ"؛ ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ أوْ مَفْعُولٌ؛ بِأنْ تُضَمَّنَ "المُضاعَفَةُ" مَعْنى "التَّصْيِيرُ"؛ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ عَلى أنَّ الضَّعْفَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ؛ والجَمْعُ لِلتَّنْوِينِ؛ ﴿كَثِيرَةً﴾؛ لا يَعْلَمُ قَدْرَها إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ وقِيلَ: الواحِدُ بِسَبْعِمائَةٍ؛ ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾؛ أيْ: يُقَتِّرُ عَلى بَعْضٍ؛ ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ؛ أوْ: يُقَتِّرُ تارَةً؛ ويُوَسِّعُ أُخْرى؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ؛ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؛ فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكُمْ؛ كَيْ لا يُبَدِّلَ أحْوالَكُمْ؛ ولَعَلَّ تَأْخِيرَ البَسْطِ عَنِ القَبْضِ في الذِّكْرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّهُ يَعْقُبُهُ في الوُجُودِ؛ تَسْلِيَةً لِلْفُقَراءِ؛ وقُرِئَ: "يَبْصُطُ"؛ بِالصّادِ؛ لِمُجاوَرَةِ الطّاءِ؛ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ فَيُجازِيكم عَلى ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ؛ خَيْرًا؛ وشَرًّا.(p-239)
البقرة 2:246
﴿ألَمْ تَرَ﴾: تَقْرِيرٌ؛ وتَعْجِيبٌ؛ كَما سَبَقَ؛ قُطِعَ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في التَّعَجُّبِ؛ مَعَ أنَّ لَهُ مَزِيدَ ارْتِباطٍ بِما وُسِّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأمْرِ بِالقِتالِ؛ ﴿إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ المَلَأُ مِنَ القَوْمِ: وُجُوهُهُمْ؛ وأشْرافُهُمْ؛ وهو اسْمٌ لِلْجَماعَةِ؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ كَـ "الرَّهْطُ"؛ و"القَوْمُ"؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِما أنَّهم يَمْلَؤُونَ العُيُونَ مَهابَةً؛ والمُجالِسَ بَهاءً؛ أوْ لِأنَّهم مَلِيئُونَ بِما يُبْتَغى مِنهُمْ؛ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ و"مِن" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: ابْتِدائِيَّةٌ؛ وعامِلُها مُقَدَّرٌ؛ وقَعَ حالًا مِن "المَلَإ"؛ أيْ: كائِنِينَ بَعْضَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ مِن بَعْدِ وفاةِ مُوسى؛ ولا ضَيْرَ في اتِّحادِ الحَرْفَيْنِ لَفْظًا؛ عِنْدَ اخْتِلافِهِما مَعْنًى؛ ﴿إذْ قالُوا﴾: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ألَمْ تَرَ إلى قِصَّةِ المَلَإ؛ أوْ حَدِيثِهِمْ؛ حِينَ قالُوا: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾؛ هو يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ وقِيلَ: شَمْعُونُ بْنُ صَعْبَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ؛ مِن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ وقِيلَ: أشْمَوِيلُ بْنُ بالِ بْنِ عَلْقَمَةَ؛ وهو بِالعِبْرانِيَّةِ "إسْماعِيلُ"؛ قالَ مُقاتِلٌ: هو مِن نَسْلِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ مُجاهِدٌ: أشْمَوِيلُ بْنُ هِلْقايا؛ ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أنْهِضْ لِلْقِتالِ مَعَنا أمِيرًا؛ يُصْدِرُ في تَدْبِيرِ أمْرِ الحَرْبِ عَنْ رَأْيِهِ؛ وقُرِئَ: "نُقاتِلُ"؛ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ؛ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ وقُرِئَ: "يُقاتِلْ"؛ بِالياءِ؛ مَجْزُومًا؛ ومَرْفُوعًا؛ عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ؛ والوَصْفِ لِـ "مَلِكًا"؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾؛ فُصِلَ بَيْنَ "عَسى"؛ وخَبَرِهِ بِالشَّرْطِ؛ لِلِاعْتِناءِ بِهِ؛ أيْ: هَلْ قارَبْتُمْ ألّا تُقاتِلُوا؛ كَما أتَوَقَّعُهُ مِنكُمْ؟ والمُرادُ تَقْرِيرُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ؛ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ ما التَمَسُوهُ؛ بِأنْ قِيلَ: هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ بَعَثْتُ لَكم مَلِكًا.. إلَخْ.. مَعَ أنَّهُ أظْهَرَ تَعَلُّقًا بِكَلامِهِمْ؛ بَلْ ذَكَرَ كِتابَةَ القِتالِ عَلَيْهِمْ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ؛ فَإنَّهم إذا لَمْ يُقاتِلُوا عِنْدَ فَرْضِيَّةِ القِتالِ عَلَيْهِمْ بِإيجابِ اللَّهِ (تَعالى) فَلَأنْ لا يُقاتِلُوا عِنْدَ عَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ أوْلى؛ ولِأنَّ إيرادَ ما ذَكَرُوهُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ سَبَبَ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ القِتالِ هو المَبْعُوثُ؛ لا نَفْسُ القِتالِ؛ وقُرِئَ: "عَسِيتُمْ"؛ بِكَسْرِ السِّينِ؛ وهي ضَعِيفَةٌ؛ ﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَبَقَ؛ ﴿وَما لَنا ألا نُقاتِلَ﴾؛ أيْ: أيُّ سَبَبٍ لَنا في ألّا نُقاتِلَ؟ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ عَرَضَ لَنا ما يُوجِبُ القِتالَ إيجابًا قَوِيًّا؛ مِنَ الإخْراجِ عَنِ الدِّيارِ؛ والأوْطانِ؛ والِاغْتِرابِ مِنَ الأهْلِ؛ والأوْلادِ؛ وإفْرادُ الأبْناءِ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ تَقْوِيَةِ أسْبابِ القِتالِ؛ وذَلِكَ أنَّ جالُوتَ؛ رَأْسَ العَمالِقَةِ؛ ومَلِكَهُمْ؛ وهو جَبّارٌ مِن أوْلادِ عِمْلِيقَ بْنِ عادٍ؛ كانَ هو ومَن مَعَهُ؛ مِنَ العَمالِقَةِ؛ يَسْكُنُونَ ساحِلَ بَحْرِ الرُّومِ؛ بَيْنَ مِصْرَ؛ وفِلَسْطِينَ؛ وظَهَرُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأخَذُوا دِيارَهُمْ؛ وسَبَوْا أوْلادَهُمْ؛ وأسَرُوا مِن أبْناءِ مُلُوكِهِمْ أرْبَعَمائَةٍ (p-240)وَأرْبَعِينَ نَفْسًا؛ وضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ؛ وأخَذُوا تَوْراتَهُمْ؛ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾؛ بَعْدَ سُؤالِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ؛ وبَعْثِ المَلِكِ؛ ﴿تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: أعْرَضُوا؛ وتَخَلَّفُوا؛ لَكِنْ لا في ابْتِداءِ الأمْرِ؛ بَلْ بَعْدَ مُشاهَدَةِ كَثْرَةِ العَدُوِّ؛ وشَوْكَتِهِ؛ كَما سَيَجِيءُ تَفْصِيلُهُ؛ وإنَّما ذُكِرَ هَهُنا مَآلُ أمْرِهِمْ إجْمالًا؛ إظْهارًا لِما بَيْنَ قَوْلِهِمْ؛ وفِعْلِهِمْ مِنَ التَّنافِي؛ والتَّبايُنِ؛ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾؛ وهُمُ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِالغُرْفَةِ مِنَ النَّهْرِ؛ وجاوَزُوهُ؛ وهم ثُلْثُمائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ؛ بِعَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ؛ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: وعِيدٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ بِالتَّوَلِّي عَنِ القِتالِ؛ وتَرْكِ الجِهادِ؛ وتَنافِي أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.
البقرة 2:247
﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾: شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَيْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيْنَهُمْ؛ مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ إثْرَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى مَصِيرِ حالِهِمْ؛ أيْ: قالَ لَهم - بَعْدَما أُوحِيَ إلَيْهِ ما أُوحِيَ -: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾: "طالُوتُ": عَلَمٌ عِبْرِيٌّ؛ كَـ "داوُدُ"؛ وجَعْلُهُ "فَعْلُوتًا" مِن "الطُّولُ" يَأْباهُ مَنعُ صَرْفِهِ؛ و"مَلِكًا": حالٌ مِنهُ؛ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ لَهم مَلِكًا؛ أتى بِعَصًا يُقاسُ بِها مَن يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ؛ فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ؛ ﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ كَما مَرَّ؛ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾؛ أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ؛ أوْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ ﴿وَنَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾: الواوُ الأُولى حالِيَّةٌ؛ والثّانِيَةُ عاطِفَةٌ؛ جامِعَةٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ في الحُكْمِ؛ أيْ: كَيْفَ يُتَمَلَّكُ عَلَيْنا والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَّمَلُّكَ؛ لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ مِنهُ؛ ولِعَدَمِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المُلْكُ مِنَ المالِ؛ وسَبَبُ هَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّ النُّبُوَّةَ كانَتْ مَخْصُوصَةً بِسِبْطٍ مُعَيَّنٍ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهو سِبْطُ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وسِبْطُ المَمْلَكَةِ بِسِبْطِ يَهُوذا؛ ومِنهُ داوُدُ؛ وسُلَيْمانُ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ ولَمْ يَكُنْ طالُوتُ مِن أحَدِ هَذَيْنِ السِّبْطَيْنِ؛ بَلْ مِن ولَدِ بِنْيامِينَ؛ قِيلَ: كانَ راعِيًا؛ وقِيلَ: دَبّاغًا؛ وقِيلَ: سَقّاءً؛ ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ لَمّا اسْتَبْعَدُوا تَمَلُّكَهُ بِسُقُوطِ نَسَبِهِ؛ وبِفَقْرِهِ؛ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أوَّلًا بِأنَّ مِلاكَ الأمْرِ هو اصْطِفاءُ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَدِ اخْتارَهُ عَلَيْكُمْ؛ وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ مِنكُمْ؛ وثانِيًا بِأنَّ العُمْدَةَ فِيهِ وُفُورُ العِلْمِ؛ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ أُمُورِ السِّياسَةِ؛ وجَسامَةُ البَدَنِ؛ لِيَعْظُمَ خَطَرُهُ في القُلُوبِ؛ ويَقْدِرَ عَلى مُقاوَمَةِ الأعْداءِ؛ ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ؛ وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ (تَعالى) مِنهُما بِحَظٍّ وافِرٍ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ﴾؛ أيْ: العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالمُلْكِ؛ أوْ بِهِ؛ وبِالدِّياناتِ أيْضًا؛ وقِيلَ: قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ؛ ونُبِّئَ؛ ﴿والجِسْمِ﴾؛ قِيلَ: بِطُولِ القامَةِ؛ فَإنَّهُ كانَ أطْوَلَ مِن غَيْرِهِ بِرَأْسِهِ؛ ومَنكِبَيْهِ؛ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ القائِمَ كانَ يَمُدُّ يَدَهُ فَيَنالُ رَأْسَهُ؛ وقِيلَ: بِالجَمالِ؛ وقِيلَ: بِالقُوَّةِ؛ ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾؛ لِما أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ؛ والمَلَكُوتِ؛ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ؛ فَلَهُ أنْ يُؤْتِيَهُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾؛ يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ؛ ويُغْنِيهِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِمَن يَلِيقُ بِالمُلْكِ؛ مِمَّنْ لا يَلِيقُ بِهِ؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
البقرة 2:248
(p-241)﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾: تَوْسِيطُهُ فِيما بَيْنَ قَوْلَيْهِ المَحْكِيَّيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اتِّصالِ أحَدِهِما بِالآخَرِ؛ وتَخَلُّلِ كَلامٍ مِن جِهَةِ المُخاطَبِينَ مُتَفَرِّعٌ عَلى السّابِقِ؛ مُسْتَتْبِعٌ لِلّاحِقِ؛ كَأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّهُ (تَعالى) اصْطَفى طالُوتَ؛ ومَلَّكَهُ عَلَيْهِمْ؛ رُوِيَ أنَّهم قالُوا: ما آيَةُ مُلْكِهِ؟ فَقالَ: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾؛ أيْ: الصُّنْدُوقُ؛ وهو "فَعْلُوتٌ" مِن "التَّوْبُ"؛ الَّذِي هو الرُّجُوعُ؛ لِما أنَّهُ لا يَزالُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما يَخْرُجُ مِنهُ؛ وتاؤُهُ مَزِيدَةٌ لِغَيْرِ التَّأْنِيثِ؛ كَـ "مَلَكُوتٌ"؛ و"رَهَبُوتٌ"؛ والمَشْهُورُ أنْ يُوقَفَ عَلى تائِهِ مِن غَيْرِ أنْ تُقْلَبَ هاءً؛ ومِنهم مَن يَقْلِبُها إيّاها؛ والمُرادُ بِهِ: "صُنْدُوقُ التَّوْراةِ"؛ وكانَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ وفاةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ سُخْطًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لَمّا عَصَوْا؛ واعْتَدَوْا؛ فَلَمّا طَلَبَ القَوْمُ مِن نَبِيِّهِمْ آيَةً تَدُلُّ عَلى مُلْكِ طالُوتَ؛ قالَ لَهُمْ: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ مِنَ السَّماءِ؛ والمَلائِكَةُ يَحْفَظُونَهُ؛ فَأتاهم كَما وصَفَ؛ والقَوْمُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ؛ حَتّى نَزَلَ عِنْدَ طالُوتَ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وقالَ أرْبابُ الأخْبارِ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) أنْزَلَ عَلى آدَمَ تابُوتًا فِيهِ تَماثِيلُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ مِن أوْلادِهِ؛ وكانَ مِن عُودِ الشَّمْشادِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ؛ في ذِراعَيْنِ؛ فَكانَ عِنْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ إلى أنْ تُوُفِّيَ؛ فَتَوارَثَهُ أوْلادُهُ؛ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ؛ إلى أنْ وصَلَ إلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ثُمَّ بَقِيَ في أيْدِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ إلى أنْ وصَلَ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَكانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَضَعُ فِيهِ التَّوْراةَ؛ وكانَ إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ؛ فَكانَتْ تَسْكُنُ إلَيْهِ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكانَ عِنْدَهُ؛ إلى أنْ تُوُفِّيَ؛ ثُمَّ تَداوَلَتْهُ أيْدِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكانُوا إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ تَحاكَمُوا إلَيْهِ؛ فَيُكَلِّمُهُمْ؛ ويَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛ وكانُوا إذا حَضَرُوا القِتالَ يُقَدِّمُونَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ ويَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى عَدُوِّهِمْ؛ وكانَتِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ فَوْقَ العَسْكَرِ؛ ثُمَّ يُقاتِلُونَ العَدُوَّ؛ فَإذا سَمِعُوا مِنَ التّابُوتِ صَيْحَةً اسْتَيْقَنُوا النَّصْرَ؛ فَلَمّا عَصَوْا؛ وأفْسَدُوا سَلَّطَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمُ العَمالِقَةَ؛ فَغَلَبُوهم عَلى التّابُوتِ؛ وسَلَبُوهُ؛ وجَعَلُوهُ في مَوْضِعِ البَوْلِ؛ والغائِطِ؛ فَلَمّا أرادَ اللَّهُ (تَعالى) أنْ يُمَلِّكَ طالُوتَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ البَلاءَ؛ حَتّى إنَّ كُلَّ مَن بالَ عِنْدَهُ ابْتُلِيَ بِالبَواسِيرِ؛ وهَلَكَتْ مِن بِلادِهِمْ خَمْسُ مَدائِنَ؛ فَعَلِمَ الكُفّارُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ اسْتِهانَتِهِمْ بِالتّابُوتِ؛ فَأخْرَجُوهُ؛ وجَعَلُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ؛ فَأقْبَلَ الثَّوْرانِ يَسِيرانِ؛ وقَدْ وكَّلَ اللَّهُ (تَعالى) بِهِما أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ؛ يَسُوقُونَهُما حَتّى أتَوْا مَنزِلَ طالُوتَ؛ فَلَمّا سَألُوا نَبِيَّهُمُ البَيِّنَةَ عَلى مُلْكِ طالُوتَ؛ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنَّكم تَجِدُونَ التّابُوتَ في دارِهِ؛ فَلَمّا وجَدُوهُ عِنْدَهُ أيْقَنُوا بِمُلْكِهِ.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: في إتْيانِهِ سُكُونٌ لَكُمْ؛ وطُمَأْنِينَةٌ كائِنَةٌ مِن رَبِّكُمْ؛ أوْ: في التّابُوتِ ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ؛ وهو التَّوْراةُ؛ المُودَعَةُ فِيهِ؛ بِناءً عَلى ما مَرَّ مِن أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ؛ فَتَسْكُنُ إلَيْهِ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقِيلَ: السَّكِينَةُ صُورَةٌ كانَتْ فِيهِ؛ مِن زَبَرْجَدٍ؛ أوْ ياقُوتٍ؛ لَها رَأْسٌ وذَنَبٌ؛ كَرَأْسِ الهِرِّ؛ وذَنَبِهِ؛ وجَناحانِ؛ فَتَئِنُّ؛ فَيُزَفُّ التّابُوتُ نَحْوَ العَدُوِّ؛ وهم يَمْضُونَ مَعَهُ؛ فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتُوا؛ وسَكَنُوا؛ ونَزَلَ النَّصْرُ؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "كانَ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ؛ وفِيها رِيحٌ هَفّافَةٌ"؛ ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾: (p-242)هِيَ رُضاضُ الألْواحِ؛ وعَصا مُوسى؛ وثِيابُهُ؛ وشَيْءٌ مِنَ التَّوْراةِ؛ وكانَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ بَعْدَ وفاةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلُهُما: أبْناؤُهُما؛ أوْ: أنْفُسُهُما؛ والآلُ مُقْحَمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما؛ أوْ: أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾: حالٌ مِنَ التّابُوتِ؛ أيْ: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ إتْيانُهُ حالَ كَوْنِهِ مَحْمُولًا لِلْمَلائِكَةِ؛ وقَدْ مَرَّ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ؛ ولَعَلَّ حَمْلَ المَلائِكَةِ عَلى الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ عِبارَةٌ عَنْ سَوْقِهِمْ لِلثَّوْرَيْنِ الحامِلَيْنِ لَهُ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن شَأْنِ التّابُوتِ؛ فَهو مِن تَمامِ كَلامِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ؛ أوْ إلى نَقْلِ القِصَّةِ؛ وحِكايَتِها؛ فَهو ابْتِداءُ كَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ جِيءَ بِهِ قَبْلَ تَمامِ القِصَّةِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِهِ؛ وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ؛ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطَبِينَ؛ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ كَما سَلَفَ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ عَظِيمَةً؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ دالَّةً عَلى مُلْكِ طالُوتَ؛ أوْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ حَيْثُ أخْبَرَ بِهَذِهِ التَّفاصِيلِ؛ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِنَ البَشَرِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُصَدِّقِينَ بِتَمْلِيكِهِ عَلَيْكُمْ؛ أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ؛ و"إنْ": شَرْطِيَّةٌ؛ والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِما قَبْلَهُ؛ وقِيلَ: هي بِمَعْنى "إذْ".
البقرة 2:249
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾: أيْ: انْفَصَلَ بِهِمْ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ والأصْلُ: "فَصَلَ نَفْسَهُ"؛ ولَمّا اتَّحَدَ فاعِلُهُ؛ ومَفْعُولُهُ؛ شاعَ اسْتِعْمالُهُ مَحْذُوفَ المَفْعُولِ؛ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ القاصِرِ؛ كَـ "انْفَصَلَ"؛ وقِيلَ: "فَصَلَ؛ فُصُولًا"؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ أصْلًا بِرَأْسِهِ؛ مُمْتازًا مِنَ المُتَعَدِّي بِمَصْدَرِهِ؛ كَـ "وَقَفَ؛ وُقُوفًا"؛ و"وَقَفَهُ؛ وقْفًا"؛ وكَـ "صَدَّ؛ صُدُودًا"؛ و"صَدَّهُ؛ صَدًّا"؛ و"رَجَعَ؛ رُجُوعًا"؛ و"رَجَعَهُ؛ رَجْعًا"؛ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "طالُوتُ"؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِهِمْ؛ ومُصاحِبًا لَهُمْ؛ رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: "لا يَخْرُجْ مَعِي رَجُلٌ بَنى بِناءً لَمْ يَفْرُغْ مِنهُ؛ ولا تاجِرٌ مُشْتَغِلٌ بِالتِّجارَةِ؛ ولا مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأةٍ لَمْ يَبْنِ عَلَيْها؛ ولا أبْتَغِي إلّا الشّابَّ النَّشِيطَ؛ الفارِغَ؛ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَهُ ثَمانُونَ ألْفًا؛ وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا؛ وسَلَكُوا مَفازَةً؛ فَسَألُوا أنْ يُجْرِيَ اللَّهُ (تَعالى) لَهم نَهْرًا؛ فَبَعْدَما ظَهَرَ لَهُ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ (تَعالى) مِن جِهَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ بِطَرِيقِ الوَحْيِ؛ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِنُبُوَّتِهِ؛ ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾؛ بِفَتْحِ الهاءِ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِها؛ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾؛ أيْ: ابْتَدَأ شُرْبَهُ مِنَ النَّهْرِ؛ بِأنْ كَرَعَ؛ لِأنَّهُ الشُّرْبُ مِنهُ حَقِيقَةً؛ ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أيْ: مِن جُمْلَتِي؛ وأشْياعِي المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي؛ ومُتَّحِدٍ مَعِي؛ مِن قَوْلِهِمْ: "فُلانٌ مِنِّي"؛ كَأنَّهُ بَعْضُهُ؛ لِكَمالِ اخْتِلاطِهِما؛ ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾؛ أيْ: لَمْ يَذُقْهُ؛ مِن "طَعِمَ الشَّيْءَ"؛ إذا ذاقَهُ؛ مَأْكُولًا كانَ أوْ مَشْرُوبًا؛ أوْ غَيْرَهُما؛ قالَ:
؎ وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا
؛ أيْ: نَوْمًا؛ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ وإنَّما أُخِّرَ عَنِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِها؛ ومَعْناهُ: الرُّخْصَةُ في اغْتِرافِ الغُرْفَةِ بِاليَدِ؛ دُونَ الكُرُوعِ؛ و"الغُرْفَةُ": ما يُغْرَفُ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ؛ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ؛ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اغْتَرَفَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "غُرْفَةً"؛ أيْ: غُرْفَةً كائِنَةً بِيَدِهِ؛ يُرْوى أنَّ الغُرْفَةَ كانَتْ (p-243)تَكْفِي الرَّجُلَ لِشُرْبِهِ؛ وإداوَتِهِ؛ ودَوابِّهِ؛ وأمّا الَّذِينَ شَرِبُوا مِنهُ فَقَدِ اسْوَدَّتْ شِفاهُهُمْ؛ وغَلَبَهُمُ العَطَشُ؛ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فابْتُلُوا بِهِ؛ فَشَرِبُوا مِنهُ؛ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾؛ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ فِيما سَلَفَ؛ بِالِاسْتِثْناءِ مِنَ التَّوَلِّي؛ وقُرِئَ: "إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ"؛ مَيْلًا إلى جانِبِ المَعْنى؛ وضَرْبًا عَنْ عُدْوَةِ اللَّفْظِ جانِبًا؛ فَإنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾؛ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: "فَلَمْ يُطِيعُوهُ"؛ فَحُقَّ أنْ يَرِدَ المُسْتَثْنى مَرْفُوعًا؛ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎ وعَضَّ زَمانٌ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
فَإنَّ قَوْلَهُ "لَمْ يَدَعْ"؛ في حُكْمِ "لَمْ يَبْقَ"؛ ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾؛ أيْ: النَّهْرَ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: طالُوتُ؛ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المُؤَكَّدِ بِالمُنْفَصِلِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاوَزَ"؛ لا بِـ "آمَنُوا"؛ وقِيلَ: الواوُ حالِيَّةٌ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مِنَ المَوْصُولِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "فَلَمّا جاوَزَهُ والحالُ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كائِنُونَ مَعَهُ؛ وهم أُولَئِكَ القَلِيلُ"؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن عَداهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإيمانِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: بَعْضُ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِبَعْضٍ: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾؛ أيْ: بِمُحارَبَتِهِمْ؛ ومُقاوَمَتِهِمْ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَنا غَلَبَةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِما شاهَدُوا مِنهم مِنَ الكَثْرَةِ؛ والشِّدَّةِ؛ قِيلَ: كانُوا مِائَةَ ألْفِ مُقاتِلٍ شاكِي السِّلاحِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُخاطِبُهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾؛ قِيلَ: أيْ: الخُلَّصُ مِنهُمْ؛ الَّذِينَ يَتَيَقَّنُونَ لِقاءَ اللَّهِ (تَعالى) بِالبَعْثِ؛ ويَتَوَقَّعُونَ ثَوابَهُ؛ وإفْرادُهم بِذَلِكَ الوَصْفِ لا يُنافِي إيمانَ الباقِينَ؛ فَإنَّ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ في التَّيَقُّنِ؛ والتَّوَقُّعِ مُتَفاوِتَةٌ؛ أوْ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهم يُسْتَشْهَدُونَ عَمّا قَرِيبٍ فَيَلْقَوْنَ اللَّهَ (تَعالى)؛ وقِيلَ: المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً؛ والضَّمِيرُ في "قالُوا" لِلْمُنْخَذِلِينَ عَنْهُمْ؛ كَأنَّهم قالُوهُ اعْتِذارًا عَنِ التَّخَلُّفِ؛ والنَّهْرُ بَيْنَهُما؛ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾؛ أيْ: فِرْقَةٍ؛ وجَماعَةٍ مِنَ النّاسِ؛ مِن "فَأوْتُ رَأْسَهُ"؛ إذا شَقَقْتُها؛ أوْ مِن "فاءَ إلَيْهِ"؛ إذا رَجَعَ؛ فَوَزْنُها عَلى الأوَّلِ "فِعَةٌ"؛ وعَلى الثّانِي "فِلَةٌ"؛ ﴿قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾؛ و"كَمْ"؛ خَبَرِيَّةً كانَتْ أوِ اسْتِفْهامِيَّةً؛ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ؛ وهي في حَيِّزِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ؛ خَبَرُها "غَلَبَتْ"؛ أيْ: كَثِيرٌ مِنَ الفِئاتِ القَلِيلَةِ غَلَبَتِ الفِئاتِ الكَثِيرَةَ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِحُكْمِهِ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ فَإنَّ دَوَرانَ كافَّةِ الأُمُورِ عَلى مَشِيئَتِهِ (تَعالى)؛ فَلا يُذَلُّ مَن نَصَرَهُ؛ وإنْ قَلَّ عَدَدُهُ؛ ولا يُعَزُّ مَن خَذَلَهُ؛ وإنْ كَثُرَ أسْبابُهُ؛ وعَدَدُهُ؛ وقَدْ رُوعِيَ في الجَوابِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ "أطاقَتْ بِفِئَةٍ كَثِيرَةٍ"؛ حَسْبَما وقَعَ في كَلامِ أصْحابِهِمْ؛ مُبالَغَةً في رَدِّ مَقالَتِهِمْ؛ وتَسْكِينِ قُلُوبِهِمْ؛ وهَذا كَما تَرى جَوابٌ ناشِئٌ مِن كَمالِ ثِقَتِهِمْ بِنَصْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَوْفِيقِهِ؛ ولا دَخْلَ في ذَلِكَ لِظَنِّ لِقاءِ اللَّهِ (تَعالى) بِالبَعْثِ؛ لا سِيَّما بِالِاسْتِشْهادِ؛ فَإنَّ العِلْمَ بِهِ رُبَّما يُورِثُ اليَأْسَ مِنَ الغَلَبَةِ؛ ولا لِتَوَقُّعِ ثَوابِهِ (تَعالى)؛ ولا رَيْبَ في أنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَدارًا لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَلى المَوْصُولِ؛ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ وصْفًا مُلائِمًا لَهُ؛ فَلَعَلَّ المُرادَ بِلِقائِهِ (تَعالى) لِقاءُ نَصْرِهِ؛ وتَأْيِيدِهِ؛ عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ مُبالَغَةً؛ كَما عُبِّرَ عَنْ مُقارَنَةِ نَصْرِهِ (تَعالى) بِمُقارَنَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾؛ فَإنَّ المُرادَ بِهِ مَعِيَّةُ نَصْرِهِ؛ وتَوْفِيقِهِ حَتْمًا؛ وحَمْلُها عَلى المَعِيَّةِ بِالإثابَةِ؛ كَما فُعِلَ؛ يَأْباهُ أنَّهم إنَّما قالُوهُ تَتْمِيمًا لِجَوابِهِمْ؛ وتَأْكِيدًا لَهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ؛ تَشْجِيعًا لِأصْحابِهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لَهم عَلى الصَّبْرِ المُؤَدِّي إلى الغَلَبَةِ؛ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِما ذُكِرَ مِنَ المَعِيَّةِ بِالإثابَةِ قَطْعًا؛ وكَذا الحالُ إذا جُعِلَ ذَلِكَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِكَلامِهِمْ؛ والمَعْنى: "قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ؛ أوْ يَعْلَمُونَ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ؛ أوْ مِن جِهَةِ التّابُوتِ؛ والسِّكِّينَةِ؛ أنَّهم مُلاقُو نَصْرِ اللَّهِ العَزِيزِ: كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى)! فَنَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُ جالُوتَ؛ وجُنُودَهُ"؛ وإيرادُ خَبَرِ "أنَّ" اسْمًا؛ مَعَ أنَّ اللِّقاءَ (p-244)مُسْتَقْبَلٌ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقَرُّرِهِ؛ وتَحَقُّقِهِ.
البقرة 2:250
﴿وَلَمّا بَرَزُوا﴾: أيْ: ظَهَرَ طالُوتُ؛ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ وصارُوا إلى بِرازٍ مِنَ الأرْضِ؛ في مَوْطِنِ الحَرْبَ؛ ﴿لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾؛ وشاهَدُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ؛ والعُدَدِ؛ وأيْقَنُوا أنَّهم غَيْرُ مُطِيقِينَ بِهِمْ عادَةً؛ قالُوا؛ أيْ: جَمِيعًا عِنْدَ تَقَوِّي قُلُوبِ الفَرِيقُ الأوَّلِ مِنهم بِقَوْلِ الفَرِيقِ الثّانِي؛ مُتَضَرِّعِينَ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ مُسْتَعِينِينَ بِهِ: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾؛ عَلى مُقاساةِ شَدائِدِ الحَرْبِ؛ واقْتِحامِ مَوارِدِها الصَّعْبَةِ؛ الضَّيِّقَةِ؛ وفي التَّوَسُّلِ بِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ؛ وإيثارِ الإفْراغِ؛ المُعْرِبِ عَنِ الكَثْرَةِ؛ وتَنْكِيرِ الصَّبْرِ؛ المُفْصِحِ عَنِ التَّفْخِيمِ؛ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى؛ ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾؛ في مَداحِضِ القِتالِ؛ ومَزالِّ النِّزالِ. وثَباتُ القَدَمِ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ القُوَّةِ؛ والرُّسُوخِ؛ عِنْدَ المُقارَعَةِ؛ وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ وقْتَ المُقاوَمَةِ؛ لا مُجَرَّدِ التَّقَرُّرِ في حَيِّزٍ واحِدٍ؛ ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ بِقَهْرِهِمْ؛ وهَزِمِهِمْ. ووَضْعُ "الكافِرِينَ" في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى "جالُوتَ وجُنُودِهِ"؛ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ؛ ولَقَدْ راعَوْا في الدُّعاءِ تَرْتِيبًا بَدِيعًا؛ حَيْثُ قَدَّمُوا سُؤالَ إفْراغِ الصَّبْرِ؛ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ؛ ثُمَّ سُؤالَ تَثْبِيتِ القَدَمِ؛ المُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ سُؤالَ النَّصْرِ؛ الَّذِي هو الغايَةُ القُصْوى.
البقرة 2:251
﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾؛ أيْ: كَسَرُوهم بِلا مُكْثٍ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ بِنَصْرِهِ؛ وتَأْيِيدِهِ؛ إجابَةً لِدُعائِهِمْ؛ وإيثارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ إلَخْ.. لِلْمُحافَظَةِ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ: "غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ"؛ ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾؛ كانَ "إيشى"؛ أبُو داوُدَ؛ في عَسْكَرِ طالُوتَ؛ مَعَهُ سِتَّةٌ مِن بَنِيهِ؛ وكانَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سابِعَهُمْ؛ وكانَ صَغِيرًا؛ يَرْعى الغَنَمَ؛ فَأوْحى اللَّهُ (تَعالى) إلى نَبِيِّهِمْ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ؛ فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ؛ فَجاءَ؛ وقَدْ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ؛ قالَ لَهُ كُلٌّ مِنها: احْمِلْنا؛ فَإنَّكَ بِنا تَقْتُلُ جالُوتَ؛ فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ؛ قِيلَ: لَمّا أبْطَأ عَلى أبِيهِ خَبَرُ إخْوَتِهِ في المَصافِّ؛ أرْسَلَ داوُدُ إلَيْهِمْ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ؛ فَأتاهم وهم في القِراعِ؛ وقَدْ بَرَزَ جالُوتُ بِنَفْسِهِ إلى البِرازِ؛ ولا يَكادُ يُبارِزُهُ أحَدٌ؛ وكانَ ظِلُّهُ مِيلًا؛ فَقالَ داوُدُ لِإخْوَتِهِ: أما فِيكم مَن يَخْرُجُ إلى هَذا الأقْلَفِ؟ فَزَجَرُوهُ؛ فَنَحا ناحِيَةً أُخْرى؛ لَيْسَ فِيها إخْوَتُهُ؛ وقَدْ مَرَّ بِهِ طالُوتُ وهو يُحَرِّضُ النّاسَ عَلى القِتالِ؛ فَقالَ لَهُ داوُدُ: ما تَصْنَعُونَ بِمَن يَقْتُلُ هَذا الأقْلَفَ؟ قالَ طالُوتُ: أُنْكِحُهُ بِنْتِي؛ وأُعْطِيهِ شَطْرَ مَمْلَكَتِي؛ فَبَرَزَ لَهُ داوُدُ؛ فَرَماهُ بِما مَعَهُ مِنَ الأحْجارِ؛ بِالمِقْلاعِ؛ فَأصابَهُ في صَدْرِهِ؛ فَنَفَذَ الأحْجارُ مِنهُ؛ وقَتَلَتْ بَعْدَهُ ناسًا كَثِيرًا؛ وقِيلَ: إنَّما كَلَّمَتْهُ الأحْجارُ عِنْدَ بُرُوزِهِ لِجالُوتَ؛ في المَعْرَكَةِ؛ فَأنْجَزَ لَهُ طالُوتُ ما وعَدَهُ؛ وقِيلَ: إنَّهُ حَسَدَهُ؛ وأخْرَجَهُ مِن مَمْلَكَتِهِ؛ ثُمَّ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَهُ؛ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ إلى أنْ قُتِلَ؛ ومُلِّكَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأُعْطِيَ النُّبُوَّةَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾؛ أيْ: مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ في مَشارِقِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ ومَغارِبِها؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: النُّبُوَّةَ؛ ولَمْ يَجْتَمِعْ في بَنِي إسْرائِيلَ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ قَبْلَهُ؛ إلّا لَهُ؛ بَلْ كانَ المُلْكُ في سِبْطٍ؛ والنُّبُوَّةُ في سِبْطٍ (p-245)آخَرَ؛ وما اجْتَمَعُوا قَبْلَهُ عَلى مَلِكٍ قَطُّ؛ ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِمّا يَشاءُ اللَّهُ (تَعالى) تَعْلِيمَهُ إيّاهُ؛ لا مِمّا يَشاءُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ كَما قِيلَ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ ما عَلَّمَهُ (تَعالى) إيّاهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ؛ ولا يَقَعُ في أُمْنِيَّةِ بَشَرٍ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن طَلَبِهِ؛ ومَشِيئَتِهِ؛ كالسَّرْدِ بِإلانَةِ الحَدِيدِ؛ ومَنطِقِ الطَّيْرِ؛ والدَّوابِّ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ؛ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾؛ الَّذِينَ يُباشِرُونَ الشَّرَّ والفَسادَ؛ ﴿بِبَعْضٍ﴾؛ آخَرَ مِنهُمْ؛ بِرَدِّهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ بِما قَدَّرَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ القَتْلِ؛ كَما في القِصَّةِ المَحْكِيَّةِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وقُرِئَ: "دِفاعُ اللَّهِ"؛ عَلى أنَّ صِيغَةَ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ؛ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾؛ وبَطَلَتْ مَنافِعُها؛ وتَعَطَّلَتْ مَصالِحُها؛ مِنَ الحَرْثِ؛ والنَّسْلِ؛ وسائِرِ ما يَعْمُرُ الأرْضَ؛ ويُصْلِحُها؛ وقِيلَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِعَيْثِهِمْ؛ وقَتْلِهِمُ المُسْلِمِينَ؛ أوْ: لَوْ لَمْ يَدْفَعْهم بِالمُسْلِمِينَ لَعَمَّ الكُفْرُ؛ ونَزَلَتِ السَّخْطَةُ؛ فاسْتُؤْصِلَ أهْلُ الأرْضِ قاطِبَةً؛ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ﴾؛ عَظِيمٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾؛ كافَّةً؛ وهَذا إشارَةٌ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ؛ مُؤَلَّفٍ مِن وضْعٍ نَقِيضِ المُقَدَّمِ؛ مُنْتِجٍ لِنَقِيضِ التّالِي؛ خَلا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ ما يَسْتَتْبِعُهُ؛ ويَسْتَوْجِبُهُ؛ أعْنِي كَوْنَهُ (تَعالى) ذا فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ؛ إيذانًا بِأنَّهُ (تَعالى) مُتَفَضِّلٌ في ذَلِكَ الدَّفْعِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ وأنَّ فَضْلَهُ (تَعالى) غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيهِ؛ بَلْ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ فَضْلِهِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهُ (تَعالى) يَدْفَعُ فَسادَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ فَلا تَفْسَدُ الأرْضُ؛ وتَنْتَظِمُ بِهِ مَصالِحُ العالَمِ؛ وتَنْصَلِحُ أحْوالُ الأُمَمِ.
البقرة 2:252
﴿تِلْكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ؛ وخَبَرِ طالُوتَ؛ عَلى التَّفْصِيلِ المَرْقُومِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ؛ ﴿آياتُ اللَّهِ﴾؛ المُنْزَلَةُ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ إمّا حالٌ مِنَ الآياتِ؛ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ؛ وإمّا جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "نَتْلُوها"؛ أيْ: مُلْتَبِسَةً بِاليَقِينِ؛ الَّذِي لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وأرْبابِ التَّوارِيخِ؛ لِما يَجِدُونَها مُوافِقَةً لِما في كُتُبِهِمْ؛ أوْ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ؛ والصَّوابِ؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ والصِّدْقِ؛ ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى الأُمَمِ؛ لِتَبْلِيغِ رِسالاتِنا؛ وإجْراءِ أوامِرِنا؛ وأحْكامِنا عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ هَذِهِ المُعامَلَةَ لا تَجْرِي بَيْنَنا وبَيْنَ غَيْرِهِمْ؛ فَهي شَهادَةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِرِسالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ إثْرَ بَيانِ ما يَسْتَوْجِبُها؛ والتَّأْكِيدُ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ الجاحِدِينَ بِها.
البقرة 2:253
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾: اسْتِئْنافٌ فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن (p-246)أفاضِلِ الرُّسُلِ؛ العِظامِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ؛ والإشارَةُ إلى الجَماعَةِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فاللّامُ في المَآلِ لِلِاسْتِغْراقِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ؛ وقِيلَ: إلى الَّذِينَ ثَبَتَ عِلْمُهُ ﷺ بِهِمْ؛ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾؛ في مَراتِبِ الكَمالِ؛ بِأنْ خَصَصْناهُ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُنا؛ بِمَآثِرَ جَلِيلَةٍ؛ خَلا عَنْها غَيْرُهُ؛ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾: تَفْصِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ المَذْكُورِ إجْمالًا؛ أيْ: فَضَّلَهُ بِأنْ كَلَّمَهُ (تَعالى) بِغَيْرِ سَفِيرٍ؛ وهو مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ حَيْثُ كَلَّمَهُ (تَعالى) لَيْلَةَ الخِيَرَةِ؛ وفي الطُّورِ؛ وقُرِئَ: "كَلَّمَ اللَّهَ"؛ بِالنَّصْبِ؛ وقُرِئَ: "كالَمَ اللَّهَ"؛ مِن "المُكالَمَةُ"؛ فَإنَّهُ كَلَّمَ اللَّهَ (تَعالى)؛ كَما أنَّهُ (تَعالى) كَلَّمَهُ؛ ويُؤَيِّدُهُ: "كَلِيمُ اللَّهِ"؛ بِمَعْنى "مُكالِمُهُ"؛ وإيرادُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والرَّمْزِ إلى ما بَيْنَ التَّكْلِيمِ؛ والرَّفْعِ؛ وبَيْنَ ما سَبَقَ مِن مُطْلَقِ التَّفْضِيلِ؛ وما لَحِقَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ؛ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ؛ مِنَ التَّفاوُتِ؛ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾؛ أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ؛ المُتَفاوِتِينَ في مَعارِجِ الفَضْلِ بِدَرَجاتٍ قاصِيَةٍ؛ ومَراتِبَ نائِيَةٍ؛ وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِتَرْبِيَةِ ما بَيْنَهم مِنَ اخْتِلافِ الحالِ في دَرَجاتِ الشَّرَفِ؛ والظّاهِرُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإخْبارُ بِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ في قُوَّةِ بَعْضِهِمْ؛ فَإنَّهُ قَدْ خُصَّ بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ؛ والحُجَجِ الجَمَّةِ؛ والمُعْجِزاتِ المُسْتَمِرَّةِ؛ والآياتِ المُتَعاقِبَةِ بِتَعاقُبِ الدُّهُورِ؛ والفَضائِلِ العِلْمِيَّةِ؛ والعَمَلِيَّةِ؛ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ. والإبْهامُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ؛ ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العَلَمُ الفَرْدُ؛ الغَنِيُّ عَنِ التَّعْيِينِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ حَيْثُ خَصَّهُ (تَعالى) بِكَرامَةِ الخُلَّةِ؛ وقِيلَ: إدْرِيسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حَيْثُ رَفَعَهُ مَكانًا عَلِيًّا؛ وقِيلَ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾؛ الآياتِ الباهِرَةَ؛ والمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ؛ مِن إحْياءِ المَوْتى؛ وإبْراءِ الأكْمَهِ؛ والأبْرَصِ؛ والإخْبارِ بِالمَغِيباتِ؛ أوْ: الإنْجِيلَ؛ ﴿وَأيَّدْناهُ﴾؛ أيْ: قَوَّيْناهُ؛ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾؛ بِضَمِّ الدّالِ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِها؛ أيْ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "رَجُلُ صِدْقٍ"؛ وهي رُوحُ عِيسى؛ وإنَّما وُصِفَتْ بِالقُدُسِ لِلْكَرامَةِ؛ أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَضُمَّهُ الأصْلابُ؛ والأرْحامُ الطَّوامِثُ؛ وقِيلَ: بِجِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: بِالإنْجِيلِ؛ كَما مَرَّ؛ وإفْرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما ذُكِرَ لِرَدِّ ما بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التَّفْرِيطِ؛ والإفْراطِ؛ والآيَةُ ناطِقَةٌ بِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَفاوِتَةُ الأقْدارِ؛ فَيَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ ولَكِنْ بِقاطِعٍ؛ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾؛ أيْ: جاؤُوا مِن بَعْدِ الرُّسُلِ؛ مِنَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ؛ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ ما اقْتَتَلُوا؛ بِأنْ جَعَلَهم مُتَّفِقِينَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ المُتَّفِقَةِ عَلى كَلِمَةِ الحَقِّ؛ فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ؛ لِكَوْنِهِ مَضْمُونَ الجَزاءِ؛ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: ولَوْ شاءَ هُدى النّاسِ جَمِيعًا ما اقْتَتَلَ.. إلَخْ.. ولَيْسَ بِذاكَ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ﴾؛ مِن جِهَةِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ؛ ﴿البَيِّناتِ﴾؛ المُعْجِزاتُ الواضِحَةُ؛ والآياتُ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى حَقِّيَّةِ الحَقِّ؛ المُوجِبَةِ لِاتِّباعِهِمُ؛ الزّاجِرَةُ عَنِ الإعْراضِ عَنْ سَنَنِهِمُ؛ المُؤَدِّي إلى الِاقْتِتالِ؛ فَـ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اقْتَتَلَ"؛ ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾: اسْتِدْراكٌ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ؛ أُشِيرَ بِهِ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ؛ مُؤَلَّفٍ مِن وضْعٍ نَقِيضِ مُقَدَّمِها؛ مُنْتِجٍ لِنَقِيضِ تالِيها؛ إلّا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ مَوْضِعَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ؛ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاقْتِتالَ ناشِئٌ مِن قِبَلِهِمْ؛ لا مِن جِهَتِهِ (تَعالى) ابْتِداءً؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا فاحِشًا؛ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ﴾؛ بِما جاءَتْ بِهِ أُولَئِكَ الرُّسُلُ مِنَ البَيِّناتِ؛ وعَمِلُوا بِهِ؛ ﴿وَمِنهم مَن كَفَرَ﴾؛ بِذَلِكَ كُفْرًا لا ارْعِواءَ لَهُ عَنْهُ؛ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ (p-247)عَدَمَ مَشِيئَتِهِ (تَعالى) لِعَدَمِ اقْتِتالِهِمْ؛ فاقْتَتَلُوا بِمُوجِبِ اقْتِضاءِ أحْوالِهِمْ؛ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أيْضًا مِنَ الِاخْتِلافِ؛ والشِّقاقِ؛ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِلِاقْتِتالِ؛ بِحَسَبِ العادَةِ؛ ﴿ما اقْتَتَلُوا﴾؛ وما نَبَضَ مِنهم عِرْقُ التَّطاوُلِ؛ والتَّعادِي؛ لِما أنَّ الكُلَّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ (تَعالى)؛ فالتَّكْرِيرُ لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ؛ كَما ظُنَّ؛ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اخْتِلافَهم ذَلِكَ لَيْسَ مُوجِبًا لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ (تَعالى) لِعَدَمِ اقْتِتالِهِمْ؛ كَما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن وضْعِهِ في الِاسْتِدْراكِ مَوْضِعَهُ؛ بَلْ هو - سُبْحانَهُ - مُخْتارٌ في ذَلِكَ؛ حَتّى لَوْ شاءَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ ما اقْتَتَلُوا؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾؛ أيْ: مِنَ الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ؛ والعَدَمِيَّةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَدَمُ مَشِيئَتِهِ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ؛ فَإنَّ التَّرْكَ أيْضًا مِن جُمْلَةِ الأفْعالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ ما يُرِيدُ؛ حَسْبَما يُرِيدُ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُوجِبَهُ عَلَيْهِ مُوجِبٌ؛ أوْ يَمْنَعَهُ مِنهُ مانِعٌ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الحَوادِثَ تابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا؛ إيمانًا كانَ أوْ كُفْرًا.
البقرة 2:254
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا﴾؛ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا رَزَقْناكُمُوهُ؛ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ عائِدُها؛ والتَّعَرُّضُ لِوُصُولِهِ مِنهُ (تَعالى) لِلْحَثِّ عَلى الإنْفاقِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾؛ والمُرادُ بِهِ الإنْفاقُ الواجِبُ؛ بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعِيدِ؛ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾: كَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ أُخْتُها؛ ولا ضَيْرَ فِيهِ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما؛ فَإنَّ الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ؛ وهَذِهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيْ: أنْفِقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَلافِي ما فَرَّطْتُمْ فِيهِ؛ إذْ لا تَبايُعَ فِيهِ حَتّى تَتَبايَعُوا ما تُنْفِقُونَهُ؛ أوْ تَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ ولا خُلَّةٌ حَتّى يُسامِحَكم بِهِ أخِلّاؤُكُمْ؛ أوْ يُعِينُوكم عَلَيْهِ؛ ولا شَفاعَةٌ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا؛ حَتّى تَتَوَسَّلُوا بِشُفَعاءَ يَشْفَعُونَ لَكم في حَطِّ ما في ذِمَّتِكُمْ؛ وإنَّما رُفِعَتِ الثَّلاثَةُ؛ مَعَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ؛ لِأنَّها في التَّقْدِيرِ جَوابُ "هَلْ فِيهِ بَيْعٌ؛ أوْ خُلَّةٌ؛ أوْ شَفاعَةٌ؟"؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الكُلِّ؛ ﴿والكافِرُونَ﴾؛ أيْ: والتّارِكُونَ لِلزَّكاةِ؛ وإيثارُهُ عَلَيْهِ لِلتَّغْلِيظِ؛ والتَّهْدِيدِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمَن كَفَرَ﴾؛ مَكانَ "وَمَن لَمْ يَحُجَّ"؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ .
﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ؛ ووَضَعُوا المالَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وصَرَفُوهُ إلى غَيْرِ وجْهِهِ.
البقرة 2:255
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لا غَيْرُ؛ وفي إضْمارِ خَبَرِ "لا" - مِثْلَ "فِي الوُجُودِ"؛ أوْ "يَصِحُّ أنْ يُوجَدَ" -؛ خِلافٌ لِلنُّحاةِ مَعْرُوفٌ؛ الحَيُّ: الباقِي؛ الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْتِ؛ والفَناءِ؛ وهو إمّا خَبَرٌ ثانٍ؛ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أوْ بَدَلٌ مِن "لا إلَهَ إلّا هُوَ"؛ أوْ بَدَلٌ مِن "اللَّهُ"؛ أوْ صِفَةٌ لَهُ؛ ويَعْضُدُهُ القِراءَةُ بِالنَّصْبِ؛ عَلى المَدْحِ؛ لِاخْتِصاصِهِ بِالنَّعْتِ؛ ﴿القَيُّومُ﴾؛ فَيَعُولُ مَن قامَ بِالأمْرِ إذا حَفِظَهُ؛ أيْ: دائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ؛ وحِفْظِهِ؛ وقِيلَ: (p-248)هُوَ القائِمُ بِذاتِهِ؛ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ؛ ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾: "السِّنَةُ": ما يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ مِنَ الفُتُورِ؛ قالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقاعِ العامِلِيُّ:
؎ وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ
والنَّوْمُ حالَةٌ تَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ؛ مِنَ اسْتِرْخاءِ أعْصابِ الدِّماغِ؛ مِن رُطُوباتِ الأبْخِرَةِ المُتَصاعِدَةِ؛ بِحَيْثُ تَقِفُ المَشاعِرُ الظّاهِرَةُ عَنِ الإحْساسِ رَأْسًا؛ والمُرادُ بَيانُ انْتِفاءِ اعْتِراءِ شَيْءٍ مِنهُما لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ لِعَدَمِ كَوْنِهِما مِن شَأْنِهِ (تَعالى)؛ لا لِأنَّهُما قاصِرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُوَّةِ الإلَهِيَّةِ؛ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن مَقامِ التَّنْزِيهِ؛ فَلا سَبِيلَ إلى حَمْلِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ؛ والتَّرَقِّي؛ بِناءً عَلى أنَّ القادِرَ عَلى دَفْعِ السِّنَةِ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ النَّوْمِ القَوِيِّ؛ كَما في قَوْلِكَ: "فُلانٌ يَقِظٌ؛ لا تَغْلِبُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ"؛ وإنَّما تَأْخِيرُ النَّوْمِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ؛ وتَوْسِيطُ كَلِمَةِ "لا" لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ لِكُلٍّ مِنهُما؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾؛ الآيَةِ.. وأمّا التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِ الِاعْتِراءِ والعُرُوضِ بِعَدَمِ الأخْذِ فَلِمُراعاةِ الواقِعِ؛ إذْ عُرُوضُ السِّنَةِ والنَّوْمِ لِمَعْرُوضِهِما إنَّما يَكُونُ بِطَرِيقِ الأخْذِ؛ والِاسْتِيلاءِ؛ وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّكْمِيلِ؛ والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَها؛ مِن كَوْنِهِ (تَعالى) حَيًّا؛ قَيُّومًا؛ فَإنَّ مَن يَعْتَرِيهِ أحَدُهُما يَكُونُ مَؤُوفَ الحَياةِ؛ قاصِرًا في الحِفْظِ؛ والتَّدْبِيرِ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ؛ وقِيلَ: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في "القَيُّومُ"؛ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ (تَعالى)؛ واحْتِجاجٌ بِهِ عَلى تَفَرُّدِهِ في الأُلُوهِيَّةِ؛ والمُرادُ بِما فِيهِما: ما هو أعَمُّ مِن أجْزائِهِما الدّاخِلَةِ فِيهِما؛ ومِنَ الأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْهُما؛ المُتَمَكِّنَةِ فِيهِما؛ مِنَ العُقَلاءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾: بَيانٌ لِكِبْرِياءِ شَأْنِهِ؛ وأنَّهُ لا يُدانِيهِ أحَدٌ لِيَقْدِرَ عَلى تَغْيِيرِ ما يُرِيدُهُ؛ شَفاعَةً؛ وضَراعَةً؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُدافِعَهُ عِنادًا؛ أوْ مُناصَبَةً؛ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾؛ أيْ: ما قَبْلَهُمْ؛ وما بَعْدَهُمْ؛ أوْ بِالعَكْسِ؛ لِأنَّكَ مُسْتَقْبِلُ المُسْتَقْبَلِ؛ ومُسْتَدْبِرُ الماضِي؛ أوْ: أُمُورَ الدُّنْيا؛ وأُمُورَ الآخِرَةِ؛ أوْ بِالعَكْسِ؛ أوْ ما يُحِسُّونَهُ؛ وما يَعْقِلُونَهُ؛ أوْ ما يُدْرِكُونَهُ؛ وما لا يُدْرِكُونَهُ؛ والضَّمِيرُ لِـ "ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ"؛ بِتَغْلِيبِ ما فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ؛ أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ "مَن ذا الَّذِي"؛ مِنَ المَلائِكَةِ؛ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾؛ أيْ: مِن مَعْلُوماتِهِ؛ ﴿إلا بِما شاءَ﴾؛ أنْ يَعْلَمُوهُ؛ وعَطْفُهُ عَلى ما قَبْلَهُ لِما أنَّهُما جَمِيعًا دَلِيلٌ عَلى تَفَرُّدِهِ (تَعالى) بِالعِلْمِ الذّاتِيِّ؛ التّامِّ؛ الدّالِّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ؛ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾: "الكُرْسِيُّ": ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ؛ ولا يَفْضُلُ عَنْ مَقْعَدِ القاعِدِ؛ وكَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى "الكِرْسِ"؛ الَّذِي هو المُلَبَّدُ؛ ولَيْسَ ثَمَّةَ كُرْسِيٌّ؛ ولا قاعِدٌ؛ وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِعَظَمَةِ شَأْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وسَعَةِ سُلْطانِهِ؛ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ قاطِبَةً؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾؛ وقِيلَ: "كُرْسِيُّهُ" مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ؛ أخْذًا مِن "كُرْسِيُّ العالِمِ"؛ وقِيلَ: عَنْ مُلْكِهِ؛ أخْذًا مِن "كُرْسِيُّ المُلْكِ"؛ فَإنَّ الكُرْسِيَّ كُلَّما كانَ أعْظَمَ تَكُونُ عَظَمَةُ القاعِدِ أكْثَرَ؛ وأوْفَرَ؛ فَعَبَّرَ عَنْ شُمُولِ عِلْمِهِ؛ أوْ عَنْ بَسْطَةِ مُلْكِهِ؛ وسُلْطانِهِ؛ بِسَعَةِ كُرْسِيِّهِ؛ وإحاطَتِهِ بِالأقْطارِ العُلْوِيَّةِ؛ والسُّفْلِيَّةِ؛ وقِيلَ: هو جِسْمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ؛ مُحِيطٌ بِالسَّمَواتِ السَّبْعِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: « "ما السَّمَواتُ السَّبْعُ؛ والأرْضُونَ السَّبْعُ؛ مَعَ الكُرْسِيِّ؛ إلّا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ؛ وفَضْلُ العَرْشِ عَلى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ"؛» ولَعَلَّهُ الفَلَكُ الثّامِنُ؛ وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ العَرْشُ؛ ﴿وَلا يَئُودُهُ﴾؛ أيْ: لا يُثْقِلُهُ؛ ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ ﴿حِفْظُهُما﴾؛ أيْ: حِفْظُ السَّمَواتِ؛ والأرْضِ؛ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ ما فِيهِما لِما أنَّ حِفْظَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِحِفْظِهِ؛ ﴿وَهُوَ العَلِيُّ﴾: المُتَعالِي بِذاتِهِ عَنِ الأشْياءِ؛ والأنْدادِ؛ العَظِيمُ: (p-249)الَّذِي يُسْتَحْقَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كُلُّ ما سِواهُ. ولِما تَرى مِنَ انْطِواءِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أُمَّهاتِ المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالذّاتِ العَلِيَّةِ؛ والصِّفاتِ الجَلِيَّةِ - فَإنَّها ناطِقَةٌ بِأنَّهُ (تَعالى) مَوْجُودٌ؛ مُتَفَرِّدٌ بِالإلَهِيَّةِ؛ مُتَّصِفٌ بِالحَياةِ؛ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ؛ مُوجِدٌ لِغَيْرِهِ - لِما أنَّ القَيُّومَ هو القائِمُ بِذاتِهِ؛ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ -؛ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ؛ والحُلُولِ؛ مُبَرَّأٌ عَنِ التَّغَيُّرِ؛ والفُتُورِ؛ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأشْباحِ؛ ولا يَعْتَرِيهِ ما يَعْتَرِي النُّفُوسَ والأرْواحَ؛ مالِكُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ؛ ومُبْدِعُ الأُصُولِ؛ والفُرُوعِ؛ ذُو البَطْشِ الشَّدِيدِ؛ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ فِيهِ؛ العالِمُ وحْدَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ جَلِيِّها؛ وخَفِيِّها؛ كُلِّيِّها؛ وجُزْئِيِّها؛ واسِعُ المُلْكِ والقُدْرَةِ لِكُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُمْلَكَ؛ ويُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ شاقٌّ؛ ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ؛ مُتَعالٍ عَمّا تَنالُهُ الأوْهامُ؛ عَظِيمٌ لا تُحْدِقُ بِهِ الأفْهامُ -؛ تَفَرَّدَتْ بِفَضائِلَ رائِقَةٍ؛ وخَواصَّ فائِقَةٍ؛ خَلَتْ عَنْها أخَواتُها؛ قالَ ﷺ: « " إنَّ أعْظَمَ آيَةٍ في القرآن آيَةُ الكُرْسِيِّ؛ مَن قَرَأها بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) مَلَكًا يَكْتُبُ مِن حَسَناتِهِ؛ ويَمْحُو مِن سَيِّئاتِهِ إلى الغَدِ مِن تِلْكَ السّاعَةِ"؛» وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "ما قُرِئَتْ هَذِهِ الآيَةُ في دارٍ إلّا هَجَرَتْها الشَّياطِينُ ثَلاثِينَ يَوْمًا؛ ولا يَدْخُلُها ساحِرٌ؛ ولا ساحِرَةٌ؛ أرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ يا عَلِيُّ.. عَلِّمْها ولَدَكَ؛ وأهْلَكَ؛ وجِيرانَكَ؛ فَما نَزَلَتْ آيَةٌ أعْظَمُ مِنها"؛» وقالَ ﷺ: « "مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إلّا المَوْتُ؛ ولا يُواظِبُ عَلَيْها إلّا صِدِّيقٌ؛ أوْ عابِدٌ؛ ومَن قَرَأها إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ أمَّنَهُ اللَّهُ (تَعالى) عَلى نَفْسِهِ؛ وجارِهِ؛ وجارِ جارِهِ؛ والأبْياتِ حَوْلَهُ"؛» وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "سَيِّدُ البَشَرِ آدَمُ؛ وسَيِّدُ العَرَبِ مُحَمَّدٌ؛ ولا فَخْرَ؛ وسَيِّدُ الفُرْسِ سَلْمانُ؛ وسَيِّدُ الرُّومِ صُهَيْبٌ؛ وسَيِّدُ الحَبَشَةِ بِلالٌ؛ وسَيِّدُ الجِبالِ الطُّورُ؛ وسَيِّدُ الأيّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ؛ وسَيِّدُ الكَلامِ القرآن؛ وسَيِّدُ القرآن سُورَةُ البَقَرَةِ؛ وسَيِّدُ البَقَرَةِ آيَةُ الكُرْسِيِّ"؛» وتَخْصِيصُ سِيادَتِهِ ﷺ لِلْعَرَبِ بِالذِّكْرِ في أثْناءِ تَعْدادِ السِّياداتِ الخاصَّةِ؛ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ المُسْتَفِيضَةُ؛ وانْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ؛ مِن سِيادَتِهِ ﷺ لِجَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ.
البقرة 2:256
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ جاءَ بِها إثْرَ بَيانِ تَفَرُّدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالشُّؤُونِ الجَلِيلَةِ؛ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وحْدَهُ؛ إيذانًا بِأنَّ مِن حَقِّ العاقِلِ ألّا يَحْتاجَ إلى التَّكْلِيفِ؛ والإلْزامِ؛ بَلْ يَخْتارُ الدِّينَ الحَقَّ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ؛ وتَلَعْثُمٍ؛ وقِيلَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ أيْ: لا تُكْرِهُوا في الدِّينِ؛ فَقِيلَ: مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؛ وقِيلَ: خاصٌّ بِأهْلِ الكِتابِ؛ حَيْثُ حَصَّنُوا أنْفُسَهم بِأداءِ الجِزْيَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِأنْصارِيٍّ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ ابْنانِ؛ قَدْ تَنَصَّرا قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ؛ ثُمَّ قَدِما المَدِينَةَ فَلَزِمَهُما أبُوهُما؛ وقالَ: واللَّهِ لا أدَعُكُما حَتّى تُسْلِما؛ فَأبَيا؛ فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ؛ فَخَلّاهُما؛ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾: اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ؛ صُدِّرَ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ؛ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أيْ: إذْ قَدْ تَبَيَّنَ - بِما ذُكِرَ مِن نُعُوتِهِ (تَعالى) الَّتِي يَمْتَنِعُ تَوَهُّمُ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنها - الإيمانُ؛ الَّذِي هو الرُّشْدُ؛ المُوصِلُ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ؛ مِنَ الكُفْرِ؛ الَّذِي هو الغَيُّ؛ المُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ؛ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾: (p-250)هُوَ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "الطُّغْيانُ"؛ كَـ "المَلَكُوتُ"؛ و"الجَبَرُوتُ"؛ قُلِبَ مَكانُ عَيْنِهِ؛ ولامِهِ؛ فَقِيلَ: هو في الأصْلِ مَصْدَرٌ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفارِسِيُّ؛ وقِيلَ: اسْمُ جِنْسٍ؛ مُفْرَدٌ؛ مُذَكَّرٌ؛ وإنَّما الجَمْعُ؛ والتَّأْنِيثُ؛ لِإرادَةِ "الآلِهَةُ"؛ وهو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ؛ وقِيلَ: هو جَمْعٌ؛ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ؛ وقِيلَ: يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ؛ والجَمْعُ؛ والتَّذْكِيرُ؛ والتَّأْنِيثُ؛ أيْ: فَمَن يَعْمَلْ إثْرَ ما تَمَيَّزَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ بِمُوجِبِ الحُجَجِ الواضِحَةِ؛ والآياتِ البَيِّنَةِ؛ ويَكْفُرْ بِالشَّيْطانِ؛ أوْ بِالأصْنامِ؛ أوْ بِكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوْ صَدَّ عَنْ عِبادَتِهِ؛ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ كَوْنُهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ؛ ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾؛ وحْدَهُ؛ لِما شاهَدَ مِن نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والتَّوْحِيدِ. وتَقْدِيمُ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى الإيمانِ بِهِ (تَعالى) لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾؛ أيْ: بالَغَ في التَّمَسُّكِ بِها؛ كَأنَّهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِهِ؛ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الزِّيادَةَ فِيهِ؛ والثَّباتَ عَلَيْهِ؛ ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾: "الفَصْمُ": "الكَسْرُ بِغَيْرِ إبانَةٍ"؛ كَما أنَّ "القَصْمُ" هو "الكَسْرُ بِإبانَةٍ"؛ ونَفْيُ الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الثّانِي بِالأوْلَوِيَّةِ؛ والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها مِن وثاقَةِ العُرْوَةِ؛ وإمّا حالٌ مِن "العُرْوَةِ"؛ والعامِلُ "اسْتَمْسَكَ"؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "الوُثْقى"؛ و"لَها" في حَيِّزِ الخَبَرِ؛ أيْ: كائِنٌ لَها؛ والكَلامُ تَمْثِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ العَقْلِيَّةِ؛ المُنْتَزَعَةِ مِن مُلازَمَةِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ؛ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ أصْلًا؛ لِثُبُوتِهِ بِالبَراهِينِ النَّيِّرَةِ القَطْعِيَّةِ؛ بِالهَيْئَةِ الحِسِّيَّةِ؛ المُنْتَزَعَةِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالحَبْلِ المُحْكَمِ؛ المَأْمُونِ انْقِطاعُهُ؛ فَلا اسْتِعارَةَ في المُفْرَداتِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "العُرْوَةُ الوُثْقى" مُسْتَعارَةً لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ؛ الَّذِي هو الإيمانُ؛ والتَّوْحِيدُ؛ لا لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ المُؤَدِّي إلَيْهِ؛ كَما قِيلَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ والِاسْتِمْساكُ بِها مُسْتَعارًا لِما ذُكِرَ مِنَ المُلازَمَةِ؛ أوْ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ الأُولى؛ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾؛ بِالأقْوالِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِالعَزائِمِ؛ والعَقائِدِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ حامِلٌ عَلى الإيمانِ؛ رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ؛ والنِّفاقِ؛ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ؛ والوَعِيدِ.
البقرة 2:257
﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: مُعِينُهُمْ؛ أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ؛ والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ ثَبَتَ في عِلْمِهِ (تَعالى) إيمانُهم في الجُمْلَةِ؛ مَآلًا؛ أوْ حالًا؛﴿يُخْرِجُهُمْ﴾: تَفْسِيرٌ لِلْوِلايَةِ؛ أوْ خَبَرٌ ثانٍ؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "وَلِيُّ"؛ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾؛ الَّتِي هي أعَمُّ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ؛ والمَعاصِي؛ وظُلُماتِ الشُّبَهِ؛ بَلْ مِمّا في بَعْضِ مَراتِبِ العُلُومِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ؛ مِن نَوْعِ ضَعْفٍ؛ وخَفاءٍ؛ بِالقِياسِ إلى مَراتِبِها القَوِيَّةِ؛ الجَلِيَّةِ؛ بَلْ مِمّا في جَمِيعِ مَراتِبِها؛ بِالنَّظَرِ إلى مَرْتَبَةِ العِيانِ؛ كَما سَتَعْرِفُهُ؛ ﴿إلى النُّورِ﴾؛ الَّذِي يَعُمُّ نُورَ الإيمانِ؛ ونُورَ الإيقانِ؛ بِمَراتِبِهِ؛ ونُورَ العِيانِ؛ أيْ: يُخْرِجُ بِهِدايَتِهِ؛ وتَوْفِيقِهِ؛ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الظُّلْمَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها؛ إلى ما يُقابِلُها مِنَ النُّورِ؛ وإفْرادُ النُّورِ لِوَحْدَةِ الحَقِّ؛ كَما أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الضَّلالِ؛ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ ثَبَتَ في عِلْمِهِ (تَعالى) كُفْرُهُمْ؛ ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾؛ أيْ: الشَّياطِينُ؛ وسائِرُ المُضِلِّينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ؛ فالمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ؛ و"أوْلِياؤُهُمْ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ؛ و"الطّاغُوتُ" خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ وضْعِ الطّاغُوتِ في (p-251)مُقابَلَةِ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِتَكْرِيرِ الإسْنادِ مَعَ الإيماءِ إلى التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ حَتّى مِن جِهَةِ التَّعْبِيرِ أيْضًا؛ ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾؛ بِالوَساوِسِ؛ وغَيْرِها مِن طُرُقِ الإضْلالِ؛ والإغْواءِ؛ ﴿مِنَ النُّورِ﴾؛ الفِطْرِيِّ؛ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ النّاسُ كافَّةً؛ أوْ: مِن نُورِ البَيِّناتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَنْزِيلِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاسْتِضاءَةِ بِها مَنزِلَةَ نَفْسِها؛ ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾؛ ظُلُماتِ الكُفْرِ؛ والِانْهِماكِ في الغَيِّ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ؛ والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِوِلايَةِ الطّاغُوتِ؛ أوْ خَبَرٌ ثانٍ؛ كَما مَرَّ؛ وإسْنادُ الإخْراجِ مِن حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ إلى الطّاغُوتِ لا يَقْدَحُ في اسْتِنادِهِ مِن حَيْثُ الخَلْقُ؛ إلى قدرته - سُبْحانَهُ -؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ القَبائِحِ؛ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: مُلابِسُوها؛ ومُلازِمُوها؛ بِسَبَبِ ما لَهم مِنَ الجَرائِمِ؛ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ ماكِثُونَ أبَدًا.
البقرة 2:258
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾: اسْتِشْهادٌ عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ الكَفَرَةَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ؛ وتَقْرِيرٌ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾؛ كَما أنَّ ما بَعْدَهُ اسْتِشْهادٌ عَلى وِلايَتِهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وتَقْرِيرٌ لَها؛ وإنَّما بُدِئَ بِهَذا لِرِعايَةِ الِاقْتِرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَدْلُولِهِ؛ ولِاسْتِقْلالِهِ بِأمْرٍ عَجِيبٍ؛ حَقِيقٍ بِأنْ يُصَدَّرَ بِهِ المَقالُ؛ وهو اجْتِراؤُهُ عَلى المُحاجَّةِ في اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وما أتى بِها في أثْنائِها مِنَ العَظِيمَةِ؛ المُنادِيَةِ بِكَمالِ حَماقَتِهِ؛ ولِأنَّ فِيما بَعْدَهُ تَعَدُّدًا وتَفْصِيلًا يُورِثُ تَقْدِيمُهُ انْتِشارَ النَّظْمِ؛ عَلى أنَّهُ قَدْ أُشِيرَ في تَضاعِيفِهِ إلى هِدايَةِ اللَّهِ (تَعالى) أيْضًا؛ بِواسِطَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ ما يُحْكى عَنْهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ؛ وإدْحاضِ حُجَّةِ الكُفّارِ؛ مِن آثارِ وِلايَتِهِ (تَعالى)؛ وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِإنْكارِ النَّفْيِ؛ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ؛ أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ؟ أوْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى هَذا الطّاغُوتِ المارِدِ؛ كَيْفَ تَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإخْراجِهِمْ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ؟ أيْ: قَدْ تَحَقَّقَتِ الرُّؤْيَةُ؛ وتَقَرَّرَتْ بِناءً عَلى أنَّ أمْرَهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ؛ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ؛ فَظَهَرَ أنَّ الكَفَرَةَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ؛ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ تَشْرِيفٌ لَهُ؛ وإيذانٌ بِتَأْيِيدِهِ في المُحاجَّةِ؛ ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾؛ أيْ: لِأنْ آتاهُ إيّاهُ؛ حَيْثُ أبْطَرَهُ ذَلِكَ؛ وحَمَلَهُ عَلى المُحاجَّةِ؛ أوْ حاجَّهُ لِأجْلِهِ؛ وضْعًا لِلْمُحاجَّةِ - الَّتِي هي أقْبَحُ وُجُوهِ الكُفْرِ - مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ؛ كَما يُقالُ: "عادَيْتَنِي لِأنْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ"؛ أوْ: وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ؛ وهو حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ إيتاءَ اللَّهِ المُلْكَ لِلْكافِرِ؛ ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾: ظَرْفٌ لِـ "حاجَّ"؛ أوْ بَدَلٌ مِن "آتاهُ"؛ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ؛ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾؛ بِفَتْحِ ياءِ "رَبِّيَ"؛ وقُرِئَ بِحَذْفِها؛ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا كَسَرَ الأصْنامَ سَجَنَهُ؛ ثُمَّ أخْرَجَهُ؛ فَقالَ: مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ؟ قالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي؛ ويُمِيتُ؛ أيْ: يَخْلُقُ الحَياةَ؛ والمَوْتَ؛ في الأجْسادِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ حاجَّهُ في هَذِهِ المَقالَةِ القَوِيَّةِ الحَقَّةِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾؛ رُوِيَ أنَّهُ دَعا بِرَجُلَيْنِ؛ فَقَتَلَ أحَدَهُما؛ وأطْلَقَ الآخَرَ؛ فَقالَ ذَلِكَ؛ ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَلَفَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: (p-252)فَماذا قالَ إبْراهِيمُ لِمَن في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ الحَماقَةِ؟ وبِماذا أفْحَمَهُ؟ فَقِيلَ: قالَ" فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ "؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ؛ ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾؛ إنْ كُنْتَ قادِرًا عَلى مِثْلِ مَقْدُوراتِهِ (تَعالى)؛ لَمْ يَلْتَفِتْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى إبْطالِ مَقالَةِ اللَّعِينِ؛ إيذانًا بِأنَّ بُطْلانَها مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ؛ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ؛ وأنَّ التَّصَدِّيَ لِإبْطالِها مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ الحاصِلِ؛ وأتى بِمِثالٍ لا يَجِدُ اللَّعِينَ فِيهِ مَجالًا لِلتَّمْوِيهِ؛ والتَّلْبِيسِ؛ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾؛ أيْ: صارَ مَبْهُوتًا؛ وقُرِئَ عَلى بِناءِ الفاعِلِ؛ عَلى أنَّ المَوْصُولَ مَفْعُولُهُ؛ أيْ: فَغَلَبَ إبْراهِيمُ الكافِرَ؛ وأسْكَتَهُ؛ وإيرادُ الكُفْرِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ؛ والتَّنْصِيصِ عَلى كَوْنِ المُحاجَّةِ كُفْرًا؛ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ: لا يَهْدِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ؛ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ المُخَلِّدِ؛ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ؛ إلى مَناهِجِ الِاسْتِدْلالِ؛ أوْ إلى سَبِيلِ النَّجاةِ؛ أوْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ يَوْمَ القِيامَةِ.
البقرة 2:259
﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾: اسْتِشْهادٌ عَلى ما ذُكِرَ مِن وِلايَتِهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وتَقْرِيرٌ لَهُ؛ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ؛ وإيثارُ "أوْ" الفارِقَةِ عَلى الواوِ الجامِعَةِ؛ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اتِّحادِ المُسْتَشْهَدِ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ والكافِ إمّا اسْمِيَّةٌ؛ كَما اخْتارَهُ قَوْمٌ؛ جِيءَ بِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَدُّدِ الشَّواهِدِ؛ وعَدَمِ انْحِصارِها فِيما ذُكِرَ؛ كَما في قَوْلِكَ: "الفِعْلُ الماضِي مِثْلُ نَصَرَ"؛ وإمّا زائِدَةٌ؛ كَما ارْتَضاهُ آخَرُونَ؛ والمَعْنى: أوَلَمْ تَرَ إلى مِثْلِ الَّذِي؛ أوْ إلى الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ؛ كَيْفَ هَداهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وأخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الِاشْتِباهِ؛ إلى نُورِ العِيانِ؛ والشُّهُودِ؟ أيْ: قَدْ رَأيْتَ ذَلِكَ؛ وشاهَدْتَ؛ فَإذَنْ لا رَيْبَ في أنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا.. إلَخْ.. هَذا.. وأمّا جَعْلُ الهَمْزَةِ لِمُجَرَّدِ التَّعْجِيبِ - عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى في الأوَّلِ: ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِي حاجَّ.. إلَخْ.. أيْ: انْظُرْ إلَيْهِ؛ وتَعَجَّبْ مِن أمْرِهِ؛ وفي الثّانِي: أوْ أرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي مَرَّ.. إلَخْ.. إيذانًا بِأنَّ حالَهُ؛ وما جَرى عَلَيْهِ؛ في الغَرابَةِ؛ بِحَيْثُ لا يُرى لَهُ مِثْلٌ؛ كَما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الجُمْهُورِ - فَغَيْرُ خَلِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ؛ وفَخامَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ؛ فَتَدَبَّرْ. والمارُّ هو عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيا؛ قالَهُ قَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ؛ وعِكْرِمَةُ؛ وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ يَزِيدَ؛ والضَّحّاكُ؛ والسُّدِّيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وقِيلَ: هو أرْمِيا بْنُ حَلْقِيا؛ مِن سِبْطِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالَهُ وهْبٌ؛ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ؛ وقِيلَ: أرْمِيا هو الخَضِرُ بِعَيْنِهِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: "كانَ المارُّ رَجُلًا كافِرًا بِالبَعْثِ؛ وهو بَعِيدٌ؛ والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ"؛ قالَهُ وهْبٌ؛ وعِكْرِمَةُ؛ والرَّبِيعُ؛ وقِيلَ: هي دَيْرُ هِرَقْلَ؛ عَلى شَطِّ دِجْلَةَ؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: هي دَيْرُ سابِرَ آبادَ؛ وقالَ السُّدِّيُّ: هي دِيارُ سَلْما بادَ؛ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ والأشْهَرُ؛ رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا بالَغُوا في تَعاطِي الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ وجاوَزُوا في العُتُوِّ؛ والطُّغْيانِ؛ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ؛ سَلَّطَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ؛ فَسارَ إلَيْهِمْ في سِتِّمائَةِ ألْفِ رايَةٍ؛ حَتّى وطِئَ الشّامَ؛ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ؛ وجَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ أثْلاثًا؛ ثُلُثٌ مِنهم قَتَلَهُمْ؛ وثُلُثٌ مِنهم أقَرَّهم بِالشّامِ؛ وثُلُثٌ مِنهم سَباهُمْ؛ وكانُوا مِائَةَ ألْفِ (p-253)غُلامٍ؛ يافِعٍ؛ وغَيْرِ يافِعٍ؛ فَقَسَمَهم بَيْنَ المُلُوكِ؛ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ؛ فَأصابَ كُلُّ مَلِكٍ مِنهم أرْبَعَةَ غِلْمَةٍ؛ وكانَ عُزَيْرٌ مِن جُمْلَتِهِمْ؛ فَلَمّا نَجّاهُ اللَّهُ (تَعالى) مِنهُمْ؛ بَعْدَ حِينِ؛ مَرَّ بِحِمارِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ فَرَآهُ عَلى أفْظَعِ مَرْأًى؛ وأوْحَشِ مَنظَرٍ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾؛ أيْ: ساقِطَةٌ عَلى سُقُوفِها؛ بِأنْ سَقَطَتِ العُرُوشُ؛ ثُمَّ الحِيطانُ؛ مِن "خَوى البَيْتُ"؛ إذا سَقَطَ؛ أوْ مِن "خَوَتِ الأرْضُ"؛ أيْ: تَهَدَّمَتْ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "مَرَّ"؛ أوْ مِن "قَرْيَةٍ"؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ مُطْلَقًا؛ قالَ؛ أيْ: تَلَهُّفًا عَلَيْها؛ وتَشَوُّقًا إلى عِمارَتِها؛ مَعَ اسْتِشْعارِ اليَأْسِ عَنْها؛ ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾؛ وهي عَلى ما يَرى مِنَ الحالَةِ العَجِيبَةِ؛ المُبايِنَةِ لِلْحَياةِ؛ وتَقْدِيمُها عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ بِها؛ مِن حَيْثُ إنَّ الِاسْتِبْعادَ ناشِئٌ مِن جِهَتِها؛ لا مِن جِهَةِ الفاعِلِ؛ و"أنّى" نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ إنْ كانَتْ بِمَعْنى "مَتى"؛ وعَلى الحالِيَّةِ مِن "هَذِهِ"؛ إنْ كانَتْ بِمَعْنى "كَيْفَ"؛ والعامِلُ "يُحْيِي"؛ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اسْتِبْعادُ عِمارَتِها بِالبِناءِ؛ والسُّكّانِ؛ مِن بَقايا أهْلِها؛ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبَإٍ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِالإحْياءِ؛ الَّذِي هو عَلَمٌ في البُعْدِ عَنِ الوُقُوعِ عادَةً؛ تَهْوِيلًا لِلْخِطابِ؛ وتَأْكِيدًا لِلِاسْتِبْعادِ؛ كَما أنَّهُ لِأجْلِهِ عَبَّرَ عَنْ خَرابِها بِالمَوْتِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ وحَيْثُ كانَ هَذا التَّعْبِيرُ مُعْرِبًا عَنِ اسْتِبْعادِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ؛ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ وآكَدِهِ؛ أراهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ آثِرَ ذِي أثِيرٍ؛ أبْعَدَ الأمْرَيْنِ في نَفْسِهِ؛ ثُمَّ في غَيْرِهِ؛ ثُمَّ أراهُ ما اسْتَبْعَدَهُ صَرِيحًا؛ مُبالَغَةً في إزاحَةِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في خَلَدِهِ؛ وأمّا حَمْلُ إحْيائِها عَلى إحْياءِ أهْلِها فَيَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِحالِ القَرْيَةِ؛ دُونَ حالِهِمْ؛ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ مَوْتِهِمْ؛ دُونَ كَوْنِهِمْ تُرابًا وعِظامًا؛ مَعَ كَوْنِهِ أدْخَلَ في الِاسْتِبْعادِ؛ لِشَدَّةِ مُبايَنَتِهِ لِلْحَياةِ؛ وغايَةِ بُعْدِهِ عَنْ قَبُولِها؛ عَلى أنَّهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ إرادَتُهُ (تَعالى) بِإحْيائِهِمْ؛ كَما تَعَلَّقَتْ بِعِمارَتِها؛ ومُعايَنَةِ المارِّ لَها؛ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا؛ ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ﴾؛ وألْبَثَهُ عَلى المَوْتِ؛ ﴿مِائَةَ عامٍ﴾؛ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا دَخَلَ القَرْيَةَ رَبَطَ حِمارَهُ؛ فَطافَ بِها؛ ولَمْ يَرَ بِها أحَدًا؛ فَقالَ ما قالَ؛ وكانَتْ أشْجارُها قَدْ أثْمَرَتْ؛ فَتَناوَلَ مِنَ التِّينِ؛ والعِنَبِ؛ وشَرِبَ مِن عَصِيرِهِ؛ ونامَ؛ فَأماتَهُ اللَّهُ (تَعالى) في مَنامِهِ؛ وهو شابٌّ؛ وأماتَ حِمارَهُ؛ وبَقِيَّةُ تِينِهِ وعِنَبِهِ وعَصِيرِهِ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ أعْمى اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ عُيُونَ المَخْلُوقاتِ؛ فَلَمْ يَرَهُ أحَدٌ؛ فَلَمّا مَضى مِن مَوْتِهِ سَبْعُونَ سَنَةً وجَّهَ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا - مَلِكًا عَظِيمًا مِن مُلُوكِ فارِسَ؛ يُقالُ لَهُ "يُوشَكُ" إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِيَعْمُرَهُ؛ ومَعَهُ ألْفُ قَهْرَمانٍ؛ مَعَ كُلِّ قَهْرَمانٍ ثُلْثُمائَةِ ألْفِ عامِلٍ؛ فَجَعَلُوا يَعْمُرُونَهُ؛ وأهْلَكَ اللَّهُ (تَعالى) بُخْتَنَصَّرَ بِبَعُوضَةٍ؛ دَخَلَتْ دِماغَهُ؛ ونَجّى اللَّهُ (تَعالى) مَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ورَدَّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ وتَراجَعَ إلَيْهِ مَن تَفَرَّقَ مِنهم في الأكْنافِ؛ فَعَمَرُوهُ ثَلاثِينَ سَنَةً؛ وكَثُرُوا؛ وكانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ؛ فَلَمّا تَمَّتِ المِائَةُ مِن مَوْتِ عُزَيْرٍ أحْياهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾؛ وإيثارُهُ عَلى "أحْياهُ" لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَتِهِ؛ وسُهُولَةِ تَأتِّيهِ عَلى البارِئِ (تَعالى)؛ كَأنَّهُ بَعَثَهُ مِنَ النَّوْمِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أعادَهُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ؛ عاقِلًا؛ فاهِمًا؛ مُسْتَعِدًّا لِلنَّظَرِ؛ والِاسْتِدْلالِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ بَعْدَ بَعْثِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾؛ لِيُظْهِرَ لَهُ عَجْزَهُ عَنِ الإحاطَةِ بِشُئُونِهِ (تَعالى)؛ وأنْ إحْياءَهُ لَيْسَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ؛ رُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ هَيِّنٌ في الجُمْلَةِ؛ بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ ويَنْحَسِمَ بِهِ مادَّةُ اسْتِبْعادِهِ بِالمَرَّةِ؛ ويَطَّلِعَ في تَضاعِيفِهِ عَلى أمْرٍ آخَرَ مِن بَدائِعِ آثارِ قدرته (تَعالى)؛ وهو إبْقاءُ الغِذاءِ؛ المُتَسارِعِ إلى الفَسادِ بِالطَّبْعِ؛ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ ما؛ و"كَمْ" نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ مُمَيِّزُها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: "كَمْ وقْتًا لَبِثْتَ؟"؛ والقائِلُ هو اللَّهُ (تَعالى)؛ أوْ مَلَكٌ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِن قِبَلِهِ (تَعالى)؛ قِيلَ: نُودِيَ مِنَ السَّماءِ: "يا عُزَيْرُ .. كَمْ لَبِثْتَ بَعْدَ المَوْتِ؟"؛ ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ (p-254)قالَهُ بِناءً عَلى التَّقْرِيبِ؛ والتَّخْمِينِ؛ أوِ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِ؛ وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ ماتَ ضُحًى؛ وبُعِثَ بَعْدَ المِائَةِ قُبَيْلَ الغُرُوبِ؛ فَقالَ - قَبْلَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ -: "يَوْمًا"؛ فالتَفَتَ إلَيْها؛ فَرَأى مِنها بَقِيَّةً؛ فَقالَ: "أوْ بَعْضَ يَوْمٍ"؛ عَلى وجْهِ الإضْرابِ؛ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ؛ إذْ لا وجْهَ لِلْجَزْمِ بِتَمامِ اليَوْمِ؛ ولَوْ بِناءً عَلى حُسْبانِ الغُرُوبِ؛ لِتَحَقُّقِ النُّقْصانِ مِن أوَّلِهِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَلَفَ؛ ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: ما لَبِثْتَ ذَلِكَ القَدْرَ؛ بَلْ هَذا المِقْدارَ؛ ﴿فانْظُرْ﴾؛ لِتُعايِنَ أمْرًا آخَرَ مِن دَلائِلِ قُدْرَتِنا؛ ﴿إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾؛ أيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ؛ مَعَ تَداعِيهِ إلى الفَسادِ؛ رُوِيَ أنَّهُ وجَدَ تِينَهُ؛ وعِنَبَهُ كَما جَنى؛ وعَصِيرَهُ كَما عَصَرَ؛ والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالٌ بِغَيْرِ واوٍ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾؛ إمّا مِنَ الطَّعامِ؛ والشَّرابِ؛ وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِجَرَيانِهِما مُجْرى الواحِدِ؛ كَـ "الغِذاءُ"؛ وإمّا مِنَ الأخِيرِ؛ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ حالِهِ عَلى حالِ الأوَّلِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَهَذا شَرابُكَ لَمْ يَتَسَنَّ"؛ والهاءُ أصْلِيَّةٌ؛ أوْ هاءُ سَكْتٍ؛ واشْتِقاقُهُ مِن "السَّنَةُ"؛ لِما أنَّ لامَها هاءٌ؛ أوْ واوٌ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "لَمْ يَتَسَنَّنْ"؛ مِن "الحَمَأُ المَسْنُونُ"؛ فَقُلِبَتْ نُونُهُ حَرْفَ عِلَّةٍ؛ كَما في "تَقَضّى البازِي"؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى "لَمْ يَتَسَنَّهْ": لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ السُّنُونُ؛ الَّتِي مَرَّتْ؛ لا حَقِيقَةً؛ بَلْ تَشْبِيهًا؛ أيْ: هو عَلى حالِهِ كَأنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ مِائَةَ عامٍ؛ وقُرِئَ: "لَمْ يَسَّنَّهْ"؛ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ؛ ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾؛ كَيْفَ نَخِرَتْ عِظامُهُ؛ وتَفَرَّقَتْ وتَقَطَّعَتْ أوْصالُهُ؛ وتَمَزَّقَتْ؛ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ ما ذُكِرَ مِنَ اللُّبْثِ المَدِيدِ؛ وتَطْمَئِنَّ بِهِ نَفْسُكَ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَهُ؛ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ؛ أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا؛ مِن إحْيائِكَ بَعْدَ ما ذُكِرَ؛ لِتُعايِنَ ما اسْتَبْعَدْتَهُ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ؛ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ المَوْجُودِينَ في هَذا القَرْنِ؛ بِأنْ يُشاهِدُوكَ وأنْتَ مِن أهْلِ القُرُونِ الخالِيَةِ؛ ويَأْخُذُوا مِنكَ ما طُوِيَ عَنْهُمْ؛ مُنْذُ أحْقابٍ؛ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ؛ كَما سَيَأْتِي؛ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ؛ أيْ: ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لَهُمْ؛ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ؛ فَعَلْنا ما فَعَلْنا؛ فَهو عَلى التَّقْدِيرَيْنِ دَلِيلٌ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ اللُّبْثِ المَدِيدِ؛ ولِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ إلى حِمارِهِ؛ وتَكْرِيرُ الأمْرِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾؛ مَعَ أنَّ المُرادَ عِظامُ الحِمارِ أيْضًا؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ أوَّلًا هو النَّظَرُ إلَيْها مِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ اللُّبْثِ المَدِيدِ؛ وثانِيًا هو النَّظَرُ إلَيْها مِن حَيْثُ تَعْتَرِيها الحَياةُ؛ ومَبادِيها؛ أيْ: وانْظُرْ إلى عِظامِ الحِمارِ؛ لِتُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ الإحْياءِ في غَيْرِكَ؛ بَعْدَما شاهَدْتَ نَفْسَهُ في نَفْسِكَ؛ ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾؛ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ؛ أيْ: نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ؛ ونَرُدُّها إلى أماكِنِها مِنَ الجَسَدِ؛ فَنُرَكِّبُها تَرْكِيبًا لائِقًا بِها؛ وقالَ الكِسائِيُّ: نُلِينُها؛ ونُعْظِمُها؛ ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِـ "نُحْيِيها" أرادَ بِالإحْياءِ هَذا المَعْنى؛ وكَذا مَن قَرَأ: "نُنْشِرُها"؛ بِالرّاءِ؛ مِن "أنْشَرَ اللَّهُ (تَعالى) المَوْتى"؛ أيْ: أحْياها؛ لا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾؛ أيْ: نَسْتُرُها بِهِ؛ كَما يُسْتَرُ الجَسَدُ بِاللِّباسِ؛ وأمّا مَن قَرَأ: "نَنْشُرُها"؛ بِفَتْحِ النُّونِ؛ وضَمِّ الشِّينِ؛ فَلَعَلَّهُ أرادَ بِهِ ضِدَّ الطَّيِّ؛ كَما قالَ الفَرّاءُ؛ فالمَعْنى: "كَيْفَ نَبْسُطُها"؛ والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن "العِظامِ"؛ أيْ: وانْظُرْ إلَيْها مُرَكَّبَةً؛ مَكْسُوَّةً لَحْمًا؛ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ أيْ: وانْظُرْ إلى العِظامِ؛ كَيْفِيَّةِ إنْشازِها؛ وبَسْطِ اللَّحْمِ عَلَيْها؛ ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِكَيْفِيَّةِ نَفْخِ الرُّوحِ؛ لِما أنَّها مِمّا لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ بَيانَهُ؛ رُوِيَ أنَّهُ نُودِيَ: "أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ؛ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَجْتَمِعِي"؛ فاجْتَمَعَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِها؛ الَّتِي ذَهَبَ بِها الطَّيْرُ؛ والسِّباعُ؛ وطارَتْ بِها الرِّياحُ مِن كُلِّ سَهْلٍ؛ وجَبَلٍ؛ فانْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ؛ والتَصَقَ كُلُّ عُضْوٍ بِما يَلِيقُ بِهِ؛ الضِّلْعُ بِالضِّلْعِ؛ والذِّراعُ بِمَحَلِّها؛ والرَّأْسُ بِمَوْضِعِها؛ ثُمَّ الأعْصابُ؛ والعُرُوقُ؛ ثُمَّ انْبَسَطَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ؛ (p-255)ثُمَّ الجِلْدُ؛ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنهُ الشُّعُورُ؛ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ؛ فَإذا هو قائِمٌ يَنْهَقُ؛ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾؛ أيْ: ما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ مِن كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ بِمَبادِيهِ؛ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ المَذْكُورُ؛ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ تَحَقُّقِهِ؛ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ؛ ولِلْإشْعارِ بِسُرْعَةِ وُقُوعِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأنْشَزَها اللَّهُ (تَعالى)؛ وكَساها لَحْمًا؛ فَنَظَرَ إلَيْها؛ فَتَبَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّتُهُ؛ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ أيْ: اتَّضَحَ اتِّضاحًا تامًّا؛ ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شاهَدَهُ في نَفْسِهِ؛ وفي غَيْرِهِ؛ مِن تَعاجِيبِ الآثارِ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾؛ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ؛ وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ؛ نَظَرًا إلى أنَّ أصْلَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ ولَمْ يَتَبَدَّلْ؛ بَلْ إنَّما تَبَدَّلَ بِالعِيانِ وصْفُهُ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما قالَ ما قالَ بِناءً عَلى الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ؛ واسْتِعْظامًا لِلْأمْرِ؛ وقَدْ قِيلَ: فاعِلُ "تَبَيَّنَ" مُضْمَرٌ؛ يُفَسِّرُهُ مَفْعُولُ "أعْلَمُ"؛ أيْ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَتَدَبَّرْ. وقُرِئَ: "تُبُيِّنَ لَهُ"؛ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ؛ وقُرِئَ: "قالَ اعْلَمْ"؛ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ؛ رُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ حِمارَهُ؛ وأتى مَحَلَّتَهُ؛ وأنْكَرَهُ النّاسُ؛ وأنْكَرَ النّاسَ؛ وأنْكَرَ المَنازِلَ؛ فانْطَلَقَ عَلى وهْمٍ مِنهُ حَتّى أتى مَنزِلَهُ؛ فَإذا هو بِعَجُوزٍ عَمْياءَ مُقْعَدَةٍ؛ قَدْ أدْرَكَتْ زَمَنَعُزَيْرٍ؛ فَقالَ لَها عُزَيْرٌ: "يا هَذِهِ.. هَذا مَنزِلُ عُزَيْرٍ؟"؛ قالَتْ: نَعَمْ؛ وأيْنَ ذِكْرى عُزَيْرٍ؛ قَدْ فَقَدْناهُ مُنْذُ كَذا وكَذا؛ فَبَكَتْ بُكاءً شَدِيدًا؛ قالَ: "فَإنِّي عُزَيْرٌ"؛ قالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ؛ أنّى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قالَ: "قَدْ أماتَنِيَ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ؛ ثُمَّ بَعَثَنِي"؛ قالَتْ: إنَّ عُزَيْرًا كانَ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ؛ فادْعُ اللَّهَ لِي يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي حَتّى أراكَ؛ فَدَعا رَبَّهُ؛ ومَسَحَ بِيَدِهِ عَيْنَيْها؛ فَصَحَّتا؛ فَأخَذَ بِيَدِها؛ فَقالَ لَها: "قَوْمِي بِإذْنِ اللَّهِ"؛ فَقامَتْ صَحِيحَةً؛ كَأنَّها نَشِطَتْ مِن عِقالٍ؛ فَنَظَرَتْ إلَيْهِ؛ فَقالَتْ: أشْهَدُ أنَّكَ عُزَيْرٌ؛ فانْطَلَقَتْ إلى مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهم في أنْدِيَتِهِمْ؛ وكانَ في المَجْلِسِ ابْنٌ لِعُزَيْرٍ؛ قَدْ بَلَغَ مِائَةً وثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ؛ فَنادَتْ: هَذا عُزَيْرٌ؛ قَدْ جاءَكُمْ؛ فَكَذَّبُوها؛ فَقالَتْ: انْظُرُوا؛ فَإنِّي بِدُعائِهِ رَجَعْتُ إلى هَذِهِ الحالَةِ؛ فَنَهَضَ النّاسُ؛ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ؛ فَقالَ ابْنُهُ: كانَ لِأبِي شامَةٌ سَوْداءُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؛ مِثْلُ الهِلالِ؛ فَكَشَفَ؛ فَإذا هو كَذَلِكَ؛ وقَدْ كانَ قَتَلَ بُخْتَنَصَّرُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ مِن قُرّاءِ التَّوْراةِ أرْبَعِينَ ألْفَ رَجُلٍ؛ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهم نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْراةِ؛ ولا أحَدَ يَعْرِفُ التَّوْراةَ؛ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَخْرِمَ مِنها حَرْفًا؛ فَقالَ رَجُلٌ مِن أوْلادِ المَسْبِيِّينَ؛ مِمَّنْ ورَدَ بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ مَهْلِكِ بُخْتَنَصَّرَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي أنَّهُ دَفَنَ التَّوْراةَ يَوْمَ سُبِينا في خابِيَةٍ في كَرْمٍ؛ فَإنْ أرَيْتُمُونِي كَرْمَ جَدِّي أخْرَجْتُها لَكُمْ؛ فَذَهَبُوا إلى كَرْمِ جَدِّهِ؛ فَفَتَّشُوا؛ فَوَجَدُوها؛ فَعارَضُوها بِما أمْلى عَلَيْهِمْ عُزَيْرٌ عَنْ ظَهْرِ القَلْبِ فَما اخْتَلَفا في حَرْفٍ واحِدٍ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
البقرة 2:260
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾: دَلِيلٌ آخَرُ عَلى وِلايَتِهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وإخْراجِهِ لَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ؛ وإنَّما لَمْ يَسْلُكْ بِهِ مَسْلَكَ (p-256)الِاسْتِشْهادِ كَما قَبْلَهُ؛ بِأنْ يُقالَ: أوْ كالَّذِي قالَ: رَبِّ.. إلَخْ.. لِجَرَيانِ ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أثْناءِ المُحاجَّةِ؛ ولِأنَّهُ لا دَخْلَ لِنَفْسِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أصْلِ الدَّلِيلِ؛ كَدَأْبِ عُزَيْرٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإنَّ ما جَرى عَلَيْهِ مِن إحْيائِهِ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ؛ مِن جُمْلَةِ الشَّواهِدِ عَلى قدرته (تَعالى)؛ وهِدايَتِهِ؛ والظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِمُضْمَرٍ؛ صُرِّحَ بِمِثْلِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾؛ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وما وقَعَ حِينَئِذٍ مِن تَعاجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِتَقِفَ عَلى ما مَرَّ مِن وِلايَتِهِ (تَعالى)؛ وهِدايَتِهِ. وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ إلى الوَقْتِ؛ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الواقِعاتِ؛ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالتَّذْكِيرِ؛ لِما ذُكِرَ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها؛ لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها مُفَصَّلَةً؛ فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَتْ حاضِرَةً بِتَفاصِيلِها؛ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْها شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ أوْ لَمْ يُذْكَرْ؛ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ عِيانًا؛ "رَبِّ" كَلِمَةُ اسْتِعْطافٍ؛ قُدِّمَتْ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعاءِ مُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ الإجابَةِ؛ "أرِنِي"؛ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ؛ وبِدُخُولِ هَمْزَةِ النَّقْلِ طَلَبَتْ مَفْعُولًا آخَرَ؛ هو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ؛ المُعَلِّقَةُ لَها؛ فَإنَّها تُعَلَّقُ؛ كَما يُعَلَّقُ النَّظَرُ البَصَرِيُّ؛ أيْ: اجْعَلْنِي مُبْصِرًا؛ ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾؛ بِأنْ تُحْيِيَها وأنا أنْظُرُ إلَيْها؛ و"كَيْفَ" في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ وبِالحالِ؛ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ والعامِلُ فِيها "تُحْيِي"؛ أيْ: في أيِّ حالٍ؛ أوْ: عَلى أيِّ حالٍ تُحْيِي؛ قالَ القُرْطُبِيُّ: الِاسْتِفْهامُ بِـ "كَيْفَ" إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ حالِ شَيْءٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السّائِلِ؛ والمَسْؤُولِ؛ فالِاسْتِفْهامُ هَهُنا عَنْ هَيْئَةِ الإحْياءِ المُتَقَرِّرِ عِنْدَ السّائِلِ؛ أيْ: بَصِّرْنِي كَيْفِيَّةَ إحْيائِكَ لِلْمَوْتى؛ وإنَّما سَألَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَتَأيَّدَ إيقانُهُ بِالعِيانِ؛ ويَزْدادَ قَلْبُهُ اطْمِئْنانًا عَلى اطْمِئْنانٍ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ نَمْرُودَ لَمّا قالَ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ؛ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "إنَّ إحْياءَ اللَّهِ (تَعالى) بِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ"؛ فَقالَ نَمْرُودُ: هَلْ عايَنْتَهُ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يَقُولَ: نَعَمْ؛ فانْتَقَلَ إلى تَقْرِيرٍ آخَرَ؛ ثُمَّ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ ذَلِكَ؛ فَيَأْباهُ تَعْلِيلُ السُّؤالِ بِالِاطْمِئْنانِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: "ألَمْ تَعْلَمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ كَيْفَ أشاءُ؛ حَتّى تَسْألَنِي إراءَتَهُ؟"؛ قالَهُ - عَزَّ وعَلا - وهو أعْلَمُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أثْبَتُ النّاسِ إيمانًا؛ وأقْواهم يَقِينًا؛ لِيُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ لُطْفًا لِلسّامِعِينَ؛ ﴿قالَ بَلى﴾؛ عَلِمْتُ؛ وآمَنتُ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى الإحْياءِ؛ عَلى أيِّ كَيْفِيَّةٍ شِئْتَ؛ ﴿وَلَكِنْ﴾ سَألْتُ ما سَألْتُ؛ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ بِمُضامَّةِ العِيانِ إلى الإيمانِ؛ والإيقانِ؛ وأزْدادَ بَصِيرَةً بِمُشاهَدَتِهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ ﴿قالَ فَخُذْ﴾: الفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾؛ قِيلَ: هو اسْمٌ لِجَمْعِ "طائِرٌ"؛ كَـ "رَكْبٌ"؛ و"سَفْرٌ"؛ وقِيلَ: جَمْعٌ لَهُ كَـ "تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الجِنْسُ؛ وقِيلَ: هو تَخْفِيفُ "طَيِّرٌ"؛ بِمَعْنى "طائِرٌ"؛ كَـ "هَيْنٌ"؛ في "هَيِّنٌ"؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "خُذْ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "أرْبَعَةً"؛ أيْ: أرْبَعَةً كائِنَةً مِنَ الطَّيْرِ؛ قِيلَ: هِيَ: طاوُوسٌ؛ ودِيكٌ؛ وغُرابٌ؛ وحَمامَةٌ؛ وقِيلَ: نَسْرٌ؛ بَدَلَ الأخِيرِ؛ وتَخْصِيصُ الطَّيْرِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرُبُ إلى الإنْسانِ؛ وأجْمَعُ لِخَواصِّ الحَيَوانِ؛ ولِسُهُولَةِ تَأتِّي ما يُفْعَلُ بِهِ مِنَ التَّجْزِئَةِ؛ والتَّفْرِيقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾؛ مِن "صارَهُ؛ يَصُورُهُ"؛ أيْ: أمالَهُ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الصّادِ؛ مِن "صارَهُ؛ يَصِيرُهُ"؛ أيْ: أمِلْهُنَّ؛ واضْمُمْهُنَّ؛ وقُرِئَ: "فَصُرَّهُنَّ"؛ بِضَمِّ الصّادِ؛ وكَسْرِها؛ وتَشْدِيدِ الرّاءِ؛ مِن "صَرَّهُ؛ يَصُرُّهُ؛ ويَصِرُّهُ"؛ إذا جَمَعَهُ؛ وقُرِئَ: "فَصَرِّهِنَّ"؛ مِن "التَّصْرِيَةُ"؛ بِمَعْنى "الجَمْعُ"؛ أيْ: اجْمَعْهُنَّ؛ "إلَيْكَ"؛ لِتَتَأمَّلَها؛ وتَعْرِفَ شِياتِها مُفَصَّلَةً؛ حَتّى تَعْلَمَ بَعْدَ الإحْياءِ أنَّ جُزْءًا مِن أجْزائِها لَمْ يَنْتَقِلْ مِن مَوْضِعِهِ الأوَّلِ أصْلًا؛ رُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها؛ ويَنْتِفَ رِيشَها؛ ويُقَطِّعَها؛ ويُفَرِّقَ (p-257)أجْزاءَها؛ ويَخْلِطَ رِيشَها ودِماءَها ولُحُومَها؛ ويُمْسِكَ رُؤُوسَها؛ ثُمَّ أُمِرَ بِأنْ يَجْعَلَ أجْزاءَها عَلى الجِبالِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾؛ أيْ: جَزِّئْهُنَّ؛ وفَرِّقْ أجْزاءَهُنَّ عَلى ما بِحَضْرَتِكَ مِنَ الجِبالِ؛ قِيلَ: كانَتْ أرْبَعَةَ أجْبُلٍ؛ وقِيلَ: سَبْعَةً؛ فَجَعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ رُبُعًا؛ أوْ سُبُعًا؛ مِن كُلِّ طائِرٍ؛ وقُرِئَ: "جُزُؤًا"؛ بِضَمَّتَيْنِ؛ و"جُزًّا"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ بِطَرْحِ هَمْزَتِهِ تَخْفِيفًا؛ ثُمَّ تَشْدِيدِهِ عِنْدَ الوَقْفِ؛ ثُمَّ إجْراءِ الوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ؛ ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ﴾؛ في حَيِّزِ الجَزْمِ؛ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ؛ ولَكِنَّهُ بُنِيَ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ؛ ﴿سَعْيًا﴾؛ أيْ: ساعِياتٍ؛ مُسْرِعاتٍ؛ أوْ: ذَواتِ سَعْيٍ؛ طَيَرانًا؛ أوْ مَشْيًا؛ وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى حِكايَةِ أوامِرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِامْتِثالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولا لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن عَجائِبِ آثارِ قدرته (تَعالى)؛ كَما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نادى؛ فَقالَ: "تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللَّهِ"؛ فَجَعَلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُنَّ يَطِيرُ إلى صاحِبِهِ؛ حَتّى صارَتْ جُثَثًا؛ ثُمَّ أقْبَلْنَ إلى رُؤُوسِهِنَّ؛ فانْضَمَّتْ كُلُّ جُثَّةٍ إلى رَأْسِها؛ فَعادَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرَتُّبَ تِلْكَ الأُمُورِ عَلى الأوامِرِ الجَلِيلَةِ؛ واسْتِحالَةِ تَخَلُّفِها عَنْها؛ مِنَ الجَلاءِ؛ والظُّهُورِ؛ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الذِّكْرِ أصْلًا؛ وناهِيكَ بِالقِصَّةِ دَلِيلًا عَلى فَضْلِ الخَلِيلِ؛ ويُمْنِ الضَّراعَةِ في الدُّعاءِ؛ وحُسْنِ الأدَبِ في السُّؤالِ؛ حَيْثُ أراهُ اللَّهُ (تَعالى) ما سَألَهُ في الحالِ؛ عَلى أيْسَرِ ما يَكُونُ مِنَ الوُجُوهِ؛ وأرى عُزَيْرًا ما أراهُ؛ بَعْدَما أماتَهُ مِائَةَ عامٍ؛ ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ عَمّا يُرِيدُهُ؛ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ في أفاعِيلِهِ؛ فَلَيْسَ بِناءُ أفْعالِهِ عَلى الأسْبابِ العادِيَّةِ لِعَجْزِهِ عَنْ إيجادِها بِطَرِيقٍ آخَرَ خارِقٍ لِلْعاداتِ؛ بَلْ لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِلْحِكَمِ؛ والمَصالِحِ.
البقرة 2:261
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: في وُجُوهِ الخَيْراتِ؛ مِنَ الواجِبِ؛ والنَّفْلِ؛ ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾؛ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِ الجانِبَيْنِ؛ أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ؛ أوْ: مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ؛ ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾؛ أيْ: أخْرَجَتْ ساقًا تَشَعَّبَ مِنها سَبْعُ شُعَبٍ؛ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها سُنْبُلَةٌ؛ ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾؛ كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في الذُّرَةِ؛ والدُّخْنِ؛ في الأراضِي المُغِلَّةِ؛ بَلْ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ؛ وإسْنادُ الإنْباتِ إلى الحَبَّةِ مَجازِيٌّ؛ كَإسْنادِهِ إلى الأرْضِ؛ والرَّبِيعِ؛ وهَذا التَّمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْأضْعافِ؛ كَأنَّها حاضِرَةٌ بَيْنَ يَدَيِ النّاظِرِ؛ ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ﴾؛ تِلْكَ المُضاعَفَةَ؛ أوْ فَوْقَها؛ إلى ما شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾؛ أنْ يُضاعِفَ لَهُ بِفَضْلِهِ؛ عَلى حَسَبِ حالِ المُنْفِقِ مِن إخْلاصِهِ؛ وتَعَبِهِ؛ ولِذَلِكَ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ الأعْمالِ في مَقادِيرِ الثَّوابِ؛ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾؛ لا يَضِيقُ عَلَيْهِ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِنِيَّةِ المُنْفِقِ؛ ومِقْدارِ إنْفاقِهِ؛ وكَيْفِيَّةِ تَحْصِيلِ ما أنْفَقَهُ.
البقرة 2:262
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ جِيءَ بِها لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ؛ الَّذِي بُيِّنَ فَضْلُهُ بِالتَّمْثِيلِ المَذْكُورِ؛ ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾؛ (p-258)أيْ: ما أنْفَقُوهُ؛ أوْ: إنْفاقَهُمْ؛ ﴿مَنًّا ولا أذًى﴾: "المَنُّ": أنْ يَعْتَدَّ عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ بِإحْسانِهِ؛ ويُرِيَهُ أنَّهُ أوْجَبَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَقًّا؛ و"الأذى": أنْ يَتَطاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إنْعامِهِ عَلَيْهِ؛ وإنَّما قُدِّمَ المَنُّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ. وتَوْسِيطُ كَلِمَةِ "لا" لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ لِإتْباعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ و"ثُمَّ" لِإظْهارِ عُلُوِّ رُتْبَةِ المَعْطُوفِ؛ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ بِألْفِ بَعِيرٍ؛ بِأقْتابِها؛ وأحْلاسِها؛ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ حِينَ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً؛ ولَمْ يَكَدْ يَخْطُرُ بِبالِهِما شَيْءٌ مِنَ المَنِّ؛ والأذى؛ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾؛ أيْ: حَسْبَما وُعِدَ لَهم في ضِمْنِ التَّمْثِيلِ؛ وهو جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ؛ وخَبَرٍ؛ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ؛ وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ؛ وتَقْيِيدِ الأجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ مِنَ التَّأْكِيدِ؛ والتَّشْرِيفِ؛ ما لا يَخْفى؛ وتَخْلِيَةُ الخَبَرِ عَنِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرَتُّبَ الأجْرِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإنْفاقِ؛ وتَرْكِ إتْباعِ المَنِّ والأذى؛ أمْرٌ بَيِّنٌ؛ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِيَّةِ؛ وأمّا إيهامُ أنَّهم أهْلٌ لِذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ فَكَيْفَ بِهِمْ إذا فَعَلُوا؟ فَيَأْباهُ مَقامُ التَّرْغِيبِ في الفِعْلِ؛ والحَثِّ عَلَيْهِ؛ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ في الدّارَيْنِ؛ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ مِنَ المَكارِهِ؛ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ لِفَواتِ مَطْلُوبٍ مِنَ المَطالِبِ؛ قَلَّ؛ أوْ جَلَّ؛ أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُهُ؛ لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهم لا يَخافُونَ؛ ولا يَحْزَنُونَ؛ ولا أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِمْ خَوْفٌ؛ وحُزْنٌ أصْلًا؛ بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّشاطِ؛ والسُّرُورِ؛ كَيْفَ لا.. واسْتِشْعارُ الخَوْفِ؛ والخَشْيَةِ؛ اسْتِعْظامًا لِجَلالِ اللَّهِ (تَعالى) وهَيْبَتِهِ؛ واسْتِقْصارًا لِلْجِدِّ؛ والسَّعْيِ في إقامَةِ حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ؛ مِن خَواصِّ الخَواصِّ؛ والمُقَرَّبِينَ؟ والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما؛ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما؛ كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا؛ لِما أنَّ النَّفْيَ؛ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ؛ والِاسْتِمْرارَ؛ بِحَسَبِ المَقامِ.
البقرة 2:263
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أيْ: كَلامٌ جَمِيلٌ؛ تَقْبَلُهُ القُلُوبُ؛ ولا تُنْكِرُهُ؛ يُرَدُّ بِهِ السّائِلُ مِن غَيْرِ إعْطاءِ شَيْءٍ؛ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أيْ: سَتْرٌ لِما وقَعَ مِنَ السّائِلِ مِنَ الإلْحافِ في المَسْألَةِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ؛ وصَفْحٌ عَنْهُ؛ وإنَّما صَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ في الأوَّلِ لِاخْتِصاصِها بِالوَصْفِ؛ وفي الثّانِي بِالعَطْفِ؛ أوْ بِالصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ؛ أيْ: ومَغْفِرَةٌ كائِنَةٌ مِنَ المَسْؤُولِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ أيْ: لِلسّائِلِ؛ ﴿مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾؛ لِكَوْنِها مَشُوبَةً بِضَرَرِ ما يَتْبَعُها؛ وخُلُوصِ الأوَّلَيْنِ مِنَ الضَّرَرِ؛ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِاعْتِبارِ تَرْكِ إتْباعِ المَنِّ والأذى؛ وتَفْسِيرُ المَغْفِرَةِ بِنَيْلِ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ؛ أوْ بِعَفْوِ السّائِلِ؛ بِناءً عَلى اعْتِبارِ الخَيْرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَسْؤُولِ؛ يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ في الصَّدَقَةِ المَوْصُوفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خَيْرٌ في الجُمْلَةِ؛ مَعَ بُطْلانِها بِالمَرَّةِ؛ ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾؛ لا يُحْوِجُ الفُقَراءَ إلى تَحَمُّلِ مُؤْنَةِ المَنِّ؛ والأذى؛ ويَرْزُقُهم مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ لا يُعاجِلُ أصْحابَ المَنِّ؛ والأذى بِالعُقُوبَةِ؛ لا أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَها بِسَبَبِهِما؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها؛ مُشْتَمِلٌ عَلى الوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ مُقَرِّرٌ لِاعْتِبارِ الخَيْرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى السّائِلِ قَطْعًا.
البقرة 2:264
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: (p-259)أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ؛ إثْرَ بَيانِ ما بَيَّنَ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ؛ مُبالَغَةً في إيجابِ العَمَلِ بِمُوجِبِ النَّهْيِ؛ ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾؛ أيْ: لا تُحْبِطُوا أجْرَها بِواحِدٍ مِنهُما؛ ﴿كالَّذِي﴾: في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ إمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تُبْطِلُوها إبْطالًا كَإبْطالِ الَّذِي؛ ﴿يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾؛ وإمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُبْطِلُوا"؛ أيْ: لا تُبْطِلُوها مُشابِهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ؛ أيْ: الَّذِي يُبْطِلُ إنْفاقَهُ بِالرِّياءِ؛ وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ؛ عَلى ما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ؛ وانْتِصابُ "رِئاءَ" إمّا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِـ "يُنْفِقُ"؛ أيْ: لِأجْلِ رِئائِهِمْ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ مُرائِيًا؛ والمُرادُ بِهِ المُنافِقُ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ حَتّى يَرْجُوَ ثَوابًا؛ أوْ يَخْشى عِقابًا؛ ﴿فَمَثَلُهُ﴾؛ الفاءُ لِرَبْطِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ أيْ: فَمَثَلُ المُرائِي في الإنْفاقِ؛ وحالَتِهِ العَجِيبَةِ؛ ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾؛ أيْ: حَجَرٍ أمْلَسَ؛ ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ يَسِيرُ مِنهُ؛ ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾؛ أيْ: مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ؛ ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾؛ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الغُبارِ أصْلًا؛ ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾؛ لا يَنْتَفِعُونَ بِما فَعَلُوا رِئاءً؛ ولا يَجِدُونَ لَهُ ثَوابًا قَطْعًا؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾؛ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ؛ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ.. إلَخْ.. ومِن ضَرُورَةِ كَوْنِ مَثَلِهِمْ كَما ذُكِرَ كَوْنُ مَثَلِ مَن يُشْبِهُهُمْ؛ وهم أصْحابُ المَنِّ؛ والأذى؛ كَذَلِكَ؛ والضَّمِيرانِ الأخِيرانِ لِلْمَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾؛ لِما أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ؛ أوِ الجَمْعُ؛ أوِ الفَرِيقُ؛ كَما أنَّ الضَّمائِرَ الأرْبَعَةَ السّابِقَةَ لَهُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ؛ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾؛ إلى الخَيْرِ؛ والرَّشادِ؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الرِّياءِ؛ والمَنِّ؛ والأذى؛ مِن خَصائِصِ الكُفّارِ؛ ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَجْتَنِبُوها.
البقرة 2:265
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾: أيْ: لِطَلَبِ رِضاهُ؛ ﴿وَتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: ولِتَثْبِيتِ بَعْضِ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ؛ فَـ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "هَزَّ مِن عِطْفِهِ"؛ و"حَرَّكَ مِن نَشاطِهِ"؛ فَإنَّ المالَ شَقِيقُ الرُّوحِ؛ فَمَن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ (تَعالى) فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ؛ ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ فَقَدْ ثَبَّتَها كُلَّها؛ أوْ: وتَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ؛ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ؛ فَـ "مِن" ابْتِدائِيَّةٌ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةُ الإيمانِ؛ مُخْلِصَةٌ فِيهِ؛ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَتَبْيِينًا مِن أنْفُسِهِمْ"؛ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ؛ وحُبِّ المالِ؛ الَّذِي هو رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ؛ ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾؛ "الرَّبْوَةُ" - بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ؛ وقَدْ قُرِئَتْ بِها -: المَكانُ المُرْتَفِعُ؛ أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ في الزَّكاةِ كَمَثَلِ بُسْتانٍ كائِنٍ بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ؛ مَأْمُونٍ مِن أنْ يَصْطَلِمَهُ البَرْدُ؛ لِلَطافَةِ هَوائِهِ بِهُبُوبِ الرِّياحِ المُلَطِّفَةِ لَهُ؛ فَإنَّ أشْجارَ الرُّبا تَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا؛ وأزْكى ثَمَرًا؛ وأمّا الأراضِي المُنْخَفِضَةُ فَقَلَّما تَسْلَمُ ثِمارُها مِنَ البَرْدِ؛ لِكَثافَةِ هَوائِها بِرُكُودِ الرِّياحِ؛ وقُرِئَ: "كَمَثَلِ حَبَّةٍ"؛ ﴿أصابَها وابِلٌ﴾: مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ؛ ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾؛ ثَمَرَتَها؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الكافِ؛ تَخْفِيفًا؛ ﴿ضِعْفَيْنِ﴾؛ أيْ: مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ في سائِرِ الأوْقاتِ؛ بِسَبَبِ ما أصابَها مِنَ (p-260)الوابِلِ؛ والمُرادُ بِالضِّعْفِ: المِثْلُ؛ وقِيلَ: أرْبَعَةُ أمْثالٍ؛ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن "أُكُلَها"؛ أيْ: مُضاعَفًا؛ ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾؛ أيْ: فَطَلٌّ يَكْفِيها؛ لِجَوْدَتِها؛ وكَرَمِ مَنبَتِها؛ ولَطافَةِ هَوائِها؛ وقِيلَ: فَيُصِيبُها طَلٌّ؛ وهو المَطَرُ الصَّغِيرُ القَطْرِ؛ وقِيلَ: فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ؛ والمَعْنى أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ لا تَضِيعُ بِحالٍ؛ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِاعْتِبارِ ما يُقارِنُها مِنَ الأحْوالِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ التَّمْثِيلُ بَيْنَ حالِهِمْ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النَّفَقَةِ الكَثِيرَةِ؛ والقَلِيلَةِ؛ وبَيْنَ الجَنَّةِ المَعْهُودَةِ؛ بِاعْتِبارِ ما أصابَها مِنَ المَطَرِ الكَثِيرِ؛ واليَسِيرِ؛ فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أُكُلَها؛ فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهُمْ؛ جَلَّتْ؛ أوْ قَلَّتْ؛ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ (تَعالى)؛ زاكِيَةٌ؛ زائِدَةٌ في زُلْفاهُمْ؛ وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ؛ وهو تَرْغِيبٌ في الإخْلاصِ؛ مَعَ تَحْذِيرٍ مِنَ الرِّياءِ ونَحْوِهِ.
البقرة 2:266
﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾: "الوُدُّ": حُبُّ الشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ؛ ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَهُما؛ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ كَما في قَوْلِهِ: "أأضْرِبُ أبِي؟"؛ لا لِإنْكارِ الواقِعِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "أتَضْرِبُ أباكَ؟"؛ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ لَيْسَ جَمِيعَ ما تَعَلَّقَ بِهِ الوُدُّ؛ بَلْ إنَّما هو إصابَةُ الإعْصارِ؛ وما يَتْبَعُها مِنَ الِاحْتِراقِ؛ ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؛ وقُرِئَ: "جَنّاتٌ"؛ ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾؛ أيْ: كائِنَةٌ مِنهُما؛ عَلى أنْ يَكُونَ الأصْلُ؛ والرُّكْنُ فِيها هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ؛ الجامِعَيْنِ لِفُنُونِ المَنافِعِ؛ والباقِي مِنَ المُسْتَتْبِعاتِ؛ لا عَلى أنْ يَكُونَ فِيها غَيْرُهُما؛ كَما سَتَعْرِفُهُ؛ و"الجَنَّةُ": تُطْلَقُ عَلى الأشْجارِ المُلْتَفَّةِ؛ المُتَكاثِفَةِ؛ قالَ زُهَيْرٌ:
؎ كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُفَتَّلَةٍ ∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
وَعَلى الأرْضِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها؛ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ إذْ عَلى الثّانِي لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: مِن تَحْتِ أشْجارِها؛ وكَذا لا بُدَّ مِن جَعْلِ إسْنادِ الِاحْتِراقِ إلَيْها فِيما سَيَأْتِي مَجازِيًّا؛ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّها صِفَةُ "جَنَّةٌ"؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾؛ كَذَلِكَ؛ أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّها حالٌ مِنها؛ لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ؛ ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾: الظَّرْفُ الأوَّلُ خَبَرٌ؛ والثّانِي حالٌ؛ والثّالِثُ مُبْتَدَأٌ؛ أيْ: صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَإ؛ قائِمَةٌ مَقامَهُ؛ أيْ: لَهُ رِزْقٌ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أيْ: وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ.. إلَخْ.. ولَيْسَ المُرادُ بِالثَّمَراتِ العُمُومَ؛ بَلْ إنَّما هو التَّكْثِيرُ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾؛ أيْ: كِبَرُ السِّنِّ؛ الَّذِي هو مَظِنَّةُ شِدَّةِ الحاجَةِ إلى مَنافِعِها؛ ومَئِنَّةُ كَمالِ العَجْزِ عَنْ تَدارُكِ أسْبابِ المَعاشِ؛ والواوُ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ؛ ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "أصابَهُ"؛ أيْ: أصابَهُ الكِبَرُ والحالُ أنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً صِغارًا؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى الكَسْبِ؛ وتَرْتِيبِ مَبادِي المَعاشِ؛ وقُرِئَ: "ضِعافٌ"؛ ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾؛ أيْ: رِيحٌ عاصِفَةٌ؛ تَسْتَدِيرُ في الأرْضِ؛ ثُمَّ تَنْعَكِسُ مِنها ساطِعَةً إلى السَّماءِ؛ عَلى هَيْئَةِ العَمُودِ؛ ﴿فِيهِ نارٌ﴾؛ شَدِيدَةٌ؛ ﴿فاحْتَرَقَتْ﴾: عَطْفٌ عَلى "فَأصابَها"؛ وهَذا كَما تَرى تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن يَعْمَلُ أعْمالَ البِرِّ والحَسَناتِ؛ ويَضُمُّ إلَيْها ما يُحْبِطُها مِنَ القَوادِحِ؛ ثُمَّ يَجِدُها يَوْمَ القِيامَةِ؛ عِنْدَ كَمالِ حاجَتِهِ إلى ثَوابِها؛ هَباءً مَنثُورًا؛ في التَّحَسُّرِ؛ (p-261)والتَّأسُّفِ عَلَيْها؛ ﴿كَذَلِكَ﴾: تَوْحِيدُ الكافِ؛ مَعَ كَوْنِ المُخاطَبِ جَمْعًا؛ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ مِرارًا؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ الجارِي في الظُّهُورِ مُجْرى الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ كَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها؛ وتَعْتَبِرُوا بِما فِيها مِنَ العِبَرِ؛ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها.
البقرة 2:267
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾: بَيانٌ لِحالِ ما يُنْفَقُ مِنهُ؛ إثْرَ بَيانِ أصْلِ الإنْفاقِ؛ وكَيْفِيَّتِهِ؛ أيْ: أنْفِقُوا مِن حَلالِ ما كَسَبْتُمْ؛ وجِيادِهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ .
﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾: أيْ: مِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الحُبُوبِ؛ والثِّمارِ؛ والمَعادِنِ؛ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾؛ بِفَتْحِ التّاءِ؛ أصْلُهُ: "وَلا تَتَيَمَّمُوا"؛ وقُرِئَ بِضَمِّها؛ وقُرِئَ: "وَلا تَأمَّمُوا"؛ والكُلُّ بِمَعْنى: "القَصْدُ"؛ أيْ: لا تَقْصِدُوا؛ ﴿الخَبِيثَ﴾؛ أيْ: الرَّدِيءَ؛ الخَسِيسَ؛ وهو كالطَّيِّبِ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ؛ الَّتِي لا تُذْكَرُ مَوْصُوفاتُها؛ ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾: الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُنْفِقُونَ"؛ والضَّمِيرُ لِـ "الخَبِيثَ"؛ والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تَيَمَّمُوا"؛ أيْ: لا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ؛ قاصِرِينَ الإنْفاقَ عَلَيْهِ؛ أوْ مِن "الخَبِيثَ"؛ أيْ: مُخْتَصًّا بِهِ الإنْفاقُ؛ وأيًّا ما كانَ فالتَّخْصِيصُ لِتَوْبِيخِهِمْ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن إنْفاقِ الخَبِيثِ خاصَّةً؛ لا لِتَسْوِيغِ إنْفاقِهِ مَعَ الطَّيِّبِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهم كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِحَشَفِ التَّمْرِ؛ وشِرارِهِ؛ فَنُهُوا عَنْهُ؛ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "الخَبِيثَ"؛ والضَّمِيرُ لِلْمالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ بِحَسَبِ المَقامِ؛ أوْ لِلْمَوْصُولَيْنِ؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
؎ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أوْ لِلثّانِي؛ وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِما أنَّ التَّفاوُتَ فِيهِ أكْثَرُ؛ و"تُنْفِقُونَ" حالٌ مِنَ الفاعِلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: ولا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ كائِنًا مِنَ المالِ؛ أوْ مِمّا كَسَبْتُمْ؛ وما أخْرَجْنا لَكُمْ؛ أوْ مِمّا أخْرَجْنا لَكُمْ؛ مُنْفِقِينَ إيّاهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾: حالٌ؛ عَلى كُلِّ حالٍ؛ مِن واوِ "تُنْفِقُونَ"؛ أيْ: والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في مُعامَلاتِكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ أوْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: إلّا وقْتَ إغْماضِكم فِيهِ؛ أوْ: إلّا بِإغْماضِكم فِيهِ؛ وهو عِبارَةٌ عَنِ المُسامَحَةِ؛ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ؛ أوْ الِاسْتِعارَةِ؛ يُقالُ: "أغْمَضَ بَصَرَهُ"؛ إذا غَضَّهُ؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ عَلى مَعْنى: "إلّا أنْ تُحْمَلُوا عَلى الإغْماضِ؛ وتُدْخَلُوا فِيهِ؛ أوْ تُوجَدُوا مُغْمَضِينَ"؛ وقُرِئَ: "تَغْمُضُوا"؛ و"تَغْمِضُوا"؛ بِضَمِّ المِيمِ؛ وكَسْرِها؛ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾؛ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ؛ فَقِيلَ - عَلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ؛ والتَّقْرِيعِ -: "مِنهُ تُنْفِقُونَ؛ والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ إلّا إذا أغْمَضْتُمْ فِيهِ"؛ ومَآلُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمِنهُ تُنْفِقُونَ.. إلَخْ..
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾؛ عَنْ إنْفاقِكُمْ؛ وإنَّما يَأْمُرُكم بِهِ لِمَنفَعَتِكُمْ؛ وفي الأمْرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ؛ مَعَ ظُهُورِ عِلْمِهِمْ بِهِ؛ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى ما يَصْنَعُونَ مِن إعْطاءِ الخَبِيثِ؛ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الجَهْلِ بِشَأْنِهِ (تَعالى)؛ فَإنَّ إعْطاءَ مِثْلِهِ إنَّما يَكُونُ عادَةً عِنْدَ اعْتِقادِ المُعْطِي أنَّ الآخِذَ مُحْتاجٌ إلى ما يُعْطِيهِ؛ بَلْ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ؛ ﴿حَمِيدٌ﴾؛ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ؛ عَلى نِعَمِهِ العِظامِ؛ وقِيلَ: حامِدٌ بِقَبُولِ الجَيِّدِ؛ والإثابَةِ عَلَيْهِ.
البقرة 2:268
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾: "الوَعْدُ": هو الإخْبارُ بِما سَيَكُونُ مِن جِهَةِ المُخْبِرِ؛ مُتَرَتِّبًا (p-262)عَلى شَيْءٍ مِن زَمانٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ اسْتِعْمالَهُ في الخَيْرِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: يَعِدُكم في الإنْفاقِ الفَقْرَ؛ ويَقُولُ: إنَّ عاقِبَةَ إنْفاقِكم أنْ تَفْتَقِرُوا؛ وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَعْدِ؛ مَعَ أنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يُضِفْ مَجِيءَ الفَقْرِ إلى جِهَتِهِ؛ لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِهِ في الإخْبارِ بِتَحَقُّقِ مَجِيئِهِ؛ كَأنَّهُ نَزَّلَهُ في تَقَرُّرِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ أفْعالِهِ الواقِعَةِ بِحَسَبِ إرادَتِهِ؛ أوْ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ وعْدِهِ (تَعالى)؛ عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الفاءِ؛ والسُّكُونِ؛ وبِضَمَّتَيْنِ؛ وبِفَتْحَتَيْنِ؛ ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾؛ أيْ: بِالخَصْلَةِ الفَحْشاءِ؛ أيْ: ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ؛ ومَنعِ الصَّدَقاتِ؛ إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ "فاحِشًا"؛ قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
وَقِيلَ: بِالمَعاصِي والسَّيِّئاتِ؛ ﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾؛ أيْ: في الإنْفاقِ؛ ﴿مَغْفِرَةً﴾؛ لِذُنُوبِكُمْ؛ والجارُّ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنهُ﴾؛ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ هو صِفَةٌ لِـ "مَغْفِرَةً"؛ مُؤَكِّدَةٌ لِفَخامَتِها؛ الَّتِي أفادَها تَنْكِيرُها؛ أيْ: مَغْفِرَةً أيَّ مَغْفِرَةٍ؛ مَغْفِرَةً كائِنَةً مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿وَفَضْلا﴾: صِفَتُهُ مَحْذُوفَةٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾؛ ونَظائِرِهِ؛ أيْ: وفَضْلًا كائِنًا مِنهُ (تَعالى)؛ أيْ: خَلَفًا مِمّا أنْفَقْتُمْ؛ زائِدًا عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِلشَّيْطانِ؛ وقِيلَ: ثَوابًا في الآخِرَةِ؛ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾؛ قُدْرَةً؛ وفَضْلًا؛ فَيُحَقِّقُ ما وعَدَكم بِهِ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ وإخْلافِ ما تُنْفِقُونَهُ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ مُبالِغٌ في العِلْمِ؛ فَيَعْلَمُ إنْفاقَكُمْ؛ فَلا يَكادُ يُضِيعُ أجْرَكُمْ؛ أوْ: يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ والفَضْلِ؛ فَلا احْتِمالَ لِلْخُلْفِ في الوَعْدِ؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
البقرة 2:269
﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾: قالَ مُجاهِدٌ: الحِكْمَةُ: هي القرآن؛ والعِلْمُ؛ والفِقْهُ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ أنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ؛ والعَمَلِ؛ وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ أنَّها مَعْرِفَةُ مَعانِي الأشْياءِ؛ وفَهْمُها؛ وقِيلَ: هي مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ؛ وقِيلَ: هي الإقْدامُ عَلى الأفْعالِ الحَسَنَةِ؛ الصّائِبَةِ؛ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها تُفَسَّرُ في القرآن بِأرْبَعَةِ أوْجُهٍ؛ فَتارَةً بِمَواعِظِ القرآن؛ وأُخْرى بِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأسْرارِ؛ ومَرَّةً بِالعِلْمِ والفَهْمِ؛ وأُخْرى بِالنُّبُوَّةِ؛ ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِالمَقامِ ما يَنْتَظِمُ الأحْكامَ المُبَيَّنَةَ في تَضاعِيفِ الآياتِ الكَرِيمَةِ؛ مِن أحَدِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ ومَعْنى إيتائِها: تَبْيِينُها؛ والتَّوْفِيقُ لِلْعِلْمِ؛ والعَمَلِ بِها؛ أيْ: يُبَيِّنُها ويُوَفِّقُ لِلْعِلْمِ؛ والعَمَلِ بِها؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ مِن عِبادِهِ أنْ يُؤْتِيَها إيّاهُ؛ بِمُوجِبِ سَعَةِ فَضْلِهِ؛ وإحاطَةِ عِلْمِهِ؛ كَما آتاكم ما بَيَّنَهُ في ضِمْنِ الآيِ؛ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ؛ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ مَنافِعِكُمْ؛ فاغْتَنِمُوها؛ وسارِعُوا إلى العَمَلِ بِها؛ والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "يُؤْتِي"؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي لِلْعِنايَةِ بِهِ؛ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾؛ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ أيْ: ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ (تَعالى) الحِكْمَةَ؛ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها؛ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ؛ ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾؛ أيْ: أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ؛ فَإنَّهُ قَدْ خِيرَ لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ؛ ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾؛ أيْ: وما يَتَّعِظُ بِما أُوتِيَ مِنَ الحِكْمَةِ؛ أوْ: وما يَتَفَكَّرُ فِيها؛ ﴿إلا أُولُو الألباب﴾؛ أيْ: العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ؛ والرُّكُونِ إلى مُشايَعَةِ الهَوى؛ وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في المُحافَظَةِ عَلى الأحْكامِ الوارِدَةِ في شَأْنِ الإنْفاقِ ما لا يَخْفى؛ والجُمْلَةُ إمّا حالٌ؛ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.
البقرة 2:270
(p-263)﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾: بَيانٌ لِحُكْمٍ كُلِّيٍّ؛ شامِلٍ لِجَمِيعِ أفْرادِ النَّفَقاتِ؛ وما في حُكْمِها؛ إثْرَ بَيانِ حُكْمِ ما كانَ مِنها في سَبِيلِ اللَّهِ؛ و"ما" إمّا شَرْطِيَّةٌ؛ أوْ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها مِنَ الصِّلَةِ؛ أيْ: وما أنْفَقْتُمُوهُ مِن نَفَقَةٍ؛ أيْ: أيَّ نَفَقَةٍ كانَتْ؛ في حَقٍّ؛ أوْ باطِلٍ؛ في سِرٍّ؛ أوْ عَلانِيَةٍ؛ قَلِيلَةٍ؛ أوْ كَثِيرَةٍ؛ ﴿أوْ نَذَرْتُمْ﴾؛ "النَّذْرُ": عَقْدُ الضَّمِيرِ عَلى شَيْءٍ؛ والتِزامُهُ؛ وفِعْلُهُ؛ كَـ "ضَرْبٌ"؛ و"نَصْرٌ"؛ ﴿مِن نَذْرٍ﴾؛ أيَّ نَذْرٍ كانَ؛ في طاعَةٍ؛ أوْ مَعْصِيَةٍ؛ بِشَرْطٍ؛ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ؛ مُتَعَلِّقٍ بِالمالِ؛ أوْ بِالأفْعالِ؛ كالصِّيامِ؛ والصَّلاةِ؛ ونَحْوِهِما؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾؛ الفاءُ عَلى الأوَّلِ داخِلَةٌ عَلى الجَوابِ؛ وعَلى الثّانِي مَزِيدَةٌ في الخَبَرِ؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ مَعَ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِ العِلْمِ؛ لِاتِّحادِ المَرْجِعِ؛ بِناءً عَلى كَوْنِ العَطْفِ بِكَلِمَةِ "أوْ"؛ كَما في قَوْلِكَ: "زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو أكْرَمْتُهُ"؛ ولا يُقالُ: "أكْرَمْتُهُما"؛ ولِهَذا صِيرَ إلى التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ بَلْ يُعادُ الضَّمِيرُ تارَةً إلى المُقَدَّمِ؛ رِعايَةً لِلْأوَّلِيَّةِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾؛ وأُخْرى إلى المُؤَخَّرِ؛ رِعايَةً لِلْقُرْبِ؛ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ وفي قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾؛ وحَمْلُ النَّظْمِ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ؛ ونَظائِرِهِ؛ أوْ عَلى حَذْفِ الأوَّلِ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ - كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ وقَوْلِهِ:
؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وَنَحْوِهِما؛ مِمّا عُطِفَ فِيهِ بِالواوِ الجامِعَةِ - تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ نَعَمْ.. يَجُوزُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى "ما"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً؛ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ "إنَّ" لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها؛ إفادَةً لِتَحْقِيقِ الجَزاءِ؛ أيْ: فَإنَّهُ (تَعالى) يُجازِيكم عَلَيْهِ البَتَّةَ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ؛ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ فَهو تَرْغِيبٌ؛ وتَرْهِيبٌ؛ ووَعْدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾؛ بِالإنْفاقِ؛ والنَّذْرِ في المَعاصِي؛ أوْ: بِمَنعِ الصَّدَقاتِ؛ وعَدَمِ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ؛ أوْ: بِإنْفاقِ الخَبِيثِ؛ أوْ: بِالرِّياءِ؛ والمَنِّ؛ والأذى؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا يَنْتَظِمُهُ مَعْنى الظُّلْمِ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُوضَعَ فِيهِ؛ ﴿مِن أنْصارٍ﴾؛ أيْ: أعْوانٍ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعِقابِهِ؛ لا شَفاعَةً؛ ولا مُدافَعَةً؛ وإيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِمُقابَلَةِ الظّالِمِينَ؛ أيْ: وما لِظالِمٍ مِنَ الظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ مِنَ الأنْصارِ؛ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما فِيما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ؛ مُفِيدٌ لِفَظاعَةِ حالِ مَن يَفْعَلُ ما يُفْعَلُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِتَحْصِيلِ الأعْوانِ؛ ورِعايَةِ الخِلّانِ.
البقرة 2:271
﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾: نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِبَعْضِ ما أُجْمِلَ في الشَّرْطِيَّةِ؛ وبَيانٌ لَهُ؛ ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما؛ أيْ: إنْ تُظْهِرُوا الصَّدَقاتِ؛ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها؛ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ رِياءٌ وسُمْعَةٌ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ عَلى الأصْلِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ؛ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ؛ وهَذا في الصَّدَقاتِ المَفْرُوضَةِ؛ وأمّا في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فالإخْفاءُ أفْضَلُ؛ وهي الَّتِي أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنْ تُخْفُوها﴾؛ أيْ: تُعْطُوها خُفْيَةً؛ ﴿وَتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾؛ ولَعَلَّ التَّصْرِيحَ بِإيتائِها الفُقَراءَ؛ مَعَ أنَّهُ واجِبٌ في الإبْداءِ أيْضًا؛ لِما أنَّ الإخْفاءَ مَظِنَّةُ الِالتِباسِ؛ والِاشْتِباهِ؛ فَإنَّ الغَنِيَّ رُبَّما يَدَّعِي الفَقْرَ؛ ويُقْدِمُ عَلى قَبُولِ الصَّدَقَةِ سِرًّا؛ ولا (p-264)يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ النّاسِ؛ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أيْ: فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الإبْداءِ؛ وهَذا في التَّطَوُّعِ؛ ومَن لَمْ يُعَرِّفْ بِالمالِ؛ وأمّا في الواجِبِ فالأمْرُ بِالعَكْسِ؛ لِدَفْعِ التُّهْمَةِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا؛ وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا؛ ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أيْ: واللَّهُ يُكَفِّرُ؛ أوْ: الإخْفاءُ؛ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْئًا مِن سَيِّئاتِكُمْ؛ كَما سَتَرْتُمُوها؛ وقِيلَ: مَزِيدَةٌ؛ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ؛ وقُرِئَ بِالتّاءِ؛ مَرْفُوعًا؛ ومَجْزُومًا؛ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِـ "الصَّدَقاتِ"؛ وقُرِئَ بِالنُّونِ؛ مَرْفُوعًا؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ما بَعْدَ الفاءِ؛ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ؛ أوْ عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ؛ وقُرِئَ مَجْزُومًا؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ؛ وما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ مِنَ الإسْرارِ؛ والإعْلانِ؛ ﴿خَبِيرٌ﴾؛ فَهو تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ.
البقرة 2:272
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾: أيْ: لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ إلى الإتْيانِ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ المَحاسِنِ؛ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ المَعْدُودَةِ؛ وإنَّما الواجِبُ عَلَيْكَ الإرْشادُ إلى الخَيْرِ؛ والحَثُّ عَلَيْهِ؛ والنَّهْيُ عَنِ الشَّرِّ؛ والرَّدْعُ عَنْهُ؛ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ؛ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾؛ هِدايَةً خاصَّةً؛ مُوصِلَةً إلى المَطْلُوبِ حَتْمًا؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ هِدايَتَهُ إلى ذَلِكَ؛ مِمَّنْ يَتَذَكَّرُ بِما ذُكِرَ؛ ويَتَّبِعُ الحَقَّ؛ ويَخْتارُ الخَيْرَ؛ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ؛ جِيءَ بِها عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ؛ وتَوْجِيهِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ مَعَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ فِيما بَيْنَ الخِطاباتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُكَلَّفِينَ؛ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى الِامْتِثالِ؛ فَإنَّ الإخْبارَ بِعَدَمِ وُجُوبِ تَدارُكِ أمْرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْذِنٌ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ؛ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ؛ وقِيلَ: لَمّا كَثُرَ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنِ التَّصَدُّقِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ كَيْ تَحْمِلَهُمُ الحاجَةُ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ؛ فَنَزَلَتْ. أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُمُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ؛ فَلا التِفاتَ حِينَئِذٍ في الكَلامِ؛ وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِلْمَعْهُودِينَ مِن فُقَراءِ المُشْرِكِينَ؛ بَلْ فِيهِ تَلْوِينٌ فَقَطْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾؛ عَلى الأوَّلِ: التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى خِطابِ المُكَلَّفِينَ؛ لِزِيادَةِ هَزِّهِمْ نَحْوَ الِامْتِثالِ؛ وعَلى الثّانِي: تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِمْ؛ وصَرْفِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ و"ما" شَرْطِيَّةٌ؛ جازِمَةٌ لِـ "تُنْفِقُوا"؛ مُنْتَصِبَةٌ بِهِ؛ عَلى المَفْعُولِيَّةِ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِاسْمِ الشَّرْطِ؛ مُبَيِّنَةً؛ ومُخَصِّصَةً لَهُ؛ أيْ: أيَّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا كائِنٌ مِن مالٍ؛ ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: فَهو لِأنْفُسِكُمْ؛ لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكُمْ؛ فَلا تَمُنُّوا عَلى مَن أعْطَيْتُمُوهُ؛ ولا تُؤْذُوهُ؛ ولا تُنْفِقُوا مِنَ الخَبِيثِ؛ أوْ: فَنَفْعُهُ الدِّينِيُّ لَكُمْ؛ لا لِغَيْرِكم مِنَ الفُقَراءِ حَتّى تَمْنَعُوهُ مِمَّنْ لا يَنْتَفِعُ بِهِ؛ مِن حَيْثُ الدِّينُ؛ مِن فُقَراءِ المُشْرِكِينَ؛ ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ؛ أوْ أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: لَيْسَتْ نَفَقَتُكم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ؛ أوْ: لَيْسَتْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ؛ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها؛ وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ الَّذِي لا يُوَجَّهُ مِثْلُهُ إلى اللَّهِ (تَعالى)؟! وقِيلَ: هو نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: أجْرُهُ؛ وثَوابُهُ؛ أضْعافًا مُضاعَفَةً؛ حَسْبَما فُصِّلَ فِيما قَبْلُ؛ فَلا عُذْرَ لَكم في أنْ تَرْغَبُوا عَنْ إنْفاقِهِ (p-265)عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ وأجْمَلِها؛ فَهو تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ؛ أوْ: يُوَفَّ إلَيْكم ما يُخْلِفُهُ؛ وهو مِن نَتائِجِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: « "اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِلْمُنْفِقِ خَلَفًا؛ ولِلْمُمْسِكِ تَلَفًا"؛» وقِيلَ: حَجَّتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ؛ فَأتَتْها أُمُّها تَسْألُها؛ وهي مُشْرِكَةٌ؛ فَأبَتْ أنْ تُعْطِيَها؛ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم كانُوا يَتَّقُونَ أنْ يَرْضَخُوا لِقَراباتِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ في اليَهُودِ؛ ورَضاعٌ؛ كانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الإسْلامِ؛ فَلَمّا أسْلَمُوا كَرِهُوا أنْ يُنْفِقُوهُمْ؛ فَنَزَلَتْ. وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ؛ وأمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكافِرِ؛ وإنْ كانَ ذِمِّيًّا؛ ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾؛ لا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِمّا وُعِدْتُمْ مِنَ الثَّوابِ المُضاعَفِ؛ أوْ مِنَ الخَلَفِ.
البقرة 2:273
﴿لِلْفُقَراءِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ﴾؛ أيْ: اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ؛ أوْ: اجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ؛ أوْ: صَدَقاتُكم لِلْفُقَراءِ؛ ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ بِالغَزْوِ؛ والجِهادِ؛ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ؛ ﴿ضَرْبًا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: ذَهابًا فِيها لِلْكَسْبِ؛ والتِّجارَةِ؛ وقِيلَ: هم أهْلُ الصُّفَّةِ؛ كانُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - نَحْوًا مِن أرْبَعِمائَةٍ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ؛ يَسْكُنُونَ صُفَّةَ المَسْجِدِ؛ يَسْتَغْرِقُونَ أوْقاتَهم بِالتَّعَلُّمِ؛ والجِهادِ؛ وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سَرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾؛ بِحالِهِمْ؛ ﴿أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ أيْ: مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ المَسْألَةِ؛ ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾؛ أيْ: تَعْرِفُ فَقْرَهُمْ؛ واضْطِرارَهم بِما تُعايِنُ مِنهُمْ؛ مِنَ الضَّعْفِ؛ ورَثاثَةِ الحالِ؛ والخِطابُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ وُضُوحِ فَقْرِهِمْ؛ ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾؛ أيْ: إلْحاحًا؛ وهو أنْ يُلازِمَ السّائِلُ المَسْؤُولُ حَتّى يُعْطِيَهُ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "لَحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ"؛ أيْ: أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ؛ والمَعْنى: لا يَسْألُونَهم شَيْئًا؛ وإنْ سَألُوا لِحاجَةٍ اضْطَرَّتْهم إلَيْهِ لَمْ يُلِحُّوا؛ وقِيلَ: هو نَفْيٌ لِكِلا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
؎ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ ∗∗∗
أيْ: لا مَنارَ؛ ولا اهْتِداءَ؛ ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أحْسَنَ جَزاءٍ؛ فَهو تَرْغِيبٌ في التَّصَدُّقِ؛ لا سِيَّما عَلى هَؤُلاءِ.
البقرة 2:274
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾: أيْ: يَعُمُّونَ الأوْقاتَ والأحْوالَ بِالخَيْرِ؛ والصَّدَقَةِ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ؛ عَشْرَةُ آلافٍ مِنهُ بِاللَّيْلِ؛ وعَشَرَةٌ بِالنَّهارِ؛ وعَشَرَةٌ سِرًّا؛ وعَشَرَةٌ عَلانِيَةً؛ وقِيلَ: في عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ حِينَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلّا أرْبَعَةُ دَراهِمَ؛ فَتَصَدَّقَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ ولَعَلَّ تَقْدِيمَ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ؛ والسِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ؛ لِلْإيذانِ بِمَزِيَّةِ الإخْفاءِ عَلى الإظْهارِ؛ وقِيلَ: في رِباطِ الخَيْلِ؛ والإنْفاقِ عَلَيْها؛ ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها؛ وقِيلَ: لِلْعَطْفِ؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ.. إلَخْ.. ولِذَلِكَ جُوِّزَ (p-266)الوَقْفُ عَلى "عَلانِيَةً"؛ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
البقرة 2:275
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾؛ أيْ: يَأْخُذُونَهُ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالأكْلِ لِما أنَّهُ مُعْظَمُ ما قُصِدَ بِهِ؛ ولِشُيُوعِهِ في المَطْعُوماتِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَشْنِيعٍ لَهُمْ؛ وهو الزِّيادَةُ في المِقْدارِ؛ أوْ في الأجَلِ؛ حَسْبَما فُصِّلَ في كُتُبِ الفِقْهِ؛ وإنَّما كُتِبَ بِالواوِ كَـ "الصَّلَوَةُ"؛ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ في أمْثالِها؛ وزِيدَتِ الألِفُ تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ؛ ﴿لا يَقُومُونَ﴾؛ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ إذا بُعِثُوا؛ ﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: إلّا قِيامًا كَقِيامِ المَصْرُوعِ؛ وهو وارِدٌ؛ عَلى ما يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ؛ و"الخَبْطُ": الضَّرْبُ بِغَيْرِ اسْتِواءٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ؛ ﴿مِنَ المَسِّ﴾؛ أيْ: الجُنُونِ؛ وهَذا أيْضًا مِن زَعْماتِهِمْ أنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ؛ فَلِذَلِكَ يُقالُ: "جُنَّ الرَّجُلُ"؛ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ؛ أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ؛ الَّذِي بِهِمْ؛ بِسَبَبِ أكْلِهِمُ الرِّبا؛ أوْ بِـ "يَقُومُ"؛ أوْ بِـ "يَتَخَبَّطُهُ"؛ فَيَكُونُ نُهُوضُهم وسُقُوطُهم كالمَصْرُوعِينَ؛ لا لِاخْتِلالِ عُقُولِهِمْ؛ بَلْ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أرْبى في بُطُونِهِمْ ما أكَلُوا مِنَ الرِّبا؛ فَأثْقَلَهُمْ؛ فَصارُوا مُخْبَلِينَ؛ يَنْهَضُونَ ويَسْقُطُونَ؛ تِلْكَ سِيماهُمْ؛ يُعْرَفُونَ بِها عِنْدَ أهْلِ المَوْقِفِ؛ ﴿ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ؛ وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِفَظاعَةِ المُشارِ إلَيْهِ؛ ﴿بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾؛ أيْ: ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ أنَّهم نَظَمُوا الرِّبا والبَيْعَ في سِلْكٍ واحِدٍ؛ لِإفْضائِهِما إلى الرِّبْحِ؛ فاسْتَحَلُّوهُ اسْتِحْلالَهُ؛ وقالُوا: يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ؛ كَما يَجُوزُ بَيْعُ ما قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمَيْنِ؛ بَلْ جَعَلُوا الرِّبا أصْلًا في الحِلِّ؛ وقاسُوا بِهِ البَيْعَ؛ مَعَ وُضُوحِ الفارِقِ بَيْنَهُما؛ فَإنَّ أحَدَ الدِّرْهَمَيْنِ في الأوَّلِ ضائِعٌ حَتْمًا؛ وفي الثّانِي مُنْجَبِرٌ بِمِساسِ الحاجَةِ إلى السِّلْعَةِ؛ أوْ بِتَوَقُّعِ رَواجِها؛ ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾: إنْكارٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ (تَعالى) لِتَسْوِيَتِهِمْ؛ وإبْطالٌ لِلْقِياسِ؛ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ النَّصِّ؛ مَعَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ الِاشْتِراكِ في المَناطِ؛ والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾؛ أيْ: فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ؛ وزَجْرٌ؛ كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا؛ وقُرِئَ: "جاءَتْهُ"؛ ﴿مِن رَبِّهِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاءَهُ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "مَوْعِظَةٌ"؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ؛ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ لِلتَّرْبِيَةِ؛ ﴿فانْتَهى﴾: عَطْفٌ عَلى "جاءَهُ"؛ أيْ: فاتَّعَظَ؛ بِلا تَراخٍ؛ وتَبِعَ النَّهْيَ؛ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾؛ أيْ: ما تَقَدَّمَ أخْذُهُ التَّحْرِيمَ؛ ولا يُسْتَرَدُّ مِنهُ؛ و"ما" مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ؛ إنْ جُعِلَتْ "مَن" مَوْصُولَةً؛ وبِالِابْتِداءِ؛ إنْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً؛ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ؛ لِعَدَمِ اعْتِمادِ الظَّرْفِ عَلى ما قَبْلَهُ؛ ﴿وَأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾؛ يُجازِيهِ عَلى انْتِهائِهِ؛ إنْ كانَ عَنْ قَبُولِ المَوْعِظَةِ؛ وصِدْقِ النِّيَّةِ؛ وقِيلَ: يَحْكُمُ في شَأْنِهِ؛ ولا اعْتِراضَ لَكم عَلَيْهِ؛ ﴿وَمَن عادَ﴾؛ أيْ: إلى تَحْلِيلِ الرِّبا؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى "مَن عادَ"؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ كَما أنَّ الإفْرادَ في "عادَ" بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: مُلازِمُوها؛ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ ماكِثُونَ أبَدًا؛ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.(p-267)
البقرة 2:276
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾: أيْ: يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ؛ ويُهْلِكُ المالَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ؛ ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾: يُضاعِفُ ثَوابَها؛ ويُبارِكُ فِيها؛ ويَزِيدُ المالَ الَّذِي أُخْرِجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ؛ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: « "إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ويُرَبِّيها كَما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَهُ"؛» وعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "ما نَقَصَتْ زَكاةٌ مِن مالٍ قَطُّ"؛» ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾؛ أيْ: لا يَرْضى؛ لِأنَّ الحُبَّ مُخْتَصٌّ بِالتَّوّابِينَ؛ ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾؛ مُصِرٍّ عَلى تَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ؛ ﴿أثِيمٍ﴾؛ مُنْهَمِكٍ في ارْتِكابِهِ.
البقرة 2:277
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بِاللَّهِ (تَعالى)؛ ورَسُولِهِ؛ وبِما جاءَهم بِهِ؛ ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾؛ تَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ؛ مَعَ انْدِراجِهِما في الصّالِحاتِ؛ لِأنافَتِهِما عَلى سائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ عَلى طَرِيقَةِ ذِكْرِ جِبْرِيلَ؛ ومِيكالَ؛ عُقَيْبَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ؛ وخَبَرٍ؛ واقِعَةٌ خَبَرًا لِـ "إنَّ"؛ أيْ: لَهم أجْرُهُمُ المَوْعُودُ لَهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: حالٌ مِن "أجْرُهُمْ"؛ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإفاضَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ مَزِيدُ لُطْفٍ؛ وتَشْرِيفٍ لَهُمْ؛ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ مِن مَكْرُوهٍ آتٍ؛ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ مِن مَحْبُوبٍ فاتَ.
البقرة 2:278
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أيْ: قُوا أنْفُسَكم عِقابَهُ؛ ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾؛ أيْ: واتْرُكُوا بَقايا ما شَرَطْتُمْ مِنهُ عَلى النّاسِ؛ تَرْكًا كُلِّيًّا؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِامْتِثالِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ البَتَّةَ؛ وهو شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ؛ ثِقَةً بِما قَبْلَهُ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فاتَّقُوهُ؛ وذَرُوا.. إلَخْ.. رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِثَقِيفٍ مالٌ عَلى بَعْضِ قُرَيْشٍ؛ فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحِلِّ بِالمالِ؛ والرِّبا؛ فَنَزَلَتْ.
البقرة 2:279
﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ؛ وتَرْكِ البَقايا؛ إمّا مَعَ إنْكارِ حُرْمَتِهِ؛ وإمّا مَعَ الِاعْتِرافِ بِها؛ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: فاعْلَمُوا بِها؛ مِن "أذِنَ بِالشَّيْءِ"؛ إذا عَلِمَ بِهِ؛ أمّا عَلى الأوَّلِ فَكَحَرْبِ المُرْتَدِّينَ؛ وأمّا عَلى الثّانِي فَكَحَرْبِ البُغاةِ؛ وقُرِئَ: "فَآذِنُوا"؛ أيْ: فَأعْلِمُوا غَيْرَكُمْ؛ قِيلَ: هو مِن "الأذانُ"؛ وهو الِاسْتِماعُ؛ فَإنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ؛ وقُرِئَ: "فَأيْقِنُوا"؛ وهو مُؤَيِّدٌ لِقِراءَةِ العامَّةِ؛ وتَنْكِيرُ "حَرْبٍ" لِلتَّفْخِيمِ؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها؛ مُؤَكِّدَةً لِفَخامَتِها؛ أيْ: بِنَوْعٍ مِنَ الحَرْبِ عَظِيمٍ؛ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ كائِنٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ورَسُولِهِ؛ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ: "لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ"؛ ﴿وَإنْ تُبْتُمْ﴾؛ مِنَ الِارْتِباءِ؛ مَعَ الإيمانِ بِحُرْمَتِها؛ بَعْدَ ما سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الوَعِيدِ؛ ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾؛ تَأْخُذُونَها كَمَلًا؛ ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾؛ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ؛ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَكُمْ"؛ والعامِلُ ما تَضَمَّنَهُ الجارُّ مِنَ الِاسْتِقْرارِ؛ ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ أيْ: لا تُظْلَمُونَ أنْتُمْ مِن قِبَلِهِمْ بِالمَطْلِ؛ (p-268)والنَّقْصِ؛ ومِن ضَرُورَةِ تَعْلِيقِ هَذا الحُكْمِ بِتَوْبَتِهِمْ عَدَمُ ثُبُوتِهِ عِنْدَ عَدَمِها؛ لِأنَّ عَدَمَها إنْ كانَ مَعَ إنْكارِ الحُرْمَةِ فَهم مُرْتَدُّونَ؛ ومالُهُمُ المَكْسُوبُ في حالِ الرِّدَّةِ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ وكَذا سائِرُ أمْوالِهِمْ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ وعِنْدَنا هو لِوَرَثَتِهِمْ؛ ولا شَيْءَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ؛ وإنْ كانَ مَعَ الِاعْتِرافِ بِها؛ فَإنْ كانَ لَهم شَوْكَةٌ فَهم عَلى شَرَفِ القَتْلِ؛ لَمْ تَسْلَمْ لَهم رُؤُوسُهُمْ؛ فَكَيْفَ بِرُؤُوسِ أمْوالِهِمْ؟! وإلّا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: "مَن عامَلَ الرِّبا يُسْتَتابُ؛ وإلّا ضُرِبَ عُنُقُهُ"؛ وأمّا عِنْدَ غَيْرِهِ فَهم مَحْبُوسُونَ إلى أنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ؛ لا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ أصْلًا؛ فَما لَمْ يَتُوبُوا لَمْ يُسَلَّمْ لَهم شَيْءٌ مِن أمْوالِهِمْ؛ بَلْ إنَّما يُسَلَّمُ بِمَوْتِهِمْ لِوَرَثَتِهِمْ.
البقرة 2:280
﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾؛ أيْ: إنْ وقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ؛ عَلى أنَّ "كانَ" تامَّةٌ؛ وقُرِئَ: "ذا عُسْرَةٍ"؛ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ؛ ﴿فَنَظِرَةٌ﴾؛ أيْ: فالحُكْمُ نَظِرَةٌ؛ أوْ: فَعَلَيْكم نَظِرَةٌ؛ أوْ: فَلْتَكُنْ نَظِرَةٌ؛ وهي الإنْظارُ؛ والإمْهالُ؛ وقُرِئَ: "فَناظِرُهُ"؛ أيْ: فالمُسْتَحِقُّ ناظِرُهُ؛ أيْ: مُنْتَظِرُهُ؛ أوْ: فَصاحِبُ نَظِرَتِهِ؛ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ؛ وقُرِئَ: "فَناظِرْهُ"؛ أمْرًا مِنَ المُفاعَلَةِ؛ أيْ: فَسامِحْهُ بِالنَّظِرَةِ؛ ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾؛ أيْ: إلى يَسارٍ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ؛ وهُما لُغَتانِ؛ كَـ "مَشْرَقَةٌ"؛ و"مُشْرَقَةٌ"؛ وقُرِئَ بِهِما مُضافَيْنِ بِحَذْفِ التّاءِ عِنْدَ الإضافَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ ∗∗∗ وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا
﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا﴾؛ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ؛ أيْ: وأنْ تَتَصَدَّقُوا عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِالإبْراءِ؛ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الإنْظارِ؛ أوْ خَيْرٌ مِمّا تَأْخُذُونَهُ؛ لِمُضاعَفَةِ ثَوابِهِ؛ ودَوامِهِ؛ فَهو نَدْبٌ إلى أنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُؤُوسِ أمْوالِهِمْ؛ كُلًّا؛ أوْ بَعْضًا؛ عَلى غُرَمائِهِمُ المُعْسِرِينَ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ: الإنْظارُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "لا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ"؛» ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمُوهُ.
البقرة 2:281
﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ؛ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ؛ والتَّهْوِيلِ؛ وتَعْلِيقُ الِاتِّقاءِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَمّا فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ؛ والأهْوالِ؛ ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ مِن "الرَّجْعُ"؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ مِن "الرُّجُوعُ"؛ والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ وقُرِئَ: "تُرَدُّونَ"؛ وكَذا: "تَصِيرُونَ"؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ لِمُحاسَبَةِ أعْمالِكُمْ؛ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ مِنَ النُّفُوسِ؛ والتَّعْمِيمُ لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ اليَوْمِ؛ أيْ: تُعْطى كَمَلًا؛ ﴿ما كَسَبَتْ﴾؛ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ؛ أوْ شَرٍّ؛ ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾: حالٌ مِن "كُلُّ نَفْسٍ"؛ تُفِيدُ أنَّ المُعاقَبِينَ؛ وإنْ كانَتْ عُقُوباتُهم مُؤَبَّدَةٌ؛ غَيْرُ مَظْلُومِينَ في ذَلِكَ؛ لِما أنَّهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ؛ وجَمْعُ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِحالِ الجَزاءِ؛ كَما أنَّ الإفْرادَ أوْفَقُ بِحالِ الكَسْبِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ: "ضَعْها في رَأْسِ المِائَتَيْنِ والثَّمانِينَ مِن (البَقَرَةِ)"؛ وعاشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا؛ وقِيلَ: أحَدًا وثَمانِينَ؛ وقِيلَ: سَبْعَةَ أيّامٍ؛ وقِيلَ: ثَلاثَ ساعاتٍ.(p-269)
البقرة 2:282
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُدايَنَةِ الواقِعَةِ في تَضاعِيفِ المُعاوَضاتِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهُمْ؛ بِبَيْعِ السِّلَعِ بِالنُّقُودِ؛ بَعْدَ بَيانِ حالِ الرِّبا؛ أيْ: إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا؛ وعامَلَهُ نَسِيئَةً؛ مُعْطِيًا؛ أوْ آخِذًا؛ وفائِدَةُ ذِكْرِ الدَّيْنِ دَفْعُ تَوَهُّمِ كَوْنِ التَّدايُنِ بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أوِ التَّنْبِيهُ عَلى تَنَوُّعِهِ إلى الحالِّ؛ والمُؤَجَّلِ؛ وأنَّهُ الباعِثُ عَلى الكَتْبَةِ؛ وتَعْيِينِ المَرْجِعِ لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ بِالأمْرِ؛ ﴿إلى أجَلٍ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَدايَنْتُمْ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "دَيْنٍ"؛ ﴿مُسَمًّى﴾؛ بِالأيّامِ؛ أوِ الأشْهُرِ؛ ونَظائِرِهِما؛ مِمّا يُفِيدُ العِلْمَ؛ ويَرْفَعُ الجَهالَةَ؛ لا بِالحَصادِ؛ والدِّياسِ؛ ونَحْوِهِما؛ مِمّا لا يَرْفَعُها؛ ﴿فاكْتُبُوهُ﴾؛ أيْ: الدَّيْنَ؛ بِأجَلِهِ؛ لِأنَّهُ أوْثَقُ؛ وأرْفَعُ لِلنِّزاعِ؛ والجُمْهُورُ عَلى اسْتِحْبابِهِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِهِ السَّلَمُ؛ وقالَ: "لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا أباحَ في السَّلَفِ"؛ ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ﴾: بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ المَأْمُورِ بِها؛ وتَعْيِينٌ لِمَن يَتَوَلّاها؛ إثْرَ الأمْرِ بِها إجْمالًا؛ وحَذْفُ المَفْعُولِ إمّا لِتَعَيُّنِهِ؛ أوْ لِلْقَصْدِ إلى إيقاعِ نَفْسِ الفِعْلِ؛ أيْ: لِيَفْعَلِ الكِتابَةَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكاتِبَ يَنْبَغِي أنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ؛ ويَكْتُبَ كَلامَهُما؛ ولا يَكْتَفِيَ بِكَلامِ أحَدِهِما؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بِالعَدْلِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ هو صِفَةٌ لِـ "كاتِبٌ"؛ أيْ: كاتِبٌ كائِنٌ بِالعَدْلِ؛ أيْ: ولْيَكُنِ المُتَصَدِّي لِلْكِتابَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكْتُبَ بِالسَّوِيَّةِ؛ مِن غَيْرِ مَيْلٍ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ؛ لا يَزِيدُ؛ ولا يُنْقِصُ؛ وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ فَقِيهٍ؛ دَيِّنٍ؛ حَتّى يَجِيءَ كِتابُهُ مَوْثُوقًا بِهِ؛ مُعَدَّلًا بِالشَّرْعِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالعَدْلِ؛ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ؛ أيْ: ولْيَكْتُبْ بِالحَقِّ؛ ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ﴾؛ أيْ: ولا يَمْتَنِعْ أحَدٌ مِنَ الكُتّابِ؛ ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾؛ كِتابَ الدَّيْنِ؛ ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾؛ عَلى طَرِيقَةِ ما عَلَّمَهُ مِن كَتْبَةِ الوَثائِقِ؛ أوْ: كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِالعَدْلِ﴾؛ أوْ: لا يَأْبَ أنْ يَنْفَعَ النّاسَ بِكِتابَتِهِ؛ كَما نَفَعَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِتَعْلِيمِ الكِتابَةِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ .
﴿فَلْيَكْتُبْ﴾: تِلْكَ الكِتابَةَ المُعَلَّمَةَ؛ أمَرَ بِها بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبائِها؛ تَأْكِيدًا لَها؛ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الكافُ بِالأمْرِ؛ عَلى أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِامْتِناعِ مِنها مُطْلَقَةً؛ ثُمَّ الأمْرُ بِها مُقَيَّدَةً؛ ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾؛ (p-270)"الإمْلالُ": هو الإمْلاءُ؛ أيْ: ولْيَكُنِ المُمْلِي مَن عَلَيْهِ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ هو المُقِرَّ؛﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ جُمِعَ ما بَيْنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ والنَّعْتِ الجَمِيلِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ؛ أيْ: ولْيَتَّقِ المُمْلِي؛ دُونَ الكاتِبِ؛ كَما قِيلَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنهُ﴾؛ أيْ: مِنَ الحَقِّ الَّذِي يُمْلِيهِ عَلى الكاتِبِ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ فَإنَّهُ الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ البَخْسُ خاصَّةً؛ وأمّا الكاتِبُ فَيُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ؛ كَما يُتَوَقَّعُ مِنهُ النَّقْصُ؛ فَلَوْ أُرِيدَ نَهْيُهُ لَنُهِيَ عَنْ كِلَيْهِما؛ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ أُمِرَ بِالعَدْلِ؛ وإنَّما شُدِّدَ في تَكْلِيفِ المُمْلِي؛ حَيْثُ جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الأمْرِ بِالِاتِّقاءِ؛ والنَّهْيِ عَنِ البَخْسِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّواعِي إلى المَنهِيِّ عَنْهُ؛ فَإنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ؛ وتَخْفِيفِ ما في ذِمَّتِهِ بِما أمْكَنَ؛ ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾؛ صُرِّحَ بِذَلِكَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ الكَشْفِ؛ والبَيانِ؛ لا لِأنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿سَفِيهًا﴾؛ ناقِصَ العَقْلِ؛ مُبَذِّرًا؛ مُجازِفًا؛ ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾؛ صَبِيًّا؛ أوْ شَيْخًا مُخْتَلًّا؛ ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾؛ أيْ: غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلْإمْلاءِ بِنَفْسِهِ؛ لِخَرَسٍ؛ أوْ عِيٍّ؛ أوْ جَهْلٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَوارِضِ؛ ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَلِي أمْرَهُ؛ ويَقُومُ مَقامَهُ؛ مِن قَيِّمٍ؛ أوْ وكِيلٍ؛ أوْ مُتَرْجِمٍ؛ ﴿بِالعَدْلِ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ نَقْصٍ؛ ولا زِيادَةٍ؛ لَمْ يُكَلَّفْ بِعَيْنِ ما كُلِّفَ بِهِ مَن عَلَيْهِ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ؛ كَما يُتَوَقَّعُ مِنهُ البَخْسُ؛ ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾؛ أيْ: اطْلُبُوهُما لِيَتَحَمَّلا الشَّهادَةَ عَلى ما جَرى بَيْنَكم مِنَ المُدايَنَةِ؛ وتَسْمِيَتُهُما "شَهِيدَيْنِ" لِتَنْزِيلِ المُشارِفِ مَنزِلَةَ الكائِنِ؛ ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "اسْتَشْهِدُوا"؛ و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "شَهِيدَيْنِ"؛ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: شَهِيدَيْنِ كائِنَيْنِ مِن رِجالِ المُسْلِمِينَ الأحْرارِ؛ إذِ الكَلامُ في مُعامَلاتِهِمْ؛ فَإنَّ خِطاباتِ الشَّرْعِ لا تَنْتَظِمُ العَبِيدَ؛ بِطَرِيقِ العِبارَةِ؛ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ؛ وأمّا إذا كانَتِ المُدايَنَةُ بَيْنَ الكَفَرَةِ؛ أوْ كانَ مَن عَلَيْهِ الحَقُّ كافِرًا؛ فَيَجُوزُ اسْتِشْهادُ الكافِرِ عِنْدَنا؛ ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾؛ أيْ: الشَّهِيدانِ جَمِيعًا؛ عَلى طَرِيقَةِ نَفْيِ الشُّمُولِ؛ لا شُمُولِ النَّفْيِ؛ ﴿رَجُلَيْنِ﴾؛ إمّا لِإعْوازِهِما؛ أوْ لِسَبَبٍ آخَرَ مِنَ الأسْبابِ؛ ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾؛ أيْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ؛ وامْرَأتانِ؛ أوْ: فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَكْفُونَ؛ وهَذا فِيما عَدا الحُدُودَ؛ والقِصاصَ؛ عِنْدَنا؛ وفي الأمْوالِ خاصَّةً؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "رَجُلٌ وامْرَأتانِ"؛ أيْ: كائِنُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَكُمْ؛ وتَخْصِيصُهم بِالوَصْفِ المَذْكُورِ؛ مَعَ تَحَقُّقِ اعْتِبارِهِ في كُلِّ شَهِيدٍ؛ لِقِلَّةِ اتِّصافِ النِّساءِ بِهِ؛ وقِيلَ: نَعْتٌ لِـ "شَهِيدَيْنِ"؛ أيْ: كائِنَيْنِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ؛ ورُدَّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ؛ وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "رِجالِكُمْ"؛ بِتَكْرِيرِ العامِلِ؛ ورُدَّ بِما ذُكِرَ مِنَ الفَصْلِ؛ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاسْتَشْهِدُوا﴾؛ فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ اشْتِراطِ المَرْأتَيْنِ؛ وبَيْنَ تَعْلِيلِهِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِنَ الشُّهَداءِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ؛ أيْ: مِمَّنْ تَرْضَوْنَهم كائِنِينَ مِن بَعْضِ الشُّهَداءِ؛ لِعِلْمِكم بِعَدالَتِهِمْ؛ وثِقَتِكم بِهِمْ؛ وإدْراجُ النِّساءِ في الشُّهَداءِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ؛ ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾: تَعْلِيلٌ لِاعْتِبارِ العَدَدِ في النِّساءِ؛ والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ هي التَّذْكِيرُ؛ ولَكِنَّ الضَّلالَ لَمّا كانَ سَبَبًا لَهُ نُزِّلَ مَنزِلَتَهُ؛ كَما في قَوْلِكَ: "أعْدَدْتُ السِّلاحَ أنْ يَجِيءَ عَدُوٌّ فَأدْفَعَهُ"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأجْلِ أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتِ الشَّهادَةَ؛ بِأنْ نَسِيَتْها؛ ولَعَلَّ إيثارَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: "أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَها الأُخْرى"؛ لِتَأْكِيدِ الإبْهامِ؛ والمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الضَّلالِ بِإحْداهُما بِعَيْنِها؛ والتَّذْكِيرِ بِالأُخْرى؛ وقُرِئَ: "فَتُذْكِرُ"؛ مِن "الإذْكارُ"؛ وقُرِئَ: "فَتُذاكِرَ"؛ وقُرِئَ: "إنْ تَضِلَّ"؛ عَلى الشَّرْطِ؛ "فَتُذَكِّرُ"؛ بِالرَّفْعِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ .
﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾؛ لِأداءِ (p-271)الشَّهادَةِ؛ أوْ لِتَحَمُّلِها؛ وتَسْمِيَتُهم "شُهَداءَ" قَبْلَ التَّحَمُّلِ؛ لِما مَرَّ مِن تَنْزِيلِ المُشارِفِ مَنزِلَةَ الواقِعِ؛ و"ما" مَزِيدَةٌ؛ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ في الحِواءِ العَظِيمِ؛ فِيهِ القَوْمُ؛ فَلا يَتْبَعُهُ مِنهم أحَدٌ؛ فَنَزَلَتْ.
﴿وَلا تَسْأمُوا﴾؛ أيْ: لا تَمَلُّوا مِن كَثْرَةِ مُدايَناتِكُمْ؛ ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾؛ أيْ: الدَّيْنَ؛ أوْ: الحَقَّ؛ أوْ: الكِتابَ؛ وقِيلَ: كُنِّيَ بِهِ عَنِ الكَسَلِ؛ الَّذِي هو صِفَةُ المُنافِقِ؛ كَما ورَدَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾؛ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « "لا يَقُولُ المُؤْمِنُ: كَسِلْتُ"؛» ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ صَغِيرًا؛ أوْ كَبِيرًا؛ أيْ: قَلِيلًا؛ أوْ كَثِيرًا؛ أوْ مُجْمَلًا؛ أوْ مُفَصَّلًا؛ ﴿إلى أجَلِهِ﴾؛ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الهاءِ في "تَكْتُبُوهُ"؛ أيْ: مُسْتَقِرًّا في الذِّمَّةِ؛ إلى وقْتِ حُلُولِهِ؛ الَّذِي أقَرَّ بِهِ المَدْيُونُ؛ ﴿ذَلِكُمْ﴾: إشارَةٌ إلى ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الكَتْبِ؛ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ﴿أقْسَطُ﴾؛ أيْ: أعْدَلُ؛ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: في حُكْمِهِ (تَعالى)؛ ﴿وَأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾؛ أيْ: أثْبَتُ لَها؛ وأعْوَنُ عَلى إقامَتِها؛ وهُما مَبْنِيّانِ مِن "أقْسَطَ"؛ و"أقامَ"؛ فَإنَّهُ قِياسِيٌّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ أوْ مِن "قاسِطٌ"؛ بِمَعْنى "ذِي قِسْطٍ"؛ و"قَوِيمٌ"؛ وإنَّما صَحَّتِ الواوُ في "أقْوَمُ"؛ كَما صَحَّتْ في التَّعْجِيبِ؛ لِجُمُودِهِ؛ ﴿وَأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾؛ وأقْرَبُ إلى انْتِفاءِ رَيْبِكم في جِنْسِ الدَّيْنِ؛ وقَدْرِهِ؛ وأجَلِهِ؛ وشُهُودِهِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ؛ أيْ: لَكِنْ وقْتَ كَوْنِ تَدايُنِكُمْ؛ أوْ تِجارَتِكُمْ؛ تِجارَةً حاضِرَةً بِحُضُورِ البَدَلَيْنِ؛ تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ؛ بِتَعاطِيهِما يَدًا بِيَدٍ؛ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها﴾؛ أيْ: فَلا بَأْسَ بِألّا تَكْتُبُوها؛ لِبُعْدِهِ عَنِ التَّنازُعِ؛ والنِّسْيانِ؛ وقُرِئَ بِرَفْعِ "تِجارَةً"؛ عَلى أنَّها اسْمُ "كانَ"؛ و"حاضِرَةً" صِفَتُها؛ و"تُدِيرُونَها" خَبَرُها؛ أوْ عَلى أنَّها تامَّةٌ؛ ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾؛ أيْ: هَذا التَّبايُعَ؛ أوْ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ أحْوَطُ؛ والأوامِرُ الوارِدَةُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلنَّدْبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ وقِيلَ: لِلْوُجُوبِ؛ ثُمَّ اخْتُلِفَ في أحْكامِها؛ ونَسْخِها؛ ﴿وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾: نَهْيٌ عَنِ المُضارَّةِ؛ مُحْتَمِلٌ لِلْبِناءَيْنِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَلا يُضارِرْ"؛ بِالكَسْرِ؛ والفَتْحِ؛ وهو نَهْيُهُما عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ؛ والتَّغْيِيرِ؛ والتَّحْرِيفِ في الكَتْبَةِ؛ والشَّهادَةِ؛ أوْ نَهْيُ الطّالِبِ عَنِ الضِّرارِ بِهِما؛ بِأنْ يُعَجِّلَهُما عَنْ مُهِمِّهِما؛ أوْ يُكَلِّفَهُما الخُرُوجَ عَمّا حُدَّ لَهُما؛ أوْ لا يُعْطِي الكاتِبَ جُعْلَهُ؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا﴾؛ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ الضِّرارِ؛ ﴿فَإنَّهُ﴾؛ أيْ: فِعْلَكم ذَلِكَ؛ ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾؛ أيْ: خُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ؛ مُلْتَبِسٌ بِكُمْ؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في مُخالَفَةِ أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَهْيُهُ عَنِ المُضارَّةِ؛ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾؛ أحْكامَهُ المُتَضَمِّنَةُ لِمَصالِحِكُمْ؛ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ فَلا يَكادُ يَخْفى عَلَيْهِ حالُكُمْ؛ وهو مُجازِيكم بِذَلِكَ؛ كُرِّرَ لَفْظُ الجَلالَةِ؛ في الجُمَلِ الثَّلاثِ؛ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ؛ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها بِمَعْنًى عَلى حِيالِهِ؛ فَإنَّ الأُولى حَثٌّ عَلى التَّقْوى؛ والثّانِيَةَ وعْدٌ بِالإنْعامِ؛ والثّالِثَةَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ (تَعالى).
البقرة 2:283
﴿وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾: أيْ: مُسافِرِينَ؛ أوْ: مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ؛ ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾؛ في المُدايَنَةِ؛ وقُرِئَ: "كُتّابًا"؛ و"كُتُبًا"؛ و"كِتابًا"؛ ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ أيْ: فالَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ؛ أوْ: (p-272)فَعَلَيْكُمْ؛ أوْ: فَلْيُؤْخَذْ؛ أوْ: فالمَشْرُوعُ رِهانٌ مَقْبُوضَةٌ؛ ولَيْسَ هَذا التَّعْلِيقُ لِاشْتِراطِ السَّفَرِ في شَرْعِيَّةِ الِارْتِهانِ؛ كَما حَسِبَهُ مُجاهِدٌ؛ والضَّحّاكُ؛ لِأنَّهُ ﷺ رَهَنَ دِرْعَهُ في المَدِينَةِ مِن يَهُودِيٍّ بِعِشْرِينَ صاعًا مِن شَعِيرٍ؛ أخَذَهُ لِأهْلِهِ؛ بَلْ لِإقامَةِ التَّوَثُّقِ بِالِارْتِهانِ مَقامَ التَّوَثُّقِ بِالكَتْبَةِ في السَّفَرِ؛ الَّذِي هو مَظِنَّةُ إعْوازِها؛ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِحالِ الشّاهِدِ؛ لِما أنَّهُ في حُكْمِ الكاتِبِ تَوَثُّقًا؛ وإعْوازًا؛ والجُمْهُورُ عَلى وُجُوبِ القَبْضِ في تَمامِ الرَّهْنِ؛ غَيْرَ مالِكٍ؛ وقُرِئَ: "فَرُهُنٌ"؛ كَـ "سُقُفٌ"؛ وكِلاهُما جَمْعُ "رَهْنٌ"؛ بِمَعْنى "مَرْهُونٌ"؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ تَخْفِيفًا؛ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾؛ أيْ: بَعْضُ الدّائِنِينَ بَعْضَ المَدْيُونِينَ؛ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ؛ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنْ الِارْتِهانِ؛ وقُرِئَ: "فَإنْ أُومِنَ بَعْضُكُمْ"؛ أيْ: آمَنَهُ النّاسُ؛ ووَصَفُوهُ بِالأمانَةِ؛ قِيلَ: فَيَكُونُ انْتِصابُ "بَعْضًا" حِينَئِذٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: عَلى مَتاعِ بَعْضٍ؛ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾؛ وهو المَدْيُونُ؛ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلْإعْلامِ؛ ولِحَمْلِهِ عَلى الأداءِ؛ ﴿أمانَتَهُ﴾؛ أيْ: دَيْنَهُ؛ وإنَّما سُمِّيَ "أمانَةً" لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ؛ وقُرِئَ: "ايْتُمِنَ"؛ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً؛ وقُرِئَ بِإدْغامِ الياءِ في التّاءِ؛ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ المُنْقَلِبَةَ مِنَ الهَمْزَةِ لا تُدْغَمُ؛ لِأنَّها في حُكْمِها؛ ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ في رِعايَةِ حُقُوقِ الأمانَةِ؛ وفي الجَمْعِ بَيْنَ عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ وصِفَةِ الربوبية مِنَ التَّأْكِيدِ؛ والتَّحْذِيرِ؛ ما لا يَخْفى؛ ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾؛ أيُّها الشُّهُودُ؛ أوْ: المَدِينُونَ؛ أيْ: شَهادَتَكم عَلى أنْفُسِكم عِنْدَ المُعامَلَةِ؛ ﴿وَمَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ "آثِمٌ" خَبَرُ "إنَّ"؛ و"قَلْبُهُ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "يَأْثَمُ قَلْبُهُ"؛ أوْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ؛ و"آثِمٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"؛ وإسْنادُ الإثْمِ إلى القَلْبِ لِأنَّ الكِتْمانَ مِمّا اقْتَرَفَهُ؛ ونَظِيرُهُ نِسْبَةُ الزِّنا إلى العَيْنِ؛ والأُذُنِ؛ أوْ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهُ رَئِيسُ الأعْضاءِ؛ وأفْعالُهُ أعْظَمُ الأفْعالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: تَمَكَّنَ الإثْمُ في نَفْسِهِ؛ ومَلَكَ أشْرَفَ مَكانٍ فِيهِ؛ وفاقَ سائِرَ ذُنُوبِهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "إنَّ أكْبَرَ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾؛ وشَهادَةُ الزُّورِ؛ وكِتْمانُ الشَّهادَةِ"؛ (وَقُرِئَ: "قَلْبَهُ"؛ بِالنَّصْبِ؛ كَما في "سَفِهَ نَفْسَهُ"؛ وقُرِئَ: "أثَّمَ قَلْبَهُ"؛ أيْ: جَعْلَهُ آثِمًا؛ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾؛ فَيُجازِيكم بِهِ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ؛ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
البقرة 2:284
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ مِنَ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ في حَقِيقَتِهِما؛ والخارِجَةِ عَنْهُما؛ المُتَمَكِّنَةِ فِيهِما؛ مِن أُولِي العِلْمِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ أيْ: كُلُّها لَهُ (تَعالى)؛ خَلْقًا؛ ومِلْكًا؛ وتَصَرُّفًا؛ لا شِرْكَةَ لِغَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنها؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾؛ مِنَ السُّوءِ؛ والعَزْمِ عَلَيْهِ؛ بِأنْ تُظْهِرُوهُ لِلنّاسِ بِالقَوْلِ؛ أوْ بِالفِعْلِ؛ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾؛ بِأنْ تَكْتُمُوهُ مِنهُمْ؛ ولا تُظْهِرُوهُ؛ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ ما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ الوَساوِسِ؛ وأحادِيثِ النَّفْسِ؛ الَّتِي لا عَقْدَ ولا عَزِيمَةَ فِيها؛ إذِ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الوُسْعِ؛ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وهو حُجَّةٌ عَلى مُنْكِرِي الحِسابِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ؛ والرَّوافِضِ؛ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ؛ وأمّا تَقْدِيمُ الإبْداءِ عَلى الإخْفاءِ؛ عَلى عَكْسِ ما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ فَلِما أنَّ المُعَلَّقَ بِما في أنْفُسِهِمْ هَهُنا هو المُحاسَبَةُ؛ والأصْلُ فِيها الأعْمالُ البادِيَةُ؛ وأمّا العِلْمُ فَتَعَلُّقُهُ بِها كَتَعَلُّقِهِ بِالأعْمالِ الخافِيَةِ؛ (p-273)كَيْفَ لا.. وعِلْمُهُ - سُبْحانَهُ - بِمَعْلُوماتِهِ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ حُصُولِ الصُّوَرِ؛ بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ؛ في أيِّ طَوْرٍ كانَ؛ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (تَعالى)؛ وفي هَذا لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ؛ والكامِنَةِ؛ خَلا أنَّ مَرْتَبَةَ الإخْفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الإبْداءِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُبْدى إلّا وهو - أوْ مَبادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ - مُضْمَرٌ في النَّفْسِ؛ فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ (تَعالى) بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ؛ وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .
﴿فَيَغْفِرُ﴾: بِالرَّفْعِ؛ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ أيْ: فَهو يَغْفِرُ بِفَضْلِهِ؛ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾؛ أنْ يَغْفِرَ لَهُ؛ ﴿وَيُعَذِّبُ﴾؛ بِعَدْلِهِ؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ أنْ يُعَذِّبَهُ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؛ وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِتَقَدُّمِ رَحْمَتِهِ عَلى غَضَبِهِ؛ وقُرِئَ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ؛ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ؛ وقُرِئَ بِالجَزْمِ مِن غَيْرِ فاءٍ؛ عَلى أنَّهُما بَدَلٌ مِنَ الجَوابِ؛ بَدَلَ البَعْضِ؛ أوْ الِاشْتِمالِ؛ ونَظِيرُهُ الجَزْمُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ:
مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
وَإدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ لَحْنٌ؛ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ كَمالَ قدرته (تَعالى) عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ مُوجِبٌ لِقدرته - سُبْحانَهُ - عَلى ما ذُكِرَ مِنَ المُحاسَبَةِ؛ وما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ والتَّعْذِيبِ.
البقرة 2:285
﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾؛ لَمّا ذُكِرَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ؛ هُدًى لِلْمُتَّصِفِينَ بِما فُصِّلَ هُناكَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيمانُ بِهِ؛ وبِما أُنْزِلَ قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ وأنَّهم حائِزُونَ لِأُثْرَتَيِ الهُدى؛ والفَلاحِ؛ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهم بِخُصُوصِهِمْ؛ ولا تَصْرِيحٍ بِتَحَقُّقِ اتِّصافِهِمْ بِها؛ إذْ لَيْسَ فِيما يُذَكَرُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ حُكْمٌ بِالفِعْلِ؛ وعُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِهِ؛ مِنَ المُجاهِرِينَ؛ والمُنافِقِينَ؛ ثُمَّ شُرِحَ في تَضاعِيفِها مِن فُنُونِ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ؛ والمَواعِظِ؛ والحِكَمِ؛ وأخْبارِ سَوالِفِ الأُمَمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ شَرْحَهُ؛ عُيِّنَ في خاتِمَتِها المُتَّصِفُونَ بِها؛ وحُكِمَ بِاتِّصافِهِمْ بِها؛ عَلى طَرِيقِ الشَّهادَةِ لَهُمْ؛ مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَمالِ الإيمانِ؛ وحُسْنِ الطّاعَةِ. وذِكْرُهُ ﷺ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ؛ مَعَ ذِكْرِهِ هُناكَ بِطَرِيقِ الخِطابِ؛ لِما أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ الباقِيَةِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ ألّا يُخاطَبَ بِها المَشْهُودُ لَهُ؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِبَيانِ فَوْزِهِمْ بِمَطالِبِهِمُ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الدَّعَواتِ الآتِيَةِ؛ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ؛ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ لا سِيَّما بَعْدَما نُصَّ عَلَيْهِ فِيما سَلَفَ؛ وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ؛ المُنْبِئَةِ عَنْ كَوْنِهِ ﷺ صاحِبَ كِتابٍ مَجِيدٍ؛ وشَرْعٍ جَدِيدٍ؛ تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾؛ ومَزِيدُ تَوْضِيحٍ لِانْدِراجِهِ في الرُّسُلِ المُؤْمَنِ بِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُرادُ بِـ "ما أُنْزِلَ إلَيْهِ": ما يَعُمُّ كُلَّهُ؛ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ؛ فَفِيهِ تَحْقِيقٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِ ﷺ؛ وتَعْيِينٌ لِعُنْوانِهِ؛ أيْ: آمَنَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِكُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ؛ ﴿مِن رَبِّهِ﴾؛ إيمانًا تَفْصِيلِيًّا؛ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ؛ والقَصَصِ؛ والمَواعِظِ؛ وأحْوالِ الرُّسُلِ؛ والكُتُبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُنْزَلٌ مِنهُ (تَعالى)؛ وأمّا الإيمانُ بِحَقِّيَّةِ أحْكامِهِ؛ وصِدْقِ أخْبارِهِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَمِن فُرُوعِ الإيمانِ بِهِ؛ مِنَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ؛ وفي هَذا الإجْمالِ إجْلالٌ لِمَحَلِّهِ ﷺ؛ وإشْعارٌ بِأنَّ تَعَلُّقَ إيمانِهِ بِتَفاصِيلِ ما أنْزِلَ إلَيْهِ؛ وإحاطَتَهُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى (p-274)عَلَيْهِ؛ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ أصْلًا؛ وكَذا في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَشْرِيفٌ لَهُ؛ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إنْزالَهُ إلَيْهِ تَرْبِيَةٌ؛ وتَكْمِيلٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿والمُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الفَرِيقُ؛ المَعْرُوفُونَ بِهَذا الِاسْمِ؛ فاللّامُ عَهْدِيَّةٌ؛ لا مَوْصُولَةٌ؛ لِإفْضائِها إلى خُلُوِّ الكَلامِ عَنِ الجَدْوى؛ وهو مُبْتَدَأُ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلٌّ﴾: مُبْتَدَأٌ ثانٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿آمَنَ﴾: خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ؛ والرّابِطُ بَيْنَهُما الضَّمِيرُ الَّذِي نابَ مَنابَهُ التَّنْوِينُ؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في "آمَنَ"؛ مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدِ مِنهُمْ؛ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الِاجْتِماعِ؛ كَما اعْتُبِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾؛ وتَغْيِيرُ سَبْكِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَمّا قَبْلَهُ لِتَأْكِيدِ الإشْعارِ بِما بَيْنَ إيمانِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ المَبْنِيِّ عَلى المُشاهَدَةِ؛ والعِيانِ؛ وبَيْنَ إيمانِهِمُ النّاشِئِ عَنِ الحُجَّةِ؛ والبُرْهانِ؛ مِنَ التَّفاوُتِ البَيِّنِ؛ والِاخْتِلافِ الجَلِيِّ؛ كَأنَّهُما مُخْتَلِفانِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ حَتّى في هَيْئَةِ التَّرْكِيبِ؛ الدّالِّ عَلَيْهِما؛ وما فِيهِ مِن تَكْرِيرِ الإسْنادِ لِما في الحُكْمِ بِإيمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الوَجْهِ الآتِي؛ مِن نَوْعِ خَفاءٍ مُحْوِجٍ إلى التَّقْوِيَةِ؛ والتَّأْكِيدِ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهم آمَنَ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ وحْدَهُ؛ مِن غَيْرِ شَرِيكٍ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ؛ والمَعْبُودِيَّةِ؛ ﴿وَمَلائِكَتِهِ﴾؛ أيْ: مِن حَيْثُ إنَّهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ لَهُ (تَعالى)؛ مِن شَأْنِهِمُ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُ (تَعالى) وبَيْنَ الرُّسُلِ؛ بِإنْزالِ الكُتُبِ؛ وإلْقاءِ الوَحْيِ؛ فَإنَّ مَدارَ الإيمانِ بِهِمْ لَيْسَ مِن خُصُوصِيّاتِ ذَواتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ بَلْ هو مِن إضافَتِهِمْ إلَيْهِ (تَعالى) مِنَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّرْتِيبُ في النَّظْمِ؛ ﴿وَكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ: مِن حَيْثُ مَجِيئِهِما مِن عِنْدِهِ (تَعالى) لِإرْشادِ الخَلْقِ إلى ما شُرِعَ لَهم مِنَ الدِّينِ؛ بِالأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ لَكِنْ لا عَلى الإطْلاقِ؛ بَلْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الكُتُبِ مُنْزَلٌ مِنهُ (تَعالى) إلى رَسُولٍ مُعَيَّنٍ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَسْبَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾؛ الآيَةِ.. ولا عَلى أنَّ مَناطَ الإيمانِ خُصُوصِيَّةُ ذَلِكَ الكِتابِ؛ أوْ ذَلِكَ الرَّسُولِ؛ بَلْ عَلى أنَّ الإيمان بالكُلِّ مُنْدَرِجٌ في الإيمان بالكِتابِ المُنْزَلِ إلى الرَّسُولِ ﷺ؛ ومُسْتَنِدٌ إلَيْهِ؛ لِما تُلِيَ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ ولا عَلى أنَّ أحْكامَ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ وشَرائِعَها باقِيَةٌ بِالكُلِّيَّةِ؛ ولا عَلى أنَّ الباقِيَ مِنها مُعْتَبَرٌ بِالإضافَةِ إلَيْها؛ بَلْ عَلى أنَّ أحْكامَ كُلِّ واحِدٍ مِنها كانَتْ حَقَّةً ثابِتَةً؛ إلى وُرُودِ كِتابٍ آخَرَ ناسِخٍ لَهُ؛ وأنَّ ما لَمْ يَنْسَخْ مِنها إلى الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ ثابِتَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها مِن أحْكامِ هَذا الكِتابِ المَصُونِ عَنِ النَّسْخِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا الإيمان باليَوْمِ الآخِرِ؛ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ﴾؛ لِانْدِراجِهِ في الإيمانِ بِكُتُبِهِ؛ وقُرِئَ: "وَكِتابِهِ"؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ القرآن؛ أوْ جِنْسُ الكِتابِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾؛ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمْعِ أنَّهُ شائِعٌ في أفْرادِ الجِنْسِ؛ والجَمْعَ في جُمُوعِهِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: "الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ"؛ وهَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾؛ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ إيذانًا بِكِفايَتِهِ في الإيمانِ الإجْمالِيِّ؛ المُتَحَقِّقِ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُؤْمِنِينَ؛ مِن غَيْرِ نَفْيٍ لِزِيادَةٍ؛ ضَرُورَةَ اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ؛ وتَفاوُتِ إيمانِهِمْ بِالأُمُورِ المَذْكُورَةِ في مَراتِبِ التَّفْصِيلِ؛ تَفاوُتًا فاحِشًا؛ فَإنَّ الإجْمالَ في الحِكايَةِ لا يُوجِبُ الإجْمالَ في المَحْكِيِّ؛ كَيْفَ لا.. وقَدْ أُجْمِلَ في حِكايَةِ إيمانِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ؛ مَعَ بَداهَةِ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِتَفاصِيلِ ما فِيهِ مِنَ الجَلائِلِ؛ والدَّقائِقِ؟! ثُمَّ إنَّ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ (p-275)حَيْثُ كانَتْ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي لا يُوقَفُ عَلَيْها إلّا مِن جِهَةِ العَلِيمِ الخَبِيرِ؛ كانَ الإيمانُ بِها مِصْداقًا لِما ذُكِرَ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ مِنَ الإيمان بالغَيْبِ؛ وأمّا الإيمانُ بِكُتُبِهِ (تَعالى) فَإشارَةٌ إلى ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾؛ هَذا هو اللّائِقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ والحَقِيقُ بِمِقْدارِهِ الجَلِيلِ؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾؛ مَعْطُوفًا عَلى "الرَّسُولُ"؛ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ؛ والضَّمِيرُ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ راجِعٌ إلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: آمَنَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ؛ ثُمَّ فُصِّلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: كُلُّ واحِدٍ مِن "الرَّسُولِ"؛ و"المُؤْمِنِينَ"؛ آمَنَ بِاللَّهِ.. إلَخْ.. خَلا أنَّهُ قُدِّمَ المُؤْمَنُ بِهِ عَلى المَعْطُوفِ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ؛ وإيذانًا بِأصالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الإيمانِ بِهِ؛ ولا يَخْفى أنَّهُ مَعَ خُلُوِّهِ عَمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ مِن كَمالِ إجْلالِ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وتَفْخِيمِ إيمانِهِ؛ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ لِأنَّهُ إنْ حُمِلَ كُلٌّ مِنَ الإيمانَيْنِ عَلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن حَيْثُ الذّاتُ؛ ومِن حَيْثُ التَّعَلُّقُ بِالتَّفاصِيلِ؛ اسْتَحالَ إسْنادُهُما إلى غَيْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وضاعَ التَّكْرِيرُ؛ وإنْ حُمِلا عَلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِ آحادِ الأُمَّةِ؛ كانَ ذَلِكَ حَطًّا لِرُتْبَتِهِ العَلِيَّةِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأمّا حَمْلُهُما عَلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبا إلَيْهِ مِنَ الآحادِ؛ ذاتًا؛ وتَعَلُّقًا؛ بِأنْ يُحْمَلا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ عَلى الإيمانِ العِيانِيِّ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ التَّفاصِيلِ؛ وبِالنِّسْبَةِ إلى آحادِ الأُمَّةِ عَلى الإيمانِ المُكْتَسَبِ؛ مِن جِهَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ اللّائِقِ بِحالِهِمْ في الإجْمالِ؛ والتَّفْصِيلِ؛ فاعْتِسافٌ بَيِّنٌ؛ يَنْبَغِي تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ؛ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ؛ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى؛ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "آمَنَ"؛ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِـ "كُلٌّ"؛ أيْ: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَهم بِأنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضٍ مِنهُمْ؛ ونَكْفُرَ بِآخَرِينَ؛ بَلْ نُؤْمِنُ بِصِحَّةِ رِسالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ قَيَّدُوا بِهِ إيمانَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ؛ وتَخْطِئَةً لِأهْلِ الكِتابَيْنِ؛ حَيْثُ أجْمَعُوا عَلى الكُفْرِ بِالرَّسُولِ ﷺ؛ واسْتَقَلَّتِ اليَهُودُ بِالكُفْرِ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْضًا؛ عَلى أنَّ مَقْصُودَهُمُ الأصْلِيَّ إبْرازُ إيمانِهِمْ بِما كَفَرُوا بِهِ مِن رِسالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لا لِإظْهارِ مُوافَقَتِهِمْ لَهم فِيما آمَنُوا بِهِ؛ وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ القائِلِينَ آحادُ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً؛ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَقُولَ: لا أُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ؛ وهو يُرِيدُ بِهِ إظْهارَ إيمانِهِ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ؛ وتَصْدِيقِهِ في دَعْواها. وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الكُتُبِ لِاسْتِلْزامِ المَذْكُورِ إيّاهُ؛ وإنَّما لَمْ يُعْكَسْ مَعَ تَحَقُّقِ التَّلازُمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِما أنَّ الأصْلَ في تَفْرِيقِ المُفَرِّقِينَ هو الرُّسُلُ؛ وكُفْرُهم بِالكُتُبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِمْ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "كُلٌّ"؛ وقُرِئَ: "لا يُفَرِّقُونَ"؛ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾؛ فالجُمْلَةُ نَفْسُها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ؛ وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ لِـ "كُلٌّ"؛ كَما قِيلَ في القَوْلِ المُقَدَّرِ؛ فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِ الكُلِّيَّةِ بَعْدَ النَّفْيِ؛ دُونَ العَكْسِ؛ إذِ المُرادُ شُمُولُ النَّفْيِ؛ لا نَفْيُ الشُّمُولِ؛ والكَلامُ في هَمْزَةِ "أحَدٍ"؛ وفي دُخُولِ "بَيْنَ" عَلَيْهِ؛ قَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ صَرِيحًا عَلى تَحَقُّقِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهُمْ؛ وبَيْنَ مَن عَداهُ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ رُسُلِهِ؛ وإيثارُ إظْهارِ الرُّسُلِ عَلى الإضْمارِ الواقِعِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ إمّا لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ انْدِراجِ المَلائِكَةِ في الحُكْمِ؛ أوْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ؛ أوْ لِلْإيماءِ إلى عُنْوانِهِ؛ لِأنَّ المُعْتَبَرَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ؛ مِن حَيْثُ الرِّسالَةُ؛ دُونَ سائِرِ الحَيْثِيّاتِ الخاصَّةِ.
﴿وَقالُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "آمَنَ"؛ وصِيغَةُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ جانِبِ المَعْنى؛ وهو حِكايَةٌ لِامْتِثالِهِمْ بِالأوامِرِ؛ إثْرَ حِكايَةِ (p-276)إيمانِهِمْ؛ ﴿سَمِعْنا﴾؛ أيْ: فَهِمْنا ما جاءَنا مِنَ الحَقِّ؛ وتَيَقَّنّا بِصِحَّتِهِ؛ ﴿وَأطَعْنا﴾؛ ما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ وقِيلَ: سَمِعْنا؛ أجَبْنا دَعْوَتَكَ؛ وأطَعْنا أمْرَكَ؛ ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾؛ أيْ: اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ؛ أوْ: نَسْألُكَ غُفْرانَكَ ذُنُوبَنا المُتَقَدِّمَةَ؛ أوْ ما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ التَّقْصِيرِ في مُراعاةِ حُقُوقِكَ؛ وتَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّمْعِ؛ والطّاعَةِ؛ عَلى طَلَبِ الغُفْرانِ؛ لِما أنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أدْعى إلى الإجابَةِ؛ والقَبُولِ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ؛ والجُؤارِ؛ ﴿وَإلَيْكَ المَصِيرُ﴾؛ أيْ: الرُّجُوعُ بِالمَوْتِ؛ والبَعْثِ؛ لا إلى غَيْرِكَ؛ وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ مُقَرِّرٌ لِلْحاجَةِ إلى المَغْفِرَةِ؛ لِما أنَّ الرُّجُوعَ لِلْحِسابِ؛ والجَزاءِ؛ .
البقرة 2:286
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ جِيءَ بِها إثْرَ حِكايَةِ تَلَقِّيهِمْ لِتَكالِيفِهِ (تَعالى) بِحُسْنِ الطّاعَةِ؛ إظْهارًا لِما لَهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ؛ في ضِمْنِ التَّكْلِيفِ؛ مِن مَحاسِنِ آثارِ الفَضْلِ؛ والرَّحْمَةِ ابْتِداءً؛ لا بَعْدَ السُّؤالِ؛ كَما سَيَجِيءُ؛ هَذا.. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ الآيَةُ.. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأتَوْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ بَرَكُوا عَلى الرُّكَبِ؛ فَقالُوا: أيْ رَسُولَ اللَّهِ.. كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ: الصَّلاةُ؛ والصَّوْمُ؛ والحَجُّ؛ والجِهادُ؛ وقَدْ أُنْزِلَ إلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ؛ ولا نُطِيقُها؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ: سَمِعْنا؛ وعَصَيْنا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنا؛ وأطَعْنا؛ غُفْرانَكَ رَبَّنا؛ وإلَيْكَ المَصِيرُ"؛ فَقَرَأها القَوْمُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾»؛ فَمَسْؤُولُهُمُ الغُفْرانُ؛ المُعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾؛ تَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلَيْهِمْ؛ بِبَيانِ أنَّ المُرادَ بِما في أنْفُسِهِمْ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ السُّوءِ خاصَّةً؛ لا ما يَعُمُّ الخَواطِرَ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ الِاحْتِرازُ عَنْها؛ و"التَّكْلِيفُ": إلْزامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ؛ ومَشَقَّةٌ؛ و"الوُسْعُ": ما يَسَعُ الإنْسانَ؛ ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ؛ أيْ: سُنَّتُهُ (تَعالى) أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما يَتَّسِعُ فِيهِ طَوْقُها؛ ويَتَيَسَّرُ عَلَيْها؛ دُونَ مَدى الطّاقَةِ؛ والمَجْهُودِ؛ فَضْلًا مِنهُ (تَعالى)؛ ورَحْمَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾؛ وقُرِئَ: "وَسْعَها"؛ بِالفَتْحِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ؛ لا عَلى امْتِناعِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾: لِلتَّرْغِيبِ في المُحافَظَةِ عَلى مَواجِبِ التَّكْلِيفِ؛ والتَّحْذِيرِ عَنِ الإخْلالِ بِها؛ بِبَيانِ أنَّ تَكْلِيفَ كُلِّ نَفْسٍ؛ مَعَ مُقارَنَتِهِ لِنِعْمَةِ التَّخْفِيفِ؛ والتَّيْسِيرِ؛ تَتَضَمَّنُ مُراعاتَهُ مَنفَعَةً زائِدَةً؛ وأنَّها تَعُودُ إلَيْها؛ لا إلى غَيْرِها؛ ويَسْتَتْبِعُ الإخْلالُ بِهِ مَضَرَّةً تَحِيقُ بِها؛ لا بِغَيْرِها؛ فَإنَّ اخْتِصاصَ مَنفَعَةِ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى تَحْصِيلِهِ؛ واقْتِصارُ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِ مِن أشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ مُباشَرَتِهِ؛ أيْ: لَها ثَوابُ ما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ؛ والَّذِي كُلِّفَتْ فِعْلَهُ؛ لا لِغَيْرِها؛ اسْتِقْلالًا؛ أوِ اشْتِراكًا؛ ضَرُورَةَ شُمُولِ كَلِمَةِ "ما" لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ مَكْسُوبِها؛ وعَلَيْها - لا عَلى غَيْرِها؛ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ - عِقابُ ما اكْتَسَبَتْ مِنَ الشَّرِّ؛ الَّذِي كُلِّفَتْ تَرْكَهُ؛ وإيرادُ (p-277)الِاكْتِسابِ في جانِبِ الشَّرِّ لِما فِيهِ مِنَ اعْتِمالٍ ناشِئٍ مِنَ اعْتِناءِ النَّفْسِ بِتَحْصِيلِ الشَّرِّ؛ وسَعْيِها في طَلَبِهِ.
﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾: شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ دَعَواتِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ سِرِّ التَّكْلِيفِ؛ أيْ: لا تُؤاخِذْنا بِما صَدَرَ عَنّا مِنَ الأُمُورِ المُؤَدِّيَةِ إلى النِّسْيانِ؛ أوِ الخَطَإ؛ مِن تَفْرِيطٍ؛ وقِلَّةِ مُبالاةٍ؛ ونَحْوِهِما؛ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ؛ أوْ بِأنْفُسِهِما؛ مِن حَيْثُ تَرَتُّبِهِما عَلى ما ذُكِرَ؛ أوْ مُطْلَقًا؛ إذْ لا امْتِناعَ في المُؤاخَذَةِ بِهِما؛ عَقْلًا؛ فَإنَّ المَعاصِيَ كالسُّمُومِ؛ فَكَما أنَّ تَناوُلَها - ولَوْ سَهْوًا؛ أوْ خَطَأً - مُؤَدٍّ إلى الهَلاكِ؛ فَتَعاطِي المَعاصِي أيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُفْضِيَ إلى العِقابِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزِيمَةٍ؛ ووَعْدُهُ (تَعالى) بِعَدَمِهِ لا يُوجِبُ اسْتِحالَةَ وُقُوعِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ فَضْلِهِ (تَعالى) ورَحْمَتِهِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الرَّفْعُ في قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ؛ والنِّسْيانُ"؛» وقَدْ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا نَسُوا شَيْئًا عُجِّلَتْ لَهُمُ العُقُوبَةُ؛ فَدُعاؤُهم بَعْدَ العِلْمِ بِتَحَقُّقِ المَوْعُودِ لِلِاسْتِدامَةِ؛ والِاعْتِدادِ بِالنِّعْمَةِ في ذَلِكَ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ .
﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ وتَوْسِيطُ النِّداءِ بَيْنَهُما لِإبْرازِ مَزِيدِ الضَّراعَةِ؛ و"الإصْرُ": العِبْءُ الثَّقِيلُ؛ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ؛ أيْ: يَحْبِسُهُ مَكانَهُ؛ والمُرادُ بِهِ التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ؛ وقِيلَ: "الإصْرُ": الذَّنْبُ الَّذِي لا تَوْبَةَ لَهُ؛ فالمَعْنى: اعْصِمْنا مِنَ اقْتِرافِهِ؛ وقُرِئَ: "آصارًا"؛ وقُرِئَ: "وَلا تُحَمِّلْ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا؛ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ "إصْرًا"؛ أيْ: إصْرًا مِثْلَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلْتَهُ عَلى مَن قَبْلَنا؛ وهو ما كُلِّفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ؛ مِن بَخْعٍ النَّفْسِ في التَّوْبَةِ؛ وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ؛ وخَمْسِينَ صَلاةً في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ؛ وصَرْفِ رُبُعِ المالِ لِلزَّكاةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّشْدِيداتِ؛ فَإنَّهم كانُوا إذا أتَوْا بِخَطِيئَةٍ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّعامِ بَعْضُ ما كانَ حَلالًا لَهُمْ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾؛ وقَدْ عَصَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ؛ وأنْزَلَ في شَأْنِهِمْ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾؛ وقالَ ﷺ: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ؛ السَّمْحَةِ"؛» وعَنِ العُقُوباتِ الَّتِي عُوقِبَ بِها الأوَّلُونَ؛ مِنَ المَسْخِ؛ والخَسْفِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَ ﷺ: « "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَسْفُ؛ والمَسْخُ؛ والغَرَقُ".»
﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ واسْتِعْفاءٌ عَنِ العُقُوباتِ؛ الَّتِي لا تُطاقُ؛ بَعْدَ الِاسْتِعْفاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْها التَّفْرِيطُ فِيهِ؛ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ؛ الَّتِي لا يَكادُ مَن كُلِّفَها يَخْلُو عَنِ التَّفْرِيطِ فِيها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُكَلِّفْنا تِلْكَ التَّكالِيفَ؛ ولا تُعاقِبْنا بِتَفْرِيطِنا في المُحافَظَةِ عَلَيْها؛ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِ العُقُوباتِ بِالتَّحْمِيلِ؛ بِاعْتِبارِ ما يُؤَدِّي إلَيْها؛ وقِيلَ: هو تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ؛ وتَصْوِيرٌ لِلْإصْرِ بِصُورَةِ ما لا يُسْتَطاعُ؛ مُبالَغَةً؛ وقِيلَ: هو اسْتِعْفاءٌ عَنِ التَّكْلِيفِ بِما لا تَفِي بِهِ الطّاقَةُ البَشَرِيَّةُ حَقِيقَةً؛ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى جَوازِهِ عَقْلًا؛ وإلّا لَما سُئِلَ التَّخَلُّصُ عَنْهُ؛ والتَّشْدِيدُ هَهُنا لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ؛ ﴿واعْفُ عَنّا﴾؛ أيْ: آثارَ ذُنُوبِنا؛ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾؛ واسْتُرْ عُيُوبَنا؛ ولا تَفْضَحْنا عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ؛ ﴿وارْحَمْنا﴾؛ وتَعَطَّفْ بِنا؛ وتَفَضَّلْ عَلَيْنا؛ وتَقْدِيمُ طَلَبِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى طَلَبِ الرَّحْمَةِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ سابِقَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾؛ سَيِّدُنا؛ ونَحْنُ عَبِيدُكَ؛ أوْ: ناصِرُنا؛ أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِنا؛ ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ فَإنَّ مِن حَقِّ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ عَبْدَهُ؛ ومَن يَتَوَلّى أمْرَهُ؛ عَلى الأعْداءِ؛ والمُرادُ بِهِ عامَّةُ الكَفَرَةِ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إعْلاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ؛ والجِهادَ في سَبِيلِهِ (تَعالى)؛ حَسْبَما أمَرَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ غايَةُ مَطالِبِهِمْ؛ رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا دَعا (p-278)بِهَذِهِ الدَّعَواتِ؛ قِيلَ لَهُ - عِنْدَ كُلِّ دَعْوَةٍ -: "قَدْ فَعَلْتُ"؛» وعَنْهُ ﷺ: « "أنْزَلَ اللَّهُ آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؛ كَتَبَهُما الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ عامٍ؛ مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الأخِيرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ"؛» وعَنْهُ ﷺ: « "مَن قَرَأ آيَتَيْنِ مِن سُورَةِ "البَقَرَةِ" كَفَتاهُ"؛» وهو حُجَّةٌ عَلى مَنِ اسْتَكْرَهَ أنْ يَقُولَ: سُورَةُ "البَقَرَةِ"؛ وقالَ: يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ؛ كَما «قالَ ﷺ: "السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ فُسْطاطُ القرآن؛ فَتَعَلَّمُوها؛ فَإنَّ تَعَلُّمَها بَرَكَةٌ؛ وتَرْكَها حَسْرَةٌ؛ ولَنْ تَسْتَطِيعَها البَطَلَةُ"؛ قِيلَ: وما البَطَلَةُ؟ قالَ ﷺ: "السحرةُ"»